الحاوي الكبيرصفحات 95-134
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع

صفحات 95-134
عن هذه الطبعة
عَلَم
الماوردي
الكتاب
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
المؤلف
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
المحقق
الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1419 هـ -1999 م
عدد الأجزاء
19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى أزل اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ عَنْهُ وَعَصَمَهُ مِنْهُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَى نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَرْسَلَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى خَيْبَرَ لِأُقَسِّمَ ثِمَارَهَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَسَحَرُونِي فَتَكَوَّعَتْ بيدي فَأَجْلَاهُمْ عُمَرُ عَنِ الْحِجَازِ، فَلَوْلَا أَنَّ لِلسِّحْرِ حَقِيقَةً وَتَأَثُّرًا لَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَانْتَشَرَ فِي الْكَافَّةِ وَلَمَا أَجْلَاهُمْ عُمَرُ مِنْ دِيَارِهِمْ وَلَرَاجَعَتْهُ الصَّحَابَةُ فِيهِمْ كَمَا رَاجَعُوهُ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأُمُورِ الْعَظِيمَةِ الْمُحْتَمَلَةِ.
وَقَدْ رَوَى بَجَالَةُ قَالَ كَتَبَ عُمَرُ أَنِ اقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ وَسَاحِرَةٍ فَقَتَلْنَا ثَلَاثَ سَوَاحِرَ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ مُعْجِزَةَ مُوسَى فِي الْعَصَا لِكَثْرَةِ السِّحْرِ فِي زَمَانِهِ وَمُعْجِزَةَ عِيسَى بِإِحْيَاءِ الْمَوْتَى لِكَثْرَةِ الطِّبِّ فِي زَمَانِهِ وَمُعْجِزَةَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْقُرْآنَ لِكَثْرَةِ الْفُصَحَاءِ فِي زَمَانِهِ.
فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلسِّحْرِ حَقِيقَةٌ، كَمَا لِلطِّبِّ وَالْفَصَاحَةِ حَقِيقَةٌ، لَضَعُفَتْ مُعْجِزَةُ مُوسَى فِي عُلُوِّهِ عَلَى السَّحَرَةِ لِأَنَّهُ دَفَعَ مَا لَا تَأْثِيرَ لَهُ وَلَيْسَ لِدَفْعِ مَا لَا تَأْثِيرَ لَهُ تَأْثِيرٌ، وَإِنَّمَا التأثير في دفع ماله تَأْثِيرٌ كَمَا كَانَ لِإِحْيَاءِ الْمَوْتَى تَأْثِيرٌ عَلَى الطِّبِّ وَلِفَصَاحَةِ الْقُرْآنِ عَلَى فَصَاحَةِ الْكَلَامِ تَأْثِيرٌ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِالْآيَةِ، فَهُوَ أَنَّ حَقِيقَةَ السِّحْرِ آثَارُهُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لِأَفْعَالِ السِّحْرِ حَقِيقَةٌ وَقَدْ أَثَّرَ سِحْرُهُمْ فِي مُوسَى مَا أَوْجَسَهُ مِنَ الْخَوْفِ فِي نَفْسِهِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِمَا فِيهِ خَرْقُ الْعَادَاتِ وَإِبْطَالُ الْمُعْجِزَاتِ، فَهُوَ خَرْقُ الْعَادَاتِ فِي غَيْرِ السَّحَرَةِ وَلَيْسَ بِخَرْقِ الْعَادَاتِ فِي السَّحَرَةِ كَمَا أَنَّ الشَّعْبَذَةَ خَرْقُ الْعَادَاتِ فِي غَيْرِ الْمُتَشَعْبِذَةِ وَلَيْسَ بِخَرْقِ الْعَادَاتِ فِي الْمُتَشَعْبِذَةِ وَلَيْسَ فِيهِ إِبْطَالُ الْمُعْجِزَاتِ، لِأَنَّ الشَّعْبَذَةَ فِي خَرْقِ الْعَادَاتِ كَالسِّحْرِ وَلَيْسَ فِيهَا إِبْطَالُ الْمُعْجِزَاتِ، فَكَذَلِكَ السِّحْرُ، لِأَنَّ خَرْقَ الْعَادَاتِ بِالْمُعْجِزَاتِ مُخَالِفٌ لِخَرْقِهَا بِالسِّحْرِ وَالشَّعْبَذَةِ، لِأَنَّ أَفْعَالَ الْمُعْجِزَاتِ حَقِيقَةٌ وَأَفْعَالَ السَّحَرَةِ مُسْتَحِيلَةٌ لِأَنَّ مُوسَى لَمَّا فَلَقَ الْبَحْرَ ظَهَرَتْ أَرْضُهُ حَتَّى سَارَ فِيهِ مُوسَى وَقَوْمُهُ عَلَى الْيَابِسِ، وَلَمَّا أَلْقَى السَّحَرَةُ حِبَالَهُمْ حَتَّى ظَنَّهَا النَّاظِرُ حَيَّاتٍ ظَهَرَ اسْتِحَالَتُهَا وَعَادَتْ إِلَى حَالِهَا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْعِصْمَةِ.

(فَصْلٌ)

وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي وَهُوَ تَأْثِيرُ السِّحْرِ.
فَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ مِمَّنْ ضَعُفَتْ فِي الْعِلْمِ مَخَابِرُهُمْ، وَقَلَّتْ فِيهِ مَعْرِفَتُهُمْ إِلَى أَنَّ السَّاحِرَ قَدْ يَقْلِبُ بِسِحْرِهِ الْأَعْيَانَ، وَيُحَدِثُ بِهِ الْأَجْسَامَ، وَيَجْعَلُ الْإِنْسَانَ حِمَارًا بِحَسَبَ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ قُوَّةِ السِّحْرِ وَضَعْفِهِ، وَهَذَا وَاضِحُ الِاسْتِحَالَةِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: إِنَّهُ لَوْ ثَبَتَ عَلَى هَذَا لَصَارَ خَالِقًا وَهُوَ مَخْلُوقٌ وَرَازِقًا وَهُوَ مَرْزُوقٌ وَرَبًّا وَهُوَ مَرْبُوبٌ، وَشَارَكَ اللَّهَ تَعَالَى فِي قُدْرَتِهِ وَعَارَضَهُ في حكمته.

وَالثَّانِي: إِنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلَى هَذَا فِي غَيْرِهِ لَقَدَرَ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ فَيَرُدُّهَا إِلَى الشَّبَابِ بَعْدَ الْهِرَمِ، وَإِلَى الْوُجُودِ بَعْدَ الْعَدَمِ وَيَدْفَعُ الْمَوْتَ عَنْ نَفْسِهِ فَصَارَ مِنَ الْمُخَلَّدِينَ وَبَايَنَ جَمِيعَ الْمَخْلُوقِينَ.
وَالثَّالِثُ: إِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى إِبْطَالِ جَمِيعِ الْحَقَائِقِ، وَأَنْ لَا يَقَعَ فَرْقٌ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَلَجَازَ أَنْ تَكُونَ جَمِيعُ الأجسام مما قلبت السَّحَرَةُ أَعْيَانَهَا، فَيَكُونُ الْحِمَارُ إِنْسَانًا وَالْإِنْسَانُ حِمَارًا فَإِذَا وَضَحَتِ اسْتِحَالَةُ هَذَا الْقَوْلِ بِمَا ذَكَرْنَا، فَالَّذِي يُؤَثِّرُهُ السِّحْرُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ - أَنْ يُوَسْوِسَ وَيُمْرِضَ وَرُبَّمَا قَتَلَ، لِأَنَّ السِّحْرَ تَخْيِيلٌ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: 66] وَالتَّخْيِيلُ بَدْوُ الْوَسْوَسَةِ وَالْوَسْوَسَةُ بَدْوُ الْمَرَضِ وَالْمَرَضُ بَدْوُ التَّلَفِ - فَإِذَا قَوِيَ التَّخْيِيلُ حَدَثَ عَنْهُ الْوَسْوَسَةُ، وَإِذَا قَوِيَتِ الْوَسْوَسَةُ حَدَثَ عَنْهَا الْمَرَضُ، وَإِذَا قَوِيَ الْمَرَضُ حَدَثَ عَنْهُ التَّلَفُ، فَيَكُونُ أَوَّلُ مَبَادِئِهِ التَّخْيِيلَ ثُمَّ الْوَسْوَسَةَ ثُمَّ الْمَرَضَ ثُمَّ التَّلَفَ وهو غايته فهذه آثار السِّحْرِ.

(فَصْلٌ)

وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّالِثُ، وَهُوَ أَحْكَامُ السِّحْرِ فَيَشْتَمِلُ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: حُكْمُ السَّاحِرِ.
وَالثَّانِي: حُكْمُ تَعَلُّمِ السِّحْرِ.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فِي حُكْمِ السَّاحِرِ فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ - فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ - إِلَى أَنَّهُ كَافِرٌ يَجِبُ قَتْلُهُ وَلَمْ يَقْطَعَا بِكُفْرِهِ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ - إِنَّهُ لَا يَكْفُرُ بِالسِّحْرِ وَلَا يَجِبُ بِهِ قَتْلُهُ وَيُسْأَلُ عَنْهُ، فَإِنِ اعْتَرَفَ مَعَهُ بِمَا يُوجِبُ كُفْرَهُ وَإِبَاحَةَ دَمِهِ كَانَ كَافِرًا بِمُعْتَقَدِهِ لَا بِسِحْرِهِ وَكَذَلِكَ لَوِ اعْتَقَدَ إِبَاحَةَ السِّحْرِ صار كافراً باعتقاد إباحته لا بفعل فَيُقْتَلُ حِينَئِذٍ بِمَا انْضَمَّ إِلَى السِّحْرِ لَا بِالسِّحْرِ بَعْدَ أَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ فَلَا يَتُوبُ.
وَاحْتَجَّ مَنْ أَوْجَبَ بِهِ الْقَتْلَ بِرِوَايَةِ الْحَسَنُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ يَعْنِي بِهِ الْقَتْلَ، وَبِرِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ بَجَالَةَ قَالَ كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنِ اقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ فَقَتَلْنَا ثَلَاثَ سَوَاحِرَ وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الصَّحَابَةِ خِلَافٌ فَثَبَتَ أَنَّهُ إِجْمَاعٌ وَبِمَا رُوِيَ أَنَّ جَارِيَةً لِحَفْصَةَ سَحَرَتْ حَفْصَةَ فَبَعَثَتْ بِهَا إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ فَقَتَلَهَا وَلِأَنَّ السَّاحِرَ يُضَاهِي بِسِحْرِهِ أَفْعَالَ الْخَالِقِ وَمِثْلَ هَذَا كُفْرٌ يُوجِبُ الْقَتْلَ.
وَدَلِيلُنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، إِلَّا بِحَقِّهَا فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ فِي كُلِّ مَنْ قَالَهَا مِنْ سَاحِرٍ وَغَيْرِ سَاحِرٍ.
وَلِأَنَّ لَبِيدَ بْنَ أَعْصَمَ الْيَهُودِيَّ حَلِيفَ بَنِي زُرَيْقٍ قَدْ سَحَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَلَمْ يَقْتُلْهُ وَهُوَ تَحْتَ قُدْرَتِهِ وَقَدْ كَانَ عَلَى عَهْدِهِ كَثِيرٌ مِنَ السَّحَرَةِ فَمَا قَتَلَ وَاحِدًا مِنْهُمْ وَلَوْ وَجَبَ قَتْلُهُمْ لَمَا أَضَاعَ حُدُودَ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِمْ وَرُوِيَ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مَرِضَتْ فَسَأَلَ بَعْضُ بَنِي أَخِيهَا طَبِيبًا مِنَ الزُّطِّ عَنْ مَرَضِهَا فَقَالَ: هَذِهِ امْرَأَةٌ سَحَرَتْهَا أَمَتُهَا فَسَأَلَتْ

عَائِشَةُ أَمَتَهَا وَكَانَتْ مُدَبِّرَةً لَهَا فَاعْتَرَفَتْ بِالسِّحْرِ وَقَالَتْ سَأَلَتُكِ الْعِتْقَ فَلَمْ تُعْتِقِينِي، فَبَاعَتْهَا عَائِشَةُ وَاشْتَرَتْ بِثَمَنِهَا أَمَةً أَعْتَقَتْهَا، وَلَوْ كَانَ قَتْلُهَا مُسْتَحَقًّا مَا اسْتَجَازَتْ بَيْعَهَا وَاسْتِهْلَاكَ ثَمَنِهَا عَلَى مُشْتَرِيهَا، وَكَانَتِ الصَّحَابَةُ تُنْكِرُ عَلَيْهَا بَيْعَهَا، وَلِأَنَّ السِّحْرَ تَخْيِيلٌ كَالشَّعْبَذَةِ وَهِيَ لَا تُوجِبُ الْكُفْرَ وَالْقَتْلَ فَكَذَلِكَ السِّحْرُ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْخَبَرِ: فَرَاوِيهِ الْحَسَنُ وَهُوَ مُرْسَلٌ، وَضَرْبُهُ بِالسَّيْفِ قَدْ لَا يَكُونُ قَتْلًا فَلَمْ يَكُنْ صَرِيحًا فِيهِ: وَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ فَرَاوِيهِ بَجَالَةُ لَمْ يَلْقَ عُمَرَ فَكَانَ أَيْضًا مُرْسَلًا وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ مَذْهَبًا لَهُ، وَأَمَّا حَفْصَةُ فَقَدْ أَنْكَرَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَيْهَا قَتْلَهَا وَلَوْ كَانَ مُسْتَحَقًّا لَمْ يُنْكِرْهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ إِنَّهُ مَضَاهُ لِأَفْعَالِ الْخَالِقِ فَغَلَطٌ عَلَيْهِ وَفِيهِ، لِأَنَّ غَايَةَ سِحْرِهِ أَنْ يُؤْذِيَ وَلَيْسَ كُلُّ مُؤْذٍ وَمُضِرٍّ مُضَاهِيًا لِأَفْعَالِ خَالِقِهِ كَالضَّارِبِ وَالْقَاتِلِ.

(فَصْلٌ)

وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ حُكْمُ تَعَلُّمِ السحر: وتعلمه مُحَرَّمٌ مَحْظُورٌ؛ لِأَنَّ تَعَلُّمَهُ دَاعٍ إِلَى فِعْلِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ وَمَا دَعَا إِلَى الْمَحْظُورِ كَانَ مَحْظُورًا وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ سَحَرَ أَوْ سُحِرَ لَهُ وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ تَكَهَّنَ أَوْ تُكُهِّنَ لَهُ وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ أَوْ تُطُيِّرَ لَهُ.
فَإِنْ تَعَلَّمَهُ لَمْ يَكْفُرْ بِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَكْفُرُ بِتَعَلُّمِهِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ وَهَذَا مَذْهَبٌ، يَفْسُدُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّ الْإِيمَانَ وَالْكُفْرَ مُخْتَصٌّ بِالِاعْتِقَادِ وَتَعَلُّمُ السِّحْرِ لَيْسَ بِاعْتِقَادٍ فَلَمْ يُطْلَقْ عَلَيْهِ الْكُفْرُ.
وَالثَّانِي: إِنَّ تَعَلُّمَ الْكُفْرِ أَغْلَظُ مِنْ تَعَلُّمِ السِّحْرِ وَهُوَ لَا يَكْفُرُ بِتَعَلُّمِ الْكُفْرِ فَأَوْلَى أَنْ لَا يَكْفُرَ بِتَعَلُّمِ السِّحْرِ، فَأَمَّا الْآيَةُ فَهِيَ وَارِدَةٌ فِي مُعَلِّمِ السِّحْرِ دُونَ مُتَعَلِّمِهِ وَفَرْقٌ مَا بَيْنَ الْمُعَلِّمِ وَالْمُتَعَلِّمِ لِأَنَّ الْمُعَلِّمَ مُثْبِتٌ وَالْمُتَعَلِّمَ مُتَخَيِّرٌ كَمَا وَقَعَ الْفَرْقُ بَيْنَ مُعَلِّمِ الْكُفْرِ وَمُتَعَلِّمِهِ وَعَلَى أَنَّ الشَّيَاطِينَ كَانُوا كَفَرَةً بِغَيْرِ السحر والله أعلم.

(مسألة)

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِذَا سَحَرَ رَجُلًا فَمَاتَ سُئِلَ عَنْ سِحْرِهِ فَإِنْ قَالَ أَنَا أَعْمَلُ هَذَا لِأَقْتُلَ فَأُخْطِئُ الْقَتْلَ وَأُصِيبُ وَقَدْ مَاتَ مِنْ عَمَلِي فَفِيهِ الدِّيَةُ وَإِنْ قَالَ مَرِضَ مِنْهُ وَلَمْ يَمُتْ أَقْسَمَ أَوْلِيَاؤُهُ لَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ الْعَمَلِ وَكَانَتِ الدِّيَةُ وَإِنْ قَالَ عَمَلِي يَقْتُلُ الْمَعْمُولَ بِهِ وَقَدْ عَمَدْتُ قَتْلَهُ بِهِ قُتِلَ بِهِ قَوَدًا) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَمَّا السِّحْرُ - فَهُوَ مَا يَخْفَى فعله من الساحر ويخفى فِعْلُهُ فِي الْمَسْحُورِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُوصَفَ فِي الدَّعْوَى عَلَى السَّاحِرِ وَلَا تَقُومَ بِهِ بَيِّنَةٌ فِي الْمَسْحُورِ، فَإِذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى سَاحِرٍ أَنَّهُ سَحَرَ وَلِيًّا لَهُ، فَقَتَلَهُ بِسِحْرِهِ لَمْ يَسْتَوْصِفْ عَنِ السِّحْرِ

لِخَفَائِهِ عَلَيْهِ وَلَا يُكَلَّفِ الْبَيِّنَةَ لِامْتِنَاعِهَا فَإِذَا امْتَنَعَا رَجَعَ إِلَى سُؤَالِ السَّاحِرِ هَلْ سَحَرَ أَوْ لَمْ يَسْحَرْ، فَإِنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ سَاحِرًا أَوِ اعْتَرَفَ بِالسِّحْرِ وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ قَدْ سَحَرَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنِ اعْتَرَفَ أَنَّهُ سَحَرَهُ سُئِلَ عَنْ سِحْرِهِ، لِأَنَّ آثَارَ السِّحْرِ مُخْتَلِفَةٌ وَلَيْسَ يُمْكِنُ الْعَمَلُ فِيهَا إِلَّا عَلَى قَوْلِ السَّاحِرِ وَلَا يَخْلُو حَالُ بَيَانِهِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَقُولَ: عَمَدْتُ سِحْرَهُ وَسِحْرِي يَقْتُلُ فِي الْأَغْلَبِ وَإِنْ جَازَ أَنْ لَا يَقْتُلَ فَهَذَا قَاتِلُ عَمْدٍ مَحْضٍ وَعَلَيْهِ الْقَوَدُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا قَوَدَ عَلَيْهِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنْ لَا قَوَدَ إِلَّا بِالْمُحَدَّدِ، وَدَلِيلُنَا أَنَّهُ قَتَلَهُ بِمَا يَقْتُلُ مِثْلَهُ فِي الْأَغْلَبِ، فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَحِقَّ فِي عَمْدِهِ الْقَوَدَ كَالْمُحَدَّدِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَقُولَ سِحْرِي لَا يقتل في الأغلب وإن جاز أن يقتل وَقَدْ مَاتَ مِنْ سِحْرِي،.
فَهَذَا قَاتِلُ عَمْدِ شِبْهِ الْخَطَأِ عَلَيْهِ الدِّيَةُ مُغَلَّظَةً دُونَ الْقَوَدِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا دِيَةَ عَلَيْهِ احْتِجَاجًا بِأَنَّ الْقَتْلَ إِنَّمَا يُضْمَنُ بِالْمُبَاشَرَةِ أَوْ بِالْأَسْبَابِ الْحَادِثَةِ عَنِ الْمُبَاشَرَةِ وَلَيْسَ فِي السِّحْرِ وَاحِدٌ مِنْهَا فَلَمْ تُوجِبْ ضَمَانَ النَّفْسِ كَالشَّتْمِ وَالْبَهْتِ.
وَدَلِيلُنَا: هُوَ أَنَّ الْقَتْلَ حَدَثَ عَنْ سَبَبٍ قَاتِلٍ فَجَازَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ ضَمَانُ النَّفْسِ كَالسُّمِّ وَحَفْرِ الْبِئْرِ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ ينفصل من الساحر مَا يَتَّصِلُ بِالْمَسْحُورِ، كَمَا يَنْفَصِلُ مِنَ الْمُتَثَاوِبِ مَا يَتَّصِلُ بِالْمُقَابِلِ لَهُ فَيَثَّاوَبُ وَكَمَا يَنْفَصِلُ مِنْ نَظَرِ الَّذِي يُعِينُ مَا اسْتَحْسَنَ فَيَتَّصِلُ بِالْمُعِينِ وَالْمُسْتَحْسِنِ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: الْعَيْنُ حَقٌّ كَمَا أَنَا حَقٌّ وَفِي هَذَا الدَّلِيلِ انْفِصَالٌ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَقُولَ: سِحْرِي يُمْرِضُ وَلَا يَقْتُلُ وَقَدْ أَمْرَضَهُ سِحْرِي وَمَاتَ بِغَيْرِهِ فَهَذَا يُعْتَبَرُ فِيهِ حَالُ الْمَسْحُورِ فَإِنْ لَمْ يَزَلْ ضِمْنًا مَرِيضًا مِنْ وَقْتِ السِّحْرِ إِلَى وَقْتِ الْمَوْتِ فَالظَّاهِرُ مِنْهُ حُدُوثُ مَوْتِهِ مَنْ مَرَضِ سِحْرِهِ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ وَلِيِّ الْمَسْحُورِ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَ قَدِ انْقَطَعَ عَنْهُ الْمَرَضُ وَصَارَ دَاخِلًا خَارِجًا فَالظَّاهِرُ مِنْ مَوْتِهِ أَنَّهُ بِسَبَبِ حَادِثٍ غَيْرِ سِحْرِهِ، فَيَحْلِفُ السَّاحِرُ لَقَدْ مَاتَ مِنْ غَيْرِ سِحْرِهِ كَالْجِرَاحَةِ إِذَا حَدَثَ بَعْدَهَا مَوْتُ الْمَجْرُوحِ، وَاخْتَلَفَ الْوَلِيُّ وَالْجَارِحُ فَإِنْ لَمْ يَنْدَمِلِ الْجُرْحُ وَكَانَ عَلَى أَلَمِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَلِيِّ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنِ انْدَمَلَ وَزَالَ الْأَلَمُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الجارح مع يمنيه.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ يَقُولَ سِحْرِي قَدْ يُمْرِضُ وَلَا يُمْرِضُ وَمَا أَمْرَضَهُ سِحْرِي فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَيُعَزَّرُ أَدَبًا وَزَجْرًا وَيُسْتَتَابُ، فَإِنْ لَمْ يَتُبْ عُزِّرَ إِذَا سَحَرَ وَلَا يُعَزَّرُ بَعْدَ امْتِنَاعِهِ مِنَ التَّوْبَةِ إذا لم يسحر وبالله التوفيق.

(قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ)

(بَابُ مَنْ يَجِبُ قِتَالُهُ من أهل البغي والسيرة فيهم)

(مسألة)

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: 9] ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: هَذِهِ الْآيَةُ هِيَ أَصْلُ مَا وَرَدَ فِي قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ، وَاخْتُلِفَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا حَكَاهُ السُّدِّيُّ: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ تُدْعَى أَمَّ زَيْدٍ أَرَادَتْ زِيَارَةَ أَهْلِهَا فَمَنَعَهَا زَوْجُهَا، فَاقْتَتَلَ أَهْلُهُ وَأَهْلُهَا، حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِيهِمْ.
وَالثَّانِي: مَا حَكَاهُ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي رَهْطِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولٍ مِنَ الْخَزْرَجِ، وَرَهْطِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ مِنَ الْأَوْسِ.
وَسَبَبُهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَقَفَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولٍ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ لَهُ، فَرَاثَ الْحِمَارُ، فَأَمْسَكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولٍ أَنْفَهُ وَقَالَ: إِلَيْكَ حِمَارَكَ، فَغَضِبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ وَقَالَ: لَحِمَارُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَطْيَبُ رِيحًا مِنْكَ وَمِنْ أَبِيكَ، وَتَنَافَرُوا وَأَعَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَوْمَهُ، فَاقْتَتَلُوا بِالنِّعَالِ وَالْأَيْدِي، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِيهِمْ، وَأَصْلَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَيْنَهُمْ.
فَقَالَ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فأصلحوا بينهما﴾ [الحجرات: 9] . يعني: جميعن مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَخْرَجَهُمُ التَّنَافُرُ إِلَى الْقِتَالِ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا، وَهَذَا خِطِابٌ نُدِبَ إِلَيْهِ كُلُّ مَنْ قَدَرَ عَلَى الْإِصْلَاحِ بَيْنَهُمْ مِنَ الْوُلَاةِ وَغَيْرِ الْوُلَاةِ، وَإِنْ كَانَ بِالْوُلَاةِ أَخَصَّ.
﴿فَإِنْ بَغَتْ إحداهما على الأخرى﴾ وَالْبَغْيُ: التَّعَدِّي بِالْقُوَّةِ إِلَى طَلَبِ مَا لَيْسَ بمستحق.

﴿فقاتلوا التي تبغي﴾ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: تَبْغِي بِالتَّعَدِّي فِي الْقِتَالِ.
وَالثَّانِي: تَبْغِي بِالْعُدُولِ عَنِ الصُّلْحِ.
وَهَذَا الْأَمْرُ بِالْقِتَالِ مُخَاطَبٌ بِهِ الْوُلَاةُ دُونَ غَيْرِهِمْ.
﴿حَتَّى تفيء إلى أمر الله﴾ أَيْ تَرْجِعَ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى الصُّلْحِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ.
قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
وَالثَّانِي: حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، قَالَهُ قَتَادَةُ ﴿فَإِنْ فآءت﴾ يَعْنِي: رَجَعَتْ عَنِ الْبَغْيِ.
﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: بِالْحَقِّ.
وَالثَّانِي: بِكِتَابِ اللَّهِ.
﴿وأقسطوا﴾ يَعْنِي: اعْدِلُوا، وَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: اعْدِلُوا فِي تَرْكِ الْهَوَى وَالْمُمَايَلَةِ.
وَالثَّانِي: فِي تَرْكِ الْعُقُوبَةِ والمؤاخذة.
﴿إن الله يحب المقسطين﴾ يَعْنِي الْعَادِلِينَ.
قَالَ أَبُو مَالِكٍ: فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ.
فَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى بَقَاءِ الْبُغَاةِ عَلَى إِيمَانِهِمْ.
وَدَلَّتْ عَلَى الِابْتِدَاءِ بِالصُّلْحِ قَبْلَ قِتَالِهِمْ.
وَدَلَّتْ عَلَى وُجُوبِ قِتَالِهِمْ إِنْ أَقَامُوا عَلَى بَغْيِهِمْ.
وَدَلَّتْ عَلَى الْكَفِّ عَنِ الْقِتَالِ بَعْدَ رُجُوعِهِمْ.
وَدَلَّتْ عَلَى أَنْ لَا تِبَاعَةَ عَلَيْهِمْ فِيمَا كَانَ بَيْنَهُمْ.
فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَحْكَامٍ دَلَّتْ عَلَيْهَا هَذِهِ الْآيَةُ فِيهِمْ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَفِيهَا دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَقٌّ فَمَنَعَ مِنْهُ، وَجَبَ قِتَالُهُ عَلَيْهِ حتى يؤديه.

فَرَوَى سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ وَأَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا) . وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ عَنْ عُنُقِهِ) . وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ الدَّالُّ عَلَى إِبَاحَةِ قِتَالِهِمْ: فَهُوَ مُنْعَقِدٌ عَنْ فِعْلِ إِمَامَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَبُو بَكْرٍ فِي قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ.
وَالثَّانِي: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي قتال خَلَعَ طَاعَتَهُ.
فَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإِنَّهُ قَاتَلَ طَائِفَتَيْنِ: طَائِفَةٌ: ارْتَدَتْ عَنِ الْإِسْلَامِ مَعَ مُسَيْلِمَةَ وَطُلَيْحَةَ وَالْعَنْسِيَّ فَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي قِتَالِهِمْ أَحَدٌ.
وَطَائِفَةٌ: أَقَامُوا عَلَى الْإِسْلَامِ وَمَنَعُوا الزَّكَاةَ بِتَأْوِيلٍ اشْتَبَهَ، فَخَالَفَهُ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ فِي الِابْتِدَاءِ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رَأْيِهِ وَوَافَقُوهُ عَلَيْهِ فِي الِانْتِهَاءِ حِينَ وَضَحَ لَهُمُ الصَّوَابُ وَزَالَتْ عَنْهُمُ الشُّبْهَةُ.
وَنَحْنُ نَذْكُرُ شَرْحَهُ مِنْ بَعْدُ مُفَصَّلًا، فَكَانَ انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ مَعَهُ بَعْدَ تَقَدُّمِ الْمُخَالَفَةِ لَهُ أَوْكَدَ.
وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإِنَّهُ شَهِدَ بِنَفْسِهِ قِتَالَ مَنْ بَغَى عَلَيْهِ، فَأَوَّلُ مَنْ قَاتَلَ مِنْهُمْ أَهْلَ الْجَمَلِ بِالْبَصْرَةِ مَعَ عَائِشَةَ.
وَثَنَّى بِقِتَالِ أَهْلِ الشَّامِ بِصِفِّينَ مَعَ مُعَاوِيَةَ.
وَثَلَّثَ بِقِتَالِ أَهْلِ النَّهْرَوَانِ مِنَ الْخَوَارِجِ.
فَسَارَ فِي قِتَالِهِمْ سِيرَةَ أَبِي بَكْرٍ فِي قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا ثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ إِبَاحَةُ قِتَالِهِمْ عَلَى بَغْيِهِمْ، فَقِتَالُهُمْ مُعْتَبَرٌ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهَا، وَرَابِعٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ.

أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونُوا فِي مَنَعَةٍ، بِكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، لَا يُمْكِنُ تَفْرِيقُ جَمْعِهِمْ إِلَّا بِقِتَالِهِمْ، فَإِنْ كَانُوا آحَادًا لَا يَمْتَنِعُونَ اسْتُوفِيَتْ مِنْهُمُ الْحُقُوقُ وَلَمْ يُقَاتَلُوا.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: قَتَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلْجِمٍ عَلِيًّا رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ مُتَأَوِّلًا، فَأُقِيدَ بِهِ.
يَعْنِي: أَنَّهُ لَمَّا انْفَرَدَ وَلَمْ يَمْتَنِعْ بِعَدَدٍ لَمْ يُؤَثِّرْ تَأْوِيلُهُ فِي أَخْذِ الْقَوَدِ مِنْهُ.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَعْتَزِلُوا عَنْ دَارِ أَهْلِ الْعَدْلِ بِدَارٍ يَنْحَازُونَ إِلَيْهَا وَيَتَمَيَّزُونَ بِهَا كَأَهْلِ الْجَمَلِ وَصِفِّينَ: فَإِنْ كَانُوا عَلَى اختلاطهم بِأَهْلِ الْعَدْلِ، وَلَمْ يَنْفَرِدُوا عَنْهُمْ: لَمْ يُقَاتَلُوا.
رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يَخْطُبُ، فَسَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ - تَعْرِيضًا بِالرَّدِّ عَلَيْهِ فِيمَا كَانَ مِنْ تَحْكِيمِهِ فَقَالَ عَلِيٌّ: كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ، لَكُمْ عَلَيْنَا ثَلَاثٌ: لَا نَمْنَعُكُمْ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ تَذْكُرُوا فِيهَا اسْمَ اللَّهِ، وَلَا نَمْنَعُكُمُ الْفَيْءَ مَا دَامَتْ أَيْدِيكُمْ مَعَنَا، وَلَا نَبْدَؤُكُمْ بِقِتَالٍ.
وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يُخَالِفُوهُ بِتَأْوِيلٍ مُحْتَمَلٍ كَالَّذِي تَأَوَّلَهُ أَهْلُ الْجَمَلِ وَصِفِّينَ، مِنَ الْمُطَالَبَةِ بِدَمِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
فَإِذَا بَايَنُوا مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ، أُجْرِيَ عَلَيْهِمْ حُكْمُ الْحِرَابَةِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ.
وَأَمَّا الرَّابِعُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ: فَهُوَ نَصْبُ إِمَامٍ لَهُمْ يَجْتَمِعُونَ عَلَى طَاعَتِهِ، وَيَنْقَادُونَ لِأَمْرِهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ: إِنَّهُ شَرْطٌ يُسْتَحَقُّ بِهِ قِتَالُهُمْ، لِيَسْتَقِرَّ بِهِ تَمَيُّزُهُمْ وَمُبَايِنَتُهُمْ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: إِنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي قِتَالِهِمْ.
لِأَنَّ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلَامُ قَاتَلَ أَهْلَ الْجَمَلِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ إِمَامٌ، وَقَاتَلَ أَهْلَ صِفِّينَ قَبْلَ أَنْ يُنَصِّبُوا إِمَامًا لَهُمْ.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا تَكَامَلَتِ الشُّرُوطُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي قِتَالِهِمْ، لَمْ يَبْدَأْ بِهِ الْإِمَامُ حَتَّى يَسْأَلَهُمْ عَنْ سَبَبِ انْفِرَادِهِمْ وَمُبَايَنَتِهِمْ، فَإِنْ ذَكَرُوا مَظْلَمَةً أَزَالَهَا، وَإِنْ ذَكَرُوا شُبْهَةً كَشَفَهَا وَنَاظَرَهُمْ عَلَيْهَا، حَتَّى يَظْهَرَ لَهُمْ أَنَّهُ عَلَى الْحَقِّ فِيهَا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمْرَ بِالْإِصْلَاحِ أَوَّلًا وَبِالْقِتَالِ أَخِيرًا.
وَلِأَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَنَفَذَ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إِلَى الْخَوَارِجِ بَالنَّهْرَوَانِ،

يَسْأَلُهُمْ عَنْ سَبَبِ مُبَايَنَتِهِمْ وَيَحِلُّ شُبْهَةَ تَأْوِيلِهِمْ، لِتَظَاهُرِهِمْ بِالْعِبَادَةِ وَالْخُشُوعِ وَحَمْلِ الْمَصَاحِفِ فِي أَعْنَاقِهِمْ، فقال لهم ابن عباس: هذا علي ابن أَبِي طَالِبٍ ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَزَوْجُ ابْنَتِهِ، وَقَدْ عَرَفْتُمْ فَضْلَهُ فَمَا تَنْقِمُونَ مِنْهُ؟ قَالُوا: نَنْقِمُ مِنْهُ ثَلَاثًا: حَكَمَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَقَدْ أَغْنَى كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ عَنِ التَّحْكِيمِ.
وَقَتَلَ وَلَمْ يَسْبِ: وَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ إِمَّا أَنْ يَقْتُلَ وَيَسْبِيَ أَوْ لَا يَقْتُلَ وَلَا يَسْبِيَ، لِأَنَّهُ إِذَا حُرِّمَتْ أَمْوَالُهُمْ فَقَدْ حُرِّمَتْ دِمَاؤُهُمْ.
وَمَحَا اسْمَهُ مِنَ الْخِلَافَةِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى حَقٍّ فَلِمَ خُلِعَ، وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ حَقٍّ فَلِمَ دَخَلَ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّهُ حَكَمَ فِي دِينِ اللَّهِ، فَقَدْ حَكَّمَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الدِّينِ فَقَالَ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 35] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: 65] فَحَكَّمَ فِي أَرْنَبٍ قِيمَتُهُ دِرْهَمٌ، فَبِأَنْ يُحَكِّمَ فِي هَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ أَوْلَى.
فَرَجَعُوا عَنْ هَذَا.
فَقَالَ: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: كَيْفَ قَتَلَ وَلَمْ يَسْبِ، فَلَوْ حَصَلَتْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي سَهْمِ أَحَدِكُمْ كَيْفَ يَصْنَعُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: 53] . قَالُوا: رَجَعْنَا عَنْ هَذِهِ.
قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّهُ مَحَا اسْمَهُ مِنَ الْخِلَافَةِ حِينَ كَتَبَ كِتَابَ التَّحْكِيمِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُعَاوِيَةَ، فَقَدْ مَحَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اسْمَهُ مِنَ النُّبُوَّةِ حِينَ قَاضَى سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَقَدْ كَتَبَ كِتَابَ الْقَضِيَّةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَكَتَبَ هَذَا مَا قَاضَى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو.
فَقَالَ سُهَيْلٌ: لَا تَكْتُبْ رَسُولُ اللَّهِ، فَلَوْ عَلِمْنَا أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا خَالَفْنَاكَ، فَاكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَعَلِيٍّ: امْحُهُ.
فَقَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَمْحُوَ اسْمَكَ مِنَ النُّبُوَّةِ.

فَقَالَ لَهُ: أَرِنِيهِ، فَأَرَاهُ فَمَحَاهُ بِإِصْبَعِهِ.
فَرَجَعَ بَعْضُهُمْ وَبَقِيَ مِنْهُمْ نَحْوُ أَرْبَعَةِ آلَافٍ لَمْ يَرْجِعُوا، فَعَادَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: سِيرُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَيْهِمْ، فَلَنْ يُفْلِتَ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ، وَلَنْ يُقْتَلَ مِنْكُمْ عَشَرَةٌ، فَسَارُوا مَعَهُ إِلَيْهِمْ فَقَتَلَهُمْ، وَأَفْلَتَ مِنْهُمْ ثَمَانِيَةٌ، وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ تِسْعَةٌ، وَقَالَ: اطْلُبُوا لِي ذَا الثَّدِيَّةِ.
فَرَأَوْهُ قَتِيلًا بَيْنَهُمْ، فَكَبَّرَ عَلِيٌّ وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَ وَعْدَ رَسُولِهِ إِذْ قَالَ لِي: تُقَاتِلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ فِيهِمْ ذُو الثَّدِيَّةِ.
فَهَذِهِ سِيرَةُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِيهِمْ.
وَقَدْ حُكِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: أَخَذَ الْمُسْلِمُونَ السِّيرَةَ فِي قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. وَأَخَذُوا السِّيرَةَ فِي قِتَالِ الْمُرْتَدِّينَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَأَخَذُوا السِّيرَةَ فِي قِتَالِ الْبُغَاةِ مِنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ يُقَدِّمُ قَبْلَ قِتَالِهِمْ سُؤَالَهَمْ عَنْ سَبَبِ بَغْيِهِمْ وَاعْتِزَالِهِمْ عَنِ الْجَمَاعَةِ، ثُمَّ مُنَاظَرَتَهُمْ فِي حَلِّ مَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ، فَمَتَى أَمَلَ رُجُوعَهُمْ إِلَى الطَّاعَةِ وَدُخُولَهُمْ فِي الْجَمَاعَةِ بِالْقَوْلِ وَالْمُنَاظَرَةِ لَمْ يَتَجَاوَزْهُ إِلَى الْقِتَالِ، وَإِنْ يَئِسَ مِنْ رُجُوعِهِمْ بَعْدَ كَشْفِ مَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ، جَازَ لِإِمَامِ أَهْلِ الْعَدْلِ حِينَئِذٍ قِتَالُهُمْ وَمُحَارَبَتُهُمْ، وَانْقَسَمَتْ أَحْوَالُهُمْ فِي قِتَالِهِمْ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا كَانَ قِتَالُهُمْ عَلَيْهِ وَاجِبًا.
وَالثَّانِي: مَا كَانَ قِتَالُهُمْ عَلَيْهِ مُبَاحًا.
وَالثَّالِثُ: مَا اخْتَلَفَ الْقَوْلُ فِي وُجُوبِهِ وَإِبَاحَتِهِ.
فَأَمَّا مَا وَجَبَ قِتَالُهُمْ عَلَيْهِ: فَهُوَ بِوَاحِدٍ مِنْ خَمْسَةِ أُمُورٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَتَعَرَّضُوا لِحَرِيمِ أَهْلِ الْعَدْلِ بِإِفْسَادِ سَبِيلِهِمْ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَتَعَطَّلَ جِهَادُ الْمُشْرِكِينَ بِهِمْ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَأْخُذُوا مِنْ حُقُوقِ بَيْتِ الْمَالِ مَا لَيْسَ لَهُمْ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يَمْتَنِعُوا مِنْ دَفْعِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ.
وَالْخَامِسُ: أَنْ يَتَظَاهَرُوا عَلَى خَلْعِ الْإِمَامِ الَّذِي قَدِ انْعَقَدَتْ بَيْعَتُهُ وَلَزِمَتْ طَاعَتُهُ.

رَوَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ خَلَعَ يَدَهُ مِنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً) . وَأَمَّا مَا أُبِيحَ قِتَالُهُمْ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَجِبْ: فَهُوَ أَنْ يَنْفَرِدُوا عَنِ الْجَمَاعَةِ وَلَا يَمْتَنِعُوا مِنْ حَقٍّ، وَلَا يَتَعَدَّوْا إِلَى مَا لَيْسَ لَهُمْ بِحَقٍّ، فَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ قِتَالُهُمْ لِتَفْرِيقِ الْجَمَاعَةِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ قِتَالُهُمْ لِتَظَاهُرِهِمْ بِالطَّاعَةِ.
رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " مَنْ خَرَجَ عَنِ الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ فَمِيتَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ) . وَأَمَّا مَا اخْتَلَفَ الْقَوْلُ فِي وُجُوبِ قِتَالِهِمْ وَإِبَاحَتِهِ: فَهُوَ إِذَا امْتَنَعُوا مَعَ انْفِرَادِهِمْ مِنْ دَفْعِ زَكَاةِ أَمْوَالِهِمُ الظَّاهِرَةِ وقاموا بتفرقتها في أهل السهمان مِنْهُمْ فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ: إِنَّ قِتَالَهُمْ عَلَيْهَا وَاجِبٌ، إِذَا قِيلَ فِيهَا بِوُجُوبِ دَفْعِهَا إِلَى الْإِمَامِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ: إِنَّ قِتَالَهُمْ عَلَيْهَا مُبَاحٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ إِذَا قِيلَ فِيهِ: إِنَّ دَفْعَهَا إِلَى الْإِمَامِ مُسْتَحَبٌّ وليس بواجب.
والله أعلم.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " فأمر الله تعالى جَدُّهُ أَنْ يُصْلِحَ بَيْنَهُمْ بِالْعَدْلِ وَلَمْ يَذْكُرْ تِبَاعَةً فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ وَإِنَّمَا ذَكَرَ الصُّلْحَ آخِرًا كَمَا ذَكَرَ الْإِصْلَاحَ بَيْنَهُمْ أَوَّلًا قَبْلَ الْإِذْنِ بِقِتَالِهِمْ فَأَشْبَهَ هَذَا أَنْ تَكُونَ التَّبِعَاتُ فِي الدِّمَاءِ وَالْجِرَاحِ وَمَا تَلِفَ مِنَ الأموال ساقطة بينهم وكما قال ابن شهاب عندنا قد كانت في تلك الفتنة دماء يعرف في بعضها القاتل والمقتول وأتلفت فيها أموال ثم صار الناس إلى أن سكنت الحرب بينهم وجرى الحكم عليهم فما علمته اقتص من أحد ولا أغرم مالا أتلفه (قال الشافعي) رحمه الله: وما علمت الناس اختلفوا في أن ما حووا في البغي من مال فوجد بعينه أن صاحبه أحق) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْمُسْتَهْلَكُ بَيْنَ أَهْلِ الْعَدْلِ وَأَهْلِ الْبَغْيِ فِي غَيْرِ ثَائِرَةِ الْحَرْبِ وَالْتِحَامِ الْقِتَالِ مِنْ دِمَاءٍ وَأَمْوَالٍ فَهِيَ مَضْمُونَةٌ عَلَى مُسْتَهْلِكِهَا سَوَاءٌ كَانَ اسْتِهْلَاكُهَا قَبْلَ الْقِتَالِ أَوْ بَعْدَ، فَيَضْمَنُ أَهْلُ الْبَغْيِ مَا اسْتَهْلَكُوهُ لِأَهْلِ الْعَدْلِ مِنْ دِمَاءٍ وَأَمْوَالٍ وَيَضْمَنُ أَهْلُ الْعَدْلِ مَا اسْتَهْلَكُوهُ عَلَى أَهْلِ الْبَغْيِ مِنْ دِمَاءٍ وَأَمْوَالٍ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مِنَ الْمُسْلِمِ مَالَهُ وَدَمَهُ وأن يَظُنَّ بِهِ إِلَّا خَيْرًا) . وَأَمَّا الْمُسْتَهْلَكُ فِي ثَائِرَةِ الْحَرْبِ وَالْتِحَامِ الْقِتَالِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ فِيمَا اسْتَهْلَكُوهُ مِنْ دِمَاءِ أَهْلِ الْبَغْيِ وَأَمْوَالِهِمْ لِأَمْرَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَا وَجَبَ عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ مِنْ قِتَالِهِمْ يَمْنَعُ مِنْ ضَمَانِ مَا تَلِفَ بِالْقِتَالِ مِنْ دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ لِتَنَافِي اجْتِمَاعِ وُجُوبِ الْقِتَالِ وَوُجُوبِ الضَّمَانِ.
وَالثَّانِي: إِنَّ مَقْصُودَ الْقِتَالِ دَفْعُهُمْ عَنْ بَغْيِهِمْ، فَصَارُوا فِي هَدَرِهَا كَالطَّالِبِ إِذَا قَتَلَهُ الْمَطْلُوبُ دَفَعًا عَنْ نَفْسِهِ.
وَهَلْ يَضْمَنُ أَهْلُ الْبَغْيِ لِأَهْلِ الْعَدْلِ مَا اسْتَهْلَكُوهُ مِنْ دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: قَالَهُ فِي الْقَدِيمِ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَذْهَبُ مَالِكٍ: إِنَّهُمْ يَضْمَنُونَهُ لَهُمْ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنّهُمْ لَمَّا ضَمِنُوهُ إِذَا لَمْ يَمْتَنِعُوا ضَمِنُوهُ وَإِنِ امْتَنَعُوا كَأَهْلِ الْحِرَابَةِ.
وَالثَّانِي: إِنّهُ لَمَّا كَانَ الْقِتَالُ مَحْظُورًا عَلَيْهِمْ كَانَ مَا حَدَثَ عَنْهُ مَضْمُونًا كَالْجِنَايَاتِ، كَمَا أَنَّ الْقِتَالَ لَمَّا وَجَبَ عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ كَانَ مَا حَدَثَ عَنْهُ غَيْرَ مَضْمُونٍ كَالْحُدُودِ، لِفَرْقِ مَا بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْمَحْظُورِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: قَالَهُ فِي الْجَدِيدِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ: إِنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا﴾ [الحجرات: 9] . فَأَمَرَ بِالْإِصْلَاحِ بَيْنَهُمْ، وَلَمْ يَذْكُرْ تَبِعَةً فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ، فَدَلَّ عَلَى سُقُوطِهِ عَنْهُمْ.
وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ - قَالَ لِمَنْ تَابَ مِنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ: تدون قتلانا ولا ندري قَتْلَاكُمْ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَا نَأْخُذُ لِقَتْلَانَا دية، لأنهم عملوا الله وَأُجُورُهُمْ عَلَى اللَّهِ، فَسَكَتَ أَبُو بَكْرٍ سُكُوتَ رَاجِعٍ إِلَى قَوْلِهِ.
وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ طُلَيْحَةَ قَتَلَ ثَابِتَ بْنَ أَقْرَمَ وَعُكَّاشَةَ بْنَ مِحْصَنٍ، وَهَرَبَ إِلَى الشَّامِ، ثُمَّ أَسْلَمَ، وَقَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَبِلَ تَوْبَتَهُ وَلَمْ يَقْتَصَّ مِنْهُ.
وَهَكَذَا فَعَلَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَوْمَ الْجَمَلِ لَمْ يَأْخُذْ أَحَدًا بِمَا اسْتَهْلَكَهُ مِنْ دَمٍ وَلَا مَالٍ مَعَ مَعْرِفَةِ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ وَالتَّالِفِ وَالْمَتْلُوفِ.
وَهَكَذَا حَكَى ابْنُ الْمُسَيَّبِ وَالزُّهْرِيُّ فَدَلَّ عَلَى الْإِجْمَاعِ فِي سُقُوطِ الضَّمَانِ.
وَلِأَنَّهُمَا طَائِفَتَانِ مُمْتَنِعَتَانِ اقْتَتَلَتَا تَدَيُّنًا، فَلَمْ يَضْمَنْ بَعْضُهُمْ بعضاً كالمسلمين.

[وَلِأَنَّ تَضْمِينَ أَهْلِ الْبَغْيِ مَا أَتْلَفُوهُ مُنَفِّرٌ لَهُمْ وَمَانِعٌ مِنْ رُجُوعِهِمْ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُطْرَحًا كَمَا أُطْرِحَ فِي أَهْلِ الْحَرْبِ] .

(فَصْلٌ)

فَإِذَا تَقَرَّرَ تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ، فَإِنْ قِيلَ بِالْأَوَّلِ: إِنَّ الضَّمَانَ وَاجِبٌ، ضُمِنَتِ الْأَمْوَالُ بِالْغُرْمِ، فَأَمَّا النُّفُوسُ فَإِنْ كَانَتْ خَطَأً أَوْ عَمْدَ الْخَطَأِ ضَمِنَتْ عَاقِلَةُ الْقَاتِلِ الدِّيَةَ دُونَ الْقَاتِلِ.
وَإِنْ كَانَتْ عَمْدًا مَحْضًا فَفِي ضَمَانِهَا بِالْقَوَدِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ - تُضْمَنُ بِالْقَوَدِ، لِأَنَّهَا تُضْمَنُ فِي الْحَرْبِ كَمَا تُضْمَنُ في غيره.
وَإِنْ قِيلَ بِالْقَوْلِ الثَّانِي: فِي سُقُوطِ الضَّمَانِ، سَقَطَ ضَمَانُ مَا تَلِفَ مِنَ الْأَمْوَالِ وَوَجَبَ رَدُّ مَا بَقِيَ مِنْهَا.
فَأَمَّا إِنْ أَتْلَفَ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ قِتَالٍ، نُظِرَ حَالُ مُتْلِفِهِ: فَإِنْ قَصَدَ بِمَا أَتْلَفَهُ مِنْهَا إِضْعَافَهُمْ وَهَزِيمَتَهُمْ لَمْ يَضْمَنْهَا.
وَإِنْ قَصَدَ بِهِ التَّشَفِّي وَالِانْتِقَامَ: ضَمِنَهَا، وَصَارَتْ كَالْمُسْتَهْلَكِ عَلَيْهِمْ فِي غَيْرِ الْقِتَالِ.
وَأَمَّا النُّفُوسُ: فَمَنْ قُتِلَ فِي الْقِتَالِ لَمْ يُضْمَنْ فِي عَمْدٍ وَلَا خَطَأٍ بِقَوَدٍ وَلَا دِيَةٍ، وَفِي ضَمَانِهِ بِالْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ مُحْتَمَلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْأَصَحُّ - إِنَّهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ بِالْكَفَّارَةِ، كَمَا كَانَ غَيْرَ مَضْمُونٍ بِقَوَدٍ وَلَا دِيَةٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنّهُ يُضْمَنُ بِالْكَفَّارَةِ، لِأَنَّهَا مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فَتَأَكَّدَتْ عَلَى حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، وَكَمَا يُضْمَنُ نَفْسُ الْمُسْلِمِ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِالْكَفَّارَةِ دُونَ الدِّيَةِ.
وَمَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ وَهُوَ مُعْتَزِلٌ عَنْ صُفُوفِ الْحَرْبِ: فَإِنْ كَانَ رَدْءًا لَهُمْ وَعَوْنًا: سَقَطَ ضَمَانُ نَفْسِهِ كَالْمُقَاتِلَةِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَدْءًا وَلَا عَوْنًا: خَرَجَ عَنْ حُكْمِ الْمُقَاتِلَةِ وَضُمِنَتْ نَفْسُهُ بِالدِّيَةِ، وَفِي ضَمَانِهَا بِالْقَوَدِ وَجْهَانِ على ما مضى.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَأَهْلُ الرِّدَّةِ بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ضَرْبَانِ فَمِنْهُمْ قَوْمٌ كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ مِثْلُ طُلَيْحَةَ وَمُسَيْلِمَةَ وَالْعَنْسِيِّ وَأَصْحَابِهِمْ وَمِنْهُمْ قَوْمٌ تَمَسَّكُوا بِالْإِسْلَامِ وَمَنَعُوا الصَّدَقَاتِ وَلَهُمْ لِسَانٌ عَرَبِيٌّ وَالرِّدَّةُ ارتداده عما كانوا عليه بالكفر وارتداد بمنع حق كانوا عليه وقول عمر لأبي بكر رضي الله عنهما أليس قد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إله إلا الله فإذا قالوها فقد عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ على الله؟) وقول أبي بكر هذا من حقها لو منعوني عناقاً مما أعطوه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لقاتلتهم عليها معرفة منهما معاً أن ممن قاتلوا من تمسك بالإسلام ولولا ذلك لما شك عمر في قتالهم ولقال أبو بكر قد تركوا لا إله إلا الله فصاروا مشركين وذلك بين في مخاطبتهم جيوش أبي بكر وأشعار من قال الشعر منهم فقال شَاعِرِهِمْ: (أَلَا أَصْبِحِينَا قَبْلَ ثَائِرَةِ الْفَجْرِ ... لَعَلَّ مَنَايَانَا قَرِيبٌ وَمَا نَدْرِي)

(أَطَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ما كان بيننا ... فيا عجبا ما بالك مُلْكِ أَبِي بَكْرِ)

(فَإِنَّ الَّذِي سَأَلُوكُمُ فَمَنَعْتُمُ ... لَكَالتَّمْرِ أَوْ أَحْلَى إِلَيْهِمْ مِنَ التَّمْرِ)

(سَنَمْنَعُهُمْ مَا كَانَ فِينَا بَقِيَّةٌ ... كِرَامٌ عَلَى الْعَزَّاءِ في ساعة العسر)

وقالوا لأبي بكر رضي الله عنه بعد الإسار ما كفرنا بعد إيماننا ولكنا شححنا على أموالنا فسار إليهم أبو بكر بنفسه حتى لقي أخا بني بدر الفزاري فقاتله ومعه عمر وعامة أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ثم أمضى أبو بكر رضي الله عنه خالدا في قتال من ارتد ومنع الزكاة فقاتلهم بعوام مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (قال الشافعي) رحمه الله ففي هذا دلالة على أن من منع حقا مما فرض الله عليه فلم يقدر الإمام على أخذه بامتناعه قاتله وإن أتى القتال على نفسه وفي هذا المعنى كل حق لرجل على رجل فمنعه بجماعة وقال لا أوذي ولا أبدؤكم بقتال قوتل وكذا قال من منع الصدقة ممن نسب إلى الردة فإذا لم يختلف أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - في قتالهم بمنع الزكاة فالباغي الذي يقاتل الإمام العادل في مثل معناهم في أنه لا يعطي الإمام العادل حقا يجب عليه ويمتنع من حكمه ويزيد على مانع الصدقة أن يريد أن يحكم هو على الإمام العادل) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَصَدَ الشَّافِعِيُّ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ أَمْرَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: الرَّدُّ عَلَى طَائِفَةٍ نَسَبَتْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ إِلَى الْخَطَأِ فِي قِتَالِ أَهْلِ الْجَمَلِ وَصِفِّينَ، وَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ، وَقَالُوا: هَلَّا فَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَهُ عُثْمَانُ أَغْلَقَ بَابَهُ وَكَفَّ أَصْحَابَهُ عَنِ الْقِتَالِ، وَكَالَّذِي فَعَلَ ابْنُهُ الْحَسَنُ حِينَ رَأَى الثَّائِرَةَ قَدْ هَاجَتْ وَالدِّمَاءَ قَدْ طَاحَتْ، سَلَّمَ الْأَمْرَ تَسْلِيمَ تَقَرُّبٍ إِلَى مُعَاوِيَةَ.
فَرَدَّ الشَّافِعِيُّ عَلَيْهِمْ: بِأَنَّهُ مَا ابْتَدَعَ ذَلِكَ، وَلَا ارْتَكَبَ فِيهِ مَحْظُورًا، فَقَدْ فَعَلَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي قِتَالِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِثْلَ مَا فَعَلَهُ، وَإِنِ اخْتَلَفَ السَّبَبَانِ فِيهِ، فَإِنَّ أَهْلَ الرِّدَّةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ضَرْبَانِ: مِنْهُمْ مَنِ ارْتَدَّ عَنْ دِينِهِ وَكَفَرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ مِثْلُ مُسَيْلِمَةَ تَنَبَّأَ بِالْيَمَامَةِ فَارْتَدَّ مَعَهُ مَنْ أَطَاعَهُ مَنْ بَنِي حَنِيفَةَ، وَمِثْلُ طُلَيْحَةَ تَنَبَّأَ بِالْيَمَنِ فَارْتَدَّ مَعَهُ مَنْ أَطَاعَهُ مِنْ أَهْلِهَا.
وَمِثْلُ الْعَنْسِيِّ تَنَبَّأَ فِي قَوْمِهِ فَارْتَدَّ مَعَهُ مَنْ أَطَاعَهُ مِنْهُمْ فَجَهَّزَ الْجُيُوشَ إِلَيْهِمْ، وَكَانَ أَوَّلُ جَيْشٍ سَيَّرَهُ إِلَيْهِمْ جَيْشَ أُسَامَةَ، وَكَانَ مُبَرِّزًا بِظَاهِرِ الْمَدِينَةِ حِينَ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَسَيَّرَهُمْ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى أَبْنَى مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، فَعَادَ ظَافِرًا، ثُمَّ سَيَّرَ إِلَى مُسَيْلِمَةَ جَيْشًا وَأَمَدَّهُمْ بِالْجُيُوشِ حَتَّى قُتِلَ مِنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ مَنْ قُتِلَ، وَأَسْلَمَ مِنْهُمْ مَنْ أَسْلَمَ.
فَهَذَا ضَرَبٌ مِنْهُمُ انْطَلَقَ عَلَيْهِمُ اسْمُ الرِّدَّةِ لُغَةً وَشَرْعًا - وَالضَّرْبُ الثَّانِي مِنْهُمْ: مَنْ كَانَ مُقِيمًا عَلَى إِسْلَامِهِ وَمَنَعَ مِنَ الزَّكَاةِ بِتَأْوِيلٍ ذَهَبَ إِلَيْهِ، وَشُبْهَةٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: 103] وَكَانَ دُخُولُ الشُّبْهَةِ عَلَيْهِمْ فِيهَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ خَاطَبَ بِهِ رَسُولَهُ: فَلَمْ يَتَوَجَّهِ الْخِطَابُ إِلَى غَيْرِهِ.
وَالثَّانِي: قَوْلُهُ إِنْ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وليست صلوات ابن أبي قحافة سكن لَنَا فَاشْتَبَهَ تَأْوِيلُهُمْ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَصَحَّ فَسَادُهُ لِأَبِي بَكْرٍ فَأَذْعَنَ عَلَى قِتَالِهِمْ فَأَشَارَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ بِالْكَفِّ عَنْهُمْ مِنْهُمْ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَطَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لِأَنْ أَخِرُّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَتَخَطَّفُنِي الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِيَ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ لَأَهْوَنُ عَلَيَّ مِمَّا سمعت منكم يا أصحاب محمد، والله لافرفت بَيْنَ مَا جَمَعَ اللَّهُ يَعْنِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 43] وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا أَوْ عِقَالًا كَانُوا مِمَّا أَعْطَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهِ، أَرَأَيْتُمْ لَوْ سَأَلُوا تَرْكَ الصَّلَاةِ أَرَأَيْتُمْ لَوْ سَأَلُوا تَرْكَ الصِّيَامِ أَرَأَيْتُمْ لَوْ سَأَلُوا تَرْكَ الْحَجِّ، أَرَأَيْتُمْ لَوْ سَأَلُوا شُرْبَ الْخَمْرِ، أَرَأَيْتُمْ لَوْ سَأَلُوا الزِّنَا، فَإِذًا لَا تَبْقَى عُرْوَةٌ مِنْ عُرَى الْإِسْلَامِ إِلَّا انْحَلَّتْ.

فَقَالَ لَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: عَلَامَ نُقَاتِلُهُمْ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ) . فَوَكَزَ أَبُو بَكْرٍ فِي صَدْرِ عُمَرَ وَقَالَ: إِلَيْكَ عَنِّي شَدِيدًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ خَوَّارًا فِي الْإِسْلَامِ، وَهَلْ هَذَا إِلَّا مِنْ حَقِّهَا؟ قَالَ عُمَرُ: فَشَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ فَحِينَئِذٍ أَجْمَعُوا مَعَهُ عَلَى قِتَالِهِمْ مَعَ بَقَائِهِمْ عَلَى إِسْلَامِهِمْ، وَلَمْ يَكُنِ الْإِسْلَامُ مَانِعًا مِنْ قِتَالِهِمْ، لِأَنَّهُمْ مَنَعُوا حَقًّا عَلَيِهِمْ.
وَكَذَلِكَ حَالُ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي قِتَالِ مَنْ قَاتَلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
وَلَا يَكُونُ كَفُّ عُثْمَانَ وَتَسْلِيمُ الْحَسَنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - حُجَّةً عَلَيْهِ، لِأَنَّ لِكُلِّ وَقْتٍ حُكْمًا، وَلِكُلِّ مُجْتَهِدٍ رَأْيًا.
وَلَا يَمْنَعُ إِسْلَامُ مَانِعِي الزَّكَاةِ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ مِنْ إِطْلَاقِ اسْمِ الرِّدَّةِ عَلَيْهِمْ لُغَةً، وَإِنْ لَمْ يَنْطَلِقْ عَلَيْهِمْ شَرْعًا، لِأَنَّهُ لِسَانٌ عَرَبِيٌّ، وَالرِّدَّةُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ الرُّجُوعُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: 64] أَيْ رَجَعَا، فَانْطَلَقَ اسْمُ الرِّدَّةِ عَلَى مَنْ رَجَعَ عَنِ الزَّكَاةِ كَانْطِلَاقِهِ عَلَى مَنْ رَجَعَ عَنِ الدِّينِ.
فَهَذَا أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ فِي مُرَادِ الشَّافِعِيِّ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.

(فَصْلٌ)

وَأَمَّا الْأَمْرُ الثَّانِي مِنْ مُرَادِهِ بِهَا: فَالْكَلَامُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي مَانِعِي الزَّكَاةِ، وَهُمْ ضَرْبَانِ: ضَرْبٌ: مَنَعُوهَا فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ.
وَضَرْبٌ: مَنَعُوهَا مِنْ بَعْدُ.
فَأَمَّا مَانِعُوهَا عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ: فَهُمْ مَنْ قَدَّمْنَا ذِكْرَهُمْ بِمَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ مِنْ تَأْوِيلِ الْآيَةِ، فَلَا يكونوا مُرْتَدِّينَ وَهُمْ بَاقُونَ عَلَى إِسْلَامِهِمْ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: قَدِ ارْتَدُّوا بِامْتِنَاعِهِمْ عَنْهَا، لِاسْتِحْلَالِهِمْ مَا نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى خِلَافِهِ، كَمَا لَوِ اسْتَحَلُّوا الْآنَ مَنْعَهَا وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الصحابة عارضوا أبا بكر - رضي الله عنهم - فِي الْأَمْرِ بِقِتَالِهِمْ لِبَقَائِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَوَافَقَهُمْ أَبُو بَكْرٍ عَلَى إِسْلَامِهِمْ، وَبَيَّنَ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِقِتَالِهِمْ، وَلَوِ ارْتَدُّوا لَمَا عَارَضُوهُ، وَلَمَا احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِمَا احْتَجَّ، فَدَلَّ عَلَى إِجْمَاعِهِمْ أَنَّهُمْ بَاقُونَ عَلَى إِسْلَامِهِمْ.
وَلِأَنَّ الْقَوْمَ حِينَ تَابُوا وَقَدِمُوا عَلَى أَبِي بَكْرٍ قَالُوا: وَاللَّهِ مَا كَفَرْنَا بَعْدَ إِيمَانِنَا وَلَكِنْ شَحَحْنَا عَلَى أَمْوَالِنَا.

وَقَدْ بَانَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُمْ فِي قَوْلِ شَاعِرِهِمْ: (أَلَا أَصْبِحِينَا قَبْلَ ثَائِرَةِ الْفَجْرِ ... لَعَلَّ مَنَايَانَا قَرِيبٌ وَمَا نَدْرِي)

(أَطَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَانَ بَيْنَنَا ... فَيَا عَجَبًا مَا بَالُ مُلْكِ أَبِي بَكْرِ)

(فَإِنَّ الَّذِي سَأَلُوكُمُ فَمَنَعْتُمُ ... لَكَالتَّمْرِ أَوْ أَحْلَى إِلَيْهِمْ مِنَ التَّمْرِ)

(سَنَمْنَعُهُمْ مَا كَانَ فِينَا بَقِيَّةٌ كِرَامٌ ... عَلَى الْعَزَّاءِ فِي سَاعَةِ الْعُسْرِ)

فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَلَا أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مَا قَالُوهُ مِنْ بَقَائِهِمْ عَلَى إِيمَانِهِمْ فَدَلَّ عَلَى ثُبُوتِهِ إِجْمَاعًا.

(فَصْلٌ)

فَأَمَّا مَانِعُو الزَّكَاةِ مِنْ بَعْدُ فَضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَنْ مَنَعَهَا مُسْتَحِلًّا لِمَنْعِهَا، فَيَكُونُ بِاسْتِحْلَالِ الْمَنْعِ مُرْتَدًّا، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَانِعُ مِنْهَا فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ مُرْتَدًّا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: إِنَّ الْمَنْعَ الْأَوَّلَ كَانَ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ عَلَى إِبْطَالِ مَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ مِنْ حُكْمِ الْآيَةِ، فَكَانَ لِتَأْوِيلِ الشُّبْهَةِ مَسَاغًا، وَالْمَنْعُ الْحَادِثُ بَعْدَهُ قَدِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى إِبْطَالِ الشُّبْهَةِ، فِيهِ، فَلَمْ يَكُنْ لِلتَّأْوِيلِ مَسَاغٌ، فَافْتَرَقَا فِي حُكْمِ الرِّدَّةِ لِافْتِرَاقِهِمَا فِي حَالِ الْإِجْمَاعِ.
وَمِثَالُهُ: شَارِبُ الْخَمْرِ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ لَمَّا اسْتَحَلَّ شُرْبَهَا بِشُبْهَةٍ تَعَلَّقَ بِهَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ [المائدة: 93] لَمْ يُكَفَّرْ لِاحْتِمَالِ شُبْهَتِهِ فَلَمَّا أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى بُطْلَانِ هَذَا التَّأْوِيلِ صَارَ مُسْتَحِلُّهَا كَافِرًا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَمْنَعُوا مِنْهَا غَيْرَ مُسْتَحِلِّينَ لِمَنْعِهَا، فَيَجُوزُ قِتَالُهُمْ عَلَى أَخْذِهَا مِنْهُمْ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ قِتَالُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا مَعَ إِقْرَارِهِمْ بِوُجُوبِهَا لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لِتَعَلُّقِهَا بِأَمْوَالِهِمْ دُونَ أَبْدَانِهِمْ، فَكَانَ الْمَالُ هُوَ الْمَطْلُوبَ دُونَهُمْ.
وَالثَّانِي: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدِ ائْتَمَنَهُمْ عَلَى أَدَائِهَا فَكَانَتْ كَالْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ.
وَدَلِيلُنَا: قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ لِلصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِي مَانِعِي الزَّكَاةِ: وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا أَوْ عِقَالًا مِمَّا أَعْطَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهِ.
فَوَافَقُوهُ عَلَيْهِ بَعْدَ مُخَالَفَتِهِمْ لَهُ، فَدَلَّ عَلَى انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ بِهِ.
وَلِأَنَّهُمْ لَمَّا قُوتِلُوا لِامْتِنَاعِهِمْ مِنْ حَقِّ الْإِمَامِ فِي الطَّاعَةِ، كَانَ قِتَالُهُمْ فِي امْتِنَاعِهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِي الزَّكَاةِ أَوْلَى.
وَلِأَنَّ الْعِبَادَاتِ نَوْعَانِ: عَلَى أَبْدَانٍ، وَفِي أَمْوَالٍ،

فَلَمَّا قُوتِلُوا فِي عِبَادَاتِ الْأَبْدَانِ قُوتِلُوا فِي عبادات الأموال.
وقولهم: إِنَّ الْمَالَ هُوَ الْمَطْلُوبُ فَصَحِيحٌ لَكِنْ لَمَّا لَمْ يُوَصَلْ إِلَيْهِ إِلَّا بِقِتَالِهِمْ، صَارَ قِتَالُهُمْ موصلاً إلى أخذ الحق منم، وَمَا أَوْصَلَ إِلَى الْحَقِّ كَانَ حَقًّا.
وَأَمَّا الْأَمْوَالُ الْبَاطِنَةُ فَفِيهَا جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ لَا نَظَرَ لِلْإِمَامِ فِيهَا، فَلَمْ يُحَارِبْهُمْ عَلَيْهَا، وَخَالَفَتِ الْأَمْوَالَ الظَّاهِرَةَ.
وَالثَّانِي: إِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُقَاتَلُوا عَلَى إِخْرَاجِهَا إِلَى مُسْتَحِقِّيهَا، وَإِنْ لَمْ يُقَاتَلُوا عَلَى دَفْعِهَا إِلَى الْإِمَامِ.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ قِتَالِهِمْ عَلَى مَنْعِهَا، فَإِنْ قَدَرَ الْإِمَامُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَخَذَ زَكَاتَهَا مِنْهَا بِغَيْرِ قِتَالٍ نُظِرَ.
فَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهَا لِرَفْعِ أَيْدِيهِمْ عَنْهَا، مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الدَّفْعِ عَنْهَا لَمْ يُقَاتِلْهُمْ لِأَنَّ هَذَا تَمْكِينٌ مِنَ الزَّكَاةِ.
وَإِنْ كَانَ لِعَجْزِهِمْ عَنِ الدَّفْعِ عَنْهَا، كَانَ عَلَى قِتَالِهِمْ، حَتَّى يُظْهِرُوا الطَّاعَةَ بِأَدَائِهَا طَوْعًا.

(مَسْأَلَةٌ)

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " وَلَوْ أَنَّ نَفَرًا يَسِيرًا قَلِيلِي الْعَدَدِ وَيُعْرَفُ أَنَّ مِثْلَهُمْ لَا يَمْتَنِعُ إِذَا أُرِيدُوا فَأَظْهَرُوا آرَاءَهُمْ وَنَابَذُوا الْإِمَامَ الْعَادِلَ وَقَالُوا نَمْتَنِعُ مِنَ الْحُكْمِ فَأَصَابُوا أَمْوَالًا وَدِمَاءً وَحَدَّدُوا فِي هَذِهِ الْحَالِ مُتَأَوِّلِينَ ثُمَّ ظُهِرَ عَلَيْهِمْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِمُ الْحُدُودُ وَأُخِذَتْ مِنْهُمُ الْحُقُوقُ كَمَا تُؤْخَذُ مِنْ غَيْرِ الْمُتَأَوِّلِينَ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ - إِذَا قَلَّ أَهْلُ الْبَغْيِ وَلَمْ يَنْفَرِدُوا بِدَارٍ وَنَالَتْهُمُ الْقُدْرَةُ، وَلَمْ يَمْنَعُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ بِكَثْرَةٍ وَقُوَّةٍ لَمْ يُؤَثِّرْ مَا تَأَوَّلُوهُ فِي سُقُوطِ الْحُقُوقِ عَنْهُمْ، وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ.
فَقَدْ كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلْجِمٍ مِنْ أَسْوَأِ الْبُغَاةِ مُعْتَقَدًا وأعظمهم إجراماً، قال - وعلي - كرم الله وجهه - يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ بِالْكُوفَةِ: وَاللَّهِ لَأُرِيحَنَّهُمْ مِنْكَ، فَأَخَذَهُ النَّاسُ وَحَمَلُوهُ إِلَيْهِ، وَقَالُوا: اقْتُلْهُ قَبْلَ أَنْ يَقْتُلَكَ، فَقَالَ: كَيْفَ أَقْتُلُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْتُلَنِي وَخَلَّى سَبِيلَهُ، فَبَاتَ لَهُ فِي الْمَسْجِدِ، فخرج علي - عليه السلام - لِصَلَاةِ الْفَجْرِ مُغَلِّسًا.
وَقِيلَ: إِنَّهُ أَنْشَدَ بِالِاتِّفَاقِ قول الشاعر:

(اشْدُدْ حَيَازِيمَكَ لِلْمَوْتِ ... فَإِنَّ الْمَوْتَ آتِيكَ)

(وَلَا تَجْزَعْ مِنَ الْمَوْتِ ... إِذَا حَلَّ بِوَادِيكَ)

وَأَحْرَمَ بِرَكْعَتِي الْفَجْرِ، فَأَمْسَكَ ابْنُ مُلْجِمٍ عَنْهُ فِي الركعة الأول حَتَّى قَدَّرَ رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ، وَرَأَى سُجُودَهُ أَطْوَلَ مِنْ رُكُوعِهِ، وَكَذَا السُّنَّةُ.
فَلَمَّا قَامَ إِلَى الثَّانِيَةِ ضَرْبَهُ فِي سُجُودِهِ ضَرْبَةً فَلَقَ بِهَا هَامَتَهُ.
فَقَالَ عَلِيٌّ: فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ.
وَأُخِذَ ابْنُ مُلْجِمٍ فَحُمِلَ إِلَيْهِ، وَقِيلَ لَهُ: اقْتُلْهُ قَبْلَ أَنْ يَقْتُلَكَ.
فَقَالَ: كَيْفَ أَقْتُلُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْتُلَنِي، إِنْ عِشْتُ فَأَنَا وَلِيُّ دَمِي أَعْفُو إِنْ شِئْتُ وَإِنْ شِئْتُ اسْتَقَدْتُ، وَإِنْ مُتُّ فَقَتَلْتُمُوهُ فَلَا تُمَثِّلُوا وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى.
وَكَانَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَلَمَّا جَاءَ وَقْتُ الْإِفْطَارِ، قَالَ: أَطْعِمُوهُ وَأَحْسِنُوا إِسَارَهُ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ قُدِّمَ إِلَيْهِ الطَّعَامُ فِي دَارِهِ ابْنُ مُلْجِمٍ.
فَلَمَّا مَاتَ قَتَلَهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَوَدًا.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَفِي النَّاسِ بَقِيَّةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَمَا أَنْكَرَ قَتْلَهُ وَلَا عَابَهُ أَحَدٌ.
فَدَلَّ عَلَى فَرْقِ مَا بَيْنَ الِامْتِنَاعِ وَالْقُدْرَةِ.
وَلِأَنَّ سُقُوطَ الْقَوَدِ فِي الِامْتِنَاعِ وَالْكَثْرَةِ إِنَّمَا هُوَ لِلْحَاجَةِ إِلَى تَأَلُّفِهِمْ فِي الرُّجُوعِ إِلَى الطَّاعَةِ، وَالْمُنْفَرِدُ مَقْهُورٌ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَأَلُّفِهِ فَلِذَلِكَ وَقَعَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُمْتَنِعِ وَغَيْرِ الْمُمْتَنِعِ.

(مَسْأَلَةٌ)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِذَا كَانَتْ لِأَهْلِ الْبَغْيِ جَمَاعَةٌ تَكْبُرُ وَيَمْتَنِعُ مِثْلُهَا بِمَوْضِعِهَا الَّذِي هِيَ بِهِ بَعْضَ الِامْتِنَاعِ حَتَّى يُعْرَفَ أَنَّ مِثْلَهَا لَا يُنَالُ إِلَّا حتى تكثر نكايته واعتقدت ونصبت إماماً وأظهرت حكما وامتنعت من حكم الإمام العادل فهذه الفئة الباغية التي تفارق حكم من ذكرنا قبلها فإن فعلوا مثل هذا فينبغي أن يسألوا ما نقموا فإن ذكروا مظلمة بينة ردت وإن لم يذكروها بينة قيل عودوا لما فارقتم من طاعة الإمام العادل وأن تكون كلمتكم وكلمة أهل دين الله على المشركين واحدة وأن لا تمتنعوا من الحكم فإن فعلوا قبل منهم وإن امتنعوا قيل إنا مؤذنوكم بحرب فإن لم

يجيبوا قوتلوا ولا يقاتلوا حتى يدعوا ويناظروا إلا أن يمتنعوا من المناظرة فيقاتلوا حتى يفيئوا إلى أمر الله) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَجُمْلَةُ أَهْلِ الْبَغْيِ أَنَّهُمْ ضَرْبَانِ: ضَرْبٌ خَرَجُوا عَنِ الْقُدْرَةِ بِالِامْتِنَاعِ وَالْكَثْرَةِ، وَلَا يُوصَلُ إِلَيْهِمْ إِلَّا بِالْجُيُوشِ وَالْمُقَاتِلَةِ.
فَهُمْ مَنْ قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ فِي إِبَاحَةِ قِتَالِهِمْ، وَأَنَّ أَهْلَ الْعَدْلِ لَا يَضْمَنُونَ مَا اسْتَهْلَكُوهُ عَلَيْهِمْ فِي ثَائِرَةِ الْحَرْبِ مِنْ دِمَاءٍ وَأَمْوَالٍ، وَفِي تَضْمِينِ أَهْلِ الْبَغْيِ مَا اسْتَهْلَكُوهُ عَنْ أَهْلِ الْعَدْلِ فِي ثَائِرَةِ الْحَرْبِ مِنْ دِمَاءٍ وَأَمْوَالٍ قَوْلَانِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَنْ كَانَ تَحْتَ الْقُدْرَةِ، وَهُمْ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَخْتَلِطُوا بِأَهْلِ الْعَدْلِ كَابْنِ مُلْجِمٍ وَأَشْيَاعِهِ، فَأَحْكَامُنَا عَلَيْهِمْ جَارِيَةٌ فِي الْحُقُوقِ وَالْحُدُودِ، وَهُمْ مُؤَاخَذُونَ بِضَمَانِ مَا اسْتَهْلَكُوهُ مِنْ دِمَاءٍ وَأَمْوَالٍ، سَوَاءٌ اسْتَهْلَكُوهَا عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ، أَوِ اسْتَهْلَكُوهَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَيُؤْخَذُ أَهْلُ الْعَدْلِ بِضَمَانِ مَا اسْتَهْلَكُوهُ عَلَيْهِمْ مِنْ دِمَاءٍ وَأَمْوَالٍ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَنْفَرِدُوا بِدَارٍ لِكَثْرَتِهِمْ وقوتهم غير أنهم لم يتظاهروا بخلع الطَّاعَةِ، وَلَا امْتَنَعُوا مِنْ أَدَاءِ الْحُقُوقِ، فَهَؤُلَاءِ يَجِبُ الْكَفُّ عَنْهُمْ، وَلَا يَجُوزُ قِتَالُهُمْ مَا أَقَامُوا عَلَى حَالِهِمْ، وَإِنْ خَالَفُوا أَهْلَ الْعَدْلِ فِي مُعْتَقَدِهِمْ.
فَقَدِ اعْتَزَلَ أَهْلُ النَّهْرَوَانِ عَلِيًّا وَخَالَفُوهُ فِي رَأْيِهِ، فَوَلَّى عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ عَامِلًا، فَأَطَاعُوهُ، فَكَفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ قَتَلُوهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ عَلِيٌّ أَنْ سَلِّمُوا إِلَيَّ قَاتِلَهُ أُقِيدُ مِنْهُ، قَالُوا: كُلُّنَا قَتَلَهُ.
فَسَارَ إِلَيْهِمْ حَتَّى قَتَلَهُمْ مَعَ كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ.
فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا فَعَلُوهُ قَبْلَ التَّظَاهُرِ بِخَلْعِ الطَّاعَةِ هُمْ بِهِ مُؤَاخَذُونَ وَلَهُ ضَامِنُونَ.
كَذَلِكَ مَنْ كَانَ مِثْلَهُمْ، وَيَصِيرُ مُخَالِفًا لِحُكْمِ مَنْ تَظَاهَرَ بِخَلْعِ الطَّاعَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِي قِتَالِهِمْ إِذَا تَظَاهَرُوا بِخَلْعِ الطَّاعَةِ، وَالْكَفِّ عَنْهُمْ إِذَا لَمْ يَتَظَاهَرُوا.
وَالثَّانِي: فِي سُقُوطِ الضَّمَانِ عَنْهُمْ إِذَا تَظَاهَرُوا فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ، وَوُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَيْهِمْ قَوْلًا وَاحِدًا إِذَا لم يتظاهروا والله أعلم.

(مسألة)

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَالْفَيْئَةُ الرُّجُوعُ عَنِ الْقِتَالِ بِالْهَزِيمَةِ أَوِ التَّرْكِ لِلْقِتَالِ أَيْ حَالَ تركوا فيها القتال فقد فاءوا وحرم قتالهم لأنه أمر أن يقاتل وإنما يقاتل من يقاتل فإذا لم يقاتل حرم بالإسلام أن يقاتل فأما من لم يقاتل فإنما يقال اقتلوه لا

قاتلوه نادى منادي علي رضي الله عنه يوم الجمل أَلَا لَا يُتْبَعُ مُدْبِرٌ وَلَا يُذَفَّفُ عَلَى جريح وأتى علي رضي الله عنه يوم صفين بأسير فقال له علي لا أقتلك صبراً إني أخاف الله رب العالمين فخلى سبيله والحرب يوم صفين قَائِمَةٌ وَمُعَاوِيَةُ يُقَاتِلُ جَادًّا فِي أَيَّامِهِ كُلِّهَا منتصفاً أو مستعلياً فبهذا كله أقول وأما إذا لم تكن جماعة ممتنعة فحكمه القصاص قتل ابن ملجم عليا متأولاً فأمر بحبسه وقال لولده إن قتلتم فلا تمثلوا ورأى عليه القتل وقتله الحسن بن علي رضي الله عنه وفي الناس بقية من أصحاب النبي فما أنكر قتله ولا عابه أحد ولم يقد علي وقد ولي قتال المتأولين ولا أبو بكر من قتله الجماعة الممتنع مثلها على التأويل على ما وصفنا ولا على الكفر وإن كان بارتداد إذا تابوا قد قتل طليحة عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم ثم أسلم فلم يضمن عقلاً ولا قوداً فأما جماعة ممتنعة غير متأولين قتلت وأخذت المال فحكمهم حكم قطاع الطريق (قَالَ الْمُزَنِيُّ) رَحِمَهُ اللَّهُ هَذَا خِلَافُ قَوْلِهِ في قتال أهل الردة لأنه ألزمهم هناك ما وضع ههنا عنهم وهذا أشبه عندي بالقياس) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَصْلُ هَذَا: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: 9] . فَكَانَ قَوْلُهُ: ﴿فَقَاتِلُوا﴾ يَتَضَمَّنُ الْأَمْرَ بِقِتَالِهِمْ لَا بِقَتْلِهِمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أمر الله﴾ هُوَ الْغَايَةُ فِي إِبَاحَةِ قِتَالِهِمْ.
وَالْفَيْئَةُ فِي كَلَامِهِمْ: الرُّجُوعُ، وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ تَتَّفِقُ أَحْكَامُهَا وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَنْوَاعُهَا: أَحَدُهَا: أَنْ يَرْجِعُوا إِلَى طَاعَةِ الْإِمَامِ وَالِانْقِيَادِ لِأَمْرِهِ، فَهُوَ غَايَةُ مَا أُرِيدَ مِنْهُمْ، وَقَدْ خَرَجُوا بِهِ مِنَ الْبَغْيِ اسْمًا وَحُكْمًا، وَصَارُوا دَاخِلِينَ فِي أَحْكَامِ أَهْلِ الْعَدْلِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يُلْقُوا سِلَاحَهُمْ مستسملين فَالْوَاجِبُ الْكَفُّ عَنْهُمْ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِقِتَالِهِمْ لَا بِقَتْلِهِمْ، وَخَالَفُوا أَهْلَ الْحَرْبِ إِذَا أَلْقَوْا سِلَاحَهُمْ فِي جَوَازِ قَتْلِهِمْ، لِأَنَّ الْأَمْرَ فِي أَهْلِ الْحَرْبِ مُتَوَجِّهٌ إِلَى قَتْلِهِمْ، وَفِي أَهْلِ الْبَغْيِ إِلَى قِتَالِهِمْ.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يُوَلُّوا مُنْهَزِمِينَ فَيَجِبُ الْكَفُّ عَنْهُمْ، وَلَا يُتْبَعُوا بَعْدَ هَزِيمَتِهِمْ.
فَقَدْ نَادَى مُنَادِي عَلِيٍّ يَوْمَ الجمل: أَلَا لَا يُتْبَعُ مُدْبِرٌ وَلَا يُذَفَّفُ عَلَى جَرِيحٍ وَرَوَى جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - قَالَ: دَخَلَ عَلَيَّ

مَرْوَانُ فَقَالَ لِي: مَا رَأَيْتُ أَكْرَمَ غَلَبَةً مِنْ أَبِيكَ، مَا كَانَ إِلَّا أَنْ وَلَّيْنَا يَوْمَ الْجَمَلِ حَتَّى نَادَى مُنَادِيهِ: أَلَا لا يتبع مدبر ولا يذفف على جريح.
وَلَمَّا وَلَّى الزُّبَيْرُ عَنِ الْقِتَالِ وَخَرَجَ عَنِ الصَّفِّ، قَالَ عَلِيٌّ: أَفْرِجُوا لِلشَّيْخِ فَإِنَّهُ مُحْرِمٌ، فَمَضَى وَأَتْبَعَهُ عَمْرُو بْنُ جُرْمُوزٍ.
حَتَّى ظَفِرَ بِاغْتِيَالِهِ فَقَتَلَهُ بِوَادِي السِّبَاعِ وَأَتَى عَلِيًّا بِرَأْسِهِ، فَقَالَ عَلِيٌّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُولُ: بَشِّرْ قَاتِلَ ابْنِ صَفِيَّةَ بِالنَّارِ.
فَقَالَ عَمْرٌو: أُفٍّ لَكُمْ إِنْ كُنَّا مَعَكُمْ أَوْ عَلَيْكُمْ فِي النَّارِ، فَقَامَ وَهُوَ يَقُولُ: (أَتَيْتُ عَلِيًّا بِرَأْسِ الزُّبَيْرِ ... وَكُنْتُ أَظُنُّ بِهَا زُلْفَتِي)

(فَبَشَّرَ بِالنَّارِ قَبْلَ الْوَعِيدِ ... وَبِئْسَ بِشَارَةُ ذِي التُّحْفَةِ)

وَوَلَّى طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ حَتَّى رَمَاهُ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ بِسَهْمٍ فِي أَكْحَلِهِ فَقَتَلَهُ، وَكَانَ فِي عَسْكَرِ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ، فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلِ سَارَ عَلِيٌّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَمَعَهُ قَنْبَرٌ مَوْلَاهُ بِمِشْعَلَةٍ يَتَصَفَّحُ الْقَتْلَى، فَمَرَّ بِطَلْحَةَ قَتِيلًا، فَوَقَفَ عَلَيْهِ وَبَكَى وَقَالَ: أَعْزِزْ عَلَيَّ أَبَا مُحَمَّدٍ أَنْ أَرَاكَ مُجَدَّلًا تَحْتَ نجوم السماء، لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، شَفَيْتُ غَيْظِي وَقَتَلْتُ مَعْشَرِي إِلَى اللَّهِ أَشْكُو عُجَرِي وَبُجَرِي، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: فَتًى كَانَ يُعْطِي السَّيْفَ فِي الرَّوْعِ حَقَّهُ إِذَا ثَوَّبَ الدَّاعِي وَيَشْقَى بِهِ الْجَوْرُ (فَتًى كَانَ يُدْنِيهِ الْغِنَى مِنْ صَدِيقِهِ ... إِذَا مَا هُوَ اسْتَغْنَى وَيُبْعِدُهُ الْفَقْرُ)

(فَصْلٌ)

فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّهُمْ لَا يُتْبَعُونَ بَعْدَ انْهِزَامِهِمْ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُنْهَزِمِ إِلَى غَيْرِ دَارٍ يَرْجِعُ إِلَيْهَا، وَإِلَى غَيْرِ إِمَامٍ يَعُودُ إِلَى طَاعَتِهِ، وَبَيْنَ الْمُنْهَزِمِ إِلَى دَارٍ وَإِمَامٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُتْبَعُ الْمُنْهَزِمُ إِلَى غَيْرِ دَارٍ وَإِمَامٍ، وَيُتْبَعُ الْمُنْهَزِمُ إِلَى دَارٍ وَإِمَامٍ وَيُقْتَلُ إِنْ ظُفِرَ بِهِ.
احْتِجَاجًا: بِأَنَّ عَلِيًّا لَمْ يَتَّبِعْ مَنِ انْهَزَمَ مِنْ أَهْلِ الْجَمَلِ، لِأَنَّهُمُ انْهَزَمُوا إِلَى غَيْرِ دَارٍ وَإِمَامٍ، وَاتَّبَعَ مَنِ انْهَزَمَ يَوْمَ صِفِّينَ لِأَنَّهُمْ رَجَعُوا إِلَى دَارٍ وَإِمَامٍ.
حَتَّى رُوِيَ أَنَّهُ اتَّبَعَ مُدْبِرًا ليقتله فكشف عن سؤته فَكَفَّ عَلِيٌّ طَرْفَهُ وَرَجَعَ عَنْهُ.
قَالَ: وَلِأَنَّ الِانْهِزَامَ مَعَ بَقَاءِ الدَّارِ وَالْإِمَامِ لَا يَكُونُ رُجُوعًا عَنِ الْبَغْيِ، وَلَا مَانِعًا مِنَ الْعَوْدِ.
وَدَلِيلُنَا: مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - أَنَّهُ أُتِيَ بِأَسِيرٍ يَوْمَ صِفِّينَ، فَقَالَ لَهُ الْأَسِيرُ: أَتَقْتُلُنِي صَبْرًا.
فَقَالَ: لَا إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَخَلَّى سَبِيلَهُ.

قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَالْحَرْبُ يَوْمَئِذٍ قَائِمَةٌ، وَمُعَاوِيَةُ يُقَاتِلُ جَادًّا فِي أَيَّامِهِ كُلِّهَا مُسْتَعْلِيًا أَوْ مُنْتَصِفًا.
يَعْنِي: مُسْتَعْلِيًا بِكَثْرَةِ جَيْشِهِ، أَوْ مُنْتَصِفًا بِمُسَاوَاةِ الْجَيْشِ.
وَأُتِيَ مُعَاوِيَةُ بِأَسِيرٍ يَوْمَ صِفِّينَ فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ، فَقَالَ الْأَسِيرُ: وَاللَّهِ مَا تَقْتُلُنِي لِلَّهِ وَلَا فِيهِ وَلَكِنْ لِحُطَامِ هَذِهِ الدُّنْيَا، فَإِنْ عَفَوْتَ فَصَنَعَ اللَّهُ بِكَ مَا هُوَ أَهْلُهُ، وَإِنْ قَتَلْتَ فَصَنَعَ اللَّهُ بِكَ مَا أَنْتَ أَهْلُهُ فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: لَقَدْ سَبَبْتَ فَأَحْسَنْتَ وخلى سبيل.
وَلِأَنَّ الْإِمَامَ مَأْمُورٌ بِالْقِتَالِ لَا بِالْقَتْلِ، وَالْمُوَلِّي غَيْرُ مُقَاتِلٍ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقْتَلَ.
وَلِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْقِتَالِ الْكَفُّ وَالْمُوَلِّي كَافٌّ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُتْبَعَ.
فَأَمَّا احْتِجَاجُهُ بِنِدَائِهِ يَوْمَ الْجَمَلِ دُونَ صِفِّينَ فَعَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ أَمَرَ بِالنِّدَاءِ فِي الْيَوْمَيْنِ مَعًا أَنْ لَا يُتْبَعَ مُدْبِرٌ وَلَا يُذَفَّفَ عَلَى جَرِيحٍ.
وَالثَّانِي: إِنّهُ وَإِنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْيَوْمَيْنِ فِي النِّدَاءِ فَلِأَنَّ الْحَرْبَ انْجَلَتْ يَوْمَ الْجَمَلِ فَتَفَرَّغَ لِلنِّدَاءِ، وَكَانَتْ يَوْمَ صِفِّينَ بَاقِيَةً فَتَشَاغَلَ بِتَدْبِيرِ الْحَرْبِ عَنِ النِّدَاءِ.
وَأَمَّا طَلَبُهُ لِلْأَسِيرِ، فَقَدْ كَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اخْتِلَاطِ الصُّفُوفِ وَبَقَاءِ الْقِتَالِ.
وَاحْتِجَاجُهُمْ بِجَوَازِ عَوْدِهِ فَلَا مَعْنًى لِتَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِعِلَّةٍ لَمْ تَكُنْ، وَيَجُوزُ أَنْ لَا تَكُونَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(مسألة)

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: " وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا أَظْهَرُوا رَأْيَ الْخَوَارِجِ وَتَجَنَّبُوا الْجَمَاعَاتِ وَأَكْفَرُوهُمْ لم يحل بذلك قتالهم بلغنا أن علياً رضي الله عنه سمع رجلاً يقول لا حكم إلا لله في ناحية المسجد فقال علي رضي الله عنه كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ لَكُمْ عَلَيْنَا ثَلَاثٌ لَا نَمْنَعُكُمْ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ تَذْكُرُوا فِيهَا اسْمَ اللَّهِ وَلَا نَمْنَعُكُمُ الْفَيْءَ مَا دامت أيديكم مع أيدينا ولا نبدؤكم بقتال) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْخَوَارِجُ، فَهُمُ الْخَارِجُونَ عَنِ الْجَمَاعَةِ بِمَذْهَبٍ ابْتَدَعُوهُ وَرَأْيٍ اعْتَقَدُوهُ، يَرَوْنَ أَنَّ مَنِ ارْتَكَبَ إِحْدَى الْكَبَائِرِ كَفَرَ وَحَبِطَ عَمَلُهُ، وَاسْتَحَقَّ الْخُلُودَ فِي النَّارِ، وَأَنَّ دَارَ الْإِسْلَامِ صَارَتْ بِظُهُورِ الْكَبَائِرِ فِيهَا دَارَ كُفْرٍ وَإِبَاحَةٍ، وَأَنَّ مَنْ تَوَلَّاهُمْ وَجَرَى عَلَى حُكْمِهِمْ فَكَذَلِكَ.
فَاعْتَزَلُوا الْجَمَاعَةَ وَأَكْفَرُوهُمْ، وَامْتَنَعُوا مِنَ الصَّلَاةِ خَلْفَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَسُمُّوا شُرَاةً، وَاخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَتِهِمْ على وجهين:

أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ تَسْمِيَةُ ذَمٍّ، سَمَّاهُمْ بِهِ أَهْلُ الْعَدْلِ، لِأَنَّهُمْ شَرَوْا عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَحَارَبُوا جَمَاعَتَهُمْ.
وَالثَّانِي: إِنَّهُ تَسْمِيَةُ حَمْدٍ، سَمَّوْا بِهَا أَنْفُسَهُمْ لِأَنَّهُمْ شَرَوُا الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ أَيْ بَاعُوهَا.
فَإِذَا اعْتَقَدَ قَوْمٌ رَأْيَ الْخَوَارِجِ وَظَهَرَ مُعْتَقَدُهُمْ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ وَهُمْ بَيْنَ أَهْلِ الْعَدْلِ غَيْرُ مُنَابِذِينَ لَهُمْ وَلَا مُتَجَرِّئِينَ عَلَيْهِمْ تُرِكُوا عَلَى حَالِهِمْ وَلَمْ يَجُزْ قَتْلُهُمْ وَلَا قِتَالُهُمْ، وَلَمْ يُؤْخَذُوا جَبْرًا بِالِانْتِقَالِ عَنْ مَذْهَبِهِمْ وَالرُّجُوعِ عَنْ تَأْوِيلِهِمْ وَعُدِلَ إِلَى مُنَاظَرَتِهِمْ وَإِبْطَالِ شُبْهَتِهِمْ بِالْحُجَجِ وَالْبَرَاهِينِ وَإِنْ كَانُوا عَلَيْهَا مُقِرِّينَ.
فَقَدْ أَقَرَّهُمْ عَلِيُّ بن أبي طالب - عليه السلام - قَبْلَ أَنْ يَعْتَزِلُوهُ وَسُمِعَ قَائِلُهُمْ يَقُولُ: لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ - تَعْرِيضًا بِهِ فِي تَحْكِيمِهِ يَوْمَ صِفِّينَ.
فَقَالَ عَلِيٌّ: كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بها باطل - وهذا أحسن جواباً لِمَنْ عَرَّضَ بِمِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ - ثُمَّ قَالَ: لَكُمْ عَلَيْنَا ثَلَاثٌ: لَا نَمْنَعُكُمْ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ تَذْكُرُوا فِيهَا اسْمَ اللَّهِ، وَلَا نَمْنَعُكُمُ الفيء ما دامت أيديكم معنا، ولا نبدأكم بِقِتَالٍ.
فَجَعَلَ هَذِهِ الْأَحْكَامَ فِيهِمْ كَهِيَ فِي أهل العدل، واقتضى فِي ذَلِكَ سِيرَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الْمُنَافِقِينَ فِي كَفِّهِ عَنْهُمْ مَعَ عِلْمِهِ بِمُعْتَقَدِهِمْ لِتَظَاهُرِهِمْ بِطَاعَتِهِ مَعَ اسْتِبْطَانِ مَعْصِيَتِهِ.
فَإِنْ صرح الخوارج الإمام بسب أَهْلِ الْعَدْلِ: عُزِّرُوا لِلْأَذَى وَذَبًّا عَنْ مَنْصِبِ الْإِمَامَةِ.
وَإِنْ عَرَّضُوا بِهِ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ فَفِي تَعْزِيرِهِمْ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يُعَزَّرُونَ، لِأَنَّ عَلِيًّا لَمْ يُعَزِّرْ مَنْ عَرَّضَ، لِفَرْقِ مَا بَيْنَ التَّعْرِيضِ وَالتَّصْرِيحِ.
وَالثَّانِي: إِنّهُمْ يُعَزَّرُونَ، لِأَنَّ الْإِقْرَارَ عَلَى التَّعْرِيضِ مُفْضٍ إِلَى التَّصْرِيحِ، فَكَانَ التَّعْزِيرُ حَاسِمًا لِمَا بَعْدَهُ مِنَ التَّصْرِيحِ.

(مَسْأَلَةٌ)

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَوْ قَتَلُوا وَالِيَهُمْ أَوْ غَيْرَهُ قَبْلَ أَنْ يُنَصِّبُوا إِمَامًا أَوْ يُظْهِرُوا حُكْمًا مُخَالِفًا لِحُكْمِ الْإِمَامِ كَانَ عَلَيْهِمْ في ذلك القصاص قد سلموا وأطاعوا والياً عليهم من قبل علي ثم قتلوه فأرسل إليهم علي رضي الله عنه أن ادفعوا إلينا قاتله نقتله به قالوا كلنا قتله قال فاستسلموا نحكم عليكم قالوا لا فسار إليهم فقاتلهم فأصاب أكثرهم) .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا اجْتَمَعَ الْخَوَارِجُ فِي مَوْضِعٍ تَمَيَّزُوا بِهِ عَنْ أَهْلِ الْعَدْلِ، وَلَمْ يَخْرُجُوا عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ، وَقَصَدُوا بِالِاعْتِزَالِ أَنْ يَنْفَرِدُوا عَنْ مُخَالِفِهِمْ وَيَتَسَاعَدُوا عَلَى مُعْتَقَدِهِمْ، كَانَتْ دَارُهُمْ مِنْ جُمْلَةِ دَارِ أَهْلِ الْعَدْلِ تُقَامُ عَلَيْهِمُ الْحُدُودُ وَتُسْتَوْفَى مِنْهُمُ الْحُقُوقُ ولا يبدأوا بحرب ولا قتال ما لم يبدأوا بِالْمُنَابَذَةِ وَالْقِتَالِ.
فَإِنْ قَتَلُوا عَامِلَهُمُ الْوَالِيَ عَلَيْهِمْ مِنْ قِبَلِ الْإِمَامِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَعْوَانِ الْإِمَامِ، ثُمَّ أَظْهَرُوا خَلْعَ الْإِمَامِ وَنَابَذُوهُ أَجْرَى الْإِمَامُ عَلَيْهِمُ الْقِصَاصُ وَلَمْ يَسْقُطْ عَنْهُمْ بِمَا أَظْهَرُوا بَعْدَ الْقَتْلِ مِنَ الْخَلْعِ وَالْمُنَابَذَةِ، وَكَذَلِكَ مَا اسْتَهْلَكُوهُ مِنَ الْأَمْوَالِ كَانُوا مَأْخُوذِينِ بِضَمَانِهِ.
فقد ولى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى النَّهْرَوَانِ عَامِلَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ وَقَدِ اعْتَزَلُوهُ فَكَانَ نَاظِرًا فِيهِمْ كَنَظَرِهِ فِي أَهْلِ الْعَدْلِ، إِلَى أَنْ وَثَبُوا عَلَيْهِ وَقَالُوا: مَا تَقَوُلُ فِي الشَّيْخَيْنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ؟ فَقَالَ: مَا أَقُولُ فِي خَلِيفَتَيْ رَسُولِ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَإِمَامَيِ الْمُسْلِمِينَ.
قَالُوا: مَا تَقُولُ فِي عُثْمَانَ؟ فَقَالَ: فِي السِّتِّ الْأَوَائِلِ خَيْرًا.
وَأَمْسَكَ عَنِ السِّتِّ الْأَوَاخِرِ.
فَقَالُوا: مَا تَقُولُ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.
فَقَالَ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَسَيِّدُ الْمُتَّقِينَ.
فَعَمَدُوا إِلَيْهِ فَذَبَحُوهُ، فَرَاسَلَهُمْ عَلِيٌّ أَنْ سَلِّمُوا إِلَيَّ قَاتِلَهُ أَحْكُمْ فِيهِ بِحُكْمِ اللَّهِ.
قَالُوا: كُلُّنَا قَتَلَهُ.
قَالَ: فَاسْتَسْلِمُوا لِحُكْمِ اللَّهِ، وَسَارَ إِلَيْهِمْ، فَقَتَلَ أَكْثَرَهُمْ فَدَلَّ هَذَا مِنْ فِعْلِهِ عَلَى أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: جَوَازُ إِقْرَارِهِمْ وَإِنِ اعْتَزَلُوا مَا كَانُوا مُتَظَاهِرِينَ بِالطَّاعَةِ.
وَالثَّانِي: وُجُوبُ الْقِصَاصِ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهُ لَا يَسْقُطُ عَنْهُمْ بِخَلْعِ الطَّاعَةِ.
فَأَمَّا مَنْ قَتَلُوهُ بَعْدَ خَلْعِ الطَّاعَةِ وَإِظْهَارِ الْمُنَابَذَةِ فَفِي ضَمَانِهِ عَلَيْهِمْ قَوْلَانِ كَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا ثَبَتَ وُجُوبُ الْقِصَاصِ عَلَيْهِمْ، اخْتُصَّ بِالْقَاتِلِ مِنْهُمْ، فَإِنْ سَلَّمُوهُ لَمْ يُقْتَلْ غَيْرُهُ مِنْ مُعِينٍ وَلَا مُشِيرٍ، وَفِي انْحِتَامِ الْقِصَاصِ وَجْهَانِ:

أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ مُنْحَتِمٌ كَالْقَتْلِ فِي الْحِرَابَةِ لَا يَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْهُ، لِأَنَّهُمْ فِي إِشْهَارِ السِّلَاحِ كَالْمُحَارِبِينَ مِنْ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ.
فَعَلَى هَذَا: يَجُوزُ أَنْ يَنْفَرِدَ الْإِمَامُ بِقَتْلِهِ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ وَلِيِّهِ وَطَلَبِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنّهُ غَيْرُ مَنَحْتِمٍ، يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْقِصَاصِ فِي غَيْرِهِمْ كَجَرَيَانِ حُكْمِ أَهْلِ الْعَدْلِ فِي ذَلِكَ عَلَيْهِمْ.
فَعَلَى هَذَا: لَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِقَتْلِهِ حَتَّى يَحْضُرَ وَلِيُّهُ مُطَالِبًا، فَيَكُونُ مُخَيَّرًا بَيْنَ الْقِصَاصِ أَوِ الدِّيَةِ أَوِ الْعَفْوِ عَنْهُمَا.
فَإِنْ لم يسلموا القاتل، جاز قتال جمعيهم وَحَلَّ قَتْلُهُمْ، وَلَمْ يَخْتَصَّ بِهِ الْقَاتِلُ مِنْهُمْ.
فَإِنِ انْجَلَتِ الْحَرْبُ عَنْ بَقِيَّةٍ مِنْهُمْ كَفَّ عَنْ قَتْلِهِمْ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَاتِلُ فِيهِمْ، فَيُقْتَلُ قَوَدًا عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ في انحتامه.

(مسألة)

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَإِذَا قَاتَلَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُمْ أَوْ عَبْدٌ أَوْ غُلَامٌ مُرَاهِقٌ قُوتِلُوا مقبلين وتركوا مولين لأنهم منهم) . وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا قَاتَلَ مَعَ أَهْلِ الْبَغْيِ نِسَاؤُهُمْ وَصِبْيَانُهُمْ وَعَبِيدُهُمْ كَانُوا فِي حُكْمِهِمْ يُقَاتَلُونَ مُقْبِلِينَ وَيُكَفُّ عَنْهُمْ مُدْبِرِينَ، وَإِنْ لَمْ يكونوا من أهل البيعة والجهاد، لأنم قَدْ صَارُوا فِي وُجُوبِ كَفِّهِمْ عَنِ الْقِتَالِ كَالرِّجَالِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْعَةِ وَالْجِهَادِ.
وَلِأَنَّ الْإِمَامَ فِي دَفْعِهِمْ عَنِ الْمُسْلِمِينَ جَارٍ مَجْرَى الدَّافِعِ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَهُ دَفْعُ الطَّالِبِ وَلَوْ بِالْقَتْلِ، وَلَوْ كَانَتِ امْرَأَةً أَوْ صَبِيًّا، كَذَلِكَ الْمُقَاتِلُ مِنَ الْبُغَاةِ يُدْفَعُ وَلَوْ بِالْقَتْلِ وَلَوْ كَانَ امْرَأَةً أَوْ صَبِيًّا.
وَلَا يُضْمَنُونَ وَإِنْ أَتَى الْقِتَالُ عَلَى نُفُوسِهِمْ، كَمَا لَا يُضْمَنُ الرَّجُلُ الْبَالِغُ، وَلَا تُضْمَنُ الْبَهِيمَةُ إِذَا صَالَتْ.
(مَسْأَلَةٌ) قال الشافعي رضي الله عنه: " وَيَخْتَلِفُونَ فِي الْإِسَارِ وَلَوْ أُسِرَ بَالِغٌ مِنَ الرِّجَالِ الْأَحْرَارِ فَحُبِسَ لِيُبَايِعَ رَجَوْتُ أَنْ يَسَعَ وَلَا يَسَعُ أَنْ يُحْبَسَ مَمْلُوكٌ وَلَا غَيْرُ بَالِغٍ مِنَ الْأَحْرَارِ وَلَا امْرَأَةٌ لِتُبَايِعَ وَإِنَّمَا يُبَايِعُ النِّسَاءُ عَلَى الْإِسْلَامِ فَأَمَّا عَلَى الطَّاعَةِ فَهُنَّ لَا جِهَادَ عَلَيْهِنَّ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: - وَهَذَا صَحِيحٌ - إِذَا أُسِرَ أَهْلُ الْبَغْيِ وَالْحَرْبُ قَائِمَةٌ لَمْ يَجُزْ قَتْلُ أَسْرَاهُمْ.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ أَنْ يُقْتَلُوا كَأَهْلِ الْحَرْبِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ: مَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " يَا ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ مَا حُكْمُ مَنْ بَغَى مِنْ أُمَّتِي؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: لَا يُتْبَعُ مُدْبِرُهُمْ وَلَا يُجْهَزْ عَلَى جَرِيحِهِمْ وَلَا يُقْتَلُ أَسِيرُهُمْ وَلَا يُقْسَمُ فَيْئُهُمْ - وَهَذَا إِنْ ثَبَتَ نَصٌّ.
وَلِأَنَّ سِيرَةَ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِيهِمْ كَانَتْ هَكَذَا، وَعَلَيْهَا عَمِلَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَهُ.
وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِقِتَالِهِمْ كَفُّهُمْ عَنِ الْقِتَالِ وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ قَتْلَهُمْ.
وَلِأَنَّهُمْ فِي دَفْعِهِمْ عَنِ الْبَغْيِ فِي حُكْمِ الطَّالِبِ نَفْسَ الْمَطْلُوبِ الَّذِي لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ بَعْدَ كَفِّهِ، كَذَلِكَ الْبُغَاةُ، وَهُمْ بِخِلَافِ أَهْلِ الْحَرْبِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ قَتْلُهُمْ بِقِتَالِهِمْ فَافْتَرَقُوا.
فَعَلَى هَذَا: لَوْ قُتِلَ أَسِيرٌ مِنْهُمْ ضَمِنَهُ الْقَاتِلُ بِالدِّيَةِ، وَفِي ضَمَانِهِ بِالْقَوَدِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُقَادُ مِنْهُ، لِأَنَّهُ قَتْلٌ مَحْظُورُ النَّفْسِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُقَادُ مِنْهُ، لِأَنَّهَا شُبْهَةٌ تُدْرَأُ بِالْحُدُودِ.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا ثَبَتَ أَنْ قَتْلَهُمْ بَعْدَ الْإِسَارِ مَحْظُورٌ، فَهُمْ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ أَحْرَارًا بَالِغِينَ، فَيُدْعَوْا إِلَى الْبَيْعَةِ عَلَى الطَّاعَةِ، فَإِنْ أَجَابُوا إِلَيْهَا وَبَايَعُوا الْإِمَامَ عَلَيْهَا أُطْلِقُوا وَلَمْ يَجُزْ حَبْسُهُمْ، وَلَمْ يَلْزَمْ أَخْذُ رَهَائِنِهِمْ وَلَا إِقَامَةُ كُفَلَائِهِمْ، وَوُكِلُوا إِلَى مَا تَظَاهَرُوا بِهِ مِنَ الطَّاعَةِ، وَلَمْ يَسْتَكْشِفُوا عَنْ ضَمَائِرِهِمْ.
وَإِنِ امْتَنَعُوا مِنْ بَيْعَةِ الْإِمَامِ عَلَى طَاعَتِهِ حُبِسُوا إِلَى انْجِلَاءِ الْحَرْبِ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي عِلَّةِ حَبْسِهِمْ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّ الْعِلَّةَ فِي حَبْسِهِمُ امْتِنَاعُهُمْ مِنْ وُجُوبِ الْبَيْعَةِ عَلَيْهِمْ، وَمَنِ امْتَنَعَ مِنْ وَاجِبٍ عَلَيْهِ حُبِسَ بِهِ كَالدُّيُونِ - وَهَذَا قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ.
فَعَلَى هَذَا: يَكُونُ حَبْسُهُمْ وَاجِبًا عَلَى الْإِمَامِ، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ، لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ: يُحْبَسُونَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّ الْعِلَّةَ فِي حَبْسِهِمْ أَنْ تَضْعُفَ مُقَاتَلَةُ الْبُغَاةِ بِهِمْ وَهَذَا أَصَحُّ التَّعْلِيلَيْنِ.

لِأَنَّهُمْ لَوْ حُبِسُوا لِوُجُوبِ الْبَيْعَةِ لَمَا جَازَ إِطْلَاقُهُمْ بَعْدَ انْجِلَاءِ الْحَرْبِ إِلَّا بِهَا.
فَعَلَى هَذَا: يَكُونُ حَبْسُهُمْ مَوْكُولًا إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ وَاجْتِهَادِهِ، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ، لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ: رَجَوْتُ أَنْ يَسَعَ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْأَسْرَى مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْجِهَادِ كَالنِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ وَالصِّبْيَانِ، فَلَا يَجُوزُ حَبْسُهُمْ عَلَى الْبَيْعَةِ، لِأَنَّهُ لَا بَيْعَةَ عَلَى النِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ إِلَّا فِي الْإِسْلَامِ دُونَ الْجِهَادِ لِوُجُوبِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِمْ وَسُقُوطِ الْجِهَادِ عَنْهُمْ، وَالصِّبْيَانُ لَا بَيْعَةَ عَلَيْهِمْ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا فِي الْجِهَادِ - وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: وَيَخْتَلِفُونَ فِي الْإِسَارِ.
فَإِذَا لَمْ يَجُزْ حَبْسُهُمْ عَلَى الْبَيْعَةِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي جَوَازِ حَبْسِهِمْ لِإِضْعَافِ الْبُغَاةِ عَلَى وَجْهَيْنِ، بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ الْعِلَّتَيْنِ فِي حَبْسِ أَهْلِ الْجِهَادِ مِنْهُمْ: أَحَدُهُمَا: لَا يُحْبَسُونَ إِذَا قِيلَ: إِنَّ عِلَّةَ حَبْسِهِمْ وُجُوبُ الْبَيْعَةِ عليهم ولالوجه الثَّانِي: يُحْبَسُونَ إِذَا قِيلَ: إِنَّ عِلَّةَ حَبْسِهِمْ إضعاف البغاة بهم.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " فَأَمَّا إِذَا انْقَضَتِ الْحَرْبُ فَلَا يُحْبَسُ أَسِيرُهُمْ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ انْقِضَاءَ الْحَرْبِ تَكُونُ بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: بِالرُّجُوعِ إِلَى الطَّاعَةِ وَالدُّخُولِ فِي الْبَيْعَةِ، فَيُطْلَقُ أَسْرَاهُمْ كَمَا خُلِّيَتْ سَبِيلُهُمْ، لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ مِنْهُمْ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَنْقَضِيَ بِالِاسْتِسْلَامِ وَإِلْقَاءِ السِّلَاحِ، فَلَا يَجُوزُ بَعْدَ اسْتِسْلَامِهِمْ وَدُخُولِهِمْ تَحْتَ الْقُدْرَةِ أَنْ يُقْتَلُوا، وَتَجْرِيَ عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ مَنِ اعْتَقَدَ رَأْيَهُمْ مُوَادِعًا، فَيُخْلَى سَبِيلُهُمْ وَسَبِيلُ أَسْرَاهُمْ.
فَإِنِ اخْتَلَطُوا بِأَهْلِ الْعَدْلِ: كَانُوا عَلَى حُكْمِهِمْ.
وَإِنْ تَمَيَّزُوا بِدَارٍ قَلَّدَ الْإِمَامُ عَلَيْهِمْ وَالِيًا لِيَسْتَوْفِيَ مِنْهُمُ الْحُقُوقَ وَيُقِيمَ عَلَيْهِمُ الْحُدُودَ، وَكَانَتْ دَارُهُمْ دَارَ عَدْلٍ وَإِنْ كَانُوا عَلَى رَأْيِ أَهْلِ الْبَغْيِ، اعْتِبَارًا بِنُفُوذِ الْأَمْرِ عَلَيْهِمْ.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ تَنْقَضِي الْحَرْبَ بِهَزِيمَتِهِمْ.
فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُمْ لَا يُتْبَعُونَ سواء كانت لهم فيئة يَنْضَمُّونَ إِلَيْهَا أَوْ لَمْ تَكُنْ.
وَأَبُو حَنِيفَةَ يرى اتباعهم إن كانت لهم فيئة يَنْضَمُّونَ إِلَيْهَا - وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَيْهِ.

فَأَمَّا أَسْرَاهُمْ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُنْهَزِمِينَ دَارٌ وفيئة يَنْضَمُّونَ إِلَيْهَا: أُطْلِقَ أَسْرَاهُمْ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ دار وفيئة: فَفِي إِطْلَاقِ أَسْرَاهُمْ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: وَمُقْتَضَى التَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ فِي حَبْسِهِمْ، إِنَّهُمْ يُسْتَبْقَوْنَ فِي حَبْسِهِمْ وَلَا يُطْلَقُونَ إِلَّا أَنْ يُبَايِعُوا وَلَا تَبْقَى لَهُمْ دَارٌ وفيئة.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ مُقْتَضَى التَّعْلِيلِ الثَّانِي فِي حبسهم، أنم يُطْلَقُونَ لِمَا قَدْ تَمَّ مِنْ ضَعْفِهِمْ بِالْهَزِيمَةِ.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِنْ سَأَلُوا أَنْ يُنْظَرُوا لَمْ أَرَ بَأْسًا عَلَى مَا يَرْجُو الْإِمَامُ مِنْهُمْ وَإِنْ خَافَ عَلَى الْفِئَةِ الْعَادِلَةِ الضَّعْفَ عَنْهُمْ رَأَيْتُ تَأْخِيرَهُمْ إِلَى أَنْ تُمْكِنَهُ الْقُوَّةُ عَلَيْهِمْ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا سَأَلَ أَهْلُ الْبَغْيِ إِنْظَارَهُمْ وَالْحَرْبُ قَائِمَةٌ، فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَا سَأَلُوهُ مِنَ الْإِنْظَارِ قَرِيبًا كَالْيَوْمِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، لَا تَتَفَرَّقُ فِيهَا الْعَسَاكِرُ وَلَا يَتَبَاعَدُ فِيهِ مُعَسْكَرُهُ، فَيُجَابُونَ إِلَيْهِ، وَيُنْظِرُهُمْ هَذِهِ الْمُدَّةَ وَعَسْكَرُهُ مُقِيمٌ عَلَيْهِمْ، وَيَتَحَرَّزُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ مِنْهُمْ، لِأَنَّ قِتَالَهُمْ لَا يَدُومُ اتِّصَالُهُ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنِ اسْتِرَاحَةِ عَسْكَرِهِ وَدَوَابِّهِ، فَيَجْعَلُهَا إِجَابَةً لِسُؤَالِهِمْ إِعْذَارًا وَإِنْذَارًا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَسْأَلُوهُ الْإِنْظَارَ مُدَّةً طَوِيلَةً كَالشَّهْرِ وَمَا قَارَبَهُ يَبْعُدُ فِيهَا الْمُعَسْكَرُ وَيَتَفَرَّقُ فِيهَا الْعَسَاكِرُ، فَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَجْتَهِدَ رَأْيَهُ فِي الْأَصْلَحِ، بِالْكَشْفِ عَنْ سَرَائِرِهِمْ وَعَنْ أَحْوَالِ عَسْكَرِهِمْ.
فَإِنْ عَلِمَ مِنْ مَسْأَلَتِهِمُ الْإِنْظَارَ لِيَسْتَوْضِحُوا الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ أَوْ لِيَجْمَعُوا كَلِمَةَ جَمَاعَتِهِمْ عَلَى الطَّاعَةِ أَنْظَرَهُمْ، سَوَاءٌ كَانَ فِي عَسْكَرِهِ قُوَّةٌ عَلَيْهِمْ أَوْ ضَعْفٌ عَنْهُمْ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُمْ عَوْدُهُمْ إِلَى الطَّاعَةِ دُونَ الِاصْطِلَامِ.
وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ الْإِنْظَارَ لِيَجْمَعُوا فِيهَا مَا يَتَقَوَّوْنَ بِهِ عَلَيْهِ، إِمَّا مِنْ عَسَاكِرَ أَوْ أَمْوَالٍ أَوْ سَأَلُوهُ الْإِنْظَارَ لِيَطْلُبُوا لَهُ الْمَكَايِدَ أَوْ لِيَتَفَرَّقَ عَنْهُ الْعَسْكَرُ فَيَثْقُلُ عَلَيْهِ الْعَوْدُ.
نَظَرَ حِينَئِذٍ إِلَى حَالِ عَسَاكِرِهِ: فَإِنْ وَجَدَ فِيهِمْ قُوَّةً عَلَى قِتَالِهِمْ وَصَبْرًا عَلَى مُطَاوَلَتِهِمْ لَمْ يُنْظِرْهُمْ وَأَقَامَ عَلَى حَرْبِهِمْ حَتَّى يُذْعِنُوا بِالطَّاعَةِ أَوْ يَنْهَزِمُوا.
وَإِنْ وَجَدَ فِي عَسْكَرِهِ ضَعْفًا عَنْهُمْ وَعَجْزًا عَنْ مُطَاوَلَتِهِمْ أَنْظَرَهُمْ لِيَلْتَمِسَ الْقُوَّةَ عَلَيْهِمْ إِمَّا بِعَسَاكِرَ أَوْ بِأَمْوَالٍ، وَجَعَلَ ظَاهِرَ الْإِنْظَارِ إِجَابَةً لِسُؤَالِهِمْ لِيُقِيمُوا عَلَى الْكَفِّ وَالْمُوَادَعَةِ، وَبَاطِنَ إِنْظَارِهِمُ الْتِمَاسَ الْقُوَّةِ عَلَيْهِمْ حَتَّى لَا يغفل عنهم.

(فَصْلٌ)

فَإِنْ سَأَلُوا الْإِنْظَارَ مُدَّةً لَا يَجُوزُ إِنْظَارُهُمْ إِلَيْهَا عَلَى مَالٍ بَذَلُوهُ، لَمْ يَجُزْ إِنْظَارُهُمْ بِهِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّ بَذْلَ الْمَالِ عَلَى الْمُوَادَعَةِ صَغَارٌ وَذِلَّةٌ، فَلَمْ يَجُزْ أَخْذُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَالْجِزْيَةِ.
وَالثَّانِي: إِنَّهُمْ رُبَّمَا أَخْرَجُوهُ إِلَى إِضْعَافِهِ بِمَا يَتَجَدَّدُ لَهُمْ مِنَ الْقُوَّةِ.
فَإِنْ أُخِذَ مِنْهُمُ الْمَالُ عَلَى الْإِنْظَارِ بَطَلَ حُكْمُ الْإِنْظَارِ، وَنُظِرَ فِيمَا دَفَعُوهُ مِنَ الْمَالِ.
فَإِنْ كَانَ مِنْ خَالِصِ أَمْوَالِهِمْ رُدَّ عَلَيْهِمْ.
وَإِنْ كَانَ مِنَ الْفَيْءِ وَالصَّدَقَاتِ لَمْ يُرَدَّ، وَصُرِفَ فِي مُسْتَحِقِّيهِ.
(فَصْلٌ) فَإِنْ خِيفَ الْمَكْرُ بِإِنْظَارِهِمْ فَبَذَلُوا رَهَائِنَ مِنْ أَوْلَادِهِمْ عَلَى الْوَفَاءِ بِعَهْدِهِمْ.
فَإِنْ كَانَ الْإِنْظَارُ مِمَّا لَا تَجُوزُ الْإِجَابَةُ إِلَيْهِ مَعَ أَخْذِ الرَّهَائِنِ لَمْ يُجَابُوا إِلَيْهِ بِبَذْلِ الرَّهَائِنِ.
وَإِنْ جَازَتِ الْإِجَابَةُ إِلَيْهِ بِغَيْرِ الرَّهَائِنِ كَانَتِ الْإِجَابَةُ إِلَيْهِ مَعَ أَخْذِ الرَّهَائِنِ أَوْلَى.
فَإِنْ عَادَتِ الْحَرْبُ وَرَهَائِنُهُمْ فِي أَيْدِينَا، لَمْ تُقْتَلْ رَهَائِنُهُمْ، لِأَنَّ التَّعَدِّيَ مِنْ غَيْرِهِمْ.
وَلَوْ كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ أُسَارَى مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ فَقَتَلُوهُمْ، وَفِي أَيْدِينَا لَهُمْ أُسَارَى مِنْهُمْ أَوْ رَهَائِنُ لَهُمْ لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُمْ بِمَنْ قَتَلُوهُ، لِأَنَّ الْقَاتِلَ غَيْرُهُمْ.

(مَسْأَلَةٌ)

قَالَ الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوِ اسْتَعَانَ أَهْلُ الْبَغْيِ بِأَهْلِ الْحَرْبِ عَلَى قِتَالِ أَهْلِ الْعَدْلِ قُتِلَ أَهْلُ الْحَرْبِ وَسُبُوا وَلَا يَكُونُ هَذَا أَمَانًا إِلَّا عَلَى الْكَفِّ فَأَمَّا عَلَى قِتَالِ أَهْلِ الْعَدْلِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: - وَهَذَا صَحِيحٌ - إِذَا اسْتَعَانَ أَهْلُ الْبَغْيِ عَلَى قِتَالِنَا بِأَهْلِ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ أَعْطَوْهُمْ، نُظِرَ حَالُ الْأَمَانِ، فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُطْلَقًا أَوْ مَشْرُوطًا بِقِتَالِنَا.
فَإِنْ كَانَ مُطْلَقًا: صَحَّ الْأَمَانُ لَهُمْ، وَكَانَ عَقْدُ أَهْلِ الْبَغْيِ لَهُمْ كَعَقْدِ أَهْلِ الْعَدْلِ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ.

ويصيرون بهذا الأمان أمنيين مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ وَأَهْلِ الْعَدْلِ، لِعُمُومِهِ وَصِحَّتِهِ، مَا لَمْ يُقَاتِلُونَا، فَإِنْ قَاتَلُونَا صَارُوا كَأَهْلِ الْعَهْدِ الْمُتَقَدِّمِ إِذَا قَاتَلُوا عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.
وَإِنْ كَانَ عَقْدُ الْأَمَانِ لَهُمْ مَشْرُوطًا بِقِتَالِهِمْ مَعَهُمْ، كَانَ هَذَا الْأَمَانُ بَاطِلًا لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ لَمَّا بَطَلَ عَقْدُ الْأَمَانِ لَهُمْ بِقِتَالِنَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْعَقِدَ عَلَى قِتَالِنَا.
وَالثَّانِي: إِنَّ عَقْدَ الْأَمَانِ يَقْتَضِي أَنْ نُؤَمِّنَهُمْ وَنَأْمَنَهُمْ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ نُؤَمِّنَهُمْ وَلَا نَأْمَنَهُمْ، وَإِذَا بَطَلَ الْأَمَانُ بِمَا ذَكَرْنَا سَقَطَ حُكْمُهُ فِي أَهْلِ الْعَدْلِ وَلَزِمَ حُكْمُهُ فِي أَهْلِ الْبَغْيِ اعْتِبَارًا بِالشَّرْطِ فِي حَقِّهِمْ، وَإِنْ بَطَلَ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ، وَجَازَ لِأَهْلِ الْعَدْلِ قَتْلُهُمْ وَاسْتِرْقَاقُهُمْ وَسَبْيُهُمْ وَقَتْلُهُمْ مُقْبِلِينَ وَمُدْبِرِينَ، كَمَا يُقْتَلُونَ وَيُقَاتَلُونَ فِي جِهَادِهِمْ مُقْبِلِينَ وَمُدْبِرِينَ.
وَلَمْ يَجُزْ لِأَهْلِ الْبَغْيِ قَتْلُهُمْ وَلَا اسْتِرْقَاقُهُمْ وَإِنْ حَكَمْنَا بِبُطْلَانِ أَمَانِهِمْ لِلُزُومِهِ فِي الْخُصُوصِ وَإِنْ بَطَلَ فِي العموم.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " فَلَوْ كَانَ لَهُمْ أَمَانٌ فَقَاتَلُوا أَهْلَ الْعَدْلِ كَانَ نَقْضًا لِأَمَانِهِمْ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.
إذا كان لطائفة من المشركين عهداً بِأَمَانٍ مُتَقَدِّمٍ، فَاسْتَعَانَ بِهِمْ أَهْلُ الْبَغْيِ عَلَى قِتَالِنَا، كَانَ ذَلِكَ نَقْضًا لِأَمَانِهِمْ إِذَا قَاتَلُونَا لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: 58] . فَلَمَّا جَازَ أَنْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ بِنَقْضِهِ إِذَا خِفْنَاهُمْ كَانَ أَوْلَى أَنْ يُنْقَضَ بِقِتَالِهِمْ.
وَلِأَنَّ إِعْطَاءَ الْعَهْدِ لَهُمْ إِنَّمَا كَانَ لِمَصْلَحَتِنَا لَا لِمَصْلَحَتِهِمْ، وَكَذَلِكَ إِذَا سَأَلُوا الْعَهْدَ لَمْ يَلْزَمْ إِجَابَتُهُمْ إِلَيْهِ إِلَّا إِذَا رَأَى الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ حَظًّا لِلْمُسْلِمِينَ، فَيَجُوزُ أَنْ يُعَاهِدَهُمْ، فَإِذَا قَاتَلُوا زَالَتِ الْمَصْلَحَةُ فَبَطَلَ الْعَهْدُ عُمُومًا، وَإِنْ كَانَ فِي أَهْلِ الْبَغْيِ خُصُوصًا.
وَجَازَ لَنَا قَتْلُهُمْ وَسَبْيُهُمْ، وَقِتَالُهُمْ مُقْبِلِينَ وَمُدْبِرِينَ.
فَإِنْ أَسْلَمُوا: لَمْ يُؤْخَذُوا بِمَا اسْتَهْلَكُوا مِنْ دَمٍ وَلَا مَالٍ كَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَبِخِلَافِ أَهْلِ الْبَغْيِ.
فَإِنْ قَالُوا: لَمْ نَعْلَمْ أَنَّ قِتَالَنَا مَعَهُمْ مُبْطِلٌ لِعَهْدِنَا مَعَكُمْ.
لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُمْ فِي بَقَاءِ الْعَهْدِ مَعَهُمْ، لِأَنَّ الْأَمَانَ هُوَ الْكَفُّ وَالْمُوَادَعَةُ، فَضَعُفَ مَا ادَّعَوْهُ مِنَ الْجَهَالَةِ.

فَإِنِ ادَّعَوُا الْإِكْرَاهَ: كُلِّفُوا الْبَيِّنَةَ، فَإِنْ أَقَامُوا عَلَى إِكْرَاهِ أَهْلِ الْبَغْيِ لَهُمْ عَلَى قِتَالِنَا بَيِّنَةً، كَانُوا عَلَى عَهْدِهِمْ.
وَإِنْ لَمْ يُقِيمُوهَا، لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُمْ، وَانْتَقَضَ عَهْدُهُمْ، لِأَنَّ أَصْلَ الْفِعْلِ حُدُوثُهُ عَنِ اخْتِيَارِ فَاعِلِهِ.

(مَسْأَلَةٌ)

قَالَ الشافعي رضي الله عنه: " وَإِنْ كَانُوا أَهْلَ ذِمَّةٍ فَقَدْ قِيلَ لَيْسَ هذا نقضا للعهد قال وأرى إن كانوا مكرهين أو ذكروا جهالة فقالوا كنا نرى إذا حملتنا طائفة من المسلمين على أخرى أن دمها يحل كقطاع الطريق أو لم نعلم أن من حملونا على قتاله مسلم لم يكن هذا نقضا للعهد وأخذوا بكل ما أصابوا من دم ومال وذلك أنهم ليسوا بمؤمنين الذين أمر الله بالإصلاح بينهم) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا اسْتَعَانَ أَهْلُ الْبَغْيِ عَلَى قِتَالِنَا بِأَهْلِ الذِّمَّةِ وَأَصْحَابِ الْجِزْيَةِ.
فَإِنْ كَانُوا مُكْرَهِينَ: لَمْ تَنْتَقِضْ ذِمَّتُهُمْ.
وَإِنْ كَانُوا مُخْتَارِينَ: فَإِنِ ادَّعَوْا جَهَالَةً وَقَالُوا: ظَنَنَّا أَنَّ مَعُونَتَنَا لِبَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضِ جَائِزَةٌ كَمَا نُعِينُكُمْ عَلَى قُطَّاعِ الطَّرِيقِ، قُبِلَ مِنْهُمْ دَعْوَى الْجَهَالَةِ، وَلَمْ تُنْقَضْ ذِمَّتُهُمْ وَإِنْ لَمْ يُقْبَلْ مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ وَانْتَقَضَ بِهِ عَهْدُهُمْ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ حَقٌّ لَهُمْ عَلَيْنَا، وَعَهْدَ الْأَمَانِ حَقٌّ لَنَا عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ مَنْ سَأَلَ الْأَمَانَ لَمْ يَلْزَمْ إِجَابَتُهُ، وَمَنْ بَذَلَ الْجِزْيَةَ لَزِمَتْ إِجَابَتُهُ.
وَالثَّانِي: إِنَّ لَنَا مَعَ خَوْفِ الْخِيَانَةِ أَنْ نَنْقُضَ أَمَانَ أَهْلِ الْعَهْدِ، وَلَيْسَ لَنَا مَعَ خَوْفِهَا أَنْ نَنْقُضَ أَمَانَ أَهْلِ الذِّمَّةِ حَتَّى نَتَيَقَّنَهَا - فَافْتَرَقَا.
وَإِنْ لم يدعوا الجهالة لم يخلوا عَقْدُ ذِمَّتِهِمْ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُشْتَرَطَ فِيهِ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يُعِينُوا عَلَى مُسْلِمٍ بِقَتْلٍ وَلَا قِتَالٍ، فَيَكُونُ مَا خَالَفَ هَذَا الشَّرْطَ مِنْ قِتَالِهِمْ لِأَهْلِ الْعَدْلِ نَقْضًا لِأَمَانِهِمْ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَقْدُ ذِمَّتِهِمْ مُطْلَقًا، لم يشترط ذلك في، فَفِي انْتِقَاضِ ذِمَّتِهِمْ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: قَدِ انْتَقَضَتْ بِالْقِتَالِ ذِمَّتُهُمْ كَمَا انْتَقَضَ بِهِ أَمَانُ أَهْلَ الْعَهْدِ.
فَعَلَى هَذَا: يَجُوزُ قَتْلُهُمْ وَقِتَالُهُمْ مُقْبِلِينَ وَمُدْبِرِينَ كَمَا ذَكَرْنَا فِي أَهْلِ الْعَهْدِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا تُنْتَقَضُ بِهِ ذِمَّتُهُمْ وَإِنِ انْتَقَضَ بِهِ أَمَانُ أَهْلَ الْعَهْدِ، لِقُوَّةِ الذِّمَّةِ عَلَى الْعَهْدِ مِنْ وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: إِنَّ الذِّمَّةَ مُؤَبَّدَةٌ وَالْعَهْدَ مُقَدَّرٌ بِمُدَّةٍ.
وَالثَّانِي: إِنَّ الذِّمَّةَ تُوجِبُ أَنْ نَكُفَّ عَنْهُمْ أَنْفُسَنَا وَغَيْرَنَا، وَالْعَهْدَ لَا يُوجِبُ أَنْ نَكُفَّ عَنْهُمْ غَيْرَنَا، مَعَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مِنَ الْوَجْهَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ.
فَعَلَى هَذَا: يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نُقَاتِلَهُمْ مُقْبِلِينَ وَنَكُفَّ عَنْهُمْ مُدْبِرِينَ كَأَهْلِ الْبَغْيِ، لَكِنْ مَا أَصَابُوهُ مِنْ دَمٍ أَوْ مَالٍ يُؤْخَذُونَ بِغُرْمِهِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ لَمْ يُؤْخَذْ أَهْلُ الْبَغْيِ بِغُرْمِهِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، لِأَنَّ قِتَالَ أَهْلِ الْبَغْيِ بِتَأْوِيلٍ، وَقِتَالَ أهل الذمة بغير تأويل.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِنْ أَتَى أَحَدُهُمْ تَائِبًا لَمْ يُقَصَّ مِنْهُ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ مُحَرَّمُ الدَّمِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي مُرَادِهِ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ أَرَادَ بِهَا مَنِ اسْتَعَانَ الْبُغَاةُ بِهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِذَا أَتْلَفُوا فِي حَرْبِنَا دِمَاءً وَأَمْوَالًا ثُمَّ تَابُوا مِنَ الشِّرْكِ وَأَسْلَمُوا لَمْ يُؤْخَذُوا بِغُرْمِهِ إِنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ أَوْ مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ وَكَذَلِكَ إِنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ.
وَجُعِلَ الْقِتَالُ نَقْضًا لِذِمَّتِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يُجْعَلْ نَقْضًا لَمْ يَسْقُطِ الْغُرْمُ، وَلَا يَكُونُ مَحْمُولًا عَلَى الْبُغَاةِ، لِأَنَّهُ عَلَّلَ فِي سُقُوطِ الْغُرْمِ بِمَا لَيْسَ بِعِلَّةٍ فِي سُقُوطِهِ عَنْ أَهْلِ الْبَغْيِ وَهُوَ التَّوْبَةُ، لِأَنَّ عِلَّةَ سُقُوطِهِ عَنْ أَهْلِ الْبَغْيِ هُوَ التَّأْوِيلُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّهُ أَرَادَ بِهَا أَهْلَ الْبَغْيِ، لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ قَدْ أَفْصَحَ بِذَلِكَ فِي كِتَابِ الْأُمِّ، وَتَكُونُ التَّوْبَةُ مَحْمُولَةً عَلَى إِظْهَارِ الطَّاعَةِ وَوُجُودِ الْقُدْرَةِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ غُرْمُ مَا اسْتَهْلَكُوهُ مِنْ دَمٍ وَمَالٍ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ، وَإِنْ وَجَبَ عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ.
(مسألة) قال الشافعي رضي الله عنه: " وَقَالَ لِي قَائِلٌ مَا تَقُولُ فِيمَنْ أَرَادَ دَمَ رَجُلٍ أَوْ مَالَهُ أَوْ حَرِيمَهُ؟ قُلْتُ يُقَاتِلُهُ وَإِنْ أَتَى الْقَتْلُ عَلَى نَفْسِهِ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى دَفْعِهِ إِلَّا بِذَلِكَ وَرَوَى حديث النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ كُفْرٍ بَعْدَ إِيمَانٍ وَزِنًا بَعْدَ إِحْصَانٍ وقتل نفس بغير نفس) قلت هو كلام عربي ومعناه إذا أتى واحدة من الثلاث حل دمه فمعناه كان رجلا زنى محصنا ثم ترك الزنا وتاب منه وهرب فقدر عليه قتل رجما أو قتل عمداً وترك القتل وتاب منه وهرب ثم قدر عليه قتل قوداً وإذا كفر ثم تاب فارقه اسم الكفر وهذان لا يفارقهما اسم الزنا والقتل ولو تابا وهرباً) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: هَذَا سُؤَالٌ اعْتَرَضَ بِهِ عَلَى الشَّافِعِيِّ مَنْ مَنَعَ مِنْ قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ، لأن قتالهم مفضي إِلَى قَتْلِهِمْ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا

بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: كُفْرٌ بَعْدَ إِيمَانٍ، أَوْ زِنًا بَعْدَ إِحْصَانٍ أَوْ قَتْلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ) . وَلَيْسَ الْبَاغِي وَاحِدًا مِنْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ، وَجُعِلَ هَذَا السُّؤَالُ مَقْصُورًا فِيمَنْ أُرِيدَ دَمُهُ أَوْ مَالُهُ أَوْ حَرِيمُهُ كَيْفَ يَجُوزُ لَهُ قَتْلُ مَنْ أَرَادَهُ بِذَلِكَ.
فَاقْتَضَى السُّؤَالُ دَلِيلًا عَلَى الْحُكْمِ وَانْفِصَالًا عَنِ الْخَبَرِ.
فَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ مَنْ أُرِيدَ دَمُهُ أَوْ مَالُهُ أَوْ حَرِيمُهُ يَجُوزُ لَهُ دَفْعُ مَنْ أَرَادَهُ وَإِنْ أَتَى الدَّفْعُ عَلَى نَفْسِهِ - عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ مِنْ بَعْدُ مِنْ تَرْتِيبِ الدَّفْعِ بِحَالٍ بَعْدَ حَالٍ - قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مِنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ) . وَالشَّهِيدُ مَظْلُومٌ، وَلِلْمَظْلُومِ دَفْعُ الظُّلْمَ عَنْ نَفْسِهِ بِالْقِتَالِ، وَمَا أُبِيحَ مِنَ الْقِتَالِ لَمْ يَجِبْ بِهِ ضَمَانٌ.
وَأَمَّا الِانْفِصَالُ عَنِ الْخَبَرِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَبَاحَ الْقَتْلَ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ اخْتَلَفَتْ مَعَانِيهَا وَاتَّفَقَتْ أَحْكَامُهَا: أَحَدُهَا: بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِيمَانِ، فَلَا يَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْهُ، وَيَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ مِنْهُ، وَيَزُولُ عَنْهُ اسْمُ الْكُفْرِ بَعْدَ التَّوْبَةِ.
وَالثَّانِي: بِالزِّنا بَعْدَ الْإِحْصَانِ، لَا يَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْهُ، وَلَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ مِنْهُ بَعْدَ الْقُدْرَةِ، وَفِي سُقُوطِهِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ خِلَافٌ وَلَا يَزُولُ عَنْهُ اسْمُ الزِّنا بَعْدَ التَّوْبَةِ.
وَالثَّالِثُ: بِقَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ، وَهَذَا يَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْهُ، وَلَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ، وَلَا يَزُولُ عَنْهُ اسْمُ الْقَتْلِ بِالتَّوْبَةِ.
فَلَمَّا اخْتَلَفَتِ الْمَعَانِي وَالْأَسْمَاءُ، صَارَتْ مَعَانِي الْقَتْلِ هِيَ الْمُعْتَبَرَةَ دُونَ الْعَدَدِ الْمَحْصُورِ.
وَالثَّانِي: إنَّهُ لِسَانٌ عَرَبِيٌّ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَنْضَمَّ إِلَى الْعَدَدِ الْمَحْصُورِ مَا فِي مَعْنَاهُ، وَلَا تَكُونُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ رَافِعَةً لِحُكْمِهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: 142] . وَعَلَى أَنَّ لِلْخَبَرِ تَأْوِيلَيْنِ يُغْنِيَانِ عَنْ هَذَيْنِ الْجَوَابَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ صَبْرًا إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ، وَهَذَا لَا يُقْتَلُ صَبْرًا وَإِنَّمَا يَنْتَهِي حَالُهُ إِلَى الْقَتْلِ دَفْعًا.

وَالثَّانِي: لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ بِسَبَبٍ مُتَقَدِّمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ، وَهَذَا لَا يُقْتَلُ بِسَبَبٍ مُتَقَدِّمٍ، وَإِنَّمَا يُقْتَلُ بِسَبَبٍ حَادِثٍ فِي الْحَالِ.

(مَسْأَلَةٌ)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَا يُسْتَعَانُ عَلَيْهِمْ بِمَنْ يَرَى قَتْلَهُمْ مُدْبِرِينَ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الِاسْتِعَانَةُ بِأَهْلِ الْعَهْدِ وَالذِّمَّةِ فِي قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ فَلَا يَجُوزُ بِحَالٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: 141] وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " الإسلام يعلو ولا يعلى) . ولأنهم غير ما مُؤْمِنِينَ عَلَى نُفُوسِهِمْ وَحَرِيمِهِمْ لِمَا يَعْتَقِدُونَهُ دِينًا مِنْ إِبَاحَةِ دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمُ الَّتِي أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى حَظْرَهَا وَأَمَرَ بِالْمَنْعِ مِنْهَا.
فَأَمَّا الِاسْتِعَانَةُ عَلَيْهِمْ بِمَنْ يَرَى قِتَالَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مُقْبِلِينَ وَمُدْبِرِينَ فَقَدْ مَنَعَ الشَّافِعِيُّ مِنْهُ لِمَا يَلْزَمُ مِنَ الْكَفِّ عَنْهُمْ إِذَا انْهَزَمُوا.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا جَازَ أَنْ يَسْتَعِينَ عَلَيْهِمْ بِمَنْ يُخَالِفُ رَأْيَهُ فِيهِ، وَيَعْمَلُ عَلَى اجْتِهَادِ نَفْسِهِ، كَمَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مَنْ يَحْكُمُ بِاجْتِهَادِ نَفْسِهِ، وَإِنْ خَالَفَ اجْتِهَادَ مُسْتَخْلِفِهِ، فَيَجُوزُ لِلشَّافِعِيِّ أَنْ يَسْتَخْلِفَ حَنَفِيًّا، وَلِلْحَنَفِيِّ أَنْ يَسْتَخْلِفَ شَافِعِيًّا.
قِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: إنَّ قِتَالَ أَهْلِ الْبَغْيِ مُدْبِرِينَ بِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ وَالْمُعَيَّنُ فِيهِ مَأْمُورٌ مَمْنُوعٌ مِنَ الِاجْتِهَادِ، وَالْمُسْتَخْلَفُ عَلَى الْحُكْمِ مُفَوَّضٌ إِلَيْهِ النَّظَرُ، فَسَاغَ لَهُ الِاجْتِهَادُ.
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنَ الِاسْتِعَانَةِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إنَّهُ مَنْعُ تَحْرِيمٍ وَحَظْرٍ.
وَالثَّانِي: إنَّهُ مَنْعُ نَدْبٍ وَاسْتِحْبَابٍ.
فَإِنْ دَعَتْهُ الضَّرُورَةُ إِلَى الِاسْتِعَانَةِ بِهِمْ لِعَجْزِ أَهْلِ الْعَدْلِ عَنْ مُقَاوَمَتِهِمْ جَازَ أَنْ يَسْتَعِينَ بِهِمْ عَلَى ثَلَاثَةِ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: أَنْ لَا يَجِدَ عَوْنًا غَيْرَهُمْ، فَإِنْ وَجَدَ لَمْ يَجُزْ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَقْدِرَ عَلَى رَدِّهِمْ إِنْ خَالَفُوا، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى رَدِّهِمْ لَمْ يَجُزْ.

وَالثَّالِثُ: أَنْ يَثِقَ بِمَا شَرَطَهُ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَتْبَعُوا مُدْبِرًا وَلَا يُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحٍ، فَإِنْ لَمْ يَثِقْ بِوَفَائِهِمْ لَمْ يَجُزْ.

(مَسْأَلَةٌ)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَا بَأْسَ إِذَا كَانَ حُكْمُ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرُ أَنْ يُسْتَعَانَ بِالْمُشْرِكِينَ عَلَى قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ وَذَلِكَ أَنَّهُ تَحِلُّ دِمَاؤُهُمْ مُقْبِلِينَ وَمُدْبِرِينَ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهُوَ كَمَا قَالَ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَعِينَ بِالْمُشْرِكِينَ عَلَى قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اسْتَعَانَ فِي بَعْضِ حُرُوبِهِ بِيَهُودِ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَاسْتَعَارَ مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ عَامَ الْفَتْحِ سَبْعِينَ دِرْعًا.
وَشَهِدَ مَعَهُ حُنَيْنًا وَهُوَ عَلَى شِرْكِهِ، وَسَمِعَ أَبَا سُفْيَانَ يَقُولُ: غَلَبَتْ هَوَازِنُ وَقُتِلَ مُحَمَّدٌ.
فَقَالَ لَهُ: بِفِيكَ الْحَجَرُ، وَاللَّهِ لَرَبّ مِنْ قُرَيْشٍ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ رَبٍّ مِنْ هَوَازِنَ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ) . قِيلَ: إِنَّمَا بَرِئَ مِنْ مَعُونَةِ الْمُسْلِمِ لِمُشْرِكٍ وَلَمْ يَبْرَأْ مِنْ مَعُونَةِ الْمُشْرِكِ لِمُسْلِمٍ.
وَقد رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " لَا تَسْتَضِيئُوا بِنَارِ أَهْلِ الشِّرْكِ) . وَمَعْنَاهُ: لَا تَرْجِعُوا إِلَى آرَائِهِمْ.
فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ الِاسْتِعَانَةِ بِهِمْ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَإِنْ لَمْ يَجُزِ الِاسْتِعَانَةُ بِهِمْ عَلَى أَهْلِ الْبَغْيِ فَهِيَ مُعْتَبَرَةٌ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ نِيَّاتُهُمْ فِي الْمُسْلِمِينَ جَمِيلَةً.
وَالثَّانِي: أَنْ يُعْلَمَ مِنْ حَالِهِمْ أَنَّهُمْ إِنِ انْضَمُّوا إِلَى الْمُشْرِكِينَ لَمْ يَضْعُفِ الْمُسْلِمُونَ عَنْ جَمِيعِهِمْ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُؤْمَنَ غدرهم وتخزيلهم.
فإذا استكلمت فِيهِمْ هَذِهِ الشُّرُوطُ اسْتَعَانَ بِهِمْ.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَا يُعِينُ الْعَادِلُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ الْبَاغِيَتَيْنِ وَإِنِ اسْتَعَانَتْهُ عَلَى الْأُخْرَى حَتَّى تَرْجِعَ إِلَيْهِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا افْتَرَقَ أَهْلُ الْبَغْيِ طَائِفَتَيْنِ وَقَاتَلَتْ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ الْأُخْرَى.
فَإِنْ قَوِيَ الْإِمَامُ عَلَى قِتَالِهِمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَعُونَةُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إنَّ كِلَا الطَّائِفَتَيْنِ عَلَى خَطَأٍ، وَالْمَعُونَةُ عَلَى الْخَطَأِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ خَطَأٌ.
وَالثَّانِي: إنَّ مَعُونَةَ إِحْدَاهُمَا أَمَانٌ لَهَا، وَعَقْدُ الْأَمَانِ لَهَا غَيْرُ جَائِزٍ.
وَإِنْ ضَعُفَ عَنْ قِتَالِهِمَا قَاتَلَ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ مَعَ الْأُخْرَى، وَيَعْتَقِدُ أَنَّهُ مُسْتَعِينٌ بِهِمْ، وَلَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مُعِينٌ لَهُمْ، وَلْيَضُمَّ إِلَيْهِ أَقَرَبَهُمَا إِلَى مُعْتَقَدِهِ، وَأَرْغَبَهُمَا فِي طَاعَتِهِ.
فَإِنِ اسْتَوَيَا ضَمَّ إِلَيْهِ أَقَلَّهُمَا جَمْعًا، فَإِنِ اسْتَوَيَا ضَمَّ إِلَيْهِ أَقْرَبَهُمَا دَارًا، فَإِنِ اسْتَوَيَا اجْتَهَدَ رَأْيَهُ فِي إِحْدَاهُمَا.
فَإِنْ أَطَاعَتْهُ الطَّائِفَةُ الَّتِي قَاتَلَهَا أَوِ انْهَزَمَتْ عَنْهُ، عَدَلَ إِلَى الْأُخْرَى، وَلَمْ يَبْدَأْ بِقِتَالِهَا إِلَّا بَعْدَ اسْتِدْعَائِهَا ثَانِيَةً إِلَى طَاعَتِهِ، لِأَنَّ انْضِمَامَهَا إِلَيْهِ كَالْأَمَانِ الَّذِي يَقْطَعُ حُكْمَ مَا تَقَدَّمَهُ مِنَ الِاسْتِدْعَاءِ وَالْحَيَاةِ.
(مَسْأَلَةٌ) قَالَ الشافعي رضي الله عنه: " وَلَا يُرْمَوْنَ بِالْمَنْجَنِيقِ وَلَا نَارٍ إِلَّا أَنْ تَكُونَ ضَرُورَةً بِأَنْ يُحَاطَ بِهِمْ فَيَخَافُوا الِاصْطِلَامَ أَوْ يُرْمَوْنَ بِالْمَنْجَنِيقِ فَيَسَعُهُمْ ذَلِكَ دَفْعًا عَنْ أَنْفُسِهِمْ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِقِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ كَفُّهُمْ عَنِ الْبَغْيِ، وَالْمَقْصُودَ بِقِتَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ قَتْلُهُمْ عَلَى الشِّرْكِ، فَاخْتَلَفَ قِتَالُهُمَا لِاخْتِلَافِ مَقْصُودِهِمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِي صِفَةِ الْحَرْبِ.
وَالثَّانِي: فِي حُكْمِهَا.
فَأَمَّا اخْتِلَافُهُمَا فِي صِفَةِ الْحَرْبِ، فَمِنْ تِسْعَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: إنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكْبِسَ أَهْلَ الْحَرْبِ فِي دَارِهِمْ غِرَّةً وَبَيَاتًا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بأهل البغي.

وَالثَّانِي: يَجُوزُ أَنْ يُحَاصِرَ أَهْلَ الْحَرْبِ وَيَمْنَعَهُمُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ، وَلَا يَجُوزَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بِأَهْلِ الْبَغْيِ.
وَالثَّالِثُ: يَجُوزُ أَنْ يَقْطَعَ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ نَخِيلَهُمْ وَأَشْجَارَهُمْ وَزُرُوعَهُمْ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بِأَهْلِ الْبَغْيِ.
وَالرَّابِعُ: يَجُوزُ أَنْ يُفَجِّرَ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ الْمِيَاهَ لِيَغْرَقُوا، ولا يجوز أن يفعل ذلك بأهل البغي.
وَالْخَامِسُ: يَجُوزُ أَنْ يَحْرِقَ عَلَيْهِمْ مَنَازِلَهُمْ، وَيُلْقِيَ عَلَيْهِمُ النَّارَ، وَلَا يَجُوزَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بِأَهْلِ الْبَغْيِ.
وَالسَّادِسُ: يَجُوزُ أَنْ يُلْقِيَ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ الْحَيَّاتِ وَالْحَسَكَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بِأَهْلِ الْبَغْيِ.
وَالسَّابِعُ: يَجُوزُ أَنْ يَنْصِبَ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ الْعَرَّادَاتِ وَيَرْمِيَهُمْ بِالْمَنْجَنِيقَاتِ، ولا يجوز أن يفعل ذلك بأهل البغي.
وَالثَّامِنُ: يَجُوزُ أَنْ يَعْقِرَ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ خَيْلَهُمْ إِذَا قَاتَلُوا عَلَيْهَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بِأَهْلِ الْبَغْيِ.
وَالتَّاسِعُ: يَجُوزُ أَنْ يُقَاتِلَ أَهْلَ الْحَرْبِ مُقْبِلِينَ وَمُدْبِرِينَ، وَلَا يُقَاتِلُ أَهْلَ الْبَغْيِ إِلَّا مُقْبِلِينَ وَيَكُفُّ عَنْهُمْ مُدْبِرِينَ.
وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمَا فِي حُكْمِ الْحَرْبِ فَمِنْ سِتَّةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: يَجُوزُ أَنْ يَقْتُلَ أَسْرَى أَهْلِ الْحَرْبِ، وَلَا يَجُوزَ أَنْ يَقْتُلَ أَسْرَى أَهْلِ الْبَغْيِ.
وَالثَّانِي: يَجُوزُ أَنْ تُسْبَى ذَرَارِيُّ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَتُغْنَمَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا يَجُوزُ مِثْلُهُ فِي أَهْلِ الْبَغْيِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَعْهَدَ لِأَهْلِ الْحَرْبِ عَهْدًا وَهُدْنَةً، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْهَدَ لِأَهْلِ الْبَغْيِ.
وَالرَّابِعُ: يَجُوزُ أَنْ يُصَالِحَ أَهْلَ الْحَرْبِ عَلَى مَالٍ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ مَعَ أَهْلِ الْبَغْيِ.
وَالْخَامِسُ: يَجُوزُ أَنْ يَسْتَرِقَّ أَهْلَ الْحَرْبِ، وَلَا يَجُوزَ أَنْ يَسْتَرِقَّ أَهْلَ الْبَغْيِ.
وَالسَّادِسُ: يَجُوزُ أَنْ يُفَادِيَ أَهْلَ الْحَرْبِ عَلَى مَالٍ وَأَسْرَى، وَلَا تَجُوزُ مُفَادَاةُ أَهْلِ البغي.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا مِنِ اخْتِلَافِهِمَا فِي صِفَةِ الْحَرْبِ وَحُكْمِهَا، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُرْمَوْا بِالْمَنْجَنِيقِ، فَذَلِكَ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ.
فَإِنْ دَعَتْ ضَرُورَةٌ فِي إِحْدَى حَالَتَيْنِ جَازَ أَنْ يُرْمَوْا بِهِ، وَتُلْقَى عَلَيْهِمُ النَّارُ: إِحْدَاهُمَا: أَنْ يُقَاتِلُوا أَهْلَ الْعَدْلِ بِذَلِكَ، فَيَجُوزُ أَنْ يُقَاتِلُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِهِ، قَصْدًا لِكَفِّهِمْ عَنْهُ لَا لِمُقَاتَلَتِهِمْ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الظُّلْمَ لَا يُبِيحُ الظُّلْمَ، لكن يستدفع الظلم بما أمكن.
والحالة الثَّانِيَةُ: أَنْ يُحِيطُوا بِأَهْلِ الْعَدْلِ وَيَخَافُوا اصْطِلَامَهُمْ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَرْمُوهُمْ بِالْمَنْجَنِيقِ وَيُلْقُوا عَلَيْهِمُ النَّارَ طَلَبًا لِلْخَلَاصِ مِنْهُمْ لَا قَصْدًا لِاصْطِلَامِهِمْ.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِنْ غَلَبُوا عَلَى بِلَادٍ فَأَخَذُوا صَدَقَاتِ أَهْلِهَا وَأَقَامُوا عَلَيْهِمُ الْحُدُودَ لَمْ تَعُدْ عَلَيْهِمْ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا تَغَلَّبَ أَهْلُ الْبَغْيِ عَلَى بَلَدٍ فَأَخَذُوا صَدَقَاتِهَا وَجَبَوْا خَرَاجَهَا وَأَقَامُوا الْحُدُودَ عَلَى أَهْلِهَا، أَمْضَى الْإِمَامُ مَا فَعَلُوهُ إِذَا ظَهَرَ عَلَى بِلَادِهِمْ وَلَمْ يُطَالِبْ بِمَا جَبَوْهُ مِنَ الْحُقُوقِ وَلَمْ يُعِدْ مَا أَقَامُوهُ من الحدود.
لأن علياً - رضوان الله عليه - أَمْضَى ذَلِكَ وَلَمْ يُطَالِبْ بِهِ.
وَلِأَنَّهُمْ مُتَأَوِّلُونَ فِي جِبَايَتِهِ وَإِقَامَتِهِ.
وَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنْ يُؤَدِّيَ زَكَاةَ عَامٍ مَرَّتَيْنِ، وَلَا يُقَامُ عَلَى زان حدين.
فَإِنِ ادَّعَى أَصْحَابُ الْحُدُودِ إِقَامَتَهَا عَلَيْهِمْ: قُبِلَ قَوْلُهُمْ فِيهَا، وَلَمْ يُحْلَفُوا عَلَيْهَا، لِأَنَّهَا حُدُودٌ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ.
فَإِنِ ادَّعَى مَنْ عَلَيْهِ الْحُقُوقُ دَفْعَهَا إِلَيْهِمْ.
فَإِنْ كَانَتْ زَكَاةً: قُبِلَ قَوْلَهُمْ فِي دَفْعِهَا وَلَمْ يُكَلَّفُوا الْبَيِّنَةَ عَلَيْهَا لِأَنَّهُمْ فِيهَا أُمَنَاءُ.
فَإِنِ اتُّهِمُوا: أُحْلِفُوا، وَفِي يَمِينِهِمْ بَعْدَ اعْتِرَافِهِمْ بِوُجُوبِهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: إنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ، إِنْ نَكَلُوا عَنْهَا لَمْ تُؤْخَذْ مِنْهُمْ.
وَالثَّانِي: إنَّهَا وَاجِبَةٌ، إِنْ نَكَلُوا عَنْهَا أُخِذَتْ مِنْهُمْ بِالِاعْتِرَافِ الْمُتَقَدِّمِ دُونَ النُّكُولِ.
وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ الَّذِي ادَّعَوْا أَدَاءَهُ جِزْيَةً أَوْ خَرَاجًا: فَإِنْ كَانَ عَلَى كَافِرٍ: كُلِّفَ الْبَيِّنَةَ وَلَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ، لِأَنَّ الْجِزْيَةَ أُجْرَةٌ، وَالْخَرَاجَ إِمَّا

أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا أَوْ أُجْرَةً وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ فِي دَفْعِ الْأُجْرَةِ، وَلَا قَوْلُ الْمُشْتَرِي فِي دَفْعِ الثَّمَنِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ.
فَإِنْ أَقَامُوا الْبَيِّنَةَ عَلَى دَفْعِهَا بَرِئُوا.
وَإِنْ لَمْ يُقِيمُوهَا أُخِذَتْ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ وَالْخَرَاجُ.
وَإِنْ كَانَ الْخَرَاجُ عَلَى مُسْلِمٍ: فَفِي قَبُولِ قَوْلِهِ فِي دَفْعِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِ وَيَحْلِفُ إِنِ اتُّهِمَ عَلَيْهِ كَالزَّكَاةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَصَحُّ إنَّ قَوْلَهُ فِيهِ غَيْرُ مَقْبُولٍ حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْأَدَاءِ، فَإِنْ لَمْ يُقِمْهَا أُخِذَتْ مِنْهُ.
فَإِنْ أَحْضَرُوا خُطُوطًا بِقَبْضِهَا.
فَإِنْ كَانَتْ مُحْتَمِلَةً لِلشُّبْهَةِ: لَمْ يُعْمَلْ بِهَا فِي الْأَحْكَامِ وَلَا فِي حُقُوقِ الْأَمْوَالِ.
وَإِنْ كَانَتْ سَلِيمَةً مِنَ الِاحْتِمَالِ ظَاهِرَةَ الصِّحَّةِ لَمْ يُعْمَلْ عَلَيْهَا فِي الْأَحْكَامِ وَلَا فِي حُقُوقِ الْمُعَامَلَاتِ.
وَفِي جَوَازِ الْعَمَلِ بِهَا فِي حُقُوقِ بَيْتِ الْمَالِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهَا اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ فِيهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِهَا عَلَى الْعُمُومِ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ وَالْحُقُوقِ، لِدُخُولِ الِاحْتِمَالِ فِيهَا وَإِمْكَانِ التَّزْوِيرِ عليها.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَا يُرَدُّ مِنْ قَضَاءِ قَاضِيهِمْ إِلَّا مَا يُرَدُّ مِنْ قَضَاءِ قَاضِي غَيْرِهِمْ (وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ) إِذَا كَانَ غَيْرَ مَأْمُونٍ بِرَأْيِهِ عَلَى اسْتِحْلَالِ دَمٍ وَمَالٍ لَمْ يُنَفَّذْ حُكْمُهُ ولم يقبل كتابه) . قال الماوردي: وقال فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْمُونٍ برأيه على استحلال دم أو مال لم ينفذ حكمه ولم يقبل كتابه.
إِذَا قَلَّدَ أَهْلُ الْبَغْيِ قَاضِيًا عَلَى الْبِلَادِ الَّتِي غُلِبُوا عَلَيْهَا، نُظِرَتْ حَالُهُ: فَإِنْ كَانَ يَرَى اسْتِحْلَالَ دِمَاءِ أَهْلِ الْعَدْلِ وَأَمْوَالِهِمْ: كَانَ تَقْلِيدُهُ بَاطِلًا، وَقَضَايَاهُ مَرْدُودَةً، سَوَاءٌ وَافَقَتِ الْحَقَّ أَوْ خَالَفَتْهُ.
لِأَنَّهُ بِهَذَا الِاعْتِقَادِ فَاسِقٌ، وَوِلَايَةُ الْفَاسِقِ بَاطِلَةٌ، وَبُطْلَانُ وِلَايَتِهِ تُوجِبُ رَدَّ أَحْكَامِهِ.

فصول الكتاب · 30 فصل · 608 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الحاوي الكبير · 608 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كِتَابُ الْبُيُوعِ
كتاب الإقرار
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كتاب العارية
كتاب الغصب
كِتَابُ الشَّرْطِ فِي الرَّقِيقِ يَشْتَرِطُهُمُ الْمُسَاقِي
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ الْعَطَايَا وَالصَّدَقَاتِ
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب الصداق
كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع
كتاب السير
كتاب مختصر الجامع من كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب النذور
كِتَابُ الْعِتْق
كتاب عتق أمهات الأولاد من كتب
جارٍ التحميل