الحاوي الكبيرصفحات 295-334
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع

صفحات 295-334
عن هذه الطبعة
عَلَم
الماوردي
الكتاب
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
المؤلف
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
المحقق
الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1419 هـ -1999 م
عدد الأجزاء
19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

مَانِعٍ مِنْهَا، وَهَذَا فَسَادٌ، وَفِيهِ انْفِصَالٌ، وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ يَتَفَرَّعُ جَمِيعُ مَا نَذْكُرُهُ.
فَمِنْ فُرُوعِهِ أَنْ يَشْتَرِكَ اثْنَانِ فِي نَقْبِ حِرْزٍ وَيَدْخُلُهُ أَحَدُهُمَا فَيَأْخُذَ السَّرِقَةَ بِيَدِهِ وَلَا يَخْرُجُ مِنَ الْحِرْزِ، وَيَأْخُذُهَا الْآخَرُ مِنْهُ وَلَا يَدْخُلُ فَيُنْظَرُ فَإِنْ كَانَتْ يَدُ الدَّاخِلِ قَدْ خَرَجَتْ بِالسَّرِقَةِ مِنَ الْحِرْزِ قُطِعَ الدَّاخِلُ دُونَ الْخَارِجِ؛ لأنه المخرج مِنَ الْحِرْزِ.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مَعَهَا مِنَ الْحِرْزِ، وَإِنْ كَانَ الْخَارِجُ قَدْ أَدْخَلَ يَدَهُ إِلَى الْحِرْزِ، وَأَخَذَهَا مِنْهُ قُطِعَ الْخَارِجُ دُونَ الدَّاخِلِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُخْرِجُ لَهَا مِنَ الْحِرْزِ.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ إِلَى الْحِرْزِ فَيَسْقُطُ الْقَطْعُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا في الحالين.
وعندنا يجب القطع في الحالين عَلَى الدَّاخِلِ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ، وَعَلَى الْخَارِجِ إِذَا أَدْخَلَ يَدَهُ.

(فَصْلٌ)

إِذَا دَخَلَ الْحِرْزَ بَعْدَ هَتْكِهِ وَفِيهِ مَاءٌ جَارٍ فَوَضَعَ السَّرِقَةَ عَلَى الْمَاءِ فَخَرَجَتْ بِجَرَيَانِ الْمَاءِ قُطِعَ؛ لِأَنَّ الماء يجري بطبع لا اختيار، ولو كان كَانَ الْمَاءُ رَاكِدًا فَحَرَّكَهُ حَتَّى جَرَى وَجَرَى بالسرقة قُطِعَ، وَلَوْ حَرَّكَهُ غَيْرُهُ لَمْ يُقْطَعْ؛ لِأَنَّهَا إِذَا خَرَجَتْ بِحَرَكَتِهِ نُسِبَتْ إِلَى فِعْلِهِ، وَإِذَا خَرَجَتْ بِحَرَكَةِ غَيْرِهِ نُسِبَتْ إِلَى فِعْلِ غَيْرِهِ، وَلَوِ انْفَجَرَ الْمَاءُ الرَّاكِدُ فِي الْحِرْزِ مِنْ غَيْرِ فِعْلِ أَحَدٍ حَتَّى جَرَى فَخَرَجَتْ بِهِ السَّرِقَةُ فَفِي قَطْعِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ سبب خروجها.
والوجه الثاني: لَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ خُرُوجَهَا بِالِانْفِجَارِ الْحَادِثِ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ.

(فَصْلٌ)

وَلَوْ وَضَعَ السَّرِقَةَ فِي النقب فأطارتها الريح حتى خرجت فإن كانت الرِّيحُ عَلَى هُبُوبِهَا عِنْدَ وَضْعِ السَّرِقَةِ قُطِعَ كَالْمَاءِ الْجَارِي، وَإِنْ حَدَثَ هُبُوبِهَا بَعْدَ وَضْعِهَا فَفِي قَطْعِهِ وَجْهَانِ كَانْفِجَارِ الْمَاءِ بَعْدَ رُكُودِهِ، وَمِثْلُهُ رَمْيُ الْهَدَفِ إِذَا أَصَابَهُ السَّهْمُ بِقُوَّةِ الرِّيحِ، فَإِنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً عِنْدَ إِرْسَالِ السَّهْمِ احتسب له بإصابته، وإن حدث بَعْدَ إِرْسَالِهِ فَفِي الِاحْتِسَابِ بِهِ وَجْهَانِ.
(فَصْلٌ) ولو وَضَعَ السَّرِقَةَ فِي الْحِرْزِ عَلَى حِمَارٍ فَخَرَجَ بِهَا الْحِمَارُ فَإِنْ سَاقَهُ أَوْ قَادَهُ قُطِعَ، وَإِنْ سَاقَهُ أَوْ قَادَهُ غَيْرُهُ لَمْ يُقْطَعْ، وَإِنْ خَرَجَ الْحِمَارُ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ سَوْقٍ، وَلَا قَوَدٍ فَفِي قَطْعِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُقْطَعُ السارق، ولأن مِنْ عَادَةِ الْبَهَائِمِ أَنْ تَسِيرَ إِذَا أَثْقَلَهَا الْحِمْلُ، فَصَارَ خُرُوجُهَا عَلَيْهِ كَوَضْعِهَا فِي الْمَاءِ الجاري.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُقْطَعُ، لِأَنَّ لِلْحِمَارِ اخْتِيَارًا يَتَصَرَّفُ بِهِ إِذَا لَمْ يُقْهَرْ بِخِلَافِ الْمَاءِ الْجَارِي وَذَكَرَهُ أَبُو حَامِدٍ الْمَرْوَزِيُّ فِي جَامِعِهِ.
وَمِثْلُهُ: إِذَا فَتَحَ قَفَصًا عَنْ طَائِرٍ فَطَارَ عَقِيبَ فَتْحِهِ، فَإِنْ نَفَّرَهُ حَتَّى طَارَ ضَمِنَهُ، وَإِنْ لَمْ يُنَفِّرْهُ حَتَّى طَارَ عَقِيبَ فَتْحِهِ فَفِي ضَمَانِهِ وَجْهَانِ، وَذَكَرَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْحِمَارِ وَجْهًا ثَالِثًا: أَنَّهُ إِنْ سَارَ عَقِيبَ حَمْلِهِ قُطِعَ، وَإِنْ سَارَ بَعْدَ وُقُوفِهِ لَمْ يُقْطَعْ كَمَا لَوْ وَقَفَ الطَّائِرُ بَعْدَ فَتْحِ الْقَفَصِ ثُمَّ طَارَ لَمْ يُضَمَّنْ، وَلِهَذَا الْوَجْهِ وَجْهٌ.

(فَصْلٌ) وَلَوْ دَفَعَ السَّرِقَةَ فِي الْحِرْزِ إِلَى صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ فَخَرَجَ بِهَا فَإِنْ كَانَ عَنْ أَمْرِهِ أَوْ بِإِشَارَتِهِ قُطِعَ، وَإِنْ لَمْ يَأْمُرْهُ وَلَمْ يُشِرْ إليه حتى خرج بها فقد اختلف أصحاب الشَّافِعِيِّ فِي جِنَايَةِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ هَلْ يَجْرِي عَلَيْهَا حُكْمُ الْعَمْدِ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: أحدهما: يجري عليها حُكْمُ الْعُمَدِ، فَعَلَى هَذَا لَا يُقْطَعُ السَّارِقُ كَمَا لَوْ دَفَعَهَا إِلَى بَالِغٍ عَاقِلٍ.
وَالْقَوْلُ الثاني: يكون خطأ لا يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْعَمْدِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ كَوَضْعِهَا عَلَى الْحِمَارِ فَيَكُونُ فِي قَطْعِ السَّارِقِ وجهان.

(فصل)

ولو دخل الحرز فأخذ جَوْهَرَةً فَابْتَلَعَهَا وَخَرَجَ بِهَا فِي جَوْفِهِ فَفِي قَطْعِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ قَدِ استهلكها في حرزها وصار كَالطَّعَامِ إِذَا أَكَلَهُ فِيهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُقْطَعُ لبقاء عينها عند خروجه بها ووصوله إِلَى أَخْذِهَا.
وَذَكَرَ أَبُو الْفَيَّاضِ وَجْهًا ثَالِثًا: أنها إن خرجت بدواء وعلاج لَمْ يُقْطَعْ وَإِنْ خَرَجَتْ عَفْوًا بِغَيْرِ عِلَاجٍ ولا دواء قطع.
(فصل) وإذا نقب سُفْلَ غُرْفَةٍ فِيهَا حِنْطَةٌ فَانْثَالَتْ عَلَيْهِ حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ حِرْزِهَا فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَنْثَالَ مِنْهَا فِي دُفْعَةٍ وَاحِدَةٍ مَا يَبْلُغُ نِصَابًا فَيَقْطَعُ؛ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ مِنَ الْحِرْزِ بِفِعْلِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَنْثَالَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ نِصَابًا فِي دُفُعَاتٍ فَفِي قطعه وجهان: أحدهما: لا يقطع؛ لأنه المتفرقة من السرقة لا ينبني بعضه عَلَى بَعْضٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ انْثِيَالَهُ عن فعل واحد وكان مجموعاً عن سرقة واحداً

فَلِذَلِكَ قُطِعَ، وَسَوَاءٌ أَخَذَهَا أَوْ تَرَكَهَا، وَهَكَذَا لو نزل زِقًّا فِيهِ دُهْنٌ أَوْ عَسَلٌ فَجَرَى مِنْهُ إِلَى خَارِجِ الْحِرْزِ قُطِعَ إِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ بَعْدَ خُرُوجِهِ قِيمَةَ النِّصَابِ، وَإِنْ تمحق عند خروجه حتى لا يُمْكِنْ أَخْذُهُ ضَمِنَ وَلَمْ يُقْطَعْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ كَالْمُسْتَهْلِكِ فِي الْحِرْزِ.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ بِإِخْرَاجِ السَّرِقَةِ فأعادها إِلَى حِرْزِهَا لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْقَطْعُ وَلَا الضمان.
ويجيء عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنْ يَسْقُطَ عَنْهُ الْقَطْعُ وَالضَّمَانُ، وَعَلَى قَوْلِ مَالِكٍ أَنْ يَسْقُطَ عَنْهُ الضَّمَانُ وَلَا يَسْقُطَ الْقَطْعُ.
وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي الضَّمَانِ فِي الْوَدِيعَةِ إِذَا تَعَدَّى فِيهَا ثُمَّ كَفَّ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي السَّرِقَةِ إِذَا وُهِبَتْ لَهُ بَعْدَ وجوب القطع.

(مسألة)

قال الشافعي: " وإن كانوا ثلاثة فحملوه متاعاً فأخرجوه معاً يبلغ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ دِينَارٍ قُطِعُوا وَإِنْ نَقَصَ شَيْئًا لَمْ يُقْطَعُوا) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي ثَلَاثَةٍ اشْتَرَكُوا فِي نَقْبِ حِرْزٍ وَحَمَلُوا بَيْنَهُمْ مَا سَرَقُوهُ مُشْتَرِكِينَ فِي حَمْلِهِ، فَإِنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةَ نُصُبٍ، وَكَانَتْ حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نِصَابًا قُطِعُوا إِجْمَاعًا، سَوَاءٌ خَفَّ أَوْ ثَقُلَ، وإن كانت قيمته نصاباً وحصة كل واحد منهم أقل من نصاب لم يقطعوا، سَوَاءٌ خَفَّ أَوْ ثَقُلَ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ كَانَ ثَقِيلًا لَا يَقْدِرُ أَحَدُهُمْ عَلَى حَمْلِهِ قُطِعُوا، وَإِنْ كَانَ خَفِيفًا يَقْدِرُ أَحَدُهُمْ عَلَى حَمْلِهِ لَمِ يُقْطَعُوا في إحدى الروايتين عنه كقولنا، وقطعوا في الرواية الثانية عنه كالثقل؛ اسْتِدْلَالًا مَعَ عُمُومِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ قَطْعَ السَّرِقَةِ مُعْتَبَرٌ بِشَرْطَيْنِ هَتْكُ الْحِرْزِ، وَسَرِقَةُ النِّصَابِ، ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُمْ لَوِ اشْتَرَكُوا في هتك الحرز جرى عل كل واحد منهم حكم المنفرد بهتكه، كذلك إِذَا اشْتَرَكُوا فِي سَرِقَةِ النِّصَابِ وَجَبَ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حُكْمُ الْمُنْفَرِدِ بِسَرِقَتِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْوَاحِدَ لَوْ سَرَقَ نِصَابًا مشتركاً بين جماعة قطع، وإن سرق الجماعة من الواحد نصاباً لم يَقْطَعُوا وَإِنْ سَرَقَ كُلُّ وَاحِدٍ أَقَلَّ مِنْ نِصَابٍ اعْتِبَارًا بِالْقَدْرِ الْمَسْرُوقِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ؛ لِأَنَّ سَرِقَةَ الْوَاحِدِ مِنَ الْجَمَاعَةِ كَسَرِقَةِ الْجَمَاعَةِ مِنَ الْوَاحِدِ.
وَدَلِيلُنَا هُوَ أَنَّ سَرِقَةَ كُلِّ وَاحِدٍ لم يبلغ نِصَابًا فَوَجَبَ أَنْ لَا يُقْطَعَ كَالْمُنْفَرِدِ، وَلِأَنَّ مُوجِبَ السَّرِقَةِ شَيْئَانِ: غُرْمٌ وَقَطْعٌ، ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّ غُرْمَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُعْتَبَرٌ بِنَفْسِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَطْعُهُ مُعْتَبَرًا بِنَفْسِهِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا امْتَنَعَ إِذَا سَرَقَ الْوَاحِدُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْرَازٍ نِصَابًا أَنْ يُقْطَعَ وَلَا يُبْنَى بَعْضُ فعله على بعض كان امتناع قطع الثلاثة وإذا سرقوا من

حرز نصاباً أولى، ولا يبنى فعل بعضهم عَلَى بَعْضٍ؛ لِأَنَّهُ بِأَفْعَالِ نَفْسِهِ أَخَصُّ مِنْهُ بأفعال غيره.
فأما الجواب عن استدلالهم بِهَتْكِ الْحِرْزِ فَهُوَ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَتْكِهِ الْوُصُولُ إِلَى السَّرِقَةِ، وَقَدْ حَصَلَ هَذَا الْمَقْصُودُ بِالْمُشَارِكَةِ كَحُصُولِهِ بِالِانْفِرَادِ فَاسْتَوَيَا، وَالْمَقْصُودُ بِالسَّرِقَةِ تَمَلُّكُ الْمَالِ المسروق والاشتراك في النصاب فخالف لِلتَّفَرُّدِ بِهِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُقْطَعُوا فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ السَّرِقَةِ مِنْ مَالٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ جَمَاعَةٍ فَهُوَ أَنَّ سَرِقَتَهُ مِنْهُمْ بَلَغَتْ نِصَابًا فَلِذَلِكَ قُطِعَ، وَإِذَا اشْتَرَكَ الْجَمَاعَةُ لَمْ تَبْلُغْ سَرِقَةُ أَحَدِهِمْ نِصَابًا فَلِذَلِكَ لَمْ يُقْطَعُوا.

(مَسْأَلَةٌ) قَالَ الشافعي: " وإن أخرجوه متفرقاً فمن أخرج ما يساوي ربع دينار قطع وإن لم يسو رُبُعَ دِينَارٍ لَمْ يُقْطَعْ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي ثَلَاثَةٍ اشْتَرَكُوا فِي النَّقْبِ وَتَفَرَّقُوا فِي الْأَخْذِ، فَانْفَرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِأَخْذِ شَيْءٍ مِنْهُ، فَلَا يَخْلُو حَالُهُمْ فِيمَا أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَأْخُذَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَقَلَّ مِنْ نِصَابٍ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ وِفَاقًا مَعَ مَالِكٍ لِافْتِرَاقِهِمْ فِي الْأَخْذِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نِصَابًا فَصَاعِدًا فَعَلَيْهِمُ الْقَطْعُ جَمِيعًا.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَأْخُذَ بَعْضُهُمْ نِصَابًا وَبَعْضُهُمْ اقل من نصاب فمذهب الشافعي رضي الله عنه أَنَّهُ يُقْطَعُ مَنْ بَلَغَتْ سَرِقَتُهُ نِصَابًا وَلَا يُقْطَعُ مَنْ لَمْ تَبْلُغْ سَرِقَتُهُ نِصَابًا، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَجْمَعُ مَا أَخَذُوهُ فَإِنْ بَلَغَ ثَلَاثَةَ نُصُبٍ قَطَعْتُهُمْ وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ أَخَذَ أَقَلَّ مِنْ نِصَابٍ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ مَا أَخَذُوهُ ثَلَاثَةَ نُصُبٍ لَمْ أَقَطَعْهُمْ وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ أَخَذَ نصاباً؛ احتجاجاً بأن اشتراكهم في النقب موجب بِنَاءَ أَفْعَالِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَهَذَا خَطَأٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَطْعَ تَابِعٌ لِلضَّمَانِ، فَلَمَّا اخْتَصَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِضَمَانِ مَا تَفَرَّدَ بِأَخْذِهِ وَجَبَ أَنْ يَخْتَصَّ بِقَطْعِ مَا تَفَرَّدَ بِأَخْذِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْقَطْعَ عُقُوبَةٌ عَلَى أَخْذِ النِّصَابِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْقُطَ عَمَّنْ أخذ نصاباً مع وجود شرطه فيه، ويجب على من أخذ اقل من نصاب مع عدم شرطه فيه.

(مسألة)

قال الشافعي: " وَلَوْ نَقَّبُوا مَعًا ثُمَّ أَخْرَجَ بَعْضُهُمْ وَلَمْ يُخْرِجْ بَعْضٌ قُطِعَ الْمُخْرِجُ خَاصَّةً) .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي ثَلَاثَةٍ اشْتَرَكُوا فِي النَّقْبِ وَانْفَرَدَ أَحَدُهُمْ بِالْأَخْذِ، فَالْقَطْعُ وَاجِبٌ عَلَى من تفرد بِالْأَخْذِ دُونَ مَنْ شَارَكَ فِي النَّقْبِ وَلَمْ يأخذ، سواء دخلوا الحرز أو لم يدخلوه، تقاسموا بالسرقة أَوْ لَمْ يَقْتَسِمُوا بِهَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: القطع واجب على جميعهم ليستوي فِيهِ مَنْ أَخَذَ وَمَنْ لَمْ يَأْخُذْ إِذَا كَانَتِ السَّرِقَةُ لَوْ فُضَّتْ عَلَيْهِمْ بَلَغَتْ حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نِصَابًا، وَلَوْ نَقُصَتْ حِصَّتُهُ عن النصاب لم يقطع واحد منهم، وكذلك القول فِي قُطَّاعِ الطَّرِيقِ أَنَّ الْعُقُوبَةَ تَجِبُ عَلَى مَنْ بَاشَرَ وَعَلَى مَنْ لَمْ يُبَاشِرْ إِذَا كَانَ رَدًّا احْتِجَاجًا بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْحَاضِرَ معين على الأخذ بِحِرَاسَتِهِ، فَصَارَ بِالْمَعُونَةِ كَالْمُبَاشِرِ لِأَخْذِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا اشْتَرَكَ فِي الْغَنِيمَةِ مَنْ بَاشَرَ الْقِتَالَ وَمَنْ لَمْ يُقَاتِلْ؛ لِأَنَّهُ بِالْحُضُورِ كَالْمُبَاشِرِ وَجَبَ أَنْ يَشْتَرِكَ فِي الْقَطْعِ مَنْ بَاشَرَ السَّرِقَةَ وَمَنْ لَمْ يُبَاشِرْ؛ لِأَنَّهُ بِالْحُضُورِ كَالْمُبَاشِرِ وَدَلِيلُنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: 40] فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُجَازَى غَيْرُ الْآخِذِ بِمَا يُجَازَى بِهِ الْآخِذُ، وَلِأَنَّ الْمُعِينَ عَلَى فِعْلِ الْمَعْصِيَةِ لَا يَسْتَوْجِبُ عُقُوبَةَ فَاعِلِ الْمَعْصِيَةِ، كَالْمُعِينِ عَلَى الْقَتْلِ لَا يَسْتَوْجِبُ قِصَاصَ الْقَاتِلِ، وَالْمُعِينُ عَلَى الزِّنَا لَا يَسْتَوْجِبُ حَدَّ الزَّانِي، كَذَلِكَ الْمُعِينُ عَلَى السَّرِقَةِ لَا يَسْتَوْجِبُ قَطْعَ السَّارِقِ، وَهُوَ انْفِصَالٌ عَنِ احْتِجَاجِهِ الْأَوَّلِ، وَلِأَنَّ قَطْعَ السَّرِقَةِ مُعْتَبَرٌ بِشَرْطَيْنِ: هَتْكُ الْحِرْزِ، وَإِخْرَاجُ السَّرِقَةِ، فَلَمَّا كَانَ لَوْ شَارَكَ فِي إِخْرَاجِهَا وَلَمْ يُشَارِكْ فِي هَتْكِ حِرْزِهَا لَمْ يُقْطَعْ، فَأَوْلَى إِذَا شَارَكَ فِي هَتْكِ حِرْزِهَا وَلَمْ يُشَارِكْ فِي إِخْرَاجِهَا أَنْ لَا يُقْطَعَ؛ لِأَنَّ إِخْرَاجَهَا أَخَصُّ بِالْقَطْعِ مِنْ هَتْكِ حِرْزِهَا، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَقَفَ خَارِجَ الْحِرْزِ لَمْ يُقْطَعْ وَإِنْ كَانَ عَوْنًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهَا كَذَلِكَ لَا يُقْطَعُ وَإِنْ دَخَلَ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُخْرِجٍ لَهَا فِي الْحَالَيْنِ.
وَأَمَّا مَالُ الْغَنِيمَةِ فَلَمَّا كَانَ فيها خمس يَسْتَحِقُّهُ مَنْ لَمْ يَشْهَدْهَا جَازَ أَنْ يُفَرَّقَ عَلَى مَنْ شَهِدَهَا وَإِنْ لَمْ يُبَاشِرْ أَخْذَهَا، وَخَالَفَ قَطْعُ السَّرِقَةِ فِي سُقُوطِهِ عَمَّنْ لَمْ يَشْهَدْ فَسَقَطَ عَمَّنْ شَهِدَ إِذَا لَمْ يُبَاشِرْ.

(مسألة)

قال الشافعي: " وإن سرق سارق ثَوْبًا فَشَقَّهُ أَوْ شَاةً فَذَبَحَهَا فِي حِرْزِهَا ثُمَّ أَخْرَجَ مَا سَرَقَ فَإِنْ بَلَغَ رُبُعَ دِينَارٍ قُطِعَ وَإِلَّا لَمْ يُقْطَعْ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الثَّوْبُ إِذَا شَقَّهُ فِي الْحِرْزِ ثُمَّ أَخْرَجَهُ فَعَلَيْهِ أَرْشُ شِقِّهِ، ثُمَّ يَنْظُرُ فِي قِيمَتِهِ عِنْدَ إِخْرَاجِهِ فَإِنْ بَلَغَتْ رُبُعَ دِينَارٍ قطع وإن كانت أقل من ربع دينار وتبلغ مَعَ أَرْشِ الشَّقِّ رُبُعَ دِينَارٍ لَمْ يُقْطَعْ؛ لِأَنَّ أَرْشَ الشَّقِّ مُسْتَهْلَكٌ فِي الْحِرْزِ فَصَارَ كَالدَّاخِلِ إِلَى الْحِرْزِ إِذَا أَكَلَ طَعَامًا فِيهِ ضَمَّنَهُ وَلَمْ يَقْطَعْ بِهِ.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الثَّوْبِ إِذَا شَقَّهُ: إِنَّ مَالِكَهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ تَرْكِهِ عَلَيْهِ وَأَخْذِ قيمته منه، وبين أخذه وَأَخْذِ أَرْشِهِ كَمَا قَالَهُ فِي الْغَاصِبِ، فَإِنْ أَخَذَهُ وَأَرَشَهُ قُطِعَ إِذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ مَشْقُوقًا نصاباً كما قلنا، وَإِنْ تَرَكَهُ عَلَيْهِ وَأَخَذَ مِنْهُ قِيمَتَهُ لَمْ يقطع؛ لأنه بجعله مالكاً له عند شقه وقبل أخرجه فَلَمْ يُقْطَعْ فِي مِلْكِهِ، وَالْكَلَامُ مَعَهُ فِي أصلها قد مضى.

(فصل)

فأما الشَّاةُ إِذَا ذَبَحَهَا فِي الْحِرْزِ وَأَخْرَجَهَا مَذْبُوحَةً قيمتها رُبُعُ دِينَارٍ قُطِعَ، وَضَمِنَ أَرْشَ ذَبْحِهَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ بَعْدَ الذَّبْحِ طَعَامًا رَطْبًا بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي سُقُوطِ الْقَطْعِ فِي الطَّعَامِ الرَّطْبِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِيهِ الْكَلَامُ.
وَلَوْ كَانَتْ قِيمَةُ الشَّاةِ قَبْلَ الذَّبْحِ أَقَلَّ مِنْ رُبُعِ دِينَارٍ فَزَادَتْ بِالذَّبْحِ حَتَّى بَلَغَتْ رُبُعَ دِينَارٍ ثُمَّ أَخْرَجَهَا فَفِي قَطْعِهِ وَجْهَانِ مُحْتَمَلَانِ: أَحَدُهُمَا: يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لِلْمَالِكِ دُونَ الذَّابِحِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُقْطَعُ لِحُدُوثِهَا بِالذَّبْحِ فَلَمْ يَسْتَقِرَّ لِلْمَالِكِ عَلَيْهَا يَدٌ، وَهَكَذَا لَوْ سَرَقَ لَحْمًا فَطَبَخَهُ أَوْ دقيقاً فخبزه، أو دبساً فعقده وَأَخْرَجَهُ وَقَدْ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ بِالصَّنْعَةِ نِصَابًا وَكَانَ قَبْلَ الصَّنْعَةِ أَقَلَّ مِنْ نِصَابٍ كَانَ قَطْعُهُ على ما ذكرناه مِنَ الْوَجْهَيْنِ الْمُحْتَمَلَيْنِ.
(فَصْلٌ) وَلَوْ أَخَذَ جِلْدَ ميتة من الْحِرْزِ وَدَبَغَهُ فِيهِ وَأَخْرَجَهُ مَدْبُوغًا وَقِيَمُتُهُ رُبُعُ دِينَارٍ فَقَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي بَيِع جِلْدِ الْمَيِّتَةِ بَعْدَ دِبَاغَتِهِ فَمَنَعَ مِنْهُ فِي الْقَدِيمِ، وَأَسْقَطَ الْغُرْمَ عَنْ مُسْتَهْلِكِهِ، فَعَلَى هَذَا لَا قَطْعَ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ أَخْرَجَهُ مِنَ الْحِرْزِ قَبْلَ دِبَاغَتِهِ، وَأَجَازَ بَيْعَهُ فِي الْجَدِيدِ، وَأَوْجَبَ غُرْمَ قِيمَتِهِ عَلَى مُسْتَهْلِكِهِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ دَبَغَهُ مَالِكُهُ قُطِعَ فِيهِ وَإِنْ دَبْغَهُ السَّارِقَ بِنَفْسِهِ فَفِي قَطْعِهِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ.
(فَصْلٌ) وَلَوْ كَانَ السَّارِقُ مَجُوسِيًّا فَذَبَحَ الشَّاةَ فِي حِرْزِهَا وَأَخْرَجَهَا ضَمِنَ قِيمَتَهَا وَلَمْ يُقْطَعْ؛ لِأَنَّهَا مَيْتَةٌ لَا يُسْتَبَاحُ أَكْلُهَا، فَلَوْ كَانَ عَلَيْهَا صُوفٌ فَإِنْ صَحَّ مَا حَكَاهُ إِبْرَاهِيمُ الْبَلَدِيُّ عَنِ الْمُزَنِيِّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ رَجَعَ عَنْ تَنْجِيسِ شَعْرِ الْمَيْتَةِ قَطَعَ فِيهِ إِذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ رُبُعَ دِينَارٍ، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ مَا حَكَاهُ فَلَا قَطْعِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ نَجِسٌ لا قيمة له.

(مسألة)

قال الشافعي: " وَلَوْ كَانَتْ قِيمَةُ مَا سَرَقَ رُبُعَ دِينَارٍ ثُمَّ نَقُصَتِ الْقِيمَةُ فَصَارَتْ أَقَلَّ مِنْ رُبُعِ دِينَارٍ ثُمَّ زَادَتِ الْقِيمَةُ فَإِنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى الْحَالِ الَّتِي خَرَجَ بِهَا مِنَ الْحِرْزِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، قِيمَةُ السَّرِقَةِ فِي الْقَطْعِ مُعْتَبِرَةٌ بِوَقْتِ إِخْرَاجِهَا، فَإِنْ بَلَغَتْ نِصَابًا ثُمَّ نَقُصَتْ عَنِ النِّصَابِ بَعْدَ إِخْرَاجِهَا قُطِعَ، وَلَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْقَطْعُ

بنقصان القيمة، سواء نقصت قيمتها بنقصان عَيْنِهَا أَوْ لِنُقْصَانِ سِعْرِهَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ كَانَ لِنُقْصَانِ عَيْنِهَا قُطِعَ وَإِنْ كَانَ لِنُقْصَانِ سِعْرِهَا لَمْ يُقْطَعْ؛ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ مَا مَنَعَ مِنْ وُجُوبِ الْقَطْعِ عِنْدَ إِخْرَاجِهَا مَنَعَ من حُدُوثِهِ بَعْدَ إِخْرَاجِهَا كَمَا لَوْ ثَبَتَ بِإِقْرَارٍ أَوْ بَيِّنَةٍ أَنَّهَا مِلْكٌ لِسَارِقِهَا، وَلِأَنَّ نُقْصَانَ السِّعْرِ لَا يُضْمَنُ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ، وَمَا لَمْ يَضْمَنْهُ لَمْ يُقْطَعْ فِيهِ كَنُقْصَانِهِ قَبْلَ إِخْرَاجِهِ، وَلِأَنَّ مَا طَرَأَ بَعْدَ وُجُوبِ الْحَدِّ وَقَبْلَ اسْتِيفَائِهِ يَجْرِي فِي سُقُوطِ الْحَدِّ مَجْرَى وجوده عند وجوبه كالقذف إذا زنا بعده الْمَقْذُوفُ سَقَطَ بِهِ الْحَدُّ عَنِ الْقَاذِفِ كَمَا لَوْ زَنَا عِنْدَ قَذْفِهِ.
وَدَلِيلُنَا مَعَ عُمُومِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ: أَنَّهُ نُقْصَانٌ حَدَثَ بَعْدَ وُجُوبِ الْقَطْعِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَسْقُطَ بِهِ الْقَطْعُ لنقصان العين.
فإن قيل: نقصان عينه مضمون فقطع فِيهِ وَنُقْصَانُ سِعْرِهِ غَيْرُ مَضْمُونٍ فَلَمْ يُقْطَعْ فِيهِ.
قِيلَ: نُقْصَانُ السِّعْرِ مَضْمُونٌ مَعَ التَّلَفِ فَأَشْبَهَ نُقْصَانَ عَيْنِهِ الْمَضْمُونَةِ بِالتَّلَفِ فَاسْتَوَيَا وَلِأَنَّ الْقَدْرَ شَرْطٌ فِي وُجُوبِ الْقَطْعِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ نُقْصَانُهُ بَعْدَ وُجُوبِ الْقَطْعِ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ في إسقاطه قياساً على خراب الحرز؛ لأن قَدْرَ النِّصَابِ إِذَا اخْتَلَفَ فِي حَالِ وُجُوبِ الْقَطْعِ وَحَالِ اسْتِيفَائِهِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الِاعْتِبَارُ بِحَالِ وُجُوبِهِ دُونَ اسْتِيفَائِهِ.
أَصْلُهُ: إِذَا كَانَ نَاقِصًا عِنْدَ الْإِخْرَاجِ وَزَائِدًا بَعْدَ الْإِخْرَاجِ، وَلِأَنَّ الْحُدُودَ مُعْتَبَرَةٌ بِحَالِ الْوُجُوبِ دُونَ الِاسْتِيفَاءِ كَالْبِكْرِ إِذَا زَنَا فَلَمْ يُحَدَّ حَتَّى أُحْصِنَ، وَالْعَبْدِ إِذَا زَنَا فَلَمْ يُحَدَّ حَتَّى أُعْتِقَ، كَذَلِكَ السَّرِقَةُ.
وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا: أَنَّهُ حَدٌّ فَوَجَبَ أَنْ يعتبر فيه بِحَالِ وُجُوبِهِ دُونَ اسْتِيفَائِهِ كَالزِّنَا.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ بِأَنَّ مَا مَنَعَ مِنْ وُجُوبِ القطع عند إخراجها منع منه حدوثه بعد إخراجها فهو أنه منقض بِخَرَابِ الْحِرْزِ يَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ الْقَطْعِ إِذَا كَانَ خَرَابًا عِنْدَ إِخْرَاجِهَا، وَلَا يَمْنَعُ مِنْهُ إِذَا حَدَثَ خَرَابُهُ بَعْدَ إِخْرَاجِهَا، ثُمَّ الْمَعْنَى فِي الْأَصْلِ إِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مَالِكٌ لِلسَّرِقَةِ هو أن يُسْتَدَلُّ بِذَلِكَ عَلَى مِلْكِهِ لَهَا عِنْدَ إِخْرَاجِهَا؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يُقْطَعْ، وَإِذَا حَدَثَ نَقْصُهَا لَمْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى نَقْصِهَا عِنْدَ إِخْرَاجِهَا فَلِذَلِكَ قُطِعَ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِأَنَّ نُقْصَانَ السِّعْرِ لَا يُضْمَنُ فَهُوَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ ضَمَانِهِ مَعَ تَلَفِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَضْمَنُهَا أَكْثَرَ مَا كَانَتْ قِيمَةً مِنْ وَقْتِ السَّرِقَةِ إِلَى وَقْتِ التَّلَفِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِأَنَّ مَا يَطْرَأُ بَعْدَ الْحِرْزِ كَالْمَوْجُودِ فِي الْحِرْزِ فَهُوَ انْتِقَاضُهُ بِخَرَابِ الْحِرْزِ، ثُمَّ الْمَعْنَى فِي زِنَا الْمَقْذُوفِ بَعْدَ قَذْفِهِ أَنَّهُ دَلَّ حُدُوثُهُ عَلَى انْتِفَاءِ عِفَّتِهِ وَتَقَدُّمِ نَظَائِرِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(مسألة)

قال الشافعي: " وَلَوْ وُهِبَتْ لَهُ لَمْ أَدْرَأْ بِذَلِكَ عَنْهُ الْحَدُّ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا مَلَكَ السَّارِقُ السَّرِقَةَ بَعْدَ إِخْرَاجِهَا مِنْ حِرْزِهَا ووجوب القطع فيها أَمَّا بِهِبَةٍ أَوِ ابْتِيَاعٍ أَوْ مِيرَاثٍ لَمْ يسقط عنه القطع اسْتِدْلَالًا بِأَنَّهُ لَمَّا مَنَعَ مِلْكُهُ لِلسَّرِقَةِ عِنْدَ إِخْرَاجِهَا مِنْ وُجُوبِ الْقَطْعِ وَجَبَ أَنْ يَمْنَعَ حُدُوثُ مِلْكِهِ بَعْدَ إِخْرَاجِهَا مِنَ اسْتِيفَاءِ الْقَطْعِ لِئَلَّا يَصِيرَ مَقْطُوعًا بِمِلْكِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْطَعَ أَحَدٌ فِي مِلْكِهِ، وَلِأَنَّ مَا طَرَأَ عند اسْتِيفَاءِ الْقَطْعِ بِمَثَابَةِ وُجُودِهِ عِنْدَ وُجُوبِ الْقَطْعِ كالجحود، وفسق الشهود، ولأن مطالبته الْخَصْمِ شَرْطٌ فِي وُجُوبِ الْقَطْعِ وَقَدْ زَالَتْ مُطَالَبَتُهُ بِزَوَالِ مِلْكِهِ فَسَقَطَ شَرْطُ الْوُجُوبِ.
وَدَلِيلُنَا مع عموم الكتاب والسنة مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ صَفْوَانَ بن أمية قيل له: إنه مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ هَلَكَ، فَقَدِمَ صَفْوَانُ الْمَدِينَةَ فَنَامَ فِي الْمَسْجِدِ وَتَوَسَّدَ رِدَاءَهُ، فَجَاءَ سَارِقٌ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ، فَأَخَذَ صَفْوَانُ السَّارِقَ فَجَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَأَمَرَ بِهِ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ فَقَالَ صَفْوَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَمْ أُرِدْ هَذَا هو عليه صدقة فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ) فَلَمْ يَسْقُطِ الْقَطْعُ عَنْهُ مَعَ الصَّدَقَةِ بِهَا عَلَيْهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مِلْكَ الْمَسْرُوقِ لَا يَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ الْقَطْعِ، فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا قَطَعَهُ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ لَمْ تَتِمَّ إِلَّا بِالْقَبْضِ بَعْدَ الْقَبُولِ.
قِيلَ: لَوْ كَانَ لِهَذَا لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَلَمَا قَالَ: " هَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ) . فَإِنْ قِيلَ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ مَلَكَهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُ بِهِ سَقَطَ عَنْهُ الْقَطْعُ وَلَا تَقُولُونَ بِهِ فَصَارَ دَلِيلًا عَلَيْكُمْ.
قِيلَ: مَعْنَاهُ هَلَّا سَتَرْتَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ وَلَمْ تُخْبِرْنِي بِهِ، فَإِنَّ مَا لم يعلم به لم يجب عليه اسْتِيفَاؤُهُ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " تَعَافَوْا عَنِ الْحُدُودِ فِيمَا بَيْنَكُمْ فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ) . وَمِنَ الْقِيَاسِ أَنَّ مَا حَدَثَ فِي الْمَسْرُوقِ بَعْدَ وُجُوبِ الْقَطْعِ فِيهِ لَمْ يَمْنَعْ مِنَ اسْتِيفَائِهِ لِنَقْصِهِ أَوْ تَلَفِهِ، وَلِأَنَّ الْهِبَةَ تُوجِبُ سُقُوطَ الْمُطَالَبَةِ بِالْمَسْرُوقِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَمْنَعَ مِنَ اسْتِيفَاءِ مَا وَجَبَ فِيهِ مِنَ الْقَطْعِ قِيَاسًا عَلَى رَدِّهِ وَالْإِبْرَاءِ مِنْهُ، وَلِأَنَّهُ قَطْعٌ وَجَبَ

بِالسَّرِقَةِ فَلَمْ يَسْقُطْ بِالْهِبَةِ كَالسَّرِقَةِ فِي الْحِرَابَةِ، وَلِأَنَّهُ مِلْكٌ حَدَثَ بَعْدَ وُجُوبِ الْحَدِّ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَسْقُطَ بِهِ الْحَدُّ قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ زَنَا بِأَمَةٍ ثُمَّ ابْتَاعَهَا أَوْ بحرة ثم تزوجها.
فأما الجواب عن قياسه عليه ولو مكلها قَبْلَ إِخْرَاجِهَا فَهُوَ أَنَّهُ مَلَكَهَا قَبْلَ وُجُوبِ الْقَطْعِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ مَلَكَ الْأَمَةَ قَبْلَ وُجُوبِ الْحَدِّ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ جَمْعِهِ بَيْنَ ما طرأ وتقدم فهو انتفاضة بِخَرَابِ الْحِرْزِ.
ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مَا قَدَّمْنَاهُ، وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ سُقُوطِ الْمُطَالَبَةِ فَهُوَ أَنَّ أَصْحَابَنَا قَدِ اخْتَلَفُوا فِيهَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: أَنَّهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي الْقَطْعِ فَيَسْقُطُ مَعَهُ الِاسْتِدْلَالُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهَا شَرْطٌ فِي اسْتِيفَاءِ الْقَطْعِ، فَعَلَى هَذَا يَسْقُطُ بِهَا اسْتِيفَاؤُهُ مَعَ وُجُوبِهِ كَالْحُقُوقِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا مُطَالِبٌ بها.

(مسألة)

قال الشافعي: " وَإِنْ سَرَقَ عَبْدًا صَغِيرًا لَا يَعْقِلُ أَوْ أَعْجَمِيًّا مِنْ حِرْزٍ قُطِعَ وَإِنْ كَانَ يَعْقِلُ لم يقطع) . قال الماوردي: وهذا صحيح، وليس يَخْلُو حَالُ الْعَبْدِ إِذَا سُرِقَ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي حِرْزٍ أَوْ فِي غَيْرِ حِرْزٍ، فَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ حِرْزٍ فَلَا قَطْعَ عَلَى سَارِقِهِ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا، وَإِنْ كَانَ فِي حِرْزٍ وَحِرْزُهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ داراً مُغْلَقَةِ الْبَابِ أَوْ مَعَ سَيِّدِهِ، فَلَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا مُمَيِّزًا، يُفَرِّقُ بَيْنَ أَمْرِ سَيِّدِهِ وَغَيْرِ سَيِّدِهِ فَلَا قَطْعَ عَلَى سَارِقِهِ، لِأَنَّ هَذَا يكون مخادعاً وَلَا يَكُونُ مَسْرُوقًا.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ صَغِيرًا أَوْ أَعْجَمِيًّا لَا يَعْقِلُ عَقْلَ الْمُمَيِّزِ، وَلَا يفرق بين أمر سيده وغيره فَالْقَطْعُ عَلَى سَارِقِهِ وَاجِبٌ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَمُحَمَّدٌ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُقْطَعْ بِسَرِقَتِهِ إذا كان كبيراً لم يقطع بها إِذَا كَانَ صَغِيرًا كَالْحُرِّ، وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ مَمْلُوكٌ لَا تَمْيِيزَ لَهُ فَوَجَبَ أَنْ يُقْطَعَ بِسَرِقَتِهِ كَالْبَهِيمَةِ.

(فَصْلٌ)

فَأَمَّا الْحُرُّ إِذَا سُرِقَ فَلَا قَطْعَ عَلَى سَارِقِهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يُقْطَعُ لِعُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ لَا يُمَيِّزُ فَوَجَبَ أَنْ يُقْطَعَ سَارِقُهُ كَالْعَبْدِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا قُطِعَ بِسَرِقَةِ مَالِهِ كَانَ أَوْلَى أَنْ يُقْطَعَ بسرقة نفسه.

وَدَلِيلُنَا حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " الْقَطْعُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ) وَمَعْنَاهُ رُبُعُ دِينَارٍ أَوْ مَا قِيمَتُهُ رُبُعُ دِينَارٍ، وَلَيْسَ الْحُرُّ وَاحِدًا مِنْهُمَا فَلَمْ يُقْطَعْ بِسَرِقَتِهِ، وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ لَا يُضْمَنُ بِالْيَدِ فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ الْقَطْعُ كَالْكَبِيرِ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ فَلَمْ يُقْطَعْ فِيهِ كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ، وَبِهَذِهِ الْأَدِلَّةِ خَصَّصْنَا عُمُومَ الْآيَةِ، وَقِيَاسُهُ عَلَى الْعَبْدِ مُنْتَقَضٌ بِالْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ، ثُمَّ الْمَعْنَى فِي الْعَبْدِ أَنَّهُ مَالٌ وَلَيْسَ الحر مالاً والله أعلم.

(فَصْلٌ)

فَإِنْ سَرَقَ حُرًّا صَغِيرًا وَعَلَيْهِ حُلِيٌّ وَثِيَابٌ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْحُلِيُّ والثياب للصبي من ملابسه، ففي وجوب قطعه لأجل الْحُلِيُّ وَالثِّيَابُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: يُقْطَعُ إِذَا تَنَاوَلَهُ مِنْ حِرْزِ الصَّبِيِّ، وَحِرْزُ الصَّبِيِّ أَنْ يَكُونَ فِي دَارٍ أَوْ عَلَى بَابِهَا بِحَيْثُ يُرَى، أَوْ يَكُونَ مَعَ حَافِظٍ؛ لِأَنَّ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ لَا يَسْقُطُ إِذَا اقْتَرَنَ بِمَا لا يوجب القطع.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ يَدَ الصَّبِيِّ عَلَيْهِ وَهُوَ حِرْزٌ لَهُ فَصَارَ سَارِقًا لِلْحِرْزِ وَالْمُحْرِزِ فَإِنْ أَخَذَهُ مِنَ الصَّبِيِّ مُسْتَخْفِيًا قطع لأخذه من حرزه، وَإِنْ أَخَذَهُ مُجَاهِرًا، فَإِنْ كَانَ لِلصَّبِيِّ تَمْيِيزٌ ينكر بِهِ أَخْذَ ذَلِكَ مِنْهُ لَمْ يُقْطَعْ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالْغَاصِبِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَمْيِيزٌ ينكر بِهِ أَخْذَهُ مِنْهُ قُطِعَ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يكون الحلي والثياب لغير الصبي ومن غير ملابسه، فلا يخلو أن يأخذ مِنْ حِرْزٍ أَوْ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ، وَحِرْزُهُ هو حرز الحلي والثياب لا حرز الصبي فَإِنْ أَخَذَهُ مِنْ حِرْزِهِ قُطِعَ وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ يَدَ الصَّبِيِّ عَلَيْهِ، وَلَيْسَتْ يَدَ مَالِكٍ وَلَا حَافِظٍ وَإِنْ أَخَذَهُ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ لم يقطع وجهاً واحداً؛ لما عللنا من أنه لا يدل عليه لمالك ولا ولا في حرز لمالك، والله أعلم.

(مسألة)

قال الشافعي: " وإن سرق مصحفاً أو سيفاً مِمَّا يَحِلُّ ثَمَنُهُ قُطِعَ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا سَرَقَ مُصْحَفَ الْقُرْآنِ أَوْ كُتُبَ الفقه أو الشعر والنحو ... وَجَمِيعَ الْكُتُبِ قُطِعَ فِيهَا إِذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهَا نِصَابًا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا قَطْعَ فِي المصحف، ولا في جميع الكتب المكتوبة أو غير الْمَكْتُوبَةِ فِي الْعُلُومِ الدِّينِيَّةِ وَغَيْرِ الدِّينِيَّةِ وَإِنْ كَانَتْ مُحَلَّاةً بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ إِلَّا أَنْ يكون وَرَقًا بَيَاضًا لَا كِتَابَةَ فِيهِ أَوْ جِلْدًا مُفْرَدًا عَلَى غَيْرِ كِتَابٍ فَيُقْطَعُ فِيهِ اسْتِدْلَالًا بثلاثة أشياء:

أَحَدُهَا: أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْكُتُبِ قِرَاءَةُ مَا فِيهَا، وَالْوَرَقُ وَالْجِلْدُ تَبَعٌ لِلْمَقْصُودِ وَلَيْسَ مَا فِيهَا مِنَ الْمَكْتُوبِ مَالًا فَسَقَطَ الْقَطْعُ فِيهِ وَفِي تَبَعِهِ مِنَ الْوَرَقِ وَالْجِلْدِ، وَإِنْ كَانَ مَالًا؛ لِأَنَّ التَّبَعَ مُلْحَقٌ بِالْمَتْبُوعِ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ خَاصٌّ فِي الْمُصْحَفِ لِيَكُونَ غَيْرُهُ مِنَ الْكُتُبِ ملحقاً به: أن المصحف مشترك يَخْتَصُّ بِهِ صَاحِبُهُ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ إِعَارَتِهِ لمن التمس أن يقرأ فِيهِ وَأَنْ يَتَعَلَّمَ مِنْهُ الْقُرْآنَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ وَعَلِّمُوهُ النَّاسَ) وَهُوَ مِنْ أَقْوَى الشُّبَهِ فِي سُقُوطِ الْقَطْعِ فِيهِ كَمَالِ بَيْتِ المال.
والثالث: أن بيعه مختلف فيه؛ لأنه ابْنَ عُمَرَ يَكْرَهُ بَيْعَ الْمَصَاحِفِ، وَكَذَلِكَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي وَمَا اخْتُلِفَ فِي بَيْعِهِ لَمْ يُقْطَعْ في سرقته كالكلب [والخمر] وَالْخِنْزِيرِ مَعَ الذِّمِّيِّ.
وَدَلِيلُنَا مَعَ عُمُومِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَنَّهُ نَوْعُ مَالٍ فَجَازَ الْقَطْعُ فِيهِ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ، فَإِنْ مَنَعُوا أَنْ يَكُونَ مَالًا احْتُجَّ عَلَيْهِمْ بِجَوَازِ بَيْعِهِ وَإِبَاحَةِ ثَمَنِهِ، وَضَمَانِهِ بِالْيَدِ، وَغُرْمِ قِيمَتِهِ بِالْإِتْلَافِ، وَاخْتِصَاصِهِ بِسُوقٍ يُبَاعُ فِيهَا كَمَا يَخْتَصُّ كُلُّ نَوْعٍ مِنَ الْأَمْوَالِ بِسُوقٍ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا قُطِعَ فِي وَرَقِ الْمُصْحَفِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَكْتُوبًا كَانَ الْقَطْعُ فِيهِ بَعْدَ كِتَابَتِهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ ثَمَنَهُ أَزْيَدُ وَالرَّغْبَةُ فيه أكثر فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْطَعَ فِيهِ قَبْلَ الزِّيَادَةِ، وَيَسْقُطَ الْقَطْعُ مَعَ الزِّيَادَةِ، وَهَذَا أَلْزَمُ لِأَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْطَعُ فِي الْخَشَبِ وَالْعَاجِ قَبْلَ الْعَمَلِ فِيهِ، وَيَقْطَعُ فِيهِ بَعْدَ عَمَلِهِ وَإِحْدَاثِ صَنْعَةٍ فِيهِ، وَلِأَنَّ الْقَطْعَ يَجِبُ فِي الْأَمْوَالِ الْمَرْغُوبِ فِيهَا لِيُزْجَرَ عَنْ سَرِقَتِهَا فَتُحْفَظَ عَلَى مَالِكِهَا، وَقَدْ تَكُونُ الرَّغْبَةُ فِي الْمَصَاحِفِ وَالْكُتُبِ أَكْثَرَ فَكَانَتْ بِوُجُوبِ الْقَطْعِ أَحَقَّ، فَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا قَطْعَ فِيهَا، فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ الْقِرَاءَةَ هِيَ الْمَنْفَعَةُ كَمَا أَنَّ مَنْفَعَةَ الثِّيَابِ لِبَاسُهَا، وَمَنْفَعَةَ الدَّوَابِّ رُكُوبُهَا، وَالْقَطْعُ يَجِبُ فِي الْأَعْيَانِ دُونَ الْمَنَافِعِ وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّهُ مُشْتَرَكٌ تَلْزَمُ إِعَارَتُهُ فَدَعْوَى غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ؛ لِأَنَّهُ مِلْكٌ خَاصٌّ لَا تلزم إِعَارَتُهُ وَلَا تَعْلِيمُ الْقُرْآنِ مِنْهُ إِلَّا قَدْرَ ما يلزم الصلاة من الفاتحة عندنا وآية من جميع القرآن عندهم، لا يَتَعَيَّنُ الْفَرْضُ فِيهَا عَلَى أَحَدٍ بِعَيْنِهِ، وَلَا مِنْ مُصْحَفٍ بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ مُتَعَيَّنٌ عَلَى الْمُتَعَلِّمِ وَلَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ عَلَى

الْمُعَلِّمِ، وَلَوْ تَعَيَّنَ لَكَانَ تَلْقِينُهُ مِنْ لَفْظِ الْقَارِئِ كَافِيًا، وَعَنِ الْمُصْحَفِ مُغْنِيًا، وَخَالَفَ مَالَ بَيْتِ الْمَالِ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَ كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْمُعَدَّ لمصالحهم، والخير مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالنَّدْبِ.
وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ فِي جَوَازِ بَيْعِهِ فَلَا يَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ الْقَطْعِ فِيهِ عِنْدَ مَنْ يَرَى جَوَازَ بَيْعِهِ كَجُلُودِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَتْ، وَكَالْعَاجِ عِنْدَهُمْ إِذَا حَدَثَتْ فِيهِ صَنْعَةٌ.

(فَصْلٌ)

فَأَمَّا إِذَا سَرَقَ أَسْتَارَ الْكَعْبَةِ وَهِيَ مَخِيطَةٌ عَلَيْهَا مَحْفُوظَةٌ بِهَا قُطِعَ بِهَا، نَقَلَهُ الْحَارِثُ بْنُ سُرَيْجٍ النَّقَّالُ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْجَدِيدِ مَا يُخَالِفُهُ، وَكَذَلِكَ آلَةُ الْمَسَاجِدِ الْمُحْرَزَةُ فِيهَا إما بأبوابها أو بقوامها أو بكثرة الْغَاشِيَةِ وَالْمُصَلِّينَ فِيهَا يُقْطَعُ فِيهَا إِذَا كَانَتْ معدة للزينة كالستور والقبل، أو للأحراز كالصناديق والأبواب، فأما إن كَانَتْ مُعَدَّةً لِانْتِفَاعِ الْمُصَلِّينَ بِهَا كَالْحُصْرِ والْبَوَارِي وَالْقنَادِيلِ فَفِي قَطْعِ سَارِقِهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ الْبَغْدَادِيِّينَ أَنه لَا يقطع لاشتراك الكافة فيها فَأَشْبَهَ مَالَ بَيْتِ الْمَالِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ: أَنَّهُ يُقْطَعُ كَأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَمَا أُعِدَّ لِلزِّينَةِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُقْطَعُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لاشتراك الْكَافَّةِ فِيهَا كَأَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ خَصْمٌ مُطَالِبٌ.
وَدَلِيلُنَا مَعَ عُمُومِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَا رَوَاهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: أَنَّ أَوَّلَ مَنْ صُلِبَ فِي الْإِسْلَامِ رَجُلٌ من بني عامر بن لؤي سرق كُسْوَةِ الْكَعْبَةِ فَصَلَبَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ صَلَبَهُ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ مِمَّنْ سَعَى فِي الْأَرْضِ فَسَادًا.
وَرُوِيَ ابن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَطَعَ سارقا سرق من أستار الكعبة وَأَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَطَعَ سَارِقًا سَرَقَ قَطِيفَةً مِنْ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَلَيْسَ يُعْرَفُ لَهُمَا مُخَالِفٌ فَكَانَ إِجْمَاعًا.
وَلِأَنَّهُ مَالٌ يُضْمَنُ بِالْيَدِ وَيُغْرَمُ بِالْإِتْلَافِ فَجَازَ أَنْ يَجِبَ فِيهِ الْقَطْعُ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ، وَلِأَنَّ الْقَطْعَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، فَإِذَا وَجَبَ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ فَأَوْلَى أَنْ يَجِبَ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَهَا أَغْلَظُ وَتَمَلُّكَهَا مُحَرَّمٌ.
فَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِمَالِ بَيْتِ الْمَالِ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عنه، وأما استدلالهم بالخصم فِيهِ فَهُوَ حَقٌّ لِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَالْإِمَامُ يَنُوبُ عنهم فيه.

(فَصْلٌ)

وَإِذَا سَرَقَ مَا يُتَّخَذُ لِلْمَعَاصِي كَصَلِيبٍ أو صنم، أو طنبور، أَوْ مِزْمَارٍ فَإِنْ كَانَ لَوْ فُصِلَ مَا صلح لِغَيْرِ مَا اتُّخِذَ لَهُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ فَلَا قَطْعَ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى مَالِكِهِ، وَلَا يَقُومُ عَلَى مُتْلِفِهِ كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ، وَإِنْ كان لو فصل صلح لغير الْمَعْصِيَةِ أَوْ كَانَ مِنْ فِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ فَفِي قَطْعِ سَارِقِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ حَكَاهَا ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَحَدُهَا: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُقْطَعُ، سَوَاءٌ أَخْرَجَهُ مِنْ حِرْزٍ مُفَصَّلًا أَوْ غَيْرَ مُفَصَّلٍ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ يُقِرُّ عَلَى مَالِكِهِ وَيَقُومُ عَلَى مُتْلِفِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ فيه، سواء أخرج مُفَصَّلًا أَوْ غَيْرَ مُفَصَّلٍ؛ لِأَنَّ لَهُ شُبْهَةً في هتك حرز لإزالة معصيته لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عن الملاهي، وروي عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " تُمْسَخُ أُمَّةٌ مِنْ أُمَّتِي) قِيلَ لَهُ: وَلِمَ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فقال: " لشربهم الخمر وَضَرْبِهِمْ بِالْكُوبَةِ وَالْمَعَازِفِ) وَتَأَوَّلَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَمُجَاهِدٌ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: 6] أَنَّهَا الْمَلَاهِي.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: وَهُوَ اخْتِيَارُ ابن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ إِنْ أَخْرَجَهُ مُفَصَّلًا قُطِعَ، وَإِنْ أَخْرَجَهُ غَيْرَ مُفَصَّلٍ لَمْ يُقْطَعْ لِزَوَالِ الْمَعْصِيَةِ عَمَّا فُصِلَ وَبَقَائِهَا فِيمَا لَمْ يُفْصَلْ.
فَأَمَّا أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَفِيهَا الْقَطْعُ وَجْهًا وَاحِدًا وَإِنْ كَانَتْ مُحَرَّمَةَ الِاسْتِعْمَالِ، وَسَوَاءٌ كَانَ فِيهَا صُوَرُ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّهَا تُتَّخَذُ لِلزِّينَةِ لَا لِلْمَعْصِيَةِ، وَإِنْ كَانَ اسْتِعْمَالُهَا مَعْصِيَةً.

(فَصْلٌ)

وَإِذَا سَرَقَ وَقْفًا مُسْبَلًا مِنْ حِرْزٍ لَمْ يَخْلُ حَالُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَامًّا أَوْ خَاصًّا، فَإِنْ كَانَ عَامًّا في وجوه الخيرات وعموم الْمَصَالِحِ فَلَا قَطْعَ عَلَى سَارِقِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ، الَّذِي يَعُمُّ مَصَالِحَ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ أَحَدُهُمْ، وَلَوْ كَانَ السَّارِقُ ذِمِّيًّا لم يقطع، لأنه تبع للمسلمين، فإن كَانَ خَاصًّا عَلَى قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ فَإِنْ كَانَ السَّارِقُ وَاحِدًا مِنْ أَهْلِهِ لَمْ يُقْطَعْ، لِأَنَّ لَهُ فِيهِ شِرْكًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ فَفِي قَطْعِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ يُقْطَعُ، سَوَاءٌ قِيلَ إِنَّ رَقَبَةَ الْوَقْفِ مَمْلُوكَةٌ أَوْ غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ كَمَا يُقْطَعُ فِي أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَآلَةِ الْمَسَاجِدِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ، سَوَاءً قِيلَ إِنَّ رَقَبَةَ الْوَقْفِ مَمْلُوكَةٌ أَوْ غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ بَيْعِهِ قُوَّةٌ لِمِلْكِهِ، وَخَالَفَ آلَةَ الْمَسْجِدِ وَأَسْتَارَ الْكَعْبَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُغَلَّظَةِ وَالْوَقْفُ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ المحرمة فلهذا الفرق ما افْتَرَقَا، وَإِنْ كَانَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ مُسَوِّيًا بينهما.
والوجه الثالث: أن يُقْطَعَ فِيهِ إِنْ قِيلَ: إِنَّهُ مَمْلُوكُ الرَّقَبَةِ وَلَا يُقْطَعُ إِنْ قِيلَ إِنَّهَا لَا تُمْلَكُ؛ لِأَنَّهُ مَا لَا يُمْلَكُ فِي حُكْمِ الْمُبَاحِ، وَإِنْ لَمْ يُسْتَبَحْ، فَأَمَّا نَمَاءُ الْوَقْفِ كَالثِّمَارِ

والنتاج فيقطع فِيهِ وَجْهًا وَاحِدًا كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى حكمها في جواز البيع والتصرف.

(فصل)

وإذا سَرَقَ إِنَاءً فِيهِ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ قُطِعَ فيها.
وقال أبو حنيفة: لا يقطع فيها حَتَّى قَالَ: " لَوْ هَتَكَ حِرْزًا وَسَرَقَ مِنْهُ كوز ذَهَبٍ وَصَبَّ فِيهِ مَاءً وَخَرَجَ بِهِ مِنْ حِرْزِهِ لَمْ يُقْطَعْ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ لَا قَطْعَ فِيهِمَا، وَإِنْ ضَمَّ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ إِلَى مَا لَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ سَقَطَ الْقَطْعُ كَالْمَالِ الْمُشْتَرِكِ بَيْنَ السَّارِقِ وَغَيْرِهِ، وَكَالصَّبِيِّ إِذَا سُرِقَ وَعَلَيْهِ حُلِيٌّ لَا يُقْطَعُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يقطع في الصبي لو انْفَرَدَ.
وَدَلِيلُنَا هُوَ أَنَّ سُقُوطَ الْقَطْعِ عَنْ أَحَدِ الْمَسْرُوقَيْنِ لَا يُوجِبُ سُقُوطَهُ عَنِ الْآخَرِ قِيَاسًا عَلَى انْفِرَادِهِمَا، وَلِأَنَّ مَا لَا يَسْقُطُ فِيهِ الْقَطْعُ بِانْفِرَادِهِ لَا يَسْقُطُ بِضَمِّهِ إِلَى غيره كالعاج إذا كان معيناً بِالْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ، فَأَمَّا سُقُوطُ الْقَطْعِ فِي الْمَالِ الْمُشْتَرِكِ فَلِأَنَّ لَهُ فِيهِ حَقًّا، وَأَمَّا الْحُلِيُّ عَلَى الصَّبِيِّ فَسُقُوطُ الْقَطْعِ فِيهِ لِبَقَاءِ يَدِ مَالِكِهِ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَخَذَهُ مِنْ يَدِهِ فَعَلَى ما مضى.
(فصل) وإذا سَرَقَ إِنَاءً فِيهِ خَمْرٌ لَمْ يُقْطَعْ فِي الْخَمْرِ، وَفِي قَطْعِهِ فِي الْإِنَاءِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُقْطَعُ لِلتَّعْلِيلِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ سُقُوطَ الْقَطْعِ عَنْ أَحَدِ الْمَسْرُوقَيْنِ لَا يُوجِبُ سُقُوطَهُ عَنِ الْآخَرِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ الخمر يلزم إراقته ولا يجوز أن يقر في إنائه، فصار ذلك شبهة في إِخْرَاجِهِ مِنْ حِرْزِهِ، وَلَوْ كَانَ فِيهِ بَدَلَ الْخَمْرِ مَاءٌ نَجِسٌ أَوْ بَوْلٌ قُطِعَ فِيهِ، وإن لم يقطع في الماء النجس وفي البول؛ لأن استيفاء البول والماء النجس يجوز، واستبقاء الخمر لا يجوز.

(مسألة)

قال الشافعي: " وإن أَعَارَ رَجُلًا بَيْتًا فَكَانَ يُغْلِقُهُ دُونَهُ فَسَرَقَ مِنْهُ رَبُّ الْبَيْتِ قُطِعَ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا أَعَارَهُ بَيْتًا فَأَحْرَزَ الْمُسْتَعِيرُ فِيهِ مَتَاعًا وَتَفَرَّدَ بِغَلْقِهِ فَنَقَبَ الْمُعِيرُ الْبَيْتَ وَسَرَقَ مِنَ الْمَتَاعِ قُطِعَ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ مِنَ الْأَقْسَامِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ بِحَالٍ احْتِجَاجًا بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ فِي عَارِيَتِهِ وَهَذَا نَوْعٌ مِنْهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ لَهُ هَدْمَ البيت ونقبه، فصال الْمَالُ فِي غَيْرِ حِرْزٍ مِنْهُ.
وَدَلِيلُنَا: هُوَ أَنَّهُ قَدْ مَلَكَ مَنَافِعَ الْحِرْزِ بِحَقٍّ فَلَمْ يَكُنْ مِلْكُ الرَّقَبَةِ مَانِعًا مِنْ وُجُوبِ الْقَطْعِ كالإجارة، ولأنه لما حرم عليك هَتْكُ الْحِرْزِ كَتَحْرِيمِهِ عَلَى غَيْرِهِ اقْتَضَى أَنْ يجب

عَلَيْهِ الْقَطْعُ كَوُجُوبِهِ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَيْسَ لَهُ الرجوع بهتك الحرز بأن يرجع به قَوْلًا فَصَارَ الْحِرْزُ مَعَهُ بَاقِيًا فَبَطَلَ اسْتِدْلَالُهُ.

(فصل)

فإذا ثبت بما ذَكَرْنَا فَلَا يَخْلُو حَالُ الْمُعِيرِ عِنْدَ هَتْكِ الْحِرْزِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ قَدْ تَقَدَّمَ مِنْهُ الرُّجُوعُ فِي الْعَارِيَةِ قَوْلًا فَمَنَعَ الْمُسْتَعِيرُ مِنْ رَدِّهِ مَعَ الْمُكْنَةِ، فَلَا قَطْعَ عَلَى الْمُعِيرِ إِذَا نَقَبَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَعِيرَ مُتَصَرِّفٌ فِيهِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَصَارَ كَالْغَاصِبِ.
والقسم الثاني: أن لا يقدم الرجوع فيه ولا يرد بِهَتْكِهِ الرُّجُوعَ فِيهِ، فَهَذَا يُقْطَعُ إِذَا سَرَقَ مِنْهُ، وَفِيهِ يَتَعَيَّنُ خِلَافُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَالْقِسْمُ الثالث: أن لا يقدم الرجوع قَوْلًا وَيَنْوِي بِهَتْكِهِ الرُّجُوعَ فِيهِ، فَفِي قَطْعِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: لَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهَا شُبْهَةٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أبي هريرة: يقطع؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ إِلَّا بِالْقَوْلِ فَكَانَ ما عداه عدواناً منه.
(فصل) وإذا اسْتَأْجَرَ بَيْتًا فَنَقَبَ الْمُؤَجِّرُ عَلَيْهِ وَسَرَقَ مِنْهُ قُطِعَ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَا يُقْطَعُ، لِأَنَّ وُجُوبَ الْقَطْعِ مُعْتَبَرٌ بِهَتْكِ حِرْزٍ وَسَرِقَةِ مَالٍ، فَلَمَّا كَانَتِ الشَّرِكَةُ فِي الْمَالِ تَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ الْقَطْعِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِلْكُ الْحِرْزِ مَانِعًا مِنْ وُجُوبِ الْقَطْعِ، وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَلَكَ مَنَافِعَ الْحِرْزِ بِالْإِجَارَةِ كَمَا مَلَكَهَا بِالشِّرَاءِ، فَاقْتَضَى أن ينتفي الشُّبْهَةُ فِي هَتْكِهِ، وَأَنْ يَجِبَ الْقَطْعُ فِي سَرِقَتِهِ، وَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ مِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ مَا لَا يَمْلِكُهُ مِنْ دُخُولِ دَارِهِ إِذَا أَجَّرَهَا، ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ لَوْ سَرَقَ مِنْ بَعْضِ أهل الْمَسْجِدِ قُطِعَ، فَإِذَا سَرَقَ مِمَّا أَجَّرَ فَأَوْلَى أَنْ يُقْطَعَ.
(فَصْلٌ) وَإِذَا غَصَبَ بَيْتَا وَأَحْرَزَ فِيهِ مَتَاعًا فَسَرَقَ مِنْهُ لَمْ يُقْطَعْ، سَوَاءٌ سَرَقَ مِنْهُ مَالِكُ الْحِرْزِ أَوْ غَيْرُهُ، لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ إِحْرَازِ مَالِهِ فِي الْغَصْبِ فَصَارَ كَغَيْرِ الْمُحْرِزِ فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ قَطْعٌ، وَكَذَلِكَ لَوِ ارْتَهَنَ دَارًا فَأَحْرَزَ فِيهَا مَتَاعًا لَمْ يُقْطَعْ سَارِقُهُ، سَوَاءٌ سَرَقَهُ الرَّاهِنُ أَوْ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَ الرَّهْنِ لِلرَّاهِنِ دُونَ الْمُرْتَهِنِ فَصَارَ كالغاصب.
(فصل) وإذا سَرَقَ ثِيَابًا مِنْ حَمَّامٍ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ الثِّيَابِ خَلَعَهَا وَأَلْقَاهَا فِي الْحَمَّامِ وَلَمْ يُودِعْهَا حَافِظًا فَلَا قَطْعَ عَلَى سَارِقِهَا؛ لِأَنَّهَا فِي غَيْرِ حِرْزٍ وَيَضْمَنُهَا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يُودِعَهَا عِنْدَ الْحَمَّامِيِّ أَوْ عِنْدَ غَيْرِهِ مِنَ الْمُسْتَحْفَظِينَ، فَإِنْ غَفَلَ عَنْ حِفْظِهَا حَتَّى سُرِقَتْ فَالضَّمَانُ عَلَى مَنْ فَرَّطَ فِي الْحِفْظِ، وَلَا قَطْعَ عَلَى

السَّارِقِ، وَإِنْ لَمْ يَغْفَلْ عَنِ الْحِفْظِ وَلَا فَرَّطَ فِيهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى مَنْ يَحْفَظُهَا، وَيُقْطَعُ سَارِقُهَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يقطع احْتِجَاجًا بِأَنَّ الدُّخُولَ إِلَى الْحَمَّامِ مَأْذُونٌ فِيهِ فَلَمْ يَكُنْ حِرْزًا، وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ الْأَحْرَازَ مُعْتَبَرَةٌ بِالْعُرْفِ وَالْعُرْفُ جَارٍ بِأَنَّ الْحَمَّامَ حِرْزٌ لِثِيَابٍ دَاخِلِيَّةٍ، وَلَيْسَ الْإِذْنُ فِي دُخُولِهِ بِمَانِعٍ من أن يكو حرزاً، فإن المسجد أعم دخولاً وأكثر غَاشِيَةً وَهُوَ حِرْزٌ لِمَنْ نَامَ فِيهِ وَوَضَعَ ثَوْبَهُ تَحْتَ رَأْسِهِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَطَعَ سَارِقَ رِدَاءِ صَفْوَانَ وَقَدْ نَامَ فِي الْمَسْجِدِ وَوَضَعَهُ تَحْتَ رَأْسِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْإِذْنُ فِي دُخُولِ الْحَمَّامِ مَوْقُوفٌ عَلَى صَاحِبِهِ فَجَرَى مجرى البيوت إذا أذن ربها بالدخول إِلَيْهَا لَمْ يَكُنْ حِرْزًا لِمَنْ دَخَلَهَا وَالْمَسَاجِدُ لَا يَقِفُ الْإِذْنُ فِيهَا عَلَى أَحَدٍ بِعَيْنِهِ فَجَرَى مَجْرَى الطُّرُقَاتِ الَّتِي تَكُونُ حِرْزًا لِلْأَمْتِعَةِ الَّتِي فِيهَا مَعَ أَرْبَابِهَا.
قِيلَ: صِحَّةُ هَذَا الْفَرْقِ يُوجِبُ عَكْسَ الْحُكْمِ فِي أَنْ يَكُونَ الْحَمَّامُ حِرْزًا وَالْمَسْجِدُ غَيْرَ حِرْزٍ؛ لِأَنَّ دُخُولَ الْمَسْجِدِ حَقٌّ لِدَاخِلِهِ، وَدُخُولُ الْحَمَّامِ حَقٌّ لِصَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ إِلَى الْمَسْجِدِ بِغَيْرِ إِذْنٍ وَلَا يدخل إلى الحمام إلا بإذن، وعكس الحكم مَدْفُوعٌ فَصَارَ الْفَرْقُ مُطَّرَحًا، فَإِذَا ثَبَتَ اسْتِوَاءُ الْمَسْجِدِ وَالْحَمَّامِ فِي الْحِرْزِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ كَانَ الْقَطْعُ فِي السَّرِقَةِ مِنَ الْمَسْجِدِ مُعْتَبَرًا بِأَخْذِهِ مِنْ تَحْتِ صَاحِبِهِ إِنْ كَانَ نائماً، فإن لم يكن تحته فليس بمحرز إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَيْقِظًا فَيَكُونُ حِرْزًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَمَا يَمْتَدُّ إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِمَّا قَارَبَهُ، وَلَا يُعْتَبَرُ خُرُوجُهُ مِنَ الْمَسْجِدِ فِي وُجُوبِ الْقَطْعِ.
فَأَمَّا الْحَمَّامُ فَهَلْ يُعْتَبَرُ فِي قطع السارق منه خروجه مِنَ الْحَمَّامِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يُعْتَبَرُ كَالْمَسْجِدِ، وَيُقْطَعُ إِذَا أَخَذَ الثِّيَابَ من موضعها.
والوجه الثاني: أن يعتبر فيه خروجه من الحمام ولا قَطْعَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ، لِأَنَّهُ حرز خاص والمسجد عام.

(فصل)

فأما الضيف إذا سرق من دار مَنْ أَضَافَهُ فَإِنْ سَرَقَ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَضَافَهُ فِيهِ لَمْ يُقْطَعْ، وَإِنْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الْبُيُوتِ الْمُغَلَّقَةِ عَلَيْهِ قُطِعَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُقْطَعُ بِحَالٍ لِارْتِفَاعِ الْحِرْزِ مع الإذن بالدخول ودليلنا: ما أخبر به أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا أَقْطَعَ نَزَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه فكان يصلي الليل فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا لَيْلُكَ بِلَيْلِ سَارِقٍ من قطعك؟ قال يعلى بن أمية ظالماً، فقال أبو بكر: لأكتبن وأتوعده فبينا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ فَقَدُوا حُلِيًّا لِأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ فَجَعَلَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَظْهِرْ عَلَى صَاحِبِهِ، قال فوجد عند صائغ فألجئ حتى

ألجئ إِلَى الْأَقْطَعِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَغِرَّتُهُ بِاللَّهِ أشد على مما صنع اقطعوه، فقطعه، وَهُوَ ضَعِيفٌ وَلِأَنَّ الْبُيُوتَ الْمُغَلَّقَةَ حِرْزٌ لِمَا فِيهَا لَوْ كَانَتْ إِلَى الطَّرِيقِ فَكَانَ أَوْلَى أَنْ تَكُونَ حِرْزًا إِذَا كَانَتْ إِلَى الدَّارِ.

(فَصْلٌ)

وَإِذَا كَانَ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ وَلَهُ متاع في حرز فنقب صاحب الدين على الْحِرْزَ وَسَرَقَ مِنْهُ مَتَاعَ الْغَرِيمِ فَهَذَا عَلَى ضربين: أحدهما: أن يمطله صاحب الدين بدينه ويمنع من دفعه فينظر فيما أخذ صاحب الدين من الحرز فإن كان يقدر دَيْنِهِ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ التَّوَصُّلَ إِلَى أَخْذِهِ مِنْهُ، وَإِنْ أَخَذَ أَكْثَرَ مِنْ دينه فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْهُ قِيمَةً؛ لِأَنَّهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ لَمْ يُقْطَعْ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْهُ قَدْرًا لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِهِ فَفِي قَطْعِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يُقْطَعُ وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ لِلشُّبْهَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُقْطَعُ وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هريرة لتميز الحق من الباطل.
والضرب الثَّانِي: أَنْ لَا يَمْطُلَ صَاحِبُ الدَّيْنِ بِدَيْنِهِ وَيَقْدِرَ عَلَى أَخْذِهِ بِالْمُطَالَبَةِ فَفِي قَطْعِهِ بِمَا أَخَذَهُ عَنْ دَيْنِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ: لَا يُقْطَعُ لِأَجْلِ الشُّبْهَةِ.
والوجه الثاني: وهو قياس أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: يُقْطَعُ لِوُصُولِهِ إلى حقه من غريمه.
والله أعلم.

(فَصْلٌ)

وَإِذَا أَوْدَعَ رَجُلٌ وَدِيعَةً فَأَحْرَزَهَا الْمُودِعُ فِي حِرْزِهِ الَّذِي يَمْلِكُهُ كَانَ حِرْزًا لِمَالِه وَلِلْوَدِيعَةِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ بِالِائْتِمَانِ عَلَيْهَا نَائِبًا عَنْ صَاحِبِهَا فِي إِحْرَازِهَا، فَإِنْ سُرِقَتْ قُطِعَ سَارِقُهَا، وَلَوْ نَقَبَ رَبُّ الْوَدِيعَةِ عَلَيْهَا فَأَخَذَهَا وَسَرَقَ مَعَهَا غَيْرَهَا مِنْ حِرْزِهَا، فَإِنْ كَانَ مَمْنُوعًا مِنْ وَدِيعَتِهِ لَمْ يُقْطَعْ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِهَتْكِ حِرْزِهَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَمْنُوعٍ مِنْهَا فَفِي قَطْعِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: لَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ اقْتِرَانَهَا بِوَدِيعَتِهِ شُبْهَةٌ لَهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ متعد بهتك الحرز وأخذ لِمَا لَا يَسْتَحِقُّ.

(فَصْلٌ)

وَلَوْ غَصَبَ رَجُلٌ مَالًا أَوْ سَرَقَهُ وَأَحْرَزَهُ فِي حِرْزٍ لِنَفْسِهِ فَسُرِقَ مِنْهُ فَفِي قطع سارقه وجهان: أحدهما: يُقْطَعُ بَعْدَ قَطْعِ السَّارِقِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ سَرَقَ مَالًا مِنْ حِرْزٍ مِثْلَهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ حِرْزِ مُسْتَحِقٍّ فَصَارَ كَغَيْرِ الْمُحْرَزِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُقْطَعُ إِنْ سَرَقَ مِنَ الْغَاصِبِ وَلَا يُقْطَعُ إِنْ سَرَقَ مِنَ السَّارِقِ، وَالْحُكْمُ فِيهِمَا سَوَاءٌ عِنْدَنَا، وَيَكُونُ الْخَصْمُ فِي قَطْعِ هَذَا السَّارِقِ هُوَ الْمَالِكُ دُونَ الْغَاصِبِ وَالسَّارِقِ، هَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا، وَعِنْدِي أن على كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَالِكِ وَالْغَاصِبِ وَالسَّارِقِ خَصْمٌ فيه؛ أما المالك فلأجل ملكه، وأما الغصب وَالسَّارِقُ فَلِأَجْلِ ضَمَانِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْخَصْمُ فِي السَّرِقَةِ الْمَالِكُ، وَفِي الْغَصْبِ الْغَاصِبُ، وَلَيْسَ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَجْهٌ إِلَّا عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ السَّارِقَ لَا يُغَرَّمُ السَّرِقَةَ إِذَا قُطِعَ وَهُوَ بناء خلاف على خلاف والله اعلم.

(مسألة)

قال الشافعي: " وَيُقْطَعُ الْعَبْدُ آبِقًا وَغَيْرَ آبِقٍ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وإما إِذَا كَانَ الْعَبْدُ غَيْرَ آبِقٍ فَقَطْعُهُ إِذَا سَرَقَ وَاجِبٌ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ آبِقًا فَسَرَقَ فِي إِبَاقِهِ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ قَطْعِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ: يُقْطَعُ، سَوَاءٌ طُولِبَ فِي إِبَاقِهِ أَوْ بَعْدَ مَقْدِمِهِ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ: لَا يُقْطَعُ، سَوَاءٌ طُولِبَ فِي إِبَاقِهِ أَوْ بَعْدَ مَقْدِمِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْإِبَاقِ مُضْطَرٌّ، وَلَا قَطْعَ عَلَى مُضْطَرٍّ.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ: يُقْطَعُ إِنْ طُولِبَ بَعْدَ مَقْدِمِهِ وَلَا يُقْطَعُ إِنْ طُولِبَ فِي إِبَاقِهِ؛ لِأَنَّ قَطْعَهُ قَضَاءً عَلَى سَيِّدِهِ وَهُوَ لَا يَرَى الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ قَطْعِهِ فِي الْحَالَيْنِ عُمُومُ الآية، ولم يفضل بَيْنَ حُرٍّ وَعَبْدٍ.
وَرَوَى نَافِعٌ أَنَّ عَبْدًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ سَرَقَ وَهُوَ آبِقٌ، فَبُعِثَ بِهِ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ وَكَانَ أَمِيرَ الْمَدِينَةِ لِيَقْطَعَهُ، فَقَالَ سَعِيدٌ: كَيْفَ أَقْطَعُ آبِقًا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: فِي أَيِّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَجَدْتَ هَذَا؟ وَأَمَرَ ابْنُ عُمَرَ فَقُطِعَتْ يَدُهُ، وَلِأَنَّهُ حَدٌّ يُقَامُ عَلَى غَيْرِ الْآبِقِ فَوَجَبَ أَنْ يُقَامَ عَلَى الْآبِقِ كَحَدِّ الزِّنَا، وِلْأَنَّ الْإِبَاقَ مَعْصِيَةٌ إن لم يزده تغليظاً لم يتغلظ عَنْهُ حَدًّا، فَأَمَّا الِاضْطِرَارُ فَلَوْ كَانَ عِلَّةً لِفَرْقٍ بَيْنَ الْمُضْطَرِّ وَغَيْرِهِ وَلِفَرْقٍ بَيْنَ مَا تدعو الضرورة إليه ولا تدعو.
أما قوله إنه قضاء على السيد، فليس صحيح؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَوْ أَقَرَّ بِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ، وَلَوْ أَقَرَّ بِهِ الْعَبْدُ لَزِمَ، فَعُلِمَ أَنَّهُ قَضَاءٌ عَلَى الْعَبْدِ دُونَ السَّيِّدِ.

(فصل)

[حكم السرقة في المجاعة والقحط] وَإِذَا سَرَقَ السَّارِقُ فِي عَامِ الْمَجَاعَةِ وَالْقحْطِ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ لِغَلَاءِ السِّعْرِ مَعَ وُجُودِ الْأَقْوَاتِ، فَالْقَطْعُ وَاجِبٌ عَلَى السَّارِقِ، وَلَا تَكُونُ زِيَادَةُ الْأَسْعَارِ مُبِيحَةً لِلسَّرِقَةِ وَلَا مُسْقِطَةً لِلْقَطْعِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ لِتَعَذُّرِ الْأَقْوَاتِ وَعَدَمِهَا، فَإِنْ سَرَقَ مَا لَيْسَ بِقُوتٍ قُطِعَ، وَإِنْ سَرَقَ قُوتًا لَا يَقْدِرُ عَلَى مثله لَمْ يُقْطَعْ، وَكَانَتِ الضَّرُورَةُ شُبْهَةً فِي سُقُوطِ الْقَطْعِ كَمَا كَانَتْ شُبْهَةً فِي اسْتِبَاحَةِ الْأَخْذِ، روي عن ابن عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: " لَا قَطْعَ فِي عَامِ المجاعة ولا قطع في عام سنة) . روي عن مروان بن الحكم أنه أتى سارق سَرَقَ فِي عَامِ الْمَجَاعَةِ فَلَمْ يَقْطَعْهُ، وَقَالَ: أراه مضطراً، فلم ينكر ذلك منه أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَعُلَمَاءِ الْعَصْرِ.
[حُكْمُ نَبَّاشِ القبور]

(مسألة)

قال الشافعي: " وَيُقْطَعُ النَّبَّاشُ إِذَا أَخْرَجَ الْكَفَنَ مِنْ جَمِيعِ الْقَبْرِ لِأَنَّ هَذَا حِرْزُ مِثْلِهِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: النَّبَّاشُ هُوَ الَّذِي يَنْبُشُ الْقُبُورَ وَيَسْرِقُ أَكْفَانَ مَوْتَاهَا، اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي قَطْعِهِ فَذَهَبَ الشافعي إِلَى وُجُوبِ قَطْعِهِ.
وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَعَائِشَةُ.
وَمِنَ التَّابِعِينَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ.
وَمِنَ الْفُقَهَاءِ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَرَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدُ: لَا يُقْطَعُ.
وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ؛ اسْتِدْلَالًا بِرِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ نَبَّاشًا رُفِعَ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فَعَزَّرَهُ وَلَمْ يَقْطَعْهُ، وَفِي الْمَدِينَةِ بَقِيَّةُ الصَّحَابَةِ وَعُلَمَاءُ التَّابِعِينَ فَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَلِأَنَّ أَطْرَافَ الْمَيِّتِ أَغْلَظُ حُرْمَةً مِنْ كَفَنِهِ، فَلَمَّا سَقَطَ ضَمَانُ أَطْرَافِهِ فَأَوْلَى أَنْ يَسْقُطَ الْقَطْعُ فِي أَكْفَانِهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ سَرَقَ مِنَ الْقَبْرِ غَيْرَ الْكَفَنِ لَمْ يُقْطَعْ، فَكَذَلِكَ إِذَا سَرَقَ الْكَفَنَ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ حِرْزًا لشيء كان حرزاً لأمثاله، وليس القبر حرز لِمِثْلِ الْكَفَنِ، فَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ حِرْزًا لِلْكَفَنِ، وَلِأَنَّ الْكَفَنَ مُعَرَّضٌ لِلْبِلَى وَالتَّلَفِ فَخَرَجَ عَنْ حُكْمِ الْمَحْفُوظِ الْمُسْتَبْقَى فَسَقَطَ عَنْهُ الْقَطْعُ الْمُخْتَصُّ بما يحفظ

وَيُسْتَبْقَى، وَلِأَنَّ الْكَفَنَ لَا مَالِكَ لَهُ وَمَا لَا مَالِكَ لَهُ لَا قَطْعَ فِيهِ لِعَدَمِ الْمُطَالِبِ بِهِ كَمَالِ بَيْتِ الْمَالِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كُفِّنَ بِأَكْثَرَ مِنَ الْعَادَةِ لَمْ يُقْطَعْ فِي الزِّيَادَةِ كَذَلِكَ فِيمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، وَلِأَنَّ قَبْرَ الْمَيِّتِ يَشْتَمِلُ عَلَى كَفَنِهِ وَطِيبِهِ ثُمَّ لَمْ يُقْطَعْ فِي طِيبِهِ فَكَذَلِكَ فِي كَفَنِهِ.
وَدَلِيلُنَا: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَلَى عُمُومِهِ فِي النَّبَّاشِ وَغَيْرِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: النَّبَّاشُ لَيْسَ بِسَارِقٍ لِاخْتِصَاصِهِ بِاسْمِ النَّبَّاشِ دُونَ السَّارِقِ.
قِيلَ: عنه جوابان: أحدهما: أن السارق هو المستسر بِأَخْذِ الشَّيْءِ مِنْ حِرْزِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ [الحجر: 18] وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي النَّبَّاشِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ سَارِقًا.
وَالثَّانِي: مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: سَارِقُ مَوْتَانَا كَسَارِقِ أَحْيَائِنَا، وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ قَالَ: يُقْطَعُ سارق أحيائنا وسارق موتانا، فسمياه سَارِقًا وَقَوْلُهُمَا حُجَّةٌ فِي اللُّغَةِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ألم نجعل الأرض كفاتاً أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: 25] أَيْ نَجْمَعُهُمْ أَحْيَاءً عَلَى ظَهْرِهَا وَنَضُمُّهُمْ أَمْوَاتًا فِي بَطْنِهَا، فَجَعَلَ بَطْنَهَا حِرْزًا لِلْمَيِّتِ كَمَا جَعَلَ ظَهْرَهَا حِرْزًا لِلْحَيِّ فَاسْتَوَيَا فِي الْحُكْمِ.
وَرَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ أَمَرَ بِقَطْعِ الْمُخْتَفِي، قَالَ الْأَصْمَعِيُّ، وَأَهْلُ الْحِجَازِ: يُسَمُّونَ النَّبَّاشَ الْمُخْتَفِي وَفِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: لِاخْتِفَائِهِ بِأَخْذِ الْكَفَنِ.
وَالثَّانِي: لِإِظْهَارِهِ الْمَيِّتَ فِي أَخْذِ كَفَنِهِ، وَقَدْ يُسَمَّى الْمُظْهِرُ الْمُخْتَفِي، وَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَضْدَادِ، وَرُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ قَطَعَ نَبَّاشًا بِعَرَفَاتٍ وَهُوَ مَجْمَعُ الحجيج، ولا يخفي ما يجري فِيهِ عَلَى عُلَمَاءِ الْعَصْرِ فَمَا أَنْكَرَهُ مِنْهُمْ مُنْكِرٌ.
وَمِنَ الْقِيَاسِ: أَنَّهَا عَوْرَةٌ يَجِبُ سَتْرُهَا فَجَازَ أَنْ يَجِبَ الْقَطْعُ فِي سَرِقَةِ مَا سِتْرُهَا كَالْحَيِّ.
وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بِسَرِقَةِ مَالِ الْحَيِّ فَجَازَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِسَرِقَةِ كَفَنِ الْمَيِّتِ كَالضَّمَانِ.
وَلِأَنَّ قَطْعَ السَّرِقَةِ مَوْضُوعٌ لِحِفْظِ مَا وَجَبَ اسْتِبْقَاؤُهُ عَلَى أَرْبَابِهِ حَتَّى يَنْزَجِرَ النَّاسُ عَنْ أَخْذِهِ فَكَانَ كَفَنُ الْمَيِّتِ بِالْقَطْعِ أَحَقَّ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى حِفْظِهِ على نفسه.

وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى مِثْلِهِ عِنْدَ أَخْذِهِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ مَرْوَانَ أَنَّهُ عزر النباش فلم يقطعه فعنه ثَلَاثَةُ أَجْوِبَةٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ مَذْهَبٌ لَهُ وَقَدْ عارضه فعل من قوله أحج وَفِعْلُهُ أَوْكَدُ، وَهُوَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سُقُوطُ الْقَطْعِ لِنُقْصَانِ قِيمَتِهِ عَنْ مِقْدَارِ الْقَطْعِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّبَّاشُ لَمْ يُخْرِجِ الْكَفَنَ مِنَ الْقَبْرِ، وَالْقَطْعُ لَا يَجِبُ إِلَّا بَعْدَ إِخْرَاجِهِ مِنَ الْقَبْرِ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْقَبْرِ حِرْزٌ لَهُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِسُقُوطِ الضَّمَانِ فِي أَطْرَافِهِ فَكَذَلِكَ فِي أَكْفَانِهِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: انْتِقَاضُهُ بِالْمُرْتَدِّ يَسْقُطُ ضَمَانُ أَطْرَافِهِ وَلَا يَسْقُطُ فِي مَالِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لما افترقت أطرافه وأكفانه في الضمان وضمن أَكْفَانَهُ وَلَمْ يَضْمَنْ قَطْعَ أَطْرَافِهِ كَانَ الْقَطْعُ تَبَعًا لِضَمَانِهَا فِي الْوُجُوبِ كَمَا كَانَ الْقَوَدُ فِي الْأَعْضَاءِ تَبَعًا لِضَمَانِهَا فِي السُّقُوطِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: بِأَنَّ الْقَبْرَ لَيْسَ بِحِرْزٍ لِغَيْرِ الْكَفَنِ فَلَمْ يَكُنْ حِرْزًا لِلْكَفَنِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقَبْرُ فِي حِرْزٍ وَدُفِنَ فِيهِ مَعَ الْمَيِّتِ مَالٌ قُطِعَ فِي الْمَالِ عِنْدَهُمْ وَلَمْ يُقْطَعْ فِي الْكَفَنِ وَإِنْ كَانَ فِي هَذَا الْجَوَابِ ضَعْفٌ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُمْ لِسُقُوطِ الْقَطْعِ فِي الْكَفَنِ ثَلَاثُ عِلَلٍ: أحدها: أن القبر ليس بحرز.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْبِلَى.
وَالثَّالِثَةُ: أَنَّهُ لَا مَالِكَ لَهُ، فَإِنْ كَمَلَتْ سَقَطَ الْقَطْعُ بِجَمِيعِهَا، وَإِنْ تَفَرَّقَتْ سَقَطَ الْقَطْعُ بِمَا وُجِدَ مِنْهَا.
وَالْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّ الْحِرْزَ مُعْتَبَرٌ بِالْعَادَةِ الَّتِي لَا يَقْتَرِنُ بِهَا تَفْرِيطٌ، وَالْعَادَةُ فِي الْأَكْفَانِ إِحْرَازُهَا فِي الْقُبُورِ وَلَا يُنْسَبُ فَاعِلُهَا إِلَى تفريط فصار إحرازاً، وَلَيْسَ إِذَا كَانَ حِرْزًا لَهَا صَارَ حِرْزًا لِغَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الْإِحْرَازَ تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْمُحْرَزَاتِ.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا الْجَوَابُ فِي اعْتِبَارِ الْعَادَةِ لَا يَمْنَعُ مِنْ سُقُوطِ الْقَطْعِ كَبَذْرِ الزَّرْعِ قد جرت العادة في إحراز بِبَذْرِهِ فِيهَا وَلَا يُنْسَبُ فَاعِلُهُ إِلَى تَفْرِيطٍ، ولو سَرَقَهُ سَارِقٌ لَمْ يُقْطَعْ، فَكَذَلِكَ الْكَفَنُ.

فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ أَصْحَابَنَا اخْتَلَفُوا فِيهِ هَلْ يَجِبُ الْقَطْعُ عَلَى سَارِقِهِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَجِبُ الْقَطْعُ فِيهِ إِذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ نِصَابًا اعْتِبَارًا بِالْعَادَةِ فِي إِحْرَازِ مِثْلِهِ، فَعَلَى هَذَا يَسْقُطُ الِاعْتِرَاضُ بِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَفَنِ أَنَّ الْكَفَنَ يُؤْخَذُ دَفْعَةً وَاحِدَةً مِنْ حِرْزِهِ وَقَدْ كَمَلَتْ قِيمَتُهُ نِصَابًا فَلِذَلِكَ قُطِعَ فِيهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ هَذَا الْبَذْرُ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُهُ مِنَ الْأَرْضِ حَبَّةً بَعْدَ حَبَّةٍ وَكُلُّ حَبَّةٍ منها تُحْرَزُ فِي مَوْضِعِهَا لَا فِي مَوْضِعِ غَيْرِهَا، وَإِذَا افْتَرَقَتِ السَّرِقَةُ لَمْ يُضَمَّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ فَافْتَرَقَا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِأَنَّ الْكَفَنَ مُعَرَّضٌ لِلْبِلَى وَالتَّلَفِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أن الاعتبار بحاله عِنْدَ أَخْذِهِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِمَا تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ كَالْبَهِيمَةِ الْمَرِيضَةِ إِذَا شَارَفَتِ الْمَوْتَ.
وَالثَّانِي: أن تعريضه للبلى لا يمنع وُجُوبِ الْقَطْعِ فِيهِ كَدَفْنِ الثِّيَابِ فِي الْأَرْضِ، وَعَلَى أَنَّ ثِيَابَ الْحَيِّ مُعَرَّضَةٌ لِلْبِلَى بِاللِّبَاسِ وَلَا يُوجِبُ سُقُوطَ الْقَطْعِ فِيهَا كَذَلِكَ الْأَكْفَانُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: إِنَّهُ لَا مَالِكَ لِلْكَفَنِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ مِلْكٌ لِلْمَيِّتِ خَاصَّةً لِاخْتِصَاصِهِ بِهِ وَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لَهُ فِي حَيَاتِهِ وَبَاقِيًا عَلَى مِلْكِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ كَالدَّيْنِ يَكُونُ ثَابِتًا فِي ذِمَّتِهِ فِي حَيَاتِهِ وَفِي حُكْمِ الثَّابِتِ فِي ذِمَّتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ أَنَّ الْمَيِّتَ أَكَلَهُ السَّبُعُ وَبَقِيَ كَفَنُهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَكُونُ لِوَرَثَتِهِ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ.
وَالثَّانِي: يَكُونُ لِبَيْتِ مَالِ المسلمين، وعلى هذا في الْخَصْمِ الْمُسْتَحِقِّ لِلْمُطَالَبَةِ بِقَطْعِ سَارِقِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: الْوَرَثَةُ إِنْ جَعَلْنَاهُ مَوْرُوثًا.
وَالثَّانِي: الْإِمَامُ إِنْ جَعَلْنَاهُ لِبَيْتِ الْمَالِ، فَهَذَا حُكْمُ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْكَفَنَ مِلْكٌ لِلْوَرَثَةِ وَقَدِ اسْتَحَقَّ الْمَيِّتُ مَنَافِعَهُ كَالتَّرِكَةِ إِذَا كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ مَلَكَهَا الْوَرَثَةُ وَاسْتَحَقَّ الْمَيِّتُ عَلَيْهِمْ قَضَاءَ دَيْنِهِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ أَكَلَهُ السَّبُعُ عَادَ الْكَفَنُ إِلَى الْوَرَثَةِ وَجْهًا وَاحِدًا وَهُمُ الْخُصُومُ فِي قَطْعِ السَّارِقِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا مالك للكفن، ولأن الميت لا يملك وَالْوَارِثَ لَا حَقَّ لَهُ

فِيهِ، وَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يُقْطَعَ فِيمَا لَا مَالِكَ لَهُ كَمَا يُقْطَعُ فِي أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَآلَاتِ الْمَسَاجِدِ، وَيُخَالِفُ مَالَ بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ لم يتعين في حق إنسان بعينه، والكفن يتعين فِي حَقِّ صَاحِبِهِ، وَيَعُودُ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ إِنْ أَكَلَهُ السَّبُعُ، وَيَكُونُ الْإِمَامُ هُوَ الْخَصْمُ فِي قَطْعِ السَّارِقِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِأَنَّهُ لَا يُقْطَعُ فِي زِيَادَةِ الْكَفَنِ فَهُوَ أَنَّ الْغَرَضَ ثَوْبٌ، وَالزِّيَادَةُ عَلَيْهِ إِلَى خَمْسَةِ أثواب ندب، وما زاد عليه خارج حُكْمِهِ فَيُقْطَعُ فِي الْوَاجِبِ وَالنَّدْبِ، وَلَا يُقْطَعُ في الزيادة عليها بخروجها عَنْ حُكْمِ الْكَفَنِ فَرْضًا وَنَدْبًا، وَلَيْسَ الْقَبْرُ حِرْزًا لِغَيْرِ الْكَفَنِ وَإِنْ كَانَ حِرْزًا لِلْكَفَنِ؛ لِمَا قَدَّمْنَاهُ فَافْتَرَقَا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِالطِّيبِ فَفِي قَطْعِ سَارِقِهِ مِنْ أَكْفَانِ الْمَيِّتِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُقْطَعُ وَيَسْقُطُ؛ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ الطِّيبَ مُسْتَهْلَكٌ بَعْدَ اسْتِعْمَالِهِ وَالْأَكْفَانُ بَاقِيَةٌ فَافْتَرَقَا فِي الْقَطْعِ لِافْتِرَاقِهِمَا فِي الْمَعْنَى.
فَأَمَّا سَرِقَةُ التَّابُوتِ فَلَا قَطْعَ فيه؛ لأن التابوت منهي عن الدفع فِيهِ فَلَمْ يَصِرِ الْقَبْرُ حِرْزًا لَهُ فَسَقَطَ فِيهِ الْقَطْعُ.

(فَصْلٌ) فَإِذَا ثَبَتَ قَطْعُ النَّبَّاشِ فَقَطْعُهُ فِي الْكَفَنِ مُعْتَبَرٌ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْقَبْرُ فِي مَقَابِرِ الْبَلَدِ الْأَنِيسَةِ، سواء كانت في وسط البلد أو ظاهره، فَإِنْ كَانَ الْقَبْرُ مُنْقَطِعًا عَنِ الْأَمْصَارِ مُفْرَدًا فِي الْفَلَوَاتِ فَلَا قَطْعَ فِيهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْقَبْرُ عَمِيقًا عَلَى مَعْهُودِ الْقُبُورِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَمِيقًا وَكَانَ دَفْنُهُ قَرِيبًا مِنْ ظَاهِرِ الْأَرْضِ فَلَا قَطْعَ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُخْرِجَ الكفن من جميع القبر بعد تجريده عن الْمَيِّتِ، فَإِنْ أَخْرَجَهُ مَعَ الْمَيِّتِ وَلَمْ يُجَرِّدْهُ عَنْهُ فَفِي قَطْعِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ لِاسْتِبْقَائِهِ عَلَى الْمَيِّتِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قِيَاسُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: يُقْطَعُ لِإِخْرَاجِ الكفن من حرزه.

(فصل)

[حكم النشالين] فَأَمَّا الطَّرَّارُ فَإِذَا أَدْخَلَ يَدَهُ إِلَى الْكُمِّ فَأَخَذَ مَا فِيهِ، أَوْ أَدْخَلَهَا إِلَى الْجَيْبِ وَأَخَذَ مَا فِيهِ قُطِعَ بِوِفَاقِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَإِنْ بَطَّ الْكُمَّ أَوِ الْجَيْبَ، أَوْ فَتَقَهُمَا حَتَّى خَرَجَ مَا فِيهِمَا قُطِعَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُقْطَعُ بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَصْلِهِ فِي السَّارِقِ إِذَا سَرَقَ مِنَ الْحِرْزِ وَلَمْ يَدْخُلْهُ لَمْ يُقْطَعْ.
وَهَذَا أَصْلٌ قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ وَإِنْ كَانَ وَاهِيًا؛ لِأَنَّهُ يَقْطَعُهُ إِذَا أَدْخَلَ يَدَهُ إِلَى كُمِّهِ، وَلَا يَقْطَعُهُ إِذَا أَدْخَلَ يَدَهُ إِلَى الْحِرْزِ.
فَإِنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ دُخُولَهُ إِلَى الْكُمِّ مُمْتَنِعٌ وَدُخُولَهُ إِلَى الْحِرْزِ مُمْكِنٌ، كان هذا الفرق موجباً لافتراق الحكم فيهما وَالْحُكْمُ فِيهِمَا لَا يَفْتَرِقُ فَبَطَلَ التَّعْلِيلُ بِالدُّخُولِ وثبت التعليل بما قلناه مِنْ خُرُوجِ السَّرِقَةِ مِنْ حِرْزِهَا بِفِعْلِهِ لِاسْتِمْرَارِهِ وَاطِّرَادِهِ، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي الطَّرَّارِ كَوُجُودِهِ فِي النَّقَّابِ.

(فَصْلٌ)

وَإِذَا سَرَقَ مِنْ حِلْيَةِ فَرَسٍ عَلَيْهِ رَاكِبُهُ قُطِعَ سَوَاءٌ سَرَقَ مِنْ لِجَامٍ على رأسها أو من ثغر عَلَى كَفَلِهَا، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: يُقْطَعُ إِذَا سَرَقَ مِنْ لِجَامِ رَأْسِهَا وَلَا يُقْطَعُ إذا سرق من ثغر كَفَلِهَا بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّهُ يُضْمَنُ مَا أَفْسَدَتْ بِمُقَدَّمِهَا، وَلَا يُضْمَنُ مَا أَفْسَدَتْ بِمُؤَخَّرِهَا وَعِنْدَنَا يُضْمَنُ مَا أَفْسَدَتْ بِهِمَا وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(باب قطع اليد والرجل في السرقة)

(مَسْأَلَةٌ)

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: " أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرحمن عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ فِي السَّارِقِ " إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ ثم إن سرق فاقطعوا رجله) واحتج بأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قطع يد السارق اليسرى وقد كان أقطع اليد والرجل (قال الشافعي) رحمه الله فَإِذَا سَرَقَ قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى مِنْ م

ِفْصَلِ

الكف وحسمت بِالنَّارِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا قَطْعُ يَدِ السَّارِقِ فَهُوَ نَصُّ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَمَا جَرَى عَلَيْهِ العمل المستحق من قَطْعُ يَدِهِ الْيُمْنَى، لِرِوَايَةِ النَّخَعِيِّ أَنَّ ابْنَ مسعود كان يقرأ " والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم) وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ وَإِنْ شَذَّتْ فَهِيَ جَارِيَةٌ مَجْرَى خبر الواحد في وجوب العمل بِهَا.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " إِذَا سَرَقَ السَّارِقُ فَاقْطَعُوا يَمِينَهُ) . وَرُوِيَ أَنَّ الْخُلَفَاءَ الْأَرْبَعَةَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَطَعُوا يَمِينَ السَّارِقِ، وَلِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ السَّرِقَةَ فِي الْأَغْلَبِ بِيَمِينِهِ فَصَارَتْ بِالْقَطْعِ أَخَصَّ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الْأَيْسَرُ مِنَ النَّاسِ وَغَيْرُ الْأَيْسَرِ، فَإِذَا ثَبَتَ قطع يمينه فقد اختلف في حد قطعهما فَذَهَبَ الْخَوَارِجُ إِلَى أَنَّهَا تُقْطَعُ مِنَ الْمَنْكِبِ اسْتِيعَابًا لِمَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْيَدِ، وَحُكِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ تُقْطَعُ أَصَابِعُ كَفِّهِ، وَهِيَ رِوَايَةٌ شاذة.
وذهب جمهور الفقهاء إلى قطعها مِنْ مِفْصَلِ الْكَفِّ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَطَعَ سَارِقَ رِدَاءِ صَفْوَانَ مِنْ كَفِّهِ، وَلِأَنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ عَلَيْهِ عَمِلُوا وَهُوَ نَقْلٌ مَوْرُوثٌ إِلَى عِنْدِنَا وَلِأَنَّ دِيَةَ اليد تكمل فِي قَطْعِهَا مِنَ الْكُوعِ وَفِي الزِّيَادَةِ حُكُومَةٌ.

(فصل)

فإذا تقرر الْمُسْتَحَقَّ فِي السَّرِقَةِ الْأُولَى قُطِعَ كَفُّهُ الْيُمْنَى ولا فضل بين أن تكون لَهُ يُسْرَى أَوْ لَا يَكُونَ لِذَهَابِهَا بِجِنَايَةٍ أَوْ عِلَّةٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ كَانَتِ الْيُسْرَى مَقْطُوعَةً، أَوْ قَدْ قُطِعَ أَكْثَرُ أَصَابِعِهَا، أَوْ ذَهَبَ أَكْثَرُ مَنَافِعِهَا لَمْ تُقْطَعِ الْيُمْنَى، وإن قطع منها إصبع واحد، أو ذهبت أَقَلُّ مَنَافِعِهَا قُطِعَتِ الْيُمْنَى.
وَبَنَاهُ عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّهُ لَا يُجْمَعُ بَيْنَ قَطْعِهِمَا فِي السرقة، وكذلك إذا ذهبت إحداهما لم يقطع الْأُخْرَى فِي السَّرِقَةِ.
وَنَحْنُ نَبْنِيهِ عَلَى أَصْلِنَا في جواز قطعها فِي السَّرِقَةِ، وَغَيْرِ السَّرِقَةِ وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ يَأْتِي، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُ حَالُ كَفِّهِ الْيُمْنَى مِنْ خَمْسَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ كَامِلَةً سَالِمَةً فَتُقْطَعُ عَلَى مَا سَنَصِفُهُ مِنْ حال القطع، فلو لَمْ تُقْطَعْ حَتَّى ذَهَبَتْ سَقَطَ بِذَهَابِهَا قَطْعُ السَّرِقَةِ لِذَهَابِ مَا اسْتَحَقَّ قَطْعَهُ، كَمَا لَوْ وَجَبَ قَتْلُهُ بِالرِّدَّةِ فَمَاتَ سَقَطَ قَتْلُ الرِّدَّةِ، ولو كان ذهابها لجناية اسْتَحَقَّ بِهَا قَوَدًا أَوْ دِيَةً كَانَ لِلسَّارِقِ أَنْ يَقْتَصَّ بِهَا مِنَ الْجَانِي أَوْ يَأْخُذَ ديتها، وهو أحق بالدية ولا يؤخذ مِنْهُ بَدَلًا مِنْ قَطْعِهَا فِي السَّرِقَةِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ فِي السَّرِقَةِ الْقَطْعُ دُونَ الدِّيَةِ وَقَدْ سَقَطَ بِالْفَوَاتِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ يُمْنَاهُ نَاقِصَةَ الْأَصَابِعِ قَدْ ذَهَبَ بَعْضُهَا وَبَقِيَ بَعْضُهَا فَتُقْطَعُ وَيُجْزِئُ قَطْعُهَا وَلَوْ كَانَ الْبَاقِي مِنْهَا إِصْبَعًا وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ اسْمَ الْيَدِ يَنْطَلِقُ عَلَيْهَا مَعَ نُقْصَانِهَا كَمَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهَا مَعَ زِيَادَتِهَا، وَهِيَ لَوْ كَانَتْ زَائِدَةَ الْأَصَابِعِ قُطِعَتْ كَذَلِكَ إِذَا كَانَتْ نَاقِصَةَ الْأَصَابِعِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْقِصَاصِ الذي تعتبر فِيهِ الْمُمَاثِلَةُ وَيُعْتَبَرُ فِي السَّرِقَةِ مُطْلَقُ الِاسْمِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ يُمْنَاهُ ذَاهِبَةَ الْأَصَابِعِ كُلِّهَا وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا كَفُّهَا فَفِي قطعها في السرقة وجهان: أحدهما: قد حَكَاهُ الْحَارِثُ بْنُ سُرَيْجٍ عَنِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهَا تُقْطَعُ لِانْطِلَاقِ اسْمِ الْيَدِ عَلَيْهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لا تقطع ويصير كَالَّذِي لَا يُمْنَى لَهُ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ؛ لأن المقصود بقطعها أن يسلب به منفعتها وهذه لا منفعة ولا جمال بِهَا.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ يُمْنَاهُ شَلَّاءَ لا يبطش بها فيسأل أهل الخبرة بها إِذَا قُطِعَتْ، فَإِنْ قَالُوا: إِنَّ عُرُوقَهَا بَعْدَ الْقَطْعِ تَلْتَحِمُ وَتَنْسَدُّ قُطِعَتْ فِي السَّرِقَةِ.
وَإِنْ قَالُوا: لَا تَلْتَحِمُ وَلَا تَنْسَدُّ لَمْ تُقْطَعْ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ الْعُرُوقِ عَلَى انْفِتَاحِ أَفْوَاهِهَا مُفْضٍ إِلَى تَلَفِ نَفْسِهِ وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ تَلَفُهُ.

والقسم الخامس: أن لا يكون لَهُ يُمَنَى وَتَكُونُ قَدْ ذَهَبَتْ قَبْلَ سَرِقَتِهِ إِمَّا بِجِنَايَةٍ أَوْ عِلَّةٍ، فَلَا يَسْقُطُ قَطْعُ السَّرِقَةِ بِذَهَابِهَا بِخِلَافِ الذَّاهِبَةِ بَعْدَ سَرِقَتِهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْقَطْعَ قَدْ تَعَيَّنَ فِيهَا إِذَا تَأَخَّرَ ذَهَابُهَا فَسَقَطَ بِذَهَابِهَا، وَإِذَا تَقَدَّمَ ذَهَابُهَا تعيين الْقَطْعُ فِي غَيْرِهَا فَلَمْ يَسْقُطْ بِذَهَابِهَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ الْعُدُولُ إِلَى قَطْعِ رِجْلِهِ الْيُسْرَى؛ لِأَنَّ ذَهَابَ الْيُمْنَى يَجْعَلُ السَّرِقَةَ الْأُولَى في حكم الثانية، والمقطوع في الثانية رجله اليسرى دون اليد الأخرى، والله اعلم.

(مسألة)

قال الشافعي: " فإذا سَرَقَ الثَّانِيَةَ قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى مِنْ م

ِفْصَلِ

الْكَعْبِ ثُمَّ حُسِمَتْ بِالنَّارِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ؛ تُقْطَعُ فِي السَّرِقَةِ الثَّانِيَةِ رِجْلُهُ الْيُسْرَى وهو قول الجمهور من الْفُقَهَاءِ وَقَالَ عَطَاءٌ تُقْطَعُ يَدُهُ الْيُسْرَى؛ لِأَنَّهَا إِلَى الْيَدِ الْيُمْنَى أَقْرَبُ مِنَ الرِّجْلِ، فَكَانَ الْعُدُولُ مِنْهَا إِلَى مَا قَارَبَهَا أَوْلَى مِنَ الْعُدُولِ إِلَى مَا بَعُدَ عَنْهَا.
وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِرِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " إِذَا سَرَقَ السَّارِقُ فَاقْطَعُوا يَدَهُ فَإِنْ عَادَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ، فَإِنْ عَادَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، فَإِنْ عَادَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ) . وَرُوِيَ أَنَّ نَجْدَةَ الْحَرُورِيَّ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يَسْأَلُهُ هَلْ قَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَعْدَ يَدِ السَّارِقِ يَدَهُ أَوْ رِجْلَهُ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَطَعَ رِجْلَهُ بَعْدَ الْيَدِ.
وَلِأَنَّهُ فِعْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَلَيْسَ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ، فَكَانَ إِجْمَاعًا، وَلِأَنَّهُ لَمَّا قُطِعَ فِي الْحِرَابَةِ الرِّجْلُ بَعْدَ الْيَدِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي قَطْعِ السَّرِقَةِ مِثْلُهُ.
فَإِذَا ثَبَتَ قَطْعُ رِجْلِهِ الْيُسْرَى فِي السَّرِقَةِ الثَّانِيَةِ قُطِعَتْ مِنْ مِفْصَلِ الْكَعْبِ وَلَمْ تُقْطَعْ إِلَّا بَعْدَ انْدِمَالِ يَدِهِ؛ لِئَلَّا يَتَوَالَى عليه القطعان فيتلف وإن جمع بين قطعهما فِي الْحِرَابَةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ قَطْعَهُمَا فِي الحرابة حد واحد، والحد واحد يُجْمَعُ وَلَا يُفَرَّقُ، وَقَطْعُهُمَا فِي السَّرِقَةِ حَدَّانِ، والحدان لا يجمع بينهما، ويفرقان.
(مسألة) قال الشافعي: " فإذا سَرَقَ الثَّالِثَةَ قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى مِنْ مِفْصَلِ الكف ثم حسمت بالنار فإذا سَرَقَ الرَّابِعَةَ قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُمْنَى مِنْ مِفْصَلِ الْكَعْبِ ثُمَّ حُسِمَتْ بِالنَّارِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: يُقْطَعُ السَّارِقُ فِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ، فَتُقْطَعُ فِي الثَّالِثَةِ يَدُهُ الْيُسْرَى، وَتَقْطَعُ فِي الرَّابِعَةِ رِجْلُهُ الْيُمْنَى، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَإِسْحَاقُ.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا أَقْطَعُهُ بَعْدَ الثَّانِيَةِ وَيُحْبَسُ بَعْدَ التَّعْزِيرِ حَتَّى يَتُوبَ، وَبِهِ قَالَ الثوري وأحمد بن حنبل؛ استدلالاً بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] والإضافة إلى الاثنين بلفظ الجمع تقتضي واحداً من الاثنين كما قال تعالى: ﴿وإن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: 4] فكان المراد قلباً من كل واحدة.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ أُتِيَ بِسَارِقٍ مَقْطُوعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ فَلَمْ يَقْطَعْهُ وَقَالَ: إِنِّي لَأَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ أَنْ لا أدع له يداً يأكل بها ورجلاً يمشي عليها، وأن كُلَّ عُضْوٍ لَا يُقْطَعُ فِي السَّرِقَةِ الثَّانِيَةِ لَمْ يُقْطَعْ فِي السَّرِقَةِ بِحَالٍ كَالِّلسَانِ وَالْأَنْفِ، وَلِأَنَّ فِي قَطْعِ الْيُسْرَى اسْتِيفَاءَ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ فوجب أن لا تقطع فِي السَّرِقَةِ كَالسَّرِقَةِ الثَّانِيَةِ، وَلِأَنَّ الْيَدَ الْيُسْرَى أقرب إلى الْيُمْنَى مِنَ الرِّجْلِ الْيُسْرَى، وَالسَّرِقَةُ الثَّانِيَةُ أَقْرَبُ إلى الأولة مِنَ الثَّالِثَةِ، فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ قَطْعُهَا فِي الثَّانِيَةِ مَعَ قُرْبِهَا مِنَ الْيُمْنَى وَقُرْبِهَا مِنَ السرقة الأولى كان أولى أن لا تقطع في الثالثة؛ لِأَنَّ السَّرِقَةَ إِذَا تَكَرَّرَتْ ضَعُفَتْ، وَإِذَا تَقَدَّمَتْ غَلُظَتْ.
وَدَلِيلُنَا: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] فَاقْتَضَى هَذَا الظَّاهِرُ مِنْ لَفْظِ الْجَمْعِ أَنْ تُقْطَعَ الْيَدَيْنِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَدْ يُعَبَّرُ عَنِ الِاثْنَيْنِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُمَا أَقْرَبُ إِلَى الْجَمْعِ مِنَ الْوَاحِدِ، وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: 4] دَلِيلٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْجَسَدِ إِلَّا قَلْبٌ وَاحِدٌ، فَعَلِمْنَا أَنَّهُ تَرَكَ الظَّاهِرَ، وَهَذَا انْفِصَالٌ، ويدل عليه حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " إِذَا سَرَقَ السَّارِقُ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، فَإِنْ عَادَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ، فَإِنْ عَادَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، فَإِنْ عَادَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ) وَهَذَا نَصٌّ.
وَرَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: آتِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِسَارِقٍ فَقَطَعَ يَدَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ وَقَدْ سَرَقَ فَقَطَعَ رِجْلَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ وَقَدْ سَرَقَ فَقَطَعَ يَدَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ وَقَدْ سَرَقَ فَقَطَعَ رِجْلَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ وَقَدْ سَرَقَ فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ، فَإِنْ قِيلَ: فَفِيهِ الْقَتْلُ فِي الْخَامِسَةِ وَهُوَ مَنْسُوخٌ فَلَمْ يَصِحَّ الاجتماع بِهِ قِيلَ: نَسْخُ بَعْضِ الْحَدِيثِ لَا يَقْتَضِي نسخ باقيه.
وروى أيوب عن نافع أَنَّ أَقْطَعَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ نَزَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَسَرَقَ فَقَطَعَ يَدَهُ.

وَرَوَى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: شَهِدْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَطَعَ بعد يد ورجل يداً، وَمِنَ الْقِيَاسِ: أَنَّ كُلَّ يَدٍ جَازَ قَطْعُهَا قَوَدًا جَازَ قَطْعُهَا حَدًّا كَالْيُمْنَى، وَكُلَّ رِجْلٍ قُطِعَتْ قَوَدًا جَازَ قَطْعُهَا حَدًّا كَالْيُسْرَى، وَلِأَنَّ الْإِمَامَ لَوْ أَخْطَأَ فَقَطَعَ الْيَدَ الْيُسْرَى فِي السَّرِقَةِ سَقَطَ بِهَا قَطْعُ الْيُمْنَى فَتَقُولُ: مَا سَقَطَ الْحَدُّ بِقَطْعِهِ جَازَ أَنْ يَكُونَ قَطْعُهُ مُسْتَحَقًّا كَالْيُمْنَى.
وَلِأَنَّ كُلَّ حُكْمٍ ثَبَتَ لِلْيَدِ الْيُمْنَى وَالرِّجْلِ الْيُسْرَى ثَبَتَ لِلْيَدِ الْيُسْرَى وَالرِّجْلِ الْيُمْنَى.
أَصْلُهُ: الدِّيَةُ وَالْقَوَدُ وَالطَّهَارَةُ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَدْ عَارَضَهُ فِعْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِ عَلَى اللِّسَانِ وَالْأَنْفِ مَعَ فَسَادِ مَوْضُوعِهِ فَهُوَ أَنَّهُ لو قطع لم يسقط به الحد ولم يَجُزْ قَطْعُهُ فِي الْحَدِّ بِخِلَافِ الْيَدِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ بِمَا فِيهِ مِنَ اسْتِيفَاءِ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمْ يُمْنَعْ ذَلِكَ فِي الْقَوَدِ فَلَمْ يُمْنَعْ فِي الْحَدِّ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنْ القتل كان أولى أن لا يمنع ما دُونَ الْقَتْلِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: إِنَّهَا فِي الثَّانِيَةِ أَقْرَبُ، وَإِذَا تَكَرَّرَتِ السَّرِقَةُ خَفَّتْ فَهُوَ إِثْبَاتُ اعْتِبَارِ الثَّانِيَةِ بِالْقَطْعِ فِي الْحِرَابَةِ من خلاف فكان ذلك اعتلالا يدفع عنه هذا التعليل، كذلك السرقة، وادعاؤهم خفة السرقة إذا تكررت فغير مُسَلَّمٍ؛ لِأَنَّ قَطْعَ الرِّجْلِ فِي الثَّانِيَةِ أَغْلَظُ مِنْ قَطْعِ الْيَدِ فِي الْأُولَى؛ لِأَنَّهَا أَغْلَظُ مِفْصَلًا وَأَكْثَرُ زَمَانَةً.

(فَصْلٌ)

وَإِذَا سَرَقَ مِرَارًا قَبْلَ الْقَطْعِ قُطِعَ لِجَمِيعِهَا قَطْعًا وَاحِدًا، وَتَدَاخَلَ بَعْضُ الْقَطْعِ فِي بَعْضٍ، كَالزَّانِي إِذَا لَمْ يُحَدَّ حَتَّى تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ حُدَّ فِي جميعه حداً واحداً؛ لأن الحدود لإدرائها بالشبهة يتداخل بعضها في بعض، والله أعلم.

(مسألة)

قال الشافعي: " وَيُقْطَعُ بِأَخَفِّ مُؤْنَةٍ وَأَقْرَبِ سَلَامَةٍ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ؛ إِذَا أَرَادَ الْإِمَامُ قَطْعَ يَدِ السَّارِقِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُسَاقَ إِلَى مَوْضِعِ الْقَطْعِ سوقاً رقيقاً لَا يُعَنَّفُ بِهِ، وَلَا يُقَابَلُ بِسَبٍّ وَلَا شَتْمٍ وَلَا تَعْيِيرٍ، وَلَا يُقْطَعُ قَائِمًا حَتَّى يَجْلِسَ وَيُمْسَكُ عِنْدَ الْقَطْعِ حَتَّى لَا يَضْطَرِبَ، وتمد يده بحبل حتى

يتبين مَفْصِلُهَا، وَيَتَوَلَّى قَطْعَهُ مَأْمُونٌ عَارِفٌ بِالْقَطْعِ بِأَحَدِّ سكين وامضاها، ولا يضربها بالسكين فربما يخطئ مَوْضِعِ الْمِفْصَلِ، وَلَكِنْ يَضَعُ السِّكِّينَ عَلَيْهَا وَيَعْتَمِدُ جَذْبَهَا بِقُوَّتِهِ حَتَّى تَنْفَصِلَ بِجَذْبَةٍ وَاحِدَةٍ لَا يُكَرِّرُهَا فَإِنْ لَمْ تَنْفَصِلْ بِجَذْبَةٍ وَاحِدَةٍ أَعَادَهَا حَتَّى تَنْفَصِلَ، وَلَا يَدُقُّ السِّكِّينَ بِحَجَرٍ، فَإِذَا انْفَصَلَتْ حَسَمَ مَوْضِعَ الْقَطْعِ مِنْ يَدِهِ فَإِنْ كان بدوياً حسم بالنار؛ لأنها عَادَتُهُمْ، وَإِنْ كَانَ حَضَرِيًّا أُغْلِيَ لَهَا الزَّيْتُ وَحُسِمَتْ فِيهِ؛ لِأَنَّ حَسْمَهَا بِالنَّارِ وَالزَّيْتِ يَسُدُّ أَفْوَاهَ الْعُرُوقِ فَتَنْقَطِعُ مَجَارِي الدَّمِ فَيَقِلُّ الْخَوْفُ عَلَى نَفْسِهِ.
وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أُتِيَ بِسَارِقٍ سَرَقَ شَمْلَةً فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مَا أَخَالُهُ سَرَقَ) فَقَالَ السَّارِقُ: بَلَى يَا رَسُولُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " أذهبوا به فاقطعوه ثم احسموه ثم ائتوني به) فقطع وأتي به فقال: " تبت إِلَى اللَّهِ) فَقَالَ قَدْ تُبْتُ إِلَى اللَّهِ قال: " تَابَ اللَّهُ عَلَيْكَ) . فَإِنِ امْتَنَعَ الْمَقْطُوعُ مِنْ حَسْمِ يَدِهِ فَإِنْ كَانَ قَطْعُهَا فِي قِصَاصٍ لم يجبر على حسمها لخروجه عن حُدُودِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ قَطْعُهَا فِي سَرِقَةٍ فَفِي إِجْبَارِهِ عَلَى حَسْمِهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُجْبَرُ عَلَى حَسْمِهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ حَدِّ اللَّهِ تعالى فِيهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُجْبَرُ؛ لِأَنَّهُ يَجْرِي مجرى التداوي عن مرض، وكما لا يجوز فِي الْقِصَاصِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْبَسَ بَعْدَ قَطْعِهِ وَلَا يُشَهَّرُ فِي النَّاسِ؛ لِأَنَّ قَطْعَهُ شُهْرَةٌ كَافِيَةٌ وَيُطْلَقُ لِوَقْتِهِ، وَمِنَ السُّنَّةِ أَنْ يُشَدَّ كَفُّهُ الْمَقْطُوعَةُ فِي عُنُقِهِ عِنْدَ إِطْلَاقِهِ، روى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَيْرِيزٍ قَالَ: سَأَلْنَا فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ عَنْ تَعْلِيقِ يَدِ السَّارِقِ فِي عنقه أمن السنة هو؟ قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِسَارِقٍ فَقُطِعَتْ يَدُهُ ثُمَّ أُمِرَ بِهَا فَعُلِّقَتْ في عنقه.

(فصل)

وأما أجرة القاطع وثمن الزيت لحسم يده ففي بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ عُمُومِ الْمَصَالِحِ، فَإِنْ كَانَ الْقَطْعُ يَكْثُرُ جَعَلَ لِلْقَاطِعِ وَالْجَلَّادِ رزق، وَإِنْ كَانَ يَقِلُّ أُعْطِيَ أُجْرَتَهُ كُلَّمَا قَطَعَ أَوْ جَلَدَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَالٌ لَمْ يُؤْخَذْ بِثَمَنِ الزَّيْتِ؛ لِأَنَّهُ كَالدَّوَاءِ الَّذِي لَا يُجْبَرُ عَلَى ثَمَنِهِ، وَأُخِذَ بِأُجْرَةِ الْقَاطِعِ مِنْ مَالِهِ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ تَسْلِيمَ حد اللَّهِ تَعَالَى مِنْ نَفْسِهِ، فَإِنْ قَالَ: أَنَا أَتَوَلَّى قَطْعَ يَدَيَّ بِنَفْسِي فَفِي تَمْكِينِهِ مِنْهُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يُمَكَّنُ كَمَا لَا يُمَكَّنُ من قطعهما قصاصاً.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُمَكَّنُ مِنْ قَطْعِهَا فِي السَّرِقَةِ وَإِنْ لَمْ يُمَكَّنْ مَنْ قَطَعِهَا قِصَاصًا، لِأَنَّ قَطْعَ السَّرِقَةِ مَوْضُوعٌ لِلزَّجْرِ وَهُوَ حَاصِلٌ إِذَا تَوَلَّاهُ بِنَفْسِهِ وَقَطْعُ الْقِصَاصِ مَوْضُوعٌ لِلتَّشَفِّي فَكَانَ مُسْتَحِقُّ التَّشَفِّي أَوْلَى بِهِ.

(فَصْلٌ)

وَلَا يُقْطَعُ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ وَلَا بَرْدٍ شَدِيدٍ خَوْفًا مِنْ تَلَفِهِ فِيهِ، كَمَا لَا يُحَدُّ الزَّانِي فِي شِدَّةِ حَرٍّ وَلَا بَرْدٍ، وَكَذَلِكَ لَا يُقْطَعُ فِي مَرَضٍ يُرْجَى زَوَالُهُ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ فِيهِ أَشَدُّ خَوْفًا، وَكَذَلِكَ الْحَامِلُ لَا تُقْطَعُ فِي حَمْلِهَا خَوْفًا عَلَيْهَا وَعَلَى حَمْلِهَا، وَلَا في نفاسها خوفاً عليها؛ لئلا لا يجتمع دم النفاس ودم القطع فيفضي إلى تلفها، قد مَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مِنْ قَطْعِ جَارِيَةٍ نُفَسَاءَ حَتَّى يَنْقَطِعَ دَمُهَا.

(مسألة)

قال الشافعي: " وإن سَرَقَ الْخَامِسَةَ عُزِّرَ وَحُبِسَ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، لَا يُتَجَاوَزُ بِالسَّارِقِ قَطْعُ أَطْرَافِهِ الْأَرْبَعِةِ فِي أَرْبَعِ سَرِقَاتٍ، فَإِنْ سَرَقَ فِي الْخَامِسَةِ عُزِّرَ وَلَمْ يُقْتَلْ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وحكي عن عثمان بن عفان وعطاء وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ يُقْتَلُ فِي الْخَامِسَةِ؛ لِرِوَايَةِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ آتِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِسَارِقٍ فَقَطَعَ يَدَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ قَدْ سَرَقَ فَقَطَعَ رِجْلَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ قَدْ سَرَقَ فَقَطَعَ يَدَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ قَدْ سَرَقَ فَقَطَعَ رِجْلَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ قَدْ سَرَقَ فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ.
وَدَلِيلُنَا مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " إِذَا سَرَقَ السَّارِقُ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، فَإِنْ عَادَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ، فَإِنْ عَادَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، فَإِنْ عَادَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ) وَهَذَا قَوْلٌ قَصَدَ به - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَيَانِ، وَلَوْ وَجَبَ قَتْلُهُ فِي الْخَامِسَةِ لَأَبَانَهُ كَمَا أَبَانَ قَطْعَهُ فِي الْأَرْبَعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُمْسِكَ عَنْ بَعْضِ الْبَيَانِ كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُمْسِكَ عَنْ جَمِيعِهِ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ؛ لِأَنَّهَا قَضِيَّةٌ فِي عين يجوز أن تحتمل وجوها.
وَقَدْ رَوَى الزُّهْرِيُّ أَنَّ الْقَتْلَ مَنْسُوخٌ؛ لِأَنَّهُ رُفِعَ إِلَيْهِ فِي الْخَامِسَةِ فَلَمْ يَقْتُلْهُ، وَعَلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ بَعْدَهُ أَجْمَعُوا عَلَى تَرْكِ الْقَتْلِ فَدَلَّ عَلَى تَقَدُّمِ نَسْخِهِ، وَإِنْ لَمْ يَنْقُلُوهُ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَعْصِيَةٍ أَوْجَبَتْ حَدًّا لَمْ يَكُنْ تَكْرَارُهَا مُوجِبًا لِلْقَتْلِ كَالزِّنَا وَالْقَذْفِ.
(مَسْأَلَةٌ) قَالَ الشافعي: " وَلَا يُقْطَعُ الْحَرْبِيُّ إِذَا دَخَلَ إِلَيْنَا بِأَمَانٍ ويضمن السرقة) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ لَا يَخْلُو حَالُ الْمُقِيمِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ مُسْلِمٍ، وَذِمِّيٍّ، وَمُسْتَأْمَنٍ.

فَأَمَّا الْقسْمُ الْأَوَّلُ وَهُوَ الْمُسْلِمُ فَيَلْزَمُ الْإِمَامَ في حقه ثلاثة أحكام: أحدها: الذب عن ماله ونفسه مِنْ كُلِّ مُتَعَدٍّ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي طَاعَةِ الْإِمَامِ وَتَحْتَ قُدْرَتِهِ كَالْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ فِي طَاعَتِهِ وَلَا دَاخِلًا تَحْتَ قُدْرَتِهِ كَالْبُغَاةِ وَالْمُرْتَدِّينَ وَأَهْلِ الْحَرْبِ، لِقَوْلِ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ وَيَسْعَى بِذَّمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ) . وَالثَّانِي: اسْتِيفَاءُ الْحُقُوقِ لَهُ إِذَا عَجَزَ عَنِ اسْتِيفَائِهَا بِنَفْسِهِ، سَوَاءً كانت في مال كالدين أَوْ عَلَى بَدَنٍ كَالْقِصَاصِ، وَحَدُّ الْقَذْفِ عَلَى مُسْلِمٍ كَانَتْ أَوْ غَيْرِ مُسْلِمٍ.
وَالثَّالِثُ: اسْتِيفَاءُ الْحُقُوقِ مِنْهُ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي مَالٍ أَوْ بدن في حق الله تعالى أو للآدميين لِمُسْلِمٍ كَانَتْ أَوْ غَيْرِ مُسْلِمٍ.

(فَصْلٌ)

وَأَمَّا القسم الثاني: وهو الذمي فيلزم الْإِمَامَ فِي حَقِّهِ الْأَحْكَامُ الثَّلَاثَةُ كَالْمُسْلِمِ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي تَفْصِيلِهَا: أَحَدُهَا: أَنْ يَذُبَّ عَنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ مِنْ كُلِّ مُتَعَدٍّ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الطَّاعَةِ أَوْ خَارِجًا عَنْهَا كَمَا يَذُبُّ عَنِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ صَارُوا بِالذِّمَّةِ تَبَعًا لِلْمُسْلِمِينَ.
وَالثَّانِي: اسْتِيفَاءُ الْحُقُوقِ لَهُمْ إِنْ كَانَتْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى أَهْلِ ذِمَّتِهِمْ فَضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ عَنْ عُدْوَانٍ كَالْغُصُوبِ فَيَسْتَوْفِيهَا مِنْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ؛ لِأَنَّ دَارَ الْإِسْلَامِ تَمْنَعُ مِنَ التَّغَالُبِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ عَنْ مُعَامَلَاتٍ فَإِنْ لَمْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الإمام أو حاكمه لم يعترض لِبَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَإِنْ تَحَاكَمُوا إِلَيْهِ أَوْ إِلَى حَاكِمِهِ كَفَّهُمْ عَنِ التَّظَالُمِ، وَفِي وُجُوبِ حُكْمِهِ عَلَيْهِمْ قَوْلَانِ مَضَيَا.
وَالثَّالِثُ: اسْتِيفَاءُ الْحُقُوقِ منهم وهو عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ مِنْ حقوق الآدميين المحضة.
والثاني: أن تكون من حقوق الله تعالى المحضة.

وَالثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ مِنَ الْحُقُوقِ الْمُشْتَرَكَةِ.
فَأَمَّا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنْ تَكُونَ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ الْمَحْضَةِ فَلَا يَخْلُو مُسْتَحِقُّهَا مِنْ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا، أَوْ ذِمِّيًّا، أَوْ مُعَاهَدًا، فَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا اسْتُوفِيَتْ حُقُوقُهُ مِنْهُمْ، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي بَدَنٍ كَالْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ، أَوْ فِي مَالٍ كَالدُّيُونِ والْغُصُوبِ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَحِقُّهَا ذِمِّيًّا مِنْهُمْ، نُظِرَ فَإِنْ كَانَتْ عَنْ غَيْرِ مُرَاضَاةٍ كَالْقِصَاصِ فِي الْجِنَايَةِ، وَالْغُصُوبِ فِي الْأَمْوَالِ لَزِمَ اسْتِيفَاؤُهَا مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ دَارَ الْإِسْلَامِ تَمْنَعُ مِنَ التَّعَدِّي وَالتَّغَالُبِ.
وَإِنْ كَانَتْ عَنْ مُرَاضَاةٍ كَدُيُونِ الْمُعَامَلَاتِ فَإِنْ لَمْ يَتَحَاكَمُوا فِيهِ إِلَيْنَا تُرِكُوا، وَإِنْ تَحَاكَمُوا إِلَيْنَا فَفِي وُجُوبِ اسْتِيفَائِهَا مِنْهُمْ وَلَهُمْ قَوْلَانِ عَلَى مَا مَضَى.
وَإِنْ كَانَ مستحقها معاهداً فإن كانت في بدن القصاص وَجَبَ اسْتِيفَاؤُهَا مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ حِفْظَ نُفُوسِ أَهْلِ الْعَهْدِ وَاجِبٌ عَلَيْنَا، وَإِنْ كَانَتْ فِي مَالٍ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ لِأَمْوَالِهِمْ أَمَانٌ عَلَيْنَا وَجَبَ استيفاؤها لهم، وإن لم يجب لِأَمْوَالِهِمْ أَمَانٌ لَمْ يَجِبِ اسْتِيفَاؤُهَا لَهُمْ، وَاسْتَرْجَعَهَا الْإِمَامُ مِمَّنْ أَخَذَهَا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ لِبَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ مَا دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ مِنَ الغنائم مستحق للمسلمين دون أهل الذمة.
والضرب الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَحْضَةِ فَهِيَ حَقَّانِ: قَتْلٌ بِرِدَّةٍ، وَحَدٌّ فِي زِنًا.
فَأَمَّا الرِّدَّةُ فَمَنِ ارْتَدَّ مِنْهُمْ إِلَى مَا لَا يُقَرُّ عَلَيْهِمْ مِنَ الْأَدْيَانِ اسْتُتِيبَ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ كَالْمُسْلِمِ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَبْلُغَ مَأْمَنَهُ؛ لِأَنَّ إِبْلَاغَ الْمَأْمَنِ يَلْزَمُ بِانْتِقَاضِ الذِّمَّةِ وَلَيْسَ هَذَا مِنْهُ نَقْضًا لِذِمَّتِهِ.
وَأَمَّا الزِّنَا فَإِنْ كَانَ بِمُسْلِمَةٍ حُدَّ إِنْ كَانَ مُحْصَنًا بِالرَّجْمِ، وَإِنْ كَانَ بِكْرًا بِالْجَلْدِ، وَكَانَ نَقْضًا لِذِمَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ شُرُوطِ ذِمَّتِهِ فَيَبْلُغُ مَأْمَنَهُ ثُمَّ يَكُونُ حَرْبًا وَإِنْ زَنَا بِذِمِّيَّةٍ فَفِي وُجُوبِ حَدِّهِمَا قَوْلَانِ مِنْ نُفُوذِ أَحْكَامِنَا عَلَيْهِمْ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ نَقْضًا لِذِمَّتِهِمْ، لَكِنْ لَا يُقَرُّونَ عَلَى ارْتِكَابِ الزِّنَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهَا تَمْنَعُ مِنَ ارْتِكَابِ الْفَوَاحِشِ فَيُسْتَتَابُونَ مِنْهُ فَإِنْ تَابُوا وَإِلَّا نُبِذَ إِلَيْهِمْ عَهْدُهُمْ، ثُمَّ كَانُوا بَعْدَ بُلُوغِ مَأْمَنِهِمْ حَرْبًا.
فَأَمَّا إِنْ نَاكَحُوا ذَوَاتِ مَحَارِمِهِمْ فَإِنْ كَانُوا لَا يَعْتَقِدُونَ إِبَاحَتَهُ فِي دِينِهِمْ كَالْيَهُودِ لَمْ يُقَرُّوا عَلَيْهِ، وَصَارَ مِنْهُمْ كَالزِّنَا، وَإِنِ اعْتَقَدُوا إِبَاحَتَهُ كَالْمَجُوسِ أُقِرُّوا عَلَيْهِ.
فَأَمَّا شُرْبُ الْخُمُورِ فَيُمْنَعُونَ مِنَ الْمُجَاهَرَةِ بِهَا وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ شربها لاستباحتهم لها في دينهم، فلا حَدَّ عَلَيْهِمْ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا حَدَدْتُمُوهُمْ وَإِنِ اسْتَبَاحُوهَا كَمَا تَحُدُّونَ الْمُسْلِمَ فِي شُرْبِ النَّبِيذِ وإن عَلَى رَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ.

قِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الذِّمِّيَّ مُقَرٌّ عَلَى ما خالفنا فِيهِ مِنْ دِينِهِ فَلَمْ يُنَفَّذْ حُكْمُ الْإِمَامِ عليه، والمسلم مأخوذ بحقوق الدين نفذ حكم الإمام عليه.
وأما الضرب الثالث: فهو أن يكون مِنَ الْحُقُوقِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وحقوق الآدميين فهو السرقة، ولا تخلو سرقته أن تكون من مسلم أو من ذمي أو من معاهد، فإن سرق من مسلم غرم وقطع كالمسلم، وإن سرق من ذمي أغرم، لأنه عن تغالب تمنع دار الإسلام منه، وفي قطعه قولان من نفوذ أحكامنا عليهم، وإن كان معاهداً، فإن كان لماله أمان أغرم للمعاهد وقطع في سرقته وإن لم يكن لماله أمان أغرم لبيت المال ولم يقطع فيه.

(فَصْلٌ)

وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ الْمُسْتَأْمَنُ الْمُعَاهَدُ فالمعاهدون وفي هَذِهِ الْأَحْكَامِ مُخَالِفُونَ لِلْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ.
فَأَمَّا الْحُكْمُ الْأَوَّلُ فِي الذَّبِّ عَنْهُمْ فَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَمْنَعَ عَنْهُمْ مَنْ كَانَ فِي طَاعَتِهِ وَتَحْتَ قُدْرَتِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ؛ لأن الأمان يقتضيه فلا يلزمه أَنْ يَمْنَعَ عَنْهُمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي طَاعَتِهِ وَتَحْتَ قُدْرَتِهِ مَنْ أَهْلِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ أَمَانَهُمْ يُوجِبُ الْكَفَّ عَنْهُمْ وَلَا يُوجِبُ نُصْرَتَهُمْ وأما إذا تعدى بعضهم على بعض لم يجب نُصْرَتُهُمْ وَلَمْ يُقَرُّوا عَلَى التَّعَدِّي؛ لِأَنَّ دَارَ الْإِسْلَامِ تُوجِبُ التَّنَاصُفَ وَتَمْنَعُ مِنَ التَّغَالُبِ وَالتَّظَالُمِ، وَقِيلَ لَهُمْ: إِنْ تَنَاصَفْتُمْ وَإِلَّا نَبَذْنَا إِلَيْكُمْ عَهْدَكُمْ ثُمَّ صِرْتُمْ بَعْدَ بُلُوغِ مَأْمَنِكُمْ حَرْبًا.
وَأَمَّا الْحُكْمُ الثَّانِي: وَهُوَ اسْتِيفَاءُ الْحُقُوقِ لَهُمْ، فَإِنْ كَانَتْ مَعَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ لَمْ يَلْزَمِ اسْتِيفَاؤُهَا لَهُمْ؛ سَوَاءً كَانَتْ فِي نَفْسٍ أَوْ مَالٍ، كَمَا لَا يَلْزَمُ نُصْرَتُهُمْ مِنْهُمْ وَإِنْ كَانَتْ مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ نُظِرَ فِيهَا، فَإِنْ كَانَتْ مُتَقَدِّمَةً عَلَى أَمَانِهِمْ لَمْ يَلْزَمِ اسْتِيفَاؤُهَا لَهُمْ لِوُجُودِهَا فِي حَالٍ لَا يُوجِبُ الْكَفَّ عَنْهُمْ وَإِنْ حَدَثَتْ بَعْدَ أَمَانِهِمْ فَهِيَ نَوْعَانِ حُقُوقُ أَبْدَانٍ، وَحُقُوقُ أَمْوَالٍ.
فَأَمَّا حُقُوقُ الْأَبْدَانِ كَالْقِصَاصِ فِي الْجِنَايَاتِ فَيَلْزَمُ اسْتِيفَاؤُهَا لَهُمْ لِمَا يَلْزَمُ مِنْ حِرَاسَةِ أَبْدَانِهِمْ، وإن كَانَتْ عَلَى مُسْلِمٍ اسْتَحَقُّوا بِهَا الدِّيَةَ، وَإِنْ كانت على ذمي استحقوا بها القود.
فأما حُقُوقُ الْأَمْوَالِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِأَمْوَالِهِمْ أَمَانٌ لم يلزم استيفاؤها لهم، واسترجعت الذِّمِّيِّ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَأُقِرَّتْ عَلَى الْمُسْلِمِ إِنْ أَخَذَهَا قَهْرًا بَعْدَ أَخْذِ خُمُسِهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّهَا غَنِيمَةٌ وَإِنْ أَخَذَهَا اخْتِلَاسًا انْتُزِعَتْ مِنْهُ لِبَيْتِ المال؛ لأنها فيء به، وَإِنْ كَانَ لِأَمْوَالِهِمْ أَمَانٌ وَجَبَ اسْتِيفَاؤُهَا لَهُمْ كما وجب استيفاء حقوقهم من أَبْدَانِهِمْ لِاشْتِمَالِ أَمَانِهِمْ عَلَى أَبْدَانِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ فَتُسْتَوْفَى مِنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ، فَإِنْ سُرِقَتِ الْأَمْوَالُ مِنْهُمْ قُطِعَ سَارِقُهَا مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا، لِأَنَّهُ لَا شُبْهَةَ فِي أَمْوَالِهِمْ بَعْدَ الْأَمَانِ لِمُسْلِمٍ ولا ذمي.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا أَقْطَعُهُ اسْتِحْسَانًا.
وَدَلِيلُنَا مع عموم الظواهر أَنَّ مَنْ ضُمِنَ مَالُهُ جَازَ أَنْ يُقْطَعَ سَارِقُهُ قِيَاسًا عَلَى مَالِ الذِّمِّيِّ، وَلِأَنَّ مَا وجب بسرقة مال الذمي وجب سرقة مَالِ الْمُسْتَأْمَنِ كَالضَّمَانِ.
وَأَمَّا الْحُكْمُ الثَّالِثُ فِي اسْتِيفَاءِ الْحُقُوقِ مِنْهُمْ فَيُنْظَرُ فَإِنْ تَقَدَّمَتْ عَلَى أَمَانِهِمْ لَمْ يَلْزَمِ اسْتِيفَاؤُهَا مِنْهُمْ، سَوَاءٌ كَانَتْ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ، كَمَا لَا يَلْزَمُ اسْتِيفَاؤُهَا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ إِذَا أَسْلَمُوا، وَإِنْ لَزِمَتْهُمْ بَعْدَ أَمَانِهِمْ لَمْ يَخْلُ مَا لَزِمَهُمْ مِنَ الْحُقُوقِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ حقوق الآدميين المحضة.
والثاني: أن تكون حقوق الله تعالى المحضة.
والثالث: أن تكون من الحقوق المشتركة.
فَإِنْ كَانَتْ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ الْمَحْضَةِ نُظِرَ مُسْتَحِقُّهَا فَإِنْ كَانَ مِنْهُمْ لَمْ يَلْزَمِ اسْتِيفَاؤُهَا لَهُ، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي مَالٍ أَوْ بَدَنٍ، وَقِيلَ لَهُمْ إِنْ تَنَاصَفْتُمْ وَإِلَّا نَبَذْنَا إِلَيْكُمْ عَهْدَكُمْ ثُمَّ صِرْتُمْ بَعْدَ بُلُوغِ مَأْمَنِكُمْ حَرْبًا لِمَا تُوجِبُهُ دَارُ الْإِسْلَامِ مِنَ التَّنَاصُفِ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَحِقُّهَا مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا وَجَبَ أَنْ يُسْتَوْفَى لَهُ حَقُّهُ مِنْهُمْ، سَوَاءٌ كَانَ الْحَقُّ في بدن كالقصاص أو في مال كالديون والْغُصُوبِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ بِالْأَمَانِ أَنْ نُؤَمِّنَهُمْ وجب أن نأمنهم بما يُوجِبُهُ الْأَمَانُ مِنْ تَسَاوِي الْجِهَتَيْنِ فِيهِ.
وَأَمَّا حقوق الله المحضة فقتل بردة وحد فِي زِنًا، فَأَمَّا الْقَتْلُ بِالرِّدَّةِ فَيَسْقُطُ عَنْهُمْ وَلَا يُسْتَوْفَى مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ عَهْدَهُمْ يَعُمُّ مَنْ يُقَرُّ عَلَى دِينِهِ وَمَنْ لَا يُقَرُّ بِخِلَافِ الذِّمَّةِ الَّتِي لَا تَسْتَقِرُّ إِلَّا فِيمَنْ يُقَرُّ على دينه، ويكونون بَعْدَ الرِّدَّةِ عَلَى عَهْدِهِمْ إِلَى انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ.
وَأَمَّا حَدُّ الزِّنَا فَيَسْقُطُ عَنْهُمْ كَالْقَتْلِ بِالرِّدَّةِ، لَكِنْ يُنْظَرُ فِي الْمَزْنِيِّ بِهَا فَإِنَّهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا مُعَاهَدَةٌ، أَوْ ذِمِّيَّةٌ، وَإِمَّا مُسْلِمَةٌ، فإن كانت معاهدة لم يلزم استنابة الزاني، وَقِيلَ لَهُمْ دَارُ الْإِسْلَامِ تَمْنَعُ مِنَ ارْتِكَابِ الْفَوَاحِشِ فَإِنْ كَفَفْتُمْ عَنْهَا وَإِلَّا مُنِعْتُمْ مِنَ الْمُقَامِ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ الْمَزْنِيُّ بِهَا ذِمِّيَّةً وَجَبَ أَنْ يُسْتَتَابُوا مِنْ هَذَا الزِّنَا بِمِثْلِهَا، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَقْضًا لِأَمَانِهِمْ، فَإِنْ تَابُوا وَإِلَّا نَبَذْنَا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ لِيَبْلُغُوا مَأْمَنَهُمْ ثُمَّ يَصِيرُوا حَرْبًا، وَإِنْ كَانَ الْمَزْنِيُّ بِهَا مُسْلِمَةً كَانَ الزِّنَا نَقْضًا لِأَمَانِهِمْ إِنْ شُرِطَ ذَلِكَ فِي عَهْدِهِمْ وَبَلَغُوا مَأْمَنَهُمْ، وَصَارُوا حَرْبًا، وَإِنْ لم يشترط ذلك عليهم في عهدهم استتيبوا منه، فإن تابوا وإلا نبذن إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ حَتَّى يَبْلُغُوا مَأْمَنَهُمْ ثُمَّ يَصِيرُوا حَرْبًا.
وَأَمَّا الْحُقُوقِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقِّ الآدميين فهي السرقة وهي المسألة الْكِتَابِ، وَإِنَّمَا فَرَّعْنَا مَا قَدَّمْنَاهُ عَلَيْهَا لِارْتِبَاطِ بعضه ببعض اشتمل عَلَى تَقْسِيمِ مَا اتَّصَلَ

بِهِ مِنَ الْأَحْكَامِ، فَإِذَا سَرَقَ الْمُعَاهَدُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مَالًا فَإِنْ كَانَ مِنْ مُعَاهَدٍ لم يلزمه أن يأخذه بِغُرْمٍ وَلَا قَطْعٍ، لَكِنْ يُقَالُ لَهُمْ: دَارُ الإسلام توجب التناصف وتمنع التَّغَالُبِ فَإِنْ تَنَاصَفْتُمْ وَإِلَّا نَبَذْنَا إِلَيْكُمْ عَهْدَكُمْ، وَإِنْ سَرَقَ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ وَجَبَ أَنْ يُؤْخَذَ بِغُرْمِ مَا سَرَقَ وَفِي وُجُوبِ قطعه قولان: أحدهما: وهو المنصوص عليه ها هنا وَفِي كِتَابِ " الْأُمِّ) وَنَقَلَهُ الْحَارِثُ بْنُ سُرَيْجٍ النَّقَّالُ: أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ الله تعالى وأشبه حَدَّ الزِّنَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَزِمَهُ الْقِصَاصُ حِفْظًا لِلنُّفُوسِ وَلَزِمَهُ حَدُّ الْقَذْفِ حِفْظًا لِلْأَعْرَاضِ لَزِمَهُ قَطْعُ السَّرِقَةِ حِفْظًا لِلْأَمْوَالِ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " ألا إن دماءكم وأموالكم وأعرضكم حَرَامٌ عَلَيْكُمْ) فَجَمَعَ بَيْنَ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ فِي التَّحْرِيمِ فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَ جَمِيعُهَا فِي الاستيفاء فصار تَحْرِيرُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَطْعِ السَّرِقَةِ أَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا سَرَقَ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ مُعَاهَدٍ غَرِمَ، وَقُطِعَ وَالذِّمِّيَّ إِذَا سَرَقَ مِنْ مُسْلِمٍ أو معاهد أغرم وقطع، وإذا سَرَقَ مِنْ ذِمِّيٍّ غُرِّمَ، وَفِي قَطْعِهِ قَوْلَانِ، وَالْمُعَاهَدُ إِذَا سَرَقَ مِنْ مُعَاهَدٍ لَمْ يُغَرَّمْ وَلَمْ يُقْطَعْ، وَإِذَا سَرَقَ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذمي غرم وَفِي قَطْعِهِ قَوْلَانِ:

(فَصْلٌ)

إِذَا قُطِعَ فِي سَرِقَةِ مَالٍ ثُمَّ سَرَقَهُ ثَانِيَةً قُطِعَ، وَكَذَلِكَ ثَالِثَةً وَرَابِعَةً، سَوَاءً كَانَ مِنْ مَالِ وَاحِدٍ أَوْ جَمَاعَةٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا قُطِعَ فِي مَالٍ لَمْ يُقْطَعْ فِيهِ ثَانِيَةً إِلَّا أَنْ يَتَغَيَّرَ عَنْ حَالِهِ كَالْغَزْلِ إِذَا نُسِجَ، وَالطَّعَامِ إِذَا طُحِنَ، احْتِجَاجًا بِأَنَّ الْقَطْعَ يَتَعَلَّقُ بِعَيْنٍ وَفِعْلٍ، فَلَمَّا كَانَ الْفِعْلُ الْوَاحِدُ فِي عَيْنَيْنِ يُوجِبُ قَطْعًا وَاحِدًا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلَانِ فِي عَيْنٍ وَاحِدَةٍ يُوجِبُ قَطْعًا وَاحِدًا، ولأن قطع السرقة في حراسة الْأَمْوَالِ مُقَابِلٌ لِحَدِّ الْقَذْفِ فِي صِيَانَةِ الْأَعْرَاضِ ثُمَّ لَمَّا لَمْ يَتَكَرَّرْ حَدُّ الْقَذْفِ فِي الرَّجُلِ الْوَاحِدِ وَجَبَ أَنْ لَا يَتَكَرَّرَ قَطْعُ السَّرِقَةِ فِي الْمَالِ الْوَاحِدِ.
وَتَحْرِيرُهُ: أَنَّهُ حَدٌّ يَقِفُ اسْتِيفَاؤُهُ عَلَى مُطَالَبَةِ آدَمِيٍّ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَتَكَرَّرَ فِي الشَّخْصِ الْوَاحِدِ كَالْقَذْفِ.
وَدَلِيلُنَا مَعَ عُمُومِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ: هُوَ أَنَّهُ فِعْلٌ يُوجِبُ الْحَدَّ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ تَكَرُّرُهُ فِي الْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ كَتَكَرُّرِهِ فِي الْأَعْيَانِ الْمُخْتَلِفَةِ كَالزِّنَا يُحَدُّ إِذَا تَكَرَّرَ فِي الْوَاحِدِ كَمَا يُحَدُّ إِذَا تَكَرَّرَ فِي الْجَمَاعَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: مَحَلُّ الْحَدِّ فِي الزِّنَا مَوْجُودٌ فَجَازَ أَنْ يَتَكَرَّرَ وَمَحَلُّ الْقَطْعِ مَفْقُودٌ فَلَمْ يَتَكَرَّرْ.
قِيلَ: هَذَا تَعْلِيلٌ يَبْطُلُ فِي الزِّنَا بِحَدِّ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهُ مَوْجُودٌ وَلَا يَتَكَرَّرُ، وَيَبْطُلُ فِي السَّرِقَةِ بِالْقَطْعِ فِي الْغَزْلِ إِذَا نُسِجَ، فَإِنَّ مَحَلَّهُ مَفْقُودٌ وَقَطْعُهُ يَتَكَرَّرُ.

ثُمَّ يُقَالُ؛ مَحَلُّ الْقَطْعِ فِي الثَّانِيَةِ بَاقٍ؛ لِأَنَّ الْأَطْرَافَ الْأَرْبَعَةَ مَحَلٌّ لَهُ فَلَمْ يَسْلَمِ التَّعْلِيلُ بِمَا قَدَّمْنَاهُ وَلَا وَضَحَ الْفَرْقُ بِمَا بَيَّنَّاهُ.
وَلِأَنَّ كُلَّ عَيْنٍ إِذَا سَرَقَهَا غَيْرُ سارقها قطع، فوجب إذا سرقها أَنْ يُقْطَعَ كَالْغَزْلِ إِذَا نُسِجَ.
فَإِنْ قِيلَ: لأن الثَّوْبَ الْمَنْسُوجَ لَا يُسَمَّى غَزْلًا فَجَازَ أَنْ يُقْطَعَ فِيهِ ثَانِيًا انْتَقَضَ عَلَى أَصْلِهِ بِالْجَدْيِ إِذَا قُطِعَ فِيهِ ثُمَّ سَرَقَهُ وَقَدْ صَارَ تَيْسًا لَمْ يُقْطَعْ عِنْدَهُ وَإِنْ لَمْ يُسَمَّ جَدْيًا.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِ بِأَنَّ الْفِعْلَ كَالْعَيْنِ مَعَ انْتِقَاضِهِ بِالْغَزْلِ إِذَا نُسِجَ فَهُوَ أَنَّ الْفِعْلَ الْوَاحِدَ فِي الْعَيْنَيْنِ سَرِقَةٌ وَاحِدَةٌ فَلِذَلِكَ قُطِعَ فِيهَا قَطْعًا وَاحِدًا، وَالْفِعْلَانِ فِي الْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ سَرِقَتَانِ فَلِذَلِكَ قُطِعَ فِيهَا قَطْعَانِ، ويدل عليها الأيمان.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِ عَلَى الْقَذْفِ مَعَ انْتِقَاضِهِ بِالْغَزْلِ إِذَا نُسِجَ فَهُوَ أَنَّ حَدَّهُ فِي الْقَذْفِ قَدْ أَثْبَتَ كَذِبَهُ فَلَمْ يُحَدَّ فِي الثَّانِي مَعَ ثُبُوتِ كَذِبِهِ كَمَا لَوْ قَالَ لِصَغِيرَيْنِ لَا يُجَامِعُ مِثْلُهُمَا: قَدْ زَنَيْتُمَا لَمْ يُحَدَّ لَهُمَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَطْعُ السَّرِقَةِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِصِيَانَةِ الْمَالِ وَحِرَاسَتِهِ فَكَانَ مَعْنَى الْقَطْعِ فِي الْأَوَّلِ مَوْجُودًا فِي السَّرِقَةِ الثَّانِيَةِ فَقُطِعَ فِيهَا ثَانِيَةً وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(باب الإقرار بالسرقة والشهادة عليها)

(مسألة)

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَلَا يُقَامُ عَلَى سَارِقٍ حَدٌّ إِلَّا بِأَنْ يَثْبُتَ عَلَى إِقْرَارِهِ حَتَّى يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ أو بعدلين يقولان إِنَّ هَذَا بِعَيْنِهِ سَرَقَ مَتَاعًا لِهَذَا مِنْ حرزه بصفاته يُسَاوِي رُبُعَ دِينَارٍ وَيُحْضَرُ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ وَيَدَّعِي شَهَادَتَهُمَا) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَخْلُو ثُبُوتُ السَّرِقَةَ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ.
إِمَّا أَنْ تكون عن دعوى المالك أو يغير دَعْوَاهُ، فَإِنْ كَانَ عَنْ دَعْوَى الْمَالِكِ فَثُبُوتُهَا على السارق، ويكون إِمَّا بِإِقْرَارٍ أَوْ بَيِّنَةٍ، فَإِنْ كَانَ بِإِقْرَارٍ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالسَّرِقَةِ بِإِقْرَارِ مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَإِنْ خَالَفَا فِي الزِّنَا فَلَمْ يَحُدَّاهُ إِلَّا بِإِقْرَارِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ اعْتِبَارًا بِعَدَدِ الشَّهَادَةِ فِيهِ، وَوَافَقَا فِي السَّرِقَةِ أنها تلزمه بإقرار مَرَّةً وَاحِدَةً وَلَا يُعْتَبَرُ عَدَدُ الشَّهَادَةِ فِيهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَابْنُ شُبْرُمَةَ وَأَبُو يُوسُفَ، وَزُفَرُ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ: لَا تَثْبُتُ السَّرِقَةُ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يُقِرَّ بِهَا مَرَّتَيْنِ اعْتِبَارًا بِعَدَدِ الشَّهَادَةِ فِيهِ كَالزِّنَا؛ لِأَنَّهَا حَدٌّ لِلَّهِ تعالى، واحتجاجاً بأن سارقاً أقر عند علي عليه السلام بالسرقة فانتهره، فأقر ثانية فقال الآن أَقْرَرْتَ مَرَّتَيْنِ، وَقَطَعَهُ.
وَدَلِيلُنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " من أتى من هذه القاذروات شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ حَدَّ اللَّهِ عَلَيْهِ) وَلِأَنَّهُ حَقٌّ يَثْبُتُ بِالْإِقْرَارِ فَلَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى التَّكْرَارِ كسائر الحقوق.
فأما انتهار علي المقر فَالظَّاهِرُ مِنْهُ التَّنْبِيهُ عَلَى رُجُوعِهِ مِنْهُ فَلَمْ يجز أن يعدل به عن ظاهره.

(فَصْلٌ)

فَإِنْ رَجَعَ عَنْ إِقْرَارِهِ لَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ فِي الْغُرْمِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، وَفِي قَبُولِ رُجُوعِهِ فِي سُقُوطِ الْقَطَعِ قَوْلَانِ:

أَحَدُهُمَا: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: أَنَّهُ يُقْبَلُ رُجُوعُهُ وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْقَطْعُ كَالزِّنَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ وَيُقْطَعُ كَمَا لَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَنِ الْقَذْفِ فِي سُقُوطِ الْحَدِّ، وَلِأَنَّ السَّرِقَةَ يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ آدَمِيٍّ لَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ فِيهِ فَكَانَ حَقُّ الله تعالى فِي الْقَطْعِ تَبَعًا لَهُ، بِخِلَافِ الزِّنَا الْمُخْتَصِّ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ، فَإِنْ رَجَعَ عَنِ الْإِقْرَارِ بِشُرْبِ الْخَمْرِ سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ قَوْلًا واحداً كالزنا؛ لاختصاصه بحق الله تعالى وَحْدَهُ.
فَإِذَا تَقَرَّرَ تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ.
فَإِنْ قِيلَ: بِأَنَّ رُجُوعَهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ قُطِعَ، فَإِنْ هَرَبَ لَمْ يُطْلَبْ.
رَوَى عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ عَنْ مَيْسَرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ وَأُمُّهُ إِلَى عَلِيٍّ عليه السلام فقالت الأم: إن ابني هذا قَتَلَ زَوْجِي، فَقَالَ الِابْنُ، إِنَّ عَبْدِي وَقَعَ عَلَى أُمِّي فَقَالَ عَلِيٌّ: إِنْ تَكُونِي صَادِقَةً يُقْتَلُ ابْنُكِ، وَإِنْ يَكُنِ ابْنُكِ صَادِقًا نَرْجُمُكِ ثم قام علي عليه السلام لِلصَّلَاةِ، فَقَالَ الْغُلَامُ لِأُمِّهِ: مَا تَنْتَظِرِينَ أَنْ يقتلني أو يرجمك فانصرفا، فلما صلى سَأَلَ عَنْهُمَا فَقِيلَ انْطَلَقَا فَلَمْ يَطْلُبْهُمَا، وَإِنْ قِيلَ: إِنَّ رُجُوعَهُ مَقْبُولٌ لَمْ يَخْلُ السَّارِقُ عِنْدَ رُجُوعِهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ قَدْ قُطِعَ، فَلَا يَكُونُ لِرُجُوعِهِ تَأْثِيرٌ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ سَلِيمًا لَمْ يُقْطَعْ، فَسَقَطَ الْقَطْعُ عَنْهُ، فَإِنْ قُطِعَ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَتْ جِنَايَةً مِنْ قَاطِعِهِ يُؤْخَذُ بِحُكْمِ جِنَايَتِهِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْقَطْعِ وَحَزِّ السِّكِّينِ فِي يَدِهِ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُمْكِنَ بَقَاؤُهَا عَلَى زَنْدِهِ بعد عمل السكين فيها فالواجب أن تستبقا وَلَا تُفْصَلَ مِنْ زَنْدِهِ، سَوَاءٌ انْتَفَعَ بِهَا أَوْ لَمْ يَنْتَفِعْ إِذَا لَمْ يَسْتَضِرَّ بِهَا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لَا يُمْكِنَ بَقَاؤُهَا عَلَى زنده لانفصال أكثرها فلا تلزم إِبَانَتُهَا فِي حَقِّ السَّرِقَةِ لِسُقُوطِهِ عَنْهُ، وَقِيلَ لَهُ: إِنْ شِئْتَ أَنْ تَفْعَلَ ذَلِكَ فِي حَقِّ نَفْسِكَ وَمَصْلَحَةِ جَسَدِكَ فَافْعَلْ، وَإِنْ تَرَكْتَهَا عَلَى حَالِهَا لَمْ تُمْنَعْ.
فَإِنْ أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ نَفْسَانِ عَنِ اشْتِرَاكٍ فِيهَا ثُمَّ رَجَعَ عَنْهَا أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ سَقَطَ الْقَطْعُ عَنِ الرَّاجِعِ مِنْهُمَا دُونَ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمَ نَفْسِهِ وَإِنِ اشْتَرَكَا.

(فَصْلٌ)

وَإِذَا أَتَى مَا يُوجِبُ الْحَدَّ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ إِلَّا بِإِقْرَارِهِ فَلَا يَخْلُو الْحَدُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، فَإِنْ كَانَ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ كَالْقِصَاصِ وحد القذف لزمه الإقرار به ولم يصح كتمه؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ، وَإِنْ كَانَ

مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى كَحَدِّ الزِّنَا وَقَطْعِ السَّرِقَةِ وَجَلْدِ الْخَمْرِ فَقَدْ قَالَ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ: إِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ ذَلِكَ مِنْهُ وَلَا كَانَ مَشْهُورًا بِهِ فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَكْتُمَهُ على نفسه ولا يقر به فإن تَكَرَّرَ مِنْهُ وَكَانَ مَشْهُورًا بِهِ فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُقِرَّ بِهِ وَلَا يَكْتُمَهُ، وَلَيْسَ لِهَذَا الْفَرْقِ وَجْهٌ، وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنْ يَنْظُرَ فَإِنْ تاب منه فأستحب لَهُ أَنْ يَكْتُمَهُ وَلَا يُقِرَّ بِهِ؛ لِقَوْلِ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مَنْ أَتَى مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ حَدَّ اللَّهِ عَلَيْهِ) . وَإِنْ لَمْ يَتُبْ فَالْأَوْلَى أَنْ يُقِرَّ بِهِ؛ لِأَنَّ فِي إِقَامَةِ الْحُدُودِ تَكْفِيرًا وَتَطْهِيرًا.
رَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عن الزهرية عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - في مجلس فقال: " تبايعون عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا) وَقَرَأَ عَلَيْنَا الْآيَةَ وَقَالَ: " فَمَنْ وَفَّى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنِ اخْتَانَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ) . قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَمْ أَسْمَعْ فِي الْحُدُودِ حَدِيثًا أَبْيَنَ مِنْ هَذَا.
وَرَوَى خُزَيْمَةُ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " مَنْ أَصَابَ ذَنْبًا فَأُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّ ذَلِكَ الذَّنْبِ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ) .

(فَصْلٌ)

فَأَمَّا إِذَا حَضَرَ عِنْدَ الْإِمَامِ لِيُقِرَّ بِهِ فَالسُّنَّةُ أَنْ يَعْرِضَ لَهُ الْإِمَامُ بِالْإِنْكَارِ إِذَا رَأَى مِنْهُ آثَارَ النَّدَمِ وَأَمَارَاتِ الِاسْتِرْسَالِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ لِمَاعِزٍ حِينَ أَقَرَّ عِنْدَهُ بِالزِّنَا: " لَعَلَّكَ قبلت، لعلك لمست) . واتى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِسَارِقٍ مُعْتَرِفٍ فَقَالَ لَهُ: " مَا إِخَالُكَ سَرَقْتَ) فَقَالَ: بَلَى، فَأَعَادَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا وَهُوَ يَعْتَرِفُ فَقَطَعَهُ، ثُمَّ قَالَ " اسْتَغْفِرِ اللَّهَ وتب) فَقَالَ: أَنَا أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: " اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ وَاغْفِرْ لَهُ) فَهَذَا حُكْمُ السَّارِقِ فِي إِقْرَارِهِ بِالسَّرِقَةِ.

فصول الكتاب · 30 فصل · 608 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الحاوي الكبير · 608 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كِتَابُ الْبُيُوعِ
كتاب الإقرار
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كتاب العارية
كتاب الغصب
كِتَابُ الشَّرْطِ فِي الرَّقِيقِ يَشْتَرِطُهُمُ الْمُسَاقِي
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ الْعَطَايَا وَالصَّدَقَاتِ
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب الصداق
كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع
كتاب السير
كتاب مختصر الجامع من كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب النذور
كِتَابُ الْعِتْق
كتاب عتق أمهات الأولاد من كتب
جارٍ التحميل