كتاب النذور
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الماوردي
- الكتاب
- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
- المحقق
- الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1419 هـ -1999 م
- عدد الأجزاء
- 19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
لِمُجْمَلِهِ، فَإِذَا وَرَدَ الْكِتَابُ بِنَسْخِهَا كَانَ نَسْخًا لِمَا فِي الْكِتَابِ مِنْ أَصْلِهَا فَصَارَ ذَلِكَ نَسْخَ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُوحِي إِلَى رَسُولِهِ بِمَا يُخْفِيهِ عَنْ أُمَّتِهِ، فَإِذَا أَرَادَ نَسْخَ مَا سَنَّهُ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَعْلَمَهُ بِهِ حَتَّى يُظْهِرَ نَسْخَهُ ثُمَّ يَرِدُ الْكِتَابُ بِنَسْخِهِ تَأْكِيدًا لِنَسْخِ رَسُولِهِ فَصَارَ ذَلِكَ نَسْخَ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ نَسْخَ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ يَكُونُ أَمْرًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِرَسُولِهِ بِالنَّسْخِ فَيَكُونُ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْآمِرَ بِهِ وَالرَّسُولُ هُوَ النَّاسِخَ لَهُ فَصَارَ ذَلِكَ نسخ السنة بالكتاب والسنة والله أعلم.
( [القول في أحكام النسخ] )
فَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ فِي أَحْكَامِ النَّسْخِ: فَهُوَ عَلَى خَمْسَةِ أَضْرُبٍ.
أَحَدُهَا: مَا نُسِخَ حُكْمُهُ وَبَقِيَتْ تِلَاوَتُهُ وَالنَّاسِخُ بَاقِي الْحُكْمِ وَالتِّلَاوَةِ، كَنَسْخِ الْعِدَّةِ حَوْلًا بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ وَكَنَسْخِ آيَةِ الْوَصَايَا بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا نُسِخَ حُكْمُهُ وَتِلَاوَتُهُ وَالنَّاسِخُ بَاقِي الْحُكْمِ كَنَسْخِ صِيَامِ الْأَيَّامِ الْبِيضِ بِصِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَنَسْخِ اسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِاسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " أَوَّلُ مَا نُسِخَ بَابُ الصِّيَامِ الْأَوَّلِ وَاسْتِقْبَالُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ".
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: مَا نُسِخَ حُكْمُهُ وَبَقِيَتْ تِلَاوَتُهُ وَنُسِخَتْ تِلَاوَةُ النَّاسِخِ وَبَقِيَ حكمه: كقوله فِي حَدِّ الزِّنَا ﴿وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ [النساء: 15] نَسَخَهُ قَوْلُهُ الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ نَكَالًا مِنَ اللَّهِ قَالَ عُمَرُ: كُنَّا نَقْرَؤُهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَلَوْلَا أَنْ يُقَالَ: زَادَ عُمَرُ فِي الْمُصْحَفِ لَأَثْبَتُّهَا فِيهِ فَكَانَ الْمَنْسُوخُ مَرْفُوعَ الْحُكْمِ بَاقِيَ التِّلَاوَةِ وَالنَّاسِخُ مَرْفُوعَ التِّلَاوَةِ بَاقِيَ الْحُكْمِ.
فَإِنْ قِيلَ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَنْسُوخُ نَاسِخًا؟ فَفِيهِ جَوَابَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ النَّسْخَ إِنَّمَا كَانَ لِلْحُكْمِ دُونَ التِّلَاوَةِ وَالْحُكْمُ بَاقٍ وَإِنْ نُسِخَتِ التِّلَاوَةُ.
وَالثَّانِي: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّسْخُ بِهِ قَبْلَ نَسْخِ تِلَاوَتِهِ.
وَالضَّرْبُ الرَّابِعُ: مَا نُسِخَ حُكْمُهُ وَتِلَاوَتُهُ وَلَا يُعْلَمُ الَّذِي نَسَخَهُ كَالْمَرْوِيِّ أَنَّهُ كَانَ فِي الْقُرْآنِ " لَوْ أَنَّ لِابْنِ آدَمَ وَادِيًا مِنْ ذَهَبٍ لَابْتَغَى إِلَيْهِ ثَانِيًا وَلَوْ كَانَ لَهُ ثَانٍ لَابْتَغَى إِلَيْهِ ثَالِثًا وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ ". وَكَالَّذِي رَوَاهُ أنس بن مالك أنهم كانوا يقرأون " بَلِّغُوا إِخْوَانَنَا أَنَّنَا قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا " وَمِثْلُ هَذَا
يَكُونُ رَافِعًا لَهُ فِي الْمَعْنَى وَلَا يَكُونُ نَسْخًا فِي الْحُكْمِ كَالَّذِي رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قَامَ فِي اللَّيْلِ لِيَقْرَأَ سُورَةً فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا وَقَامَ آخَرُ لِيَقْرَأَهَا فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عنها فقال " رفعت البارحة ".
( [القول في أحوال النسخ] )
:
وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ فِي أَحْوَالِ النَّسْخِ: فَهُوَ عَلَى خَمْسَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: مَا نُسِخَ إِلَى مِثْلِهِ فِي الْخِفَّةِ وَالتَّغْلِيظِ كَنَسْخِ اسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِاسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا نُسِخَ إِلَى مَا هُوَ أَغْلَظُ مِنْهُ كَنَسْخِ صِيَامِ الْأَيَّامِ الْبِيضِ بِصِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَكَنَسْخِ الْحَبْسِ فِي الزِّنَا بِالرَّجْمِ.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: مَا نُسِخَ إِلَى مَا هُوَ أَخَفُّ مِنْهُ كَنَسْخِ الْعِدَّةِ حَوْلًا بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ وَكَنَسْخِ مُصَابَرَةِ الْوَاحِدِ لِعشَرَةٍ فِي الْجِهَادِ بِمُصَابَرَتِهِ لِاثْنَيْنِ.
وَالضَّرْبُ الرَّابِعُ: مَا نُسِخَ إِلَى غَيْرِ بَدَلٍ كَنَسْخِ قِيَامِ اللَّيْلِ فِي قَوْلِهِ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا﴾ [المزمل: 2] بِقَوْلِهِ ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: 79] فَنُسِخَ فَرْضُهُ بِغَيْرِ بَدَلٍ.
وَالضَّرْبُ الْخَامِسُ: مَا نُسِخَ التَّخْيِيرُ فِيهِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ بِإِسْقَاطِ أَحَدِهِمَا وَانْحِتَامِ الْآخَرِ كَقَوْلِهِ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184] فَكَانَ مُخَيِّرًا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ بَيْنَ صِيَامِهِ وَبَيْنَ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ بِمُدٍّ فَنُسِخَ التَّخْيِيرُ بِانْحِتَامِ الصِّيَامِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فليصمه﴾ [البقرة: 185] .
( [القول في زمان النسخ] )
وَأَمَّا الْقِسْمُ الْخَامِسُ فِي زَمَانِ النَّسْخِ: فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: يَجُوزُ النَّسْخُ فِي أَحَدِهَا وَلَا يَجُوزُ فِي الْآخَرِ وَعَلَى خِلَافٍ فِي الثَّالِثِ.
فْالضَّرْبُ الْأَوَّلُ: الَّذِي يَجُوزُ النَّسْخُ فِيهِ وَهُوَ بَعْدَ اعْتِقَادِ الْمَنْسُوخِ وَالْعَمَلِ بِهِ فَيَرِدُ النَّسْخُ بَعْدَ الْعَمَلِ بِالْمَنْسُوخِ فَهَذَا جَائِزٌ سَوَاءٌ عَمِلَ بِهِ جَمِيعُ النَّاسِ كَاسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَوْ عَمِلَ بِهِ بَعْضُهُمْ كَفَرْضِ الصَّدَقَةِ فِي مُنَاجَاةِ الرَّسُولِ نُسِخَتْ بَعْدَ أَنْ عَمِلَ بِهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَحْدَهُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: الَّذِي لَا يَجُوزُ النَّسْخُ فِيهِ فَهُوَ قَبْلَ اعْتِقَادِ الْمَنْسُوخِ وَالْعِلْمِ بِهِ فَلَا
يَجُوزُ أَنْ يَرِدَ النَّسْخُ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْمَنْسُوخِ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ النَّسْخِ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْفَرْضِ لِيَخْرُجَ عَنِ الْبَدَاءِ إِلَى الْإِعْلَامِ بِالْمُدَّةِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي لَيْلَةِ الْمِعْرَاجِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ عَلَى أُمَّتِهِ خَمْسِينَ صَلَاةً فَلَمْ يَزَلْ يُرَاجِعُ رَبَّهُ فِيهَا وَيَسْتَنْزِلُهُ حَتَّى اسْتَقَرَّ الْفَرْضُ عَلَى خَمْسٍ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ النَّسْخِ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْمَنْسُوخِ.
قِيلَ: هَذَا إِنْ ثَبَتَ فَهُوَ عَلَى وَجْهِ التَّقْرِيرِ دُونَ النَّسْخِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ يَسْتَقِرُّ بِنُفُوذِ الْأَمْرِ وَلَمْ يَكُنْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ أَمْرٌ إِلَّا عِنْدَ اسْتِقْرَارِ الْخَمْسِ.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: الْمُخْتَلَفُ فِيهِ فَهُوَ وُرُودُ النَّسْخِ بَعْدَ اعْتِقَادِ الْمَنْسُوخِ وَقَبْلَ الْعَمَلِ بِهِ.
وَفِيهِ لِأَصْحَابِنَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: لَا يَجُوزُ نَسْخُهُ بَعْدَ اعْتِقَادِهِ وَقَبْلَ الْعَمَلِ بِهِ كَمَا لَا يَجُوزُ نَسْخُهُ قَبْلَ الِاعْتِقَادِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّعْلِيلِ لِيَخْرُجَ مِنَ الْبَدَاءِ إِلَى النَّسْخِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ نَسْخُهُ بَعْدَ الِاعْتِقَادِ وَقَبْلَ الْعَمَلِ، كَمَا يَجُوزُ نَسْخُهُ بَعْدَ الْعَمَلِ، لِأَنَّ الِاعْتِقَادَ مِنْ أَعْمَالِ الْقَلْبِ، فَكَانَ كَالنَّسْخِ بَعْدَ الْعَمَلِ، وَيَكُونُ مُرَادَ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ الِاعْتِقَادُ دُونَ الْعَمَلِ اخْتِبَارًا لِطَاعَتِهِمْ، كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى إِبْرَاهِيمَ بِذَبْحِ ابْنِهِ ثُمَّ نَهَاهُ عَنْهُ قَبْلَ ذَبْحِهِ فقال: ﴿فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: 102] فَاخْتَبَرَ بِذَلِكَ طَاعَتَهُ وَنَهَاهُ بَعْدَ الِاعْتِقَادِ وَقَبْلَ الْفِعْلِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ النَّسْخُ إِلَّا أَنْ يَمْضِيَ بَعْدَ الِاعْتِقَادِ زَمَانٌ يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُعْمَلْ بِهِ لِاخْتِصَاصِ النَّسْخِ بِتَقْدِيرِ مُدَّةِ التَّكْلِيفِ وَذَلِكَ مَوْجُودٌ بِمُضِيِّ زَمَانِهِ.
فَإِذَا اسْتَقَرَّ النَّسْخُ بِمَا بَيَّنَاهُ لَزِمَ فَرَضُهُ فِي الْحَالِ لِكُلِّ مَنْ عَلِمَ بِهِ مِنَ الْحَاضِرِينَ.
وَأَمَّا فَرْضُهُ عَلَى الْغَائِبِينَ عَنْهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَجِبُ فَرْضُهُ عَلَيْهِمْ فِي الْحَالِ كَالْحَاضِرِينَ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا بِهِ إِلَّا بَعْدَ حِينٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ عَمَّهُمْ بِفَرْضِهِ وَلَمْ يَخُصَّ بِهِ حَاضِرًا مِنْ غَائِبٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَشْبَهُ - أَنَّ فَرْضَهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِهِ وَإِنْ تَقَدَّمَ فَرْضُهُ عَلَى غَيْرِهِمْ عَنْ عِلْمٍ كَمَا يَلْزَمُ الْحَاضِرِينَ فَرْضُهُ بَعْدَ إِبْلَاغِ الرَّسُولِ وَإِنْ تَقَدَّمَ فَرْضُهُ عَلَى الرَّسُولِ وَلِذَلِكَ اسْتَدَارَ أَهْلُ قُبَاءَ فِي صَلَاتِهِمْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَتَحَوَّلُوا إِلَى الْكَعْبَةِ فَبَنَوْا عَلَى مَا تَقَدَّمَ قَبْلَ عِلْمِهِمْ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: كُنَّا نُخَابِرُ أَرْبَعِينَ سَنَةً.
لَا نَرَى بِذَلِكَ بِأَسًا حَتَى أَخْبَرَنَا رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نَهَى عَنْهَا فَانْتَهَيْنَا وَلَمْ يَتَرَاجَعُوا فِيمَا تَقَدَّمَ.
( [القول في دلائل النسخ] )
:
وَأَمَّا الْقِسْمُ السَّادِسُ فِي دَلَائِلِ النَّسْخِ: وَهُوَ أَنْ يَرِدَ فِي الشَّيْءِ الْوَاحِدِ حُكْمَانِ مُخْتَلِفَانِ: فَهُمَا ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُمْكِنَ اسْتِعْمَالُهُمَا وَلَا يَتَنَافَى اجْتِمَاعُهُمَا، فَهُوَ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَعَمَّ مِنَ الْآخَرِ لِعُمُومِ أَحَدِهِمَا وَخُصُوصِ الْآخَرِ، فَيَقْضِي بِالْأَخَصِّ عَلَى الْأَعَمِّ فَيُسْتَثْنَى مِنْهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: 221] وَقَالَ فِيمَنْ أَبَاحَ نِكَاحَهُنَّ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: 5] فَقَضَى بِهَذِهِ عَلَى تِلْكَ فَصَارَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ إِلَّا الْكِتَابِيَّاتِ فَكَانَ عُمُومًا مَخْصُوصًا وَلَمْ يَكُنْ نَاسِخًا وَلَا مَنْسُوخًا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَتَسَاوَى الِاثْنَانِ فِي جَوَازِ تَخْصِيصِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِالْأُخْرَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: 23] وقوله ﴿والذين هم لفروجهم حافظون إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: 5 - 6] فَجَازَ أَنْ يَكُونَ تَحْرِيمَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَجَازَ أَنْ يَكُونَ أَبَاحَهُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ إِلَّا الْجَمْعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فَتَكَافَأَ فِي الْجَوَازِ بِخِلَافِ الضَّرْبِ الْمُتَقَدِّمِ فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إِلَى دَلِيلٍ يُوجِبُ تَخْصِيصَ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى وَلِذَلِكَ قَالَ عُثْمَانُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ: أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا أُخْرَى وَالتَّحْرِيمُ أَوْلَى، فَهَذَا فِيمَا أَمْكَنَ اسْتِعْمَالُ الْحُكْمَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ فِيهِ.
وَأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى التَّخْصِيصِ دُونَ النَّسْخِ إِلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى النَّسْخِ، فَيَعْدِلُ بِالدَّلِيلِ عَنِ اسْتِعْمَالِ التَّخْصِيصِ إِلَى النَّسْخِ كَآيَةِ الْوَصَايَا وَآيَةِ الْمَوَارِيثِ، قَدْ كَانَ يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُهُمَا مِنْ غَيْرِ نَسْخٍ لَكِنْ رُوِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ قَالُوا نَسَخَتْ آيَةُ الْمَوَارِيثِ آيَةَ الْوَصَايَا فَعُدِلَ عَنِ اسْتِعْمَالِ التَّخْصِيصِ إِلَى النَّسْخِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَتَنَافَى الْحُكْمَانِ وَلَا يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُهُمَا فَيُعْلَمُ مَعَ التَّنَافِي أَنَّ أَحَدَهُمَا نَاسِخٌ لِلْآخَرِ فَيَرْجِعُ إِلَى دَلَائِلِ النَّسْخِ فَيُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ.
وَهِيَ خَمْسُ دَلَائِلَ مُتَرَتِّبَةٍ يَتَقَدَّمُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ.
فَأَوَّلُهَا: أَنْ يَتَقَدَّمَ أَحَدُهُمَا وَيَتَأَخَّرَ الْآخَرُ فَيُعْلَمُ أَنَّ الْمُتَأَخِّرَ نَاسِخٌ لِلْمُتَقَدِّمِ، فَإِنْ قِيلَ فَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْعِدَّةِ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234] نَاسِخٌ لِقَوْلِهِ ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: 240] وَهُوَ غَيْرُ مُتَقَدِّمٍ عَلَيْهِ.
قِيلَ هُوَ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ فِي التِّلَاوَةِ وَمُتَأَخِّرٌ عَنْهُ فِي التَّنْزِيلِ وَقَدْ عُدِلَ بِتَرْتِيبِ التِّلَاوَةِ عَنْ تَرْتِيبِ التَّنْزِيلِ بِحَسَبِ مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى به للمصلحة التي استأثر الله تعالى بعلمها
فَقَدْ قِيلَ: إِنَّ آخِرَ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْقُرْآنِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: 281] وَهِيَ مُتَقَدِّمَةٌ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
وَأَوَّلُ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ سُورَةُ ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ وَهِيَ مُتَأَخِّرَةٌ فِي الْمُفَصَّلِ.
وَالنَّسْخُ إِنَّمَا يَتَأَخَّرُ وَيَخْتَصُّ بِالْمُتَأَخِّرِ فِي التَّنْزِيلِ دُونَ التِّلَاوَةِ.
وَإِنْ أَشْكَلَ الْمُتَقَدِّمُ وَالْمُتَأَخِّرُ وَجَازَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مُتَقَدِّمًا أَوْ مُتَأَخِّرًا عَدَلَ إِلَى الدَّلِيلِ الثَّانِي: وَهُوَ بَيَانُ الرَّسُولِ: فَإِنْ ثَبَتَ عَنْهُ بَيَانُ النَّاسِخِ مِنَ الْمَنْسُوخِ عَمِلَ عَلَيْهِ وَكَانَتِ السُّنَّةُ مُبَيِّنَةً لَهُ وَلَمْ تَكُنْ نَاسِخَةً.
وَإِنْ عُدِمَ بَيَانُ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَدَلَ إِلَى الدَّلِيلِ الثَّالِثِ وَهُوَ الْإِجْمَاعُ فَإِنِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَعْيِينِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ عَمِلَ عَلَيْهِ وَكَانَ الْإِجْمَاعُ مُبَيِّنًا وَلَمْ يَكُنْ نَاسِخًا.
وَإِنْ عَدَمَ الْإِجْمَاعَ عَدَلَ إِلَى الدَّلِيلِ الرَّابِعِ وَهُوَ الِاسْتِعْمَالُ فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُسْتَعْمَلًا وَالْآخَرُ مَتْرُوكًا كَانَ الْمُسْتَعْمَلُ نَاسِخًا وَالْمَتْرُوكُ مَنْسُوخًا.
فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي الِاسْتِعْمَالِ بَيَانٌ إِمَّا لِاشْتِبَاهِهِ أَوْ لِاشْتِرَاكِهِ عَدَلَ إِلَى الدَّلِيلِ الْخَامِسِ: وَهُوَ الترجيح بشواهد الأصول وتطلب الْأَدِلَّةَ وَكَانَتْ غَايَةُ الْعَمَلِ بِهِ.
وَسَمِعْتُ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ إِنَّ كُلَّ آيَةٍ مَنْسُوخَةٍ فَفِي ضِمْنِ تِلَاوَتِهَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُكْمَهَا لَيْسَ بِثَابِتٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ، مِثْلُ قَوْلِهِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ فِي حَدِّ الزِّنَا: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ [النساء: 15] دَلَّ قَوْلُهُ: ﴿أو يجعل الله لهن سبيلا﴾ ، أن حكمها لا يدوم فنسخها آيَةُ النُّورِ فِي قَوْلِهِ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مائة جلدة﴾ [النُّورِ: 2] وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا: الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ " وَهَذَا الَّذِي ادَّعَاهُ هَذَا الْقَائِلُ يَبْعُدُ أَنْ يُوجَدَ فِي كُلِّ آيَةٍ مَنْسُوخَةٍ، لَكِنَّهُ مُعْتَقِدٌ لِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ تَكُونُ نَسْخًا فَيَجْعَلُ ذَلِكَ فِي شَوَاهِدِ الْمَنْسُوخِ، وليست الزيادة عندنا على النص نسخا.
( [القول في الفرق بين التخصيص والنسخ] )
وَأَمَّا الْقِسْمُ السَّابِعُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ التَّخْصِيصِ وَالنَّسْخِ: فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ تَخْصِيصَ الْعُمُومِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُقْتَرِنًا بِهِ وَمُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ وَمُتَأَخِّرًا عَنْهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّاسِخُ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْمَنْسُوخِ وَلَا مُقْتَرِنًا بِهِ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَأَخِّرًا عَنْهُ.
وَالْفَرْقُ الثَّانِي: أَنَّ التَّخْصِيصَ بَيَانُ مَا أُرِيدَ بالعموم، النسخ بَيَانُ مَا لَمْ يُرَدْ بِالْمَنْسُوخِ.
وَالْفَرْقُ الثَّالِثُ: أَنَّ تَخْصِيصَ الْعُمُومِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ جِنْسِهِ فَيَخُصُّ عُمُومَ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ وَالْقِيَاسِ، وَلَا يَجُوزُ فِي النَّسْخِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ النَّاسِخُ مِنْ جِنْسِ الْمَنْسُوخِ فَيُنْسَخُ الْكِتَابُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةُ بِالسُّنَّةِ.
وَالْفَرْقُ الرَّابِعُ: أَنَّ تَخْصِيصَ الْعُمُومِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الْأَحْكَامِ وَالْأَخْبَارِ وَالنَّسْخُ مُخْتَصٌّ بِالْأَحْكَامِ دُونَ الْأَخْبَارِ.
وَالْفَرْقُ الْخَامِسُ: أَنَّ تَخْصِيصَ الْعُمُومِ يَكُونُ عَلَى الْفَوْرِ وَالنَّسْخَ يَكُونُ عَلَى التَّرَاخِي فَهَذَا بَيَانُ الْأَقْسَامِ السَّبْعَةِ مِنْ أَحْكَامِ الْأَصْلِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْكِتَابُ.
(فَصْلٌ: [المصدر الثاني - السنة] )
وَأَمَّا الْأَصْلُ الثَّانِي مِنْ أُصُولِ الشَّرْعِ فَهُوَ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَتَمَ بِرَسُولِهِ النُّبُوَّةَ، وَكَمَّلَ بِهِ الشَّرِيعَةَ، وَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى بَيَانَ مَا أَخْفَاهُ مِنْ مُجْمَلٍ أَوْ مُتَشَابِهٍ، وَإِظْهَارَ مَا يُشَرِّعُهُ مِنْ أَحْكَامٍ وَمَصَالِحٍ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44] . ( [القول في حجية السنة] )
وَلَمَّا جَعَلَهُ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ أَوْجَبَ عَلَى النَّاسِ طَاعَتَهُ فِي قَبُولِ مَا شَرَعَهُ لَهُمْ وَامْتِثَالِ مَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْهُ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7] .
وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ لِأُمَّتِهِ أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: الْبَيَانُ.
وَالثَّانِي: الْبَلَاغُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: 67] .
وَأَوْجَبَ لِلرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَلَى أُمَّتِهِ أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: طَاعَتَهُ فِي قَبُولِ قَوْلِهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُبَلِّغُوا عَنْهُ مَا أَخْبَرَهُمْ بِهِ كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ " وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " بَلِّغُوا عَنِّي وَلَا تَكْذِبُوا عَلَيَّ فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ ".
وَلَمَّا كَانَ الرَّسُولُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُبَلِّغَ جَمِيعَ النَّاسِ لِلْعَجْزِ عَنْهُ اقْتَصَرَ عَلَى إِبْلَاغِ مَنْ حَضَرَ لِيَنْقُلَهُ الْحَاضِرُ إِلَى الْغَائِبِ.
وَلَمَّا لَمْ يَبْقَ فِيهِمْ إِلَى الْأَبَدِ فَكُلُّ مَنْ يَأْتِي فِي عَصْرٍ بَعْدَ عَصْرٍ يَأْخُذُونَ عَمَّنْ
تَقَدَّمَهُمْ مِنْ عَصْرٍ وَيَنْقُلُونَ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ عَصْرٍ لِيَنْقُلَ عَنْهُ كُلُّ سَلَفٍ إِلَى خَلَفِهِ فَيَسْتَدِيمُ عَلَى الْأَبَدِ نَقْلُ سُنَّتِهِ وَيُعْلَمُ جَمِيعُ مَا يَأْتِي لِشَرَائِعِهِ.
فَصَارَ نَقْلُ الْأَخْبَارِ عَنْهُ وَاجِبًا عَلَى أَهْلِ كُلِّ عَصْرٍ وَقَبُولُهَا وَاجِبًا فِي كُلِّ عَصْرٍ.
فَلِذَلِكَ صَارَتِ الْأَخْبَارُ عَنْهُ، أَصْلًا مِنْ أُصُولِ الشَّرْعِ.
( [الْقَوْلُ فِي بَيَانِ الْأَخْبَارِ] )
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْأَخْبَارُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَخْبَارُ اسْتِفَاضَةٍ، وَأَخْبَارُ تَوَاتُرٍ، وَأَخْبَارُ آحاد.
( [الخبر المستفيض] )
فَأَمَّا أَخْبَارُ الِاسْتِفَاضَةِ: فَهُوَ أَنْ تَبْدُوَ مُنْتَشِرَةً مِنَ الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ وَيَتَحَقَّقُهَا الْعَالِمُ وَالْجَاهِلُ فَلَا يَخْتَلِفُ فِيهَا مُخْبِرٌ وَلَا يَتَشَكَّكُ فِيهَا سَامِعٌ ويكون انتشارها في ابتدائها كانتشارها فِي ابْتِدَائِهَا كَانْتِشَارِهَا فِي آخِرِهَا وَهَذَا أَقْوَى الأخبار حالا وأثبتها حكما.
(أخبار التواتر)
وَأَمَّا أَخْبَارُ التَّوَاتُرِ: فَهُوَ مَا ابْتَدَأَ بِهِ الْوَاحِدُ بَعْدَ الْوَاحِدِ حَتَّى يَكْثُرَ عَدَدُهُمْ وَيَبْلُغُوا قَدْرًا يَنْتَفِي عَنْ مِثْلِهِ التَّوَاطُؤُ وَالْغَلَطُ وَلَا يَعْتَرِضُ فِي خَبَرِهِمْ تَشَكُّكٌ وَلَا ارْتِيَابٌ فَيَكُونُ فِي أَوَّلِهِ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ وَفِي آخِرِهِ مِنْ أَخْبَارِ التَّوَاتُرِ فَيَصِيرُ مُخَالِفًا لِخَبَرِ الِاسْتِفَاضَةِ في أوله موافقا له في آخره.
( [الفرق بين الاستفاضة والتواتر] )
وَيَكُونُ الْفَرْقُ بَيْنَ خَبَرِ الِاسْتِفَاضَةِ وَخَبَرِ التَّوَاتُرِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: مَا ذَكَرْنَاهُ مِنِ اخْتِلَافِهِمَا فِي الِابْتِدَاءِ وَاتِّفَاقِهِمَا فِي الِانْتِهَاءِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ أَخْبَارَ الِاسْتِفَاضَةَ لَا يُرَاعَى فِيهَا عَدَالَةُ الْمُخْبِرِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ أَخْبَارَ الِاسْتِفَاضَةِ تَنْتَشِرُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لِرِوَايَتِهَا، وَأَخْبَارَ التَّوَاتُرِ مَا انْتَشَرَتْ عَنْ قَصْدٍ لِرِوَايَتِهَا.
ثُمَّ يَسْتَوِي الْخَبَرَانِ فِي انْتِفَاءِ التَّشَكُّكِ عَنْهُمَا وَوُقُوعِ الْعِلْمِ بِهِمَا وَلَيْسَ الْعَدَدُ فِيهِمَا مَحْصُورًا لِتَكُونَ أَنْفَى لِلِارْتِيَابِ وَأَمْنَعَ مِنَ التَّصَنُّعِ، وَإِنَّمَا الشَّرْطُ فِيهِمَا أَنْ يَنْتَفِيَ عَنِ الْمُخْبِرِينَ بِهِمَا لِجَوَازِ التَّوَاطُؤِ عَلَى الْكَذِبِ وَيَمْتَنِعُ اتِّفَاقُهُمْ فِي السَّهْوِ وَالْغَلَطِ حَتَّى يَزُولَ الشَّكُّ وَيَحْصُلَ الْيَقِينُ، ثُمَّ تَنْتَهِي إِلَى عَصْرٍ بَعْدَ عَصْرٍ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ وَالْمُسْتَفِيضُ مِنْ أَخْبَارِ السُّنَّةِ مِثْلُ أَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ وَالْمُتَوَاتِرُ مِنْهَا مِثْلُ نُصُبِ الزَّكَوَاتِ.
فَإِنْ قِيلَ فَقَدِ اسْتَفَاضَ فِي النَّصَارَى قَتْلُ الْمَسِيحِ وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ بِكَذِبِهِمْ، قِيلَ إِنَّمَا اسْتَفَاضَ خَبَرُ قَتْلِهِ عَنْ أَرْبَعَةٍ ذَكَرُوا أَنَّهُمْ شَاهَدُوا قَتْلَهُ، قِيلَ: إنهم متى ولوقا وماريقس
ويوحنا وهم عدد يجوز على مثله التَّوَاطُؤُ وَالْغَلَطُ ثُمَّ اسْتَفَاضَ عَنْهُمُ الْخَبَرُ فَصَارَ أَصْلُهُ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ وَانْتِشَارُهُ مِنْ أَخْبَارِ الِاسْتِفَاضَةِ.
( [الْقَوْلُ فِي أَخْبَارِ الْآحَادِ] )
وَأَمَّا أَخْبَارُ الْآحَادِ فَهُوَ مَا أَخْبَرَ الْوَاحِدُ وَالْعَدَدُ الْقَلِيلُ الَّذِي يَجُوزُ عَلَى مِثْلِهِمُ التَّوَاطُؤُ عَلَى الْكَذِبِ، أَوْ الِاتِّفَاقِ فِي السَّهْوِ، وَالْغَلَطِ، وَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: أَخْبَارُ الْمُعَامَلَاتِ.
وَالثَّانِي: أَخْبَارُ الشَّهَادَاتِ.
وَالثَّالِثُ: أَخْبَارُ السُّنَنِ وَالدِّيَانَاتِ.
فَأَمَّا أَخْبَارُ الْمُعَامَلَاتِ: فَلَا تُرَاعَى فِيهَا عَدَالَةُ الْمُخْبِرِ وَإِنَّمَا يُرَاعَى فِيهَا سُكُونُ النَّفْسِ إِلَى خَبَرِهِ فَتُقْبَلُ مِنْ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ وَمُسْلِمٍ وَكَافِرٍ وَصَغِيرٍ وَبَالِغٍ، فَإِذَا قَالَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ هَذِهِ هَدِيَّةُ فُلَانٍ إِلَيْكَ جَازَ أَنْ تَعْمَلَ عَلَى قَوْلِهِ، وَفِي الدُّخُولِ لِأَنَّهُ فِي الْعُرْفِ مَقْبُولٌ وَإِنَّمَا لَمْ تُعْتَبَرْ فِي هَذَا الْخَبَرِ عَدَالَةُ الْمُخْبِرِ لِأَنَّ الْعُرْفَ جَازَ بِاسْتِنَابَةِ أَهْلِ الْبِذْلَةِ فِيهِ، وَمَنْ خَرَجَ عَنْ حَدِّ الصِّيَانَةِ وَذَلِكَ مُنَافٍ لِشُرُوطِ الْعَدَالَةِ فَلِذَلِكَ سَقَطَ اعْتِبَارُهَا فِيهِمْ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا أَخْبَارُ الشَّهَادَاتِ فَيُعْتَبَرُ فِيهَا شَرْطَانِ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِمَا وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِمَا:
أَحَدُهُمَا: الْعَدَالَةُ؛ لِأَنَّ الْمُنْتَدَبَ لَهَا أَهْلُ الصِّيَانَةِ فَوَجَبَ أَنْ تُعْتَبَرَ فِيهِمُ الْعَدَالَةُ لِيَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالصِّيَانَةِ.
وَالثَّانِي: الْعَدَدُ بِحَسْبِ مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ: وَأَكْثَرُهُ أَرْبَعَةٌ فِي الزِّنَا وَأَقَلُّهُ اثْنَانِ فِي الْأَمْوَالِ فَصَارَتِ الشَّهَادَةُ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَغْلَظَ مِنْ أَخْبَارِ الْمُعَامَلَاتِ، وَإِنْ كَانَا جَمِيعًا مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ.
وَأَمَّا أَخْبَارُ السُّنَنِ وَالْعِبَادَاتِ فَمُخْتَلَفٌ فِي قَبُولِ الْآحَادِ فِيهَا.
فَمَنَعَ مِنْهَا قَوْمٌ كَالْأَصَمِّ وَابْنِ عُلَيَّةَ وَعَدَلُوا عَنْهَا إِلَى غَيْرِهِ مِنْ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ، لِأَنَّهَا لا توجب العلم فلم توجب العمل، ووفقها آخَرُونَ عَلَى مَا يُعَضِّدُهَا مِنَ الِاتِّفَاقِ عَلَى الْعَمَلِ بِهَا.
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى قَبُولِهَا وَوُجُوبِ الْعَمَلِ بِهَا عَلَى مَا نَذْكُرُهُ فِي الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِيهَا، لِقَوْلِ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: 123] الْآيَةَ؛ فَلَوْ لَمْ تَلْزَمِ الْحُجَّةُ بِالْآحَادِ النَّافِرَةِ لَأَمَرَ فِيهِ بِالتَّوَاتُرِ وَالِاسْتِفَاضَةِ وَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ فَنَقْلَ إِلَيْهِمُ السُّنَنَ وَعَلَّمَهُمُ الْعِبَادَاتِ وَنُصُبَ الزَّكَوَاتِ
وَأَوْضَحَ لَهُمُ الْأَحْكَامَ فَالْتَزَمُوهَا بِخَبَرِهِ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي عَصْرِهِ مَا عَدَلُوا إِلَيْهِ فِيهَا وَلَا طَلَبُوا مَعَ مُعَاذٍ زِيَادَةً عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا سَقَطَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَرْضُ الْإِبْلَاغِ بِذِكْرِ الْآحَادِ لَزِمَ فِيهَا قَبُولُ أَخْبَارِ الْآحَادِ، وَلَوْ لَزِمَ فِيهَا الْعَدَدُ الْمُتَوَاتِرُ لَأَدَّاهَا إِلَى الْعَدَدِ الْمُتَوَاتِرِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ لِلْمُسْتَفْتِي أَنْ يَعْمَلَ عَلَى فُتْيَا الْمُفْتِي جَازَ لِلْمُسْتَخْبِرِ أَنْ يَعْمَلَ عَلَى رِوَايَةِ الْمُخْبِرِ؛ لِأَنَّهُمَا في أحكام الدين على سواء.
( [وجوب العمل بخبر الواحد] )
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ أَخْبَارَ الْآحَادِ حُجَّةٌ تُوجِبُ الْعَمَلَ بِهَا فَقَدِ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهَا.
فَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِرَاقِ إِلَى أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ إِلَّا مِنِ اثْنَيْنِ عَلَى اثْنَيْنِ حَتَّى تَتَّصِلَ بِالرَّسُولِ كَأَقَلِّ الشَّهَادَاتِ.
وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ إِلَّا مِنْ أَرْبَعَةٍ عَنْ أَرْبَعَةٍ كَأَكْثَرِ الشَّهَادَاتِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ، وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْعَدَدَ فِيهَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وَأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ وَالْجَمَاعَةِ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهَا وَاحِدٌ، وَقَدْ عَمِلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي مِيرَاثِ الْجَدَّةِ وَأَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنَ الْمَجُوسِ، وَعَمِلَ عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي دِيَةِ الْجَنِينِ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمَا أَحَدٌ مَعَ انْتِشَارِهِ وَاشْتِهَارِهِ وَلِأَنَّ مَا يَجُوزُ فِي الْوَاحِدِ مِنْ الِاحْتِمَالِ يَجُوزُ فِي الِاثْنَيْنِ وَالْأَرْبَعَةِ، وَلَيْسَ اعْتِبَارُ أَخْبَارِ السُّنَنِ بِالشَّهَادَةِ بِأَوْلَى مِنِ اعْتِبَارِهَا بِأَخْبَارِ الْمُعَامَلَةِ، لِأَنَّهَا وَاسِطَةٌ بَيْنَهُمَا فَاعْتُبِرَ فِيهَا الْعَدَالَةُ كَالشَّهَادَةِ، وقبل فيها خبر الواحد كالمعاملة.
( [القول في خبر الواحد إذا عارضه أصل] )
وَإِذَا ثَبَتَ قَبُولُهَا مِنَ الْوَاحِدِ وَالْجَمَاعَةِ وَجَبَ الْعَمَلُ بِمَا تَضَمَّنَهَا مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ الْعَقْلُ.
وَامْتَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ مِنَ الْعَمَلِ بِهَا إِذَا خَالَفَتِ الْأُصُولَ وَلِذَلِكَ لَمْ يَعْمَلْ بِخَبَرِ المصراة.
ومنع مالك من العمل بها، وإذا خَالَفَتْ عَمَلَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَعْمَلْ عَلَى خِيَارِ الْمَجْلِسِ فِي الْبَيْعِ وَهُوَ الرَّاوِي لَهُ.
وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ أَصْلٌ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُدْفَعَ بِأَصْلٍ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُدْفَعَ بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ وَإِنْ أَوْجَبَ الْعَمَلَ فَغَيْرُ مُوجِبٍ لِلْعِلْمِ الْبَاطِنِ بِخِلَافِ الْمُسْتَفِيضِ وَالْمُتَوَاتِرِ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يُوجِبُ الْعِلْمَ الظَّاهِرَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يُوجِبُهُ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْعِلْمِ مِنْ نَتَائِجِ بَاطِنِهِ فَلَمْ يَفْتَرِقَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُوجِبُهُ لِأَنَّ سُكُونَ النَّفْسِ إِلَيْهِ مُوجِبٌ لَهُ ولولاه لكان ظنا.
(فَصْلٌ)
: فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَاهُ فَالْكَلَامُ فِي السُّنَنِ يَشْتَمِلُ عَلَى فَصْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: فِي أَحْوَالِ الرُّوَاةِ النَّاقِلِينَ لَهَا.
وَالثَّانِي: الْمُتُونُ الْمَعْمُولُ عَلَيْهَا.
( [القول في أحوال الرواة] )
فَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي الرُّوَاةِ فَيَشْتَمِلُ الْكَلَامُ فِيهِ عَلَى خَمْسَةِ فُصُولٍ:
أَحَدُهَا: فِي صِفَاتِ الرَّاوِي.
وَالثَّانِي: فِي شُرُوطِ التَّحَمُّلِ.
وَالثَّالِثُ: فِي صِفَةِ الْأَدَاءِ.
وَالرَّابِعُ: فِي أَحْوَالِ الْإِسْنَادِ.
وَالْخَامِسُ: في نقل السماع.
( [القول في صفات الراوي] )
فَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي صِفَاتِ الرَّاوِي: فَيُعْتَبَرُ فِيهِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ:
أَحَدُهَا: الْبُلُوغُ: فَإِنَّ الصَّغِيرَ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الدِّينِ فِي خَبَرٍ وَلَا فُتْيَا، لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجْرِ عَلَى قَوْلِهِ حُكْمٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَأَوْلَى أَنْ لَا يَجْرِيَ عَلَيْهِ حُكْمٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: الْعَقْلُ الْمُوقَظُ: وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْعَقْلِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّكْلِيفُ حَتَّى يَنْضَمَّ إِلَيْهِ التَّيَقُّظُ وَالتَّحَفُّظُ فَيُفَرِّقُ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ لِيَصِحَّ تَمْيِيزُهُ.
وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: الْعَدَالَةُ فِي الدِّينِ لِأَنَّ الْفَاسِقَ مَرْدُودُ الْقَوْلِ فِيهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6] وَلِأَنَّ النَّفْسَ لَا تَثِقُ بِخَبَرِهِ كَمَا لَا تَثِقُ بِشَهَادَتِهِ.
وَلَا يُرَدُّ خَبَرُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ مَا لَمْ يُكَفِّرُوا غَيْرَهُمْ وَيُظْهِرُوا عِنَادَهُمْ.
قَدِ اتُّهِمَ بِذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ التَّابِعِينَ فَمَا رُدَّتْ أَخْبَارُهُمْ، وَشَدَّدَ بَعْضُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ فَمَنَعَ مِنْ قَبُولِ خَبَرِ مَنْ لَا يُوَافِقُهُ عَلَى مَذْهَبِهِ وَهَذَا مُفْضٍ إِلَى إِطْرَاحِ أَكْثَرِ السُّنَنِ.
وَالشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ مَأْمُونَ الزَّلَلِ شَدِيدَ الْيَقَظَةِ بَعِيدًا مِنَ السَّهْوِ وَالْغَفْلَةِ حَتَّى لَا يَشْتَبِهَ عَلَيْهِ الْكَذِبُ بِالصِّدْقِ.
وَيَكُونُ عَلَى ثِقَةٍ بِهِ فَقَدْ حُكِيَ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ قَالَ: لَقَدْ سَمِعْتُ مِنْ سَبْعِينَ شَيْخًا أَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ بِأَدْعِيَتِهِمْ لَا أَرْوِي عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ حَدِيثًا، وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ سَلَامَةٍ لَا تُؤْمَنُ غَفْلَتُهُمْ وَإِنْ قَوِيَتْ دِيَانَتُهُمْ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ إِذَا كَانَ ضَابِطًا قَدْ قِيلَ الْمَصْدَرُ الْأَوَّلُ رِوَايَاتُ الْأَعْرَابِ وَأَهْلِ الْبَوَادِي، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ ".
وَهَذِهِ الشُّرُوطُ الْأَرْبَعَةُ تُعْتَبَرُ فِي الشَّهَادَةِ كاعتبارها في الخبر.
( [القول في خبر الأعمى والعبد]
وَيُقْبَلُ خَبَرُ الْأَعْمَى وَإِنْ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ، وَيُقْبَلُ خَبَرُ الْعَبْدِ وَإِنْ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ.
لِأَنَّ الْخَبَرَ لِاخْتِصَاصِهِ بِالدِّينِ تُعْتَبَرُ فِيهِ شُرُوطُ الْمُفْتِي وَلَا تُعْتَبَرُ فِيهِ شُرُوطُ الشَّاهِدِ وَفُتْيَا الأعمى والعبد مقبولة كذلك خبرهما.
( [القول في أخبار النساء] )
:
وَتُقْبَلُ أَخْبَارُ النِّسَاءِ.
وَامْتَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ قَبُولِ أَخْبَارِ النِّسَاءِ فِي الدِّينِ إِلَّا أَخْبَارَ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ.
وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَوْ كَانَ نَقْصُ الْأُنُوثَةِ مَانِعًا لَعَمَّ.
وَالثَّانِي: أَنَّ قَبُولَ قَوْلِهِنَّ فِي الْفُتْيَا يُوجِبُ قَبُولَهُ فِي الْأَخْبَارِ لِأَنَّ الْفُتْيَا أَغْلَظُ شُرُوطًا.
(فصل: [القول في شروط التحمل] )
وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي فِي شُرُوطِ التَّحَمُّلِ: فَلِلْمُسْتَمِعِ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَسْمَعَ مِنْ لَفْظِ الْمُحَدِّثِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَقْرَأَهُ عَلَى الْمُحَدِّثِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُجِيزَهُ الْمُحَدِّثُ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يُكَاتِبَهُ بِهِ الْمُحَدِّثُ.
فَأَمَّا الْحَالَةُ الْأُولَى فِي سَمَاعِهِ مِنْ لَفْظِ الْمُحَدِّثِ فَيَصِحُّ تَحَمُّلُهُ عَنْهُ سَوَاءٌ كَانَ عَنْ قَصْدٍ وَاسْتِرْعَاءٍ أَوْ كَانَ بِاتِّفَاقٍ وَمُذَاكَرَةٍ بخلاف الشهادة.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُحَدِّثُ أَعْمَى أَوْ أَصَمَّ وَلَا يَصِحُّ السَّمَاعُ إِنْ كَانَ الْمُتَحَمِّلُ أَصَمَّ وَيَصِحُّ إِنْ كَانَ أَعْمَى.
وَأَمَّا الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ فِي قِرَاءَةِ الْمُسْتَمِعِ عَلَى الْمُحَدِّثِ فَيَصِحُّ تَحَمُّلُهُ كَمَا لَوْ قَرَأَهُ الْمُحَدِّثُ وَهَكَذَا لَوْ قَرَأَهُ غَيْرُ الْمُسْتَمِعِ عَلَى الْمُحَدِّثِ كَانَ كَمَا لَوْ قَرَأَهُ الْمُسْتَمِعُ.
وَمِنْ شَرْطِ صِحَّةِ السَّمَاعِ فِي هَذَا شَيْئَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْمُحَدِّثُ سَمِيعًا وَإِنْ كَانَ أَصَمَّ لَمْ يَصِحَّ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَعْتَرِفَ الْمُحَدِّثُ بِصِحَّةِ مَا قَرَأَهُ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: الْإِجَازَةُ فَلَا يَصِحُّ التَّحَمُّلُ بِالْإِجَازَةِ.
وَأَجَازَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، وَاعْتَبَرَ بَعْضُهُمْ فِي صِحَّةِ الْإِجَازَةِ أَنْ يُسَلِّمَ الْمُحَدِّثُ الْكِتَابَ مِنْ يَدِهِ عِنْدَ إِجَازَتِهِ فَيَصِحُّ التَّحَمُّلُ إِذَا قَالَ قَدْ أَجَزْتُكَ مَا فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَلَا يَصِحُّ إِنْ لَمْ يُسَلِّمِ الْكِتَابَ.
وَكُلُّ هَذَا لَا يَصِحُّ فِيهِ التَّحَمُّلُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَلَوْ صَحَّتِ الْإِجَازَةُ بَطَلَتِ الرِّحْلَةُ وَقَدْ يَتَدَلَّسُ فِي الْإِجَازَةِ الْفَاسِدُ بِالصَّحِيحِ.
وَالْمَجْهُولُ بِالْمَعْرُوفِ.
وَأَمَّا الْحَالُ الرَّابِعَةُ: فِي مُكَاتَبَةِ الْمُحَدِّثِ بِالْحَدِيثِ فَلَا يَصِحُّ فِيهَا التَّحَمُّلُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ كُتُبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلَى عُمَّالِهِ بِالسُّنَنِ وَالْأَحْكَامِ كُتُبًا عَمِلُوا عَلَيْهَا وَأَخَذَ النَّاسُ بِهَا.
مِنْهَا كِتَابُهُ إِلَى عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فِي الدِّيَاتِ، وَالصَّحِيفَةُ الَّتِي أَخَذَهَا أَبُو بَكْرٍ مِنْ قِرَابِ سَيْفِهِ فِي نُصُبِ الزَّكَاةِ، قِيلَ: قَدْ كَانَتْ تَرِدُ مَعَ رُسُلٍ يُعَوَّلُ عَلَى خَبَرِهِمْ بِهَا.
وَيَصِحُّ سَمَاعُ غَيْرِ الْبَالِغِ إِذَا كَانَ مُمَيِّزًا قَدْ سَمِعَ ابْنُ أَبِي بَكْرٍ وَكَانَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ حِينَ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَقَدْ سَمِعَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَبْلَ بُلُوغِهِ فَقَبِلَ النَّاسُ رِوَايَتَهُمَا بَعْدَ الْبُلُوغِ.
وَهَكَذَا لَوْ كَانَ الْمُسْتَمِعُ كَافِرًا ثُمَّ أَسْلَمَ أَوْ فَاسِقًا ثُمَّ اعْتَدَلَ لِأَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ التَّحَمُّلِ هُوَ صِحَّةُ التمييز وحده.
(فصل: [القول في صفة الأداء] )
:
فَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي صِفَةِ الْأَدَاءِ: فَيُعْتَبَرُ فِي الْمُحَدِّثِ إِذَا رَوَى بَعْدَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ شُرُوطِ التَّحَمُّلِ شَرْطَانِ:
أَحَدُهُمَا: بِذِكْرِ إِسْنَادِهِ.
وَالثَّانِي: التَّحَرِّي فِي لَفْظِ مَتْنِهِ.
وَلَهُ حَالَتَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُحَدِّثَ مِنْ حِفْظِهِ فَيَصِحُّ السَّمَاعُ مِنْهُ إِذَا وَثِقَ بِحِفْظِهِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُحَدِّثَ مِنْ كِتَابِهِ.
فَإِنْ كَانَ أَعْمَى لَمْ تَصِحَّ رِوَايَتُهُ مِنْ كِتَابِهِ، لِأَنَّ الْكُتُبَ قَدْ تَشْتَبِهُ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ بَصِيرًا صَحَّ أَنْ يَرْوِيَ مِنْ كِتَابِهِ بِشَرْطَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ وَاثِقًا بِكِتَابِهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ ذَاكِرًا لِوَقْتِ سَمَاعِهِ.
فَإِنْ أَخَلَّ بِأَحَدِهِمَا لَمْ تَصِحَّ رِوَايَتُهُ وَإِنْ جَمْعَهُمَا صَحَّتْ.
وَمَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ أَنْ يَرْوِيَ إِلَّا مِنْ حِفْظِهِ كَمَا لَا يَجُوزُ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ إِلَّا مِنْ حِفْظِهِ.
وَدَلِيلُنَا مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ " قَيِّدُوا الْعِلْمَ بِالْكِتَابِ " وَلَوْ لَمْ يَصِحَّ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ لَكَانَ الْأَمْرُ بِتَقْيِيدِهِ عَيْنًا.
وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - النِّسْيَانَ فَقَالَ لَهُ: " حَرِّكْ يَدَكَ - أَيِ اكْتُبْ - حَتَّى تَرْجِعَ إِذَا نَسِيتَ إِلَى مَا كَتَبْتَ " وَقَدْ كَتَبَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَتَّى جَمَعَ الْقُرْآنَ عِدَّةَ مَصَاحِفَ وَأَنْفَذَهَا إِلَى الْأَمْصَارِ فحفظ المسلمون منها القرآن.
( [القول في الفرق بين الشهادة والحديث] )
:
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالْحَدِيثِ: أَنَّ الشَّهَادَةَ يَفْتَرِقُ فِيهَا حَالُ الشَّاهِدِ وَالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فَتَغَلَّظَتْ بِالْحِفْظِ، كَمَا تَغَلَّظَتْ بِالْعَدَدِ، وَالْحَدِيثُ يَشْتَرِكُ فِيهِ الْمُحَدِّثُ وَالْمُسْتَمِعُ فَتَخَفَّفَتْ بِالْكِتَابِ كَمَا تَخَفَّفَتْ فِي الْعَدَدِ.
وَقَدْ صَارَتِ الرِّوَايَةُ فِي عَصْرِنَا مِنَ الْكِتَابِ أَثْبَتَ عِنْدَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ مِنَ الْحِفْظِ لِمَا يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ مِنْ شَوَاهِدِ الْأُصُولِ فِي صِحَّةِ السَّمَاعِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ الْمُحَدِّثُ فِي رِوَايَتِهِ: " حَدَّثَنَا " وَ " أَخْبَرَنَا " وَهُمَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ سَوَاءٌ فِي الْحُكْمِ غَيْرَ أَنَّ الْأَوْلَى فِي عُرْفِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ إِنْ سَمِعَ مِنْ لَفْظِ الْمُحَدِّثِ أَنْ يَقُولَ: " حَدَّثَنَا " وَإِنْ قَرَأَهُ عَلَى الْمُحَدِّثِ أَنْ يَقُولَ: " أَخْبَرَنَا " وَإِنْ سَمِعَ وَحْدَهُ قَالَ: " حَدَّثَنِي " وَ " أَخْبَرَنِي " وَإِنْ سَمِعَ مَعَ جَمَاعَةٍ قَالَ: " حَدَّثَنَا " وَ " أَخْبَرَنَا " لِتَكُونَ هَذِهِ الْفُرُوقُ تَذْكِيرًا بِأَحْوَالِ السَّمَاعِ وَإِنْ كَانَتْ فِي الْحُكْمِ سواء.
وَيَجُوزُ أَنْ تُقْبَلَ رِوَايَةُ الْمُحَدِّثِ فِيمَا يَعُودُ إِلَيْهِ نَفْعُهُ وَلَا يَجُوزُ فِي الشَّهَادَةِ أَنْ يَجُرَّ بِهَا نَفْعًا، لِاشْتِرَاكِ النَّاسِ فِي السُّنَنِ والديانات وافتراقهم في الشهادات.
( [القول في إنكار الراوي ونسيانه للحديث] )
:
وَإِذَا أَسْنَدَ الرَّاوِي حَدِيثَهُ عَنْ رَجُلٍ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ الرَّجُلُ الْحَدِيثَ أَوْ نَسِيَهُ لَمْ يَقْدَحْ فِي صِحَّةِ الرِّوَايَةِ، وَلَا يَجُوزُ لِلْمُحَدِّثِ أَنْ يَرْوِيَهُ عَنِ الْمُسْتَمِعِ إِنْ أَنْكَرَهُ، وَيَجُوزَ أَنْ يَرْوِيَهُ عَنْهُ إِنْ نَسِيَهُ، قَدْ رَوَى رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ " ثُمَّ نَسِيَ سُهَيْلٌ الْحَدِيثَ فَأَخْبَرَهُ بِهِ رَبِيعَةُ فَصَارَ سُهَيْلٌ يَقُولُ أَخْبَرَنِي رَبِيعَةُ عَنِّي أَنَّنِي حَدَّثْتُهُ عَنْ أَبِي، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قضى باليمين مع الشاهد ".
( [عمل الراوي بخلاف روايته] )
:
وَإِذَا عَمِلَ الرَّاوِي بِغَيْرِ رِوَايَتِهِ لَمْ يَقْدَحْ فِي صِحَّةِ الرِّوَايَةِ قَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ: غَسْلُ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ سَبْعًا وَأَفْتَى بِغَسْلِهِ ثَلَاثًا فَعَمِلُوا عَلَى رِوَايَتِهِ دُونَ فُتْيَاهُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ قَدْ نَسِيَ الرِّوَايَةَ فَأَفْتَى بغيرها وروايته حجة وفتياه ليست بحجة.
( [القول في تفسير الراوي للحديث] )
فَأَمَّا تَفْسِيرُ الرَّاوِي لِلْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ فَإِنْ كَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ سَمِعُوا لَفْظَ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَشَاهَدُوا مَخْرَجَ كَلَامِهِ كَانَ الْحَدِيثُ مَحْمُولًا عَلَى تَفْسِيرِهِ كَمَا فَسَّرَ ابْنُ عُمَرَ مَا رَوَاهُ مِنِ افْتِرَاقِ الْمُتَبَايِعَيْنِ فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ أَنَّهُ التَّفَرُّقُ بِالْأَبْدَانِ دُونَ الْكَلَامِ؛ فَحُمِلَ عَلَى تَفْسِيرِهِ.
وَإِنْ كَانَ هَذَا الْمُحَدِّثُ مِنْ دُونِ الصَّحَابَةِ لَمْ يَكُنْ تَفْسِيرُهُ حُجَّةً؛ لِأَنَّهُ وَغَيْرَهُ فِيهِ سواء.
(فصل: [القول في أحوال الإسناد] )
وَأَمَّا الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي أَحْوَالِ الْإِسْنَادِ فَصِحَّتُهُ مُعْتَبَرَةٌ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ.
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْإِسْنَادُ مُتَّصِلًا بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا أَوْ مُنْقَطِعًا لَمْ يَصِحَّ.
وَالْمُرْسَلُ: أَنْ يَرْوِيَهُ التَّابِعِيُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَهُوَ لَمْ يُشَاهِدْهُ وَلَا يَرْوِيهِ عَنْ صَحَابِيٍّ شَاهَدَهُ.
وَالْمُنْقَطِعُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الرَّاوِيَيْنِ رَجُلٌ لَمْ يُذْكَرْ.
فَأَمَّا الْمُنْقَطِعُ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ بِوِفَاقِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَأَمَّا الْمُرْسَلُ فَهُوَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ حُجَّةٌ وَرُبَّمَا جَعَلَهُ أَقْوَى مِنَ الْمُسْنَدِ لِثِقَةِ التَّابِعِيِّ بِصِحَّتِهِ فِي إِرْسَالِهِ.
وَلَيْسَ الْمُرْسَلُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ حُجَّةً وَلَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ إِذَا انْفَرَدَ، حَتَّى يُسَمِّي
رَاوِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَسْمَعَهُ عَنْ مِثْلِهِ مِنَ التَّابِعِينَ وَيَجُوزُ أَنْ يَسْمَعَهُ عَنْ مَنْ لَا يُوثَقُ بِصِحَّتِهِ.
وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: " مُرْسَلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عِنْدَنَا حَسَنٌ " وَإِنَّمَا اسْتَحْسَنَهُ لِمَا يَقْتَرِنُ بِهِ مِنْ شَوَاهِدِ صِحَّتِهِ، لِأَنَّهُ مَا أَرْسَلَ حَدِيثًا إِلَّا وَقَدْ وُجِدَ مُسْنَدًا عَنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ.
وَأَمَّا رِوَايَاتُ الصَّحَابَةِ فَلَا مُرْسَلَ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ إِنْ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله
فَلَا شُبْهَةَ فِي صِحَّتِهِ.
وَإِنْ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عَنْ سَمَاعِهِ مِنْهُ.
وَإِنْ سَمِعَهُ مِنْ غَيْرِهِ فَلَيْسَ يَرْوِيهِ إِلَّا عَنْ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّ صَحَابَةَ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَحْكُومٌ بِعَدَالَتِهِمْ وَجَمِيعَهُمْ مَقْبُولُ الرِّوَايَةِ عَنْهُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ " وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: " لَيْسَ كُلُّ مَا حَدَّثْتُكُمْ بِهِ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَلَكِنْ سَمِعْتُ وَحَدَّثَنِي بِهِ أَصْحَابُهُ " وَأَجْرَى أَهْلُ الْعِلْمِ وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ عَلَيْهِ أَحْكَامَ الْمُسْنَدِ دُونَ الْمُرْسَلِ.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الرِّوَايَةُ عَنْ مُسَمًّى مَشْهُورٍ بِمَا سُمِّيَ بِهِ: حَتَّى لَا يَقَعَ التَّدْلِيسُ فِي اسْمِهِ فَإِنْ لَمْ يُسَمِّهِ وَقَالَ: أَخْبَرَنِي الثِّقَةُ أَوْ مَنْ لَا أَتَّهِمُ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً فِي صِحَّةِ النَّقْلِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَثِقُ بِهِ وَيَكُونُ مَجْرُوحًا عِنْدَ غَيْرِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَادِيثَ رَوَاهَا أَخْبَرَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ، وَأَخْبَرَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ قِيلَ قَدِ اشْتَهَرَ مَنْ عَنَاهُ بِهَذَا وَأَنَّهُ أَرَادَ بِمَنْ يَثِقُ بِهِ إِبْرَاهِيمَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ فَصَارَ كَالتَّسْمِيَةِ لَهُ، وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُصَرِّحَ بِاسْمِهِ لَكِنَّهُ رُبَّمَا أَشْكَلَ عَلَيْهِ وَقْتَ الْحَدِيثِ اسْمُ الرَّاوِي وَهُوَ وَاحِدٌ من عدد ثقاة فَيَتَخَرَّجُ أَنْ يُسَمَّى مَنْ لَا يَقْطَعُ بِصِحَّتِهِ فَعَدَلَ عَنْهُ إِلَى مَا لَا جَرْحَ فِيهِ فَقَالَ أَخْبَرَنِي الثِّقَةُ فَلَا وَجْهَ لِمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ مَعَ ظُهُورِ الْعُذْرِ فِيهِ.
وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَعْرِفَ عَدَالَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الرُّوَاةِ حَتَّى يَتَّصِلَ ذَلِكَ بِالصَّحَابَةِ.
وَلَيْسَتْ رِوَايَةُ الْعَدْلِ عَنْ غَيْرِهِ دَلِيلًا عَلَى عَدَالَتِهِ، قَدْ يَرْوِي الْعَدْلُ عَنْ عَدْلٍ أَوْ غَيْرِ عَدْلٍ، هَذَا الشَّعْبِيُّ يَقُولُ فِي رِوَايَتِهِ: " حَدَّثَنِي الْحَارِثُ الْأَعْوَرُ وَكَانَ وَاللَّهِ كَذَّابًا ".
فَإِنْ قِيلَ أَفَيَجُوزُ أَنْ يَرْوِيَ عَنْ غَيْرِ عَدْلٍ، قِيلَ يَجُوزُ فِي الْمَشَاهِيرِ وَلَا يَجُوزُ فِي الْمَنَاكِيرِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَرْوِيَ الْمُتَقَدِّمُ عَنِ الْمُتَأَخِّرِ، قَدْ رَوَى ابْنُ سِيرِينَ عَنْ خَالِدٍ الْحِذَاءِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ حَدِيثَ الْقُرْعَةِ، وَسَمِعَ إِبْرَاهِيمُ عَنِ الْأَعْمَشِ حَدِيثَ قِيَامِ الْمَأْمُومِ عَنْ يمين
الْإِمَامِ.
وَإِنْ كَانَتْ عَدَالَةُ الرُّوَاةِ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ لَمْ يَخْلُ حَالُهُمْ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ.
أَحَدُهَا: أَنْ تُعْلَمَ عَدَالَتُهُمْ فَيُحْكَمُ بِصِحَّةِ الْحَدِيثِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُعْلَمَ جَرْحُهُمْ أَوْ جَرْحُ أَحَدِهِمْ فَلَا يُحْكَمُ بِصِحَّتِهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ تُجْهَلَ أَحْوَالُهُمْ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ رِوَايَتَهُمْ مَقْبُولَةٌ مَا لَمْ يُعْلَمِ الْجَرْحُ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا تُقْبَلُ مَا لَمْ يُعْلَمِ التَّعْدِيلُ، فَيُكْشَفُ عَنْ عَدَالَتِهِمْ.
فَإِنْ شَهِدَ قَوْمٌ بِعَدَالَتِهِمْ وَشَهِدَ قَوْمٌ بِجَرْحِهِمْ حُكِمَ بِالْجَرْحِ دُونَ التَّعْدِيلِ.
وَلَا يُقْبَلُ الْجَرْحُ حَتَّى يُذْكَرَ مَا صَارَ بِهِ مَجْرُوحًا.
فَإِنْ وَجَدُوهُ قَدْ كَذَبَ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ وَجَبَ إِسْقَاطُ جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَحَادِيثِهِ وَوَجَبَ نَقْضُ مَا عُمِلَ بِهِ مِنْهَا، وَإِنْ لَمْ يُنْقَضِ الْحُكْمُ بِشَهَادَةِ مَنْ حَدَثَ فِسْقُهُ لِأَنَّ الْحَدِيثَ حُجَّةٌ لَازِمَةٌ لِجَمِيعِ النَّاسِ، وَفِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ فَكَانَ حُكْمُهُ أَغْلَظَ مِنَ الشَّهَادَةِ الْخَاصَّةِ.
وَفِي تَعْدِيلِ الرَّاوِي وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَجْرِيَ مَجْرَى الْخَبَرِ، لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ الْأَخْبَارِ فَعَلَى هَذَا يُقْبَلُ فِي عَدَالَتِهِ خَبَرُ الْوَاحِدِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقْبَلَ فِيهِ خَبَرُ الْمُحَدِّثِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الشَّهَادَةِ، لِأَنَّهُ حُكْمٌ عَلَى غَائِبٍ فَعَلَى هَذَا لَا يُقْبَلُ فِي تَعْدِيلِهِ أَقَلُّ مِنْ شَاهِدَيْنِ.
وَفِي جَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمُحَدِّثُ أَحَدَهُمَا وَجْهَانِ، كَمَا لَوْ عَدَلَ شُهُودُ الْفَرْعِ لِشُهُودِ الْأَصْلِ.
فَأَمَّا الْجَرْحُ فَلَا يُقْبَلُ فِيهِ أَقَلُّ مِنْ شَاهِدَيْنِ، لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى بَاطِنٍ مَغِيبٍ.
فَأَمَّا الصَّحَابَةُ فَلَيْسَ يُعْتَبَرُ فِيهِمْ إِلَّا صِحَّةُ صُحْبَتِهِمْ وَإِذَا صَحَّتِ الصُّحْبَةُ قُبِلَتْ أَحَادِيثُهُمْ إِذَا خَرَجُوا عَمَّنِ اشْتُهِرَ بِالنِّفَاقِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى اختار لرسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَنْ رَضِيَ عَنْهُمْ وَوَصَفَهُمْ بِالرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ بَيْنَهُمْ فَقَالَ تَعَالَى ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يبتغون فضلا من الله ورضوانا﴾ [الفتح: 29] .
( [القول فيمن عرف من الرواة بالتدليس] )
وَأَمَّا مَنْ عُرِفَ مِنَ الرُّوَاةِ بِالتَّدْلِيسِ فَصِنْفَانِ: أَحَدُهُمَا: مَنْ عُرِفَ بِتَدْلِيسِ مُتُونِ الْأَحَادِيثِ فَهَذَا مُطْرَحُ الْأَحَادِيثِ مَجْرُوحُ الْعَدَالَةِ وَهُوَ مِمَّنْ يُحَرِّفُ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ فَكَانَ بِالتَّكْذِيبِ أَحَقَّ.
وَالصِّنْفُ الثَّانِي: مَنْ عُرِفَ مِنْهُ تَدْلِيسُ الرُّوَاةِ مَعَ صِدْقِهِ فِي الْمُتُونِ فَقَدْ حُكِيَ أَنَّ شُرَيْحًا وَهُشَيْمًا وَالْأَعْمَشَ كَانُوا مُدَلِّسِينَ، وَقِيلَ إِنَّ التَّدْلِيسَ فِي أَهْلِ الْكُوفَةِ أَشْهَرُ مِنْهُ فِي أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَاتُّهِمَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ بِالتَّدْلِيسِ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ الرِّوَايَةِ عَنْهُ مَنْ حَدَّثَكَ بِهَذَا فَقَالَ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرٍو فَأَعَلَّهُ بَعْضُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ لِأَجْلِ هَذَا وَنَسَبَهُ إِلَى التَّدْلِيسِ وَإِنْ كَانَ ثِقَةً عَدْلًا.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُ حَالُ التَّدْلِيسِ فِي أَسْمَاءِ الرُّوَاةِ مِنْ إِحْدَى حَالَتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِي إِبْدَالِ الْأَسْمَاءِ بِغَيْرِهَا فَيَعْدِلُ عَنِ اسْمِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ يُسَمِّيهِ بِعُمَرَ بْنِ بَكْرٍ لِنُزُولِ مَنْ عَدَلَ عَنِ اسْمِهِ وَارْتِفَاعِ مَنْ عَدَلَ إِلَى اسمه فهذا كذب يرد به حديثه.
والحال الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ التَّدْلِيسُ فِي إطرَاحِ اسْمِ الرَّاوِي الْأَقْرَبِ وَإِضَافَةِ الْحَدِيثِ إِلَى مَنْ هُوَ أَبْعَدُ كَالَّذِي حُكِيَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ فِي حَدِيثِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَبَيْنَهُمَا فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ رِجَالٌ وَإِنْ سُمِعَ مِنْهُ فِي أَكْثَرِهَا فَلَا يَكُونُ بِهَذَا التَّدْلِيسِ مَجْرُوحًا وَلَكِنْ لَا يُقْبَلُ حَدِيثُهُ إِذَا رَوَى عَنْ فُلَانٍ حَتَّى يَقُولَ " حَدَّثَنِي " أَوْ " أَخْبَرَنِي " لِأَنَّ إِطْلَاقَهُ يَحْتَمِلُ التَّدْلِيسَ فَإِذَا قَالَ حَدَّثَنِي أَوْ أَخْبَرَنِي ارْتَفَعَ احْتِمَالُ التَّدْلِيسِ فَقُبِلَ حَدِيثُهُ.
وَشَدَّدَ بَعْضُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ حَالَ الْمُدَلِّسِ فَلَمْ يَقْبَلْ حَدِيثَهُ حَتَّى يَقُولَ سَمِعْتُ وَلَا يَقْبَلُهُ إِذَا قَالَ " حَدَّثَنِي " أوَ " أَخْبَرَنِي ". كَمَا لَا يَقْبَلُهُ إِذَا رَوَى عَنْ فُلَانٍ.
وَلَوْ كَانَ مَوْثُوقًا بِأَنَّهُ لَا يُدَلِّسُ سُمِعَتْ رِوَايَتُهُ عَنْ فُلَانٍ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ " حَدَّثَنِي " أَوْ " أَخْبَرَنِي " كَمَا تُقْبَلُ مِنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عمر.
(فصل: [القول في أحوال نقل السماع] )
وَأَمَّا الْفَصْلُ الْخَامِسُ فِي نَقْلِ السَّمَاعِ: فَلِلرَّاوِي فِي نَقْلِ سَمَاعِهِ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَرْوِيَ مَا سَمِعَهُ بِأَلْفَاظِهِ وَعَلَى صِيغَتِهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَرْوِيَ مَعْنَاهُ بِغَيْرِ لَفْظِهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُنْقِصَ مِنْهُ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ.
فَأَمَّا الْحَالُ الْأُولَى فِي رِوَايَتِهِ لِلَفْظِ الْحَدِيثِ عَلَى صِيغَتِهِ فَلَا يَخْلُو مَصْدَرُهُ مِنَ الرَّسُولِ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءً أَوْ جَوَابًا.
فَإنْ كَانَ ابْتِدَاءً وَحَكَاهُ بَعْدَ أَدَاءِ الْأَمَانَةِ فِيهِ كَقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الْوُضُوءُ وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ ".
وَإِنْ كَانَ جَوَابًا عَنْ سُؤَالٍ فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ مُغْنِيًا عَنْ ذِكْرِ السُّؤَالِ كَمَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنِ التَّوَضُّؤِ بِمَاءِ الْبَحْرِ فَقَالَ: " هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ " فَالرَّاوِي فِيهِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ ذِكْرِ السُّؤَالِ وَبَيْنَ تَرْكِهِ، وَإِنْ كَانَ ذِكْرُهُ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَفْتَقِرَ الْجَوَابُ إِلَى ذِكْرِ السُّؤَالِ كَمَا سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ فَقَالَ: " أَيَنْقُصُ إِذَا يَبِسَ؟ " قِيلَ: نَعَمْ.
قَالَ: " فَلَا إِذَنْ ".
فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى رِوَايَةِ الْجَوَابِ حَتَّى يَذْكُرَ السُّؤَالَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ " فَلَا إِذَنْ " لَا يُفْهَمُ إِلَّا بِذِكْرِ السُّؤَالِ.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ إِطْلَاقُ الْجَوَابِ يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ فَإِذَا نُقِلَ السُّؤَالُ نُفِيَ أَحَدُ الِاحْتِمَالَيْنِ كَمَا سُئِلَ عَنِ الشَّاةِ تُذْبَحُ فَيُوجَدُ فِي جَوْفِهَا جَنِينٌ مَيِّتٌ أَفَيُؤْكَلُ؟ فَقَالَ: " ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهُ " لَوْ قَالَهُ ابْتِدَاءً لَاحْتَمَلَ أَنْ تَكُونَ ذَكَاتُهُ مِثْلَ ذَكَاةِ أُمِّهِ.
وَاحْتَمَلَ أَنْ يُسْتَبَاحَ بِذَكَاةِ أُمِّهِ، وَإِذَا ذُكِرَ السُّؤَالُ صَارَ الْجَوَابُ مَحْمُولًا عَلَى أَنَّهُ يُسْتَبَاحُ بِذَكَاةِ أُمِّهِ فَيَكُونُ الْإِخْلَالُ بِذِكْرِ السُّؤَالِ تَقْصِيرًا فِي الْبَيَانِ يُكْرَهُ وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْ.
وَيَسْتَوِي فِي هَذَا مَنْ هُوَ أَصْلُ الْخَبَرِ كَالصَّحَابِيِّ وَمَنْ قَدْ تَفَرَّعَ عَلَيْهِ مِنَ التَّابِعِينَ ومن دونهم.
( [رواية الحديث بالمعنى] )
وَأَمَّا الْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَرْوِيَ مَعْنَى الْحَدِيثِ بِغَيْرِ لَفْظِهِ فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ فِي الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي كَقَوْلِهِ: " لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ " فَيُرْوَى أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ وَكَقَوْلِهِ: " اقْتُلُوا الْأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ " فَرُوِيَ أَنَّهُ أَمَرَ بِقَتْلِ الْأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ فَهَذَا جَائِزٌ، لِأَنَّ (افْعَلْ) أَمْرٌ وَ (لَا تَفْعَلْ) نَهْيٌ فَاسْتَوَيَا فِي الْخَبَرِ وَكَانَ الرَّاوِي فِيهِمَا مُخَيَّرًا.
وَيَسْتَوِي فِي هَذَا التَّخَيُّرِ مَنْ كَانَ أَصْلُ الْخَبَرِ كَالصَّحَابَةِ وَمَنْ صَارَ فَرْعًا فِيهِ كَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ فِي نَقْلِ كَلَامٍ قَالَهُ بِأَلْفَاظٍ وَيَكُونُ الْكَلَامُ مُحْتَمِلَ الْأَلْفَاظِ أَوْ خَفِيَّ الْمَعْنَى كَقَوْلِهِ " لَا طَلَاقَ فِي إِغْلَاقٍ ".
فَوَاجِبٌ عَلَى الرَّاوِي أَنْ يَنْقُلَهُ بِلَفْظِهِ، وَلَا يُعَبِّرَ عَنْهُ بِغَيْرِهِ لِيَكُونَ عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ مِنَ الِاحْتِمَالِ وَالْخَفَاءِ فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ مُحْتَمَلًا ولا خفيا إلا لمصلحة وليكل اسْتِنْبَاطَهُ إِلَى الْعُلَمَاءِ.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى جَلِيًّا غَيْرَ مُحْتَمَلٍ كَقَوْلِهِ: " الْخَيْرُ كَثِيرٌ وَقَلِيلٌ فَاعِلُهُ " فَلَا يَجُوزُ لِمَنْ يَسْمَعُ كَلَامَهُ مِنَ التَّابِعِيِنَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ أَنْ يُورِدَ الْمَعْنَى بِغَيْرِ لَفْظِهِ حَتَّى يَنْقُلَ اللَّفْظَ عَلَى صِيغَتِهِ فَيُورِدَ الْمَعْنَى بِأَلْفَاظِهِ.
وَهَلْ يَجُوزُ لِمَنْ شَاهَدَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَعَرِفَ مَخْرَجَ كَلَامِهِ أَنْ يُورِدَ الْمَعْنَى بِغَيْرِ لَفْظِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: اخْتَلَفَ فِيهِمَا أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ كَمَا لَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ مِنَ التَّابِعِينَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ لِغَيْرِهِ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِفَحْوَاهُ مِنْ غَيْرِهِ.
وَالَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ يَحْفَظُ اللَّفْظَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَرْوِيَهُ بِغَيْرِ أَلْفَاظِهِ لِأَنَّ فِي كَلَامِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مِنَ الْفَصَاحَةِ مَا لَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ غَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يُحَفَظِ اللَّفْظُ جَازَ أَنْ يُورِدَ مَعْنَاهُ بِغَيْرِ لَفْظِهِ، لِأَنَّ الرَّاوِيَ قَدْ تَحَمَّلَ أَمْرَيْنِ اللَّفْظَ وَالْمَعْنَى؛ فَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِمَا لَزِمَهُ أَدَاؤُهُمَا وَإِنْ عَجَزَ عَنِ اللَّفْظِ وَقَدَرَ عَلَى الْمَعْنَى لَزِمَهُ أَدَاؤُهُ لِئَلَّا يَكُونَ مُقَصِّرًا فِي نَقْلِ مَا تَحَمَّلَ فَرُبَّمَا تَعَلَّقَ بِالْمَعْنَى مِنَ الْأَحْكَامِ مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكْتُمَهُ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةِ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: 283] .
وَأَمَّا الْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يُنْقِصَ مِنْ أَلْفَاظِ الْخَبَرِ: فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ.
أَحَدُهَا: أَنْ يَصِيرَ الْبَاقِي مِنْهُ مَبْتُورًا لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ فَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ مِنْهُ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ لِيُتِمَّ فَائِدَةَ الْخَبَرِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْبَاقِي مَفْهُومًا لَكِنْ يَكُونُ ذِكْرُ الْمَتْرُوكِ يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْحُكْمِ فِي الْمَذْكُورِ مِثْلُ قَوْلِهِ لِأَبِي بُرْدَةَ بْنِ ينار.
وَقَدْ ضَحَّى قَبْلَ الصَّلَاةِ وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَا يَقْضِيهِ إِلَّا جَذَعَةً مِنَ الْمَعْزِ فَقَالَ " تَجْزِيكَ وَلَا تَجْزِي أَحَدًا بَعْدَكَ " فَلَوْ رَوَى النَّاقِلُ أَنَّهُ قَالَ: تَجْزِيكَ لَكَانَ مَفْهُومًا يَقْتَضِي أَنْ تَجْزِيَ جَمِيعَ النَّاسِ فَلَمَّا قَالَ: " وَلَا تَجْزِي أَحَدًا بَعْدَكَ " دَلَّ عَلَى اخْتِصَاصِ أَبِي بُرْدَةَ بِهَذَا الْحُكْمِ.
فَلَزِمَ الرَّاوِي فِي مِثْلِ هَذَا الْخَبَرِ أَنْ يَرْوِيَ بَاقِيَ قَوْلِهِ، وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْأَوَّلِ وَإِنْ كَانَ مَفْهُومًا.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْبَاقِي مِنْهُ مَفْهُومَ الْمَعْنَى وَمُسْتَقِلَّ الْحُكْمِ كَقَوْلِهِ فِي الْبَحْرِ: " هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ " فَيَجُوزُ أَنْ يَقْتَصِرَ فِي الرِّوَايَةِ عَلَى أَحَدِهِمَا فَيَرْوِي " هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ " أَوْ يَرْوِي " هُوَ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ " لِأَنَّهُمَا حُكْمَانِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الرِّوَايَةِ إِلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ فَرْضُ الْإِبْلَاغِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ فَيَلْزَمُهُ أَدَاءُ مَا تَحَمَّلَ كَالشَّاهِدِ.
وَأَمَّا الْحَالُ الرَّابِعَةُ: وَهُوَ أَنْ يَزِيدَ فِي الْخَبَرِ فَهَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ شَرْحًا لِلْحَالِ كَمَا نَهَى عَنْ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ وَأَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ يَزِيدُ فِيهِ ذِكْرَ السَّبَبِ الَّذِي دَعَاهُ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ؛ فَيَصِحُّ هَذَا مِنَ الصَّحَابِيِّ لِأَنَّهُ قَدْ شَاهَدَ الْحَالَ وَلَا يَصِحُّ مِنَ التَّابِعِيِّ، لِأَنَّهُ لَمْ يُشَاهِدْهَا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ تَفْسِيرًا لِمَعْنَى الْكَلَامِ كَنَهْيِهِ عَنِ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ فَيَجُوزُ لِلرَّاوِي مِنْ صَحَابِيٍّ وَتَابِعِيٍّ أَنْ يُفَسِّرَ مَعْنَاهُمَا فِي رِوَايَتِهِ، فَتَصِيرُ الزِّيَادَةُ تَفْسِيرًا فَيَجُوزُ، لَكِنْ إِنْ فَسَّرَهَا الصَّحَابِيُّ.
لَزِمَ قَبُولُ تَفْسِيرِهِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ وَإِنْ فَسَّرَهَا التَّابِعِيُّ لَمْ يَلْزَمْ قَبُولُ تَفْسِيرِهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنَّ تَخْرُجَ الزِّيَادَةُ عَنْ شَرْحِ السَّبَبِ وَتَفْسِيرِ الْمَعْنَى فَمَا هِيَ إِلَّا كَذِبٌ يَسِيرٌ قَدْ نَزَّهَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ صَحَابَةَ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَقَدْ قَالَ " مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ".
فَهَذَا الْكَلَامُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنْ أَحْكَامِ الرُّوَاةِ النَّاقِلِينَ لِلسُّنَّةِ.
(فَصْلٌ: [الْقَوْلُ فِي أَحْكَامِ الْمُتُونِ الْمَنْقُولَةِ أَوِ السنن المروية] )
وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي مِنَ الْأَصْلِ فِي أَحْكَامِ الْمُتُونِ الْمَنْقُولَةِ أَوِ السُّنَنِ الْمَرْوِيَّةِ:
فَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ كِتَابَ اللَّهِ يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَقْسَامِ السِّتَّةِ وَهِيَ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ، وَالْمُفَسَّرُ وَالْمُجْمَلُ، وَالْمُطْلَقُ وَالْمُقَيَّدُ، وَالْإِثْبَاتُ وَالنَّفْيُ، وَالْمُحْكَمُ، وَالْمُتَشَابِهُ، وَالنَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ، فَمِثْلُهَا مَوْجُودٌ فِي السُّنَّةِ، وَأَحْكَامُهَا فِي السُّنَّةِ عَلَى مَا شَرَحْنَاهُ مِنْ أَحْكَامِهَا في الكتاب.
تختص السُّنَّةُ بِأُصُولٍ تَشْتَمِلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مَا تُؤْخَذُ مِنْهُ السُّنَّةُ.
وَالثَّانِي: مَا يَجِبُ بَيَانُهُ بِالسُّنَّةِ وَالثَّالِثُ مَا يَلْزَمُ الْعَمَلُ بِهِ من السنة.
( [القول في مصادر السُّنَّةِ] )
:
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوْلُ فَمَا تُؤْخَذُ مِنْهُ السُّنَّةُ فَهُوَ مَأْخُوذٌ عَنِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: مِنْ قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ وَإِقْرَارِهِ.
( [أقوال الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -] )
:
فَأَمَّا أَقْوَالُهُ: فَمُطَاعٌ فِيهَا، قَالَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59] .
وَهِيَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ:
أَمْرٌ، وَنَهْيٌ، وَخَبَرٌ، وَاسْتِخْبَارٌ، فَيُطَاعُ فِي أَوَامِرِهِ، وَيُتَّبَعُ فِي نَوَاهِيهِ، وَيُصَدَّقُ فِي خَبَرِهِ، وَيُجَابُ عَلَى اسْتِخْبَارِهِ.
ثُمَّ تَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَا ابْتَدَأَهُ.
وَالثَّانِي: مَا كَانَ جَوَابًا عَنْ سُؤَالٍ.
فَأَمَّا الْمُبْتَدَأُ مِنْ أَقْوَالِهِ فَيَشْتَمِلُ عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ: عِبَادَاتٍ، وَمُعَامَلَاتٍ، وَتَرْغِيبٍ، وَتَرْهِيبٍ، وَتَأْدِيبٍ.
فَأَمَّا الْعِبَادَاتُ فَتَتَرَدَّدُ بَيْنَ وُجُوبٍ وَنَدْبٍ.
وَأَمَّا الْمُعَامَلَاتُ فَتَتَرَدَّدُ بَيْنَ إِبَاحَةٍ وَحَظْرٍ.
وَأَمَّا التَّرْغِيبُ بِالثَّوَابِ فَدَاعٍ إِلَى الطَّاعَةِ.
وَأَمَّا التَّرْهِيبُ بِالْعِقَابِ فَزَاجِرٌ عَنِ الْمَعْصِيَةِ.
وَأَمَّا التَّأْدِيبُ فَبَاعِثٌ عَلَى الْجُمْلَةِ وَالْأُلْفَةِ.
وَبِهَذَا تَتِمُّ مَصَالِحُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا.
وَأَمَّا مَا كَانَ جوابا عن سؤال: فتنقسم ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مَا قَابَلَ السُّؤَالَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ وَلَمْ يُنْقِصْ مِنْهُ كَمَا سُئِلَ عَنْ الِاسْتِطَاعَةِ فِي الْحَجِّ فَقَالَ: " زَادٌ وَرَاحِلَةٌ " وَهَذَا حَدُّ الْجَوَابِ أَنْ يَكُونَ مُطَابِقًا لِلسُّؤَالِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ أَزْيَدَ مِنَ السُّؤَالِ كَمَا سُئِلَ عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ فَقَالَ " هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ ". فَتَكُونُ الزِّيَادَةُ عَلَى السُّؤَالِ بَيَانَ شَرْعٍ مُبْتَدَأٍ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ أَنْقَصَ مِنَ السُّؤَالِ فَلَهُ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ:
إِحْدَاهَا: أَنْ يَكُونَ نُقْصَانُ الْجَوَابِ لِخَطَأِ السَّائِلِ فِي السُّؤَالِ كَمَا سُئِلَ عَمَّا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ فَقَالَ: " لَا يَلْبَسُ قَمِيصًا وَلَا عِمَامَةً ".
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ فِي كِتَابِ اللَّهِ بَيَانٌ لِبَقِيَّةِ السُّؤَالِ كَمَا يَسْأَلُهُ عُمَرُ عَنِ الْكَلَالَةِ فَقَالَ: " تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ ".
وَالثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ فِي بَعْضِ الْجَوَابِ تَنْبِيهٌ عَلَى بَقِيَّةِ الْجَوَابِ كَمَا سَأَلَهُ عُمَرُ عَنْ قُبْلَةِ الصَّائِمِ فَقَالَ " أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ؟ ".
وَالْحَالُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَكُونَ لِتَوَقُّفٍ عَنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالدِّيَانَاتِ لَمْ يَلْزَمْهُ إِتْمَامُ الْجَوَابِ، وَإِنْ تَعَلَّقَ بِالدِّيَانَاتِ لَزِمَهُ إِتْمَامُ الْجَوَابِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِظْهَارِ دِينِ اللَّهِ فِيهِ، وَلَيْسَ يَتَوَقَّفُ إِلَّا لِيَتَوَقَّعَ أَمْرَ اللَّهِ وَبَيَانَهُ كَمَا سَأَلَهُ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ عَنِ الْحَيْضِ فَتَوَقَّفَ حَتَّى نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: 222] .
( [أفعال الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -] )
:
وَأَمَّا أَفْعَالُ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالدِّيَانَاتِ كَمَأْكَلِهِ وَمَشْرَبِهِ وَمَلْبَسِهِ وَمَنَامِهِ فَيَدُلُّ فِعْلُهُ عَلَى الْإِبَاحَةِ دُونَ الْوُجُوبِ، لِأَنَّ أَفْعَالَهُ تَتَرَدَّدُ بَيْنَ الْحَسَنِ وَالْجَائِزِ وَلَا يَفْعَلُ مَا يَقْبُحُ فِي الْعَقْلِ أَوْ يُكْرَهُ فِي الشَّرْعِ، فَيَكُونُ التَّأَسِّي بِهِ أَبْرَكَ مِنَ الْمُخَالَفَةِ لَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21] إِلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِالْإِبَاحَةِ كَمَا خَصَّ فِي الْمُنَاكِحِ بِمَا حَظَّرَهُ عَلَى غَيْرِهِ فَلَا يَجُوزُ اتِّبَاعُهُ فِيهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا اخْتَصَّ بِالدِّيَانَاتِ فَلَهُ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ:
إِحْدَاهَا: أَنْ يَأْمُرَ بِاتِّبَاعِهِ فِيهَا كَمَا قَالَ " صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي " وَقَالَ فِي الْحَجِّ: " خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ " فَيَكُونُ اتِّبَاعُهُ فِيهَا فَرْضًا لِاقْتِرَانِ أَمْرِهِ بِفِعْلِهِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَنْهَى عَنِ اتِّبَاعِهِ فِيهَا كَمَا نَهَى عَنِ الْوِصَالِ فِي الصِّيَامِ فَانْتَهَى النَّاسُ ثُمَّ وَاصَلَ فَوَاصَلُوا فَقَالَ: " أَمَا إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُ عَنِ الْوِصَالِ " فَقَالُوا: رَأَيْنَاكَ وَاصَلْتَ فَوَاصَلْنَا فَقَالَ: " إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى " فَلَا يَجِبُ عَلَيْنَا اتِّبَاعُهُ فِيهِ لِنَهْيِهِ عَنْهُ.
وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: مَا كَانَ لَهُ مُبَاحًا وَعَلَيْنَا مَحْظُورًا كَالْمَنَاكِحِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا كَانَ لَهُ مُسْتَحَبًّا وَلَنَا مَكْرُوهًا كَالْوِصَالِ.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: مَا كَانَ عَلَيْهِ فَرْضًا وَعَلَيْنَا نَدْبًا كَمَا قَالَ: " فُرِضَ عَلَيَّ السِّوَاكُ وَلَمْ يُفْرَضْ عَلَيْكُمْ ".
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ تَتَجَرَّدَ أَفْعَالُهُ عَنْ أَنْ يَأْمُرَ بِهَا أَوْ يَنْهَى عَنْهَا، فَاتِّبَاعُهُ فِيهَا نَدْبٌ، وَاخْتُلِفَ فِيهَا هَلْ تَكُونُ فَرْضًا أَوْ مُسْتَحَبَّةً؟ فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ إِنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ وَلَيْسَتْ بِفَرْضٍ إِلَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِهَا أَمْرٌ لِأَنَّهُ كان - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَسْتَسِرُّ بِكَثِيرٍ مِنْ أَفْعَالِهِ وَلَوْ كَانَ اتِّبَاعُهُ فِيهَا فَرْضًا لَأَظْهَرَهَا كَمَا أَظْهَرَ أَقْوَالَهُ لِيَكُونَ الْبَلَاغُ بِهِمَا عَامًّا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ اتِّبَاعَهُ فِيهَا فَرْضٌ مَا لَمْ يَنْهَ عَنْهُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَقِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: 63] وَالْأَمْرُ يَنْطَلِقُ عَلَى الْفِعْلِ كَانْطِلَاقِهِ عَلَى الْقَوْلِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: 97] أَيْ فِعْلَ فِرْعَوْنَ وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
(لَهَا أَمْرُهَا حَتَّى إِذَا مَا تَبَوَّأَتْ ... بِإِخْفَافِهَا بِتْنَا نُبَوِّئُ مَضْجَعًا)
يَعْنِي بِالْأَمْرِ أَفْعَالَ الْإِبِلِ فِي سَيْرِهَا.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا أَرْسَلَ امْرَأَةً إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لِيَسْأَلَهَا عَنْ قُبْلَةِ الصَّائِمِ فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَدْ قَبَّلَ وَهُوَ صَائِمٌ.
فَقَالَ الرَّجُلُ: لَسْنَا كَرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِنَّ اللَّهَ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ.
وَأَعَادَ زَوْجَتَهُ لِتَسْأَلَ فَذَكَرَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ: " هَلَّا أَنْبَأْتِهَا " فَقَالَتْ قَدْ فَعَلْتُ.
فَقَالَ: لَسْنَا كَرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَتْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمَكُمْ بِحُدُودِهِ ".
فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِهِ فِي أَفْعَالِهِ.
( [إقرار الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -] )
:
وَأَمَّا إِقْرَارِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - النَّاسَ عَلَى مَا أَمَرَهُمْ عَلَيْهِ مِنْ بِيَاعَاتٍ وَمُعَامَلَاتٍ وَمَأْكُولٍ وَمَشْرُوبٍ وَمَلْبُوسٍ وَآنِيَةٍ وَمَقَاعِدَ فِي الْأَسْوَاقِ فَجَمِيعُهَا فِي الشَّرْعِ مُبَاحٌ.
لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَا يَسْتَجِيزُ أَنْ يُقِرَّ النَّاسَ عَلَى مُنْكَرٍ مَحْظُورٍ كَمَا وَصَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ ﴿النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف: 157] .
فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا أَقَرَّ عَلَيْهِ خَارِجٌ عَنِ الْمُنْكَرِ وَدَاخِلٌ فِي الْمَعْرُوفِ.
وَاخْتُلِفَ فِي حُكْمِ الِاسْتِبَاحَةِ لِذَلِكَ بَعْدَ الْإِقْرَارِ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا مُسْتَبَاحَةٌ بِالْعُرْفِ الْمُتَقَدِّمِ دُونَ الشَّرْعِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا مُسْتَبَاحَةٌ بِالشَّرْعِ حَتَّى أَقَرُّوا عَلَيْهَا.
وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ مِنِ اخْتِلَافِهِمْ فِي أُصُولِ الْأَشْيَاءِ قَبْلَ مَجِيءِ الشَّرْعِ هَلْ كَانَتْ عَلَى الْإِبَاحَةِ حَتَّى حَظَرَهَا الشَّرْعُ أَوْ كَانَتْ عَلَى الْحَظْرِ حتى أباحها الشرع.
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي فِيمَا يَجِبُ بَيَانُهُ بِالسُّنَّةِ: فَعَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: مَا لَزِمَهُ بَيَانُهُ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ عِبَادِهِ وَهُوَ بَيَانُ مَا أَجْمَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ مِنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَالرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَأْخُوذٌ بَيَانُهُ فِي حَقِّ اللَّهِ لِيُقَامَ بِحَقِّهِ فِيهَا وَمَأْخُوذٌ بِبَيَانِهِ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ لِيَعْلَمُوا مَا كُلِّفُوا مِنْهَا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا لَزِمَ الرَّسُولَ بَيَانُهُ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى دُونَ عِبَادِهِ وَهُوَ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ يَلْزَمُ بَيَانُهُ فِي حَقِّ اللَّهِ لِاسْتِثْنَائِهِ لَهُ وَلَا يَلْزَمُهُ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ لِأَنَّهُمْ عَلَى الْعُمُومِ مَا لَمْ يَنْقُلُوا عَنْهُ.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: مَا لَزِمَهُ بَيَانُهُ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ بَيَانُهُ فِي حُقُوقِ اللَّهِ وَهُوَ مَا يَسْتَحِقُّ الثَّوَابَ بِفِعْلِهِ وَلَا يَجِبُ الْعِقَابَ بِتَرْكِهِ كَنَوَافِلِ الْعِبَادَاتِ وَأَفْعَالِ الْقُرْبِ يَلْزَمُ بَيَانُهَا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ خَاصَّةً لِاخْتِصَاصِهِمْ بِهَا.
وَالضَّرْبُ الرَّابِعُ: مَا اخْتُلِفَ فِيهِ وَهُوَ مَا اسْتَأْنَفَ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَيَانَهُ مِنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ كَالْحُكْمِ بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ وَالْقَضَاءِ بِالدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَإِعْطَاءِ السَّلَبِ لِلْقَاتِلِ وَأَنْ لَا مِيرَاثَ لِلْقَاتِلِ وَأَنْ لَا وَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ وَأَنْ لَا يُجْمَعَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا وَمَا شَاكَلَ ذَلِكَ فَيَلْزَمُ الرَّسُولَ بَيَانُهُ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ: لِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ لَهُمْ إِلَى الْعِلْمِ بِهَا إِلَّا مِنْهُ.
وَفِي لُزُومِ بَيَانِهَا فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى اخْتِلَافِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ هَلْ لِلرَّسُولِ أَنْ يَحْكُمَ فِيهَا بِاجْتِهَادِهِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ لِلرَّسُولِ أَنْ يَحْكُمَ بِاجْتِهَادِهِ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ فَضِيلَةٌ فَكَانَ الْأَنْبِيَاءُ بِهَا أَحَقَّ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهدين فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ، وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: 78 - 79] .
وَلَوْ حَكَمَ دَاوُدُ بِأَمْرِ اللَّهِ لَمْ يَنْقُضْ حُكْمَهُ عَلَيْهِ، وَقَدْ صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قُرَيْشًا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ وَحَكَمَ بِرَدِّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ رِجَالِهِمْ وَنِسَائِهِمْ فَرَدَّ اللَّهُ تَعَالَى حُكْمَهُ فِيمَنْ أَسْلَمَ مِنَ النِّسَاءِ حِينَ جَاءَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ مُسْلِمَةً فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ حَكَمَ فِي ذَلِكَ بِاجْتِهَادِهِ فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ هَذَا الْبَيَانُ لَازِمًا للرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ دُونَ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَيْسَ لِلرَّسُولِ أَنْ يَجْتَهِدَ وَتَكُونُ أَحْكَامُهُ مَوْقُوفَةً عَلَى أَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى إِمَّا مِنْ قُرْآنٍ أَوْ وَحْيٍ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وما ينطق عن الهوى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ
يُوحَى} [النجم: 4] ؛ وَلِأَنَّ الِاجْتِهَادَ لَا يُسَوَّغُ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ.
وَأَوَامِرُ اللَّهِ تَعَالَى نَصٌّ، فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ هَذَا الْبَيَانُ لَازِمًا فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ عِبَادِهِ.
وَالْأَصَحُّ عِنْدِي مِنْ إِطْلَاقِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فِي اجْتِهَادِ الرَّسُولِ أَنْ يَكُونَ اجْتِهَادُهُ مُعْتَبَرًا بِالْحُكْمِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُشَارِكُ فِيهِ أُمَّتَهُ كَنَهْيِهِ عَنِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ وَكَنَهْيِهِ عَنِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ فِيهِ حَتَّى يَأْخُذَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَوَحْيِهِ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِابْنِ مَسْعُودٍ: " إِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ وَإِنَّ مِمَّا يُحْدِثُ أَنْ لَا يَتَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ ". وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا تُشَارِكُهُ فِيهِ أُمَّتُهُ: كَقَوْلِهِ: " لَا مِيرَاثَ لِقَاتِلٍ " وَكَحَدِّهِ لِشَارِبِ الْخَمْرِ، جَازَ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِ بِرَأْيِهِ وَاجْتِهَادِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ الْأَحْكَامَ هِيَ إِلْزَامٌ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ لِمَأْمُورٍ فَمَا دَخَلَ فِيهِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِهِ وَمَا لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ جَازَ أَنْ يَكُونَ آمِرًا بِهِ، لِأَنَّ الْمَأْمُورَ غَيْرُ الْآمِرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصَوَابِ مَا ذَكَرْتُهُ.
(فَصْلٌ: مَا يَلْزَمُ الْعَمَلُ بِهِ مِنَ السنة)
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ فِيمَا يَلْزَمُ الْعَمَلُ بِهِ مِنَ السُّنَّةِ: فَأَقُولُ إِنَّ السُّنَّةَ إِذَا جَاءَتْ بِحُكْمٍ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ تَتَفَرَّدَ السُّنَّةُ بِذَلِكَ الْحُكْمِ، أَوْ يَقْتَرِنَ بها فيه أصل آخر.
( [القول في السنة إذا انفردت] )
:
فَإِنِ انْفَرَدَتْ بِذَلِكَ الْحُكْمِ وَجَبَ الْعَمَلُ بِهَا فِي الْتِزَامِ ذَلِكَ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهَا أَصْلٌ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ سَوَاءٌ وَافَقَهَا الْقِيَاسُ أَوْ خَالَفَهَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِنْ خَالَفَتِ الْقِيَاسَ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ كَانَ الْعَمَلُ عَلَى الْقِيَاسِ أَوْلَى مِنَ الْأَخْذِ بِالسُّنَّةِ.
وَهَذَا فَاسِدٌ لِأَنَّ الْقِيَاسَ فَرْعُ السُّنَّةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَافِعًا لِلسُّنَّةِ.
وَإِنِ اقْتَرَنَ بِالسُّنَّةِ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ أَصْلٌ آخَرُ فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: كِتَابُ اللَّهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: سُنَّةٌ أُخْرَى.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: إِجْمَاعٌ.
الضَّرْبُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَنْ يَقْتَرِنَ بِالسُّنَّةِ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ كِتَابُ اللَّهِ فَلَا يَخْلُو الْكُتَّابُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِحُكْمِ السُّنَّةِ، أَوْ مُنَافِيًا لَهُ.
فَإِنْ كَانَ مُوَافِقًا صَارَ ذَلِكَ الْحُكْمُ ثَابِتًا بِأَصْلَيْنِ هُمَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.
وَنُظِرَ فِيهِمَا فَإِنْ تَقَدَّمَتِ السُّنَّةُ بِهِ عَلَى الْكِتَابِ كَانَ وُجُوبُهُ بِالسُّنَّةِ، وَالْكِتَابُ مُؤَكِّدٌ وَإِنْ تَقَدَّمَ الْكِتَابُ بِهِ عَلَى السُّنَّةِ كَانَ وُجُوبُهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةُ مُؤَكِّدَةٌ.
وَإِنْ كَانَ الْكِتَابُ مُنَافِيًا لِلسُّنَّةِ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ فَأَثْبَتَهُ أَحَدُهُمَا وَنَفَاهُ الْآخَرُ، فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَتَقَدَّمَ الْكِتَابُ فَيَكُونُ الْعَمَلُ عَلَى الْكِتَابِ دُونَ السُّنَّةِ لِأَنَّ الْكِتَابَ لَا يُنْسَخُ بِالسُّنَّةِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَتَقَدَّمَ السُّنَّةُ عَلَى الْكِتَابِ فَيَكُونُ الْعَمَلُ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ بِالسُّنَّةِ دُونَ الْكِتَابِ، لِأَنَّ عِنْدَهُ أَنَّ السُّنَّةَ لَا تُنْسَخُ بِالْكِتَابِ.
وَعَلَى مَذْهَبِ مَنْ أَجَازَ نَسْخَ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ مِنْ أَصْحَابِهِ كَابْنِ سُرَيْجٍ وَغَيْرِهِ يَكُونُ الْعَمَلُ عَلَى الْكِتَابِ دُونَ السُّنَّةِ وَتَكُونُ السُّنَّةُ مَنْسُوخَةً بِالْكِتَابِ.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَرِدَا مَوْرِدًا وَاحِدًا وَلَا يَتَقَدَّمَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، فِي الْمَأْخُوذِ بِهِ مِنْهُمَا، عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: يُؤْخَذُ فِيهِ بِكِتَابِ اللَّهِ، لِأَنَّهُ أَصْلُ السُّنَّةِ، وَقَدْ جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " مَا أَتَاكُمْ عَنِّي فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ فَإِنْ وَافَقَهُ فَاعْمَلُوا بِهِ وَإِنْ خَالَفَهُ فَاتْرُكُوهُ ".
وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: أَنْ يُؤْخَذَ فِيهِ بِحُكْمِ السُّنَّةِ لِاخْتِصَاصِهَا بِالْبَيَانِ وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7] .
وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: يَجِبُ التَّوَقُّفُ عَنْهُمَا، حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى ثُبُوتِ أَحَدِهِمَا.
وَالصَّحِيحُ عِنْدِي: أَنْ يُنْظَرَ فِي حُكْمِ السُّنَّةِ فَإِنْ كَانَ تَخْصِيصًا عُمِلَ عَلَى السُّنَّةِ دُونَ الْكِتَابِ، لِأَنَّ عُمُومَ الْكِتَابِ مَخْصُوصٌ بِالسُّنَّةِ، وَإِنْ كَانَ نَسْخًا عُمِلَ عَلَى الْكِتَابِ دُونَ السُّنَّةِ لِأَنَّ الْكِتَابَ لَا يُنْسَخُ بِالسُّنَّةِ.
وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي فِي مُقَابَلَةِ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ: فَإِنِ اتَّفَقَا وَكَانَ الْفِعْلُ فِيهِمَا مُوَافِقًا لِلْقَوْلٍ تَأَكَّدَ الْحُكْمُ بِاجْتِمَاعِهِمَا فِيهِ، وَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ، وَإِنْ تَنَافَيَا فِيهِ وَكَانَ الْفِعْلُ فِي السُّنَّةِ مُخَالِفًا لِلْقَوْلِ: مِثْلُ أَنْ يَرِدَ عَنِ الرَّسُولِ قَوْلٌ فَيُعْمَلُ بِخِلَافِهِ، وَالْأَحْكَامُ قَدْ تُؤْخَذُ مِنْ فِعْلِهِ كَمَا تُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ، فَهَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُمْكِنَ اسْتِعْمَالُهُمَا عَلَى مَا لَا يَتَنَافَيَانِ، مِثْلُ نَهْيِهِ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ الْعَصْرِ فَحُمِلَ نَهْيُهُ عَنِ الصَّلَاةِ الَّتِي لَا سَبَبَ لَهَا، وَحُمِلَ فِعْلُهُ عَلَى الصلاة التي لها سبب، فيجب العمل بهما وَيُحْمَلُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى مَا يُوجِبُهُ اسْتِعْمَالُهُمَا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ مَخْصُوصًا بِذَلِكَ الْفِعْلِ، كَمَا بَيَّنَ اخْتِصَاصَهُ
بِالْوِصَالِ فِي الصِّيَامِ بَعْدَ نَهْيِهِ عَنْهُ، فَيُؤْخَذُ بِعُمُومِ قَوْلِهِ، وَيُعْدَلُ عَنْ خُصُوصِ فِعْلِهِ.
وَالضَّرْبُ الثالث: أن لا يمكن استعمالهما لا تَبَيُّنُ اخْتِصَاصِهِ بِأَحَدِهِمَا فَهَذَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ التأخر مِنْهُمَا نَاسِخًا لِلْمُتَقَدِّمِ.
وَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْقَوْلَ لَا يُنْسَخُ إِلَّا بِالْقَوْلِ، وَالْفِعْلَ لَا يُنْسَخُ إِلَّا بِالْفِعْلِ.
وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ إِلَى جَوَازِ نَسْخِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سُنَّةٌ يُؤْخَذُ بِهَا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ فِي السَّارِقِ " فَإِنْ عَادَ فِي الْخَامِسَةِ فَاقْتُلُوهُ " ثُمَّ رَفَعَ إِلَيْهِ فِي الْخَامِسَةِ فَلَمْ يَقْتُلْهُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْقَتْلَ مَنْسُوخٌ وَقَالَ: " الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ " ثُمَّ رَجَمَ مَاعِزًا وَلَمْ يَجْلِدْهُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْجَلْدَ مَنْسُوخٌ، وَقَالَ فِي الْإِمَامِ: " وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعِينَ " ثُمَّ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ قاعدا وصلوا خلفه قياسا فدل على أن القعود منسوخ.
فعل مَذْهَبِ مَنْ جَوَّزَ نَسْخَ الْقَوْلِ بِالْفِعْلِ جَعَلَ فِعْلَهُ الْمُتَأَخِّرَ نَاسِخًا لِقَوْلِهِ الْمُتَقَدِّمِ.
وَعَلَى الظَّاهِرِ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْقَوْلَ لَا يُنْسَخُ بِالْفِعْلِ، لَكِنْ يَسْتَدِلُّ بِفِعْلِهِ الْمُخَالِفِ لِقَوْلِهِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ عَلَى فِعْلِهِ قَوْلٌ نَسَخَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ ثُمَّ وَرَدَ فِعْلُهُ الْمُخَالِفُ بَعْدَ قَوْلِهِ النَّاسِخِ فَاقْتَصَرَ النَّاسُ عَلَى نَقْلِ الْفِعْلِ دُونَ الْقَوْلِ لِظُهُورِ النَّسْخِ فِيهِ.
فَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ الْمُتَقَدِّمَ مِنَ الْمُتَأَخِّرِ عَدَلَ عَنْهُمَا إِلَى عَمَلِ الصَّحَابَةِ بِأَحَدِهِمَا فَكَانَ عَمَلُهُمْ بِأَحَدِهِمَا دَلِيلًا عَلَى نَسْخِ الْآخَرِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْعَمَلِ بَيَانٌ وَجَبَ التَّوَقُّفُ عَنْهُمَا حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى ثُبُوتِ أَحَدِهِمَا.
وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّالِثُ: فِي مُقَابَلَةِ السُّنَّةِ بِالْإِجْمَاعِ فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْإِجْمَاعُ مُوَافِقًا لِلسُّنَّةِ فِي الْعَمَلِ بِهَا كَمَا قَالَ: " لَا مِيرَاثَ لقاتل " و " لا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ " وَنَهَى عَنِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا وَأَجْمَعُوا عَلَى الْعَمَلِ بِهَذِهِ السُّنَنِ فَيَكُونُ الْحُكْمُ ثَابِتًا بِالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ النَّقْلِ فَيَصِيرُ هَذَا الْخَبَرُ فِي حُكْمِ الْمُتَوَاتِرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَوَاتِرًا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدًا عَلَى خِلَافِ السُّنَّةِ فَتَدُلُّ مُخَالَفَةُ الْإِجْمَاعِ لِلسُّنَّةِ عَلَى أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ أَوْ نَقْلُهَا غَيْرُ صَحِيحٍ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مُوجِبًا لِتَرْكِ السُّنَّةِ وَالْعَمَلِ عَلَى الْإِجْمَاعِ.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَعْمَلَ بِهَا بَعْضُ الصَّحَابَةِ وَيَتْرُكُهَا بَعْضُهُمْ، فَالْعَمَلُ بِالسُّنَّةِ وَاجِبٌ وَإِنْ تَرَكَهَا بَعْضُهُمْ لِأَنَّ التَّارِكَ لَهَا مَحْجُوجٌ بِهَا.
وَإِذَا رُوِيَتْ سُنَّةٌ لِمَنْ غَابَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَعَمِلَ بِهَا ثُمَّ لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَلْزَمُهُ سُؤَالُهُ عَنْهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهُ سُؤَالُهُ عَنْهَا لِيَكُونَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَلْزَمُهُ السُّؤَالُ وَيَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا عَلَى الْخَبَرِ، لِأَنَّهُ لَوْ لَزِمَهُ السُّؤَالُ إِذَا حَضَرَ لَلَزِمَتْهُ الْهِجْرَةُ إِذَا غَابَ.
وَالصَّحِيحُ عِنْدِي: أَنَّ وُجُوبَ السُّؤَالِ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ السُّنَّةِ فَإِنْ كَانَتْ تَغْلِيظًا لَمْ يَلْزَمِ السُّؤَالُ عَنْهَا وَإِنْ كَانَتْ تَرْخِيصًا لَزِمَهُ السُّؤَالُ عَنْهَا لِأَنَّ التَّغْلِيظَ الْتِزَامٌ وَالتَّرْخِيصُ إِسْقَاطٌ.
وَإِذَا ظَفِرَ الْإِنْسَانُ بِرَاوِي حَدِيثٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَتَعَلَّقُ بِالسُّنَنِ وَالْأَحْكَامِ فَإِنْ كَانَ مِنَ الْعَامَّةِ الْمُقَلِّدِينَ لَمْ يَلْزَمْهُ سَمَاعُ الْحَدِيثِ، لِأَنَّ فَرْضَهُ السُّؤَالَ عِنْدَ نُزُولِ الْحَوَادِثِ بِهِ وَإِنْ كَانَ مِنَ الْخَاصَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ لَزِمَهُ سَمَاعُ الْحَدِيثِ لِيَكُونَ أَصْلًا فِي اجْتِهَادِهِ، وَنَقْلُ السُّنَنِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ.
فَإِذَا نَقَلَهَا مَنْ فِيهِ كِفَايَةٌ سَقَطَ فَرْضُهَا عَنِ الْبَاقِينَ وَإِذَا قَصَّرَ نَاقِلُوهَا عَنِ الْكِفَايَةِ خَرَجُوا أَجْمَعِينَ لِطَلَبِ الْعِلْمِ.
وَالَّذِي يَدْخُلُ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ مَنْ قُبِلَتْ مِنْهُ الرِّوَايَةُ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِمْ مَنْ لَمْ تُقْبَلْ رِوَايَتُهُ.
وَعَلَى مُتَحَمِّلِ السُّنَّةِ أَنْ يَرْوِيَهَا إِذَا سُئِلَ عَنْهَا وَلَا يَلْزَمُهُ رِوَايَتُهَا إِذَا لَمْ يُسْأَلْ عَنْهَا إِلَّا أَنْ يَجِدَ النَّاسَ عَلَى خِلَافِهَا فَيَلْزَمُهُ رِوَايَتُهَا لِيَعْمَلُوا بِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ: [ثالثا - الإجماع] )
وَأَمَّا الْأَصْلُ الثَّالِثُ مِنْ أُصُولِ الشَّرْعِ - وَهُوَ الْإِجْمَاعُ - فَالْإِجْمَاعُ هُوَ أَنْ يَسْتَفِيضَ اتِّفَاقُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ جِهَةِ دَلَائِلِ الْأَحْكَامِ وَطُرُقِ الِاسْتِنْبَاطِ عَلَى قَوْلٍ فِي حُكْمٍ لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ أَهْلُ عَصْرِهِمْ وَتَكُونُ اسْتِفَاضَتُهُ عِنْدَ أَمْثَالِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بَعْدَ عَصْرِهِمْ فَتُعْتَبَرُ الِاسْتِفَاضَةُ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَفِي أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يَكُونُ لِقَوْلِ مَنْ جُرِحَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ تَأْثِيرٌ فِي وِفَاقٍ أَوْ خِلَافٍ فَهَذَا حَدُّ الْإِجْمَاعِ.
وَهُوَ حُجَّةٌ فِي الْأَحْكَامِ.
وَقَدْ أَنْكَرَ قَوْمٌ إِمْكَانَ الْإِجْمَاعِ وَإِنْ كَانَ دَلِيلًا، وَأَنْكَرَ قَوْمٌ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا وَإِنْ أَمْكَنَ.
وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ فَاسِدٌ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: 15] ؛ فَدَلَّ أَمْرُهُ بِاتِّبَاعِهِمْ عَلَى إِمْكَانِ اتِّفَاقِهِمْ وَوُجُوبِ إِجْمَاعِهِمْ، ثُمَّ نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ مُخَالَفَتِهِمْ فَقَالَ ﴿وَمَنْ يشاقق الرسول من بعدما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء: 115] الْآيَةَ.
فَصَارَ خِلَافُهُمْ مَحْظُورًا، أَكَّدَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103] وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " الْأُمَّةُ الْمُجْتَمِعَةُ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ شَذَّ عَنْهَا " ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ لَا يَجْتَمِعُونَ إِلَّا عَلَى حَقٍّ فَقَالَ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110] الْآيَةَ، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ ".
ثُمَّ جَعَلَ أَهْلَ كُلِّ عَصْرٍ حُجَّةً عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْأَعْصَارِ لِيَسْتَدِيمَ الْإِبْلَاغُ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143] ، فَجَعَلَ الرَّسُولَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ، وَجَعَلَهُمْ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِمْ.
وَرَوَى مُعَاذُ بْنُ رِفَاعَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعُذْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ "، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ إِجْمَاعَ هَذِهِ الْأُمَّةِ حُجَّةٌ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي أُمَّةِ كُلِّ نَبِيٍّ هَلْ يَكُونُ إِجْمَاعُهُمْ حُجَّةً أَمْ لَا؟
فَذَهَبَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ إِلَى أَنَّ إِجْمَاعَ غَيْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ لَا يَكُونُ حُجَّةً.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ لِأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى قَتْلِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِكَذِبِ الْفَرِيقَيْنِ.
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: يَكُونُ حُجَّةً عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ مَنْ أُمَّتِهِمْ، لِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِشَرَائِعِ الْأَنْبِيَاءِ فِي عَصْرٍ بَعْدَ عَصْرٍ مَا لَمْ يَرِدْ نَسْخُهَا.
فَأَمَّا إِجْمَاعُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى عَلَى كَذِبِهِمْ فِي قَتْلِ عِيسَى فَإِنَّمَا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى نَقْلِ الْقَتْلِ الْمَأْخُوذِ عَنْ آحَادٍ تَعْتَرِضُهُمُ الشُّبْهَةُ وَيَجُوزُ أَنْ يَتَطَرَّقَ عَلَيْهِمُ الْكَذِبُ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى النَّقْلِ حَقٌّ وَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ بَاطِلًا.
فَصَارَ الْمُتَعَلِّقُ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى مَا أَوْضَحْنَاهُ أَرْبَعَةَ أَحْكَامٍ:
أَحَدُهَا: إِمْكَانُ وَجُودِهِ.
وَالثَّانِي: لُزُومُ حُجَّتِهِ.
وَالثَّالِثُ: اشْتِمَالُهُ عَلَى الْحَقِّ.
وَالرَّابِعُ: وَجُوبُهُ فِي كُلِّ عَصْرٍ.
(فَصْلٌ)
: فَإِذَا اسْتَقَرَّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ وَأَحْكَامِهِ فَالْكَلَامُ فِيهِ يَشْتَمِلُ عَلَى أَرْبَعَةِ فُصُولٍ:
أَحَدُهَا: مَا يَنْعَقِدُ عَنْهُ الْإِجْمَاعُ.
وَالثَّانِي: مَا يَنْعَقِدُ بِهِ الْإِجْمَاعُ.
وَالثَّالِثُ: مَا يَسْتَقِرُّ بِهِ الْإِجْمَاعُ.
وَالرَّابِعُ: فِي مُعَارَضَةِ الِاخْتِلَافِ وَالْإِجْمَاعِ.
( [الْقَوْلُ فِيمَا يَنْعَقِدُ عَنْهُ الْإِجْمَاعُ] )
:
فَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِيمَا يَنْعَقِدُ عَنْهُ الْإِجْمَاعُ: فَهُوَ يَنْعَقِدُ عَنْ دَلِيلٍ أَوْجَبَ اتِّفَاقَهُمْ عَلَيْهِ لِأَنَّ مَا لَا مُوجِبَ لَهُ يَتَعَذَّرُ الِاتِّفَاقُ عَلَيْهِ.
وَالدَّلِيلُ الدَّاعِي إِلَيْهِ قَدْ يَكُونُ مِنْ سَبْعَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَنْعَقِدَ عَنْ تَنْبِيهٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ كَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ ابْنَ الِابْنِ فِي الْمِيرَاثِ كَالِابْنِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَنْعَقِدَ عَنِ اسْتِنْبَاطٍ مِنْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى تَوْرِيثِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْجَدَّتَيْنِ السُّدُسَ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَنْعَقِدَ عَنْ الِاسْتِفَاضَةِ وَالِانْتِشَارِ، كَالْإِجْمَاعِ عَلَى أَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ وَتَرْتِيبِهَا فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يَنْعَقِدَ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ كَالْإِجْمَاعِ عَلَى نُصُبِ الزَّكَوَاتِ.
وَالْخَامِسُ: أَنْ يَنْعَقِدَ عَنِ الْمُنَاظَرَةِ وَالْجِدَالِ، كَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى قَتْلِ مَانِعِي الزَّكَاةِ.
وَالسَّادِسُ: أَنْ يَنْعَقِدَ عَنْ تَوْقِيفٍ، كَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الْجُمُعَةَ تُسْقِطُ فَرْضَ الظُّهْرِ.
وَالسَّابِعُ: أَنْ يَنْعَقِدَ عَنِ اسْتِدْلَالٍ وَقِيَاسٍ، كَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الْجَوَامِيسَ فِي الزَّكَاةِ كَالْبَقَرِ.
فَإِنْ تَجَرَّدَ الْإِجْمَاعُ عَنْ دَلِيلٍ يَدْعُو إِلَيْهِ إِذَا وُجِدَ الِاتِّفَاقُ عَلَيْهِ، فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي صِحَّتِهِ وَجَوَازِ انْعِقَادِهِ.
فَذَهَبَ شَاذٌّ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى جَوَازِهِ، اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " ما رآه
الْمُؤْمِنُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ " وَهَذَا قَوْلُ مَنْ جَعَلَ الْإِلْهَامَ دَلِيلًا.
وَالَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ إِلَّا بِدَلِيلٍ لِأَمْرَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ إِثْبَاتَ الشَّرْعِ دَلِيلٌ لَا يَجُوزُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ اتِّفَاقَ الْكَافَّةِ بِغَيْرِ سَبَبٍ لَا يُوجَدُ.
وَإِذَا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَنْ أَحَدِ أَدِلَّتِهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْقَطْعِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِصِحَّتِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْإِجْمَاعَ مَعْصُومٌ يُقْطَعُ بِصِحَّتِهِ لِيَصِحَّ قِيَامُ الْحُجَّةِ بِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْإِجْمَاعَ غَيْرُ مَعْصُومٍ مِنَ السَّهْوِ وَالْغَلَطِ اعْتِبَارًا بِأَهْلِهِ فِي نَفْيِ الْعِصْمَةِ عَنْ آحَادِهِمْ فَكَذَلِكَ عَنْ جَمَاعَتِهِمْ، وَلَا يَكُونُ قِيَامُ الْحُجَّةِ بِهِ مُوَجِبًا لِعِصْمَتِهِ كَمَا تَقُومُ الْحُجَّةُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَعْصُومٍ.
(فَصْلٌ: [الْقَوْلُ فِيمَا يَنْعَقِدُ به الإجماع] )
:
وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي فِيمَا يَنْعَقِدُ بِهِ الْإِجْمَاعُ: فَانْعِقَادُهُ مُعْتَبَرٌ بِأَرْبَعَةِ شُرُوطٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُعْتَبَرَ فِيهِ قَوْلُ الْخَاصَّةِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ دُونَ الْعَامَّةِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: 18] فَخَصَّ أَهْلَ الْعِلْمِ دُونَ الْعَامَّةِ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ " وَكَذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ " وَقَدْ خَالَفَ أَبُو طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيُّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي أَنَّ الْبَرَدَ لَا يُفْطِرُ الصَّائِمَ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ فَرَدُّوا قَوْلَهُ وَلَمْ يَعْتَدُّوا خِلَافَهُ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ عَامَّةِ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ عُلَمَائِهِمْ.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ قَوْلَ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ كُلِّهِمْ.
وَقَالَ مَالِكٌ: الْإِجْمَاعُ مُعْتَبَرٌ بِأَهْلِ الْمَدِينَةِ.
وَلَا يَنْتَقِضُ إِجْمَاعُهُمْ، بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ، لِنُزُولِ الْوَحْيِ فِيهِمْ، وَقَبْضِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَيْنَهُمْ، وَانْتِشَارِ الْعِلْمِ عَنْهُمْ، وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " إِنَّ الْعِلْمَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا ".
وَلِذَلِكَ لَمْ يُجْعَلْ خِلَافُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بَعْدَ خُرُوجِهِ إِلَى الْكُوفَةِ فِي بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ حَتَّى قَالَ عَلَى مِنْبَرِهَا " اجْتَمَعَ رَأْيِي وَرَأْيُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ عَلَى أَنَّ بَيْعَ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ لَا يَجُوزُ وَقَدْ رَأَيْتُ أَنَّ بَيْعَهُنَّ جَائِزٌ " خِلَافًا وَجُعِلَ تَحْرِيمُ بَيْعِهِنَّ إِجْمَاعًا.
وَهَذَا قَوْلٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ مُسْتَنْبَطَةٌ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَا مِنَ الْأَمْكِنَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: 58] . وَلَمْ يَأْمُرْ بِرَدِّهِ إِلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَكَانَ الْعِلْمُ بِأَهْلِهِ لَا بِمَكَانِهِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ ".
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ وَجَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا خَرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الشَّامِ فِي طَلَبِ حَدِيثٍ عَنِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَكَتَبَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ إِلَى عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ يَسْأَلُونَهُ عَمَّا عِنْدَهُ مِنْ دِيَةِ الْأَسْنَانِ؛ وَلِأَنَّ مَكَّةَ مَهْبِطُ الْقُرْآنِ وَمَقَامُ الرَّسُولِ بِهَا أَكْثَرُ، وَلَا يَتَمَيَّزُ أَهْلُهَا فِي الْعِلْمِ، فَكَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ أَحَقَّ.
وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَظْهَرَ مِنْ أَحَدِهِمْ خِلَافٌ فِيهِ.
وَإِنْ تَظَاهَرَ أَحَدُهُمْ بِالْخِلَافِ فَلَهُ حَالَتَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَدْفَعَ خِلَافَهُ نَصٌّ فَيَكُونُ خِلَافُهُ مُرْتَفِعًا وَالْإِجْمَاعُ بِغَيْرِهِ مُنْعَقِدًا كَمَا خَالَفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ الصَّحَابَةَ فِي الْفَاتِحَةِ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ وَلَمْ يَجْعَلْهُنَّ مِنَ الْقُرْآنِ فَلَمْ يَعْتَدُّوا بِخِلَافِهِ لِوُجُودِ النَّصِّ وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُنَّ مِنَ الْقُرْآنِ وَخَالَفَهُمْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ فِي الْقُنُوتِ الْمُسَمَّى بِسُورَتَيِ أُبَيٍّ حِينَ جَعَلَهُمَا مِنَ الْقُرْآنِ فَلَمْ يَعْتَدُّوا بِخِلَافِهِ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُمَا لَيْسَتَا مِنَ الْقُرْآنِ، وَكَمَا ذَهَبَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ إِلَى أَنَّ أَوَّلَ الصَّوْمِ إِسْفَارُ الصُّبْحِ فَلَمْ يَعْتَدُّوا بِخِلَافِهِ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ لَا يَدْفَعَ قَوْلَ الْمُخَالِفِ نَصٌّ فَيَكُونُ خِلَافُهُ مَانِعًا مِنِ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَكَابِرِ أَهْلِ الْعَصْرِ أَوْ مِنْ أَصْغَرِهِمْ سِنًّا، كَمَا خَالَفَ ابْنُ عَبَّاسٍ جَمِيعَ الصَّحَابَةِ فِي الْعَوْلِ فَقَالَ: " مَنْ شَاءَ بَاهَلْتُهُ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ " فَصَارَ خِلَافُهُ خِلَافًا، وَالْإِجْمَاعُ بِخِلَافِهِ مُرْتَفِعًا.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: خِلَافُ الْوَاحِدِ لَا يَنْقُضُ الْإِجْمَاعَ وَيَكُونُ مَحْجُوجًا بِمَنْ عَدَاهُ، وَهَذَا فَاسِدٌ، قَدْ خَالَفَ أَبُو بَكْرٍ جَمِيعَ الصَّحَابَةِ فِي قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ ثُمَّ بَانَ أَنَّ الْحَقَّ مَعَهُ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: 269] .
وَالشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ يَنْتَشِرَ فِي جَمِيعِ أَهْلِ الْعَصْرِ فَيَكُونُوا فِيهِ بَيْنَ مُعْتَرِفٍ بِهِ أَوْ رَاضٍ بِهِ.
فَإِنِ انْتَشَرَ فِيهِمْ وَأَمْسَكُوا عَنْهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَظْهَرَ مِنْهُمُ اعْتِرَافٌ أَوْ رِضًى فَهُوَ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَعْصَارِ.
فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ فَلَا يَكُونُ انْتِشَارُ قَوْلِ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ مَعَ إِمْسَاكِ غَيْرِهِ إِجْمَاعًا وَلَا حُجَّةً، لِأَنَّهُمْ قَدْ يُعْرِضُونَ عَمًّا لَا يَتَعَيَّنُ فَرْضُهُ عَلَيْهِمْ.
وَإِنْ كَانَ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ الَّذِي قَدْ خَصَّهُ اللَّهُ بِفَضْلِ أَهْلِهِ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ " وَقَالَ: " خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ مِنْ يَلِيهِمْ ".
فَإِذَا قَالَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ قَوْلًا أَوْ حَكَمَ بِهِ فَأَمْسَكَ الْبَاقُونَ عَنْهُ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِيمَا يَفُوتُ اسْتِدْرَاكُهُ، كَإِرَاقَةِ دَمٍ، أَوِ اسْتِبَاحَةِ فَرْجٍ، فَيَكُونُ إِجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُمْ لَوِ اعْتَقَدُوا خِلَافَهُ لَأَنْكَرُوهُ، إِذْ لَا يَصِحُّ مِنْهُمْ أَنْ يَتَّفِقُوا عَلَى إِقْرَارِ مُنْكَرٍ.
وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَفُوتُ اسْتِدْرَاكُهُ كَانَ حُجَّةً لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَخْرُجُ عَنْ غَيْرِهِمْ.
وَفِي كَوْنِهِ إِجْمَاعًا يَمْنَعُ مِنْ الِاجْتِهَادِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا:
أَحَدُهُمَا: يَكُونُ إِجْمَاعًا لَا يُسَوَّغُ مَعَهُ الِاجْتِهَادُ لِأَنَّ عَدَمَ الْخِلَافِ مَعَ الِانْتِشَارِ يَمْنَعُ مِنْ إِثْبَاتِ الْخِلَافِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَكُونُ إِجْمَاعًا وَالِاجْتِهَادَ مَعَهُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ مَنْ نَسَبَ إِلَى سَاكِتٍ قَوْلًا أَوِ اعْتِقَادًا فَقَدِ افْتَرَى عَلَيْهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ هَذَا الْقَوْلُ حُكْمًا أَوْ فُتْيَا.
وَفَرَّقَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ بَيْنَهُمَا فَجَعَلَهُ إِجْمَاعًا إِنْ كَانَ فُتْيَا، وَلَمْ يَجْعَلْهُ إِجْمَاعًا إِنْ كَانَ حُكْمًا لِجَوَازِ الِاعْتِرَاضِ عَلَى الْمُفْتِي.
وَتَرَكَ الِاعْتِرَاضَ عَلَى الْحَاكِمِ لِمَا فِيهِ مِنْ شَقِّ الْعَصَا.
وَعَكَسَهُ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا فَجَعَلَهُ إِجْمَاعًا إِنْ كَانَ حُكْمًا وَلَمْ يَجْعَلْهُ إِجْمَاعًا إِنْ كَانَ فُتْيَا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي الْأَغْلَبِ يَكُونُ عَنِ الْمُشَاوَرَةِ وَفِي الْفُتْيَا عَنِ اسْتِبْدَادٍ.
وَكِلَا الْفَرْقَيْنِ فَاسِدٌ لِاشْتِرَاكِ الْحُكْمِ وَالْفُتْيَا فِي وُجُوبِ الِاجْتِهَادِ.
وَأَمَّا إِنْ لَمْ يَنْتَشِرْ قَوْلُ الْوَاحِدِ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي جَمِيعِهِمْ وَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ خِلَافٌ مِنْ أَحَدِهِمْ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ الْقَوْلُ إِجْمَاعًا، لِأَنَّهُمْ مَا عَرَفُوهُ، فَيَرْضُوا بِهِ أَوْ ينكروه.
فَأَمَّا كَوْنُهُ حُجَّةً تُلْزِمُ الْعَمَلَ بِهَا فَمُعْتَبَرٌ بِمَا يُوَافِقُهُ مِنْ قِيَاسٍ أَوْ يُخَالِفُهُ.
وَلَهُ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْقِيَاسُ مُوَافِقًا لِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ فَيَكُونُ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ حُجَّةً بِالْقِيَاسِ.
وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ الْقِيَاسُ مُخَالِفًا لِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ فَالْعَمَلُ بِالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ إِذَا تَجَرَّدَ عَنْ قِيَاسٍ جَلِيٍّ أَوْ خَفِيٍّ.
وَالْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ مَعَ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ قِيَاسٌ جَلِيٌّ وَيُخَالِفُهُ قِيَاسٌ خَفِيٌّ فَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ مَعَ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ أَوْلَى.
وَالْحَالَةُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَكُونَ مَعَ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ قِيَاسٌ خَفِيٌّ وَيُخَالِفُهُ قِيَاسٌ جَلِيٌّ:
فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ: أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ مَعَ الْقِيَاسِ الْخَفِيِّ أَوْلَى وَأَلْزَمُ مِنَ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ أَهْدَى إِلَى الْحَقِّ.
ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ فِي الْجَدِيدِ وَجَعَلَ الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ أَوْلَى بِالْعَمَلِ مِنْ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ مَعَ الْقِيَاسِ الْخَفِيِّ لِأَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا يَتَحَاجُّونَ بِالْقِيَاسِ حَتَّى قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " أَلَا لَا يَتَّقِي اللَّهَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يَجْعَلُ ابْنَ الِابْنِ ابْنًا وَلَا يَجْعَلُ أَبَ الْأَبِ أَبًا "، وَإِذَا لَزِمَهُمُ الْعَمَلُ بِالْقِيَاسِ كَانَ لِغَيْرِهِمْ ألزم.
(فصل: ما يستقر به الإجماع)
:
وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِيمَا يَسْتَقِرُّ بِهِ الْإِجْمَاعُ: فَمُعْتَبَرٌ بِأَرْبَعَةِ شُرُوطٍ:
أَحَدُهَا: الْعِلْمُ بِاتِّفَاقِهِمْ عَلَيْهِ سَوَاءٌ اقْتَرَنَ بِقَوْلِهِمْ عَمَلٌ أَوْ لَمْ يَقْتَرِنْ.
وَمَنَعَ بَعْضُ النَّاسِ مِنِ اسْتِقْرَارِ الْإِجْمَاعِ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ حَتَّى يَقْتَرِنَ بِهِ عَمَلٌ لِأَنَّ الْعَمَلَ تَحْقِيقُ الْقَوْلِ.
وَهَذَا لَا وَجْهَ لَهُ؛ لِأَنَّ حُجَجَ الْأَقْوَالِ أَوْكَدُ مِنْ حُجَجِ الْأَفْعَالِ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِذَا انْفَرَدَ حُجَّةً فَلَمْ يَلْزَمِ اجْتِمَاعُهُمَا إِذَا لَمْ يَخْتَلِفَا.
فَإِنْ تَجَرَّدَ الْإِجْمَاعُ فِي الْقَوْلِ عَنْ عَمَلٍ يُخَالِفُهُ أَوْ يُوَافِقُهُ كَانَ الْقَوْلُ إِجْمَاعًا.
وَإِنْ تَجَرَّدَ الْإِجْمَاعُ فِي الْعَمَلِ عَنْ قَوْلٍ يُوَافِقُهُ أَوْ يُخَالِفُهُ كَانَ الْعَمَلُ إِجْمَاعًا.
فَإِنْ أَجْمَعُوا عَلَى الْقَوْلِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَمَلِ بَطَلَ الْإِجْمَاعُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِاخْتِلَافِهِمْ فِي الْعَمَلِ تَأْوِيلٌ.
وَإِنْ أَجْمَعُوا عَلَى الْعَمَلِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْقَوْلِ بَطَلَ الْإِجْمَاعُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِاخْتِلَافِهِمْ فِي الْقَوْلِ تَأْوِيلٌ لِمَا يَلْزَمُ مِنِ اتِّفَاقِهِمْ فِي الْقَوْلِ والعمل.
فَإِنْ جُهِلَ الِاتِّفَاقُ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ لَمْ يَثْبُتْ بِذَلِكَ إِجْمَاعٌ وَلَا خِلَافٌ لترددهما بين اتفاق يكون جماعا وَافْتِرَاقٍ يَكُونُ خِلَافًا فَلِذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ إِجْمَاعٌ وَلَا خِلَافٌ.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَسْتَدِيمُوا مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْإِجْمَاعِ وَلَا يَحْدُثُ مِنْ أَحَدِهِمْ خِلَافٌ.
فَإِنْ خَالَفَهُمُ الْوَاحِدُ بَعْدَ إجماعه معهم بطل الإجماع وساع الْخِلَافُ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يَحْدُثَ إِجْمَاعُهُمْ بَعْدَ الْخِلَافِ جَازَ أَنْ يَحْدُثَ خِلَافُهُمْ بَعْدَ الْإِجْمَاعِ، هَذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ خَالَفَ فِي بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ بَعْدَ إِجْمَاعِهِ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَلَى أَنَّ بَيْعَهُنَّ لَا يَجُوزُ فَبَطَلَ بِخِلَافِهِ الْإِجْمَاعُ فِي تَحْرِيمِ بَيْعِهِنَّ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّ عَلِيًّا رَجَعَ بَعْدَ خِلَافِهِ حِينَ قَالَ لَهُ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ: " يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: إِنَّ رَأْيَكَ مَعَ الْجَمَاعَةِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ رَأْيِكَ وَحْدَكَ ".
فَإِنْ كَانَ هَذَا الرُّجُوعُ صَحِيحًا كَانَ تَحْرِيمُ بَيْعِهِنَّ إِجْمَاعًا.
وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَنْقَرِضَ عَصْرُهُمْ حَتَّى يُؤْمَنَ حُدُوثُ الْخِلَافِ بَيْنَهُمْ فَإِنَّ بَقَاءَ الْعَصْرِ رُبَّمَا أَحْدَثَ مِنْ بَعْضِهِمْ خِلَافًا كَمَا خَالَفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ فِي الْعَوْلِ بَعْدَ مَوْتِ عُمَرَ فَقِيلَ لَهُ: أَلَا قُلْتَهُ فِي أيامه فقال هبته وكان امرءا مَهِيبًا.
وَلَيْسَ يُعْتَبَرُ فِي انْقِرَاضِ الْعَصْرِ مَوْتُ جَمِيعِ أَهْلِهِ لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ يَضِيقُ وَلَا يَنْحَصِرُ وَقَدْ تَتَدَاخَلُ الْأَعْصَارُ وَيَتَدَرَّجُ النَّاسُ مِنْ حَالٍ بَعْدَ حَالٍ وَيَخْتَلِفُونَ فِي الْأَعْمَارِ وَالْآجَالِ.
وَإِنَّمَا الْمُعْتَبَرُ فِي انْقِرَاضِهِ أَمْرَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَى الْعَصْرِ الثَّانِي غَيْرُ أَهْلِ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَنْقَرِضَ فِيهِمْ مَنْ بَقِيَ مِنْ أَهْلِ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ، قَدْ عَاشَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى إِلَى عَصْرِ التَّابِعِينَ فَطَاوَلُوهُمْ فَجَمَعُوا بَيْنَ عَصْرَيْنِ فَلَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى بَقَاءِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ بِهِمْ.
وَإِذَا كَانَ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ شَرْطًا فِي اسْتِقْرَارِ الْإِجْمَاعِ فَهُوَ مُعْتَبَرٌ فِي الْأَحْكَامِ الَّتِي لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا إِتْلَافٌ وَاسْتِهْلَاكٌ، وَلَا يَسْتَقِرُّ إِجْمَاعُهُمْ فِيهَا إِلَّا بِانْقِرَاضِهِمْ عَلَيْهَا.
فَأَمَّا الْأَحْكَامُ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا إِتْلَافٌ وَاسْتِهْلَاكٌ لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُ كَإِرَاقَةِ الدِّمَاءِ وَاسْتِبَاحَةِ الْفُرُوجِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي انْقِرَاضِ الْعَصْرِ هَلْ يَكُونُ شَرْطًا فِي انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَكُونُ شَرْطًا فِيهِ كَغَيْرِهِ مِنَ الْأَحْكَامِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَكُونُ شَرْطًا، وَالْإِجْمَاعُ مُسْتَقِرٌّ بِالِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمْ أَنْ يُحْدِثَ خِلَافًا فِيهِ، لِأَنَّهُمْ فِي عَظَائِمِ الْأُمُورِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَّفِقُوا عَلَى الْإِجْمَاعِ عَلَيْهَا إِلَّا بَعْدَ وُضُوحِ الْحَقِّ فِيهَا كَمَا أَجْمَعُوا مَعَ أَبِي بَكْرٍ عَلَى قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ، وَفِيهِ إِرَاقَةُ الدِّمَاءِ فَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمْ بَعْدَ الْإِجْمَاعِ وَمَا سُفِكَ فِيهِ مِنَ الدِّمَاءِ أَنْ يُخَالِفَ فِيهِ، لِأَنَّهُ يَجْعَلُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ إِجْمَاعِهِمْ مُنْكَرًا وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَجْتَمِعَ الْأُمَّةُ عَلَى مُنْكَرٍ.
الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ لَا يَلْحَقَ بِالْعَصْرِ الْأَوَّلِ مَنْ يُنَازِعُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعَصْرِ الثَّانِي.
فَإِنْ لَحِقَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ بَعْضَ التَّابِعِينَ فَخَالَفَهُمْ فِيمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: هَلْ يَمْنَعُ خِلَافُهُ مِنِ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ لَا يَرْتَفِعُ بِخِلَافِهِ، لِأَنَّهُمْ بِمُشَاهَدَةِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَحْفَظُ لِشَرِيعَتِهِ وَقَدْ أَنْكَرَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَلَى أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُنَازَعَتَهُ الصَّحَابَةَ وَقَالَتْ: أَرَاكَ كَالْفَرُّوجِ إِذَا اجْتَمَعَ مَعَ الدِّيكَةِ صَايَحَهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ خِلَافَهُ يَمْنَعُ مِنِ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ صِغَرَ السِّنِّ لَا يَمْنَعُ مِنْ نُفُوذِ الْقَوْلِ كَمَا خَالَفَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي صِغَرِ سِنِّهِ أَكَابِرَ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ قَالَ عَلِيٌّ: اعْرَفِ الْحَقَّ تَعْرِفْ أَهْلَهُ.
فَإِذَا اسْتَقَرَّ الْإِجْمَاعُ بِهَذِهِ الشُّرُوطِ الْأَرْبَعَةِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ إِجْمَاعُ أَهْلِ الْعَصْرِ حُجَّةً عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْأَعْصَارِ الْمُتَأَخِّرَةِ وَلَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى أَهْلِ عَصْرِهِ لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهِ فِيهِ، فَيَكُونُ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ حُجَّةً عَلَى التَّابِعِينَ، وَلَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى الصَّحَابَةِ، وَإِجْمَاعُ التَّابِعِينَ حُجَّةٌ عَلَى تَابِعِي التَّابِعِينَ، وَلَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى التَّابِعِينَ وَهَذَا حُكْمُ الْإِجْمَاعِ فِي كُلِّ عَصْرٍ يَأْتِي مَا بَقِيَتِ الْأَرْضُ وَمَنْ عَلَيْهَا.
وَقَالَ دَاوُدُ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ: الْإِجْمَاعُ اللَّازِمُ يَخْتَصُّ بِعَصْرِ الصَّحَابَةِ لِاخْتِصَاصِهِمْ بِنُزُولِ الْوَحْيِ فِيهِمْ، وَلَا يَلْزَمُ إِجْمَاعُ مَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ.
وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ وُضُوحَ الْحَقِّ مُسْتَدِيمٌ فِي كُلِّ عَصْرٍ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَصْرٌ مِنْ قَائِمٍ لِلَّهِ بِحُجَّةٍ، وَلَوْ لَمْ يَلْزَمْ إِجْمَاعُهُمْ لَخَرَجَ الْحَقُّ عَنْهُمْ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ أَهْلُ كُلِّ عَصْرٍ مَحْجُوجِينَ بِنَقْلِ مَنْ تَقَدَّمَهُمْ وَجَبَ أَنْ يَكُونُوا مَحْجُوجِينَ بِإِجْمَاعِ مَنْ تَقَدَّمَهُمْ لِيَكُونَ الشَّرْعُ مَحْرُوسًا بِهِمْ مِنَ الزَّلَلِ وَالْخَطَأِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهَا مَنْ نَاوَأَهَا ".
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي مُعَارَضَةِ الِاخْتِلَافِ وَالْإِجْمَاعِ: فَيَنْقَسِمُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَحْدُثَ الْخِلَافُ بَعْدَ تَقَدُّمِ الْإِجْمَاعِ فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ، مِثْلُ أَنْ يَتَقَدَّمَ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ثُمَّ يَحْدُثُ مِنْ أَحَدِهِمْ خِلَافٌ، فَهَذَا الْخِلَافُ الْحَادِثُ مَانِعٌ مِنِ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ، كَمَا أَظْهَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ خِلَافَهُ فِي الْعَوْلِ بَعْدَ مَوْتِ عُمَرَ وَارْتَفَعَ بِخِلَافِهِ انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ فِي الْعَوْلِ وَكَالَّذِي رَجَعَ عَنْهُ عَلِيٌّ فِي بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ فَارْتَفَعَ بِرُجُوعِهِ الْإِجْمَاعُ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَحْدُثَ الْإِجْمَاعُ بَعْدَ تَقَدُّمِ الْخِلَافِ فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ، فَهَذَا الْإِجْمَاعُ الْحَادِثُ يَرْفَعُ الْخِلَافَ الْمُتَقَدِّمَ كَاخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ فِي قَتْلِ مَانِعِي الزَّكَاةِ ثُمَّ وَافَقُوا أَبَا بَكْرٍ عَلَيْهِ بَعْدَ تَقَدُّمِ خِلَافِهِمْ لَهُ، فَيَرْتَفِعُ الْخِلَافُ بِالْإِجْمَاعِ.
وَفِي هَذَا الْإِجْمَاعِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَوْكَدُ مِنْ إِجْمَاعٍ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ خِلَافٌ، لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى ظُهُورِ الْحَقِّ بَعْدَ الْتِبَاسٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُمَا سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ مُقْتَرِنٌ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَحْدُثَ الْخِلَافُ بَعْدَ تَقَدُّمِ الْإِجْمَاعِ فِي عَصْرَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ كَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَخِلَافِ التَّابِعِينَ لَهُمْ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُخَالِفُوهُمْ مَعَ اتِّفَاقِ الْأُصُولِ فِي الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا، فَهَذَا الْخِلَافُ الْحَادِثُ مُطَّرِحٌ وَالْإِجْمَاعُ الْمُتَقَدِّمُ مُنْعَقِدٌ، لِأَنَّ حُجَّةَ الْإِجْمَاعِ قَاهِرَةٌ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَحْدُثَ فِي الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ صِفَةٌ زَائِدَةٌ أَوْ نَاقِصَةٌ فَيَحْدُثُ الْخِلَافُ فِيهَا بِحُدُوثِ مَا اخْتَلَفَ مِنْ صِفَاتِهَا فَيَكُونُ الْإِجْمَاعُ فِي الصِّفَاتِ مُنْعَقِدًا وَحُدُوثُ الِاخْتِلَافِ فِي الصِّفَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ سَائِغًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ.
وَذَهَبَ دَاوُدُ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ إِلَى اسْتِصْحَابِ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ فَإِنَّ اخْتِلَافَ الصِّفَاتِ الْحَادِثَةِ لَا يُبِيحُ اخْتِلَافَ الْحُكْمِ فِيهَا إِلَّا بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ، وَجَعَلُوا اسْتِصْحَابَ الْحَالِ حُجَّةً فِي الْأَحْكَامِ، وَمِثَالُ هَذَا أَنْ يَنْعَقِدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى إِبْطَالِ التَّيَمُّمِ بِرُؤْيَةِ الْمَاءِ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِذَا رَأَوْهُ فِي الصَّلَاةِ أَبْطَلُوا تَيَمُّمَهُ اسْتِصْحَابًا لِبُطْلَانِهِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْمَعُوا بَيْنَهُمَا بِقِيَاسٍ كَمَا لَوِ اسْتَيْقَنَ الطُّهْرَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ وَجَبَّ أَنْ يَسْتَصْحِبَ حُكْمَ الْيَقِينِ وَيَلْغِيَ حُكْمَ الشَّكِّ.
وَهَذَا فَاسِدٌ، وَلِكُلِّ حَالٍ تَجَدَّدَتْ حُكْمٌ تَوَقَّفَ عَلَى الدَّلِيلِ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُخَالِفًا، وَيَكُونُ الْإِجْمَاعُ حُجَّةً فِي الْحَالِ الَّتِي وَرَدَ فِيهَا، وَلَا
يَكُونُ حُجَّةً فِي غَيْرِهَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْقِيَاسُ مُوجِبًا لِاسْتِصْحَابِ حُكْمِهِ، فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ أَصْلٌ يَجُوزُ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ الْقِيَاسُ هُوَ الَّذِي أَوْجَبَ اسْتِصْحَابَ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ، لَا الْإِجْمَاعَ.
وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا سَاغَ الِاجْتِهَادُ فِيمَا عَدَا حَالَةَ الْإِجْمَاعِ وَلَمْ يَسُغِ الِاجْتِهَادُ فِي حَالَةِ الْإِجْمَاعِ دَلَّ عَلَى افْتِرَاقِهِمَا فِيهِ، وَلَمْ يَلْزَمْ أَنْ يُسَاوِيَهُ فِي حُكْمٍ.
فَأَمَّا حَمْلُ الطَّهَارَةِ عَلَى الْيَقِينِ فَلِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَنْصِبْ عَلَيْهَا دَلِيلًا.
وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّ اسْتِصْحَابَ الْحَالِ إِنْ لَمْ يُعَارِضْهُ دَلِيلٌ يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ دَلِيلًا.
وَقَوْلُهُ مَدْفُوعٌ بِمَا ذَكَرْنَا.
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا: إِذَا اخْتَلَفَ أَهْلُ الِاجْتِهَادِ فِي حُكْمٍ فَأَثْبَتَهُ بَعْضُهُمْ وَنَفَاهُ بَعْضُهُمْ:
قَالَ دَاوُدُ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ: لَا دَلِيلَ عَلَى النَّافِي وَيَجِبُ الدَّلِيلُ عَلَى الْمُثْبِتِ اسْتِصْحَابًا لِحُكْمِ الْأَصْلِ فِي النَّفْيِ كَمَا تَجِبُ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي دُونَ الْمُنْكِرِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الدَّلِيلَ يَجِبُ عَلَى النَّافِي كَوُجُوبِهِ عَلَى الْمُثْبِتِ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ نَفِيُ الْحُكْمِ إِلَّا بِدَلِيلٍ كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ إِثْبَاتُهُ إِلَّا بِدَلِيلٍ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ نَصَّبَ عَلَى الْأَحْكَامِ أَدِلَّةَ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ.
وَالنَّافِي لِلْحُكْمِ مُثْبِتٌ لِضِدِّهِ فَلَمْ يَجُزْ نَفْيُهُ إِلَّا بِدَلِيلٍ كَمَا لَمْ يَجُزْ لَهُ إِثْبَاتُهُ إِلَّا بِدَلِيلٍ.
فَأَمَّا وُجُوبُ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمُدَّعِي دُونَ الْمُنْكِرِ فَلِأَنَّ يَمِينَ الْمُنْكِرِ كَبَيِّنَةِ الْمُدَّعِي فَصَارَا مُجْتَمِعَيْنِ عَلَى الْبَيِّنَةِ.
وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي صِفَتِهِمَا.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ يَحْدُثَ الْإِجْمَاعُ بَعْدَ الْخِلَافِ فِي عَصْرَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، كَاخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ فِي حُكْمٍ عَلَى قَوْلَيْنِ فَيُجْمِعُ التَّابِعُونَ عَلَى أَحَدِهِمَا: فَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَمَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ أَنَّ حُكْمَ الِاخْتِلَافِ ثَابِتٌ، وَأَنَّ مَا تَعَقَّبَهُ مِنَ الْإِجْمَاعِ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ، لِأَنَّ انْقِرَاضَ الصَّحَابَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي حُكْمِ إِجْمَاعٍ مِنْهُمْ عَلَى تَسْوِيغِ الِاجْتِهَادِ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ.
وَفِي انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ بَعْدَ إِبْطَالِ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ تَسْوِيغِ الِاجْتِهَادِ فِيهِ فَصَارَ فِي إِثْبَاتِ إِجْمَاعِ التَّابِعِينَ إِبْطَالُ إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ فَلَمْ يَجُزْ.
وَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ أَسَدٍ الْمُحَاسَبِيُّ وَتَابَعَهُ فِيهِ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ قَدْ زَالَ حُكْمُ الِاخْتِلَافِ بِمَا تَعَقَّبَهُ مِنَ الْإِجْمَاعِ كَمَا يَزُولُ اخْتِلَافُ الصَّحَابَةِ إِذَا تَعَقَّبَهُ إِجْمَاعُهُمْ.
وَهَذَا فَاسِدٌ، لِأَنَّ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ لَا يَنْعَقِدُ إِلَّا بِانْقِرَاضِهِمْ فَلِذَلِكَ وَقَعَ الْفَرْقُ بَيْنَ انْقِرَاضِهِمْ عَلَى اخْتِلَافٍ أَوْ إِجْمَاعٍ.
فَعَلَى هَذَا لَوِ اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي حُكْمٍ لَمْ يَتَعَدَّوْهُ إِلَى ثَالِثٍ صَارَ ذَلِكَ إِجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى إِبْطَالِ مَا عَدَا الْقَوْلَيْنِ فَلَمْ يَجُزْ لِمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ إِحْدَاثُ قَوْلٍ ثَالِثٍ.
مِثَالُهُ أَنَّ الصَّحَابَةَ انْقَرَضُوا عَلَى قَوْلَيْنِ فِي ابْنَيْ عَمٍّ أَحَدُهُمَا أَخٌ لِأُمٍّ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا فِي الْمِيرَاثِ، وَذَهَبَ آخَرُونَ مِنْهُمْ إِلَى أَنَّ الْأَخَ مِنَ الْأُمِّ مِنْهُمَا أَحَقُّ بِالْمِيرَاثِ فَخَالَفَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فَجَعَلَ ابْنَ الْعَمِّ الَّذِي لَيْسَ بِأَخٍ لِأُمٍّ أَحَقَّ بِالْمِيرَاثِ فَخَالَفَهُمْ فِي الْقَوْلَيْنِ بِإِحْدَاثِ قَوْلٍ ثَالِثٍ فَذَهَبَ بَعْضُ مَنْ يَنْتَسِبُ إِلَى الْعِلْمِ إِلَى تَسْوِيغِ هَذَا؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ مُوجِبٌ لِتَسْوِيغِ الِاجْتِهَادِ.
وَهَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ فِي انْقِرَاضِ الصَّحَابَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ إِجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى إِبْطَالِ مَا خَرَجَ عَنِ الْقَوْلَيْنِ، وأن الحق في أحدهما، فلم يجر لِلتَّابِعِيِّ أَنْ يُبْطِلَ مَا انْعَقَدَ إِجْمَاعُهُمْ عَلَيْهِ فَهَذَا حُكْمُ الْإِجْمَاعِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ.
وَهُوَ مِنْ دَلَائِلِ السَّمْعِ.
وَيَجُوزُ نَقْلُهُ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَوْكَدَ مِنْ سُنَنِ الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -.
فَإِنْ نَقَلَ الرَّاوِي أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى كَذَا فَقَطَعَ بِإِجْمَاعِهِمْ عَلَيْهِ قُبِلَ مِنْهُ وَأُثْبِتَ الْإِجْمَاعُ بِقَوْلِهِ سَوَاءٌ كَانَ الرَّاوِي مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ أَوْ لَمْ يَكُنْ.
فَإِنْ قَالَ الرَّاوِي لَمْ أَعْرِفْ بَيْنَهُمُ اخْتِلَافًا فِيهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَلَا مِمَّنْ أَحَاطَ عِلْمُهُ بِالْإِجْمَاعِ وَالِاخْتِلَافِ لَمْ يَثْبُتِ الْإِجْمَاعُ بِرِوَايَتِهِ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ثُبُوتِهِ بِهَا إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَالتَّقَدُّمِ فِي الْعِلْمِ بِالْإِجْمَاعِ وَالِاخْتِلَافِ فَأَثْبَتَ بَعْضُهُمُ الْإِجْمَاعَ بِهَا وَجَعَلَ نَفْيَ الِاخْتِلَافِ إِثْبَاتًا لِلْإِجْمَاعِ وَامْتَنَعَ آخَرُونَ مِنْ إِثْبَاتِ الْإِجْمَاعِ بِهَذَا النَّفْيِ وَلِكِلَا الْقَوْلَيْنِ تَوْجِيهٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بالصواب.
(فصل: [رابعا - القياس] )
فَأَمَّا الْأَصْلُ الرَّابِعُ مِنْ أُصُولِ الشَّرْعِ وَهُوَ الْقِيَاسُ فَلَهُ مُقَدِّمَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: الِاجْتِهَادُ.
وَالثَّانِيَةُ: الِاسْتِنْبَاطُ.
(الاجتهاد)
فَأَمَّا الِاجْتِهَادُ: فَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ إِجْهَادِ النَّفْسِ وَكَدِّهَا فِي طَلَبِ الْمُرَادِ بِهِ.
كَمَا أَنَّ جِهَادَ الْعَدُوِّ مِنْ إِجْهَادِ النَّفْسِ فِي قَهْرِ الْعَدُوِّ، وَالِاجْتِهَادُ هُوَ طَلَبُ الصَّوَابِ بِالْأَمَارَاتِ الدَّالَّةِ عليه.
وَزَعَمَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ الِاجْتِهَادَ هُوَ الْقِيَاسُ وَنَسَبَهُ إِلَى الشَّافِعِيِّ مِنْ كَلَامٍ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الرِّسَالَةِ.
وَالَّذِي قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فِي هَذَا الْكِتَابِ: إنَّ مَعْنَى الِاجْتِهَادِ مَعْنَى الْقِيَاسِ.
يُرِيدُ بِهِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى حُكْمٍ غَيْرِ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الِاجْتِهَادِ وَالْقِيَاسِ: أَنَّ الِاجْتِهَادَ هُوَ مَا وَصَفْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ طَلَبُ الصَّوَابِ بِالْأَمَارَاتِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ، وَالْقِيَاسُ هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي عِلَّةِ الْأَصْلِ، فَافْتَرَقَا، غَيْرَ أَنَّ الْقِيَاسَ يَفْتَقِرُ إِلَى اجْتِهَادٍ، وَقَدْ لَا يَفْتَقِرُ الِاجْتِهَادُ إِلَى الْقِيَاسِ عَلَى مَا سَنُوَضِّحُهُ فَلِذَلِكَ جَعَلْنَا الِاجْتِهَادَ مُقَدِّمَةً لِلْقِيَاسِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الِاجْتِهَادَ لَهُ أَصْلٌ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ لِمُعَاذٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: " بِمَ تَحْكُمُ؟ قَالَ: بِكِتَابِ اللَّهِ قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ قَالَ: بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ.
قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ قَالَ أَجْتَهِدُ رَأْيِي.
فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الِاجْتِهَادَ عِنْدَ عَدَمِ النَّصِّ أَصْلٌ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْكَلَامُ فِي الِاجْتِهَادِ يَشْتَمِلُ عَلَى أَرْبَعَةِ فُصُولٍ:
أَحَدُهَا: فِيمَنْ يَجُوزُ له الاجتهاد.
والثاني: فِي وُجُوهِ الِاجْتِهَادِ.
وَالثَّالِثُ: فِيمَا يَجِبُ بِالِاجْتِهَادِ.
وَالرَّابِعُ: فِي حُكْمِ الِاجْتِهَادِ.
( [مَنْ يَجُوزُ لَهُ الِاجْتِهَادُ] )
:
فَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِيمَنْ يَجُوزُ لَهُ الِاجْتِهَادُ فَضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: مُجْتَهِدٌ فِي عُمُومِ الْأَحْكَامِ.
والثاني: مجتهد في مخصوص منها.
المجتهد في جميع الأحكام:
فَأَمَّا الْمُجْتَهِدُ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ، فَالْمُعْتَبَرُ فِي جَوَازِ اجْتِهَادِهِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ:
أَحَدُهَا: إِشْرَافُهُ عَلَى نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَإِنْ قَصَّرَ فِي أَحَدِهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَجْتَهِدَ.
وَالثَّانِي: عِلْمُهُ بِوُجُوهِ النُّصُوصِ فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ وَالْمُفَسَّرِ وَالْمُجْمَلِ