الحاوي الكبيرصفحات 415-454
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع

صفحات 415-454
عن هذه الطبعة
عَلَم
الماوردي
الكتاب
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
المؤلف
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
المحقق
الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1419 هـ -1999 م
عدد الأجزاء
19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وَحَثْوِ التُّرَابِ عَلَيْهِ، وَرُوِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ: أَنَّهُمْ حَدُّوهُ بِالسِّيَاطِ.
فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي حَدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بالثياب والنعال هل كان بعذر أو شرع؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ وَأَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: أَنَّهُ كَانَ لعذر في الشارب مِنْ مَرَضٍ، أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ نِضْوًا، كَمَا حَدَّ مُقْعَدًا بَأَثْكَالِ النَّخْلِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ حد الصحابة بالسياط نصاً في غير المعذور لأنه جنس ما يستوفى بِهِ الْحُدُودُ.
فَيُحَدُّ بِالسِّيَاطِ، وَيَكُونُ حَدُّ الْخَمْرِ مُخَفَّفًا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ.
وَهُوَ مِقْدَارُ الْعَدَدِ دُونَ صِفَةِ الْحَدِّ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ: أَنَّ حَدَّهُ بِالثِّيَابِ وَالنِّعَالِ كَانَ شَرْعًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - خَفَّفَ بِهِ حَدَّ الْخَمْرِ كَمَا خَفَّفَهُ فِي الْعَدَدِ.
فَعَلَى هَذَا يَكُونُ عُدُولُ الصَّحَابَةِ عَنْهُ إِلَى السِّيَاطِ عَنِ اجْتِهَادٍ مِنْهُمْ فِيهِ حِينَ تهافتوا فِي الْخَمْرِ، وَاسْتَهَانُوا بِحَدِّهِ، كَمَا اجْتَهَدُوا فِي زِيَادَةِ الْعَدَدِ إِلَى الثَّمَانِينَ.
وَيَكُونُ حَدُّ الْخَمْرِ مُخَفَّفًا مِنْ وَجْهَيْنِ: فِي مِقْدَارِ الْعَدَدِ، وَصِفَةِ الْحَدِّ، وَيَكُونُ الْعُدُولُ إِلَى السِّيَاطِ اجْتِهَادًا.
كَمَا كَانَتِ الزِّيَادَةُ إِلَى الثَّمَانِينَ اجْتِهَادًا.
فَأَمَّا التَّبْكِيتُ وَحَثْوُ التُّرَابِ، فَزِيَادَةٌ فِي التَّعْزِيرِ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْحَدِّ، وَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ فِي فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(مَسْأَلَةٌ)

قَالَ الشافعي: " وَإِذَا ضَرَبَ الْإِمَامُ فِي خَمْرٍ أَوْ مَا يسكر من شراب بِنَعْلَيْنِ أَوْ طَرَفِ ثَوْبٍ أَوْ رِدَاءٍ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ ضَرْبًا يُحِيطُ الْعِلْمُ أَنَّهُ لَمْ يُجَاوِزْ أَرْبَعِينَ فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ فَالْحَقُّ قَتَلَهُ) . قال الماوردي: إِذَا جَلَدَ الْإِمَامُ فِي الْخَمْرِ أَرْبَعِينَ اقْتِصَارًا على الحدود دُونَ التَّعْزِيرِ فَمَاتَ الْمَحْدُودُ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ضَرْبُهُ بِالنِّعَالِ، وَأَطْرَافِ الثِّيَابِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْإِمَامِ فِي مَوْتِهِ.
لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا أَمَرَ بِجَلْدِ ابْنِهِ فِي الشَّرَابِ قال له ابنه: با أَبَتِي قَتَلْتَنِي.
فَقَالَ لَهُ: الْحَقُّ قَتَلَكَ.
وَمَعْلُومٌ أن قتل الْحَقِّ غَيْرُ مَضْمُونٍ.
وَلِأَنَّ حُدُوثَ التَّلَفِ عَنِ الحدود الواجبة هدر لا تضمن كَجَلْدِ الزَّانِي، وَحَدِّ الْقَاذِفِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَحُدَّهُ الْأَرْبَعِينَ بِالسِّيَاطِ فَيَمُوتُ، فَفِي ضَمَانِهِ وَجْهَانِ مِنَ اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ فِي حَدِّهِ بِالنِّعَالِ وَالثِّيَابِ، (قيل) هل كان لعذر أو شرع؟ :

أَحَدُهُمَا: لَا يَضْمَنُ، وَتَكُونُ نَفْسُهُ هَدْرًا إِذَا قيل: إن حده بالثياب كان شرعا، وإن السياط فيه اجْتِهَادٌ، فَعَلَى هَذَا فِي قَدْرِ مَا يَضْمَنُهُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: جَمِيعُ دِيَتِهِ، وَلَا يَضْمَنُ بَعْضَهَا؛ لِأَنَّ الْعُدُولَ عَنْ جِنْسِ الْحَدِّ إِلَى غَيْرِهِ يَجْعَلُ الْكُلَّ غَيْرَ مُسْتَحَقٍّ.
وَالثَّانِي: يَضْمَنُ نِصْفَ دِيَتِهِ لِتَلَفِهِ مِنْ وَاجِبٍ وَمَحْظُورٍ.

(مسألة)

قال الشافعي: وإن ضرب أكثر من أربعين بالنعال وغير ذَلِكَ فَمَاتَ فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَةِ الْإِمَامِ دُونَ بيت المال لأن عمر أرسل إلى امرأة ففزعت فأجهضت ذا بطنها فاستشار عليا فأشار عليه أن يديه فأمر عمر علياً فقال عمر عزمت عليك لتقسمنها على قومك (قال المزني) رحمه الله هذا غلط في قوله إذا ضرب أكثر من أربعين فمات فلم يَمُتْ مِنَ الزِّيَادَةِ وَحْدَهَا وَإِنَّمَا مَاتَ مِنَ الْأَرْبَعِينَ وَغَيْرِهَا فَكَيْفَ تَكُونُ الدِّيَةُ عَلَى الْإِمَامِ كلها وإنما مات المضروب من مباح وغير مباح ألا ترى أن الشافعي يقول لو ضرب الإمام رجلا في القذف إحدى وثمانين فمات أن فيها قولين أحدهما أن عليه نصف الدية والآخر أن عليه جزءاً من أحد وثمانين جزءاً من الدية (قال المزني) ألا ترى أنه يقول لو جرح رجلاً جرحاً فخاطه المجروح فمات فإن كان خاطه في لحم حي فعلى الجارح نصف الدية لأنه مات من جرحه والجرح الذي أحدثه في نفسه فكل هذا يدلك إذا مات المضروب من أكثر من أربعين فمات أنه بهما مات فلا تكون الدية كلها على الإمام لأنه لم يقتله بالزيادة وحدها حتى كان معها مباح ألا ترى أنه يقول فيمن جرح مرتداً ثم اسلم ثم جرح جرحاً آخر فمات أن عليه نصف الدية لأنه مات من مباح وغير مباح (قال المزني) رحمه الله وكذلك إن مات المضروب بأكثر من أربعين من مباح وغير مباح) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَجُمْلَتُهُ: أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا جَلَدَ فِي الْخَمْرِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ، فَمَاتَ الْمَحْدُودُ لم تخل حَالُهُ فِيهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَسْتَكْمِلَ فِيهِ الْحَدَّ وَالتَّعْزِيرَ فَيَجْلِدُهُ ثَمَانِينَ، لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا وَلَا يَنْقُصُ مِنْهَا فَيَضْمَنُ نِصْفَ دِيَتِهِ؛ لِأَنَّهُ مات من حد واجب وتعزير مباح يسقط مِنْ دِيَتِهِ النِّصْفُ؛ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ الْحَدِّ الواجب.
ولزم من ديته النصف؛ لأنه من مُقَابَلَةِ التَّعْزِيرِ الْمُبَاحِ.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ ضَمِنَ مَا قَابَلَ التَّعْزِيرَ مَعَ إِبَاحَتِهِ؟ قِيلَ: لِأَنَّ الْمُبَاحَ مِنْهُ مَا لَمْ يُفْضِ إِلَى التَّلَفِ، فَإِذَا أَفْضَى إِلَيْهِ صَارَ غَيْرَ مُبَاحٍ، فَضَرْبُ الزَّوْجِ امْرَأَتَهُ مُبَاحٌ لَهُ مَا لَمْ يُفْضِ

الضَّرْبُ إِلَى تَلَفِهَا.
فَإِنْ أَتْلَفَهَا ضَمِنَهَا، كَذَلِكَ ضَرْبُ التَّعْزِيرِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَسْتَكْمِلَ الْحَدَّ وَبَعْضَ التَّعْزِيرِ، فَيَجْلِدُهُ فَوْقَ الْأَرْبَعِينَ وَدُونَ الثَّمَانِينَ، فإن جَلَدَهُ خَمْسِينَ فَمَاتَ.
فَفِي قَدْرِ مَا يَضْمَنُهُ مِنْ دِيَتِهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا يَضْمَنُ نِصْفَ دِيَتِهِ اعتباراً بالنوع لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ وَاجِبٍ وَغَيْرِ وَاجِبٍ وَلَمْ يُعْتَبَرِ الْعَدَدُ كَمَا لَا يُعْتَبَرُ فِي الْجِرَاحِ.
فَإِنَّ رَجُلًا لَوْ جَرَحَ رَجُلًا جُرْحًا وَجَرَحَهُ الآخر عشراً كان في الدية سواء، ولا يقسط على أعداد الْجِرَاحِ اعْتِبَارًا بِعَدَدِ الْجُنَاةِ كَذَلِكَ فِي الضَّرْبِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَضْمَنُ خُمْسَ دِيَتِهِ اعْتِبَارًا بِعَدَدِ الضَّرْبِ، لِتَعَلُّقِ الضَّمَانِ بِعَشَرَةٍ مِنْ خَمْسِينَ، لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْعَدَدِ تَأْثِيرًا فِي تَلَفِهِ، والضرب متشابه فسقطت الدِّيَةُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ تَتَقَسَّطْ عَلَى عَدَدِ الجراح؛ لأن للجراح موراً في اللحم يختلف ولا يتشابه، ولذلك ما جَازَ أَنْ يَمُوتَ مِنْ جِرَاحِة وَيَعِيشَ مِنْ عشرة وليس للضرب موراً في اللحم فصار متشابها، وامتنع أن يموت من سوط ويعيش من عشرة فافترق لذلك ضمان الضرب وضمان الجراح.
فَعَلَى هَذَا لَوْ ضَرَبَهُ سِتِّينَ فَمَاتَ ضَمِنَ نِصْفَ دِيَتِهِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ إِذَا قِيلَ بِاعْتِبَارِ النَّوْعِ، وَضَمِنَ ثُلُثَ دِيَتِهِ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي إِذَا قِيلَ بِاعْتِبَارِ الْعَدَدِ، وَعَلَى هَذَا القياس في السبعين إذا مات الثمانين ضَمِنَ نِصْفِ دِيَتِهِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَثَلَاثَةَ أسباعها على القول الثاني.
أما إِذَا مَاتَ مِنَ الثَّمَانِينَ فَيَضْمَنُ نِصْفَ دِيَتِهِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَعًا لِأَنَّهُ قَدْ تَسَاوَى فِيهِ ضمان النوع وضمان العدد.
القسم الثالث: أن يزيد في جلده، على الاستكمال للحد وَالتَّعْزِيرِ، فَيَجْلِدُهُ تِسْعِينَ فَيَمُوتُ فَفِي قَدْرِ مَا يَضْمَنُهُ مِنْ دِيَتِهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَضْمَنُ نِصْفَ دِيَتِهِ اعْتِبَارًا بِعَدَدِ النَّوْعِ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ وَاجِبٍ وَغَيْرِ وَاجِبٍ وَلَمْ يَقَعِ الْفَرْقُ بَيْنَ ما أبيح من ضَرْبِ التَّعْزِيرِ، وَمَا لَمْ يبح مِنَ الزِّيَادَةِ عليه.
القول الثَّانِي: أنَّهُ يَضْمَنُ خَمْسَةَ أَتْسَاعِ دِيَتِهِ اعْتِبَارًا بعدد الضرب، ثم على هذا المصير فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ.
وَلَا يَضْمَنُ فِي الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ جَمِيعَ دِيَتِهِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَعًا.
فَأَمَّا الْمُزَنِيُّ فَإِنَّهُ لَمَّا قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَةِ الْإِمَامِ، تَوَهَّمَ أَنَّهُ أَرَادَ جَمِيعَ الدِّيَةِ فَقَالَ: لَمْ يَمُتْ مِنَ الزِّيَادَةِ وَحْدَهَا، وَإِنَّمَا مَاتَ مِنَ الْأَرْبَعِينَ وَغَيْرِهَا، فَكَيْفَ تَكُونُ الدِّيَةُ على الإمام كلها.

(فصل)

وَهَذَا مِنَ الْمُزَنِيِّ صَحِيحٌ فِي الْحُكْمِ وَخَطَأٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي التَّأْوِيلِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ جميع الدية إنما أراد القدر الذي يوفي وَأَطْلَقَهُ اكْتِفَاءً بِمَا أَوْضَحَهُ مِنْ مَذْهَبِهِ

وَقَدَّمَهُ مِنْ أُصُولِهِ وَقَالَ: أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الشَّافِعِيُّ أَرَادَ جَمِيعَ الدِّيَةِ إِذَا عَدَلَ عَنْ ضَرْبِهِ بِالثِّيَابِ إِلَى السِّيَاطِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِهِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ فِي كِتَابِ الْأُمِّ.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَدْرِ الْمَضْمُونِ مِنَ الدِّيَةِ، لَمْ يَخْلُ حَالُ الزِّيَادَةِ الَّتِي تَعَلَّقَ الضَّمَانُ بِهَا من ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ.
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ قَدْ أَمَرَ بِهَا فَيَكُونُ الضَّمَانُ عَلَى الْإِمَامِ دُونَ الْجَلَّادِ، وأين يكون ضمانه؟ على قولين: أحدهما: يكون ضمانه على عاقلته؛ لأنه من خطئه قد أمر عمر علياً رضي الله عنهما في التي أجهضت بإرهابها جنينها أن يقسم دِيَةَ جَنِينِهَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ قُرَيْشٍ؛ لِأَنَّهُمْ عَاقِلَةُ عُمَرَ.
فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْكَفَّارَةُ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ الْكَفَّارَةَ وَإِنْ حملت الدية.
القول الثَّانِي: أَنَّ مَا لَزِمَهُ مِنَ الدِّيَةِ يَكُونُ فِي بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْ كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ ضَمَانُهُ فِي بَيْتِ مَالِهِمْ، كَالْوَكِيلِ الَّذِي يُضْمَنُ مَا فَعَلَهُ عَنْ مُوَكِّلِهِ فِي مَالِ مُوَكِّلِهِ، وَإِنَّمَا ضَمِنَ عُمَرُ جَنِينَ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهِ؛ لِأَنَّهُ أَرْهَبَهَا فِي تُهْمَةٍ لَمْ تَتَحَقَّقْ عِنْدَهُ، فَعَدَلَ بِالضَّمَانِ لِأَجْلِ ذَلِكَ عَنْ بَيْتِ الْمَالِ إِلَى عَاقِلَتِهِ فَعَلَى هَذَا فِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: فِي بَيْتِ المال، تعليلا بما ذكرنا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تحتمل، وَكَذَلِكَ إِذَا تَحَمَّلَتِ الْعَاقِلَةُ الدِّيَةَ لَمْ تَتَحَمَّلِ الْكَفَّارَةَ وَقَدْ حَكَى ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا فِي ضَمَانِ الْإِمَامِ وَجْهًا ثَالِثًا: أنه يضمن فِيمَا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى الْمَضْمُونِ، كَتَعْزِيرِ مَنْ عَزَّرَ نَفْسَهُ أَوْ قَدَحَ فِي عِرْضِهِ فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَةِ الْإِمَامِ دُونَ بَيْتِ الْمَالِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ مِنْ فِعْلِ الْجَلَّادِ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ قَدْ فَوَّضَهُ إِلَى رَأْيِهِ، وَوَكَّلَهُ إِلَى اجْتِهَادِهِ، فَيَكُونُ خَطَؤُهُ فِيهِ كَخَطَأِ الْإِمَامِ، فَيَكُونُ فِيمَا يَلْزَمُهُ مِنَ الدِّيَةِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: عَلَى عَاقِلَتِهِ.
وَالثَّانِي: فِي بَيْتِ الْمَالِ، لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ بِالتَّفْوِيضِ فِي حُكْمِ الْإِمَامِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يكون الإمام قد أمره بالحد وحدده، فَزَادَ الْجَلَّادُ عَلَيْهِ،

فَيَضْمَنُهُ الْجَلَّادُ عَلَى عَاقِلَتِهِ قَوْلًا وَاحِدًا، لِحُدُوثِهَا عَنْ تَعَدِّيهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ مشتركة بين الإمام والجلاد، كأن أمره بأن يَحُدَّهُ ثَمَانِينَ فَحَدَّهُ مِائَةً فَمَاتَ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الضَّمَانَ مُقَسَّطٌ عَلَى أَعْدَادِ الضَّرْبِ ضَمِنَ الإمام خمس الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الْإِمَامِ تَعَلَّقَ بِأَرْبَعِينَ مِنْ جُمْلَةِ مِائَةٍ وَضَمِنَ الْجَلَّادُ خُمُسَ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ ضمانه بعشرين من مائة، فإن قِيلَ: إِنَّ الضَّمَانَ مُقَسَّطٌ عَلَى النَّوْعِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي زِيَادَةِ الْإِمَامِ وَالْجَلَّادِ هَلْ تَتَنَوَّعُ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: تَتَنَوَّعُ، فَيَكُونُ الْحَدُّ نَوْعًا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ضَمَانٌ، وَزِيَادَةُ الْإِمَامِ نَوْعًا يَتَعَلَّقُ بِهِ الضَّمَانُ، وَزِيَادَةُ الجلاد نوعاً يتعلق به الضمان، فتسقط ثُلُثَ الدِّيَةِ وَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ ثُلُثُهَا، وَعَلَى الْجَلَّادِ ثُلُثُهَا لِاخْتِلَافِ الْإِمَامِ وَالْجَلَّادِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لا تتنوع الزيادة، وإن اختلف فاعلها لِتَسَاوِيهَا فِي تَعَلُّقِ الضَّمَانِ بِهَا فَتُسْقِطُ نِصْفُ الدية ويضمن الإمام ربعها، والجلاد ربعها والله أعلم.

(مسألة)

قال الشافعي: " وَلَوْ ضَرَبَ امْرَأَةً حَدًّا فَأُجْهِضَتْ لَمْ يَضْمَنْهَا وَضَمِنَ مَا فِي بَطْنِهَا لِأَنَّهُ قَتَلَهُ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.
إِذَا وَجَبَ الْحَدُّ عَلَى حَامِلٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ تُحَدَّ حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا، وَيَسْكُنَ أَلَمُ نِفَاسِهَا؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ لِلْغَامِدِيَّةِ، حِينَ أَقَرَّتْ عِنْدَهُ بِالزِّنَا، وَكَانَتْ حَامِلًا " اذْهَبِي حَتَّى تَضَعِي حَمْلَكِ) ؛ وَلِأَنَّهُ إِذَا حَدَّهَا فِي حَالِ الْحَمْلِ أَفْضَى إِلَى تَلَفِهَا وَإِجْهَاضِ حَمْلِهَا، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ مَحْظُورٌ.
وَالْإِجْهَاضُ أَنْ تلقى جنينها مَيْتًا.
فَإِنْ أَلْقَتْهُ حَيًّا لَمْ يُسَمَّ إِجْهَاضًا فَإِنْ حَدَّهَا فِي حَمْلِهَا فَلَهَا أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ: أحدها: أَنْ تَبْقَى عَلَى حَالِ السَّلَامَةِ فِي نَفْسِهَا وَحَمْلِهَا.
فَلَا شَيْءَ عَلَى الْإِمَامِ فِي حَدِّهَا وهو مسيء إن علم بحملها وغيره مسيئ إن لم يعلم.
والحال الثانية: أن يجهض مَا فِي بَطْنِهَا وَتَسْلَمَ مِنَ التَّلَفِ، فَيَضْمَنُ جنينها بغرة عبداً أَوْ أَمَةٍ لِأَنَّ عُمَرَ ضَمِنَ جَنِينَ الْمَرْأَةِ الَّتِي أَرْهَبَهَا فَإِنْ عَلِمَ بِحَمْلِهَا ضَمِنَ جَنِينَهَا فِي مَالِهِ، لِأَنَّهُ مِنْ عَمْدِهِ وَإِنْ لَمْ يعمل بِحَمْلِهَا فَهُوَ مِنْ خَطَئِهِ وَفِي دِيَةِ جَنِينِهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: عَلَى عَاقِلَتِهِ.
وَالثَّانِي: فِي بَيْتِ الْمَالِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ تَمُوتَ مِنْ غَيْرِ إِجْهَاضٍ فَيُنْظَرُ فِي سَبَبِ مَوْتِهَا، فَإِنْ كَانَ من إقامة الحد عليها لَوْ لَمْ تَكُنْ حَامِلًا لَمْ يَضْمَنْهَا.
وَإِنْ كان من الحمل الذي يتلف به

الحدود ضَمِنَ دِيَتَهَا كَمَا يَضْمَنُهَا إِذَا جَلَدَهَا فِي شِدَّةِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ.
ثُمَّ إِنْ عَلِمَ بِحَمْلِهَا فَدِيَتُهَا عَلَى عَاقِلَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَعَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: عَلَى عَاقِلَتِهِ.
وَالثَّانِي: فِي بيت المال.
والحال الرابعة: أن يجهض جنينها وتموت، فيضمن دية جنينها.
فأما دية نفسها فمعتبر بسبب موتها فإنه لا يخلو من ثلاث أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ لِأَجْلِ الْحَدِّ، فَلَا يَضْمَنُ دِيَتَهَا؛ لِحُدُوثِ تَلَفِهَا عَنْ وَاجِبٍ عَلَيْهَا.
الحال الثانية: أن يكون مِنْ إِجْهَاضِهَا فَيَضْمَنُ دِيَتَهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ عُدْوَانٍ عليها.
الحال الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ مَوْتُهَا مِنَ الْحَدِّ وَالْإِجْهَاضِ مَعًا، فَيَضْمَنُ نِصْفَ دِيَتِهَا لِحُدُوثِ التَّلَفِ عَنْ سَبَبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَاجِبٌ وَالْآخَرُ: عُدْوَانٌ.

(فَصْلٌ)

وَإِذَا ذُكِرَتِ امْرَأَةٌ عِنْدَ الْإِمَامِ بِسُوءٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فأرهبها، فأجهضت ذا بطنها فمن دِيَةِ جَنِينِهَا، وَلَوْ مَاتَتْ هِيَ لَمْ يَضْمَنْهَا.
لِأَنَّ الْإِرْهَابَ مُؤَثِّرٌ فِي إِجْهَاضِهَا، وَغَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِي تَلَفِهَا وَلَوْ أَرْهَبَهَا الرَّسُولُ بِغَيْرِ أَمْرِ الْإِمَامِ كَانَ الرَّسُولُ ضَامِنًا دُونَ الْإِمَامِ.

(مَسْأَلَةٌ) قال الشافعي: " وَلَوْ حَدَّهُ بِشَهَادَةِ عَبْدَيْنِ أَوْ غَيْرِ عَدْلَيْنِ فِي أَنْفُسِهِمَا فَمَاتَ ضَمِنَتْهُ عَاقِلَتُهُ لِأَنَّ كُلَّ هَذَا خَطَأٌ مِنْهُ فِي الْحُكْمِ وَلَيْسَ عَلَى الجاني شَيْءٌ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا أَقَامَ الْإِمَامُ حَدًّا بِشَهَادَةِ عَبْدَيْنِ، أَوْ فَاسِقَيْنِ، أَوْ كَافِرَيْنِ فَمَاتَ الْمَحْدُودُ ضَمِنَ الْإِمَامُ دِيَتَهُ دُونَ الشُّهُودِ وَلَوْ شَهِدَ عَدْلَانِ بِزُورٍ ضَمِنَ الشَّاهِدَانِ دِيَتَهُ دُونَ الْإِمَامِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ كَشْفَ الْعَدَالَةِ عَلَى الْإِمَامِ دُونَ الشُّهُودِ فَصَارَ الْإِمَامُ ضَامِنًا لِتَقْصِيرِهِ.
وَالصِّدْقُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشُّهُودِ، دُونَ الْإِمَامِ فَضَمِنَ الشُّهُودَ لِكَذِبِهِمْ.
وَالثَّانِي: أَنَّ غَيْرَ الْعَدْلِ لَيْسَ بِمُعْتَرِفٍ بِالتَّعَدِّي فَلَمْ يَضْمَنْ، وَشَاهِدَ الزُّورِ مُعْتَرِفٌ بِالتَّعَدِّي فضمن.
فأما الجالد فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ عَلِمَ بِرِقِّ الشَّاهِدَيْنِ أَوْ فِسْقِهِمَا أَوْ لَمْ يَعْلَمْ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بحكم الإمام.
والإمام آمره.

(مسألة)

قال الشافعي: " ولو قال الإمام للجالد إنما أضرب هذا ظلما ضمن الجالد والإمام مَعًا) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ قَدِ اسْتُوفِيَتْ في كتاب الجنايات.
فإذا أمر الإمام

بِضَرْبِ رَجُلٍ أَوْ بِقَتْلِهِ ظُلْمًا فَعَلَى ثَلَاثَةِ أقسام: أحدها: ألا يعلم الجلاد بظلم الإمام، أو يعتقد فِيهِ أَنَّهُ بِحَقٍّ، لِأَنَّ الْإِمَامَ الْعَادِلَ لَا يُقْدِمُ عَلَى الْقَتْلِ إِلَّا بِحَقٍّ.
فَالضَّمَانُ عَلَى الْإِمَامِ دُونَ الْجَلَّادِ لِأَنَّهُ مُلْتَزِمٌ لِلطَّاعَةِ، فَقَامَ أَمْرُهُ مَقَامَ فِعْلِهِ لِنُفُوذِهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَعْلَمَ الْجَلَّادُ بِظُلْمِ الْإِمَامِ.
إِمَّا بِأَنْ يَقُولَ له الإمام أن اضرب هذا ظلماً بغير حد أَوْ يَعْلَمَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ الْإِمَامِ، وَلَا يكون من الإمام إكراه للجلاد، فالضمان هنا عَلَى الْجَلَّادِ دُونَ الْإِمَامِ فِي الْقَوَدِ وَالدِّيَةِ، لأنه مختار.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَعْلَمَ الْجَلَّادُ بِظُلْمِ الْإِمَامِ، والإمام مكره له عليه، فلا قود على الإمام إلا من وَاجِبٌ وَفِي وُجُوبِهِ عَلَى الْجَلَّادِ الْمُبَاشِرِ قَوْلَانِ: فَإِنْ سَقَطَ الْقَوَدُ فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ لَوْ وجب كان عليه مع سقوط القود عنهما.
وإن قيل لَوْ وَجَبَ كَانَ عَلَى الْإِمَامِ دُونَ الْجَلَّادِ.
فَفِي الدِّيَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: عَلَى الْإِمَامِ وَحْدَهُ، اعتباراً بالقود.
والوجه الثاني: أنها عليهما نصفين، وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ مِنَ اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا فِي سُقُوطِ الْقَوَدِ عَنِ الْجَلَّادِ بِأَيِّ عِلَّةٍ سَقَطَ.
فَعَلَى تعليل البغداديين أن سقوط القود لشبهة الْإِكْرَاهِ فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الدِّيَةُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَعَلَى تَعْلِيلِ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّ سُقُوطَ الْقَوَدِ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ نَقْلُ حُكْمِ الْفِعْلِ إِلَى الْمُكْرَهِ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الدِّيَةُ كُلُّهَا عَلَى الْإِمَامِ.

(مَسْأَلَةٌ)

قال الشافعي: " ولو قال الجالد قد ضَرَبْتُهُ وَأَنَا أَرَى الْإِمَامَ مُخْطِئًا وَعَلِمْتُ أَنَّ ذَلِكَ رَأْيُ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ ضَمِنَ إِلَّا مَا غاب عَنْهُ بِسَبَبِ ضَرْبِهِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا أَمَرَ الْجَلَّادَ بِقَتْلٍ أَوْ جَلْدٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ، كَقَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ، وَالْحُرِّ بِالْعَبْدِ، وحد الزنا بشهادة الراويان وَحَدِّ الْقَذْفِ فِي التَّعْرِيضِ، لَمْ يَخْلُ حَالُهُمَا فيه من أربعة أقسام: أحدهما: أَنْ يَعْتَقِدَ الْإِمَامُ وَالْجَلَّادُ وُجُوبَهُ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَوَدًا وَلَا دِيَةً، وَلَا تكون مخالفة غيرها مَانِعًا مِنْ نُفُوذِ الْحُكْمِ بِالِاجْتِهَادِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَعْتَقِدَاهُ غَيْرَ وَاجِبٍ، فَالضَّمَانُ فِيهِ وَاجِبٌ ولا تكون مخالفة غيرها مُسْقِطَةٌ لِلضَّمَانِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُقْدِمَ عَلَى قَتْلٍ يَعْتَقِدُ حَظْرَهُ، لِأَنَّ غَيْرَهُ أَبَاحَهُ وَإِذَا وَجَبَ الضَّمَانُ فَإِنْ كَانَ الْجَلَّادُ غَيْرَ مُكْرَهٍ، فَالضَّمَانُ عَلَى الْجَلَّادِ دُونَ الْإِمَامِ.
وَإِنْ كَانَ مُكْرَهًا فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ، وَإِذَا وَجَبَ الضَّمَانُ لَمْ يَخْلُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ نَصٌّ أَوْ لَا نَصَّ فِيهِ فَإِنْ لم يكن

فيه نص كحد الزنا بشهادة الراويان وَحَدِّ الْقَذْفِ بِالتَّعْرِيضِ فَالضَّمَانُ مُتَوَجِّهٌ إِلَى الدِّيَةِ دُونَ الْقَوَدِ.
وَإِنْ كَانَ فِيهِ نَصٌّ كَقَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وُجُوبِ الْقَوَدِ فِيهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ إنَّ الْقَوَدَ فِيهِ وَاجِبٌ لِأَجْلِ النَّصِّ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا قَوَدَ فِيهِ؛ لِشُبْهَةِ الِاخْتِلَافِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَعْتَقِدَ الْإِمَامُ وُجُوبَهُ وَيَعْتَقِدَ الْجَلَّادُ حَظْرَهُ فَإِنْ أُكْرِهَ الْجَلَّادُ عَلَى اسْتِيفَائِهِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْإِمَامِ لِاجْتِهَادِهِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْجَلَّادِ لِإِكْرَاهِهِ، وَإِنْ لَمْ يُكْرَهِ الْجَلَّادُ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الإمام، وفي ضمانه عَلَى الْجَلَّادِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُنَفِّذٌ لِحُكْمٍ نَفَذَ بِاجْتِهَادٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: عَلَيْهِ الضَّمَانُ لِإِقْدَامِهِ مُخْتَارًا عَلَى اسْتِهْلَاكِ مَا يَعْتَقِدُ وُجُوبَ ضَمَانِهِ.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ يَعْتَقِدَ الْإِمَامُ حَظْرَهُ وَيَعْتَقِدَ الْجَلَّادُ وُجُوبَهُ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَرُدَّهُ الْإِمَامُ إِلَى اجْتِهَادِ الْجَلَّادِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
أَمَّا الْإِمَامُ فَلِعَدَمِ فِعْلِهِ وَأَمَّا الْجَلَّادُ: فَلِنُفُوذِ اجْتِهَادِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَأْمُرَ الْإِمَامُ بِهِ، وَلَا يَرُدَّهُ إِلَى اجْتِهَادِهِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْجَلَّادِ، سَوَاءٌ كَانَ مُكْرَهًا أَوْ غَيْرَ مُكْرَهٍ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَاهُ بِإِذْنٍ مُطَاعٍ مَا يَرَاهُ مُسَوَّغًا فِي الِاجْتِهَادِ.
فَأَمَّا الْإِمَامُ فَإِنْ لَمْ يُكْرِهِ الْجَلَّادَ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَكْرَهَهُ ضَمِنَ.
لِأَنَّهُ اتجاه إِلَى مَا لَا يُسَوَّغُ فِي اجْتِهَادِهِ.
وَاللَّهُ أعلم.

(مسألة)

قال الشافعي: وَلَوْ قَالَ اضْرِبْهُ ثَمَانِينَ فَزَادَ سَوْطًا فَمَاتَ فَلَا يَجُوزُ فِيهِ إِلَّا وَاحِدٌ مِنْ قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا أن عليهما نصفين كَمَا لَوْ جَنَى رَجُلَانِ عَلَيْهِ أَحَدُهُمَا بِضَرْبَه وَالْآخَرُ بِثَمَانِينَ ضَمِنَا الدِّيَةَ نِصْفَيْنِ أَوْ سَهْمًا مِنْ وَاحِدٍ وَثَمَانِينَ سَهْمًا) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَقَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي نَظَائِرِهَا وَهُوَ أَنْ يَأْمُرَ الْإِمَامُ فِي حَدِّ الْقَذْفِ وَهُوَ ثَمَانُونَ فيضربه الجلاد أحداً وَثَمَانِينَ فَيَمُوتُ فَهَذَا مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ، وَفِي قَدْرِ مَا يَضْمَنُ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ مات من نوعي إِبَاحَةٍ وَحَظْرٍ، وَقَدْ شَبَّهَهُ الشَّافِعِيُّ بِالْجِنَايَاتِ.
وَالْقَوْلُ الثاني: أن يَضْمَنَ جُزْءًا مِنْ وَاحِدٍ وَثَمَانِينَ جُزْءًا مِنَ الدِّيَةِ اعْتِبَارًا بِعَدَدِ

الضَّرْبِ وَإِذَا وَجَبَ الضَّمَانُ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ لَمْ يخل حالها من ثلاثة أقسام: القسم الأول: أَنْ يَكُونَ عَنْ أَمْرِ الْإِمَامِ، فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ دُونَ الْجَلَّادِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِنْ فِعْلِ الْجَلَّادِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ دون الإمام.
والقسم الثالث: أن يضرب الجلاد وَالْإِمَامُ يَعُدُّ فَأَخْطَأَ الْإِمَامُ فِي عَدَدِهِ فَالضَّمَانُ عَلَى الْإِمَامِ دُونَ الْجَلَّادِ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ مَنْسُوبَةٌ إلى العدد، فصار الضَّمَانُ عَلَى الْعَادِّ دُونَ الْجَلَّادِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(مسألة)

قال الشافعي: " وَإِذَا خَافَ رَجُلٌ نُشُوزَ امْرَأَتِهِ فَضَرَبَهَا فَمَاتَتْ فَالْعَقْلُ عَلَى الْعَاقِلَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ إِبَاحَةٌ وَلَيْسَ بِفَرْضٍ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ إِذَا خَافَ نُشُوزَ امْرَأَتِهِ أَنْ يَضْرِبَهَا لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي المضاجع واضربوهن﴾ . وَهَذَا الضَّرْبُ مُبَاحٌ عَلَى وَجْهِ التَّأْدِيبِ.
وَالِاسْتِصْلَاحِ.
لَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ بِتَقْدِيرِهِ، وَلَمْ يُجِزْ أَنْ يَبْلُغَ بِهِ أَدْنَى الْحَدِّ، فَصَارَ أَكْثَرُهُ تِسْعَةً وَثَلَاثِينَ كَالتَّعْزِيرِ.
فَأَمَّا جِنْسُ مَا يُضْرَبُ بِهِ فَهُوَ الثَّوْبُ وَالنَّعْلُ، وَأَكْثَرُهُ الْعَصَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِالسَّوْطِ؛ لِخُرُوجِهِ عَنِ الْعُرْفِ وَلِنَقْصِهِ عَنْ أَحْكَامِ الْحُدُودِ.
فَإِنْ ضَرْبَهَا فَأَفْضَى الضَّرْبُ إِلَى تَلَفِهَا.
. رُوعِيَ الضَّرْبُ، فَإِنْ كَانَ خَارِجًا عَنِ الْعُرْفِ مُتْلِفًا مِثْلُهُ فِي الْغَالِبِ، فَالْقَوَدُ عَلَيْهِ وَاجِبٌ وَإِنْ كَانَ جَارِيًا عَلَى الْعُرْفِ غَيْرَ مُتْلِفٍ فِي الْغَالِبِ، كَانَتْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ، تتحملها عنه الْعَاقِلَةُ؛ لِأَنَّهُ ضَرْبٌ أُبِيحَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِصْلَاحِ يُتَوَصَّلُ إِلَيْهِ بِالِاجْتِهَادِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ التَّلَفُ به مضموناً، كما ضمن عمر جنين المجهضة؛ لأن الاستصلاح يَكُونُ مَعَ بَقَاءِ النَّفْسِ، فَإِذَا صَارَ مُتْلِفًا لم يكن استصلاحاً.
فإن قيل: فيقتصر عَلَى اعْتِبَارِ هَذَا التَّعْلِيلِ أَنْ يَكُونَ الرَّامِي لِمَنِ اطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنْ شِقَّ بَابٍ، فَقَلَعَ عَيْنَهُ أَنْ يَضْمَنَهَا؛ لِأَنَّهُ اسْتَبَاحَ الرَّمْيَ اسْتِصْلَاحًا قِيلَ لَا يَضْمَنُ عَيْنَهُ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الرَّمْيِ قَدْ تَعَيَّنَ فِي الْعَيْنِ فَلَمْ يَضْمَنْهَا وَلَيْسَ كَالضَّرْبِ الَّذِي لَا يَتَعَيَّنُ فِي مَوْضِعٍ مِنَ الْبَدَنِ.
فَإِنْ قِيلَ: عَلَى اعْتِبَارِ هَذَا التَّعْلِيلِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مَنْ دَفَعَ رَجُلًا عَنْ نَفْسِهِ بِضَرْبٍ أَفْضَى إِلَى تَلَفِهِ أَنْ يَكُونَ ضامناً لنفسه لأن ضربه يَتَعَيَّنُ فِي مَوْضِعٍ مِنْ بَدَنِهِ، قِيلَ: لَا يَضْمَنُهُ؛ لِأَنَّ قَتْلَهُ مُبَاحٌ لَهُ إِذَا كَانَ لَا يَنْدَفِعُ عَنْهُ إِلَّا بِالْقَتْلِ، فَلَمْ يَكُنْ كَغَيْرِهِ مِنْ ضَرْبِ التَّأْدِيبِ الْمَقْصُورِ عَلَى الِاسْتِصْلَاحِ، وهكذا ضرب المعلم والأب للصبي؛ لأن

الْمَقْصُودَ بِهِ الِاسْتِصْلَاحُ وَالتَّأْدِيبُ فَإِذَا أَفْضَى إِلَى التَّلَفِ كَانَ مَضْمُونًا بِالدِّيَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَيَقْتَضِي عَلَى اعْتِبَارِ هَذَا التَّعْلِيلِ أَنْ يَكُونَ ضَرْبُ الضارب إِذَا أَفْضَى إِلَى تَلَفِ الدَّابَّةِ أَنْ يَضْمَنَهَا قِيلَ لَا يَضْمَنُهَا لِأَنَّهُ لَا يسْتَغْني عَنْ ضَرْبِهَا بِغَيْرِهِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ زَجْرٍ وَقَدْ يُسْتَغْنَى عَنْ ضَرْبِ الصَّبِيِّ بِالْقَوْلِ وَالزَّجْرِ، فَتَعَيَّنَ ضَرْبُ الدَّابَّةِ فَلَمْ يَضْمَنْهَا، وَلَمْ يَتَعَيَّنْ ضَرْبُ الصبي فضمنه.

(مسألة)

قال الشافعي: " وَلَوْ عَزَّرَ الْإِمَامُ رَجُلًا فَمَاتَ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَالْكَفَّارَةُ فِي مَالِهِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا التعزير فتأديب على ذنوب لم تشرع فيها الحدود، وَالْكَلَامُ فِيهِ مُشْتَمِلٌ عَلَى

فَصْلَ

يْنِ: أَحَدُهُمَا: فِي صِفَتِهِ.
وَالثَّانِي: فِي حُكْمِهِ.
فَأَمَّا صِفَتُهُ: فَتَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الذَّنْبِ وَاخْتِلَافِ فَاعِلِهِ فَيُوَافِقُ الْحُدُودَ فِي اخْتِلَافِهِ بِاخْتِلَافِ الذُّنُوبِ.
وَيُخَالِفُ الْحُدُودَ فِي الْفَاعِلِ فَيَخْتَلِفُ التَّعْزِيرُ بِاخْتِلَافِ الْفَاعِلِ فَيَكُونُ تَعْزِيرُ ذِي الْهَيْئَةِ أَخَفَّ مِنْ تَعْزِيرِ ذِي السَّفَاهَةِ.
وَيَسْتَوِي فِي الْحُدُودِ ذُو الْهَيْئَةِ وَذُو السَّفَاهَةِ، لِأَنَّ الْحُدُودَ نُصُوصٌ فَاسْتَوَى الْكَافَّةُ فِيهَا.
وَالتَّعْزِيرُ اجْتِهَادٌ فِي الِاسْتِصْلَاحِ، فَاخْتَلَفَ الناس فيه باختلاف أحوالهم.
رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّه قَالَ: " تَجَافَوْا لِذَوِي الْهَيْئَاتِ عَنْ عَثَرَاتِهِمْ)) . وإذا كان كذلك نزل التَّعْزِيرُ بِاخْتِلَافِ الذُّنُوبِ وَاخْتِلَافِ فَاعِلِيهَا عَلَى أَرْبَعِ مراتب: فالمرتبة الأولى: التعزير بالكلام.
والمرتبة الثانية: التعزير بالحبس.
والمرتبة الثالثة: التعزير بالنفي.
ثم المرتبة الرَّابِعَةُ: التَّعْزِيرُ بِالضَّرْبِ، يَنْدَرِجُ ذَلِكَ فِي النَّاسِ حَسَبَ مَنَازِلِهِمْ.
فَيَكُونُ تَعْزِيرُ مَنْ جَلَّ قَدْرُهُ بالإعراض عنه.
وتعزير من دونه بالتعنيف له.
وتعزير من

دُونَهُ بِزَوَاجِرِ الْكَلَامِ.
وَغَايَتُهُ الِاسْتِخْفَافُ الَّذِي لَا قَذْفَ فِيهِ وَلَا سَبَّ.
ثُمَّ يَعْدِلُ عَنْ ذلك إلى المرتبة الثانية، وهو الْحَبْسُ يُنْزَلُونَ فِيهِ عَلَى حَسَبِ مَنَازِلِهِمْ، وَبِحَسَبِ ذُنُوبِهِمْ.
فَمِنْهُمْ مَنْ يُحْبَسُ يَوْمًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُحْبَسُ أَكْثَرَ مِنْهُ إِلَى غَايَةٍ غَيْرِ مُقَدَّرَةٍ بقدر ما يؤدي الاجتهاد إليها، ويرى الْمَصْلَحَةَ فِيهَا.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ يَتَقَدَّرُ غَايَتُهُ بِشَهْرٍ لِلِاسْتِبْرَاءِ وَالْكَشْفِ، وَبِسِتَّةِ أَشْهُرٍ لِلتَّأْدِيبِ وَالتَّقْوِيمِ.
ثُمَّ يَعْدِلُ بمن دون ذَلِكَ إِلَى الرُّتْبَةِ الثَّالِثَةِ، وَهِيَ النَّفْيُ وَالْإِبْعَادُ.
وَهَذَا وَالْحَبْسُ فِيمَنْ تَعَدَّتْ ذُنُوبُهُ إِلَى اجْتِذَابِ غَيْرِهِ إِلَيْهَا وَاسْتِضْرَارِهِ بِهَا، وَاخْتُلِفَ فِي غَايَةِ نَفْيِهِ وَإِبْعَادِهِ.
فَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ يُقَدَّرُ الْأَكْثَرُ بِمَا دُونَ السَّنَةِ وَلَوْ بِيَوْمٍ؛ لِئَلَّا يَصِيرَ مُسَاوِيًا لِتَغْرِيبِ السَّنَةِ فِي الزِّنَا.
وَظَاهِرُ مَذْهَبِ مَالِكٍ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُزَادَ فِيهِ على السنة، بما يرى أسباب الاستقامة ثم يعدل عن دُونِ ذَلِكَ إِلَى الضَّرْبِ يَنْزِلُونَ فِيهِ عَلَى حَسَبِ ذُنُوبِهِمْ.
وَاخْتُلِفَ فِي أَكْثَرِ مَا يَنْتَهِي إِلَيْهِ ضَرْبُ التَّعْزِيرِ.
فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ أَكْثَرَهُ فِي الْحُرِّ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ، وَفِي الْعَبْدِ تِسْعَةَ عشرة ينتقص لِيَنْقُصَ عَنْ أَقَلِّ الْحُدُودِ فِي الْخَمْرِ، وَهُوَ أَرْبَعُونَ فِي الْحُرِّ، وَعِشْرُونَ فِي الْعَبْدِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَكْثَرُهُ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ فِي الْحُرِّ وَالْعَبْدِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى أَكْثَرِ الْحُدُودِ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ: تَعْزِيرُ كُلِّ ذَنْبٍ مُسْتَنْبَطٌ من الْمَشْرُوعِ فِي جِنْسِهِ، فَأَعْلَاهُ فِيمَنْ تَعَرَّضَ لِشُرْبِ الْخَمْرِ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ؛ لِأَنَّ حَدَّ الْخَمْرِ أَرْبَعُونَ، وأعلاه فيمن يعرض بِالزِّنَا خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ؛ لِأَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ ثَمَانُونَ، ثُمَّ جَعَلَهُ مُعْتَبَرًا بِاخْتِلَافِ الْأَسْبَابِ فِي التَّعْرِيضِ بِالزِّنَا فَإِنْ وَجَدَهُ يَنَالُ مِنْهَا مَا دُونَ الفرج ضربه أكثر للتعزير وَهُوَ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ سَوْطًا، وَإِنْ وُجِدَا عُرْيَانَيْنِ في إزار قد تضاما أنهما لا حَائِلَ بَيْنَهُمَا، ضُرِبَا سِتِّينَ سَوْطًا.
فَإِنْ وُجِدَا عُرْيَانَيْنِ فِي إِزَارٍ غَيْرَ مُتَضَامَّيْنِ؛ ضُرِبَا خَمْسِينَ سَوْطًا وَإِنْ وُجِدَا فِي بَيْتٍ مُبْتَذَلَيْنِ قَدْ كشفا سؤاتهما ضُرِبَا أَرْبَعِينَ سَوْطًا، وَإِنْ وُجِدَا فِيهِ مَسْتُورَيِ السَّوْءَةِ ضُرِبَا ثَلَاثِينَ سَوْطًا، وَإِنْ وُجِدَا فِي طريق متحادثين بِفُجُورِهِمَا ضُرِبَا عِشْرِينَ سَوْطًا، وَإِنْ وُجِدَا فِيهِ يُشِيرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى الْآخَرِ بِالرِّيبَةِ ضُرِبَا عَشَرَةَ أَسْوَاطٍ.
وَإِنْ وُجِدَا فِيهِ وَكُلُّ واحد منهما يتبع صاحبه ضربا خفقات عَلَى غَيْرِ هَذَا فِيمَا عَدَاهُ.

وقال أبو يوسف: اكثر التعزير خمسة وسبعون من غير تفصيل.
ولا استنباط مِنْ ذُنُوبِ الْحُدُودِ.
وَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ: أَظْهَرُ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ بَلَغَ بِمَا لَيْسَ بِحَدٍّ حَدًّا فَهُوَ مِنَ الْمُعْتَدِينَ) . وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَقَلُّ مَا قِيلَ فِيهِ.
وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " جَنْبُ الْمُؤْمِنِ حِمًى) . وَأَمَّا إِشْهَارُ الْمُعَزَّرِ فِي الناس فجائز إذا أدى الاجتهاد إليه ليكون زيادة في نكال التَّعْزِيرِ، وَأَنْ يُجَرَّدَ مِنْ ثِيَابِهِ إِلَّا قَدْرَ ما يستر عَوْرَتَهُ وَيُنَادَى عَلَيْهِ بِذَنْبِهِ إِذَا تَكَرَّرَ مِنْهُ وَلَمْ يُقْلِعْ عَنْهُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُحْلَقَ شَعْرُ رَأْسِهِ.
وَلَا يَجُوزَ أَنْ يُحْلَقَ شَعْرُ لِحْيَتِهِ.
وَاخْتُلِفَ فِي جَوَازِ تَسْوِيدِ وَجْهِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: يجوز أَحَدُهُمَا: وَيُمْنَعُ مِنْهُ فِي الْآخَرِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يصلب في التعزير حياً؛ قد صَلَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - رجلاً على جبل يقال له أبو ناب، وَلَا يُمْنَعُ إِذَا صُلِبَ مِنْ طَعَامٍ وَشَرَابٍ وَلَا يُمْنَعُ مِنَ الْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ وَيُصَلِّي مُومِئًا، وَيُعِيدُ إِذَا أَرْسَلَ.
وَلَا يَتَجَاوَزُ صَلْبُهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.

(فَصْلٌ)

وَأَمَّا حُكْمُ التَّعْزِيرِ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الْحُدُودِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِي الْوُجُوبِ وَالْإِبَاحَةِ.
وَالثَّانِي: فِي حُدُوثِ التَّلَفِ عَنْهُ.
فَأَمَّا الْحُكْمُ الْأَوَّلُ فِي الْوُجُوبِ وَالْإِبَاحَةِ فَالتَّعْزِيرُ مُبَاحٌ يَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْهُ، وَالْحُدُودُ وَاجِبَةٌ لَا يَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْهَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ كَانَ لَا يَرْتَدِعُ بِغَيْرِ التَّعْزِيرِ، وَجَبَ تَعْزِيرُهُ وَلَمْ يَجُزِ الْعَفْوُ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ يَرْتَدِعُ بِغَيْرِهِ كَانَ عَلَى خِيَارِ الْإِمَامِ فِي تَعْزِيرِهِ وَالْعَفْوِ عَنْهُ.
وَدَلِيلُنَا مَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: اعْدِلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: " لْقَدْ شَقِيتَ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ) . وَلَمْ يُعَزِّرْهُ.
وَإِنْ كَانَ مَا قَالَهُ يَقْتَضِيهِ، وَحَكَمَ بَيْنَ الزُّبَيْرِ وَرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فِي شِرْبٍ بَيْنَهُمَا فَقَالَ لِلزُّبَيْرِ: اسق أنت ثم أرسل الماء إليه.
فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: إنه ابن عمتك، أي قدمته لقرابته لا بحقه فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَقَالَ لِلزُّبَيْرِ: " احْبِسِ الْمَاءَ فِي أَرْضِكَ إِلَى الكعبين) .

وَفِيهِ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65] وَلَمْ يُعَزِّرْهُ وَإِنْ كَانَ مَا قَالَهُ يَقْتَضِيهِ.
وَلِأَنَّ التَّعْزِيرَ تَأْدِيبٌ فَأَشْبَهَ تَأْدِيبَ الْأَبِ وَالْمُعَلِّمِ، وَلِذَلِكَ قَالَ عُثْمَانُ وَعَبْدُ الرحمن لعمر رضي الله عنهم فِي إِجْهَاضِ الْمَرْأَةِ: لَا شَيْءَ عَلَيْكَ إِنَّمَا أنت معلم.
فَإِذَا صَحَّ جَوَازُ الْعَفْوِ عَنْهُ فَهُوَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا تَعَلَّقَ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالثَّانِي: مَا تَعَلَّقَ بِحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ.
فَأَمَّا الْمُتَعَلِّقُ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى: فَكَالتَّعْزِيرِ بِأَسْبَابِ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالْعَفْوِ عَنْهُ إِذَا رَأَى ذَلِكَ صَلَاحًا لَهُ.
وَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ وَيَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى خِيَارِهِ فِي الصُّلْحِ.
وَأَمَّا الْمُتَعَلِّقُ بِحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ فَكَالْمُوَاثَبَةِ وَالْمُشَاتَمَةِ.
فَفِيهِ حَقٌّ للمشتوم والمضروب وحق الإمام فِي التَّقْوِيمِ وَالتَّهْذِيبِ.
فَلَا يَصِحُّ الْعَفْوُ عَنِ التَّعْزِيرِ فِيهِ إِلَّا بِاجْتِمَاعِهِمَا عَلَيْهِ.
فَإِنْ عَفَا الْإِمَامُ عَنْهُ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّ الْمَضْرُوبِ مِنْهُ، وَكَانَ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ.
وَإِنْ عَفَا عَنْهُ الْمَضْرُوبُ وَالْمَشْتُومُ نُظِرَ فِي عَفْوِهِ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ التَّرَافُعِ إِلَى الْإِمَامِ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّ الإمام فيه، وإن كان لَهُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِتَعْزِيرِهِ إلَّا أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ.
وَإِنْ كَانَ قَبْلَ التَّرَافُعِ إِلَى الْإِمَامِ فَفِي سُقُوطِ حَقِّ الْإِمَامِ مِنْهُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وهو قول أبي عبيد اللَّهِ الزُّبَيْرِيِّ: قَدْ سَقَطَ حَقُّهُ مِنْهُ، وَلَيْسَ لَهُ التَّعْزِيرُ فِيهِ، كَالْعَفْوِ عَنْ حَدِّ الْقَذْفِ يَمْنَعُ الْإِمَامَ مِنَ اسْتِيفَائِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَظْهَرُ لَا يَسْقُطُ حَقُّ الْإِمَامِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ التقويم فيه من حقوق المصالح العامة، فلو تشاتما، وَتَوَاثَبَ وَالِدٌ مَعَ وَلَدِهِ، سَقَطَ تَعْزِيرُ الْوَالِدِ فِي حَقِّ وَلَدِهِ وَلَمْ يَسْقُطْ تَعْزِيرُ الْوَلَدِ فِي حَقِّ وَالِدِهِ؛ لِأَنَّ الْوَالِدَ لَا يُحَدُّ لِوَلَدِهِ وَيُحَدُّ الْوَلَدُ لِوَالِدِهِ.
وَلَا يَسْقُطُ حَقُّ الْإِمَامِ فِي تَعْزِيرِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَيَكُونُ تعزير الوالد مختصاً بالإمام مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْوَالِدِ وَالْإِمَامِ.

(فَصْلٌ)

وَأَمَّا الْحُكْمُ الثَّانِي فِي حُدُوثِ التَّلَفِ عَنْهُ فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَى الْإِمَامِ سَوَاءٌ اسْتَوْفَاهُ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَضْمَنُهُ فِي الْحَالَيْنِ سَوَاءٌ أَوْجَبَهُ، أَوْ أَبَاحَهُ كَالْحُدُودِ؛ لِحُدُوثِهِ عَنْ تَأْدِيبٍ مُسْتَحَقٍّ.
ودليلنا قضية عمر رضي الله عنه فِي إِجْهَاضِ الْمَرْأَةِ جَنِينَهَا حِينَ بَعَثَ إِلَيْهَا رسولا

أَرْهَبَهَا، فَشَاوَرَ عُثْمَانَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ فَقَالَا: لَا شَيْءَ عَلَيْكَ إِنَّمَا أَنْتَ مُعَلِّمٌ، فَشَاوَرَ عَلِيًّا عليه السلام وقال: إِنْ كَانَ صَاحِبَاكَ مَا اجْتَهَدَا فَقَدْ غَشَّا، وإن كان قَدِ اجْتَهَدَا فَقَدْ أَخْطَآ، عَلَيْكَ الدِّيَةُ فَقَالَ عمر لعلي: عزمت عليك ألا تَبْرَحَ حَتَّى تَضْرِبَهَا عَلَى قَوْمِكَ.
فَكَانَ سُكُوتُ عُثْمَانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ الْجَوَابِ رُجُوعًا مِنْهُمَا إِلَى قَوْلِ عَلِيٍّ فَصَارَ ذَلِكَ إِجْمَاعًا مِنْ جَمِيعِهِمْ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: مَا أَحَدٌ يَمُوتُ فِي حَدٍّ يُقَامُ عليه فأجد فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا إِلَّا شَارِبَ الْخَمْرِ فَإِنَّهُ شَيْءٌ رَأَيْنَاهُ فَإِنْ مَاتَ فَدِيَتُهُ في بيت مال المسلمين، أَوْ قَالَ: عَلَى عَاقِلَةِ الْإِمَامِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّعْزِيرَ مَضْمُونٌ؛ وَلِأَنَّ التَّعْزِيرَ لَمَّا نَقَصَ عَنْ قَدْرِ الْحُدُودِ خَالَفَ حُكْمَهَا فِي الضَّمَانِ كَضَرْبِ الْأَبِ وَالْمُعَلِّمِ فَإِذَا ضَمِنَ الْإِمَامُ دِيَةَ التَّالِفِ بِالتَّعْزِيرِ، فَقَدْ ذَكَرْنَا فِي مَحَلِّهَا قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: عَلَى عَاقِلَةِ الْإِمَامِ، وَتَكُونُ الْكَفَّارَةُ فِي مَالِهِ.
وَالثَّانِي: فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَفِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: فِي مَالِهِ.
وَالثَّانِي: فِي بَيْتِ المال.

(مسألة)

قال الشافعي: " وَإِذَا كَانَتْ بِرَجُلٍ سِلْعَةٌ فَأَمَرَ السُّلْطَانُ بِقَطْعِهَا أَوْ أَكَلَةٌ فَأَمَرَ بِقَطْعِ عُضْوٍ مِنْهُ فَمَاتَ فَعَلَى السُّلْطَانِ الْقَوَدُ فِي الْمُكْرَهِ وَقَدْ قِيلَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ فِي الَّذِي لَا يَعْقِلُ وَقِيلَ لَا قَوَدَ عَلَيْهِ فِي الَّذِي لَا يَعْقِلُ وَعَلَيْهِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ وَأَمَّا غَيْرُ السُّلْطَانِ يَفْعَلُ هَذَا فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا السِّلْعَةُ بِكَسْرِ السِّينِ فَهِيَ الْعُقْدَةُ الْبَارِزَةُ مِنَ الْبَدَنِ.
وَأَمَّا السَّلْعَةُ بِفَتْحِ السِّينِ فَهِيَ الشَّجَّةُ الدَّاخِلَةُ فِي الرَّأْسِ.
وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ فِي إِنْسَانٍ بِهِ سِلْعَةٌ، أَوْ أَكَلَةٌ، فَقُطِعَتْ مِنْهُ السِّلْعَةُ، أَوْ عُضْوُ الْأَكَلَةِ فَمَاتَ فَلَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ جَائِزَ الْأَمْرِ أَوْ مُوَلًّى عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ جَائِزَ الأمر بالبلوغ والعقل لم يخل أن تقطع بِإِذْنِهِ، أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَإِنْ قُطِعَتْ بِإِذْنِهِ، فَلَا قَوَدَ عَلَى قَاطِعِهَا سَوَاءٌ كَانَ قَطْعُهَا مُخَوِّفًا، أَوْ غَيْرَ مُخَوِّفٍ؛ لِأَنَّ فِي الْإِذْنِ إِبْرَاءً.
وَفِي وُجُوبِ الدِّيَةِ عَلَيْهِ قَوْلَانِ: بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي دِيَةِ الْقَتِيلِ، هَلْ تَجِبُ لَهُ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ أَوْ تَجِبُ ابْتِدَاءً لِلْوَرَثَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ؟ فَإِنْ قِيلَ: تجب فِي آخِرِ حَيَاتِهِ فَلَا دِيَةَ عَلَى الْقَاطِعِ لِإِبْرَائِهِ مِنْهَا بِالْإِذْنِ.
وَإِنْ قِيلَ: تَجِبُ لِوَرَثَتِهِ بعد موته فعلى القاطع الدية، لأن المستبرئ منها غير

الْمُسْتَحِقِّ لَهَا.
وَإِنْ قَطَعَهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ، سَوَاءٌ كَانَ الْقَاطِعُ لَهَا سُلْطَانًا أَوْ نَائِبًا، كَانَ فِي قَطْعِهَا صَلَاحٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّ جَوَازَ أَمْرِهِ يَمْنَعُ مِنَ الْوِلَايَةِ عَلَى بَدَنِهِ، وَهُوَ أَحَقُّ بِمَصَالِحِ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِهِ، فَصَارَ قَطْعُهَا مِنْهُ تَعَدِّيًا عَلَيْهِ.
فَإِنْ عَفَا عَنِ الْقَوَدِ كَانَتِ الدِّيَةُ حَالَّةً في مال القاطع؛ لأنها دية عند محصن.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا كَانَ الْمَقْطُوعُ مُوَلًّى عَلَيْهِ بِصِغَرٍ، أَوْ جُنُونٍ فَلَا اعْتِبَارَ بِإِذْنِهِ؛ لِارْتِفَاعِ حُكْمِهِ وَلِلْقَاطِعِ حَالَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَا وِلَايَةَ عَلَيْهِ بِنَسَبٍ وَلَا حُكْمٍ، فَالْقَوَدُ عَلَيْهِ واجب لتعديه، سواء كانت في قطعها صلاح، أو لم يكن.
وإن عَفَا عَنِ الْقَوَدِ كَانَتِ الدِّيَةُ حَالَّةً فِي ماله.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ لِلْقَاطِعِ وِلَايَةٌ عَلَيْهِ، فلا يخلوا حَالُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ وِلَايَتُهُ بِسَلْطَنَةٍ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ وِلَايَتُهُ بِنَسَبٍ.
والثالث: بِاسْتِنَابَةٍ.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الوالي سُلْطَانًا فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ قَطْعُهَا أَخْوَفَ مِنْ تَرْكِهَا، فَالْقَوَدُ فِيهَا عَلَى السُّلْطَانِ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ مِنْهُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ تَرْكُهَا أَخْوَفَ مِنْ قَطْعِهَا، فَفِي وُجُوبِ الْقَوَدِ عَلَيْهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا قَوَدَ عَلَيْهِ؛ لأنها من مصالحه، وعليه الدية؛ لأنها من خطئه.
والقول الثَّانِي: عَلَيْهِ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّهُ عَجَّلَ مِنْ تَلَفِهِ ما كان مؤخراً، فَهَذَا حُكْمُ السُّلْطَانِ إِنْ لَمْ يَكُنْ إِمَامًا كالأمير والقاضي.
وإن كَانَ إِمَامًا فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ فِي وُجُوبِ الْقَوَدِ عَلَيْهِ كغيره، من أمير وقاض؛ لِعُمُومِ وِلَايَةِ جَمِيعِهِمْ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَأَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ.
أَنَّهُ لَا قَوَدَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مِنَ التُّهْمَةِ أبعد.
والثاني: أن ولايته أعم.

وَإِذَا وَجَبَتِ الدِّيَةُ، فَإِنْ قِيلَ: بِاسْتِحْقَاقِ الْقَوَدِ عَلَيْهِ، كَانَتْ دِيَةَ عَمْدٍ تَجِبُ فِي مَالِهِ حَالَّةً، وَلَا تَكُونُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَلَا فِي بَيْتِ الْمَالِ.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الْقَوَدَ لَا يستحق كان دِيَةَ عَمْدٍ شِبْهَ الْخَطَأِ؛ لِأَنَّهُ عَامِدٌ فِي فِعْلِهِ مُخْطِئٌ فِي قَصْدِهِ، وَأَيْنَ تَكُونُ الدِّيَةُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: عَلَى عَاقِلَتِهِ.
وَالثَّانِي: فِي بيت المال.
وأما القسم الثاني: أن يكون الوالي عَلَيْهِ مُنَاسِبًا لَهُ كَالْأَبِ وَالْجَدِّ، فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَادُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ، وَيُنْظَرُ فِي قَطْعِهَا فَإِنْ كَانَ تَرْكُهَا أَخْوَفَ مِنْ قَطْعِهَا، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ السُّلْطَانِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مِنَ التُّهْمَةِ أَبْعَدُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لمصالحه أَخَصُّ.
وَإِنْ كَانَ قَطْعُهَا أَخْوَفَ مِنْ تَرْكِهَا، ففي ضمانه للدية وجهان: أحدهما: يَضْمَنُهَا لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَمْرَيْنِ.
وَالثَّانِي: يَضْمَنُهَا لِظُهُورِ الْمَصْلَحَةِ فِي تَرْكِهَا.
وَهَلْ تَكُونُ دِيَةَ عَمْدٍ تُتَعَجَّلُ فِي مَالِهِ، أَوْ دِيَةَ خَطَأٍ شِبْهِ الْعَمْدِ تُؤَجَّلُ عَلَى عَاقِلَتِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وأما القسم الثالث: أن يكون الوالي عَلَيْهِ مُسْتَنَابًا، وَهُمْ صِنْفَانِ وَصِيُّ أَبٍ، وَأَمِينُ حَاكِمٍ، وَفِيهِمَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَوَدَ عَلَيْهِمَا فِي الْأَحْوَالِ وَاجِبٌ لِاخْتِصَاصِ وِلَايَتِهِمَا بِمَالِهِ دُونَ بدنه.
والوجه الثاني: أنه يجري عليه حُكْمُ مَنِ اسْتَنَابَهُمَا لِقِيَامِهِمَا بِالِاسْتِنَابَةِ مَقَامَهُ فَإِنْ كَانَ وَصِيَّ أَبٍ أُجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْأَبِ إِذَا قَطَعَهَا، وَإِنْ كَانَ أَمِينَ حَاكِمٍ أُجْرِي عليه حكم الحاكم إذا قطعها.

(مسألة)

قال الشافعي: " وَلَوْ كَانَ رَجُلٌ أَغْلَفُ أَوِ امْرَأَةٌ لَمْ تخفض فأمر السلطان فعزرا فماتا لَمْ يَضْمَنِ السُّلْطَانُ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِمَا أَنْ يفعلا إلا أن يعزرهما في حر أَوْ بَرْدٍ مُفْرِطٍ الْأَغْلَبُ أَنَّهُ لَا يَسْلَمُ مَنْ عُزِّرَ فِي مِثْلِهِ فَيَضْمَنُ عَاقِلَتُهُ الدِّيَةَ) . قال الماوردي: أما الختان فرض وَاجِبٌ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ.

وقال أبو حنيفة: هو سنة يأثم عَلَى قَوْلِ الْعِرَاقِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِهِ.
وَقَالَ الْخُرَاسَانِيُّونَ مِنْهُمْ: هُوَ وَاجِبٌ وَلَيْسَ بِفَرْضٍ كَمَا قَالُوهُ فِي الْوِتْرِ وَالْأُضْحِيَّةِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمْ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ.
وَاسْتِدْلَالًا بِمَا رَوَى قَتَادَةُ عَنْ أَبِي الْمُلَيْحِ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: " عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ.
الْمَضْمَضَةُ، وَالِاسْتِنْشَاقُ، وَالسِّوَاكُ، وَإِحْفَاءُ الشَّارِبِ وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَقَلْمُ الْأَظْفَارِ وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَنَتْفُ الْإِبْطِ وَالْخِتَانُ) . فَلَمَّا جعله من الفطرة، والظاهر من الفطرة أنه السنة، وَقَرَنَهُ بِمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ غير واجب قال: ولأنه قطع الشيء مِنَ الْجَسَدِ يُقْصَدُ بِهِ التَّنْظِيفُ، فَوَجَبَ أَنْ يكون مستحباً كتقليم الأظفار وحلق الشعر.
وقال: وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْخِتَانِ إِزَالَةُ الْقُلْفَةِ الَّتِي تَغْشَى الْحَشَفَةَ، لِيُمْكِنَ إِزَالَةُ الْبَوْلِ عَنْهَا، وَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ عِنْدَهُمْ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ.
ودليلنا قول الله عز وجل: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: 123] ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ أَوَّلَ مَنِ اخْتَتَنَ بِالْقَدُومِ، رُوِيَ مُخَفَّفًا وَمُشَدَّدًا، فَمَنْ رَوَاهُ مُخَفَّفًا جَعَلَهُ اسْمَ الْمَكَانِ الَّذِي اخْتَتَنَ فِيهِ، وَمَنْ رواه مشدداً جعله اسم الفأس الذي اختتن به.
وقيل: اخْتَتَنَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِينَ سَنَةً.
وَقِيلَ: ثَمَانِينَ سنة، ولا يفعل ذلك بهذه السِّنِّ إِلَّا عَنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى: وَوَحْيِهِ.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ أَسْلَمَ: " أَلْقِ عَنْكَ شَعْرَ الكفر واختتن) فهذا أَمْرٌ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " أَيُّمَا رَجُلٍ حَجَّ قَبْلَ أَنْ يَخْتَتِنَ لَمْ يُقْبَلْ حَجُّهُ) قَالَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالَغَةِ تَأْكِيدًا لِإِيجَابِهِ.

وَمِنَ الِاعْتِبَارِ: أَنَّهُ قَطْعُ تَعَبُّدٍ مِنْ جَسَدِهِ مَا لَا يُسْتَخْلَفُ بَعْدَ قَطْعِهِ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ فَرْضًا كَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ.
وَقَوْلُنَا تَعَبُّدًا احترازاً عن قطع الأكل من الجسد، فَإِنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ.
وَقَوْلُنَا: مَا لَا يُسْتَخْلَفُ احْتِرَازًا مِنَ الشَّعْرِ وَالْأَظْفَارِ؛ وَلِأَنَّ فِي الْخِتَانِ قَطْعَ عُضْوٍ وَإِدْخَالَ أَلَمٍ عَلَى النَّفْسِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ إِلَّا فِي وَاحِدٍ مِنْ ثَلَاثَةٍ إما المصلحة، أَوْ عُقُوبَةٌ، أَوْ وَاجِبٌ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي الْخِتَانِ مَصْلَحَةٌ وَلَا عُقُوبَةٌ دَلَّ عَلَى أنه واجب.
وأما الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: الْخِتَانُ سُنَّةٌ مَعَ ضَعْفِ طَرِيقِهِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ السُّنَّةَ هِيَ الطريقة المتبعة قد يَكُونُ ذَلِكَ وَاجِبًا وَمُسْتَحَبًّا، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي) . وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَشَارَ بِالسُّنَّةِ إِلَى مَا قَبْلَ الْبُلُوغِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ يَكُونُ بَعْدَ الْبُلُوغِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: " عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ) ، فَهُوَ أن الفطرة الدين، قال الله تعالى: ﴿فطرة اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: 30] يَعْنِي دينهم الَّذِي فَطَرَهُمْ عَلَيْهِ.
وَمَا قَرَنَ بِهِ مِنْ غَيْرِ الْوَاجِبَاتِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فِي حكمها؛ لأنه قد يقترن الواجب بغير واجب كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141] . وَأَمَّا الجواب عن قياسهم عن الْحَلْقِ وَالتَّقْلِيمِ فَمِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ قَوْلَهُمْ: يُقْصَدُ بِهِ التَّنْظِيفَ غَيْرَ مُسَلَّمٍ؛ لِأَنَّهُ يُقْصَدُ بِهِ تَأْدِيَةُ الْفَرْضِ دُونَ التَّنْظِيفِ؛ لِأَنَّ مقصود التَّنْظِيفِ بِالْمَاءِ دُونَ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ غَسْلُ الْبَوْلِ مَعَ بَقَائِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ وَإِنْ قَصَدَ بِهِ التَّنْظِيفَ أَنْ يَكُونَ فَرْضًا كَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَأْثَمْ بِتَرْكِ الشَّعْرِ وَأَثِمَ بِتَرْكِ الْخِتَانِ دَلَّ عَلَى افْتِرَاقِهِمَا فِي حُكْمِ الْوُجُوبِ، وَفِي هذا جواب اسْتِدْلَالِهِمْ.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا ثَبَتَ وُجُوبُ الْخِتَانِ فِي الرجال والنساء فهو من الرِّجَالِ يُسَمَّى إعْذَارًا

وَفِي النِّسَاءِ يُسَمَّى خَفْضًا، وَيُسَمَّى غَيْرُ الْمَعْذُورِ مِنَ الرِّجَالِ أَغْلَفَ وَأَقْلَفَ.
وَإِعْذَارُ الرَّجُلِ هُوَ قَطْعُ الْقُلْفَةِ الَّتِي تَغْشَى الْحَشَفَةَ، وَالسُّنَّةُ أَنْ تستوعب من أصلها وأقل ما يجزي فيه ألا يتغير بِهَا شَيْءٌ مِنَ الْحَشَفَةِ.
وَأَمَّا خَفْضُ الْمَرْأَةِ فَهُوَ قَطْعُ جِلْدَةٍ تَكُونُ فِي الْفَرْجِ فَوْقَ مَدْخَلِ الذَّكَرِ وَمَخْرَجِ الْبَوْلِ عَلَى أَصْلٍ كَالنَّوَاةِ تؤخذ منه الْجِلْدَةُ الْمُسْتَعْلِيَةُ دُونَ أَصْلِهَا رَوَى ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " يَا أُمَّ عَطِيَّةَ إِذَا خَفَضْتِ فَأَشِمِّي وَلَا تُنْهِكِي فَإِنَّهُ أَسْرَى لِلْوَجْهِ وَأَحْظَى عِنْدَ الزَّوْجِ) . وَقَوْلُهُ: " أَشِمِّي) أَيْ لَا تُبَالِغِي.
وَفِي قوله: " أسرى للوجه وأحظى عند الزوج) تأويلان: أحدهما: أصفى للون.
وَالثَّانِي: مَا يَحْصُلُ لَهَا فِي نَفْسِ الزَّوْجِ من الحظوة بها.
وَلِلْخِتَانِ وَقْتَانِ: وَقْتُ اسْتِحْبَابٍ وَوَقْتُ وُجُوبٍ فَأَمَّا وقت الاستحباب فما قبل البلوغ.
والأختتان: أن يختتن فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سن اختتان الْمَوْلُودِ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ، وَفِيهِ يَعِقُّ عَنْهُ، وختن الحسن والحسين عليهما السلام فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَحْتَسِبُ فيها يوم الْوِلَادَةِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَحْتَسِبُ يوم الولادة، ويختتن في السَّابِعِ مِنْهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ لا يحتسب به، ويختتن في السابع بعد يوم الولادة.
وهكذا روي ختان الحسن والحسين أنه كان فِي اليوم السَّابِعِ بَعْدَ يَوْمِ الْوِلَادَةِ فَإِنِ اختتن قَبْلَ السَّابِعِ كَرِهْنَاهُ، وَإِنْ أَجْزَأَ لِضَعْفِ الْمَوْلُودِ عن احتماله سواء فِي ذَلِكَ الْغُلَامُ أَوِ الْجَارِيَةُ.
فَإِنْ أَخَّرَ عن اليوم السابع المستحب بعده أن يختتن فِي الْأَرْبَعِينَ يَوْمًا؛ لِأَنَّ فِيهِ أَثَرًا.
فَإِنْ أخر عنه فالمستحب بعده أن يختتن فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ؛ لِأَنَّهُ الْوَقْتُ الَّذِي يُؤْمَرُ فيه بالطهارة والصلاة، ويميز بَيْنَ أَبَوَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَخْتَتِنْ حَتَّى بَلَغَ، صَارَ وَقْتُ الْخِتَانِ فَرْضًا، يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ فِي نَفْسِهِ، وَيُؤْخَذُ بِهِ جَبْرًا فِي أَوَّلِ أوقات إمكانه.

وَلَا يُؤَخِّرُ عَمَّا ذَكَرْنَاهُ مِنْ وَقْتِ الِاسْتِحْبَابِ أَوْ وَقْتِ الْإِيجَابِ إِلَّا لِعُذْرٍ فِي الزَّمَانِ مِنْ شِدَّةِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ لِعُذْرٍ في بدنه من شدة مرض يخاف عَلَى نَفْسِهِ إِنْ خُتِنَ، فَيُؤَخِّرُ إِلَى زَوَالِ العذر، فلو كان نضو الخلق وعلم مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ إِنْ خُتِنَ تَلِفَ سَقَطَ فَرْضُ الْخِتَانِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا تَعَبُّدَ فِيمَا أَفْضَى إِلَى التَّلَفِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286] وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى خِتَانَ الْمَوْلُودِ إِلَّا مَنْ كَانَ ذَا وِلَايَةٍ عَلَيْهِ بِأُبُوَّةٍ، أَوْ وَصِيَّةٍ، أَوْ حُكْمٍ، فَإِنْ خَتَنَهُ مَنْ لَا وِلَايَةَ عَلَيْهِ، فَأَفْضَى إِلَى تَلَفِهِ ضَمِنَ نَفْسَهُ، وَإِنْ خَتَنَهُ ذُو وِلَايَةٍ عَلَيْهِ كَالْأَبِ أَوِ الْوَصِيِّ أَوِ السُّلْطَانِ فَتَلِفَ نُظِرَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي زَمَانِ عُذْرٍ لَمْ يَضْمَنْ نَفْسَهُ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ مِنْ فِعْلٍ وَاجِبٍ.
وَإِنْ كَانَ فِي زَمَانِ عُذْرٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ شَدَّةِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ قَالَ الشَّافِعِيُّ: ضَمِنَ نَفْسَهُ.
وَقَالَ فِي الْمَحْدُودِ فِي حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ مَرَضٍ: إِنَّهُ إِذَا مَاتَ لَمْ يَضْمَنْهُ.
اختلف أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى طَرِيقَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: الْجَمْعُ بَيْنَ الجوابين في الموضعين، ونخرجهما عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يُضْمَنُ فِي الْمَحْدُودِ وَالْمَخْتُونِ على ما نص عليه في المختون للتقدير بِالزَّمَانِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا ضَمَانَ فِي الْمَخْتُونِ وَالْمَحْدُودِ عَلَى مَا نُصَّ عَلَيْهِ فِي الْمَحْدُودِ.
والطريقة الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْجَوَابَ عَلَى ظَاهِرِ نَصِّهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ فَيُضْمَنُ الْمَخْتُونُ وَلَا يُضْمَنُ الْمَحْدُودُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْخِتَانَ أَخْوَفُ لِمَا فِيهِ مِنْ قَطْعِ عُضْوٍ وَإِرَاقَةِ دَمٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّ وَقْتَ الْخِتَانِ مُتَّسِعٌ، وَوَقْتَ الْحَدِّ يضيق.
فَإِذَا وَجَبَ الضَّمَانُ فَفِي قَدْرِ مَا يَضْمَنُهُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الظَّاهِرُ، مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ يَضْمَنُ جَمِيعَ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ مِنْهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: حَكَاهُ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ: يَضْمَنُ نِصْفَ الدِّيَةِ؛ لِحُدُوثِ التَّلَفِ عَنْ وَاجِبٍ وَمَحْظُورٍ، فَإِنْ ضَمِنَ ذَلِكَ غَيْرُ السُّلْطَانِ كَانَ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وإن ضمن السُّلْطَانُ فَعَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: عَلَى عَاقِلَتِهِ.
وَالثَّانِي: فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ سَوَاءٌ ضَمِنَ جَمِيعَ الدِّيَةِ أَوْ نِصْفَهَا؛ لِأَنَّهُ ضَمِنَ تَلَفَ نفس وإن تبعضت فيه الدية، والله أعلم.

(باب صفة السوط)

قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " يُضْرَبُ الْمَحْدُودُ بِسَوْطٍ بَيْنَ السَّوْطَيْنِ لَا جَدِيدٍ وَلَا خَلَقٍ) . قَالَ الماوردي: وأما الضرب المشروع فيستحق من وجهين: حد وتعزير.
فأما الْحَدُّ الْمَشْرُوعُ فَثَلَاثَةُ حُدُودٍ، حَدُّ الزِّنَا مِائَةُ جَلْدَةٍ، وَحَدُّ الْقَذْفِ ثَمَانُونَ جَلْدَةً، وَحَدُّ الْخَمْرِ أربعون.
وأما حد الزنا والقذف فيستوفى بِالسَّوْطِ، وَبِهِ وَرَدَ الشَّرْعُ.
وَأَمَّا حَدُّ الْخَمْرِ فَقَدْ ذَكَرْنَا فِيهِ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: بِالسَّوْطِ.
وَالثَّانِي: بالثياب والنعال والأيدي.
وأما ضَرْبُ التَّعْزِيرِ فَمَوْقُوفٌ عَلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ تعزيره عن اجتهاد، فيجوز أن يضرب بالثياب والنعال، ويجوز أن يضرب بالسوط.
فأما صِفَةُ السَّوْطِ الَّذِي تُقَامُ بِهِ الْحُدُودُ فَهُوَ بَيْنَ السَّوْطَيْنِ لَا جَدِيدَ فَيُتْلِفُ، وَلَا خَلَقَ لا يُؤْلِمُ، لِمَا رُوِيَ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أُتِيَ بِزَانٍ فَدَعَا بالسَّوْطِ، فَأُتِيَ بِسَوْطٍ جَدِيدٍ لَمْ تُكْسَرْ ثَمَرَتُهُ فَقَالَ: دُونَ هَذَا، فَأُتِيَ بِسَوْطٍ قَدْ لَانَ وَانْكَسَرَ، فَقَالَ: فَوْقَ هَذَا، فَأُتِيَ بِسَوْطٍ بَيْنَ السَّوْطَيْنِ لَا جَدِيدَ وَلَا خَلَقَ، فَحَدَّهُ بِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تَنْتَهُوا عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ فَمَنْ أَتَى مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ حد الله عليه) . رَوَى عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ضَرْبٌ بَيْنَ ضَرْبَيْنِ وَسَوْطٌ بَيْنَ سَوْطَيْنِ.
فَأَمَّا صِفَةُ الضَّرْبِ، فَلَا يَكُونُ شَدِيدًا قَاتِلًا، وَلَا ضَعِيفًا لَا يَرْدَعُ، فَلَا يَرْفَعُ بَاعَهُ

فَيَنْزِلُ مِنْ عَلٍ، وَلَا يَخْفِضُ ذِرَاعَهُ فَيَقَعُ من أسفل، فَيَمُدُّ عَضُدَهُ وَيَرْفَعُ ذِرَاعَهُ؛ لِيَقَعَ الضَّرْبُ مُعْتَدِلًا.
قال ابن مسعود: لا يرفع ذراعه فِي الضَّرْبِ فَيُرَى بَيَاضُ إِبْطِهِ.
فَأَمَّا السَّوْطُ فِي ضَرْبِ التَّعْزِيرِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ دُونَ سَوْطِ الْحَدِّ لَمْ يَكُنْ فَوْقَهُ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَضْرِبَ فِي التَّعْزِيرِ بِسَوْطٍ لَمْ تُكْسَرْ ثَمَرَتُهُ فَوْقَ سَوْطِ الحد، ويكون صِفَةُ الضَّرْبِ فِيهِ أَعْلَى مِنْ صِفَتِهِ فِي الحد؛ لأن ذنوب التعزير مختلفة، فجاز أن يكون الضرب مُخْتَلِفًا، وَهَذَا خَطَأٌ، لِأَنَّ الْحُدُودَ أَغْلَظُ، فَلَمَّا كَانَ التَّعْزِيرُ دُونَهَا فِي الْقَدْرِ لَمْ يَجُزْ أن يكون فوقها في الصفة.

(مسألة)

قال الشافعي: " وَيُضْرَبُ الرَّجُلُ فِي الْحَدِّ وَالتَّعْزِيرِ قَائِمًا وَتُتْرَكُ له يده يتقي بِهَا وَلَا يُرْبَطُ وَلَا يُمَدُّ وَالْمَرْأَةُ جَالِسَةً وَتُضَمُّ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا وَتُرْبَطُ لِئَلَّا تَنْكَشِفَ وَيَلِي ذَلِكَ مِنْهَا امْرَأَةٌ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي صِفَةِ السَّوْطِ وَالضَّرْبِ.
فَأَمَّا صِفَةُ المضروب فلا يخلوا إما أَنْ يَكُونَ رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً، فَإِنْ كَانَ رَجُلًا ضُرِبَ قَائِمًا وَلَمْ يُصْرَعْ إِلَى الْأَرْضِ، ووقف مُرْسَلًا غَيْرَ مَشْدُودٍ وَلَا مَرْبُوطٍ، وَتُرْسَلُ يَدُهُ لِيَتَوَقَّى بِهَا أَلَمَ الضَّرْبِ إِنِ اشْتَدَّ بِهِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - جَلَدَ مَنْ حَدَّهُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ.
فَأَمَّا ثِيَابُهُ فَلَا يُجَرَّدُ مِنْهَا، وَتُتْرَكُ عَلَيْهِ؛ لِتُوَارِيَ جَسَدَهُ، وَتَسْتُرَ عَوْرَتَهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهَا ما يمنع من ألم الضرب كالفراء والجياب الحشوة، فَتُنْزَعُ عَنْهُ وَيُتْرَكُ مَا عَدَاهَا مِمَّا لَا يَمْنَعُ أَلَمَ الضَّرْبِ.
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ فِي دِينِنَا مَدٌّ وَلَا قَيْدٌ وَلَا غَلٌّ وَلَا تَجْرِيدٌ.
فَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَتُضْرَبُ جَالِسَةً؛ لِأَنَّهَا عَوْرَةٌ، وَجُلُوسُهَا أَسْتَرُ لَهَا، وَتُرْبَطُ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا؛ لِئَلَّا تَنْكَشِفَ فتبدوا عَوْرَتُهَا، وَتَقِفُ عِنْدَهَا امْرَأَةٌ تَتَوَلَّى رَبْطَ ثِيَابِهَا، وتستر مَا بَدَا ظُهُورُهُ مِنْ جَسَدِهَا، وَيَتَوَلَّى الرِّجَالُ ضَرْبَهَا دُونَ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّ فِي مُبَاشَرَةِ النِّسَاءِ له هتكه.
قد أَحْدَثَ الْمُتَقَدِّمُونَ مِنْ وُلَاةِ الْعِرَاقِ ضَرْبَ النِّسَاءِ في صفة مِنْ خُوصٍ أَوْ غِرَارَةٍ مِنْ شَعْرٍ لِيَسْتُرَهَا، وذلك حسن والغرارة احب إلينا من الصفة لأن الصفة تدفع مِنْ أَلَمِ الضَّرْبِ مَا لَا تَدْفَعُهُ الْغِرَارَةُ، فَلَوْ خَالَفَ الْجَلَّادُ مَا وَصَفْنَا، وَضَرَبَ الرَّجُلَ جالساً أو

مَبْطُوحًا، وَضَرَبَ الْمَرْأَةَ قَائِمَةً أَوْ نَائِمَةً أَسَاءَ وَأَجْزَأَهُ الضَّرْبُ وَلَا يَضْمَنُهُ، وَإِنْ أَفْضَى إِلَى التَّلَفِ؛ لِأَنَّهَا تَغْيِيرُ حَالٍ لَا زِيَادَةُ ضَرْبٍ.

(مسألة)

قال الشافعي: " ولا يبلغ في الحد أن ينهر الدم لأنه سبب التلف وإنما يراد بالحد النكال أو الكفارة) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ في العدول به عن الحديد إِلَى السَّوْطِ تَنْبِيهًا عَلَى الْمَنْعِ مِنْ أَثَرِ الحديد.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَقْصُودَ بِضَرْبِهِ أَلَمُهُ الَّذِي يَرْتَدِعُ بِهِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَزِيدَ عَلَى أَلَمِهِ بِإِنْهَارِ دَمِهِ الْمُفْضِي إِلَى تَلَفِهِ، فَإِنْ أَنْهَرَ دَمَهُ بِالضَّرْبِ فَلَمْ يَتْلَفْ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَنْهَرَ دَمَهُ فَتَلِفَ فَذَلِكَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَضْرِبَهُ بَعْدَ إِنْهَارِ دَمِهِ لِاسْتِكْمَالِ حَدِّهِ قَبْلَ إِنْهَارِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ إِنْهَارَ دَمِهِ قَدْ يَكُونُ مِنْ رِقَّةِ لَحْمِهِ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ شِدَّةِ ضَرْبِهِ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ مِنْهُمَا مَا يُوجِبُ الضَّمَانَ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَضْرِبَهُ بَعْدَ إِنْهَارِ دَمِهِ اسْتِكْمَالًا لِحَدِّهِ، فَإِنْ ضَرَبَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ إِنْهَارِهِ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّ مُوَالَاةَ الْحَدِّ مُسْتَحَقَّةٌ.
وَإِنْ ضَرَبَهُ فِي موضع إنهاره ففي ضمانه وجهان: أحدهما: يضمن؛ لأن إنهاره من غير واجب.
ثانيهما: يَضْمَنُ لِتَعَدِّيهِ بِإِعَادَةِ الضَّرْبِ فِيهِ، فَعَلَى هَذَا في قدر ضمانه وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: جَمِيعُ الدِّيَةِ.
وَالثَّانِي: نِصْفُهَا، عَلَى مَا مَضَى فِي ضَمَانِ الْمَخْتُونِ.
(مَسْأَلَةٌ) قَالَ الشَّافِعِيُّ: رَحِمَهُ اللَّهُ " وَيَتَّقِي الْجَلَّادُ الْوَجْهَ وَالْفَرْجَ وروي ذلك عن علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ يَجِبُ فِي جَلْدِ الْحُدُودِ أَنْ يُفَرِّقَ الضَّرْبُ فِي جَمِيعِ الْبَدَنِ؛ لِيَأْخُذَ كُلُّ عُضْوٍ حَظَّهُ مِنَ الْأَلَمِ، وَلَا يَجْمَعُهُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فيفضي إلى تلفه إلا في موضعين عَلَيْهِ أَنْ يَتَّقِيَ ضَرْبَهُمَا: أَحَدُهُمَا: الْمَوَاضِعُ الْقَاتِلَةُ كالرأس والخاصرة والقواد، وَالنَّحْرِ، وَالذَّكَرِ، وَالْأُنْثَيَيْنِ.

وَالثَّانِي: مَا شَأنَهُ الضَّرْبُ وَقَبَّحَهُ كَالْوَجْهِ لِرِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " إِذَا جَلَدَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ وَالْفَرْجَ) . وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِلْجَلَّادِ: اضْرِبْ وَأَوْجِعْ وَاتَّقِ الرَّأْسَ وَالْفَرْجَ.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ نَهَى عَنْ تَقْبِيحِ الْوَجْهِ، وَعَنْ ضَرْبِهِ وعن الوشم فِيهِ.
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سَمِعَ رَجُلًا يَسُبُّ رَجُلًا وَهُوَ يَقُولُ: قَبَّحَ اللَّهُ وَجْهَكَ وَوَجْهَ مَنْ أَشْبَهَكَ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا تَسُبُّوا الْوَجْهَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ) يَعْنِي عَلَى صُورَةِ هَذَا الرَّجُلِ، فَلَمَّا نَهَى عَنْ سَبِّ الْوَجْهِ كَانَ النَّهْيُ عَنْ ضَرْبِهِ أَوْلَى.
فَأَمَّا ضَرْبُ التَّعْزِيرِ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُفَرَّقُ فِي جَمِيعِ الْجَسَدِ كَالْجَلدِ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ يَجُوزُ أَنْ يَجْمَعَهُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مِنَ الْجَسَدِ، وَفَرَّقَ بينه وبين الجلد بأنه لما يَجُزِ الْعَفْوُ عَنِ الْحَدِّ لَمْ يَجُزِ الْعَفْوُ عن بَعْضِ الْجَسَدِ، وَلَمَّا جَازَ الْعَفْوُ عَنِ التَّعْزِيرِ جَازَ الْعَفْوُ عَنْ ضَرْبِ بَعْضِ الْجَسَدِ، وَهَذَا ليس بصحيح؛ لأن جميع الضَّرْبِ مُفْضٍ إِلَى التَّلَفِ فَلَمَّا مَنَعَ مِنْهُ فِي الْحُدُودِ الْوَاجِبَةِ كَانَ الْمَنْعُ مِنْهُ فِي التعزير المباح أولى.

(مسألة)

قال الشافعي رحمه الله: " ولا يبلغ بعقوبة أربعين تقصيراً عن مساواة عقوبة الله تعالى في حدوده) . قال الماوردي: فقد ذَكَرْنَا أَنَّ التَّعْزِيرَ مُبَاحٌ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُبْلَغَ بِأَكْثَرِهِ أَدْنَى الْحُدُودِ وَغَايَتُهُ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ؛ لِأَنَّ أَدْنَى الْحُدُودِ حَدُّ الْخَمْرِ وَهُوَ أَرْبَعُونَ.
رَوَى النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " مَنْ ضَرَبَ حَدًّا فِي غَيْرِ حَدٍّ فَهُوَ مِنَ الْمُعْتَدِينَ) . فَإِنْ قَالَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي تَجْوِيزِهِمُ الزِّيَادَةَ فِي ضَرْبِ التَّعْزِيرِ عَلَى أكثر الحدود: ليس مع هذا الخبر من مساواة التعزير في الحدود.
روى أبو بُردَةَ بن نيار عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قال: " لا جلد فوقع عشر جلدات إلا في حدود الله) فهلا منعكم هذا الْخَبَرُ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَى الْعَشَرَةِ فِي التَّعْزِيرِ، وأنتم لا

تَمْنَعُونَ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا مَعَ مَا رُوِيَ فِيهَا.
قِيلَ: هَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ مِنْ وَجْهٍ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ، فَإِنْ صَحَّ وَثَبَتَ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ: أَنَّ الْعَمَلَ بِهِ وَاجِبٌ، وَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِي ضَرْبِ التَّعْزِيرِ عَلَى عَشْرِ جَلْدَاتٍ، وَيَكُونُ هَذَا مَذْهَبًا لِلشَّافِعِيِّ، لِأَنَّ مِنْ مَذْهَبِهِ، أَنَّ كُلَّ مَا قَالَهُ وَثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - خِلَافُهُ فَهُوَ أَوَّلُ رَاجِعٍ عَنْهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وهو قول كثير من أصحابه: أنه لا يجوز الْعَمَلُ بِهِ وَإِنْ صَحَّ لِجَوَازِ أَنْ يَرِدَ فِي ذَنْبٍ بِعَيْنِهِ أَوْ فِي رَجُلٍ بِعَيْنِهِ، فلا يجب حمله في عُمُومِ الذُّنُوبِ وَلَا عَلَى عُمُومِ النَّاسِ.

(فَصْلٌ)

لا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ الْعَفْوُ عَنِ الْحُدُودِ إِذَا وَجَبَتْ، وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَشْفَعَ إِلَى الْإِمَامِ فِيهَا، وَإِنْ جَازَ الْعَفْوُ عَنِ التَّعْزِيرِ وَجَازَتِ الشَّفَاعَةُ فِيهِ.
رَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " تَعَافَوْا عَنِ الْحُدُودِ فِيمَا بَيْنَكُمْ فَمَا بَلَغَنِي من حد فقد وجب) . وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قال: " لعن الله الشافع والمشفع) . فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - جلد رجلاً في شراب فقال شعراً.
(أَلَا أَبْلِغْ رَسُولَ اللَّهِ أَنِّي ... بِحَقٍّ مَا سرقت ولا زنيت)

(شربت شربة لَا عِرْضَ أَبْقَتْ ... وَلَا مَا لَذَّةٌ فِيهَا قَضَيْتُ) فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ: " لَوْ بَلَغَنِي قَبْلَ أَنْ أَجْلِدَهُ لَمْ أَجْلِدْهُ) فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ الْعَفْوِ عَنِ الْحُدُودِ.
قِيلَ: هَذَا حَدِيثٌ مُرْسَلٌ لَا يُعَارَضُ بِهِ ما كان متصلاً ثابتاً، وَلَوْ ثَبَتَ وَصَحَّ لَجَازَ أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إِمَّا لِأَنَّهُ اسْتَدَلَّ بِشِعْرِهِ على تقدم توبته.
وإما أن حَدَّ الْخَمْرِ لَمْ يَكُنْ مُسْتَقِرًّا، وَكَانَ تَعْزِيرًا يَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْهُ.

ثم استقر حده من بعده فَلَمْ يَجُزِ الْعَفْوُ عَنْهُ.

(فَصْلٌ)

رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّه قَالَ: " تَجَافَوْا لِذَوِي الْهَيْئَاتِ عَنْ عَثَرَاتِهِمْ) . وَرُوِيَ " أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ) . وَفِي ذَوِي الهيئات ها هنا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الصَّغَائِرِ دُونَ الْكَبَائِرِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُمُ الَّذِينَ إِذَا أَلَمُّوا بِالذَّنْبِ نَدِمُوا عليه، وتابوا منه.
وفي عثراتهم ها هنا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهَا صَغَائِرُ الذُّنُوبِ الَّتِي لَا توجب الحدود.
والثاني: أنها أول معصية ذل فيها مطيع، فأما قول الله تعالى: ﴿والذين يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ﴾ [النجم: 32] . ففي كبائر الإثم ثلاث تأويلات: أحدها: أنها الشرك بالله.
وَالثَّانِي: مَا لَا يُكَفَّرُ إِلَّا بِالتَّوْبَةِ.
وَالثَّالِثُ: مَا زَجَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بِالْحَدِّ.
وَفِي الفواحش ها هنا تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: الزِّنَا خَاصَّةً.
وَالثَّانِي: جَمِيعُ الْمَعَاصِي.
وَفِي اللَّمَمِ الْمُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ خَمْسَةُ تَأْوِيلَاتٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ مَا هَمَّ بِهِ وَلَمْ يَفْعَلْهُ.
والثاني: أنه ما يأت مِنْهُ وَلَمْ يُعَاوِدْهُ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا الصَّغَائِرُ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي لَا تُوجِبُ حَدًّا وَلَا وَعِيدًا.
وَالرَّابِعُ: أَنَّهَا النَّظْرَةُ الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ.
وَالْخَامِسُ: أنه النكاح.

(مسألة)

قال الشافعي: " وَلَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ لِقَوْلِ اللَّهُ تَعَالَى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ

فيها اسمه} [النور: 36] يريد بالبيوت: المساجد.
في قوله تعالى: ﴿أذن الله أن ترفع﴾ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: تُعَظَّمَ.
وَالثَّانِي: تُصَانَ وَفِي قَوْلِهِ: " ويذكر فيها اسمه) وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ التَّعَبُّدُ لَهُ بِالصَّلَاةِ فِيهَا.
وَالثَّانِي: طَاعَتُهُ بِتِلَاوَةِ كِتَابِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ، فَنَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ إِقَامَةِ الْحُدُودِ فِيهَا.
وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ مِنَ السُّنَّةِ نَصٌّ لِرِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " لَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ وَلَا يقتل بِالْوَلَدِ الْوَالِدُ) . وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سَمِعَ رَجُلًا يُنْشِدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: " يا أيها الناشد، غيرك الواجد إِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا إِنَّمَا بُنِيَتْ لذكر الله وللصلاة) . وَرَوَى حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نهى أن يستقاد في المساجد وأن تنشد فِيهَا الْأَشْعَارُ، وَأَنْ تُقَامَ فِيهَا الْحُدُودُ) . وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْأَشْعَارِ مَا كَانَ هِجَاءً، أَوْ عزلا، أو مدحاً كاذباً؛ لِأَنَّ الشِّعْرَ قَلَّ مَا يَخْلُو مِنْهُ.
فَأَمَّا مَا تَجَرَّدَ عَنْ ذَلِكَ مِنَ الْأَشْعَارِ فَغَيْرُ ممنوع من إنشادها فيه.
وقد أَنْشَدَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ قَصِيدَتَهُ الَّتِي مَدَحَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - في المسجد فلم ينكر عليه، وَكَذَلِكَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ.
وَلِأَنَّ إِقَامَةَ الْحُدُودِ فِي الْمَسَاجِدِ مُؤْذٍ لِلْمُصَلِّينَ فِيهَا؛ وَلِأَنَّ الْمَحْدُودَ ربما نجس المسجد بدمه، أو حدثه.
فإن ثَبَتَ أَنَّ الْحُدُودَ تُقَامُ فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ نُظِرَ فِي الْمَحْدُودِ، فَإِنْ كَانَ مُتَهَافِتًا فِي ارْتِكَابِ الْمَعَاصِي أُظْهِرَ حَدُّهُ فِي مَجَامِعِ النَّاسِ وَمَحَافِلِهِمْ؛ لِيَزْدَادَ بِهِ نَكَالًا وَارْتِدَاعًا، وَإِنْ كَانَ مِنْ ذَوِي الْهَيْئَاتِ حُدَّ فِي الْخَلَوَاتِ حِفْظًا لصيانته.
وبالله التوفيق.

(باب قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ وَمَا أُصِيبَ فِي أَيْدِيهِمْ من متاع المسلمين)

(من كتاب قتل الخطأ)

قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَإِذَا أَسْلَمَ الْقَوْمُ ثُمَّ ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ إِلَى أَيِّ كُفْرٍ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ دَارِ الْحَرْبِ وَهُمْ مَقْهُورُونَ أَوْ قَاهِرُونَ فِي مَوْضِعِهِمُ الَّذِي ارتدوا فيه فعلى المسلمين أن يبدؤوا بِجِهَادِهِمْ قَبْلَ جِهَادِ أَهْلِ الْحَرْبِ الَّذِينَ لَمْ يسلموا قط) . قال الماوردي: قد ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُرْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَدْيَانِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَرَّ عَلَى دِينِهِ، سَوَاءٌ وُلِدَ عَلَى الْإِسْلَامِ ثُمَّ ارْتَدَّ، أَوْ أَسَلَمَ عَنْ كُفْرٍ ثُمَّ ارْتَدَّ، وَسَوَاءٌ ارتد إلى دين يقر عليه أهله أَمْ لَا؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 85] وقال تعالى: ﴿ومن يرتد مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة: 217] . وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: لَمَّا بَلَغَ ابن عباس أن علياً - عليه السلام أَحْرَقَ الْمُرْتَدِّينَ قَالَ: لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحْرِقْهُمْ وَلَقَتَلْتُهُمْ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ) وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُعَذِّبَ بِعَذَابِ اللَّهِ) فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى رِدَّتِهِ فلا يخلو حاله من أحد أمرين: إنا أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا مَقْهُورًا فَقَدْ مَضَى حُكْمُهُ في وجوب قتله إن لم يتب وإما أن يكونوا جماعة قاهرين فالواجب أَنْ يَبْدَأَ بِقِتَالِهِمْ قَبْلَ قِتَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: 123] فَكَانَ مَنْ عَدَلَ عَنْ دِينِنَا أَقْرَبَ إِلَيْنَا، وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ أَجْمَعُوا عَلَى الِابْتِدَاءِ بقتالهم حين ارتدوا بِمَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَنِ ارْتَدَّ وَكَانَ قَدْ جَهَّزَ جَيْشَ أُسَامَةَ بن زيد إلى الروم فَقَالَ لَهُ الصَّحَابَةُ: لَوْ صَرَفْتَ الْجَيْشَ إِلَى قتال أهل الردة فقال: والله لو انثالت المدينة سباعاً علي مَا رَدَدْتُ جَيْشًا جَهَّزَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَدَلَّ احْتِجَاجُ أَبِي بَكْرٍ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُ لَمْ يَرُدَّهُمْ؛ لِأَنَّ رَسُولَ

الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - جهزهم على إجماعهم أَنَّ الْبِدَايَةَ بِالْمُرْتَدِّينَ أَوْلَى، وَلِأَنَّ الرِّدَّةَ عَنِ الْإِسْلَامِ أَغْلَظُ مِنَ الْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ لِثَلَاثَةِ مَعَانٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى رِدَّتِهِ وَإِنْ أقر الكافر على كفره.
والثاني: أنه يتقدم إِسْلَامِهِ قَدْ أَقَرَّ بِبُطْلَانِ الدِّينِ الَّذِي ارْتَدَّ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْكَافِرِ إِقْرَارٌ بِبُطْلَانِهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يُفْسِدُ قُلُوبَ ضُعَفَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَيُقَوِّي نُفُوسَ الْمُشْرِكِينَ، فَوَجَبَ لِغِلَظِ حَالِهِ أَنْ يُبْدَأَ بِقِتَالِ أَهْلِهِ، فَإِذَا أَرَادَ قِتَالَهُمْ لَمْ يَبْدَأْ بِهِ إِلَّا بَعْدَ إِنْذَارِهِمْ وَسُؤَالِهِمْ عَنْ سَبَبِ رِدَّتِهِمْ، فَإِنْ ذَكَرُوا شُبْهَةً أَزَالَهَا، وَإِنْ ذَكَرُوا مَظْلَمَةً رَفَعَهَا، فَإِنْ أَصَرُّوا بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الرِّدَّةِ قَاتَلَهُمْ، وَأَجْرَى عَلَى قِتَالِهِمْ حُكْمَ قِتَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ مِنْ وَجْهٍ، وَحُكْمَ قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ مِنْ وَجْهٍ.
فَأَمَّا مَا يُسَاوُونَ فِيهِ أَهْلَ الْحَرْبِ مِنْ أَحْكَامِ قِتَالِهِمْ وَيُخَالِفُونَ فِيهِ أَهْلَ الْبَغْيِ فَمِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ يجوز أن يقاتلوا مدبرين ومقبلين، وَلَا يُقَاتَلُ أَهْلُ الْبَغْيِ إِلَّا مُقْبِلِينَ.
وَالثَّانِي: يجوز أن يوضع عليهم البيان والتحريق، ويرموا بالقرادة وَالْمَنْجَنِيقِ، وَلَا يَجُوزَ ذَلِكَ فِي أَهْلِ الْبَغْيِ.
وَالثَّالِثُ: إِبَاحَةُ دِمَائِهِمْ أَسْرَى وَمُمْتَنِعِينَ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي أَهْلِ الْبَغْيِ.
وَالرَّابِعُ: مَصِيرُ أَمْوَالِهِمْ فَيْئًا لِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي أَمْوَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ.
وَأَمَّا مَا يُوَافِقُونَ فِيهِ أَهْلَ الْبَغْيِ وَيُخَالِفُونَ فِيهِ أَهْلَ الْحَرْبِ فَمِنْ أربعة أوجه: أحدها: انهم لا يهادنوا عَلَى الْمُوَادَعَةِ إِقْرَارًا عَلَى الرِّدَّةِ وَإِنْ جَازَ مُهَادَنَةُ أَهْلِ الْحَرْبِ.
وَالثَّانِي: أنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ وَلَا أَنْ يُصَالَحُوا على مال يقروا بِهِ عَلَى الرِّدَّةِ وَإِنْ جَازَ ذَلِكَ فِي أَهْلِ الْحَرْبِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَرَقُّوا وَإِنْ جَازَ اسْتِرْقَاقُ أَهْلِ الْحَرْبِ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ وَلَا تُغْنَمَ أَمْوَالُهُمْ وَإِنْ جَازَ ذَلِكَ فِي أَهْلِ الحرب والله أعلم.

(مسألة)

قال الشافعي: " فَإِذَا ظَفِرُوا بِهِمُ اسْتَتَابُوهُمْ فَمَنْ تَابَ حُقِنَ دَمُهُ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ بِالرِّدَّةِ) .

قَالَ: الْمَاوَرْدِي: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا ظُفِرَ بِأَهْلِ الرِّدَّةِ لَمْ يَجُزْ تَعْجِيلُ قَتْلِهِمْ قَبْلَ اسْتِتَابَتِهِمْ، فإن تابوا حقنوا دمائهم بِالتَّوْبَةِ، وَوَجَبَ تَخْلِيَةُ سَبِيلِهِمْ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ قَبُولِ تَوْبَةِ الْمُرْتَدِّ، وَإِنْ لَمْ يَتُوبُوا وَجَبَ قَتْلُهُمْ بِالسَّيْفِ صَبْرًا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " من بدل دينه فاقتلوه) وفي الثاني بِهِمْ ثَلَاثا قَوْلَانِ مَضَيَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَرُّوا عَلَى الرِّدَّةِ بِجِزْيَةٍ وَلَا بِعَهْدٍ وَإِنْ جَازَ أَنْ يُقَرَّ أَهْلُ الْحَرْبِ عَلَى دِينِهِمْ بِجِزْيَةٍ وَعَهْدٍ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ قَدْ تَقَدَّمَ إِقْرَارُهُ فِي حَالِ إِسْلَامِهِ بِبُطْلَانِ مَا ارْتَدَّ إِلَيْهِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَرَّ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ إِقْرَارُ الْحَرْبِيِّ بِبُطْلَانِ دِينِهِ فَجَازَ أَنْ يُقَرَّ عَلَيْهِ.

(فَصْلٌ)

فَأَمَّا أَمْوَالُ الْمُرْتَدِّ فَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا مَقْهُورًا حُجِرَ عَلَيْهِ فِيهَا وَمُنِعَ مِنَ التصرف فيها ما كان حياً، ولم يملك عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ، فَإِنْ قُتِلَ بِالرِّدَّةِ أَوْ مَاتَ عَلَيْهَا صَارَتْ فَيْئًا لِأَهْلِ الْفَيْءِ لَا حق فيها لورثته، وقد قدمت ذِكْرَ الْخِلَافِ فِيهِ وَالدَّلَالَةِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً مُمْتَنِعِينَ وَظَفِرَ الْمُسْلِمُونَ فِي مُحَارَبَتِهِمْ بِأَمْوَالِهِمْ لم يجز أن يمتلكها الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ مَا بَقُوا أَحْيَاءً عَلَى رِدَّتِهِمْ؛ لِجَوَازِ اسْتِحْقَاقِهِمْ لَهَا إِنْ أَسْلَمُوا وَكَانَتْ مَوْقُوفَةً عَلَيْهِمْ، فَإِنْ مَاتُوا عَلَى رِدَّتِهِمْ صَارَتْ أَمْوَالُهُمْ فَيْئًا، فَإِنْ طَلَبَهُ الْغَانِمُونَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَسَّمَ فِيهِمْ مَا مَلَكَهُ الْمُرْتَدُّونَ قَبْلَ رِدَّتِهِمْ، وَفِي قَسْمِ مَا مَلَكُوهُ بَعْدَ الرِّدَّةِ وَجْهَانِ مخرجان من اختلاف القولين في استرقاق المولدين مِنْ ذَرَارِيِّهِمْ بَعْدَ الرِّدَّةِ.

(فَصْلٌ)

فَأَمَّا أَوْلَادُ الْمُرْتَدِّينَ فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ بَالِغًا وَقْتَ الرِّدَّةِ لَمْ يَصِرْ مُرْتَدًّا بِرِدَّةِ أَبِيهِ كَمَا لَا يَصِيرُ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِهِ، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ غَيْرَ بَالِغٍ نُظِرَ فِي أُمِّهِ فَإِنْ كَانَتْ مُسْلِمَةً كَانَ الْوَلَدُ مُسْلِمًا؛ لِإِجْرَاءِ حُكْمِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ بِإِسْلَامِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى) وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ مُرْتَدَّةً كَأَبِيه جَرَى عَلَى الْوَلَدِ حُكْمُ الرِّدَّةِ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْبَالِغِ مُلْحَقٌ بِأَبَوَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ.
فَأَمَّا اسْتِرْقَاقُهُ فَإِنْ وُلِدَ فِي حَالِ إِسْلَامِهِمَا أَوْ إِسْلَامِ أَحَدِهِمَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُسْتَرَقَّ كَمَا لَمْ يَجُزِ اسْتِرْقَاقُ أَبَوَيْهِ؛ لِمَا ثَبَتَ لَهُمَا مِنْ حُرْمَةِ الْإِسْلَامِ الْمُتَقَدِّمِ، وَإِنْ وُلِدَ بَعْدَ رِدَّتِهِمَا فَفِي جَوَازِ اسْتِرْقَاقِهِ قَوْلَانِ: أحدهما: يجوز استرقاقه؛ لأنه كافر وولده كافر كالحربي.
والقول الثاني: لا يجوز استرقاقهما لِأَنَّ الْوَلَدَ تَبَعٌ لِأَبَوَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمَا فَلَمْ يَجُزِ اسْتِرْقَاقُهُ، وَلَا فَرْقَ فِي الْقَوْلَيْنِ بَيْنَ وِلَادَتِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَدَارِ الْحَرْبِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ إِذَا وُلِدَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ إِذَا

وُلِدَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الدَّارِ جَارٍ عَلَى أَهْلِهَا لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مَنَعَتْ دَارُ الْإِسْلَامِ مَا فِيهَا وَأَبَاحَتْ دَارُ الشرك مَا فِيهَا) وَدَلِيلُنَا: هُوَ أَنَّ الدَّارَ لَا تُبِيحُ مَحْظُورًا وَلَا تَحْظُرُ مُبَاحًا؛ لِأَنَّ مُسْلِمًا لَوْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ لَمْ يُسْتَبَحِ اسْتِرْقَاقُهُ وقتله، ولو دخل حربي دار الإسلام لم يحرم اسْتِرْقَاقُهُ وَقَتْلُهُ فَنَقُولُ: كُلُّ مَنْ جَازَ اسْتِرْقَاقُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ جَازَ اسْتِرْقَاقُهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَالْحَرْبِيِّ، وَكُلُّ مَنْ حَرُمَ اسْتِرْقَاقُهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ حَرُمَ اسْتِرْقَاقُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَالْمُسْلِمِ، فَيَدُلُّ الْقِيَاسُ الْأَوَّلُ عَلَى جَوَازِ اسْتِرْقَاقِهِ فِي الدَّارَيْنِ، وَيَدُلُّ الْقِيَاسُ الثَّانِي عَلَى الْمَنْعِ مِنَ اسْتِرْقَاقِهِ فِي الدَّارَيْنِ، وَبَطَلَ بِهِمَا فُرْقَةُ بين الدارين.

(فصل)

ويجبر ولد المرتدة عَلَى الْإِسْلَامِ وَلَا يُقَرُّ عَلَى الْكُفْرِ غُلَامًا كَانَ أَوْ جَارِيَةً، وَكَذَلِكَ وَلَدُ وَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُجْبَرُ الْغُلَامُ عَلَى الْإِسْلَامِ دُونَ الْجَارِيَةِ، وَيُجْبَرُ الْوَلَدُ عَلَى الْإِسْلَامِ دُونَ وَلَدِ الْوَلَدِ إِلَّا أَنْ يُولَدَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَا يُجْبَرُ الْوَلَدُ وَلَا وَلَدُ الولد غلاماً كان أو جارية، وفرق بَيْنَ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ بِأَنَّ الْجَارِيَةَ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهَا وَالْغُلَامَ لَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ، وَبَنَاهُ عَلَى أَصْلِهِ في عبدة الأوثان.
وفرق بين الولد وولد الولد بأن الولد تبع أَبَاهُ فِي الْإِسْلَامِ وَوَلَدُ الْوَلَدِ لَا يَتْبَعُ جَدَّهُ فِي الْإِسْلَامِ عِنْدَهُ، وَفَرَّقَ بَيْنَ دَارِ الْحَرْبِ وَدَارِ الْإِسْلَامِ بِأَنَّ دَارَ الْحَرْبِ مُبِيحَةٌ ودار الإسلام حاظرة، وكل هذا الْفُرُوقِ بَنَاهَا عَلَى أُصُولٍ يُخَالَفُ فِيهَا، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهُ فِي بَعْضِهَا، وَيَأْتِي الْكَلَامُ في باقيها.

(مسألة)

قال الشافعي: " وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، وَأَرَادَ بِذَلِكَ اسْتِوَاءَ الْمُرْتَدِّ وَالْمُرْتَدَّةِ فِي أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَرْأَةَ تُقْتَلُ بِالرِّدَّةِ كَالرَّجُلِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تُقْتَلُ الْمَرْأَةُ بالردة، وقد مضى الكلام فِيهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهَا بِالرِّدَّةِ وَتُؤْخَذُ بِالْإِسْلَامِ جَبْرًا، سَوَاءٌ أَقَامَتْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ لَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهَا إِذَا لَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ وَلَا تُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ بَعْدَ الِاسْتِرْقَاقِ وَهَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ لَمْ يَجُزِ اسْتِرْقَاقُهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَجُزِ اسْتِرْقَاقُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَالْمُسْلِمِ طَرْدًا وَالْحَرْبِيِّ عَكْسًا، ولأن مَنْ جَرَى عَلَيْهِ حُكْمُ الْإِسْلَامِ حَرُمَ اسْتِرْقَاقُهُ بالردة كالرجل.
(مسألة) قال الشافعي: " وَمَا أَصَابَ أَهْلُ الرِّدَّةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي حَالِ الرِّدَّةِ وَبَعْدَ إِظْهَارِ التَّوْبَةِ فِي قِتَالٍ وهم ممتنعون أو غير قتال أو على نائرة أو غيرها سواء والحكم

عَلَيْهِمْ كَالْحُكْمِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لَا يَخْتَلِفُ فِي الْقَوَدِ وَالْعَقْلِ وَضَمَانِ مَا يُصِيبُونَ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) هَذَا خِلَافُ قَوْلِهِ فِي بَابِ قِتَالِ أَهْلِ البغي (قال الشافعي) فإن قيل فما صنع أبو بكر في أهل الردة؟ قيل قال لقوم جاؤوه تائبين تَدُونَ قَتْلَانَا وَلَا نَدِي قَتْلَاكُمْ فَقَالَ عُمَرُ لا نأخذ لقتلانا دية فإن قيل فما قوله تدون؟ قيل إن كانوا يصيبون غير متعمدين ودوا وإذا ضمنوا الدية في قتل غير عمد كان عليهم القصاص في قتلهم متعمدين وهذا خلاف حكم أهل الحرب عند أبي بكر الصديق رضي الله عنه فإن قيل فلا نعلم منهم أحداً أقيد بأحد قيل ولا يثبت عليه قتل أحد بشهادة ولو ثبت لم نعلم حاكماً أبطل لولي دما طلبه والردة لا تدفع عنهم قوداً ولا عقلا ولا تزيدهم خيراً إن لم تزدهم شراً (قال المزني) هذا عندي أقيس من قوله في كتاب قتال أهل البغي يطرح ذلك كله لأن حكم أهل الردة أن نردهم إلى حكم الإسلام ولا يرقون ولا يغنمون كأهل الحرب فكذلك يقاد منهم ويضمنون) . قال الماوردي: أما مَا أَتْلَفَهُ الْمُرْتَدُّونَ وَأَهْلُ الْبَغْيِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ دَمٍ وَمَالٍ وَهُمْ فِي غَيْرِ مَنَعَةٍ فَمَضْمُونٌ عَلَيْهِمْ بِالْقَوَدِ فِي الدِّمَاءِ وَالْغُرْمِ فِي الْأَمْوَالِ، وَمَا أَتْلَفُوهُ وَهُمْ فِي مَنَعَةٍ وَالْمَنَعَةُ أن لا يقدر الإمام عليه حَتَّى يَسْتَعِدَّ لِقِتَالِهِمْ فَفِي ضَمَانِهِ عَلَى أَهْلِ الْبَغْيِ قَوْلَانِ مَضَيَا فِي قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ.
فَأَمَّا ضَمَانُهُ عَلَى أَهْلِ الرِّدَّةِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ، وَأَكْثَرِ الْبَغْدَادِيِّينَ أَنَّ فِي وُجُوبِ ضَمَانِهِ عليهم قولين كأهل البغي سواء.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَامِدٍ الْمَرْوَزِيِّ، وَأَبِي الْقَاسِمِ الصَّيْمَرِيِّ، وَأَكْثَرِ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّهُ مَضْمُونٌ عليه قَوْلًا وَاحِدًا وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَاخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ.
وَإِنْ كَانَ ضَمَانُ أَهْلِ الْبَغْيِ عَلَى قولين الفرق بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ لِأَهْلِ الْبَغْيِ تأويلاً محتملاً، وليس لأهل الردة تأويلاً مُحْتَمِلٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّ لِأَهْلِ الْبَغْيِ إِمَامًا تُنَفَّذُ أَحْكَامُهُ وَلَيْسَ لِأَهْلِ الرِّدَّةِ إِمَامٌ تُنَفَّذُ أَحْكَامُهُ.
فَإِنْ قِيلَ: بِسُقُوطِ ضَمَانِهِ عَنْهُمْ وَهُوَ مَحْكِيٌّ عن الشافعي في سير الأوزاعي فوجهه قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأَهْلِ الرِّدَّةِ: تَدُونَ قَتْلَانَا وَلَا نَدِي قَتْلَاكُمْ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَا نَأْخُذُ لِقَتْلَانَا دِيَةً، فَسَكَتَ أَبُو بَكْرٍ رِضًا بِقَوْلِهِ وَرُجُوعًا إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ طُلَيْحَةَ قَتَلَ فِي رِدَّتِهِ عُكَّاشَةَ بْنَ مِحْصَنٍ وَثَابِتَ بْنَ أَقْرَمَ وَفِيهِمَا يَقُولُ طُلَيْحَةُ الْأَسَدِيُّ حِينَ قَتَلَهُمَا:

(عشية غادرت ابن اقرم ثاوياً ... وعكاشة الغنمي تحت مجال)

(أقمت له صدر الجمالة إنها ... معودة قبل الكماة نزال)

(فيوم نراها في الجلال مصونة ... ويوم تراها في ظلال عوال)

ثُمَّ أَسْلَمَ فَلَمْ يُؤْخَذْ بِدَمِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، ولأنه إسلام عَنْ كُفْرٍ فَوَجَبَ أَنْ يُمْنَعَ ضَمَانُ مَا اسْتَهْلَكَ فِي الْكُفْرِ كَأَهْلِ الْحَرْبِ، وَلِأَنَّ فِي تَضْمِينِهِمْ مَا اسْتَهْلَكُوهُ تَنْفِيرًا لَهُمْ عَنِ الْإِسْلَامِ وهم مرغبون فيه فوجب أن لا يؤخذوا بِمَا يَمْنَعُهُمْ مِنَ الدُّخُولِ فِيهِ، وَإِذَا قِيلَ بِوُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَيْهِمْ وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ في أكثر الكتب فوجهه قول أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأَهْلِ الرِّدَّةِ: تَدُونَ قَتْلَانَا وَلَا نَدِي قَتْلَاكُمْ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ عَارَضَهُ عُمَرُ فَقَالَ: لَا نَأْخُذُ لِقَتْلَانَا دِيَةً قِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عمر رضي الله عنه قَالَ ذَلِكَ تَفَضُّلًا عَلَيْهِمْ كَعَفْوِ الْأَوْلِيَاءِ فَلَمْ يكن فيه مخالفاً لِحُكْمِ أَبِي بَكْرٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ عَمِلَ بِقَوْلِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتَصَّ مِنْهُمْ وَلَمْ يُغَرِّمْهُمْ.
قِيلَ: الْقِصَاصُ وَالْغُرْمُ حَقٌّ لِغَيْرِهِ وَلَمْ يَأْتِهِ مُطَالِبٌ بِحَقِّهِ مِنْهُ فَمَنَعَهُ فَلَمْ يَكُنْ فِي الشرك إِسْقَاطٌ لِلْوُجُوبِ، وَمِنَ الِاعْتِبَارِ أَنَّ كُلَّ مَنْ ضَمِنَ مَا أَتْلَفَهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي مَنَعَةٍ ضَمِنَ وَإِنْ كَانَ فِي مَنَعَةٍ كَالْمُسْلِمِ طَرْدًا وَالْحَرْبِيِّ عَكْسًا، وَلِأَنَّ الرِّدَّةَ إِنْ لَمْ تَزِدْهُ شَرًّا لَمْ تُفِدْهُ خَيْرًا وَهُوَ يَضْمَنُ قَبْلَ الرِّدَّةِ فَكَانَ ضَمَانُهُ بَعْدَهَا أَوْلَى.

(مَسْأَلَةٌ)

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَإِذَا قَامَتْ لِمُرْتَدٍّ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ أَظْهَرَ الْقَوْلَ بِالْإِيمَانِ ثُمَّ قَتَلَهُ رَجُلٌ يَعْلَمُ تَوْبَتَهُ أَوْ لَا يَعْلَمُهَا فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْمُرْتَدُّ إِذَا كَانَ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْتُلَهُ إِلَّا الْإِمَامُ؛ لِأَنَّ قَتْلَهُ حَدٌّ فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْحُدُودِ التي تختص الْأَئِمَّةُ بِإِقَامَتِهَا، وَإِنْ كَانَ الْمُرْتَدُّ مُحَارِبًا فِي مَنَعَةٍ جَازَ أَنْ يَقْتُلَهُ كُلُّ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَخْتَصَّ الْإِمَامُ بِقَتْلِهِ كَمَا يَجُوزُ قَتْلُ أَهْلِ الْحَرْبِ.
فَإِذَا قَتَلَ مُسْلِمٌ مُرْتَدًّا فادعى وليه أنه قد كان أسلم وأنكر القاتل إسلامه فإن لم يكن لِوَلِيِّهِ بَيِّنَةٌ عَلَى إِسْلَامِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَاتِلِ فِي بَقَاءِ رِدَّتِهِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي قَتْلِهِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي مَنَعَةٍ أَوْ غَيْرِ مَنَعَةٍ، فَإِنْ أَقَامَ وَلِيُّهُ الْبَيِّنَةَ عَلَى إِسْلَامِهِ فَإِنْ عَلِمَ الْقَاتِلُ بِإِسْلَامِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ بإسلامه قال الشافعي ها هنا؛ وَفِي كِتَابِ " الْأُمِّ) أَنَّ عَلَيْهِ الْقَوَدَ، وَقَالَ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ: لَا قَوَدَ عَلَيْهِ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي اخْتِلَافِ ذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ اخْتِلَافَ نَصِّهِ مُوجِبٌ لِاخْتِلَافِ قَوْلِهِ فَيَكُونُ وُجُوبُ الْقَوَدِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: لَا قَوْدَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ تَقَدُّمَ الرِّدَّةِ شُبْهَةٌ فِي سُقُوطِ الْقَوَدِ فَأَشْبَهَ الْحَرْبِيَّ إِذَا أَسْلَمَ وَقَتَلَهُ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِإِسْلَامِهِ سَقَطَ عَنْهُ الْقَوَدُ وَضَمِنَهُ بِالدِّيَةِ كَذَلِكَ إِسْلَامُ الْمُرْتَدِّ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ أَصَحُّ؛ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّ نَفْسَهُ فِي الطَّرَفَيْنِ مَحْظُورَةٌ وَإِبَاحَتُهَا مَخْصُوصَةٌ فَاقْتَضَى عُمُومُ الْحَظْرِ وُجُوبَ الْقَوَدِ، وَلَا يَسْقُطُ بِخُصُوصِ الْإِبَاحَةِ، وَبِذَلِكَ خَالَفَ حُكْمَ الْحَرْبِيِّ الَّذِي هُوَ عَلَى عُمُومِ الْإِبَاحَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ اخْتِلَافَ نَصِّهِ مَحْمُولٌ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ، وَمَنْ قَالَ بِهَذَا اخْتَلَفُوا فِيهَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي أَسْقَطَ فِيهِ الْقَوَدَ إِذَا كَانَتْ آثَارُ الرِّدَّةِ عَلَيْهِ بَاقِيَةً مِنْ قَيْدٍ أَوْ حَبْسٍ وَالْمَوْضِعُ الَّذِي أَوْجَبَ فِيهِ الْقَوَدَ إِذَا زَالَتْ عَنْهُ آثَارُ الرِّدَّةِ فَلَمْ يبق فيه قيد ولا حبس ولا اعتبار بِشَاهِدِ حَالِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي: أن الموضع الذي أسقط فيه القود إذا كَانَ فِي مَنَعَةٍ وَالْمَوْضِعَ الَّذِي أُوجِبَ فِيهِ الْقَوَدُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي مَنَعَةٍ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ قَتْلِ غَيْرِ الْمُمْتَنِعِ وَغَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنْ قَتْلِ الْمُمْتَنِعِ فَأجْرى عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَمْكِينٍ وَمَنْعٍ.

(فَصْلٌ)

فَأَمَّا إِذَا قَتَلَ مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا قَدْ أَسْلَمَ وَلَمْ يَعْلَمْ بِإِسْلَامِهِ أَوْ قَتَلَ حُرٌّ عَبْدًا قَدْ أُعْتِقَ وَلَمْ يَعْلَمْ بِعِتْقِهِ فَفِي وُجُوبِ الْقَوَدِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَسْقُطُ الْقَوَدُ بِالشُّبْهَةِ وتكمل الدِّيَةُ حَالَّةً.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجِبُ الْقَوَدُ لِمُصَادَفَةِ الْقَتْلِ الْمَحْظُورِ شُرُوطَ الْقَوَدِ.

(فَصْلٌ)

وَإِذَا أُكْرِهَ الْمُسْلِمُ عَلَى كَلِمَةِ الْكُفْرِ لَمْ يَصِرْ بِهَا كَافِرًا، وَكَانَ عَلَى إِسْلَامِهِ بَاقِيًا، وَلَمْ تَبِنْ زَوْجَتُهُ، وَوَافَقَ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى بَقَائِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَخَالَفَ فِي نِكَاحِ زَوْجَتِهِ فَأَبْطَلَهُ اسْتِحْسَانًا لَا قِيَاسًا.
وَالدَّلِيلُ عَلَى بَقَائِهِ عَلَى إِسْلَامِهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل: 106] الآية وفي الآية تقديم وتأخير فترتيبها: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ وَشَرَحَ بالكفر صدره فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، فاستثناء الْمُكْرَهِ عَلَى الْكُفْرِ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ عَلَى إِيمَانِهِ.
وَقِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ حِينَ أَكْرَهَتْهُ قُرَيْشٌ بِمَكَّةَ مَعَ أبويه على الكفر، فامتنع أبواه فقتلا، وأجاب إليه عمار فأطلق والدليل على بقاء نكاحه على

الصِّحَّةِ، أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُؤَثِّرِ الْإِكْرَاهُ فِي إِيمَانِهِ وَهُوَ أَصْلٌ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يُؤَثِّرَ فِي نِكَاحِهِ وَهُوَ فَرْعٌ، فَأَمَّا إِذَا أَظْهَرَ المسلم كلمة الكفر ولم يعلم إكراهه عليها ولا اعتقاده لها فَإِنْ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ حُكِمَ بِكُفْرِهِ وَرِدَّتِهِ؛ لِأَنَّ دَارَ الْإِسْلَامِ لَا إِكْرَاهَ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ رُوعِيَتْ حَالُهُ، فَإِنْ تَلَفَّظَ بِهَا وَهُوَ عَلَى صِفَةِ الْإِكْرَاهِ فِي قَيْدٍ أَوْ حَبْسٍ فَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ تَلَفَّظَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ مُكْرَهًا، فَلَا يُحْكَمُ بِرِدَّتِهِ إِلَّا أَنْ يُعْلَمَ اعْتِقَادُهُ لِلْكُفْرِ وَإِنْ كَانَ عَلَى صِفَةِ الِاخْتِيَارِ مُخْلَى السَّبِيلِ فَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ تَلَفَّظَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ مُخْتَارًا فَيُحْكَمُ بِرِدَّتِهِ إِلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ قَالَهَا مُكْرَهًا.

(فَصْلٌ)

وَإِذَا أُكْرِهَ الْكَافِرُ عَلَى الْإِسْلَامِ فَتَلَفَّظَ بِالشَّهَادَتَيْنِ مُكْرَهًا فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ لِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ وَذَلِكَ فِيمَنْ يَجُوزُ إِقْرَارُهُ عَلَى كُفْرِهِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَأَصْحَابِ الْعَهْدِ، فَلَا يَصِيرُ بِالْإِكْرَاهِ مُسْلِمًا لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ التَّعَدِّي بِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْإِكْرَاهُ عَلَيْهِ بِاسْتِحْقَاقٍ كَإِكْرَاهِ الْمُرْتَدِّ وَإِكْرَاهِ مَنْ جَازَ قَتْلُهُ مِنْ أَسْرَى أَهْلِ الْحَرْبِ فَيَصِيرُ بِالْإِكْرَاهِ مُسْلِمًا لِخُرُوجِهِ عَنِ التَّعَدِّي.
وَمِثَالُهُ الْإِكْرَاهُ على الطلاق وإن كَانَ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ لَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ، وَإِنْ كان باستحقاق في المولى وقع الطلاق، والله أعلم.
(فَصْلٌ) وَإِذَا ارْتَدَّ الْمُسْلِمُ ثُمَّ تَابَ ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ تَابَ وَكَثُرَ ذَلِكَ مِنْهُ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ، وَلَوِ ارْتَدَّ مِائَةَ مَرَّةٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْجَمَاعَةِ.
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: لَا أَقْبَلُ تَوْبَتَهُ فِي الثَّالِثَةِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كفروا ثم ازدادو كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء: 137] وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ [النساء: 137] يُرِيدُ بِهَ الكفر الثالث.
ودليلنا قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ.
وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ) وَلِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْإِسْلَامِ وَإِنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ الْكُفْرُ فَوَجَبَ أَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ مَا أَقَرَّ بِهِ كَقَبُولِهِ مِنْ غَيْرِهِ، فأما الآية فهي فيمن أراد كُفْرًا وَلَمْ يُحْدِثْ إِيمَانًا فَلَمْ يَكُنْ فِيهَا دَلِيلٌ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ إِسْلَامَهُ مَقْبُولٌ وَإِنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ بَعْدَ الرِّدَّةِ الثَّانِيَةِ وَمَا يَلِيهَا مِنْ كُلِّ رِدَّةٍ وَلَا يُحْبَسُ.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا أُعَزِّرُهُ فِي الثَّانِيَةِ وَأَحْبِسُهُ فِي الثَّالِثَةِ وَمَا بَعْدَهَا، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ لَا وَجْهَ لَهُ، لِأَنَّ الْحَبْسَ لَا يَكُفُّهُ عَنِ الرِّدَّةِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ تَأْثِيرٌ وَهُوَ فِي الثَّانِيَةِ مُتَهَاوِنٌ بِالدِّينِ كَهُوَ فِي الثالثة فاقتضى التعزير فيها كما يعزر في الثالثة والله أعلم.

(كِتَابُ صَوْلِ الْفَحْلِ)

(بَابُ دَفْعِ الرَّجُلِ عَنْ نفسه وحريمه ومن يتطلع في بيته)

قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " إِذَا طَلَبَ الْفَحْلُ رجلاً ولم يقدر على دفعه إلا بقتله فقتله لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ غُرْمٌ كَمَا لَوْ حَمَلَ عليه مسلم بالسيف فلم يَقْدِرْ عَلَى دَفْعِهِ إِلَّا بِضَرْبِهِ فَقَتَلَهُ بِالضَّرْبِ أنه هدر قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ) فَإِذَا سَقَطَ عَنْهُ الْأَكْثَرُ لِأَنَّهُ دَفَعَهُ عَنْ نَفْسِهِ بما يَجُوزُ لَهُ كَانَ الْأَقَلُّ أَسْقَطَ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا خَافَ الإنسان عل نفسه من طالب لقتله أو قاطع لطرقه أَوْ جَارِحٍ لِبَدَنِهِ أَوْ خَافَهُ عَلَى وَلَدِهِ أَوْ زَوْجَتِهِ فَلَهُ دَفْعُ الطَّالِبِ عَلَى مَا سَنَصِفُهُ وَإِنْ أَفْضَى الدَّفْعُ إِلَى قَتْلِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الطَّالِبُ آدَمِيًّا مُكَلَّفًا كَالْبَالِغِ الْعَاقِلِ أَوْ كَانَ غَيْرَ مُكَلَّفٍ كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ أَوْ كَانَ بَهِيمَةً كَالْفَحْلِ الصَّائِلِ وَالْبَعِيرِ الْهَائِجِ لِمَا هُوَ مَأْمُورٌ بِهِ مِنْ إِحْيَاءِ نَفْسِهِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29] وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مِنَ الْمُسْلِمِ مَالَهُ وَدَمَهُ) . وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ جَارِيَةً خَرَجَتْ مِنَ الْمَدِينَةِ تَحْتَطِبُ فَتَبِعَهَا رَجُلٌ فَرَاوَدَهَا عَنْ نَفْسِهَا، فَرَمَتْهُ بفهر فقتلته فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فقال: هذا قتيل الله والله لا يؤدي أبداً، ومعنى " قَتِيلُ اللَّهِ) : أَيْ أَبَاحَ اللَّهُ قَتْلَهُ، وَفِي قوله: " والله لا يؤدي أَبَدًا) تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ خَارِجٌ مَخْرَجَ الْقَسَمِ بالله أنه لا يغرم دِيَتَهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ إِخْبَارٌ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى أن من أباح قتله لم يغرم دِيَتُهُ، وَلِأَنَّ الطَّلَبَ جِنَايَةٌ وَعُقُوبَةُ الْجَانِي مُبَاحَةٌ.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ دَفْعِهِ بِالْقَتْلِ وَهُوَ متفق عليه كانت نفسه هدراً مُكَلَّفًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُكَلَّفٍ.

وقال أبو حنيفة: إن كان آدمياً كَالْبَالِغِ الْعَاقِلِ كَانَتْ نَفْسُهُ هَدَرًا، حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُكَلَّفٍ كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ أَوْ كَانَ بَهِيمَةً كَالْفَحْلِ الصَّائِلِ كَانَتْ نفسه مع إباحة قتله مضمونة بدية الأذى وَقِيمَةِ الْبَهِيمَةِ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نفس منه) . وهذا المال مستهلك على مالكه بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ مضموناً على مستهلكة قال: ولأنه استهلك ملك غَيْرِهِ لِإِحْيَاءِ نَفْسِهِ فَوَجَبَ إِذَا كَانَ بِغَيْرِ إِذْنِ مَالِكِهِ أَنْ يَكُونَ مُلْتَزِمًا لِضَمَانِهِ كَالْمُضْطَرِّ إِلَى طَعَامِ غَيْرِهِ، وَهَذَا أَوْلَى بِالضَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ إِحْيَاءِ نَفْسِهِ بِأَكْلِ الطَّعَامِ وَعَلَى غَيْرِ يَقِينٍ مِنْ إِحْيَاءِ نَفْسِهِ بِهَذَا الْقَتْلِ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَنْدَفِعَ عَنْهُ بِغَيْرِ قَتْلٍ، فَلَمَّا ضَمِنَ مَا يَتَيَقَّنُ بِهِ الْحَيَاةَ كَانَ أولى أن يضمن مالا يَتَيَقَّنُ بِهِ الْحَيَاةَ قَالَ: وَلِأَنَّ الْبَهِيمَةَ لَا قَصْدَ لَهَا؛ لِأَنَّهَا لَوْ أَتْلَفَتْ شَيْئًا وَلَيْسَ صاحبها معها كَانَ هَدَرًا لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " جَرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ) فَإِذَا بَطَلَ قَصْدُهَا سَقَطَ حكم الصول فَصَارَ كَالْقَاتِلِ لَهَا بِغَيْرِ صَوْلٍ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ.
وَدَلِيلُنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 91] وَهَذَا بِالدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهِ مُحْسِنٌ فَوَجَبَ أَنْ لا يكون عليه سبيل في الغرم وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: 41] . فَإِنْ قِيلَ: لَا يُنْسَبُ إِلَى غَيْرِ الْمُكَلَّفِ ظُلْمٌ.
قِيلَ: الظُّلْمُ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَصَارَ الدَّافِعُ مَظْلُومًا وَإِنْ لَمْ يُنْسَبْ إِلَى الْمَدْفُوعِ يرفع الْقَلَمِ عَنْهُ ظُلِمَ وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قال: " لا يحل ما امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ) فَاقْتَضَى ظَاهِرُهُ أَنْ لَا يُؤْخَذَ مِنْهُ غُرْمٌ مَا لَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ بِهِ.
وَمِنَ الِاعْتِبَارِ: أَنَّهُ إِتْلَافٌ بِدَفْعٍ مُبَاحٍ فَوَجَبَ أَنْ يَسْقُطَ فِيهِ الضَّمَانُ قِيَاسًا عَلَى قَتْلِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ الْمُكَلَّفِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْمَعْنَى فِي الْمُكَلَّفِ أَنَّهُ قَدْ أَبَاحَ قَتْلَ نَفْسِهِ بِالطَّلَبِ وَلَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ إِبَاحَةُ نَفْسِهِ بِالطَّلَبِ؛ لِأَنَّهُ لَا حكم لقصده.

قِيلَ: افْتِرَاقُهُمَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَمَّا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ اسْتِوَائِهِمَا فِي إِبَاحَةِ الْقَتْلِ لَمْ يَمْنَعْ مِنَ اسْتِوَائِهِمَا فِي سُقُوطِ الضَّمَانِ، وَلِأَنَّهُ قتل مباح بسبب كان من الصول فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ هَدْرًا كَالْقَتْلِ بِالرِّدَّةِ وَالزِّنَا، وَلِأَنَّ مَا سَقَطَ بِهِ ضَمَانُ الْآدَمِيِّ سَقَطَ بِهِ ضَمَانُ الْبَهِيمَةِ قِيَاسًا عَلَى قَتْلِ الصَّيْدِ إِذَا صَالَ عَلَى مُحْرِمٍ لَمْ يُضْمَنْ بِالْجَزَاءِ كَذَلِكَ الْبَهِيمَةُ الْمَمْلُوكَةُ لَا تُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَتْلُ الصَّيْدِ فِي الْإِحْرَامِ مَضْمُونٌ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَكَانَ أَخَفَّ حُكْمًا مِنَ الْمَضْمُونِ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ.
قِيلَ: لَمَّا لَمْ يَمْنَعْ هَذَا مِنَ اسْتِوَائِهِمَا فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ إذا اضطر إلى إتلافها لِشِدَّةِ جُوعِهِ لَمْ يَمْنَعْ مِنَ اسْتِوَائِهِمَا فِي سقوط الضمان إذا قتلها لِلدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهِ، وَلِأَنَّ حُرْمَةَ الْآدَمِيِّ أَغْلَظُ مِنْ حُرْمَةِ الْبَهِيمَةِ لِضَمَانِ نَفْسِهِ بِالْكَفَّارَةِ وَالدِّيَةِ وَانْفِرَادِ ضَمَانِ الْبَهِيمَةِ بِالْقِيمَةِ، فَلَمَّا سَقَطَ بِالدَّفْعِ ضَمَانُ الْأَغْلَظِ كَانَ أَوْلَى أَنْ يَسْقُطَ بِهِ ضَمَانُ الْأَخَفِّ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى أكل المضطر فمن وجهين: أحدهما: انتفاضه بالعبد إذا قتله دفاعاً عَنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَحْيَا نَفْسَهُ بِقَتْلِ مَالِ غَيْرِهِ وَلَا يَضْمَنُهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ سلم من هذا النقص لكان لهذا الْمَعْنَى فِي الطَّعَامِ أَنَّهُ أَتْلَفَهُ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ وَهُوَ ضَرُورَةُ جُوعِهِ.
وَالْمَعْنَى فِي صَوْلِ الْفَحْلِ أَنَّهُ قَتَلَهُ لِمَعْنًى فِي الْفَحْلِ وَهُوَ مخافة صوله فافترقا في المعنى من هذا الوجه، فوجب افْتِرَاقهُمَا فِي الضَّمَانِ كَالْعَبْدِ إِذَا قَتَلَهُ لِلْجُوعِ ضَمِنَهُ، وَلَوْ قَتَلَهُ لِلدَّفْعِ لَمْ يَضْمَنْهُ، وَكَالصَّيْدِ إِذَا قَتَلَهُ الْمُحْرِمُ لِجُوعِهِ ضَمِنَهُ، وَلَوْ قَتَلَهُ لِلدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِأَنَّ قَصْدَ الْبَهِيمَةِ لَا حُكْمَ له فمن وجهين: أحدهما: انتفاضة بِصَوْلِ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ يَسْقُطُ بِهِ الْجَزَاءُ وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ لَوْ لَمْ يَصُلْ.
وَالثَّانِي: أنه لما حل قتله بصوله وَلَمْ يَحِلَّ إِذَا لَمْ يَصُلْ دَلَّ عَلَى سقوط الضمان بصوله إِذَا لَمْ يَصُلْ.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا ثَبَتَ سُقُوطُ الضمان في تلف المدفوع من آدمي وبهيمة فَالْكَلَامُ فِيهِ يَشْتَمِلُ عَلَى بَيَانِ أَرْبَعَةِ أَحْكَامٍ: أحدها: صفة الحال التي يجوز فيها الدفع، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الطَّالِبُ قَادِرًا عَلَى

المطلوب يصل إليه إذا أراده، فأما أن كَانَ عَاجِزًا عَنْهُ فَلَيْسَ لِلْمَطْلُوبِ أَنْ يَدْفَعَ؛ لِأَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِلطَّلَبِ وَالْعَجْزُ يَكُونُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: خَوْفُ السُّلْطَانِ مِنَ الْمُجَاهَرَةِ بِالطَّلَبِ فَيَسْتَخْفِي تَوَقُّعًا لِاخْتِلَاسِهِ فَلَيْسَ لِلْمَطْلُوبِ الدَّفْعُ، وَيَكِلُهُ إِلَى السُّلْطَانِ فِيمَا يَخَافُهُ مِنَ اخْتِلَاسِهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَعْجَزَ عَنْهُ لِامْتِنَاعِهِ مِنْهُ بِحِصْنٍ يَأْوِي إِلَيْهِ أَوْ جَبَلٍ يَرْقَاهُ أَوْ عَشِيرَةٍ يَنْضَمُّ إِلَيْهَا فَلَيْسَ لَهُ الدَّفْعُ؛ لِأَنَّهُ مَدْفُوعٌ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا نَهْرٌ مَانِعٌ نُظِرَ فِيهِ، فإن كان واسعاً لاتصل إِلَيْهِ سِهَامُهُ إِلَّا بِالْعُبُورِ إِلَيْهِ كَدِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِدَفْعِهِ مَا لَمْ يَعْبُرْ إِلَيْهِ إِذَا لَمْ يَقْدِرِ الْمَطْلُوبُ أَنْ يَبْعُدَ عَنْ سهام الطالب، فإن قدر على البعد منها مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ كَفَّ عَنْهُ وَبَعُدَ مِنْهُ.

(فَصْلٌ)

وَالْحُكْمُ الثَّانِي: فِي الَّذِي يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَهُ عَنْهُ، وَهُوَ أَنْ يَدْفَعَهُ إِذَا أَرَادَ نَفْسَهُ أَوْ وَلَدَهُ أَوْ زَوْجَتَهُ لِقَتْلٍ أَوْ فَاحِشَةٍ أَوْ أَذًى أَوْ أَرَادَ مَالَهُ أَوْ حَرِيمَهُ أَوْ مَا هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْهُ، فيكون حُكْمُ دَفْعِهِ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَحُكْمِ دَفْعِهِ عَنْ نَفْسِهِ، وَحُكْمُ دَفْعِهِ عَنِ الْمَالِ وَالْحَرِيمِ كَحُكْمِ دَفْعِهِ عَنِ النُّفُوسِ؛ لِرِوَايَةِ سَعِيدِ بْنُ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ) . والشهيد: من كان له القتال وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " أَلَا إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا) فَجَمَعَ بَيْنَ الدَّمِ وَالْمَالِ وَالْعِرْضِ، فَدَلَّ عَلَى اشْتِرَاكِهِمْ فِي حُكْمِ الدَّفْعِ، فَإِنْ كَانَ الطَّالِبُ يَقْصِدُهُ بِالْقَذْفِ وَالسَّبِّ وَلَا يَتَعَدَّاهُ إِلَى نَفْسٍ وَلَا مَالٍ فَلَيْسَ لَهُ دَفْعُهُ بجرح ولا ضرب، ولا مقاتلته عَلَيْهِ بِقَذْفٍ وَلَا سَبٍّ؛ لِأَنَّهُ مَدْفُوعٌ عَنِ الْقَذْفِ بِالْحَدِّ، وَعَنِ السَّبِّ بِالتَّعْزِيرِ، وَكِلَاهُمَا مِمَّا يَقُومُ السُّلْطَانُ بِهِمَا، فَإِنْ بَعُدَا عَنِ السُّلْطَانِ فِي بَادِيَةٍ نَائِيَةٍ فَقَدَرَ عَلَى اسْتِيفَاءِ الْحَدِّ وَالتَّعْزِيرِ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ مُجَاوَزَةٍ فِيهِ جَازَ، لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ فَصَارَ كَالدَّيْنِ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَوَصَّلَ إِلَى أَخْذِهِ إِذَا مُنِعَ مِنْهُ.

(فَصْلٌ)

وَالْحُكْمُ الثَّالِثُ فِي صِفَةِ الدَّفْعِ وَهُوَ مُعْتَبَرٌ بِأَقَلِّ مَا يَنْدَفِعُ بِهِ وَأَقَلُّهُ الْكَلَامُ، فَإِنْ كَانَ يَنْدَفِعُ بِالْكَلَامِ بِالنَّهْيِ وَالْوَعِيدِ ولم يَتَجَاوَزْهُ إِلَى ضَرْبٍ وَلَا جِرَاحٍ، فَإِنْ تَجَاوَزَهُ كَانَ مَأْخُوذًا بِهِ وَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ بِالْكَلَامِ، فإن له أن يتجاوزه إِلَى الضَّرْبِ دُونَ الْجِرَاحِ، وَيُعْتَبَرُ مِنْ عَدَدِ الضَّرْبِ وَصِفَتِهِ قَدْرُ مَا يَنْدَفِعُ بِهِ، فَإِنْ تجاوزه إلى زيادة أو الجراح

فصول الكتاب · 30 فصل · 608 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الحاوي الكبير · 608 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كِتَابُ الْبُيُوعِ
كتاب الإقرار
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كتاب العارية
كتاب الغصب
كِتَابُ الشَّرْطِ فِي الرَّقِيقِ يَشْتَرِطُهُمُ الْمُسَاقِي
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ الْعَطَايَا وَالصَّدَقَاتِ
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب الصداق
كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع
كتاب السير
كتاب مختصر الجامع من كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب النذور
كِتَابُ الْعِتْق
كتاب عتق أمهات الأولاد من كتب
جارٍ التحميل