كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الماوردي
- الكتاب
- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
- المحقق
- الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1419 هـ -1999 م
- عدد الأجزاء
- 19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلو لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 4] فغلظ بثلاثة أشياء: الحد، والفسق، وَالْمَنْعُ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ، وَلَمْ يُوجِبْ بِالْقَذْفِ بِغَيْرِ الزِّنَا مِنَ الْكُفْرِ وَسَائِرِ الْفَوَاحِشِ حَدًّا؛ لِأَنَّ الْقَذْفَ بِالزِّنَا أَعَرُّ وَهُوَ بِالنَّسْلِ أَضَرُّ، وَلِأَنَّ الْمَقْذُوفَ بِالْكُفْرِ يَقْدِرُ عَلَى نَفْيِهِ عَنْ نَفْسِهِ بِإِظْهَار الشَّهَادَتَيْنِ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى نَفْيِ الزِّنَا عَنْ نَفْسِهِ، وَجَعَلَ حَدَّهُ ثَمَانِينَ جَلْدَةً؛ لِأَنَّ الْقَذْفَ بِالزِّنَا أَقَلُّ مِنْ فِعْلِ الزِّنَا فَكَانَ أَقَلَّ حَدًّا مِنْهُ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَاسَ عَلَيْهِ حَدَّ شَارِبِ الْخَمْرِ فَقَالَ: لِأَنَّهُ إِذَا شَرِبَ سَكِرَ، وَإِذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هذي افترى، وحد المفتري ثمانون، والله أعلم.
(فصل)
[الشروط المعتبرة في القاذف والمقذوف]
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ ثَمَانُونَ جَلْدَةً فَهُوَ أَكْمَلُ حُدُودِهِ، وَكَمَالُهُ مُعْتَبَرٌ بِشُرُوطٍ فِي الْمَقْذُوفِ وَشُرُوطٍ فِي الْقَاذِفِ.
فَأَمَّا الشُّرُوطُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْمَقْذُوفِ فَخَمْسَةٌ: الْبُلُوغُ، وَالْعَقْلُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالْإِسْلَامُ، وَالْعِفَّةُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَطَ فِي حَدِّ القاذف إِحْصَانَ الْمَقْذُوفِ فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: 4] فاعتبر بالبلوغ لنقص الصغر، واعتبر بالعقل لنقص الجنون، واعتبر بالحرية لنقص الرق، واعتبر بالإسلام لنقص الكفر، واعتبر بالعفة لنقص الزنا ولقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: 4] فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ إِذَا أَتَوْا بِالشُّهَدَاءِ لَمْ يُحَدُّوا وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ﴾ [النور: 23] إنه أراد الغافلات عن الفواحش بتركها، وإن كَانَ الْمَقْذُوفُ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا فَلَا حَدَّ على قاذفها لأمرين:
أحدهما: لنقصانهما عَنْ كَمَالِ الْإِحْصَانِ.
وَالثَّانِي: لِأَنَّهُمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا بِالزِّنَا حَدٌّ، فَلَمْ يَجِبْ لَهُمَا بِالْقَذْفِ حَدٌّ، وَإِنْ كَانَ الْمَقْذُوفُ عَبْدًا فَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهِ.
وَقَالَ دَاوُدُ: يُحَدُّ قَاذِفُهُ لِعُمُومِ الظاهر، ولأنه يحد بالزنا فحد له القاذف بِالزِّنَا كَالْحُرِّ، وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَطَ فِيهِ الْإِحْصَانَ وَهُوَ مُنْطَلِقٌ عَلَى الْحُرِّيَّةِ وَالْإِسْلَامِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَا شُرِطَا فِيهِ، وَلِأَنَّ فعل الزنا أغلظ من القذف، فلما منعه نقص الرِّقِّ مِنْ كَمَالِ حَدِّ الزِّنَا كَانَ أَوْلَى أن يمنع من حد قذفه بالزنا، ولأنه لما منعه نقص الرِّقِّ أَنْ تُؤْخَذَ بِنَفْسِهِ نَفْسُ حُرٍّ كَانَ أولى أن يمنع أن يؤخذ بعرضه عن عوض حر.
فإن قيل: ينبغي إِذَا قَذَفَهُ عَبْدٌ مِثْلُهُ أَنْ يُحَدَّ لِقَذْفِهِ كما يقتص بقتله.
قِيلَ: هَذَا لَا يَلْزَمُ؛ لِأَنَّ الْمَقْذُوفَ قَدْ عَدِمَ شَرْطَ الْإِحْصَانِ فَسَقَطَ حَدُّ قَذْفِهِ وَإِنْ سَاوَاهُ الْقَاذِفُ، كَمَا لَوْ كَانَ غَيْرَ عَفِيفٍ فَقَذَفَهُ غَيْرُ عَفِيفٍ لَمْ يُحَدَّ وَإِنِ اسْتَوَيَا في سقوط
العفة لعدم شرط الإحصان وكذلك قَذْفُ الْعَبْدِ لِلْعَبْدِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِّهِ بِالزِّنَا فَلِأَنَّ حَدَّ الزِّنَا عَلَيْهِ وَحَدُّ الْقَذْفِ لَهُ وَنَقْصُهُ مُؤَثِّرٌ فِي الْحَقِّ الَّذِي لَهُ، وَإِنْ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ، كَالْقِصَاصِ لَا يَسْتَحِقُّهُ عَلَى الْحُرِّ، وَيَسْتَحِقُّهُ عَلَيْهِ الحر.
وهكذا لو كان المقذوف مدبراً أو مكاتباً أَوْ مَنْ رُقَّ بَعْضُهُ وَإِنْ قَلَّ فَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهِ، سَوَاءٌ سَاوَاهُ فِي الرِّقِّ أو فضل عليه بالحرية، لكن يُعَزَّرُ لِلْأَذَى وَإِنْ كَانَ الْمَقْذُوفُ كَافِرًا فَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ عَدَمِ شَرْطَ الْإِحْصَانِ فيه، ولأنه لما لم يأخذ نَفْسُ الْمُسْلِمِ بِنَفْسِ الْكَافِرِ لَمْ يُؤْخَذْ عِرْضُهُ بِعِرْضِهِ، وَهَكَذَا لَوْ كَانَ الْمَقْذُوفُ غَيْرَ عَفِيفٍ فَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهِ وَسَنَذْكُرُ مَا تَسْقُطُ بِهِ الْعِفَّةُ مِنْ بَعْدُ.
(فَصْلٌ)
وَأَمَّا الشُّرُوطُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْقَاذِفِ فَثَلَاثَةُ شُرُوطٍ: الْبُلُوغُ، وَالْعَقْلُ، وَالْحُرِّيَّةُ، فَإِذَا اسْتَكْمَلَهَا الْقَاذِفُ حُدَّ حَدًّا كَامِلًا إِذَا كَانَ الْمَقْذُوفُ كَامِلًا، فَإِنْ أَخَلَّ بِالْبُلُوغِ وَالْعَقْلِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ بِالْقَذْفِ؛ لِارْتِفَاعِ الْقَلَمِ عَنْهُ، وَلِأَنَّهُ لَا يُحَدَّ بِالزِّنَا فَكَانَ أَوْلَى أَنْ لَا يُحَدَ لِلْقَذْفِ بِالزِّنَا، وَإِنْ كَانَ القاذف عبداً حر بِالْقَذْفِ أَرْبَعِينَ نِصْفَ حَدِّ الْحُرِّ.
وَقَالَ دَاوُدُ: يُحَدُّ ثَمَانِينَ حَدًّا كَامِلًا كَالْحُرِّ وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالزُّهْرِيِّ تَعَلُّقًا بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4] وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الزِّنَا أَغْلَظُ مِنَ الْقَذْفِ بِهِ، وَهُوَ لَا يُسَاوِي الْحُرَّ فِي حَدِّ الزِّنَا، فَكَانَ أَوْلَى أَنْ لَا يُسَاوِيَهُ في حد القذف بالزنا.
روي عن عامر بن عبد الله بْنِ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ: أَدْرَكْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَمَنْ بَعْدَهُمَا مِنَ الْخُلَفَاءِ فَلَمْ أَرَهُمْ يَضْرِبُونَ الْمَمْلُوكَ فِي الْقَذْفِ إِلَّا أَرْبَعِينَ فَكَانَ إِجْمَاعًا.
فَأَمَّا الْآيَةُ فَوَارِدَةٌ فِي الْأَحْرَارِ، لِأَنَّهُ مَنَعَ فِيهَا مِنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِمْ لِقَذْفِهِمْ، وَالْعَبْدُ لا تسمع شهادته قاذفاً أَوْ غَيْرَ قَاذِفٍ، فَإِنْ كَانَ الْقَاذِفُ كَافِرًا حُدَّ حَدًّا كَامِلًا؛ لِأَنَّهُ يَنْقُصُ عَنِ الْمُسْلِمِ فِي الْحَقِّ الَّذِي لَهُ، وَلَا يَنْقُصُ عَنْهُ في الحق الذي عليه والله أعلم.
(مسألة)
قال الشافعي: " فإن قَذَفَ نَفَرًا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَدُّهُ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَذْفُ الْوَاحِدِ لِلْجَمَاعَةِ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُفْرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِالْقَذْفِ فَيَقْذِفُهُ بِكَلِمَةٍ مُفْرَدَةٍ فَلَا تَتَدَاخَلُ حُدُودُهُمْ، وَيُحَدُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَدًّا مُفْرَدًا.
والضرب الثاني: يَجْمَعَهُمْ فِي الْقَذْفِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فَيَقُولُ زَنَيْتُمْ، أَوْ أَنْتُمْ زُنَاةٌ، فَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَبِهِ قَالَ فِي الْقَدِيمِ أنه تتداخل حدودهم، ويحد لجميعهم حداً واحداً اعتباراً بكلمة القذف أنها وَاحِدَةٌ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَبِهِ قَالَ فِي الْجَدِيدِ إِنَّ حُدُودَهُمْ لَا تَتَدَاخَلُ وَيُحَدُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ منهم حداً منفرداً اعْتِبَارًا بِهِمْ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَتَدَاخَلُ حُدُودُ جَمَاعَتِهِمْ وَيَحُدُّ لِجَمِيعِهِمْ حَدًّا وَاحِدًا، سَوَاءً جَمَعَهُمْ فِي الْقَذْفِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ أَفْرَدَهُمْ وَقَذَفَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِكَلِمَةٍ مُفْرَدَةٍ؛ احْتِجَاجًا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: 4] الْآيَةَ فَجَعَلَ لِكُلِّ الْمُحْصَنَاتِ حَدًّا وَاحِدًا.
وَبِمَا رُوِيَ أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ بِشَرِيكِ بْنِ السَّحْمَاءِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " البينة وحداً أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ فَقَذْفُ اثْنَيْنِ وَأَوْجَبَ عليه حداً) .
وَلِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّ الثَّلَاثَةَ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَى الْمُغِيرَةِ بِالزِّنَا حَدًّا وَاحِدًا، وَقَدْ صَارُوا قَذَفَةً لَهُ وَلِلْمَرْأَةِ.
وَلِأَنَّ فِعْلَ الزِّنَا أَغْلَظُ مِنَ الْقَذْفِ بِهِ، ثُمَّ كَانَ الزِّنَا إِذَا تَكَرَّرَ فِي جَمَاعَةٍ تداخلت حدود، فَكَانَ الْقَذْفُ بِهِ أَوْلَى أَنْ تَتَدَاخَلَ حُدُودُهُ.
وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا: أَنَّهَا حُدُودٌ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فَوَجَبَ أَنْ تَتَدَاخَلَ كَالزِّنَا، وَلِأَنَّهُ لَمَّا تَدَاخَلَ الْقَذْفُ إِذَا تَكَرَّرَ فِي وَاحِدٍ وَجَبَ أَنْ يَتَدَاخَلَ إِذَا تَكَرَّرَ فِي جَمَاعَةٍ، وَلِأَنَّهَا حُدُودٌ تَتَدَاخَلُ فِي الزِّنَا فَوَجَبَ أَنْ تَتَدَاخَلَ فِي الْقَذْفِ كَالْمُتَكَرِّرِ فِي الشَّخْصِ الْوَاحِدِ، وَدَلِيلُنَا هُوَ أن القذف موجب للحد فِي الْأَجَانِبِ وَاللِّعَانَ فِي الزَّوْجَاتِ، فَلَمَّا لَمْ يتداخل اللعان في الزوجات وأفرد كل واحد مِنْهُنَّ بِلِعَانٍ لَمْ تَتَدَاخَلِ الْحُدُودُ فِي الْأَجَانِبِ وَانْفَرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِحَدٍّ.
وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا: أنه أحد موجبي القذف فوجب أن لا يَتَدَاخَلَ فِي حُقُوقِ الْجَمَاعَةِ كَاللِّعَانِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ حقق قذفه الْجَمَاعَةِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ لَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ منهم حد كامل وجب إذا تحقق قذفه أن يحد لكل واحد منهم حداً كاملاً؛ لأن حد القذف مقابل كحد الزِّنَا عَلَيْهِمْ.
وَيَتَحَرَّرُ مِنْهُ قِيَاسَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَحَدُ حَالَتَيِ الْقَذْفِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَتَدَاخَلَ مُوجِبُهُ كَمَا لَوْ تَحَقَّقَ.
وَالثَّانِي: أَنَّ كُلَّ مَقْذُوفٍ لَوْ تَحَقَّقَ قَذْفُهُ لَمْ يَتَدَاخَلِ الْحَدُّ عَلَيْهِ وَجَبَ إِذَا لَمْ يَتَحَقَّقُ
أن لا يتداخل لَهُ كَقَذْفِ الْوَاحِدِ لِوَاحِدٍ وَلِأَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ على أصلنا في حَدِّ الْقَذْفِ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ عَلَى مَا سندل عليه مِنْ بَعْدُ، فَنَقُولُ عِنْدَ ثُبُوتِهِ: إِنَّ كُلَّ حَقٍّ لِآدَمِيٍّ إِذَا لَمْ يَتَدَاخَلْ فِي وُجُوبِهِ لِلْوَاحِدِ عَلَى الْجَمَاعَةِ لَمْ يَتَدَاخَلْ فِي وُجُوبِهِ لِلْجَمَاعَةِ عَلَى الْوَاحِدِ كَالْقِصَاصِ وَفِيهِ احْتِرَازٌ مِنْ آجال الديون؛ لأنها تتداخل في حق الْوَاحِدِ وَالْجَمَاعَةِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ فَهُوَ أَنَّهَا دَلِيلُنَا؛ لِأَنَّهُ أَوْجَبَ لِلْجَمَاعَةِ عَلَى الْجَمَاعَةِ ثَمَانِينَ جَلْدَةً، فَلَمَّا كَانَ الْمُرَادُ بِهَا كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْقَاذِفِينَ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَقْذُوفِينَ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ فَمِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ " حَدٌّ فِي جَنْبِكَ) إشارة إلى الحبس وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَجِبَ فِيهِ حَدَّانِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَوْجَبَ الْحَدَّ لِمَنْ طَالَبَ بِهِ وَلَمْ يخص شَرِيكُ بْنُ السَّحْمَاءِ مُطَالِبًا فَيُوجِبُ لَهُ الْحَدَّ.
وَالثَّالِثُ: مَا حُكِيَ أَنَّ شَرِيكَ بْنَ السَّحْمَاءِ كَانَ يَهُودِيًّا وَلَا حَدَّ فِي قَذْفِ الْيَهُودِيِّ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ عُمَرَ فِي حَدِّهِ الشهود عَلَى الْمُغِيرَةِ فَمِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ لَمْ يُعَيِّنُوا الْمَزنِيَّ بِهَا، فَيَجِبُ الْحَدُّ بِقَذْفِهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا لَمْ تُطَالَبْ بِهِ فَيُحَدُّونَ لَهَا.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ فِعْلٌ وَاحِدٌ فَلَمْ يَجِبْ فِي الْقَذْفِ بِهِ إِلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى حَدِّ الزنا فهو أن حد مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَوْضُوعَةِ عَلَى الْمُسَاهَلَةِ، وَإِدْرَائِهَا بِالشُّبْهَةِ، وَحَدُّ الْقَذْفِ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ التي تدخلها المضايقة والمشاحنة، ولا تدرأ بالشبهة، فكان افتراقها في التغليظ موجباً لافتراقها فِي التَّدَاخُلِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اعْتِبَارِ تَكْرَارِ الْقَذْفِ لِلْجَمَاعَةِ بِتَكْرَارِهِ فِي الْوَاحِدِ فَهُوَ فَسَادٌ، مَوْضُوعُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا تَدَاخَلَ لِعَانُهُ إِذَا تَكَرَّرَ فِي الزَّوْجَةِ الْوَاحِدَةِ وَلَمْ يَتَدَاخَلْ إِذَا تَكَرَّرَ فِي الزَّوْجَاتِ كَذَلِكَ الْقَذْفُ.
والثاني: أنه لما كان تكرار الْوَطْءِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ يُوجِبُ تَدَاخُلَ الْمَهْرِ في المنكوحة الواحدة ولا يوجب تدخله فِي مُهُورِ الْجَمَاعَةِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْتَبَرَ مَا تَكَرَّرَ فِي الْوَاحِدِ بِمَا تَكَرَّرَ فِي الجماعة.
(مسألة)
قال الشافعي: " فإن قال يا بن الزَّانِيَيْنِ وَكَانَ أَبَوَاهُ حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ مَيِّتَيْنِ فَعَلَيْهِ حَدَّانِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ الْمحضةِ عِنْدَنَا.
وقال أبو حنيفة: هي مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ الْمَحْضَةِ وَتَأْثِيرُ هَذَا الْخِلَافِ حُكْمَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَسْقُطُ بِالْعَفْوِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَلَا يَسْقُطُ بِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُورَثُ بِالْمَوْتِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَلَا يُورَثُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ فِي كِتَابِ اللِّعَانِ فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
وَلَوْ قَذَفَ مَيِّتَةً اسْتَحَقَّ وَلَدُهَا حَدَّ قَاذِفِهَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ، فَوَافَقَ أَبُو حَنِيفَةَ إِذَا قَذَفَهَا بَعْدَ مَوْتِهَا، وَخَالَفَ إِذَا قَذَفَهَا فِي حَيَاتِهَا ثُمَّ مَاتَتْ، وَوِفَاقُهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعِ خِلَافِهِ.
وَفَرَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَثْبُتُ لَهُ حَقٌّ بَعْدَ مَوْتِهِ فَصَارَ الْحَدُّ حَقًّا لِوَلَدِهَا دُونَهَا فَلَمْ يَكُنْ مَوْرُوثًا عنها، وهذا فاسد؛ لِأَنَّهُ يُرَاعِي فِي وُجُوبِ الْحَدِّ إِحْصَانَ الْأُمِّ دون الولد، ولو كان له لَرَاعَيْنَا إِحْصَانَهُ دُونَ الْأُمِّ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَجِبَ لَهَا بَعْدَ مَوْتِهَا حَدُّ الْقَذْفِ كَمَا وجب عليها بعد موتها غرم ما تلف بِجِنَايَتِهَا مِنْ حَفْرِ بِئْرٍ وَوَضْعِ حَجَرٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّ حَالَ الْأُمِّ يَقْدَحُ فِي نَسَبِ الِابْنِ، فَوَجَبَ لَهُ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ إِرْثٍ، وَهَذَا خَطَأٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَوْ قُذِفَ أَبَوْهُ بِالزِّنَا بِغَيْرِ أُمِّهِ، أَوْ قُذِفَتْ أُمُّهُ بِالزِّنَا بَعْدَ وِلَادَتِهِ وَكِبَرِهِ لَمْ يَكُنْ هَذَا قادحاً في نسبه، ويملك الحد فيها فَبَطُلَ التَّعْلِيلُ بِقَدْحِ النَّسَبِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ وَجَبَ الْحَدُّ بِهَذِهِ الْعِلَّةِ لَاسْتَحَقَّهُ فِي حَيَاةِ أُمِّهِ وَهُوَ لَا يَسْتَحِقُّهُ، فَبَطُلَ الِاعْتِلَالُ بِهِ، وَلَمْ يَبْقَ لِاسْتِحْقَاقِهِ عِلَّةٌ إِلَّا الْمِيرَاثُ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مَوْرُوثٌ فَصُورَةُ مَسْأَلَتِنَا فِي رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا ابْنَ الزَّانِيَيْنِ، فَهَذَا قَاذِفٌ لِأَبَوَيْهِ دُونَهُ، فَإِنْ كَانَ أَبَوَاهُ، حَيَّيْنِ فَهُمَا الْمُطَالِبَانِ بِحَدِّ قَذْفِهِمَا دُونَهُ، فَإِنْ عَفَوَا صَحَّ عَفْوُهُمَا وَلَا حَقَّ لِلْوَلَدِ فِي حَدِّ قَاذِفِهِمَا وَإِنْ كَانَا مَيِّتَيْنِ فَهُوَ مِيرَاثٌ لِلْوَلَدِ عَنْهُمَا وَهُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْمُطَالَبَةِ بِحَدِّ قَذْفِهِمَا، وَهُوَ قَذْفُ اثْنَيْنِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فَيَكُونُ فِيمَا يَسْتَحِقُّ بِهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْقَدِيمُ حَدٌّ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّهُ قَذَفَ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْجَدِيدِ حَدَّانِ؛ لِأَنَّ المقذوف اثنان، فإن عفى الابن عن الحد صح عفوه، ولو عفى عَنْ حَدِّ أَحَدِهِمَا كَانَ لَهُ الْحَدُّ فِي قذف الآخر.
(مسألة)
قال الشافعي: " وَيَأْخُذُ حَدَّ الْمَيِّتِ وَلَدُهُ وَعَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي وَارِثِ حَدِّ الْقَذْفِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقَاوِيلَ:
أَحَدُّهَا: أَنَّهُ يَرِثُهُ ذُكُورُ الْعَصَبَاتِ دُونَ غَيْرِهِمْ كَوِلَايَةِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُمَا مَعًا مَوْضُوعَانِ لِنَفْيِ الْعَارِ، نُصَّ عَلَيْهِ فِي اخْتِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَرِثُهُ جَمِيعُ ذَوِي الْأَنْسَابِ دُونَ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ لِاخْتِصَاصِهِ بِمَعَرَّةِ النَّسَبِ، فَخَرَجَ مِنْ مُسْتَحِقِّهِ مَنْ خَرَجَ مِنَ النَّسَبِ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: يرثه جميع الورثة من دون الْأَنْسَابِ وَالْأَسْبَابِ كَالْمَالِ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا اسْتَحَقَّ بِالْإِرْثِ عَلَى مَا وَصَفْنَا كَانَ لِجَمِيعِهِمْ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ، فَلَوْ طَالَبَ بِهِ وَاحِدٌ منهم وعفى الباقون عنه كان للطالب بِهِ مِنْهُمْ أَنْ يَسْتَوْفِيَ جَمِيعَهُ بِخِلَافِ الْقِصَاصِ.
والفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أنه فِي عَفْوِ الْقِصَاصِ يُرْجَعُ إِلَى بَدَلٍ هُوَ الدِّيَةُ، فَسَقَطَ حَقُّهُ بِعَفْوِ غَيْرِهِ، وَلَا يُرْجَعُ فِي حَدِّ الْقَذْفِ إِلَى بَدَلٍ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْقُطَ حَقُّهُ بِعَفْوِ غَيْرِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ تَأْثِيرَ الْجِنَايَةِ لَا يَتَعَدَّى الْمَجْنِي عَلَيْهِ فَقَامَ جَمِيعُ وَرَثَتِهِ فِيهِ مَقَامَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا كَانَ لَهُ مِنَ الْحَدِّ بِقَدْرِ إِرْثِهِ، لِأَنَّهُ يَتَبَعَّضُ كَالدِّيَةِ.
قِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الدِّيَةَ عِوَضٌ فَجَازَ أَنْ تَتَبَعَّضَ، وحد القذف لنفي المعرة فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَبَعَّضَ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الدِّيَةَ لَمَّا تَبَعَّضَتْ فِي الْوُجُوبِ جَازَ أَنْ تَتَبَعَّضَ فِي الِاسْتِحْقَاقِ، وَحَدُّ الْقَذْفِ لَمَّا لَمْ يَتَبَعَّضْ فِي الْوُجُوبِ لَمْ يَتَبَعَّضْ فِي الِاسْتِحْقَاقِ.
(مَسْأَلَةٌ)
قال الشافعي: " ولو قَالَ الْقَاذِفُ لِلْمَقْذُوفِ: إِنَّهُ عَبْدٌ فَعَلَى الْمَقْذُوفِ الْبَيِّنَةُ لِأَنَّهُ يَدَّعِي الْحَدَّ وَعَلَى الْقَاذِفِ الْيَمِينُ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ الْحَدَّ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا كَانَ الْمَقْذُوفُ لَقِيطًا أَوْ مَجْهُولَ النَّسَبِ فَادَّعَى أَنَّهُ حُرٌّ لِيَحُدَّ قَاذِفُهُ، وَأَنْكَرَ الْقَاذِفُ حُرِّيَّتَهُ، وَقَالَ: أَنْتَ عَبْدٌ فَلَا حَدَّ لَكَ عَلَيَّ فَقَدْ ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ اللَّقِيطِ اخْتِلَافَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي حُكْمِ اللَّقِيطِ، فَأَحَدُ قَوْلَيْهِ: أَنَّهُ مَجْهُولُ الأصل.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ حُرٌّ فِي الظَّاهِرِ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ مَجْهُولُ الْأَصْلِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ قَاذِفِهِ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ عَبْدٌ إِلَّا أَنْ يُقِيمَ المقذوف البينة أنه حر.
فإن قِيلَ: إِنَّهُ حُرٌّ فِي الظَّاهِرِ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمَقْذُوفِ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ حُرٌّ اعْتِبَارًا بِالظَّاهِرِ مِنْ حَالِهِ إِلَّا أَنْ يُقِيمَ الْقَاذِفُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ عَبْدٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ قَاذِفِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ حُدُودَ الْأَبْدَانِ مَوْضُوعَةٌ عَلَى إِدْرَائِهَا بِالشُّبْهَةِ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي الْقَذْفِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْقَاذِفِ دُونَ الْمَقْذُوفِ.
وَقَالَ فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ: إِذَا قَالَ الْجَانِي وَهُوَ حُرٌّ إِنَّ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ عَبْدٌ فَلَا قَوَدَ لَهُ، وَقَالَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ: أَنَا حُرٌّ فَلِيَ الْقَوَدُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ دُونَ الْجَانِي، فَخَالَفَ بَيْنَ الْقَذْفِ وَالْجِنَايَةِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ نَقَلُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْجَوَابَيْنِ إِلَى الْآخَرِ وَخَرَّجُوا الْقَذْفَ وَالْجِنَايَةَ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْقَاذِفِ وَالْجَانِي مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ عَبْدٌ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي الْقَذْفِ، وَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ فِي الْجِنَايَةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمَقْذُوفِ وَالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَنَّهُ حُرٌّ وَلَهُ الْحَدُّ فِي الْقَذْفِ وَالْقَوَدِ فِي الجناية.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ وَالْجَوَابُ عَلَى ظَاهِرِهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ فَيَكُونُ الْقَوْلُ فِي الْقَذْفِ قَوْلَ الْقَاذِفِ دُونَ الْمَقْذُوفِ، وَفِي الْجِنَايَةِ القول قَوْلُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ دُونَ الْجَانِي وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ سُقُوطَ الْحَدِّ يُوجِبُ الِانْتِقَالَ إِلَى رَادِعٍ مِنْ جِنْسِهِ وَهُوَ التَّعْزِيرُ، فجاز أن يسقط، وليس كذلك القول؛ لِأَنَّهُ إِذَا أُسْقِطَ لَمْ يُوجِبْ الِانْتِقَالَ إِلَى رَادِعٍ مِنْ جِنْسِهِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَسْقُطْ.
وَالثَّانِي: أن التَّعْزِيرُ بَعْدَ سُقُوطِ الْحَدِّ يَقِينٌ؛ لِأَنَّهُ بَعْضُ الحد، والدية بعد سقوط الحد شَكٌّ، فَجَازَ الِانْتِقَالُ إِلَى يَقِينٍ وَلَمْ يَجُزْ الانتقال إلى شك.
( [مسألة)
قال الشافعي: " ولا يحد في التعريض لأن الله تعالى أباح التعريض فيما حرم عقده فقال ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أجله﴾ وقال تعالى {ولا
جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النساء} فجعل التعريض مخالفاً للتصريح فلا يحد إلا بقذف صريح) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَقَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي كِتَابِ " اللِّعَانِ) وَالتَّعْرِيضُ كِنَايَاتُ الْقَذْفِ فَلَا يَكُونُ قَذْفًا إِلَّا بِالْإِرَادَةِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ: الْمَعَارِيضُ قَذْفٌ فِي الْغَضَبِ دُونَ الرِّضَا كَقَوْلِهِ: أَنَا مَا زَنَيْتُ، أَوْ يَا حَلَالُ ابْنَ الْحَلَالِ، إِلَى مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَقَدْ قَدَّمْنَا مِنَ الدَّلَائِلِ مَا كفى، وإذا سقط الحد فيها نظر إلى مجردها فإن تجردت عن أسباب الأذى فلا تعزير فيها، وإن اقترنت بالأذى والسبب عزر فيها، فأما ما كان ظاهره الفحش والسب كقوله: يا فاسق، أو يا فاجر فهو أبلغ من التصريح؛ لأنه سب في الرضا والغضب فيعزر به في الأحوال إلا أن يريد به القذف فيحد، فأما إذا قال: يا عاهر، فقد ذكرنا فيه وجهين:
أحدهما: يكون قذفاً صريحاً لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " وللعاهر الحجر) .
والوجه الثاني: يكون كناية إن أراد به القذف حد وإن لم يرده عزر، فإن أراد بهذه المعاريض والكنايات القذف حد لها، وإن أنكر إرادة القذف أحلف لها.
وقال أبو حنيفة: لا يحد لها ولا يحلف عليها ولا تسمع الدعوى فيها احتجاجاً بأمرين:
أحدهما: أن الكناية تقوم مقام الصريح، والحد إنما يجب بالقذف، ولا يجب بما قام مقام القذف.
والثاني: أنه إذا لم يكن لفظ الكناية قذفاً صار بالنية قاذفاً، ونية القذف لا توجب الحد ودليلنا شيئان:
أحدهما: أن حد القذف من حقوق الآدميين عندنا ومن حقوق الله تعالى عنده، والعتق والطلاق يجمعان حقوق الله وحقوق الآدميين، ثم كان الكناية فيهما مع النية كالصريح؛ لأن الشهادة فيها غير معتبرة بخلاف النكاح، فوجب أن يكون القذف في اختصاصه بأحد الحقين ملحقاً بما جمع الحقين.
والثاني: أن كل لفظ احتمل معنيين مختلفي الحكم فقصده لأحدهما موجب لحمله عليه كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: 29] أن قصد به القرآن حرم في الجناية ولم يبط ل به الصلاة وإن لم يقصد به القرآن لم يحرم في الجناية وبطلت به الصلاة فأما الجواب أنه مثل القذف فمن وجهين:
أحدهما: أن مثل الشيء ما أوجب مثل حكمه.
والثاني: أنه جار مجراه وليس بمثل له.
وأما الجواب عن النية فلم نجعله قاذفاً بها كما لا نجعله مطلقاً، وإنما جعلناه قاذفاً باللفظ مع النية كما نجعله مطلقاً باللفظ مع النية] .
(مسألة)
قال الشافعي: " وَلَوْ قَالَ لِعَرَبِيٍّ يَا نَبَطِيُّ فَإِنْ قَالَ عَنَيْتُ نَبَطِيَّ الدَّارِ أَوِ اللِّسَانِ أَحْلَفْتَهُ مَا أَرَادَ أَنْ يَنْسُبَهُ إِلَى النَّبَطِ وَنَهَيْتَهُ أَنْ يَعُودَ وَأَدَّبْتَهُ عَلَى الْأَذَى فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ حَلَفَ الْمَقْذُوفُ لَقَدْ أَرَادَ نَفْيَهُ وَحُدَّ لَهُ فَإِنْ عَفَا فَلَا حَدَّ لَهُ وَإِنْ قَالَ عَنَيْتُ بِالْقَذْفِ الْأَبَ الْجَاهِلِيَّ حَلَفَ وَعُزِّرَ عَلَى الْأَذَى) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، لِأَنَّ قَوْلَهُ للعربي يا نبطي يحتمل أن يريد نَفْيَهُ مِنْ نَسَبِ الْعَرَبِ فَيَكُونَ قَذْفًا، وَيُحْتَمَلُ أن يريد أنه نَبَطِيُّ الدَّارِ، أَوِ اللِّسَانِ فَلَا يَكُونُ قَذْفًا، فَخَرَجَ مِنْ صَرِيحِ الْقَذْفِ إِلَى كِنَايَتِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يُسْأَلَ عَنْ مُرَادِهِ، فَإِنْ قَالَ: لَمْ أُرِدْ بِهِ الْقَذْفَ بَلْ أَرَدْتُ بِهِ نَبَطِيَّ الدار واللسان كَانَ الْقَوْلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي مَخْرَجِ كَلَامِهِ، فَإِنْ لم يرد به الدم والنسب فلا يعزر عليه، وإن أراد به دمه ونسبه عزر للأذى، فَإِنْ نَكِلَ عَنِ الْيَمِينِ حَلَفَ الْمَقْذُوفُ لَقَدْ أراد به نفي نسبي، وَصَارَ قَاذِفًا عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ، وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ بِهِ نَفْيَ نَسَبِهِ مِنَ الْعَرَبِ وَإِضَافَتَهُ إِلَى نَسَبِ النَّبَطِ صَارَ قَاذِفًا لِإِحْدَى أُمَّهَاتِهِ فيسأل عَمَّنْ أَرَادَ قَذْفَهَا مِنْهُنَّ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو حالهن مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُرِيدَ قَذْفَ أم أب مِنْ آبَائِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَيَكُونُ قَاذِفًا لِكَافِرَةٍ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ لَكِنْ يُعَزَّرُ.
وَالْقِسْمُ الثاني: أن يريد أم أب مِنْ آبَائِهِ فِي الْإِسْلَامِ فَيَكُونَ قَاذِفًا لِأُمِّ الْأَبِ الَّذِي أَرَادَهُ فَيَجِبُ فِي قَذْفِهَا الْحَدُّ لأنها مسلمة، ويكون ذلك للأم إِنْ كَانَتْ بَاقِيَةً هِيَ الْمُسْتَحِقَّةُ لِحَدِّهِ، فَإِنْ مَاتَتْ فَوَلَدُهَا إِنْ كَانَ بَاقِيًا، فَإِنْ مَاتَ فَلِوَارِثِهِ، فَإِنْ كَانَ مِنْهُمْ وَرِثَ الْحَدَّ مَعَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ لِوُجُودِ مَنْ هُوَ أقرب كَانَ الْأَقْرَبُ أَحَقَّ بِالْحَدِّ؛ لِأَنَّهُ أَحَقُّ بِالْمِيرَاثِ، فإن عفى الْأَقْرَبُ عَنْهُ فَفِي اسْتِحْقَاقِ هَذَا الْأَبْعَدِ لَهُ وَجْهَانِ مُخَرَّجَانِ مِنَ اخْتِلَافِ أَقَاوِيلِهِ فِي مِيرَاثِ هَذَا الْحَدِّ، هَلْ يَجْرِي مَجْرَى مِيرَاثِ الْأَمْوَالِ أو لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ إِذَا قِيلَ إنَّهُ يُوَرَّثُ مِيرَاثَ الأموال.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَسْتَحِقُّهُ بَعْدَ عَفْوِ الْأَقْرَبِ إِذَا قيل: إنه يختص بِالْعَصَبَاتِ لِنَفْيِ الْعَارِ عَنْهُمْ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يُرِيدَ أُمَّهُ الَّتِي وَلَدَتْهُ فَيَكُونُ قَاذِفًا لَهَا، فَإِنْ كَانَتْ بَاقِيَةً كَانَ الْحَدُّ مُسْتَحِقًّا لَهَا، فَإِنْ عَفَتْ عَنْهُ فَلَا حَقَّ لِوَلَدِهَا وَجْهًا وَاحِدًا بِخِلَافِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ عَفْوِ الْأَقْرَبِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ:
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْأُمَّ فِي اسْتِحْقَاقِهِ أَصْلٌ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْتَقِلَ إِلَى وَارِثِهَا مَعَ سُقُوطِهِ بِعَفْوِهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْأَقْرَبُ، لِأَنَّهُ فَرْعٌ يَجْرِي عَفْوُهُ مَجْرَى عَدَمِهِ فَجَازَ أَنْ يَنْتَقِلَ إِلَى غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ أَبْعَدَ مِنْهُ، فَأَمَّا إِنْ كَانَتِ الْأُمُّ مَيِّتَةً فَهُوَ يَسْتَحِقُّ الْحَدَّ مِيرَاثًا عَنْهَا، فَإِنْ عَفَا عَنْهُ وَكَانَ لَهَا وَارِثٌ غَيْرَهُ فِي دَرَجَتِهِ فَلَهُ اسْتِيفَاءُ الْحَدِّ وَلَا يَسْقُطُ بِالْعَفْوِ وَإِنْ كَانَ لَهَا مَنْ لَا يَرِثُ مَعَ الِابْنِ كَالْإِخْوَةِ فَفِي اسْتِحْقَاقِهِمْ لِلْحَدِّ بَعْدَ عَفْوِ الِابْنِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ.
(مَسْأَلَةٌ)
قَالَ الشافعي: " ولو قذف امرأة وطئت وطأ حراماً درىء عَنْهُ فِي هَذَا الْحَدِّ وَعُزِّرَ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قد ذكرنا أن العفة شرط في الإحصان للقذف، فَإِنْ وُطِئَتْ وَطْئًا حَرَامًا انْقَسَمَ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مَا يُوجِبُ الْحَدَّ وَيُسْقِطُ الْعِفَّةَ وَهُوَ الزِّنَا، سَوَاءٌ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ، فَلَا حد على قاذفها، سواء حد في الزنا أو لم يحد.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا لَا يُوجِبُ الْحَدَّ وَلَكِنْ يُسْقِطُ الْعِفَّةَ وَهُوَ وَطْءُ الْأَبِ جَارِيَةَ ابْنِهِ أو وطء أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ لِلْأَمَةِ الْمُشْتَرَكَةِ فَلَا حَدَّ فِيهِ، لَكِنْ يُسْقِطُ الْعِفَّةَ فِي الْوَاطِئِ وَالْمَوْطُوءَةِ إِلَّا أن تكون مستكرهة فَأَيُّهُمَا قُذِفَ فَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا لَا يُوجِبُ الْحَدَّ وَفِي سُقُوطِ الْعِفَّةِ وَجْهَانِ وَهُوَ الْوَطْءُ فِي نِكَاحٍ بِلَا وَلِيٍّ، أَوْ بِغَيْرِ شُهُودٍ، أَوْ فِي نِكَاحِ مُتْعَةٍ أَوْ شِغَارٍ، فَإِنْ قَذَفَ أَحَدُهُمَا فَفِي وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى الْقَاذِفِ وَجْهَانِ.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: مَا لَا يُوجِبُ الْحَدَّ وَلَا يُسْقِطُ الْعِفَّةَ وَهُوَ وَطْءُ الزَّوْجَةِ أَوِ الْأَمَةِ فِي حَيْضٍ أَوْ في إحرام أو في صِيَامٍ فَتَكُونُ الْعِفَّةُ بَاقِيَةً، لِأَنَّهُ صَادَفَ مَحَلَّ الأنكحة، وَالتَّحْرِيمُ عَارِضٌ، فَأَيُّهُمَا قَذَفَ وَجَبَ الْحَدُّ عَلَى قَاذِفِهِ وَقَدِ اسْتَوْفَيْنَا هَذَا فِي كِتَابِ " اللِّعَانِ) .
(مسألة)
قال الشافعي: " وَلَا يُحَدُّ مَنْ لَمْ تَكْمُلْ فِيهِ الْحُرِّيَّةُ إِلَّا حَدَّ الْعَبْدِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا لَمْ تَكْمُلْ حُرِّيَّةُ الْمَقْذُوفِ لِكَوْنِهِ مُدَبَّرًا، أَوْ مُكَاتِبًا، أَوْ أُمَّ وَلَدٍ لِبَقَاءِ جُزْءٍ مِنَ الرِّقِّ فِيهِ وَإِنْ قَلَّ فَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهِ كَمَا لَوْ قَذَفَ عَبْدًا قِنًّا وَيُعَزَّرُ لِلْأَذَى، فَأَمَّا إِنْ كَمُلَتْ حُرِّيَّةُ الْمَقْذُوفِ وَلَمْ تَكْمُلْ حُرِّيَّةُ الْقَاذِفِ وَكَانَ مُكَاتِبًا أَوْ مُدَبَّرًا، أَوْ فِيهِ جُزْءٌ مِنَ الرِّقِّ فَعَلَيْهِ حَدُّ الْعَبِيدِ وَهُوَ نِصْفُ حَدِّ الْحَرِّ كَالْعَبْدِ الْقِنِّ؛ لِأَنَّ أَحْكَامَ الرِّقِّ جَارِيَةٌ عَلَيْهِ فِي وِلَايَتِهِ وَشَهَادَتِهِ وَنِكَاحِهِ وَطَلَاقِهِ، فَكَذَلِكَ فِي الْقَذْفِ والزنا، والله أعلم.
(كِتَابُ السَّرِقَةِ)
(بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ من كتاب الحدود وغيره)
(مسألة)
قَالَ الشَّافِعِيُّ: رَحِمَهُ اللَّهُ " الْقَطْعُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا لِثُبُوتِ الْخَبَرِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بذلك) .
قال الماوردي: والأصل فِي وُجُوبِ قَطْعِ السَّارِقِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ [المائدة: 38] وفي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " وَالسَّارِقُونَ وَالسَّارِقَاتُ فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا) ، فَجَعَلَ حَدَّ السَّرِقَةِ قَطْعَ الْيَدِ لِتَنَاوُلِ الْمَالِ بِهَا، وَلَمْ يَجْعَلْ حَدَّ الزِّنَا قَطْعَ الذَّكَرِ لِمُوَاقَعَةِ الزِّنَا بِهِ لِثَلَاثَةِ مَعَانٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ لِلسَّارِقِ مِثْلَ يَدِهِ إِذَا قُطِعَتْ، وَلَيْسَ لِلزَّانِي مِثْلَ ذَكَرِهِ إِذَا قُطِعَ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْحُدُودَ زَجْرٌ لِلْمَحْدُودِ وَغَيْرِهِ، وَالْيَدُ تُرَى وَالذَّكَرِ لَا يُرَى.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ فِي قَطْعِ الذَّكَرِ إِبْطَالُ النَّسْلِ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي قَطْعِ الْيَدِ، وَقَدْ قُطِعَ السَّارِقُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ حَكَمَ بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ فأمر الله تعالى به في الإسلام فكان أول سارق قطع من الرجال في الإسلام الْخِيَارَ بْنَ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَمِنَ النِّسَاءِ مُرَّةَ بِنْتَ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ.
وَرَوَى الزُّهْرِيُّ عن عروة عن أم سلمة أن قريشاً همهم شأن الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالُوا مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قالوا ما يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَكَلَّمُوهُ فَأَتَاهُ فَكَلَّمَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " إنما هلك من كان قبلكم كَانَ إِذَا سَرَقَ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ لَقَطَعْتُهَا) ثُمَّ أَمَرَ بِقَطْعِ يَدِهَا.
وَرَوَى عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكَّارٍ التَّمِيمِيُّ: أَنَّهَا خَرَجَتْ فِي اللَّيْلِ إِلَى رَكْبٍ بِجَانِبِ الْمَدِينَةِ فَسَرَقَتْ عَيْبَةً لَهُمْ، فَلَمَّا قَطَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ أَبُوهَا: اذْهَبُوا بِهَا إِلَى أَخْوَالِهَا بَنِي حويطب فإنها أشبهتهم فقال: فيها الحسين بن الوليد: (يا رب بنت لأبي سلمى جعد ... سراقة لحقائب الركبان)
(بانت تحوش عليهم بيمينها ... حتى أقرت غير ذات بيان)
(كونوا عبيداً واقتدوا بأبيكم ... وذروا التبختر يا بني سفيان)
(اخشوا فإن الله لم يجعل لكم ... كنز الْمُغِيرَةِ أَوْ بَنِي عِمْرَانْ)
وَحَكَى الْكَلْبِيُّ أَنَّ آيَةَ السَّرِقَةِ نَزَلَتْ فِي طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ الظَّفَرِيِّ، سَارِقِ الدِّرْعِ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهَا هَلْ هِيَ عُمُومٌ خُصَّ أَوْ مُجْمَلٌ فُسِّرَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا مِنَ الْعُمُومِ الَّذِي خُصَّ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا مِنَ الْمُجْمَلِ الَّذِي فُسِّرَ.
وَرَوَى عبد الله بن عمر، وقال: سَرَقَتِ امْرَأَةٌ حُلِيًّا فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِقَطْعِ يَدِهَا الْيُمْنَى، فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " أَنْتِ الْيَوْمَ مِنْ خَطِيئَتِكِ كَيَوْمِ وَلَدَتْكِ أُمُّكِ) فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 39] وفي قوله ها هنا " وَأَصْلَحَ) وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَصْلَحَ سَرِيرَتَهُ بِتَرْكِ الْعَزْمِ.
وَالثَّانِي: أَصْلَحَ عَمَلَهُ بِتَرْكِ الْمُعَاوَدَةِ.
وَرَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ وَيَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ) .
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ قِيلَ لَهُ إِنَّ مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ، هَلَكَ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ فَنَامَ فِي الْمَسْجِدِ وَتَوَسَّدَ رِدَاءَهُ، فَجَاءَ سَارِقٌ فَأَخَذَهُ مِنْ تَحْتِ رَأْسِهِ فَأَخَذَ صفوان السارق وجاء بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
فَأَمَرَ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ فَقَالَ صَفْوَانُ إِنِّي لَمْ أُرِدْ هَذَا هُوَ عَلَيْهِ صَدَقَةً فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " فهلا قبل أن تأتيني به) .
(فصل)
روى الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: " لا يزني المؤمن حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ) .
وَيُحْتَمَلُ تَأْوِيلُهَا أَرْبَعَةَ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَسْتَحِلُّهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَهَا مَنْصُوصٌ فَيَكْفُرُ بِاسْتِحْلَالِهَا.
وَالثَّانِي: يَعْنِي لَا يَفْعَلُ أَفْعَالَ الْمُؤْمِنِينَ؛ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ يَمْتَنِعُ مِنْهَا.
وَالثَّالِثُ: مَعْنَاهُ لَا يُصَدِّقُ أَنَّهُ يُحَدُّ إن زنا، وَيُقْطَعُ إِنْ سَرَقَ، وَيُجْلَدُ إِنْ شَرِبَ الْخَمْرَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ يُقَامُ عَلَيْهِ لَامْتَنَعَ مِنْهُ وَلَمْ يُقَدَّمْ عَلَيْهِ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ قَالَهُ مُبَالَغَةً فِي الزَّجْرِ عَنْهَا كَمَا قَالَ: " مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ، وَمَنْ غَلَّ صَدَقَتَهُ فَإِنَّا آخذوها منه وشطر ماله) .
(فصل)
وقطع السارق حق مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ الْمَحْضَةِ، وَالْغُرْمُ فِيهِ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ الْمَحْضَةِ.
فَأَمَّا الْغُرْمُ فَيَصِحُّ الْعَفْوُ عَنْهُ قَبْلَ عِلْمِ الْإِمَامِ وَبَعْدِهِ.
وَأَمَّا الْقَطْعُ فيصح العفو عنه قبل علم الإمام به، وَلَا يَصِحُّ الْعَفْوُ عَنْهُ بَعْدَ عِلْمِهِ؛ لِرِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال لصفوان بن أمية في سارق ردائه حين قال: هو لو صَدَقَةٌ فَقَالَ: " هَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ، اشْفَعُوا مَا لَمْ يَصِلْ إِلَى الْوَالِي، فَإِذَا وصل إلى الوالي فعفى فلا عفا الله عنه) فأمر بقطعه.
وَرَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ الزُّبَيْرَ شُفِّعَ فِي سَارِقٍ فَقِيلَ لَهُ: حَتَّى يبلغه الإمام فقال: إِذَا بَلَغَ الْإِمَامَ فَلَعَنَ اللَّهُ الشَّافِعَ وَالْمُشَفَّعَ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. وَرُوِيَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ أُتَي بِلُصُوصٍ فَقَطَعَهُمْ حَتَّى بَقِيَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَقُدِّمَ لِيُقْطَعَ فَقَالَ: (يَمِينِي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أُعِيذُهَا ... بِعَفْوِكَ أَنْ تَلْقَى مَكَانًا يَشِينُهَا)
(يَدَيَّ كَانَتِ الْحَسْنَاءُ لو تم سبرها ... ولن تعدم الحسناء عاباً يَشِينُهَا)
(فَلَا خَيْرَ فِي الدُّنْيَا وَكَانَتْ حَبِيبَةً ... إِذَا مَا شِمَالِي فَارَقَتْهَا يَمِينُهَا)
فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: كَيْفَ أَصْنَعُ بِكَ، وَقَدْ قَطَعْتُ أَصْحَابَكَ، فَقَالَتْ أم السارق: يا أمير المؤمنين اجعلها من ذُنُوبِكَ الَّتِي تَتُوبُ مِنْهَا، فَخَلَّى سَبِيلَهُ فَكَانَ أول حد يترك فِي الْإِسْلَامِ.
(فَصْلٌ)
[شُرُوطُ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ] .
فإذا ثبت ما ذكرناه مِنْ قَطْعِ السَّارِقِ فَوُجُوبُهُ مُعْتَبَرٌ بِشَرْطَيْنِ: الْحِرْزُ، وَالْقَدْرُ، فَأَمَّا الْحِرْزُ فَيَأْتِي وَأَمَّا الْقَدْرُ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي اعْتِبَارِهِ فَذَهَبَ دَاوُدُ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشَّافِعِيُّ وَالْخَوَارِجُ إِلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وَأَنَّهُ يُقْطَعُ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ.
وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ.
وَمِنَ التَّابِعِينَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالزُّهْرِيُّ؛ لِعُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] .
وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ وَيَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ) .
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى اعْتِبَارِ الْقَدْرِ فِي وُجُوبِ الْقَطْعِ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى مَذَاهِبَ شَتَّى، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِرُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا يُقْطَعُ فِيهِ ولا يقطع فيما نقص منه، فَإِنْ كَانَ الْمَسْرُوقُ دَرَاهِمَ أَوْ مَتَاعًا قُوِّمَ بِالذَّهَبِ، وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ: يُقْطَعُ فِي دِرْهَمٍ وَاحِدٍ فَصَاعِدًا، لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَعْدُودٍ مِنْهَا.
وَقَالَ زِيَادُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ: يُقْطَعُ فِي دِرْهَمَيْنِ فَصَاعِدًا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مَنِ اسْتَحَلَّ بِدِرْهَمَيْنِ فَقَدِ اسْتَحَلَّ) .
وَقَالَ مَالِكٌ يُقْطَعُ فِي ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا؛ لِرِوَايَتِهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَطَعَ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ.
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: يُقْطَعُ فِي أَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا، وَلَعَلَّهُمَا قَوَّمَا الْمِجَنَّ بِأَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ وَرَوَى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ ثَمَنَ الْمِجَنِّ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: يُقْطَعُ فِي خَمْسَةِ دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا؛ لِرِوَايَةِ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا سَرَقَ مِجَنًّا عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقُوِّمَ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ فَقَطَعَهُ؛ وَلِرِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " لَا تُقْطَعُ الْخَمْسُ إِلَّا في خمس) .
وقال أبو حنيفة، وأصحابه: تقطع فِي عَشَرَةِ دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا، وَإِنْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِهَا قُوِّمَ بِهَا فَصَارَ مُخَالِفًا لِلشَّافِعِيِّ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: فِي الْقَدْرِ.
وَالثَّانِي: فِي جِنْسِ مَا يَقَعُ بِهِ التَّقْوِيمُ اسْتِدْلَالًا بِرِوَايَةِ زُفَرَ بْنِ الْهُذَيْلِ عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَأَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " لَا قَطْعَ إِلَّا فِي عَشَرَةِ دَرَاهِمَ) .
وَرَوَى مُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ عَنْ أَيْمَنَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " أَدْنَى مَا يُقْطَعُ فِيهِ السَّارِقُ ثمن مجن وَكَانَ يُقَوَّمُ دِينَارًا) .
وَمِنَ الْقِيَاسِ أَنَّهُ مَالٌ يُسْتَبَاحُ بِهِ عُضْوٌ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَتَقَدَّرَ بِرُبُعِ دِينَارٍ كَالْمَهْرِ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بِمَالٍ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِرُبُعِ دِينَارٍ كَالزَّكَاةِ.
ودليلنا عموم قول الله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ [المائدة: 38] إلا ما خصه الدليل والإجماع.
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يقول: " الْقَطْعُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُولُ: " لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا) وَهَذَا أَوْكَدُ؛ لِأَنَّهَا إِضَافَةٌ إِلَى سَمَاعِهَا مِنْهُ.
وَرَوَى الشَّعْبِيُّ عَنِ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ.
وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَطَعَ سَارِقًا سَرَقَ مِنْ صِفَةِ النِّسَاءِ تُرْسًا قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ.
وَالتُّرْسُ: الْمِجَنُّ.
وَمِنَ الْقِيَاسِ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا فِي الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَدُلَّ عَلَى أَنَّ مَنْ سَرَقَ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ قِيمَتُهَا رُبُعُ دِينَارٍ قُطِعَ فِيهَا فَنَقُولُ: إِنَّهَا فَرِيضَةٌ تجب في نصاب الزكاة فجاز أن
تقطع بِسَرِقَتِهَا كَالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْخَبَرِ الْأَوَّلِ فَرَاوِيهِ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ وَهُوَ مَطْعُونٌ عَلَيْهِ وَفِي حَدِيثِهِ قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ لَا يحضر الجمعة يقول: يزاحمني فيها الطوافون والنقالون، وَكَانَ يَقُولُ لَا يَنْسَلُّ الْإِنْسَانُ إِلَّا بِتَرْكِ الجماعة، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُقْبَلُ حَدِيثُهُ.
وَأَمَّا عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ فَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِيهِ، وَلَوْ صح كانت أخبارها أَصَحَّ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُتَأَوَّلَ عَلَى عَشَرَةِ دَرَاهِمَ قِيمَتُهَا رُبُعُ دِينَارٍ؛ لِأَنَّ النُّقُودَ كَانَتْ مُخْتَلَفَةً وَأَوْزَانُهَا مُخْتَلَفَةً.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَيْمَنَ فَهُمَا اثْنَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ أَيْمَنُ ابْنُ أُمِّ أَيْمَنَ صَحَابِيٌّ قُتِلَ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَلَمْ يَلْقَهُ مُجَاهِدٌ.
وَالثَّانِي: هو أيمن الحبشي مولى لبني الزُّبَيْرِ، تَابِعِيٌّ وَلَيْسَ لَهُ صُحْبَةٌ، وَقَدْ لَقِيَهُ مُجَاهِدٌ فَكَانَ الْحَدِيثُ فِي الْحَالَيْنِ مُرْسَلًا، وَلَوْ صح لكان جوابه ما ذكرنا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الْمَهْرِ فَمِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ وَصْفَهُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، لِأَنَّ الْعُضْوَ فِي السَّرِقَةِ يُسْتَبَاحُ بِإِخْرَاجِ الْمَالِ مِنَ الْحِرْزِ، وَفِي النِّكَاحِ يُسْتَبَاحُ بِالْعَقْدِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ النِّكَاحَ يُسْتَبَاحُ فِيهِ مَنْفَعَةُ الْجَسَدِ كُلِّهِ وَلَا يَخْتَصُّ بِالْبُضْعِ وَحْدَهُ، والقطع في السرقة يستباح به نقص الْأَعْضَاءِ فَافْتَرَقَا فِي الْحُكْمِ وَالْمَعْنَى.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ معنى المهر عوض في عقد فلم يتقدر إلا برضى الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَخَالَفَ قَطْعَ السَّرِقَةِ لِتَقَدُّرِ الْمَسْرُوقِ بِهِ شَرْعًا وَعَلَى أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَا يَأْخُذُ المقادير قِيَاسًا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الزَّكَاةِ فهو أن نقول: أن لا تتقدر بعشرة دراهم كالزكاة.
فأما اسْتِدْلَالُ دَاوُدَ فَمَخْصُوصٌ بِمَا ذَكَرْنَا.
وأما قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ) فَعَنْهُ ثَلَاثَةُ أَجْوِبَةٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالِغَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى بَيْضَةِ الحرب وحبل المتاع.
والثالث: أن يبقى مِنْ نِصَابِ الْقَطْعِ ثَمَنَ الْبَيْضَةِ وَالْحَبْلِ فَيُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ، وَإِنْ كَانَ مَذْهَبُهُ مَدْفُوعًا بِرِوَايَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: مَا كَانَتِ الْيَدُ تُقْطَعُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الشَّيْءِ التَّافِهِ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْقَطْعَ فِي السَّرِقَةِ مُقَدَّرٌ بِرُبُعِ دِينَارٍ، فَإِنْ سَرَقَهُ فِي دُفْعَةٍ وَاحِدَةٍ قُطِعَ فِيهِ، وَإِنْ سَرَقَهُ مُتَفَرِّقًا فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِنْ أَحْرَازٍ مُتَفَرِّقَةٍ مِثْلَ أَنْ يَسْرِقَ مِنْ حِرْزٍ ثُمُنَ دِينَارٍ، وَمِنْ حِرْزٍ آخَرَ ثُمُنَ دِينَارٍ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ لِانْفِرَادِ كُلِّ حِرْزٍ بِحُكْمِهِ، وَلَمْ يَسْرِقْ مِنْ أَحَدِهِمَا رُبُعَ دِينَارٍ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُقْطَعْ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِنْ حِرْزٍ وَاحِدٍ مِثْلَ أَنْ يَهْتِكَ الْحِرْزَ ويأخذ منه ثمن دينار ثم يعدوا إليه فيأخذ ثَمَنَ دِينَارٍ تَمَامَ النِّصَابِ الْمُقَدَّرِ فِي الْقَطْعِ، فَفِي وُجُوبِ قَطْعِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ: يُقْطَعُ، سَوَاءٌ عَادَ إِلَيْهِ لِوَقْتِهِ أَوْ مِنْ غَدِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدِ اسْتَكْمَلَ سَرِقَةَ نِصَابٍ مِنْ حِرْزٍ فَصَارَ كَسَرِقَتِهِ فِي دُفْعَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ، سَوَاءٌ عَادَ لِوَقْتِهِ أَوْ مِنْ غَدِهِ؛ لِأَنَّهُ سَرَقَ فِي الْعَوْدِ مِنْ حِرْزٍ مَهْتُوكٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: وهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ خَيْرَانَ أَنَّهُ إِنْ عَادَ لِوَقْتِهِ فَاسْتَكْمَلَ النِّصَابَ قَبْلَ إشهار هَتْكِهِ قُطِعَ، وَإِنْ عَادَ مِنْ غَدِهِ بَعْدَ اشْتِهَارِ هَتْكِهِ لَمْ يُقْطَعْ؛ لِاسْتِقْرَارِ هَتْكِ الْحِرْزِ بالإشتهار، وهذا أصح والله أعلم.
(مسألة)
قال الشافعي: " وَأَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَطَعَ سَارِقًا فِي أُتْرُجَّةٍ قُوِّمَتْ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ مِنْ صِرْفِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا بِدِينَارٍ قَالَ مَالِكٌ هِيَ الْأُتْرُجَّةُ الَّتِي تُؤْكَلُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) وفي ذلك دلالة على قطع من سرق الرطب من طعام وغيره إذا بلغت سرقته ربع دينار وأخرجها من حرزها) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: الْقَطْعُ يَجِبُ فِي جَمِيعِ الْأَمْوَالِ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ كَالطَّعَامِ الرَّطْبِ، أَوْ لَا يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا قَطْعَ فِيمَا يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ اسْتِدْلَالًا بِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ) وَفِي الْكَثَرِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ الْفَسِيلُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ جُمَّارُ النَّخْلِ.
وَرَوَى الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ؛ " لَا قَطْعَ فِي طَعَامٍ) .
وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: ما كانت الْيَدُ تُقْطَعُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الشَّيْءِ التَّافِهِ.
وَالتَّافِهُ الْحَقِيرُ، وَمَا يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ حَقِيرٌ.
وَلِأَنَّهُ مُعَرَّضٌ لِلْهَلَاكِ وَالتَّلَفِ فَلَمْ تُقْطَعْ فِيهِ الْيَدُ كَالَّذِي لَيْسَ بِمُحْرَزٍ.
وَدَلِيلُنَا رِوَايَةُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سُئِلَ عَنِ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ فَقَالَ: " مَنْ سَرَقَ منه بعد أن يؤويه الجرين وبلغ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَفِيهِ الْقَطْعُ) فَنَفَى عَنْهُ الْقَطْعَ قَبْلَ الْجَرِينِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُحْرَزٍ، وَعَلَّقَ الْقَطْعَ بِهِ فِي الْجَرِينِ؛ لِأَنَّهُ مُحْرَزٌ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا عُلِّقَ الْقَطْعُ بِهِ فِي الْجَرِينِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ فِيهِ يَابِسًا مُدَّخَرًا فَعَنْهُ جَوَابَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَكُونُ فِي الْجَرِينِ رَطْبًا وَيَابِسًا وَلَمْ يُفَرِّقْ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَوْجَبَ الْقَطْعَ فِي الْجَرِينِ عَمَّا نَفَاهُ عَنْهُ قَبْلَ الْحِرْزِ وَهُوَ قَبْلَ الْجَرِينِ رَطْبٌ، فَكَذَلِكَ فِي الْجَرِينِ، وَلِأَنَّهُ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ رَوَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ سَارِقًا سرق أترجة على عهد عثمان رضي الله عنه فَقُوِّمَتْ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ مِنْ صَرْفِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا بِدِينَارٍ فَأَمَرَ بِقَطْعِهِ وَلَيْسَ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ.
وَمِنَ الْقِيَاسِ: أَنَّهُ نَوْعُ مَالٍ فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَحِقَّ الْقَطْعَ بِسَرِقَتِهِ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ، وَلَا يُنْتَقَضُ بِالْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ يُقْطَعُ سَارِقُهُ إِذَا سَرَقَهُ وَهُوَ صَغِيرٌ أَوْ كَبِيرٌ نَائِمٌ، وَلِأَنَّ مَا قُطِعَ فِي يَابِسَةٍ قُطِعَ فِي رُطَبِهِ كالغز والثياب، وأن أَبَا حَنِيفَةَ فَرَّقَ بَيْنَ رُطَبِ الْفَوَاكِهِ وَيَابِسِهَا فِي وُجُوبِ الْقَطْعِ، وَسَوَّى بَيْنَ طَرِيِّ اللَّحْمِ وَقَدِيدِهِ، وَطَرِيِّ السَّمَكِ وَمَمْلُوحِهِ فِي سُقُوطِ الْقَطْعِ، وَهَذَا تَنَاقُضٌ، وَلِأَنَّ الطَّعَامَ الرَّطْبَ أَلَذُّ وَأَشْهَى وَالنُّفُوسَ إِلَى تَنَاوُلِهِ أَدْعَى فَكَانَ بِالْقَطْعِ أَوْلَى فَأَمَّا قَوْلُهُ: " لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ) فَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُحْرَزٍ، لِأَنَّ ثِمَارَهُمْ كَانَتْ بَارِزَةً وَلِذَلِكَ قَالَ: " فَإِذَا آوَاهُ الْجَرِينُ فَفِيهِ الْقَطْعُ) .
وَحَدِيثُ الْحَسَنِ مُرْسَلٌ، وَيُحْمَلُ لَوْ صَحَّ عَلَى الطَّعَامِ الرَّطْبِ إِذَا كَانَ فِي سُنْبُلِهِ غَيْرَ مُحْرَزٍ كَالثَّمَرِ؛ لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَافَقَ على القطع في الحنطة إذا كانت مُحْرَزَةً.
وَخَبَرُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا كَانَ تَافِهَ الْمِقْدَارِ لِقِلَّتِهِ لَا لِجِنْسِهِ؛ لِأَنَّ الطَّعَامَ الرَّطْبَ لَيْسَ بِحَقِيرٍ.
وَأَمَّا قولهم: إنه معرض للتلف ففيه جَوَابَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مُعَرَّضٌ لِلِاسْتِعْمَالِ دُونَ الْبَذْلِ كَمَا يُسْتَعْمَلُ الطَّعَامُ الْيَابِسُ وَلَيْسَ قِلَّةُ بَقَائِهِ مُوجِبًا لِسُقُوطِ الْقَطْعِ فِيهِ كَالشَّاةِ الْمَرِيضَةِ يَجِبُ الْقَطْعُ فِيهَا وَإِنْ لَمْ يَطُلْ بَقَاؤُهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ قِيَاسٌ جُمِعَ فِيهِ بَيْنَ الْمُحْرَزِ وَغَيْرِ المحرز وهما مفترقان في وجوب القطع؛ لأن الحرز شرط وبالله التوفيق.
(فَصْلٌ)
وَيُقْطَعُ فِيمَا كَانَ مُبَاحَ الْأَصْلِ قَبْلَ أَنْ يَمْلِكَهُ كَالصَّيْدِ الْمَأْكُولِ وَغَيْرِ الْمَأْكُولِ، وَالْخَشَبِ مِنَ السَّاجِ وَغَيْرِ السَّاجِ مَعْمُولًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَعْمُولٍ، وَمَا أُخِذَ مِنَ الْمَعَادِنِ مَطْبُوعٌ وَغَيْرُ مَطْبُوعٍ، وَمَا عُمِلَ مِنَ الطِّينِ كَالْفَخَّارِ، وَمَا عُمِلَ مِنَ الْحَجَرِ كَالْبِرَامِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُقْطَعُ فِيمَا كَانَ مُبَاحَ الْأَصْلِ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَلَا فِي جَمِيعِ الطَّيْرِ، وَلَا فِي الْخَشَبِ إِلَّا فِي السَّاجِ وَالْعُودِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْمُولًا أَبْوَابًا أَوْ أبنية وَلَا فِي الْمَعْمُولِ مِنَ الطِّينِ وَالْحَجَرِ، وَلَا فِي الْمَأْخُوذِ مِنَ الْمَعَادِنِ كُلِّهَا إِلَّا الْفِضَّةَ وَالذَّهَبَ وَالْيَاقُوتَ وَالْفَيْرُوزَجَ، وَلَا فِي الْحَشَائِشِ كُلِّهَا إِلَّا فِي الصَّنْدَلَةِ، فَإِنْ عُمِلَ مِنَ الْحَشِيشِ حُصْرًا كَالْأَسْلِ وَالسَّامَانِ قُطِعَ، وَإِنْ عَمِلَ مِنَ الْقَصَبِ بَوَارِيَ لَمْ يُقْطَعْ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ فِي عَمَلِ السَّامَانِ كَثِيرَةٌ، وَفِي عَمَلِ الْبَوَارِي قَلِيلَةٌ، وَاحْتُجَّ فِيهِ بِرِوَايَةِ يُوسُفَ بْنِ رَوْحٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَا قَطْعَ فِي الطَّيْرِ وَهَمَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِقَطْعِ رَجُلٍ سَرَقَ دَجَاجَةً فَقَالَ لَهُ أَبُو سَلَمَةَ سَمِعْتُ عُثْمَانَ يَقُولُ: لَا قَطْعَ فِي الطَّيْرِ فَتَرَكَهُ عُمَرُ وَلَمْ يَقْطَعْهُ، وَلَيْسَ فِيهِ مُخَالِفٌ فَكَانَ إِجْمَاعًا فَجَعَلَهُ أَصْلًا لِجَمِيعِ الصَّيْدِ، ثُمَّ احْتَجَّ بعموم مذهبه بثلاثة معان:
أحدهما: أَنَّهُ مُبَاحُ الْأَصْلِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَيَسْقُطُ فِيهِ الْقَطْعُ كَالْمَاءِ وَالتُّرَابِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ تَافِهُ الْجِنْسِ لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ مَتَى أُرِيدَ فَسَقَطَ فِيهِ الْقَطْعُ كَالسِّرْجَيْنِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ الْقَطْعُ فِي مِقْدَارٍ مِنَ الْمَالِ وَلَمْ يَعُمَّ كُلَّ مِقْدَارٍ اقْتَضَى أَنْ يَجِبَ فِي جِنْسٍ مِنَ المال ولا يَعُمَّ جَمِيعَ الْأَجْنَاسِ.
وَدَلِيلُنَا مَعَ عُمُومِ الظَّوَاهِرِ من الكتاب والسنة أنه جنس مال متمول فَوَجَبَ الْقَطْعُ بِسَرِقَتِهِ كَسَائِرِ الْأَجْنَاسِ، وَلِأَنَّ مَا وَجَبَ الْقَطْعُ فِي مَعْمُولِهِ وَجَبَ فِي أَصْلِهِ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلِأَنَّ الْمُتَعَلِّقَ بِالْأَمْوَالِ الْمَأْخُوذَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ حُكْمَانِ: ضَمَانٌ وَقَطْعٌ، فَلَمَّا كَانَ الضَّمَانُ عَامًّا فِي جَمِيعِ الْأَمْوَالِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْقَطْعُ عَامًّا فِي جَمِيعِ الْأَمْوَالِ.
وَيَتَحَرَّرُ مِنْ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ قِيَاسَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ الَّذِي أَصْلُهُ غَيْرُ مُبَاحٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْمَالِ الَّذِي أَصْلُهُ مُبَاحٌ كَالضَّمَانِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَالٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ الضَّمَانُ فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ الْقَطْعُ كَالَّذِي أَصْلُهُ غَيْرُ مُبَاحٍ، وَلِأَنَّ الْقَطْعَ فِي السَّرِقَةِ مَوْضُوعٌ لِلزَّجْرِ عَنْهَا وَحِفْظِ الْأَمْوَالِ عَلَى أَهْلِهَا فَاقْتَضَى أَنْ
يَكُونُ عَامًّا فِيهَا لِعُمُومِ مَعْنَاهَا، وَلِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْقَطْعِ حَظْرُ الْمَالِ فِي حَالِ السَّرِقَةِ دُونَ مَا تَقَدَّمَهُ مِنَ الْإِبَاحَةِ أَوْ تَعَقَّبَهُ مِنَ الْمِلْكِ أَلَا تَرَى أَنَّ الطَّعَامَ مُبَاحٌ لِلْمُضْطَرِّ وَيُقْطَعُ فِيهِ بَعْدَ زَوَالِ الضَّرُورَةِ، وَمَنْ وُهِبَ لَهُ مَالٌ فَرَدَّهُ قُطِعَ فِي سَرِقَتِهِ بَعْدَ تَقَدُّمِ إِبَاحَتِهِ كَذَلِكَ مَا كَانَ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ قَبْلَ السَّرِقَةِ ثُمَّ صَارَ مَحْظُورًا عِنْدَ السَّرِقَةِ وَفِيهِ انْفِصَالٌ عَنْ تَعْلِيلِهِمْ بِأَصْلِ الْإِبَاحَةِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ خَبَرِ عُثْمَانَ فَرَاوِيهِ الزُّهْرِيُّ وَلَمْ يَلْقَهُ فَكَانَ مُرْسَلًا.
وَخَبَرُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَوَاهُ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ وَكَانَ مَطْعُونًا فِي دِينِهِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ بِالرَّجْعَةِ.
وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَطْعَنُ فِيهِ وَلَا يَعْمَلُ عَلَى حَدِيثِهِ، ثُمَّ يُحْمَلُ إِنْ صَحَّ عَلَى مَا كَانَ مُرْسَلًا مِنْ طَيْرٍ أَنَّهُ غَيْرُ مُحْرَزٍ.
وَأَمَّا قياسهم عَلَى الْمَاءِ وَالتُّرَابِ تَعْلِيلًا بِإِبَاحَةِ أَصْلِهِ فَمُنْتَقَضٌ بالفضة والذهب، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْقَطْعِ فِي الْمَاءِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يُقْطَعُ فِي سَرِقَتِهِ إِذَا كَانَ مُحْرَزًا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ نِصَابًا، فَعَلَى هَذَا بَطَلَ الْأَصْلُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا قَطْعَ فِيهِ، لِأَنَّ النُّفُوسَ لَا تَتْبَعُ سَرِقَتَهُ إِلَّا فِي حَالٍ نادرة عند ضرورة تخالف حال الِاخْتِيَارَ فَلَمْ يَسْلَمِ الْأَصْلُ.
وَاحْتِجَاجُهُ بِأَنَّهُ تَافِهٌ دَعْوَى غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ.
وَاحْتِجَاجُهُ بِأَنَّ اخْتِصَاصَهُ بِمِقْدَارٍ يُوجِبُ اخْتِصَاصَهُ بِجِنْسٍ مُنْتَقَضٌ عَلَى أَصْلِهِ بِالْمَهْرِ يَخْتَصُّ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ وَلَا يَخْتَصُّ بِجِنْسٍ، ثُمَّ الْمَعْنَى فِي اعْتِبَارِ الْمِقْدَارِ أَنَّهُ قَدْرٌ تَتْبَعُهُ النُّفُوسُ وَلَمْ يُعْتَبَرِ الْجِنْسُ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْأَجْنَاسِ تتبعها النفوس والله أعلم.
(مسألة)
قال الشافعي: " وَالدِّينَارُ هُوَ الْمِثْقَالُ الَّذِي كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -) .
قال الماوردي: وقد تَقَدَّمَ أَنَّ نِصَابَ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ مُقَدَّرٌ بربع دينار يقوم بذلك كل مسروق من دراهم وَغَيْرِهَا وَيُعْتَبَرُ فِي هَذَا الدِّينَارُ شَرْطَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَزْنُهُ.
وَالثَّانِي: نَوْعُهُ.
فَأَمَّا وَزْنُهُ فَهُوَ مِثْقَالُ الْإِسْلَامِ الْمُعَادِلُ كُلُّ سَبْعَةِ مَثَاقِيلَ وَزْنَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ مِنْ دَرَاهِمَ الْإِسْلَامِ الَّتِي وَزْنُ كُلِّ درهم منها ستة دوانيق؛ لأنه كان فيما قَبْلَ الْإِسْلَامِ دِرْهَمَانِ أَكْبَرُهُمَا الْبَغْلِيُّ وَوَزْنُهُ ثَمَانِيَةُ دَوَانِيقَ، وَأَصْغَرُهُمَا الطَّبَرِيُّ وَوَزْنُهُ أَرْبَعَةُ دَوَانِيقَ،
فَجُمِعَ بَيْنِهِمَا فِي الْإِسْلَامِ وَأُخِذَ نِصْفُهَا فَكَانَ سِتَّةَ دَوَانِيقَ، فَعَادَلَتْ كُلُّ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ سَبْعَةَ مَثَاقِيلَ؛ لِأَنَّ الْمِثْقَالَ لَمْ يَخْتَلِفْ، وَمَتَى زِدْتَ على الدراهم ثَلَاثَةَ أَسِبَاعِهِ كَانَ مِثْقَالًا، وَمَتَى نَقَصَتْ مِنَ الْمِثْقَالِ ثَلَاثَةُ أَعْشَارٍ كَانَ دِرْهَمًا فَهَذَا هُوَ المثقال عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وإلى وقتنا هذا، فَإِنْ أَحْدَثَ النَّاسُ مِثْقَالًا يَزِيدُ عَلَيْهِ أَوْ يُنْقِصُ مِنْهُ لَمْ يُعْتَبَرْ بِهِ.
وَأَمَّا نَوْعُ الدينار فهو الأغلب مما يتعامل به من خير الدنانير وخلاصها سَوَاءٌ كَانَ أَعْلَاهَا سِعْرًا أَوْ أَدْنَاهَا، وَهُوَ مختلف بِاخْتِلَافِ الْبِلَادِ، وَمَا يُحْدِثُهُ النَّاسُ فِي زَمَانٍ بَعْدَ زَمَانٍ فَيُعْتَبَرُ الْأَغْلَبُ مِنْ دَنَانِيرِ الْبَلَدِ من زَمَانِ السَّرِقَةِ، فَلَوْ كَانَ لِلْبَلَدِ دِينَارَانِ أَعْلَى وأدنى وكلاهما خلاص جاز وفيما تُقَوَّمُ بِهِ السَّرِقَةُ مِنْهُمَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: بِالْأَدْنَى اعْتِبَارًا بِعُمُومِ الظَّاهِرِ.
وَالثَّانِي: بِالْأَعْلَى إِدْرَاءً لِلْقَطْعِ بِالشُّبْهَةِ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا مِنْ وَزْنِهِ وَنَوْعِهِ لَمْ يَخْلُ الْمَسْرُوقُ مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَهَبًا، أَوْ غَيْرَ ذَهَبٍ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَهَبٍ قُوِّمَ بِالذَّهَبِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، فإن كَانَ ذَهَبًا لَمْ يَخْلُ حَالُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أن يكون مَطْبُوعَ الدَّنَانِيرِ الَّتِي يَتَعَامَلُ بِهَا النَّاسُ فِي الْأَغْلَبِ فَيُقْطَعُ فِي رُبُعِ مِثْقَالٍ مِنْهَا.
وَالْقِسْمُ الثاني: أن يكون تمراً مَعْدِنِيًّا لَا يَخْلُصُ ذَهَبُهُ إِلَّا بِالتَّصْفِيَةِ وَالسَّبْكِ، فَيُعْتَبَرُ فِي سَرِقَتِهِ مَا عَادَلَ رُبُعَ دِينَارٍ مِنَ الدَّنَانِيرِ الْمَطْبُوعَةِ، وَلَا يُعْتَبَرُ رُبُعُ مِثْقَالٍ مِنْهُ لِنُقْصَانِهِ فِي الْقَدْرِ وَالْقِيمَةِ عَنْهُ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ ذَهَبًا خَالِصًا أَوْ مَطْبُوعًا لَا يَتَعَامَلُ بِهِ النَّاسُ أَوْ كَسْرًا يَنْقُصُ عَنْ قِيمَةِ الصِّحَاحِ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُقْطَعُ فِي رُبُعِ مِثْقَالٍ منه وإن نقص عن قِيمَةُ الْمَطْبُوعِ اعْتِبَارًا بِجِنْسِهِ وَوَزْنِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ وَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ إِلَّا فِيمَا تَبْلُغُ قِيمَتُهُ رُبُعَ دِينَارٍ مِنْ مَطْبُوعِ الذَّهَبِ اعْتِبَارًا بِمَا يُرَاعَى من الأثمان والقيم.
(مسألة)
قال الشافعي: " وَلَا يُقْطَعُ إِلَّا مَنْ بَلَغَ الِاحْتِلَامَ مِنَ الرجال والحيض مِنَ النِّسَاءِ أَوْ أَيُّهُمَا اسْتَكْمَلَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَإِنْ لَمْ يَحْتَلِمْ أَوْ لَمْ تَحِضْ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، لَا يَجِبُ الْقَطَعُ إِلَّا عَلَى مُكَلَّفٍ بِالْبُلُوغِ وَالْعَقْلِ،
فَإِنْ كَانَ صَغِيرًا، أَوْ مَجْنُونًا لَمْ يُقْطَعْ في الحال ولا إذا بلغ وأفاق فِي ثَانِي حَالٍ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَفِيقَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَنْتَبِهَ) وَرَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أُتِيَ بِجَارِيَةٍ قَدْ سَرَقَتْ فَوَجَدَهَا لَمْ تَحِضْ فَلَمْ يَقْطَعْهَا.
وَلِأَنَّهُ حَدٌّ فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْحُدُودِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ شَقَّ بُطُونَ أَصَابِعِ صَبِيٍّ سَرَقَ، وَهَذَا إِنْ صَحَّ عَنْهُ فَلَمْ يَفْعَلْهُ حَدًّا، وَإِنَّمَا ضَرَبَهُ عَلَى كَفِّهِ تَأْدِيبًا فانشقت بطون أصابعه لرقها، فقد رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ أُتِيَ بِصَبِيٍّ سَرَقَ فَقَالَ: أَشْبِرُوهُ فَكَانَ دُونَ خَمْسَةِ أَشْبَارٍ فَلَمْ يَقْطَعْهُ.
وَأُتِيَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِسَارِقٍ فَقَالَ أَشْبِرُوهُ فَكَانَ سِتَّةَ أَشْبَارٍ إِلَّا أُنْمُلَةً فَلَمْ يقطعه وسمى أنملة وليس هذا معتبر فِي الْبُلُوغِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَعَلَهُ اسْتِظْهَارًا، وَالْبُلُوغُ يَكُونُ بِمَا قَدَّمْنَاهُ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِنَا مِنَ احْتِلَامِ الْغُلَامِ، وَحَيْضِ الْجَارِيَةِ، فَإِنِ اسْتَكْمَلَا قَبْلَ الِاحْتِلَامِ وَالْحَيْضِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً كَانَا بَالِغَيْنِ.
فَأَمَّا إِنْبَاتُ الشَّعْرِ فِي الْعَانَةِ فيحكم به في بلوغ المشركين؛ لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَمْضَى حُكْمَ سَعْدٍ فِي سَبِّي بَنِي قُرَيْظَةَ بأن من جرت عليه المواس قُتِلَ، وَمَنْ لَمْ تَجْرِ عَلَيْهِ اسْتُرِقَّ، وَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ بُلُوغًا فِيهِمْ أَوْ دَلَالَةٌ عَلَى بُلُوغِهِمْ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: قَالَهُ فِي سِيَرِ الْوَاقِدِيِّ يَكُونُ بُلُوغًا فِيهِمْ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ بُلُوغًا فِي الْمُسْلِمِينَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي قَالَهُ فِي الْجَدِيدِ: أَنَّهُ يَكُونُ دَلَالَةً عَلَى بُلُوغِهِمْ، فَعَلَى هذا يَكُونُ دَلَالَةٌ عَلَى بُلُوغِ الْمُسْلِمِينَ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَكُونُ دَلَالَةً عَلَى بُلُوغِهِمْ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: قَالَهُ فِي الْإِقْرَارِ لَا يَكُونُ دَلَالَةً عَلَى بُلُوغِهِمْ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ من وجهين:
أحدهما: أن الرجل المسلم يقبل قوله في سنه فلم يحتج إلى الاستدلال بغيره، وأهل الشرك لا يقبل قولهم في سنهم فَاحْتَجْنَا إِلَى الِاسْتِدْلَالِ بِالْإِنْبَاتِ عَلَى بُلُوغِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُسْلِمَ تَخِفُّ أَحْكَامُهُ بِالْبُلُوغِ فَاتُّهِمَ فِي مُعَالَجَةِ الْإِنْبَاتِ وَالْمُشْرِكُ تَتَغَلَّظُ أَحْكَامُهُ بِالْبُلُوغِ فَلَمْ يتهم في معالجة الإنبات.
(مسألة)
قال الشافعي: " وَجُمْلَةُ الْحِرْزِ أَنْ يُنْظَرَ إِلَى الْمَسْرُوقِ فَإِنْ كَانَ الْمَوْضِعُ الَّذِي سُرِقَ مِنْهُ يَنْسُبُهُ الْعَامَّةُ إلى أنه حرز في مثل ذَلِكَ الْمَوْضِعِ قُطِعَ إِذَا أَخْرَجَهَا مِنَ الْحِرْزِ وَإِنْ لَمْ يَنْسُبْهُ الْعَامَّةُ إِلَى أَنَّهُ حِرْزٌ لَمْ يُقْطَعْ وَرِدَاءُ صَفْوَانَ كَانَ مُحْرَزًا بِاضْطِجَاعِهِ عليه فقطع عليه السلام سَارِقَ رِدَائِهِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا هُوَ الشَّرْطُ الثَّانِي فِي الْقَطْعِ وَهُوَ الْحِرْزُ فَلَا يَجِبُ الْقَطْعِ إِلَّا فِي السَّرِقَةِ مِنْ حِرْزٍ، وَالسَّرِقَةُ أخذ الشيء على سبيل الاستخفاء، فإن جاهر بأخذه غصباً أو نهباً واختلاساً فَلَيْسَ بِسَارِقٍ وَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الْحِرْزُ فَهُوَ مَا يَصِيرُ الْمَالُ بِهِ مَحْفُوظًا عَلَى مَا سَنَصِفُهُ، فَإِنْ كَانَ الْمَالُ فِي غَيْرِ حِرْزٍ فَلَا قَطْعَ فِيهِ، فَإِذَا اسْتَكْمَلَ هَذَانِ الشَّرْطَانِ مَعَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ قَدْرِ النِّصَابِ وَجَبَ الْقَطْعُ حِينَئِذٍ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ.
وَقَالَ دَاوُدُ: لَا اعْتِبَارَ بِالْحِرْزِ وَالْقَطْعُ وَاجِبٌ بِالسَّرِقَةِ مِنْ حِرْزٍ وَغَيْرِ حِرْزٍ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لَا اعْتِبَارَ بِالسَّرِقَةِ وَالِاسْتِخْفَاءِ وَالْقَطْعُ وَاجِبٌ عَلَى الْمُجَاهِرِ بِأَخْذِ الْمَالِ بِغَصْبٍ أَوِ انْتِهَابٍ أَوِ اخْتِلَاسٍ حَتَّى لَوْ خَانَ أَوْ جَحَدَ وَدِيعَةً أَوْ عَارِيَّةً وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ.
وَاسْتَدَلَّ دَاوُدُ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ واستدل أحمد برواية ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما أَنَّ امْرَأَةً مَخْزُومِيَّةً كَانَتْ تَسْتَعِيرُ وَتَجْحَدُ فَقَطَعَهَا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -.
وَالدَّلِيلُ عَلَى دَاوُدَ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لا قطع في ثمر ولا كَثَرٍ) فَأَسْقَطَ الْقَطْعَ فِيهِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُحْرَزٍ ثُمَّ قَالَ: " فَإِذَا آوَاهُ الْجَرِينُ فَفِيهِ الْقَطْعُ) لأنه قد صار حرزاً بِهِ.
وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عن حريسة
الْجَبَلَ فَقَالَ: لَيْسَ فِي الْمَاشِيَةِ قَطْعٌ إِلَّا أن يأويها الْمُرَاحُ، وَلَا فِي الثَّمَرِ قَطْعٌ إِلَّا أَنْ يأويه الْجَرِينُ) وَفِي حَرِيسَةِ الْجَبَلِ تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَعْنِي مَحْرُوسَةَ الْجَبَلِ، فَعَبَّرَ عَنِ الْمَحْرُوسَةِ بِالْحَرِيسَةِ كَمَا يُقَالُ مَقْتُولَةٌ وَقَتِيلَةٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَرَادَ سَرِقَةَ الجبل يقال: حرس إِذَا سَرَقَ فَيَكُونُ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَضْدَادِ.
وَرَوَى بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " لَا قَطْعَ إِلَّا مِنْ حِرْزٍ) وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى حِفْظِ مَالِهِ بِنَفْسِهِ أَبَدًا، فَأُقِيمَتِ الْأَحْرَازُ مَقَامَ الْأَنْفُسِ فِي الْحِفْظِ وَالصِّيَانَةِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَحْمَدَ مَا رَوَاهُ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " لَيْسَ عَلَى الْخَائِنِ وَلَا الْمُخْتَلِسِ وَلَا المنتسب قَطْعٌ) وَهَذَا نَصٌّ، وَلِأَنَّ السَّرِقَةَ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْمُسَارَقَةِ وَهُوَ الِاسْتِخْفَاءُ، فَخَرَجَ مِنْهَا الْمُجَاهِرُ وَالْجَاحِدُ، فَأَمَّا الْآيَةُ فَمَخْصُوصَةُ الْعُمُومِ بِمَا ذَكَرْنَا.
وَأَمَّا خَبَرُ الْمَخْزُومِيَّةِ فَإِنَّمَا قَطَعَهَا؛ لِأَنَّهَا سَرَقَتْ.
وَقَوْلُهُمْ: كانت تستعير الحلي فتجحد ذُكِرَ عَلَى سَبِيلِ التَّعْرِيفِ، كَمَا قِيلَ مَخْزُومِيَّةٌ ولم يَكُنْ قَطْعُهَا بِجُحُودِ الْعَارِيَّةِ كَمَا لَمْ يَقْطَعْهَا لِأَنَّهَا مَخْزُومِيَّةٌ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْحِرْزَ شرط في قطع السرقة فالإحراز يختلف باختلاف المحرزات اعتباراً بالعرف؛ لأنها لما لم تتقدر بشرع ولا لغة اعتبر فِيهَا الْعُرْفُ، كَمَا اعْتُبِرَ الْعُرْفُ فِي الْقَبْضِ والافتراق في البيع والإحياء في الموات لما لم يتقدر بشرع ولا لغة تقدر بالعرف، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْعُرْفُ جَارٍ بِأَنَّ مَا قَلَّتَ قِيمَتُهُ مِنَ الْخَشَبِ وَالْحَطَبِ
خفت أحرازه، وما كثرت قيمته من الجواهر وَالْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ غَلُظَتْ أَحْرَازُهُ وَمَا تَوَسَّطَتْ قِيمَتُهُ من الحنطة والزيت توسطت أحرازه.
وقال أبو حنيفة: الإحراز لا يختلف باختلاف الأموال، وكان كَانَ حِرْزًا لِأَقَلِّهَا كَانَ حِرْزًا لِأَكْثَرِهَا حَتَّى جعل دكان البقلي حرزاً للجواهر، وَهَذَا خَطَأٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: اخْتِلَافُ الْعُرْفِ فِيهِ، فَإِنَّ الْجَوَاهِرَ فِي الْعُرْفِ مُحَرَّزَةٌ فِي أخص الْبُيُوتِ بِأَوْثَقِ الْأَبْوَابِ وَأَكْثَرِ الْأَغْلَاقِ، وَالْحَطَبِ وَالْحَشِيشِ يحرز في الحظائر المرسلة، وشرائح الخشب وَالْبَقْلُ يُحْرَزُ فِي دَكَاكِينِ الْأَسْوَاقِ بِشَرَائِحِ الْقَصَبِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ اخْتِلَافُ الْعُرْفِ فِيهِ مُعْتَبَرًا.
وَالثَّانِي: أَنَّ التَّفْرِيطَ مُتَوَجِّهٌ إِلَى مَنْ أَحْرَزَ أنفس الأموال وأكثرها في أقلها حرزاً وَأَحْقَرِهَا وَتَوَجُّهُ التَّفْرِيطِ إِلَيْهِ يَمْنَعُ مِنَ اسْتِكْمَالِ الحرز، والله أعلم.
(فصل)
فإذا ثبت اعتبار العرف فيه فالاحتراز تختلف من خمسة أوجه:
أحدها: اختلاف جِنْسِ الْمَالِ وَنَفَاسَتُهُ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
وَالثَّانِي: بِاخْتِلَافِ الْبُلْدَانِ، فَإِنْ كَانَ الْبَلَدُ وَاسِعَ الْأَقْطَارِ كثير الدعار غَلُظَتْ أَحْرَازُهُ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا قَلِيلَ الْمَارِّ لَا يَخْتَلِطُ بِأَهْلِهِ غَيْرُهُمْ خَفَّتْ أَحْرَازُهُ.
وَالثَّالِثُ: باختلاف الزمن فإن كان زمان سلم ودعة خَفَّتْ أَحْرَازُهُ، وَإِنْ كَانَ زَمَانَ فِتْنَةٍ وَخَوْفٍ غَلُظَتْ أَحْرَازُهُ.
وَالرَّابِعُ: بِاخْتِلَافِ السُّلْطَانِ، فَإِنْ كَانَ عَادِلًا غَلِيظًا عَلَى أَهْلِ الْفَسَادِ خَفَّتَ أَحْرَازُهُ، وَإِنْ كَانَ جَائِرًا مُهْمَلًا لِأَهْلِ الْفَسَادِ غَلُظَتْ أحرازه.
والخامس: باختلاف الليل والنهار، فيكون الْأَحْرَازُ فِي اللَّيْلِ أَغْلَظَ لِاخْتِصَاصِهِ بِأَهْلِ الْعَبَثِ والفساد، فلا يمتنع فيه بكثرة الأغلاق وغلق الأبواب حتى يكون لها حارس يحرسها، وهي بالنهار أَخَفُّ لِانْتِشَارِ أَهْلِ الْخَيْرِ فِيهِ، وَمُرَاعَاةِ بَعْضِهِمْ بعضاً، فلا تفتقر إلى حراس، وإذا جَلَسَ أَرْبَابُ الْأَمْوَالِ فِي دَكَاكِينِهِمْ وَأَمْتِعَتُهُمْ بَارِزَةٌ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ كَانَ ذَلِكَ حِرْزًا لَهَا وَإِنْ لم يكن في الليل حرزاً.
وجعله ذَلِكَ اعْتِبَارَ شَرْطَيْنِ الْعُرْفُ، وَعَدَمُ التَّفْرِيطِ.
وَقَدْ فَصَّلَ الشَّافِعِيُّ الْأَحْرَازَ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ عَلَى حَسَبِ زَمَانِهِ وَعُرْفِ أَهْلِهِ، وَقَدْ يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ وَتَغَيُّرِ الْعَادَاتِ، فَيَصِيرُ مَا جَعَلَهُ حِرْزًا لَيْسَ بِحِرْزٍ، وَمَا لَمْ يَجْعَلْهُ حِرْزًا يَصِيرُ حِرْزًا؛ لِأَنَّ الزَّمَانَ لَا يَبْقَى عَلَى حَالٍ، وربما انتقل من صلاح إلى فساد، ومن فساد إلى صلاح؛ فلذلك تتغير أحوال الأحراز لكثرتها ما يَكُونَ مُعْتَبَرًا مَعَ وُجُودِ أَسْبَابِهِ وَظُهُورِ عُرْفِهِ والله أعلم.
(مسألة)
قال الشافعي رحمه الله: " وإذا ضم متاع السوق إلى بعض في موضع تبايعاه وربط بحبل أو جعل الطعام في حبس وَخِيطَ عَلَيْهِ قُطِعَ وَهَكَذَا يُحْرَزُ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: هذا المتاع في شوارع الأسواق يكون لها حِرْزًا عَلَى سِتَّةِ شُرُوطٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ من الأمتعة الجافة التي لا تستثقل بِالْيَدِ، فَإِنْ كَانَتْ مِنْ خَفِيفِهَا الَّذِي يُتَنَاوَلُ بِالْيَدِ مِنْ غَيْرِ كُلْفَةٍ وَلَا مَشَقَّةٍ كَالثَّوْبِ وَالْإِنَاءِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حِرْزًا لَهَا.
وَالثَّانِي: أَنْ يُضَمَّ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ حَتَّى يَجْتَمِعَ وَلَا يَفْتَرِقَ، فَإِنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ حَفِظَ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَإِنِ افْتَرَقَ لَمْ يَكُنْ حِرْزًا.
وَالثَّالِثُ: أن يدرأ عَلَيْهِ حَبْلٌ يُشَدُّ بِهِ جَمِيعُهُ إِنْ كَانَ خَشَبًا حَتَّى لَا يُمْكِنَ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهُ إلا بحل الحبل، ويخاط فِي أَعْدَالٍ إِنْ كَانَ حِنْطَةً أَوْ دَقِيقًا حَتَّى لَا يُوصَلَ إِلَيْهِ إِلَّا بِفَتْقِ خِيَاطَتِهِ وَحَلِّ أَعْدَالِهِ، فَإِنْ كَانَ بِخِلَافِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ حِرْزًا.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ فِي سُوقٍ تُغْلِقُ دُرُوبَهَا، أَوْ فِي قَرْيَةٍ يَقِلُّ أَهْلُهَا، فإن كان في بلد واسع وليس عَلَيْهِ دُرُوبٌ لَمْ يَكُنْ حِرْزًا.
وَالْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ الْمَوْضِعُ أَنِيسًا إِمَّا بِمَسَاكِنَ فِيهَا أَهْلُهَا أَوْ بِحَارِسٍ يَكُونُ مُرَاعِيًا لَهَا، فَإِنِ انْقَطَعَتْ عَنْهُ أُنْسَةُ النَّاسِ لَمْ يَكُنْ حِرْزًا.
وَالسَّادِسُ: أن يكون الوقت ساكناً وَالْفَسَادُ قَلِيلًا، فَإِنْ تَحَرَّكَتْ فِتْنَةٌ أَوِ انْتَشَرَ فَسَادٌ لَمْ يَكُنْ حِرْزًا، فَهَذَا أَوَّلُ نَوْعٍ ذكره الشافعي من الأحراز، والله أعلم.
(مسألة)
قال الشافعي: " وإذا كَانَ يَقُودُ قِطَارَ إِبِلٍ أَوْ يَسُوقُهَا وَقُطِرَ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ فَسَرَقَ مِنْهَا أَوْ مِمَّا عليها شيئاً قُطِعَ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا نَوْعٌ ثَانٍ مِنَ الْأَحْرَازِ، لِأَنَّهَا فِي السَّيْرِ فِي الْأَسْفَارِ مُخَالِفَةٌ لَهَا فِي الْمُقَامِ وَالْأَمْصَارِ، فَإِذَا قُطِرَتِ الْإِبِلُ سَائِرَةً وَعَلَيْهَا الْحُمُولَةُ كَانَ لِلرَّجُلِ الْوَاحِدِ فِي الْقِطَارِ حِرْزًا لِمَا رَآهُ مِنْهَا وَقَدَرَ عَلَى زَجْرِهَا فِي مَسِيرِهَا، فَيَصِيرُ بِهَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ الرُّؤْيَةِ والزجر حرزاً دون إحداهما، وَالْأَغْلَبُ أَنَّهُ يَكُونُ فِي ثَلَاثَةٍ مِنَ الْإِبِلِ، فإن تجاوزت إلى أَرْبَعَةٍ وَغَايَتُهُ خَمْسَةٌ إِنْ كَانَ فِي الْجَمَالِ فضل جلد وشهامة سواء كان قائداً أو سائقا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ كَانَ سَائِقًا كَانَ حِرْزًا لَهَا، وَإِنْ كَانَ قَائِدًا كَانَ حِرْزًا لِلْأَوَّلِ الَّذِي يَقُودُهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَهَذَا خَطَأٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ السَّائِقُ يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْقَائِدُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ بُعْدَ الْأَخِيرِ مِنَ الْقَائِدِ كَبُعْدِ الْأَوَّلِ مِنَ السَّائِقِ، ولم يَمْنَعْ أَنْ يَكُونَ
حِرْزًا لَهُ مَعَ بُعْدِهِ كَذَلِكَ بُعْدُ الْأَخِيرِ مِنَ الْقَائِدِ، وَسَوَاءٌ كَانَ جَمَالُهَا مَاشِيًا أَوْ راكباً، ويكون حرزاً لها ما كان مُسْتَيْقِظًا، فَإِنْ نَامَ عَنْهَا لَمْ يَكُنْ حِرْزًا لها.
(فصل)
وإذا جَعَلْنَاهُ حِرْزًا لَهَا صَارَ حِرْزًا لِمَا عَلَيْهَا مِنَ الْحُمُولَةِ، فَإِنْ سُرِقَ وَاحِدٌ مِنْهَا وَحَلَّ مِنْ قِطَارِهِ قُطِعَ سَارِقُهُ إِذَا بَعُدَ بِالْجَمَلِ عَنْ بَصَرِ جَمَّالِهِ وَمَوْضِعِ زَجْرِهِ، وَيَكُونُ حُكْمُهُ قبل بعده عن نظره وَزَجْرِهِ كَبَقَائِهِ فِي حِرْزِهِ، فَإِذَا تَجَاوَزَ ذَلِكَ صَارَ كَالْخَارِجِ مِنْ حِرْزِهِ، فَيَجِبُ حِينَئِذٍ قَطْعُهُ، وَلَوْ أَنَّهُ تَرَكَ الْجَمَلَ فِي قِطَارِهِ وَسَرَقَ من حمولته والمتاع الذي على ظهره قطع بتناول المتاع وحله عن شداده ووعائه سَوَاءٌ بَعُدَ الْمَتَاعُ عَنْ بَصَرِ الْجَمَّالِ أَوْ لم يبعد، بخلاف البعير؛ لأن تحرز الْبَعِيرِ رُؤْيَةُ الْجَمَّالِ، وَحِرْزُ الْمَتَاعِ شِدَادُهُ فِي وِعَائِهِ، وَسَوَاءٌ أَخَذَ جَمِيعَ الْوِعَاءِ أَوْ أَخَذَ مِمَّا فِي الْوِعَاءِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ أَخَذَ جَمِيعَ الْوِعَاءِ لَمْ يُقْطَعْ، وَإِنْ أَخَذَ مِمَّا فِي الْوِعَاءِ قُطِعَ احْتِجَاجًا بِأَنَّهُ يَصِيرُ بِأَخْذِ مَا فِيهِ هَاتِكًا لِلْحِرْزِ، وَبِأَخْذِ جَمِيعِهِ غَيْرِ هَاتِكٍ لِلْحِرْزِ، وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ الْوِعَاءَ محرز بشداده على الجملة كَمَا أَنَّ مَا فِي الْوِعَاءِ مُحْرَزًا بِالْوِعَاءِ، ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ يُقْطَعُ بِمَا فِي الْوِعَاءِ فَكَانَ أَوْلَى أَنْ يُقْطَعَ بِجَمِيعِ الْوِعَاءِ، وَفِيهِ انْفِصَالٌ، وَلَكِنْ لَوْ حَلَّ الْجَمَلَ مِنْ قِطَارِهِ وَسَرَقَهُ وَمَا عَلَيْهِ، وَصَاحِبُهُ رَاكِبُهُ لَمْ يُقْطَعْ سَارِقُهُ؛ لِبَقَائِهِ مَعَ حِرْزِهِ فَصَارَ سَارِقًا لِلْحِرْزِ وَالْمُحْرِزِ؛ فَلِذَلِكَ سَقَطَ الْقَطْعُ لِبَقَاءِ يَدِ الْحَافِظِ عَلَيْهِ، فَإِنْ دَفْعَهُ عَنْهُ بَعْدَ بُعْدِهِ عَنِ الْأَبْصَارِ صَارَ كَالْغَاصِبِ وَلَا قَطْعَ عَلَى غَاصِبٍ.
(فَصْلٌ)
وَلَوْ طَالَ الْقِطَارُ وَكَثُرَ عَدَدُهُ عَنْ مُرَاعَاةِ الْوَاحِدِ كَانَ الْوَاحِدُ فِيهَا حِرْزًا لِمَا أَمْكَنَ أَنْ تَرَى عَيْنُهُ مَا قَرُبَ مِنْهُ دُونَ مَا بَعُدَ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ قَائِدًا كَانَ حِرْزًا لِمَا بَعْدَهُ مِنَ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ، وَإِنْ كَانَ سَائِقًا كَانَ حِرْزًا لِمَا قَبْلَهُ مِنَ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ، وَإِنْ كَانَ مُتَوَسِّطًا كَانَ حرزاً لواحد مما قادوا بقية العدد مما يساق؛ لِأَنَّهُ إِذَا تَوَزَّعَتْ مُرَاعَاتُهُ مِنْ أَمَامِهِ وَوَرَائِهِ كَانَ بِأَمَامِهِ أَحْرَزَ، وَيَكُونُ مَا تَجَاوَزَ ذَلِكَ مِنَ الْقِطَارِ غَيْرَ مَحْرُوزٍ، فَإِنْ سَرَقَ مِمَّا جَعَلْنَاهُ حِرْزًا لَهُ قُطِعَ، وَإِنْ سَرَقَ مِمَّا لَمْ نَجْعَلْهُ حِرْزًا لَهُ لَمْ يُقْطَعْ، فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَقْطُورَةٍ فِي سَيْرِهَا كَانَ الْوَاحِدُ حِرْزًا لِمَا يَنَالُهُ سَوْطُهُ مِنْهَا، لِأَنَّهُ بِالسَّوْطِ يسوقها ويؤجرها، وَلَا يَكُونُ حِرْزًا لِمَا لَا يَنَالُهُ سَوْطُهُ وإن كان يراه.
(مسألة)
قال الشافعي: " وَإِنْ أَنَاخَهَا حَيْثُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا فِي صَحْرَاءَ أَوْ كَانَتْ غَنَمًا فَآوَاهَا إِلَى مُرَاحٍ فَاضْطَجَعَ حيث ينظر إليها فهذا حرزها) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا نَوْعٌ ثَالِثٌ مِنَ الْإِحْرَازِ فِيمَا يَخْتَصُّ بِالْبَهَائِمِ فِي الصَّحْرَاءِ، وَذَلِكَ يَشْتَمِلُ عَلَى ثَلَاثَةِ فُصُولٍ.
فَالْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي الْإِبِلِ وَالدَّوَابِّ إِذَا حَطَّتْ حُمُولَتَهَا فنزلت فِي مَنْزِلِ الِاسْتِرَاحَةِ
فَحِرْزُهَا فِي مَنْزِلِ الِاسْتِرَاحَةِ يَكُونُ بِخَمْسَةِ شُرُوطٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تُضَمَّ الْبَهَائِمُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ حَتَّى لَا تَفْتَرِقَ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَرْبُطَهَا إِلَى حبل قد مده بجميعها.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُنِيخَهَا إِنْ كَانَتْ إِبِلًا؛ لِأَنَّهَا لَا تَنَامُ إِلَّا بَارِكَةً، فَأَمَّا الدَّوَابُّ وَالْبِغَالُ فَتَنَامُ قِيَامًا فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى إِنَاخَتِهَا.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يَعْقِلَهَا إِنْ كَانَتْ إِبِلًا، وَيُشْكِلَهَا إِنْ كَانَتْ دَوَابًّا.
وَالْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ مَعَهَا مَنْ يحفظها مثل عددها إما نائماً وإما مستيقظاً؛ لِأَنَّ وَقْتَ الِاسْتِرَاحَةِ لَا يُسْتَغْنَى فِيهِ عَنِ النَّوْمِ وَهُوَ يَسْتَيْقِظُ بِحَرَكَتِهَا إِنْ سُرِقَتْ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ مَعَهَا نَائِمًا أَوْ مُسْتَيْقِظًا، لَكِنَّهُ إِنْ نَامَ لَزِمَهُ اعْتِبَارُ الشَّرْطِ الرَّابِعِ فِي عقلها وشكلها، وَإِنِ اسْتَيْقَظَ لَمْ يَلْزَمْ هَذَا، فَإِذَا تَكَامَلَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ صَارَتْ مُحْرَزَةً وَوَجَبَ الْقَطْعُ عَلَى سَارِقِهَا، وَإِنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْهَا لَمْ يُقْطَعْ.
(فصل)
والفصل الثَّانِي فِي الْبَهَائِمِ الرَّاعِيَةِ فِي مَسَارِحِهَا مِنَ الْمَوَاشِي وَالدَّوَابِّ فَحِرْزُهَا فِي الْمَرَاعِي مُعْتَبِرٌ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ عَلَى مَاءٍ وَاحِدٍ وَفِي مَسْرَحٍ وَاحِدٍ لَا يَخْتَلِفُ لَهَا مَاءٌ وَلَا مَسْرَحٌ.
وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَبْعُدَ مَا بين أوائلها وأواخرها حتى لا يخرج عَنِ الْعُرْفِ فِي الْمَسْرَحِ، وَالْعُرْفُ فِي الْإِبِلِ أَنَّهَا أَكْثَرُ تَبَاعُدًا فِي الْمَسْرَحِ مِنَ الْغَنَمِ، فَيُرَاعَى فِي تَبَاعُدِ كُلِّ جِنْسٍ مِنْهَا عُرْفُهُ الْمَعْهُودُ.
وَالثَّالِثُ: الرَّاعِي، وَفِي الرَّاعِي ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ مُعْتَبَرَةٌ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَرَى جَمِيعَهَا، فَإِنْ رَأَى بَعْضَهَا كَانَ حِرْزًا لِمَا رَآهُ مِنْهَا دُونَ ما لم يره.
والثاني: أن لا يخرج عن مدى صوته؛ لأنها تجتمع وتفترق في المراعي بِصَوْتِهِ، فَإِنْ بَعُدَتْ عَنْ مَدَى صَوْتِهِ كَانَ حرزاً لما انتهى إليه صوته، وَلَمْ يَكُنْ حِرْزًا لِمَا لَمْ يَبْلُغُهُ صَوْتُهُ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مُسْتَيْقِظًا.
لِأَنَّهَا تَرْعَى نَهَارًا فِي زَمَانِ التَّصَرُّفِ وَالْيَقَظَةِ، فَإِنْ نَامَ عَنْهَا لَمْ يَكُنْ حِرْزًا لِشَيْءٍ مِنْهَا.
(فَصْلٌ)
وَالْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي الْبَهَائِمِ إِذَا اجْتَمَعَتْ فِي مُرَاحِهَا، فَالْمُرَاحُ حِرْزٌ لَهَا، وَلَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مُرَاحُهَا فِي بَلَدٍ أَوْ قَرْيَةٍ، فَإِذَا كَانَ لِلْمُرَاحِ حَظِيرَةٌ تَحُوطُهُ، وَبَابٌ يُغْلَقُ عَلَيْهِ كَانَ حِرْزًا سَوَاءٌ كان معها راعيها أو لم يكن، فإن سرقت منه قطع.
والثاني: أن يكون مراحها في أقبية أَهْلِهَا بِالْبَادِيَةِ بِحَيْثُ يُدْرِكُهَا الصَّوْتُ فَاجْتِمَاعُهَا فِيهِ حِرْزٌ لَهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا أَحَدٌ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مُرَاحُهَا فِي الصَّحْرَاءِ عَلَى بُعْدٍ مِنْ بُيُوتِ أَهْلِهَا، فَحِرْزُهَا فِيهِ مُعْتَبَرٌ بشرطين:
أحدهما: اجتماعهما فِيهِ بِحَيْثُ يَحُثُّ بَعْضُهَا بِحَرَكَةِ بَعْضٍ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَعَهَا رَاعٍ يَحْفَظُهَا، فَإِنْ كَانَ مُسْتَيْقِظًا لَمْ يَحْتَجْ مَعَ الِاسْتِيقَاظِ إِلَى غَيْرِهِ، وَإِنْ نَامَ احْتَاجَ مَعَ نَوْمِهِ إِلَى شَرْطٍ ثَالِثٍ وَهُوَ مَا يُوقِظُهُ إِنْ سُرِقَتْ مِنْ كِلَابٍ تَنْبَحُ، أَوْ أَجْرَاسٍ تَتَحَرَّكُ، فَإِنْ أَخَلَّ بِهَذَا عِنْدَ نَوْمِهِ لَمْ يَكُنْ حِرْزًا وَلَمْ يُقْطَعْ سَارِقُهَا.
(فَصْلٌ)
فَأَمَّا أَلْبَانُ الْمَوَاشِي إِذَا احْتَلَبَهَا مِنْ ضُرُوعِهَا، فَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْمَوَاشِي فِي حِرْزٍ فَلَا قَطْعَ فِي أَلْبَانِهَا كَمَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا لَوْ سُرِقَتْ قَطْعٌ، وَإِنْ كانت في حرز من مراح أو مرعى فضروع المواشي حرز ألبانها، فَيُنْظَرُ فَإِنْ بَلَغَ لَبَنُ الْبَهِيمَةِ الْوَاحِدَةِ نِصَابًا قُطِعَ، وَإِنْ لَمْ يَكْمُلِ النِّصَابُ إِلَّا بِاحْتِلَابِ جَمَاعَةٍ مِنْهَا فَفِي قَطْعِهِ إِذَا احْتَلَبَهَا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهَا سَرِقَاتٌ مِنْ أَحْرَازٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ ضَرْعٍ حِرْزُ لَبَنِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ الْمُرَاحَ حِرْزٌ وَاحِدٌ لِجَمِيعِهَا، وَهُوَ لو سرق جماعة تبلغ نصاباً قطع، وكذلك إِذَا احْتَلَبَ أَلْبَانَ جَمَاعَةٍ تَبْلُغُ نِصَابًا قُطِعَ.
(مسألة)
قال الشافعي: " ولو ضرب فسطاطاً وآوى فيه متاعه فاضطجع فسرق الفسطاط والمتاع مِنْ جَوْفِهِ قُطِعَ لِأَنَّ اضْطِجَاعَهُ حِرْزٌ لَهُ ولما فيه إلا أن الْأَحْرَازَ تَخْتَلِفُ فَيُحْرَزُ كُلٌّ بِمَا تَكُونُ الْعَامَّةُ تحرز مثله) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا نَوْعٌ رَابِعٌ مِنَ الْأَحْرَازِ وَهُوَ إِذَا حَطَّ الْمُسَافِرُ مَتَاعَهُ فِي سَفَرِهِ فِي مَنْزِلِ اسْتِرَاحَةٍ فَضَرَبَ فُسْطَاطًا أَوْ خَيْمَةً مِنْ جُلُودٍ أَوْ شِعْرٍ أَوْ خَرْقٍ فَشَدَّ أَطْنَابَهُ وَأَرْسَى أَوْتَادَهُ كَانَ هَذَا حِرْزًا لِلْفُسْطَاطِ، إِذَا كَانَ صَاحِبُهُ يَرَاهُ، سَوَاءٌ كَانَ فِيهِ أَوْ خَارِجًا مِنْهُ، فَإِنْ سُرِقَ هَذَا الْفُسْطَاطُ قُطِعَ سَارِقُهُ، فَإِنْ أَحْرَزَ فِي الْفُسْطَاطِ مَتَاعَهُ لم يكن المتاع محرزاً إِلَّا أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهُ مَعَهُ فِي الْفُسْطَاطِ مُضْطَجِعًا عَلَيْهِ إِنْ كَانَ نَائِمًا، أَوْ نَاظِرًا إِلَيْهِ إِنْ كَانَ مُسْتَيْقِظًا فَإِنْ سُرِقَ مِنَ المتاع وهو على هذه الصفة والفسطاط قُطِعَ سَارِقُهُ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ حِرْزًا لِغَيْرِهِ كان حرزاً لنفسه.
(مسألة)
قال الشافعي: " وَلَوِ اضْطَجَعَ فِي صَحْرَاءَ وَوَضَعَ ثَوْبَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا نَوْعٌ خَامِسٌ مِنَ الْأَحْرَازِ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ فِي صَحْرَاءَ فَيَكُونُ حِرْزًا لِثِيَابِهِ الَّتِي هُوَ لَابِسُهَا، سَوَاءٌ كَانَ نَائِمًا أَوْ مُسْتَيْقِظًا، فَأَمَّا ثِيَابُهُ الَّتِي لَمْ يلبسها، فإن
كَانَ مُسْتَيْقِظًا فَحِرْزُ ثِيَابِهِ أَنْ تَكُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ يَرَاهَا، وَإِنْ كَانَ نَائِمًا فَحِرْزُهَا أَنْ يَضْطَجِعَ عَلَيْهَا أَوْ يَضَعَهَا تَحْتَ رَأْسِهِ وَيَنَامَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ نَامَ فِي الْمَسْجِدِ وَوَضَعَ رِدَاءَهُ تَحْتَ رَأْسِهِ فَسُرِقَ مِنْهُ فَقَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سَارِقَهُ، وَلِأَنَّ هَذَا فِي الْعُرْفِ حِرْزٌ لِثَوْبِ النَّائِمِ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ مَعَهُ هِمْيَانٌ فِيهِ دَرَاهِمُ أَوْ دَنَانِيرُ لَمْ يَكُنْ وَضْعُهُ تَحْتَ رأسه إذا نام حرزاً له حَتَّى يَشُدَّهُ فِي وَسَطِهِ؛ لِأَنَّ الْأَحْرَازَ تَخْتَلِفُ باختلاف المحرزات.
(مسألة)
قال الشافعي: " أو ترك أهل الأسواق متاعهم في مقاعد ليس عليها حرز لم يضم ولم يربط أو أرسل رجل إبله ترعى أو تمضي على الطريق غير مقطورة أو أباتها بصحراء ولم يضطجع عندها أو ضرب فسطاطا فلم يضطجع فيه فسرق من هذا شيء لم يقطع لأن العامة لا ترى هذا حرزاً) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهُوَ نَوْعٌ سَادِسٌ مِنَ الْأَحْرَازِ وهو متعة أَهْلِ الْأَسْوَاقِ إِذَا وَضَعُوهَا لِلْبَيْعِ فَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ فِي حَوَانِيتِهِمْ، فَإِذَا فتح حانوته وجلس على بابه كان حرزاً لِجَمِيعِ مَا فِيهِ، فَإِنِ انْصَرَفَ عَنْهُ أَوْ نَامَ صَارَ مَا فِيهِ غَيْرَ مُحَرَّزٍ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ أَمْتِعَتُهُمْ فِي أَفْنِيَةِ أَسْوَاقِهِمْ وَطُرُقَاتِهِمْ فَالْحِرْزُ فِيهَا أَغْلَظُ؛ لِأَنَّ الْأَيْدِيَ إِلَى تَنَاوُلِهَا أَسْرَعُ، فَحِرْزُهَا مُعْتَبَرٌ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ:
أَحَدُهَا: أن يكون بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإِنْ كَانَتْ وَرَاءَهُ فَلَيْسَتْ فِي حِرْزٍ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَرَى جَمِيعَهَا، فَإِنْ لَمْ ير منها شيئاً فليس فِي حِرْزٍ لِمَا لَا يَرَاهُ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يكون مجتمعاً لا تمشي بينه مارة في الطَّرِيقِ، فَإِنْ تَفَرَّقَ وَمَشَى فِيهِ مَارَّةُ الطَّرِيقِ لَمْ يَكُنْ حِرْزًا لَمَّا حَالَ الْمَاشِيَةُ بَيْنَهُ وبينه.
(مسألة)
قال الشافعي: " وَالْبُيُوتُ الْمُغْلَقَةُ حِرْزٌ لِمَا فِيهَا) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا نَوْعٌ سَابِعٌ مِنَ الْأَحْرَازِ وَهِيَ الْبُيُوتُ والأبنية في الأمصار والقرى، وينقسم ثلاثة أقسام: حوانيت متاجر، وَدُورُ مَسَاكِنَ، وَبُيُوتُ خَانَاتٍ.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ وَهُوَ حَوَانِيتُ الْمُتَاجِرِ فِي الْأَسْوَاقِ فَلَهَا حَالَتَانِ.
لَيْلٌ وَنَهَارٌ، فَأَمَّا النَّهَارُ فَأَمْرُهَا أَخَفُّ لِانْتِشَارِ الناس فيها، فيكون حرزاً في نَفِيسِ الْمَتَاعِ لِمَا لَا يَكُونُ حِرْزًا لَهُ في الليل، أو يكون الْحَانُوتُ فِيهِ مُحْرَزًا بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ.
إِمَّا أَنْ يغلق بابه بإقفاله، وإما أن يَكُونَ مَفْتُوحًا وَفِيهِ صَاحِبُهُ.
وَأَمَّا اللَّيْلُ فَالْإِحْرَازُ فِيهِ أَغْلَظُ، فَتَكُونُ حَوَانِيتُ كُلِّ سُوقٍ حِرْزًا لِجِنْسِ أَمْتِعَةِ تِلْكَ
السُّوقِ، فَتَكُونُ حَوَانِيتُ سُوقِ الدَّقِيقِ حِرْزًا لِلدَّقِيقِ وَلَا تَكُونُ حِرْزًا لِلصَّيْدَلَةِ؛ لِأَنَّ أَبْوَابَهَا فِي العرف أضعف وأغلاقها أسهل، وحوانيت سوق الصَّيْدَلَةِ حِرْزًا لِلصَّيْدَلَةِ، وَلَا تَكُونُ حِرْزًا لِلْعِطْرِ؛ لِأَنَّ أَحْرَازَ الْعِطْرِ أَغْلَظُ وَأَصْعَبُ، وَأَغْلَاقَهَا أَشَدُّ، وَحَوَانِيتُ سُوقِ الْعِطْرِ حِرْزٌ لِلْعِطْرِ، وَلَا تَكُونُ حِرْزًا لِلْبَزِّ؛ لِأَنَّ أَحْرَازَ الْبَزِّ أَغْلَظُ، وَحَوَانِيتُ سُوقِ الْبَزِّ حِرْزٌ لِلْبَزِّ، وَلَا تَكُونُ حِرْزًا للصيارف في الفضة والذهب؛ لِأَنَّ حِرْزَ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ أَغْلَظُ، وَقَلَّ مَا أحرز الصيارف الفضة والذهب فِي حَوَانِيتِهِمْ إِلَّا مَعَ الْغَايَةِ فِي عَدْلِ السُّلْطَانِ وَأَمْنِ الزَّمَانِ، فَإِنِ انْتَهَى الزَّمَانُ إِلَى هذا الحال في عدله وأمته كانت حوانيتهم حرزاً لأموالهم والدراهم وَالدَّنَانِيرِ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ بِنَاؤُهَا مُحْكَمًا وَأَبْوَابُهَا وَثِيقَةً وَأَقْفَالُهَا صَعْبَةً، وَيَكُونُ عَلَى أَسْوَاقِهِمْ دُرُوبٌ، وَكَذَلِكَ أَسْوَاقُ الْبَزَّازِينَ إِذَا أَحْرَزُوا الْبَزَّ فِي حَوَانِيتِهِمْ، وَيَكُونُ فِيهَا مَعَ الدُّرُوبِ حُرَّاسٌ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَبِيتَ فِي الْحَوَانِيتِ أَرْبَابُهَا لِخُرُوجِهِ عَنِ الْعُرْفِ، وَإِنْ كَانَ الزَّمَانُ مُنْتَشِرَ الْفَسَادِ قليل الأمن لم تكن حوانيت الصيارف والبزارين حِرْزًا لِأَمْوَالِهِمْ مِنَ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ وَالْبَزِّ حَتَّى يَنْقُلُوهَا فِي اللَّيْلِ إِلَى مَسَاكِنِهِمْ أَوْ خَانَاتِهِمْ فَهَذَا حُكْمُ الْحَوَانِيتِ.
(فَصْلٌ)
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وهو المساكن المستوطنة فتختلف في أحرازها بحسب اختلاف سكانها من الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ، فَأَمَّا مَسَاكِنُ ذَوِي الْإِعْسَارِ فَأَخَفُّ أحرازاً؛ لأن متاع بيوتهم زهيد لَا يُرْغَبُ فِيهِ، فَإِنْ كَانَتْ أَبْنِيَتُهُمْ قَصِيرَةً وَأَبْوَابُهُمْ خَفِيفَةً وَأَغْلَاقُهُمْ سَهْلَةً كَانَتْ حِرْزًا لِأَمْثَالِهِمْ، فَإِنْ سَكَنَهَا أَهْلُ الْيَسَارِ لَمْ تَكُنْ حِرْزًا لَهُمْ؛ لِأَنَّ مَسَاكِنَ ذَوِي الْيَسَارِ مَحْكَمَةُ الْأَبْنِيَةِ، عَالِيَةُ الْجُدْرَانِ وَثِيقَةُ الْأَبْوَابِ صَعْبَةُ الْأَغْلَاقِ، فَإِنْ كَانَتْ جُدْرَانُهَا قِصَارًا وَهِيَ مُسَقَّفَةٌ بِسَقْفِ وَثِيقَةٍ كَانَتْ حِرْزًا لِأَمْثَالِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْيَسَارِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُسَقَّفَةً لَمْ تَكُنْ حِرْزًا لِذَوِي الْيَسَارِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الصُّعُودُ إِلَيْهَا إِذَا قَصُرَتْ وَلَا يُمْكِنُ الصُّعُودُ إِلَيْهَا إِذَا عَلَتْ، فَإِذَا سَكَنَ أَهْلُ الْيَسَارِ فِي مَسَاكِنِ أَمْثَالِهِمْ فَلَهُمْ حَالَتَانِ: لَيْلٌ، وَنَهَارٌ.
فَأَمَّا النَّهَارُ فَيَجُوزُ أَنْ يكون أَبْوَابُهُمْ مَفْتُوحَةً إِذَا كَانُوا أَوْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ يَرَى الدَّاخِلَ إِلَيْهَا وَالْخَارِجَ مِنْهَا، وَإِنْ لَمْ يروه لم يكن حِرْزًا إِلَّا بِغَلْقِ الْبَابِ، وَإِغْلَاقُهُ فِي النَّهَارِ أخف من أغلاقه في الليل، فلا تَكُونُ فِي اللَّيْلِ حِرْزًا إِلَّا بَعْدَ غَلْقِ أَبْوَابِهَا وَإِحْكَامِ إِغْلَاقِهَا، ثُمَّ لِأَمْتِعَةِ بُيُوتِهِمْ حَالَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: مَا كَانَ جَافِيًا لِلْبِذْلَةِ كَالْبُسُطِ وَالْأَوَانِي فَصُحُونُ مَسَاكِنِهِمْ حِرْزٌ لَهَا.
وَالثَّانِي: مَا كَانَ مِنْ ذَخَائِرِهِمْ وَنَفِيسِ أَمْوَالِهِمْ فَالْبُيُوتُ الْمُغْلِقَةُ فِي الْمَسَاكِنِ حِرْزٌ لَهَا، وَلَا يَكُونُ تَرْكُهَا فِي صُحُونِ الْمَسَاكِنِ حِرْزًا لِمِثْلِهَا؛ لِأَنَّهَا تُحْفَظُ مِنْ أَهْلِ الْمَسْكَنِ وَغَيْرِ أَهْلِ الْمَسْكَنِ، فَإِنْ سَرَقَهَا غَرِيبٌ مِنْهُمْ وَخَارِجٌ عَنْهُمْ قُطِعَ، وَإِنْ سَرَقَهَا أحدهم لم
يقطع؛ لما تُرِكَ فِي صُحُونِ الْمَسَاكِنِ الَّتِي يُدْخَلُ إِلَيْهَا وَيُخْرَجُ مِنْهَا وَقُطِعَ بِمَا فِي الْبُيُوتِ الْمُقْفَلَةِ مِنْهُ، فَلَوْ كَانَ فِي جِدَارِ الدَّارِ فَتْحَةٌ طويلة، وكانت عَالِيَةً لَا تُنَالُ فَالْحِرْزُ بِحَالِهِ، وَإِنْ كَانَتْ قَصِيرَةً نُظِرَ: فَإِنْ كَانَتْ ضَيِّقَةً لَا يُمْكِنُ وُلُوجُهَا إِلَّا بِهَدْمِ بُنْيَانٍ لَمْ تَمْنَعْ مِنَ الْحِرْزِ، وَإِنْ كَانَتْ وَاسِعَةً يُمْكِنُ وُلُوجُهَا مُنِعَتْ مِنَ الْحِرْزِ.
وَصَارَتْ كَالْبَابِ الْمَفْتُوحِ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهَا بَابٌ كَبَابِ الدَّارِ فِي الْوِثَاقَةِ جَرَى مَجْرَاهُ، وَجَازَ فَتْحُهُ نَهَارًا وَغَلْقُهُ لَيْلًا، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهَا شُبَّاكٌ فَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا لَا يُرَدُّ فَلَيْسَ بِحِرْزٍ، وَإِنْ كَانَ قَوِيًّا مِنْ حَدِيدٍ أَوْ خَشَبٍ وَثِيقٍ كَانَ حِرْزًا فَهَذَا حُكْمُ الْمَسَاكِنِ.
(فَصْلٌ)
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ بُيُوتُ الْخَانَاتِ الَّتِي يُدْخَلُ إِلَى صُحُونِهَا بِغَيْرِ إِذْنٍ وَيَنْفَرِدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِهَا بِبَيْتٍ فلها حكمان:
أحدهما: حكم صحوتها.
وَالثَّانِي: حُكْمُ بُيُوتِهَا.
فَأَمَّا حُكْمُ صُحُونِهَا إِذَا تُرِكَ فِيهِ مَتَاعٌ فَهُوَ غَيْرُ حِرْزٍ فِي النَّهَارِ مِنْ أَهْلِ الْخَانِ وَغَيْرِ أَهْلِهِ؛ لِاسْتِبْذَالِهِ بالدخول مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ الْمَتَاعِ حَافِظٌ يَرَاهُ فَيَصِيرُ بِهِ مُحْرِزًا.
فَأَمَّا الليل إذا غلق عَلَى الْخَانِ بَابَهُ فَهُوَ حِرْزٌ لِمَا فِي صَحْنِهِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ، وَلَا يَكُونُ حِرْزًا مَعَ أَهْلِهِ، فَإِنْ سَرَقَهُ غَيْرُهُمْ قُطِعَ، وَإِنْ سَرَقَهُ أَحَدُهُمْ لَمْ يُقْطَعْ.
وَأَمَّا حُكْمُ بُيُوتِهَا فَكُلُّ بَيْتٍ مِنْهَا حِرْزٌ لِصَاحِبِهِ مِنْ أَهْلِ الخان وغير أهله فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَعًا، وَكَمَالُ حِرْزِهِ مُعْتَبَرٌ بِشَرْطَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ بَابُهُ مُغْلَقًا مُقْفَلًا.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ لِجَمِيعِ بُيُوتِ الْخَانِ حَافِظٌ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ حَالُ كُلِّ بَيْتٍ هَلْ قَصَدَهُ صَاحِبُهُ أَوْ غَيْرُ صَاحِبِهِ؟ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ بَيْتٍ حَافِظٌ، وَلَا أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهَا بُيُوتٌ وُضِعَتْ فِي الأغلب لإحراز الأمتعة دون السكنى، فَإِنْ سَكَنَهَا قَوْمٌ صَارَ كُلُّ بَيْتٍ بِسُكْنَى صاحبه حرزاً فصار مَا لَا سَاكِنَ فِيهِ مِنْهَا أَخْطَرَ يَحْتَاجُ إِلَى فَضْلِ مُرَاعَاةٍ فِي لَيْلِهِ دُونَ نَهَارِهِ.
فَهَذِهِ سَبْعَةُ أَمْثِلَةٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَحْرَازِ أَطْلَقَ الشَّافِعِيُّ ذِكْرَهَا فَاسْتَوْفَيْنَا شَرْحَهَا وَشُرُوطَهَا لِيَعْتَبِرَ بِهَا نظائرها، وهناك نوع ثَامِنٌ لَمْ نَذْكُرْهُ وَهُوَ حِرْزُ الثِّمَارِ.
(فَصْلٌ)
وَالْأَصْلُ فِي حِرْزِ الثِّمَارِ مَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ مُزَيْنَةَ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عن
الثمر المعلق فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " لَيْسَ فِيهِ قَطْعٌ إِلَّا مَا آوَاهُ الْجَرِينُ وَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فِفِيهِ الْقَطْعُ، وَمَا لَمْ يبلغ ثمن المجن ففيه غرامة مثله وجلد ثم نكال وهذا خارج على عرف الحجارة، وَلَهُ تَفْصِيلٌ يَعُمُّ وَلِلثِّمَارِ حَالَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا أَنْ يكون على رؤوس نخلها وشجرها فتكون حرزها بأحد أمرين.
إما أن يكون فيها حافظ ينظر إلى جميعها فيصير به محرزاً يقطع سارقها.
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهَا حَظَائِرُ تُغْلَقُ، أَوْ باب مغلق فَتَصِيرُ بِهِ مُحْرَزَةً، فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَحْظُورَةٍ وَلَا مَحْفُوظَةٍ فَلَا قَطْعَ عَلَى سَارِقِهَا وَهُوَ الأغلب من ثمار الحجاز، وإليه توجه قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ تَكُونَ قَدْ صُرِمَتْ مِنْ نَخْلِهَا وَقُطِعَتْ مِنْ شَجَرِهَا وَوُضِعَتْ فِي جَرِينِهَا وبيدرها إما للبيع إما لِلتَّجْفِيفِ وَالْيُبْسِ، فَالْجَرِينُ لِلثَّمَرَةِ كَالْمَرَاحِ لِلْمَاشِيَةِ، فَإِنْ كَانَتْ عَلَى سُطُوحِ أَهْلِهَا أَوْ فِي مَسَاكِنِهِمْ وأفنيتهم فهي محرزة بقطع سَارِقُهَا، وَإِنْ كَانَتْ فِي بَسَاتِينِهِمْ وَضَيَاعِهِمْ فَإِنْ كَانَ الْمَوْضِعُ أَنِيسًا لِاتِّصَالِ الْبَسَاتِينَ وَانْتِشَارِ أَهْلِهَا لم يحتج إِلَى حَافِظٍ بِالنَّهَارِ وَاحْتَاجَتْ إِلَى حَافِظٍ بِاللَّيْلِ، فَإِنْ سُرِقَتْ نَهَارًا قُطِعَ سَارِقُهَا، وَإِنْ سُرِقَتْ ليلاً قطع إن كان لها حافظ له، وَلَمْ يُقْطَعْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا حَافِظٌ وَإِنْ كَانَ الْمَوْضِعُ غَيْرَ أَنِيسٍ احْتَاجَتْ إِلَى حافظ بالليل والنهار فيقطع سَارِقُهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا حَافِظٌ لَمْ يقطع.
فأما إذا سرقت الْأَشْجَارُ وَفَسِيلُ النَّخْلِ فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يُقْطَعُ سَارِقُ ثِمَارِهَا قُطِعَ سَارِقُ أَشْجَارِهَا، وَإِنْ كَانَتْ مما لا يقطع في ثمارها لم يقطع من أشجارها والله أعلم.
(مسألة)
قال الشافعي: " وَإِنْ سُرِقَ مِنْهَا شَيْءٌ فَأُخْرِجَ بِنَقْبٍ أَوْ فَتْحِ بَابٍ أَوْ قَلْعِهِ قُطِعَ وَإِنْ كَانَ الْبَيْتُ مَفْتُوحًا لَمْ يُقْطَعْ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَبْوَابَ الْمُغْلَقَةَ حِرْزٌ لِمَا فِيهَا، فإذا هتك حرزها وأخرج نصاب السرقة منه قُطِعَ، وَهَتْكُ الْحِرْزِ يَكُونُ بِأَحَدِ وُجُوهٍ.
إِمَّا بِأَنْ يَفْتَحَ أَغْلَاقَهُ وَيَدْخُلَ إِلَيْهِ مِنْ بَابِهِ، سواء كانت أغلاقه خارجة أو داخلة.
وَفَتْحُ أَغْلَاقِهِ قَدْ يَكُونُ تَارَةً بِكَسْرِهَا، وَتَارَةً بِأَنْ يَتَوَصَّلَ بِالْحِيلَةِ إِلَى فَتْحِهَا.
وَمِنْهَا: أَنْ يَتَوَصَّلَ إِلَى قَلْعِ الْبَابِ أَوْ كَسْرِهِ، أَوْ إِحْرَاقِهِ بِالنَّارِ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَنْقُبَ فِي جِدَارِ الحرز أو سطحه حَتَّى يَدْخُلَ مِنْهُ إِلَى الْحِرْزِ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَعْلُوَ عَلَى جِدَارِهِ إِمَّا بِسُلَّمٍ يَصْعَدُ عَلَيْهِ أو آلة ينصبها حتى يتسور إليه نَظَائِرِ هَذَا فَيَصِيرُ هَاتِكًا لِلْحِرْزِ فَيُقْطَعُ بِهَتْكِهِ وَأَخْذِهِ، فَإِنْ نَقَضَ جِدَارَ الْحِرْزِ وَسَرَقَ آلَتَهُ
قُطِعَ إِذَا بَلَغَتْ نِصَابًا؛ لِأَنَّ الْبَنَّاءَ حِرْزٌ لآلته، وهكذا لو سرق باب الحرز بقلع إِذَا كَانَ وَثِيقًا فِي نَصْبِهِ سَوَاءٌ كَانَ الْبَابُ مُغْلَقًا أَوْ مَفْتُوحًا؛ لِأَنَّ غَلْقَ الْبَابِ حرز لما ورائه وَلَيْسَ بِشَرْطٍ فِي حِرْزِهِ، فَإِنْ سَرَقَ مَا في البيت وبابه مفتوح ولم يقطع، فإن سَرَقَ بَابَهُ قُطِعَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُقْطَعُ فِي سَرِقَةِ الْبَابِ مَفْتُوحًا كَانَ أَوْ مُغْلَقًا، وَكَذَلِكَ مَا أَخَذَهُ مِنْ بِنَاءِ الْحِرْزِ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّهُ سَرَقَ الْحِرْزَ وَلَمْ يَهْتِكْهُ، وَهَذَا فاسد؛ لأمرين:
أحدهما: ما كان حرزاً لغيره أولى أَنْ يَكُونَ حِرْزًا لِنَفْسِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْأَحْرَازَ معتبرة بالعرف المعهود وأبواب الجدر وَآلَةُ بِنَائِهِ لَا تُحْفَظُ عُرْفًا إِلَّا بِنَصْبِ الْأَبْوَابِ وَبِنَاءِ الْآلَةِ فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حرزاً كَسَائِرِ الْأَحْرَازِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ قَلَّعَ حَلْقَةَ الباب أو مساميره أو أقفاله قطع، لأنه فِي مَحَلِّ حِرْزِهَا، وَكَذَا لَوْ قَلَعَ عَتَبَةَ الْبَابِ قُطِعَ؛ لِأَنَّ مَوْضِعَهَا حِرْزٌ لَهَا، وَلَوْ نَقَضَ آلَةً مِنْ بِنَاءٍ قَدْ خَلَا مِنْ أهله حتى خرب نظر: فإن كان بناؤه وثيقاً لم يستهدم قطع، وإن كان متهدماً مُتَخَلْخِلًا لَمْ يُقْطَعْ، فَإِنْ كَانَ عَلَى خَرَابِ الْبِنَاءِ أَبْوَابٌ لَمْ يُقْطَعْ فِي أَخْذِهَا وَإِنْ قُطِعَ فِي آلَةِ بِنَائِهَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْأَبْوَابَ مُحْرَزَةٌ بِالسُّكْنَى وَالْآلَةُ مُحْرَزَةٌ بِالْبِنَاءِ.
(مَسْأَلَةٌ)
قال الشافعي: " وَإِنْ أَخْرَجَهُ مِنَ الْبَيْتِ وَالْحُجْرَةِ إِلَى الدَّارِ وَالدَّارُ لِلْمَسْرُوقِ مِنْهُ وَحْدَهُ لَمْ يُقْطَعْ حَتَّى يُخْرِجَهُ مِنْ جَمِيعِ الدَّارِ لِأَنَّهَا حِرْزٌ لِمَا فِيهَا) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا كَانَ الْمَتَاعُ مُحْرَزًا فِي حُجْرَةٍ فِي دَارٍ خَاصَّةٍ أَوْ فِي بَيْتٍ فِي الدَّارِ فَأَخْرَجَهُ إِلَى صَحْنِ الدَّارِ فَالْحُكْمُ فِي الْحُجْرَةِ وَالْبَيْتِ سَوَاءٌ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُ بَابُ الْحُجْرَةِ وَالدَّارِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَا مَفْتُوحَيْنِ فَلَا قطع عليه؛ لأنه يفتح الباب غير محرز.
والقسم الثاني: أن يَكُونُ بَابُ الدَّارِ مُغْلَقًا وَبَابُ الْحُجْرَةِ مَفْتُوحًا، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الدَّارِ حِرْزٌ فَصَارَ نَاقِلًا لَهُ فِي الْحِرْزِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ، لَكِنْ يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّ إِخْرَاجَهُ عُدْوَانٌ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ بَابُ الدَّارِ مَفْتُوحًا وَبَابُ الْحُجْرَةِ مُغْلَقًا، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّ الْحِرْزَ هُوَ الْحُجْرَةُ دُونَ الدَّارِ.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ بَابُ الْحُجْرَةِ مُغْلَقًا وَبَابُ الدَّارِ مُغْلَقًا، فَفِي قَطْعِهِ إِذَا أَخْرَجَهُ مِنَ الْحُجْرَةِ أو الْبَيْتِ الْمُغْلَقِ إِلَى الدَّارِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهَا بِالْغَلْقِ تَصِيرُ هِيَ الْحِرْزُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَصَحُّ لَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ الدَّارَ الْمُفْرَدَةَ حِرْزٌ لِجَمِيعِ مَا فِيهَا، وَغَلْقُ الحجرة يجري مجرى غلق الصندوق، ولا يُقْطَعُ بِإِخْرَاجِهِ مِنَ الصُّنْدُوقِ إِلَى الْحُجْرَةِ، كَذَلِكَ لَا يُقْطَعُ بِإِخْرَاجِهِ مِنَ الْحُجْرَةِ إِلَى الدَّارِ، وَيَكُونُ كَمَا لَوْ رَفَعَ السَّرِقَةَ مِنْ قَرَارِ الدَّارِ إِلَى غُرَفِهَا أَوْ حَطَّهَا مِنْ غُرَفِهَا إِلَى قَرَارِهَا لَمْ يُقْطَعْ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ السُّفْلِ وَالْعُلُوِّ حِرْزٌ وَاحِدٌ، فَإِنْ أَصْعَدَ بِالسَّرِقَةِ مِنَ الدَّارِ إِلَى سَطْحِهَا نُظِرَ: فَإِنْ كَانَ عَلَى السطح ممرق يعلق على السفل قطع؛ لأن خروجه من الممرق كخروجه من الباب؛ لأن الممرق أَحَدُ الْبَابَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى السَّطْحِ سرق يعلق نظر، فإن كان السطح عالياً عليه سترة مبينة تَمْنَعُ مِنَ الْوُصُولِ إِلَيْهِ لَمْ يُقْطَعْ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْحِرْزِ، وَإِنْ كَانَ بِخِلَافِ ذَلِكَ قطع.
(مسألة)
قال الشافعي: " وَإِنْ كَانَتْ مُشْتَرَكَةً وَأَخْرَجَهُ مِنَ الْحُجْرَةِ إِلَى الدار فليست الدار بحرز لأحد من السكان فيقطع) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي الْحَانَاتِ الْمُشْتَرَكَةِ، فَإِذَا كَانَتِ الدَّارُ مُشْتَرِكَةً بَيْنَ جَمَاعَةٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِيهَا حُجْرَةٌ يَخْتَصُّ بِسُكَّانِهَا فَدَخَلَ الْحُجْرَةَ سَارِقٌ وَأَخْرَجَ مِنْهَا السَّرِقَةَ إِلَى صَحْنِ الدَّارِ قُطِعَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَخْرَجَهَا عَنْ حِرْزِهَا، وَيَكُونُ حُكْمُ هَذِهِ الدَّارِ كَالزُّقَاقِ الْمَرْفُوعِ بَيْنَ أَهْلِهِ إِذَا اخْتَصَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِيهِ بِدَارٍ كَانَ إِخْرَاجُ السَّرِقَةِ مِنْهَا إلى الزقاق موجباً للقطع.
(مسألة)
قال الشافعي: " وَلَوْ أَخْرَجَ السَّرِقَةَ فَوَضَعَهَا فِي بَعْضِ النَّقْبِ وَأَخَذَهَا رَجُلٌ مِنْ خَارِجٍ لَمْ يُقْطَعْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي رَجُلَيْنِ اجْتَمَعَا على سَرِقَةٍ فَنَقَبَ أَحَدُهُمَا وَأَخَذَ الْآخَرُ، فَهَذَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَشْتَرِكَا فِي النَّقْبِ وَيَدْخُلَ أَحَدُهُمَا فَيَأْخُذُ السَّرِقَةَ وَيَضَعَهَا فِي النَّقْبِ ولا يخرجها منه، ويأتي وَهُوَ خَارِجُ النَّقْبِ فَلْيَأْخُذْهَا وَلَا يَدْخُلِ الْبَيْتَ، فَمَذْهَبُ مَالِكٍ: أَنَّهُمَا يُقْطَعَانِ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمَا قَدْ صَارَا بِالتَّعَاوُنِ كَالْوَاحِدِ.
وَالثَّانِي: لِئَلَّا يَصِيرَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إِلَى أَخْذِ الْأَمْوَالِ وَإِسْقَاطِ الْحُدُودِ، وَهَذَا الْقَوْلُ قَدْ حَكَاهُ الْحَارِثُ بْنُ سُرَيْجِ بن هلال النَّقَّالِ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ وَأَحَدُ قَوْلَيْهِ فِي الْقَدِيمِ: أن لَا قَطْعَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَصَارَ فِي وجوب قطعها قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْأَضْعَفُ: أَنَّهُمَا يُقْطَعَانِ لِلْمَعْنَيَيْنِ المتقدمين.
وَالثَّانِي: وَهُوَ الْأَصَحُّ: أَنَّهُمَا لَا يُقْطَعَانِ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الدَّاخِلَ إِلَى الْحِرْزِ مَا أَخْرَجَهَا من جميعه، والآخذ بها من النقب لم يأخذها من حرز فَلَمْ يُوجَدْ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا شُرُوطُ الْقَطْعِ فَسَقَطَ، وَلِهَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ: اللِّصُّ الظَّرِيفُ لَا يُقْطَعُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ أَخَذَهَا غَيْرُ الْمُعَاوِنِ لَمْ يُقْطَعْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، كَذَلِكَ إِذَا أَخَذَهَا الْمُعَاوِنُ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ لَا يَجِبُ بِالْمُعَاوَنَةِ وَإِنَّمَا يجب بالأخذ.
والضرب الثاني: يَنْفَرِدَ أَحَدُهُمَا بِالنَّقْبِ وَلَا يَدْخُلُ الْحِرْزَ، وَيَدْخُلُ الْآخَرُ فَيُخْرِجَهَا وَلَمْ يُشَارِكْ فِي النَّقْبِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهَا فَأَجْرَاهَا كَثِيرٌ مِنْهُمْ مَجْرَى الضَّرْبِ الْأَوَّلِ، وَخَرَجَ وُجُوبُ قَطْعِهِمَا عَلَى قَوْلَيْنِ.
وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَطَائِفَةٌ أُخْرَى: أَنَّهُ لَا قَطْعَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا قولاً واحداً؛ لأن كل واحد منهما تفرد بِأَحَدِ شَرْطَيِ الْقَطْعِ.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَشْتَرِكَا في النقب فيدخل أَحَدُهُمَا فَيَأْخُذُ السَّرِقَةَ وَيُخْرِجُهَا، فَيَقْطَعُ مَخْرَجَهَا؛ لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ هَتْكِ الْحِرْزِ وَالْإِخْرَاجِ، وَلَا يُقْطَعُ الْآخَرُ؛ لِأَنَّهُ انْفَرَدَ بِالنَّقْبِ دُونَ الْإِخْرَاجِ.
وَالضَّرْبُ الرَّابِعُ: أَنْ يَحْضُرَ وَاحِدٌ فَيُنَقِّبُ الْحِرْزَ وَيَخَافُ الطَّلَبَ فَيَهْرُبُ وَيَأْتِي آخَرُ لَمْ يَشْهَدِ النَّقْبَ فيدخله حين زاع وَيُخْرِجُ السَّرِقَةَ مِنْهُ، فَلَا قَطْعَ عَلَى نَاقِبِ الحرز لا يختلف؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ إِلَّا النَّقْبُ الَّذِي لَا يُوجِبُ الْقَطْعَ، وَأَمَّا الْأَخْذُ لَهَا فَإِنْ كَانَ النَّقْبُ قَدِ اشْتُهِرَ وَظَهَرَ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ سَرَقَ مَالًا مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَهِرْ وَلَمْ يَظْهَرْ فَفِي وُجُوبِ قطعه وجهان:
أحدهما: لا قطع لما ذكرنا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُقْطَعُ اعْتِبَارًا بِظَاهِرِ الْحِرْزِ، وَهَكَذَا لَوْ عَادَ الَّذِي نَقَّبَ بَعْدَ هَرَبِهِ مِنَ الطَّلَبِ فِي لَيْلَةٍ أُخْرَى فَدَخَلَ الْحِرْزَ وَأَخْرَجَ السرقة، فإن كان بعد ظهور النقب وانتشاره لم يقطع، وإن كان قبل ظهوره وانتشاره فَعَلَى وَجْهَيْنِ:
أْحَدُهُمَا: وَهُوَ الْأَظْهَرُ فِيهِ: أَنَّهُ يُقْطَعُ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ الْأَظْهَرُ فِي غَيْرِهِ: أَنَّهُ لا يقطع.
(مسألة)
قال الشافعي: " وإن رَمَى بِهَا فَأَخْرَجَهَا مِنَ الْحِرْزِ قُطِعَ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، لَا يَخْلُو حَالُهُ في إخراج السرقة بعد هتكه حِرْزِهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَدْخُلَ الْحِرْزُ فَيَأْخُذَ السَّرِقَةَ وَيُخْرِجَهَا معه من الحرز، فهذا يقطع بإجماع.
والحالة الثَّانِيَةُ: أَنْ يَدْخُلَ الْحِرْزَ وَيَأْخُذَ السَّرِقَةَ وَيَرْمِي بها خراج الْحِرْزِ، أَوْ يَدْفَعَهَا إِلَى رَجُلٍ آخَرَ خَارِجَ الْحِرْزِ، فَهَذَا يُقْطَعُ، سَوَاءٌ ظَفِرَ بِهَا بَعْدَ خروجها مِنَ الْحِرْزِ أَوْ لَمْ يَظْفَرْ، حَتَّى بَالَغَ أَصْحَابُنَا فِي هَذَا فَقَالُوا: لَوْ أَخْرَجَ يَدَهُ مِنَ الْحِرْزِ وَالسَّرِقَةُ فِي يَدِهِ ثُمَّ أَعَادَهَا إلى حرزها قطع.
والحالة الثَّالِثَةُ: أَنْ يَقِفَ خَارِجَ الْحِرْزِ وَيَمُدَّ يَدَهُ فَيَأْخُذَ السَّرِقَةَ أَوْ يَمُدَّ خَشَبَةً فَيَجْذِبَ بِهَا السَّرِقَةَ حَتَّى يُخْرِجَهَا، أَوْ يُدْخِلَ مِحْجَنًا يَمُدُّ بِهِ السَّرِقَةَ حَتَّى يُخْرِجَهَا قُطِعَ، وَالْمِحْجَنُ خَشَبَةٌ فِي رَأْسِهَا حَدِيدَةٌ مَعْقُوفَةٌ، حُكِيَ أَنَّ رَجُلًا كان يسرق متاع الحاج بمحجنة فَقِيلَ لَهُ: تَسْرِقُ مَتَاعَ الْحَاجِّ؟ فَقَالَ لَسْتُ أَسْرِقُ وَإِنَّمَا يَسْرِقُ الْمِحْجَنُ، فَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " رَأَيْتُهُ يُجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ) يَعْنِي أَمْعَاءَهُ لِمَا كَانَ يَتَنَاوَلُ مِنْ مَالِ الْحَاجِّ.
فَيَجِبُ قَطْعُهُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ كُلِّهَا اعْتِبَارًا بِخُرُوجِهَا مِنَ الْحِرْزِ بِفِعْلِهِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجِبُ قَطْعُهُ إِلَّا فِي أحدها وهو: إذا أخرجها معه بنفسه، فأما إن رمى بها خَارِجَ الْحِرْزِ فَلَا قَطْعَ احْتِجَاجًا بِأَنَّ وُجُوبَ الْقَطْعِ مُتَعَلِّقٌ بِشَرْطَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: هَتْكُ الْحِرْزِ.
وَالثَّانِي: إِخْرَاجُ السَّرِقَةِ وَالْآخِذِ لَهَا مِنْ خَارِجِ الْحِرْزِ لَمْ يَهْتِكْهُ، وَالرَّامِي بِهَا مِنْ دَاخِلِ الْحِرْزِ لَمْ يُخْرِجْهَا، فَلَمْ يَجِبْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا قطع حتى يجتمع فيه الشرطان: هتك الحرز بالدخول، وتناول السَّرِقَةِ بِالْإِخْرَاجِ، فَإِنْ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَهُمَا كَانَ مستلباً، أو مختلساً ولا قطع على مختلس ولا مستلب بِنَصِّ السُّنَّةِ.
وَدَلِيلُنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَجْرَى عَلَى السَّارِقِ بِمِحْجَنِهِ حُكْمَ السَّرِقَةِ اسْمًا وَوَعِيدًا؛ لِأَنَّ شَرْطَيِ الْقَطْعِ مَوْجُودٌ فِي الْحَالَيْنِ.
أَمَّا هَتْكُ الْحِرْزِ فَهُوَ الْقُدْرَةُ عَلَى مَا فيه بَعْدَ امْتِنَاعِهِ، وَهَذَا قَدْ وُجِدَ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ رَبَّ الْمَالِ لَوْ نَقَّبَ حِرْزَهُ وَلَمْ يَحْفَظْ مَا فِيهِ لَمْ يُقْطَعْ سَارِقُهُ، وَإِنْ دَخَلَهُ لِهَتْكِ الْحِرْزِ قَبْلَ دُخُولِهِ.
وَلَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ إِلَى كُمِّ رَجُلٍ وَأَخَذَ مَا فِيهِ قُطِعَ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْهُ، فَلَمْ يَكُنِ الدُّخُولُ شَرْطًا فِي هَتْكِ الْحِرْزِ.
وَأَمَّا إِخْرَاجُ السَّرِقَةِ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ خُرُوجُهَا مِنْهُ بِفِعْلِهِ، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِيمَا إِذَا رَمَاهُ مِنْ دَاخِلِهِ، أَوْ جَذَبَهُ مِنْ خَارِجِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ مُخْرِجًا لَهَا بِفِعْلِهِ وَلَوْ سَقَطَ الْقَطْعُ عَنْهُ، إِلَّا أَنْ يُبَاشِرَ حَمْلَهَا من حرزه لَصَارَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إِلَى انْتِهَاكِ الْأَمْوَالِ بِغَيْرِ زَاجِرٍ عَنْهَا وَلَا