الحاوي الكبيرصفحات 83-114
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ الْإِقْرَارِ

صفحات 83-114
عن هذه الطبعة
عَلَم
الماوردي
الكتاب
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
المؤلف
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
المحقق
الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1419 هـ -1999 م
عدد الأجزاء
19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فَأَمَّا الِاسْتِحْقَاقُ بِكَوْنِ الْمَبِيعِ مَغْصُوبًا فَوَجَبَ الرُّجُوعُ بِالثَّمَنِ عَلَى ضَامِنِ الدَّرْكِ وَالْمُشْتَرِي مُخَيَّرٌ بَيْنَ الرُّجُوعِ عَلَى الضَّامِنِ أَوِ الْبَائِعِ؟ وَأَمَّا الْإِقَالَةُ فَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ فِيهَا عَلَى الْبَائِعِ دُونَ ضَامِنِ الدَّرْكِ لِأَنَّ الرُّجُوعَ بِالثَّمَنِ فِيهَا مُسْتَحَقٌّ بِتَرَاضِيهِمَا فَلَمْ يُضْطَّرَّ الْمُشْتَرِي إِلَى اسْتِدْرَاكِ حَقِّهِ بِضَمَانِ الدَّرْكِ.
وَأَمَّا الْفَسْخُ بِالْعَيْبِ فَفِي الرُّجُوعِ بِالثَّمَنِ عَلَى ضَامِنِ الدَّرْكِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُرْجَعُ بِهِ عَلَى ضَامِنِ الدَّرْكِ لِأَنَّهُ يُرْجَعُ بِهِ جَبْرًا مِنْ غَيْرِ تَرَاضٍ فَصَارَ كَالِاسْتِحْقَاقِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُرْجَعُ بِهِ عَلَى صَاحِبِ الدرك لأن رده واستحقاق ثمنه عن رضى منه واختيار كالإقالة.
وهكذا الرجوع بأرض الْعَيْبِ عَلَى ضَامِنِ الدَّرْكِ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ كَأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ جُزْءٍ مِنَ الثَّمَنِ.

فَصْلٌ

: فَأَمَّا اسْتِحْقَاقُ بَعْضِ الْمَبِيعِ فَمُوجِبٌ لِبُطْلَانِ الْبَيْعِ فِيهِ وَفِي بطلانه في باقيه قَوْلَانِ مِنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
أَحَدُهُمَا: بَاطِلٌ فِي الْجَمِيعِ، فَعَلَى هَذَا يُرْجَعُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ عَلَى ضَامِنَ الدَّرْكِ.
وَالثَّانِي: بَاطِلٌ فِي الْمُسْتَحَقِّ صَحِيحٌ فِي الْبَاقِي، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ اسْتِحْقَاقُ بَعْضِهِ عَيْبًا فِي بَاقِيهِ فَيَكُونُ بِالْخِيَارِ فِيهِ، فَإِنْ أَقَامَ عَلَيْهِ رَجَعَ بِثَمَنِ الْقَدْرِ الْمُسْتَحَقِّ عَلَى ضَامِنِ الدَّرْكِ وَإِنْ فَسَخَهُ رَجَعَ عَلَيْهِ بِثَمَنِ الْمُسْتَحَقِّ، وَهَلْ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِثَمَنِ مَا فُسِخَ فِيهِ الْبَيْعُ من باقيه؟ على ما ذكرناه من وجهين: فَصْلٌ : وَإِذَا ابْتَاعَ الرَّجُلُ أَرْضًا فَبَنَى فِيهَا وَغَرَسَ ثُمَّ اسْتُحِقَّتْ مِنْهُ فَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي حُكْمِ غَرْسِ الْمُشْتَرِي وَبِنَائِهِ، فَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ: لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرْجِعَ بِقِيمَتِهِ قَائِمًا عَلَى الْبَائِعِ وَيَكُونُ الْمُسْتَحِقُّ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَخْذِ الْغَرْسِ مِنَ الْبَائِعِ وَقِيمَتِهِ مَقْلُوعًا وَبَيْنَ إِجْبَارِهِ عَلَى قَلْعِهِ.
وَقَالَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ إِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي جَاهِلًا بِالْغَصْبِ عِنْدَ غَرْسِهِ وَبِنَائِهِ كَانَ الْمُشْتَرِي مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يُعْطِيَهُ قِيمَةَ ذَلِكَ قَائِمًا أَوْ يُقِرَّهُ فَيَكُونُ شَرِيكًا لَهُ فِي الْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا أَخَذَ بِالْقَلْعِ لِأَنَّهُ تَعَدَّى عَلَى الْبَائِعِ فِي الْحَالَيْنِ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مَأْخُوذٌ بِقَلْعِ غَرْسِهِ وَبِنَائِهِ وَغَرِمَ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَةِ الْأَرْضِ بِقَلْعِهِ عَالِمًا بِالْحَالِ أَوْ جَاهِلًا، ثُمَّ لَهُ إِنْ كَانَ جَاهِلًا بِالْحَالِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْبَائِعِ بِمَا بَيْنَ قِيمَةِ غَرْسِهِ وَبِنَائِهِ قَائِمًا وَمَقْلُوعًا وَبِمَا غَرِمَ مِنْ نَقْصِ الْأَرْضِ بِالْقَلْعِ لِأَنَّهُ قَدْ أَلْجَأَهُ

بِالْغُرُورِ إِلَى الْتِزَامِ ذَلِكَ وَلَا رُجُوعَ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْهُ إِنْ كَانَ عَالِمًا وَهَذَا أَصَحُّ الْمَذَاهِبِ اطِّرَادًا وَأَقْوَاهَا حِجَاجًا ثُمَّ لَا رُجُوعَ لِلْمُشْتَرِي بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَى ضَامِنِ الدَّرْكِ بِحَالٍ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ بِغُرْمٍ وَجَبَ بِالْغُرُورِ وَلَيْسَ يضمن مستحق العقد.

مسألة:

قال الشافعي رضي الله عنه: " ولو أقر أعجمي بأعجمية كان كالإقرار بالعربية العقل فهو على الصحة حتى يعلم غيرها ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاخْتِلاَفِ ألْسِنَتَكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ (الروم: 22) ، وَلِأَنَّ الْكَلَامَ مَوْضُوعٌ لِيُبَيِّنَ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ عَنْ غَرَضِهِ فَاسْتَوَى فِيهِ كُلُّ كَلَامٍ فُهِمَ عَنْ قَائِلِهِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ إِيمَانُ الْأَعْجَمِيِّ بِلِسَانِهِ كَالْعَرَبِيِّ اقْتَضَى أَنْ يَكُونَ إِقْرَارُهُ بِلِسَانِهِ كَالْعَرَبِيِّ فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَسَوَاءٌ أَقَرَّ بِالْأَعْجَمِيَّةِ وَهُوَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ أَمْ لَا فِي لُزُومِ إِقْرَارِهِ لَهُ، وَهَكَذَا الْعَرَبِيُّ إِذَا أَقَرَّ بِالْأَعْجَمِيَّةِ لَزِمَهُ إِقْرَارُهُ فَأَمَّا الْعَرَبِيُّ الَّذِي لَا يُحْسِنُ بِالْأَعْجَمِيَّةِ إِذَا أَقَرَّ بِالْأَعْجَمِيَّةِ أَنَّهُ يُسْأَلُ: هَلْ قَصَدَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قَالَ: أَعْرِفُهُ، لَزِمَهُ إِقْرَارُهُ، وَإِنْ قَالَ: لَسْتُ أَعْرِفُهُ وَإِنَّمَا جَرَى لِسَانِي بِهِ قُبِلَ مِنْهُ وَلَمْ يَلْزَمْهُ.
وَهَكَذَا الْأَعْجَمِيُّ إِذَا أَقَرَّ بِالْعَرَبِيَّةِ سُئِلَ، فَإِنْ قَالَ: عَرَفْتُ مَعْنَى مَا تَكَلَّمْتُ بِهِ لَزِمَهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ لَمْ يَلْزَمْهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

: وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْأَعْجَمِيَّةِ لَازِمٌ لَمْ يَخْلُ حَالُ الْحَاكِمِ الْمُقَرِّ عِنْدَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِلِسَانِهِ أَمْ لَا.
فَإِذَا كَانَ عَارِفًا بِهِ اكْتَفَى بِمَعْرِفَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ احْتَاجَ إِلَى تُرْجُمَانٍ يُتَرْجِمُ لَهُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ وَاخْتَلَفُوا فِي عَدَدِهِ، فَقَالَ أبو حنيفة: يُجَزِئُ تُرْجُمَانٌ وَاحِدٌ وَأَجْرَاهُ مَجْرَى الْخَبَرِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يجزي أَقَلُّ مِنْ تُرْجُمَانَيْنِ اعْتِبَارًا بِالشَّهَادَةِ لِمَا فِي التَّرْجَمَةِ مِنْ إِثْبَاتٍ لِمَا لَمْ يَعْلَمْهُ لِيُجْبَرَ عَلَى الْحُكْمِ وَخَالَفَ مَعْنَى الْخَبَرِ الَّذِي يَسْتَوِي فيه المُخْبِرُ والمُخْبَرُ.
مسألة قال الشافعي رضي الله عنه: " ولو شهدوا على إقراره ولم يقولوا بأنه صحيح ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ وَالْأَوْلَى بِالشُّهُودِ إِذَا شَهِدُوا عَلَى إِقْرَارِهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَلَمْ يَسْتَوْفُوا الشَّهَادَةَ بِمَا يَنْفِي عَنْهَا الِاحْتِمَالَ فَيَقُولُونَ: أَشْهَدْنَا وَهُوَ صَحِيحُ الْعَقْلِ جَائِزُ التَّصَرُّفِ فَإِنْ أَطْلَقُوا الشَّهَادَةَ فَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهَا صِحَّةَ الْعَقْلِ وَجَوَازَ الْأَمْرِ جَازَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِهَا مَا لَمْ يَعْلَمْ خِلَافَهَا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: لَا يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ بِهَا لِاحْتِمَالٍ أَنْ يَكُونَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مَجْنُونًا أَوْ مُكْرَهًا.
وَهَذَا خَطَأٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْحُكْمَ يَتَعَلَّقُ بِالْأَغْلَبِ مِنْ ظَاهِرِ الْحَالِ وَالْأَغْلَبُ السَّلَامَةُ وَالصِّحَّةُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الظَّاهِرَ من حال الشهود أنهم لا يؤدوا مَا تَحَمَّلُوا إِلَّا عِنْدَ وُجُوبِ إِثْبَاتِهِ وَلُزُومِ الْحُكْمِ بِهِ غَيْرَ أَنَّ الْأَوْلَى بِالْحَاكِمِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ أَنْ يَأْمُرَ الشُّهُودَ بِإِكْمَالِ الشَّهَادَةِ مِنْ غَيْرِ تَلْقِينٍ لَهُمْ لِيَزُولَ الْخِلَافُ وَيَنْتَفِيَ الِاحْتِمَالُ.
وَإِنْ جَازَ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الْحُكْمِ بِهَا: فَإِنِ ادَّعَى الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ الْجُنُونَ عِنْدَ الْإِشْهَادِ عَلَيْهِ لَمْ يَقْبَلْ دَعْوَاهُ وَحَكَمَ عَلَيْهِ بِالصِّحَّةِ حَتَّى يَعْلَمَ خِلَافَهَا لِأَنَّهَا أَصْلٌ وَالْجُنُونَ عَارِضٌ.
وَلَوِ ادَّعَى الْإِكْرَاهَ قَالَ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ: يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَفَرَّقَ بَيْنَ الْجُنُونِ وَالْإِكْرَاهِ لِأَنَّ أَحْكَامَ الْمُكْرَهِ مُخْتَلَفٌ فِيهَا وَأَحْكَامَ الْمَجْنُونِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا.
وَهَذَا عِنْدِي لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ مَا احْتَمَلَتْهُ الشَّهَادَةُ مِنْ مَعَانِي الرَّدِّ فَهُوَ مَانِعٌ مِنْ قَبُولِهَا كَالْجَهَالَةِ بِالْعَدَالَةِ وَفِي إِنْفَاذِ الْحُكْمِ بِهَا مَانِعٌ مِنِ احْتِمَالِ الْإِكْرَاهِ كَمَا فِي إِنْفَاذِهِ مَانِعٌ مِنِ احْتِمَالِ الْجُنُونِ وَلَوْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ فَقْدَ الْعَقْلِ أَظْهَرَ لَكَانَ أَعْذَرَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْحَالَيْنِ عُذْرٌ.

فَصْلٌ

: وَإِذَا قَالَ: لِفُلَانٍ فِي هَذِهِ الدَّارِ حَقٌّ، وَأَخَذَهُ الْحَاكِمُ بِالْبَيَانِ فَقَالَ: هُوَ باب أو جذع أو قماش أو إيجارة سَنَةٍ، قُبِلَ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.
وَقَالَ أبو حنيفة: لَا أَقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ حَتَّى حقاً فِي الشَّرِكَةِ كَمَا لَوْ قَالَ: لَهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ سَهْمٌ.
وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِوُضُوحِ الفرق بينهما لأن السهم شَائِعٌ وَالْحَقَّ مُتَمَيِّزٌ.
فَصْلٌ : وَلَوْ قَالَ: لِفُلَانٍ عليّ ألف إلا مئة قَضَيْتُهُ إِيَّاهَا، قَالَ أبو حنيفة: يَكُونُ مُقِرًّا بالألف مدعياً لقضاء مائة فألزمه الألف وإلا أَقْبَلُ مِنْهُ دَعْوَى الْقَضَاءِ فَجُعِلَ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْقَضَاءِ دُونَ الْمَقْضِيِّ.
وَعَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ يكون استثناءاً صَحِيحًا يَرْجِعُ إِلَى الْمَقْضِيِّ دُونَ الْقَضَاءِ وَصْفًا وَسَبَبًا لِصِحَّتِهِ وَلَوْ أَمْسَكَ عَنْهُ وَعُدِمَ مَا ذَكَرَهُ مُنِعَ مِنْهُ فَيَصِيرُ مُقِرًّا بِتِسْعِمِائَةٍ قَدِ ادَّعَى قَضَاءَهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

باب إقرار الوارث بوارث

ٍ

مسألة

قَالَ الشَّافِعِيُّ: رَحِمَهُ اللَّهُ: " الَّذِي أَحْفَظُ مِنْ قَوْلِ الْمَدَنِيِّينَ فِيمَنْ تَرَكَ ابْنَيْنِ فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بأخٍ أَنَّ نَسَبَهُ لَا يَلْحَقُ وَلَا يَأْخُذُ شَيْئًا لِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِمَعْنَى إِذَا ثَبَتَ وَرِثَ وَوَرَّثَ فَلَمَّا لَمْ يَثْبُتْ بِذَلِكَ عَلَيْهِ حق لَمْ يَثْبُتْ لَهُ وَهَذَا أَصَحُّ مَا قِيلَ عندنا والله أعلم وذلك مثل أن يقر أنه باع داراً من رجلٍ بألفٍ فجحد المقر له البيع فلم نعطه الدار وإن أقر صاحبها له وذلك أنه لم يقل إنها ملكٌ له إلا ومملوكٌ عليه بها شيءٌ فلما سقط أن يكون مملوكاً عليه سقط الإقرار لَهُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا مَاتَ رَجُلٌ وَتَرَكَ ابْنَيْنِ فَادَّعَى ثَالِثٌ أَنَّهُ ابْنُ الْمَيِّتِ وَأَخُو الِابْنَيْنِ، فَلِصِحَّةِ دَعْوَاهُ شَرْطَانِ إِنْ لَمْ يُوجَدَا بَطَلَتْ: أَحَدُ الشَّرْطَيْنِ: أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ يَجُوزُ أَنْ يُولَدَ لِمِثْلِ الْمَيِّتِ بِأَنْ يَكُونَ بَيْنَ سِنَّيْهِمَا زَمَانٌ أَقَلُّهُ عَشْرُ سِنِينَ فَصَاعِدًا لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُولَدَ لِمَنْ لَهُ أَقَلُّ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ.
فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَقَلُّ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ فَدَعْوَاهُ مَرْدُودَةٌ لِاسْتِحَالَتِهَا.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعِي مَجْهُولَ النَّسَبِ لِيَصِحَّ أَنْ يَلْحَقَ نَسَبُهُ بِمَنْ يَدَّعِيهِ فَإِنْ كَانَ مَعْرُوفَ النَّسَبِ فَدَعْوَاهُ مَرْدُودَةٌ لِبُطْلَانِهَا.
فَإِذَا اجْتَمَعَ الشَّرْطَانِ صَحَّتِ الدَّعْوَى وَسُمِعَتْ عَلَى الِابْنَيْنِ وَلَا يَخْلُو حَالُ الِابْنَيْنِ فِي جَوَازِ الدَّعْوَى مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: إِمَّا أَنْ يُقِرَّا بِهِ.
أَوْ يُنْكِرَاهُ.
أَوْ يُقِرَّ بِهِ أَحَدُهُمَا وينكره الآخر.
فإذا أقر بِهِ ثَبَتَ نَسَبُهُ وَشَارَكَهُمَا فِي الْإِرْثِ وَنَحْنُ نَذْكُرُ الْخِلَافَ فِيهِ مِنْ بَعْدُ.
وَإِنْ أَنْكَرَاهُ فَإِنْ كَانَ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ سُمِعَتْ وَهِيَ إِنْ كَانَتْ عَلَى إِقْرَارِ الْمَيِّتِ عَدْلَانِ لَا غَيْرَ، وَإِنْ كَانَتْ وِلَادَتُهُ عَلَى فِرَاشِهِ فَعَدْلَانِ أَوْ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ يَشْهَدْنَ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ ثم يحكم

لَهُ بِثُبُوتِ النَّسَبِ وَاسْتِحْقَاقِ الْإِرْثِ، فَإِنْ مَاتَ الْمُدَّعِي لَمْ يَسْتَحِقَّ الِابْنَانِ إِرْثَهُ مَا أَقَامَا عَلَى الْإِنْكَارِ فَإِنْ رَجَعَا عَنْهُ إِلَى الِاعْتِرَافِ بِهِ وَرِثَاهُ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ أُحْلِفَ الِابْنَانِ عَلَى إِنْكَارِ نَسَبِهِ عَلَى الْعِلْمِ دُونَ الْبَتِّ فَإِنْ حَلَفَا فَهُوَ مَدْفُوعُ النَّسَبِ عَنْهُمَا، وَإِنْ نَكَلَا رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَيْهِ.
فَإِنْ حَلَفَ فَيَمِينُهُ عَلَى الْبَتِّ دُونَ الْعِلْمِ لِأَنَّهَا يَمِينُ إِثْبَاتٍ وَثَبَتَ نَسَبُهُ وَاسْتَحَقَّ الْإِرْثَ، وَإِنْ نَكَلَ فَهُوَ مَدْفُوعُ النَّسَبِ عَنْهُمَا، وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا قَدْ حَلَفَ وَنَكَلَ الْآخَرُ لَمْ تُرَدَّ يَمِينُهُ عَلَى الْمُدَّعِي لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِهَا نَسَبٌ وَلَا يُسْتَحَقُّ بِهَا إِرْثٌ.

فَصْلٌ

: وَأَمَّا إِنْ أَقَرَّ بِهِ أَحَدُ الِابْنَيْنِ وَأَنْكَرَهُ الْآخَرُ فَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ فَيَسْتَحِقُّ إِحْلَافَ الْمُنْكِرِ، وَلَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ إِجْمَاعًا مَا لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُنْكِرِ نُكُولٌ.
وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَسْتَحِقُّ مُشَارَكَةَ الْمُقِرِّ فِي الْمِيرَاثِ؟ فَقَالَ مَالِكٌ وأبو حنيفة يَسْتَحِقُّ مُشَارَكَتَهُ، ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْهُ.
فَقَالَ أبو حنيفة: يَسْتَحِقُّ نِصْفَهُ، وَقَالَ مَالِكٌ: يَسْتَحِقُّ ثُلُثَهُ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ مِنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ: أَنَّ الْمُقَرَّ بِهِ لَا يَسْتَحِقُّ مِنْ مِيرَاثِ الْمُقِرِّ شَيْئًا.
وَأَرَادَ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ (وَالَّذِي أَحْفَظُ مِنْ قَوْلِ الْمَدَنِيِّينَ) مَنْ تَقَدَّمَ مَالِكًا مِنَ الْفُقَهَاءِ لِأَنَّهُ عَاصَرَ مَالِكًا فَرَدَّ قَوْلَهُ وَبَيَّنَ أَنَّهُ خَالَفَ مَنْ قَبْلَهُ.
وَاسْتَدَلَّ مَنْ جَعَلَ الْمُقَرَّ بِهِ وَارِثًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَسَبُهُ ثَابِتًا بِأَنَّ الْإِقْرَارَ تَضْمَّنَ شَيْئَيْنِ: نَسَبًا وَإِرْثًا.
فَإِذَا رَدَّ إِقْرَارَهُ بِالنَّسَبِ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ لَمْ يُوجِبْ رَدَّ إِقْرَارِهِ بِالْمِيرَاثِ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ.
وَالْأُصُولُ تشهد لِصِحَّتِهِ أَلَا تَرَى لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: بِعْتُكَ نَفْسَكَ بِأَلْفٍ وَأَنْكَرَ الْعَبْدُ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ عَلَى الْعَبْدِ بِادِّعَاءِ الْأَلْفِ عَلَيْهِ وَلَزِمَهُ إِقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ فِي وُقُوعِ الْعِتْقِ.
وَلَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ خَالَعْتُكِ عَلَى أَلْفٍ وَأَنْكَرَتْ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ عَلَى زَوْجَتِهِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْأَلْفِ وَلَزِمَهُ إِقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ، وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ أُخْتِي مِنَ الرَّضَاعَةِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ عَلَيْهَا فِي سُقُوطِ الْمَهْرِ وَلَزِمَهُ إِقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ بِالتَّحْرِيمِ.
وَلَوِ ادَّعَى بَيْعَ شِقْصٍ مِنْ دَارٍ عَلَى رَجُلٍ أَنْكَرَهُ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ عَلَيْهِ فِي ادِّعَاءِ الثَّمَنِ وَلَزِمَهُ إِقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ فِي تَسْلِيمِ الشِّقْصِ بِالشُّفْعَةِ.
قَالُوا فَكَانَتْ شَوَاهِدُ الْأُصُولِ تُوجِبُ قِيَاسًا عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنِ اسْتِحْقَاقِهِ الْإِرْثَ مَعَ انْتِفَاءِ النَّسَبِ.

وَتَحْرِيرُ ذَلِكَ قِيَاسًا أَنَّهُ إِقْرَارٌ يُفْضِي إِلَى ثُبُوتِ حَقَّيْنِ يَخْتَصُّ بِأَحَدِهِمَا فَجَازَ إِذَا انْتَفَى مَا يَخْتَصُّ بِغَيْرِهِ أَنْ يُلْزِمَهُ مَا اخْتَصَّ بِنَفْسِهِ كَالشَّوَاهِدِ الْمَذْكُورَةِ.
قَالُوا: وَلِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالنَّسَبِ قَدْ يُوجِبُ أَحْكَامًا ثَلَاثَةً: مِنْهَا الْعِتْقُ.
وَمِنْهَا التَّحْرِيمُ.
وَمِنْهَا الْمِيرَاثُ.
ثُمَّ كَانَ الْعِتْقُ وَالتَّحْرِيمُ قَدْ يَثْبُتَانِ مَعَ انْتِفَاءِ مُوجِبِهِمَا مِنَ النَّسَبِ حَتَّى لَوْ أَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِأُخُوَّةِ عَبْدٍ تَرَكَهُ أبوه، عتق وإن لَمْ يَثْبُتْ إِقْرَارُهُ بِنَسَبِهِ.
وَمَنْ أَقَرَّ بِأُخُوَّةِ امْرَأَةٍ أَنْكَرَتْهُ حَرُمَتْ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمِيرَاثُ بِمَثَابَتِهِمَا فِي اسْتِحْقَاقِهِ مَعَ انْتِفَاءِ مُوجِبِهِ مِنَ النَّسَبِ، وَيَتَحَرَّرُ مِنِ اعْتِلَالِ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ قِيَاسَانِ: أَحَدُهُمَا: أن مَا أَوْجَبَهُ ثُبُوتُ النَّسَبِ جَازَ أَنْ يَثْبُتَ مَعَ انْتِفَائِهِ كَالْعِتْقِ وَالتَّحْرِيمِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَا أَوْجَبَ عِتْقَ النَّسَبِ وَتَحْرِيمَهُ أَوْجَبَ إِرْثَهُ كَالنَّسَبِ.
قَالُوا: وَلِأَنَّ الْإِرْثَ قَدْ يُسْتَحَقُّ بِنَسَبٍ وَسَبَبٍ فَلَمَّا كَانَ اعْتِرَافُ أَحَدِهِمَا بِالزَّوْجِيَّةِ يُوجِبُ إِرْثَهَا مِنْ حَقِّهِ وَإِنْ لَمْ تَثْبُتِ الزَّوْجِيَّةُ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ اعْتِرَافُهُ بِالنَّسَبِ يُوجِبُ إِرْثَهُ مِنْ حَقِّهِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتِ النَّسَبُ.
وَيَتَحَرَّرُ مِنْ هَذَا الِاعْتِلَالِ قِيَاسَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَا أَوْجَبَ الْإِرْثَ مَعَ ثُبُوتِهِ جَازَ أَنْ يُوجِبَهُ مَعَ عَدَمِ ثُبُوتِهِ كَالزَّوْجِيَّةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ إِقْرَارٌ أَوْجَبَ الْإِرْثَ بِالزَّوْجِيَّةِ فَاقْتَضَى أَنْ يُوجَبَ الْإِرْثُ بِالنَّسَبِ كَإقرَارِهِمَا.
قَالُوا: وَلِأَنَّ التَّرِكَةَ قَدْ تُسْتَحَقُّ بِسَبَبَيْنِ إِرْثٍ وَدَيْنٍ، فَلَمَّا كَانَ إِقْرَارُ أَحَدِهِمَا بِالدَّيْنِ يُوجِبُ عَلَيْهِ الْتِزَامَ حِصَّتِهِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ إِقْرَارُهُ بِالْإِرْثِ يُوجِبُ عَلَيْهِ الْتِزَامَ حِصَّتِهِ.
وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا أَنَّ كُلَّ مَنِ اسْتُحِقَّتْ بِهِ التَّرِكَةُ جَازَ أَنْ يَثْبُتَ إِقْرَارُ أَحَدِهِمَا بِالدَّيْنِ.

فَصْلٌ

: وَدَلِيلُنَا عَلَى ذَلِكَ مِنْ سَبْعَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: قَوْله تَعَالَى: ﴿يُوْصِيكُمْ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَكِرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ (النساء: 11) .

فَأُثْبِتَ الْمِيرَاثُ لِلِابْنِ فَإِذَا لَمْ تَثْبُتِ الْبُنُوَّةُ لَمْ يَثْبُتِ الْمِيرَاثُ.
وَالدَّلِيلُ الثَّانِي: أَنَّ النَّسَبَ يُوجِبُ التَّوَارُثَ بَيْنَ الْمُتَنَاسِبَيْنِ فَيَرِثُ بِهِ وَيُورَثُ فَلَمَّا لَمْ يَرِثْ بِهَذَا الْإِقْرَارِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُورَثَ بِهِ.
وَيَتَحَرَّرُ مِنَ اعْتِلَالِ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ قِيَاسَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إِرْثٌ مُسْتَحَقٌّ بِنَسَبٍ فَوَجَبَ أَنْ يَنْتَفِيَ مَعَ انْتِفَاءِ النَّسَبِ كَإِرْثِ الْمُقِرِّ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ إِقْرَارٌ بِنَسَبٍ يَمْنَعُ مِنْ أَنْ يَسْتَحِقَّ بِهِ إِرْثًا فَوَجَبَ أَنْ يُمْنَعَ مِنْ أَنْ يَلْتَزِمَ بِهِ إِرْثًا كَالْإِقْرَارِ بِمَعْرُوفِ النَّسَبِ.
وَالدَّلِيلُ الثَّالِثُ: أَنَّ ثُبُوتَ النَّسَبِ بِالْإِقْرَارِ قَدْ يَمْتَنِعُ تَارَةً مِنْ جِهَةِ الْمُقِرِّ إِذَا لَمْ يَكْمُلْ عَدَدُ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ، وَتَارَةً مِنْ جِهَةِ الْمُقَرِّ بِهِ إِذَا أَنْكَرَ الْإِقْرَارَ فَلَمَّا كَانَ انْتِفَاءُ النَّسَبِ بِإِنْكَارِ الْمُقِرِّ بِهِ يَمْنَعُ مِنِ اسْتِحْقَاقِ الْإِرْثِ وَإِنْ طَلَبَهُ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ انْتِفَاءُ النَّسَبِ بِعَدَمِ اجْتِمَاعِ الْوَرَثَةِ يَمْنَعُ مِنِ اسْتِحْقَاقِ الْإِرْثِ وَإِنْ طَلَبَهُ.
وَيَتَحَرَّرُ مِنَ اعْتِلَالِ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ قِيَاسَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إِقْرَارٌ مُفْرَدٌ يُعْتَبَرُ إِقْرَارُهُ بِغَيْرِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَسْقُطَ حُكْمُهُ كَإِقْرَارِ الْمُدَّعِي وَحْدَهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ إِقْرَارٌ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ نَسَبٌ فَوَجَبَ أَنْ لَا يُسْتَحَقَّ بِهِ إِرْثٌ كَالْإِقْرَارِ بِمُنْكَرٍ.
وَالدَّلِيلُ الرَّابِعُ: أَنَّ اخْتِصَاصَ الْمُقِرِّ بِإِقْرَارِهِ أَوْلَى مِنْ تَعَدِّيهِ إِلَى غَيْرِهِ فَلَمَّا لَمْ يُسْتَحَقَّ بِهَذَا الْإِقْرَارِ مِيرَاثُ الْمُقِرِّ لَوْ مَاتَ فَأَوْلَى أَنْ لَا يُسْتَحَقَّ بِمَا وَرِثَهُ الْمُقِرُّ.
وَيَتَحَرَّرُ مِنَ اعْتِلَالِ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ قِيَاسَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إِقْرَارٌ يَسْقُطُ حُكْمُهُ فِي الْمُقِرِّ فَأَوْلَى أَنْ يَسْقُطَ حُكْمُهُ فِي غَيْرِ الْمُقِرِّ كَإِقْرَارِ الصَّغِيرِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ إِقْرَارٌ رُدَّ فِي النَّسَبِ فَوَجَبَ أَنْ يُرَدَّ فِي الْإِرْثِ قِيَاسًا عَلَى الْإِرْثِ مِنْ تَرِكَةِ الْمُقِرِّ.
وَالدَّلِيلُ الْخَامِسُ: أَنَّ لِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ وَلُزُومِهِ حُكْمَيْنِ: أَقْوَاهُمَا: ثُبُوتُ النَّسَبِ الَّذِي هُوَ أَصْلٌ.
وَأَضْعَفُهُمَا: اسْتِحْقَاقُ الْمِيرَاثِ الَّذِي هُوَ فَرْعٌ.

لِأَنَّ النَّسَبَ قَدْ ثَبَتَ مَعَ عَدَمِ الْمِيرَاثِ وَلَا يَنْتَفِي النَّسَبُ وَيَكْمُلُ الْمِيرَاثُ فَلَمَّا انْتَفَى ثُبُوتُ النَّسَبِ عَنْ هَذَا الْإِقْرَارِ فَأَوْلَى أَنْ يَنْتَفِيَ عَنْهُ ثُبُوتُ الْمِيرَاثِ وَيَتَحَرَّرَ مِنْهُ قِيَاسَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَحَدُ حُكْمَيْ إِقْرَارِهِمَا فَوَجَبَ أَنْ لَا يَثْبُتَ بِإِقْرَارِ أَحَدِهِمَا كَالنَّسَبِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَا مَنَعَ النَّسَبَ مَنْعَ الْإِرْثَ كَالسِّنِّ إِذَا اسْتَوَى فِيهَا الْمَيِّتُ وَالْمُدَّعِي.
وَالدَّلِيلُ السَّادِسُ: أَنَّ الْمِيرَاثَ مُسْتَحَقٌّ بِالْإِقْرَارِ تَارَةً وَبِالْبَيِّنَةِ أُخْرَى فَلَمَّا كانت شهادة أحد الشاهدين يمنع ما اسْتِحْقَاقِ الْمِيرَاثِ بِشَهَادَتِهِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ إِقْرَارُ أَحَدِ الْوَارِثِينَ يَمْنَعُ مِنِ اسْتِحْقَاقِ الْمِيرَاثِ بِإِقْرَارِهِ.
وَتَحْرِيرُهُ أَنَّ كُلَّ شَخْصَيْنِ اسْتُحِقَّ الْمِيرَاثُ بِقَوْلِهِمَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُسْتَحَقَّ بِقَوْلِ أَحَدِهِمَا كَالشَّاهِدَيْنِ وَالدَّلِيلُ السَّابِعُ: أَنَّهُ مَالٌ يَقْتَضِي ثُبُوتُهُ ثُبُوتَ سَبَبِهِ فَلَمْ يَجُزْ إِثْبَاتُهُ إِلَّا بِإِثْبَاتِ سَبَبِهِ.
أَصْلُهُ أَنَّهُ إِذَا أَقَرَّ أَنَّهُ اشْتَرَى عَبْدَ زَيْدٍ بِأَلْفٍ وَأَنْكَرَ لَمْ نَقْضِ عَلَيْهِ بِالْأَلْفِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمِ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ إِقْرَارٌ تَضَمَّنَ شَيْئَيْنِ فَلَزِمَ فِيمَا عَلَيْهِ وَرُدَّ فِيمَا له فبطلانه بمعروف النسب لأنه لو تميز أحدهما عن الآخر في مجهول النسب لتميز في معروف النسب وكان يستحق الميراث وإن كان منكر النسب وكان لَا يَقْتَضِي قِسْمَتَهُ عَلَى الْمَوَارِيثِ الْمُسْتَحَقَّةِ بِالنَّسَبِ، وَفِي كُلِّ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى اتِّصَالِهِ بِالنَّسَبِ وَعَدَمِ انْفِصَالِهِ عَنْهُ.
ثُمَّ نُجِيبُ عَنْ كُلِّ أَصْلٍ جَعَلُوهُ شَاهِدًا، أَمَّا قَوْلُهُ لِعَبْدِهِ بِعْتُكَ نَفْسَكَ وَلِزَوْجَتِهِ (خَالَعْتُكِ) فَإِنَّمَا لَزِمَهُ عِتْقُ عَبْدِهِ وَطَلَاقُ زَوْجَتِهِ لِأَنَّ الْعِتْقَ وَالطَّلَاقَ يَنْفَرِدُ عَنِ استحقاق العوض، والميراث لا ينفرد من ثُبُوتِ النَّسَبِ، وَأَمَا قَوْلُهُ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ أُخْتِي مِنَ الرَّضَاعَةِ فَإِنَّمَا وَقَعَتْ بِهِ الْفُرْقَةُ وَلَزِمَهُ التَّحْرِيمُ لِأَنَّهُ لَمْ يَدَعْ لِنَفْسِهِ فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ حَقًّا ثَبَتَ لِثُبُوتِهِ فَلِذَلِكَ لَزِمَهُ وَفِي إِقْرَارِهِ بِالنَّسَبِ قَدِ ادَّعَى لِنَفْسِهِ بِذَلِكَ حَقًّا لِأَنَّ النَّاسَ يُورَثُونَ مِنْ حَيْثُ يَرِثُونَ فَلَمَّا لَمْ يَرِثْ لَمْ يُورَثْ.
وَأَمَّا مُدَّعِي الْبَيْعِ فِي اسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ عَلَيْهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا عَلَى مَا سَنَذْكُرُ شَرْحَهُ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا شُفْعَةَ، فَعَلَى هَذَا يَسْقُطُ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ الشُّفْعَةَ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، فَعَلَى هَذَا الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا أَنَّ مَا ادَّعَاهُ الْبَائِعُ مِنَ الثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي قَدْ حَصَلَ لَهُ مِنْ جِهَةِ الشَّفِيعِ فَلَزِمَهُ التَّسْلِيمُ لِحُصُولِ مَا ادَّعَاهُ مِنَ الثَّمَنِ وَلَمْ يَحْصُلْ لِلْمُقِرِّ بِالنَّسَبِ مِيرَاثُ الْمُدَّعِي فَلَمْ يُثْبِتْ إِقْرَارُهُ لِلْمُدَّعِي حَقًّا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمُ الثَّانِي بأن ما أوجبه النَّسَب مِنَ الْعِتْقِ وَالتَّحْرِيمِ قَدْ يَثْبُتُ مَعَ انْتِفَاءِ النَّسَبِ فَكَذَلِكَ الْمِيرَاثُ مِنْ وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يَقَعَ الْعِتْقُ وَالتَّحْرِيمُ مِنْ غَيْرِ جِهَةِ النَّسَبِ جَازَ أَنْ يَثْبُتَ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتِ النَّسَبُ.
وَلَمَّا أَنْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُسْتَحَقَّ الْمِيرَاثُ بِغَيْرِ النَّسَبِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَثْبُتَ إِذَا لَمْ يَثْبُتِ النَّسَبُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ فِي إِقْرَارِهِ بِالْعِتْقِ لَا يَدَّعِي لِنَفْسِهِ فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ حَقًّا فَلَزِمَهُ وَفِي الْمِيرَاثِ يَدَّعِي لِنَفْسِهِ فِي مُقَابَلَةٍ ذَلِكَ مِيرَاثًا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ فَلَمْ يَلْزَمْهُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمِ الثَّالِثِ فِي الْإِقْرَارِ بِالزَّوْجِيَّةِ فَلِأَصْحَابِنَا فِي الزَّوْجِيَّةِ إِذَا أَقَرَّ بِهَا بَعْضُ الْوَرَثَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ إِرْثًا فَعَلَى هَذَا يَسْتَوِي الْإِقْرَارُ بِالنَّسَبِ وَالزَّوْجِيَّةِ فَيَسْقُطُ الِاسْتِدْلَالُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا يُسْتَحَقُّ بِهِ عَلَى الْمُقِرِّ إِرْثًا فَعَلَى هَذَا الْفَرْقِ بَيْنَ الزَّوْجِيَّةِ وَالنَّسَبِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الزَّوْجَةَ تَرِثُ بَعْدَ ارْتِفَاعِ الزَّوْجِيَّةِ بِالْمَوْتِ فَجَازَ أَنْ تَرِثَ مَعَ عَدَمِ ثُبُوتِ الزَّوْجِيَّةِ، وَالْمُنَاسَبُ لَا يَرْتَفِعُ نَسَبُهُ بِالْمَوْتِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَرِثَ مَعَ عَدَمِ النَّسَبِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ فِي الْإِقْرَارِ بِالزَّوْجِيَّةِ لَا يَدَّعِي لِنَفْسِهِ فِي مُقَابَلَةِ إِقْرَارِهِ بِمِيرَاثِهَا مِيرَاثًا لِنَفْسِهِ مِنْهَا فَلَزِمَهُ إِقْرَارُهُ وَالْمُنَاسِبُ بِخِلَافِهِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمِ الرَّابِعِ فِي الدَّيْنِ فِي لُزُومِ الْمُقَرِّ فَسَقَطَ مِنْهُ فِي الْوَجْهَيْنِ الْمَاضِيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَنْفَرِدُ عَنِ النَّسَبِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُرَاعِي لِنَفْسِهِ فِي مُقَابَلَتِهِ حَقًّا.

فَصْلٌ

: فَإِذَا ثَبَتَ مَا وَصَفْنَا مِنْ بُطْلَانِ الْإِرْثِ لِبُطْلَانِ النَّسَبِ وَأَنَّ الْمُقِرَّ لَا يُجْبَرُ عَلَى دَفْعِ شَيْءٍ مِنْ سَهْمِهِ الَّذِي وَرِثَهُ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَلْزَمُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الله تعالى إذا علم مصدق الْمُدَّعِي أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ مِنْ سَهْمِهِ الَّذِي وَرِثَهُ قَدْرَ حَقِّهِ مِنْهُ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَلْزَمُهُ الْحُكْمُ بِإِبْطَالِ النَّسَبِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِهِ.
وَالثَّانِي: يَلْزَمُهُ لِأَنَّ بُطْلَانَ النَّسَبِ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ دُونَ بَاطِنِهِ، وَنَحْنُ نُلْزِمُهُ فِي بَاطِنِ الْحُكْمِ دُونَ ظَاهِرِهِ.
فَعَلَى هَذَا اخْتَلَفُوا فِي قَدْرِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أوجه:

أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ دَفْعُ الْفَاضِلِ مِنْ سَهْمِهِ إِذَا اشْتَرَكُوا وَهُوَ السُّدُسُ الزَّائِدُ عَلَى الثُّلُثِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَدْفَعُ إِلَيْهِ نِصْفَ مَا فِي يَدِهِ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ أَنَّهُ وَإِيَّاهُ فِي مَالِ أَبِيهِ سَوَاءٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: يُعْطِيهِ ثُلُثَ مَا بَقِيَ فِي يَدِهِ وَيَضْمَنُ لَهُ سُدُسًا فِي يَدِ أَخِيهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَاسَمَهُ.
بِحُكْمِ حَاكِمٍ فَلَا يَضْمَنُ مِمَّا فِي يَدِ أخيه شيئاً والله أعلم.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: " فإن أقر جميع الورثة ثبت نسبه وَوَرِثَ وَوُرِّثَ وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - في ابن وليدة زمعة وقوله " هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أن إقرار الوارثين بمدعى النبوة يُوجِبُ ثُبُوتَ نَسَبِهِ وَهَكَذَا لَوْ كَانُوا جَمَاعَةً وَأَقَرُّوا أَوْ كَانَ وَاحِدًا وَأَقَرَّ لَأَنَّ الْمُرَاعَى إِقْرَارُ مَنْ يحوز الْمِيرَاثَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ بِإِقْرَارِ الْوَرَثَةِ وَإِنَّمَا يُسْتَحَقُّ بِهِ الْمِيرَاثُ.
وَقَالَ أبو حنيفة: إِنْ كَانَ الْوَارِثُ وَاحِدًا لَمْ يَثْبُتْ بِإِقْرَارِهِ النَّسَبُ، وَإِنْ كَانُوا عَدَدًا أَقَلُّهُمُ اثْنَانِ ثَبَتَ النَّسَبُ بِإِقْرَارِهِمْ لَا مِنْ طَرِيقِ الشَّهَادَةِ لِأَنَّهُ لَا تُعْتَبَرُ فِيهَا الْعَدَالَةُ.
وَاسْتَدَلَّ مَنْ مَنَعَ لُحُوقَ النَّسَبِ بِإِقْرَارِ الورثة بما رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " لَا مُسَاعَاةَ فِي الْإِسْلَامِ " يَعْنِي السَّعْيَ إلى ادعاء النَّسَبِ.
وَعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ لَا يُوَرِّثُ الْحَمِيلَ وَهُوَ الَّذِي يُحْمَلُ نسبه على غير مقربه وَالْمَيِّتُ غَيْرُ مُقِرٍّ وَإِنْ أَقَرَّ وَارِثُهُ.
قَالُوا: وَلِأَنَّ ثُبُوتَ النَّسَبِ فِي مُقَابَلَةِ نَفْيِهِ فَلَمَّا لَمْ يَنْتَفِ النَّسَبُ بِنَفْيِ الْوَارِثِ وَلِعَانِهِ لَمْ يَنْتَفِ بِتَصْدِيقِهِ وَإِقْرَارِهِ وَيَتَحَرَّرُ مِنْهُ قِيَاسَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَحَدُ حَالَيِ النَّسَبِ فَلَمْ يَمْلِكْهُ الْوَارِثُ كَالنَّفْيِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَنْ لَمْ يَمْلِكْ نَفْيَ النَّسَبِ لَمْ يَمْلِكْ إِثْبَاتَهُ كَالْأَجَانِبِ.
قَالُوا: وَلِأَنَّ الْوَلَاءَ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلْوَرَثَةِ إِلْحَاقُ وَلَاءٍ بِالْمَيِّتِ بِعِتْقِهِمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يُلْحِقُوا بِهِ نَسَبًا بِإِقْرَارِهِمْ.

وَيَتَحَرَّرُ مِنْهُ قِيَاسَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَحَدُ اللُّحْمَتَيْنِ فَلَمْ يَكُنْ لِلْوَرَثَةِ إِثْبَاتُهُ كَالْوَلَاءِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِثْبَاتُ الْوَلَاءِ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِثْبَاتُ النَّسَبِ كَالْأَوْصِيَاءِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قُلْنَاهُ مِنْ ثُبُوتِ النَّسَبِ بِإِقْرَارِهِمْ مِنْ خمسة أوجه: أحدهما: مَا رَوَاهُ سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي ابْنِ أَمَةِ زَمْعَةَ، فَقَالَ سَعْدٌ: عَهِدَ إِلَيَّ أَخِي فِي ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ أَنْ أَقْبِضَهُ فَإِنَّهُ ابْنُهُ، وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ فَأَلْحَقَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْوَلَدَ بِعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ بِاعْتِرَافِ أَبِيهِ وَجَعَلَهُ أَخَاهُ.
فَاعْتَرَضُوا عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ قَالُوا: إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِنَّمَا جَعَلَهُ عَبْدًا لِعَبْدٍ وَلَمْ يَجْعَلْهُ أَخَاهُ، وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ لَكَ عَبْدُ.
فَعَنْ هَذَا جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ مُسَدَّدًا رَوَى عَنْ سُفْيَانَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: هُوَ أَخُوكَ يَا عَبْدُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ قَدْ أَقَرَّ بِحُرِّيَّتِهِ وَوِلَادَتِهِ حُرًّا عَلَى فِرَاشِ أَبِيهِ فَلَمْ يَجُزْ بَعْدَ اعْتِرَافِهِ بِحُرِّيَّتِهِ أَنْ يُحْكَمَ لَهُ بِرِقِّهِ.
وَمَا رَوَوْهُ مِنْ قَوْلِهِ هُوَ لَكَ عَبْدُ فَإِنَّمَا أشار إليه بالقول اختصاراً يحذف النِّدَاء كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يُوسُفُ أَعْرِضُ عَنْ هَذَا) {يوسف: 29) . وَالِاعْتِرَاضُ الثَّانِي عَلَيْهِ.
أَنْ قَالُوا إِنَّمَا أَلْحَقَهُ بِالْفِرَاشِ لَا بِالْإِقْرَارِ وَبَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ " الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ " وَالْجَوَابُ عَنْهُ: أَنَّهُ قَدْ أَثْبَتَ الْفِرَاشَ بِإِقْرَارِهِ وَإِقْرَارُهُ بِالْفِرَاشِ إِقْرَارٌ بِالنَّسَبِ لِثُبُوتِ النَّسَبِ بِثُبُوتِ الْفِرَاشِ فَلَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَ الْإِقْرَارِ بِالْفِرَاشِ الْمُوجِبِ لِثُبُوتِ النَّسَبِ وَبَيْنَ الْإِقْرَارِ بِالنَّسَبِ الدَّالِّ عَلَى ثُبُوتِ الْفِرَاشِ.
وَالِاعْتِرَاضُ الثَّالِثُ عَلَيْهِ: أَنْ قَالُوا: لَا دَلِيلَ لَكُمْ فِيهِ لِأَنَّ عَبْدًا هُوَ أَحَدُ الْوَارِثِينَ وَسَوْدَةُ زَوْجَةُ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أُخْتُهُ وَلَمْ تَكُنْ مِنْهَا دَعْوَى لَهُ وَلَا إِقْرَارٌ بِهِ وَلَا دَعْوَى لَهُ.
وَإِقْرَارُ أَحَدِ الْوَرَثَةِ لَا يُوجِبُ بِالْإِجْمَاعِ ثُبُوتَ النَّسَبِ.
وَعَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ عَبْدًا هُوَ وَارِثُ أَبِيهِ وَحْدَهُ لِأَنَّ سَوْدَةَ كَانَتْ قَدْ أَسْلَمَتْ قَبْلَ مَوْتِ أَبِيهَا وَكَانَ عَبْدٌ عَلَى كُفْرِهِ فَكَانَ هُوَ الْوَارِثَ لِأَبِيهِ الْكَافِرِ دُونَ أُخْتِهِ الْمُسْلِمَةِ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أَسْلَمَتْ أُخْتِي سَوْدَةُ فَحَمَلْتُهَا وَلَيْتَنِي أَسْلَمْتُ يَوْمَ أَسْلَمَتْ.
وَالثَّانِي: أَنَّ سَوْدَةَ قَدْ كَانَتْ مُعْتَرِفَةً بِهِ وَاسْتَنَابَتْ أَخَاهَا فِي الدَّعْوَى لِأَنَّ النساء من

عَادَتِهِنَّ الِاسْتِنَابَةُ، أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَمَرَهَا بِالِاحْتِجَابِ مِنْهُ فَلَوْلَا أَنَّهَا كَانَتْ مُعْتَرِفَةً بِهِ كَانَتْ مُقِيمَةً عَلَى الِاحْتِجَابِ الْأَوَّلِ.
وَالِاعْتِرَاضُ الرَّابِعُ عَلَيْهِ: أَنْ قَالُوا: أَمْرُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِسَوْدَةَ بِالِاحْتِجَابِ مِنْهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ أُخْتًا لَهُ.
وَعَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: لِقُوَّةِ الشَّبَهِ الذي رأى فيه من عتبة أَمَرَهَا بِالِاحْتِجَابِ إِمَّا كَرَاهَةُ أَنْ يَكُونَ فِي نَفْسِهَا نِزَاعٌ مِنْ قَضَائِهِ، وَإِمَّا اسْتِظْهَارٌ لِمَا تَتَخَوَّفُهُ بَاطِنًا مِنْ فَسَادٍ أَصَابَهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ لِلزَّوْجِ مَنْعَ زَوْجَتِهِ مِنَ الظُّهُورِ لِأَخِيهَا وَأَهْلِهَا فَلَمْ يَكُنْ فِي الْمَنْعِ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِلَافِ النَّسَبِ.
وَالدَّلِيلُ الثَّانِي مِنَ الْمَسْأَلَةِ: مَا رَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَضَى أَنَّ كُلَّ مُسْتَلْحِقٍ اسْتُلْحِقَ بَعْدَ أَبِيهِ فَقَدْ لَحِقَ بِمَنِ اسْتَلْحَقَهُ.
وَهَذَا نَصٌّ عَامٌّ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ.
وَالدَّلِيلُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْوَرَثَةَ يَخْلُفُونَ مُورِثَهُمْ فِي حُقُوقِهِ إِثْبَاتًا كَالْحُجَجِ وَالْبَيِّنَاتِ وَقَبْضًا كَالدَّيْنِ وَالْقِصَاصِ، وَالنَّسَبُ حَقٌّ لَهُ إِثْبَاتُهُ حَيًّا فَكَانَ لِلْوَرَثَةِ إِثْبَاتُهُ مَيِّتًا.
وَيَتَحَرَّرُ مِنْهُ قِيَاسَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَا مَلَكَ الْمُوَرِّثُ إِثْبَاتَهُ مِنْ حُقُوقِهِ مَلَكَ الْوَرَثَةُ إِثْبَاتَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ كَالدَّيْنِ وَالْقِصَاصِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَنْ مَلَكَ إِثْبَاتَ الْحُقُوقِ مَلَكَ إِثْبَاتَ الْأَنْسَابِ كَالْمَوْرُوثِ.
وَالدَّلِيلُ الرَّابِعُ: أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالنَّسَبِ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمَانِ: ثُبُوتُهُ وَإِرْثُهُ.
فَلَمَّا اسْتَحَقَّ الْإِرْثَ بِإِقْرَارِهِمْ ثَبَتَ النَّسَبُ بِإِقْرَارِهِمْ وَيَتَحَرَّرُ مِنْهُ قِيَاسَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَنْ ثَبَتَ الْمِيرَاثُ بِإِقْرَارِهِ ثَبَتَ النَّسَبُ بِإِقْرَارِهِ كَالْمَوْرُوثِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَا لَزِمَ مِنْ حُقُوقِ النَّسَبِ بِإِقْرَارِ الْمَوْرُوثِ لَزِمَ بِإِقْرَارِ الْوَارِثِ كَالْمِيرَاثِ.
وَالدَّلِيلُ الْخَامِسُ: أَنَّ إِقْرَارَ الْوَرَثَةِ بِالْحَقِّ أَقْوَى ثُبُوتًا مِنَ الشَّهَادَةِ بِالْحَقِّ فَلَمَّا ثَبَتَ النَّسَبُ بِالشَّهَادَةِ فَأَوْلَى أَنْ يَثْبُتَ بِإِقْرَارِ الْوَرَثَةِ وَيَتَحَرَّرُ مِنِ اعْتِلَالِهِ قِيَاسَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَا صَحَّ ثُبُوتُهُ بِالشَّهَادَةِ فَأَوْلَى أَنْ يَصِحَّ ثُبُوتُهُ بِإِقْرَارِ الْوَرَثَةِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَا صَحَّ أَنْ يَثْبُتَ بِالْحُقُوقِ صَحَّ أَنْ يَثْبُتَ بِهِ الْأَنْسَابُ كَالشَّهَادَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَلَا مُسَاعَاةَ فِي الْإِسْلَامِ فَوَارِدٌ بِاسْتِلْحَاقِ الْأَنْسَابِ بالزنى لِأَنَّ تَمَامَ الْخَبَرِ دَالٌّ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُهُ لَا مُسَاعَاةَ فِي الْإِسْلَامِ وَمَنْ سَاعَى فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقَدْ لَحِقَهُ بِعَصَبَتِهِ وَمَن ادعَى وَلَدًا مِنْ غَيْرِ رشْدة فَلَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا رَوَى عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ لَا يُوَرِّثُ الْحَمِيلَ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ وَارِدٌ فِيمَنْ حُمِلَ نَسَبُهُ عَلَى غَيْرِهِ مَعَ إِنْكَارِ وَرَثَتِهِ.

وَالثَّانِي: أَنَّهُ وَارِدٌ فِي الْمَسْبِيِّ مِنْ دَارِ الشِّرْكِ إِذَا أَقَرَّ بِنَسَبٍ لِيَرْتَفِعَ إِرْثُ الْوَلَاءِ بِهِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِنَفْيِ النَّسَبِ فَهَذَا بَاطِلٌ بِالِابْنِ لَوْ أَقَرَّ لَحِقَ وَلَوْ أَرَادَ نَفْيَ أَبٍ لَمْ يَجُزْ فَكَذَا الْأَخُ لَوْ أَقَرَّ بِأَخٍ جَازَ وَلَوْ نَفَاهُ لَمْ يَجُزْ.
وَأَجَابَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ عَنْ ذَلِكَ فِي إِفْصَاحِهِ أَنْ قَالَ: هُمَا سَوَاءٌ لِأَنَّ النَّسَبَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ وَدُخُولِ الْمُقَرِّ بِهِ فِي جُمْلَتِهِمْ، فَكَذَلِكَ لَا يَنْتَفِي إِلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ وَدُخُولِ الْمَنْفِيِّ فِي جُمْلَتِهِمْ فَيَقُولُ إِذَا نَفَوْهُ عَنْ أَبِيهِمْ: لَسْتُ بِابْنِ أَبِيكُمْ، تَصْدِيقًا لَهُمْ فَيَنْتَفِي.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا أَجَابَ بِهِ أبو علي هل يصح في الحكم أم لَا؟ فَكَانَ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ يَمْنَعُ مِنْ صحته فيقول: إن من لحق نسب مَنْ لَمْ يَنْتِفْ عَنْهُ بِاجْتِمَاعِهِ مَعَ الْوَرَثَةِ عَلَى نَفْيِهِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ فِي الْحُكْمِ صَحِيحٌ لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ النَّسَبُ بِاتِّفَاقِ الْفَرِيقَيْنِ انْتَفَى بِاتِّفَاقِ الْفَرِيقَيْنِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِالْوَلَاءِ فَهُوَ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ لِأَنَّهُمْ أَقَرُّوا بِنَسَبٍ مُتَقَدِّمٍ وَلَوِ اسْتَحْدَثُوهُ لَمْ يَجُزْ وَبَطَلَ إِلْحَاقُهُمْ بِوَلَاءٍ مُسْتَحْدَثٍ وَلَوْ أَقَرُّوا بِوَلَاءٍ مُتَقَدِّمٍ جَازَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

: فَإِذَا صَحَّ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ ثُبُوتِ النَّسَبِ بِإِقْرَارِ الْوَرَثَةِ فَالْأَنْسَابُ ضَرْبَانِ: ضَرْبٌ لَا يَدْخُلُ بَيْنَ الْمُتَدَاعِيَيْنِ لَهُ وَسِيطٌ فِي لُحُوقِهِ وَضَرْبٌ يَدْخُلُ بَيْنَ الْمُتَدَاعِيَيْنِ وَسِيطٌ فِي لُحُوقِهِ.
فَأَمَّا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ وَهُوَ مَا لا يدخل بين متداعييه وسبط فِي لُحُوقِهِ فَشَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: الِابْنُ فِي ادِّعَاءِ الْبُنُوَّةِ.
وَالثَّانِي: الْأَبُ فِي ادِّعَاءِ الْأُبُوَّةِ.
لِأَنَّ لُحُوقَ أَنْسَابِهِمَا مُبَاشَرَةً لَا يَتَفَرَّعُ عَنْ أَصْلٍ يَجْمَعُ بَيْنَ النَّسَبَيْنِ وَلَا يَدْخُلُ بَيْنَهُمَا وَسِيطٌ فِي لُحُوقِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ وَالْأَوْلَى فِي ادِّعَاءِ مِثْلِ هَذَا النَّسَبِ إِنْ كَانَ الِابْنُ هُوَ الْمُدَّعِي أَنْ يَقُولَ لِمَنِ ادَّعَاهُ أَبًا: أَنَا ابْنُكَ، وَيَقُولُ الْأَبُ لِمَنِ ادَّعَاهُ ابْنًا: أَنْتَ ابْنِي، لِأَنَّ النَّسَبَ يَرْجِعُ إِلَى الْأَبِ فَأُضِيفَتِ الدَّعْوَى فِيهِ إِلَيْهِ فَلَوْ قَالَ الِابْنُ: أَنْتَ أَبِي، وَقَالَ الْأَبُ أَنَا أَبُوكَ، صَحَّتِ الدَّعْوَى حُكْمًا وَإِنْ فَسَدَتِ اخْتِيَارًا لِأَنَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ دَلِيلٌ عَلَى الْآخَرِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعِي هُوَ الْأَبُ أَوْ الِابْنُ.
فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الِابْنُ فَلَا تُسْمَحُ دَعْوَاهُ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الدَّعْوَى بِالْبُلُوغِ وَالْعَقْلِ إِلَّا بِشَرْطَيْنِ مَضَيَا.
أَحَدُهُمَا: جَهَالَةُ النَّسَبِ.

وَالثَّانِي: جَوَازُ أَنْ يُولَدَ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ.
وَبِشَرْطٍ آخَرَ فِي الْأَبِ الْمُدَّعِي وَهُوَ الْعَقْلُ الَّذِي يَصِحُّ مَعَهُ الْإِقْرَارُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِلِابْنِ بينة فتسمح دَعْوَاهُ وَإِنْ كَانَ الْأَبُ مَجْنُونًا.
فَإِذَا كَمُلَتْ هَذِهِ الشَّرَائِطُ الْأَرْبَعُ: ثَلَاثَةٌ مِنْهَا فِيهِ وَهُوَ: أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الدَّعْوَى.
وَأَنْ يَكُونَ مَجْهُولَ النَّسَبِ.
وَأَنْ يَجُوزَ وِلَادَةُ مِثْلِهِ لِمِثْلِهِ.
وَرَابِعٌ فِي الْأَبِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ تَصِحُّ عَلَيْهِ الدَّعْوَى.
سُمِعَتْ حِينَئِذٍ وَسُئِلَ الْأَبُ عَنْهَا فَإِنْ أَنْكَرَهُ فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ فَإِنْ حَلَفَ الْأَبُ عَلَى إِنْكَارِهِ انْتَفَى عَنْهُ وَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْ عَصَبَاتِ الْأَبِ أَنْ يُقِرَّ بِنَسَبِهِ سَوَاءٌ كَانَ الْأَبُ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا لِبُطْلَانِ النَّسَبِ بِيَمِينِ الْأَبِ.
وَإِنِ اعْتَرَفَ الْأَبُ بِدَعْوَاهُ وَأَقَرَّ بِبُنُوَّتِهِ لَحِقَ بِهِ وَصَارَ وَلَدًا لَهُ صَحِيحًا كَانَ عِنْدَ الْإِقْرَارِ أَوْ مَرِيضًا، صَدَّقَهُ الْعَصَبَةُ وَالْوَرَثَةُ عَلَيْهِ أَوْ لَا، سَوَاءٌ كَانَ الِابْنُ مِمَّنْ يَرِثُ بِاجْتِمَاعِهِمَا عَلَى الْحُرِّيَّةِ وَالدِّينِ أَوْ كَانَ غَيْرَ وَارِثٍ لِاخْتِلَافِهِمَا بِرِقٍّ أَوْ فِي دِينٍ، حَجَبَ الْوَرَثَةَ أَوْ لَمْ يَحْجُبْهُمْ: فَلَوْ عَادَ الْأَبُ بَعْدَ إِقْرَارِهِ فَأَنْكَرَهُ فَإِنْ لم يتابعه الابن على الإنكار ونفس النَّسَبِ وَأَقَامَ عَلَى الدَّعْوَى فَهُوَ عَلَى نَسَبِهِ فِي اللُّحُوقِ بِهِ يَرِثُهُ إِنْ مَاتَ وَيَرِثُ سَائِرَ عَصَبَاتِهِ.
وَإِنْ تَابَعَهُ الِابْنُ عَلَى الْإِنْكَارِ وَصَدَّقَهُ عَلَى نَفْيِ النَّسَبِ فَإِنْ كَانَ الْفِرَاشُ مَعْرُوفًا لَمْ يَنْتَفِ النَّسَبُ بِاجْتِمَاعِهِمَا عَلَى نَفْيِهِ، وَإِنْ كَانَ الْفِرَاشُ مَجْهُولًا فَالنَّسَبُ مُلْحَقٌ بِالْإِقْرَارِ المتقدم وفي رَفْعِهِ بِاجْتِمَاعِهِمَا عَلَى نَفْيِهِ وَجْهَانِ حَكَيْنَاهُمَا: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ وَطَائِفَةٍ يَنْتَفِي النَّسَبُ وَتَرْتَفِعُ الْأُبُوَّةُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ وَطَائِفَةٍ أَنَّ النَّسَبَ عَلَى ثُبُوتِهِ لَا يَرْتَفِعُ وَإِنِ اجْتَمَعَا عَلَى نَفْيِهِ كَمَا لَا يَجُوزُ ارْتِفَاعُ مَا ثَبَتَ بِالْفِرَاشِ الْمَعْرُوفِ وَإِنِ اجْتَمَعَا عَلَى نَفْيِهِ.

فَصْلٌ

: فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الْأَبُ فَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ الشَّرْطَيْنِ فِي الْوَلَدِ الَّذِي ادَّعَاهُ وَهُمَا: جَهْلُ نَسَبِهِ.
وَجَوَازُ أَنْ يُولَدَ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ.
ثُمَّ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الدَّعْوَى بِكَمَالِ الْعَقْلِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ صَغِيرًا أَوْ

كَبِيرًا، فَإِنْ كَانَ صَغِيرًا أُلْحِقَ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى وَلَا يُعْتَبَرُ فِي لُحُوقِهِ تَصْدِيقُ الْوَلَدِ لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِلصَّغِيرِ فِي نَفْسِهِ فَإِنْ بَلَغَ فَأَنْكَرَ لَمْ يُؤَثِّرْ إِنْكَارُهُ فِي نَفْيِ النَّسَبِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْحُكْمِ بِثُبُوتِهِ.
وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ كَبِيرًا لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ وَلَمْ يُلْحَقْ بِالْمُدَّعِي إِلَّا بِإِقْرَارِهِ لِأَنَّ لِلْكَبِيرِ حُكْمًا فِي نَفْسِهِ، فَإِنْ أَقَرَّ لَهُ بِالْبُنُوَّةِ لَحِقَ بِهِ وَتَعَلَّقَتْ بِهِ أَحْكَامُ الْأَبْنَاءِ سَوَاءٌ كَانَ الْأَوْلَادُ أَنْكَرُوا أَوْ لَا، وَإِنْ أَنْكَرُوا فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ.
فَإِنِ ادَّعَى الْأَبُ وَلَدًا بَعْدَ مَوْتِهِ فَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ الْمَيِّتُ صَغِيرًا لَحِقَ بِهِ وَوَرِثَهُ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَيًّا لَصَارَ بِدَعْوَاهُ لَاحِقًا بِهِ فَكَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَقَالَ أبو حنيفة إِنْ كَانَ الْوَلَدُ مُوسِرًا لَمْ يَلْحَقْ بِهِ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ بِادِّعَائِهِ لِإِرْثِهِ.
وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ الإقرار بالأنساب لا تؤثر فِيهَا التُّهْمَةُ فِي الْأَمْوَالِ أَلَا تَرَى لَوْ أَقَرَّ وَهُوَ زَمِنٌ فَقِيرٌ بِابْنٍ صَغِيرٍ مُوسِرٍ لُحِقَ بِهِ وَلَا تَكُونُ التُّهْمَةُ فِي وُجُوبِ نَفَقَتِهِ فِي مَالِ الِابْنِ مَانِعَةً مِنْ صِحَّةِ إِقْرَارِهِ كَذَلِكَ فِي مِيرَاثِ الْمَيِّتِ.
فَأَمَّا إِنْ كان الولد الذي ادعاه بعد موته كَبِيرًا لَمْ يُلْحَقْ بِهِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَيًّا لَمْ يُلْحَقْ بِهِ لِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى حَتَّى يُقِرَّ بِهِ فَكَذَا بَعْدَ الْمَوْتِ.
فَهَذَا أَحَدُ ضَرْبَيِ الْأَنْسَابِ الَّتِي لَا يَتَخَلَّلُهَا وَسِيطٌ فِي لُحُوقِهَا وَاتِّصَالِهَا.

فَصْلٌ

: وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي مِنَ الْأَنْسَابِ وَهِيَ الَّتِي يَتَخَلَّلُهَا وَسِيطٌ فِي لُحُوقِهَا وَاتِّصَالِهَا كَالْأُخُوَّةِ يَصِلُ الْأَبُ بَيْنَ أَنْسَابِهِمْ وَكَالْجَدِّ الَّذِي يَصِلُ الْأَبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ الِابْنِ.
فَإِنْ كَانَ الْوَسِيطُ الْوَاصِلُ بَيْنَ أَنْسَابِهِمْ بَاقِيًا فلا اعتبار بإقرار عن سِوَاهُ وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا اعْتُبِرَ إِقْرَارُ جَمِيعِ وَرَثَتِهِ فِي ثُبُوتِ نَسَبِ الْمُدَّعِي مِنْ عَصَبَتِهِ أو ذي فرض رحم، وَهَلْ يُعْتَبَرُ فِيهِ إِقْرَارُ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الْبَغْدَادِيِّينَ يُعْتَبَرُ إِقْرَارُهُمَا فِي لُحُوقِهِ لِاسْتِحْقَاقِهِمَا الْإِرْثَ كَالْمُنَاسِبِينَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ لَا يُعْتَبَرُ إفرادهما في لحوقه لأنه لا حق لَهُمَا فِي النَّسَبِ فَلَمْ يَعْتَبِرُوا إِقْرَارَهُمَا بِالنَّسَبِ.
وَعَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ هَلْ يُرَاعَى فِيمَنِ ادَّعَى أَنَّهُ أَخٌ لِأُمٍّ تَصْدِيقُ الْأَخِ لِلْأَبِ إِذَا كَانَ وَارِثًا؟ وَفِيمَنِ ادَّعَى أَنَّهُ أَخٌ لِأَبٍ هَلْ يُرَاعَى تَصْدِيقُ الْأَخِ لِلْأُمِّ إِذَا كَانَ وَارِثًا؟ فَعَلَى مَذْهَبِ الْبَغْدَادِيِّينَ يُرَاعَى تَصْدِيقُهُ فِي ثُبُوتِ النَّسَبِ لِكَوْنِهِ وَارِثًا، وَعَلَى مَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ لَا يُرَاعَى تَصْدِيقُهُ لِأَنَّهُ لَا نَسَبَ بَيْنَهُمَا.

فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَقَدَ يَكُونُ بَيْنَ أَنْسَابِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ وَسِيطٌ وَاحِدٌ وَقَدْ يَكُونُ بَيْنَهُمَا وَسِيطَانِ وَقَدْ يَكُونُ بَيْنَهُمَا ثَلَاثَةُ وَسَائِطَ وَقَدْ يَكُونُ بَيْنَهُمَا أَكْثَرُ، فَيُسْتَدَلُّ عَلَى حُكْمِهِ بِمَا تَقَدَّمَ.
فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا وَسِيطٌ وَاحِدٌ فَكَالْإِخْوَةِ فَإِذَا ادَّعَى رَجُلٌ إِخْوَتَهُ وَأَنَّهُ ابْنُ أَبِيهِمْ فَمِنْ شَرْطِ صِحَّةِ هَذِهِ الدَّعْوَى عَلَيْهِمْ مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ شُرُوطِ دَعْوَى النَّسَبِ أَنْ يَكُونَ الْأَبُ مَيِّتًا، ثُمَّ يَكُونُ لُحُوقُهُ مُعْتَبَرًا بِإِقْرَارِ وَرَثَةِ الْأَبِ كُلِّهِمْ.
فَإِنْ كَانَ الْأَبُ قَدْ تَرَكَ ابْنًا وَاحِدًا فَصَدَّقَ الْمُدَّعي عَلَى نَسَبِهِ ثَبَتَ نَسَبُهُ، وَإِنَّ تَرْكَ ابْنَيْنِ فَصَدَّقَاهُ ثَبَتَ نَسَبُهُ، وَإِنْ صَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا لَمْ يَثْبُتْ، وَإِنْ تَرَكَ أَبًا وَابْنًا فَاجْتَمَعَا عَلَى تَصْدِيقِهِ ثَبَتَ نَسَبُهُ وَإِنْ صَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا لَمْ يَثْبُتْ، وَإِنْ تَرَكَ بِنْتًا وَأَخَا فَاجْتَمَعَا عَلَى تَصْدِيقِهِ ثَبَتَ نَسَبُهُ وَإِنْ صَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا لَمْ يَثْبُتْ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَرَكَ بِنْتًا وَأَخًا وَأُخْتًا، وَلَوْ تَرَكَ أَخَا وَاحِدًا فَصَدَّقَهُ ثَبَتَ النَّسَبُ لِأَنَّ الْأَخَ يَحُوزُ الْمِيرَاثَ وَلَوْ تَرَكَ أُخْتًا وَاحِدَةً فَصَدَّقَتْهُ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ لِأَنَّ الْأُخْتَ تَرِثُ النِّصْفَ وَلَا تَحُوزُ الْمِيرَاثَ وَالْبَاقِيَ بَعْدَهُ لِبَيْتِ الْمَالِ قَالَ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَإِنْ صَدَّقَهُ الْإِمَامُ مَعَهَا ثَبَتَ نَسَبُهُ لِأَنَّ الْإِمَامَ فِي حَقِّ بَيْتِ الْمَالِ نَافِذُ الْإِقْرَارِ فَصَارَ إِقْرَارُهُ مَعَ الْأُخْتِ إِقْرَارًا مِنْ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ.
وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَا يَمْلِكُ حَقَّ بَيْتِ الْمَالِ فَيَثْبُتُ الْإِقْرَارُ وَلَا يَتَعَيَّنُ مُسْتَحِقُّهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَيُرَاعَى إِقْرَارُهُمْ فِيهِ فَإِنْ كَانَ إِقْرَارُ الْإِمَامِ لِبَيِّنَةٍ قَامَتْ عِنْدَهُ بِنَسَبِهِ فذلك حكم منه تثبت بِهِ النَّسَبُ وَلَا يُرَاعَى فِيهِ إِقْرَارُ الْأُخْتِ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ قَامَتْ بِهِ فَإِقْرَارُهُ لَغْوٌ وَنَسَبُ الْمُدَّعِي غَيْرُ ثَابِتٍ، وَلَوْ كَانَ لِلْأُخْتِ وَلَاءُ عِتْقٍ عَلَى الْمَيِّتِ فَأَقَرَّتْ بِالْمُدَّعِي ثَبَتَ نَسَبُهُ لِأَنَّهَا تَحُوزُ الْمِيرَاثَ بِالْفَرْضِ وَالْوَلَاءِ.
وَهَكَذَا إِقْرَارُ الْبِنْتِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا ابْنٌ كَإِقْرَارِ الْأُخْتِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا أَخٌ فَلَا يَثْبُتُ النَّسَبُ بِإِقْرَارِهَا لِأَنَّهَا لَا تَحُوزُ الْمِيرَاثَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهَا عَلَى الْأَبِ وَلَاءٌ فَيَثْبُتُ النَّسَبُ بِإِقْرَارِهَا لِأَنَّهَا تَحُوزُ الْمِيرَاثَ كُلَّهُ بِالْفَرْضِ وَالْوَلَاءِ.
فَلَوْ كَانَ الْأَبُ الْمَيِّتُ مُسْلِمًا وَتَرَكَ ابْنَيْنِ مُسْلِمًا وَكَافِرًا فَصَدَّقَهُ الْمُسْلِمُ ثَبَتَ نَسَبُهُ لِأَنَّ الْكَافِرَ غَيْرُ وَارِثٍ فَلَمْ يُعْتَبَرْ إِقْرَارُهُ وَسَوَاءٌ كَانَ مُدَّعِي النَّسَبِ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا فَلَوْ أَسْلَمَ الِابْنُ الْكَافِرُ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ فَأَنْكَرَ الْمُدَّعِي لَمْ يَنْتَفِ نَسَبُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَارِثَ أَبِيهِ فَلَمْ يُؤَثِّرْ إِنْكَارُهُ.
وَلَوْ كَانَ الْأَبُ الْمَيِّتُ كَافِرًا وَتَرَكَ ابْنَيْنِ مُسْلِمًا وَكَافِرًا فَصَدَّقَهُ الِابْنُ الْكَافِرُ ثَبَتَ نَسَبَهُ لِأَنَّهُ وَارِثُ أَبِيهِ وَلَوْ صَدَّقَهُ الْمُسْلِمُ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَارِثٍ لِأَبِيهِ.
وَهَكَذَا لَوْ كَانَ أَحَدُ الِابْنَيْنِ حُرًّا وَالْآخَرُ عَبْدًا كَانَ ثُبُوتُ النَّسَبِ بِإِقْرَارِ الْحُرِّ دُونَ الْعَبْدِ لِأَنَّ الْحُرَّ وَارِثٌ وَالْعَبْدُ غَيْرُ وَارِثٍ، وَإِنْ عُتِقَ الْعَبْدُ بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ لَمْ يُعْتَبَرْ تَصْدِيقُهُ وَلَا إِنْكَارُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَارِثًا.
فَلَوْ كَانَ أَحَدُ الِابْنَيْنِ صَغِيرًا أَوْ مَعْتُوهًا فَأَقَرَّ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ مِنْهُمَا بِنَسَبِ

الْمُدَّعِي لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ لِأَنَّهُ أَحَدُ الْوَارِثِينَ حَتَّى يَبْلُغَ الصَّبِيُّ وَيُفِيقَ الْمَعْتُوهُ فَيُقِرُّ بِهِ فَيَثْبُتُ نَسَبُهُ، وَهَلْ يَجِبُ أَنْ تُوقفَ حِصَّةَ الْمُقَرِّ بِهِ مِنْ حِصَّةِ الْمُقِرِّ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا تُوقَفُ كَمَا فِي حِصَّةِ الصَّغِيرِ لِأَنَّ النَّسَبَ لَمْ يَثْبُتْ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُوقَفُ مِنْهُ قَدْرُ حِصَّتِهِ اعْتِبَارًا بِصِحَّةِ إِقْرَارِهِ مَا لَمْ يَبْطُلْ بِإِنْكَارِ أَخِيهِ.
فَإِنْ مَاتَ الصَّغِيرُ أَوِ الْمَعْتُوهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ أَوِ الْإِفَاقَةِ رُوعِيَ إِقْرَارُ وَارِثِهِ فَإِنْ كَانَ وَارِثُهُ الْأَخُ الْمُقِرُّ ثَبَتَ نَسَبُ الْمُدَّعِي بِالْإِقْرَارِ السَّابِقِ وَلَا يَفْتَقِرُ إِلَى إِقْرَارٍ ثَانٍ بَعْدَ مَوْتِ الصَّغِيرِ وَالْمَعْتُوهِ.
فَلَوْ تَرَكَ ابْنَيْنِ بَالِغَيْنِ عَاقِلَيْنِ فَصَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا وَكَذَّبَهُ الْآخَرُ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ فَإِنْ مَاتَ الْمُكَذِّبُ فَوَرِثَهُ الْمُصَدِّقُ فَفِي ثُبُوتِ نَسَبِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: قَدْ ثَبَتَ نَسَبُهُ لِأَنَّ الْمُصَدِّقَ صَارَ حَائِزًا لِلْإِرْثِ كُلِّهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَثْبُتُ لِأَنَّ تَكْذِيبَ شَرِيكِهِ فِي الْمِيرَاثِ مُبْطِلٌ لِلدَّعْوَى فَصَارَ كَتَكْذِيبِ الْأَبِ فِي حَيَاتِهِ يَكُونُ مُبْطِلًا لِنَسَبِهِ وَإِنْ كَانَ أَقَرَّ بِهِ الْوَرَثَةُ بَعْدَهُ.

فَصْلٌ

: فَلَوْ تَرَكَ الْمَيِّتُ ابْنًا وَاحِدًا فَصَدَّقَ الْمُدَّعِي ثَبَتَ نَسَبُهُ فَإِنِ ادَّعَى آخر أنه ابن الميت فإن صدقه الابنان الْأَوَّلُ الْمَعْرُوفُ وَالثَّانِي الْمُقَرُّ بِهِ ثَبَتَ نَسَبُ الثَّالِثِ وَخَرَجَ الثَّانِي مِنَ النَّسَبِ إِلَّا بِتَصْدِيقِ الثَّالِثِ لِأَنَّهُ صَارَ بِالتَّصْدِيقِ ابْنًا فَرُوعِيَ إِقْرَارُهُ فِي ثُبُوتِ النَّسَبِ، وَلَوْ كَانَ الثَّالِثُ حِينَ ادَّعَى النَّسَبَ أَنْكَرَهُ الثَّانِي لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُ الثَّالِثِ وَكَانَ الثَّانِي عَلَى نَسَبِهِ.
وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي رَابِعٍ وَخَامِسٍ لَوِ ادَّعَى نَسَبَ الْمَيِّتِ فَلَوْ أَقَرَّ الِابْنُ الْمَعْرُوفُ بِأَخَوَيْنِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُمَا حَتَّى يُصَدِّقَ كُلٌّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ فَيَثْبُتُ حِينَئِذٍ نَسَبُهُمَا فَإِنْ تَكَاذَبَا انْتَفَيَا.
وَإِنْ صَدَّقَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ وَأَكْذَبَهُ الْآخَرُ ثَبَتَ نَسَبُ الْمُصَدِّقِ مِنْهُمَا دُونَ الْمُكَذِّبِ، وَلَوْ كَانَا عَلَى تَكَاذُبِهِمَا فَعَادَ الِابْنُ الْمَعْرُوفُ وَاسْتَأْنَفَ الْإِقْرَارَ ثَانِيَةً بِأَحَدِهِمَا ثَبَتَ نَسَبُهُ وَكَانَ نَسَبُ الثَّالِثِ مُعْتَبَرًا بِتَصْدِيقِ الثَّانِي فَإِنْ صَدَّقَهُ ثَبَتَ نَسَبَهُ وَخَرَجَ الثَّانِي مِنَ النَّسَبِ إِلَّا أَنْ يُصَدِّقَ الثَّالِثُ.
وَإِذَا أَقَرَّ الِابْنُ الْمَعْرُوفُ بِتَوْأَمَيْنِ لَمْ يُعْتَبَرْ تَصْدِيقُ أَحَدِهِمَا الْآخَرَ لِأَنَّ نَسَبَ التَّوْأَمَيْنِ وَاحِدٌ.
وَلَوْ أَقَرَّ الِابْنُ بِأَحَدِ التَّوْأَمَيْنِ ثَبَتَ نَسَبُهُمَا مَعًا لِأَنَّ نَسَبَهُمَا لَا يَفْتَرِقُ فَلَوْ أَنْكَرَ أَحَدُ التَّوْأَمَيْنِ النَّسَبَ الَّذِي ادَّعَاهُ أَخُوهُ وَقَدْ أَقَرَّ الِابْنُ الْمَعْرُوفُ بِهِ نُظِرَ فِي إِنْكَارِهِ فَإِنْ لَمْ يُدَّع مَعَهُ نَسَب إِلَى غَيْرِهِ لَمْ يُؤَثِّرْ إِنْكَارُهُ وَلَحِقَ نَسَبُهُمَا مَعًا بِمَنِ ادَّعَاهُ أَخُوهُ لِأَنَّ فِي إِنْكَارِهِ إِبْطَالُ نَسَبِهِ وَنَسَبُ أَخِيهِ إِلَى غَيْرِهِ نسب يدعيه وإن ادعى مع إنكار نَسَبًا إِلَى غَيْرِهِ فَصَارَ أَحَدُ التَّوْأَمَيْنِ مُدَّعِيًا نَسَبًا إِلَى رَجُلٍ قَدْ أَقَرَّ بِهِ وَارِثُهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَلْحَقَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِوَاحِدٍ مِنَ الرَّجُلَيْنِ لِأَنَّ

نَسَبَ التَّوْأَمَيْنِ لَا يَخْتَلِفُ وَلُحُوقُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَنِ ادَّعَاهُ يُوجِبُ اجْتِذَابَ الْآخَرِ إِلَيْهِ فَتَمَانَعَا لِتَعَارُضِهِمَا وَوَجَبَ عَرْضُ ذَلِكَ عَلَى الْقَافَةِ لِيَحْكُمُوا فِيهِمَا بِالشَّبَهِ كَمَا يَحْكُمُونَ عِنْدَ تَنَازُعِ الْأَبَوَيْنِ.
فَهَذَا الْقَوْلُ فِي الْمُتَدَاعِيَيْنِ إِذَا كَانَ الْوَسِيطُ فِي نَسَبِهِمَا وَاحِدًا.

فَصْلٌ

: فَأَمَّا إِذَا تَوَسَّطَ بَيْنَ نَسَبِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ اثْنَانِ يَتَّصِلُ النَّسَبُ بِهِمَا فَمِثَالُهُ أَنْ يُقِرَّ رَجُلٌ بابْن أَخٍ لَهُ فَيَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ اثْنَانِ.
أَحَدُهُمَا أَخُوهُ الَّذِي هُوَ أَبُ الْمُقَرِّ بِهِ، وَالثَّانِي أَبُوهُ الَّذِي يَجْمَعُهُ وَأَخَاهُ فَإِنْ كَانَ أَحَدُ هَذَيْنِ الْوَسِيطَيْنِ بَاقِيًا لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُ الْمُقَرِّ بِهِ إِلَّا بِتَصْدِيقِهِ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الْأَخُ بَاقِيًا لَمْ يَلْحَقْ بِهِ ابْنٌ بِغَيْرِ إِقْرَارِهِ، وَإِنْ كَانَ الْأَبُ بَاقِيًا دُونَ الْأَخِ لَمْ يُلْحَقْ بِهِ ابْنُ ابْنٍ بِغَيْرِ إِقْرَارِهِ، وَإِنْ كَانَ الْأَخُ وَالْأَبُ الْوَسِيطَانِ بَيْنَهُمَا فِي النَّسَبِ مَيِّتَيْنِ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ هُوَ الْوَارِثُ لِأَخِيهِ وَحْدَهُ ثَبَتَ نَسَبُ الْمُقَرِّ بِهِ وَصَارَ ابْنَ أَخٍ لِلْمُقِرِّ وَإِنْ كَانَ الْأَبُ هُوَ وَارِثُ ابْنِهِ الَّذِي هُوَ أَخُ الْمُقِرِّ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ هَذَا الْأَخُ هُوَ وَارِثُ ابْنِهِ وَحْدَهُ ثَبَتَ نَسَبُ ابْنِ الْأَخِ لِأَنَّ مِيرَاثَ الْأَخِ قَدْ أَفْضَى إِلَيْهِ عَنِ الْأَبِ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ فِي مِيرَاثِ الِابْنِ غَيْرُهُ مِمَّنْ يعتبر إقراره فِي النَّسَبِ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ حَتَّى يُصَدِّقَهُ عَلَى إِقْرَارِهِ مَنْ بَقِيَ مِنْ وَرَثَةِ الْأَبِ لِأَنَّهُ بَعْضُ مَنْ أَفْضَى إِلَيْهِ مِيرَاثُ الْأَخِ مِنَ الْأَبِ.

فَصْلٌ

: وَإِنْ تَوَسَّطَ بَيْنَ نسب المتداعيين ثلاثة يتصل بِهِمْ فَمِثَالُهُ: أَنْ يُقِرَّ رَجُلٌ بِابْنِ عَمٍّ فيكون بَيْنَهُمَا ثَلَاثَةٌ: أَبَوَانِ وَالْجَدُّ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ بَاقِيًا لَمْ يَثْبُتِ النَّسَبُ بِإِقْرَارِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ حَتَّى يُقِرَّ بِهِ الْبَاقِي مِنَ الثَّلَاثَةِ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الثَّلَاثَةِ أَحَدٌ نُظِرَ فِي حَالِ وَارِثِ الْعَمِّ الَّذِي أَقَرَّ بِأَنَّ الْمُدَّعِيَ ابْنٌ لَهُ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ جَدُّهُ وَارِثَ عَمِّهِ فَوَرِثَهُ بِأُبُوَّتِهِ.
أَوْ يَكُونُ أَبُوهُ وَارِثَ عَمِّهِ فَوَرِثَهُ بِالْأُخُوَّةِ.
أَوْ يَكُونُ هُوَ وَارِثَ عَمِّهِ فَوَرِثَهُ بِأَنَّهُ ابْنُ أَخٍ لَهُ.
فَإِنْ كَانَ هُوَ وَارِثَ عَمِّهِ ثَبَتَ نَسَبُ الْمُقَرِّ بِهِ، وَإِنْ كَانَ أَبُوهُ وَارِثَ عَمِّهِ نُظِرَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي مِيرَاثِ أبيه ثبت نسب المقر به أَيْضًا لِأَنَّ مِيرَاثَ الْمُقَرِّ بِهِ قَدْ أَفْضَى إِلَيْهِ عَنْ أَبِيهِ.
وَإِنْ كَانَ لَهُ شَرِيكٌ فِي مِيرَاثِ أَبِيهِ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُ الْمُقَرِّ بِهِ إِلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ عَلَى إِقْرَارِهِ الْمُشَارِكُ لَهُ فِي مِيرَاثِ أَبِيهِ لِأَنَّهُ بَعْضُ مَنْ أَفْضَى إِلَيْهِ مِيرَاثُ الْعَمِّ، وَإِنْ كَانَ جَدُّهُ وَارِثَ عَمِّهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِجَدِّهِ وَارِثٌ غَيْرُ أَبِيهِ وَلَا لِأَبِيهِ وَارِثٌ غَيْرُهُ، أَوْ كَانَ هُوَ وَارِثَ جَدِّهِ لِمَوْتِ أَبِيهِ قَبْلَ جَدِّهِ ثَبَتَ نَسَبُ الْمُقَرِّ بِهِ لِأَنَّ مِيرَاثَ عَمِّهِ قَدْ أَفْضَى إِلَيْهِ عَنْ أَبِيهِ ثُمَّ عن جده.

وَإِنْ كَانَ لِجَدِّهِ وَارِثٌ غَيْرُ أَبِيهِ وَلِأَبِيهِ وَارِثٌ غَيْرُهُ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُ الْمُقَرِّ بِهِ إِلَّا بِتَصْدِيقِ الْبَاقِينَ مِنْ وَرَثَةِ الْجَدِّ ثُمَّ بِالْمُشَارِكِينَ لَهُ فِي مِيرَاثِ الْأَبِ.
وَإِنْ كَانَ لِجَدِّهِ وَارِثٌ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِأَبِيهِ وارث غيره اعتبر في ثبوت النسب تصديق الْبَاقِينَ مِنْ وَرَثَةِ الْجَدِّ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِجَدِّهِ وَارِثٌ غَيْرُ أَبِيهِ لَكِنْ كَانَ لِأَبِيهِ وارث غيره اعتبر في ثبوت النسب تصديق الْبَاقِينَ مِنْ وَرَثَةِ أَبِيهِ.
عَلَى هَذِهِ الْعِبْرَةِ يَكُونُ ثُبُوتُ الْأَنْسَابِ بِالْإِقْرَارِ.

فَصْلٌ

: فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا أَوْضَحْنَا مِنْ ثُبُوتِ النَّسَبِ بِالْإِقْرَارِ انْتَقَلَ الْكَلَامُ إِلَى مِيرَاثِ الْمُقَرِّ بِهِ فَنَقُولُ: لَا يَخْلُو حَالُ مَنْ ثَبَتَ نَسَبُهُ بِالْإِقْرَارِ مِنْ أَنْ يَحْجُبَ الْمُقِرَّ عَنْ إِرْثِهِ أَوْ لَا يَحْجُبُهُ.
فَإِنْ لَمْ يَحْجُبْهُ وَرِثَ مَعَهُ كَابْنِ الْمَيِّتِ إِذَا أَقَرَّ بِأَخٍ مِنْ أَبِيهِ صَارَا ابْنَيْنِ لِلْمَيِّتِ فَاشْتَرَكَا فِي مِيرَاثِهِ، وَكَانَ الْمَيِّتُ إِذَا أَقَرَّ بِابْنٍ لِابْنِهِ الْمَيِّتِ كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ ابْنًا لَا يَحْجُبُ الْأَبَ عَنْ فَرْضِهِ فَيَأْخُذُ الْأَبُ فَرْضَهُ وَالِابْنَ مَا بَقِيَ بَعْدَهُ، وَكَأَخِ الْمَيِّتِ إِذَا أَقَرَّ بِبِنْتٍ لِأَخِيهِ الْمَيِّتِ وَرِثَتْ مِنْهُ فَرْضَهَا وَكَانَ الْبَاقِي لِلْأَخِ لَا يُحْجَبُ بِهَا.
وَإِنْ كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ يَحْجُبُ الْمُقِرَّ عَنْ إِرْثِهِ كَأَخِ الْمَيِّتِ إِذَا أَقَرَّ بِابْنٍ لِأَخِيهِ الْمَيِّتِ، وَكَابْنِ الِابْنِ إِذَا أَقَرَّ بِابْنٍ لِجَدِّهِ لِأَنَّ الِابْنَ يَحْجُبُ الْأَخَ وَيَحْجُبُ ابْنَ الِابْنِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ نَظَائِرِهِ فَإِنَّ الْمُقَرَّ بِهِ لَا يَرِثُ وَإِنْ ثَبَتَ نَسَبُهُ وَعِلَّةُ ذَلِكَ أَنَّ فِي تَوْرِيثِهِ حَجْبًا لِلْمُقِرِّ عَنْ إِرْثِهِ وَحَجْبُ الْمُقِرِّ عَنْ إِرْثِهِ مُوجِبٌ لِرَدِّ إِقْرَارِهِ وَرَدُّ إِقْرَارِهِ مُوجِبٌ لِسُقُوطِ نَسَبِ الْمُقَرِّ بِهِ وَسُقُوطُ نَسَبِهِ مَانِعٌ مِنْ إِرْثِهِ فَصَارَ تَوْرِيثُهُ مُفْضِيًا إِلَى سُقُوطِ نَسَبِهِ وَمِيرَاثِهِ فَمُنِعَ مِنَ الْمِيرَاثِ لِيَثْبُتَ لَهُ النَّسَبُ لِأَنَّ مَا أَفْضَى ثُبُوتُهُ إِلَى سُقُوطِهِ وَسُقُوطِ غَيْرِهِ مُنِعَ مِنْ ثُبُوتِهِ لِيَكُونَ مَا سِوَاهُ عَلَى ثُبُوتِهِ.
وَنَظَائِرُ ذَلِكَ فِي الشَّرْعِ كَثِيرَةٌ وَسَنَذْكُرُ مِنْهَا مَا يُوَضِّحُ تَعْلِيلَهَا وَيُمَهِّدُ أُصُولَهَا فَمِنْهَا: أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ أَبَاهُ فِي مَرَضِهِ فَيُعْتَقُ عَلَيْهِ وَلَا يَرِثُهُ لِأَنَّ عِتْقَهُ وَصِيَّةٌ وَتَوْرِيثَهُ مَانِعٌ مِنَ الْوَصِيَّةِ لَهُ وَالْمَنْعُ مِنَ الْوَصِيَّةِ لَهُ مُوجِبٌ لِبُطْلَانِ عِتْقِهِ وَبُطْلَانُ عِتْقِهِ مُوجِبٌ لِسُقُوطِ إِرْثِهِ فَصَارَ تَوْرِيثُهُ مُفْضِيًا إِلَى إِبْطَالِ عِتْقِهِ وَمِيرَاثِهِ فَثَبَتَ عِتْقُهُ وَسَقَطَ مِيرَاثُهُ.
وَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِأَبِيهِ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ يُعْتَقُ وَلَا يَرِثُ، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ يُعْتَقُ وَيَرِثُ لِأَنَّ عِتْقَهُ لَا يَكُونُ وَصِيَّةً إِذِ الْوَصِيَّةُ زَوَالُ مِلْكٍ بِغَيْرٍ بَدَلٍ وَهُوَ لَمْ يَمْلِكْ أَبَاهُ، وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ عِتْقَ الْأَبِ عَلَيْهِ بَعْدَ مِلْكِهِ إِيَّاهُ وَلَوْلَا الْمَلِكُ لَمْ يُعْتَقْ فَصَارَ عِتْقُهُ بَعْدَ الْمِلْكِ زَوَالَ مِلْكٍ بِغَيْرِ بَدَلٍ فَكَانَ وَصِيَّةً.
وَمِنْهَا أَنْ يُوصِيَ لَهُ بِابْنِهِ وَهُوَ عَبْدٌ فَيَمُوتُ قَبْلَ قَبُولِهِ وَيَخْلُفُ أَخَاهُ فَيَقْبَلُهُ الْأَخُ فَإِنَّهُ يُعْتَقُ وَلَا يَرِثُ لِأَنَّ الِابْنَ لَوْ وَرَّثْنَاهُ لَحَجَبَ الْأَخَ وَلَمْ يَصِحَّ قَبُولُهُ لِلْوَصِيَّةِ لِأَنَّهُ غَيْرُ وَارِثٍ فَيَعُودُ الِابْنُ رَقِيقًا فَأَثْبَتْنَا عِتْقَهُ وَأَبْطَلْنَا إرثه.

وَمِنْهَا أَنْ يُعْتِقَ الْمَرِيضُ أَمَتَهُ ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا فَيَصِحُّ نِكَاحُهَا وَيَبْطُلُ مِيرَاثُهَا لِأَنَّ عِتْقَهَا وَصِيَّةٌ لَوْ وَرِثَتْ بَطَلَتْ وَبُطْلَانُ الْوَصِيَّةِ بِعِتْقِهَا مُوجِبٌ لِبُطْلَانِ نِكَاحِهَا وَإِرْثِهَا فَثَبَتَ النِّكَاحُ وَسَقَطَ الْإِرْثُ.
وَمِنْهَا أَنْ يَتَزَوَّجَ الْأَمَةَ الَّتِي أَعْتَقَهَا فِي مَرَضِهِ عَلَى صَدَاقٍ مِائَةِ دِرْهَمٍ وَكَانَ قِيمَتُهَا حِينَ أَعْتَقَهَا مِائَةَ دِرْهَمٍ وَخَلَّفَ سِوَاهَا مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَيَسْقُطُ مِيرَاثُهَا وَمَهْرُهَا.
أَمَّا الْمِيرَاثُ فَلِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهَا وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ وَأَمَّا مَهْرُهَا فَإِنَّهُ يَسْقُطُ لِأَنَّهَا إِذَا أَخَذَتْهُ مِنَ التَّرِكَةِ وَهُوَ مِائَةُ دِرْهَمٍ لَا يَخْرُجُ قِيمَتُهَا وَهِيَ مِائَةُ دِرْهَمٍ مِنَ الثُّلُثِ لِأَنَّ التَّرِكَةَ بَعْدَ الصَّدَاقِ يَكُونُ مَعَ قِيمَتِهَا مِائَتَيْ دِرْهَمٍ ثُلُثُهَا: سِتَّةٌ وَسِتُّونَ وَثُلُثَانِ، وَهُوَ فِي مُقَابَلَةِ ثُلُثَيْ قِيمَتِهَا فَتَوَجَّبُ أَنْ يُعْتَقَ ثُلُثَاهَا وَيُرَقَّ ثُلُثُهَا وَفِي اسْتِرْقَاقِ ثُلُثِهَا بُطْلَانُ نِكَاحِهَا لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ السَّيِّدُ أَمَةً يَمْلِكُهَا أَوْ يَمْلِكُ شَيْئًا مِنْهَا وَبُطْلَانُ النِّكَاحِ مُوجِبٌ لِبُطْلَانِ صَدَاقِهَا فَلِذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يُمْنَعَ الصَّدَاقُ لِيَخْرُجَ قِيمَتُهَا مِنَ الثُّلُثِ فَيَصِحُّ النِّكَاحُ لِمَا فِي دَفْعِهِ مِنْ بُطْلَانِ الصَّدَاقِ وَالنِّكَاحِ.
وَمِنْهَا أَنْ يُزَوِّجَ أَمَتَهُ بِعَبْدٍ عَلَى صَدَاقٍ مِائَةِ دِرْهَمٍ ثُمَّ يُعْتِقُهَا فِي مَرَضِهِ وَقِيمَتُهَا مِائَةُ دِرْهَمٍ وَيُخَلِّفُ بَعْدَ مَوْتِهِ مِائَةَ دِرْهَمٍ فَتَصِيرُ التَّرِكَةُ ثلاثمائة درهم مائة درهم قيمتها ومئة دِرْهَمٍ صَدَاقُهَا وَمِائَةُ دِرْهَمٍ تَرِكَةُ سَيِّدِهَا فَتُعْتَقُ لِخُرُوجِ قِيمَتِهَا مِنَ الثُّلُثِ وَلَا يَكُونُ لَهَا إِذَا عُتِقَتْ تَحْتَ زَوْجِهَا الْعَبْدِ خِيَارٌ فِي فَسْخِ نِكَاحِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ لِأَنَّ فَسْخَهَا لِنِكَاحِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ سَقَطَ لِصَدَاقِهَا فَتَصِيرُ التَّرِكَةُ بَعْدَ الصَّدَاقِ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ لَا يَخْرُجُ قِيمَتُهَا مِنْ ثُلُثِهَا فَيُرَقُّ بَعْضُهَا لِعَجْزِ الثُّلُثِ وَرِقُّ بَعْضِهَا يَمْنَعُهَا مِنِ اخْتِيَارِ الْفَسْخِ فَصَارَ اخْتِيَارُهَا لِلْفَسْخِ مُفْضِيًا إِلَى بُطْلَانِ الْعِتْقِ وَالْفَسْخِ فَأُثْبِتَ الْعِتْقُ وَأُبْطِلَ الْفَسْخُ.
وَمِنْهَا أَنْ يُعْتِقَ فِي مَرَضِهِ عَبْدَيْنِ لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمَا فَيَدَّعِي عَلَيْهِ رجل ديناً يحيط بقيمتيها فَيَشْهَدُ لَهُ الْمُعَتَقَانِ بِدَيْنِهِ فَلَا تُسْمَعُ شَهَادَتُهُمَا لِمَا فِي إِثْبَاتِهَا مِنْ إِبْطَالِ عِتْقِهِمَا وَرَدِّ شَهَادَتِهِمَا.

فَصْلٌ

: وَإِذْ قَدْ مَضَى شَوَاهِدُ تِلْكَ الْأُصُولِ فَلَوْ خَلَّفَ الْمَيِّتُ أَخًا فَادَّعَى مُدَّعٍ أَنَّهُ ابْنُ الْمَيِّتِ فَأَنْكَرَهُ الْأَخُ وَنَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ فَرُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي فَحَلَفَ ثَبَتَ نَسَبُهُ وَفِي مِيرَاثِهِ قَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي يَمِينِ الْمُدَّعِي: هَلْ تَجْرِي مَجْرَى البينة أو مجرى الإقرار؟ أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تَجْرِي مَجْرَى إِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَعَلَى هَذَا لَا مِيرَاثَ لِلْمُدَّعِي وَإِنْ ثَبَتَ نَسَبُهُ بِالْبُنُوَّةِ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِنَسَبِهِ لِمَا فيه توريثه من حجبه.
والقول الثاني: أنه يَمِينَهُ بَعْدَ النُّكُولِ تَجْرِي مَجْرَى الْبَيِّنَةِ فَعَلَى هَذَا يَرِثُ الِابْنُ كَمَا لَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بنسبه.

فَصْلٌ

: وَإِذَا أَقَرَّ أَحَدُ الْوَرَثَةِ بَعْدَ اقْتِسَامِهِمُ التَّرِكَةَ أَوْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِدَيْنٍ عَلَى مُوَرِّثِهِمْ وَأَنْكَرَ بَاقِي الْوَرَثَةِ فَإِنْ كَانَ الْمُقِرُّ عَدْلًا جَازَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شُرَكَائِهِ مِنَ الْوَرَثَةِ مَعَ شَاهِدٍ آخَرَ أَوِ امْرَأَتَيْنِ أَوْ يَمِينِ الْمُدَّعِي وَيُحْكَمُ لَهُ عَلَى جَمَاعَتِهِمْ فِي التَّرِكَةِ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمُقِرُّ مِنْهُمْ عَدْلًا حَلَفَ الْمُنْكِرُونَ مِنَ الْوَرَثَةِ وَبَرِئُوا.
وَفِي قَدْرِ مَا يَلْزَمُ الْمُقِرَّ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أبي حنيفة يَلْزَمُهُ جَمِيعُ الدَّيْنِ فِي حِصَّتِهِ لِأَنَّ الدَّيْنَ قَدْ يَتَعَلَّقُ بِبَعْضِ التَّرِكَةِ إِذَا هَلَكَ بَعْضُهَا كَمَا يَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِهَا وَاسْتُحِقَّ قَضَاؤُهَا مِنْ حِصَّةِ الْمُقِرِّ لِأَنَّهُ بَعْضُهَا وَقَدْ فَاتَ الْقَضَاءُ مِنْ غَيْرِهَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: هُوَ الْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ مِنَ الدَّيْنِ إِلَّا بِقَدْرِ حِصَّتِهِ مِنْهُ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَوْ لَزِمَهُ جَمِيعُ الدَّيْنِ لَمَا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ بِهِ مَعَ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِالشَّهَادَةِ حِينَئِذٍ دَافِعًا عَنْ نَفْسِهِ وَفِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَلْزَمُهُ إِلَّا قَدْرُ حِصَّتِهِ لِيَصِحَّ أَنْ يَكُونَ بِالْبَاقِي شَاهِدًا عَلَى غَيْرِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْإِقْرَارَ كَالشَّهَادَةِ وَالدَّيْنَ كَالْعَيْنِ فَلَمَّا اسْتَوَى حَالُ الشَّهَادَةِ فِي الدَّيْنِ وَالْعَيْنِ فِي الْتِزَامِهِ مِنْهُ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ وَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَ حَالُ إِقْرَارِهِ بِالدَّيْنِ وَالْعَيْنِ فِي الْتِزَامِهِ مِنْهُ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ.
وَيَتَحَرَّرُ مِنِ اعْتِلَالِ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ قِيَاسَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَا لَزِمَهُ بِالشَّهَادَةِ لَزِمَهُ بِالْإِقْرَارِ كَالْعِتْقِ وَالْوَقْفِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَا لَزِمَهُ مِنَ الْعِتْقِ وَالْوَقْفِ لَزِمَهُ مِنَ الدَّيْنِ كَالشَّهَادَةِ.

فَصْلٌ

: فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَتِ التَّرِكَةُ أَلْفًا وَالْوَرَثَةُ ابْنَيْنِ فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ دَيْنًا لَزِمَهُ مِنْهَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ لِأَنَّهَا جَمِيعُ حِصَّتِهِ فَلَا يُلْزَمُ أَكْثَرَ مِنْهَا وَلَوْ أَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِخَمْسِمِائَةٍ فَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ يَلْزَمُهُ جَمِيعُهَا وَهِيَ جَمِيعُ حِصَّتِهِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي يَلْزَمُهُ مِنْهَا نصفها مئتان وَخَمْسُونَ.
فَلَوْ خَلَّفَ ثَلَاثَةَ بَنِينَ وَتَرَكَ ثَلَاثَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ فَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ أَلْفًا وَحَضَرَ رَجُلٌ فَادَّعَى عَلَى أَبِيهِمْ ثَلَاثَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ فَصَدَّقَهُ الْأَكْبَرُ عَلَى جَمِيعِهَا وَصَدَّقَهُ الْأَوْسَطُ عَلَى أَلْفَيْنِ وَصَدَّقَهُ الْأَصْغَرُ عَلَى أَلْفٍ مِنْهَا، فَعَلَى الْأَكْبَرِ جَمِيعُ الْأَلْفِ وَهِيَ كُلُّ مَا بِيَدِهِ لَا يَخْتَلِفُ وَأَمَّا الْأَوْسَطُ الْمُصَدِّقُ عَلَى أَلْفَيْنِ فَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ يَلْزَمُهُ جَمِيعُ الْأَلْفِ الَّتِي بِيَدِهِ وَالثَّانِي يَلْزَمُهُ ثلثا الْأَلْفُ الَّتِي بِيَدِهِ وَأَمَّا الْأَصْغَرُ الْمُصَدِّقُ عَلَى أَلْفٍ فَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ يَلْزَمُهُ جَمِيعُ الْأَلْفِ الَّتِي بِيَدِهِ وَالثَّانِي يَلْزَمُهُ ثُلُثُ الْأَلْفِ الَّتِي بِيَدِهِ.

فَصْلٌ

: فَلَوْ مَاتَ رَجُلٌ عَنِ ابْنٍ وَلَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ وَخَلَّفَ عَبْدًا يُسَاوِي أَلْفًا لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ فَقَالَ رَجُلٌ: أَوْصَى لِي أَبُوكَ بِثُلُثِ مَالِهِ، فَلَمْ يُجِبْهُ حَتَّى قَالَ آخَرُ: لِي عَلَى أَبِيكَ أَلْفٌ، فَصَدَّقَهُمَا مَعًا وَلَا بَيِّنَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا كَانَ لِمُدَّعِي الْوَصِيَّةِ رُبْعُ الْعَبْدِ وَلِمُدَّعِي الدَّيْنِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ يُبَاعُ فِي دَيْنِهِ لِأَنَّهُمَا لَمَّا اسْتَوَيَا فِي التَّصْدِيقِ لَهُمَا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ صَارَ الْعَبْدُ مَقْسُومًا عَلَى عَبْدٍ وَثُلُثٍ وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ: سَهْمٌ لِلْوَصِيَّةِ وَثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ لِلدَّيْنِ.
وَلَوْ كَانَ صَدَّقَ مُدَّعِي الدَّيْنِ قَبْلَ مُدَّعِي الْوَصِيَّةِ صَارَ الْعَبْدُ مُسْتَحِقًّا فِي الدَّيْنِ وَبَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ، وَلَوْ صَدَّقَ مُدَّعِي الْوَصِيَّةِ قَبْلَ مُدَّعِي الدَّيْنِ كَانَ لِصَاحِبِ الْوَصِيَّةِ ثُلُثُ الْعَبْدِ وَلِصَاحِبِ الدَّيْنِ ثُلُثَاهُ يُبَاعُ فِي دَيْنِهِ وَلَوْ قَالَ الْعَبْدُ: أَعْتَقَنِي أَبُوكَ فِي صِحَّتِهِ، وَقَالَ آخَرُ لِي عَلَى أَبِيكَ أَلْفٌ وَقِيمَةُ الْعَبْدِ أَلْفٌ وَلَا مَالَ لَهُ سِوَاهُ فَصَدَّقَهُمَا مَعًا صَارَ نِصْفُ الْعَبْدِ حُرًّا وَنَصِفُهُ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ يُبَاعُ فِي دينِهِ، فَلَوْ كَانَ سَبَقَ إِقْرَارُهُ لِلْعَبْدِ صَارَ جَمِيعُهُ حُرًّا وَلَا شَيْءَ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ وَلَوْ سَبَقَ إِقْرَارُهُ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ صَارَ لَهُ جَمِيعُهُ وَلَمْ يُعْتَقْ شَيْءٌ مِنْهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

مَسْأَلَةٌ:

قَالَ الْمُزَنِيُّ رضي الله عنه: " وَقَالَ فِي الْمَرْأَةِ تَقْدُمُ مِنْ أَرْضِ الرُّومِ ومعها ولد فيدعيه رجل بأرض الإسلام أنه ابنه ولم يكن يعرف أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى أَرْضِ الرُّومِ فَإِنَّهُ يُلْحَقُ بِهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا ادَّعَى رَجُلٌ مِنْ بَلَدِ الْإِسْلَامِ وَلَدَ امْرَأَةٍ قَدِمَتْ مِنْ أَرْضِ الرُّومِ وَلَمْ نَعْلَمْهُ خَرَجَ إِلَى أَرْضِ الرُّومِ لَحِقَ بِهِ الْوَلَدُ وَلَا اعْتِبَارَ بِتَصْدِيقِ الْمَرْأَةِ أَوْ تَكْذِيبِهَا لَهُ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهَا فِي نَسَبِ الْمَوْلُودِ فَلَمْ يعتبر من جهتها التصديق أو التكذيب مَا لَمْ يَدَّعِ نِكَاحَهَا وَإِنَّمَا لَحِقَ بِهِ الْوَلَدُ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ دُخُولُهُ إِلَى أَرْضِ الروم لأن الأنساب يلحق بِالْإِمْكَانِ وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ دَخَلَ أَرْضَ الرُّومِ وَلَمْ يُعْلَمْ بِهِ.
وَلَوْ أَحَطْنَا عِلْمًا أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ أَرْضَ الرُّومِ فَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ قَدْ دَخَلَتْ قَبْلَ ذَلِكَ بِلَادَ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يُعْلَمْ بِهَا فَصَارَ اجْتِمَاعُهُمَا مُمْكِنًا فَلُحِقَ بِهِ الْوَلَدُ مَعَ الْإِمْكَانِ.
فَصْلٌ : وَلَوْ تَزَوَّجَ رَجُلٌ امْرَأَةً فِي مَجْلِسِ حَاكِمٍ ثُمَّ طَلَّقَهَا عُقَيْبَ الْعَقْدِ فِي مَجْلِسِهِ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا لَمْ يُلْحَقْ بِهِ.
وَقَالَ أبو حنيفة: يُلْحَقُ بِهِ إِنْ وَضَعَتْهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ سَوَاءً لِأَنَّهَا صَارَتْ بِالْعَقْدِ فِرَاشًا.
وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ امْتِنَاعَ الْإِمْكَانِ يَمْنَعُ مِنْ لُحُوقِ النَّسَبِ وَمِنَ الْمُحَالِ الْمُمْتَنِعِ فِي عَقْدٍ يَعْقُبُهُ بِحَضْرَةِ الْقَاضِي طَلَاقٌ أَنْ يُمْكِنَ فِيهِ إِصَابَةٌ تُوجِبُ لُحُوقَ الْوَلَدِ فَانْتَفَى.
فَصْلٌ : وَلَوْ تَزَوَّجَ رَجُلٌ بِالْمَشْرِقِ امْرَأَةً بِالْمَغْرِبِ فَجَاءَتْ بَعْدَ الْعَقْدِ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ قَالَ أبو حنيفة: يُلْحَقُ بِهِ لِأَجْلِ الْفِرَاشِ.

وَنَحْنُ نَعْتَبِرُ الْإِمْكَانَ وَإِمْكَانُ اجْتِمَاعِهِمَا قَبْلَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فِي مَوْضِعِ الْوَلَدِ مُحَالٌ فَلَمْ يُلْحَقْ بِهِ.
وَهَكَذَا إِنْ وَضَعَتْهُ بَعْدَ الْعَقْدِ لِأَقَلِّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَقَدْرِ الْمَسَافَةِ لَمْ يُلْحَقْ بِهِ، فَأَمَّا إِنْ وَضَعَتْهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَقَدْرُ الْمَسَافَةِ يُلْحَقُ بِهِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَدِ اجْتَمَعَ مَعَهَا بِأَنْ سَافَرَ إِلَيْهَا سِرًّا أَوْ سَافَرَتْ إِلَيْهِ سِرًّا وَالْأَنْسَابُ تُلْحَقُ بِالْإِمْكَانِ فَإِنْ عُلِمَ قَطْعًا أَنَّهُمَا لَمْ يَجْتَمِعَا لَمْ يُلْحَقْ بِهِ الْوَلَدُ لِتَعَذُّرِ الْإِمْكَانِ.
وَقَالَ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ: يُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ لِأَنَّهُ قَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَنْزَلَ مَنِيًّا في قطنة وأرسلها إليه فَاسْتَدْخَلَتْ فَعَلِقَتْ مِنْهَا فَلَحِقَهُ بِهِ لِأَجْلِ هَذَا الإمكان وَهَذَا مَذْهَبٌ شَنِيعٌ وَتَعْلِيلٌ قَبِيحٌ لِأَنَّهُ وَطْءٌ وإحبال بالمراسلة والله المستعان.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: " وإذا كانت لَهُ أَمَتَانِ لَا زَوْجَ لواحدةٍ مِنْهُمَا فَوَلَدَتَا وَلَدَيْنِ فَأَقَرَّ السَّيِّدُ أَنَّ أَحَدَهُمَا ابْنُهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ فَمَاتَ أَرَيْتُهُمَا الْقَافَةَ فَأَيُّهُمَا أَلْحَقُوهُ بِهِ جَعَلْنَاهُ ابْنَهُ وَوَرَّثْنَاهُ مِنْهُ وَجَعَلْنَا أُمَّهُ أُمَّ ولدٍ وأوقفنا ابنه الآخر وأمه فإن لم تكن قافة لم تجعل وَاحِدًا مِنْهُمَا ابْنَهُ وَأَقْرَعْنَا بَيْنَهُمَا فَأَيُّهُمَا خَرَجَ سَهْمُهُ أَعْتَقْنَاهُ وَأُمَّهُ وَأَوْقَفْنَا الْآخَرَ وَأُمَّهُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ لَهُ أَمَتَانِ لِكُلِّ واحدة منهما ولد، قال: أَحَدُ هَذَيْنِ ابْنِي فَتَأْثِيرُ إِقْرَارِهِ مُعْتَبَرٌ بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَكُونَ لَهُمَا زَوْجٌ فَإِنَّ ذات الزوج ولدها لا حق به.
والثاني: أن لا تعلم إحداهما فراشاً للسيد بالإصابة لأنهما إذا صارت فإذا وجد الشرطان فصورة الْمَسْأَلَةِ فِي تَأْثِيرِ إِقْرَارِهِ.
وَلَهُ فِي الْأُمِّ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: إِحْدَاهَا: أَنْ يَقُولَ وَطِئْتُهَا فِي ملكي.
والثانية: أن يقول وطئتها في غير ملكي.
والثالثة: أن يطلق.
فيؤخذ بعد إقراره ببيان وَلَدِهِ مِنْهُمَا فَإِذَا أَبَانَ أَحَدَهُمَا ثَبَتَ نَسَبُهُ وَصَارَ حُرًّا وَصَارَتْ أُمُّهُ أُمَّ وَلَدٍ تُعْتَقُ بِمَوْتِهِ إِنْ أَقَرَّ أَنَّ الْوَطْءَ حَصَلَ وَهِيَ فِي مِلْكِهِ، وَإِنْ أَقَرَّ بِوَطْئِهَا فِي غَيْرِ مِلْكِهِ كَانَتْ أَمَةً.
وَإِنْ أَطْلَقَ سُئِلَ وَعُمِلَ على قوله منها.
فإذا مَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ سُئِلَ وَارِثُهُ فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ بَيَانٌ عُمِلَ عَلَيْهِ وَكَانَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ بَيَانِهِ فِي ثُبُوتِ النَّسَبِ وَلُحُوقِ الولد وَكَوْنِ أَمَتِهِ أُمَّ وَلَدٍ إِنْ أَقَرَّ بِوَطْئِهَا فِي مِلْكِهِ وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ وَطِئَهَا

فِي غَيْرِ مِلْكِهِ فَهِيَ أَمَةٌ لَا تُعْتَقُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ وَلَكِنْ تُعْتَقُ بَعْدَ مَوْتِهِ بِمِيرَاثِ الِابْنِ لَهَا لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ أُمَّهُ عُتِقَتْ عَلَيْهِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْوَارِثِ بَيَانٌ وَجَبَ أَنْ يُرْجَعَ إِلَى بَيَانِ الْقَافَةِ إِنْ وُجِدُوا لِمَا فِي قَوْلِهِمْ مِنْ تَمْيِيزِ الْأَنْسَابِ الْمُشْتَبِهَةِ فَإِذَا بَيَّنُوا أَحَدَهُمَا لَحِقَ بِهِ وَصَارَ حُرًّا وَعُتِقَتْ أُمُّهُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ إِنْ كَانَتْ أم ولد بإقراره، أو يملكها ابْنُهَا إِنْ جُعِلَتْ أُمُّهُ بِوَطْئِهَا فِي غَيْرِ مِلْكٍ.
وَإِنْ أَطْلَقَ فَفِي ظَاهِرِ إِطْلَاقِهِ وَجْهَانِ: أحدهما: الإصابة فِي الْمِلْكِ فَتَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ.
وَالثَّانِي: فِي غير الملك ليستديم لَهَا حُكْمُ الرِّقِّ.
فَإِنْ جُعِلَتْ أُمَّ وَلَدٍ عُتِقَتْ عَلَى السَّيِّدِ بِمَوْتِهِ.
وَإِنْ جُعِلَتْ أَمَةً عُتِقَتْ عَلَى الِابْنِ بِمِلْكِهِ وَكَانَ الْوَلَدُ الْآخَرُ وَأُمُّهُ مَمْلُوكَيْنِ.
وَاسْتِدْلَالُ الْقَافَةِ فِي إِلْحَاقِ أَحَدِهِمَا بِالْمُقِرِّ بَعْدَ مَوْتِهِ يَكُونُ مِنْ وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ: إما أن يكونوا عارفين بالمقر فيستدلوا بِمَا قَدْ عَرَفُوهُ مِنْ شَبَهِهِ بِالْوَلَدِ.
وَإِمَّا أَنْ لَا يَعْرِفُوهُ فَيَتَعَجَّلُوا النَّظَرَ إِلَيْهِ قَبْلَ دفنه.
وإما أن يفوتهم ذلك فيستدلوا بِشَبَهِ عَصَبَتِهِ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْقَافَةِ بَيَانٌ لَعَدَمِهِمْ أَوْ لِاشْتِبَاهِ الْأَمْرِ عَلَيْهِمْ فَقَدْ فَاتَ مَا يَسْتَدِلُّونَ بِهِ مِنْ لُحُوقِ النَّسَبِ وَهُوَ أَحَدُ أَحْكَامِ الْوَلَدِ لِأَنَّ لَهُ أَحْكَامًا ثَلَاثَةً: أَحَدُهُمَا: ثُبُوتُ النَّسَبِ.
وَالثَّانِي: الْحُرِّيَّةُ.
وَالثَّالِثُ: الْمِيرَاثُ.
فَإِذَا انْتَفَى ثُبُوتُ النَّسَبِ سَقَطَ الْمِيرَاثُ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْفَرِدَ عَنِ النَّسَبِ وَتَثْبُتُ الْحُرِّيَّةُ الَّتِي تَجُوزُ أَنْ تَنْفَرِدَ عَنِ النَّسَبِ وَيُمْكِنُ تَمْيِيزُهَا بِالْقُرْعَةِ إِذَا فَاتَ الْبَيَانُ بِالْقَافَةِ فَيُقْرَعُ حِينَئِذٍ بَيْنَ الْوَلَدَيْنِ فَإِذَا قُرِعَ أَحَدُهُمَا صَارَ حُرًّا وَلَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ خَيْرَانَ: فَيَصِيرُ بِالْقُرْعَةِ وَلَدًا حُرًّا لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ تَثْبُتُ لَهُ بِالْوِلَادَةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرْتَفِعَ أَصْلُهَا وَيَبْقَى حُكْمُهَا.
وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ الْقُرْعَةَ لَا تَدْخُلُ فِي تَمْيِيزِ الْأَنْسَابِ الْمُشْتَبِهَةِ وَتَدْخُلُ فِي تَمْيِيزِ الْحُرِّيَّةِ الْمُشْتَبِهَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ تَنَازُعَ رَجُلَيْنِ فِي وَلَدٍ يُمْنَعُ مِنَ الْإِقْرَارِ بَيْنَهُمَا فِي نَسَبِهِ، وَإِشْكَالُ الْحُرِّيَّةِ بَيْنَ عَبْدَيْنِ يُوجِبُ دُخُولَ الْقُرْعَةِ بَيْنَهُمَا في حريته وصارت القرعة ههنا فِي إِثْبَاتِ أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ بِمَثَابَةِ الشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ فِي السَّرِقَةِ فِي ثُبُوتِ الْغُرْمِ دُونَ الْقَطْعِ ثُمَّ إِذَا عُتِقَ أَحَدُ الْوَلَدَيْنِ بِالْقُرْعَةِ نُظِرَ حَالُ أُمِّهِ فَإِنْ كَانَ قَدْ أَقَرَّ بِوَطْئِهَا فِي مِلْكِهِ عُتِقَتْ لِكَوْنِهَا أُمَّ وَلَدٍ ثُمَّ يَجْرِي عِتْقُهَا بِمَوْتِ السَّيِّدِ وَإِنْ كَانَ قَدْ

أَقَرَّ بِوَطْئِهَا فِي غَيْرِ مِلْكِهِ فَهِيَ مَرْقُوقَةٌ لَا تُعْتَقُ عَلَى الْوَلَدِ لِأَنَّ الْوَلَدَ لَمْ يَرِثْ فَتُعْتَقُ عَلَيْهِ بِمِلْكِهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَطْلَقَ إِقْرَارَهُ فَعَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: قَدْ صَارَتْ له أم ولد فعتقت عَلَيْهِ بِمَوْتِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا أَمَةٌ لِوَرَثَتِهِ.
وَأَمَّا الْوَلَدُ الْآخَرُ وَأُمُّهُ فَعَلَى رِقِّهِمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

مسألة:

قال المزني رضي الله عنه: " وسمعت الشافعي رحمه الله يَقُولُ: لَوْ قَالَ عِنْدَ وَفَاتِهِ لِثَلَاثَةِ أولادٍ لِأَمَتِهِ أَحَدُ هَؤُلَاءِ وَلَدِي وَلَمْ يُبَيِّنْ وَلَهُ ابْنٌ معروفٌ يُقْرَعْ بَيْنَهُمْ فَمَنْ خَرَجَ سَهْمُهُ عُتِقَ وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ نسبٌ وَلَا ميراثٌ وَأُمُّ الْوَلَدِ تُعْتَقُ بِأَحَدِ الثَّلَاثَةِ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) رحمه الله يلزمه على أصله المعروف أن يجعل للابن الْمَجْهُولِ مُوَرَّثًا مَوْقُوفًا يُمْنَعُ مِنْهُ الِابْنَ الْمَعْرُوفُ وليس جهلنا بأيها الابن جهلاً بأن فيهم ابناً وإذا عقلنا أن فيهم ابنا فقد علمنا أن له مورث ابن ولو كان جهلنا بأيهم الابن جهلا بأن فيهم ابنا لجهلنا بذلك أن فيهم حراً وبيعوا جميعاً وأصل الشافعي رحمه الله لو طلق نساءه إلا واحدةٍ ثلاثاً ثلاثاً ولم يبين أنه يوقف مورث واحدة حتى يصطلحن ولم يجعل جهله بها جهلاً بمورثها وهذا وذاك عندي في القياس سواءٌ (قال المزني) رحمه الله وأقول أنا في الثلاثة الأولاد إن كان الأكبر هو الابن فهو حرٌّ والأصغر والأوسط حران بأنهما ابنا أم ولدٍ وإن كان الأوسط هو الابن فهو حرٌّ والأصغر حرٌّ بأنه ابن أم ولدٍ وإن كان الأصغر هو الابن فهو حر بالبنوة فالأصغر على كل حالٍ حرٌّ لا شك فيه فكيف يرق إذا وقعت عليه القرعة بالرق وتمكن حرية الأوسط في حالين ويرق في حالٍ وتمكن حرية الأكبر في حالٍ ويرق في حالين ويمكن أن يكونا رقيقين للابن المعروف والابن المجهول نصفين ويمكن أن يكون الابن هو الأكبر فيكون الثلاثة أحراراً فالقياس عندي على معنى قول الشافعي أن أعطي اليقين وأقف الشك فللابن المعروف نصف الميراث لأنه والذي أقر به ابنان فله النصف والنصف الآخر موقوف حتى يعرف أن يصطلحوا والقياس على معنى قول الشافعي الوقف إذا لم أدر أهما عبدان أو حران أم عبدٌ وحرٌّ أن يوقفا ومورث ابن حتى يصطلحوا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي سَيِّدِ أَمَةٍ لَهَا ثَلَاثَةُ أَوْلَادٍ قَالَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ: أَحَدُ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ ابْنِي فَلَا يَخْلُو حَالُهُ فِي الْأُمِّ عِنْدَ هَذَا الْقَوْلِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: أحدهما: أن يقول: وطئت أمه في ملكي.
والثاني: أن يقول: وطئتها في غير ملكي.

والثالث: أَنْ يُطْلِقَ.
فَإِنْ قَالَ وَطِئْتُهَا فِي غَيْرِ مِلْكِي لَمْ تَصِرْ لَهُ أُمَّ وَلَدٍ وَأُخِذَ بِبَيَانِ الْوَلَدِ فَإِنْ قَالَ: هُوَ الْأَكْبَرُ، لَحِقَهُ وَحْدَهُ وَصَارَ حُرًّا يَرِثُهُ وَرَقَّ الْأَوْسَطُ وَالْأَصْغَرُ.
وَإِنْ قَالَ: هُوَ الْأَوْسَطُ لَحِقَهُ وَحْدَهُ وَصَارَ حُرًّا يَرِثُهُ وَيَرِقُّ الْأَكْبَرُ وَالْأَصْغَرُ.
وَإِنْ قَالَ: هُوَ الْأَصْغَرُ، لَحِقَهُ وَحْدَهُ وَصَارَ حُرًّا يَرِثُهُ وَرَقَّ الْأَكْبَرُ وَالْأَوْسَطُ.

فَصْلٌ

: فَإِنْ كَانَ قَالَ: وَطِئْتُهَا فِي مِلْكِي، صَارَتْ بِهَذَا الْقَوْلِ أُمَّ وَلَدٍ وَأُخِذَ بِبَيَانِ الْوَلَدِ فَإِنْ قَالَ: هُوَ الْأَكْبَرُ لَحِقَهُ بِهِ وَصَارَ حُرًّا وَارِثًا، وَهَلْ يُلْحَقُ بِهِ الْأَوْسَطُ وَالْأَصْغَرُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَلْحَقَانِ بِهِ أَيْضًا مَعَ الْأَكْبَرِ وَيَصِيرُ الثَّلَاثَةُ كُلُّهُمْ أَوْلَادًا يَرِثُونَهُ لِأَنَّهَا بِالْأَوَّلِ صَارَتْ فِرَاشًا فَلَحِقَ بِهِ كُلُّ وَلَدٍ جَاءَتْ بِهِ مِنْ بَعْدِهِ وَخَالَفَ حُكْمَ قَوْلِهِ: وَطِئْتُهَا فِي غَيْرِ مِلْكِي لِأَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ الَّذِي أَصَابَهَا فِيهِ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ قَدِ ارْتَفَعَ بِحدوث مِلْكِهِ فَارْتَفَعَ الْفِرَاشُ بِهِ، وَإِنْ أَقَرَّ بِإِصَابَتِهَا فِي الْمِلْكِ فَالْفِرَاشُ بَاقٍ لِبَقَاءِ الْمِلْكِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْأَكْبَرَ لَاحِقٌ بِهِ دُونَ الْأَوْسَطِ وَالْأَصْغَرِ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ وَضَعَتِ الْأَوَّلَ فِي مِلْكِهِ ثُمَّ بِيعَتْ عَلَيْهِ فِي رَهْنٍ فَوَلَدَتِ الْأَوْسَطَ وَالْأَصْغَرَ مِنْ زَوْجٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا وَالْوَلَدَيْنِ مَعَهَا تكون قد زوجها على ملكه بعد شرائها فَجَاءَتْ بِالْوَلَدَيْنِ مِنْ زَوْجِهَا فَصَارَ لُحُوقُهُمَا بِهِ شَكًّا عَلَى تَجْوِيزٍ مُتَرَجَّحٍ وَالْأَنْسَابُ لَا تُلْحَقُ بالشك والتجويز فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ هَلْ يَكُونَانِ فِي حُكْمِ أُمِّ الْوَلَدِ يُعْتَقَانِ بِمَوْتِ السَّيِّدِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: صَارَا فِي حُكْمِهَا يُعْتَقَانِ بِالْمَوْتِ لِأَنَّهُمَا وَلَدَا أُمِّ وَلَدٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُمَا عَلَى الرِّقِّ لَا يُعْتَقَانِ بِمَوْتِ السَّيِّدِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَا مِنْ زَوْجٍ بَعْدَ بَيْعِهَا عَلَيْهِ فِي الرَّهْنِ ثُمَّ ابْتَاعَهُمَا مَعَ الْأُمِّ فَصَارَتِ الْأُمُّ لَهُ أُمَّ وَلَدٍ وَلَمْ يَصِرِ الْوَلَدَانِ فِي حُكْمِ أُمِّ الْوَلَدِ لِأَنَّهَا وَلَدَتْهُمَا فِي حَالٍ لَمْ تَكُنْ فِيهَا أُمَّ وَلَدٍ وَلَا يَجُوزُ إِثْبَاتُ حُرِّيَّةٍ بِالشَّكِّ كَمَا لَا يَجُوزُ إِثْبَاتُ نَسَبٍ بِالشَّكِّ.
فَهَذَا حُكْمُ بَيَانِهِ فِي الِابْنِ الأكبر.
أما لَوْ قَالَ: وَلَدِي مِنَ الثَّلَاثَةِ هُوَ الْأَوْسَطُ، فَالْأَوْسَطُ لَاحِقٌ بِهِ وَالْأَكْبَرُ عَلَى الرِّقِّ لَا يَلْحَقُ بِهِ.
وَفِي لُحُوقِ الْأَصْغَرِ بِهِ وَجْهَانِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا: أَحَدُهُمَا: هُوَ لَاحِقٌ بِهِ.
وَالثَّانِي: لَا يُلْحَقُ بِهِ.
وَفِي حُرِّيَّتِهِ بِمَوْتِ السيد وجهان.

وَإِنْ قَالَ: وَلَدِي مِنَ الثَّلَاثَةِ هُوَ الْأَصْغَرُ لَحِقَ بِهِ وَحْدَهُ وَرَقَّ الْأَكْبَرُ وَالْأَوْسَطُ.

فَصْلٌ

: وَإِنْ أَطْلَقَ ذِكْرَ الْأُمِّ حِينَ أَقَرَّ بِالْوَلَدِ بَعْدَ تَعْيِينِهِ حَتَّى فَاتَ بَيَانُهُ بِالْمَوْتِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ اسْتِصْحَابًا لِحُكْمِ الرِّقِّ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ إِثْبَاتُ حُرِّيَّةٍ بِالشَّكِّ، فَعَلَى هَذَا لَا يُلْحَقُ بِهِ إِلَّا الْوَلَدُ الَّذِي بَيَّنَهُ وَحْدَهُ سَوَاءٌ بَيَّنَ الْأَكْبَرَ أَوِ الْأَصْغَرَ مِنْهُمْ وَيَكُونُ الْآخَرَانِ عَلَى رِقِّهِمَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ اعْتِبَارًا بِالظَّاهِرِ مِنْ حَالِ الْفِرَاشِ أَنَّهُ ثَابِتُ النَّسَبِ الْمَوْجُودِ مِنَ الْمِلْكِ دُونَ مَا لَا يُعْرَفُ لَهُ سَبَبٌ مِنْ نِكَاحٍ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْجَوَابُ عَلَى مَا مَضَى لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ وَطِئَهَا فِي مِلْكِهِ.
فَهَذَا الْكَلَامُ فِيهِ إِذَا اسْتُدْرِكَ مِنْ جِهَتِهِ بَيَانُ الْوَلَدِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ.

فَصْلٌ

: فَأَمَّا إِنْ فَاتَ مِنْ جِهَتِهِ بَيَانُ الْوَلَدِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ وَجَبَ أَنْ يُرْجَعَ إِلَى بَيَانِ الْقَافَةِ الَّذِي يَتَمَيَّزُ بِقَوْلِهِمْ مَا اشْتَبَهَ مِنَ الْأَنْسَابِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْقَافَةَ فِيمَا نَقَلَهُ الْمُزَنِيُّ إِمَّا بِحَذْفِ الْكَاتِبِ إِيَّاهُ وَإِمَّا لِاخْتِصَارِ الْمُزَنِيِّ لَهُ تَعْوِيلًا عَلَى مَا قَدْ عُرِفَ مِنْ مَذْهَبِهِ مِنْ ذِكْرِ الْقَافَةِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ أَقَرَّ أَنَّهُ وَطِئَهَا فِي غَيْرِ مِلْكِهِ فَإِنْ أَلْحَقَتِ الْقَافَةُ بِهِ أَحَدَ الثَّلَاثَةِ لَحِقَ بِهِ وَرَقَّ مَنْ سِوَاهُ وَكَانَتِ الْأُمُّ أَمَةً تُعْتَقُ عَلَى الِابْنِ بِإِرْثِهِ لَهَا وَإِنْ أَلْحَقَتِ الْقَافَةُ بِهِ اثْنَيْنِ مِنَ الثَّلَاثَةِ لَمْ يَلْحَقَا بِهِ لِأَنَّهُ قَدْ أَقَرَّ بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ وَخَرَجَ مَنْ نَفَتْهُ الْقَافَةُ مِنْهُمْ أَنْ يَكُونَ مِنْ حُكْمِهِمْ وَصَارَ حُكْمُ النَّسَبِ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الِاثْنَيْنِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَعَيَّنَ نَسَبُ أَحَدِهِمْ وَلَا يُسْتَفَادُ بِهَذِهِ الْقَافَةِ إِلَّا خُرُوجُ نَسَبِ الْمَنْفِيِّ مِنْهُمْ وَالْحُكْمُ بِرِقِّهِ مِنْ بَيْنِهِمْ.
وَإِنْ أَلْحَقُوا الثَّلَاثَةَ بِهِ فَلَا بَيَانَ فِيهِمْ وَإِنْ كَانَ قَدْ أَقَرَّ بِوَطْئِهَا فِي مِلْكِهِ فَإِنْ أَلْحَقُوا بِهِ أَحَدَهُمْ لَحِقَ بِهِ وَهَلْ يَتْبَعُهُ مَنْ دُونَهُ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَتْبَعُهُ وَيَرِقُّ.
وَالثَّانِي: يَتْبَعُهُ.
فَعَلَى هَذَا إِنْ أَلْحَقُوا بِهِ الْأَكْبَرَ تَبِعَهُ الْأَوْسَطُ وَالْأَصْغَرُ فِي الْحُرِّيَّةِ وَثُبُوتِ النَّسَبِ وَصَارَ الثَّلَاثَةُ لَهُ أَوْلَادًا يَرِثُونَهُ.
وَإِنْ أَلْحَقُوا بِهِ الْأَوْسَطَ تَبِعَهُ الْأَصْغَرُ فَلَحِقَا بِهِ مَعًا، وَكَانَ الْأَكْبَرُ مَمْلُوكًا.
وَإِنْ أَلْحَقُوا بِهِ الْأَصْغَرَ لَحِقَ بِهِ وَحْدَهُ دُونَ الْأَكْبَرِ وَالْأَوْسَطِ.
وَلَوْ أَلْحَقَتِ الْقَافَةُ بِهِ ابْنَيْنِ مِنْهُ فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُمَا لَكِنْ يَخْرُجُ الْمَنْفِيُّ عَنْهُمَا وَيَصِيرُ مَمْلُوكًا وَيَتَرَدَّدُ النَّسَبُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ، وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي: يَلْحَقُ بِهِ الِاثْنَانِ مَعًا فَعَلَى هَذَا إِنْ أَلْحَقُوا بِهِ الْأَكْبَرَ وَالْأَوْسَطَ لَحِقَا بِهِ مَعَ الْأَصْغَرِ أَيْضًا وَكَانَ تَبَعًا لَهُمَا، وَإِنْ أَلْحَقُوا بِهِ الْأَكْبَرَ وَالْأَصْغَرَ لَحِقَا بِهِ مَعَ

الْأَوْسَطِ وَكَانَ تَبَعًا لِلْأَكْبَرِ وَإِنْ أَلْحَقُوا بِهِ الْأَوْسَطَ وَالْأَصْغَرَ لَحِقَا بِهِ مَعًا لَا غَيْرَ وَرَقَّ الْأَكْبَرُ وَحْدَهُ.
وَلَوْ أَلْحَقَتِ الْقَافَةُ بِهِ الثَّلَاثَةَ لَحِقُوا بِهِ.

فَصْلٌ

: وَإِنْ فَاتَ الْبَيَانُ مِنْ جِهَةِ الْقَافَةِ لَعَدَمِهِمْ أَوْ لِإِشْكَالِ الشَّبَهِ عَلَيْهِمْ فَإِنْ كَانَ إِقْرَارُهُ بِالْوَطْءِ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ فَهِيَ عَلَى الرِّقِّ وَلَا يَثْبُتُ نَسَبُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِفَوَاتِ بَيَانِهِ لَكِنْ يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ تَمْيِيزًا لِحُرِّيَّةِ أَحَدِهِمْ.
فَإِذَا أُقْرِعَ أَحَدُهُمْ عُتِقَ وَحْدَهُ وَرَقَّ الْآخَرَانِ وَهَذَا مِمَّا لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ الْمُزَنِيُّ وَسَائِرُ أَصْحَابِنَا.
وَإِنْ كَانَ إِقْرَارُهُ بِالْوَطْءِ فِي مِلْكِهِ فَفِي ثُبُوتِ نَسَبِ الْأَصْغَرِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَثْبُتُ نَسَبُهُ إِذَا قِيلَ إِنَّ ثُبُوتَ نَسَبِ أَحَدِ الثَّلَاثَةِ بِبَيَانِ الْمُقِرِّ أَوِ الْقَافَةِ يُوجِبُ ثُبُوتَ نَسَبِ أَحَدِ الثَّلَاثَةِ مِنْ دُونِهِ لِأَنَّ الْأَصْغَرَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ثَابِتُ النَّسَبِ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ الْأَكْبَرُ هُوَ الِابْنُ تَبِعَهُ الْأَوْسَطُ وَالْأَصْغَرُ وَإِنْ كَانَ الْأَوْسَطُ هُوَ الِابْنُ تَبِعَهُ الْأَصْغَرُ، وَإِنْ كَانَ الْأَصْغَرُ، ثَبَتَ نَسَبُهُ وَحْدَهُ وَصَارَ الْأَصْغَرُ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا وَلَدًا ثَابِتَ النَّسَبِ وَارِثًا.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ وَهَذَا مَذْهَبُ الْمُزَنِيِّ وَإِنَّمَا حَذَفَهُ الْكَاتِبُ مِنْ كَلَامِهِ.
فَعَلَى هَذَا تَسْقُطُ الْقُرْعَةُ بَيْنَ الْآخَرَيْنِ وَيَرِقَّانِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ نَسَبَ الْأَصْغَرِ لَا يَثْبُتُ إِذَا قِيلَ إِنَّ ثُبُوتَ نَسَبِ أَحَدِهِمْ لَا يُوجِبُ ثُبُوتَ نَسَبِ مَنْ سِوَاهُ، فَعَلَى هَذَا: هَلْ يُعْتَقُ الْأَصْغَرُ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يعتق إذا قيل: أن ثبوت نسب أحدهم يجعل من دونه ولد أم ولد، فعلى هَذَا تَسْقُطُ الْقُرْعَةُ بَيْنَ الْأَخَوَيْنِ وَيَرِقَّانِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ إِذَا قِيلَ: إِنَّ ثُبُوتَ نسب أحدهم لا يجعل من دونه ولد أو وَلَدٍ فَعَلَى هَذَا يُقْرَعُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ فَيُعْتَقُ أَحَدُهُمْ بِالْقُرْعَةِ تَمْيِيزًا لِلْحُرِّيَّةِ فَإِذَا أُقْرِعَ أَحَدُهُمْ عُتِقَ وَحْدَهُ وَرَقَّ مَا سِوَاهُ وَالْأُمُّ حُرَّةٌ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا لِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ بِأَحَدِ الثَّلَاثَةِ وَلَا يَرِثُ مَنْ عُتِقَ بِالْقُرْعَةِ لِأَنَّ نَسَبَهُ لَمْ يَثْبُتْ.
فَأَمَّا مِيرَاثُ الْمُقِرِّ فَال

ْمَسْأَلَةُ

مُصَوَّرَةٌ: أَنَّ الْمُقِرَّ تَرَكَ مَعَ الثَّلَاثَةِ ابْنًا مَعْرُوفًا فَهَلْ يُوقَفُ مِنَ التَّرِكَةِ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يُوقَفُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُزَنِيِّ وَطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا لِمَا ذَكَرَهُ الْمُزَنِيُّ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ جَهْلُنَا بِأَيِّهِمْ الِابْنُ جَهْلًا بِأَنَّ فِيهِمِ ابْنًا كَمَنْ طَلَّقَ ثَلَاثًا مِنْ نِسَائِهِ وُقِفَ مِيرَاثُ زَوْجَةٍ وَلَا يَكُونُ جَهْلُنَا بِأَيِّهِمِ الزَّوْجَةُ جَهْلًا بِأَنَّ فِيهِمْ زَوْجَةً وَتَأَوَّلُوا قَوْلَ الشَّافِعِيِّ: " وَلَا مِيرَاثَ " يَعْنِي لِمَنْ عُتِقَ بِالْقُرْعَةِ لَا أَنَّهُ أَرَادَ تَرْكَ وَقْفِهِ.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُوقَفُ مِنَ التَّرِكَةِ شَيْءَ لِفَوَاتِ الْبَيَانِ بِمَا يَسْتَدْرِكُ بِهِ مِنَ الْمُقِرُّ فِي حَيَاتِهِ وَمِنَ الْقَافَةِ مِنْ بَعْدِهِ وَلَا يَكُونُ عِلْمُنَا بِأَنَّ فِيهِمِ ابْنًا مُوجِبًا لِوَقْفِ مِيرَاثِهِ عِنْدَ فَوَاتِ الْبَيَانِ كَالْعَرَبِيِّ إِذَا مَاتَ مَجْهُولَ الْعُصْبَةِ لَا يُوقَفُ مِيرَاثُهُ إِذَا مَاتَ وَإِنْ عَلِمْنَا أَنَّ لَهُ فِي الْعَرَبِ عُصْبَةً وَكَانَ الْجَهْلُ بِأَقْرَبَ عُصْبَتِهِ مُسْقِطًا لِحُكْمِ عُصْبَتِهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ أَنْ يُوقَفَ بَعْضُ التَّرِكَةِ لِأَنَّ فِي الثَّلَاثَةِ ابْنًا لَجَازَ أَنْ يُوقَفَ مِنْ مِيرَاثِ مَنْ مَاتَ مِنَ الثَّلَاثَةِ لِأَنَّ فِيهِمِ ابْنًا لِأَنَّ مَنْ كَانَ وَارِثًا كَانَ مَوْرُوثًا، فَأَمَّا وَقْفُ مِيرَاثِ الزَّوْجَةِ الْمَجْهُولَةِ مِنَ الْأَرْبَعِ فَوَاجِبٌ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّنَا فِي الزوجات على يقين من ثبوت الزوجة ووقف الْمِيرَاثِ لَهُنَّ، وَلَسْنَا عَلَى يَقِينٍ مِنْ ثُبُوتِ النَّسَبِ فَلَمْ يَقِفِ الْمِيرَاثُ بَيْنَهُمْ.
فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَانِ الْوَجْهَانِ فَإِنْ قُلْنَا بِسُقُوطِ الْوَقْفِ وَتَعْجِيلِ الْقِسْمَةِ نُظِرَ فَإِنْ حُكِمَ بِثُبُوتِ نَسَبِ الْأَصْغَرِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فَالتَّرِكَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِابْنِ المعروف وإن لم يحكم بثبوت نسبه كانت التركة كلها للابن لمعروف.
وَإِنْ قُلْنَا يُوقَفُ الْمِيرَاثُ، وُقِفَ نِصْفُ التَّرِكَةِ وَكَانَ نِصْفُهَا لِلِابْنِ الْمَعْرُوفِ إِنْ لَمْ يُحْكَمْ بِثُبُوتِ نَسَبِ الْأَصْغَرِ.
فَإِنْ حُكِمَ بِثُبُوتِ نَسَبِهِ كَانَ بَيْنَهُمَا.
وَهَكَذَا وَقْفُ الْمِيرَاثِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ وَلَدِ إِحْدَى الِاثْنَتَيْنِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

مَسْأَلَةٌ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَتَجُوزُ الشَهَادَةُ أَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ لَهُ وَارِثًا غَيْرَ فلانٍ إِذَا كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ الْبَاطِنَةِ وَإِنْ قَالُوا بَلَغَنَا أَنَّ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ لَمْ يُقَسَّمِ الْمِيرَاثُ حَتَّى يُعْلَمَ كَمْ هُوَ فَإِنْ تَطَاوَلَ ذَلِكَ دُعِيَ الْوَارِثُ بِكَفِيلٍ لِلْمِيرَاثِ وَلَا نَجْبُرُهُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا ادَّعَى رَجُلٌ مِيرَاثَ مَيِّتٍ وَشَهِدَ لَهُ شَاهِدَانِ بِاسْتِحْقَاقِ ميراثه لم تسمع الشهادة منهما حتى يذكر أن مَا اسْتَحَقَّ بِهِ مِيرَاثَهُ مِنْ سَبَبٍ أَوْ نَسَبٍ لِاخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَوَارِيثِ الْمُسْتَحَقَّةِ وَالْأَحَقِّ بِهَا مِنَ الْوَرَثَةِ فَإِذَا شَهِدَا بِمَا يَصِيرُ بِهِ وَارِثًا مِنْ نَسَبٍ أَوْ سَبَبٍ يستحق به فرضاً أو تعصيباً لم يخلو حَالُ شَهَادَتِهِمَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَتَضَمَّنَ إِثْبَاتَ مِيرَاثِ الْمُدَّعِي وَنَفْيَ مِيرَاثِ غَيْرِهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَتَضَمَّنَ إِثْبَاتَ مِيرَاثِهِ وَمِيرَاثَ غَيْرِهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَتَضَمَّنَ إِثْبَاتَ مِيرَاثِهِ وَلَا يَتَضَمَّنَ ذِكْرَ غَيْرِهِ فِي إِثْبَاتِ وَلَا نَفْيٍ.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنْ يَتَضَمَّنَ إِثْبَاتَ مِيرَاثِهِ وَنَفْيَ مِيرَاثِ غَيْرِهِ فَصُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ الشَّاهِدَانِ: نَشْهَدُ أَنَّ فُلَانًا هَذَا وَارِثُ فُلَانِ الْمَيِّتِ وأن الْمَيِّتِ لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ فَيَصِيرَانِ

شَاهِدَيْنِ بِإِثْبَاتٍ وَنَفْيٍ.
أَمَّا الْإِثْبَاتُ فَشَهَادَتُهُمَا بِهِ عَلَى الْبَتِّ وَالْقَطْعِ، وَهِيَ مَقْبُولَةٌ سَوَاءٌ كَانَا مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ الْبَاطِنَةِ بِالْمَيِّتِ أَمْ لَا لِأَنَّهُمَا قَدْ يَصِلَانِ إِلَى الْعِلْمِ بِهِ كَمَا يَصِلُ إِلَيْهِ مَنْ كَانَ مِنْ خُلَطَائِهِ، وَأَمَّا النفي فشهادتهما عَلَى الْعِلْمِ دُونَ الْبَتِّ وَالْقَطْعِ لِأَنَّهُ لَا يُوصَلُ إِلَى نَفْسِهِ وَإِنَّمَا يُعْلَمُ مِنْ غَالِبِ أَحْوَالِهِ، وَتَصِحُّ الشَّهَادَةُ عَلَى النَّفْيِ إِذَا كَانَ تَبَعًا لِلْإِثْبَاتِ وَلَا تَصِحُّ عَلَى نَفْيٍ مُجَرَّدٍ وهي ههنا تَبَعًا لِلْإِثْبَاتِ فَصَحَّتْ أَلَا تَرَى إِلَى مَا رُوِيَ عَنْ عَلَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: مَا كَانَ يَحْجِزُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ شَيْءٌ إِلَّا الْجَنَابَةَ.
فَصَحَّ نَفْيُهُ لَمَّا اقْتَرَنَ بِإِثْبَاتٍ وَإِذَا صَحَّتِ الشَّهَادَةُ عَلَى النَّفْيِ تَبَعًا لِلْإِثْبَاتِ اعْتُبِرَ حَالُ الشَّاهِدَيْنِ بِهِ.
فَإِنْ كَانَا مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ الْبَاطِنَةِ بِالْمَيِّتِ قَبْلَ شَهَادَتِهِمَا فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ مَعًا ودفع المال للمشهود له.
ألا ترى أن علياً كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ الْبَاطِنَةِ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَصَحَّ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِالنَّفْيِ تَبَعًا لِلْإِثْبَاتِ فِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَحْجِزُهُ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ شَيْءٌ إِلَّا الْجَنَابَةَ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الشَّاهِدَانِ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ الْبَاطِنَةِ بِالْمَيِّتِ وَلَا مِمَّنْ خَبَرَ جَمِيعَ أَحْوَالِهِ فِي حَضَرِهِ وَسَفَرِهِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا عَلَى النَّفْيِ لِوَارِثٍ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِيمَا خَفِيَ عَلَيْهِمَا مِنْ حَالِهِ نَسَبٌ لَمْ يَعْلَمَا بِهِ ولا يكون ذلك قد خالف ما شهدا به من الإثبات فتعتبر الشَّهَادَة بِهَا بِإِثْبَاتٍ مُجَرَّدٍ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فَهَذَا قِسْمٌ.

فَصْلٌ

: وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ تَتَضَمَّنَ الشَّهَادَةُ إِثْبَاتَ مِيرَاثِهِ وَمِيرَاثَ غَيْرِهِ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُثْبِتَا مِيرَاثَ غَيْرِهِ إِثْبَاتَ شَهَادَةٍ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُثْبِتَا مِيرَاثَ غَيْرِهِ إِثْبَاتَ خَبَرٍ.
فَإِنْ كَانَ إِثْبَاتَ شَهَادَةٍ فَصُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ: نَشْهَدُ أَنَّ فُلَانًا هَذَا وَارِثُ فُلَانٍ الْغَائِبِ يَرِثَانِهِ بِوَجْهِ كَذَا فَإِنْ وَصَلَا الشَّهَادَةَ بِأَنْ قَالَا: لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُمَا تَمَّتْ إِذَا كَانَا مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ الْبَاطِنَةِ وَدُفِعَ إِلَى الْحَاضِرِ حَقَّهُ مِنَ التَّرِكَةِ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى، وَوُقِفَ لِلْغَائِبِ حَقُّهُ مِنْهَا.
وَإِنْ لَمْ يَقُولَا: لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُمَا صَارَتْ شَهَادَةً بِإِثْبَاتِ مِيرَاثِ الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ مِنْ غَيْرِ نَفْيِ الْمِيرَاثِ عَنْ غَيْرِهِمَا فَيَكُونُ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.
وَإِنْ كَانَ مَا ذَكَرَهُ الشَّاهِدَانِ مِنْ مِيرَاثِ غَيْرِهِ إِثْبَاتَ خَبَرٍ لَا شَهَادَةً فَصُورَتُهُ أَنْ يَقُولَا: نَشْهَدُ أَنَّ فُلَانًا هذا وارث فلان ونعلم أنه له وارثاً غيره فيكون ذلك أو بلغنا أنه له وارث خيراً مِنْهُمَا يُوجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ الِاحْتِيَاطَ وَالْكَشْفَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْفُذَ فِيهِ حُكْمُ الْإِثْبَاتِ وَالْقَطْعِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَخْلُو حَالُ الْحَاضِرِ من ثلاثة أقسام:

أحدهما: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَا يَسْقُطُ بِغَيْرِهِ وَلَهُ فرض مقدار.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَا يَسْقُطُ بِغَيْرِهِ وَلَيْسَ لَهُ فَرْضٌ مُقَدَّرٌ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ قَدْ يَسْقُطُ بِغَيْرِهِ.
فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَسْقُطُ بِغَيْرِهِ وَلَهُ فَرْضٌ مُقَدَّرٌ وَجَبَ أَنْ يُدْفَعَ إِلَيْهِ أَقَلُّ فَرْضَيْهِ وَتُوقَفُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ أَبًا دُفِعَ إِلَيْهِ السُّدُسُ مَعُولًا وَكَذَا الْأُمُّ وَإِنْ كَانَ زَوْجًا دُفِعَ إِلَيْهِ الرُّبْعُ مَعُولًا، وَإِنْ كَانَتْ زَوْجَةً دُفِعَ إِلَيْهَا رُبْعُ الثُّمُنِ مَعُولًا لِجَوَازِ أَنْ يَكُنَّ أَرْبَعًا.
وَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ مِمَّنْ لَا يَسْقُطُ بِغَيْرِهِ وَلَيْسَ لَهُ فَرْضٌ مُقَدَّرٌ كَالِابْنِ وَبِمَثَابَتِهِ الْبِنْتُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَعَجَّلَ مِنَ التَّرِكَةِ شَيْئًا لِأَنَّ الْكُلَّ قَدْ لَا يَسْتَحِقُّهُ لِجَوَازِ أَنْ يُوجَدَ مَنْ يَحْجُبُهُ عَنْ بَعْضِهِ وَفِي دفع بعضه لا تقدر حكم بجهالة فوجب من مَنْعُهُ مِنْ جَمِيعِ التَّرِكَةِ لِيَقَعَ الْكَشْفُ فَإِذَا كَشَفَ الْحَاكِمُ مَعَ تَطَاوُلِ الزَّمَانِ فَلَمْ يَعْلَمْ وَارِثًا غَيْرَهُ وَطَلَبَ الْمِيرَاثَ وَجَبَ دَفْعُهُ إِلَيْهِ بها لِأَنَّنَا عَلَى يَقِينٍ مِنِ اسْتِحْقَاقِهِ وَفِي شَكٍّ مِنْ مُشَارَكَةِ غَيْرِهِ.
وَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ مِمَّنْ قَدْ يَسْقُطُ بِغَيْرِهِ كَالْأَخِ وَالْجَدِّ وَجَبَ أَنْ يُمْنَعَ مِنْ جَمِيعِهَا قَبْلَ الْكَشْفِ لِمَا ذَكَرْنَا، وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُدْفَعَ إِلَيْهِ بَعْدَ الْكَشْفِ وَعَدَمِ ظُهُورِ غَيْرِهِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ يُمْنَعُ مَا لَمْ تَقُمِ الْبَيِّنَةُ عَلَى أَنَّهُ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرَهُ لِأَنَّنَا عَلَى شَكٍّ مِنْ مِيرَاثِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَبِهِ قَالَ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ ومتأخروا أَصْحَابِنَا: أَنَّهُ يُدْفَعُ إِلَيْهِ الْمِيرَاثُ وَلَا يُمْنَعُ لِأَنَّنَا عَلَى يَقِينٍ مِنْ كَوْنِهِ وَارِثًا وَعَلَى شك بعد الكشف من أن يجد له مِمَّنْ نَرَاهُ مُسْقِطًا أَوْ مُشَارِكًا.
فَهَذَا قِسْمٌ.

فَصْلٌ

: وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ وَهُوَ أَنْ تَتَضَمَّنَ الشَّهَادَةُ إِثْبَاتَ مِيرَاثِهِ وَالْإِمْسَاكَ عَنْ غَيْرِهِ بِإِثْبَاتٍ أَوْ نَفْيٍ.
فَصُورَتُهُ أَنْ يَقُولَا: نَشْهَدُ أَنَّ فُلَانًا هَذَا وَارِثُ فُلَانٍ بِوَجْهِ كَذَا فَإِنْ كَانَ ذَا فَرْضٍ لَا يُحْجَبُ عَنْهُ دُفِعَ إِلَيْهِ أَقَلُّ فَرْضَيْهِ وَكَانَ الْبَاقِي مِنْهُ مَوْقُوفًا عَلَى الْكَشْفِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَا فَرْضٍ مُنِعَ مِنَ التَّرِكَةِ حَتَّى يَقَعَ الْكَشْفُ ثُمَّ يدفع إليه بعد الكشف وعدم ظهوره غيره سَوَاءُ كَانَ ممنْ يَسْقُطُ بِغَيْرِهِ أَمْ لَا، لِأَنَّنَا عَلَى يَقِينٍ مِنْ كَوْنِهِ وَارِثًا وَعَلَى إِيَاسٍ مِنْ أَنْ يُوجَدَ لَهُ مُشَارِكٌ وَلَمْ يَكُنْ وَهِيَ كَالْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ لِأَنَّ هُنَاكَ أَخْبَرَ الشَّاهِدَانِ بِغَيْرِهِ فَجَازَ أَنْ يُمْنَعَ الْمَحْجُوبُ بَعْدَ الْكَشْفِ لِأَجْلِ هَذَا الْخَبَرِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ مَعَ ضَعْفِهِ وَإِذَا أوجَبَ دَفْع التَّرِكَةِ إِلَيْهِ فَيَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ كَفِيلًا بِالْمِيرَاثِ خَوْفًا مِنْ ظُهُورِ مُسْقِطٍ عَنْهُ أَوْ شريك فيه.

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَاهُنَا لَا أُجْبِرُهُ وَقَالَ فِي الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى كَفِيلٍ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا لِاخْتِلَافِ هَذَيْنِ النَّصَّيْنِ، فَقَالَ: بَعْضُهُمْ هُوَ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْكَفِيلَ اسْتِحْبَابٌ وَلَا نُجْبِرُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ مُسْتَحِقًّا لَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ دَفْع كقول بِهِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُسْتَحِقٍّ لَمْ يُجْبِرْ أن يدفع إليه بسببه ليؤخذ كَفِيلًا بِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْكَفِيلَ وَاجِبٌ وَيُمْنَعُ حَتَّى يَدْفَعَ كَفِيلًا بِهِ لِأَنَّنَا لَسْنَا عَلَى يَقِينٍ مِنِ اسْتِحْقَاقِهِ وَإِنَّمَا دَفَعْنَا إِلَيْهِ تَغْلِيبًا لِحَالِهِ مَعَ تَجْوِيزِ غَائِبٍ يَلْزَمُ الِاحْتِيَاطُ له.
وقال آخرون: بل لَيْسَ ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ فَنَصُّهُ هَاهُنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْبِرُ إِذَا كَانَ مِمَّنْ لَا يَسْقُطُ وَنَصُّهُ فِي الدَّعْوَى عَلَى أَنَّهُ يُجْبَرُ إِذَا كَانَ ممن يسقط.
وقال آخرون: عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ مِنِ اخْتِلَافِ الْحَالَيْنِ فَنَصُّهُ عَلَى الْإِجْبَارِ إِذَا كَانَ غَيْرَ ثِقَةٍ، وَنَصُّهُ عَلَى عَدَمِ الْإِجْبَارِ إِذَا كَانَ ثِقَةً.
والله أعلم بالصواب.

مسألة

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَإِنْ قَالُوا لَا وَارِثَ غَيْرُهُ قُبِلَتْ عَلَى مَعْنَى لَا نَعْلَمُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ عَلَى الْإِحَاطَةِ كَانَ خطاً ولم أردهم به لأنه يؤول بِهِمْ إِلَى الْعِلْمِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا شَهِدُوا بَعْدَ إِثْبَاتِ الْوَارِثِ بِنَفْيِ غَيْرِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ تكون شهادتهم به على العلم فيقولوا: لا نعلم له وارث غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ فِيهِ بِظَاهِرٍ لَا يَصِلُونَ إِلَى يَقِينِهِ، فَإِنْ شَهِدُوا قَطْعًا فَقَالُوا: لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ فَقَدْ قَالَ أبو حنيفة: شَهَادَتُهُمْ مَرْدُودَةٌ؛ لِأَنَّ مَا شَهِدُوا بِهِ مِنَ الْقَطْعِ مُسْتَحِيلٌ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: لَا تَصِحُّ الشَّهَادَةُ إِلَّا هَكَذَا، وَلَا أَقْبَلُهَا عَلَى الْعِلْمِ لِمَا فِيهَا مِنَ الْحَدْسِ وَالظَّنِّ، وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ عِنْدَنَا خَطَأٌ، وَشَهَادَتُهُمْ عَلَى ذَلِكَ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّ اسْتِحَالَةَ الْيَقِينِ فِيهِ تَمْنَعُ مِنَ الْقَطْعِ بِهِ بِخِلَافِ مَا قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَهُوَ يُؤَوَّلُ إِلَى مَنْ قَطَعَ بِهِ إِلَى الْعِلْمِ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: مَا تَرْكُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا تَعْنِي فِي عِلْمِهَا، فَصَحَّ ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا قَالَ أبو حنيفة وَاللَّهُ أعلم بالصواب.

فصول الكتاب · 30 فصل · 608 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الحاوي الكبير · 608 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كِتَابُ الْبُيُوعِ
كتاب الإقرار
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كتاب العارية
كتاب الغصب
كِتَابُ الشَّرْطِ فِي الرَّقِيقِ يَشْتَرِطُهُمُ الْمُسَاقِي
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ الْعَطَايَا وَالصَّدَقَاتِ
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب الصداق
كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع
كتاب السير
كتاب مختصر الجامع من كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب النذور
كِتَابُ الْعِتْق
كتاب عتق أمهات الأولاد من كتب
جارٍ التحميل