الحاوي الكبيرصفحات 225-264
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع

صفحات 225-264
عن هذه الطبعة
عَلَم
الماوردي
الكتاب
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
المؤلف
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
المحقق
الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1419 هـ -1999 م
عدد الأجزاء
19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِهِمْ مَعَ ضَعْفِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَأَةَ وَأَنَّ خَشْفَ بْنَ مَالِكٍ مَجْهُولٌ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلَّا زَيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ فَهُوَ أَنَّ مَا رَوَيْنَاهُ عَنْهُ مِنْ خِلَافِهِ وَأَنَّهُ وَافَقَ فِيهِ الْجَمَاعَةَ مِنْ إِبْدَالِ بَنِي اللَّبُونِ مَكَانَ بَنِي الْمَخَاضِ أَوْلَى.
وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْجِذَاعِ وَالْحِقَاقِ فَالْمَعْنَى فِيهِ: أَنَّهُ مَالٌ أُقِيمَ فِي الزَّكَاةِ الذَّكَرُ مِنْهَا مَقَامَ سِنٍّ دُونَهَا فَلِذَلِكَ لَمْ تَجِبْ فِي الدِّيَةِ، وَبَنُو اللَّبُونِ بِخِلَافِهَا.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّهَا مَوْضُوعَةٌ عَلَى التَّخْفِيفِ، فَإِذَا تَخَفَّفَتْ مِنْ وَجْهٍ لَمْ يَجِبْ تَخْفِيفُهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، لِأَنَّنَا نُوجِبُ فِيهَا مَعَ التَّخْفِيفِ مَا نُوجِبُهُ فِي الْمُغَلَّظَةِ مِنَ الجذاع والحقاق والله أعلم.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَا يُكَلَّفُ أَحَدٌ مِنَ الْعَاقِلَةِ غَيْرَ إِبِلِهِ ولا يقبل منه دونها فإن لم يكن لبلده إبل كلف إلى أقرب البلدان إليه ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي مَقَادِيرِ الدِّيَةِ مِنَ الْإِبِلِ وَأَسْنَانِهَا فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ وَنَقْلِهَا نَصًّا، فَأَمَّا أَنْوَاعُهَا فَلَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ، لِأَنَّهَا مَوْكُولَةٌ إِلَى الْعُرْفِ اعْتِبَارًا بِنَظَائِرِهَا فِي الشَّرْعِ، فَتُؤْخَذُ الدِّيَةُ مِنْ إِبِلِ الْعَاقِلَةِ فِي الْخَطَأِ وَإِبِلِ الْقَاتِلِ فِي الْعَمْدِ، فَإِنْ كَانَتْ إِبِلُهُ عِرَابًا أُخِذَتْ عِرَابًا، وَإِنْ كَانَتْ بِخَاتِيَّ أُخِذَتْ بُخْتًا، وَإِنْ كَانَتْ عِرَابًا مَهْرِيَّةً أُخِذَتْ مَهْرِيَّةً، وَإِنْ كَانَتْ مُحْتَدَبَةً أُخِذَتْ مُحْتَدَبَةً، تُؤْخَذُ مِنْ جِنْسِ مَالِهِ وَنَوْعِهِ كَالزَّكَاةِ وَسَوَاءٌ كَانَتْ إِبِلُهُ خَيْرَ الْأَنْوَاعِ أَوْ أَدْوَنِهَا، فَإِنْ عَدَلَ عَنْ إِبِلِهِ إِلَى مَا هُوَ أَعْلَى قُبِلَ مِنْهُ، وَإِنْ عَدَلَ إِلَى مَا هُوَ أَدْوَنُ لَمْ يُقْبَلْ كَالزَّكَاةِ، وَإِنْ طُولِبَ بِمَا هُوَ أَعْلَى لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ، وَإِنْ طُولِبَ بِمَا هُوَ أَدْوَنُ كَانَ مُخَيَّرًا فِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِبِلٌ كُلِّفَ الْغَالِبَ مِنْ إِبِلِ الْبَلَدِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لِبَلَدِهِ إِبِلٌ كُلِّفَ الْأَغْلَبَ مِنْ إِبِلِ أَقْرَبِ الْبِلَادِ إِلَيْهِ كَمَا قِيلَ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(مسألة) قال الشافعي رضي الله عنه: " فَإِنْ كَانَتْ إِبِلُ الْعَاقِلَةِ مُخْتَلِفَةٌ أَدَّى كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مِنْ إِبِلِهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَاخْتِلَافُ إِبِلِ الْعَاقِلَةِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نَوْعٌ مِنَ الْإِبِلِ، فَيُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي فِي مِلْكِهِ وَلَا يُكَلَّفُ أَحَدُهُمْ إِبِلَ غَيْرِهِ، كَمَا لَوْ كَانَتْ إِبِلُ جَمِيعِهِمْ نَوْعًا وَاحِدًا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ إِبِلُ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ مُخْتَلِفَةَ الْأَنْوَاعِ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُعْطِيَ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنْهَا جَازَ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُعْطِيَ مِنْ أَحَدِ أَنْوَاعِهَا، فَإِنْ كَانَ هُوَ الأغلب من

إِبِلِهِ جَازَ، سَوَاءٌ كَانَ أَعْلَى أَوْ أَدْنَى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَغْلَبَ إِبِلِهِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَعْلَاهَا جَازَ قَبُولُهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَدْنَاهَا قُبِلَ مِنَ الْعَاقِلَةِ فِي الْخَطَأِ، وَلَمْ يُقْبَلْ مِنَ الْجَانِي فِي الْعَمْدِ، لِأَنَّهَا تُؤْخَذُ مِنَ الْعَاقِلَةِ مُوَاسَاةً وَمِنِ الْجَانِي اسْتِحْقَاقًا.

(مَسْأَلَةٌ) قال الشافعي رضي الله عنه: " فإن كانت عِجَافًا أَوْ جُرْبًا قِيلَ إِنْ أُدِّيَتْ صِحَاحًا جُبِرَ عَلَى قَبُولِهَا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْمُسْتَحَقُّ فِي إِبِلِ الدِّيَةِ مَا كَانَ سَلِيمًا مِنَ الْعُيُوبِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَدُلُّ عَنِ النَّفْسِ فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْأَعْوَاضِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ فَأَشْبَهَ زَكَاةَ الْفِطْرِ وَالنَّفَقَاتِ، فَإِذَا كَانَتْ إِبِلُ العاقلة كلها مراضاة أَوْ عِجَافًا أَوْ جَرْبَى لَمْ يَأْخُذْ مِنْهَا مِرَاضًا وَلَا عِجَافًا وَإِنْ أَخَذْنَاهَا فِي الزَّكَاةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي مَالِهِ غَيْرُهَا لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فِي الْوَجْهَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ، وَأَخَذْنَا مِثْلَ إِبِلِهِ سَلِيمَةً مِنَ الْعُيُوبِ وَلَا يَعْدِلُ إِلَى الْغَالِبِ مِنْ إِبِلِ بَلَدِهِ، لِأَنَّ النَّوْعَ مُعْتَبَرٌ بِمَالِهِ وَإِنْ مُنِعَ الْعَيْبُ أَخَذَهُ، فَصَارَ أَصْلًا مُعْتَبَرًا.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " فَإِنْ أَعْوَزَتِ الْإِبِلُ فَقِيمَتُهَا دَنَانِيرُ أَوْ دَرَاهِمُ كَمَا قَوَّمَهَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (قَالَ الشافعي) رحمه الله تعالى: وَالْعِلْمُ مُحِيطٌ بِأَنَّهُ لَمْ يُقَوِّمْهَا إِلَّا قِيمَةَ يومها فإذا قومها كذلك فاتباعه أن تقوم متى وجبت ولعله أن لا يكون قومها إلا في حين وبلد أعوزت فيه أو يتراضى الجاني والولي فيدل على تقويمه للإعواز قوله لا يكلف أعرابي الذهب ولا الورق لأنه يجد الإبل وأخذه ذلك من القروي لإعواز الإبل فيما أرى والله أعلم.
ولو جاز أن يقوم بغير الدراهم والدنانير جعلنا على أهل الخيل الخيل وعلى أهل الطعام الطعام (قال المزني) رحمه الله وقوله القديم على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف درهم وَرُجُوعُهُ عَنِ الْقَدِيمِ رَغْبَةً عَنْهُ إِلَى الْجَدِيدِ وهو بالسنة أشبه ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الدِّيَةُ مِنَ الْإِبِلِ فَمُقَدَّرَةٌ بِمِائَةِ بَعِيرٍ وَرَدَتْ بِهَا السُّنَّةُ، وَانْعَقَدَ عَلَيْهَا الْإِجْمَاعُ، فَإِذَا وُجِدَتْ لَمْ يَجُزِ الْعُدُولُ عَنْهَا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ، فَإِنْ أَعْوَزَتْ إِمَّا بِعَدَمِهَا وَإِمَّا بِوُجُودِهَا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهَا عُدِلَ عَنْهَا إِلَى الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ الَّتِي هِيَ أَثْمَانٌ وَقِيَمٌ دُونَ غَيْرِهِمَا مِنَ الْعُرُوضِ وَالسِّلَعِ، ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي كَيْفِيَّةِ الْعُدُولِ عَنِ الْإِبِلِ إِلَيْهَا عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَبِهِ قَالَ فِي الْقَدِيمِ، إِنَّهَا تُعْتَبَرُ مِنَ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ عِنْدَ إِعْوَازِ الْإِبِلِ

بَدَلًا مِنَ النَّفْسِ، وَلَا تَكُونُ بَدَلًا مِنَ الْإِبِلِ، فَتَكُونُ الدِّيَةُ مِنَ الذَّهَبِ أَلْفَ دِينَارٍ، وَمِنِ الْوَرِقِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَتَصِيرُ الدِّيَةُ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ ثَلَاثَةَ أُصُولٍ مُقَدَّرَةً بِالشَّرْعِ دُونَ التَّقْوِيمِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَبِهِ قَالَ فِي الْجَدِيدِ إِنَّ إِعْوَازَ الْإِبِلِ يُوجِبُ الْعُدُولَ إِلَى قِيمَتِهَا بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ مَا بَلَغَتْ بِحَسَبِ اخْتِلَافِهَا فِي الْبُلْدَانِ وَالْأَزْمَانِ، فَتَكُونُ الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ بَدَلًا مِنَ الْإِبِلِ لَا مِنَ النَّفْسِ وَلَا تَكُونُ لِلدِّيَةِ أَصْلًا وَاحِدًا وَهُوَ الْإِبِلُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لِلدِّيَةِ ثَلَاثَةُ أُصُولٍ: مِائَةُ بَعِيرٍ أَوْ أَلْفُ دِينَارٍ، أَوْ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، يَكُونُ الْجَانِي فِيهَا مُخَيَّرًا فِي دَفْعِ أيهما شاء فخالفهم الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ فِي شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ خَيَّرَ بَيْنَ الْإِبِلِ وَغَيْرِهَا، وَالشَّافِعِيُّ لَا يُخَيِّرُ فِيهَا مَعَ إِمْكَانِهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَدَّرَهَا بِالْوَرِقِ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَالشَّافِعِيُّ قَدَّرَهَا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا وَوَافَقَهُ أَنَّ الثَّلَاثَةَ بَدَلٌ مِنَ النَّفْسِ، فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ فَقَدْ خَالَفَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا: التَّخْيِيرُ، فَإِنَّهُ جَعَلَهُ مُخَيَّرًا بَيْنَ الْإِبِلِ وَغَيْرِهَا وَالشَّافِعِيُّ لَا يُخَيِّرُهُ.
وَالثَّانِي: فِي الْبَدَلِ، فَإِنَّهُ جَعَلَ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ بَدَلًا مِنَ النَّفْسِ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ يَجْعَلُهَا بَدَلًا مِنَ الْإِبِلِ.
وَالثَّالِثُ: فِي التَّقْدِيرِ، لِأَنَّهُ يُقَدِّرُ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ لَا يُقَدِّرُهَا، لِأَنَّهُ يَجْعَلُهَا قِيمَةً تَقِلُّ وَتَكْثُرُ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ الدِّيَةُ عَلَى أَهْلِ الْإِبِلِ مِائَةُ بَعِيرٍ، وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، وعلى أهل البقر مائتي بَقَرَةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْغَنَمِ أَلْفُ شَاةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْحُلَلِ مِائَتَا حُلَّةٍ، فَجَعَلُوا لِلدِّيَةِ سِتَّةَ أُصُولٍ، وَنَحْنُ نَبْدَأُ بِتَوْجِيهِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ثُمَّ نَعْدِلُ إِلَى خِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَوَجْهُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ مَا رَوَاهُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابِنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَدِيٍّ قُتِلَ فَجَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - دِيَتَهُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ.
وَرَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَمْرِو ابن حَزْمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ " أَنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بِالْمَرْأَةِ، وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفَ دِينَارٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرَقِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ ".

وَإِذَا صَحَّ هَذَانِ الْحَدِيثَانِ فَالذَّهَبُ وَالْوَرِقُ أَصْلَانِ مُقَدَّرَانِ كَالْإِبِلِ، وَلِأَنَّ مَا اسْتُحِقَّ فِي الدِّيَةِ أَصْلًا مُقَدَّرًا كَالْإِبِلِ.
وَوَجْهُ قَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ مَا رَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ يُقَوِّمُ دِيَةَ الْخَطَأِ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ أَوْ عَدْلِهَا مِنَ الْوَرِقِ وَيُقَوِّمُهَا عَلَى أَثْمَانِ الْإِبِلِ، فَإِذَا قَلَّتِ الْإِبِلُ رَفَعَ في قيمتها، وإذا هانت برخص ... منها نقص فَبَلَغَتِ الدِّيَةُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -[ما بين أربعمائة دينار إلى ثَمَانِمِائَةِ دِينَارٍ] أَوْ عَدْلِهَا ... ". وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَوَّمَ لَمَّا كَثُرَ الْمَالُ وَغَلَتِ الْإِبِلُ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ مِنْ سِتِّمِائَةِ دِينَارٍ إِلَى ثَمَانِمِائَةِ دِينَارٍ، حَكَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي " شَرْحِهِ ". وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ الْحُسَيْنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: كَانَتْ قِيمَةُ الدِّيَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ثَمَانَمِائَةِ دِينَارٍ، وَكَانَتْ كَذَلِكَ حَتَّى اسْتُخْلِفَ عُمَرُ فَغَلَتِ الْإِبِلُ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَ وَقَالَ: أَلَا إِنَّ الْإِبِلَ قَدْ غَلَتْ فَقَضَى يَعْنِي فِي الدِّيَةِ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ بِأَلْفِ دِينَارٍ، وَعَلَى أهل الورق أثنى عشر ألف درهم.
لأن الْإِبِلَ إِذَا كَانَتْ هِيَ الْمُسْتَحَقَّةَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْعُدُولُ عَنْهَا عِنْدَ إِعْوَازِهَا إِلَى قِيمَتِهَا اعْتِبَارًا بِسَائِرِ الْحُقُوقِ وَبِالْحُرِّيَّةِ الْمُقَدَّرَةِ بِالذَّهَبِ إِذَا عَدَلَ عَنْهُ رَجَعَ إِلَى قِيمَتِهِ فَهَذَا تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ.

(فَصْلٌ)

مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يُعْدَلُ عَنْ إِبِلِ الدِّيَةِ إِذَا وُجِدَتْ، وَخَيَّرَ أَبُو حَنِيفَةَ بَيْنَ الْإِبِلِ وَبَيْنَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَضَى بِجَمِيعِهَا فَدَلَّ عَلَى التَّخْيِيرِ فِيهَا وَلِأَنَّ الْعَاقِلَةَ تَتَحَمَّلُهَا مُوَاسَاةً مَكَانَ التَّخْيِيرِ فِيهَا أَرْفَقُ كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَلِأَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ أُصُولُ الْأَمْوَالِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تُجْعَلَ فَرْعًا لِلْإِبِلِ.
وَدَلِيلُنَا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " أَلَا إِنَّ فِي قَتِيلِ الْعَمْدِ الْخَطَأِ بِالسَّوْطِ والعصا مائة من الإبل مغلظة منها أربعون خَلِفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا " فَاقْتَضَى أَنْ تَكُونَ الْإِبِلُ أَصْلًا لَا يَعْدِلُ عَنْهَا إِلَّا بَعْدَ الْعَدَمِ.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " أَكْرِمُوا الْإِبِلَ فَإِنَّ فِيهَا رَقُوءَ الدَّمِ " فَخَصُّهَا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، لِأَنَّهَا تُبْذَلُ فِي الدِّيَةِ فَيُعْفَى بِهَا عَنِ الْقَوَدِ فَدَلَّ عَلَى اختصاصها بالحكم.

وَرَوَى عَطَاءٌ قَالَ: كَانَتِ الدِّيَةُ بِالْإِبِلِ حَتَّى قَوَّمَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: " مَا قَوَّمَهَا إِلَّا قِيمَةَ يَوْمِهَا " وَإِذَا كَانَ الْعُدُولُ عَنْهَا قِيمَةً لَهَا لَمْ تَسْتَحِقَّ الْقِيَمَ إِلَّا بَعْدَ الْعَدَمِ، لِأَنَّ مَا اسْتَحَقَّهُ الْآدَمِيُّونَ مِنْ حُقُوقِ الْأَمْوَالِ إِذَا تَعَيَّنَتْ لَمْ يَدْخُلْهَا تَخْيِيرٌ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ، وَلَيْسَ لِمَا احْتِيجَ بِهِ مِنْ قضاء النبي بِجَمِيعِهَا وَجْهٌ لِاحْتِمَالِ قَضَائِهِ بِذَلِكَ مَعَ الْإِعْوَازِ وَالْعَدَمِ، وَلَا تُوجِبُ الْمُوَاسَاةُ بِهَا التَّخْيِيرَ فِيهَا كَمَا لَا يُخَيَّرُ بَيْنَ مَا سِوَى الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَبَيْنَ غَيْرِهَا مِنَ الْعُرُوضِ وَالسِّلَعِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ " إِنَّهَا أَرْفَقُ ".

(فَصْلٌ)

قَدَّرَ أَبُو حَنِيفَةَ الدِّيَةَ مِنَ الْوَرِقِ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا إِذَا تَقَدَّرَتْ كَانَتِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَقَوَّمَ الشَّافِعِيُّ كُلَّ دِينَارٍ بِاثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا، وَقَوَّمَهُ أَبُو حَنِيفَةَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ اسْتِدْلَالًا بِقَضَاءِ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الدِّيَةِ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ وَبِقَوْلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ: " وَدِدْتُ أَنَّ لِي بِكُلِّ عَشَرَةٍ مِنْكُمْ وَاحِدًا مِنْ بَنِي فِرَاسِ بْنِ غَنْمٍ ". صَرْفَ الدِّينَارَ بِالدَّرَاهِمِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ قِيمَةَ الدِّينَارِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَلِأَنَّ الشَّرْعَ قَدْ قَدَّرَ فِي الزَّكَاةِ وَالسَّرِقَةِ كُلَّ دِينَارٍ فِي مُقَابَلَةِ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ، أَمَّا الزَّكَاةُ فَلِأَنَّ نِصَابَ الذَّهَبِ عِشْرُونَ مِثْقَالًا وَنِصَابَ الْوَرِقِ مِائَتَا دِرْهَمٍ.
وَأَمَّا السَّرِقَةُ فَمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " الْقَطْعُ فِي دِينَارٍ أَوْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ ". وَدَلِيلُنَا مَا رَوَى سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - جَعَلَ الدِّيَةَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ [وَحَدِيثُ عمرو بن حزم أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - جَعَلَ الدِّيَةَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ] ، وَلِأَنَّهُ قَوْلُ سَبْعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ إِنَّهُمْ حَكَمُوا فِي الدِّيَةِ بِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ مِنْهُمُ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَظْهَرْ مُخَالِفٌ فَكَانَ إِجْمَاعًا لَا يُسَوَّغُ خِلَافُهُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَضَى فِي الدِّيَةِ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ قِيلَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ مَا رَوَيْنَاهُ وَقَدْ رَوَاهُ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ وَحَضَرَ السِّيرَةَ فِيهِ فَكَانَ أَثْبَتَ نَقْلًا وَأَصَحَّ عَمَلًا وَلَوْ تَعَارَضَتْ عَنْهُ الرِّوَايَتَانِ كَانَ خَارِجًا مِنْ خِلَافِهِمْ وَوِفَاقِهِمْ، وَلَكَانَ قَوْلُ مَنْ عَدَاهُمْ إجماعاً منعقداً.
فإن قيل فتحمل الاثني عَشَرَ أَلْفًا عَلَى وَزْنِ سِتَّةٍ، وَالْعَشَرَةُ آلَافٍ عَلَى وَزْنِ سَبْعَةٍ، فَيَكُونُ وِفَاقًا فِي الْقَدْرِ وَإِنْ كَانَ خِلَافًا فِي الْعَدَدِ.
قِيلَ: لَيْسَ تُعْرَفُ دَرَاهِمَ الْإِسْلَامِ إِلَّا وِزَانٌ سَبْعَةٌ، وَلَوْ جَازَ لَكُمْ أَنْ تَتَأَوَّلُوهُ عَلَى هَذَا لَجَازَ لَنَا أَنْ نُقَابِلَكُمْ بِمِثْلِهِ فَتَأَوَّلَ مَنْ رَوَى عشرة آلاف درم عَلَى أَنَّهَا وَزْنُ ثَمَانِيَةٍ، وَمَنْ رَوَى اثْنَيْ عشر ألف عَلَى أَنَّهَا وَزْنُ سَبْعَةٍ.

وَقَوْلُهُمْ: إِنِ الدِّينَارَ مَوْضُوعٌ فِي الشَّرْعِ عَلَى مُقَابَلَةِ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ فِي الزَّكَاةِ وَالسَّرِقَةِ فَلَيْسَتِ الزَّكَاةُ أَصْلًا لِلدِّيَةِ، لِأَنَّ نِصَابَ الْإِبِلِ فِيهَا خَمْسٌ، وَنِصَابُ الذَّهَبِ عِشْرُونَ مِثْقَالًا، يَكُونُ الْبَعِيرُ الْوَاحِدُ فِي مُقَابَلَةِ أَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ، وَالدِّيَةُ مِنَ الْإِبِلِ مِائَةُ بَعِيرٍ تَقْتَضِي عَلَى اعْتِبَارِ الزَّكَاةِ أَنْ تَكُونَ الدِّيَةُ مِنَ الذَّهَبِ أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ، وَهَذَا مَدْفُوعٌ بِالْإِجْمَاعِ، فَكَذَلِكَ اعْتِبَارُ نِصَابِ الْوَرِقِ بِنِصَابِ الذَّهَبِ.
وَأَمَّا السَّرِقَةُ فَالْحَدِيثُ فِيهَا مَدْفُوعٌ وَالنَّقْلُ مَرْدُودٌ فِيمَا وَرَدَ فِيهِ فَكَيْفَ يُجْعَلُ أَصْلًا لِغَيْرِهِ وَقَدْ رَوَيْنَا أَنَّهُ قَالَ: " الْقَطْعُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ، أَوْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ " فَأَمَّا الْمُزَنِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ: وَرُجُوعُهُ عَنِ الْقَدِيمِ رَغْبَةً عَنْهُ إِلَى الْجَدِيدِ وَهُوَ أَشْبَهُ بِالسَّنَةِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْقَدِيمُ أَشْبَهَ بِالسُّنَّةِ فَيَكُونُ اخْتِيَارًا لَهُ.
وَالثَّانِي: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْجَدِيدُ أَشْبَهَ بِالسُّنَّةِ فَيَكُونُ اخْتِيَارًا لَهُ وَاللَّهُ أعلم.

(مسألة)

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ وَهِيَ الَّتِي تُبْرِزُ الْعَظْمَ حَتَّى يُقْرَعَ بِالْمِرْوَدِ لِأَنَّهَا عَلَى الْأَسْمَاءِ صَغُرَتْ أَوْ كَبُرَتْ شَانَتْ أَوْ لَمْ تَشِنْ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ شِجَاجَ الرَّأْسِ إِحْدَى عَشْرَةَ شَجَّةً فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ مِنْهَا سِتَّةٌ قَبْلَ الْمُوضِحَةِ وَأَرْبَعَةٌ بَعْدَهَا، وَهِيَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ شَجَّةً في قول آخرين منها ثمانية قبل الموضحة، وَخَمْسٌ بَعْدَهَا، فَأَوَّلُهَا الْحَارِصَةُ، ثُمَّ الدَّامِيَةُ، ثُمَّ الدَّامِغَةُ، ثُمَّ الْبَاضِعَةُ، ثُمَّ الْمُتَلَاحِمَةُ، وَقَدْ يُسَمِّيهَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ الْبَازِلَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ بَيْنَ الْمُوضِحَةِ وَالْهَاشِمَةِ شَجَّةً زَائِدَةً وَهِيَ الْمُفَرِّشَةُ، ثُمَّ الْمُنَقِّلَةُ ثُمَّ الْمَأْمُومَةُ، ثُمَّ الدَّامِغَةُ، وَكَانَ ابْنُ سُرَيْجٍ لَا يَجْعَلُ بَعْدَ الْمَأْمُومَةِ شَيْئًا، وَلَا يُسْتَحَقُّ فِيمَا قَبْلَ الْمُوضِحَةِ وَبَعْدَهَا قِصَاصٌ.
فَأَمَّا الدِّيَةُ الْمُقَدَّرَةُ فَلَا تَجِبُ فِيمَا قَبْلَ الْمُوضِحَةِ، وَيَجِبْ فِيهَا وَفِيمَا بَعْدَهَا فَتَصِيرُ شِجَاجُ الرَّأْسِ مُنْقَسِمَةً ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا لَا يَجِبُ فِيهِ قِصَاصٌ وَلَا دِيَةٌ مُقَدَّرَةٌ وَهُوَ [مَا قَبْلَ الْمُوضِحَةِ.
وَالثَّانِي: مَا يَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ الْمُقَدَّرَةُ وَلَا يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ وَهُوَ مَا بَعْدَ الْمُوضِحَةِ.
وَالثَّالِثُ: مَا يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ وَيَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ الْمُقَدَّرَةُ وَهُوَ] الْمُوضِحَةُ،

وَدِيَةُ الْمُوضِحَةِ مُقَدَّرَةٌ بِخَمْسٍ مِنَ الْإِبِلِ، لِرِوَايَةِ عمرو بن حزم أن فِي كِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ " وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ " وَرَوَاهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَفْظًا سَمِعَهُ مِنْهُ.
وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " فِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ خَمْسٌ " وَإِذَا كَانَ هَذَا ثَابِتًا فَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي الرَّأْسِ أَوْ فِي الْوَجْهِ وَلَا تَجِبُ فِيهَا إِذَا كَانَتْ فِي غَيْرِهَا مِنَ الْبَدَنِ إِلَّا أَرْشٌ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ، فَفَرَّقَ الشَّافِعِيُّ بَيْنَ مُوضِحَةِ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ وَبَيْنَ مُوضِحَةِ الْجَسَدِ، وَسَوَّى بَيْنَ مُوضِحَةِ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَفَرَّقَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ بَيْنَهُمَا فَأَوْجَبَ فِي مُوضِحَةِ الرَّأْسِ خَمْسًا مِنَ الْإِبِلِ، وَفِي مُوضِحَةِ الْوَجْهِ عَشْرًا، وَفَرَّقَ مَالِكٌ بَيْنَهُمَا فَأَوْجَبَ فِي مُوضِحَةِ الرَّأْسِ خَمْسًا وَأَوْجَبَ فِي مُوضِحَةِ الْأَنْفِ خَمْسًا، وَمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ عُمُومِ الْأَخْبَارِ دَلِيلٌ عَلَيْهَا.

(فَصْلٌ)

فَأَمَّا صِفَةُ الْمُوضِحَةِ فَقَدْ قَدَّمْنَاهُ فِي حُكْمِ الْقِصَاصِ مِنْهَا وَهُوَ مَا أَوْضَحَ عَنِ الْعَظْمِ وَأَبْرَزَهُ حَتَّى يُقْرَعَ بِالْمِرْوَدِ وَإِنْ كَانَ الْعَظْمُ غَيْرَ مُشَاهَدٍ بِالدَّمِ الَّذِي يَسْتُرُهُ أَوْ أُوصِلَ الْمِرْوَدُ إِلَيْهِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: " وَهِيَ عَلَى الْأَسْمَاءِ صَغُرَتْ أَوْ كَبُرَتْ " وَهَذَا صَحِيحٌ، وَفِيهَا إِذَا صَغُرَتْ فَكَانَتْ كَالْمُحِيطِ أَوْ كَبُرَتْ فَأَخَذَتْ جَمِيعَ الرَّأْسِ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ، لِأَنَّهَا عَلَى الْأَسْمَاءِ فَاسْتَوَى حُكْمُ صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا كَالْأَطْرَافِ الَّتِي تَتَسَاوَى فِيهَا الدِّيَاتُ وَلَا تَخْتَلِفُ بِالصِّغَرِ وَالْكِبْرِ، وَسَوَاءٌ كَانَتِ الْمُوضِحَةِ فِي مُقَدَّمِ الرَّأْسِ أَوْ مُؤَخَّرِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ فِي جِهَةِ الْوَجْهِ أَوْ فِي لِحْيَتِهِ وَذَقْنِهِ، سَتَرَهَا الشَّعْرُ أَوْ لَمْ يَسْتُرْهَا، قَالَ الشَّافِعِيُّ: " شَانَتْ أَوْ لَمْ تَشِنْ " هَذَا مَذْهَبُهُ أَنَّ فِيهَا خَمْسًا مِنَ الْإِبِلِ فِيمَا شَانَ أَوْ لَمْ يَشِنْ، قَلَّ الشَّيْنُ أَوْ كَثُرَ، وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إِنَّ مُوضِحَةِ الْجَبْهَةِ إِذَا كَثُرَ شَيْنُهَا فِي الْوَجْهِ أَنَّ فِيهَا أَكْثَرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ دِيَتِهَا أَوْ أَرْشِ شَيْنِهَا، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ خَرَّجُوا زِيَادَةَ الشَّيْنِ فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ عَلَى قَوْلَيْنِ: وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ فِي شَيْنِ الرَّأْسِ إِلَّا دِيَتُهَا، وَيَلْزَمُهُ فِي شَيْنِ الْوَجْهِ أَكْثَرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ أَرْشِهَا أَوْ دِيَتِهَا، لِأَنَّ شَيْنَهَا فِي الْوَجْهِ أَقْبَحُ، وَهِيَ مِنَ الْعَيْنِ وَالْخَوْفُ عليها أقرن.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ كَانَ وَسَطَهَا مَا لَمْ يَنْخَرِقْ فَهِيَ

موضحتان فإن قال شَقَقْتُهَا مِنْ رَأْسِي وَقَالَ الْجَانِي بَلْ تَأَكَّلَتْ مِنْ جِنَايَتِي فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّهُمَا وَجَبَتَا لَهُ فَلَا يُبْطِلُهُمَا إِلَّا إِقْرَارُهُ أَوْ بَيِّنَةٌ عَلَيْهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا كَانَ فِي وَسَطِ الْمُوضِحَةِ حَاجِزٌ بَيْنَ طَرَفِهَا لَمْ يَخْلُ ذَلِكَ الْحَاجِزُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ جِلْدَةَ الرَّأْسِ وَمَا تَحْتَهَا مِنَ اللَّحْمِ، فَيَكُونُ هَذَا الْحَاجِزُ فَصْلًا بَيْنَهُمَا فَتَصِيرُ مُوضِحَتَيْنِ، وَيَلْزَمُهُ فِيهِمَا دِيَتَانِ، سَوَاءٌ صَغُرَ الْحَاجِزُ وَدَقَّ أَوْ كَبُرَ وَغَلُظَ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْحَاجِزُ بَيْنَهُمَا لَحْمًا بَعْدَ انْقِطَاعِ الْجِلْدِ عَنْهُ فَصَارَ بِهِ مَا بَقِيَ مِنَ اللَّحْمِ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْجِلْدِ حَارِصَةً أَوْ مُتَلَاحِمَةً فَهِيَ مُوضِحَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ دِيَتِهَا، سَوَاءٌ قَلَّ اللَّحْمُ أَوْ كَثُرَ، انْكَشَفَ عِنْدَ الِانْدِمَالِ أَوْ لَمْ يَنْكَشِفْ، وَهَكَذَا لَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي طَرَفَيِ الْمُوضِحَةِ مَعَ إِيضَاحِ وَسَطِهَا لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا دِيَتُهَا، وَدَخَلَ حُكُومَةُ الْحَارِصَةِ وَالْمُتَلَاحِمَةِ وَالسِّمْحَاقِ فِيهَا، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، لِأَنَّهُ لَوْ أَوْضَحَ مَا لَمْ يُوَضِّحْهُ مِنْهَا لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ دِيَتِهَا فَبِأَنْ لَا يَلْزَمَهُ إِذَا لَمْ يُوَضِّحْهُ أَوْلَى.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْحَاجِزُ بَيْنَهُمَا هُوَ الْجِلْدَ بَعْدَ انْخِرَاقِ مَا تَحْتَهُ مِنَ اللَّحْمِ حَتَّى وُضِعَ بِهِ الْعَظْمُ فَصَارَتْ مُوضِحَتَيْنِ فِي الظَّاهِرِ وَوَاحِدَةً فِي الْبَاطِنِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمَا مُوضِحَتَانِ اعْتِبَارًا بِالظَّاهِرِ فِي الِانْفِصَالِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا مُوضِحَةٌ وَاحِدَةٌ اعْتِبَارًا بِالْبَاطِنِ فِي الِاتِّصَالِ.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ حُكْمِ الْمُوضِحَتَيْنِ بِالْحَاجِزِ بَيْنَهُمَا مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ فَانْخَرَقَ الْحَاجِزُ بَيْنَهُمَا حَتَّى اتَّصَلَتِ الْمُوَضِحَتَانِ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَنْخَرِقَ بِالسِّرَايَةِ الَّتِي تَآكَلَ بِهَا الْحَاجِزُ حَتَّى انْخَرَقَ فَتَكُونَ مُوضِحَةً وَاحِدَةً، لِأَنَّ مَا حدث عن الجناية من سرائة كَانَ مُضَافًا إِلَيْهَا وَالْجَانِي مَأْخُوذٌ بِهَا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَنْخَرِقَ الْحَاجِزُ بِقَطْعِ قَاطِعٍ فَلَا يَخْلُو حَالُ قَاطِعِهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ هُوَ الْجَانِيَ يَعُودُ فَيَقْطَعُهُ فَتَكُونُ مُوضِحَةً وَاحِدَةً، لِأَنَّ أَفْعَالَ الْجَانِي يُبْنَى بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ ثُمَّ عَادَ فَقَتَلَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَوْ قَتَلَهُ غَيْرُهُ لَزِمَهُ دِيَتَانِ فِي الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَقْطَعَهُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ فَيَلْزَمُ الْجَانِيَ مُوضِحَتَانِ، لِأَنَّ فِعْلَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لَا يُبْنَى عَلَى فِعْلِ الْجَانِي كَمَا لَوْ قَطَعَ الْجَانِي يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَقَتَلَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ نَفْسَهُ كَانَ عَلَى الْجَانِي دِيَتَانِ فِي الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ.

وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَقْطَعَهُ حَتَّى يَنْخَرِقَ بِجِنَايَتِهِ الْحَاجِزَ الَّذِي بَيْنَهُمَا فَتَكُونُ ثَلَاثَ مَوَاضِعَ يَلْزَمُ الْأَوَّلَ مِنْهَا مُوضِحَتَانِ، وَيَلْزَمُ الثَّانِي مُوضِحَةٌ وَاحِدَةٌ، لِأَنَّ فِعْلَ أَحَدِهِمَا لَا يُبْنَى عَلَى فِعْلِ الْآخَرِ، وَفِعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَضْمُونٌ، كَمَا لَوْ قَطَعَ الْأَوَّلُ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَقَتَلَهُ الثَّانِي، كَانَ عَلَى الْأَوَّلِ دِيَتَانِ فِي الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، وَعَلَى الثَّانِي دِيَةُ النَّفْسِ، فَلَوِ اخْتَلَفَا بَعْدَ زَوَالِ الْحَاجِزِ الَّذِي بَيْنَهُمَا فَقَالَ الْجَانِي: أَنَا قَطَعْتُهُ أَوِ انْخَرَقَ بِالسِّرَايَةِ فَلَيْسَ عَلَيَّ إِلَّا مُوضِحَةٌ وَاحِدَةٌ، وَقَالَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ: أَنَا قَطَعْتُهُ أَوْ قَطَعَهُ أَجْنَبِيٌّ فَعَلَيْكَ مُوضِحَتَانِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ إِذَا عَدِمَ الْجَانِي الْبَيِّنَةَ، لِأَنَّنَا عَلَى يَقِينٍ مِنِ اسْتِحْقَاقِ الْمُوضِحَتَيْنِ بِابْتِدَاءِ الْجِنَايَةِ وَفِي شَكٍّ مِنْ سُقُوطِ إِحْدَاهُمَا، فَاعْتُبِرَ حُكْمُ الْيَقِينِ دُونَ الشَّكِّ، كَمَا لَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ ثُمَّ مَاتَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ فَاخْتَلَفَ الْجَانِي وَالْوَلِيُّ، فَقَالَ الْوَلِيُّ: مَاتَ مِنْ غَيْرِ جِنَايَتِكَ فَعَلَيْكَ دِيَتَانِ، وَقَالَ الْجَانِي: مَاتَ مِنْ جِنَايَتِي فَعَلَيَّ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ وَأَمْكَنَ مَا قَالَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَلِيِّ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَهُ دِيَتَانِ لِوُجُوبِهِمَا بِابْتِدَاءِ الْجِنَايَةِ.

(فَصْلٌ)

وَإِذَا شَجَّهُ مُوضِحَةً أَخَذَتْ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ وَأَعْلَى جَبْهَتِهِ فَصَارَ بِهَا مُوضِحًا لِرَأْسِهِ وَجَبْهَتِهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمَا مُوضِحَتَانِ وَيَلْزَمُهُ دِيَتَاهُمَا، لِأَنَّهُمَا عَلَى عُضْوَيْنِ فَانْفَرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِحُكْمِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا مُوضِحَةٌ وَاحِدَةٌ لِاتِّصَالِ بَعْضِهَا بِبَعْضِ فَلَمْ يَنْفَصِلْ حُكْمُهُمَا بِالْمَحَلِّ، وَلَوْ شَجَّهُ مُوضِحَةً أَخَذَتْ مُؤَخَّرَ رَأْسِهِ وَأَعْلَى قَفَاهُ فَصَارَ بِهَا مُوضِحًا لِرَأْسِهِ وَقَفَاهُ لَزِمَهُ دِيَةُ الْمُوضِحَةِ فِي رَأْسِهِ وَحُكُومَةُ الْمُوضِحَةِ فِي قَفَاهُ وَجْهًا وَاحِدًا، لِأَنَّهُمَا عُضْوَانِ وَلِمُوضِحَتِهِمَا حُكْمَانِ، لِأَنَّ فِي مُوضِحَةِ الرَّأْسِ دِيَةٌ وَفِي مُوضِحَةِ الْقَفَا حُكُومَةٌ فَلَمْ يَتَدَاخَلَا مَعَ اخْتِلَافِ حُكْمِهِمَا وَمَحَلِّهِمَا، وَلَوْ شَجَّهُ مُوضِحَةً فِي طَرَفَيْهَا مَا دُونَ الْمُوضِحَةِ تَدَاخَلَا وَلَزِمَهُ دِيَةُ الْمُوضِحَةِ وَإِنْ كَانَ مَا دُونَهَا مُخَالِفًا لِحُكْمِهَا لَوِ انْفَرَدَ، لِأَنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ حَالِ الْمُوضِحَةِ أَنْ يَنْدَرِجَ طَرَفَاهَا حَتَّى يُوضِحَ وَسَطَهَا فَأَلْحَقَ الطَّرَفَانِ بِالْوَسَطِ فِي الْعُضْوِ الْوَاحِدِ وَهِيَ مُتَّصِلَةٌ فَهِيَ مُوضِحَتَانِ يَلْزَمُهُ أَرْشُهُمَا وَجْهًا وَاحِدًا، لِأَنَّ مَحَلَّهُمَا مُخْتَلِفٌ وَأَرْشُهُمَا مختلف، لأن فِي مَوَاضِعِ الْجَسَدِ حُكُومَةً تَخْتَلِفُ أَرْشَهَا بِاخْتِلَافِ الشَّيْنِ فَلَمْ يَتَدَاخَلْ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ مَعَ اختلاف المحل والأرش.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " فِي الْهَاشِمَةِ عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ وَهِيَ الَّتِي تُوضِحُ وَتُهَشِّمُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْهَاشِمَةُ فَهِيَ الَّتِي أَوْضَحَتْ عَنِ الْعَظْمِ وَهَشَمَتْهُ حَتَّى كَسَرَتْهُ

وَفِيهَا عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: فِيهَا دِيَةُ الْمُوضِحَةِ وَحُكُومَةٌ فِي الْهَشْمِ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَدَّرَ دِيَةَ الْمُوضِحَةِ بِخَمْسٍ وَدِيَةَ الْمُنَقِّلَةِ بِخَمْسَ عَشْرَةَ، وَأَغْفَلَ الْهَاشِمَةَ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْمُقَدَّرَةُ فِيهَا مَا قَدَّرَهُ دُونَ مَا أَغْفَلَهُ.
وَدَلِيلُنَا: أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَدَّرَ الْهَاشِمَةَ عَشْرًا مِنَ الْإِبِلِ وَلَيْسَ يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ فَكَانَ إِجْمَاعًا، وَلِأَنَّهُ لَمَّا كَانَتِ الْمُوضِحَةُ ذَاتَ وَصْفٍ وَاحِدٍ وَفِيهَا خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ وَكَانَتِ الْمُنَقِّلَةُ ذَاتَ ثَلَاثَةِ أَوْصَافِ إِيضَاحٍ، وَهَشْمٍ، وَتَنْقِيلٍ، وَفِيهَا خَمْسَ عَشْرَةَ وَجَبَ إِذَا كَانَتِ الْهَاشِمَةُ ذَاتَ وَصْفَيْنِ أَنْ تَكُونَ دِيَتُهَا بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ فَيَكُونُ فِيهَا عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ كَالَّذِي قُلْنَاهُ فِي نَفَقَةِ الْمُوسِرِ إِنَّهَا " مُدَّانِ " وَنَفَقَةُ الْمُعْسِرِ إِنَّهَا " مُدٌّ "، فَأَوْجَبْنَا نَفَقَةَ الْمُتَوَسِّطِ مُدًّا وَنِصْفًا، لِأَنَّهُ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ، وَلِأَنَّ كَسْرَ الْعَظْمِ بِالْهَشْمِ مُلْحَقٌ بِكَسْرِ مَا تَقَدَّرَتْ دِيَتُهُ مِنَ السِّنِّ وَفِيهِ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ، فَكَذَلِكَ فِي الْهَشْمِ، فَصَارَ مَعَ الْمُوضِحَةِ عَشْرًا.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ فِي الْهَاشِمَةِ عَشْرًا مِنَ الْإِبِلِ فَلَوْ هَشَمَ وَلَمْ يُوضِحْ فَفِيهِ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَأَوْجَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي الْهَاشِمَةِ إِذَا انْفَرَدَ حُكُومَةً كَهَشْمِ أَعْضَاءِ الْبَدَنِ، وَهَذَا فَاسِدٌ، لِأَنَّهَا لَمَّا لَمْ تَتَقَدَّرْ مُوضِحَةُ الْخَدِّ وَهَاشِمَتُهُ لَمْ يَتَقَدَّرِ انْفِرَادُ هَشْمِهِ وَلَمَّا تَقَدَّرَتْ مُوضِحَةُ الرَّأْسِ وَهَاشِمَتُهُ تَقَدَّرَ انْفِرَادُ هَشْمِهِ، وَهَذَا الْهَشْمُ مِمَّا لَا يُرَى فَلَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ إِلَّا بِإِقْرَارِ الْجَانِي أَوْ شَهَادَةِ عَدْلَيْنِ مِنَ الطِّبِّ يَشْهَدَانِ بِاخْتِيَارِ الشَّجَّةِ أَنَّ فِيهَا هَشْمًا يَقْطَعَانِ بِهِ، فَلَوْ أَوْضَحَ وَهَشَمَ فَأَرَادَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَنْ يَقْتَصَّ مِنَ الْمُوضِحَةِ فِي الْعَمْدِ حُكِمَ لَهُ بِالْقِصَاصِ وَأُغْرِمَ دِيَةَ الْهَشْمِ خَمْسًا مِنَ الْإِبِلِ، وَلَوْ شَجَّهُ هَاشِمَتَيْنِ عَلَيْهِمَا مُوضِحَةٌ وَاحِدَةٌ كَانَتَا هَاشِمَتَيْنِ وَعَلَيْهِ دِيَتَاهُمَا، لِأَنَّهُ زَادَ إِيضَاحَ مَا لَا هَشْمَ تَحْتَهُ، وَلَوْ أَوْضَحَهُ مُوضِحَتَيْنِ تَحْتَهُمَا هَاشِمَةٌ وَاحِدَةٌ كَانَتْ مُوضِحَتَيْنِ، لِأَنَّهُ قَدْ زَادَهُ هَشْمَ مَا لَا إِيضَاحَ عَلَيْهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا هَشْمٌ فِي الْبَاطِنِ دُونَ الظَّاهِرِ فَهَلَّا كَانَ عَلَى وَجْهَيْنِ كَالْمُوضِحَةِ فِي الْبَاطِنِ دُونَ الظَّاهِرِ؟ قِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا امْتِزَاجُ اللَّحْمِ بِالْجِلْدِ فِي الْمُوضِحَةِ، وَانْفِصَالُ الْعَظْمِ عَنِ اللَّحْمِ وَالْجِلْدِ فِي الْهَاشِمَةِ.

(فَصْلٌ)

وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ قَدْ جَعَلَ بين الموضحة والهاشمة شجة تسمى المفرشة وهي الْمُوضِحَةُ إِذَا اقْتَرَنَ بِهَا صُدَاعٌ، فَيُنْظَرُ فِي الصُّدَاعِ الْحَادِثِ عَنْهَا، فَإِنِ انْقَطَعَ وَلَمْ يَدُمْ فَلَا شَيْءَ فِيهِ سِوَى دِيَةِ الْمُوضِحَةِ، كَمَا لَوْ ضَرَبَهُ فَآلَمَهُ وَإِنِ اسْتَدَامَ الصُّدَاعُ عَلَى الْأَبَدِ وَلَمْ يَسْكُنْ كَانَ فِيهِ مَعَ دِيَةِ الموضحة حكومة لا تبلع زِيَادَةَ الْهَاشِمَةِ، لِأَنَّهُ بِالِاسْتِدَامَةِ قَدْ صَارَ

كَالْجُرْحِ الثَّابِتِ، فَإِنْ كَانَ يَضْرِبُ فِي زَمَانٍ وَيَسْكُنُ فِي زَمَانٍ نُظِرَ، فَإِنْ عُلِمَ أَنَّ عَوْدَ الصُّدَاعِ مِنَ الْمُوضِحَةِ كَانَ فِيهِ حُكُومَةٌ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ مِنْ غَيْرِهَا فَلَا حُكُومَةَ فِيهِ [وَلَا فِيمَا تَقَدَّمَهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَدُمْ، وَإِنْ شَكَّ فِيهِ فَلَا حُكُومَةَ فِيهِ] لِأَنَّهَا لَا تَجِبُ بِالشَّكِّ.

(فَصْلٌ)

وَإِذَا شَجَّهُ فَهَشَمَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ وَأَعْلَى جَبْهَتِهِ فَصَارَ هَاشِمًا لِرَأْسِهِ وَجَبْهَتِهِ كَانَ عَلَى وَجْهَيْنِ كَمَا قُلْنَا فِي الْمُوضِحَةِ: أَحَدُهُمَا: تَكُونُ هَاشِمَتَيْنِ، لِأَنَّهَا عَلَى عُضْوَيْنِ: وَالثَّانِي: تَكُونُ هَاشِمَةً وَاحِدَةً لِاتِّصَالِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، وَلَوْ شَجَّهُ فَأَوْضَحَ رَأْسَهُ وَهَشَمَ جَبْهَتَهُ، أَوْ هَشَمَ رَأْسَهُ وَأَوْضَحَ جَبْهَتَهُ كَانَ مَأْخُوذًا بِدِيَةِ مُوضِحَةٍ فِي إِحْدَاهُمَا وَبِهَاشِمَةٍ فِي الْأُخْرَى، لِأَنَّ مَحَلَّهَا مُخْتَلِفٌ وَدِيَتَهَا مُخْتَلِفَةٌ فَلَمْ يَتَدَاخَلَا مَعَ اختلاف المحل والدية.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَفِي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنَ الْإِبِلِ وَهِيَ الَّتِي تَكْسِرُ عَظْمَ الرَّأْسِ حَتَّى يَتَشَظَّى فَيُنْقَلُ من عظامه ليلتئم ". قال الماوردي: أما المنقلة فهي التي تهشم العظم حتى يتشظى فينتقل حتى يلتئم.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: تُسَمَّى الْمَنْقُولَةَ أَيْضًا، وَفِيهَا خَمْسَ عَشْرَةَ مِنَ الْإِبِلِ، وَقَدِ انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ، لِرِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " فِي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنَ الْإِبِلِ ". وَرَوَى عمرو بن حزم أن فِي كِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ: " فِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ وَفِي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ " فَلَوْ أَرَادَ الْقِصَاصَ مِنَ الْمُوضِحَةِ سَقَطَ بِالْقِصَاصِ دِيَتُهَا وَهِيَ خَمْسٌ، وَوَجَبَ الْبَاقِي مِنْ دِيَتِهَا وَذَلِكَ عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ فِي الْهَشْمِ وَالتَّنْقِيلِ، وَلَوْ شَجَّهُ مُنَقِّلَةً لَا إِيضَاحَ عَلَيْهَا لَزِمَهُ كَمَالُ دِيَتِهَا بِخِلَافِ الْهَاشِمَةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا إِيضَاحٌ، لِأَنَّ الْمُنَقِّلَةَ لَا بُدَّ مِنْ إِيضَاحِهَا لِتَنْقِيلِ الْعَظْمِ الَّذِي فِيهَا فَصَارَ الْإِيضَاحُ عَائِدًا إِلَى جَانِبِهَا فَلَزِمَهُ جَمِيعُ دِيَتِهَا، وَالْهَاشِمَةُ، لَا تَفْتَقِرُ إِلَى إِيضَاحٍ فَلَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا قَدْرُ مَا جَنَى فِيهَا، وَإِذَا شَجَّهُ فِي رَأْسِهِ شَجَّةً مُتَّصِلَةً كَانَ بَعْضُهَا مُوضِحَةً وَبَعْضُهَا هَاشِمَةً وَبَعْضُهَا مُنَقِّلَةً كَانَ جَمِيعُهَا مُنَقِّلَةً لَا يُؤْخَذُ أَكْثَرُ مِنْ دِيَتِهَا، لِأَنَّهَا غَايَةُ

جِنَايَتِهِ الَّتِي تَنْدَرِجُ حَالًا بَعْدَ حَالٍ، وَسَوَاءٌ فِي دِيَةِ الْمُنَقِّلَةِ أَنْ يَتَشَظَّى عَظْمُهَا فَلَا يُعَادُ أَوْ يَتَشَظَّى فَيُعَادُ بِعَيْنِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ أَنَّ فِي جَمِيعِهَا خَمْسَ عَشْرَةَ مِنَ الْإِبِلِ، كما يجب في ذلك في صغير الْمُوضِحَةِ وَكِبَرِهَا، وَإِذَا انْتَقَلَتِ الشَّجَّةُ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ رَأْسِهِ وَقَدِ اتَّصَلَ إِيضَاحُهَا كَانَتْ مُنَقِّلَتَيْنِ كَمَا قُلْنَا فِي الْهَاشِمَتَيْنِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الفرق، والله أعلم.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَذَلِكَ كُلُّهُ فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ وَاللَّحْيِ الْأَسْفَلِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: يَعْنِي تَقْدِيرَ دِيَةِ الْمُوضِحَةِ بِخَمْسٍ وَالْهَاشِمَةِ بِعَشْرٍ، وَالْمُنَقِّلَةِ بِخَمْسَ عَشْرَةَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ وَاللَّحْيِ الْأَسْفَلِ، فَأَمَّا فِي الْجَسَدِ وَمَا قَارَبَ الرَّأْسَ مِنَ الْعُنُقِ فَلَا يَتَقَدَّرُ فِيهِ دِيَةُ الْمُوضِحَةِ وَلَا دِيَةُ الْهَاشِمَةِ، وَلَا دِيَةُ الْمُنَقِّلَةِ وَيَجِبُ فِيهَا حُكُومَةٌ لَا يَبْلُغَ بِأَرْشِ مُوضِحِهَا خَمْسًا وَلَا بِأَرْشِ هَاشِمَتِهَا عَشْرًا، وَلَا بِأَرْشِ مُنَقِّلَتِهَا خَمْسَ عَشْرَةَ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا عَلَى الرَّأْسِ أخوف.
والثاني: أن شينها فيه أقبح، ويتغلظ هذه الشجاج في الرأس بالعمد، ويتخفف بِالْخَطَأِ، وَلَا تَتَغَلَّظُ فِي الْجَسَدِ بِعَمْدٍ وَلَا خَطَأٍ، لِأَنَّ التَّغْلِيظَ يَخْتَصُّ بِالْمُقَدَّرِ مِنَ الدِّيَاتِ وَلَا يَدْخُلُ فِيهَا مَا لَا يَتَقَدَّرُ مِنْ أُرُوشِ الْجِنَايَاتِ، فَيَتَغَلَّظُ خُمْسُ الْمُوضِحَةِ بِالْأَثْلَاثِ، فَيَكُونُ فِيهَا خِلْفَتَانِ، وَجَذَعَةٌ وَنِصْفٌ، وَحِقَّةٌ وَنِصْفٌ، فَتُخَفَّفُ فِيهَا بِالْأَخْمَاسِ فَيَكُونُ فِيهَا جَذَعَةٌ وَحِقَّةٌ، وَبِنْتُ لَبُونٍ، وَابْنُ لَبُونٍ، وَبِنْتُ مَخَاضٍ، وَتَتَغَلَّظُ غَيْرُ الْهَاشِمَةِ بِالْأَثْلَاثِ فَيَكُونُ فِيهَا أَرْبَعُ خُلُفَاتٍ، وَثَلَاثُ جِذَاعٍ وَثَلَاثُ حِقَاقٍ، وَيُتَخَفَّفُ بِالْأَخْمَاسِ فَيَكُونُ فِيهَا جَذَعَتَانِ، وَحِقَّتَانِ، وَبِنْتَا لَبُونٍ، وَابْنَا لَبُونٍ، وَبِنْتَا مَخَاضٍ، وَيَتَغَلَّظُ فِي خَمْسَ عَشْرَةَ فِي الْمُنَقِّلَةِ بِالْأَثْلَاثِ فَيَكُونُ فِيهَا سِتُّ خَلِفَاتٍ، وَأَرْبَعُ حِقَاقٍ وَنِصْفٌ، وَأَرْبَعُ جِذَاعٍ وَنِصْفٌ، وَيُتَخَفَّفُ فِيهَا بِالْأَخْمَاسِ فَيَكُونُ فِيهَا ثَلَاثَةُ جِذَاعٍ، وَثَلَاثُ حِقَاقٍ، وَثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَثَلَاثَةُ بَنِي لَبُونٍ، وَثَلَاثُ بَنَاتِ مَخَاضٍ، وَعَلَى غَيْرِ هَذَا فِيمَا زَادَ وَنَقَصَ فِيمَا يُقَدَّرُ مِنْ دِيَاتِ الْأَعْضَاءِ وَالْأَطْرَافِ.
(مَسْأَلَةٌ) قال الشافعي رضي الله عنه: " وفي المأمومة ثلث النفس وَهِيَ الَّتِي تَخْرِقُ إِلَى جِلْدِ الدِّمَاغِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْمَأْمُومَةُ فَهِيَ الْوَاصِلَةُ إِلَى أُمِّ الرَّأْسِ، وَأُمُّ الرَّأْسِ هِيَ الْغِشَاوَةُ الْمُحِيطَةُ بِمُخِّ الدِّمَاغِ وَتُسَمَّى الْأُمَّةَ.
وَأَمَّا الدَّامِغَةُ فَهِيَ الَّتِي خَرَقَتْ غِشَاوَةَ الدِّمَاغِ حَتَّى وَصَلَتْ إِلَى مُخِّهِ، وَفِيهَا جَمِيعًا ثُلُثُ الدِّيَةِ لَا تُفَضَّلُ دِيَةُ الدَّامِغَةِ عَلَى دِيَةِ الْمَأْمُومَةِ، وَإِنْ كُنْتُ أَرَى أَنْ يَجِبَ تَفْضِيلُهَا

بِزِيَادَةِ حُكُومَةٍ فِي خَرْقِ غِشَاوَةِ الدِّمَاغِ، لِأَنَّهُ وَصْفٌ زَائِدٌ عَلَى صِفَةِ الْمَأْمُومَةِ وَإِنْ لَمْ يُحْكَ عَنِ الشَّافِعِيِّ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَةَ ثُلُثُ الدِّيَةِ حَدِيثَانِ: أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: فِي " الْآمَّةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ ". وَالْآخَرُ: حَدِيثُ عَمْرُو بْنُ حَزْمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ فِي كِتَابِهِ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ: " وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ " وَلِأَنَّهَا وَاصِلَةٌ إِلَى جَوْفٍ فَأَشْبَهَتِ الْجَائِفَةَ، فَلَوْ أَرَادَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَنْ يَقْتَصَّ مِنَ الْإِيضَاحِ سَقَطَ مِنْ دِيَتِهَا إِذَا اقتص دية الموضحة خمس مِنَ الْإِبِلِ وَأَخْذَ بِالْبَاقِي مِنْهَا وَهُوَ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ بَعِيرًا وَثُلُثٌ، فَلَوْ شَجَّهُ رَجُلٌ مُوضِحَةً وَهَشَمَهُ ثَانٍ بَعْدِ الْإِيضَاحِ وَنَقَلَهُ ثَالِثٌ بَعْدِ الْهَشْمِ وَأَمَّهُ رَابِعٌ بَعْدِ التَّنْقِيلِ كَانَ عَلَى الأول دية الموضحة خمس مِنَ الْإِبِلِ وَعَلَى الثَّانِي مَا زَادَ عَلَيْهَا مِنْ دِيَةِ الْهَاشِمَةِ وَهِيَ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَعَلَى الثَّالِثِ مَا زَادَ عَلَيْهَا مِنْ دِيَةِ الْمُنَقِّلَةِ وَهِيَ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَعَلَى الرَّابِعِ مَا زَادَ عَلَيْهَا مِنْ دِيَةِ الْمَأْمُومَةِ وَهِيَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ بَعِيرًا وَثُلُثٌ، فَإِنْ أُرِيدَ الْقِصَاصُ اقْتُصَّ مِنَ الْأَوَّلِ الْمُوضِحِ دُونَ مَنْ عَدَاهُ، وَأُخِذَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ دِيَةِ جِنَايَتِهِ، وَلَوْ جَرَحَهُ فِي وَجْنَتِهِ مِنْ وَجْهِهِ جِرَاحَةً حَرَقَتِ الْجِلْدَ وَاللَّحْمَ وَهَشَمَتِ الْعَظْمَ وَتنَقَلَّ الْعَظْمُ إِلَى أَنْ وَصَلَتْ إِلَى الْأُمِّ أَوْ كَانَتْ فِي إِحْدَى الْحِصَّتَيْنِ فَخَرَقَتْ كَذَلِكَ حَتَّى وَصَلَتْ إِلَى الْفَمِ فَفِيهَا قَوْلَانِ حَكَاهُمَا أَبُو حَامِدٍ الْمَرْوَزِيُّ فِي " جَامِعِهِ ". أَحَدُهُمَا: إِنَّهَا مَأْمُومَةٌ يَجِبُ فِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَيَكُونُ وُصُولُهَا إِلَى الْفَمِ كَوُصُولِهَا إِلَى الدِّمَاغِ لِأَنَّهَا عَمِلَتْ عَمَلَ الْمَأْمُومَةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّهُ يَجِبُ فِيهَا دِيَةُ مُنْتَقِلَةٍ وَزِيَادَةُ حُكُومَةٍ فِي وُصُولِهَا إِلَى الْفَمِ لَا يَبْلُغُ بِهَا دِيَةَ الْمَأْمُومَةِ، لِأَنَّ وَصُولَ الْمَأْمُومَةِ إِلَى الدِّمَاغِ أَخْوَفُ عَلَى النَّفْسِ مِنْ وُصُولِهَا إِلَى الْفَمِ فَلَمْ يَبْلُغْ بِدِيَةِ مَا قَلَّ خَوْفُهُ دِيَةَ مَا هُوَ أخوف.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَمْ أَعْلَمْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حَكَمَ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ بِشَيْءٍ فَفِيمَا دُونَهَا حُكُومَةٌ لَا يَبْلُغُ بِهَا قَدْرَ مُوَضِحَةٍ وَإِنْ كَانَ الشَّيْنُ أَكْثَرَ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا شجاج الرأس قبل الموضحة وأنها ست.
الحارصة: وَهِيَ الَّتِي تَشُقُّ الْجِلْدَ، ثُمَّ الدَّامِيَةُ، وَهِيَ الَّتِي يُدْمَى بِهَا مَوْضِعُ الشَّقِّ.
ثُمَّ الدَّامِغَةُ، وهي التي يدفع مِنْهَا الدَّمُ.
ثُمَّ الْبَاضِعَةُ وَهِيَ الَّتِي تُبَضِّعُ اللَّحْمُ فَتَشُقُّهُ.
ثُمَّ الْمُتَلَاحِمَةُ وَهِيَ الَّتِي تَمُورُ فِي اللَّحْمِ حَتَّى تَنْزِلَ فِيهِ وَقَدْ تُسَمَّى البازلة، ومنهم

مَنْ جَعَلَ الْبَازِلَةَ شَجَّةً زَائِدَةً بَيْنَ الْبَاضِعَةِ وَالْمُتَلَاحِمَةِ فَيَجْعَلُ مَا قَبْلَ الْمُوضِحَةِ سَبْعًا.
ثُمَّ السِّمْحَاقُ وَهِيَ الَّتِي تَمُورُ جَمِيعَ اللَّحْمِ حَتَّى تَصِلَ إِلَى سِمْحَاقِ الرَّأْسِ وَهِيَ جِلْدَةٌ تَغْشَى عَظْمَ الدِّمَاغِ، وَيُسَمِّيهَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ الْمِلْطَاةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا بَيْنَ الْمُتَلَاحِمَةِ وَالسِّمْحَاقِ فَيَجْعَلُ شِجَاجَ مَا قَبْلَ الْمُوضِحَةِ ثَمَانِيًا، وَلَا أَعْرِفُ لِهَذِهِ الْمِلْطَاةِ حَدًّا يَزِيدُ عَلَى الْمُتَلَاحِمَةِ وَتَنْقُصُ عَنِ السمحاق فيصر وَسَطًا بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الشِّجَاجِ الَّتِي قَبْلَ الْمُوضِحَةِ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ بِالنَّصِّ، وَأَوَّلُ الشِّجَاجِ الَّتِي وَرَدَ النَّصُّ بِتَقْدِيرِ أَرْشِهَا الْمُوضِحَةُ لِانْتِهَائِهَا إِلَى حَدٍّ مُقَدَّرٍ فَصَارَ أَرْشُهَا مُقَدَّرًا كَالْأَطْرَافِ، وَإِذَا لَمْ يَتَقَدَّرْ أَرْشُ مَا قَبْلَ الْمُوضِحَةِ نَصًّا فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ، وَقَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِهِ: أَنَّ فِيهَا حُكُومَةً يَخْتَلِفُ قَدْرُهَا بِاخْتِلَافِ شَيْنِهَا تَتَقَدَّرُ بِالِاجْتِهَادِ وَلَا يَصِيرُ مَا قَدَّرُهُ الِاجْتِهَادُ فِيهَا مُقَدَّرًا مُعْتَبَرًا فِي غَيْرِهَا، لِجَوَازِ زِيَادَةِ الشَّيْنِ وَنُقْصَانِهِ، فَإِذَا أَفْضَى الِاجْتِهَادُ فِي حُكُومَةٍ أَرْشُهَا إِلَى مِقْدَارٍ يَنْقُصُ مِنْ دِيَةِ الْمُوضِحَةِ عَلَى مَا سَنَصِفُهُ مِنْ صِفَةِ الِاجْتِهَادِ أَوْجَبْنَا جَمِيعَهُ، وَإِنْ زَادَ عَلَى دِيَةِ الْمُوضِحَةِ أَوْ سَاوَاهَا لَمْ يُحْكَمْ بِجَمِيعِهِ وَنُقِصَ مِنْ دِيَةِ الْمُوضِحَةِ بِحَسَبِ مَا يُؤَدِّيهِ الِاجْتِهَادُ إِلَيْهِ، لِأَنَّ شَيْنَهَا لَوْ كَانَ فِي مُوضِحَةٍ لَمْ يَزِدْ عَلَى دِيَتِهَا، فَإِذَا كَانَ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ وَجَبَ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ دِيَتِهَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ يَجِبُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ أَكْثَرُ مِنَ الدِّيَةِ وَإِنْ لَمْ يَجِبْ فِي النَّفْسِ إِلَّا الدِّيَةُ فَهَلَّا وَجَبَ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ بِحَسَبِ الشَّيْنِ أَكْثَرُ مِمَّا يَجِبُ فِي الْمُوضِحَةِ.
قِيلَ: لِأَنَّ مَا دُونُ الْمُوضِحَةِ بَعْضُ الْمُوضِحَةِ وَبَعْضُهَا لَا يُكَافِئُهَا وَلَيْسَتِ الْأَطْرَافُ بَعْضَ النَّفْسِ، لِأَنَّ النَّفْسَ لَا تَتَبَعَّضُ فَجَازَ أَنْ يَجِبَ فِيهَا أَكْثَرُ مِمَّا يَجِبُ فِي النَّفْسِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ أَنَّ أُرُوشَهَا مُقَدَّرَةٌ بِالِاجْتِهَادِ كَمَا تَقَدَّرَتِ الْمُوضِحَةُ وَمَا فَوْقَهَا بِالنَّصِّ وَلَا يَمْتَنِعُ إِثْبَاتُ الْمَقَادِيرِ اجْتِهَادًا كَمَا تُقَدَّرُ الْقُلَّتَانِ بِخَمْسِمِائَةِ رِطْلٍ اجْتِهَادًا، فَجَعَلَ فِي الْحَارِصَةِ بَعِيرًا وَاحِدًا، وَجَعَلَ فِي الدَّامِيَةِ وَالدَّامِغَةِ بَعِيرَيْنِ، وَجَعَلَ فِي الْبَاضِعَةِ، وَالْبَازِلَةِ، وَالْمُتَلَاحِمَةِ ثَلَاثَةَ أَبْعِرَةٍ، وَجَعَلَ فِي الْمِلْطَاةِ، وَالسِّمْحَاقِ أَرْبَعَةَ أَبْعِرَةٍ، لِأَنَّهَا أَقْرَبُ الشِّجَاجِ مِنَ الْمُوضِحَةِ، فَكَانَ أَرْشُهَا أَقْرَبَ الْأُرُوشِ إِلَى دِيَةِ الْمُوضِحَةِ، وَلَمَّا كَانَتِ الْحَارِصَةُ أَوَّلَ الشِّجَاجِ كَانَ فِيهَا أَوَّلُ مَا فِي الْمُوضِحَةِ وَكَانَ فِيمَا بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ مَا يَقْتَضِيهِ قُرْبَةً مِنْ أَحَدِهِمَا فَلِذَلِكَ رَتَّبَهُ فِي التَّقْدِيرِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُسْتَقِرًّا بالظاهر فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَا دَخَلَهُ الِاجْتِهَادُ بِحَسَبِ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ كَانَ حُكْمُهُ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ جَازَ أَنْ يَسْتَقِرَّ الِاجْتِهَادُ فِيهِ بِمِقْدَارٍ مَحْدُودٍ لَا يُزَادُ عَلَيْهِ ولا ينقص

مِنْهُ لَكَانَ اجْتِهَادُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِيهِ أَمْضَى وَتَقْدِيرُهُمْ لَهُ أَلْزَمَ، وَقَدْ رَوَى سعيد ابن الْمُسَيَّبِ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ أَنَّهُمَا قَضَيَا فِي الْمِلْطَاةِ وَالسِّمْحَاقِ بِنِصْفِ مَا فِي الْمُوضِحَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: حَكَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنْ يُعْتَبَرَ قَدْرُ مَا انْتَهَتْ إِلَيْهِ فِي اللَّحْمِ مِنْ مِقْدَارِ مَا بَلَغَتْهُ الْمُوضِحَةُ حَتَّى وَصَلَتْ إِلَى الْعَظْمِ إِذَا أَمْكَنَ، فَإِذَا عُرِفَ مِقْدَارُهُ مِنْ رُبُعٍ أَوْ ثُلُثٍ أَوْ نِصْفٍ كَانَ فِيهِ بِقَدْرِ ذَلِكَ مِنْ دِيَةِ الْمُوضِحَةِ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ النِّصْفُ وَشَكَّ فِي الزِّيَادَةِ اعْتَبَرَ شَكَّهُ بِتَقْوِيمِ الْحُكُومَةِ، فَإِنْ زَادَ عَلَى النِّصْفِ وَبَلَغَ الثُّلُثَيْنِ زَالَ حُكْمُ الشَّكِّ فِي الزِّيَادَةِ بِإِثْبَاتِهَا وَحُكِمَ بِهَا، وَلَزِمَ ثُلُثَا دِيَةِ الْمُوضِحَةِ، وَإِنْ بَلَغَتِ النِّصْفَ زَالَ حُكْمُ الشَّكِّ فِي الزِّيَادَةِ بِإِسْقَاطِهَا وَحُكِمَ بِنِصْفِ الدِّيَةِ، وَإِنْ نَقَصَتْ عَنِ النِّصْفِ بَطَلَ حُكْمُ النُّقْصَانِ وَالزِّيَادَةِ وَثَبَتَ حُكْمُ النِّصْفِ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مِقْدَارَ ذَلِكَ مِنَ الْمُوضِحَةِ عُدِلَ حِينَئِذٍ إِلَى الْحُكُومَةِ الَّتِي يَتَقَدَّرُ الْأَرْشُ فِيهَا بِالتَّقْوِيمِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ، وَلِهَذَا الْوَجْهِ وَجْهٌ إِنْ لَمْ يَدْفَعْهُ أَصْلٌ وَذَلِكَ أَنَّ مِقْدَارَ الْحُكُومَةِ مُعْتَبَرٌ بِشَيْئَيْنِ: الضَّرَرِ وَالشَّيْنِ، وَهُمَا لَا يَتَقَدَّرَانِ بِمِقْدَارِ الْمَوْرِ فِي اللَّحْمِ.
وَحُكِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ أَرْشٌ، وَلَيْسَ عَلَى الْجَانِي إِلَّا أُجْرَةُ الطَّبِيبِ لِعَدَمِ النَّصِّ فِيهِ، وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ أَصْلٌ لِلْمَسْكُوتِ عَنْهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ أَوْجَبَ أُجْرَةَ الطَّبِيبِ وَلَمْ يَرِدْ بِهَا شَرْعٌ، وَأَسْقَطَ أَرْشَ الدَّمِ وَقَدْ وَرَدَ بِهِ شَرْعٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بالصواب.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَفِي كُلِّ جُرْحٍ مَا عَدَا الرَّأْسَ وَالْوَجْهَ حُكُومَةٌ إِلَّا الْجَائِفَةَ فَفِيهَا ثُلُثُ النَّفْسِ وَهِيَ الَّتِي تَخْرِقُ إِلَى الْجَوْفِ مِنْ بَطْنٍ أَوْ ظَهْرٍ أَوْ صَدْرٍ أَوْ ثَغْرَةِ نَحْرٍ فَهِيَ جائفة ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَإِذْ قَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي شِجَاجِ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ فَسَنَذْكُرُ مَا عَدَاهُ مِنْ جِرَاحِ الْبَدَنِ وَيَنْقَسِمُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ وَتَتَقَدَّرُ فِيهِ الدِّيَةُ وَهُوَ الْأَطْرَافُ.

وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا لَا يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ وَلَا تَتَقَدَّرُ فِيهِ الدِّيَةُ، وَهُوَ مَا دُونَ الْمُوضِحَةِ أَوْ فَوْقَهَا وَدُونَ الْجَائِفَةِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ وَلَا يَتَقَدَّرُ فِيهِ الدِّيَةُ وَهُوَ الْمُوضِحَةُ، يَجِبُ فِيهَا الْقِصَاصُ فِي الْبَدَنِ كَالرَّأْسِ، وَلَا تَتَقَدَّرُ فِيهَا الدِّيَةُ، وَإِنْ تَقَدَّرَتْ فِي الرَّأْسِ وَيَجِبُ فِيهَا حُكُومَةٌ.
وَالْفَرْقُ فِيهَا بَيْنَ الرَّأْسِ وَالْجَسَدِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الرَّأْسَ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى حَوَاسِّ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالشَّمِّ وَالذَّوْقِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَيْهِ أَخْوَفُ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ شَيْنَهَا فِيهِ أَقْبَحُ.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: مَا تَتَقَدَّرُ فِيهِ الدِّيَةُ وَلَا يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ وَهُوَ الْجَائِفَةُ، وَالْجَائِفَةُ وُصُولُ الْجُرْحِ إِلَى الْجَوْفِ مِنْ بَطْنٍ أَوْ ظَهْرٍ أَوْ ثَغْرَةِ نَحْرٍ تَخْرِقُ بِهِ غِطَاءَ الْجَوْفِ حَتَّى يَصِلَ إِلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ بِحَدِيدٍ أَوْ بِغَيْرِهِ مِنَ الْمُحَدَّدِ، وَفِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ، صَغُرَتْ أَوْ كَبُرَتْ، لِرِوَايَةِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -[قال: " في الجائفة ثلث الدية وَفِيَّ الْمَأمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ ". وَرَوَى عَمْرُو بْنُ حَزْمٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -] كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ " وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ " وَلِأَنَّهَا وَاصِلَةٌ إِلَى غَايَةٍ مَخُوفَةٍ فَأَشْبَهَتِ الْمَأْمُومَةَ، وَلَا قِصَاصَ فِيهَا، لِتَعَذُّرِ الْمُمَاثَلَةِ بِنُفُوذِ الْحَدِيدِ إِلَى مَا لَا يُرَى انْتِهَاؤُهُ، فَإِنْ أَجَافَهُ حَتَّى لَذَعَ الْحَدِيدُ كَبِدَهُ أَوْ طِحَالَهُ لَزِمَتْ ثُلُثُ الدِّيَةِ فِي الْجَائِفَةِ وَحُكُومَةٌ فِي لَذْعِ الْحَدِيدِ الْكَبِدَ وَالطِّحَالَ.
وَلَوْ أَجَافَهُ فَكَسَرَ أَحَدَ أَضْلَاعِهِ لَزِمَهُ دِيَةُ الْجَائِفَةِ، وَتَكُونُ حُكُومَةُ الضِّلَعِ مُعْتَبَرَةً بِنُفُوذِ الْجَائِفَةِ، فَإِنْ نَفَذَتْ مِنْ غَيْرِ ضِلَعٍ لَزِمَهُ حُكُومَةُ الضِّلَعِ، وَإِنْ لَمْ تَنْفُذْ إِلَّا بِكَسْرِ الضِّلَعِ دَخَلَتْ حُكُومَتُهُ فِي دِيَةِ الْجَائِفَةِ، وَإِذَا أَشْرَطَ بَطْنَهُ بِسِكِّينٍ ثُمَّ أَجَافَهُ فِي آخِرِ الشَّرْطَةِ كَانَ عَلَيْهِ فِي الْجَائِفَةِ دِيَتُهَا وَفِي الشَّرْطَةِ حُكُومَتُهَا، لِأَنَّ الشَّرْطَةَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْجَائِفَةِ مُتَمَيِّزَةٌ عَنْهَا فَتَمَيَّزَتْ بِحُكْمِهَا كَمَا قُلْنَا إِذَا أَوْضَحَ مُؤَخِّرَ رَأْسِهِ وَأَعْلَى قَفَاهُ، وَلَوْ جَرَحَهُ بِخِنْجَرٍ لَهُ طَرَفَانِ فَأَجَافَهُ فِي مَوْضِعَيْنِ وَبَيْنَهُمَا حَاجِزٌ كَانَتْ جَائِفَتَيْنِ وَعَلَيْهِ ثُلُثَا الدِّيَةِ، فَإِنْ خَرَقَهُ الْجَانِي أَوْ تَآكَلَ صَارَتْ جَائِفَةً وَاحِدَةً، وَلَوْ خَرَقَهُ أَجْنَبِيٌّ كَانَتْ ثَلَاثَ جَوَائِفَ، وَلَوْ خَرَقَهُ الْمَجْرُوحُ كَانَتْ جَائِفَتَيْنِ كَمَا قُلْنَا فِي الْمُوضِحَتَيْنِ.

(فَصْلٌ)

وَإِذَا أَدْخَلَ فِي حَلْقِهِ خَشَبَةً أَوْ حَدِيدَةً حَتَّى وَصَلَتْ إِلَى الْجَوْفِ أَوْ أَدْخَلَهَا

فِي سَبِيلِهِ حَتَّى بَلَغَتِ الْجَوْفَ لَمْ تَكُنْ جَائِفَةً وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مَا خُرِقَ بِهَا حَاجِزٌ، فَإِنْ خَدَشَ بِهَا مَا حِيَالَهَا مِنْ دَاخِلِ الْجَوْفِ لَزِمَتْهُ حُكُومَتُهُ، وَعُزِّرَ فِي الْحَالَيْنِ أَدَبًا وَإِنْ لَمْ يُعَزَّرِ الْجَانِي إِذَا أُغْرِمَ الدِّيَةَ، لِأَنَّهُ قَدِ انْتَهَكَ مِنْهُ بِإِيلَاجِهَا مَا لَمْ يُقَابِلْهُ غُرْمٌ، فَإِنْ خَرَقَ بِوُصُولِ الْخَشَبَةِ إِلَى الْجَوْفِ حَاجِزٌ مِنْ غِشَاوَةِ الْمَعِدَةِ أَوِ الْحَشْوَةِ فَفِي إِجْرَاءِ حُكْمِ الْجَائِفَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْجَائِفَةِ وَيَلْزَمُهُ ثُلُثُ دِيَةٍ، لِأَنَّهُ قَدْ خَرَقَ حَاجِزًا فِي الْجَوْفِ فَأَشْبَهَ حَاجِزَ الْبَطْنِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْجَائِفَةِ وَيَلْزَمُهُ حُكُومَةٌ لِبَقَاءِ الْبَطْنِ الَّذِي هُوَ حَاجِزٌ عَلَى جَمِيعِ الْجَوْفِ، وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ فِي الْحَاجِزِ بَيْنَ الْمُوضِحَتَيْنِ إِذَا انْخَرَقَ بَاطِنُهُ مِنَ اللَّحْمِ وَهِيَ ظَاهِرَةٌ مِنَ الْجِلْدِ هَلْ يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْمُوضِحَةِ فِي الْجَمِيعِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.

(فَصْلٌ)

وَلَوْ أَوْلَجَ خَشَبَةً فِي فَرْجِ عذراء خرق بها حاجز بكارتها عذر وَلَمْ يُحَدَّ، إِلَّا أَنْ يَطَأَ فَيُحَدَّ، وَيَلْزَمُهُ مَهْرُ الْمِثْلِ إِنْ أَكْرَهَهَا، وَلَا تَلْزَمُهُ دِيَةُ الْجَائِفَةِ بِخَرْقِ حَاجِزِ الْبَكَارَةِ، لِأَنَّهَا فِي مَسْلَكِ الْخَرْقِ، وَأَمَّا الْحُكُومَةُ فَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ وَطْءٍ لَزِمَهُ حُكُومَةُ بَكَارَتِهَا، لِأَنَّهَا بِجِنَايَةٍ مِنْهُ وَإِنْ كَانَتْ بِوَطْءٍ لَمْ يَلْزَمْهُ، لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو فِي وَطْئِهِ مِنْ إِكْرَاهٍ أَوْ مُطَاوَعَةٍ، فَإِنْ أُكْرِهَ دَخَلَ أَرْشُ الْحُكُومَةِ فِي الْمَهْرِ، لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ مَهْرُ مِثْلِهَا مِنَ الْأَبْكَارِ، وَإِنْ طَاوَعَتْهُ كَانَتْ بِالْمُطَاوَعَةِ كَالْمُبَرَّئَةِ مِنَ الْأَرْشِ، لِأَنَّ الْمُطَاوَعَةَ إِذْنٌ، وَإِذَا عَصَرَ بَطْنَهُ وَدَاسَهُ حَتَّى خَرَجَ الطَّعَامُ مِنْ فَمِهِ أَوِ النَّجْوِ مِنْ دُبُرِهِ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ، وَيُعَزَّرُ أَدَبًا، فَإِنْ زَالَ بِالدَّوْسِ أَحَدُ أَعْضَاءِ الْجَوْفِ عَنْ مَحَلِّهِ حَتَّى تَيَاسَرَ الْكَبِدُ أَوْ تَيَامَنَ الطِّحَالُ، لِأَنَّ الْكَبِدَ مُتَيَامِنٌ وَالطِّحَالَ مُتَيَاسِرٌ، فَعَلَيْهِ الْحُكُومَةُ إِنْ بَقِيَ عَلَى حَالِهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِنْ عَادَ إِلَى مَحَلِّهِ.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا جَرَحَهُ جَائِفَةً ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَأَوْلَجَ فِي الْجَائِفَةِ سِكِّينًا، فَلَا يَخْلُو حَالُ الثَّانِي بَعْدَ الْأَوَّلِ مِنْ أَحَدِ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ لَا يُؤَثِّرَ فِي سِعَتِهَا وَلَا فِي عُمْقِهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مَا جَرَحَ، وَيُعَزَّرُ أَدَبًا لِلْأَذَى.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يُؤَثِّرَ فِي سِعَتِهَا وَلَا يُؤَثِّرَ فِي عُمْقِهَا، فَعَلَيْهِ فِي زِيَادَةِ سِعَتِهَا إِذَا كَانَ ظَاهِرًا أَوْ بَاطِنًا دِيَةُ جَائِفَةٍ، لِأَنَّهُ قَدْ أَجَافَهُ، وَإِنِ اتَّصَلَتْ بِجَائِفَةٍ غَيْرِهِ، فَإِنِ اتَّسَعَتْ فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ أَوْ فِي الْبَاطِنِ دُونَ الظَّاهِرِ فَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ، لِأَنَّهُ جُرْحٌ لَمْ يَسْتَكْمِلْ جَائِفَةً.

وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يُؤَثِّرَ فِي عُمْقِهَا وَلَا يُؤَثِّرَ فِي سِعَتِهَا فَيَلْذَعُ بَعْضَ أَعْضَاءِ الْجَوْفِ مِنْ كَبِدٍ أَوْ طِحَالٍ فَعَلَيْهِ فِي لَذْعِ ذَلِكَ وَجُرْحِهِ حُكُومَةٌ.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ يُؤَثِّرَ فِي سِعَتِهَا وَيُؤَثِّرَ فِي عُمْقِهَا، فَيَلْزَمُهُ دِيَةُ جَائِفَةٍ فِي زِيَادَةِ سَعَتِهَا، وَحُكُومَةٌ فِي جِرَاحَةِ عمقها، فإن قطع بها معا، أو حشوته صار موجاً قَاتِلًا يَلْزَمُهُ الْقَوَدُ فِي النَّفْسِ أَوْ جَمِيعُ الدِّيَةِ، وَيَكُونُ الْأَوَّلُ جَارِحًا جَائِفًا يَلْزَمُهُ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَلَوْ جَرَحَ الثَّانِي الْمِعَاءَ وَالْحَشْوَةَ وَلَمْ يَقْطَعْهُ صَارَ الثَّانِي وَالْأَوَّلُ قَاتِلَيْنِ وَعَلَيْهِمَا الْقَوَدُ فِي النَّفْسِ أَوِ الدِّيَةِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ لِحُدُوثِ التَّلَفِ بِسِرَايَةِ جِنَايَتِهِمَا.

(فَصْلٌ)

وَإِذَا خَاطَ الْمَجْرُوحُ جَائِفَةً فَفَتَقَهَا آخَرُ حَتَّى عَادَتْ جَائِفَةً لَمْ يَخْلُ حَالُهَا بَعْدَ الْخِيَاطَةِ مِنْ أَحَدِ أَرْبَعَةِ أقسام: أحدهما: أَنْ يَفْتِقَهَا قَبْلَ الْتِحَامِ ظَاهِرِهَا وَبَاطِنِهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْجَائِفَةِ، وَيُعَزَّرُ أَدَبًا لِلْأَذَى، وَيُغْرَمُ قِيمَةَ الْخَيْطِ وَأُجْرَةَ مِثْلِ الْخِيَاطَةِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَفْتِقَهَا بَعْدَ الْتِحَامِ ظَاهِرِهَا وَبَاطِنِهَا، فَقَدْ صَارَ جَائِفًا وَعَلَيْهِ دِيَةُ الْجَائِفَةِ وَإِنْ كَانَتْ فِي مَحَلِّ جَائِفَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ، لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ بَعْدَ الِانْدِمَالِ كَحَالِهَا قَبْلَ الْجِنَايَةِ، كَمَا لَوْ أَوْضَحَ رَأْسَهُ فَانْدَمَلَ، ثُمَّ عَادَ فَأَوْضَحَهُ فِي مَوْضِعِ الِانْدِمَالِ لَزِمَهُ دِيَةُ مُوضِحَةٍ ثَانِيَةٍ وَيُغْرَمُ قِيمَةَ الْخَيْطِ، وَلَا يُغْرَمُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ لدخول أجرة فتقها في دية جائفتها بخلافه لَوْ لَمْ يَغْرَمْ دِيَتَهَا.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَلْتَحِمَ بَاطِنُهَا وَلَا يَلْتَحِمَ ظَاهِرُهَا، فَيَلْزَمُهُ حُكُومَةٌ فِي فَتْحِ مَا الْتَحَمَ مِنْ بَاطِنِهَا، وَيَغْرَمُ قِيمَةَ الْخَيْطِ وَأُجْرَةَ مِثْلِ الْخِيَاطَةِ، لِأَنَّهُ مَا التزم في محله غرماً سواء.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ يَلْتَحِمَ ظَاهِرُهَا وَلَا يَلْتَحِمَ بَاطِنُهَا، فَتَلْزَمُهُ حُكُومَةٌ فِي فَتْحِ مَا الْتَحَمَ مِنْ ظَاهِرِهَا، وَيَغْرَمُ قِيمَةَ الْخَيْطِ، وَلَا يُغْرَمُ أُجْرَةَ الْخِيَاطَةِ، لِدُخُولِهِ فِي حُكُومَةِ مَحَلِّهِ.
(فَصْلٌ) وَإِذَا جَرَحَهُ نَافِذَةً، وَالنَّافِذَةُ: أَنْ يَجْرَحَهُ بِسَهْمٍ أَوْ سِنَانٍ فَيَدْخُلُ فِي ظَهْرِهِ وَيَخْرُجُ مِنْ بَطْنِهِ، أَوْ يَدْخُلُ فِي بَطْنِهِ وَيَخْرُجُ مِنْ ظَهْرِهِ، أَوْ يَنْفُذُ مِنْ أَحَدِ خَصْرَيْهِ إِلَى الْآخَرِ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ أَنَّ النَّافِذَةَ جَائِفَتَانِ، وَيَلْزَمُهُ فِيهِمَا ثُلُثَا الدِّيَةِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَلْزَمُهُ دِيَةُ جَائِفَةٍ فِي الْوُصُولِ إِلَى الْجَوْفِ، وَحُكُومَةٌ فِي النُّفُوذِ مِنْهُ، وَبِهِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، لِأَنَّ الْجَائِفَةَ مَا وَصَلَتْ إِلَى الْجَوْفِ، وَالنَّافِذَةُ خَارِجَةٌ مِنْهُ فَكَانَتْ أَقَلَّ مِنَ الْجَائِفَةِ، وَهَذَا خَطَأٌ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَضَى عَلَى رَجُلٍ رَمَى رَجُلًا بِسَهْمٍ فَأَنْفَذَهُ بِثُلُثَيِ الدِّيَةِ، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ مُخَالِفٌ فَكَانَ إِجْمَاعًا، وَلِأَنَّ مَا

خَرَقَ حِجَابَ الْجَوْفِ كَانَ جَائِفَةً كَالدَّاخِلَةِ، فَإِنْ قَطَعَ سَهْمَ النَّافِذَةِ بِنُفُوذِهِ فِي الْجَوْفِ بَعْضَ حَشَوْتِهِ كَانَ عَلَيْهِ مَعَ دِيَةِ الْجَائِفَتَيْنِ حُكُومَةٌ فيما قطع من حشوته.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَفِي الْأُذُنَيْنِ الدِّيَةُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَقَالَ مَالِكٌ: فِيهِمَا حُكُومَةٌ لِاخْتِصَاصِهِمَا بِالْجَمَالِ دُونَ الْمَنْفَعَةِ فَكَانَا كَالْيَدَيْنِ الشَّلَّاوَيْنِ، وَهَذَا فَاسِدٌ، لِرِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ فِي كِتَابِهِ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ: " وَفِي الْأُذُنَيْنِ الدِّيَةُ " وَلِأَنَّهُمَا عُضْوَانِ يَجْتَمِعُ فِيهِمَا مَنْفَعَةٌ وَجَمَالٌ فَوَجَبَ أَنْ تَكْمُلَ فِيهِمَا الدِّيَةُ كَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، فَإِنْ قِيلَ: الْمَنْفَعَةُ فِيهِمَا مَفْقُودَةٌ.
قِيلَ: إِنَّ مَنْفَعَتَهُمَا مَوْجُودَةٌ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَا خَلَقَ الْأَعْضَاءَ عَبَثًا وَلَا قَدَّرَهَا إِلَّا لِحِكْمَةٍ وَمَنْفَعَةٍ، وَمَنْفَعَةُ الْأُذُنِ جَمْعُ الصَّوْتِ حَتَّى يَلِجَ إِلَيْهَا فَيَصِلُ إِلَى السَّمْعِ، وَهَذَا أَكْبَرُ الْمَنَافِعِ.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا ثَبَتَ وُجُوبُ الدِّيَةِ فِيهِمَا فَتَكْمُلُ الدية إذا استوصلنا، صَغُرَتِ الْأُذُنَانِ أَوْ كَبُرَتَا، وَالْمَثْقُوبَةُ وَذَاتُ الْخُرْمِ مُسَاوِيَةٌ لِغَيْرِ ذَاتِ الثُّقْبِ وَالْخُرْمِ إِذَا لَمْ يَذْهَبْ شَيْءٌ مِنَ الْأُذُنِ بِالثَّقْبِ وَالْخَرْمِ، فَإِنْ أَذْهَبْ شَيْئًا مِنْهَا سَقَطَ مِنْ دِيَتِهَا بِقَدْرِ الذَّاهِبِ، وَإِذَا قَطَعَ إِحْدَى الْأُذُنَيْنِ كَانَ فِيهَا نِصْفُ الدِّيَةِ يُمْنَى كَانَتْ أَوْ يُسْرَى كَالْيَدَيْنِ، فَإِنْ قَطَعَ بَعْضَ أُذُنِهِ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ دِيَتِهَا بِقِسْطِ مَا قَطَعَ مِنْهَا مِنْ رُبُعٍ أَوْ ثُلُثٍ أَوْ نِصْفٍ، سَوَاءٌ قَطَعَ مِنْ أَعْلَى أَوْ أَسْفَلَ، وَلَا اعْتِبَارَ بِزِيَادَةِ الْجَمَالِ وَالْمَنْفَعَةِ فِي أَحَدِ النِّصْفَيْنِ كَمَا تَسْتَوِي دِيَاتُ الْأَصَابِعِ وَالْأَسْنَانِ مَعَ اخْتِلَافِ مَنَافِعِهِمَا، وَسَوَاءٌ قَطَعَ أُذُنَ سَمِيعٍ أَوْ أَصَمَّ، لِأَنَّ مَحَلَّ السَّمْعِ فِي الصِّمَاخِ لَا فِي الْأُذُنِ، لِبَقَاءِ السَّمْعِ بَعْدَ قَطْعِهِمَا، وَخَالَفَ حُلُولَ الْبَصَرِ فِي الْعَيْنِ وَحُلُولَ حَرَكَةِ الْكَلَامِ فِي اللِّسَانِ.
(فَصْلٌ) وَإِذَا جَنَى عَلَى أُذُنَيْهِ فَاسْتَحْشَفَتَا وَصَارَ بِهِمَا مِنَ الْيُبْسِ وَعَدَمِ الْأَلَمِ مَا بِالْيَدَيْنِ مِنَ الشَّلَلِ فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: عَلَيْهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً كَمَا يَلْزَمُهُ فِي شَلَلِ الْيَدَيْنِ الدِّيَةُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: عَلَيْهِ حُكُومَةٌ، لِبَقَاءِ مَنَافِعِهِمَا بَعْدَ الشَّلَلِ وَالِاسْتِحْشَافِ وَعَدَمُ مَنَافِعِ الْيَدِ بِالشَّلَلِ سَوَاءٌ، فَلَوْ قُطِعَتِ الْأُذُنُ بَعْدَ اسْتِحْشَافِهَا كَانَ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِيهِمَا حُكُومَةٌ إِذَا قِيلَ فِي اسْتِحْشَافِهِمَا الدِّيَةُ كَالْيَدِ الشَّلَّاءِ إِذَا قُطِعَتْ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: فِيهَا الدِّيَةُ إِذَا قِيلَ فِي الِاسْتِحْشَافِ حُكُومَةٌ، وَلَا يَجْتَمِعُ فِيهَا دِيَتَانِ إِحْدَاهُمَا بِالِاسْتِحْشَافِ، وَالْأُخْرَى بِالْقَطْعِ، وَلَا حُكُومَتَانِ وَيَجْتَمِعُ فِيهِمَا دِيَةٌ وَحُكُومَةٌ، فَإِنْ أُوجِبَتِ الدِّيَةُ فِي الِاسْتِحْشَافِ كَانَتِ الْحُكُومَةُ فِي الْقَطْعِ وَإِنْ أُوجِبَتِ الْحُكُومَةُ فِي الِاسْتِحْشَافِ كَانَتِ الدِّيَةُ فِي الْقَطْعِ.

وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي الْحَالَيْنِ إِلَّا حُكُومَةُ إِحْدَاهِمَا بِالِاسْتِحْشَافِ وَالْأُخْرَى بِالْقَطْعِ، تَسْتَوْفِي بِالْحُكُومَةِ جَمِيعَ الدِّيَةِ لَا يَجُوزُ نُقْصَانُهَا، وَيَجُوزُ زِيَادَتُهَا، وَهَذَا فَاسِدٌ، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى إِحْدَى الْحُكُومَتَيْنِ حُكْمُ الْجِنَايَةِ عَلَى الصِّحَّةِ، وَذَلِكَ مُوجِبٌ لِكَمَالِ الدِّيَةِ.
فَأَمَّا إِذَا جَنَى عَلَى أُذُنِهِ فَاسْوَدَّ لَوْنُهَا [فَفِيهَا حُكُومَةٌ كَمَا لَوْ جَنَى عَلَى يَدِهِ] لِأَنَّ سَوَادَ اللَّوْنِ فِي الْأَبْيَضِ شَيْنٌ، وَكَذَلِكَ بَيَاضُ اللَّوْنِ فِي الْأَسْوَدِ شَيْنٌ، وَالْحُكُومَةُ فِي الْحَالَيْنِ وَاجِبَةٌ وَإِنْ كَانَتِ الْمَنَافِعُ بَاقِيَةً.

(مَسْأَلَةٌ)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَفِي السَّمْعِ الدِّيَةُ وَيُتَغَفَّلُ وَيُصَابُ بِهِ فَإِنْ أَجَابَ عُرِفَ أَنَّهُ يَسْمَعُ وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ قَوْلُهُ، وَإِنْ لَمْ يُجِبْ عِنْدَ غَفَلَاتِهِ وَلَمْ يَفْزَعْ إِذَا صِيحَ بِهِ حَلَفَ لَقَدْ ذَهَبَ سَمْعُهُ وَأَخَذَ الدِّيَةَ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا جَنَى عَلَيْهِ فَأَذْهَبَ سَمْعَهُ إِمَّا بِفِعْلٍ بَاشَرَ بِهِ جَسَدَهُ أَوْ بِإِحْدَاثِ صَوْتٍ هَائِلٍ خَرَقَ الْعَادَةَ حَتَّى ذَهَبَ بِهِ السَّمْعُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَعَهُ مُبَاشَرَةٌ فَالدِّيَةُ فِي الْحَالَيْنِ وَاجِبَةٌ لِأَنَّ الصَّوْتَ الْهَائِلَ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَعَهُ مُبَاشَرَةٌ قَدْ يُؤَثِّرُ فِي ذَهَابِ السَّمْعِ مَا تُؤَثِّرُهُ الْمُبَاشَرَةُ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ الدِّيَةِ الْكَامِلَةِ فِي ذَهَابِ السَّمْعِ رِوَايَةُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " وَفِي السَّمْعِ الدِّيَةُ ". وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا رَمَى رَأْسَ رَجُلٍ بِحَجَرٍ فِي زَمَانِ عُمَرَ فَأَذْهَبَ سَمْعَهُ وَعَقْلَهُ وَلِسَانَهُ وَذَكَرَهُ، فَقَضَى عَلَيْهِ عُمَرُ بِأَرْبَعِ دِيَاتٍ، وَلِأَنَّ السَّمْعَ مِنْ أَشْرَفِ الْحَوَاسِّ فَأَشْبَهَ حَاسَّةَ الْبَصَرِ، [وَاخْتُلِفَ فِي أَيِّهِمَا أَفْضَلُ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: حَاسَّةُ الْبَصَرِ] أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ بِهِ تُدْرَكُ الْأَعْمَالُ، وَقَالَ آخَرُونَ: حَاسَّةُ السَّمْعِ أَفْضَلُ، لِأَنَّ بِهِ يُدْرَكُ الْفَهْمُ، وَقَدْ ذَكَرَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ فَقَرَنَهُ بِذَهَابِ الْبَصَرِ، لِأَنَّ بِذَهَابِ الْبَصَرِ فَقَدَ النَّظَرَ وَبِذَهَابِ السَّمْعِ فَقَدَ الْعَقْلَ، فَقَالَ تَعَالَى فِي الْبَصَرِ ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ [يونس: 43] وَقَالَ فِي السَّمْعِ ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: 42] .

(فَصْلٌ)

وَالسَّمْعُ لَا يُرَى فَيُرَى ذَهَابُهُ، فَلَمْ يَكُنْ لِلْبَيِّنَةِ فِيهِ مَدْخَلٌ مَعَ التَّنَازُعِ، وَلَكِنْ

لَهُ أَمَارَاتٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ يُعْلَمُ بِهَا وُجُودُهُ مِنْ عَدَمِهِ، فَإِذَا ادَّعَى الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ ذَهَابَ سَمْعِهِ فَلِلْجَانِي حَالَتَانِ: تَصْدِيقٌ، وَتَكْذِيبٌ.
فَإِنْ صَدَّقَهُ عَلَى ذَهَابِ سَمْعِهِ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى الِاسْتِظْهَارِ بالأمارات، وسأل عَنْهُ عُدُولُ الطِّبِّ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَعُودَ أَمْ لَا؟ فَإِنْ نَفَوْا عَوْدَهُ حُكِمَ لَهُ بِالدِّيَةِ دُونَ الْقِصَاصِ لِتَعَذُّرِ اسْتِيفَائِهِ وَإِنْ جَوَّزُوا عَوْدَهُ إِلَى مُدَّةٍ قَدَّرُوهَا وَجَبَ الِانْتِظَارُ بِالدِّيَةِ إِلَى انْقِضَاءِ تِلْكَ الْمُدَّةِ، فَإِنْ عَادَ السَّمْعُ فِيهَا سَقَطَتِ الدِّيَةُ، وَإِنْ لَمْ يَعُدْ حَتَّى انْقَضَتِ اسْتَقَرَّ بِهَا ذَهَابُ السَّمْعِ، وَاسْتَحَقَّ بِهَا دَفْعَ الدِّيَةِ، وَإِنْ كَذَّبَ الْجَانِي عَلَى ذَهَابِ السَّمْعِ اعْتُبِرَ صِدْقُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، لِتَعَذُّرِ الْبَيِّنَةِ فِيهِ بِالْأَمَارَاتِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُتَغَفَّلَ ثُمَّ يُصَاحُ بِهِ بِأَزْعَجِ صَوْتٍ وَأَهْوَلِهِ يَتَضَمَّنُ إنذار أو تحذير، فَإِنْ أُزْعِجَ بِهِ وَالْتَفَتَ لِأَجْلِهِ، أَوْ أَجَابَ عَنْهُ دَلَّ عَلَى بَقَاءِ سَمْعِهِ، فَصَارَ الظَّاهِرُ مَعَ الْجَانِي، فَيَكُونُ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلَ الْجَانِي مَعَ يَمِينِهِ بِاللَّهِ أَنَّ سَمْعَهُ لَبَاقٍ مَا ذَهَبَ مِنْ جِنَايَتِهِ، وَلَوِ اقْتَصَرَ فِي يَمِينِهِ عَلَى أَنَّهُ بَاقِي السَّمْعِ أَجْزَأَ، وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى أَنَّ سَمْعَهُ مَا ذَهَبَ بِجِنَايَتِهِ، لَمْ يُجْزِهِ، لِأَنَّ الْحَلِفَ عَلَى ذَهَابِ السَّمْعِ وَبَقَائِهِ لَا ذَهَابِهِ بِجِنَايَةِ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا حَلَفَ الْجَانِي مع ظهور الأمارة في جنيته لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ إِزْعَاجُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِالصَّوْتِ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ عِنْدَ سَمَاعِ الْأَصْوَاتِ الْمُزْعِجَةِ فِي أَوْقَاتِ غَفَلَاتِهِ غَيْرُ مُنْزَعِجٍ بِهَا دَلَّ ذَلِكَ عَلَى ذَهَابِ سَمْعِهِ، فَصَارَ الظَّاهِرُ مَعَهُ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ فِي ذَهَابِ سَمْعِهِ مِنْ جِنَايَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَقُلْ مِنْ جِنَايَتِهِ لَمْ يُحْكَمْ لَهُ بِالدِّيَةِ لِجَوَازِ ذَهَابِهِ بِغَيْرِ جِنَايَتِهِ، وَلَزِمَهُ الْيَمِينُ مَعَ وجود الأمارات في جنيته لِجَوَازِ أَنْ يَتَصَنَّعَ لَهَا بِذَهَابِهِ وَجَلَدِهِ، وَلَا يُقْتَصَرُ بِهَذِهِ الْأَصْوَاتِ الْمُزْعِجَةِ عَلَى مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ لِجَوَازِ التَّصَنُّعِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ جِهَاتٍ وَفِي أَوْقَاتِ الْخَلَوَاتِ حَتَّى يَتَحَقَّقَ زَوَالَ السَّمْعِ بِهَا، فَإِنَّ الطَّمَعَ يَظْهَرُ مِنْهَا فَيَزُولُ مَعَهُ التَّصَنُّعُ.

(فَصْلٌ)

وَإِذَا ادَّعَى الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ صَمَمَ إِحْدَى أذنيه سدت سميعته بِمَا يَمْنَعُ وُصُولَ الصَّوْتِ فِيهَا، وَأُطْلِقَتْ ذَاتُ الْجِنَايَةِ، وَأُزْعِجَ فِي غَفَلَاتِهِ بِالْأَصْوَاتِ الْهَائِلَةِ، فَإِنِ انْزَعَجَ بِهَا كَانَ سَمْعُهُ بَاقِيًا بِظَاهِرِ الْأَمَارَةِ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ فِي بَقَائِهِ قَوْلَ الْجَانِي مَعَ يَمِينِهِ، [فَإِنْ لَمْ يَنْزَعِجْ بِهَا كَانَ سَمْعُهَا ذَاهِبًا بِظَاهِرِ الْأَمَارَةِ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ فِي ذَهَابِهِ قَوْلَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ] وَيَكُونُ عَلَى الجاني نصف الدية، لأنه قد أذهب بضمها نِصْفَ مَنْفَعَةٍ، فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ تَسْمَعُ الْأُخْرَى مَا كَانَ يُدْرِكُهُ بِهَا.
قِيلَ: لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنَ الِاسْتِحْقَاقِ لِلدِّيَةِ وَإِنْ كَانَ الْإِدْرَاكُ بَاقِيًا، كَمَا لَوْ أَذْهَبَ ضَوْءَ إِحْدَى عَيْنَيْهِ لَزِمَهُ دِيَتُهَا وَإِنْ كَانَ يُدْرِكُ بِالْبَاقِيَةِ مَا كَانَ يُدْرِكُهُ بِهِمَا.

(فَصْلٌ)

وَلَوِ ادَّعَى الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ وَقْرًا فِي إِحْدَى أُذُنَيْهِ ذَهَبَ بِهِ بَعْضُ سَمْعِهَا اعْتُبِرَ مَا ذَهَبَ مِنْ قَدْرِ سَمْعِهَا تُصَمُّ ذَاتُ الْجِنَايَةِ وَسَدَّهَا وَإِطْلَاقُ السَّلِيمَةِ، وَأَنْ يُنَادَى مِنْ بُعْدٍ فَإِذَا سَمِعَ الصَّوْتَ بَعْدَ الْمُنَادِي حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى أَقْصَرِ غَايَةٍ يَسْمَعُ صَوْتَهُ فِيهَا، ثم صمت السميعة وَفُتِحَتْ ذَاتُ الْجِنَايَةِ، وَنُودِيَ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ بِمِثْلِ ذَلِكَ الصَّوْتِ، فَإِنْ سَمِعَهُ كَانَ سَمْعُهُمَا بَاقِيًا بِحَالِهِ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ قَرُبَ الْمُنَادِي مِنْهُ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى حَيْثُ يَسْمَعُ صَوْتَهُ، وَيُعْتَبَرُ مَا بَيْنَ الْمَسَافَتَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ دَفْعًا يَزُولُ مَعَهَا التَّصَنُّعُ وَيَتَّفِقُ فِيهَا النِّدَاءُ، فَإِنِ اخْتَلَفَ عَمِلَ عَلَى أَقَلِّ الْوُجُوبِ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَ مَسَافَتَيِ السَّمِيعَةِ وَذَاتِ الْوَقْرِ النِّصْفُ كَانَ عَلَيْهِ رُبْعُ الدِّيَةِ، لِأَنَّهُ قَدْ أَذْهَبَ رُبْعَ سَمْعِهِ، وَإِنْ كَانَ الثُّلُثُ كَانَ عَلَيْهِ سُدُسُ الدِّيَةِ.

(فَصْلٌ)

فَإِنِ ادَّعَى الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ وَقْرًا فِي أُذُنَيْهِ مَعًا ذَهَبَ بِهِ بَعْضُ سَمْعِهِ مِنْهَا، فَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ مَدَى سَمَاعِهِ قَبْلَ وَقْتِ الْجِنَايَةِ، اعْتُبِرَ مَدَى سَمَاعِهِ بَعْدَ الْجِنَايَةِ، وَاسْتَحَقَّ مِنْ دِيَةِ السَّمْعِ بِقَدْرِ مَا بَيْنَ الْمَسَافَتَيْنِ مِنْ رُبُعٍ أَوْ ثُلُثٍ أَوْ نِصْفٍ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ مَدَى سَمَاعِهِ فِي حَالِ الصِّحَّةِ فَلَا سَبِيلَ إِلَى تَحْقِيقِ الْمُسْتَحَقِّ مِنَ الدِّيَةِ وَيُعْطَى فِي الذَّاهِبِ مِنْهُ حُكُومَةً يُقَدِّرُهَا الْحَاكِمُ بِاجْتِهَادِهِ.
فَلَوْ قَالَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ: أَنَا أَعْرِفُ قَدْرَ مَا ذَهَبَ مِنْ سَمْعِي، وَهُوَ النِّصْفُ، أُحْلِفَ عَلَى دَعْوَاهُ وَحُكِمَ بِقَوْلِهِ، لِأَنَّهُ لَا يُوصَلُ إِلَى مَعْرِفَتِهِ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِيهِ مَعَ يَمِينِهِ، كَمَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ فِي حَيْضِهَا.
وَلَوِ ادَّعَى الْجَانِي عَوْدَ السَّمْعِ بَعْدَ ذَهَابِهِ وَأَنْكَرَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ عَوْدَهُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَهُوَ عَلَى حَقِّهِ مِنَ الدِّيَةِ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْيَمِينِ فَلَا يَمِينَ لَهُ عَلَى الْوَرَثَةِ إِنْ لَمْ يَدَّعِ عِلْمَهُمْ، وَإِنِ ادَّعَاهُ أَحْلَفَهُمْ بِاللَّهِ مَا يَعْلَمُونَ سَمِعَ بَعْدَ ذَهَابِ سَمْعِهِ.
(فَصْلٌ) وَإِذَا قَطَعَ أُذُنَيْهِ فَذَهَبَ بِقَطْعِهِمَا سَمْعُهُ لَزِمَتْهُ دِيَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: فِي الْأُذُنَيْنِ.
وَالْأُخْرَى: فِي السَّمْعِ، لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ عَلَى مَحَلَّيْنِ فَصَارَتْ كَالْجِنَايَةِ عَلَى عُضْوَيْنِ، وَخَالَفَ قَلْعَ الْعَيْنِ إِذَا ذهب ضؤها فَلَمْ تَلْزَمْهُ إِلَّا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ، لِأَنَّ مَحَلَّ الضَّوْءِ فِي الْعَيْنِ، وَمَحَلَّ السَّمْعِ فِي غَيْرِ الْأُذُنِ، وَلِذَلِكَ كَمُلَتِ الدِّيَةُ فِي أُذُنِ الْأَصَمِّ والله أعلم.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَفِي ذَهَابِ الْعَقْلِ الدِّيَةُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا جَنَى عَلَيْهِ فَأَذْهَبَ عَقْلَهُ ضَمِنَهُ بِالدِّيَةِ دُونَ الْقَوَدِ، وَإِنَّمَا سَقَطَ الْقَوَدُ فِيهِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: اخْتِلَافُ النَّاسِ فِي مَحَلِّهِ، فَمِنْ طَائِفَةٍ تَقُولُ محله الدماغ.

وَأُخْرَى تَقُولُ مَحَلُّهُ الْقَلْبُ.
وَأُخْرَى تَقُولُ مُشْتَرَكٌ فِيهِمَا، وَإِنْ كَانَ الْأَصَحُّ مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ أَنَّ مَحَلَّهُ الْقَلْبُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: 46] وَلِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الْعُلُومِ.
وَالثَّانِي: تَعَذُّرُ اسْتِيفَائِهِ، لِأَنَّهُ يَذْهَبُ يَسِيرَ الْجِنَايَةِ وَلَا يَذْهَبُ بِكَثِيرِهَا، فَأَمَّا الدِّيَةُ فَوَاجِبَةٌ فِيهِ عَلَى كَمَالِهَا لِرِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ فِي كِتَابِهِ إِلَى الْيَمَنِ " فِي الْعَقْلِ الدِّيَةُ ". وَرَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " فِي الْعَقْلِ الدِّيَةُ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ ". وَقَضَى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْمَشْجُوجِ رَأْسُهُ حِينَ ذَهَبَ بِهَا سَمْعُهُ وَعَقْلُهُ وَلِسَانُهُ وَذَكَرُهُ بِأَرْبَعِ دِيَاتٍ، وَلِأَنَّ الْعَقْلَ أَشْرَفُ مِنْ حَوَاسِّ الْجَسَدِ كُلِّهَا لِامْتِيَازِهِ بِهِ مِنَ الْحَيَوَانِ الْبَهِيمِ، وَفَرْقِهِ بِهِ بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَتَوَصُّلِهِ بِهِ إِلَى اخْتِلَافِ الْمَنَافِعِ وَوَقْعِ الْمَضَارِّ، وَتَعَلُّقِ التَّكْلِيفِ بِهِ، فَكَانَ أَحَقَّ بِكَمَالِ الدِّيَةِ مِنْ جَمِيعِ الْحَوَاسِّ مَعَ تَأْثِيرِ ذَهَابِهِ فِيهَا وَفَقْدِ أَكْثَرِ مَنَافِعِهَا.

(فَصْلٌ)

إِذَا ثَبَتَ وُجُوبُ الدِّيَةِ بِذَهَابِ الْعَقْلِ فَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ فِي الْعَقْلِ الْغَرِيزِيِّ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّكْلِيفُ، وَهُوَ الْعِلْمُ بِالْمُدْرِكَاتِ الضَّرُورِيَّةِ، فَأَمَّا الْعَقْلُ الْمُكْتَسَبُ الَّذِي هُوَ حُسْنُ التَّقْدِيرِ وَإِصَابَةُ التَّدْبِيرِ وَمَعْرِفَةُ حَقَائِقِ الْأُمُورِ فَلَا دِيَةَ فِيهِ مَعَ بَقَاءِ الْعَقْلِ الْغَرِيزِيِّ، وَفِيهِ حُكُومَةٌ، [لِمَا أَحْدَثَ مِنَ الدَّهَشِ بَعْدَ التَّيَقُّظِ، وَالِاسْتِرْسَالِ بَعْدَ التَّحَفُّظِ، وَالْغَفْلَةِ بَعْدَ الْفِطْنَةِ يُعْتَبَرُ بِحُكُومَتِهِ] قَدْرُ مَا حَدَثَ مِنْ ضَرَرِهِ، وَلَا يُبْلَغُ بِهِ كَمَالُ الدِّيَةِ، لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْعَقْلِ الْغَرِيزِيِّ، وَلَا يَتَبَعَّضُ الْعَقْلُ الْغَرِيزِيُّ فِي ذَاتِهِ، لِأَنَّهُ مَحْدُودٌ بِمَا لَا يَتَجَزَّأُ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَذْهَبَ بَعْضُهُ وَيَبْقَى بَعْضُهُ، وَلَكِنْ قَدْ يَتَبَعَّضُ زَمَانُهُ فَيَعْقِلُ يَوْمًا وَيُجَنُّ يَوْمًا، فَإِنْ تَبَعَّضَ زَمَانُهُ بِالْجِنَايَةِ فَكَانَ يَوْمًا وَيَوْمًا لَزِمَ الْجَانِيَ عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَإِنْ كَانَ يَعْقِلُ فِي يَوْمٍ وَيُجَنُّ فِي يَوْمَيْنِ لَزِمَهُ ثُلُثَا دِيَتِهِ.

(فَصْلٌ)

وَأَمَّا الْجِنَايَةُ الَّتِي يَزُولُ بِهَا الْعَقْلُ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ عَنْ مُبَاشَرَةٍ.
وَالثَّانِي: عَنْ غَيْرِ مُبَاشِرَةٍ.

فَأَمَّا مَا كَانَ عَنْ مُبَاشَرَةٍ فَكَضَرْبَةِ سَيْفٍ أو رمية بحجر أو قرعة بعصى، إِمَّا عَلَى رَأْسِهِ أَوْ مَا قَرُبَ مِنْ قَلْبِهِ، فَإِذَا ذَهَبَ بِهَا الْعَقْلُ كَانَ عَنْ جِنَايَتِهِ، سَوَاءٌ أَثَّرَ ذَلِكَ فِي جَسَدِهِ أَوْ لَمْ يُؤَثِّرْ، وَكَذَلِكَ لَوْ لَطَمَهُ بِيَدِهِ، أَوْ رَكَلَهُ بِرِجْلِهِ حَتَّى أَزْعَجَهُ بِرَكْلَتِهِ أَوْ لَطْمَتِهِ الَّتِي يَقُولُ عُلَمَاءُ الطِّبِّ: إِنَّ مِثْلَهَا يُذْهِبُ الْعَقْلَ كَانَ ذَاهِبًا عَنْ جِنَايَتِهِ وَمَأْخُوذًا بِدِيَتِهِ، وَأَمَّا مَا كَانَ عَنْ غَيْرِ مُبَاشَرَةٍ فَكَالْإِشَارَةِ إِلَيْهِ بِسَيْفٍ أَوْ تَقْرِيبِ سَبُعٍ أَوْ إِدْنَاءِ أَفْعَى فَيُذْعَرُ مِنْهُ فَيَزُولُ عَقْلُهُ بِهِ فَيُعْتَبَرُ حَالُهُ فَإِنْ كَانَ طِفْلًا أَوْ مَضْعُوفًا مَذْعُورًا فَذَلِكَ مُزِيلٌ لِعَقْلِ مِثْلِهِ فَيُؤْخَذُ بِدِيَتِهِ [وَإِنْ كَانَ قَوِيَّ النَّفْسِ ثَابِتَ الْجَأْشِ فَعَقْلُ مِثْلِهِ لَا يَزُولُ بِهَذَا التَّفْزِيعِ فَلَا دِيَةَ فِيهِ، وَهَكَذَا إِنْ زَعَقَ عَلَيْهِ بِصَوْتٍ مُهَوَّلٍ فَزَالَ عَقْلُهُ كَانَ مُعْتَبَرًا بِحَالِهِ فِي قُوَّةِ جَأْشِهِ أَوْ ذُعْرِهِ، فَلَا تَلْزَمُهُ الدِّيَةُ فِي ذِي الْجَأْشِ وَتَلْزَمُهُ فِي الْمَذْعُورِ، فَأَمَّا إِنْ أَخْبَرَهُ مُصِيبَةً حَزِنَ لَهَا فَزَالَ عَقْلُهُ أَوْ أَخْبَرَهُ بِمَسَرَّةٍ فَرِحَ بِهَا فَزَالَ عَقْلُهُ لِحُدُوثِ زَوَالِهِ عَنْ فَرَحٍ وَحُزْنٍ أَحْدَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ.

(فَصْلٌ)

وَإِذَا زَالَ عَقْلُهُ بِجِنَايَةِ مُبَاشَرَةٍ فَلَمْ يَخْلُ حَالُهَا مِنْ أَنْ يُوجِبَ غُرْمًا سِوَى دِيَةِ الْعَقْلِ أَوْ لَا يُوجِبُ، فَإِنْ لَمْ يُوجِبْ سِوَى دِيَةِ الْعَقْلِ غُرْمًا كَاللَّطْمَةِ وَاللَّكْمَةِ وَمَا لَا يُؤَثِّرُ مِنَ الْخَشَبِ وَالْمُثْقَلِ فِي الْجَسَدِ غَيْرَ الْأَلَمِ فَتَسْتَقِرُّ بِهَا دِيَةُ الْعَقْلِ، وَيَكُونُ مَا عَدَاهُ مِنْ أَلَمِ الضَّرْبِ هَدَرًا، وَهَلْ يُعَزَّرُ بِهِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يُعَزَّرُ لِإِيجَابِهِ دِيَةَ الْعَقْلِ، وَغُرْمُهَا أَغْلَظُ مِنَ التَّعْزِيرِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُعَزَّرُ، لِأَنَّ غُرْمَ الدِّيَةِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْأَلَمِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَخْلُوَ مِنْ تَعْزِيرٍ إِذَا خَلَا مِنْ غُرْمٍ.
وَإِنْ أَوْجَبَتِ الْجِنَايَةُ غُرْمًا سِوَى دِيَةِ الْعَقْلِ مِنْ مُقَدَّرٍ أَوْ غَيْرِ مُقَدَّرٍ فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَبِهِ قَالَ فِي الْقَدِيمِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ: إِنَّهُ إِنْ كَانَ مَا وَجَبَ بِالْجِنَايَةِ أَقَلَّ مِنْ دِيَةِ الْعَقْلِ كَالْمُوضِحَةِ وَالْمَأْمُومَةِ، أَوْ قَطَعَ إِحْدَى الْأُذُنَيْنِ دَخَلَ ذَلِكَ فِي دِيَةِ الْعَقْلِ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ مُوجِبًا مِنَ الدِّيَةِ، لقطع الأذنين وجذع الْأَنْفِ، دَخَلَتْ فِيهِ دِيَةُ الْعَقْلِ وَأَخَذَ بِدِيَةِ الْأُذُنَيْنِ وَالْأَنْفِ لِيَكُونَ الْأَقَلُّ دَاخِلًا فِي الْأَكْثَرِ، اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ زَوَالَ الْعَقْلِ مُسْقِطٌ لِلتَّكْلِيفِ فَأَشْبَهَ الْمَوْتَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: قَالَهُ فِي الْجَدِيدِ وَهُوَ الْأَصَحُّ: إِنَّ دِيَةَ الْعَقْلِ لَا تَسْقُطُ بِمَا عَدَاهَا، وَلَا يَسْقُطُ بِهَا مَا عَدَاهَا، سَوَاءٌ كَانَ مَا وَجَبَ بِالْجِنَايَةِ أَقَلَّ مِنْ دِيَةِ الْعَقْلِ كَالْمَأْمُومَةِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ ثُلُثُ الدِّيَةِ فِي الْمَأْمُومَةِ وَجَمِيعُ الدِّيَةِ فِي الْعَقْلِ، أَوْ كَانَ مَا وَجَبَ بِالْجِنَايَةِ أَكَثَرَ مِنْ دِيَةِ الْعَقْلِ كَالْأُذُنَيْنِ وَالْأَنْفِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ ثَلَاثُ دِيَاتٍ وَاحِدَةٌ فِي الْعَقْلِ، وَثَانِيَةٌ فِي الْأُذُنَيْنِ، وَثَالِثَةٌ فِي الْأَنْفِ، لِرِوَايَةِ أَبِي الْمُهَلَّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

قَضَى عَلَى رَجُلٍ رَمَى رَجُلًا بِخِنْجَرٍ فِي رَأْسِهِ فَأَذْهَبَ عَقْلَهُ وَسَمْعَهُ وَلِسَانَهُ وَذَكَرَهُ بِأَرْبَعِ دِيَاتٍ، وَلِأَنَّ مَا اخْتُلِفَ مَحَلُّهُ لَا يَتَدَاخَلُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ كَالْأَطْرَافِ، وَلِأَنَّ الْعَقْلَ عَرَضٌ يَخْتَصُّ بِمَحَلٍّ مَخْصُوصٍ فَلَمْ يَتَدَاخَلْ فِيهِ أَرْشُ الجنايات كالسمع والبصر.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ لِرِوَايَةِ عَلِيٌّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " فِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ " وَلِأَنَّهُمَا مِنْ أَعْظَمِ الجوارح نفعاً وأجل الجوار قَدْرًا، فَكَانَا بِإِيجَابِ الدِّيَةِ أَحَقَّ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الصَّغِيرَةُ وَالْكَبِيرَةُ، وَالْحَادَّةُ وَالْكَلِيلَةُ، وَالصَّحِيحَةُ وَالْعَلِيلَةُ، وَالْعَمْشَاءُ وَالْعَشْوَاءُ، وَالْحَوْلَاءُ، إِذَا كَانَ الْبَاطِنُ سَلِيمًا، كَمَا لَا تَخْتَلِفُ دِيَاتُ الْأَطْرَافِ مَعَ اخْتِلَافِ أَوْصَافِهِمَا، وَفِي إِحْدَى الْعَيْنَيْنِ نِصْفُ الدِّيَةِ، لِرِوَايَةِ عمرو بن حزم أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ فِي كِتَابِهِ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ " وَفِي الْعَيْنَيْنِ خَمْسُونَ مِنَ الْإِبِلِ " قَالَ الشَّافِعِيُّ: " أَرَادَ الْعَيْنَ الْوَاحِدَةَ ". وَرَوَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " وَفِي إِحْدَى الْعَيْنَيْنِ نِصْفُ الدِّيَةِ " وَلِأَنَّ كُلَّ دِيَةٍ وَجَبَتْ فِي عُضْوَيْنِ وَجَبَ نِصْفُهَا فِي أَحَدِ الْعُضْوَيْنِ كَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، وَلَا فَضْلَ لِيُمْنَى عَلَى يُسْرَى، وَلَا لِصَحِيحَةٍ عَلَى مَرِيضَةٍ.
(مسألة) قال الشافعي رضي الله عنه: " وَفِي ذَهَابِ بَصَرِهِمَا الدِّيَةُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا جَنَى عَلَى عَيْنَيْهِ فَأَذْهَبَ بَصَرَهُمَا مَعَ بَقَاءِ الْحَدَقَةِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ، لِرِوَايَةِ مُعَاذٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " وَفِي الْبَصَرِ الدِّيَةُ " وَلِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْعَيْنِ بِنَاظِرِهَا كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: (وَمَا انْتِفَاعُ أَخِي الدنيا بمقلته ... إِذَا اسْتَوَتْ عِنْدَهُ الْأَنْوَارُ وَالظُّلَمُ)

وَإِذَا سَلَبَهَا مَنْفَعَتَهَا كَمُلَتْ عَلَيْهِ دِيَتُهَا كَالشَّلَلِ فِي الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، فَإِنْ عَادَ بَعْدَ ذَهَابِ الْبَصَرِ فَقَلَعَ الْعَيْنَ فَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ، كَمَا لَوْ أَشَلَّ يَدَهُ فَغَرِمَ دِيَتَهَا ثُمَّ عَادَ بَعْدَ الشَّلَلِ فَقَطَعَهَا لَزِمَهُ حُكُومَتُهَا، وَلَوْ قَطَعَهَا ابْتِدَاءً لَمْ تَلْزَمْهُ إِلَّا دِيَتُهَا، وَقَدْ قَدَّمْنَا الْفَرْقَ بَيْنَ قَطْعِ الأذنين فيذهب بما السَّمْعُ فَتَلْزَمُهُ دِيَتَانِ، وَبَيْنَ قَلْعِ الْعَيْنَيْنِ فَيَذْهَبُ بِهِمَا الْبَصَرُ فَيَلْزَمُهُ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ بِأَنَّ مَحَلَّ السَّمْعِ فِي غَيْرِ الْأُذُنَيْنِ فَلَمْ تَسْقُطْ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى، وَمَحَلَّ الْبَصَرِ فِي الْعَيْنِ، وَيَلْحَقُ بِالْأُذُنَيْنِ ذهاب الشم بجذع الْأَنْفِ فَتَلْزَمُهُ دِيَتَانِ، وَيَلْحَقُ بِالْعَيْنِ ذَهَابُ الْكَلَامِ بِقَطْعِ اللِّسَانِ فَتَلْزَمُهُ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ فِي ذَهَابِ الْبَصَرِ الدِّيَةَ نُظِرَ: فَإِنْ مُحِقَ ذَهَابُ الْبَصَرِ كَانَ الْمَحْقُ مِنْ شَوَاهِدِ ذَهَابِهِ الَّذِي يَقْطَعُ التَّنَازُعَ فِيهِ، كَمَا لو استأصل عينه ففقأها، وهو ما

يؤس مِنْ عَوْدِهِ فَنَقْضِي فِيهِ بِالْقَوَدِ فِي الْعَمْدِ وَالدِّيَةِ فِي الْخَطَأِ وَإِنْ كَانَتِ الْعَيْنُ ظَاهِرَةً لَمْ تَمْحَقْهَا الْجِنَايَةُ، فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَذْهَبَ بَصَرُهَا مَعَ بَقَائِهَا عَلَى صُورَتِهَا فَيُوقَفُ عُلَمَاءُ الطِّبِّ عَلَيْهَا فَلَا يَخْلُو حَالُهُمْ فِيهَا مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُمْ مِنْهَا عِلْمٌ أَوْ لَا يَكُونُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مِنْهَا عِلْمٌ لِإِشْكَالِهَا وَتَجْوِيزِهِمْ أَنْ يَكُونَ بَصَرُهَا ذَاهِبًا وَبَاقِيًا عَمِلْنَا عَلَى قَوْلِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ دُونَ الْجَانِي، لِأَنَّ ذَهَابَ بَصَرِهَا لَا يُعْلَمُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ، فَجُعِلَ الْقَوْلُ فِيهَا قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ بَعْدَ الِاسْتِظْهَارِ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ بَالِغًا عَاقِلًا بِأَنْ يُسْتَقْبَلَ فِي أَوْقَاتِ غَفَلَاتِهِ بِمَا يُزْعِجُ الْبَصِيرَ رُؤْيَتُهُ، وَيُشَارُ إِلَى عَيْنِهِ بِمَا يَتَوَقَّاهُ الْبَصِيرُ بِإِغْمَاضِهَا وَيُؤْمَرُ بِالْمَشْيِ في طريق الخطائر وَالْآبَارِ وَمَعَهُ مَنْ يَحُولُهُ مِنْهَا وَهُوَ لَا يَشْعُرُ، فَإِذَا دَلَّتْ أَحْوَالُهُ بِأَنْ لَا يُطْبِقَ طَرْفَهُ بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهِ وَلَا يَتَوَقَّى بِئْرًا إِنْ كَانَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ صَارَ ذَلِكَ مِنْ شَوَاهِدِ صِدْقِهِ، فَيَحْلِفُ مَعَ ذَلِكَ لِجَوَازِ تَصَنُّعِهِ فِيهِ، وَنَقْضِي لَهُ بَعْدَ يَمِينِهِ بِالْقَوَدِ فِي الْعَمْدِ والدية في الخطأ، وإن كان يطيق طَرْفَهُ عِنْدَ الْإِشَارَةِ وَيَتَوَقَّى بِئْرًا إِنْ كَانَتْ وَيَعْدِلُ عَنْ حَائِطٍ إِنْ لَقِيَهُ صَارَتْ شَوَاهِدُ هَذَا الظَّاهِرِ مُنَافِيَةً لِدَعْوَاهُ، فَانْتَقَلَ الظَّاهِرُ إِلَى جَنَبَةِ الْجَانِي، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ بِاللَّهِ إِنَّ بَصَرَهُ لَبَاقٍ لَمْ يَذْهَبْ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ تَحَرُّزُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِالِاتِّفَاقِ، فَاسْتَظْهَرَ لَهُ بِالْيَمِينِ، فَإِنْ كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا لَمْ يُرْجَعْ إِلَى قَوْلِهِمَا وَلَمْ يقبل دعواهما، لأنه لا حكم لهما، وَوُقِفَ أَمْرُهُمَا إِلَى وَقْتِ الْبُلُوغِ وَالْإِفَاقَةِ بَعْدَ حَبْسِ الْجَانِي لِيَرْجِعَ إِلَى قَوْلِهِمَا إِذَا بَلَغَ الصبي وأفاق المجنون أو يموتان فيقوم مَقَامَهُمَا فِيمَا يَدَّعِيَانِهِ مِنْ ذَهَابِ الْبَصَرِ وَإِحْلَافِهِمَا عليه إن كان معهما ظَاهِرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(فَصْلٌ)

وَإِنْ كَانَ عِنْدَ عُلَمَاءِ الطِّبِّ مِنْ حَالِ الْعَيْنِ فَلَا يَخْلُو عِلْمُهُمْ بِهَا مِنْ أَحَدِ أَرْبَعَةِ أقسام: أحدها: أن يشهد عدولهم ببقاء ببصرها فِي الْحَالِ وَفِي ثَانِي الْحَالِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَشْهَدُوا بِبَقَائِهِ فِي الْحَالِ وَجَوَازِ ذَهَابِهِ فِي ثَانِي حَالٍ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَشْهَدُوا بِذَهَابِهِ فِي الْحَالِ وَفِي ثَانِي حَالٍ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يَشْهَدُوا بِذَهَابِهِ فِي الْحَالِ وَجَوَازِ عَوْدِهِ فِي ثَانِي حَالٍ.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: إِذَا شَهِدُوا بِبَقَاءِ الْبَصَرِ فِي الْحَالِ وَمَا بَعْدَهَا حُكِمَ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ مِنْهُمْ، فَبَرِئَ الْجَانِي مِنَ الْقَوَدِ وَالدِّيَةِ، ونظر في الجناية فإن كان لها [أثر] يُوجِبُ حُكُومَةً غَرِمَهَا وَلَمْ يُعَزَّرْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَثَرٌ عُزِّرَ أَدَبًا وَلَمْ يُغَرَّمْ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: إِذَا شَهِدُوا بِبَقَاءِ بَصَرِهِ فِي حَالٍ وَجَوَازِ ذَهَابِهِ فِي ثَانِي حَالٍ لم

يَخْلُ حَالُ تَجْوِيزِهِمْ لِذَهَابِهِ مِنْ أَنْ يُقَدِّرُوهُ بِمُدَّةٍ أَوْ لَا يُقَدِّرُوهُ فَإِنْ قَدَّرُوهُ بِمُدَّةٍ فَقَالُوا: يَجُوزُ أَنْ يَذْهَبَ سَنَةً وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَذْهَبَ بَعْدَهَا، فَإِنْ ذَهَبَ فِيهَا وَإِلَّا فَقَدَ سَلِمَ مِنْهَا عُمِلَ عَلَى شَهَادَتِهِمْ، وَوُقِفَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ سَنَةً فَإِنْ ذَهَبَ بَصَرُهُ فِيهَا كَانَ الْجَانِي مَأْخُوذًا بِالْقَوَدِ فِي الْعَمْدِ وَالدِّيَةِ فِي الْخَطَأِ، وَإِنْ ذَهَبَ بَصَرُهُ بَعْدَهَا فَلَا شَيْءَ عَلَى الْجَانِي، وَيُؤْخَذُ بِالْحُكُومَةِ إِذَا كَانَ لِجِنَايَتِهِ أَثَرٌ، وَلَا يُعَزَّرُ وَلَا حُكُومَةَ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَثَرٌ وَيُعَزَّرُ، فَعَلَى هَذَا لَوْ جَنَى عَلَى عَيْنِهِ آخَرُ فَفَقَأَهَا قَبْلَ ذَهَابِ بَصَرِهِ كَانَ الثَّانِي هُوَ الْمَأْخُوذَ فِيهَا بِالْقَوَدِ وَالدِّيَةِ دُونَ الْأَوَّلِ، سَوَاءٌ فَقَأَهَا قَبْلَ السَّنَةِ أَوْ بَعْدَهَا، لِأَنَّهُ جَنَى وَالْبَصَرُ بَاقٍ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: إِذَا شَهِدُوا بِذَهَابِ بَصَرِهِ فِي الْحَالِ وَمَا بَعْدَهَا فَيُحْكَمُ لَهُ بِالْقَوَدِ فِي الْعَبْدِ إِذَا شَهِدَ مِنْ عُدُولِهِمْ رَجُلَانِ، وَبِالدِّيَةِ فِي الْخَطَأِ إِذَا شَهِدَ مِنْهُمْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، فَلَوْ عَادَ بَصَرُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ قُضِي لَهُ بِالدِّيَةِ أَوِ الْقَوَدِ فَالْمَذْهَبُ أَنْ لَا دَرْكَ عَلَيْهِ بِعَوْدِهَا فِيمَا قَضَى لَهُ مِنْ قَوَدِهَا أَوْ دِيَتِهَا، لِأَنَّ عَوْدَهَا بِهَا مِنْ عَطَايَا اللَّهِ تَعَالَى وَهِبَاتِهِ، وَلِلشَّافِعِيِّ فِي سِنِّ الْمَثْغُورِ إِذَا قُلِعَتْ وَاقْتُصَّ مِنْهَا أو أخذ ديتها ثم عادت فيثبت قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهُ رَدُّ دِيَتِهَا، فَعَلَى هَذَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَخْرِيجِهِ فِي الْعَيْنِ إِذَا عَادَ بَصَرُهَا هَلْ يَلْزَمُهُ رَدُّ دِيَتِهَا أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا يَلْزَمُهُ رَدُّهَا إِذَا عَادَ بَصَرُهَا كَمَا يَلْزَمُهُ رَدُّهَا فِي السِّنِّ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَلْزَمُهُ رَدُّ الدِّيَةِ بِعَوْدِ الْبَصَرِ، وَيَلْزَمُهُ رَدُّهَا بِعَوْدِ السِّنِّ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ عَوْدَ السِّنِّ مَعْهُودٌ فِي جِنْسِهِ وَعَوْدُ الْبَصَرِ غَيْرُ مَعْهُودٍ فِي جِنْسِهِ فَاخْتَلَفَا فِي الرَّدِّ لِاخْتِلَافِهِمَا فِي مَعْهُودِ الْعَوْدِ، وَعَلَى هَذَا لَوِ اقْتُصَّ مِنْ بَصَرِ الْجَانِي فَعَادَ بَصَرُهُ بَعْدَ الْقِصَاصِ لَمْ يُؤْخَذْ بِذَهَابِهِ ثَانِيَةً عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَهَلْ يُؤْخَذُ بِهِ عَلَى الْقَوْلِ الْمُخَرَّجِ فِي السِّنِّ أَمْ لَا؟ عَلَى الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ لَا يُؤْخَذُ بِهِ فِي أَحَدِهِمَا وَيُؤْخَذُ بِهِ فِي الْوَجْهِ الْآخَرِ وَيُقْتَصُّ مِنْهُ ثَانِيَةً، فَإِنْ عَادَ بَعْدَهَا اقْتُصَّ مِنْهُ أَبَدًا حَتَّى يَذْهَبَ فَلَا يَعُودَ.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: إِذَا شهدوا بِذَهَابِ بَصَرِهِ فِي الْحَالِ وَجَوَازِ عَوْدِهِ فِي ثاني حال فَلَا يَخْلُو حَالُهُمْ فِيهِ مِنْ أَنْ يُقَدِّرُوا زَمَانَ عَوْدِهِ أَوْ لَا يُقَدِّرُوا، فَإِنْ لَمْ يُقَدِّرُوا وَقَالُوا: يَجُوزُ أَنْ يَعُودَ عَلَى الْأَبَدِ إِلَى وَقْتِ الْمَوْتِ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ وَلَا إِيَاسٍ لَمْ تُوجِبْ هَذِهِ الشَّهَادَةُ تَوَقُّفًا عَنِ الْقِصَاصِ أَوِ الدِّيَةِ، وَأُخِذَ الْجَانِي بِهِمَا فِي الْحَالِ، لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ مَانِعٌ مِنْ تَعْلِيقِهِ بِشَرْطٍ يُفْضِي ثُبُوتُهُ إِلَى سُقُوطِهِ.
وَإِنْ قَدَّرُوا الْمُدَّةَ وقالوا: يجوز أن يعود إلى سنة [إن كَانَ مِنْ ظُلْمَةٍ غَطَّتِ الْبَاطِنَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعُودَ بَعْدَهَا، لِأَنَّهُ مِنْ ذَهَابِ الْبَاطِنِ حُبِسَ الْجَانِي، وَوُقِفَ الْبَصَرُ إِلَى

سَنَةٍ] ، فَإِنْ عَادَ فِيهَا بَرِئَ الْجَانِي مِنَ الْقَوَدِ وَالدِّيَةِ، وَكَانَ مَأْخُوذًا بِحُكُومَةِ الْجِنَايَةِ إِنْ أَثَّرَتْ، وَلَمْ يُعَزَّرْ، وَإِنْ لَمْ تُؤَثِّرْ عُزِّرَ وَلَمْ يُغَرَّمْ، وَإِنْ لَمْ يَعُدْ فِي السَّنَةِ حَتَّى انْقَضَّتْ أُخِذَ الْجَانِي بِالْقَوَدِ فِي الْعَمْدِ وَالدِّيَةِ فِي الْخَطَأِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ قَبْلَ انْقِضَاءِ السَّنَةِ آخَرُ فَفَقَأَ عَيْنَهُ فَدِيَةُ الْبَصَرِ وَالْقَوَدِ فِيهِ عَلَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي، لِأَنَّهُ ذَهَبَ بِجِنَايَةِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَعُدْ عِنْدَ جِنَايَةِ الثَّانِي، فَلَوِ اخْتَلَفَ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي فَقَالَ الْأَوَّلُ: عَادَ الْبَصَرُ قَبْلَ جِنَايَتِكَ فَأَنْتَ الْمَأْخُوذُ بِالْقَوَدِ فِيهِ أَوِ الدِّيَةِ دُونِي.
وَقَالَ الثَّانِي: بَلْ كَانَ الْبَصَرُ عِنْدَ جِنَايَتِي عَلَى ذَهَابِهِ فَأَنْتَ الْمَأْخُوذُ فِيهِ بِالْقَوَدِ أَوِ الدِّيَةِ دُونِي، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الثَّانِي مَعَ يَمِينِهِ دُونَ لأول، لِأَنَّنَا عَلَى يَقِينٍ مِنْ ذَهَابِهِ وَفِي شَكٍّ مِنْ عَوْدِهِ.
فَإِنِ ادَّعَيَا عِلْمَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لَمْ يَخْلُ حَالُهُ إِنْ أَجَابَ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُصَدِّقَ الْأَوَّلَ أَوِ الثَّانِيَ، فَإِنْ صَدَّقَ الثَّانِيَ أَنَّ بَصَرَهُ لَمْ يَعُدْ حَلَفَ لِلْأَوَّلِ وَإِنْ طَلَبَ يَمِينَهُ، وَقُضِيَ عَلَيْهِ بِالْقَوَدِ أَوِ الدِّيَةِ.
وَإِنْ صَدَّقَ الْأَوَّلَ أَنَّ بَصَرَهُ عَادَ قَبْلَ جِنَايَةِ الثَّانِي بَرِئَ الْأَوَّلُ مِنَ الْقَوَدِ وَالدِّيَةِ بِتَصْدِيقِهِ، وَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ عَلَى الثَّانِي، وَصَارَتْ عَيْنُهُ هَدَرًا لِأَنَّهُ قَدِ اسْتَأْنَفَ بِتَصْدِيقِ الْأَوَّلِ دَعْوَى عَلَى الثَّانِي، وَشَهَادَةً لِلْأَوَّلِ فَلَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ عَلَى الثَّانِي، وَلَمْ يُسْتَمَعْ شَهَادَتُهُ لِلْأَوَّلِ لِمَا فِيهَا مِنِ اجْتِلَابِ النَّفْعِ، وَلَوْ لَمْ يَجْنِ عَلَيْهِ ثَانٍ وَلَكِنْ مَاتَ قَبْلَ انْقِضَاءِ السَّنَةِ كَانَ الْجَانِي مَأْخُوذًا بِالْقَوَدِ وَالدِّيَةِ، لِأَنَّهُ أَذْهَبَ بَصَرًا لَمْ يَعُدْ، وَفِي سِنِّ مَنْ لَمْ يَثَّغِرْ إِذَا قُلِعَتْ فُقِدَ عَوْدُهَا إِلَى مُدَّةٍ مَاتَ قَبْلَهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ عَوْدُهَا فِي الْمُدَّةِ لَوْ عَاشَ إِلَيْهَا، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَخْرِيجِهِ فِي الْعَيْنِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَجِيءُ تَخْرِيجُ قَوْلٍ ثَانٍ فِي الْعَيْنِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْقَوَدُ وَلَا الدِّيَةُ وَتَلْزَمُهُ حُكُومَةٌ كَمَوْتِهِ فِي مُدَّةِ السِّنِّ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجِيءُ تَخْرِيجُ هَذَا الْقَوْلِ فِي الْعَيْنِ وَإِنْ خُرِّجَ فِي السِّنِّ، لِمَا قَدَّمْنَا مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَ السِّنِّ وَالْعَيْنِ، فَلَوِ اخْتَلَفَ الْجَانِي وَوَلِيُّهُ بَعْدَ مَوْتِهِ.
فَقَالَ الْجَانِي: عَادَ بَصَرُهُ قَبْلَ الْمَوْتِ.
وَقَالَ الْوَلِيُّ: لم يعد.

فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَلِيِّ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّ بَصَرَهُ لَمْ يَعُدْ، وَيَكُونُ الْجَانِي مَأْخُوذًا بِالْقَوَدِ أَوِ الدِّيَةِ، فَإِنْ نَكَلَ الْوَلِيُّ حَلَفَ الْجَانِي وَبَرِئَ مِنْهُمَا، وَلَوْ لَمْ يَذْهَبْ بَصَرُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فِي حَالِ الْجِنَايَةِ وَذَهَبَ بَعْدَهَا نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَزَلْ عَلِيلَ الْعَيْنِ أَوْ شَدِيدَ الْأَلَمِ إِلَى أَنْ ذَهَبَ بَصَرُهُ فَالظَّاهِرُ ذَهَابُهُ مِنَ الْجِنَايَةِ فَيَكُونُ الْجَانِي مَأْخُوذًا بِالْقَوَدِ فِيهِ أَوِ الدِّيَةِ كَالْمَجْرُوحِ إِذَا لَمْ يَزَلْ صَبِيًّا حَتَّى مَاتَ.
وَإِنْ بَرَأَتْ عَيْنُهُ وَزَالَ أَلَمُهَا ثُمَّ ذَهَبَ بَصَرُهَا كَانَ ذَاهِبًا مِنْ غَيْرِ الْجِنَايَةِ فِي الظَّاهِرِ، فَلَا يَلْزَمُهُ قَوَدٌ وَلَا دِيَةٌ، وَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الْإِحْلَافُ بِاللَّهِ لَقَدْ ذَهَبَ الْبَصَرُ مِنْ غَيْرِ جِنَايَةٍ إِنِ ادَّعَى ذَهَابَهُ منها.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " فَإِنْ نَقَصَتْ إِحْدَاهُمَا عَنِ الْأُخْرَى اخْتَبَرْتُهُ بِأَنْ أَعْصِبَ عَيْنَهُ الْعَلِيلَةَ وَأُطْلِقَ الصَّحِيحَةَ وَأَنْصُبَ لَهُ شَخْصًا عَلَى رَبْوَةٍ أَوْ مُسْتَوًى فَإِذَا أَثْبَتَهُ بَعَّدْتُهُ حَتَّى يَنْتَهِيَ بَصَرُهَا ثَمَّ أَذْرَعُ بَيْنَهُمَا وَأُعْطِيهِ عَلَى قَدْرِ مَا نَقَصَتْ عَنِ الصَّحِيحَةِ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا، أَنْ يَجْنِيَ عَلَى إِحْدَى عَيْنَيْهِ فَيَذْهَبُ بِبَعْضِ بَصَرِهَا، فَيُمْكِنُ أَنْ يُخْتَبَرَ قَدْرُ الذَّاهِبِ مِنْهَا بِمَا وَصَفَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ تَعْصِيبِ عَيْنِهِ الْعَلِيلَةِ وَإِطْلَاقِ الصَّحِيحَةِ، وَنَصْبِ شَخْصٍ لَهُ مِنْ بُعْدٍ عَلَى رَبْوَةٍ مُرْتَفِعَةٍ أَوْ فِي أَرْضٍ مُسْتَوِيَةٍ، فَإِذَا رَأَى الشَّخْصَ بُوعِدَ مِنْهُ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى أَبْعَدِ مَدَى رُؤْيَتِهِ الَّذِي لَا يَرَاهُ بَعْدَهَا، وَاخْتُبِرَ صِدْقُهُ فِي مَدَى الرُّؤْيَةِ بِالصَّحِيحَةِ بِأَنْ يُعَادَ الشَّخْصُ مِنْ جِهَاتٍ شَتَّى، وَلَوْ ضُمَّ إِلَى الشَّخْصِ بَعْدَ مَدَى رُؤْيَتِهِ شَخْصٌ آخَرُ يُخْتَبَرُ بِهِ صِدْقُهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِهِ كَانَ أَحْوَطَ، لِأَنَّ قَصْدَهُ بُعْدَ مَدَى الْبَصَرِ بِالْعَيْنِ الصَّحِيحَةِ، فَإِذَا أَوْثَقَ بِمَا قَالَهُ مِنْ هَذَا الِاخْتِبَارِ الَّذِي لَمْ يَخْتَلِفْ مَدَى الْبَصَرِ فِيهِ بِاخْتِلَافِ الْجِهَاتِ واختلاف الأشخاص مسح قدر الْمَسَافَةَ، فَإِذَا كَانَتْ أَلْفَ ذِرَاعٍ عُلِمَ أَنَّهُ قَدْرُ مَدَى بَصَرِهِ مَعَ الصَّحِيحَةِ، وَإِنِ اخْتَلَفَ عَمِلَ عَلَى الْأَقَلِّ احْتِيَاطًا ثُمَّ أُطْلِقَتِ الْعَلِيلَةُ الصَّحِيحَةُ، [فَإِنْ رَأَى الشَّخْصَ مِنْ مَدَاهُ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ مِنْ بَصَرِ الْعَلِيلَةِ شَيْءٌ، وَإِنْ لَمْ يَرَهُ قَرِّبَ مِنْهُ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلى حد يراه، وغرض في هذا تقليل مدى بَصَرِهِ بِالْعَلِيلَةِ كَمَا كَانَ غَرَضُهُ تَبْعِيدَ] مَدَى بَصَرِهِ بِالصَّحِيحَةِ لِيَكُونَ نُقْصَانُ مَا بَيْنَ الْبَصَرَيْنِ أَكْثَرَ فَيَكُونُ أَكْثَرَ فِيمَا تَسْتَحِقُّهُ مِنَ الدِّيَةِ، فَيَسْتَظْهِرُ عَلَيْهِ بِإِعَادَةِ الشَّخْصِ مِنْ جِهَاتٍ، وَيُحْتَسَبُ بِأَكْثَرَ مِمَّا قَالَهُ مِنْ مَدَى بَصَرِهِ بِالْعَلِيلَةِ كَمَا احْتُسِبَ بِأَقَلِّ مَا قَالَهُ مِنْ مَدَى بَصَرِهِ بِالصَّحِيحَةِ حَتَّى يَكُونَ أَقَلَّ لِمَا يَسْتَحِقُّهُ لِيَشُكَّ فِيمَا زَادَ عَلَيْهِ بِالتَّصَنُّعِ لَهُ،

وَيُنْظَرُ قَدْرَ مَسَافَةِ الْعَلِيلَةِ، فَإِنْ كَانَ خَمْسَمِائَةِ ذِرَاعٍ مِنْ أَلْفٍ كَانَ الذَّاهِبُ مِنْ بَصَرِهَا النِّصْفَ، فَيُؤْخَذُ بِرُبُعِ الدِّيَةِ، لِأَنَّهُ نِصْفُ دِيَةِ إِحْدَى الْعَيْنَيْنِ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ ذِرَاعٍ مِنْ أَلْفٍ كَانَ الذَّاهِبُ مِنْ بَصَرِهَا تِسْعَةَ أَعْشَارٍ، فَيُؤْخَذُ بِتِسْعَةِ أَعْشَارِ نِصْفِ الدِّيَةِ، وَعَلَى هَذِهِ الْعِبْرَةُ فِيمَا زَادَ وَنَقَصَ، فَإِنْ سَأَلَ الْجَانِي إِحْلَافَهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِنَ الْمَسَافَةِ أُحْلِفَ لَهُ، وَلَا قِصَاصَ فِي هَذَا، لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ لِقَدْرِ مَا ذَهَبَ مِنَ الْبَصَرِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَسَقَطَ الْقِصَاصُ فِيهِ.

(فَصْلٌ)

وَلَوْ جَنَى عَلَى عَيْنَيْهِ فَأَذْهَبَ بَعْضَ بَصَرِهِمَا فَيَعْتَذِرُ فِي الْحَالِ اعْتِبَارَ مَا ذَهَبَ مِنْهُمَا بِالْجِنَايَةِ، لِأَنَّ النُّقْصَانَ فِي الْعَيْنَيْنِ مَعًا، فَإِنْ كَانَ قَدْ عَرَفَ مَدَى بَصَرِهِ قَبْلَ الْجِنَايَةِ اعْتَبَرَ مَدَى بَصَرِهِ بَعْدَهَا، وَلَزِمَهُ مِنَ الدِّيَةِ بِقَدْرِ مَا بَيْنَ الْمَسَافَتَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ قَبْلَ الْجِنَايَةِ لَمْ يَعْلَمْ بعدها قدر الذاهب منهما، فيلزمه حكومة بمقدرها الْحَاكِمُ بِاجْتِهَادِهِ.

(فَصْلٌ)

وَلَوْ كَانَ فِي عَيْنِهِ قَبْلَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهَا بَيَاضٌ لَمْ يَخْلُ حَالُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ لَا يُؤَثِّرَ فِي الْبَصَرِ، وَيَرَى مَعَ الْبَيَاضِ مَا كَانَ يَرَاهُ قَبْلَهُ، فَفِي بَصَرِهِ إِذَا ذَهَبَ بِالْجِنَايَةِ الدِّيَةُ تَامَّةً، وَلَا يَكُونُ لِلْبَيَاضِ تَأْثِيرٌ فِي الدِّيَةِ، كَمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي الْبَصَرِ، وَسَوَاءٌ كَانَ يَشُقُّ عَلَيْهِ النَّظَرُ أَوْ لَا يَشُقُّ، لِأَنَّهُ يُدْرِكُ مَعَ الْمَشَقَّةِ مَا كَانَ يُدْرِكُهُ بِغَيْرِ مَشَقَّةٍ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْبَيَاضُ قَدْ مَنَعَهُ مِنَ النَّظَرِ حَتَّى صَارَ لَا يُبْصِرُ مِنْ قُرْبٍ وَلَا بُعْدٍ، فَيَكُونُ بِالْجِنَايَةِ عَلَيْهِ كَالْبَصَرِ الذَّاهِبِ لَا تَجِبُ فِيهِ إِلَّا حُكُومَةٌ، وَإِنْ كَانَ بَصَرُهُ بَاقِيًا تَحْتَ الْبَيَاضِ، لِأَنَّهُ لَا يُبْصِرُ بِهِ كَمَا لَا يُبْصِرُ بِالذَّاهِبِ مِنْ أَصْلِهِ، وَلَيْسَ مَا يُرْجَى مِنْ زَوَالِ الْبَيَاضِ بِالْعِلَاجِ فَيَعُودُ الْبَصَرُ بِمَانِعٍ مِنْ أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ حُكْمُ الذَّاهِبِ الْبَصَرِ، وَإِنَّمَا يَفْتَرِقَانِ فِي قَدْرِ الْحُكُومَةِ فَتَكُونُ حُكُومَةُ ذَاتِ الْبَيَاضِ أَكْثَرَ لِبَقَاءِ الْبَصَرِ تَحْتَهُ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْبَيَاضُ قَدْ أَذْهَبَ بَعْضَ بَصَرِهِ وَبَقِيَ بَعْضُهُ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ قَدْ غَشِيَ جَمِيعَ النَّاظِرِ، وَهُوَ رَقِيقٌ فَصَارَ مُبْصِرًا أَقَلَّ مِنْ بَصَرِهِ قَبْلَ الْبَيَاضِ، فَيَتَعَذَّرُ فِي هَذَا مَعْرِفَةٌ مِنْهُ بِالْبَيَاضِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ عَرَفَ مَدَى بَصَرِهِ قَبْلَ الْبَيَاضِ فَيَعْرِفُ مَا بَقِيَ مِنْهُ بَعْدَهُ أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي إِحْدَى عَيْنَيْهِ وَقَدِ اعْتُبِرَ ذَلِكَ بِالْعَيْنِ الصَّحِيحَةِ فَيَلْزَمُهُ مِنَ الدِّيَةِ بِقِسْطِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ فَفِيهِ حُكُومَةٌ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْبَيَاضُ قَدْ غَشِيَ بَعْضَ النَّاظِرِ فَلَا يُبْصِرُ بِمَا غشاه

وَيُبْصِرُ بِمَا عَدَاهُ فَيَلْزَمُ الْجَانِي عَلَيْهَا إِذَا ذَهَبَ بَصَرُهَا مَا كَانَ بَاقِيًا مِنْهَا مِنْ نِصْفٍ أَوْ ثُلُثٍ أَوْ رُبُعٍ إِذَا عَرَفَ ذلك، وخير مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْبَصَرِ.

(فَصْلٌ)

وَإِذَا ضَرَبَ عَيْنَهُ فَأَشْخَصَهَا لَمْ يَخْلُ حَالُهَا بَعْدَ الشُّخُوصِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ بَصَرُهَا بَاقِيًا بِحَالِهِ فَيَلْزَمُهُ فِي إِشْخَاصِهَا حُكُومَةٌ يَتَقَدَّرُ بقبح الإشخاص، وَلَا قِصَاصَ فِيهِ لِتَعَذُّرِهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْبَصَرِ لِبَقَائِهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَذْهَبَ بَصَرُهَا، فَيَلْزَمُهُ جَمِيعُ دِيَتِهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يُقْتَصَّ مِنْهُ فِي ذَهَابِ الْبَصَرِ دُونَ الْإِشْخَاصِ، لِأَنَّ الْقَوَدَ فِيهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَذْهَبَ بَعْضُ بَصَرِهَا فَيَلْزَمُهُ أَكْثَرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ دِيَةِ الذَّاهِبِ مِنْ بَصَرِهَا أَوْ حُكُومَةِ إِشْخَاصِهَا، وَلَا يُجْمَعُ عَلَيْهِ بَيْنَهُمَا، لِاجْتِمَاعِ مَحَلِّهِمَا، وَيَكُونُ أَقَلُّهُمَا دَاخِلًا فِي الْأَكْثَرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(مَسْأَلَةٌ)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ قَالَ جَنَيْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ ذَاهِبُ الْبَصَرِ فَعَلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ كَانَ يُبْصِرُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ، وَذَكَرْنَا حُكْمَ الْأَعْضَاءِ الظَّاهِرَةِ إِذَا اخْتَلَفَ الْجَانِي وَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ فِي سَلَامَتِهَا وَعَطَبِهَا، وَالْعَيْنُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَعْضَاءِ الظَّاهِرَةِ، فَإِذَا فَقَأَ رَجُلٌ عَيْنَ رَجُلٍ وَاخْتَلَفَ الْفَاقِئُ وَالْمَفْقُوءُ.
فَقَالَ الْفَاقِئُ: فَقَأْتُهَا وَبَصَرُهَا ذَاهِبٌ.
وَقَالَ الْمَفْقُوءُ: بَلْ كَانَ سَلِيمًا، فَلَا يَخْلُو حَالُ الْفَاقِئِ مِنْ أَنْ يَعْتَرِفَ لَهُ بِتَقَدُّمِ السَّلَامَةِ أَوْ لَا يَعْتَرِفَ، فَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ لَهُ بِهَا وَقَالَ: خُلِقْتَ ذَاهِبَ الْبَصَرِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، لِأَنَّ الْمَفْقُوءَ يُمْكِنُهُ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى سَلَامَةِ بَصَرِهِ، وَإِنِ اعْتَرَفَ لَهُ بِالسَّلَامَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَادَّعَى ذَهَابَ بَصَرِهِ قَبْلَ جِنَايَتِهِ فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْفَاقِئِ مَعَ يَمِينِهِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْقَوَدِ وَبَرَاءَةُ الذِّمَّةِ حَتَّى يُقِيمَ الْمَفْقُوءُ الْبَيِّنَةَ عَلَى سَلَامَتِهِ عِنْدَ الْجِنَايَةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمَفْقُوءِ مَعَ يَمِينِهِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ عَلَى سَلَامَتِهِ حَتَّى يُقِيمَ الْفَاقِئُ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذهاب بصر، وأصل هذين القولين اختلاف قوليه في الملفوف إِذَا قُطِعَ، وَقَالَ الْجَانِي: قَطَعْتُهُ وَكَانَ مَيْتًا.
وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُ كَانَ حَيًّا.
أَوْ هَدَمَ عَلَى جَمَاعَةٍ بَيْتًا وَقَالَ: هَدَمْتُهُ عَلَيْهِمْ وَكَانُوا مَوْتَى، وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ: كَانُوا أَحْيَاءً فَفِيهَا قَوْلَانِ:

أحدهما: أن القول قول الجاني مع يمينه، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْقَوَدِ وَبَرَاءَةُ الذِّمَّةِ.
وَالثَّانِي: إِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْأَوْلِيَاءِ مَعَ أَيْمَانِهِمْ، لِأَنَّ الأصل بقاء الحياة.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَيَسَعُهَا أَنْ تَشْهَدَ إِذَا رَأَتْهُ يُتْبِعُ الشَّخْصَ بصره ويطرف عنه ويتوقاه وكذلك المعرفة بانبساط اليد والذكر وانقباضهما، وكذلك المعتوه والصبي وَمَتَّى عَلِمَ أَنَّهُ صَحِيحٌ فَهُوَ عَلَى الصِّحَّةِ حتى يعلم غيرها ". قال الماوردي: وَأَصْلُ الشَّهَادَةِ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ إِلَّا بِأَقْصَى جِهَاتِ الْعِلْمِ بِهَا، فَإِذَا شَهِدُوا بِسَلَامَةِ الْبَصَرِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُشَاهَدُ فَقَدْ يَقْتَرِنُ بِالشَّهَادَةِ مِنْ أَمَارَاتِ الْعِلْمِ بِهِ مَا لَا يَعْتَرِضُهُ شَكٌّ، وَهُوَ أَنْ يَرَاهُ يَتْبَعُ الشَّخْصَ وَيَسَلُكُ الْمَعَاطِفَ وَيَتَوَقَّى الْآبَارَ، وَيَقْرَأُ الْكُتُبَ، وَيَتَطَرَّفُ عَيْنَهُ عَنِ الْأَذَى، فَيَعْلَمُ بِهَذِهِ الْأَمَارَاتِ وَالدَّلَائِلِ عِلْمًا لَا يَدْخُلُهُ شَكٌّ أَنَّهُ يُبْصِرُ، فَجَازَ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ بِسَلَامَةِ بَصَرِهِ، وَهَكَذَا فِي سَلَامَةِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ إِذَا رَآهُ يَمْشِي عَلَى قَدَمَيْهِ، وَيَقْبِضُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ، وَيَعْمَلُ بِيَدَيْهِ قَبْضًا وَبَسْطًا، وَرَفْعًا وَوَضْعًا، عَلِمَ بِذَلِكَ سَلَامَتَهَا مِنْ شَلَلٍ، فَجَازَ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ بِالصِّحَّةِ، وَهَكَذَا الذَّكَرُ وَهُوَ مِنَ الْأَعْضَاءِ يَجُوزُ إِذَا رَآهُ يَنْقَبِضُ وَيَنْبَسِطُ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ بِالسَّلَامَةِ مِنَ الشَّلَلِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُشَاهِدَهُ فِي إِحْدَى ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: إِمَّا حَالَ الصِّغَرِ قَبْلَ تَغْلِيظِ عَوْرَتِهِ.
أَوْ يُشَاهِدَهُ فِي الْكِبَرِ بِالِاتِّفَاقِ مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ لِمُشَاهَدَتِهِ.
أَوْ يَكُونُ طَبِيبًا قَدْ دَعَتْهُ الضَّرُورَةُ إِلَى مُشَاهَدَتِهِ، فَأَمَّا إِنْ تَعَمَّدَ فِي الْكِبَرِ لِلنَّظَرِ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ فَقَدْ فَسَقَ، وَلَا يُقْبَلُ لِلْفَاسِقِ شَهَادَةٌ، وَكَذَلِكَ الشَّهَادَةُ لِلصَّبِيِّ وَالْمَعْتُوهِ بسلامة أعضائه، لأنه يستبدل عَلَيْهَا بِحَرَكَاتِ طَبْعِهِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: " وَمَتَّى عَلِمَ أَنَّهُ صَحِيحٌ فَهُوَ عَلَى الصِّحَّةِ " وَشَهِدَ لَهُ شَاهِدَانِ بِهَا نُظِرَتْ شَهَادَتُهُمَا، فَإِنْ شَهِدَا لَهُ بِالصِّحَّةِ عِنْدَ الْجِنَايَةِ حُكِمَ بِهَا، وَلَمْ يُسْتَحْلَفِ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مَعَهَا، لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ تُغْنِي عَنِ الْيَمِينِ فِيمَا تَضَمَّنَتْهُ، وَإِنْ شَهِدَا بِالسَّلَامَةِ قَبْلَ الْجِنَايَةِ فَفِي سَمَاعِهَا وَالْحُكْمِ بِهَا قَوْلَانِ مِنِ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِيمَنْ عَلِمَ بِتَقَدُّمِ سَلَامَتِهَا هَلْ يُحْكَمُ فِيهَا عِنْدَ الْجِنَايَةِ بِقَوْلِهِ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يُحْكَمُ بِقَوْلِهِ، فَعَلَى هَذَا لَا تُسْمَعُ الشَّهَادَةُ لَهُ بِتَقَدُّمِ سَلَامَتِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يُحْكَمُ لَهُ بِقَوْلِهِ، فَعَلَى هَذَا تُسْمَعُ الشَّهَادَةُ لَهُ بِتَقَدُّمِ سَلَامَتِهِ، ثُمَّ يُسْتَحْلَفُ مَعَهَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ عَلَى السَّلَامَةِ إلى حين جنايته.
(مسألة) قال الشافعي رضي الله عنه: " وَفِي الْجُفُونِ إِذَا اسْتُؤْصِلَتِ الدِّيَةُ وَفِي كُلِّ

واحد منهما ربع الدية لأن ذلك من تمام خلقته وما يألم بقطعه ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا جُفُونُ الْعَيْنَيْنِ فَهِيَ أَرْبَعَةٌ تُحِيطُ بِالْعَيْنَيْنِ مِنْ أَعْلَى وَأَسْفَلَ، وَتَحْفَظُهُمَا مِنَ الْأَذَى، وَتَجْلِبُ إِلَيْهِمَا النَّوْمَ، وَيَكْمُلُ بِهِنَّ جَمَالُ الوجه والعين، وفيها إذا استوصلت الدِّيَةُ تَامَّةً.
وَقَالَ مَالِكٌ: فِيهَا حُكُومَةٌ، لِأَنَّ مَقَادِيرَ الدِّيَاتِ مَوْقُوفٌ عَلَى النَّصِّ وَلَيْسَ فِيهَا نَصٌّ، وَلِأَنَّهَا تَبَعٌ لِلْعَيْنَيْنِ فَلَمْ تَجِبْ فِيهَا الدِّيَةُ الْوَاجِبَةُ فِي الْعَيْنَيْنِ، لِأَنَّ حُكْمَ التَّبَعِ أَخَفُّ مِنْ حُكْمِ الْمَتْبُوعِ.
وَدَلِيلُنَا مَا رَوَاهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ " وَفِي الجفون إذا استوصلت الدِّيَةُ " وَلَيْسَ بِمَشْهُورٍ عِنْدَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَلِأَنَّهَا مِنْ تَمَامِ الْخِلْقَةِ فِيهَا مَنْفَعَةٌ وَجَمَالٌ تَأَلَّمَ بِقَطْعِهَا وَيُخَافُ عَلَى النَّفْسِ مِنْ سِرَايَةِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهَا، فَوَجَبَ أَنْ تَكْمُلَ الدِّيَةُ فِيهَا كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ وَلَا يُمْتَنَعُ، وَإِنْ كَانَتْ تَبَعًا أَنْ تُسَاوِيَ مَتْبُوعًا فِي الدِّيَةِ إِذَا اخْتُصَّتْ بِزِيَادَةِ جَمَالٍ وَمَنْفَعَةٍ كَالْأَنْفِ فِي الشَّمِّ، وَالْأُذُنَيْنِ فِي السَّمْعِ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ فِيهَا الدِّيَةَ فَسَوَاءٌ استوصلت مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ أَوْ بَصِيرٍ، لِأَنَّ لِلضَّرِيرِ بِهَا مَنْفَعَةً وَجَمَالًا وَإِنْ كَانَتْ مَنْفَعَةُ الْبَصَرِ بِهَا أَعَمَّ.
فَأَمَّا الْقَوَدُ فَإِنْ أَمْكَنَ فِيهَا وَلَمْ يَتَعَدَّ ضَرَرُهُ إِلَى الْعَيْنَيْنِ وَجَبَ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ سَقَطَ، فَإِنْ قَلَعَ جَفْنًا وَاحِدًا فَفِيهِ رُبْعُ الدِّيَةِ، لِأَنَّ كُلَّ ذِي عَدَدٍ مِنَ الْأَعْضَاءِ إِذَا كَمُلَتْ فِيهِ الدِّيَةُ تَقَسَّطَتْ عَلَى عَدَدِهَا كَالْيَدَيْنِ فِي تَقْسِيطِ دِيَتِهَا عَلَى الْأَصَابِعِ، وَتُقَسَّطُ دِيَةُ الْإِصْبَعِ عَلَى الْأَنَامِلِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْجَفْنُ أَعْلَى أَوْ أَسْفَلَ، وَفِي الْجَفْنَيْنِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَفِي ثَلَاثَةِ جُفُونٍ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الدِّيَةِ، فَلَوْ جَنَى عَلَى عَيْنَيْهِ فَقَطَعَ جُفُونَهُمَا وَأَذْهَبَ بَصَرَهُمَا لَزِمَتْهُ دِيَتَانِ.
إِحْدَاهُمَا: فِي الْجُفُونِ.
وَالْأُخْرَى: فِي الْعَيْنَيْنِ، كَمَا لَوْ قَطَعَ أُذُنَيْهِ وَأَذْهَبَ سَمْعَهُ.

(فَصْلٌ)

فَأَمَّا أَهْدَابُ الْعَيْنَيْنِ وَأَشْفَارُهُمَا مِنَ الشَّعْرِ النَّابِتِ فِي أَجْفَانِهِمَا فَفِيهِمَا مِنَ الْمَنْفَعَةِ ذَبُّهَا عَنِ الْبَصَرِ، وَمِنِ الْجَمَالِ حُسْنُ الْمَنْظَرِ، وَفِيهَا إِذَا انْتَفَتْ فَلَمْ تَعُدْ حُكُومَةً.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: فِيهَا الدِّيَةُ.
وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأَنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ فِي قَطْعِ مَا يُخَافُ مِنْ سِرَايَتِهِ وَيُؤْلَمُ فِي إِبَانَتِهِ، وَهَذَا مَعْدُومٌ فِي الْأَهْدَابِ وَمَوْجُودٌ فِي الْجُفُونِ، فَلِذَلِكَ وَجَبَ فِي الْأَجْفَانِ دِيَةٌ، وَفِي الْأَهْدَابِ حُكُومَةٌ، فَإِنْ نَتَفَ أَهْدَابَهُ فَعَادَ نَبَاتُهَا دُونَ مَا كَانَتْ فَفِيهَا مِنَ الْحُكُومَةِ أَقَلُّ مِمَّا فِيهَا لَوْ لَمْ تَعُدْ، فَإِنْ عَادَ نَبَاتُهَا إِلَى ما كانت عليه ففيهما وجهان:

أَحَدُهُمَا: لَا شَيْءَ فِيهَا لِعَدَمِ التَّأْثِيرِ وَيُعَزَّرُ لِأَجْلِ الْأَذَى.
وَالثَّانِي: فِيهَا حُكُومَةٌ دُونَ حُكُومَتِهَا لَوْ عَادَ نَبَاتُهَا خَفِيفًا، فَإِنِ اسْتَأْصَلَ أَجْفَانَهُ مع أهدابها فعليه دية الجفون تدل فِيهَا حُكُومَةُ الْأَهْدَابِ، وَحَكَى أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَجْهًا آخَرَ أَنَّهُ يَجْمَعُ عَلَيْهِ بَيْنَ دِيَةِ الْجُفُونِ وَحُكُومَةِ الْأَهْدَابِ، وَهَذَا لَا وَجْهَ لَهُ، لِأَنَّ الْجُفُونَ مَحَلُّ الْأَهْدَابِ فَلَمْ يَنْفَرِدْ بِالْحُكُومَةِ فِيهَا كَالْأَصَابِعِ مَعَ الْكَفِّ.

(فَصْلٌ)

فَأَمَّا شَعْرُ الْحَاجِبَيْنِ فَيَخْتَصَّانِ بِالْجَمَالِ دُونَ الْمَنْفَعَةِ، فَإِنْ نَتَفَهُ حَتَّى ذَهَبَ وَلَمْ يَعُدْ فَفِيهِ حُكُومَةٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: فِيهِ دِيَةٌ، لِأَنَّهُ يُوجِبُهَا فِي أَرْبَعَةِ شُعُورٍ: شَعْرِ الرَّأْسِ، وَاللِّحْيَةِ، وَالْحَاجِبَيْنِ، وَأَهْدَابِ الْعَيْنَيْنِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَبْدًا فَيَجِبُ فِيهِ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ.
فَلَوْ عَادَ شَعْرُ الْحَاجِبَيْنِ بَعْدَ نَتْفِهِ فَعَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْوَجْهَيْنِ، فَلَوْ كَشَطَ جِلْدَةَ الْحَاجِبَيْنِ وَلَمْ يَسْتَخْلِفْ، كَانَ عَلَيْهِ حُكُومَةٌ بِحَسَبَ الشَّيْنِ هِيَ أَكْثَرُ مِنْ حُكُومَةِ الشَّعْرِ، فَإِنَّ أَوْضَحَ مَحَلَّهُمَا كَانَ عَلَيْهِ دِيَةُ مُوضِحَتَيْنِ، وَهَلْ يَدْخُلُ فِيهِمَا حُكُومَةُ الشَّيْنِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ذَكَرْنَا نَظِيرَهُمَا مِنْ قَبْلُ.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وفي الأنف إذا أوعب مارنه جدعا الدية ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَفِي الْأَنْفِ الدِّيَةُ، لِمَا رَوَى ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ كِتَابٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " وفي الأنف إذا أوعب مارنه جدعا الدية " فَأَوْرَدَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ذَلِكَ بِلَفْظِ رَسُولِ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِذَا أَمْكَنَ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَبِأَلْفَاظِ الصَّحَابَةِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِأَلْفَاظِ التَّابِعِينَ، وَكَثِيرًا مَا يُورِدُهَا بِلَفْظِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ.
وَرَوَى عمرو بن حزم عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: فِي كِتَابِهِ إِلَى الْيَمَنِ: " وَفِي الأنف إذا أوعب جذعاً مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ " لِأَنَّ الْأَنْفَ عُضْوٌ فِيهِ مَنْفَعَةٌ وَجَمَالٌ تَأَلَّمَ بِقَطْعِهِ، وَرُبَّمَا سَرَتِ الْجِنَايَةُ عَلَيْهِ إِلَى نَفْسِهِ فَوَجَبَ أَنْ يُكْمِلَ فِيهِ الدِّيَةَ كَاللِّسَانِ وَالذَّكَرِ، وَمَارِنُ الْأَنْفِ هُوَ مَا لَانَ مِنَ الْحَاجِزِ بَيْنَ الْمَنْخَرَيْنِ الْمُتَّصِلُ بِقَصَبَةِ الْأَنْفِ.
وَالْقَصَبَةُ هِيَ الْعَظْمُ الْمُنْتَهِي إِلَى الْجَبْهَةِ، وَكَمَالُ الدِّيَةِ فِيهِ يَجِبُ بِاسْتِيعَابِ الْمَارِنِ مَعَ الْمَنْخَرَيْنِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْأَنْفُ الْأَقْنَى وَالْأَفْطَسُ وَالْأَحْجَرُ، وَالْأَخْنَسُ، وَأَنْفُ الْأَشَمِّ وَالْأَخْشَمُ فَإِنْ قَطَعَ أَرْنَبَةَ الْأَنْفِ وَتَجَزَّأَ فِيهِ مِنَ الدِّيَةِ بِحِسَابِهِ وَقِسْطِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَجَزَّأْ فَفِيهِ حُكُومَةٌ، وَلَوْ قَطَعَ أَحَدَ الْمَنْخَرَيْنِ وَبَقِيَ الْمَنْخَرُ الْآخَرُ مَعَ الْمَارِنِ فَفِيمَا يَلْزَمُهُ مِنَ الدِّيَةِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ:

أَحَدُهُمَا: عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَحَكَاهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، لِأَنَّهُ قَدْ أَذْهَبَ نِصْفَ مَنْفَعَتِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: عَلَيْهِ ثُلُثُ الدِّيَةِ تَقْسِيطًا عَلَى الْمَنْخَرَيْنِ وَالْمَارِنِ الَّذِي يَشْتَمِلُ الْأَنْفُ عَلَيْهَا، فَكَانَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَيَلْزَمُهُ عَلَى هَذَا فِي قَطْعِ الْمَارِنِ مَعَ بَقَاءِ الْمَنْخَرَيْنِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَلَوْ شَقَّ الْمَارِنَ وَلَمْ يَقْطَعْهُ فَفِيهِ حُكُومَةٌ، انْدَمَلَ أَوْ لَمْ يَنْدَمِلْ، غَيْرَ أَنَّهَا فِي الْمُنْدَمِلِ أَقَلُّ وَفِي غَيْرِ الْمُنْدَمِلِ، أَكْثَرُ، فَإِنْ خَرَمَ أَحَدٌ مَنْخَرَيْهِ فَإِنْ لم يذهب منه بالخرم شيء ويجزأ فَفِيهِ مِنَ الدِّيَةِ بِقِسْطِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَجَزَّأْ فَفِيهِ حُكُومَةٌ بِحَسَبِ الشَّيْنِ لَا تَبْلُغُ بِهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَنَصِفُهَا فِي الْوَجْهِ الثَّانِي، بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ فِي قَطْعِ أَحَدِ الْمَنْخَرَيْنِ، لِأَنَّ قَطْعَهُ أَكْثَرُ مَنْ خَرْمِهِ، فَإِنِ اسْتَوْعَبَ قَطْعَ الْأَنْفِ مِنْ أَصْلِ الْمَارِنِ فَأَوْضَحَ عَظْمَ الْقَصَبَةِ فَعَلَيْهِ مَعَ دِيَةِ الْأَنْفِ دِيَةُ مُوضِحَةٍ، وَلَوْ هَشَمَهُ لَزِمَهُ دِيَةُ هَاشِمَةٍ، وَلَوْ نَقَّلَهُ لَزِمَهُ دِيَةُ مُنَقِّلَةٍ، وَلَوْ أَجَافَ مَا تَحْتَهُ لَزِمَهُ دِيَةُ مَأْمُومَةٍ، لِوُصُولِهِ إِلَى جَوْفِ الرَّأْسِ، وَحَكَى أَبُو حَامِدٍ الْمَرْوَزِيُّ فِي " جَامِعِهِ " قَوْلًا ثَانِيًا: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ فِيهِ دِيَةُ مَأْمُومَةٍ وَيَلْزَمُهُ حُكُومَةٌ هِيَ أَكْثَرُ مِنْ دِيَةِ مُنَقِّلَةٍ، فَإِنِ اسْتَوْعَبَ عَظْمَ الْقَصَبَةِ كُلَّهَا لَزِمَهُ مَعَ دِيَةِ الْأَنْفِ حُكُومَةُ الْقَصَبَةِ لَا يَبْلُغُ بِهَا دِيَةَ الْأَنْفِ، لِأَنَّهَا تَبَعٌ لَهُ، وَخَرَّجَ هَذَا التَّعْلِيلَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَوْلًا ثَانِيًا فِي قَصَبَةِ الْأَنْفِ إِذَا قُطِعَتْ مع الأنف قولاً ثانياً أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِيهَا إِلَّا دِيَةٌ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ فِي قَطْعِ الْحَلَمَةِ مَعَ الثَّدْيَيْنِ، وَقَطْعِ الْحَشَفَةِ مَعَ بَعْضِ الذَّكَرِ، وَلَيْسَ هَذَا التَّحْرِيمُ بِصَحِيحٍ، لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَحَلَّ الْحَلَمَةِ فِي الثَّدْيِ وَمَحَلَّ الْحَشَفَةِ عَلَى الذَّكَرِ، وَلَيْسَ مَحَلُّ الْأَنْفِ عَلَى الْقَصَبَةِ وَإِنِ اتَّصَلَ بِهَا فَاخْتَلَفَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ فِي إِيضَاحِ الْمَارِنِ دِيَةُ مُوضِحَةٍ كَانَ الْتِزَامُ الْغُرْمِ فِي قَطْعِ أَصْلِهَا أَحَقَّ.

(فَصْلٌ)

وَلَوْ جَنَى عَلَى أَنْفِهِ فَاسْتَحْشَفَ وَيَبِسَ فَفِيهِ قَوْلَانِ كَالْأُذُنَيْنِ إِذَا اسْتَحْشَفَتَا: أَحَدُهُمَا: عَلَيْهِ الدِّيَةُ تَامَّةً كَالْيَدَيْنِ إِذَا شُلَّتَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: عَلَيْهِ حُكُومَةٌ، لِبَقَاءِ نَفْعِهِ مَعَ ذَهَابِ جَمَالِهِ بِخِلَافِ شَلَلِ الْيَدِ الَّذِي قَدْ فَاتَ بِهِ الْجَمَالُ وَالْمَنْفَعَةُ، وَعَلَى هَذَا لَوْ جَدَعَ أَنْفًا مُسْتَحْشَفًا، كَانَ فِيمَا يَلْزَمُهُ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: حُكُومَةٌ إِذَا قِيلَ فِي اسْتِحْشَافِهِ دِيَةٌ.
وَالثَّانِي: دِيَةٌ إِذَا قِيلَ فِي اسْتِحْشَافِهِ حُكُومَةٌ، وَلَوْ جَنَى عَلَى أَنْفِهِ فاعوج لزمته

حُكُومَةٌ، فَإِنْ جُبِرَ حَتَّى عَادَ مُسْتَقِيمًا كَانَتْ حُكُومَتُهُ أَقَلُّ، وَإِنْ بَقِيَ عَلَى عِوَجِهِ كَانَتْ حُكُومَتُهُ أَكْثَرَ بِحَسَبِ شَيْنِهِ.

(فَصْلٌ)

وَلَوْ جُدِعَ أَنْفُهُ فَأَعَادَهُ بِحَرَارَةِ دَمِهِ حَتَّى الْتَحَمَ نُظِرَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْجِنَايَةِ قَدْ بَانَ وَانْفَصَلَ فَفِيهِ حُكُومَةٌ كَالْجِرَاحَةِ الْمُنْدَمِلَةِ، وَإِنْ بَانَ وانفصل ففيه الدية كامل، لِأَنَّهُ لَا يُقِرُّ عَلَى تَرْكِهِ، وَيُؤْخَذُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى بِقَطْعِهِ، لِأَنَّهُ صَارَ بِالِانْفِصَالِ مَيِّتًا نَجِسًا، وَلَوْ أَلْصَقَهُ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ حَتَّى الْتَحَمَ أُخِذَ بِقَطْعِهِ وَإِزَالَتِهِ، فَإِنْ كَانَ إِلْصَاقُهُ قَبْلَ انْفِصَالِهِ كَانَ مَأْخُوذًا بِقَطْعِهِ فِي حَقِّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ انْفِصَالِهِ كَانَ مَأْخُوذًا بِقَطْعِهِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى.

(مَسْأَلَةٌ)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَفِي ذَهَابِ الشَّمِّ الدِّيَةُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، وَقَدْ حَكَى بَعْضُ الرُّوَاةِ عَنْ عَمْرِو بن حزم أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ فِي كِتَابِهِ إِلَى الْيَمَنِ: " وَفِي الشَّمِّ الدِّيَةُ "، وَلِأَنَّ الشَّمَّ مِنَ الْحَوَاسِّ النَّافِعَةِ فَأَشْبَهَ حَاسَّةَ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ، وَهُوَ مِنَ الْأُمُورِ الْمُغَيَّبَةِ الَّتِي لَا تُرَى وَلَا تُعْلَمُ إِلَّا مِنْ صَاحِبِهَا، فَإِنِ ادَّعَى الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ ذَهَابَ شَمِّهِ وأنكره الجاني وادعى بقاؤه كَانَ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ ذَهَابَهُ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ لَكِنْ يستظهر عليه بغاية ما يمكن في اختيار صِدْقِهِ بِأَنْ يُثَارَ عَلَيْهِ فِي أَوْقَاتِ غَفَلَاتِهِ الروائع الطَّيِّبَةُ وَالْمُنْتِنَةُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى فَإِنْ كَانَ لَا يَرْتَاحُ إِلَى الرَّوَائِحِ الطَّيِّبَةِ وَلَا يَظْهَرُ مِنْهُ كَرَاهَةٌ لِلرَّوَائِحِ الْمُنْتِنَةِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى صِدْقِهِ، فَكَانَ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ، لِإِمْكَانِ تَصَنُّعِهِ، وَإِنْ وُجِدَ مِنْهُ الِارْتِيَاحُ لِلرَّوَائِحِ الطَّيِّبَةِ وَالْكَرَاهَةُ لِلرَّوَائِحِ الْمُنْتِنَةِ، صَارَ الظَّاهِرُ بِهَا فِي جَنَبَةِ الْجَانِي فَأُحْلِفَ عَلَى بَقَاءِ شَمِّهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فَلَوْ أُحْلِفَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ عَلَى ذَهَابِ شَمِّهِ ثُمَّ غَطَّى أَنْفَهُ عِنْدَ رَائِحَةٍ مُنْتِنَةٍ فَادَّعَى الْجَانِي أَنَّهُ غَطَّاهُ لِبَقَاءِ شَمِّهِ.
وَقَالَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ: بَلْ غَطَّيْتُهُ لِحَاجَةٍ أَوْ عَادَةٍ كَانَ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ دُونَ الْجَانِي، وَيُحْكَمُ لَهُ بِالدِّيَةِ لِاحْتِمَالِ مَا قَالَهُ.

(فَصْلٌ)

وَلَوْ ذَهَبَ شَمُّهُ وَقَضَى لَهُ بِالدِّيَةِ ثُمَّ عَادَ شَمُّهُ لَزِمَهُ رَدُّ الدِّيَةِ، وَعُلِمَ أَنَّ ذَهَابَ شَمِّهِ كَانَ لِحَائِلٍ دُونَهُ، وَلَا حُكُومَةَ لَهُ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي لَمْ يَشُمَّ فِيهَا، لِبَقَاءِ شَمِّهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ عَوْدِهِ أَضْعَفَ مِنْهُ قَبْلَ ذَهَابِهِ، لِأَنَّهُ كَانَ يَشُمُّ مِنْ قَرِيبٍ وَبَعِيدٍ فَصَارَ يَشُمُّ مِنَ الْقَرِيبِ، وَلَا يَشُمُّ مِنَ الْبَعِيدِ، أَوْ كَانَ يَشُمُّ الرَّوَائِحَ الْقَوِيَّةَ وَالضَّعِيفَةَ فَصَارَ يَشُمُّ الرَّوَائِحَ الْقَوِيَّةَ دُونَ الضَّعِيفَةِ، فَإِنْ عُلِمَ قَدْرُ الذَّاهِبِ مِنْهُ وَلَا أَحْسَبُهُ يُعْلَمُ كَانَ فِيهِ مِنَ الدِّيَةِ بِقِسْطِ الذَّاهِبِ، فَإِنْ لَمْ يحلم فَفِيهِ حُكُومَةٌ.
وَلَوْ كَانَ فِي أَصْلِ خِلْقَتِهِ يَشُمُّ شَمًّا ضَعِيفًا وَذَلِكَ بِأَنْ يَشُمَّ مِنَ الْقَرِيبِ أَوِ الْقَوِيِّ مِنَ

الرَّوَائِحِ دُونَ الضَّعِيفِ فَجَنَى عَلَيْهِ فَأَذْهَبَ شَمَّهُ صَارَ لَا يَشُمُّ قَوِيًّا وَلَا ضَعِيفًا مِنْ قَرِيبٍ وَلَا بَعِيدٍ فَفِيهِ وَجْهَانِ مُحْتَمَلَانِ: أَحَدُهُمَا: فِيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً، لِأَنَّ الْحَوَاسَّ تَخْتَلِفُ بِالْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ كَالْأَعْضَاءِ الَّتِي لَا تَخْتَلِفُ الدِّيَةُ بِاخْتِلَافِ قُوَّتِهَا وَضَعْفِهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْمَوْجُودَ كَانَ فِيهِ بَعْضِ الشَّمِّ فَلَمْ يَلْزَمْ فِي إِذْهَابِهِ إِلَّا بَعْضُ الدِّيَةِ، بِخِلَافِ ضَعْفِ الْأَعْضَاءِ الَّذِي يُوجَدُ جِنْسُ الْمَنَافِعِ فِيهَا.
فَعَلَى هَذَا إِنْ عُلِمَ قَدْرُ مَا كَانَ ذَاهِبًا مِنْ شَمِّهِ فَفِيهِ مِنَ الدِّيَةِ بِقِسْطِهِ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ فَفِيهِ حُكُومَةٌ يَجْتَهِدُ الْحَاكِمُ فِيهَا رَأْيَهُ.

(فَصْلٌ)

وَلَوْ جَدَعَ أَنْفَهُ فَذَهَبَ مِنْهُ شَمُّهُ لَزِمَهُ دِيَتَانِ، إِحْدَاهُمَا فِي جَدْعِ الْأَنْفِ، وَالْأُخْرَى فِي ذَهَابِ الشَّمِّ، لِاخْتِلَافِهِمَا فِي الْمَحَلِّ كَالْأُذُنَيْنِ وَالسَّمْعِ، وَخَالَفَ ذَهَابَ الْبَصَرِ مَعَ الْعَيْنَيْنِ، وَذَهَابَ الْكَلَامِ مع اللسان، لاجتماعهما في المحل.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ إِذَا اسْتُوعِبَتَا وَفِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، لِرِوَايَةِ عَمْرُو بْنُ حَزْمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ فِي كِتَابِهِ إِلَى الْيَمَنِ " وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ " وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَلِأَنَّهُمَا عُضْوَانِ مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ فِيهِمَا مَنْفَعَةٌ وَجَمَالٌ، يَأْلَمُ بِقَطْعِهِمَا وَيُخَافُ مِنْ سِرَايَتِهِمَا فَأَشْبَهَا الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْغَلِيظَتَانِ وَالدَّقِيقَتَانِ، وَالطَّوِيلَتَانِ وَالْقَصِيرَتَانِ، مِنْ نَاطِقٍ أَوْ أَخْرَسَ، ذِي أَسْنَانٍ وَغَيْرِ أَسْنَانٍ، وَفِي إِحْدَى الشَّفَتَيْنِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَلَا فَضْلَ لِلْعُلْيَا عَلَى السُّفْلَى، وَحُكِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ فِي السُّفْلَى ثُلُثَيِ الدِّيَةِ، وَفِي الْعُلْيَا ثُلُثُهَا، لِأَنَّ السُّفْلَى أَنْفَعُ مِنَ الْعُلْيَا، لِحَرَكَتِهَا وَدَوَرَانِهَا، وَحِفْظِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ بِهَا، وَمَا فِيهَا مِنْ حُرُوفِ الْكَلَامِ الشَّفَوِيَّةِ، وَهَذَا يَفْسَدُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَنْفَعَةً لَيْسَتْ لِلْأُخْرَى فَصَارَتَا مُتَسَاوِيَتَيْنِ.
وَالثَّانِي: لِأَنَّ تَفَاضُلَ الْمَنَافِعِ فِي الْأَعْضَاءِ الْمُتَجَانِسَةِ لَا يُوجِبُ تَفَاضُلَهَا فِي الدِّيَاتِ كَالْأَصَابِعِ وَالْأَسْنَانِ، فَإِنْ قَطَعَ النِّصْفَ مِنْ إِحْدَى الشَّفَتَيْنِ كَانَ عَلَيْهِ رُبُعُ الدِّيَةِ، وَإِنْ قَطَعَ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الدِّيَةِ بِحَسَبِ مَا قَطَعَ.

(فَصْلٌ)

وَلَوْ جَنَى عَلَيْهِمَا فَاسْتَحْشَفَتَا وَيَبِسَتَا حَتَّى لَمْ يَتَحَرَّكَا وَلَمْ يَأْلَمَا فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً قَوْلًا وَاحِدًا، بِخِلَافِ الْأَنْفِ إِذَا اسْتَحْشَفَهُ أَنَّ عَلَيْهِ حُكُومَةً فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْأَنْفِ بَاقِيَةٌ وَمَنْفَعَةَ الشَّفَةِ ذَاهِبَةٌ، وَإِنْ تَقَلَّصَتَا بِالْجِنَايَةِ حَتَّى صَارَ كَاشِرَ الْأَسْنَانِ

نُظِرَ فَإِنِ انْبَسَطَتَا فَذَلِكَ نَقْصٌ فِي الْمَنْفَعَةِ تَجِبُ فِيهِ حُكُومَةٌ، وَإِنْ لَمْ تَنْبَسِطْ بِالْمَدِّ فَهُوَ ذَهَابُ جَمِيعِ الْمَنْفَعَةِ فَتَكْمُلُ فِيهِمَا الدِّيَةُ، وَلَوْ تَقَلَّصَ بَعْضُهَا وَلَمْ يَنْبَسِطْ بِالْمَدِّ فَفِيهِ مِنَ الدِّيَةِ بِحِسَابِ مَا تَقَلَّصَ، وَلَوْ جَنَى عَلَيْهَا فَاسْتَرْخَتَا حَتَّى لَا يَنْفَصِلَا عَنِ الْأَسْنَانِ إِذَا كَشَّرَ أَوْ ضَحِكَ فَفِيهِمَا الدِّيَةُ كَامِلَةً، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَفِيهِ عِنْدِي نَظَرٌ، لِبَقَاءِ مَنْفَعَتِهِمَا بِحِفْظِ الْأَسْنَانِ وَمَا يَدْخُلُ الْفَمَ مِنْ طَعَامٍ وَشَرَابٍ، فَاقْتَضَى لِأَجْلِ ذَلِكَ أَنْ تَجِبَ فِيهِ حُكُومَةٌ بِخِلَافِ تَقَلُّصِهِمَا الْمُذْهِبِ لِجَمِيعِ مَنَافِعِهِمَا، وَلَوْ شَقَّ الشَّفَةَ فَلَمْ يَنْدَمِلْ حَتَّى صَارَ كَالْأَعْلَمِ إِنْ كَانَ الشَّقُّ فِي الْعُلْيَا وَكَالْأَقْلَعِ إِنْ كَانَ الشَّقُّ فِي السُّفْلَى، فَفِيهِ حُكُومَةٌ بِحَسَبِ الشَّيْنِ لَا يَبْلُغُ بِهَا إِحْدَى الشَّفَتَيْنِ، وَإِنِ انْدَمَلَتْ فَفِيهِ حُكُومَةٌ أَنْ تَقِلَّ عَنْ حُكُومَةِ مَا لَمْ يَنْدَمِلْ، وَتَقِلَّ إِنِ انْدَمَلَتْ مُلْتَئِمَةً وَتَكْثُرْ إِنِ انْدَمَلَتْ غَيْرَ مُلْتَئِمَةٍ وَلَوْ قطع شقة مَشْقُوقَةً لَزِمَهُ جَمِيعُ دِيَتِهَا إِنْ لَمْ يَذُبَّ الشَّقُّ شَيْئًا مِنْ مَنَافِعِهَا، وَيُقَسِّطُهُ إِنْ أَذْهَبَ مَعْلُومَ الْقَدْرِ مِنْ مَنَافِعِهَا، وَحُكُومَةً تَقِلُّ عَنْ دِيَتِهَا إِنْ لَمْ يُعْلَمْ قَدْرُ الذَّاهِبِ مِنْ مَنَافِعِهَا.

(فَصْلٌ)

وَحَدُّ الشَّفَتَيْنِ مَا وَصَفَهُ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ " الْأُمِّ " أَنَّهُ مَا زَايَلَ جِلْدَ الذَّقَنِ وَالْخَدَّيْنِ مِنَ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلِ مُسْتَدِيرًا بِالْفَمِ كُلِّهِ مِمَّا ارْتَفَعَ عَنِ الْأَسْنَانِ وَاللِّثَةِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: " وَفِي جِنَايَةِ الْعَمْدِ عَلَيْهِمَا الْقَوَدُ ". وَقَالَ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ: لَا قَوَدَ فِيهِمَا، لِأَنَّهُ قَطْعُ لَحْمٍ مِنْ لَحْمٍ فَصَارَ كَقَطْعِ بِضْعَةٍ مِنْ لُحْمَةٍ.
وَهَذَا خَطَأٌ، وَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ وُجُوبِ الْقَوَدِ أَصَحُّ، لِأَنَّهُ مَحْدُودٌ وَإِنْ كَانَ لَحْمًا مُتَّصِلًا بِلَحْمٍ فَشَابَهَ الْمَحْدُودَ بِالْمُنْفَصِلِ وَخَالَفَ الْبِضْعَةَ مِنَ اللَّحْمِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا حد ولا مفصل.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، لِرِوَايَةِ عَمْرُو بْنُ حَزْمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ فِي كِتَابِهِ إِلَى الْيَمَنِ " وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ " وَلِأَنَّهُ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ، وَلِأَنَّهُ عُضْوٌ مِنْ تَمَامِ الْخِلْقَةِ فِيهِ جَمَالٌ وَمَنْفَعَةٌ يَأْلَمُ بِقَطْعِهِ، وَرُبَّمَا سَرَى إِلَى نَفْسِهِ فَوَجَبَ أَنْ تَكْمُلَ فِيهِ الدِّيَةُ كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ، فَأَمَّا جَمَالُ اللِّسَانِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِيمَ الجمال؟ قال: " في اللسان ". وروي عنه أَنَّهُ قَالَ: " الْمَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ ".

وَأَمَّا مَنْفَعَةُ اللِّسَانِ فَالْمُعْتَمَدُ مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا: الْكَلَامُ الَّذِي يُعَبِّرُ بِهِ عَمَّا فِي نَفْسِهِ وَيَتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى إِرَادَتِهِ وَلِأَهْلِ التَّأْوِيلِ في قوله تعالى: ﴿خلق الإنسان عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: 2، 3] تَأْوِيلَانِ.
أَحَدُهُمَا: الْخَطُّ.
وَالثَّانِي: الْكَلَامُ.
وَالثَّانِي: مِنْ مَنَافِعِ اللِّسَانِ حَاسَّةُ ذَوْقِهِ الَّذِي يُدْرِكُ بِهِ مَلَاذَ طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ، وَيَعْرِفُ بِهِ فَرْقَ مَا بَيْنَ الْحُلْوِ وَالْحَامِضِ، وَالَمُرِّ وَالْعَذْبِ.
وَالثَّالِثُ: الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ فِي أَكْلِ الطَّعَامِ وَمَضْغِهِ وَإِدَارَتِهِ فِي لَهَوَاتِهِ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ طَحْنَهُ في الأضرس وَيَدْفَعَ بَقَايَاهُ مِنَ الْأَشْدَاقِ.
وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ مِنْ أَجْلِ الْمَنَافِعِ الَّتِي لَا يُتَوَصَّلُ بِغَيْرِ اللِّسَانِ إِلَيْهَا، فَكَانَ مِنْ أَجَلِّ الْأَعْضَاءِ نَفْعًا، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ فِي اللِّسَانِ الدِّيَةَ فَفِيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً إِذَا كَانَ نَاطِقًا سَلِيمًا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ لِسَانِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَالْمُتَكَلِّمِ بِالْعَرَبِيَّةِ وَالْأَعْجَمِيَّةِ، والفصيح والألكن، والثقيل والعجل.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِنْ خَرَسَ فَفِيهِ الدِّيَةُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا جَنَى عَلَى لِسَانِهِ فَأَذْهَبَ كَلَامَهُ حَتَّى خَرِسَ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِحَرْفٍ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ كاملة، لأنه قد سلبه أعظم منافعه ذهابة، لأن محل مِنَ اللِّسَانِ مَحَلُّ ذَهَابِ الْبَصَرِ مِنَ الْعَيْنِ، ولو جنى عليه فأذهب حاسة ذوقه وسلمه لَذَّةَ طَعَامِهِ حَتَّى لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ طَعْمِ الْحُلْوِ وَالْحَامِضِ فَلَيْسَ لِلشَّافِعِيِّ فِيهِ نَصٌّ، وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُهُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً، لِأَنَّ الذَّوْقَ أَحَدُ الْحَوَاسِّ الْمُخْتَصَّةِ بِعُضْوٍ خَاصٍّ فَأَشْبَهَ حَاسَّةَ السَّمْعِ وَالشَّمِّ، وَالذَّوْقُ أَنْفَعُ مِنَ الشَّمِّ وَآكَدُ، فَكَانَ بِكَمَالِ الدِّيَةِ أَحَقَّ.
فَإِنْ جَمَعَ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى لِسَانِهِ بَيْنَ ذَهَابِ كَلَامِهِ وَذَهَابِ ذَوْقِهِ كَانَ عَلَيْهِ دِيَتَانِ، فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دِيَةٌ، وَقَدْ يَصِحُّ بَقَاءُ الذَّوْقِ مَعَ قَطْعِ اللِّسَانِ لِأَنَّ حَاسَّةَ الذَّوْقِ تُدْرَكُ بِعَصَبِ اللِّسَانِ فَإِذَا بَقِيَ مِنْ عَصَبِهِ فِي أَصْلِهِ بَقِيَّةٌ كَانَ الذَّوْقُ بِهَا بَاقِيًا فَلِذَلِكَ لَمْ يَتَحَتَّمُ قَطْعُهُ إِلَّا بِذَهَابِ كَلَامِهِ، فَإِنِ اقْتَرَنَ بِقَطْعِهِ اسْتِئْصَالُ الْعَصَبِ حَتَّى ذَهَبَ ذوقه وجبت عليه حينئذ ديتان، وإذ وَجَبَ بِمَا ذَكَرْتُ أَنْ يَلْزَمَ فِي ذَهَابِهِ الذَّوْقَ الدِّيَةُ وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَبْقَى مَعَ قَطْعِ اللِّسَانِ وَتَذْهَبَ مَعَ بَقَاءِ اللِّسَانِ إِذَا ذَهَبَ حِسُّ الْعَصَبِ تَعَلَّقَ بِكَمَالِ الدِّيَةِ بِذَهَابِ جَمِيعِ الذَّوْقِ، فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ مَذَاقِ الطُّعُومِ الْمُخْتَلِفَةِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ نَقَصَ ذَوْقُهُ بِالْجِنَايَةِ فنقصانه ضربان:

أحدهما: أن يكون نقصان ضعيف، وَهُوَ أَنْ يُدْرِكَ الْفَرْقَ مَا بَيْنَ الْحُلْوِ وَالْحَامِضِ وَلَا يُدْرِكُ حَقِيقَةَ الْحُلْوِ وَحَقِيقَةَ الْحَامِضِ، فَذَا نَاقِصُ الْمَذَاقِ وَلَا يَنْحَصِرُ قَدْرُ نُقْصَانِهِ فَيَتَقَسَّطُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ، فَوَجَبَ أَنْ تَلْزَمُهُ حُكُومَةٌ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النُّقْصَانِ فِي الْقَوَدِ وَالضَّعْفِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَذْهَبَ بِهَا بَعْضُ ذَوْقِهِ مَعَ بَقَاءِ بَعْضِهِ فَيَصِيرُ مُدْرِكًا طَعْمَ الْحَامِضِ دُونَ الْحُلْوِ وَطَعْمَ الْمُرِّ دُونَ الْعَذْبِ، فَيَلْزَمُهُ مِنَ الدِّيَةِ بِقِسْطِ مَا أَذْهَبَ مِنْ مَذَاقِهِ، وَعَدَدُ الْمَذَاقِ خَمْسَةٌ، رُبَّمَا فَرَّعَهَا أَهْلُ الطِّبِّ إِلَى ثَمَانِيَةٍ عَلَى أُصُولِهِمْ لَا نَعْتَبِرُهَا فِي الْأَحْكَامِ، لِدُخُولِ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ كَالْحَرَافَةِ مَعَ الْمَرَارَةِ، وَالْخَمْسَةُ الْمُعْتَبَرَةُ الْحُلْوُ، وَالْحَامِضُ، وَالْمُرُّ، وَالْعَذْبُ وَالْمَالِحُ فَتَكُونُ دِيَةُ الذَّوْقِ مُقَسَّطَةً عَلَى هَذِهِ الْخَمْسَةِ، فَإِنْ أُذْهِبَ وَاحِدٌ مِنْهَا وَجَبَ عَلَيْهِ خُمُسُ الدِّيَةِ، وَفِي الِاثْنَيْنِ خُمُسَاهَا، وَلَا يُفَضَّلُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ كَمَا تُقَسَّطُ دِيَةُ الْكَلَامِ عَلَى أَعْدَادِ حُرُوفِهِ.

(فَصْلٌ)

فَإِنِ ادَّعَى الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ ذَهَابَ ذَوْقِهِ وَأَنْكَرَهُ الْجَانِي فَهُوَ مِنَ الْبَاطِنِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ كَالشَّمِّ وَالسَّمْعِ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مع يمنيه بَعْدَ الِاسْتِظْهَارِ عَلَيْهِ فِي غَفَلَاتِهِ بِأَنْ يُمْزَجَ بِحُلْوِ طَعَامِهِ مُرًّا وَبِعَذْبِهِ مِلْحًا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ فَإِنِ اسْتَمَرَّ عَلَى تَنَاوُلِهَا وَلَمْ تُوجَدْ مِنْهُ أَمَارَاتُ كَرَاهَتِهَا دَلَّ عَلَى صِدْقِهِ، وَأُحْلِفَ عَلَى ذَهَابِ ذَوْقِهِ، وَإِنْ كَرِهَهَا وَظَهَرَتْ مِنْهُ أَمَارَاتُ كَرَاهَتِهَا صَارَ الظَّاهِرُ عَلَيْهِ لَا مَعَهُ، فَيَصِيرُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْجَانِي مَعَ يَمِينِهِ عَلَى بَقَاءِ ذَوْقِهِ كَمَا قُلْنَا فِي ذَهَابِ الشَّمِّ والسمع والله أعلم،.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِنْ ذَهَبَ بَعْضُ كَلَامِهِ اعْتُبِرَ عَلَيْهِ بِحُرُوفِ الْمُعْجَمِ ثُمَّ كَانَ مَا ذَهَبَ مِنْ عَدَدِ الْحُرُوفِ بِحِسَابِهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهُوَ كَمَا قَالَ: إِذَا ذَهَبَ بِالْجِنَايَةِ عَلَى اللِّسَانِ بَعْضُ كَلَامِهِ اعْتُبِرَ قَدْرُ الذَّاهِبِ مِنْهُ بِعَدَدِ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ الَّتِي عَلَيْهَا بِنَاءُ جَمِيعِ الْكَلَامِ، وَهِيَ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ حَرْفًا إِنْ كَانَ عَرَبِيَّ اللِّسَانِ، وَإِنْ كَانَ أَعْجَمِيَّ اللِّسَانِ اعْتُبِرَ عَدَدُ حُرُوفِ كَلَامِهِ، فَإِنَّ حُرُوفَ اللُّغَاتِ مُخْتَلِفَةُ الْأَعْدَادِ وَالْأَنْوَاعِ، فَالضَّادُ مُخْتَصَّةٌ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَبَعْضُهَا مُخْتَصٌّ بِالْأَعْجَمِيَّةِ، وَبَعْضُهَا مُشْتَرِكٌ بَيْنَ اللُّغَاتِ كُلِّهَا، وَبَعْضُ اللُّغَاتِ يَكُونُ حُرُوفُ الكلام، فيها أحد وعشرون حرفاً وبعضها ستة وعشرون حرفاً، وبعضها أحد وَثَلَاثِينَ حَرْفًا، فَيُعْتَبَرُ قَدْرُ مَا ذَهَبَ مِنَ الْكَلَامِ بِقَدْرِ حُرُوفِ اللُّغَةِ الَّتِي يَتَكَلَّمُ بِهَا الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ، فَإِذَا كَانَ عَرَبِيَّ اللِّسَانِ يُقَسَّطُ عَلَى تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ حَرْفًا، وَمِنْهُمْ مَنْ عَدَّهَا ثمانية وعشرون حَرْفًا وَأُسْقِطَ حَرْفٌ لَا لِدُخُولِهِ فِي الْأَلِفِ وَاللَّامِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ حُرُوفُ الْحَلْقِ وَالشَّفَةِ، هَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَقَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِهِ، وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ يَكُونُ مَا ذَهَبَ مِنَ الْكَلَامِ مُعْتَبَرًا بِعَدَدِ حُرُوفِ

فصول الكتاب · 30 فصل · 608 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الحاوي الكبير · 608 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كِتَابُ الْبُيُوعِ
كتاب الإقرار
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كتاب العارية
كتاب الغصب
كِتَابُ الشَّرْطِ فِي الرَّقِيقِ يَشْتَرِطُهُمُ الْمُسَاقِي
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ الْعَطَايَا وَالصَّدَقَاتِ
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب الصداق
كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع
كتاب السير
كتاب مختصر الجامع من كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب النذور
كِتَابُ الْعِتْق
كتاب عتق أمهات الأولاد من كتب
جارٍ التحميل