كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الماوردي
- الكتاب
- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
- المحقق
- الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1419 هـ -1999 م
- عدد الأجزاء
- 19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
عَبْدًا فِي الْحَالَتَيْنِ كَانَ عَلَى الْأَوَّلِ نِصْفُ قِيمَتِهِ سَلِيمًا، وَعَلَى الثَّانِي نِصْفُ قِيمَتِهِ مَقْطُوعًا.
قُلْنَا: لِأَنَّ قِيمَةَ الْعَبْدِ تَخْتَلِفُ بِالسَّلَامَةِ وَالنُّقْصَانِ، وَدِيَةَ الْحُرِّ لَا تَخْتَلِفُ بِالسَّلَامَةِ وَالنُّقْصَانِ، فَلِذَلِكَ تَسَاوَيَا فِي دِيَةِ الْحُرِّ وَتَفَاضَلَا فِي قِيمَةِ الْعَبْدِ.
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الدِّيَةَ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ فَهِيَ بَيْنَ السَّيِّدِ وَالْوَرَثَةِ، لِحُدُوثِ الْجِنَايَةِ فِي رِقٍّ وَحُرِّيَّةٍ، وَلِلسَّيِّدِ مِنْهَا أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ نِصْفِ الْقِيمَةِ أَوْ نِصْفِ الدِّيَةِ، فَإِنْ كَانَ نِصْفُ الدِّيَةِ أَقَلَّ الْأَمْرَيْنِ اسْتَوْفَى مِنَ القَاطِعِينَ الدِّيَةَ إِبِلًا وَأَعْطَى السَّيِّدَ نِصْفَهَا إِبِلًا، وَلِلْوَرَثَةِ نِصْفَهَا إِبِلًا.
وَهَلْ يَخْتَصُّ السَّيِّدُ بِالنِّصْفِ الَّذِي عَلَى الْقَاطِعِ الْأَوَّلِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ مُحْتَمَلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَخْتَصُّ بِهِ لِاخْتِصَاصِهِ بِالْجِنَايَةِ فِي مِلْكِهِ، فَيَكُونُ النِّصْفُ الَّذِي عَلَى الْقَاطِعِ الْأَوَّلِ لِلسَّيِّدِ، وَالنِّصْفُ الَّذِي عَلَى الْقَاطِعِ الثَّانِي لِلْوَرَثَةِ، وَلَا يَقَعُ اشْتِرَاكٌ بَيْنَ السَّيِّدِ وَالْوَرَثَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُمَا مُشْتَرِكَانِ فِيهِمَا عَلَى الْقَاطِعَيْنِ، وَلَا يختص واحد منهما بما على أحدهما؛ لأنها اشْتَرَكَا فِي قَتْلِ نَفْسٍ مُشْتَرَكَةٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْدَلَ بِالسَّيِّدِ عَنْ نِصْفِ الدِّيَةِ مِنَ الإِبِلِ إِلَى نِصْفِ الْقِيمَةِ إِلَّا عَنْ مُرَاضَاةٍ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الإِبِلِ مُسْتَحَقَّةً فِي قِيَمِ الْعَبِيدِ، لِأَنَّهُ صَارَ مَعْدُولًا بِهِ عَنِ الْقِيمَةِ إِلَى الدِّيَةِ، وَجَبَ أَنْ يَعْدِلَ بِهِ عَنْ جِنْسِ الْقِيمَةِ إِلَى جِنْسِ الدِّيَةِ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ الْأَمْرَيْنِ نِصْفُ الْقِيمَةِ وَجَبَ أَنْ يَأْخُذَ السَّيِّدُ مِنْ إِبِلِ الدِّيَةِ نِصْفَ قِيمَةِ عَبْدِهِ وَرِقًا أَوْ ذَهَبًا، فَإِنْ عَدَلَ إِلَى الْإِبِلِ لَمْ يَجُزْ إِلَّا عَنْ مُرَاضَاةٍ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ مِنْ غَيْرِهَا.
فَإِنْ قِيلَ بِالْوَجْهِ الْأَوَّلِ إنَّ حَقَّهُ مُخْتَصٌّ بِالْجَانِي الْأَوَّلِ رَجَعَ عَلَيْهِ بِنِصْفِ قِيمَةِ عَبْدِهِ، وَقَوَّمَ بِهَا مِنَ الإِبِلِ مَا قَابَلَهَا، وَدَفَعَ مَا بَقِيَ مِنْ نِصْفِ الدِّيَةِ مَعَ جَمِيعِ النِّصْفِ الْآخَرِ إِلَى الْوَرَثَةِ، وَإِنْ قِيلَ بِالْوَجْهِ الثَّانِي إنَّ السَّيِّدَ وَالْوَرَثَةَ مُشْتَرِكَانِ فِيمَا عَلَى الْقَاطِعَيْنِ أُخِذَتْ مِنْهُمَا الدِّيَةُ إِبِلًا، وَكَانَ السَّيِّدُ شَرِيكًا فِيهَا لِلْوَارِثِ بِنِصْفِ قِيمَةِ عَبْدِهِ، وَالْوَارِثُ بِالْخِيَارِ فِي أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ نِصْفَ الْقِيمَةِ مِنْ مَالِهِ، وَيَأْخُذَ جَمِيعَ الدِّيَةِ، وَبَيْنَ أَنْ يَبِيعَ مِنْهَا بِقَدْرِ نِصْفِ الْقِيمَةِ وَيَأْخُذَ الْبَاقِيَ، فَإِنْ أَرَادَ الْوَارِثُ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى السَّيِّدِ بِنِصْفِ الْقِيمَةِ إِبِلًا لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا عَنْ مُرَاضَاةٍ، لِأَنَّ حَقَّهُ فِي غَيْرِهَا، فَهَذَا حُكْمُ الْجِنَايَةِ إِذَا كَانَتْ مِنِ اثْنَيْنِ.
(فَصْلٌ)
وَأَمَّا إِذَا كَانَ عَدَدُ الْجُنَاةِ أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْنِ كَالثَّلَاثَةِ فَصَاعِدًا، فَهَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْجُنَاةُ فِي الرِّقِّ أَقَلَّ مِنَ الجُنَاةِ بَعْدَ الْعِتْقِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْجُنَاةُ فِي الرِّقِّ أَكْثَرَ من الجناة بعد العتق.
والثالث: أن يتساوى عَدَدُهُمْ فِي الرِّقِّ، وَبَعْدَ الْعِتْقِ.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ إِذَا كَانُوا فِي الرِّقِّ أَقَلَّ، فَهُوَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ.
وَصُورَتُهَا: أَنْ يَقْطَعَ حُرٌّ يَدَهُ فِي حَالِ الرِّقِّ، ثُمَّ يُعْتَقَ، فَيَقْطَعَ ثَانٍ يَدَهُ الْأُخْرَى، وَيَقْطَعَ ثَالِثٌ إِحْدَى رِجْلَيْهِ، وَتَسْرِي الْجِنَايَاتُ الثَّلَاثُ إِلَى نَفْسِهِ فَيَمُوتُ، فَالْجَانِي فِي حَالِ الرِّقِّ لَا قَوَدَ عَلَيْهِ فِي نَفْسٍ وَلَا طَرَفٍ؛ لِأَنَّهُ جِنَايَةُ حُرٍّ عَلَى عَبْدٍ.
وَأَمَّا الْجَانِيَانِ بَعْدَ الْعِتْقِ فَعَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ فِي الطَّرَفِ، وَالْقَوَدُ فِي النَّفْسِ، لِأَنَّهَا جِنَايَةُ حُرٍّ عَلَى حُرٍّ.
وَعِنْدَ أَبِي الطَّيِّبِ بْنِ سَلَمَةَ أَنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْ طَرَفِهِ، وَلَا يُقَادُ مِنْ نَفْسِهِ.
وَقَدْ رَدَدْنَا عَلَيْهِ فَأَمَّا الدِّيَةُ فَعَلَى الثَّلَاثَةِ دِيَةُ حُرٍّ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ، مُشْتَرِكٌ فِي الْتِزَامِهَا الْجَانِي فِي الرِّقِّ، وَالْجَانِيَانِ بَعْدَ الْعِتْقِ.
وَهُمَا لِلسَّيِّدِ مِنْهُمَا قَوْلَانِ مَنْصُوصَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَهُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهِ عَبْدًا أَوْ ثُلُثِ دِيَتِهِ لِحُرٍّ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ فِي مِلْكِهِ بِقَطْعِ يَدِهِ أَوْجَبَتْ نِصْفَ قِيمَتِهِ، فَإِنْ حَدَثَ لَهُ بِالسِّرَايَةِ زِيَادَةٌ لَمْ يَمْلِكْهَا لِزَوَالِ مِلْكِهِ عِنْدَ وُجُوبِهَا، وَإِنْ حَدَثَ نُقْصَانٌ عَادَ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ جِنَايَاتٍ تُوجِبُ قِيَمًا ثُمَّ سَرَتْ إِلَى نَفْسِهِ وَجَبَ قِيمَةٌ وَاِحِدَةٌ، وَعَادَ الْبَعْضُ عَلَيْهِ كَذَلِكَ هَاهُنَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لِلسَّيِّدِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ ثُلُثِ قِيمَتِهِ عَبْدًا، أَوْ ثُلُثِ دِيَتِهِ حُرًّا، لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْجِنَايَاتِ إِذَا صَارَتْ نَفْسًا سَقَطَ اعْتِبَارُ أُرُوشِهَا، كَمَا لَوْ جَرَحَهُ، أَحَدُهُمَا مُوضِحَةً، وَالْآخَرُ جَائِفَةً وَمَاتَ كَانَا فِي دِيَتِهِ سَوَاءً.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا اعْتُبِرَ أَعْدَادُ الْجُنَاةِ فِيمَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ، وَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ أَعْدَادُهُمْ فِيمَنْ يَسْتَحِقُّ لِلدِّيَةِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، وَجَنَى عَلَيْهِ رَابِعٌ بَعْدَ الْعِتْقِ وَجَبَتِ الدِّيَةُ عَلَى أَرْبَعَةٍ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ.
وَفِيمَا لِلسَّيِّدِ مِنْهَا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَهُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهِ عَبْدًا أَوْ رُبْعِ دِيَتِهِ حُرًّا، اعْتِبَارًا بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ.
وَالثَّانِي: لَهُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ من ربع قيمته عبدا، أو ربع ديته حراً اعتباراً، ولو كان
مَعَ الرَّابِعِ خَامِسٌ لَكَانَ لَهُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهِ عَبْدًا، أَوْ خُمُسِ دِيَتِهِ حُرًّا، اعْتِبَارًا بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ.
وَلَهُ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ خُمُسِ قِيمَتِهِ عَبْدًا أَوْ خُمُسِ دِيَتِهِ حُرًّا؛ اعْتِبَارًا بِأَعْدَادِ الْجُنَاةِ.
وَلَوْ كَانَ الْجَانِي الْأَوَّلُ قَطَعَ فِي الرِّقِّ إِحْدَى أَصَابِعِهِ، ثُمَّ أُعْتِقَ، فَقَطَعَ ثَانٍ بَعْدَ الْعِتْقِ بيَدَهُ، وَقَطَعَ ثَالِثٌ رِجْلَهُ، ثُمَّ مَاتَ.
فَفِيمَا لِلسَّيِّدِ مِنَ الدِّيَةِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَهُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ عُشْرِ قِيمَتِهِ عَبْدًا، أَوْ ثُلُثِ دِيَتِهِ حُرًّا، اعْتِبَارًا بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ، لِأَنَّ فِي الْإِصْبَعِ عُشْرَ الْقِيمَةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَهُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ ثُلُثِ قِيمَتِهِ عَبْدًا، أَوْ ثُلُثِ دِيَتِهِ حُرًّا، اعْتِبَارًا بِأَعْدَادِ الْجُنَاةِ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْجُنَاةُ فِي الرِّقِّ أَكْثَرَ مِنْهُمْ بَعْدَ الْعِتْقِ فَصُورَتُهُ، أَنْ يَقْطَعَ حُرٌّ إِحْدَى يَدَيْهِ فِي الرِّقِّ، ثُمَّ يَقْطَعُ ثَانٍ إِحْدَى رِجْلَيْهِ، ثُمَّ يُعْتَقُ فَيَقْطَعُ ثَالِثٌ يَدَهُ الْأُخْرَى، ثُمَّ تَسْرِي إِلَى نَفْسِهِ فَيَمُوتُ، فَعَلَى الثَّلَاثَةِ الدِّيَةُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ.
وَفِيمَا لِلسَّيِّدِ مِنْهَا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ جَمِيعِ قِيمَتِهِ عَبْدًا، أَوْ ثُلُثَيْ دِيَتِهِ حُرًّا، اعْتِبَارًا بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ لِأَنَّ فِي إِحْدَى الْيَدَيْنِ وَإِحْدَى الرِّجْلَيْنِ قِيمَتَهُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَهُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ ثُلْثَيْ قِيمَتِهِ عَبْدًا أَوْ ثُلُثَيْ دِيَتِهِ حُرًّا، اعْتِبَارًا بِأَعْدَادِ الجناة؛ لأن في الرق من الثلاثة اثنان، وبعد العتق واحد.
وَلَوْ جَنَى عَلَيْهِ فِي الرِّقِّ ثَلَاثَةٌ: قَطَعَ أَحَدُهُمْ إِحْدَى يَدَيْهِ، وَقَطَعَ الْآخَرُ يَدَهُ الْأُخْرَى، وَقَطَعَ الثَّالِثُ إِحْدَى رِجْلَيْهِ، ثُمَّ أُعْتِقَ فَقَطَعَ رَابِعٌ بَعْدَ الْعِتْقِ رِجْلَهُ الْأُخْرَى، وَمَاتَ.
فَفِيمَا لِلسَّيِّدِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَهُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ جَمِيعِ قِيمَتِهِ عَبْدًا، أَوْ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ دِيَتِهِ حُرًّا اعْتِبَارًا بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ وَجَبَ لِجِنَايَاتِ الرِّقِّ قِيمَةٌ وَنِصْفٌ، فَهَلَّا أَوْجَبْتُمُوهَا لَهُ إِذَا اعْتَبَرْتُمْ أَرْشَ الْجِنَايَةِ.
قُلْنَا: لِأَنَّهَا إِذَا صَارَتْ نَفْسًا بَطَلَ اعْتِبَارُ مَا زَادَ عَلَى الْقِيمَةِ فَلِذَلِكَ سَقَطَ حُكْمُهُمَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَهُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ قِيمَتِهِ عَبْدًا، أَوْ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ دِيَتِهِ حُرًّا، اعْتِبَارًا بِأَعْدَادِ الْجُنَاةِ.
وَلَوْ قَطَعَ الْأَوَّلُ فِي الرِّقِّ إِحْدَى أَصَابِعِهِ، وَقَطَعَ ثَانٍ أصْبَعًا ثَانِيَةً، ثُمَّ أُعْتِقَ، فَقَطَعَ ثَالِثٌ أصْبَعًا ثَالِثَةً، ثُمَّ مَاتَ، وَجَبَتْ عَلَيْهِمُ الدِّيَةُ.
وَفِيمَا لِلسَّيِّدِ مِنْهَا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَهُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ خُمْسِ قِيمَتِهِ عَبْدًا أَوْ ثُلْثَيْ دِيَتِهِ حُرًّا اعْتِبَارًا بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَهُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ ثُلْثَيِ الْقِيمَةِ، أَوْ ثُلْثَيِ الدِّيَةِ اعْتِبَارًا بِأَعْدَادِ الْجُنَاةِ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ يَسْتَوِيَ أَعْدَادُ الْجُنَاةِ فِي الرِّقِّ وَبَعْدَ الْعِتْقِ.
وَصُورَتُهُ: أَنْ يَقْطَعَ إِحْدَى يَدَيْهِ فِي الرِّقِّ، وَيَقْطَعَ ثَانٍ يَدَهُ الْأُخْرَى ثُمَّ يُعْتَقُ، فَيَقْطَعَ ثَالِثٌ إِحْدَى رِجْلَيْهِ، وَيَقْطَعَ رَابِعٌ رِجْلَهُ الْأُخْرَى، ثُمَّ يَمُوتُ، فَعَلَيْهِمُ الدِّيَةُ، وَفِيمَا لِلسَّيِّدِ مِنْهَا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَهُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ جَمِيعِ قِيمَتِهِ عَبْدًا، أَوْ نِصْفِ دِيَتِهِ حُرًّا اعْتِبَارًا بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ، لِأَنَّ فِي الْيَدَيْنِ الْقِيمَةَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَهُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهِ عَبْدًا، أَوْ نِصْفِ دِيَتِهِ حُرًّا، اعْتِبَارًا بِأَعْدَادِ الْجُنَاةِ، لِأَنَّ فِي الرِّقِّ مِنْهُمُ اثْنَيْنِ، وَفِي الْحُرِّيَّةِ اثْنَيْنِ.
وَلَوْ قَطَعَ الْأَوَّلُ فِي الرِّقِّ إِحْدَى أَصَابِعِهِ، وَقَطَعَ الثَّانِي إِحْدَى رِجْلَيْهِ، ثُمَّ أُعْتِقَ، فَقَطَعَ الثَّالِثُ رِجْلَهُ الْأُخْرَى، وَقَطَعَ الرَّابِعُ يَدَهُ الْأُخْرَى وَمَاتَ، فَفِيمَا لِلسَّيِّدِ مِنْهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَهُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَخْمَاسِ قِيمَتِهِ عَبْدًا، أَوْ نِصْفِ دِيَتِهِ حُرًّا، اعْتِبَارًا بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ، لِأَنَّ فِي الْإِصْبَعِ عُشْرَ الْقِيمَةِ، وَفِي الْيَدِ نِصْفَهَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَهُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهِ عَبْدًا، أَوْ نِصْفِ دِيَتِهِ حُرًّا، اعْتِبَارًا بِأَعْدَادِ الْجُنَاةِ، لِأَنَّ فِي الرِّقِّ مِنْهُمُ اثْنَيْنِ وَفِي الْحُرِّيَّةِ اثْنَيْنِ.
وَلَوْ قَطَعَ الْأَوَّلُ فِي الرِّقِّ إِحْدَى أَصَابِعِهِ، وَقَطَعَ الثَّانِي إِحْدَى رِجْلَيْهِ، ثُمَّ أُعْتِقَ فَقَطَعَ الثَّالِثُ رِجْلَهُ الْأُخْرَى، وَقَطَعَ الرَّابِعُ يَدَهُ الْأُخْرَى، وَمَاتَ فَفِيمَا لِلسَّيِّدِ مِنْهَا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَخْمَاسِ قِيمَتِهِ عَبْدًا، أَوْ نِصْفِ دِيَتِهِ حُرًّا، اعْتِبَارًا بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ، لِأَنَّ فِي الْإِصْبَعِ عُشْرَ الْقِيمَةِ وَفِي الرِّجْلِ نِصْفَهَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَهُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهِ عَبْدًا، أَوْ نِصْفِ دِيَتِهِ حُرًّا، اعْتِبَارًا بِأَعْدَادِ الْجُنَاةِ، لِأَنَّ فِي الرِّقِّ مِنْهُمُ اثْنَيْنِ، وَفِي الْحُرِّيَّةِ اثْنَيْنِ، ثُمَّ عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ.
(فَصْلٌ)
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ فَرْعٌ يُحْمَلُ عَلَيْهِ نَظَائِرُهُ.
وَصُورَتُهُ: فِي حُرٍّ قَطَعَ إِحْدَى يَدَيْ عَبْدٍ، ثُمَّ أُعْتِقَ؛ فَقَطَعَ ثَانٍ يَدَهُ الْأُخْرَى، ثُمَّ ذُبِحَ الْمَقْطُوعُ فَمَاتَ تَوْجِئَةً بِالذَّبْحِ.
فَلَا يَخْلُو حَالُ الذَّابِحِ مِنْ أَحَدِ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
إِمَّا أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَاطِعَ الْأَوَّلَ فَقَدْ صَارَ بِالذَّبْحِ قَاطِعًا لِسِرَايَةِ الْقَاطِعِ الثَّانِي سَوَاءٌ انْدَمَلَ قَطْعُهُ، أَوْ لَمْ يَنْدَمِلْ، فَيَجِبُ عَلَى الثَّانِي لِلْوَارِثِ دُونَ السَّيِّدِ الْقِصَاصُ فِي الْيَدِ، أَوْ نِصْفُ الدِّيَةِ، لِأَنَّهُ قَطَعَهُ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ.
وَأَمَّا الْأُولَ فَقَدْ قَطَعَ ثُمَّ ذَبَحَ فَيُعْتَبَرُ الْقَطْعُ، فَإِنْ كَانَ قَدِ انْدَمَلَ قَبْلَ الذَّبْحِ اسْتَقَرَّ حُكْمُهُ وَوَجَبَ فِيهِ لِلسَّيِّدِ نِصْفُ الْقِيمَةِ دُونَ الْقَوَدِ، لِأَنَّهَا جِنَايَةُ حُرٍّ عَلَى عَبْدٍ، وَوَجَبَ عَلَى الْقَاطِعِ بِذَبْحِهِ الْقَوَدُ فِي النَّفْسِ لِلْوَارِثِ، فَإِنْ عَفَا فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ؛ لِأَنَّهَا جِنَايَةُ حُرٍّ عَلَى حُرٍّ، وَإِنْ لَمْ يَنْدَمِلْ قَطْعُهُ حَتَّى ذَبَحَهُ سَقَطَ الْقِصَاصُ فِي الْقَطْعِ، لِأَنَّهُ حُرٌّ جَنَى عَلَى عَبْدٍ، وَدَخَلَ أَرْشُهُ فِي دِيَةِ النَّفْسِ، لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ مَعَ دِيَةِ النَّفْسِ أَرْشُ قَطْعٍ لَمْ يَنْدَمِلْ، وَعَلَيْهِ الْقَوَدُ فِي النَّفْسِ، لِأَنَّهَا جِنَايَةُ حُرٍّ عَلَى حُرٍّ، يَسْتَحِقُّهُ الْوَارِثُ دُونَ السَّيِّدِ لِحُدُوثِ سَبَبِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ، فَإِنِ اقْتَصَّ الْوَارِثُ سَقَطَ حَقُّ السَّيِّدِ مِنْ أَرْشِ الْقَطْعِ، لِأَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ قِصَاصٌ وَأَرْشٌ.
فَإِنْ عَفَا الْوَارِثُ عَنِ الْقَوَدِ كَانَ لَهُ دِيَةُ حُرٍّ لِلسَّيِّدِ مِنْهَا أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهِ عَبْدًا، أَوْ نِصْفِ دِيَتِهِ حُرًّا قَوْلًا وَاحِدًا، اعْتِبَارًا بِأَرْشِ الْيَدِ وَلَوْ كَانَ الْقَطْعُ لِإِصْبَعٍ مِنَ اليَدِ، كَانَ لَهُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ عُشْرِ قِيمَتِهِ عَبْدًا، أَوْ عُشْرِ دِيَتِهِ حُرًّا، اعْتِبَارًا بِأَرْشِ الْإِصْبَعِ.
وَإِنْ كَانَ الذَّابِحُ هُوَ الْقَاطِعَ الثَّانِي فَقَدِ اسْتَقَرَّ قَطْعُ الْأَوَّلِ الْقَاطِعِ فِي الرِّقِّ سَوَاءٌ انْدَمَلَ أَوْ لَمْ يَنْدَمِلْ، لِأَنَّ حُدُوثَ الذَّبْحِ بَعْدَهُ قَاطِعٌ لِسِرَايَتِهِ فَاسْتَقَرَّ حُكْمُهُ، وَوَجَبَ فِيهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ، قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ، وَلَا قَوَدَ لِأَنَّهُ قَطْعُ حُرٍّ لِعَبْدٍ ثُمَّ يُنْظَرُ فِي الْقَطْعِ الثَّانِي بَعْدَ الْعِتْقِ، فَإِنْ كَانَ قَدِ انْدَمَلَ قَبْلَ الذَّبْحِ اسْتَقَرَّ حُكْمُهُ فِي حَقِّ الْوَارِثِ مَعَ حُكْمِ الذَّبْحِ، وَكَانَ لِلْوَارِثِ الْخِيَارُ فِي الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ.
بَيْنَ الْقِصَاصِ فِي الْيَدِ، وَالْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ، فَيَسْتَوِي بِهِمَا حَقَّيِ الْقَطْعِ وَالذَّبْحِ، لِأَنَّهُمَا مِنْ حُرٍّ عَلَى حُرٍّ، وَبَيْنَ أَنْ يَقْتَصَّ مِنَ اليَدِ، وَيَأْخُذَ دِيَةَ النَّفْسِ، وَبَيْنَ أَنْ يقتص
مِنَ النَّفْسِ وَيَأْخُذَ نِصْفَ الدِّيَةِ فِي الْيَدِ، وَبَيْنَ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهَا فَيَأْخُذَ نِصْفَ الدِّيَةِ فِي الْيَدِ، وَدِيَةً كَامِلَةً فِي النَّفْسِ، فَيَحْصُلُ لَهُ بِانْدِمَالِ الْيَدِ دِيَةٌ وَنِصْفٌ.
وَلَوْ لَمْ تَنْدَمِلِ الْيَدُ فَالْوَارِثُ بِالْخِيَارِ فِي الْقِصَاصِ بَيْنَ أربعة أشياء:
أحدها: أن يقتص من النفس واليد، فَيَسْتَوْفِيَ بِهِمَا حَقَّيِ الْقَطْعِ وَالذَّبْحِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يقتص من اليد، ويعفوا عَنِ الْقَوَدِ فِي النَّفْسِ فَيُحْكَمُ لَهُ بِدِيَةِ النَّفْسِ، وَعِنْدِي أَنَّهُ سَهْوٌ إِلَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَقْتَصَّ مِنَ النَّفْسِ، وَيَعْفُوَ عَنِ الْقِصَاصِ فِي الْعَبْدِ، فَيَسْقُطُ أَرْشُ الْيَدِ لِاخْتِصَاصِهَا قَبْلَ الِانْدِمَالِ بِالْقِصَاصِ دُونَ الْأَرْشِ.
وَالرَّابِعُ أَنْ يَعْفُوَ عَنِ الْقِصَاصِ فِي اليد والنفس فيحكم له بدية النفس، ويقسط أَرْشُ الْيَدِ لِدُخُولِهِ فِي دِيَةِ النَّفْسِ.
وَإِنْ كَانَ الذَّابِحُ أَجْنَبِيًّا اسْتَقَرَّ حُكْمُ الْقَطْعَيْنِ وَصَارَا وَإِنْ لَمْ يَنْدَمِلَا كَالْمُنْدَمِلَيْنِ لِمَا تَعَقَّبَهُمَا مِنَ التَّوْجِئَةِ الْقَاطِعَةِ لِسِرَايَتِهَا، وَكَانَ عَلَى الْقَاطِعِ الْأَوَّلِ لِلسَّيِّدِ نِصْفُ قِيمَتِهِ عَبْدًا دُونَ الْقَوَدِ؛ لِأَنَّهَا جِنَايَةُ حُرٍّ عَلَى عَبْدٍ، وَعَلَى الْقَاطِعِ الثَّانِي لِلْوَارِثِ الْقِصَاصُ فِي الْيَدِ؛ فَإِنْ عَفَا عَنْهُ فَنِصْفُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ عَلَى حُرٍّ وَعَلَى الذَّابِحِ الْقَوَدُ فِي النَّفْسِ، فَإِنْ عَفَا الْوَارِثُ عَنْهُ فَلَهُ دِيَةُ النَّفْسِ كَامِلَةً، لِأَنَّهَا جِنَايَةُ حُرٍّ عَلَى حُرٍّ، وَلَا تَنْقُصُ بِالْمَأْخُوذِ مَنْ أَرْشِ الْيَدَيْنِ لِمَا جَرَى عَلَيْهِمَا مِنْ حُكْمِ الِانْدِمَالِ.
(فَصْلٌ)
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ أَنْ يَكُونَ عَبْدٌ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ فَيَقْطَعُ حُرٌّ إِحْدَى يَدَيْهِ، ثَمَّ يُعْتِقُ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ حِصَّتَهُ وَهُوَ مُعْسِرٌ، وَيَأْتِي آخَرُ فَيَقْطَعُ يَدَهُ الْأُخْرَى، ثُمَّ يَمُوتُ، وَنِصْفُهُ حُرٌّ، وَنِصْفُهُ مَمْلُوكٌ، فَلَا قَوَدَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لِبَقَاءِ الرِّقِّ فِي نِصْفِهِ، وَالْمُسْتَحَقُّ مِنْهُ نِصْفُ قِيمَتِهِ عَبْدًا مَا بَلَغَتْ، وَنِصْفُ دِيَتِهِ حُرًّا لِاسْتِقْرَارِهَا فِيهِ بَعْدَ عِتْقِ نِصْفِهِ وَرِقِّ نِصْفِهِ، وَيَتَحَمَّلُ الْقَاطِعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ فَيَكُونُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رُبْعُ الْقِيمَةِ وَرُبْعُ الدِّيَةِ، وَلَا يُفَضَّلُ وَاحِدٌ عَلَى الْآخَرِ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ جِنَايَتُهُمَا فِي الرِّقِّ وَالْعِتْقِ، لِاسْتِقْرَارِهَا فِيمَنْ رَقَّ نِصْفُهُ وَعُتِقَ نِصْفُهُ، وَيَكُونُ لِلْمُسْتَرِقِّ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ نِصْفُ قِيمَتِهِ.
فَأَمَّا نِصْفُ الدِّيَةِ فَيَشْتَرِكُ فِيهَا الْمُعَتِقُ وَالْوَارِثُ إِذَا جَعَلْنَا مَنْ عُتِقَ بَعْضُهُ مَوْرُوثًا فَيَأْخُذُ مِنْهَا الْمُعَتِقُ أَقَلَّ الأمرين من ربع قيمته عبدا، أو ربع دِيَتِهِ حُرًّا، لِأَنَّ إِحْدَى الْجِنَايَتَيْنِ كَانَتْ فِي مِلْكِهِ وَالْأُخْرَى بَعْدَ عِتْقِهِ.
وَيَعُودُ عَلَى الْوَارِثِ رُبْعُ الدِّيَةِ، وَمَا فَضَلَ مِنْ رُبْعِ الْقِيمَةِ، إن كان.
فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَعَادَ الْقَاطِعُ الْأَوَّلُ فَقَطَعَ إِحْدَى رِجْلَيْهِ وَمَاتَ، فَقَدْ مَاتَ مِنْ جِنَايَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا بَعْدَ الْعِتْقِ، وَالْأُخْرَى نِصْفُهَا فِي الرِّقِّ وَنِصْفُهَا بَعْدَ الْعِتْقِ، فَيَكُونُ عَلَيْهِمَا نِصْفُ الْقِيمَةِ وَنِصْفُ الدِّيَةِ، لِاسْتِقْرَارِهَا فِيمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ وَنِصْفُهُ مَمْلُوكٌ، وَهُمَا فِي تَحَمُّلِهَا بِالسَّوِيَّةِ، لِأَنَّ أَفْعَالَ الْجَانِي يُبْنَى بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، إِذَا صَارَتْ نَفْسًا.
وَلَا يَتَقَسَّطُ الْأَرْشُ على أعداد الجرح، كَمَا لَوْ جَرَحَهُ أَحَدُهُمَا جُرْحًا، وَالْآخَرُ عُشْرًا.
وَيَكُونُ لِمَالِكِ رِقِّهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ مَا بَلَغَتْ.
فَأَمَّا نِصْفُ الدِّيَةِ فَيَكُونُ مِنْهَا لِمُعْتِقِهِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رُبْعِ قِيمَتِهِ، أَوْ ثُمْنِ دِيَتِهِ، لِاسْتِقْرَارِ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الْجِنَايَةِ فِي نِصْفٍ بَعْدَ عِتْقِهِ.
(فَصْلٌ)
فَأَمَّا الْمُزَنِيُّ فَإِنَّهُ يُحْكَمُ عَلَى فَصْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إِذَا فَقَأَ عَيْنَيْهِ فِي الرِّقِّ، وَقِيمَتُهُ أَلْفَا دِينَارٍ، ثُمَّ أُعْتِقَ كَانَتْ عَلَيْهِ الْأَلِفَانِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: هِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ إِذَا جَنَى وَاحِدٌ عَلَيْهِ فِي الرِّقِّ، وَاثْنَانِ بَعْدَ الْعِتْقِ، أَنَّهُ يُخْتَارُ مِنَ القَوْلَيْنِ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ أَرْشُ الْجِنَايَةِ فِي الرِّقِّ، وَلَا يُعْتَبَرُ بِأَعْدَادِ الْجُنَاةِ تَمَسُّكًا بِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَدْ ذَكَرَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأَنَّ ذِكْرَ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي مَوْضِعَيْنِ، وَذِكْرَ الْآخَرِ فِي مَوْضِعٍ لَا يَقْتَضِي إِثْبَاتَ مَا تَكَرَّرَ وَنَفَيَ الْآخَرِ.
وَالثَّانِي: أَنْ قَالَ: لَمَّا كَانَ الزَّائِدُ بِالْحُرِّيَّةِ لَا يَعُودُ عَلَى السَّيِّدِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ النَّاقِصُ بِالْحُرِّيَّةِ لَا يَعُودُ عَلَيْهِ، وَهَذَا خَطَأٌ، لِأَنَّ الزَّائِدَ بِالْحُرِّيَّةِ حَادِثٌ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ فَلَمْ يَسْتَحِقَّهُ، وَالنَّاقِصَ بِالْحُرِّيَّةِ مِنْ فِعْلِهِ فَعَادَ عليه نقصه والله أعلم.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَعَلَى الْمُتَغَلِّبِ بِاللُّصُوصِيَّةِ وَالْمَأْمُورِ الْقَوَدُ إِذَا كَانَ قَاهِرًا لِلْمَأْمُورِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مِنْ أَمْرِ غَيْرِهِ بِقَتْلِ نَفْسٍ ظُلْمًا بِغَيْرِ حَقٍّ لَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ إِمَامًا مُلْتَزَمَ الطَّاعَةِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُتَغَلِّبًا نَافِذَ الْأَمْرِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُسَاوِيَ الْمَأْمُورَ، وَلَا يَعْلُوَ عَلَيْهِ بِطَاعَةٍ وَلَا قُدْرَةٍ.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْآمِرُ بِالْقَتْلِ إِمَامًا مُلْتَزَمَ الطَّاعَةِ.
فَلَا يَخْلُو حَالُ الْمَأْمُورِ فِي قَتْلِهِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ:
إِمَّا أَنْ يَجْهَلَ حَالَ الْمَقْتُولِ وَلَا يَعْلَمَ أَنَّهُ مَظْلُومٌ، وَيَعْتَقِدَ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَقْتُلُ إِلَّا بِحَقٍّ فَلَا قَوَدَ عَلَى الْمَأْمُورِ، وَلَا دِيَةَ، وَلَا كَفَّارَةَ، لِأَنَّ طَاعَةَ الْإِمَامِ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59] وَعَلَى الْإِمَامِ الْقَوَدُ، لِأَنَّ أَمْرَهُ إِذَا كَانَ مُلْتَزَمَ الطَّاعَةِ يَقُومُ مَقَامَ فِعْلِهِ لِنُفُوذِهِ، وَحُدُوثِ الْفِعْلِ عَنْهُ، وَجَرَى الْمَأْمُورُ مَعَهُ جَرْيَ الْآلَةِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَهَكَذَا قَتْلُ الْأَئِمَّةِ وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَأْمُورِ أَنْ يُكَفِّرَ لِمَا تَوَلَّاهُ مِنَ المُبَاشَرَةِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُورُ عَالِمًا بِأَنَّهُ مَظْلُومٌ، يُقْتَلُ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلِهَذَا الْمَأْمُورِ حَالَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَقْتُلَهُ مُخْتَارًا.
والثاني: مُكْرَهًا.
فَإِنْ قَتَلَهُ مُخْتَارًا غَيْرَ مُكْرَهٍ فَهُوَ الْقَاتِلُ دُونَ الْإِمَامِ، لِأَنَّ طَاعَةَ الْإِمَامِ لَا تَلْزَمُ فِي الْمَعَاصِي قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ ".
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَطِيعُونِي مَا أَطَعْتُ اللَّهَ فَإِذَا عَصَيْتُ اللَّهَ فَلَا طَاعَةَ لِي عَلَيْكُمْ وَيَكُونُ الْإِمَامُ بِأَمْرِهِ آثِمًا، وَيَتَمَكَّنُ الْمَأْمُورُ مِنَ القَتْلِ عَاصِيًا، وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْهُ قَوَدٌ وَلَا دِيَةَ وَلَا كَفَّارَةَ.
وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَقَوْلِ جُمْهُورِ أَصْحَابِهِ.
وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ إِلَى وُجُوبِ الْقَوَدِ عَلَى الْإِمَامِ بِمُجَرَّدِ أَمْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ إِكْرَاهٌ لِلُزُومِ طَاعَتِهِ، وَنُفُوذِ أَمْرِهِ، وَجَعَلَ الْقَوَدَ وَاجِبًا عَلَى الْآمِرِ وَالْمَأْمُورِ مَعًا، وَلِهَذَا الْقَوْلِ وَجْهٌ فِي اعْتِبَارِ الْمَصْلَحَةِ، وَحَسْمِ عُدْوَانِ الْأَئِمَّةِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْقِيَاسِ ضَعِيفًا.
وَإِنْ كَانَ الْمَأْمُورُ مُكْرَهًا عَلَى الْقَتْلِ بِأَنْ قَالَ لَهُ الْإِمَامُ: إِنْ لَمْ تَقْتُلْهُ قَتَلْتُكَ، فَالْقَوَدُ عَلَى الْإِمَامِ الْآمِرِ وَاجِبٌ.
وَفِي وُجُوبِهِ عَلَى الْمَأْمُورِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَاجِبٌ كَالْإِمَامِ يُقَادُ مِنْهُمَا جَمِيعًا، فَإِنْ عَفَا عَنْهُمَا اشْتَرَكَا فِي الدِّيَةِ، وَكَانَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفَّارَةٌ.
وَبِهِ قَالَ زُفَرُ بن الهذيل.
والقود الثَّانِي: أَنَّهُ لَا قَوَدَ عَلَى الْمَأْمُورِ وَالْمُكْرَهِ، وَيَخْتَصُّ الْقَوَدُ بِالْإِمَامِ الْمُكْرِهِ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَعْلِيلِ هَذَا الْقَوْلِ فِي سُقُوطِ الْقَوَدِ عَنِ الْمَأْمُورِ فَذَهَبَ الْبَغْدَادِيُّونَ بِأَسْرِهِمْ إِلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِيهِ أَنَّ الْإِكْرَاهَ شُبْهَةٌ تُدْرَأُ بِهَا الْحُدُودُ.
فَعَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ يَجِبُ عَلَيْهِ إِذَا سَقَطَ القود عنه نصف الدية، لأنه أحد القائلين، وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ.
وَذَهَبَ الْبَصْرِيُّونَ مِنْهُمْ: إِلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِيهِ أَنَّ الْإِكْرَاهَ إِلْجَاءٌ وَضَرُورَةٌ تَنْقُلُ حُكْمَ الْفِعْلِ عَنِ الْمُبَاشِرِ إِلَى الْآمِرِ كَالْحَاكِمِ إِذَا أَلْجَأَهُ شُهُودُ الزُّورِ إِلَى الْقَتْلِ.
فَعَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ تَسْقُطُ عَنْهُ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ كَمَا تَسْقُطُ عَنْهُ الْقَوَدُ، وَتَكُونُ الدِّيَةُ كُلُّهَا عَلَى الْإِمَامِ الْمُكْرِهِ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا قَوَدَ عَلَى الْإِمَامِ الْآمِرِ، وَلَا عَلَى الْمَأْمُورِ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ أَمْرَ الْإِمَامِ سَبَبٌ وَمُبَاشَرَةُ الْمَأْمُورِ إِلْجَاءٌ، فَسَقَطَ حُكْمُ السَّبَبِ بِحُدُوثِ الْمُبَاشَرَةِ، وَسَقَطَ حُكْمُ الْمُبَاشَرَةِ بِوُجُودِ الْإِلْجَاءِ، فَسَقَطَ الْقَوَدُ عَنْهُمَا.
وَهَذَا خَطَأٌ لِقَوْلِ الله تَعَالَى {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا) [الإسراء: 33] فَلَوْ سَقَطَ الْقَوَدُ عَنْهُمَا مَعَ وُجُودِ الظُّلْمِ فِي الْقَتْلِ لَبَطَلَ سُلْطَانُهُ، وَلَمَّا انْزَجَرَ عَنِ الْقَتْلِ ظَالِمٌ، وَلِأَنَّ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ يَمْنَعُ مِنْ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ.
وَهُوَ مَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَلَّى رَجُلًا الْيَمَنَ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْهَما مَقْطُوعُ الْيَدِ.
فَقَالَ: إِنَّ خَلِيفَتَكَ ظَلَمَنِي فَقَطَعَنِي.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّهُ ظَلَمَكَ لَقَطَعْتُهُ.
فَدَلَّ عَلَى مُؤَاخَذَةِ الْوَالِي بِظُلْمِهِ فِيمَا أَمَرَ بِهِ.
وَقَدْ أَنْفَذَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ رَسُولًا إِلَى امْرَأَةٍ أَرْهَبَهَا فَأَجْهَضَتْ مَا فِي بَطْنِهَا فَزَعًا فَالْتَزَمَ عُمَرُ دِيَتَهُ.
وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلَيْنِ شَهِدَا عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى رَجُلٍ بِالسَّرِقَةِ فَقَطَعَهُ بِشَهَادَتِهِمَا، ثُمَّ عَادَا، وَقَالَا غَلِطْنَا، وَالسَّارِقُ هُوَ هَذَا فَرَدَّ شَهَادَتَهُمَا، وَلَمْ يَقْطَعِ الثَّانِي، وَقَالَ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكُمَا تَعَمَّدْتُمَا لَقَطَعْتُكُمَا.
فَجَعَلَ الْجَهْلَ لَهُمَا بِالشَّهَادَةِ مُوجِبًا لِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إِلَيْهِمَا وَأَخْذِهِمَا بِمُوجِبِهَا، وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ مَنْ عَاصَرَهُ فَصَارَ مَعَ مَا تَقَدَّمَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ إِجْمَاعًا، وَلِأَنَّ الْقَتْلَ
قَدْ يَكُونُ بِالْمُبَاشَرَةِ تَارَةً، وَبِالسَّبَبِ أُخْرَى، فَلَمَّا وَجَبَ الْقَوَدُ بِالْمُبَاشَرَةِ جَازَ أَنْ يَجِبَ بِالسَّبَبِ، لِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيِ الْقَتْلِ.
(فَصْلٌ)
فَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَقَدْ وَافَقَ فِي وُجُوبِ الْقَوَدِ عَلَى الْإِمَامِ الْآمِرِ رَدًّا عَلَى أَبِي يُوسُفَ، وَأَسْقَطَ الْقَوَدَ عَنِ الْمَأْمُورِ الْمُكْرَهِ، وَسَلَبَهُ حُكْمَ الْمُبَاشَرَةِ، فَلَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ دِيَةً وَلَا كَفَّارَةً، وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ فِي سُقُوطِ الْقَوَدِ.
وَمُوجِبُ تعليل البصريين في سقوط الدية والكفارة، ومخالف لِتَعْلِيلِ الْبَغْدَادِيِّينَ فِي وُجُوبِ نِصْفِ الدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ مَعَ سُقُوطِ الْقَوَدِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْقَوْلِ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ، لِأَنَّهُ يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْإِمَامِ الْآمِرِ فِي وُجُوبِ الْقَوَدِ وَالدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يَسْلُبُهُ بِالْإِكْرَاهِ جَمِيعَ أَحْكَامِ الْإِمَامِ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ " وَلِأَنَّهُ قَتَلَهُ لِإِحْيَاءِ نَفْسِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَسْقُطَ عَنْهُ الْقَوَدُ كَالْمَقْتُولِ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ، وَلِأَنَّ مَا أَوْجَبَ الْقَتْلَ بِفِعْلِ الْمُخْتَارِ سَقَطَ فِيهِ الْقَتْلُ بِفِعْلِ الْمُكْرَهِ كَالزِّنَا، وَلِأَنَّ الْإِكْرَاهَ قَدْ نَقَلَ حُكْمَ الْمُبَاشَرَةِ إِلَى الْآمِرِ، فَوَجَبَ أَنْ يَزُولَ حُكْمُهَا عَنِ الْمَأْمُورِ، لِأَنَّ الْفِعْلَ وَاحِدٌ، وَيَصِيرُ الْمَأْمُورُ فِيهِ كَالْآلَةِ أَوْ كَالسَّبُعِ الْمُرْسَلِ وَالْكَلْبِ الشَّلَّاءِ، وَلِأَنَّ الْإِكْرَاهَ يَتَنَوَّعُ نَوْعَيْنِ: إِكْرَاهُ حُكْمٍ، وَإِكْرَاهُ قَهْرٍ، ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّ إِكْرَاهَ الْحُكْمِ وَهُوَ إِلْجَاءُ الْحَاكِمِ إِلَى الْقَتْلِ بِشَهَادَةِ الزُّورِ يَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ الْقَتْلِ عَلَيْهِ مَعَ أَمْنِهِ عَلَى نَفْسِهِ، فَكَانَ إِكْرَاهُ الْقَهْرِ أَوْلَى أَنْ يَمْنَعَ مِنْ وُجُوبِ الْقَوَدِ مَعَ خَوْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَلِأَنَّ الْإِكْرَاهَ يَكُونُ تَارَةً عَلَى الْقَوْلِ بِأَنْ يَتَلَفَّظَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ، وَتَارَةً عَلَى الْقَتْلِ بِأَنْ يُؤْمَرَ بِالْقَتْلِ، ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّ حُكْمَ الْكُفْرِ يَزُولُ بِالْإِكْرَاهِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْقَتْلِ يَزُولُ بِالْإِكْرَاهِ.
وَدَلِيلُنَا عُمُومُ قول الله تَعَالَى: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا) [الإسراء: 33] وَلِأَنَّهُ عَمْدٌ، قَتَلَهُ ظُلْمًا لِإِحْيَاءِ نَفْسِهِ، فَلَمْ يَمْنَعْ إِحْيَاؤُهُ لَهَا مِنْ قَتْلِهِ قَوَدًا، قِيَاسًا عَلَى الْمُفْطِرِ إِذَا أَكَلَ مِنَ الجُوعِ مَحْظُورَ النَّفْسِ، ثُمَّ هَذَا أَوْلَى بِالْقَتْلِ مِنَ المُضْطَرِّ، لِأَنَّ الْمُضْطَرَّ عَلَى يَقِينٍ مِنَ التَّلَفِ إِنْ لَمْ يَأْكُلْ، وَلَيْسَ الْمَأْمُورُ عَلَى يَقِينٍ مِنَ القَتْلِ إِنْ لَمْ يَقْتُلْ، وَعَلَى أَنَّ الْأُصُولَ تَشْهَدُ لِصِحَّةِ هَذَا التَّعْلِيلِ، أَلَّا تَرَى أَنَّ رُكَّابَ السَّفِينَةِ إِذَا خَافُوا الْغَرَقَ مِنْ ثِقَلِهَا فَأَلْقَوْا بَعْضَهُمْ فِي الْبَحْرِ لِيَسْلَمَ بَاقِيهِمْ لَزِمَهُمُ الْقَوَدُ، وَلَوْ صَادَفَهُمْ سَبُعٌ خَافُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوْا عَلَيْهِ أَحَدَهُمْ لِيَتَشَاغَلَ بِهِ عَنْهُمْ وَجَبَ عَلَيْهِمُ الْقَوَدُ، كَذَلِكَ الْمُكْرَهُ الْمُفْتَدِي نَفْسَهُ بِغَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُ فِي إِحْيَاءِ نَفْسِهِ بِقَتْلِ غَيْرِهِ، لِأَنَّ حُرْمَةَ غَيْرِهِ مِثْلُ حُرْمَةِ نَفْسِهِ، فَلَمْ يَكُنْ إِحْيَاءُ نَفْسِهِ بِالْغَيْرِ أَوْلَى مِنْ إِحْيَاءِ الْغَيْرِ بِنَفْسِهِ فَاسْتَوَيَا، وَصَارَ وُجُودُ الْعُذْرِ كَعَدَمِهِ، فَاقْتَضَى أَنْ يَجِبَ الْقَوَدُ بَيْنَهُمَا كَوُجُوبِهِ لَوْ لَمْ يكن مكرهاً.
فَأَمَّا الْخَبَرُ فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا اخْتَصَّ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى دُونَ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، وَقِيَاسُهُمْ عَلَى قَتْلِهِ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ مُنْتَقِضٌ بِأَكْلِهِ مِنَ الجُوعِ، ثُمَّ الْمَعْنَى فِي الْمَدْفُوعِ أَنَّهُ قَدْ أَبَاحَ نَفْسَهُ بِالطَّلَبِ فَصَارَ مَقْتُولًا بِحَقٍّ، وَهَذَا مقتول بظلم، فافترقا.
وقياسهم عَلَى الْإِكْرَاهِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي صِحَّةِ الْإِكْرَاهِ عَلَيْهِ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى اسْتِحَالَتِهِ لِأَنَّ إِيلَاجَ الذَّكَرِ لَا يَكُونُ إِلَّا مَعَ انْتِشَارِهِ، وَانْتِشَارُ الذَّكَرِ، وَإِنْزَالُ مَائِهِ لَا يَكُونُ إِلَّا مَعَ قُوَّةِ الشَّهْوَةِ الْمُنَافِيَةِ لِلْإِكْرَاهِ فَاسْتَحَالَ فِيهِ الْإِكْرَاهُ.
وَذَهَبَ آخَرُونَ مِنْهُمْ إِلَى صِحَّةِ الْإِكْرَاهِ، فِيهِ لِأَنَّ انْتِشَارَ الذَّكَرِ قَدْ يَكُونُ مِنَ الطَّبْعِ الْمُحَرِّكِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهِ عَنْ نَفْسِهِ، وَهُوَ مُؤَاخَذٌ بِفِعْلِ نَفْسِهِ لَا بِمَا رَكَّبَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي طَبْعِهِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمَعْنَى فِي سُقُوطِ الْحَدِّ بِالْإِكْرَاهِ اخْتِصَاصَهُ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْقَتْلُ بِحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، فَافْتَرَقَا وَقَوْلُهُمْ: إِنَّ الْإِكْرَاهَ قَدْ نَقَلَ حُكْمَ الْمُبَاشَرَةِ عَنِ الْمَأْمُورِ إِلَى الْآمِرِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، بَلْ تَعَدَّى عَنِ الْمَأْمُورِ إِلَى الْآمِرِ، وَالْفِعْلُ إِذَا تَعَدَّى حُكْمُهُ إِلَى غَيْرِ الْفَاعِلِ كَانَ أَوْلَى أَنْ يُؤَاخَذَ بِهِ الْفَاعِلُ، لِأَنَّ تَعَدِّيِهِ لِفَضْلِ قوته.
وجمعهم بَيْنَ الْمُكْرَهِ وَالْحَاكِمِ إِلْجَاءٌ غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأَنَّ مَنْ قَتَلَهُ الْحَاكِمُ بِالشَّهَادَةِ قَدْ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ لَا يَسُوغُ لَهُ تَرْكُهُ فَلَمْ يُؤَاخَذْ بِالْقَوَدِ، وَمَنْ قَتَلَهُ الْمُكْرَهُ مَظْلُومٌ، وَالْقَاتِلُ فِيهِ مَأْثُومٌ فَوَجَبَ الْقَوَدُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُمَا لَمَّا افْتَرَقَا فِي جَوَازِ الْقَتْلِ افْتَرَقَا فِي وُجُوبِ الْقَوَدِ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ حُكْمِ إِكْرَاهِ الْإِمَامِ فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَنِ اسْتَخْلَفَهُ الْإِمَامُ وَوَلَّاهُ إِذَا أَكْرَهَ رَجُلًا عَلَى الْقَتْلِ كَانَ الْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي إِكْرَاهِ الْإِمَامِ فِي وُجُوبِ الْقَوَدِ عَلَى الْآمِرِ، وَفِي وُجُوبِهِ عَلَى الْمَأْمُورِ قَوْلَانِ، لِأَنَّ طَاعَةَ مَنِ اسْتَخْلَفَهُ الْإِمَامُ تَلْزَمُ كَلُزُومِ طَاعَةِ الْإِمَامِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ ". وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى الْقَتْلِ بِمَاذَا يَكُونُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَكُونُ بِكُلِّ مَا كَرِهَتْهُ النَّفْسُ وَشَقَّ عَلَيْهَا مِنْ قَتْلٍ، أَوْ ضَرْبٍ، أَوْ حَبْسٍ أَوْ أَخْذِ مَالٍ، كَالْإِكْرَاهِ فِي الطَّلَاقِ وَالْبَيْعِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَكُونُ الْإِكْرَاهُ عَلَى الْقَتْلِ إِلَّا بِالْقَتْلِ، أَوْ بِمَا أَفْضَى إِلَيْهِ مِنْ قَطْعٍ أَوْ جُرْحٍ، وَلَا يَكُونُ الضَّرْبُ وَالْحَبْسُ، وَأَخْذُ الْمَالِ فِيهِ إِكْرَاهًا، لِأَنَّ حُرْمَةَ النفوس من أَغْلَظُ مِنْ حُرْمَةِ الْأَمْوَالِ، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ الْإِكْرَاهُ عَلَى الْقَتْلِ أَغْلَظَ مِنَ الإِكْرَاهِ فِيمَا عَدَاهُ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي إِكْرَاهِ الْإِمَامِ عَلَى قَتْلِ الظُّلْمِ هَلْ يَخْرُجُ بِهِ مِنْ إِمَامَتِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: حَكَاهُمَا ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَكَذَلِكَ فِي ارْتِكَابِهِ لِلْكَبَائِرِ الَّذِي يَفْسُقُ بِهَا.
أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ: أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ الإِمَامَةِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 124]
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ بِهَا مِنَ الإِمَامَةِ حَتَّى يُخْرِجَهُ مِنْهَا أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ، لانعقادها بهم، وعليهم أن يستنيبوه فإن تاب وإلا خعلوه.
(فَصْلٌ)
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْآمِرُ بِالْقَتْلِ مُتَغَلِّبًا فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مُتَغَلِّبًا بِتَأْوِيلٍ كَمَنْ نَدَبَ نَفْسَهُ لِإِمَامَةِ أَهْلِ الْبَغْيِ، إِذَا أَمَرَ بِقَتْلِ رَجُلٍ ظُلْمًا فَلَا يَخْلُو حَالُ الْمَأْمُورِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ:
إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَرَى رَأْيَهُ، وَيَعْتَقِدُ طَاعَتَهُ، أَوْ يَكُونُ مُخَالِفًا لَهُ، فَإِنْ كان موافقا لرأيه معتقد الطَّاعَةَ فَحُكْمُ الْمَأْمُورِ مَعَهُ كَحُكْمِهِ مَعَ إِمَامِ أَهْلِ الْعَدْلِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الآمِرِ إِكْرَاهٌ وَجَبَ الْقَوَدُ عَلَى الْمَأْمُورِ دُونَ الْآمِرِ، وَإِنْ كَانَ مِنْهُ إِكْرَاهٌ وَجَبَ الْقَوَدُ عَلَى الْآمِرِ وَفِي وُجُوبِهِ عَلَى الْمَأْمُورِ قَوْلَانِ.
وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُخَالِفُهُ فِي رَأْيِهِ، وَلَا يَعْتَقِدُ طَاعَتَهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَغْلِبَ فِيهِ حَالُ الْمَأْمُورِ لِمَا يَعْتَقِدُهُ مِنْ مُخَالَفَةِ الْآمِرِ، ويجري عليه حكمه مع الآمر إذا كان مُتَغَلِّبًا بِاللُّصُوصِيَّةِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَغْلِبَ فِيهِ حَالُ الْآمِرِ، وَيَجْرِيَ عَلَيْهِ حُكْمُهُ مَعَ الْآمِرِ إِذَا كَانَ إِمَامًا لِأَهْلِ الْعَدْلِ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْبَاغِي مَعَ إِمَامِ أَهْلِ الْعَدْلِ فِي حُكْمِ أَهْلِ الْعَدْلِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَهْلُ الْعَدْلِ مَعَ إِمَامِ أَهْلِ الْبَغْيِ فِي حُكْمِ أَهْلِ الْبَغْيِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الشَّافِعِيَّ أَمْضَى أَحْكَامَ قَضَائِهِمْ عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ وَأَهْلِ الْبَغْيِ، وَجَوَازَ أَخْذِ الزَّكَاةِ وَجِبَايَةِ الْخَرَاجِ مِنْهُمَا فَاسْتَوَيَا فِي الْحُكْمِ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْمُعْتَقَدِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُتَغَلِّبًا بِاللُّصُوصِيَّةِ إِذَا أَمَرَ بِقَتْلِ رَجُلٍ.
فَالْفَرْقُ بَيْنَ أَمْرِهِ وَأَمْرِ الْإِمَامِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهَا، وَرَابِعٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ.
فَأَمَّا الثَّلَاثَةُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا.
فَأَحَدُهَا: أَنَّ طَاعَةَ الْإِمَامِ وَاجِبَةٌ إِلَّا فِيمَا يُعْلَمُ أَنَّهُ ظُلْمٌ، وَطَاعَةُ هَذَا الْمُتَغَلِّبِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ إِلَّا فِيمَا يُعْلَمُ أَنَّهُ حَقٌّ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ أَمْرِ الْإِمَامِ بِالْقَتْلِ أَنَّهُ يَحِقُّ إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ ظَلَمَ، وَالظَّاهِرُ مِنْ أَمْرِ الْمُتَغَلِّبِ بِالْقَتْلِ أَنَّهُ يَظْلِمُ إِلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ حَقٌّ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ اجْتِهَادَ الْإِمَامِ فِيمَنْ يَسْتَبِيحُ قَتْلَهُ مِنْ مُسْلِمٍ بِكَافِرٍ، وَحُرٍّ بِعَبْدٍ نَافِذٍ، وَاجْتِهَادُ هَذَا الْمُتَغَلِّبِ فِيهِ غَيْرُ نَافِذٍ.
فَإِذَا افْتَرَقَا مِنْ هَذِهِ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ اعْتُبِرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْآمِرِ إِنْ كَانَ إِمَامًا أَوْ مُتَغَلِّبًا فَأَجْرَى عَلَيْهِ حُكْمَهُ عَلَى اخْتِلَافِ أَحْكَامِهِمَا فِي الْجِهَتَيْنِ.
وَأَمَّا الرَّابِعُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ فَهُوَ الْإِكْرَاهُ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي حُكْمِ الْإِكْرَاهِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ فِيهِ أَوْ يَخْتَلِفَانِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمَا يَسْتَوِيَانِ فِي الْإِكْرَاهِ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْآمِرِ مِنْ غَيْرِ إِكْرَاهٍ، فَعَلَى هَذَا إِذَا أَمَرَ الْمُتَغَلِّبُ رَجُلًا بِالْقَتْلِ مِنْ غَيْرِ إِكْرَاهٍ وَجَبَ عَلَى الْمَأْمُورِ الْقَوَدُ، سَوَاءٌ عَلِمَ بِظُلْمِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ أَمْرِهِ بِالْقَتْلِ أَنَّهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَلَا قَوَدَ عَلَى الْآمِرِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُطَاعٍ فِي الظَّاهِرِ، مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ حَقٌّ، فَصَارَ الْمَأْمُورُ هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِالْقَتْلِ، وَالْآمِرُ مُشِيرٌ بِهِ، وَإِنْ أَكْرَهَهُ الْآمِرُ الْمُتَغَلِّبُ عَلَى الْقَتْلِ وَجَبَ عَلَى الْآمِرِ الْقَوَدُ، وَفِي وُجُوبِهِ عَلَى الْمَأْمُورِ قَوْلَانِ، لِاسْتِوَاءِ الْإِمَامِ وَالْمُتَغَلِّبِ فِي الْإِكْرَاهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ فِي حُكْمِ الْإِكْرَاهِ كَمَا اخْتَلَفَا فِي حُكْمِ الِاخْتِيَارِ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ فِي طَاعَةِ الْإِمَامِ شُبْهَةً لَيْسَتْ فِي طَاعَةِ الْمُتَغَلِّبِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ أَمْرَ الْإِمَامِ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ، لَا يُقْدَرُ عَلَى الْخَلَاصِ مِنْهُ، وَأَمْرُ الْمُتَغَلِّبِ خَاصٌّ فِي بَعْضِهَا يُقْدَرُ عَلَى الْخَلَاصِ مِنْهُ إِذَا انْتَقَلَ إِلَى غَيْرِهَا.
فَعَلَى هَذَا إِذَا أَكْرَهَ الْمُتَغَلِّبُ رَجُلًا عَلَى الْقَتْلِ وَجَبَ الْقَوَدُ عَلَى الْآمِرِ وَالْمَأْمُورِ جَمِيعًا، وَإِنْ كَانَ فِي مُكْرَهِ الْإِمَامِ قَوْلَانِ: لِمَا ذُكِرَ مِنَ الفَرْقَيْنِ، وَإِنْ كَانَا ضَعِيفَيْنِ.
(فَصْلٌ)
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ الْآمِرُ بِالْقَتْلِ مُسَاوِيًا لِلْمَأْمُورِ لَا يَفْضُلُ عَلَيْهِ بِقُدْرَةٍ، وَلَا يَدٍ فَالْإِكْرَاهُ مِنْ مِثْلِهِ مَعْدُومٌ، وَالْمَأْمُورُ هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِالْقَتْلِ دُونَ الْآمِرِ، وَالْآمِرُ أَضْعَفُ حَالًا مِنَ المُمْسِكِ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَوَدٌ وَلَا دِيَةٌ وَلَا كَفَّارَةٌ، لكن يكون
آثِمًا بِالرِّضَا وَالْمَشُورَةِ، وَعَلَى الْمَأْمُورِ الْقَوَدُ أَوِ الدِّيَةُ، وَيَخْتَصُّ بِالْتِزَامِهَا مَعَ الْكَفَّارَةِ.
فَإِنْ غَرَّ الْآمِرُ الْمَأْمُورَ وَقَالَ: اقْتُلْ هَذَا فَإِنَّهُ حَرْبِيٌّ أَوْ مُرْتَدٌّ فَقَتَلَهُ وَكَانَ مُسْلِمًا فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَالْقَوَدُ عَلَى الْمَأْمُورِ وَاجِبٌ، وَلَا قَوَدَ عَلَى الْآمِرِ، فَإِنْ عَفَي عَنِ الْقَوَدِ وَجَبَ عَلَيْهِ الدِّيَةُ، وَلَا يَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْآمِرِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ إِسْلَامُ أَهْلِهَا، فَضَعُفَ غُرُورُ الْآمِرِ فِيهَا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَا قَوَدَ عَلَى الْمَأْمُورِ وَلَا عَلَى الْآمِرِ، وَتَجِبُ عَلَى الْمَأْمُورِ الدِّيَةُ كَالْخَاطِئِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ كُفْرُ أَهْلِهَا.
فَإِذَا غَرِمَ الْمَأْمُورُ الدِّيَةَ فَفِي رُجُوعِهِ بِهَا عَلَى الْآمِرِ الْغَارِّ وَجْهَانِ مُخَرَّجَانِ مِنَ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِيمَنْ غَرَّ رَجُلًا فِي النكاح على أن المنكوحة حرة فباتت أَمَةً، هَلْ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا غَرَّمَهُ مِنْ صَدَاقِهَا فِيهَا قَوْلَانِ: كَذَلِكَ هَاهُنَا يَتَخَرَّجُ فِيهِ وجهان والله أعلم.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَعَلَى السَّيِّدِ الْقَوَدُ إِذَا أَمَرَ عَبْدَهُ صَبِيًّا أَوْ أَعْجَمِيًّا لَا يَعْقِلُ بِقَتْلِ رَجُلٍ فَقَتَلَهُ فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ يَعْقِلُ فَعَلَى الْعَبْدِ الْقَوَدُ وَلَوْ كَانَا لِغَيْرِهِ فَكَانَا يُمَيِّزَانِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِمَا فَهُمَا قَاتِلَانِ وَإِنْ كَانَا لَا يُمَيِّزَانِ فَالْآمِرُ الْقَاتِلُ وَعَلَيْهِ الْقَوَدُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ أَمَرَ عَبْدَهُ بِالْقَتْلِ.
فَامْتَثَلَ أَمْرَهُ فِيهِ فَلِلْعَبْدِ الْمَأْمُورِ حَالَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَا يُمَيِّزُ فِي طَاعَةِ سَيِّدِهِ بَيْنَ الْمَحْظُورِ وَالْمُبَاحِ، إِمَّا لِصِغَرِهِ وَإِمَّا لِأَعْجَمِيَّتِهِ، فَيَكُونُ السَّيِّدُ الْآمِرُ هُوَ الْقَاتِلَ، وَيَكُونُ الْعَبْدُ مَعَهُ كَالْآلَةِ الَّتِي يَسْتَعْمِلُهَا أَوْ كَالْبَهِيمَةِ الَّتِي يُشْلِيهَا فَيَكُونُ الْقَوَدُ فِي الْمَقْتُولِ وَاجِبًا عَلَى السَّيِّدِ دُونَ الْعَبْدِ، فَإِنْ عَفَي عَنْهُ إِلَى الدِّيَةِ كَانَتْ حَالَّةً فِي مَالِهِ، وَلَا تَرْتَهِنُ رَقَبَةُ الْعَبْدِ بِهَا، وَيَكُونُ كَسَائِرِ أَمْوَالِ السَّيِّدِ.
وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ السَّيِّدُ لِهَذَا الْعَبْدِ، اقْتُلْنِي فَقَتَلَ سَيِّدَهُ بِأَمْرِهِ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ، وَيَكُونُ السَّيِّدُ قَاتِلَ نَفْسِهِ.
وَلَوْ قَالَ لَهُ السَّيِّدُ: اقْتُلْ نَفْسَكَ فَقَتَلَ نَفْسَهُ عَنْ أَمْرِهِ، كَانَ السَّيِّدُ هُوَ الْقَاتِلَ لِعَبْدِهِ، فَيُؤْخَذُ بِمَا يُؤْخَذُ بِهِ قَاتِلُ عَبْدِهِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ يَكُونَ هَذَا الْعَبْدُ يُمَيِّزُ فِي طَاعَةِ سَيِّدِهِ بَيْنَ الْمُبَاحِ وَبَيْنَ الْمَحْظُورِ، وَيَعْلَمُ أَنَّ الْقَتْلَ مَحْظُورٌ لَا يُطَاعُ فِيهِ السَّيِّدُ، إِمَّا لِبُلُوغِهِ وَعَقْلِهِ، وإما
لِمُرَاهَقَتِهِ وَتَمْيِيزِهِ، فَيَكُونُ الْعَبْدُ هُوَ الْقَاتِلَ دُونَ السَّيِّدِ، فَإِنْ كَانَ بَالِغًا وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ، وَإِنْ كَانَ مُرَاهِقًا لَمْ يَبْلُغْ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ، وَتَكُونُ الدِّيَةُ فِي رَقَبَتِهِ يُبَاعُ فِيهَا.
وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ لَهُ السَّيِّدُ: اقْتُلْنِي فَقَتَلَ سَيِّدَهُ بِأَمْرِهِ كَانَ الْعَبْدُ هُوَ الْقَاتِلُ إِلَّا أَنَّهُ لَا قَوَدَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ فِي أَمْرِ السَّيِّدِ إِبْرَاءً مِنَ القَوَدِ، وَلَا يَثْبُتُ فِي رَقَبَتِهِ الدِّيَةُ، لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ لِمُسْتَحِقِّهَا مِنَ الوَرَثَةِ وَلَوْ قَالَ لَهُ السَّيِّدُ: اقْتُلْ نَفْسَكَ فَقَتَلَ نَفْسَهُ كَانَ هُوَ الْقَاتِلَ لِنَفْسِهِ دُونَ السَّيِّدِ.
وَهَكَذَا حُكْمُ الْأَبِ مَعَ ابْنِهِ إِذَا أَمَرَهُ بِالْقَتْلِ فِي أَنْ يُرَاعَى تَمْيِيزُ الِابْنِ، فَإِنْ كَانَ مُمَيِّزًا يَعْلَمُ أَنَّ طَاعَةَ الْأَبِ فِي الْقَتْلِ لَا تَجِبُ، فَالِابْنُ هُوَ الْقَاتِلُ دُونَ الْأَبِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُمَيِّزُ لِصِغَرِهِ أَوْ بَلَهِهِ، فَالْأَبُ هُوَ الْقَاتِلُ دُونَ الِابْنِ.
(فَصْلٌ)
وَإِذَا أَمَرَ أَجْنَبِيٌّ عَبْدَ غَيْرِهِ بِالْقَتْلِ، فَأَطَاعَ الْعَبْدُ غَيْرَ سَيِّدِهِ فِي الْقَتْلِ، رُوعِيَ حَالُ الْعَبْدِ، فَإِنْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ طَاعَةِ سَيِّدِهِ وَطَاعَةِ غَيْرِهِ لِصِغَرِهِ أَوْ أَعْجَمِيَّتِهِ أَوِ اعْتَقَدَ أَنَّ كُلَّ آمِرٍ مُطَاعٌ كَانَ الْآمِرُ هُوَ الْقَاتِلَ، وَإِنْ فَرَّقَ بَيْنَ سَيِّدِهِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فِي الْتِزَامِ طَاعَتِهِ، فَالْعَبْدُ هُوَ الْقَاتِلُ دُونَ الْآمِرِ، فَإِنْ تَشَبَّهَ الْأَجْنَبِيُّ بِالسَّيِّدِ وَدَلَّسَ نفسه على العبد حين أمره القتل كَانَ الْآمِرُ هُوَ الْقَاتِلَ دُونَ الْعَبْدِ، إِنْ كَانَ الْعَبْدُ لَا يُفَرِّقُ فِي طَاعَةِ السَّيِّدِ بَيْنَ الْمُبَاحِ وَالْمَحْظُورِ، وَإِنْ كَانَ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا، فَالْعَبْدُ هُوَ الْقَاتِلُ دُونَ الْآمِرِ.
وَلَوْ قَالَ الْأَجْنَبِيُّ لِلْعَبْدِ: قَدْ أَمَرَكَ سَيِّدُكَ بِالْقَتْلِ فَقَتَلَ كَانَ هَذَا الْقَوْلُ فِي حَقِّ الْعَبْدِ كَأَمْرِ سَيِّدِهِ، وَفِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ كَأَمْرِ نَفْسِهِ فَيَكُونُ عَلَى مَا تَفَصَّلَ مِنَ الحُكْمَيْنِ.
(مَسْأَلَةٌ)
قَالَ الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ قَتَلَ مُرْتَدٌّ نَصْرَانِيًّا ثُمَّ رَجَعَ فَفِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ عَلَيْهِ الْقَوَدَ وَهُوَ أَوْلَاهُمَا لِأَنَّهُ قَتَلَ وَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ وَالثَّانِي أَنْ لَا قَوَدَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى دِينِهِ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) رَحِمَهُ اللَّهُ قَدْ أَبَانَ أَنَّ الْأَوَّلَ أَوْلَاهُمَا فَالْأَوْلَى أَحَقُّ بِالصَّوَابِ وَقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ فِي رَفْعِ الْقَوَدِ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى دِينِهِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقَاتِلُ نَصْرَانِيًّا يُقَرُّ عَلَى دِينِهِ لَكَانَ الْقَوَدُ عَلَيْهِ وَإِنْ أَسْلَمَ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) رَحِمَهُ اللَّهُ فَإِذَا كَانَ النَّصْرَانِيُّ الَّذِي يُقَرُّ عَلَى دِينِهِ الْحَرَامُ الدَّمِ إِذَا أَسْلَمَ يُقْتَلُ بِالنَّصْرَانِيِّ فَالْمُبَاحُ الدَّمِ بِالرِّدَّةِ أَحَقُّ أَنْ يُقَادَ بِالنَّصْرَانِيِّ وَإِنْ أَسْلَمَ فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا قَتَلَ مُرْتَدٌّ نَصْرَانِيًّا صَاحِبَ عَهْدٍ أَوْ جِزْيَةٍ، فَفِي وُجُوبِ الْقَوَدِ عَلَيْهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ الْمُزَنِيِّ: أَنَّ الْقَوَدَ عَلَى الْمُرْتَدِّ وَاجِبٌ، سَوَاءٌ أَقَامَ عَلَى رِدَّتِهِ أَوْ رَجَعَ إِلَى الْإِسْلَامِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: اجْتِمَاعُهُمَا عَلَى الْكُفْرِ، وَإِنْ تَنَوَّعَ وَاخْتَلَفَ لِأَنَّ جَمِيعَ الْكُفْرِ مِلَّةٌ
وَاحِدَةٌ، ثُمَّ النَّصْرَانِيُّ أَحْسَنُ حَالًا مِنَ المُرْتَدِّ، لِأَنَّهُ يُقَرُّ عَلَى نَصْرَانِيَّتِهِ، وَالْمُرْتَدُّ لَا يُقَرُّ عَلَى رِدَّتِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ حُدُوثُ إِسْلَامِ النَّصْرَانِيِّ بَعْدَ أَنْ قَتَلَ نَصْرَانِيًّا لَا يَمْنَعُ مِنَ القَوَدِ لِاجْتِمَاعِهِمَا عَلَى الْكُفْرِ عِنْدَ الْقَتْلِ، كَذَلِكَ تَقَدُّمُ إِسْلَامِ الْمُرْتَدِّ عَلَى قَتْلِهِ أَوْلَى أَنْ لَا يَمْنَعَ مِنَ القَوَدِ، لِأَنَّ حُرْمَةَ الْإِسْلَامِ عِنْدَ ثُبُوتِهِ أَوْكَدُ مِنْ حُرْمَتِهِ بَعْدَ زَوَالِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا قَوَدَ عَلَى الْمُرْتَدِّ فِي قَتْلِ النَّصْرَانِيِّ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ لَمْ تَزُلْ عَنْهُ بِالرِّدَّةِ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا أَجْرَى عَلَى الْمُرْتَدِّ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ فِي غَيْرِ الْقَوَدِ، بِمَا يُؤْخَذُ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ، وَيُؤْخَذُ بِقَضَاءِ مَا تَرَكَ مِنْ صَلَوَاتِ وَقْتِهِ، ولا يؤخذ منه الجزية، لأن لا يجري عليه صغر الْكُفْرِ، وَتُمْنَعُ الْمُرْتَدَّةُ مِنْ نِكَاحِ كَافِرٍ لِثُبُوتِ حُرْمَةِ الْإِسْلَامِ لَهَا، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْإِسْلَامِ جَارِيًا عَلَيْهِ فِي سُقُوطِ الْقَوَدِ بِقَتْلِ الْكَافِرِ، وَبِهَذَا يُدْفَعُ احْتِجَاجُ الْمُزَنِيِّ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا ثَبَتَ تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ، فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ لَا قَوَدَ عَلَيْهِ كَانَتْ دِيَةُ النَّصْرَانِيِّ فِي مَالِهِ، سَوَاءٌ قُتِلَ بِالرِّدَّةِ أَوْ رَجَعَ عَنْهَا، وَيَكُونُ بَاقِي مَالِهِ بَعْدَ الرِّدَّةِ إِنْ قَلَّ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ الْقَوَدَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ فَوَلِيُّ النَّصْرَانِيِّ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْقَوَدِ وَالْعَفْوِ، فَإِنْ عفى عَنْهُ إِلَى الدِّيَةِ فَعَلَى مَا مَضَى، وَإِنْ أَرَادَ الْقَوَدَ فَلِلْمُرْتَدِّ حَالَتَانِ
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَيَسْقُطَ قَتْلُ الرِّدَّةِ وَيُقْتَلَ قَوَدًا.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُقِيمَ عَلَى رِدَّتِهِ فَيُقَالُ لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ: إِنْ عَدَلْتَ إِلَى الدِّيَةِ قَتَلْنَاهُ بِالرِّدَّةِ، وَإِنْ أَقَمْتَ عَلَى طَلَبِ الْقَوَدِ قَتَلْنَاهُ قَوَدًا، وَدَخَلَ فِيهِ قَتْلُ الرِّدَّةِ، وَكَانَ جَمِيعُ مَالِهِ فَيْئًا فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَيُقَدَّمُ قَتْلُهُ بِالْقَوَدِ عَلَى قَتْلِهِ بِالرِّدَّةِ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْخَصْمَ فِي الْقَوَدِ آدَمِيٌّ حَاضِرٌ فَكَانَ أَوْكَدَ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِقَتْلِ الرِّدَّةِ أَنْ لَا يُوجَدُ مِنْهُ الْإِقَامَةُ عَلَيْهَا، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي قَتْلِهِ قَوَدًا.
(فَصْلٌ)
فَأَمَّا إِذَا قَتَلَ نَصْرَانِيٌّ مُرْتَدًّا فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ لِأَصْحَابِنَا:
أَحَدُهَا: وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: أَنَّهُ لا قَوَدَ عَلَيْهِ، وَلَا دِيَةَ لِأَنَّهُ مُبَاحُ الدَّمِ فَسَقَطَ عَنْهُ الضَّمَانُ كَمَا لَوْ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ عَلَى النَّصْرَانِيِّ الْقَوَدَ أَوِ الدِّيَةَ وَإِنْ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي قَتْلِهِ قَوَدٌ وَلَا دِيَةٌ، لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ مُبَاحُ الدَّمِ فِي حُقُوقِ
الْمُسْلِمِينَ دُونَ الْكُفَّارِ، كَالْقَاتِلِ مُبَاحُ الدَّمِ فِي حُقُوقِ الْأَوْلِيَاءِ دُونَ غَيْرِهِمْ، فَإِنْ قَتَلَهُ الْأَوْلِيَاءُ لَمْ يَضْمَنُوا وَإِنْ قَتَلَهُ غَيْرُهُمْ ضَمِنُوا، كَذَلِكَ الْمُرْتَدُّ إِنْ قَتَلَهُ أَوْلِيَاؤُهُ الْمُسْلِمُونَ لَمْ يَضْمَنُوهُ، وَإِنْ قَتَلَهُ غَيْرُهُمْ ضَمِنُوهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الطِّيِّبِ بْنِ سَلَمَةَ: أَنَّهُ مَضْمُونٌ فِي حَقِّ النَّصْرَانِيِّ بِالْقَوَدِ دُونَ الدِّيَةِ، فَيُقَادُ بِهِ النَّصْرَانِيُّ، لِأَنَّ الْقَوَدَ مُعْتَبَرٌ بِالْمُعْتَقَدِ، وَقَدْ تَكَافَآ فِيهِ فَوَجَبَ فَإِنْ عَفَي عَنْهُ سَقَطَتِ الدِّيَةُ، لِأَنَّهَا بِوُجُوبِ الْحُرْمَةِ، وَلَا حُرْمَةَ لِنَفْسِ الْمُرْتَدِّ، فَلَمْ تَجِبْ فِي قَتْلِهِ دِيَةٌ، وَعَكْسُ مَا قَالَهُ ابْنُ سَلَمَةَ أَشْبَهُ، لِأَنَّ وُجُوبَ الْقَوَدِ أَغْلَظُ مِنْ وُجُوبِ الدِّيَةِ لِأَنَّ عَمْدَ الْخَطَأِ يُوجِبُ الدِّيَةَ، وَلَا يُوجِبُ الْقَوَدَ، فَلَوْ قَالَ: إِنَّ الدِّيَةَ وَاجِبَةٌ لِبَيْتِ الْمَالِ دُونَ الْقَوَدِ لَكَانَ أَشْبَهَ بِالْأُصُولِ.
(فَصْلٌ)
فَأَمَّا إِذَا وَجَبَ قَتْلُ الزَّانِي الْمُحْصَنِ، فَقَتَلَهُ رَجُلٌ بِغَيْرِ أَمْرِ الْإِمَامِ.
فَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّ الْقَوَدَ عَلَى قَاتِلِهِ وَاجِبٌ، لِأَنَّ وَلِيَّ قَتْلِهِ هُوَ الْإِمَامُ، فَإِذَا تَوَلَّاهُ غَيْرُهُ أُقِيدَ مِنْهُ، كَالْعَامِلِ إِذَا قَتَلَهُ غَيْرُ وَلِيِّ الْمَقْتُولِ أُقِيدَ بِهِ.
وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَمَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ: أَنَّهُ لَا قَوَدَ، لِرِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلًا أَقْتُلُهُ؟ أَمْ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا حَتَّى تَأْتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ كَفَى بِالسَّيْفِ شَا " يَعْنِي شَاهِدًا هَذَا فَانْصَرَفَ سَعْدٌ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ، لَوْ وَجَدْتُهُ لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِلْأَنْصَارِ: أَمَا تَسْمَعُونَ مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ؟ فَقَالُوا: اعْذُرْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ غَيُورٌ، وَمَا طَلَّقَ امْرَاةً فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ مِنَّا ".
فَمَوْضِعُ الدليل منه أنه أباح قَتْلَهُ بَعْدَ الْبَيِّنَةِ.
وَرَوَى الشَّعْبِيُّ أَنَّ رَجُلًا غَزَا، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى امْرَأَتِهِ أَخَاهُ فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ.
فَقَالَتْ لَهُ: أَدْرِكِ امْرَأَةَ أَخِيكَ، عِنْدَهَا رَجُلٌ يُحَدِّثُهَا، فَتَسَوَّرَ السَّطْحَ، فَإِذَا هِيَ تَصْنَعُ لَهُ دَجَاجَةً وَهُوَ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ:
(وَأَشْعَثَ غَرَّهُ الْإِسْلَامُ مِنِّي ... خَلَوْتُ بِعِرْسِهِ لَيْلَ التَّمَامِ)
(أَبِيتُ عَلَى ترائبها ويمسي ... على جرد الأعنة والحزام)
(كَأَنَّ مَوَاضِعَ الرَّبَلَاتِ مِنْهَا ... فِئَامٌ يَنْهَضُونَ إِلَى فئام)
بِجِيفَتِهِ إِلَى الطَّرِيقِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: أُنْشِدُ اللَّهَ امْرَأً عِنْدَهُ عِلْمُ هَذَا الْقَتِيلِ إِلَّا أَخْبَرَنِي، فَقَامَ الرَّجُلُ: فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ فَأَهْدَرَ عُمَرُ دَمَهُ، وَقَالَ: أَبْعَدَهُ اللَّهُ وَسَحَقَهُ.
وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ خَيْبَرِيٍّ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَقَتَلَهُ وَقَتَلَهَا، فَأَشْكَلَ عَلَى مُعَاوِيَةَ الْقَضَاءُ، فَكَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ يَسْأَلُهُ أَنْ يَسْأَلَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْهَا فَسَأَلَهُ فَقَالَ: لَيْسَتْ هَذِهِ بِأَرْضِنَا حَلَفْتُ عَلَيْكَ لَتُخْبِرْنِي بِهَا فَقَالَ: كَتَبَ بِهَا إِلَيَّ مُعَاوِيَةُ فَقَالَ عَلِىٌّ: يَرْضَوْنَ بِحُكْمِنَا وَيَنْقِمُونَ عَلَيْنَا، إِنْ لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَلْيُعْطَ بِرُمَّتِهِ ".
وَفِيهِ تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: فَلْيَضْرِبْ عَلَى رُمَّتِهِ يَعْنِي بِالسَّيْفِ قَوَدًا.
وَالثَّانِي: مَعْنَاهُ فَلْيُسَلَّمْ بِرُمَّتِهِ حَتَّى يُقَادَ مِنْهُ.
وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَ الزَّانِي وَالْقَاتِلِ، فَقَدْ فَرَّقَ مَنْ خَالَفَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ عَلَى الْقَاتِلِ قَوَدًا وِدِيَةً، فَلَمْ يَجُزْ تَفْوِيتُ الدِّيَةِ بِالْقَوَدِ، وَلَيْسَ عَلَى الزَّانِي إِلَّا الْقَتْلُ الَّذِي لَا تَخْيِيرَ فِيهِ، وَالْأَصَحُّ عِنْدِي مِنْ إِطْلَاقِ هَذَيْنِ الْمَذْهَبَيْنِ أَنْ يُقَالَ: إِنْ وَجَبَ قَتْلُ الزَّانِي بِالْبَيِّنَةِ فَلَا قَوَدَ عَلَى قَاتِلِهِ لِانْحِتَامِ قَتْلِهِ وَإِنْ وَجَبَ بِإِقْرَارِهِ أُقِيدَ مِنْ قَاتَلِهِ لِأَنَّ قَتْلَهُ بِإِقْرَارِهِ غَيْرُ مُنْحَتِمٍ لِسُقُوطِهِ عَنْهُ بِرُجُوعِهِ عَنْ إِقْرَارِهِ.
وَعَلَى هَذَا لَوْ أَنَّ مُحَارِبًا مِنْ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ قَتَلَ فِي الْحِرَابَةِ رَجُلًا فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِقَتْلِهِ دُونَ وَلِيِّ الْمَقْتُولِ، لِمَا قَدْ تَعَلَّقَ بِقَتْلِهِ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي لَا يَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْهُ، وَلِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ أَنْ يَقْتُلَهُ بِغَيْرِ إِذْنِ الْإِمَامِ لِمَا تَعَلَّقَ بِهِ مِنْ حَقِّهِ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُمْنَعَ مِنْهُ.
فَإِنْ قَتَلَهُ غَيْرُهُمَا مِنَ الأَجَانِبِ فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَوَدُ، وَعَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَقَوْلِ جُمْهُورِ أَصْحَابِهِ لا قود عليه.
(مسألة)
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَيُقْتَلُ الذَّابِحُ دُونَ الْمُمْسِكِ كَمَا يُحَدُّ الزَّانِي دُونَ الْمُمْسِكِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ أَمْسَكَ رَجُلًا حَتَّى قَتَلَهُ آخَرُ فَعَلَى الْقَاتِلِ الْقَوَدُ، فَأَمَّا الْمُمْسِكُ فَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ يَقْدِرُ عَلَى الْقَتْلِ مِنْ غَيْرِ إِمْسَاكٍ، أَوْ كَانَ الْمَقْتُولُ يَقْدِرُ عَلَى الْهَرَبِ بَعْدَ الْإِمْسَاكِ فَلَا قَوَدَ عَلَى الْمُمْسِكِ بِالْإِجْمَاعِ.
وَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقَتْلِ إِلَّا بِالْإِمْسَاكِ، وَكَانَ الْمَقْتُولُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْهَرَبِ بَعْدَ الْإِمْسَاكِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمُمْسِكِ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ لَا قَوَدَ عَلَيْهِ وَلَا دِيَةَ، وَيُعَزَّرُ أَدَبًا.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَرَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِحَبْسِ الْمُمْسِكِ حَتَّى يَمُوتَ، لِأَنَّهُ أَمْسَكَ الْمَقْتُولَ حَتَّى مَاتَ، فَوَجَبَ أَنْ يُجَازَى بِمِثْلِهِ، فَيُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يُقْتَلُ الْمُمْسِكُ قَوَدًا كَمَا يُقْتَلُ الْقَاتِلُ إِلَّا أَنْ يُمْسِكَ مَازِحًا مُلَاعِبًا فَلَا يُقَادُ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِ الله تعالى ﴿فقد جعلنا لوليه سلطانا﴾ [الإسراء: 33] .
وَبِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَتَلَ جَمَاعَةً بِوَاحِدٍ.
وَقَالَ: لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ بِهِ أَيْ لَوْ تَعَاوَنُوا عَلَيْهِ.
وَالْمُمْسِكُ قَدْ عَاوَنَ عَلَى الْقَتْلِ وَلِأَنَّهُمَا تَعَاوَنَا فِي قَتْلِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي الْقَوَدِ، كَمَا لَوِ اشْتَرَكَا فِي قَتْلِهِ، وَلِأَنَّ مُمْسِكَ الصَّيْدِ لَمَّا جَرَى عَلَيْهِ حُكْمُ الْقَاتِلِ فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ، وَلَوْ أَمْسَكَهُ أَحَدُ الْمُجْرِمَيْنِ، وَقَتَلَهُ الْآخَرُ اشْتَرَكَا فِي الْجَزَاءِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُمْسِكُ الْمَقْتُولِ يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْقَاتِلِ فِي وُجُوبِ الْقَوَدِ، وَيَكُونَا فِيهِ سَوَاءً، وَلِأَنَّ الْإِمْسَاكَ سَبَبٌ أَفْضَى إِلَى الْقَتْلِ فَلَمْ يَمْنَعْ أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِ حُكْمُ الْمُبَاشَرَةِ لِلْقَتْلِ كَالشُّهُودِ إِذَا شَهِدُوا عِنْدَ الْحَاكِمِ عَلَى رَجُلٍ بِالْقَتْلِ فَقُتِلَ، ثُمَّ رَجَعُوا قُتِلُوا قَوَدًا بِالشَّهَادَةِ، وَإِنْ كَانَتْ سَبَبًا كَذَلِكَ الْمُمْسِكُ.
وَدَلِيلُنَا مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ " يُقْتَلُ الْقَاتِلُ، وَيُصْبَرُ الصَّابِرُ ".
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَعْنِي يُحْبَسُ لِأَنَّ الْمَصْبُورَ هُوَ الْمَحْبُوسُ، يُرِيدُ بِالْحَبْسِ التَّأْدِيبَ لَا كَمَا تَأَوَّلَهُ رَبِيعَةُ عَلَى الْحَبْسِ إِلَى الْمَوْتِ، وَلِأَنَّ الْإِمْسَاكَ سَبَبٌ، وَالْقَتْلَ مُبَاشَرَةٌ، فَإِذَا اجْتَمَعَا وَلَمْ يَكُنْ فِي السَّبَبِ إِلْجَاءٌ كَالشُّهُودِ سَقَطَ حُكْمُ السَّبَبِ بِوُجُودِ الْمُبَاشَرَةِ، كَمَا لَوْ حَفَرَ رَجُلٌ بِئْرًا فَدَفَعَ رَجُلٌ فِيهَا إِنْسَانًا فَمَاتَ كَانَ الْقَوَدُ عَلَى الدَّافِعِ دُونَ الْحَافِرِ، وَلِأَنَّ هَذَا الْقَاتِلَ قَدْ يَصِلُ إِلَى الْقَتْلِ تَارَةً بِالْإِمْسَاكِ وَتَارَةً بِالْحَبْسِ، ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ لَوْ قَتَلَهُ بَعْدَ الْحَبْسِ لَمْ يُقْتَلِ الْحَابِسُ، كَذَلِكَ إِذَا قَتَلَهُ بَعْدَ الْإِمْسَاكِ لَمْ يُقْتَلِ الْمُمْسِكُ، وَلِأَنَّ حُكْمَ الْمُمْسِكِ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الْمُبَاشِرِ فِي الزِّنَا، لِأَنَّهُ لَوْ أَمْسَكَ امْرَأَةً حَتَّى زَنَا بِهَا رَجُلٌ،
وَجَبَ الْحَدُّ عَلَى الزَّانِي دُونَ الْمُمْسِكِ.
وَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْمُمْسِكِ فِي الْقَتْلِ بِمَثَابَتِهِ فِي وُجُوبِ الْقَوَدِ عَلَى الْقَاتِلِ دُونَ الْمُمْسِكِ.
وَلَوْ جَازَ أَنْ يُسَاوِيَهُ فِي الْقَوَدِ جَازَ أَنْ يُسَاوِيَهُ فِي الْحَدِّ.
وَلِأَنَّ الْإِمْسَاكَ غَيْرُ مَضْمُونٍ لَوِ انْفَرَدَ فَكَانَ أَوْلَى أَنْ لَا يُضْمَنَ إِذَا تَعَقَّبَهُ الْقَتْلُ.
وَلِأَنَّ مَا لَا يضمن خطاؤه لم يضمن عمده كالضرب بما لا يقبل.
فَأَمَّا الْآيَةُ فَقَدْ قَالَ ﴿فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: 33] وَالسَّرَفُ أَنْ يَتَجَاوَزَ الْقَاتِلُ إِلَى مَنْ لَيْسَ بِقَاتِلٍ.
وَقَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ بِهِ مَحْمُولٌ عَلَى اشْتِرَاكِهِمْ فِي قَتْلِهِ، لَأَنَّ الْمُعَاوَنَةَ هِيَ التَّسَاوِي فِي الْفِعْلِ وَبِهِ يُجَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الِاشْتِرَاكِ فِي الْقَتْلِ، ثُمَّ الْمَعْنَى فِي الْمُشْتَرِكِينَ فِي الْقَتْلِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُضْمَنُ إِذَا انْفَرَدَ، فَضُمِنَ إِذَا شَارَكَ وَالْمُمْسِكُ لَا يُضْمَنُ إِذَا انْفَرَدَ فَلَمْ يُضْمَنْ إِذَا تَعَقَّبَهُ قَاتِلٌ.
وَأَمَّا إِمْسَاكُ الْعَبْدِ فَإِنَّمَا يُضْمَنُ بِهِ الْعَبْدُ، لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ بِالْيَدِ إِذَا انْفَرَدَتْ، وَالْمَقْتُولُ غَيْرُ مَضْمُونٍ بِالْيَدِ، وَإِنَّمَا يُضْمَنُ بِالْجِنَايَةِ، وَلَوْ كَانَ الْإِمْسَاكُ جَارِيًا مَجْرَى مُبَاشَرَةِ الْقَتْلِ لَوَجَبَ إِذَا أَمْسَكَ الْمَجُوسِيُّ شَاةً فَذَبَحَهَا مُسْلِمٌ أَنْ لَا تُؤْكَلَ، كَمَا لَوِ اشْتَرَكَ فِي ذَبْحِهَا مَجُوسِيٌّ وَمُسْلِمٌ، وَفِي إِجْمَاعِهِمْ عَلَى جَوَازِ أَكْلِهَا دَلِيلٌ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُمْسِكِ وَالْمُشَارِكِ.
وَمَا اسْتَدَلُّوا بِهِ مِنَ الشَّاهِدَيْنِ فَلَا يَصِحُّ لِأَنَّهُمَا أَلْجَآ الْحَاكِمَ إِلَى الْقَتْلِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنَ المُمْسِكِ إِلْجَاءٌ فَافْتَرَقَا.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ ضَرَبَهُ بِمَا الْأَغْلَبُ أَنَّهُ يَقْطَعُ عُضْوًا أَوْ يُوضِحُ رَأْسًا فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْقَوَدَ يَجِبُ فِي الْقَتْلِ بالمحدود وَالْمُثَقَّلِ، كَذَلِكَ الْقِصَاصُ فِي الْجِرَاحِ وَالْأَطْرَافِ يَجِبُ فِي الْمُحَدَّدِ وَالْمُثَقَّلِ، فَلَوْ رَمَى رَأْسَهُ بِحَجَرٍ فَأَوْضَحَهُ، وَمِثْلُهُ يُوضِحُ وَجَبَ فِيهِ الْقِصَاصُ، وَإِنْ كَانَ مِثْلُهُ لَا يُوضِحُ فِي الْغَالِبِ وَرُبَّمَا أَوْضَحَ فَهُوَ عَمْدٌ شِبْهُ الْخَطَأِ، فَفِيهِ دِيَةُ الْمُوضِحَةِ دُونَ الْقَوَدِ، كَذَا لَوْ ضَرَبَ يَدَهُ بِخَشَبَةٍ فَأَبَانَهَا، كَانَ مِثْلُهَا يَقْطَعُ فِي الْغَالِبِ وَجَبَ فِيهَا الْقِصَاصُ، وَإِنْ كَانَ مِثْلُهَا لَا يَقْطَعُ فِي الْغَالِبِ وَجَبَ فِيهَا الدِّيَةُ، كَمَا قُلْنَا فِي تَلَفِ النُّفُوسِ.
فَلَوْ ضَرَبَ يَدَهُ فَشُلَّتْ فَلَا قِصَاصَ فِيهَا، وَعَلَيْهِ دِيَتُهَا لِأَنَّ الشَّلَلَ لَا يُمْكِنُ فِي مِثْلِهِ الْقِصَاصُ، فَلَوْ شَجَّهُ بِحَجَرٍ فَأَوْضَحَ رَأْسَهُ، وَسَرَى إِلَى نَفْسِهِ فمات.
فَإِنْ كَانَ مِثْلُ الْحَجَرِ يُوضِحُ وَيَقْتُلُ غَالِبًا وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي الْمُوضِحَةِ، وَالْقَوَدُ فِي النَّفْسِ.
وَإِنْ كَانَ مِثْلُهُ يُوضِحُ غَالِبًا وَلَا يَقْتُلُ فِي الْغَالِبِ وَجَبَ فِيهِ الْقِصَاصُ فِي الْمُوضِحَةِ، لِأَنَّهَا عَمْدٌ مَحْضٌ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْقَوَدُ فِي النَّفْسِ، وَوَجَبَتِ الدِّيَةُ؛ لِأَنَّهُ عَمْدٌ يُشْبِهُ الْخَطَأَ، وَهَذَا إِذَا حَدَثَ مِنْهُ الْقَتْلُ فِي الْحَالِ مِنْ غَيْرِ سِرَايَةٍ.
فَأَمَّا إِذَا سَرَتِ الْمُوضِحَةُ إِلَى نَفْسِهِ فَالْقِصَاصُ فِيهَا وَفِي النَّفْسِ وَاجِبٌ بِحُدُوثِ الْقَتْلِ عَنْ جُرْحٍ يُوجِبُ الْقِصَاصَ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ سِرَايَتُهُ مُوجِبَةٌ لِلْقِصَاصِ اعْتِبَارًا بِمُوجِبِهَا.
(فَصْلٌ)
فَأَمَّا إِذَا سَقَاهُ سُمًّا فَمَاتَ فَالسُّمُّ عَلَى سِتَّةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ قَاتِلًا فِي الْغَالِبِ مُنْفَرِدًا وَمَعَ غَيْرِهِ، فَهَذَا يُوجِبُ الْقَوَدَ، وَيَكُونُ هَذَا السُّمُّ مِنْ آلَةِ الْقَتْلِ كَالسَّيْفِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ هَذَا السُّمُّ قَاتِلًا بِانْفِرَادِهِ، وَلَا يَقْتُلُ إِذَا كُسِرَ بِغَيْرِهِ، فَيَجِبُ بِهِ الْقَوَدُ إِنْ أَفْرَدَهُ، وَلَا يَجِبُ بِهِ الْقَوَدُ إِنْ كَسَرَهُ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَقْتُلَ إِذَا خُلِطَ بِغَيْرِهِ، وَلَا يَقْتُلَ إِذَا أُفْرِدَ، فَلَا يَجِبُ بِهِ الْقَوَدُ إِذَا أُفْرِدَ، وَيَجِبُ بِهِ الْقَوَدُ إِذَا خُلِطَ بِمَا يَقْتُلُ مَعَهُ.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَقْتُلُ الْعُضْوَ الضَّعِيفَ، وَلَا يَقْتُلُ الْجَلْدَ الْقَوِيَّ فَلَا يَجِبُ بِهِ الْقَوَدُ فِي الْجَلْدِ الْقَوِيِّ، وَيَجِبُ بِهِ الْقَوَدُ فِي الْعُضْوِ الضَّعِيفِ.
وَالْقِسْمُ الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَقْتُلُ فِي بَعْضِ الْفُصُولِ فِي السَّنَةِ، وَلَا يَقْتُلُ فِي بَعْضِهَا فَيَجِبُ بِهِ الْقَوَدُ فِي الْفَصْلِ الْقَاتِلِ، وَلَا يَجِبُ فِي غَيْرِ الْفَصْلِ الْقَاتِلِ.
وَالْقِسْمُ السَّادِسُ: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَقْتُلُ تَارَةً، وَلَا يَقْتُلُ أُخْرَى فَلَا يَجِبُ بِهِ الْقَوَدُ، وَتَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ، وَيَكُونُ كَعَمْدِ الْخَطَأِ، فَإِنِ اخْتَلَفَ السَّاقِي لِلسُّمِّ وَوَلِيُّ الْمَسْقِيِّ فِي السُّمِّ.
فَقَالَ السَّاقِي: لَيْسَ بِقَاتِلٍ عَلَى مَا مَضَى مِنْ أَقْسَامِ مَا لَا يَقْتُلُ.
وَقَالَ وَلِيُّ الْمَسْقِيِّ: هُوَ قَاتِلٌ عَلَى مَا مَضَى مِنْ أَقْسَامِ مَا يَقْتُلُ، فَإِنْ كَانَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ عَلَى مَا ادَّعَاهُ عُمِلَ عَلَيْهَا، وَإِنْ عَدِمَا الْبَيِّنَةَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّاقِي مَعَ يَمِينِهِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِنْ قَوَدٍ وَعَقْلٍ.
فَلَوِ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ قَاتِلٌ وَقَالَ السَّاقِي: لَمْ أَعْلَمْ أَنَّهُ قَاتِلٌ فَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا قَوَدَ عَلَيْهِ إِذَا حَلَفَ أَنَّهُ لم يعلم، لأنه شُبْهَةٌ مُحْتَمَلَةٌ، وَعَلَيْهِ الدِّيَةُ كَالْخَاطِئِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: عَلَيْهِ الْقَوَدُ، لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى اسْتِعْلَامِ حَالِهِ فَجَرَى عَلَيْهِ حُكْمُ مَنْ عَلِمَ بِهِ.
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا مِنْ أَقْسَامِ السُّمِّ الْقَاتِلِ وَأَحْكَامِهِ فِي وُجُوبِ الْقَوَدِ وَإِسْقَاطِهِ فَالْكَلَامُ بَعْدَهُ فِي صِفَةِ وَصُولِ السُّمِّ إِلَى الْمَسْمُومِ، وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِنَ السَّاقِي إِكْرَاهٌ عَلَى شُرْبِهِ أَوْ أَكْلِهِ فَهُوَ قَاتِلُ عَمْدٍ وَالْقَوَدُ عَلَيْهِ وَاجِبٌ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ مِنْهُ إِكْرَاهٌ فَهَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَدْفَعَ السُّمَّ مِنْ يَدِهِ إِلَى الْمَسْمُومِ فَيَشْرَبَهُ الْمَسْمُومُ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ صَغِيرًا أَوْ أَبْلَهَ لَا يُمَيِّزُ، وَيُطِيعُ كُلَّ أَمْرٍ فَعَلَى السَّاقِي الْقَوَدُ، كَمَا لَوْ أَمَرَ صَبِيًّا أَوْ أَبْلَهَ أَنْ يَقْتُلَ نَفْسَهُ فَقَتَلَهَا كَانَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا مُمَيِّزًا فَلِلسَّاقِي حَالَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يُعْلِمَهُ بِأَنَّهُ سُمٌّ فَيَشْرَبَهُ بَعْدَ إِعْلَامِهِ بِهِ فَلَا قَوَدَ عَلَى السَّاقِي وَلَا دِيَةَ وَيَكُونُ شَارِبُ السُّمِّ هُوَ الْقَاتِلَ لِنَفْسِهِ، سَوَاءٌ أَعْلَمَهُ السَّاقِي بَعْدَ تَسْمِيَتِهِ بِالسُّمِّ أَنَّهُ قَاتِلٌ أَوْ لَمْ يُعْلِمْهُ، لِأَنَّ اسْمَ السُّمِّ يَنْطَلِقُ عَلَى مَا يَقْتُلُ.
وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ لَا يُعْلِمَهُ عِنْدَ دَفْعِهِ إِلَيْهِ أَنَّهُ سُمٌّ فَهُوَ ضَامِنٌ لِدِيَتِهِ، وَفِي وُجُوبِ الْقَوَدِ عَلَيْهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: عَلَيْهِ الْقَوَدُ لِمُبَاشَرَةِ الدَّفْعِ وَإِخْفَاءِ الْحَالِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا قَوَدَ عَلَيْهِ لِشُرْبِ الْمَسْمُومِ لَهُ بِاخْتِيَارِهِ فَهَذَا قِسْمٌ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَخْلِطَهُ السَّاقِي بِطَعَامٍ لِنَفْسِهِ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَأْكُلَهُ الْمَسْمُومُ بِغَيْرِ إِذْنٍ فَلَا قَوَدَ عَلَى السَّاقِي وَلَا دِيَةَ، وَالْآكِلُ هُوَ الْقَاتِلُ نَفْسَهُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي أَكْلِ الطَّعَامِ فَيَكُونَ كَمَا لَوْ دَفَعَهُ مِنْ يَدِهِ، لَأَنَّ الْإِذْنَ فِي الطَّعَامِ أَمْرٌ بِأَكْلِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ، وَفِي وُجُوبِ الْقَوَدِ قَوْلَانِ:
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَضَعَهُ فِي طَعَامِ الْمَسْمُومِ فَيَأْكُلَهُ الْمَسْمُومُ، وَهُوَ لَا يعلم
بِسُمِّهِ، فَيَكُونُ السَّاقِي ضَامِنًا لِقِيمَةِ الطَّعَامِ، لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ بِالسُّمِّ كَالْمُسْتَهْلِكِ، وَفِي ضَمَانِهِ لِنَفْسِ الْمَسْمُومِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ:
أَحَدُهَا: يَضْمَنُهَا بِالْقَوَدِ، وَهَكَذَا يَكُونُ الْقَتْلُ بِالسُّمِّ فِي الْأَغْلَبِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَضْمَنُهَا بِالدِّيَةِ دُونَ الْقَوَدِ لِعَدَمِ الْمُبَاشَرَةِ مِنْ جِهَتِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ مِنْ قَوَدٍ وَلَا دِيَةٍ، وَيَكُونُ الْفَرْقُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ بَيْنَ وَضْعِ السُّمِّ فِي طَعَامِ السَّاقِي وَوَضْعِهِ فِي طَعَامِ الْمَسْمُومِ أَنَّهُ أَكَلَ طَعَامَ السَّاقِي بِأَمْرِهِ فَصَارَ بِالْأَمْرِ ضَامِنًا لِدِيَتِهِ، وَأَكَلَ طَعَامَ نَفْسِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَلَمْ يَضْمَنْ ديته، والله أعلم.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ عَمَدَ عَيْنَهُ بِإِصْبَعِهِ فَفَقَأَهَا اقْتُصَّ مِنْهُ لِأَنَّ الْأُصْبُعَ يَأْتِي مِنْهَا عَلَى مَا يَأْتِي بِهِ السِّلَاحُ مِنَ النَّفْسِ وَإِنْ لَمْ تَنْفَقِئْ وَاعْتَلَّتْ حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُهَا أَوِ انْتَجَفَتْ فَفِيهَا الْقِصَاصُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا فَقَأَ عَيْنَ رَجُلٍ بِأُصْبُعِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ، لِأَنَّ الْإِصْبَعَ يَأْتِي مِنَ العَيْنِ عَلَى مَا يَأْتِي عَلَيْهِ الْحَدِيدُ مِنَ النَّفْسِ، وَالْعَيْنُ تَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهَا مِنَ الجَسَدِ وَتَنْفَصِلُ كَالْأَعْضَاءِ، فَوَجَبَ الْقَوَدُ فِيهَا كَالْأَطْرَافِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: 45] قَرَأَ الْكِسَائِيُّ بِالرَّفْعِ، وَقَرَأَ غَيْرُهُ بِالنَّصْبِ، وَهُوَ عَلَى قِرَاءَةِ الْكِسَائِيِّ ابْتِدَاءُ حُكْمٍ فِي شَرِيعَتِنَا، وَعَلَى قَوْلِ مَنْ قَرَأَ بِالنَّصْبِ إِخْبَارٌ عَنْ شَرِيعَةِ غَيْرِنَا، وَهِيَ لَازِمَةٌ لَنَا فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ مَا لَمْ يَرِدْ نَسْخٌ، وَإِذَا كَانَ الْقَوَدُ فِيهَا وَاجِبًا، فَلَهَا حَالَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أن تنقلع الحدقة بالفقإ فَيَجُوزُ الِاقْتِصَاصُ مِنْهَا بِالْإِصْبَعِ مُقَابَلَةً لِلْجِنَايَةِ بِمِثْلِهَا، وَيَجُوزُ قَلْعُهَا بِالْحَدِيدِ، لِأَنَّهُ أَسْهَلُ وَأَسْرَعُ، فَإِنَّ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ يُبْصِرُ بِالْعَيْنِ الْأُخْرَى، جَازَ أَنْ يَتَوَلَّى الِاقْتِصَاصَ بِنَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ أَعْمَى لَا يُبْصِرُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَوَلَّاهُ لِخَوْفِ تَعَدِّيهِ، وَتَوَلَّاهُ وَكِيلُهُ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ تَكُونَ الْحَدَقَةُ بَاقِيَةً فِي مَوْضِعِهَا، وَأَذْهَبَتِ الْأصْبَعُ ضَوْءَ بَصَرِهَا أَوْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَى رَأْسِهِ فَأَذْهَبَتْ ضَوْءَ بَصَرِهِ، أَوْ لَطَمَهُ عَلَى وَجْهِهِ فَذَهَبَ ضَوْءُ نَاظِرِهِ، فَالْقِصَاصُ فِيهِ وَاجِبٌ، لِأَنَّ ضَوْءَ الْعَيْنِ يَجْرِي مِنْهَا مَجْرَى الرُّوحِ مِنَ الجَسَدِ، فَلَمَّا وَجَبَ الْقَوَدُ بِإِفَاتَةِ الرُّوحِ مَعَ بَقَاءِ الْجَسَدِ وَجَبَ الْقِصَاصُ بِإِذْهَابِ الضَّوْءِ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ، فَيُفْعَلُ بِالْجَانِي مِثْلُ فِعْلِهِ بِإِصْبَعٍ كَإِصْبَعِهِ أَوْ لَطْمَةٍ مِثْلِ لَطْمَتِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ وَاللَّطْمِ، وَلَكِنْ لِيُسْتَوْفَى بِاللَّطْمِ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ.
فَإِنْ ذَهَبَتْ بِالْأصْبَعِ وَاللَّطْمَةِ ضَوْءُ عَيْنِ الْجَانِي فَقَدِ اسْتَوْفَى مِنْهُ الْقِصَاصَ.
وَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ بِهَا ضَوْءُ عَيْنِهِ عُدِلَ إِلَى إِذْهَابِ ضوءها بِمَا تَبْقَى مَعَهُ الْحَدَقَةُ مِنْ
عِلَاجٍ وَدَوَاءٍ، فَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ إِلَّا بِذَهَابِ الْحَدَقَةِ فَلَا قِصَاصَ فِيهَا وَعَلَيْهِ دِيَتُهَا، لِأَنَّ مَا لَمْ يُمْكِنِ الِاقْتِصَاصُ مِنْهُ إِلَّا بِالتَّعَدِّي إِلَى غَيْرِهِ سَقَطَ الْقِصَاصُ فِيهِ لِعَدَمِ الْمُمَاثَلَةِ.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِنْ كَانَ الْجَانِي مَغْلُوبًا عَلَى عَقْلِهِ فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ إِلَّا السَّكْرَانُ فَإِنَّهُ كَالصَّحِيحِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: كُلُّ مَنْ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ قَلَمٌ بِجُنُونٍ أَوْ صِغَرٍ فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ إِذَا جُرِحَ أَوْ قُتِلَ، وَسَوَاءٌ كَانَ الصَّغِيرُ مُمَيِّزًا أَوْ غَيْرَ مُمَيِّزٍ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَفِيقَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَنْتَبِهَ ".
وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ حَدٌّ فَأَشْبَهَ فِي سُقُوطِهِ عَنِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ سَائِرَ الْحُدُودِ.
وَلِأَنَّ مَا تَعَلَّقَ بِحُقُوقِ الْأَبْدَانِ لَا يَجِبُ عَلَى غَيْرِ مُكَلَّفٍ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، فَإِذَا سَقَطَ الْقِصَاصُ عَنْهُمَا فَعَلَيْهِمَا الدِّيَةُ، لِأَنَّ حُقُوقَ الْأَمْوَالِ لَا تَسْقُطُ بِعَدَمِ التَّكْلِيفِ كَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ، وَلِأَنَّ الْقَصْدَ فِيهَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فَلَمْ تَسْقُطْ بِعَدَمِ الْقَصْدِ كَالْخَاطِئِ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا ثَبَتَ وُجُوبُ الدِّيَةِ عَلَيْهِمَا، لَمْ تَخْلُ جِنَايَتُهُمَا مِنْ أَنْ تَكُونَ عَلَى وَجْهِ الْخَطَأِ أَوِ الْعَمْدِ، فَإِنْ كَانَتْ مِنْهُمَا عَلَى وَجْهِ الْخَطَأِ فَالدِّيَةُ مُتَحَقِّقَةٌ عَلَى عَوَاقِلِهِمَا، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى وَجْهِ الْعَمْدِ فَفِي عَمْدِهِمَا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَالْخَطَأِ لِعَدَمِ قَصْدِهِمَا فَتَكُونُ الدِّيَةُ مُحَقَّقَةً عَلَى عَوَاقِلِهِمَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ كَعَمْدِ غَيْرِهِمَا، وَإِنْ سَقَطَ الْقِصَاصُ عَنْهُمَا لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِمَا، فَتَجِبُ الدِّيَةُ عَلَيْهِمَا مُغَلَّظَةً فِي أَمْوَالِهِمَا حَالَّةً.
فَلَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ بَعْدَ صِغَرِهِ، وَأَفَاقَ الْمَجْنُونُ بَعْدَ قَتْلِهِ، لَمْ يُسْتَحَقَّ عَلَيْهَا الْقِصَاصُ فِيمَا جَنَاهُ فِي الصِّغَرِ وَالْجُنُونِ، فَلَوِ اخْتَلَفَا بَعْدَ الْبُلُوغِ وَالْإِفَاقَةِ مَعَ وَلِيِّ الْمَقْتُولِ.
فَقَالَ الْقَاتِلُ: قَتَلْتُ قَبْلَ الْبُلُوغِ فَلَا قَوَدَ عَلَيَّ.
وَقَالَ الْوَلِيُّ: قَتَلْتَ بَعْدَ الْبُلُوغِ فَعَلَيْكَ الْقَوَدُ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَاتِلِ مَعَ يَمِينِهِ، لِأَنَّ الصِّغَرَ صِفَةٌ مُتَحَقِّقَةٌ، وَالْأَصْلُ: " أَنَّ جَنْبَ الْمُؤْمِنِ حِمًى ".
وَلَوْ قَالَ الْقَاتِلُ: كُنْتُ عِنْدَ الْقَتْلِ مَجْنُونًا.
وَقَالَ الْوَلِيُّ: بَلْ كُنْتَ مُفِيقًا.
فَلَا يَخْلُو حَالُ الْقَاتِلِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ لَا يُعْلَمَ لَهُ جُنُونٌ مُتَقَدِّمٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَلِيِّ، وَعَلَى الْقَاتِلِ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يُعْلَمَ جُنُونُهُ طَبَقًا مُسْتَدِيمًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَاتِلِ، وَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ فِيهِ أَصْلًا فَشَابَهَ دَعْوَى الصِّغَرِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يُعْلَمَ مِنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُجَنُّ فِي زَمَانٍ، وَيُفِيقُ فِي زَمَانٍ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَوْلَ فِيهِ قَوْلُ الْقَاتِلِ مع يمينه لاحتماله وأن جنبه رحمى.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْوَلِيِّ مَعَ يَمِينِهِ، لِأَنَّ السَّلَامَةَ أَغْلَبُ.
(فَصْلٌ)
فَأَمَّا السَّكْرَانُ مِنْ شُرْبِ الْمُسْكِرِ مِنْ خَمْرٍ أَوْ نَبِيذٍ، فَالْقَوَدُ عَلَيْهِ إِذَا قَتَلَ وَاجِبٌ لِجَرَيَانِ الْقَلَمِ عَلَيْهِ إِلَّا عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي خَرَّجَهُ الْمُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ أَنَّ ظِهَارَ السَّكْرَانِ لَا يَصِحُّ، وَطَلَاقَهُ لَا يَقَعُ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ إِنَّ صَحَّ تَخْرِيجُهُ قَوَدٌ وَتَخْرِيجُهُ مُسْتَنْكَرٌ عِنْدَ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا، وَإِنَّمَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُزَنِيِّ لَمْ يَرْوِهِ عَنِ الشَّافِعِيِّ سواء في قدم وَلَا جَدِيدٍ، فَيُقَالُ فِيهِ قَوْلًا وَاحِدًا.
فَأَمَّا النَّائِمُ إِذَا انْقَلَبَ عَلَى صَغِيرٍ أَوْ مَرِيضٍ فَقَتَلَهُ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ لِارْتِفَاعِ الْقَلَمِ عَنْهُ، وَعَلَيْهِ الدِّيَةُ مُحَقَّقَةً عَلَى عَاقِلَتِهِ، لِأَنَّهُ خَطَأٌ مَحْضٌ، وَكَذَلِكَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ لَا قَوَدَ عَلَيْهِ، فَأَمَّا مَنْ شَرِبَ دَوَاءً فَزَالَ بِهِ عَقْلُهُ فَإِنْ قَصَدَ بِهِ التَّدَاوِي فَهُوَ كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ إِنْ أَفَاقَ، وَكَالْمَجْنُونِ إِنِ اسْتَمَرَّ بِهِ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَصَدَ بِهِ زَوَالَ الْعَقْلِ وَاسْتِدَامَةَ الْجُنُونِ فَفِي وُجُوبِ الْقَوَدِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: عَلَيْهِ الْقَوَدُ كَالسَّكْرَانِ لِمَعْصِيَتِهِمَا بِمَا أَزَالَ عَقْلَهُمَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا قَوَدَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ حُكْمَ السَّكْرَانِ أَغْلَظُ لِمَا اقْتَرَنَ بِسُكْرِهِ مِنَ الطَّرَبِ الدَّاعِي إِلَيْهِ فِي حَالِ مَنْ شَرِبَ مَا أَزَالَ الْعَقْلَ، وَأَحْدَثَ الْجُنُونَ لِفَقْدِ هَذَا الْمَعْنَى فِيهِ، وَأَنَّهُ نَادِرٌ مِنْ فَاعِلِيهِ.
(مَسْأَلَةٌ)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ قَطَعَ رَجُلٌ ذَكَرَ خُنْثَى مُشْكِلٍ وَأُنْثَيَيْهِ وَشُفْرَيْهِ عَمْدًا قِيلَ إِنْ شِئْتَ وَقَفْنَاكَ فَإِنْ بِنْتَ ذَكَرًا أَقَدْنَاكَ فِي الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ وَجَعَلْنَا لك حكومة في الشفرين وإن بنت أنثى فلا قود لك وجعلنا لك دية امرأة في الشفرين وحكومة في الذكر والأنثيين (قال المزني) رحمه الله بقية هذه المسألة في معناه أن يقال له وإن لم تشأ أن تقف حتى يتبين أمرك وعفوت عن القصاص وبرأت فلك دية شفري امرأة وحكومة في الذكر والأنثيين لأنه الأقل وإن قلت لا أعفو ولا أقف قيل لا يجوز أن يقص مما لا يدري أي القصاص لك فلا بد لك من الأمرين على ما وصفنا ". قال الماوردي: لهذه المسألة خمس مقدمات:
إحداهما: في ذكر الرجل القود فإن عفى عَنْهُ فَفِيهِ دِيَةُ الرَّجُلِ تَامَّةً.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ فِي أُنْثَيَيِ الرَّجُلِ الْقَوَدُ فَإِنْ عَفَا عَنْهُ فَفِيهِ دِيَةُ الرَّجُلِ تَامَّةً.
وَالثَّالِثَةُ: أَنْ فِي إِسْكَتَيِ الْمَرْأَةِ وَهُمَا شُفْرَاهَا الْقَوَدَ، فَإِنْ عَفَا عَنْهُ فَفِيهِ دِيَةُ الْمَرْأَةِ تَامَّةً.
وَوَهِمَ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفِرَايِينِيُّ فَأَسْقَطَ الْقَوَدَ فِي الشُّفْرَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَحْمٌ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ يَنْتَهِي إِلَيْهِ.
وَهَذَا زَلَلٌ مِنْهُ خَالَفَ بِهِ نَصَّ الشَّافِعِيِّ فِي كتاب " الأم " لأن الشفرين هما المحيطا بِالْفَرْجِ مِنْ جَانِبَيْهِ بِمَنْزِلَةِ الشَّفَتَيْنِ مِنَ الفَمِ وَفِي الشَّفَتَيْنِ الْقَوَدُ، كَذَلِكَ فِي الشُّفْرَيْنِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ الْقَوَدُ فَالدِّيَةُ.
وَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ الشُّفْرَيْنِ دَاخِلُ الْإِسْكَتَيْنِ، فَيَكُونُ الْمُحِيطُ بِالْفَرْجِ الْإِسْكَتَانِ، وَدَاخِلُهُمَا الشُّفْرَانِ، وَالْخِلَافُ فِي الِاسْمِ لَا يُغَيِّرُ الْحُكْمَ.
وَالْمُقَدِّمَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ الْعُضْوَ الزَّائِدَ عَلَى الْخِلْقَةِ لَا يُكَافِئُ عُضْوًا مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ فِي قَوَدٍ وَلَا دِيَةٍ، فَلَا يُقَادُ بِالذَّكَرِ الزَّائِدِ ذَكَرًا مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ، وَفِيهِ حُكُومَةٌ، وَكَذَلِكَ مَا زَادَ مِنَ الأُنْثَيَيْنِ وَالشُّفْرَيْنِ.
وَالْمُقَدِّمَةُ الْخَامِسَةُ: أَنْ لَا يَجُوزَ أَنْ يَقْضِيَ بِالْقَوْلِ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ، وَلَا بِالدِّيَةِ حَتَّى يَتَحَقَّقَ، وَيُعْطِيَ مَعَ الْإِشْكَالِ أَقَلَّ الْحَقَّيْنِ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتُ الْخَمْسُ اشْتَمَلَ مَسْطُورُ الْمَسْأَلَةِ عَلَى خَمْسَةِ فُصُولٍ:
أَحَدُهَا: رَجُلٌ جَنَى عَلَى خُنْثَى مُشْكِلٍ.
وَالثَّانِي: امْرَأَةٌ جَنَتْ عَلَى خُنْثَى مُشْكِلٍ.
وَالثَّالِثُ: خُنْثَى مُشْكِلٌ جَنَى عَلَى رَجُلٍ.
وَالرَّابِعُ: خُنْثَى مُشْكِلٌ جَنَى عَلَى امْرَأَةٍ.
وَالْخَامِسُ: خُنْثَى مُشْكِلٌ جَنَى عَلَى خُنْثَى مُشْكِلٍ.
فَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ الْمَسْطُورُ إِذَا قَطَعَ رَجُلٌ ذَكَرَ خُنْثَى مُشْكِلٍ وَأُنْثَيَيْهِ وَشُفْرَيْهِ، وَطَالَبَ بَعْدَ الِانْدِمَالِ بِحَقِّهِ مِنَ القَوَدِ وَالدِّيَةِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُحْكَمَ لَهُ مَعَ بَقَاءِ الْإِشْكَالِ بِالْقَوَدِ حَتَّى يَبِينَ أَمْرُهُ فَإِنْ بَانَ رَجُلًا وَجَبَ لَهُ الْقَوَدُ فِي ذَكَرِهِ وَأُنْثَيَيْهِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ فَأُقِيدَ بِمَا كَافَأَهُمَا، وَأُعْطِيَ حُكُومَةً فِي الشُّفْرَيْنِ، لِأَنَّهُمَا زَائِدَانِ عَلَى
الْخِلْقَةِ، فَإِنْ عَفَا عَنِ الْقَوَدِ أُعْطِيَ دِيَتَيْ رَجُلٍ إِحْدَاهُمَا فِي الذَّكَرِ، وَالْأُخْرَى فِي الْأُنْثَيَيْنِ، وَحُكُومَةً فِي الشُّفْرَيْنِ.
وَإِنْ بَانَ الْخُنْثَى امْرَأَةً فَلَا قَوَدَ عَلَى الرَّجُلِ الْجَانِي فِي ذَكَرِهِ وَلَا فِي أُنْثَيَيْهِ، لِأَنَّهُمَا زَائِدَانِ فِي خِلْقَةِ الْمَرْأَةِ، وَأُعْطِيَتْ دِيَةُ امْرَأَةٍ فِي الشُّفْرَيْنِ، وَحُكُومَةٌ فِي الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ.
وَإِنْ بَقِيَ الْخُنْثَى عَلَى إِشْكَالِهِ، وَلَمْ يَتَعَجَّلْ بَيَانَهُ، وَطَالَبَ بِحَقِّهِ، نُظِرَ، فَإِنْ عَفَا عَنِ الْقَوَدِ أُعْطِيَ أَقَلَّ حَقَّيْهِ وهو أن يجري عليه حُكْمِ الْمَرْأَةِ فَيُعْطَى دِيَةً فِي الشُّفْرَيْنِ، وَحُكُومَةً فِي الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ، فَإِنْ بَانَ امْرَأَةً فَقَدِ اسْتَوْفَتْ حَقَّهَا، وَإِنْ بَانَ رَجُلًا كَمُلَ لَهُ دِيَتَيْ رَجُلٍ فِي الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ، وَحُكُومَةً فِي الشُّفْرَيْنِ.
فَإِنْ تَعَجَّلَ الطَّلَبَ وَلَمْ يَعْفُ عَنِ الْقَوَدِ كَانَ الْقَوَدُ مَوْقُوفًا عَلَى زَوَالِ الْإِشْكَالِ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي إِعْطَاءِ الْمَالِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا يُعْطَى الْمَالَ، وَيَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى زَوَالِ الْإِشْكَالِ، كَمَا وَقَفَ الْقَوَدُ، لِأَنَّ فِي إِعْطَاءِ الْمَالِ سُقُوطَ الْقَوَدِ، وَهُوَ يُطَالِبُ بِالْقَوَدِ فَسَقَطَتِ الْمُطَالَبَةُ بِالْمَالِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يُعْطَى مِنَ المَالِ أَقَلَّ مَا يَسْتَحِقُّهُ مَعَ الْقَوَدِ، لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْقَوَدَ فِي عُضْوٍ، وَيَسْتَحِقُّ الْمَالَ فِي غَيْرِهِ فَلَمْ يَكُنْ فِي إِعْطَائِهِ عَفْوٌ عَنِ الْقَوَدِ، وَالَّذِي يُعْطَاهُ مِنَ المَالِ حُكُومَةٌ فِي الشُّفْرَيْنِ كَوُقُوفِ الْقَوَدِ فِي الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ، إِذَا بَانَ رَجُلًا.
وَقَالَ أَبُو حَامِدٍ الْمَرْوَزِيُّ فِي " جَامِعِهِ ": يُعْطَى دِيَةَ الشُّفْرَيْنِ وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ الَّذِي يُعْطَاهُ مَالًا يُسْتَرْجَعُ مِنْهُ إِنْ أُقِيدَ، وَقَدْ تَبَيَّنَ رَجُلًا فَيُقَادُ مِنْ ذَكَرِهِ وَأُنْثَيَيْهِ، وَيَسْتَحِقُّ الْحُكُومَةَ فِي شُفْرَيْهِ، وَلَوْ أَعْطَاهُ الدِّيَةَ لَا يَسْتَرْجِعُ مِنْهَا مَا زَادَ عَلَى الْحُكُومَةِ، فَلِذَلِكَ اقْتُصَّ بِهِ عَلَى قَدْرِ الْحُكُومَةِ، وَرُوعِيَ مَا سَبَقَ مِنْ أَمْرِهِ فَإِنْ بَانَ رَجُلًا أُقِيدَ مِنْ ذَكَرِهِ وَأُنْثَيَيْهِ، وَقَدِ اسْتَوْفَى حُكُومَةَ شُفْرَيْهِ، وَإِنْ بَانَ امْرَأَةً سَقَطَ الْقَوَدُ وَكَمُلَ لَهَا دِيَةُ الشُّفْرَيْنِ، وَحُكُومَةٌ فِي الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ.
(فَصْلٌ)
وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ تَقْطَعَ امْرَأَةٌ ذَكَرَ خُنْثَى مُشْكِلٍ وَأُنْثَيَيْهِ وَشُفْرَيْهِ، فَيَصِيرُ الْقَوَدُ مَوْقُوفًا عَلَى الشُّفْرَيْنِ كَمَا كَانَ الْقَوَدُ فِي جِنَايَةِ الرَّجُلِ مَوْقُوفًا عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ اعْتِبَارًا بِالتَّجَانُسِ.
فَإِنْ بَانَ الْخُنْثَى رَجُلًا سَقَطَ الْقَوَدُ فِي الشُّفْرَيْنِ لِزِيَادَتِهِمَا عَلَى الْخِلْقَةِ وَكَانَ لَهُ دِيَتَا رجل في الذكر والأنثيين، وحكومة في الشفرين.
وَإِنْ بَانَ امْرَأَةً أُقِيدَ مِنَ الشُّفْرَيْنِ، وَأُعْطِيَ حُكُومَةً فِي الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ.
وَإِنْ بَقِيَ عَلَى إِشْكَالِهِ وَعَفَا عَنِ الْقَوَدِ أُعْطِيَ أَقَلَّ الْحَقَّيْنِ، وَهُوَ دِيَةُ امْرَأَةٍ فِي الشُّفْرَيْنِ وَحُكُومَةٌ فِي الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ، وَرُوعِيَ مَا تَبَيَّنَ مِنْ أَمْرِهِ، فَإِنْ بَانَ امْرَأَةً فَقَدِ اسْتَوْفَتْ حَقَّهَا، وَإِنْ بَانَ رَجُلًا كَمُلَ لَهُ دِيَتَا رَجُلٍ فِي الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ، وَحُكُومَةٌ فِي الشُّفْرَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَعْفُ عَنِ الْقَوَدِ كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى الشُّفْرَيْنِ، وَأُعْطِيَ إِذَا قِيلَ بِإِعْطَاءِ الْمَالِ مَعَ الْوَقْفِ عَلَى الْقَوَدِ حُكُومَةً فِي الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ، فَإِنْ بَانَ امْرَأَةً أُقِيدَ مِنَ الشُّفْرَيْنِ، وَقَدِ اسْتَوْفَى حُكُومَةَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ.
وَإِنْ بَانَ رَجُلًا أُسْقِطَ الْقَوَدُ فِي الشُّفْرَيْنِ، وَكَمُلَ لَهُ دِيَتَا رَجُلٍ فِي الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ، وَحُكُومَةٌ فِي الشُّفْرَيْنِ، فَلَوِ اشْتَرَكَ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْخُنْثَى رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ فَقَطَعَا مَعًا ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيْهِ وَشُفْرَيْهِ سَقَطَ عَنِ الرَّجُلِ الْقَوَدُ فِي الشُّفْرَيْنِ، وَكَانَ الْقَوَدُ مَعَهَا مَوْقُوفًا عَلَى التَّعْيِينِ.
فَإِنْ بَانَ رَجُلًا أُقِيدَ بِذَكَرِهِ وَأُنْثَيَيْهِ مِنَ الرَّجُلِ، وَأُخِذَ مِنَ المَرْأَةِ نِصْفُ حُكُومَةِ الشُّفْرَيْنِ مَعَ النِّصْفِ مِنْ دِيَتَيْ رَجُلٍ فِي الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ، لِأَنَّهَا أَحَدُ جَانِبَيْنِ، وَإِنْ بَانَ امْرَأَةً أُقِيدَ بِشُفْرَيْهِ مِنَ المَرْأَةِ، وَكَانَ عَلَى الرَّجُلِ نِصْفُ حُكُومَةِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ مَعَ النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ امْرَأَةٍ عَلَى الشُّفْرَيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ الْجَانِبَيْنِ.
(فَصْلٌ)
فَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّالِثُ وَهُوَ خُنْثَى مُشْكِلٌ جَنَى عَلَى رَجُلٍ فَقَطَعَ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيْهِ.
فَإِنْ طَلَبَ الْقَوَدَ وُقِفَ عَلَى الْبَيَانِ.
فَإِنْ بَانَ رَجُلًا أُقِيدَ مِنْ ذَكَرِهِ وَأُنْثَيَيْهِ.
وَإِنْ بَانَ امْرَأَةً فلا قود عليها ديتان فِي الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ.
فَإِنْ بَقِيَ الْخُنْثَى عَلَى إِشْكَالِهِ لَمْ يَكُنْ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الْمُطَالَبَةُ بِمَالٍ إلا أن يعفوا عَنِ الْقَوَدِ، لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ مَعَ الْقَوَدِ مالاً بخلاف ما مضى ولكن لو عفى عَنِ الْقَوَدِ فِي الْأُنْثَيَيْنِ، وَطَلَبَ الْقَوَدَ فِي الذَّكَرِ أُعْطِيَ دِيَةَ الْأُنْثَيَيْنِ، وَوُقِفَ الْقَوَدُ فِي الذَّكَرِ عَلَى الْبَيَانِ، فَإِنْ بَانَ رَجُلًا أُقِيدَ مِنْهُ، وَإِنْ بَانَ امْرَأَةً أُخِذَ مِنْهَا دِيَةُ الذَّكَرِ وَسَقَطَ فِيهِ الْقَوَدُ.
(فَصْلٌ)
وَأَمَّا الْفَصْلُ الرَّابِعُ: فَهُوَ خُنْثَى مُشْكِلٌ جَنَى عَلَى امْرَأَةٍ فَقَطَعَ شُفْرَيْهَا فَإِنْ طَلَبَتِ الْقَوَدَ وُقِفَ عَلَى الْبَيَانِ.
فَإِنْ بَانَ امْرَأَةً أُقِيدَ مِنْ شُفْرَيْهَا.
وَإِنْ كَانَ رَجُلًا فَلَا قَوَدَ، وَأُخِذَتْ مِنْهُ دِيَةُ امْرَأَةٍ فِي الشُّفْرَيْنِ، فَلَوْ قَطَعَ مَعَ شُفْرَيِ الْمَرْأَةِ أَعْلَى الرُّكَبِ وَهُوَ مَنَابِتُ الشَّعْرِ لَمْ يُسْتَحَقَّ فِيهِ قَوَدٌ، لِأَنَّهُ لَحْمٌ لَيْسَ لِانْتِهَائِهِ حَدٌّ، وَوَجَبَتْ فِيهِ حُكُومَةٌ وَلَمْ تَجِبْ فِيهِ دِيَةٌ، لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِغَيْرِهِ، فَإِنْ قُطِعَ مَعَ الشُّفْرَيْنِ وَجَبَ
الْقَوَدُ فِي الشُّفْرَيْنِ، وَالْحُكُومَةُ فِي الرَّكَبِ، فَإِنْ سَقَطَ الْقَوَدُ فِي الشُّفْرَيْنِ، وَجَبَ فِي الشُّفْرَيْنِ دِيَةٌ، وَفِي الرَّكَبِ حُكُومَةٌ.
(فَصْلٌ)
وَأَمَّا الْفَصْلُ الْخَامِسُ: وَهُوَ خُنْثَى مُشْكِلٌ جَنَى عَلَى خُنْثَى مُشْكِلٍ فَقَطَعَ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيْهِ وَشُفْرَيْهِ وُقِفَ الْقَوَدُ على البيان ولهما ثلاثة أحوال:
أحدهما: أَنْ يَبِينَا رَجُلَيْنِ فَيُسْتَحَقُّ الْقَوَدُ فِي الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ، وَحُكُومَةٌ فِي الشُّفْرَيْنِ إِلَّا أَنْ يُمْكِنَ الْقَوَدُ مِنْهُمَا لِتَمَاثُلِهِمَا فِي الزِّيَادَةِ مِنْهُمَا، فَيُقَادُ مِنَ الزَّائِدِ بِالزَّائِدِ عِنْدَ التَّمَاثُلِ كَمَا قِيدَ مِنَ الأَصْلِ بِالْأَصْلِ لِأَجْلِ التَّمَاثُلِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَبِينَا امْرَأَتَيْنِ فَيُقَادُ مِنَ الشُّفْرَيْنِ، وَيُؤْخَذُ حُكُومَةٌ فِي الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ إِلَّا أَنْ يَتَمَاثَلَا فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَيُقَادَا بِالزَّائِدِ كَمَا قِيدَ بِالْأَصْلِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَبِينَ أَحَدُهُمَا رَجُلًا وَالْآخَرُ امْرَأَةً فَيَسْقُطُ الْقَوَدُ لِاخْتِلَافِ التَّجَانُسِ وَعَدَمِ التَّمَاثُلِ فِي الْأَصْلِ وَالزَّائِدِ.
وَيُنْظَرُ فِي الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، فَإِنْ بَانَ رَجُلًا أُعْطِيَ دِيَتَيْ رجل في الذكر والأنثيين، وحكومة في الشفرين.
وَإِنْ بَانَ امْرَأَةً أُعْطِيَتْ دِيَةَ امْرَأَةٍ فِي الشُّفْرَيْنِ، وَحُكُومَةً فِي الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ.
فَإِنْ مَاتَا مَعَ بَقَاءِ إِشْكَالِهِمَا جَازَ أَنْ يُعْتَبَرَ بَعْدَ الْمَوْتِ بَيَانُ حَالِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ دُونَ الْجَانِي؛ لِأَنَّ بَيَانَ الْجَانِي مَوْقُوفٌ عَلَى الْقَوَدِ وَقَدْ سَقَطَ بِالْمَوْتِ، وَبَيَانَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لِأَجْلِ الدِّيَةِ وَهِيَ مُسْتَحَقَّةٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَإِنْ لَمْ يَبِنْ بَعْدَ الْمَوْتِ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ وَجَبَ أَقَلُّ الْحَقَّيْنِ.
فإن اختلف وارثهما فادعا وَارِثُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَكْثَرَهُمَا، وَاعْتَرَفَ وَارِثُ الْجَانِي بِأَقَلِّهِمَا لَمْ يَكُنْ لِلدَّعْوَى وَالْإِقْرَارِ تَأْثِيرٌ، أَلَا تَرَى أَنْ يَصِفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَالَ الْخُنْثَى بِمَا يُوَافِقُ قَوْلَهُ، فَإِنْ أَخَلَّا بِالصِّفَةِ اطُّرِحَ قَوْلُهُمَا وَوَجَبَ أَقَلُّ الْحَقَّيْنِ، وَإِنْ وَصَفَاهُ بِمَا يُوَافِقُ قَوْلَهُمَا وَعَدِمَا الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ عُرِضَتِ الْيَمِينُ عَلَيْهِمَا، فَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا وَنَكَلَ الْآخَرُ قُضِيَ بِيَمِينِ الْحَالِفِ عَلَى النَّاكِلِ، وَإِنْ حَلَفَا مَعًا تَعَارَضَتِ الْيَمِينَانِ وَسَقَطَتَا، وَأَوْجَبْنَا أَقَلَّ الْحَقَّيْنِ اعْتِبَارًا بِالْيَقِينِ.
(فَصْلٌ)
وَإِذَا خُلِقَ لِرَجُلٍ ذَكَرَانِ، فَإِنْ كَانَ يَبُولُ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَلَا يَبُولُ مِنَ الآخَرِ، فَالذَّكَرُ هُوَ الَّذِي يَبُولُ مِنْهُ، وَفِيهِ الْقَوَدُ أَوِ الدِّيَةُ، وَلَا قَوَدَ فِي الْآخَرِ، وَفِيهِ حُكُومَةٌ.
وَإِنْ كَانَ يَبُولُ مِنْهُمَا فَأَكْثَرُهُمَا بَوْلًا وَأَقْوَاهُمَا خُرُوجًا هُوَ الذَّكَرُ، وَفِيهِ الْقَوَدُ أَوِ الدِّيَةُ، وَفِي الْآخَرِ حُكُومَةٌ، فَإِنِ اسْتَوَيَا فِي الْبَوْلِ فَالَّذِي يَنْتَشِرُ مِنْهُمَا وَيَنْقَبِضُ هو الذكر.
وَإِنْ كَانَا فِي الِانْتِشَارِ وَالِانْقِبَاضِ سَوَاءٌ، فَالثَّابِتُ فِي مَحَلِّ الذَّكَرِ الْمُنْفَرِدِ هُوَ الذَّكَرُ وَالْمُنْحَرِفُ زَائِدٌ، فَإِنِ اسْتَوَيَا فِي مَحَلِّ الذَّكَرِ، وَلَمْ يَتَمَيَّزْ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ بِوَصْفٍ زَائِدٍ فَهُمَا جَمِيعًا ذَكَرٌ زَائِدٌ لَا يَجِبُ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَوَدٌ، وَفِيهِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَزِيَادَةُ حُكُومَةٍ، لِأَنَّهُ أَزْيَدُ مِنْ نِصْفِ ذَكَرٍ، فَإِنْ قُطِعَا مَعًا وَجَبَ فِيهِمَا الْقَوَدُ، وَزِيَادَةُ حُكُومَةٍ فِي الزِّيَادَةِ كَالْكَفَّيْنِ عَلَى ذِرَاعٍ.
(باب الخيار في القصاص)
(مَسْأَلَةٌ)
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمُقْبُرِيَّ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْكَعْبِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ " ثُمَّ أَنْتُمْ يَا بَنِي خُزَاعَةُ قَدْ قَتَلْتُمْ هَذَا الْقَتِيلَ مِنْ هُذَيْلٍ وَأَنَا وَاللَّهِ عَاقِلُهُ فَمَنْ قَتَلَ قَتِيلًا بَعْدَهُ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ إِنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا وَإِنْ أحبوا أخذوا الْعَقْلَ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَتْلُ الْعَمْدِ مُوجِبٌ لِلْقَوَدِ وَلِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ إِلَى الدِّيَةِ، وَلَا يَفْتَقِرَ إِلَى مُرَاضَاةِ الْقَاتِلِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: قَتْلُ الْعَمْدِ مُوجِبٌ لِلْقَوَدِ وَحْدَهُ وَلَا تَجِبُ لَهُ الدِّيَةُ إِلَّا بِمُرَاضَاةِ الْقَاتِلِ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: 45] وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنْ لَا يَجِبَ فِي النَّفْسِ غَيْرُ النَّفْسِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة: 178] وَفِي الزِّيَادَةِ عَلَى الْقِصَاصِ إِيجَابُ مَا لَمْ يَجُزِ الْعُدُولُ إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الأَبْدَالِ إِلَّا عَنْ مُرَاضَاةٍ.
وَلِأَنَّ الْقَتْلَ مُوجِبٌ للقود في عمده والدية في خطأه، فَلَمَّا لَمْ يَجُزِ الْعُدُولُ عَنِ الدِّيَةِ فِي خطأ إِلَى غَيْرِهَا إِلَّا عَنْ مُرَاضَاةٍ لَمْ يَجِبْ أَنْ يُعْدَلَ عَنِ الْقَوَدِ إِلَى غَيْرِهِ إِلَّا عَنْ مُرَاضَاةٍ.
وَلِأَنَّ الْقَتْلَ يُسْتَحَقُّ بِالْقَوَدِ تَارَةً، وَبِالدَّفْعِ عَنِ النَّفْسِ أُخْرَى، فَلَمَّا لَمْ يُمْلَكْ بَدَلُ قَتْلِهِ دَفْعًا لَمْ يُمْلَكْ بَدَلُ قَتْلِهِ قَوَدًا.
وَدَلِيلُنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 178] مَعْنَاهُ فَمَنْ عَفَا لَهُ عَنِ الْقِصَاصِ فَلْيُتْبِعِ الْوَلِيُّ الدِّيَةَ بِمَعْرُوفٍ، وَيُؤَدِّيَهَا الْقَاتِلُ بِإِحْسَانٍ فَجَعَلَ لِلْوَلِيِّ الْإِتْبَاعَ، وَعَلَى الْقَاتِلِ الْأَدَاءُ فَلَمَّا تَفَرَّدَ الْقَاتِلُ بِالْأَدَاءِ وَجَبَ أَنْ يَنْفَرِدَ الْوَلِيُّ بِالْإِتْبَاعِ وَلَا يَقِفَ عَلَى الْمُرَاضَاةِ.
وَحَدِيثُ أَبِي شُرَيْحٍ الْكَعْبِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " ثَمَّ أَنْتُمْ يَا خُزَاعَةُ قَدْ قَتَلْتُمْ هَذَا الْقَتِيلَ مِنْ هُذَيْلٍ وَأَنَا وَاللَّهِ عَاقِلُهُ، فَمَنْ قَتَلَ قَتِيلًا بَعْدَهُ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ إِنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا، وَإِنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا الْعَقْلَ ". فَجَعَلَ الْوَلِيَّ مُخَيَّرًا بَيْنَ الْقَوَدِ وَالدِّيَةِ وَهَذَا نَصٌّ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ: " إِنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا وَإِنْ أَحَبُّوا فَادَوْا " وَالْمُفَادَاةُ لَا تَكُونُ إِلَّا عَنْ مُرَاضَاةٍ.
قِيلَ: هَذِهِ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ، وَتُحْمَلُ الْمُفَادَاةُ فِيهَا عَلَى بَذْلِ الدِّيَةِ الَّتِي لَا تُسْتَحَقُّ إِلَّا عَنْ مُرَاضَاةٍ، وَيُحْمَلُ خَبَرُنَا فِي خِيَارِ الْوَلِيِّ عَلَى أَصْلِ الدِّيَةِ الَّتِي لَا تَفْتَقِرُ إِلَى مُرَاضَاةٍ لِيُسْتَعْمَلَ الْخَبَرَيْنِ، وَلَا يَسْقُطُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، وَلِأَنَّ الْقَوَدَ قَدْ يَسْقُطُ بعفو الولي إذا كان واحداً، ويعفوا أَحَدُهُمْ إِذَا كَانُوا جَمَاعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّ سُقُوطَهُ بِعَفْوِ أَحَدِهِمْ مُوجِبٌ لِلدِّيَةِ بِغَيْرِ مُرَاضَاةٍ فَكَذَلِكَ يَكُونُ وُجُوبُهَا بِعَفْوِ جَمِيعِهِمْ.
وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا: أَنَّهُ قَوَدٌ سَقَطَ بِالْعَفْوِ عَنْهُ فَلَمْ تَقِفِ الدِّيَةُ فِيهِ عَلَى مُرَاضَاةٍ كَمَا لَوْ عَفَا عَنْهُ أَحَدُهُمْ.
وَلِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْقَوَدِ لَا يَمْنَعُ مِنِ اخْتِيَارِ الدِّيَةِ كَمَا لَوْ قَطَعَ كَفًّا كَامِلَةَ الْأَصَابِعِ، وَفِي كَفِّهِ أَرْبَعَةُ أَصَابِعَ كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ.
فَإِنْ أَحَبَّ الدِّيَةَ أَخَذَ دِيَةً كَامِلَةً، وَإِنْ أَحَبَّ الْقِصَاصَ اقْتُصَّ عِنْدَهُمْ بِالْكَفِّ النَّاقِصَةِ، ولا شي لَهُ غَيْرُهَا، وَعِنْدَنَا يُقْتَصُّ مِنْهَا، وَيُؤْخَذُ دِيَةُ الْأُصْبُعِ النَّاقِصَةِ مِنْ كَفِّ الْجَانِي، وَلِأَنَّ لِلْقَتْلِ بدلين، وأغلظهما الْقَوَدُ وَأَخَفُّهُمَا الدِّيَةُ فَلَمَّا مَلَكَ الْقَوَدَ الْأَغْلَظَ بِغَيْرِ مُرَاضَاةٍ كَانَ بِأَنْ يَمْلِكَ الدِّيَةَ الْأَخَفَّ بِغَيْرِ مُرَاضَاةٍ أَوْلَى، وَلِأَنَّ قَتْلَ الْعَمْدِ أَغْلَظُ وَقَتْلَ الْخَطَأِ أَخَفُّ، فَلَمَّا مَلَكَ الدِّيَةَ فِي أَخَفِّهِمَا فَأَوْلَى أَنْ يَمْلِكَهَا فِي أَغْلَظِهِمَا.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْآيَتَيْنِ: فَهُوَ أَنَّ وُجُوبَ الْقِصَاصِ فِيهِمَا لَا يَمْنَعُ مِنَ العَفْوِ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ كَالْمُرَاضَاةِ.
وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى إِتْلَافِ الْمَالِ فَالْمَعْنَى فِيهِ: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الْعَمْدُ وَالْخَطَأُ إِلَّا بَدَلٌ وَاحِدٌ، وَلِلْقَتْلِ بَدَلَانِ فَافْتَرَقَا.
وَقَوْلُهُمْ: لَمَّا لَمْ يَمْلِكِ الْعُدُولَ عَنْ دِيَةِ الْخَطَأِ إِلَّا بِالْمُرَاضَاةِ كَذَلِكَ الْقَوَدُ الْعَمْدُ.
فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ الْقَوَدَ أَغْلَظُ وَالِدِّيَةَ أَخَفُّ فَمَلَكَ إِسْقَاطَ الْأَغْلَظِ بِالْأَخَفِّ، وَلَمْ يَمْلِكْ إِسْقَاطَ الْأَخَفِّ بِالْأَغْلَظِ، وَمَا اعْتَبَرُوهُ مِنْ قَتْلِ الدَّفْعِ الَّذِي لَا يَمْلِكُ فِيهِ الدِّيَةَ فَلَا يُشْبِهُ قَتْلَ الْقَوَدِ، لِأَنَّهُ يَمْلِكُ بِقَتْلِ الدَّفْعِ إِحْيَاءَ نَفْسِهِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُبْدِلَهَا بِالدِّيَةِ مُرَاضَاةً وَلَا اخْتِيَارًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَتْلُ الْقَوَدِ، لِأَنَّهُ مَلَكَ بِهِ اسْتِيفَاءَ حَقٍّ يَجُوزُ أَنْ يَعْدِلَ عَنْهُ
بِالْمُرَاضَاةِ، فَجَازَ أَنْ يَعْدِلَ عَنْهُ بِغَيْرِ مُرَاضَاةٍ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الدِّيَةِ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ لَا يَقِفُ عَلَى مُرَاضَاةِ الْقَاتِلِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِيمَا يُوجِبُهُ قَتْلُ الْعَمْدِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مُوجِبٌ لِأَحَدِ أَمْرَيْنِ مِنَ القَوَدِ، أَوِ الدِّيَةِ، وَكِلَاهُمَا بَدَلٌ مِنَ النَّفْسِ، وَلَيْسَتِ الدِّيَةُ بَدَلًا مِنَ القَوَدِ، وَالْوَلِيُّ فِيهِمَا بِالْخِيَارِ، كَالْحَالِفِ مُخَيَّرٌ فِي الْكَفَّارَةِ بَيْنَ الْإِطْعَامِ وَالْكُسْوَةِ وَالْعِتْقِ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ شَيْئَانِ:
أَحَدُهُمَا: قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " فمن قتل بعده قَتِيلًا فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ إِنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا، وَإِنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا الْعَقْلَ " وَتَخَيُّرُهُمْ بَيْنَ الْقَوَدِ وَالدِّيَةِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَدَلًا مِنَ القَتْلِ كَالْكَفَّارَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الدِّيَةَ بَدَلٌ مِنْ نَفْسِ الْمَقْتُولِ دُونَ الْقَاتِلِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَوْ قَتَلَتْ رَجُلًا وَجَبَ عَلَيْهَا دِيَةُ الرَّجُلِ، فَلَوْ جُعِلَتِ الدِّيَةُ بَدَلًا مِنَ القَوَدِ صَارَتْ بَدَلًا مِنْ نَفْسِ الْقَاتِلِ دُونَ الْمَقْتُولِ، وَلَوْ وَجَبَ عَلَى الْمَرْأَةِ إِذَا قَتَلَتْ رَجُلًا أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهَا دية امرأة، إذا ثبت أن الدية بدلاً مِنْ نَفْسِ الْمَقْتُولِ جَرَتْ مَجْرَى الْقَوَدِ فَصَارَا وَاجِبَيْنِ بِالْقَتْلِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إنَّ قَتْلَ الْعَمْدِ مُوجِبٌ لِلْقَوَدِ وَحْدَهُ، وَهُوَ بَدَلُ النَّفْسِ، فَإِنْ عُدِلَ عَنْهُ إِلَى الدِّيَةِ كَانَتْ بَدَلًا مِنَ القَوَدِ فَيَصِيرُ بَدَلًا عَنِ النَّفْسِ.
وَوَجْهُهُ شَيْئَانِ:
أَحَدُهُمَا: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ فدل على أن الَّذِي يَجِبُ لَهُ الْقِصَاصُ وَحْدَهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ قَتْلَ الْخَطَأِ لَمَّا أَوْجَبَ بَدَلًا وَاحِدًا، وَهُوَ الدية اعتباراً بالمتلفات التي ليس لها مِثْلٌ، اقْتَضَى أَنْ يَكُونَ قَتْلُ الْعَمْدِ مُوجِبًا لِبَدَلٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ الْقَوَدُ اعْتِبَارًا بِالْمُتْلَفَاتِ الَّتِي لَهَا مِثْلٌ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا تَقَرَّرَ تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ كَانَ الْقَوَدُ مُسْتَحَقًّا عَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ وَتَرَتَّبَ اسْتِحْقَاقُ الدِّيَةِ عَلَى اخْتِلَافِ الْقَوْلَيْنِ.
فَإِنْ قُلْنَا بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ إنَّ قَتْلَ الْعَمْدِ مُوجِبٌ لِأَحَدِ شَيْئَيْنِ إِمَّا الْقَوَدُ أَوِ الدِّيَةُ فَلِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ فِي الِاخْتِيَارِ وَالْعَفْوِ سَبْعَةُ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَخْتَارَ الْقَوَدَ، فَلَا يَسْقُطُ حَقُّهُ مِنَ الدِّيَةِ إِلَّا أَنْ يَقْتَصَّ، فَإِنْ عَدَلَ عَنِ الْقَوَدِ إِلَى الدِّيَةِ اسْتَحَقَّهَا، لِأَنَّهُ قَدْ عَدَلَ بِهَا عَنِ الْأَغْلَظِ إِلَى الْأَخَفِّ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَخْتَارَ الدِّيَةَ فَيُعْطَاهَا، وَيَسْقُطَ حَقُّهُ مِنَ القَوَدِ لِمَا فِي الْعُدُولِ إِلَيْهِ مِنَ الانْتِقَالِ عَنِ الْأَخَفِّ إِلَى الْأَغْلَظِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَخْتَارَ الْقَوَدَ وَالدِّيَةَ فَلَا يَكُونُ لِاخْتِيَارِهِ تَأْثِيرٌ، لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا وَلَمْ يُعَيِّنْ بِالِاخْتِيَارِ أَحَدَهُمَا.
وَالْحَالُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يعفوا عَنِ الْقَوَدِ فَيَتَعَيَّنُ حَقُّهُ فِي الدِّيَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْتَقِلَ عَنْهَا إِلَى الْقَوَدِ إِلَّا بَعْدَ سُقُوطِهِ بِالْعَفْوِ، وَلِأَنَّهُ انْتِقَالٌ عَنِ الْأَخَفِّ إِلَى الْأَغْلَظِ.
وَالْحَالُ الْخَامِسَةُ: أَنْ يَعْفُوَ عَنِ الدِّيَةِ فَلَهُ الْقَوَدُ، وَلَا يَكُونُ لِعَفْوِهِ عَنِ الدِّيَةِ تَأْثِيرٌ، وَلَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنَ القَوَدِ إِلَى الدِّيَةِ، لِأَنَّهُ انْتِقَالٌ مِنَ الأَغْلَظِ إِلَى الْأَخَفِّ.
وَالْحَالُ السَّادِسَةُ: أَنْ يَعْفُوَ عَنِ الْقَوَدِ وَالدِّيَةِ فَيَصِحُّ عَفْوُهُ عَنْهُمَا وَلَا يَسْتَحِقُّ بَعْدَ الْعَفْوِ وَاحِدًا مِنْهُمَا مِنْ قَوَدٍ وَلَا دِيَةٍ.
وَالْحَالُ السَّابِعَةُ: أَنْ يَقُولَ قَدْ عَفَوْتُ عَنْ حَقِّي فَيَكُونُ عَفْوًا عَنِ الْقَوَدِ وَالدِّيَةِ مَعًا لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُمَا.
وَإِنْ قُلْنَا بِالْقَوْلِ الثَّانِي إنَّ قتل العمد موجب للقود وحده ولا تجب الدِّيَةُ إِلَّا بِالِاخْتِيَارِ بَدَلًا مِنَ القَوَدِ فَلِلْوَلِيِّ فِي اخْتِيَارِهِ وَعَفْوِهِ سَبْعَةُ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَخْتَارَ الْقَوَدَ فَلَا يَسْقُطُ بِهَذَا الِاخْتِيَارِ حَقُّهُ مِنِ اخْتِيَارِ الدِّيَةِ وَقْتَ اسْتِحْقَاقِهَا لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ اخْتِيَارَهَا بَعْدَ سُقُوطِ حَقِّهِ مِنَ القَوَدِ، فَصَارَ كَالْإِبْرَاءِ مِنَ الحَقِّ قَبْلَ وُجُوبِهِ، لَا يُبْرِئُهُ مِنْ ذَلِكَ الْحَقِّ بَعْدَ وُجُوبِهِ، وَلَا يَتَحَتَّمُ عَلَيْهِ الْقَوَدُ بِهَذَا الِاخْتِيَارِ، لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ وَلَيْسَ بِحَقٍّ عَلَيْهِ فَصَارَ هَذَا الِاخْتِيَارُ لَا تَأْثِيرَ لَهُ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَخْتَارَ الدِّيَةَ فَيَكُونُ فِي اخْتِيَارِهَا إِسْقَاطٌ لِحَقِّهِ مِنَ القَوَدِ فَيُحْكَمُ لَهُ بِالدِّيَةِ وَيَسْقُطُ الْقَوَدُ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَخْتَارَ الْقَوَدَ وَالدِّيَةَ فَلَا يَكُونُ لِهَذَا الِاخْتِيَارِ تَأْثِيرٌ فِي الْقَوَدِ وَلَا فِي الدِّيَةِ، لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا وَلَمْ يُعَيِّنْ بِالِاخْتِيَارِ أَحَدَهُمَا فَيَسْتَوِي حُكْمُ الِاخْتِيَارِ، وَهَذِهِ الْأَحْوَالُ الثَّلَاثُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَعًا، وَإِنَّمَا يَفْتَرِقَانِ فِي الْأَحْوَالِ الْأَرْبَعِ فِي الْعَفْوِ.
وَالْحَالُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَعْفُوَ عَنِ الْقَوَدِ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَخْتَارَ الدِّيَةَ مَعَ عَفْوِهِ عَنِ الْقَوَدِ، فَيَسْقُطُ حَقُّهُ مِنَ القَوَدِ بِالْعَفْوِ وَتَجِبُ لَهُ الدية بالاختيار.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الْعَفْوِ عَنِ الْقَوَدِ، وَلَا يُعِلَّهُ بِاخْتِيَارِ الدِّيَةِ فَيَسْقُطُ الْقَوَدُ بِالْعَفْوِ عَنْهُ وَفِي الدِّيَةِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: نَصَّ عَلَيْهِ فِي جِرَاحِ الْعَمْدِ - أَنَّ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ الدِّيَةَ مِنْ بَعْدُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ " الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ " أَنَّهُ قَدْ سَقَطَ حَقُّهُ مِنَ الدِّيَةِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَهَا مِنْ بَعْدُ.
وَأَصْلُ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ فِي الْمُدَّعِي إِذَا قَامَ شَاهِدًا وَامْتَنَعَ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِهِ، وَعُرِضَتِ الْيَمِينُ عَلَى الْمُنْكَرِ فَنَكَلَ عَنْهَا، فَهَلْ تُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعِي أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:
وَالْحَالُ الْخَامِسَةُ: أَنْ يَعْفُوَ عَنِ الدِّيَةِ فَلَا يَكُونُ لِعَفْوِهِ تَأْثِيرٌ فِي الْقَوَدِ وَلَا فِي الدِّيَةِ، لِأَنَّ الْقَوَدَ لَمْ يُعْفَ عَنْهُ، وَالدِّيَةَ لَمْ يَسْتَحِقَّهَا مَعَ بَقَاءِ الْقَوَدِ، فَلَمْ يَصِحَّ عَفْوُهُ عَنْهَا.
وَالْحَالُ السَّادِسَةُ: أَنْ يَعْفُوَ عَنِ الْقَوَدِ فَيَسْقُطُ الْقَوَدُ بِعَفْوِهِ عَنْهُ، وفي سقوط الدية بعفوه عنهما قَوْلَانِ حَكَاهُمَا أَبُو حَامِدٍ الْمَرْوَزِيُّ فِي " جَامِعِهِ ":
أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ عَفْوُهُ عَنْهَا لِاقْتِرَانِهِ بِالْعَفْوِ عَنِ الْقَوَدِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يَصِحُّ الْعَفْوُ عَنْهَا، لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي وَقْتِ الِاخْتِيَارِ بَعْدَ القود.
فعلى هذا إن اختيار الدِّيَةَ فِي الْحَالِ وَجَبَتْ لَهُ، فَإِنِ اخْتَارَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَعَلَى مَا مَضَى مِنَ القَوْلَيْنِ:
وَالْحَالُ السَّابِعَةُ: أَنْ يَعْفُوَ عَنْ حَقِّهِ فَيَسْقُطُ الْقَوَدُ، لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ وَلَا يَسْقُطُ الدِّيَةَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَحِقَّهَا، فَإِنْ عَجَّلَ اخْتِيَارَهَا وَجَبَتْ لَهُ وإن لم يعجله فعلى القولين:
أَحَدُهُمَا: تَجِبُ لَهُ الدِّيَةُ إِنِ اخْتَارَهَا.
وَالثَّانِي: لَا تَجِبُ لَهُ وَقَدْ سَقَطَ حَقُّهُ مِنْهَا بتأخير الاختيار والله أعلم.
(مسألة)
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ الْعَقْلَ يُورَثُ كَالْمَالِ وَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَكُلُّ وَارِثٍ وَلِيَ زَوْجَةً أَوِ ابْنَةً لَا يَخْرُجُ أَحَدٌ مِنْهُمْ مِنْ وِلَايَةِ الدَّمِ ".
قَالَ الماوردي: أما الدية فموروثة مِيرَاثَ الْأَمْوَالِ بَيْنَ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ مِنْ ذَوِي الْأَنْسَابِ وَالْأَسْبَابِ وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: " لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ الْعَقْلَ مَوْرُوثٌ " إِلَّا حِكَايَةً شَاذَّةً عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ لَمْ يُوَرِّثِ الزَّوْجَ وَالزَّوْجَةَ وَالْإِخْوَةَ مِنَ الأُمِّ شَيْئًا مِنَ الدِّيَةِ وَهُوَ مَحْجُوجٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ.
رَوَى سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ خَطَأً
فَقَضَى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بِدِيَتِهِ عَلَى عَاقِلَتِهِ فَجَاءَتِ امْرَأَتُهُ تَطْلُبُ مِيرَاثَهَا مِنْ عَقْلِ زَوْجِهَا فَقَالَ عُمَرُ: لَا أَعْلَمُ لَكِ شَيْئًا، إِنَّمَا الدِّيَةُ لِلْعَصَبَةِ الَّذِينَ يَعْقِلُونَ عَنْهُ، فَقَامَ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ الْكِلَابِيُّ فَقَالَ: كَتَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَأْمُرُنِي أَنْ أُوَرِّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضِّبَابِيِّ مِنْ عَقْلِ زَوْجِهَا أَشْيَمَ فَوَرَّثَهَا عُمَرُ وَرَوَى عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " الْمَرْأَةُ تَرِثُ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا وَعَقْلِهِ وَيَرِثُ هُوَ مِنْ مَالِهَا وَعَقْلِهَا ".
وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَضَى أَنَّ الْعَقْلَ مِيرَاثٌ بَيْنَ وَرَثَةِ الْقَتِيلِ عَلَى فَرَائِضِهِمْ.
وَرَوَى الشَّعْبِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَرَّثَ امْرَأَةً مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا، وَوَرَّثَ زَوْجًا من دية امرأته.
(فَصْلٌ)
فَأَمَّا الْقَوَدُ فَهُوَ عِنْدَنَا مَوْرُوثٌ مِيرَاثَ الْأَمْوَالِ بَيْنَ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ عَلَى فَرَائِضِهِمْ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَرِثُهُ رِجَالُ الْعَصَبَاتِ مِنْ ذَوِي الْأَنْسَابِ دُونَ النِّسَاءِ وَدُونَ الْأَسْبَابِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: يَرِثُهُ ذَوُوا الْأَنْسَابِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ دُونَ ذَوِي الْأَسْبَابِ.
وَاسْتَدَلَّ مَالِكٌ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا [الإسراء: 33] وَالْوَلِيُّ يَتَنَاوَلُ الرِّجَالَ مِنَ العَصَبَاتِ فَدَلَّ عَلَى أَنْ لَا حَقَّ فِيهِ لِغَيْرِهِمْ، وَلِأَنَّ الْقَوَدَ مَوْضُوعٌ لِدَفْعِ الْعَارِ فَأَشْبَهَ وِلَايَةَ النِّكَاحِ فِي اخْتِصَاصِهَا بِرِجَالِ الْعَصَبَاتِ، وَلِأَنَّ النِّسَاءَ لَوْ وَرِثْنَ الْقَوَدَ لَتَحَمَّلْنَ الْعَقْلَ كَالْعَصَبَاتِ، وَهُنَّ لَا يَتَحَمَّلْنَ الْعَقْلَ فَوَجَبَ أَنْ يسقط ميراثهم مِنَ القَوَدِ كَالْأَجَانِبِ.
وَدَلِيلُنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " فَمَنْ قَتَلَ قَتِيلًا بَعْدَهُ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ إِنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا، وَإِنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا الْعَقْلَ ".
وَمِنْ هَذَا الْخَبَرِ دَلِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْأَهْلَ عِبَارَةٌ عَنِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ مِنْ ذَوِي الْأَنْسَابِ وَالْأَسْبَابِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ خَيَّرَهُمْ بَيْنَ الدِّيَةِ وَالْقَوَدِ، وَالدِّيَةُ تَكُونُ بَيْنَ جَمِيعِهِمْ فَكَذَلِكَ الْقَوَدُ.
وَرَوَى الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ حُصَيْنٍ عَنِ ابْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " وَلِأَهْلِ الْقَتِيلِ، أَنْ يَنْحَجِزُوا الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، وَلَوْ كَانَتِ امْرَأَةً " وَمَعْنَى قَوْلِهِ: " لِيَنْحَجِزُوا " أَنْ يَتْرُكُوا يَعْنِي بِتَرْكِهِمْ فِيمَا يَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ مِنْ قَوَدٍ وِدِيَةٍ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ وَرِثَ الدِّيَةَ وَرِثَ الْقَوَدَ كَالْعَصَبَةِ، وَلِأَنَّ كُلَّ حَقٍّ وَرِثَهُ الْعَصَبَةُ وَرِثَهُ غَيْرُهُمْ مِنَ الوَرَثَةِ كَالدِّيَةِ.
فَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: 33] فَقَدْ يَنْطَلِقُ اسْمُ الْوَلِيِّ عَلَى الْمَرْأَةِ كَمَا يَنْطَلِقُ عَلَى الرَّجُلِ، لِأَنَّهَا تَلِيهِ وَإِنْ لَمْ تَلِ عَلَيْهِ، وَلَوْ تَنَاوَلَتْ مَنْ يَلِي عَلَيْهِ لَخَرَجَ مِنْهُمُ الْأَبْنَاءُ وَالْإِخْوَةُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مُبَاشَرَةُ الِاسْتِيفَاءِ، وَذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِالنِّكَاحِ فِي وَضْعِهِ لِنَفْيِ الْعَارِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأَنَّ الْقَوَدَ يُسْتَحَقُّ لِلتَّشَفِّي لَا لِنَفْيِ الْعَارِ، عَلَى أَنَّ وِلَايَةَ النِّكَاحِ لَا تُورَثُ إِنَّمَا تُسْتَفَادُ بِالنَّسَبِ، وَالْقَوَدُ مَوْرُوثٌ فَافْتَرَقَا.
وَمَا ذَكَرَهُ مِنَ اخْتِصَاصِ الْقَوَدِ، مَنْ يَتَحَمَّلُ الْعَقْلَ فَاسِدٌ بِالْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ، وَالصِّغَارِ وَالْفُقَرَاءِ كُلُّ هَؤُلَاءِ يَرِثُونَ الْقَوَدَ، وَلَا يَتَحَمَّلُونَ الْعَقْلَ كَذَلِكَ النِّسَاءُ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْقَوَدَ مَوْرُوثٌ كَالْمَالِ لَمْ يَخْلُ حَالُ الْقَتِيلِ من ثلاثة أحوال:
أَنْ يَكُونَ لَهُ وَرَثَةٌ يَسْتَحِقُّونَ جَمِيعَ مَالِهِ فَلَهُمُ الْخِيَارُ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ: إِمَّا الْقَوَدُ، أَوِ الدِّيَةُ أَوِ الْعَفْوُ عَنْهُمَا.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ وَارِثٌ بِحَالٍ فَالْإِمَامُ وَلِيُّهُ لِأَنَّهُ مَوْرُوثٌ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَلِلْإِمَامِ الِاخْتِيَارُ فِي اعْتِبَارِ الْأَصْلَحِ مِنْ أَمْرَيْنِ: الْقَوَدِ، أَوِ الدِّيَةِ، وَهَلْ لَهُ الْخِيَارُ فِي الْعَفْوِ عَنْهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَهُ الْخِيَارُ فِي الْعَفْوِ عَنْهُمَا كَالْوَرَثَةِ.
وَالثَّانِي: لَا خِيَارَ لَهُ فِي الْعَفْوِ عَنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُسْقِطَ الْحَقَّ بِغَيْرِ بَدَلٍ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ لَهُ مِنَ الوَرَثَةِ مَنْ يَسْتَحِقُّ بَعْضَ تَرِكَتِهِ كَالزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ
فَلَيْسَ لِهَذَا الْوَارِثِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالْقَوَدِ، لِأَنَّهُ لَا يَنْفَرِدُ بِالْمِيرَاثِ وَشَرِيكُهُ فِي اسْتِيفَائِهِ الْإِمَامُ، لِأَنَّ بَاقِيَ التَّرِكَةِ مِيرَاثٌ لِبَيْتِ الْمَالِ.
فَإِنِ اتَّفَقَ الْوَارِثُ وَالْإِمَامُ عَلَى الْقَوَدِ وَجَبَ، وَإِنْ أَرَادَهُ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ سَقَطَ، وَاسْتَحَقَّ الدِّيَةَ، وَكَانَ الْوَارِثُ فِي حَقِّهِ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ بَيْنَ الِاسْتِيفَاءِ وَالْعَفْوِ، وَفِي خِيَارِ الْإِمَامِ فِي حَقِّ بَيْتِ الْمَالِ فِيهِمَا وَجْهَانِ عَلَى مَا مَضَى.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " ولا يقتل إلا باجتماعهم ويحبس الْقَاتِلُ حَتَّى يَحْضُرَ الْغَائِبُ وَيَبْلُغَ الطِّفْلُ وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَعْتُوهٌ فَحَتَّى يُفِيقَ أَوْ يَمُوتَ فَيَقُومُ وَارِثُهُ مَقَامَهُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا إِذَا كَانَ وَرَثَةُ الْقَتِيلِ أَهْلَ رُشْدٍ لَا وِلَايَةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَلَيْسَ لِبَعْضِهِمْ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالْقَوَدِ دُونَ شُرَكَائِهِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْذِنَ مَنْ حَضَرَ وَيَنْتَظِرَ مَنْ غَابَ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ إِنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا وَإِنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا الْعَقْلَ " فَأَمَّا إِنْ كَانَ فِيهِمْ مَوْلًى عَلَيْهِ لِعَدَمِ رُشْدِهِ بِجُنُونٍ أَوْ صِغَرٍ فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ.
فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ الْقَوَدَ مَوْقُوفٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهِ الرَّشِيدُ حَتَّى يَبْلُغَ الصَّغِيرُ وَيُفِيقَ الْمَجْنُونُ، وَيَجْتَمِعُونَ عَلَى اسْتِيفَائِهِ، وَلَا يَجُوزُ لِوَلِيِّ الصَّغِيرِ أَنْ يَنُوبَ عَنْهُ فِي الِاسْتِيفَاءِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: يَجُوزُ لِلرَّشِيدِ مِنْهُمْ أَنْ يَنْفَرِدَ بِاسْتِيفَاءِ الْقَوَدِ وَلَا يَنْتَظِرَ بُلُوغَ الصَّغِيرِ وَإِفَاقَةَ الْمَجْنُونِ، وَلَوْ كَانَ مُسْتَحِقُّهُ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا جَازَ لِوَلِيِّهِ أَنْ يَنُوبَ عَنْهُ فِي اسْتِيفَائِهِ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: 33] فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْوَاحِدِ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ الْوَلِيُّ الْوَاحِدُ.
وَلِأَنَّ ابْنَ مُلْجِمٍ قَتَلَ عَلِيًّا رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَاقْتَصَّ مِنْهُ ابْنُهُ الْحَسَنُ، وَقَدْ شَارَكَهُ مِنْ إِخْوَتِهِ صِغَارٌ لَمْ يَبْلُغُوا، وَلَمْ يَقِفِ الْقَوَدُ عَلَى بُلُوغِهِمْ وَلَمْ يُخَالِفْهُ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَصَارَ إِجْمَاعًا عَلَى جَوَازِ تَفَرُّدِهِ به.
قال: ولأن للقود حق يَصِحُّ فِيهِ النِّيَابَةُ فَجَازَ إِذَا لَمْ يَتَبَعَّضْ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهِ بَعْضُهُمْ كَوِلَايَةِ النِّكَاحِ، وَلِأَنَّ الْقَوَدَ إِذَا وَجَبَ لِجَمَاعَةٍ لَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ ينفرد بِاسْتِيفَائِهِ وَاحِدٌ، كَالْقَتِيلِ إِذَا لَمْ يَتْرُكْ وَارِثًا اسْتَحَقَّ قَوَدَهُ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ لِلْإِمَامِ أَنْ ينفرد باسيتفائه.
وَدَلِيلُنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " فمن قتل بعده قَتِيلًا فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ إِنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا، وَإِنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا الْعَقْلَ " فَجَعَلَ ذَلِكَ لِجَمَاعَتِهِمْ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهِ بَعْضُهُمْ، لِمَا فِيهِ مِنَ
العدول عن مقتضى الخير.
وَلِأَنَّ الْقَوَدَ إِذَا تَعَيَّنَ لِجَمَاعَةٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهِ بَعْضُهُمْ، كَمَا لَوْ كَانُوا جَمِيعًا أَهْلَ رُشْدٍ.
وَلِأَنَّ الْقَوَدَ أَحَدُ بَدَلَيِ النَّفْسِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ بَعْضُ الْوَرَثَةِ كَالدِّيَةِ.
وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ لَمْ يَنْفَرِدْ بِاسْتِيفَاءِ الدِّيَةِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْفَرِدَ بِاسْتِيفَاءِ الْقَوَدِ كَالْأَجَانِبِ.
وَأَمَّا الْآيَةُ فَمَحْمُولَةٌ عَلَى الْوَلِيِّ إِذَا كَانَ وَاحِدًا.
وَأَمَّا تَفَرُّدُ الْحَسَنِ بِقَتْلِ ابْنِ ملجم لعنه الله فعنه جوابان:
أحدهما: أَنَّهُ قَدْ كَانَ فِي شُرَكَائِهِ مِنَ البَالِغِينَ مَنْ لَمْ يَسْتَأْذِنْهُ، لِأَنَّ عَلِيًّا خَلَّفَ حِينَ قُتِلَ عَلَى مَا حَكَاهُ بَعْضُ أَهْلِ النَّقْلِ سِتَّةَ عَشَرَ ذَكَرًا وَسِتَّ عَشْرَةَ أُنْثَى فَيَكُونُ جَوَابُهُمْ عَنْ تَرْكِ اسْتِئْذَانِهِ لِلْأَكَابِرِ جَوَابَنَا فِي تَرْكِ وُقُوفِهِ عَلَى بُلُوغِ الْأَصَاغِرِ.
وَالْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّ ابْنَ مُلْجِمٍ انْحَتَمَ قَتْلُهُ لِسَعْيِهِ بِالْفَسَادِ، لِأَنَّ مَنْ قَتَلَ إِمَامَ عَدْلٍ فَقَدْ سَعَى فِي الْأَرْضِ فَسَادًا فَصَارَ مَحْتُومَ الْقَتْلِ، لَا يَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْهُ فَلَا يَلْزَمُ اسْتِئْذَانُ الْوَرَثَةِ فِيهِ.
وَالْجَوَابُ الثَّالِثُ: أَنَّ ابْنَ مُلْجِمٍ اسْتَحَلَّ قَتْلَ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَصَارَ بِاسْتِحْلَالِهِ قَتْلَهُ كَافِرًا، لِأَنَّ مَنِ اسْتَحَلَّ قَتْلَ إِمَامِ عَدْلٍ كَانَ كَافِرًا فَقَتَلَهُ الْحَسَنُ لِكُفْرِهِ وَلَمْ يَقْتُلْهُ قَوَدًا، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَيْقَظَ عَلِيًّا مِنْ نَوْمِهِ فِي بَعْضِ الْأَسْفَارِ، وَقَدْ سِيقَتِ الرِّيحُ عَلَيْهِ التُّرَابُ، فَقَالَ قُمْ يَا أَبَا تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ: أَتَعْرِفُ أَشْقَى الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ قَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: أَشْقَى الْأَوَّلِينَ عَاقِرُ نَاقَةِ صَالِحٍ، وَأَشْقَى الْآخِرِينَ مَنْ خَضَّبَ هَذِهِ مِنْ هَذَا، وَأَشَارَ إِلَى خِضَابِ لِحْيَتِهِ مِنْ دَمِ رَأْسِهِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحَسَنُ عَرَفَ بِهَذَا الْخَبَرِ كُفْرَ ابْنِ مُلْجِمٍ لَعَنَهُ اللَّهُ لِاعْتِقَادِهِ اسْتِبَاحَةَ قَتْلِ عَلِيٍّ فَقَتَلَهُ بِذَلِكَ.
وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى وِلَايَةِ النِّكَاحِ فَعَنْهُ جَوَابَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ وِلَايَةَ النِّكَاحِ يَسْتَحِقُّهَا الْأَكَابِرُ دُونَ الْأَصَاغِرِ، فَجَازَ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهَا الْأَكَابِرُ وَالْقَوَدُ يَسْتَحِقُّهُ الْأَكَابِرُ وَالْأَصَاغِرُ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهِ الْأَكَابِرُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ وِلَايَةَ النِّكَاحِ يَسْتَحِقُّهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَجَازَ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهَا أَحَدُهُمْ وَالْقَوَدُ يَسْتَحِقُّهُ جَمِيعُهُمْ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهِ بَعْضُهُمْ.
فَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ تَفَرُّدِ الْإِمَامِ بِالْقَوَدِ فِيمَنْ وَرِثَهُ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ، فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَتَعَيَّنْ مُسْتَحِقُّهُ وَكَانَ لِلْكَافَّةِ، تَفَرَّدَ بِهِ مَنْ وَلِيَ أُمُورَهُمْ، وَهَذَا قَدْ تَعَيَّنَ مُسْتَحِقُّهُ فَافْتَرَقَا.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا ثَبَتَ وُقُوفُ الْقَوَدِ عَلَى بُلُوغِ الصَّبِيِّ وَإِفَاقَةِ الْمَجْنُونِ وَجَبَ حَبْسُ الْقَاتِلِ إِلَى وَقْتِ الْبُلُوغِ وَالْإِفَاقَةِ لِيُحْفَظَ حَقُّهُمَا بِحَبْسِهِ وَلَا يُطْلَقُ، وَإِنْ أَعْطَى كَفِيلًا بِنَفْسِهِ، لِأَنَّهُ حَقٌّ لَا يُمْلَكُ اسْتِيفَاؤُهُ إِلَّا مِنْهُ، وَالْمُتَوَلِّي لِحَبْسِهِ الْإِمَامُ دُونَ الْوَلِيِّ، لِأَنَّ أَمْرَ الْحَاكِمِ أَنْفَذُ مِنْ أَمْرِهِ، فَإِنْ أَرَادَ الْوَلِيُّ أَنْ يُلَازِمَهُ لَمْ يُمْنَعْ، وَلَا يَقِفُ حَبْسُ الْحَاكِمِ لَهُ عَلَى الِاسْتِعْدَاءِ إِلَيْهِ، وَيَنْفَرِدُ بِهِ إِذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ الْقَتْلُ لِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ حِفْظِ الْحُقُوقِ عَلَى مَنْ يُوَلَّى عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ فِي الْوَرَثَةِ رَشِيدٌ غَائِبٌ لَمْ يلزم الحاكم حبس القاتل إلا بعد الاستدعاء إِلَيْهِ، لِأَنَّ مُسْتَحِقَّ الْقَوَدِ رَشِيدٌ لَا يُوَلَّى عَلَيْهِ، وَهَكَذَا لَوْ غَصَبَ دَارًا لِغَائِبٍ جَازَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَنْزِعَهَا مِنَ الغَاصِبِ إِنْ كَانَ مَالِكُهَا مُوَلِّيًا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْتَزِعَهَا مِنْهُ إِنْ كَانَ مَالِكُهَا رَشِيدًا، فَإِنْ أَرَادَ وَلِيُّ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ أَنْ يَعْفُوَ عَنِ الْقَوَدِ إِلَى غَيْرِ مَالٍ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ أَرَادَ الْعَفْوَ عَنِ الْقَوَدِ إِلَى الدِّيَةِ نُظِرَ فِي الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ، فَإِنْ كَانَا مُوسِرَيْنِ غَيْرَ مُحْتَاجَيْنِ إِلَى الْمَالِ لَمْ يَكُنْ لِلْوَلِيِّ الْعَفْوُ عَنِ الْقَوَدِ، وَإِنْ عَفَا بَطَلَ عَفْوُهُ، وَإِنْ كَانَا فَقِيرَيْنِ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ لَهُمَا مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمَا، فَلَا يَجُوزُ لِوَلِيِّهِ أَنْ يَعْفُوَ عَنِ الْقَوَدِ لِاسْتِغْنَائِهِمَا مِمَّنْ وَجَبَ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمَا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ لَهُمَا مَنْ يَلْتَزِمُ نَفَقَتَهُمَا وَهُمَا مِنْ ذَوِي الْفَاقَةِ إِلَى قَدْرِ نَفَقَتِهِمَا، فَفِي جَوَازِ عَفْوِ وَلِيِّهِمَا عَنِ الْقَوَدِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ لِلضَّرُورَةِ اعْتِبَارًا بِمَصْلَحَتِهِمَا.
وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ لِمَا فِيهِ مِنْ إِسْقَاطِ حَقِّهِمَا، وَيَحْتَمِلُ وَجْهًا ثَالِثًا أَنْ يُعْتَبَرَ حَالُ الْمُولي فَإِنْ كَانَ مُنَاسِبًا أَوْ وَصِيًّا لَمْ يَصِحَّ عَفْوُهُ، وَإِنْ كَانَ حَاكِمًا صَحَّ عَفْوُهُ، لِأَنَّهُ حَكَمٌ يَجُوزُ أَنْ ينفرد باجتهاده والله أعلم.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه " وَأَيُّهُمْ عَفَا عَنِ الْقِصَاصِ كَانَ عَلَى حَقِّهِ مِنَ الدِّيَةِ وَإِنْ عَفَا عَلَى غَيْرِ مَالٍ كَانَ الْبَاقُونَ عَلَى حُقُوقِهِمْ مِنَ الدِّيَةِ ". قَالَ الماوردي: وإن عفى عَلَى غَيْرِ مَالٍ كَانَ الْبَاقُونَ عَلَى حُقُوقِهِمْ مِنَ الدِّيَةِ إِذَا كَانَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ جَمَاعَةً فعفى أَحَدُهُمْ عَنِ الْقَوَدِ سَقَطَ جَمِيعُ الْقَوَدِ فِي حُقُوقِ جَمَاعَتِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يقتص سواء عفى أَقَلُّهُمْ أَوْ أَكْثَرُهُمْ.