كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الماوردي
- الكتاب
- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
- المحقق
- الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1419 هـ -1999 م
- عدد الأجزاء
- 19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وَالْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِ بِدُخُولِ الْأَطْرَافِ فِي النَّفْسِ: هُوَ أَنَّ حُكْمَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ يَنْفَرِدُ عَنِ الْآخَرِ فَلَمْ يَصِرْ بَعْضًا مِنْهُ ولا تابعاً له.
والحال الثالثة: أن يتقص مِنَ اليَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ ثُمَّ يَقْتُلُهُ قِصَاصًا مِنْ نَفْسِهِ، فَيَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَنَا،
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْقَوَدِ فِي الْأَطْرَافِ وَالنَّفْسِ، وَيَقْتَصُّ مِنْ نَفْسِهِ دُونَ أَطْرَافِهِ، اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ لِلطَّرَفِ بَدَلَيْنِ الْقَوَدَ وَالدِّيَةَ، فَلَمَّا دَخَلَتْ دِيَةُ الْأَطْرَافِ فِي دِيَةِ النَّفْسِ، وَجَبَ أَنْ يَدْخُلَ قَوَدُ الْأَطْرَافِ فِي قَوَدِ النَّفْسِ، لِأَنَّهُ أَحَدُ الْبَدَلَيْنِ فَأَشْبَهَ الدِّيَةَ.
وَدَلِيلُنَا: هُوَ أَنَّ كُلَّ طَرَفٍ اقْتُصَّ مِنْهُ لَوِ انْفَرَدَ عَنِ النَّفْسِ جَازَ الِاقْتِصَاصُ مِنْهُ وَإِنِ اقْتُصَّ مِنَ النَّفْسِ، كَمَا لَوْ قَتَلَ النَّفْسَ بِالتَّوْجِئَةِ، كَذَلِكَ إِذَا قَتَلَهَا بِالسِّرَايَةِ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يُوَافِقُ إِذَا عَادَ إِلَيْهِ فَذَبَحَهُ بَعْدَ قَطْعِ أَطْرَافِهِ أَنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْ نَفْسِهِ وَأَطْرَافِهِ، وَإِنَّمَا يُخَالِفُ فِي ذَهَابِ النَّفْسِ بِالسِّرَايَةِ إِلَى الْقِصَاصِ فِيمَا يُسْقِطُ الْقِصَاصَ فِي الْأَطْرَافِ، وَإِنْ كَانَ أَبُو يُوسُفَ يُسَوِّي بَيْنَهُمَا، وَيُسْقِطُ الْقِصَاصَ مِنَ الأَطْرَافِ فِيهِمَا، ثُمَّ يُقَالُ لِأَبِي حَنِيفَةَ: إِذَا لَمْ يَسْقُطِ الْقِصَاصُ فِي الْأَطْرَافِ بِالتَّوْجِئَةِ الَّتِي لَمْ تَحْدُثْ عَنِ الْأَطْرَافِ فَلِأَنْ لَا تَسْقُطَ بِالسِّرَايَةِ الْحَادِثَةِ عَنِ الْأَطْرَافِ أَوْلَى، وَلِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ فِي الْقِصَاصِ مُسْتَحَقَّةٌ، وَالْأَطْرَافُ بِالْأَطْرَافِ أَشْبَهُ بِالْمُمَاثَلَةِ مِنَ النَّفْسِ بِالْأَطْرَافِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عن الدِّيَةِ مَعَ فَسَادِهِ بِالْقَتْلِ تَوْجِئَةً هُوَ أَنَّ الْقِصَاصَ أَوْسَعُ حُكْمًا مِنَ الدِّيَةِ، لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ لَوْ قَتَلُوا وَاحِدًا قُتِلُوا بِهِ جَمِيعًا، وَإِنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ مَعَ الْعَفْوِ إِلَّا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْ أَطْرَافِهِ ثُمَّ مِنْ نَفْسِهِ فَإِنَّ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْقِصَاصَ مِنَ النَّفْسِ وَفِي جَوَازِ مُبَاشَرَتِهِ لِقَطْعِ الْأَطْرَافِ إِذَا اتَّصَلَتْ بِالنَّفْسِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ كَمَا لَوِ انْفَرَدَتْ، وَيَسْتَنِيبُ مَنْ يَسْتَوْفِي لَهُ الْقِصَاصَ فِي الْأَطْرَافِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ لِاتِّصَالِهَا بِالنَّفْسِ أَنْ يَسْتَوْفِيَهَا، وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ مُخَرَّجَانِ مِنَ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي الْجَوَائِفِ إِذَا صَارَتْ نَفْسًا، هَلْ يُقْتَصُّ مِنْهَا أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، فَلَوْ كَانَ الْجَانِي حِينَ قَطَعَ يَدَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَرِجْلَيْهِ جَنَى عَلَيْهِ أَجْنَبِيٌّ فَقَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ كَانَ لِلْجَانِي أَنْ يَقْتَصَّ لِيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، أَوْ يَأْخُذَ دِيَتَهُمَا، وَيَسْقُطَ عَنْهُ الْقِصَاصُ فِيهِمَا، لِعَدَمِهِمَا، وَكَانَ مَا أَخَذَهُ مِنْ دِيَتِهِمَا إِذَا اقْتَصَّ مِنْ نَفْسِهِ خَالِصًا لِوَرَثَتِهِ، وَإِنْ كَانَ قَطْعُ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ مُسْتَحَقًّا لِأَوْلِيَاءِ قَتِيلِهِ، لِأَنَّهُمُ اسْتَحَقُّوهَا قِصَاصًا لَا مَالًا، وَهَكَذَا لو قطع
أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ يَدَيِ الْجَانِي وَرِجْلَيْهِ قِصَاصًا ثُمَّ جَنَى عَلَيْهِ أَجْنَبِيٌّ فَقَتَلَهُ اقْتَصَّ مِنْهُ فِي النفس، فإن عفى عَنْهُ كَانَ عَلَيْهِ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ دِيَةِ النَّفْسِ، وَهُوَ أَنْ يُنْظَرَ قَطْعُ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فِي الْقِصَاصِ إِنِ انْدَمَلَتَا كَانَ عَلَى مَا قَابَلَهُ جَمِيعُ الدِّيَةِ، وَإِنْ لَمْ يَنْدَمِلَا كَانَ عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ، تَخْتَصُّ بِهَا وَرَثَتُهُ، وَلَا شَيْءَ فِيهَا لِأَوْلِيَاءِ قَتِيلِهِ، لِاسْتِيفَائِهِمْ بِقَطْعِ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ دِيَةِ نَفْسِهِ.
(مَسْأَلَةٌ)
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَوْ كَانَ أَجَافَهُ أَوْ قَطَعَ ذِرَاعَهُ فَمَاتَ كَانَ لِوَلِيِّهِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بِهِ عَلَى أَنْ يَقْتُلَهُ فَأَمَّا عَلَى أَنْ لَا يَقْتُلَهُ فَلَا يُتْرَكُ وَإِيَّاهُ (وَقَالَ) فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا هذا والآخر لا نقصه من ذلك بحال لعله إذا فعل ذلك به أن يدع قتله فيكون قد عذبه بما ليس في مثله قصاص (قال المزني) رحمه الله قَدْ أَبَى أَنْ يُوَالِيَ عَلَيْهِ بِالْجَوَائِفِ كَمَا والى عليه بالنار والحجر والخنق بمثل ذلك الحبل حتى يموت ففرق بين ذلك والقياس عندي على معناه أن يؤالي عليه بالجوائف إذا والى بها عليه حتى يموت كما يوالي عليه بالحجر والنار والخنق حتى يموت (قال المزني) أولاهما بالحق عندي فيما كان في ذلك من جراح أن كل ما كان فيه القصاص أو برئ أقصصته منه فإن مات وإلا قتلته بالسيف وما لا قصاص في مثله لم أقصه منه وقتلته بالسيف قياساً على ما قال في أحد قوليه في الجائفة وقطع الذراع أنه لا يقصه منهما بحال ويقتله بالسيف ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَا يَخْلُو حَالُ الْجُرْحِ إِذَا صَارَ نَفْسًا مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا لِلْقِصَاصِ إِذَا انْفَرَدَ أَوْ لَا يُوجِبُهُ، فَإِنْ أَوْجَبَ الْقِصَاصَ إِذَا انْفَرَدَ كَالْمُوضِحَةِ وَقَطْعِ الْأَطْرَافِ مِنْ م
َفْصِلٍ
فَيَجُوزُ أَنْ يُقْتَصَّ مِنْهُمَا وَمِنَ النَّفْسِ بَعْدَهَا عَلَى مَا مَضَى، وَإِنْ لَمْ يُوجِبِ الْقِصَاصَ إِذَا انْفَرَدَ عَنِ النَّفْسِ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا فِي الْغَالِبِ كَشَدْخِ الرَّأْسِ بِالْحِجَارَةِ، فَيُوجِبُ الْقِصَاصَ إِذَا صَارَ نَفْسًا وَإِنْ لَمْ يُوجِبْهُ إِذَا انْفَرَدَ، لِأَنَّهُ مُوجٍ فِي الْقِصَاصِ كَمَا كَانَ مُوجِيًا فِي الْجِنَايَةِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اقْتَصَّ مِنَ اليَهُودِيِّ الَّذِي شَدَخَ رَأْسَ الْأَنْصَارِيَّةِ بِشَدْخِ رَأْسِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا كَانَ غَيْرَ مُوجٍ كَالْجَائِفَةِ وَالْمَأْمُومَةِ وَقَطْعِ الْأَطْرَافِ مِنْ غَيْرِ مَفْصِلٍ فَإِذَا صَارَتْ نَفْسًا جَازَ أَنْ يُقْتَصَّ مِنَ النَّفْسِ.
فَأَمَّا الِاقْتِصَاصُ مِنَ الجَوَائِفِ وَقَطْعِ الْأَطْرَافِ مِنْ غَيْرِ مَفْصِلٍ، فَإِنْ أَرَادَهُ مَعَ عَفْوِهِ عَنِ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ بِالْعَفْوِ عَنِ النَّفْسِ كَالْمُنْفَرِدِ عَنِ السِّرَايَةِ إِلَى النَّفْسِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقْتَصَّ مِنْهُ كَالْمُنْفَرِدِ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُقْتَصَّ مِنْهُ مَعَ الِاقْتِصَاصِ مِنَ النَّفْسِ فَفِي جَوَازِهِ قولان:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ قَدْ يَعْفُو بَعْدَ الِاقْتِصَاصِ مِنْهُمَا عَنِ النَّفْسِ فَيَصِيرُ مُقْتَصًّا فِيمَا لَا قِصَاصَ فِيهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَجُوزُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْهَا لِدُخُولِهَا فِي النَّفْسِ، فَخَالَفَتْ مَا انْفَرَدَ عَنْهَا، وَلَيْسَ مَا يُتَوَهَّمُ مِنْ جَوَازِ الْعَفْوِ عَنِ النَّفْسِ مَانِعًا مِنْ دُخُولِهَا فِي حُكْمِ النَّفْسِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ لَوْ أَرَادَ الْقِصَاصَ عَنْ نَفْسِهِ أَنْ يَعْفُوَ بَعْدَ حَزِّ رَقَبَتِهِ بِالسَّيْفِ حَزًّا لَا قِصَاصَ فِيهِ، ثُمَّ يَعْفُوَ بَعْدَ فِعْلِ مَا لَا قِصَاصَ فِيهِ، وَلَا يَمْنَعُ هَذَا التَّوَهُّمُ مِنْ جَوَازِ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ كَذَلِكَ فِي الْجَوَائِفِ، وَفِي هَذَا انْفِصَالٌ عَمَّا احْتَجَّ بِهِ الْمُزَنِيُّ لِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ.
(فَصْلٌ)
قَالَ الْمُزَنِيُّ: " قَدْ أَبَى أَنْ يُوَالِيَ عَلَيْهِ بِالْجَوَائِفِ كَمَا يُوَالِي عليه بالنار، والحجر والخنق بمثل ذلك الحبل حتى يموت ففرق بين ذلك إذا والى بها عليه ... . " وَالْقِيَاسُ عِنْدِي عَلَى مَعْنَاهُ أَنْ يُوَالِيَ عَلَيْهِ الْجَوَائِفَ وَالْكَلَامُ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا الْجَمْعِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَقْتَصُّ مِنْهُ بِالْحِجَارَةِ إِذَا صَارَتْ نَفْسًا قَوْلًا وَاحِدًا، وَفِي الِاقْتِصَاصِ مِنَ الجَوَائِفِ إِذَا صَارَتْ نَفْسًا قَوْلَانِ:
وَالْفَرْقُ بينهما: أن الحجارة موجية فَجَازَ الِاقْتِصَاصُ بِهَا، وَالْجَوَائِفُ غَيْرُ مُوجِئَةٍ فَعُدِلَ عَنْهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْحِجَارَةَ يَجُوزُ أَنْ تُوَالَى إِلَى التَّلَفِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُوَالَى الْجَوَائِفُ إِلَى التَّلَفِ قَوْلًا وَاحِدًا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَا قَدَّمْنَاهُ، وَأَنَّ مُوَالَاةَ الْحِجَارَةِ مُوجٍ وَمُوَالَاةُ الْجَوَائِفِ غَيْرُ مُوجٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّ لِلْحِجَارَةِ تَأْثِيرًا إِذَا أُعِيدَتْ فِي مَوَاضِعِهَا، وَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ بِهَا إِلَى غَيْرِ مَوَاضِعِهَا وَإِنْ تَأَثَّرَتْ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(بَابُ الْقِصَاصِ فِي الشِّجَاجِ وَالْجِرَاحِ وَالْأَسْنَانِ وَمَنْ بِهِ نَقْصٌ أَوْ شَلَلٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ)
(مسألة)
قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَالْقِصَاصُ دُونَ النَّفْسِ شَيْئَانِ جُرْحٌ يُشَقُّ وَطَرَفٌ يُقْطَعُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَى الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ وَهُوَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ وَاجِبٌ كَوُجُوبِهِ فِي النَّفْسِ، لِقَوْلِ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: 194] وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194] وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45] فَجَمَعَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عُمُومَ الْقِصَاصِ فِيمَا اسْتُحِقَّ مِنَ الوُجُوهِ الثَّلَاثِ، وَهِيَ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ وَالْقِصَاصُ فِي الْأَطْرَافِ، وَالْقِصَاصُ في الجروح، ولا قصاص فيما عداهما، وَهِيَ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا أَوْجَبَ الْأَرْشَ دُونَ الْقِصَاصِ إِمَّا بِمُقَدَّرٍ كَالْجَائِفَةِ أَوْ بِغَيْرِ مُقَدَّرٍ كَالْحَارِضَةِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا لَا يُوجِبُ أَرْشًا وَلَا قِصَاصًا كَالضَّرْبِ الَّذِي لَا أَثَرَ لَهُ فِي الْجَسَدِ فَصَارَتِ الْجِنَايَاتُ عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ، يَجِبُ الْقِصَاصُ مِنْهَا فِي ثَلَاثَةٍ، وَالْأَرْشُ فِي أَرْبَعٍ، وَالْعَفْوُ عَنْهُ فِي الْخَامِسِ، وَفِيهِ يَسْتَحِقُّ التَّعْزِيرَ أَدَبًا.
فَإِذَا ثَبَتَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ فَالْمُكَافَأَةُ فِي الْقِصَاصِ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: فِي الْأَحْكَامِ.
وَالثَّانِي: فِي الْأَوْصَافِ.
فَأَمَّا الْمُكَافَأَةُ فِي الْأَحْكَامِ فَهُوَ اعْتِبَارُ التَّكَافُؤِ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالْإِسْلَامِ، فَهَذَا مُعْتَبَرٌ فِي جَمِيعِ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَوَدُ مِنَ الأَقْسَامِ فِي النُّفُوسِ وَالْأَطْرَافِ وَالْجِرَاحِ، فَإِذَا مَنَعَ الرِّقُّ وَالْكُفْرُ مِنَ القِصَاصِ فِي النَّفْسِ مَنَعَ مِنْهُ فِي الْأَطْرَافِ وَالْجِرَاحِ، فَلَا يُؤْخَذُ طَرَفُ حُرٍّ وَلَا مُسْلِمٍ بِطَرَفِ عَبْدٍ وَلَا كَافِرٍ وَكَذَلِكَ فِي الْجِرَاحِ.
وَأَمَّا الْمُكَافَأَةُ فِي الْأَوْصَافِ فَتَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: فِي الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ.
وَالثَّانِي: فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ.
وَالثَّالِثُ: فِي الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، فَلَا يُعْتَبَرُ وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ فِي الْقِصَاصِ مِنَ النَّفْسِ، فَيُقْتَص مِنَ الصَّحِيحِ بِالْمَرِيضِ، وَمِنَ الْمَرِيضِ بِالصَّحِيحِ، وَمِنَ الْكَامِلِ بِالْأَقْطَعِ، وَمِنَ الْأَقْطَعِ بِالْكَامِلِ، وَمِنَ السَّلِيمِ بِالْأَشَلِّ، وَمِنَ الْأَشَلِّ بِالسَّلِيمِ، وَمِنَ الْأَعْمَى بِالْبَصِيرِ، وَمِنَ الْبَصِيرِ بِالْأَعْمَى، وَمِنَ الْكَبِيرِ بِالصَّغِيرِ، وَالْعَاقِلِ بِالْمَجْنُونِ، وَلَا يَقْتَصُّ مِنَ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ بِالْكَبِيرِ، وَلَا بِالْعَاقِلِ، لِارْتِفَاعِ الْقَلَمِ عَنْهُمَا بِالصِّغَرِ وَالْجُنُونِ.
وَأَمَّا الْأَطْرَافُ فَيُعْتَبَرُ فِي الْقِصَاصِ مِنْهَا السَّلَامَةُ مِنَ النُّقْصَانِ وَالزِّيَادَةِ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهَا الصِّحَّةُ وَالْمَرَضُ، وَلَا الصِّغَرُ وَالْكِبَرُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُؤْخَذَ الْيَدُ الْكَامِلَةُ الْأَصَابِعِ بِالْيَدِ النَّاقِصَةِ الْأَصَابِعِ، وَلَا الْيَدُ الزَّائِدَةُ الْأَصَابِعِ بِالْيَدِ الْكَامِلَةِ حَتَّى يَقَعَ التَّسَاوِي فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، وَتُؤْخَذُ الْيَدُ الْكَبِيرَةُ بِالْيَدِ الصَّغِيرَةِ، وَالْيَدُ الصَّغِيرَةُ بِالْيَدِ الْكَبِيرَةِ، وَالْيَدُ الصَّحِيحَةُ بِالْيَدِ الْمَرِيضَةِ إِذَا سَلِمَتْ مِنْ شَلَلٍ، وَيَأْخُذُ الْيَدَ الْمَرِيضَةَ إِذَا سَلِمَتْ مِنْ شَلَلٍ بِالْيَدِ الصَّحِيحَةِ، وَلَا تُؤْخَذُ سَلِيمَةٌ بِشَلَّاءَ، وَتُؤْخَذُ الشَّلَّاءُ بِالسَّلِيمَةِ إِذَا رضى مستحق القصاص بها.
وأما الجراح فيعتبر في القصاص فيها الصغر والكبر والزيادة والنقصان، فلا يؤخذ بالصغير إلا صغيراً، وبالناقص إلا ناقصاً، وبالكبير إلا كبيراً على ما سنذكره.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " فَإِذَا شَجَّهُ مُوضِحَةً فَبَرِئَ حُلِقَ مَوْضِعُهَا مِنْ رَأْسِ الشَّاجِّ ثُمَّ شُقَّ بِحَدِيدَةٍ قَدْرَ عَرْضِهَا وطولها فإن أخذت رأس الشاج كله وبقي شيء منه أخذ منه أرشه ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَإِذَا قَدْ مَضَى الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ فَمَا دُونَهَا ضَرْبَانِ: طَرَفٌ يُقْطَعُ بِطَرَفٍ، وَجُرْحٌ يُشَقُّ بِجُرْحٍ.
فَأَمَّا الْقِصَاصُ فِي الْأَطْرَافِ فَقَدْ مَضَى وُجُوبُهُ، وَسَيَأْتِي اسْتِيفَاؤُهُ.
وَأَمَّا الْجِرَاحُ فَقَدَّمَ الشَّافِعِيُّ فِيهِ شِجَاجَ الرَّأْسِ وَهِيَ إِحْدَى عَشْرَةَ شَجَّةً فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ: الْحَارِصَةُ.
وَالدَّامِيَةُ.
والدامغة.
وَالْبَاضِعَةُ.
وَالْمُتَلَاحِمَةُ.
وَالسِّمْحَاقُ.
وَالْمُوضِحَةُ.
وَالْهَاشِمَةُ.
وَالْمُنَقِّلَةُ.
وَالْمَأْمُومَةُ.
وَالدَّامِغَةُ.
فَأَمَّا الْحَارِصَةُ: فَهِيَ الَّتِي تَحْرِصُ جِلْدَ الرَّأْسِ أَيْ تَكْشِطُهُ وَلَا تُدْمِيهِ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ حَرَصَ الْقَصَّارُ الثَّوْبَ: إِذَا شَقَّهُ.
ثُمَّ تَلِيهَا الدَّامِيَةُ: وَهِيَ الَّتِي تَخْدِشُ الْجِلْدَ حَتَّى يُدْمى، وَلَا يَجْرِي.
ثم تليها الدامغة وَهِيَ الَّتِي يَجْرِي دَمُهَا كَجَرَيَانِ الدُّمُوعِ.
ثُمَّ تَلِيهَا الْبَاضِعَةُ، وَهِيَ الَّتِي تَبْضَعُ اللَّحْمَ أَيْ: تَشُقُّهُ.
ثُمَّ تَلِيهَا الْمُتَلَاحِمَةُ وَهِيَ الَّتِي تَغُوصُ فِي اللَّحْمِ، وَقَدْ يُسَمِّيهَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ الْبَاذِلَةُ، لِأَنَّهَا تَبْذُلُ أَيْ يُشَقُّ فِيهَا اللَّحْمُ، وَيُحْتَمَلُ أن تكون البازلة بَيْنَ الْبَاضِعَةِ وَالْمُتَلَاحِمَةِ، وَهِيَ الَّتِي يَتَبَذَّلُ الدَّمُ مِنْهَا فَتَكُونُ أَقْوَى مِنَ الدَّامِغَةِ، لِأَنَّ دَمَ الْبَاذِلَةِ مَا اتَّصَلَ، وَدَمَ الدَّامِغَةِ مَا انْقَطَعَ، وَهَذَا أَشْبَهُ بِالْمَعْنَى وَالِاشْتِقَاقِ، فَيَصِيرُ الشِّجَاجُ عَلَى هَذَا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ شَجَّةً.
ثُمَّ تَلِيهَا السِّمْحَاقُ وَهِيَ الَّتِي تَسْتَوْعِبُ جَمِيعَ اللَّحْمِ حَتَّى تَصِلَ إِلَى سِمْحَاقِ الرَّأْسِ، وَهِيَ جِلْدَةٌ رَقِيقَةٌ تَغْشَى عَظْمَ الرَّأْسِ، مَأْخُوذَةٌ مِنْ سَمَاحِيقِ الْبَطْنِ وَهُوَ الشَّحْمُ الرَّقِيقُ، وَغَيْرُ سَمَاحِيقَ إِذَا كَانَ رَقِيقًا وَقَدْ يُسَمِّيهَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ الْبلْطَاء، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا بَيْنَ الْمُتَلَاحِمَةِ وَالسِّمْحَاقِ فَيَصِيرُ الشِّجَاجُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ شَجَّةً.
ثُمَّ تَلِيهَا الْمُوضِحَةُ: وَهِيَ الَّتِي تُوضِحُ عَظْمَ الرَّأْسِ حَتَّى يَظْهَرَ.
ثُمَّ تَلِيهَا الْهَاشِمَةُ: وَهِيَ الَّتِي تَزِيدُ عَلَى الْمُوضِحَةِ حَتَّى تَهْشِمَ الْعَظْمَ: أَيْ تَكْسِرُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ بين الموضحة والهاشمة شجة تسمى المفرشة، وهي الَّتِي إِذَا أَوْضَحَتْ صَدَعَتِ الرَّأْسَ وَلَمْ تُهَشِّمْهُ، فَيَصِيرُ شِجَاجُ الرَّأْسِ عَلَى هَذَا أَرْبَعَ عَشْرَةَ شَجَّةً.
ثُمَّ تَلِيهَا الْمُنَقِّلَةُ، وَهِيَ الَّتِي تَزِيدُ عَلَى الْهَاشِمَةِ بِنَقْلِ الْعِظَامِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ.
ثُمَّ تَلِيهَا الْمَأْمُومَةُ، وَيُقَالُ لَهَا الْأمَّةُ: وَهِيَ الَّتِي تَصِلُ إِلَى أُمِّ الدِّمَاغِ وَهِيَ جِلْدَةٌ رَقِيقَةٌ مُحِيطَةٌ بِالدِّمَاغِ، ثُمَّ تَلِيهَا الدَّامِغَةُ، وَهِيَ الَّتِي خَرَقَتْ غِشَاوَةَ الدِّمَاغِ حَتَّى وَصَلَتْ إِلَى مُخِّهِ.
فَهَذِهِ إِحْدَى عَشْرَةَ شَجَّةً فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ مِنْهَا سِتَّةٌ قَبْلَ الْمُوضِحَةِ وَأَرْبَعَةٌ بَعْدَهَا، وَهِيَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ شَجَّةً فِي قَوْلِ آخَرِينَ، مِنْهَا ثَمَانِيَةُ قَبْلَ الْمُوضِحَةِ، وَخَمْسَةٌ بَعْدَهَا،
وَلَيْسَ فِيمَا قَبْلَ الْمُوضِحَةِ قِصَاصٌ وَلَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ، وَفِيهَا حُكُومَةٌ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِيمَا بَعْدُ، وَلَيْسَ فِيمَا بَعْدَ الْمُوضِحَةِ قِصَاصٌ، وَفِيهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ إِلَّا الْمُفَرِّشَةُ عَلَى قَوْلِ مَنْ زَادَهَا فَفِي الزِّيَادَةِ عَلَى الْمُوضِحَةِ مِنْهَا حُكُومَةٌ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ.
فَأَمَّا الْمُوضِحَةُ فَيَجْتَمِعُ فِيهَا الْقِصَاصُ إِنْ شَاءَ وَالْأَرْشُ الْمُقَدَّرُ إِنَّ عُدِلَ إِلَيْهِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ، فَصَارَتِ الشِّجَاجُ مُنْقَسِمَةً عَلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ:
قِسْمٌ لَا قِصَاصَ فِيهِ وَلَا يَتَقَدَّرُ أَرْشُهُ، وَهُوَ مَا قَبْلَ الْمُوضِحَةِ، وَيَجِبُ فِيهِ حُكُومَةٌ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ مِنْ حُكْمِهَا.
وَقِسْمٌ لَا يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ وَيَتَقَدَّرُ أَرْشُهُ وَهُوَ بَعْدَ الْمُوضِحَةِ فَيَجِبُ فِي الْهَاشِمَةِ عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ، وَفِي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ بَعِيرًا، وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثُلْثُ الدِّيَةِ، ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ بَعِيرًا وَثُلُثٌ، وَكَذَلِكَ فِي الدَّامِغَةِ، وَكِتَابُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ يَجْعَلُ الدَّامِغَةَ وَالْمَأْمُومَةَ سَوَاءً، وَيَجْعَلُهَا الدَّامِغَةَ غَيْرَ مُعَمَّمَةٍ وَهِيَ الثَّالِثَةُ الَّتِي تَلِي الدَّامِيَةَ، وَلِقَوْلِهِ وَجْهٌ، لِأَنَّهَا لَوْ زَادَتْ عَلَى الْمَأْمُومَةِ لَزَادَتْ عَلَى أَرْشِهَا.
وَقِسْمٌ يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ وَيَتَقَدَّرُ أَرْشُهُ وَهُوَ الْمُوضِحَةُ يَجِبُ فِيهَا خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا أَرَادَ القصاص من الموضحة فيقدر اعتباراها من رأس المشجوج فَاعْتُبِرَ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ:
أَحَدُهَا: مَوْضِعُهَا مِنْ رَأْسِهِ هَلْ هِيَ فِي مُقَدَّمِه، أَوْ مُؤَخَّرِهِ، أَوْ عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ عَنْ يَسَارِهِ وَفِي يَافُوخِهِ أَوْ فِي هَامَتِهِ، أَوْ قَرَعَتِهِ، لِاسْتِحْقَاقِ الْمُمَاثَلَةِ فِي مَحَلِّهَا، فَلَا يُؤْخَذُ مُقَدَّمٌ بِمُؤَخَّرٍ وَلَا مُؤَخَّرٌ بِمُقَدَّمٍ وَلَا يُمْنَى بِيُسْرَى، كَمَا لا يؤخذ يمنى اليدين يسراها.
وَالثَّانِي: أَنْ يُقَدَّرَ مَا بَيْنَ طَرَفَيْهَا طُولًا لِئَلَّا يُزَادَ عَلَيْهَا أَوْ يُنْقَصَ مِنْهَا، لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَيْهَا عُدْوَانٌ وَالنَّقْصَ مِنْهَا بَخْسٌ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُقَدَّرَ مَا بَيْنَ جَانِبَيْهَا عَرْضًا لِأَنَّهُ قد يوضح بالشي الْغَلِيظِ فَتُعَوَّضُ الْمُوِضِحَةُ وَيُوضَعُ بِالشَّيْءِ الدَّقِيقِ فَيَقِلُّ عَرْضُهَا فَيُعْتَبَرُ مِنْ مُوضِحِهِ الْمَشْجُوجِ لِهَذِهِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ، وَلَا يُعْتَبَرُ عُمْقُهَا، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِي الموضحة الْوُصُولُ إِلَى الْعَظْمِ فَسَقَطَ اعْتِبَارُ الْعُمْقِ، لِأَنَّهُ قَدْ تَغْلُظُ جِلْدَةُ الرَّأْسِ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ وترق من آخر، فصار عتق الرَّأْسِ فِي سُقُوطِ اعْتِبَارِهِ جَارِيًا مَجْرَى مِسَاحَةِ الْأَطْرَافِ الَّتِي لَا تُعْتَبَرُ فِي الْقِصَاصِ، ثُمَّ يُعْدَلُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الشِّجَاجِ فَيُحْلَقُ شَعْرُ رَأْسِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَشْجُوجُ أَشْعَرَ أَوْ مَحْلُوقًا، لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ لَا تَتَحَقَّقُ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ مَوْضِعِهَا عَنْ رَأْسِ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ، فَيُعْلَمُ فِي رَأْسِ الشَّاجِّ مَا قَدَّمْنَا اعْتِبَارَهُ مِنْ رَأْسِ الْمَشْجُوجِ، وَهُوَ مَوْضِعُهَا، وَطُولُهَا،
وَعَرْضُهَا، وَيُخَطُّ عَلَيْهِ بِسَوَادٍ أَوْ حُمْرَةٍ، وَيُبْضَعُ الْقِصَاصُ بِالْمُوسَى، وَلَمْ يُضْرَبْ بِالسَّيْفِ وَإِنْ كَانَ الْجَانِي شَجَّ بِالسَّيْفِ؛ لِأَنَّ ضَرْبَ السَّيْفِ رُبَّمَا هَشَّمَ وَلَا يَسْتَوْفِيهِ الْمَشْجُوجُ بِنَفْسِهِ وَيَسْتَنِيبُ فِيهِ مَنْ يُؤْمَنُ تَعَدِّيهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَنِبْ نَدَبَ الْإِمَامُ مَأْمُومًا يَنُوبُ عَنْهُ فِي اسْتِيفَائِهِ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا يُعْتَبَرُ فِي الِاقْتِصَاصِ فِيهَا لَمْ يَخْلُ حَالُهَا مِنْ أَنْ تَكُونَ فِي بَعْضِ الرَّأْسِ أَوْ فِي جَمِيعِهِ.
فَإِنْ كَانَتْ فِي بَعْضِهِ اقْتُصَّ بِقَدْرِهَا فِي مَحَلِّهَا مِنْ رَأْسِ الشَّاجِّ، وَإِنْ كَانَتْ فِي جَمِيعِهِ قَدْ أَخَذَتْ طُولًا مَا بَيْنَ الْجَبْهَةِ وَالْقَفَا، وَأَخَذَتْ عَرْضًا مَا بَيْنَ الْأُذُنَيْنِ، لَمْ يَخْلُ رَأْسُ الشَّاجِّ وَالْمَشْجُوجِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَتَمَاثَلَ رَأْسَاهُمَا فِي الطُّولِ وَالْعَرْضِ، فَاسْتِيعَابُ الْقِصَاصِ مُمْكِنٌ، فَإِذَا كَانَتْ طُولًا مَا بَيْنَ الْجَبْهَةِ وَالْقَفَا اقْتُصَّ مِنَ الشَّاجِّ طُولُ رَأْسِهِ مِنْ جبهته إلى قفاه، واختلف أصحابنا في هذه الْقِصَاصِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُبْدَأُ بِهِ مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي بَدَأَ بِهِ الْجَانِي، إِمَّا مِنْ نَاحِيَةِ الْجَبْهَةِ أَوِ الْقَفَا لِيُمَاثِلَ فِي الِابْتِدَاءِ كَمَا يُمَاثِلُ فِي الِاسْتِيفَاءِ، فَإِنْ أَشْكَلَ رُجِعَ إِلَى الْجَانِي دُونَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَصَحُّ وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا: أَنَّ الْمُسْتَوْفَى لَهُ الْقِصَاصُ مُخَيَّرٌ فِي الِابْتِدَاءِ بِأَيِّ الْمَوْضِعَيْنِ شَاءَ، لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ بَعْضِهَا فِي أَيِّ الْمَوْضِعَيْنِ شَاءَ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَشْجُوجِ أَصْغَرَ مِنْ رَأْسِ الشَّاجِّ، فَيستوْفي بِمِقْدَارِهَا مِنْ رَأْسِ الشَّاجِّ، وَيُتْرَكُ لَهُ بَاقِي رَأْسِهِ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ مِقْدَارِ رَأْسِ الْمَشْجُوجِ.
مِثَالُهُ: أَنْ يَكُونَ طُولُ رَأْسِ الشَّاجِّ عِشْرِينَ أصْبعا، وَطُولُ رَأْسِ الْمَشْجُوجِ خَمْسَةَ عَشَرَ أصْبعا، فَيُقْتَصُّ مِنْ رَأْسِ الشَّاجِّ قَدْرَ خَمْسَةَ عَشَرَ أصْبعا وَيَبْقَى مِنْ رَأْسِهِ مِقْدَارَ خَمْسِ أَصَابِعَ لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ فِيهَا، لِفَضْلِهَا بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ، وَيَكُونُ مَحَلُّ هَذَا الْمَتْرُوكِ بِنَاءً عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الوَجْهَيْنِ فِي الِابْتِدَاءِ بِمَوْضِعِ الْقِصَاصِ.
فَإِنْ قِيلَ: بِالْوَجْهِ الْأَوَّلِ إِنَّهُ يُبْدَأُ فِي الْقِصَاصِ بِالْمَوْضِعِ بِدَايَةَ الْجَانِي نُظِرَ، فَإِنْ بدأ بِمُقَدَّمِ الرَّأْسِ كَانَ الْمَتْرُوكُ مِنْ مُؤَخَّرِهِ، وَإِنْ بدأ بِمُؤَخَّرِهِ كَانَ الْمَتْرُوكُ مِنْ مُقَدَّمِهِ.
وَإِنْ قِيلَ: بِالْوَجْهِ الثَّانِي الَّذِي هُوَ أَصَحُّ إِنَّ الْمُقْتَصَّ لَهُ مُخَيَّرٌ فِي الِابْتِدَاءِ بِأَيِّ الْمَوْضِعَيْنِ شَاءَ كَانَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ ثلاثة أحوال:
إِمَّا أَنْ يَسْتَوْفِيَ قِصَاصَهُ مِنْ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ، وَيَتْرُكَ فَاضِلَهُ مِنْ مُؤَخَّرِهِ، أَوْ يَسْتَوْفِيَهُ مِنْ مُؤَخَّرِهِ، وَيَتْرُكَ فَاضِلَهُ مِنْ مُؤَخَّرِهِ، أَوْ يَسْتَوْفِيَهُ من مؤخره، وبترك فَاضِلَهُ مِنْ مُقَدَّمِهِ، أَوْ يَسْتَوْفِيَهُ مِنْ وَسَطِهِ وَيَتْرُكَ فَاضِلَهُ مِنْ مُقَدَّمِهِ وَمُؤَخَّرِهِ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ مِنْ طَرَفَيْهِ وَيَتْرُكَ فَاضِلَهُ مِنْ وَسَطِهِ لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّهُ إِذَا
فُصِلَ
بَيْنَهُمَا صَارَتَا مُوضِحَتَيْنِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْتَصَّ مِنْ مُوضِحَةٍ بِمُوضِحَتَيْنِ، وَيَجِيءُ عَلَى تَخْرِيجِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي دِيَةِ هَذَا الْقَاتِلِ أن يَجُوز لَهُ ذَلِكَ لِيَجْرِيَ عَلَى كُلِّ مَوْضِعٍ من الجناية حكم الموضحة، وليس بصحيح، لما ذَكَرْنَاهُ مِنَ التَّعْلِيلِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَشْجُوجِ أَكْبَرَ مِنْ رَأْسِ الشَّاجِّ.
مِثَالُهُ: أَنْ يَكُونَ طُولُ رَأْسِ الْمَشْجُوجِ عِشْرِينَ أصْبعا، وَطُولُ رَأْسِ الشَّاجِّ خَمْسَةَ عَشْرَةَ أصْبعا، فَيَسْتَوْعِبُ فِي الِاقْتِصَاصِ طُولَ رَأْسِ الشَّاجِّ، وَقَدْرُهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْمُوضِحَةِ، فَلَا يَسْتَوْفِي الرُّبْعَ الْبَاقِيَ مِنَ الجَبْهَةِ وَلَا مِنَ القَفَا، وَلَا يَخْرُجُ مِنَ الرَّأْسِ، لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْقِصَاصِ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُقْتَصَّ فِي مُوضِحَةِ الْوَجْهِ مِنَ الرَّأْسِ، وَلَا فِي مُوضِحَةِ الرَّأْسِ مِنَ الوَجْهِ، وَيُرْجَعُ عَلَى الْجَانِي بِقِسْطِ ذَلِكَ مِنْ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ وَهُوَ رُبْعُ أَرْشِهَا، لِأَنَّ الْبَاقِيَ مِنْهَا رُبْعُهَا، وَلَوْ كَانَ الْبَاقِي مِنْهَا ثُلْثَهَا رَجَعَ بِثُلْثِ أَرْشِهَا، وَخَرَّجَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ احْتِمَالَ وَجْهٍ ثَانٍ، أَنَّهُ يَرْجِعُ عَنِ الْبَاقِي مِنْهَا بِجَمِيعِ أَرْشِ الْمُوِضِحَةِ، لِأَنَّ أَرْشَ الْمُوضِحَةِ يَكْمُلُ فِيمَا قَلَّ مِنْهَا وَكَثُرَ، وَهَذَا فَاسِدٌ، وَالْفَصْلُ فِيهَا أَنَّ اسْمَ الْمُوضِحَةِ يَنْطَلِقُ عَلَى صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا، فَاسْتَوَى الْأَرْشُ فِي جَمِيعِهَا، وَلَا يَنْطَلِقُ عَلَى الْبَاقِي مِنْ هَذِهِ الْمُوضِحَةِ اسْمُ الْمُوضِحَةِ، وَإِنَّمَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ بَعْضِهَا فَلَمْ يُسْتَحَقَّ فِيهِ إِلَّا بَعْضُ أَرْشِهَا، وَهَكَذَا لَوْ كَانَتْ مُوضِحَةُ الْمَشْجُوجِ بَيْنَ قَرْنَيْ رَأْسِهِ، وَكَانَ مَا بَيْنَ قَرْنَيْ رَأْسِ الشَّاجِّ أَضْيَقَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْدَلَ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ مَا بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ إِلَى مَا يُجَاوِزُهُمَا.
وَإِنْ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الرَّأْسِ، لِخُرُوجِهِ عَنْ مَحَلِّ الْقِصَاصِ وَرَجَعَ بِقِسْطِهِ مِنْ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا اسْتُوفِيَ الْقِصَاصُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا لَمْ يُعْتَبَرْ بَعْدَ الِاقْتِصَاصِ اخْتِلَافُ الشَّجَّتَيْنِ قبل الاندمال، فلو اندمل جرح [المشجوج شائناً ظاهر العظم غير ملتحم الجلد واندمل جُرْحُ] الشَّاجِّ حَسَنًا قَدْ تَغَطَّى لَحْمُهُ وَالْتَحَمَ جِلْدُهُ فَلَا شَيْءَ لِلْمَشْجُوجِ فِي زِيَادَةِ الشَّيْنِ لِأَنَّ حَقَّهُ كَانَ فِي الْقِصَاصِ وَقَدِ اسْتَوْفَاهُ.
وَكَذَلِكَ لَوِ انْعَكَسَ فَكَانَ الشَّيْنُ فِي جِرَاحَةِ الشَّاجِّ دُونَ الْمَشْجُوجِ، وَكَانَتْ زِيَادَةُ الشَّيْنِ هَدَرًا كَمَا تَكُونُ سِرَايَتُهَا هَدَرًا، فَلَوْ تَجَاوَزَ مُسْتَوْفِي الْقِصَاصِ مِقْدَارَ الْمُوضِحَةِ، وَأَخَذَ أَكْثَرَ مِنْهَا مِنْ رَأْسِ الشَّاجِّ كَانَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي الزِّيَادَةِ إِنْ عَمَدَ، وَأَرْشُ
الْمُوضِحَةِ كَامِلَةً إِنْ أَخْطَأَ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْبَاقِي مِنْ مُوضِحَةِ الْمَشْجُوجِ حَيْثُ رَجَعَ مِنْ أَرْشِهَا بِقِسْطِ الْبَاقِي مِنْهَا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ مُجَاوَزَةَ الْقِصَاصِ إِلَى الزِّيَادَةِ لَمَّا أَوْجَبَ اخْتِلَافَ الْحُكْمِ فِي الْمُسْتَحَقِّ وَالْعُدْوَانِ تَمَيَّزَا، فَصَارَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُوضِحَةً غَيْرَ الْأُخْرَى، فَلِذَلِكَ كَمُلَ أَرْشُهَا وَمَا نَقَصَ عَنِ اسْتِيفَاءٍ لَمْ يَخْتَلِفْ حُكْمُهُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَالْعُدْوَانِ فَلَمْ يَتَمَيَّزْ، وَصَارَ مُوضِحَةً وَاحِدَةً فَرَجَعَ بِقِسْطِ بَاقِيهَا مِنْ أَرْشِهَا، فَإِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ مِنِ اضْطِرَابِ الْمُسْتَوْفَى مِنْهُ عِنْدَ الْقِصَاصِ كَانَتْ هَدَرًا، فَلَوِ اخْتَلَفَا وَالْحَالُ مُشْتَبَهٌ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُسْتَوْفِي؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ، وَيَحْتَمِلُ وَجْهًا ثَانِيًا مِنَ المَقْلُوفِ إِذَا قُطِعَ وَاخْتُلِفَ فِي وُجُودِ جِنَايَةٍ عِنْدَ الْقَطْعِ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُسْتَقَادِ مِنْهُ إِذَا قيل في الملقوف إنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ وَلِيِّهِ وَإِنْ كَانَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا لَائِحًا، فَلَوْ كَانَتْ مُوضِحَةُ الْمَشْجُوجِ قَدْ وُضِحَ وَسَطُهَا حَتَّى بَرَزَ الْعَظْمُ وَتَلَاحَمَ طَرَفَاهَا حَتَّى بَقِيَ عَلَيْهِ اللَّحْمُ وَجَبَ الْقِصَاصُ فِيمَا وَضَحَ عَنِ الْعَظْمِ، وَالْأَرْشُ دُونَ الْقِصَاصِ فِيمَا تَلَاحَمَ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، لِأَنَّ الْمُتَلَاحِمَةَ لَمَّا سَقَطَ فِيهَا الْقِصَاصُ إِذَا انْفَرَدَتْ سَقَطَ فِيهَا إِذَا اتَّصَلَتْ بِالْمُوضِحَةِ وَكَانَتْ حُكُومَتُهَا أَقَلَّ مِنْ قِسْطِهَا وَأَرْشِ الْمُوضِحَةِ لِنُقْصَانِهَا عَنْ حُكْمِ الْمُوضِحَةِ.
(فَصْلٌ)
وإذا أوضحه موضحتين وأكثر، كان المشجوج مخير فيها بين ثلاثة أحوال:
أحدها أَنْ يَعْفُوَ عَنِ الِاقْتِصَاصِ عَنْ جَمِيعِهَا إِلَى الدِّيَةِ، فَيَسْتَحِقُّ فِي كُلِّ مُوضِحَةٍ أَرْشًا، كَمَا يَسْتَوِي فِيهِ أَرْشُ مَا صَغُرَ مِنْهَا وَمَا كَبُرَ، وَسَوَاءٌ تَقَارَبَتْ أَوْ تَبَاعَدَتْ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أن يقتص من جميعهما فيقاد في يوم واحد إنشاء أَوْ فِي أَيَّامٍ شَتَّى إِلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِ الشَّاجِّ إِنِ اقْتَصَّ مِنْ جَمِيعِهَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، إِمَّا الْمَرَضَ أَوْ شِدَّةَ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ فَلَا يُجْمَعُ عَلَيْهِ بَيْنَ الِاقْتِصَاصِ مِنْ جَمِيعِهِمَا، وَيَقْتَصُّ مِنْ وَاحِدَةٍ، فَإِذَا انْدَمَلَتِ اقْتَصَّ مِنْ غَيْرِهَا، وَهَكَذَا لَوْ كَانَتِ الْمُوضِحَةُ وَاحِدَةً قَدِ اسْتَوْعَبَتْ طُولَ الرَّأْسِ وَعَرْضَهُ وَخِيفَ عَلَى نَفْسِهِ إِنِ اقْتَصَّ مِنْ جَمِيعِهَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ جَازَ أَنْ يُفَرِّقَ الِاقْتِصَاصَ مِنْهَا، وَيَسْتَوْفِيَ فِي وَقْتٍ بَعْدَ وَقْتٍ، وَلَوْ قِيلَ يَسْتَوْفِي الْمُوضِحَةَ الْوَاحِدَةَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَإِنْ خِيفَ مِنْهَا كَمَا يَقْطَعُ الْيَدَ قِصَاصًا وَإِنْ خِيفَ مِنْهَا كَانَ لَهُ وَجْهٌ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ بَعْضِهَا وَيَعْفُوَ إِلَى الدِّيَةِ عَنْ بَاقِيهَا، فَيَكُونُ مُخَيَّرًا فِي الِاقْتِصَاصِ مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ مِنْ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ شَائِنٍ وَغَيْرِ شَائِنٍ، وَيَرْجِعُ بِأُرُوشِ بَاقِيهَا مُتَسَاوِيَةً عَلَى أعدادها، والله أعلم.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَكَذَا كُلُّ جُرْحٍ يُقْتَصُّ مِنْهُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، وَالْجِرَاحُ مَا كَانَ فِي الْجَسَدِ، والشجاج ما كان في
الرأس، وقد مضى حكم الشجاج فِي الرَّأْسِ وَأَنَّهُ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ، وَأَرْشٌ مُقَدَّرٌ وَهُوَ الْمُوضِحَةُ.
وَقِسْمٌ لَا قِصَاصَ فِيهِ وَيَجِبُ فِيهِ مُقَدَّرٌ وَهُوَ مَا فَوْقَ الْمُوضِحَةِ، وَهَذَا حُكْمُ شجاج الرأس وكذلك إذا كان في الوجه واللحين يَكُونُ فِي حُكْمِ شِجَاجِ [الرَّأْسِ وَإِنْ كَانَ جُرْحًا، وَيَصِيرُ الْوَجْهُ وَالرَّأْسُ فِي حُكْمِ الشِّجَاجِ] وَالْجِرَاحِ، سَوَاءٌ يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي مُوضِحَةِ الْوَجْهِ وَالْمُقَدَّرُ مِنَ الأَرْشِ فَيَجِبُ فِي مُوضِحَةِ الْوَجْهِ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ، وَفِي هَاشِمَتِهِ عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ، وَفِي مُنَقِّلَتِهِ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنَ الإِبِلِ.
فَأَمَّا جِرَاحُ الْبَدَنِ فَتَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ:
قِسْمٌ يَجِبْ فِيهِ مُقَدَّرٌ وَلَا يَجِبْ فِيهِ الْقِصَاصُ وَهُوَ الْجَائِفَةُ الْوَاصِلَةُ إِلَى الْجَوْفِ، لَا قِصَاصَ فِيهَا، وَفِيهَا ثُلْثُ الدِّيَةِ.
وَقِسْمٌ لَا قِصَاصَ فِيهِ وَلَا مُقَدَّرَ وَهُوَ مَا عَدَا الْمُوضِحَةَ وَالْجَائِفَةِ مِنَ البَاضِعَةِ وَالْمُتَلَاحِمَةِ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَجِبُ فِيهِ مِنَ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ قِصَاصٌ وَلَا مُقَدَّرٌ فَأَوْلَى أَنْ لَا يَجِبَ فِيهِ مِنَ البَدَنِ قِصَاصٌ وَلَا مُقَدَّرَ، لِشَرَفِ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ عَلَى جَمِيعِ الْبَدَنِ، وَأَنَّ الشَّيْنَ فِيهِمَا أَقْبَحُ مِنَ الشَّيْنِ فِي سَائِرِ الْبَدَنِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ وَلَا يَجِبُ فِيهِ الْمُقَدَّرُ وَهُوَ الْمُوضِحَةُ إِذَا كَانَتْ فِي ذِرَاعٍ أَوْ عَضُدٍ أَوْ سَاقٍ أَوْ فَخِذٍ يَجِبُ فِيهَا الْقِصَاصُ لِإِمْكَانِهِ كَالرَّأْسِ، وَتَجِبُ حُكُومَةٌ وَلَا تَجِبُ فِيهَا مُقَدَّرٌ بِخِلَافِ الرَّأْسِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ شَرَفِ الرَّأْسِ وَقُبْحِ شَيْنِهِ، هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَنْصُوصِهِ.
وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: لَا قِصَاصَ فِي مُوضِحَةِ الْبَدَنِ، لِأَنَّهَا لَمَّا خَالَفَتْ مُوضِحَةَ الرَّأْسِ فِي الْأَرْشِ الْمُقَدَّرِ خَالَفَتْهَا فِي الْقَوَدِ، وَهَذَا فَاسِدٌ مَذْهَبًا وَحِجَاجًا.
أَمَّا الْمَذْهَبُ، فَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي كِتَابِ " الْأُمِّ ": إِنَّ الْمُوضِحَةَ إِذَا كَانَتْ عَلَى السَّاقِ لَمْ تَصْعَدْ إِلَى الْفَخِذِ وَلَمْ تَنْزِلْ إِلَى الْقَدَمِ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى الذِّرَاعِ لَمْ تَصْعَدْ إِلَى الْعَضُدِ وَلَمْ تَنْزِلْ إِلَى الْكَتِفِ.
وَأَمَّا الْحِجَاجُ فَهُوَ: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي الْبَدَنِ جُرْحٌ مُقَدَّرٌ وَهُوَ الْجَائِفَةُ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا مَا يُوجِبُ القصاص وهو الموضحة كالرأس.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " ولو جرحه فلم يوضحه منه أقص مِنْهُ بِقَدْرِ مَا شَقَّ مِنَ المُوضِحَةِ فَإِنْ أَشْكَلَ لَمْ أَقُدْ إِلَّا مِمَّا اسْتُيْقِنَ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَا تَقَدَّمَ مُوضِحَةَ الرَّأْسِ مِنَ الشِّجَاجِ السِّتَّةِ وَهِيَ: الْحَارِصَةُ، وَالدَّامِيَةُ، وَالدَّامِغَةُ، وَالْبَاضِعَةُ، وَالْمُتَلَاحِمَةُ وَالسِّمْحَاقُ، لَا قِصَاصَ فِيهَا، لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إنَّ مَوْرَهَا فِي اللَّحْمِ وَقُصُورَهَا عَنْ حَدِّ الْعَظْمِ يَمْنَعُ مِنَ التَّمَاثُلِ لِعَدَمِ الْغَايَةِ فِيهِ كَالْجَائِفَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ إِثْبَاتَ الْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ يَنْقُصُ إِلَى أَنْ يَصِيرَ الِاقْتِصَاصُ مِنْهَا مُوضِحَةً لِاخْتِلَافِ الْحَلْقَةِ فِي جِلْدَةِ الرَّأْسِ لِأَنَّهَا تَغْلُظُ مِنْ قَوْمٍ وَتَرِقُّ مِنْ آخَرِينَ وَلَا بُدَّ فِي الِاقْتِصَاصِ مِنْ تَقْدِيرِ عُمْقِهَا حَتَّى لَا يَتَجَاوَزَ، وَقَدْ يَكُونُ عُمْقُهَا مِنْ رَأْسِ الْمَشْجُوجِ يَبْلُغُ إِلَى الْمُوضِحَةِ مِنْ رَأْسِ الشَّاجِّ، فَنَكُونُ قَدِ اقْتَصَصْنَا مِنَ المُتَلَاحِمَةِ بِالْمُوضِحَةِ وَهَذَا غَيْرُ جَائِزٍ، فَلِهَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ سَقَطَ الْقِصَاصُ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ، هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَمُقْتَضَى أُصُولِهِ، وَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ " الْأُمِّ " وَغَيْرِهِ، وَقَالَ فِي كِتَابِ " حَرْمَلَةَ ": لِأَنَّ ذَلِكَ فِي لَحْمٍ، غَيْرَ أَنَّ الْمُزَنِيَّ نَقَلَ عَنْهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: " وَلَوْ جَرَحَهُ فَلَمْ يُوضِحْهُ اقْتُصَّ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا شَقَّ مِنَ المُوضِحَةِ "، وَظَاهِرُ هَذَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: إِنَّهُ وَهْمٌ مِنَ المُزَنِيِّ فِي نَقْلِهِ، لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِهِ، وَهَذَا لَا وَجْهَ لَهُ لِأَنَّ الْمُزَنِيَّ أَضْبَطُ منْ نَقَلَ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَأَثْبَتُهُمْ رِوَايَةً.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى قَوْلٍ ثَانٍ، فَيَكُونُ الْقِصَاصُ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَيْسَ بِقَوْلٍ ثَانٍ بِخِلَافِ نَصِّهِ فِي جَمِيعِ كُتُبِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى اسْتِيفَائِهِ [إِذَا أَمْكَنَ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلَا قِصَاصَ، وَلَيْسَ يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ] الْقِصَاصِ مِنْهُ إِلَّا عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الشَّاجُّ قَدْ جَرَحَ الْمَشْجُوجَ مُوضِحَةً وَمُتَلَاحِمَةً فَيُنْظَرُ عُمْقُ الْمُوضِحَةِ مِنْ رَأْسِ الْمَشْجُوجِ وَعُمْقِ الْمُتَلَاحِمَةِ، فَإِذَا كَانَ عُمْقُ الْمُوضِحَةِ أَنْمُلَةً وَعُمْقُ الْمُتَلَاحِمَةِ نِصْفَ أَنْمُلَةٍ عُلِمَ أَنَّ الْمُتَلَاحِمَةَ مِنْ رَأْسِهِ هِيَ نِصْفُ مُوضِحَةٍ، فَيُقْتَصُّ مِنْ رَأْسِ الشَّاجِّ مُوضِحَةً وَيُنْظَرُ عُمْقُهَا فَإِنْ كَانَ أَنْمُلَةً فَقَدِ اسْتَوْفَى فِي عُمْقِ جِلْدَةِ الرَّأْسِ، فَإِذَا أَرَدْنَا الِاقْتِصَاصَ مِنَ المُتَلَاحِمَةِ بَعْدَ الْمُوضِحَةِ [اقْتُصَّ إِلَى نِصْفِ أَنْمُلَةٍ مِنْ جِلْدِ رَأْسِهِ، وَإِنْ كَانَ رَأْسُ الشَّاجِّ أَرَقَّ جِلْدًا وَلَحْمًا وَكَانَ عُمْقُ مُوضِحَتِهِ] نِصْفَ أَنْمُلَةٍ
اقْتُصَّ مِنْ مُتَلَاحِمَتِهِ رُبْعُ أَنْمُلَةٍ لِيَكُونَ نِصْفَ مُوضِحَةٍ كَمَا كَانَتْ مِنَ المَشْجُوجِ نِصْفَ مُوضِحَةٍ، لَا يُمْكِنُ الِاقْتِصَاصُ مِنْهَا إِذَا لَمْ يَنْضَمَّ إِلَيْهَا مُوضِحَةٌ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْمَشْجُوجِ وَالْقِصَاصِ مِنَ الشَّاجِّ، وَإِذَا تَقَدَّرَتِ الْمُتَلَاحِمَةُ فِي الْقِصَاصِ إِمَّا بِالنِّصْفِ عَلَى مَا مَثَّلْنَاهُ، أَوْ بِالثُّلْثِ إِنْ نَقَصَ، أَوْ بِالثُّلُثَيْنِ إِنْ زَادَ تَقَدَّرَ أَرْشُهَا بِقِسْطِهَا مِنْ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ مِنْ نِصْفٍ أَوْ ثُلُثٍ أَوْ ثُلُثَيْنِ، وَإِذَا لَمْ يَتَقَدَّرِ الْمُتَلَاحِمَةُ مِنَ المُوضِحَةِ فِي الْقِصَاصِ لَمْ يَتَقَدَّرْ أَرْشُهَا وَكَانَ فِيهَا حُكُومَةٌ يُقَدِّرُهَا الْحَاكِمُ بِاجْتِهَادِهِ كَمَا يُقَدِّرُ حُكُومَاتِ سَائِرِ الْجِرَاحِ الَّذِي لَا قِصَاصَ فِيهِ وَلَا دِيَةَ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.
وَحَكَى أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفِرَايِينِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَلَمْ أَرَهُ فِي شَرْحِهِ: أَنَّهُ إِذَا أَشْكَلَ مَوْرُ الْمُتَلَاحِمَةِ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ قَدْرُ عُمْقِهَا [اعْتُبِرَ مَا يُتَيَقَّنُ قَدْرُ مَوْرِهَا] وَمَا يُشَكُّ فِيهِ وَجُمِعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَقْوِيمِ الْحُكُومَةِ لِيُعْتَبَرَ بِيَقِينِ الْمَوْرِ صِحَّةُ التَّقْوِيمِ فِي الْحُكُومَةِ وَيُعْتَبَرَ بِتَقْوِيمِ الْحُكُومَةِ حُكْمُ الشَّكِّ فِي الْمَوْرِ، فَإِذَا تَيَقَّنَّا أَنَّ مَوْرَ الْمُتَلَاحِمَةِ نِصْفُ عُمْقِ الْمُوضِحَةِ وَشَكَكْنَا فِي الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ اعْتَبَرْنَا تَقْوِيمَ الْحُكُومَةِ، فنجده لا يخلوا مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ قَدْرُ نِصْفِ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ فَيَتَّفِقَانِ فِي وُجُوبِ النِّصْفِ وَيَدُلُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صِحَّةِ الْآخَرِ، وَيَكُونُ الشَّكُّ فِي زِيَادَةِ الْمَوْرِ مُطَّرَحًا بِالتَّقْوِيمِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ تَقْوِيمُ الْحُكُومَةِ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ فَيُوجِبُ مَا زَادَ عَلَى نِصْفِ الْأَرْشِ، وَيَكُونُ التَّقْوِيمُ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ مَا شَكَكْنَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ الْمَوْرِ عَلَى النِّصْفِ، قَدْ صَارَ بِالتَّقْوِيمِ مَعْلُومًا.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ تَقْوِيمُ الْحُكُومَةِ أَقَلَّ مِنَ النِّصْفِ وَيُسْتَدَلُّ بِيَقِينِ الْمَوْرِ عَلَى أَنَّ تَقْوِيمَ الحكومة خطأ، لأن اليقين لا يتغير بِالِاجْتِهَادِ وَيُسْتَفَادُ بِالتَّقْوِيمِ إِسْقَاطُ الشَّكِّ فِيمَا زَادَ على النصف والله أعلم.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَتُقْطَعُ الْيَدُ بِالْيَدِ وَالرِّجْلُ بِالرِّجْلِ مِنَ المَفَاصِلِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا وُجُوبَ الْقِصَاصِ فِي الْأَطْرَافِ كَوُجُوبِهِ فِي النُّفُوسِ، لِأَنَّ الْأَطْرَافَ مَفَاصِلُ يُمْكِنُ الْمُمَاثَلَةُ بِهَا، فَإِذَا قَطَعَ يَدَهُ فَلَهُ خَمْسَةُ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَقْطَعَهَا مِنْ م
َفْصِلِ
الْكُوعِ، فَيُقْتَصُّ مِنْهَا، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، وَالصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ، إِذَا كَانَتْ سَلِيمَةً مِنْ نَقْصٍ أَوْ شَلَلٍ، فَيُقْتَصُّ مِنَ الكَبِيرَةِ
بِالصَّغِيرَةِ، وَمِنَ الْقَوِيَّةِ بِالضَّعِيفَةِ، وَمِنْ ذَاتِ الصَّنْعَةِ وَالْكِتَابَةِ بِغَيْرِ ذَاتِ الصَّنْعَةِ وَالْكِتَابَةِ، كَمَا يَجْرِي مِثْلُهُ فِي النُّفُوسِ، وَلَا تُؤْخَذُ سَلِيمَةٌ بِشَلاء، وَلَا كَامِلَةٌ بِنَاقِصَةٍ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ بَعْدُ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقْطَعَهَا مِنْ نِصْفِ الذِّرَاعِ فَيُقْتَصُّ مِنْ كَفِّ الْقَاطِعِ وَلَا يُقْتَصُّ مِنْ نِصْفِ ذِرَاعِهِ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لِأَنَّهُ لَا مَفْصِلَ فِيهَا فَيُسْتَوْفَى وَرُبَّمَا وَقَعَ التَّجَاوُزُ فِيهِ.
وَالثَّانِي: أنه قد يتشظا الْعَظْمُ إِذَا قُطِعَ وَلَا يَتَمَاثَلُ فِي الْقَاطِعِ وَالْمَقْطُوعِ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ وَضَعْتُمِ الْقَطْعَ فِي الْقِصَاصِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْقَطْعِ مِنَ الجِنَايَةِ وَلَيْسَتْ هَذِهِ مُمَاثَلَةً قُلْنَا: لَمَّا تَعَذَّرَتِ الْمُمَاثَلَةُ فِي مَوْضِعِ الْجِنَايَةِ كَانَ الْعُدُولُ إِلَى مَا دُونَهَا إِذَا أَمْكَنَتْ لِدُخُولِهَا فِي الْجِنَايَةِ، فَإِذَا اقْتُصَّ مِنْ كَفِّ الْجَانِي أُخِذَتْ مِنْهُ حُكُومَةٌ فِي نِصْفِ الذِّرَاعِ لَا يُبْلَغُ بِهَا دِيَةُ الْكَفِّ، وَلَوْ عَفَا الْمَقْطُوعُ عَنِ الْقِصَاصِ أُعْطِيَ نِصْفَ الدِّيَةِ فِي الْكَفِّ وَحُكُومَةً هِيَ أَقَلُّ مِنْهَا فِي نِصْفِ الذِّرَاعِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَقْطَعَهَا مِنْ مَفْصِلِ الْمِرْفَقِ فَيُقْتَصُّ مِنْ جَمِيعِهَا، وَيُقْطَعُ الْجَانِي مِنْ مِرْفَقِهِ، لِأَنَّهُ مَفْصِلٌ لَا يُمْكِنُ فِيهِ الْمُمَاثَلَةُ، فَإِنْ عُدِلَ إِلَى الدِّيَةِ أُعْطِيَ نِصْفَ الدِّيَةِ فِي كَفٍّ وَحُكُومَةً فِي الذِّرَاعِ، وَلَوْ طَلَبَ الْقِصَاصَ مِنَ الكَفِّ وَأَرش فِي الذِّرَاعِ فِي الْمِرْفَقِ لَمْ يَجُزْ بِخِلَافِ الْمَقْطُوعِ مِنْ نِصْفِ الذِّرَاعِ، لِأَنَّهُ إِذَا أَمْكَنَ فِي الْقِصَاصِ وَضْعُ السِّكِّينِ فِي مَحَلِّهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْدَلَ بِهَا عَنْ مَحَلِّهَا.
وَالْحَالُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَقْطَعَ يَدُهُ مِنَ المَنْكِبِ فَيُقْتَصُّ مِنْهَا فِي الْمَنْكِبِ، لِأَنَّهُ مَفْصِلٌ، فَإِنْ طَلَبَ الْقِصَاصِ مِنَ الكَفِّ أَوِ الْمِرْفَقِ وَحُكُومَةً فِي الزِّيَادَةِ لَمْ يَجُزْ لِمَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ عَفَا عَنِ الْقَوَدِ إِلَى الدِّيَةِ أُعْطِيَ نِصْفَ الدِّيَةِ فِي الْكَفِّ وَحُكُومَةً فِي الذِّرَاعِ، وَالْعَضُدُ يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ الدِّيَةِ، فَلَوْ كَانَ قَدْ أَجَافَهُ حِينَ قَطَعَ يَدَهُ مِنَ الكَفِّ لَمْ يُقْتَصَّ مِنَ الجَائِفَةِ، وَأُعْطِيَ أَرْشَهَا ثُلْثَ الدِّيَةِ بَعْدَ الِاقْتِصَاصِ مِنَ المَنْكِبِ.
وَالْحَالُ الْخَامِسَةُ: أَنْ يَقْطَعَ يَدَهُ مِنْ نِصْفِ الْعَضُدِ فَيَجِبُ بِالْقِصَاصِ من المرفق لإمكانه فيه وَتَعَذُّره فِي نِصْفِ الْعَضُدِ كَمَا قُلْنَا فِي قَطْعِهَا مِنْ نِصْفِ الذِّرَاعِ، فَإِنْ طَلَبَ الْقِصَاصَ مِنَ الكَفِّ وَأَخَذَ حُكُومَةً فِي الزِّيَادَةِ أُجِيب، وَيَكُونُ فِي الْقِصَاصِ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يَقْتَصَّ مِنَ المِرْفَقِ، لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى مَحَلِّ الْجِنَايَةِ وبين أن يقتص من الكف للفرق بينهما بأن ما أمكن وضع السكين في القصاص في موضعها لِأَنَّهُ أَقَلُّ وَخَالَفَ الْجِنَايَةَ مِنْ
الْمرفق حيث لَمْ يَجُز أن يقتص فيها من الكف [في الجناية لم يجز العدول عنه، وإذا لم يمكن جاز وضعها فيما قرب منها، وإذا جاز وضعها] فِي الْأَكْثَرِ جَازَ وَضْعُهَا فِي الْأَقَلِّ.
(فَصْلٌ)
وَهَكَذَا الْقِصَاصُ فِي الرِّجْلِ تَنْقَسِمُ عَلَى هَذِهِ الْأَحْوَالِ الْخَمْسِ، فَإِنْ كَانَتْ مِنَ القَدَمِ اقْتُصَّ مِنْهَا، فَتُؤْخَذُ الْقَدَمُ الْكَبِيرَةُ بِالصَّغِيرَةِ، وَالْمَاشِيَةُ بِغَيْرِ الْمَاشِيَةِ، وَالصَّحِيحَةُ بِالْمَرِيضَةِ وَالْمُعْتَدِلَةُ بِالْعَرْجَاءِ، وَالْمُسْتَقِيمَةُ بِالْحَتْفَاءِ، فَإِنْ كَانَتْ فِي نِصْفِ السَّاقِ اقْتُصَّ مِنَ القَدَمِ وَأُعْطِيَ حُكُومَةً فِي نِصْفِ السَّاقِ، وَإِنْ كَانَتْ مِنَ الرُّكْبَةِ اقْتُصَّ مِنْهَا، لِأَنَّهَا مَفْصِلٌ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ نِصْفِ الْفَخِذِ اقْتُصَّ مِنَ الرُّكْبَةِ، فَإِنْ سَأَلَ مِنَ القَدَمِ أُجِيبَ وَإِنْ كَانَتْ مِنَ الوَرِكِ اقْتُصَّ مِنْهَا، فَإِنْ سَأَلَ الْقِصَاصَ مِنَ الرُّكْبَةِ وَالْقَدَمِ لَمْ يُجَبْ إِلَيْهِ.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَالْأَنْفُ بِالْأَنْفِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ: الْقِصَاصُ فِي الْأَنْفِ وَاجِبٌ بِالنَّصِّ، فَإِذَا جَدَعَ أَنْفَهُ مِنَ العَظْمِ حَتَّى اسْتَوْعَبَ جَمِيعَ مَارِنِهِ اقْتُصَّ مِنْهُ بِمِثْلِهِ، وَقُطِعَ جَمِيعُ مَارِنِهِ وَيُقْتَصُّ مِنْ أَنْفِ الشَّامِّ بِأَنْفِ الْأَخْشَمِ، وَمِنَ الْكَبِيرِ بِالصَّغِيرِ وَمِنَ الْأَقْنَى بِالْأَفْطَسِ، وَمِنَ الصَّحِيحَةِ بِالْخَرْمَاءِ إِذَا لَمْ يَذْهَبْ بِالْخَرَمِ مِنْهَا شَيْءٌ، فَإِنْ قَطَعَ أَنْفَهُ مِنْ نِصْفِ الْمَارِنِ اقْتُصَّ مِنْ نِصْفِ مَارِنِهِ، بِخِلَافِ الْقَاطِعِ مِنْ نِصْفِ الذِّرَاعِ، لِأَنَّ فِي الذِّرَاعِ عَظْمًا يَمْنَعُ مِنْ مُمَاثَلَةِ الْقِصَاصِ وَمَارِنُ الْأَنْفِ لَيْسَ يُمْكِنُ فِيهِ الْقِصَاصُ، فَلَوْ قَطَعَهُ مِنْ نِصْفِ الْعَظْمِ صَارَ حِينَئِذٍ كَالْقَاطِعِ مِنْ نِصْفِ الذِّرَاعِ فَيُقْتَصُّ لَهُ مِنْ حَدِّ الْعَظْمِ وَيُسْتَوْعَبُ بِهِ جَمِيعُ الْمَارِنِ، وَيُعْطَى حُكُومَةً فِيمَا قُطِعَ مِنَ العَظْمِ، فَلَوْ أَوْضَحَ عَنِ الْعَظْمِ وَلَمْ يَقْطَعْهُ أَخَذَ مِنْهُ دِيَةَ مُوضِحَةٍ، وَلَوْ هَشَّمَهُ أَخَذَ مِنْهُ دِيَةَ هَاشِمَةٍ، وَلَوْ نَقَّلَهُ أَخَذَ مِنْهُ دِيَةَ مُنَقِّلَةٍ، وَفِي حُكُومَةِ قَطْعٍ أَكْثَرُ مِنْ دِيَةِ مُنَقِّلَةً، وَإِذَا قَطَعَ أَحَدَ شِقَّيْ أَنْفِهِ اقْتُصَّ مِنْهُ، لِأَنَّ حَاجِزَ الْمِنْخَرَيْنِ حَدٌّ يَنْتَهِي الْقِصَاصُ إِلَيْهِ، وَلَوْ قَطَعَ حَاجِزَ الْمِنْخَرَيْنِ اقْتُصَّ مِنْهُ إِلَى الْحَدِّ الَّذِي قَطَعَهُ لِإِمْكَانِ الِاقْتِصَاصِ مِنْ جَمِيعِهِ، وَلَوْ ضَرَبَ أَنْفَهُ فَاسْتَحْشَفَ لَمْ يُقْتَصَّ مِنْهُ وَكَانَ لَهُ الدِّيَةُ، كَمَا لَوْ ضَرَبَ يَدَهُ فَشُلَّتْ، وَيَحْتَمِلُ أن يتخرج فيه قول آخر من استشحاف الْأُذُنِ أَنَّ لَهُ حُكُومَةً، وَلَوْ كَسَرَ أَنْفَهُ مُجَبَّرَةً أُعْطِيَ حُكُومَةً وَلَا قَوَدَ لَهُ فَلَوِ انْجَبَرَ مُعْوَجًّا كَانَتِ الْحُكُومَةُ أَكْثَرَ مِنْهَا لَوِ انجبر مستقيماً.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " والأذن بالأذن ".
قال الماوردي: وهذا نص الكتاب؛ لأن للأذن حداً يَتَمَيَّزُ بِهِ عَمَّا سِوَاهُ، فَيُقْتَصُّ مِنْ أُذُنِ السَّمِيعِ بِأُذُنِ الْأَصَمِّ، لِأَنَّ مَحَلَّ السَّمْعِ فِي غَيْرِ الْأُذُنِ، وَيُقْتَصُّ مِنَ الكَبِيرَةِ بِالصَّغِيرَةِ، وَمِنَ الصَّحِيحَةِ بِالْمَثْقُوبَةِ ثُقْبَ قُرْطٍ أَوْ شَنْفٍ، فَأَمَّا الْمَخْرُومَةُ فَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ بِالْخُرْمِ مِنْهَا شَيْء اقْتُصَّ بِهَا مِنَ الصَّحِيحَةِ، فَإِذَا أَذْهَبَ الْخُرْمُ شَيْئًا مِنْهَا قِيلَ لِلْأَخْرَمِ: إِنْ شِئْتَ الْقِصَاصَ قَطَعْنَا لَكَ مِنْ أُذُنِ الْجَانِي إِلَى مَوْضِعِ خرمتك [وأعطيناك دية ما بقي منها بعد الخرم] وإِنْ شِئْتَ أَعْطَيْنَاكَ دِيَةَ الْأُذُنِ، وَلَوْ قَطَعَ بعض أذنيه اقْتُصَّ مِنْ أُذُنِ الْجَانِي بِقَدْرِهِ، لِإِمْكَانِ الِاقْتِصَاصِ مِنْهُ، وَلَوْ قَطَعَ أُذُنَهُ فَذَهَبَ مِنْهَا سَمْعُهُ اقْتُصَّ مِنْ أُذُنِهِ وَلَمْ يُقْتَصَّ مِنْ سَمْعِهِ لِتَعَذُّرِهِ، وَلَوْ ضَرَبَ أُذُنَهُ فَاسْتَحْشَفَتْ وَيَئِسَتْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا قِصَاصٌ كَالْيَدِ إِذَا شُلَّتْ، وَفِيمَا يَجِبُ فِيهَا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: دِيَتُهَا كَشَلَلِ الْيَدِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: حُكُومَةٌ، لِأَنَّ شَلَلَ الْيَدِ يُذْهِبُ مَنَافِعَهَا فِي الْقَبْضِ وَالْبَسْطِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي اسْتِحْشَافِ الْأُذُنِ، فَإِنْ قُطِعَتْ بَعْدَ اسْتِحْشَافِهَا كَانَ فِيهَا حُكُومَةٌ وَلَا تَنْقُصُ الْحُكُومَتَانِ عَنْ دِيَةِ الأذن ويجوز أن يكونا أكثر.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَالسِّنُّ بِالسِّنِ كَانَ الْقَاطِعُ أَفْضَلَ طَرَفًا أَوْ أَدْنَى مَا لَمْ يَكُنْ نَقْصٌ أَوْ شَلَلٌ ".
قال الماوردي: " وهذا نص الكتاب فِي السِّنِّ لِتَمْيِيزِهِ عَنْ غَيْرِهِ فَيَجُوزُ الْقِصَاصُ فِيهِ فِي الثَّنَايَا وَالرُّبَاعِيَّاتِ وَالْأَنْيَابِ وَالْأَضْرَاسِ، فَيُقْتَصُّ بِهَا إِذَا أُقْلِعَتْ بِمِثْلِهَا مِنْ أَسْنَانِ الْجَانِي، فَيُقْلَعُ مِنْ أَسْنَانِهِ مِثْلُ مَا قَلَعَ، فَيُقْتَصُّ مِنَ البَيْضَاءِ بِالسَّوْدَاءِ وَالْخَضْرَاءِ، وَمِنَ الشَّابِّ بِسِنِّ الشَّيْخِ، وَمِنَ الْقَوِيَّةِ بِالضَّعِيفَةِ، وَمِنَ الْكَبِيرَةِ بِالصَّغِيرَةِ، وَمِنَ الْمُشْتَدَّةِ بِالْمُتَحَرِّكَةِ إِذَا كَانَتْ مَنَافِعُهما بَاقِيَةً، وَلَا قَوَدَ فِي السِّنِّ الزَّائِدَةِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْجَانِي مِثْلُهَا فِي مِثْلِ مَوْضِعِهَا فَيُقْتَصَّ مِنْهَا، فَإِنْ كَسَرَ سِنَّهُ وَأَمْكَنَ أَنْ يَكْسِرَ سَنَّ الْجَانِي مِثْلَ كَسْرِهِ اقْتَصَّ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَلَا قِصَاصَ، وَكَانَ عَلَيْهِ دِيَةُ السِّنِّ، وَهِيَ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ بِقِسْطِ مَا كُسِرَ مِنْهَا مِنْ نِصْفٍ أَوْ ثُلُثٍ أَوْ رُبْعٍ وَيَكُونُ بِقِسْطِهِ عَلَى مَا جُرِحَ فِي اللِّثَةِ وَظَهَرَ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ لَوْ قَطَعَهَا مِنْ أَصْلِهَا يَجِبُ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْهَا كَمَا لَوْ قَطَعَ أَصَابِعَ كَفِّهِ وَجَبَ فِيهَا دِيَتُهَا، وَلَوْ قَطَعَهَا مَعَ الْكَفِّ لَمْ يَجِبْ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْهَا، وَلَا تُؤْخَذُ ثَنِيَّةٌ بِرُبَاعِيَّةٍ وَلَا نَابٌ بِضِرْسٍ وَلَا يُمْنَى بِيُسْرَى، وَلَا عُلْيَا بسفلى.
(مسألة)
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " فَإِنْ كَانَ قاطع اليد نَاقِصًا أصْبعا قُطِعَتْ يَدُهُ وَأُخِذَ مِنْهُ أَرْشُ أصبع ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَخْلُو كَفُّ الْقَاطِعِ وَالْمَقْطُوعِ مِنْ أَرْبَعَة أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَا كَامِلَتَيِ الْأَصَابِعِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ تَكُونَا نَاقِصَتَيِ الْأَصَابِعِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ كَفُّ الْمَقْطُوعِ كَامِلَةً وكف القاطع ناقصة.
والرابع: أن يكون كَفُّ الْمَقْطُوعِ نَاقِصَةً وَكَفُّ الْقَاطِعِ كَامِلَةً، فَإِنِ اسْتَوَيَا فِي الْكَمَالِ وَالنَّقْصِ جَرَى الْقِصَاصُ بَيْنَهُمَا فِي الْكَامِلَةِ بِالْكَامِلَةِ وَالنَّاقِصَةِ بِالنَّاقِصَةِ إِذَا كَانَ النَّقْصُ فِيهِمَا مُتَسَاوِيًا، وَإِنْ كَانَتْ يَدُ الْمَقْطُوعِ كَامِلَةَ الْأَصَابِعِ وَيَدُ الْقَاطِعِ نَاقِصَةً أصبعا فَهِي
َ مَسْأَلَةُ
الْكِتَابِ، وَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ كَفِّهِ النَّاقِصَةِ وَيَأْخُذَ مِنْهُ دِيَةَ الْأُصْبُعِ الَّتِي نَقَصَتْ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَقْتَصُّ مِنْ كَفِّهِ النَّاقِصَةِ بِكَفِّهِ الْكَامِلَةِ وَلَا شَيْءَ لَهُ فِي الْأصْبع النَّاقِصَةِ، احْتِجَاجًا بِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُعْتَبَرْ فِي قَوَدِ النُّفُوسِ نُقْصَانُ الْأَطْرَافِ لِدُخُولِهَا فِي النَّفْسِ لَمْ يُعْتَبَرْ فِي قِصَاصِ الْأَطْرَافِ مَا تَخَلَّلَهَا مِنْ نَقْصٍ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ أَخْذُ الشَّلَّاءِ بِالسَّلِيمَةِ إِذَا رَضِيَ بِهَا الْمَقْطُوعُ لَا يُوجِبُ الرُّجُوعَ بِنَقْصِ الشَّلَلِ كَذَلِكَ أَخْذُ النَّاقِصَةِ بِالْكَامِلَةِ لَا يُوجِبُ الرُّجُوعَ بِأَرْشِ النَّقْصِ، وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ يُوجِبُ وَضْعَ السِّكِّينِ مِنَ القَاطِعِ فِي مَوْضِعِهِمَا مِنَ المَقْطُوعِ وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الْكَفِّ النَّاقِصَةِ فَصَارَ مُسْتَوْفِيًا لِلْحَقِّ.
وَدَلِيلُنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: 136] وَالْمِثْلُ مِثْلَانِ: مِثْلٌ فِي الْخِلْقَةِ، وَمِثْلٌ فِي الْقِيمَةِ، وَلَيْسَتِ الْكَفُّ النَّاقِصَةُ مِثْلًا فِي الْخِلْقَةِ وَلَا مِثْلًا فِي الْقِيمَةِ فَلَمْ تُكَافِئْ مَا فُضِّلَتْ عَنْهَا فِي الْخِلْقَةِ وَالْقِيمَةِ، وَإِذَا عُدِمَ مِثْلُ الْخِلْقَةِ فِي النَّاقِصَةِ أَوْجَبَ الْعُدُولَ إِلَى مِثْلِهَا فِي الْقِيمَةِ وَهِيَ الدِّيَةُ، وَلِأَنَّ كُلَّ عُضْوٍ أُخِذَ قَوَدًا إِذَا كَانَ مَوْجُودًا أُخِذَتْ دِيَتُهُ إِذَا كَانَ مَفْقُودًا كَمَا لَوْ قُطِعَ أَصَابِعُهُ وَكَانَ لِلْقَاطِعِ بَعْضُهَا، وَلِأَنَّ الْمَقْطُوعَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ فَلَمَّا لَمْ يُؤَثِّرْ نُقْصَانُ كَفِّهِ فِي نُقْصَانِ الدِّيَةِ لَمْ يُؤَثِّرْ نُقْصَانُهَا فِي نُقْصَانِ الْقِصَاصِ.
فَأَمَّا جَمْعُهُ بَيْنَ النُّفُوسِ وَالْأَطْرَافِ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا، وَأَمَّا اعْتِبَارُهُ بِالشَّلَلِ فَلَا يَصِحُّ، لِأَنَّ الشَّلَّاءَ تَامَّةُ الْأَصَابِعِ نَاقِصَةُ الْمَنَافِعِ، وَهَذِهِ نَاقِصَةُ الْأَصَابِعِ وَالْمَنَافِعِ فَافْتَرَقَا، وَأَمَّا اعْتِبَارُهُ بِوَضْعِ السِّكِّينِ فِي مَوْضِعِهِمَا مِنَ المَقْطُوعِ فَإِنِ اسْتَوَيَا فِي الْوَضْعِ فَقَدِ اخْتَلَفَا فِي التَّمَامِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يستوفي الناقص بالتام.
(فصل)
وإن كان كَفُّ الْمَقْطُوعِ نَاقِصَةَ الْأَصَابِعِ وَكَفُّ الْقَاطِعِ كَامِلَةَ الْأَصَابِعِ لَمْ يُقْتَصَّ مِنْ كَفِّهِ الْكَامِلَةِ بِكَفٍّ نَاقِصَةٍ، وَيُلْزِمْ أَبَا حَنِيفَةَ أَنْ يَقُولَ بِهَذَا كَمَا قَالَهُ فِي نُقْصَانِ كَفِّ الْقَاطِعِ وَكَمَالِ كَفِّ الْمَقْطُوعِ، فَإِنْ قَالَهُ فَقَدْ جَرَى فِيهِمَا عَلَى قِيَاسٍ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْهُ
فَقَدْ نَاقَضَ وَمَذْهَبُهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مُسَمًّى عَلَى الْقِيَاسِ.
فَإِذَا كَانَتْ كَفُّ الْمَقْطُوعِ نَاقِصَةً أصْبعا سَقَطَ الْقِصَاصُ فِي كَفِّ الْقَاطِعِ لِزِيَادَةِ أُصْبُعِهِ الَّتِي لَا قِصَاصَ فِيهَا وَلَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهَا مع قطع الكف، فوجب استيفاء الكف بهائا لِحِفْظِ الْأصْبع الزَّائِدَةِ، وَاقْتُصَّ مِنْ أَصَابِعِهِ الَّتِي لِلْمَقْطُوعِ مِثْلُهَا، وَاسْتَبْقَى لِلْقَاطِعِ الْأُصْبُعَ الَّتِي فُقِدَتْ مِنَ المَقْطُوعِ، وَأُخِذَ مِنْهُ أَرْشُ الْكَفِّ الْمُسْتَبْقَاةِ لَهُ، وَلَا يُبْلَغُ بِأَرْشِهَا دِيَةُ أصْبع، لِأَنَّهَا تبع للأصابع.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِنْ كَانَتْ شَلَّاءَ فَلَهُ الْخِيَارُ إِنْ شَاءَ اقْتَصَّ بِأَنْ يَأْخُذَ أَقَلَّ مِنْ حَقِّهِ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ دِيَةَ الْيَدِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا قَطَعَ الْأَشَلُّ الْيَدِ يَدًا سَلِيمَةً لَمْ تَكُنِ الشَّلَّاءُ مُكَافِئَةً لَهَا لِنَقْصِهَا عَنْ كَمَالِ السَّلَامَةِ فَإِنْ أَرَادَ الْمَقْطُوعُ أُعْطِيَ دِيَةَ يد سلمية فَإِنْ أَرَادَ الْقِصَاصَ مِنَ الشَّلَّاءِ بِيَدِهِ السَّلِيمَةِ كَانَ لَهُ، لِأَنَّ أَخْذَ الْأَنْقَصِ بِالْأَكْمَلِ يَجُوزُ، وَأَخْذَ الْأَكْمَلِ بِالْأَنْقَصِ لَا يَجُوزُ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَقْتَصَّ مِنَ الشَّلَّاءِ لِيَأْخُذَ مَعَ الْقِصَاصِ مِنَ الكَامِلَةِ أَرْشَ النَّقْصِ لَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ قَتَلَ كَافِرٌ مُسْلِمًا فَأَرَادَ وَلِيُّ الْمُسْلِمِ أَنْ يَقْتَصَّ مِنَ الكَافِرِ وَيَأْخُذَ فَضْلَ الدِّيَةِ لَمْ يَجُزْ، فَإِنْ خِيفَ عَلَى الْقَاطِعِ الْأَشَلِّ إِنْ قُطِعَتْ يَدُهُ الشَّلَّاءُ أَنْ لَا تَنْدَمِلَ عُرُوقُ الدَّمِ بِالشَّلَلِ الَّذِي لَا يَلْتَحِمُ وَيَتَحَقَّقُ تَلَفُهُ لَمْ يُقْتَصَّ مِنْهُ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ اقْتِصَاصًا من يد بنفس.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِنْ كَانَ الْمَقْطُوعُ أَشَلَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْقَوَدُ فَيَأْخُذُ أَكْثَرَ وَلَهُ حُكُومَةُ يَدٍ شَلَّاءَ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُقْتَصَّ مِنَ اليَدِ السَّلِيمَةِ بِالْيَدِ الشَّلَّاءِ.
وَقَالَ دَاوُدُ: يُقْتَصُّ مِنَ السَّلِيمَةِ بِالشَّلَّاءِ اعْتِبَارًا بِمُطْلَقِ الِاسْمِ، كَمَا يُقْتَصُّ مِنَ القَوِيَّةِ بِالضَّعِيفَةِ وَمِنَ الصَّحِيحَةِ بِالْمَرِيضَةِ وَلِأَنَّهُ لَمَّا اقْتُصَّ مِنَ الأُذُنِ السَّلِيمَةِ بِالْأُذُنِ الْمُسْتَحْشِفَةِ، وَالِاسْتِحْشَافُ شَلَلٌ، كَذَلِكَ شَلَلُ الْيَدِ، وَهَذَا خَطَأٌ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: 40] وَلَيْسَتِ الشَّلَّاءُ مِثْلًا لِسَلِيمَةٍ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تُؤْخَذَ بِهَا، وَلِأَنَّ الْبَصِيرَ إِذَا قَلَعَ عَيْنًا قَائِمَةً لَا تُبْصِرُ لَمْ يُقْتَصَّ بِهَا مِنْ عَيْنِهِ الْمُبْصِرَةِ مَعَ وُجُودِ الْحَيَاةِ فِيمَا قَلَعَ، فَكُلُّ شَلَلِ الْيَدِ مَعَ هَذِهِ الْحَيَاةِ فِيهَا أَوْلَى أَنْ لَا يُقْتَصَّ مِنْهَا مِنْ يَدِ ذَاتِ حَيَاةٍ.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَتِ الشَّلَّاءُ مَيِّتَةً لَمَّا حَلَّ أَكْلُهَا مِنَ الحَيَوَانِ الْمُذَكَّى؟
قِيلَ: إِنَّمَا حَلَّ أَكْلُهَا لَحْمًا وَإِنْ كَانَتْ مَيِّتَةً؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ تَبَعًا لِمُذَكًّى كالجنين إذا
مَاتَ بِذَكَاةِ أُمِّهِ، وَلِأَنَّ قَطْعَ الشَّلَّاءِ مِنْ حَيٍّ كَقَطْعِهَا مِنْ مَيِّتٍ، لِأَنَّهَا فِي الْحَالَيْنِ مَيِّتَةٌ، وَقَطْعُهَا مِنَ المَيِّتِ لَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ، فَكَذَلِكَ قَطْعُهَا مِنَ الحَيِّ.
فَإِنْ قِيلَ فَقَطْعُهَا مِنَ المَيِّتِ لَا يُضْمَنُ بِالْأَرْشِ، وَقَطْعُهَا مِنَ الحَيِّ مَضْمُونٌ بِالْأَرْشِ فَجَازَ أَنْ تُضْمَنَ بِالْقَوَدِ وَإِنْ لَمْ تُضْمَنْ بِهِ يَدُ الْمَيِّتِ؟
قِيلَ: لِأَنَّ الْيَدَ تَبَعٌ لِلْجَسَدِ وَجَسَدُ الْمَيِّتِ غَيْرُ مَضْمُونٍ فَلَمْ تُضْمَنْ يَدُهُ، وَجَسَدُ الْأَشَلِّ مَضْمُونٌ فَضُمِنَتْ يَدُهُ وَخِلَافُ نَفْسِ الضَّعْفِ وَالْمَرَضِ لِوُجُودِ الْحَيَاةِ مَعَهُمَا وَحُصُولِ النَّفْعِ بِهِمَا، فَأَمَّا الْأُذُنُ الْمُسْتَحْشِفَةُ فَفِي الِاقْتِصَاصِ بِهَا مِنَ السَّلِيمَةِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا قِصَاصَ كَالْيَدِ الشَّلَّاءِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يُقْتَصُّ بِهَا مِنَ السَّلِيمَةِ بِخِلَافِ الْيَدِ الشَّلَّاءِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ مَنْفَعَةَ الْأُذُنِ هُوَ حُصُولُ الْجَمَالِ بِهَا، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي الْمُسْتَحْشِفَةِ كَوُجُودِهِ فِي السَّلِيمَةِ، وَمَنْفَعَةُ الْيَدِ قَبْضُهَا وَبَسْطُهَا وَالْعَمَلُ بِهَا، وَهَذَا مَفْقُودٌ فِي الشَّلَّاءِ مَوْجُودٌ فِي السَّلِيمَةِ فَافْتَرَقَا.
(فَصْلٌ)
فَأَمَّا إِذَا قَطَعَ الْأَشَلُّ يَدًا شَلَّاءَ فَفِي الْقِصَاصِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: أنه لا قِصَاصَ بَيْنَهُمَا، وَاعَتَلَّ بِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْأَبْدَانِ تَتَفَاوَتُ وَلَا يُعْرَفُ مُنْتَهَاهَا، فَصَارَ الشَّلَلَانِ مُخْتَلِفَيْنِ غَيْرَ مُتَمَاثِلَيْنِ فَسَقَطَ الْقِصَاصُ فِيهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أبي هريرة وَأَكْثَرِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْقِصَاصَ فِيهِ وَاجِبٌ، لِأَنَّ تَفَاوُتَ الشَّلَلِ يَكُونُ فِي نِهَايَتِهِ وَيَكُونُ فِي أَحَدِهِمَا أَكْثَرُ سِرَايَةً مِنْهُ فِي الْآخَرِ، وَلَسْنَا نَسْتَوْفِي الْقِصَاصَ إِلَّا مِنْ حَدِّ الْقَطْعِ فَقَدْ تَسَاوَيَا فِي نَقْصِهِ فَيَجْرِي الْقِصَاصُ بَيْنَهُمَا فِي الشَّلَلِ كَمَا يَجْرِي مَعَ السَّلَامَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الشَّلَّاءُ مِنَ المَقْطُوعِ يُمْنَاهُ وَمِنَ الْقَاطِعِ يُسْرَاهُ فَلَا قِصَاصَ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقْتَصَّ مِنْ يُمْنَى بِيُسْرَى، وَسَوَاءٌ كَانَ الشَّلَلُ حَادِثًا مَعَ الْوِلَادَةِ أَوْ طَارِئًا بَعْدَهَا.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِنْ قَطَعَ أُصْبُعَهُ فَتَأكلَتْ فَذَهَبَتْ كَفُّهُ أُقِيدَ مِنَ الأُصْبُعِ وَأُخِذَ أَرْشُ يَدِهِ إِلَّا أُصْبُعًا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ قَطَعَ أصْبع رَجُلٍ فَسَرَى الْقَطْعُ إِلَى أَنْ تَآكَلَتْ كَفُّهُ ثُمَّ انْدَمَلَتْ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَيْهِ فِي الْأصْبع دُونَ الْكَفِّ، فَأَوْجَبَهُ فِي الْجِنَايَةِ دُونَ السِّرَايَةِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ فِي الْأصْبع وَلَا فِي الْكَفِّ، فَأَسْقَطَهُ فِي الْجِنَايَةِ والسراية.
وقال آخرون: يحب عَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي جَمِيعِ الْكَفِّ فَأَوْجَبُوهُ فِي الْجِنَايَةِ وَالسِّرَايَةِ.
وَاسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى سُقُوطِ الْقِصَاصِ فِي الْجِنَايَةِ وَالسِّرَايَةِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ قَطْعَ الْيَدِ إِذَا سَرَى إِلَى النَّفْسِ وَجَبَ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ دُونَ الْيَدِ، فَكَانَ الْقِصَاصُ عِنْدَهُ مُعْتَبَرًا بِالسِّرَايَةِ دُونَ الْجِنَايَةِ، وَلَيْسَ فِي السِّرَايَةِ هَاهُنَا قِصَاصٌ فَسَقَطَ فِي الْجِنَايَةِ، وَاحْتَجَّ بَعْدَهُ بِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْجِنَايَةَ إِذَا لَمْ تُضْمَنْ سِرَايَتُهَا بِالْقَوَدِ لَمْ يُضْمَنْ أَصْلُهَا بِالْقَوَدِ كَالْخَطَأِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ الْجِنَايَةَ قَدِ اجْتَمَعَ فِيهَا مُوجِبُ الْقِصَاصِ بِالْمُبَاشَرَةِ وَسَقَطَ لَهُ بِالسِّرَايَةِ، وَإِذَا اجْتَمَعَ فِي الْجِنَايَةِ مُوجِبٌ وَمُسْقِطٌ غَلَبَ حُكْمُ الْإِسْقَاطِ عَلَى الْإِيجَابِ كَالْعَامِدِ إِذَا شَارَكَ خَاطِئًا.
وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الْجِنَايَةِ دُونَ السِّرَايَةِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45] وَالْجُرْحُ مُخْتَصٌّ بِالْجِنَايَةِ دُونَ السِّرَايَةِ، وَلِأَنَّ كُلَّ جِنَايَةٍ وَجَبَ الْقِصَاصُ فِيهَا مَعَ عَدَمِ السِّرَايَةِ وَجَبَ الْقِصَاصُ فِيهَا مَعَ وُجُودِ السِّرَايَةِ، قِيَاسًا عَلَى قَطْعِ يَدِ الْحَامِلِ إِذَا سَرَى إِلَى إِسْقَاطِ حَمْلِهَا، وَلِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ وُجُوبُ الْقِصَاصِ فِي الْجِنَايَةِ وَإِنِ انْتَهَتْ إِلَى مَا لَا قِصَاصَ فِيهِ كَمَنْ رَمَى رَجُلًا بِسَهْمٍ فَنَفَذَ السَّهْمُ إِلَى آخَرَ وَمَاتَا وَجَبَ الْقِصَاصُ لِلْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي، وَلِأَنَّنَا نَبْنِيهِ عَلَى أَصْلِنَا فِي أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ الْقِصَاصُ في الجناية وإن اقتص في السراية، نقابل أَصْلَهُمْ، وَقِيَاسُهُمْ عَلَى الْخَطَأِ فَاسِدٌ بِسِرَايَةِ الْجِنَايَةِ إِلَى الْحَمْلِ، ثُمَّ الْمَعْنَى فِي الْخَطَأِ سُقُوطُ الْقِصَاصِ مَعَ الِانْدِمَالِ فَسَقَطَ مَعَ السِّرَايَةِ وَوُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الْعَمْدِ مَعَ الِانْدِمَالِ فَوَجَبَ مَعَ السِّرَايَةِ.
وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى شَرِيكِ الْخَاطِئِ فَالْمَعْنَى فِيهِ مَعَ فَسَادِهِ بِالسِّرَايَةِ إِلَى الْحَمْلِ هُوَ أَنَّ قَتْلَ الشَّرِيكَيْنِ حَادِثٌ بِالسِّرَايَةِ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ سِرَايَةُ الْعَمْدِ مِنْ سِرَايَةِ الْخَطَأِ، فَسَقَطَ الْقَوَدُ عَنْهُمَا بِسُقُوطِهِ عَنْ أَحَدِهِمَا، وَحُكْمُ الْجِنَايَةِ فِي مَسْأَلَتِنَا مُتَمَيِّزٌ عَنِ السِّرَايَةِ فَلَمْ يَكُنْ سُقُوطُ الْقَوَدِ فِي أَحَدِهِمَا مُوجِبًا لِسُقُوطِهِ فِيهِمَا، كَمَا لَوْ قَطَعَ أَحَدُهُمَا يَدَهُ عَمْدًا وَقَطَعَ الْآخَرُ يَدَهُ الْأُخْرَى خَطَأً لَمَّا تَمَيَّزَ فِعْلُ أَحَدِهِمَا مِنْ فِعْلِ الْآخَرِ لَمْ يَكُنْ سُقُوطُ الْقَوَدِ عَنْ أَحَدِهِمَا مُوجِبًا لِسُقُوطِ الْقَوَدِ عَنِ الْآخَرِ.
(فَصْلٌ)
وَاسْتَدَلَّ مَنْ أَوْجَبَ الْقِصَاصَ فِي الْجِنَايَةِ والسراية بأمرين:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ الْقِصَاصُ فِي السِّرَايَةِ إِذَا انْتَهَتْ إِلَى النَّفْسِ كَانَ أَوْلَى أَنْ يَجِبَ فِيهَا إِذَا كَانَتْ دُونَ النَّفْسِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ الْقِصَاصُ فِيهَا إِذَا سَرَتْ إِلَى ذَهَابِ الْبَصَرِ وَجَبَ فِيهَا إِذَا سَرَتْ إِلَى طَرَفٍ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى سُقُوطِ الْقِصَاصِ فِي السِّرَايَةِ وَإِنْ وَجَبَ فِي الْجِنَايَةِ: أَنَّ مَا أَمْكَنَ مُبَاشَرَةَ أَخْذِهِ بِغَيْرِ سِرَايَةٍ كَانَ انْتِهَاءُ السِّرَايَةِ إِلَيْهِ غَيْرَ مَقْصُودٍ، وَمَا لَمْ يُقْصَدْ بِالْجِنَايَةِ جَرَى عَلَيْهِ حُكْمُ الْخَطَأِ فِي سُقُوطِ الْقَوَدِ، وَبِهَذَا الْمَعْنَى قَدْ فَرَّقْنَا بَيْنَ السِّرَايَةِ إِلَى النَّفْسِ فِي وُجُوبِ الْقَوَدِ لِأَنَّ النَّفْسَ لَا تُؤْخَذُ إِلَّا بِالسِّرَايَةِ، لِأَنَّهَا مُغَيَّبَةٌ تَسْرِي فِي جَمِيعِ الْبَدَنِ وَبَيْنَ السِّرَايَةِ إِلَى الطَّرَفِ فِي سُقُوطِ الْقَوَدِ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ بِالْمُبَاشَرَةِ دُونَ السِّرَايَةِ وَكَذَلِكَ السِّرَايَةُ إِلَى ذَهَابِ الْبَصَرِ، لِأَنَّهُ مَحْسُوسٌ غَيْرُ مُشَاهَدٍ لَا يُؤْخَذُ فِي الْأَغْلَبِ إِلَّا بِالسِّرَايَةِ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا ثَبَتَ وُجُوبُ الْقِصَاصِ فِي الْجِنَايَةِ دُونَ السِّرَايَةِ قِيلَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ: أَنْتَ بِالْخِيَارِ فِي الْجِنَايَةِ بَيْنَ الْقِصَاصِ أَوِ الدِّيَةِ، فَإِنْ عَفَا عَنِ الْقِصَاصِ فِيهَا إِلَى الدِّيَةِ كَانَ لَهُ دِيَةُ الْكَفِّ كُلِّهَا، وَهِيَ نِصْفُ الدِّيَةِ خَمْسُونَ مِنَ الإِبِلِ، وَكَانَ دِيَةُ الْجِنَايَةِ مِنْهَا وَهِيَ دِيَةُ الْأُصْبُع الْمَقْطُوعَةِ عَشْر مِنَ الإِبِلِ دِيَةَ عَمْدٍ مَحْضٍ تَجِبُ فِي مَالِ الْجَانِي حَالَّةً، وَفِي دِيَةِ السِّرَايَةِ إِلَى الْكَفِّ، وَهِيَ أَرْبَعُونَ مِنَ الإِبِلِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ إنَّهَا لِسُقُوطِ الْقِصَاصِ فِيهَا دِيَةُ خَطَأٍ تَجِبُ مُؤَجَّلَةً عَلَى الْعَاقِلَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ إنَّهَا دِيَةُ عَمْدٍ تَجِبُ حَالَّةً فِي مَالِ الْجَانِي، لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ وَاحِدَةٌ فَلَمْ يَخْتَلِفْ حُكْمُ أَرْشِهَا، وَإِنْ طَلَبَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ الْقِصَاصَ فِي الْجِنَايَةِ اقْتُصَّ لَهُ مِنْ أصْبع الْجَانِي وَأُخِذَ مِنْهُ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ دِيَةِ الْكَفِّ لِذَهَابِهَا بِالسِّرَايَةِ عَنْ جِنَايَةٍ، وَذَلِكَ أَرْبَعُونَ مِنَ الإِبِلِ هِيَ دِيَةُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ وَأُصُولِهَا مِنَ الكَفِّ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا: هَلْ يَدْخُلُ فِيهَا أَرْشُ أَصْلِ الْأصْبع الْمَأْخُوذِ قَوَدًا أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَدْ دَخَلَ فِي حُكْمِ الْقِصَاصِ تَبَعًا لِدُخُولِهِ في حكم الدية تبعاً.
[وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ إنَّ أُصُولَ الْأَصَابِعِ مِنَ الكَفِّ تَكُونُ تَبَعًا] لَهَا فِي الدِّيَةِ وَلَا تَكُونُ تَبَعًا لَهَا فِي الْقِصَاصِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَطَعَ أصابعه
الْخَمْسَ كَانَ عَلَيْهِ خَمْسُونَ مِنَ الإِبِلِ وَلَوْ قَطَعَهَا مَعَ الْكَفِّ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْخَمْسُونَ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ، فَصَارَتِ الْكَفُّ تَبَعًا لِلْأَصَابِعِ فِي الدِّيَةِ، وَلَوْ قَطَعَ أَصَابِعَهُ الْخَمْسَ ثُمَّ سَرَتْ إِلَى الْكَفِّ اقْتُصَّ مِنْ خَمْسِ أَصَابِعِهِ وَوَجَبَ عَلَيْهِ أَرْشُ الْكَفِّ، وَلَمْ يَكُنْ أَرْشُ الْكَفِّ تَبَعًا لِلْقِصَاصِ فَاقْتَضَى هَذَا التَّعْلِيلُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ أَرْشُ مَا يَجِبُ لِلْأصْبع الْمُقْتَصِّ مِنْهَا مِنَ الكَفِّ مُضَافًا إِلَى دِيَةِ الْأَصَابِعِ الْأَرْبَعِ، وَهَلْ يَكُونُ جَمِيعُهُ حَالًّا فِي مَالِ الْجَانِي أَوْ مُؤَجَّلًا عَلَى عَاقِلَتِهِ؟ عَلَى الْوَجْهَيْنِ الْمَاضِيَيْنِ.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " ولم ينتظر به أن يراقى إلى مثل جِنَايَتِهِ أَوَّلًا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا اقْتُصَّ مِنْ أصْبع الْجَانِي فَسَرَتْ إِلَى كَفّهِ كَسِرَايَةِ جِنَايَتِهِ مِنْ أصْبع الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إِلَى كَفِّهِ لَمْ تَكُنِ السِّرَايَةُ قِصَاصًا مِنَ السِّرَايَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا كَانَتِ السِّرَايَةُ إِلَى الْأَطْرَافِ قِصَاصًا كَمَا كَانَتِ السِّرَايَةُ إِلَى النَّفْسِ قِصَاصًا؟
قِيلَ: النَّفْسُ لَا تُؤْخَذُ بِالْمُبَاشَرَةِ وَإِنَّمَا تُؤْخَذُ بِالسِّرَايَةِ، وَالْأَطْرَافُ تُؤْخَذُ بِالْمُبَاشَرَةِ دُونَ السِّرَايَةِ، وَلِذَلِكَ وَجَبَ الْقِصَاصُ فِي سِرَايَةِ النَّفْسِ وَلَمْ تَجِبْ فِي سِرَايَةِ الْأَطْرَافِ.
فَإِنْ قِيلَ: أَفَلَيْسَ لَوْ شَجَّهُ مُوضِحَةً فَسَرَتْ إِلَى ذَهَابِ بَصَرِهِ فَاقْتُصَّ مِنْ مُوضِحَةِ الْجَانِي فَسَرَتْ إِلَى بَصَرِهِ كَانَتِ السِّرَايَةُ قِصَاصًا، وَلَيْسَ ذَلِكَ سِرَايَةً إِلَى نَفْسٍ، فَهَلَّا كَانَ فِي السِّرَايَةِ إِلَى الطَّرَفِ كَذَلِكَ؟
قِيلَ: لِأَنَّ أَخْذَ الْبَصَرِ يَكُونُ بِالسِّرَايَةِ كَالنَّفْسِ، لِأَنَّ ضَوْءَ الْبَصَرِ غَيْرُ مُشَاهَدٍ، وَلِذَلِكَ وَجَبَ الْقِصَاصُ فِي السِّرَايَةِ إِلَى ذَهَابِ الْبَصَرِ قِصَاصًا بِالسِّرَايَةِ إِلَى ذَهَابِ الْبَصَرِ قِصَاصًا بِالسِّرَايَةِ إِلَى ذَهَابِ الْبَصَرِ قِصَاصًا.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ سِرَايَةَ الْقِصَاصِ إِلَى الْكَفِّ لَا تَكُونُ قِصَاصًا مِنْ سِرَايَةِ الْجِنَايَةِ إِلَى الْكَفِّ، فَإِذَا اقْتَصَصْنَا مِنْ أصْبع الْجَانِي أَخَذْنَا الْبَاقِيَ مِنْ دِيَةِ الْكَفِّ عَلَى مَا وَصَفْنَا، وَلَمْ يُنْتَظَرْ بِأصْبعهِ أَنْ يَنْتَهِيَ فِي السِّرَايَةِ إِلَى مِثْلِ سِرَايَةِ جِنَايَتِهِ، لِأَنَّهَا لَوِ انْتَهَتْ إِلَيْهِ لَمْ يَكُنْ قِصَاصًا فَلَمْ يَكُنْ لِلِانْتِظَارِ وَجْهٌ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: " وَلِمَ يُنْتَظَرْ بِهِ أَنْ يُرَاقَى إِلَى مِثْلِ جِنَايَتِهِ أَوَّلًا "، فَإِنْ سَرَتْ أَكَلَةُ الْكَفِّ إِلَى نَفْسِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بَعْدَ الِاقْتِصَاصِ مِنْ أصْبع الْجَانِي نُظِرَ فَإِنْ كَانَتِ السِّرَايَةُ إِلَى نَفْسِهِ بَعْدَ أَخْذِ دِيَةِ بَاقِي كَفِّهِ فَلَا قِصَاصَ [لَهُ فِي النَّفْسِ، لِأَنَّهُ قَدِ اسْتَوْفَى بَعْضَ دِيَتِهَا فَيَسْتَوْفِي مَا بَقِيَ مِنْ دِيَةِ النَّفْسِ وَذَلِكَ نِصْفُ الدِّيَةِ، لِأَنَّهُ قَدْ أَخَذَ بِالْقِصَاصِ] وَالْأَرْشِ نِصْفَهَا الْآخَرَ، وَإِنْ كَانَتِ السِّرَايَةُ قَبْلَ أَخْذِ
الْبَاقِي مِنْ دِيَةِ كَفِّهِ فَفِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا فِي دِيَةِ السِّرَايَةِ إِلَى الْكَفِّ هَلْ يَكُونُ دِيَةَ عَمْدٍ أَوْ خَطَأٍ؟
أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّهَا دِيَةُ خَطَأٍ، فَعَلَى هَذَا لَا قَوَدَ فِي السِّرَايَةِ إِلَى النَّفْسِ، وَيُعْدَلُ إِلَى اسْتِكْمَالِ الدِّيَةِ لِيَأْخُذَ تِسْعِينَ من الإبل لاقتصاصه من إصبع ديتها عشر مِنَ الإِبِلِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ سَرَى الْقِصَاصُ مِنَ الجَانِي إِلَى نَفْسِهِ لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الدِّيَةُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَوْلِ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفِرَايِينِيِّ إنَّهَا دِيَةُ عَمْدٍ، فَعَلَى هَذَا يَسْتَحِقُّ الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ إِلَّا أَنْ يَعْفُوَ إِلَى الدية فيعطاها إلى دِيَةَ أصْبع، وَعَلَى هَذَا لَوْ سَرَى الْقِصَاصُ مِنْ أصْبع الْجَانِي إِلَى نَفْسِهِ كَانَتْ سِرَايَتُهُ قِصَاصًا، لَأَنَّ سِرَايَةَ جِنَايَتِهِ مُوجِبَةٌ لِلْقِصَاصِ وَاللَّهُ أعلم.
(مسألة)
قال الشافعي رضي عنه: " وَلَوْ سَأَلَ الْقَوَدَ سَاعَةَ قَطْعِ أصْبعهِ أَقَدْتُهُ فَإِنْ ذَهَبَتْ كَفُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ جَعَلْتُ عَلَى الْجَانِي أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ دِيَتِهَا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كما قال: يجوز القصاص في الأطراف قَبْلَ انْدِمَالِهَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ وَالْمُزَنِيُّ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُقْتَصَّ مِنْ طَرَفٍ أَوْ جُرْحٍ حَتَّى يَنْدَمِلَ أَوْ يَسْرِيَ إِلَى النَّفْسِ، وَبَنَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَصْلِهِ الَّذِي تَقَدَّمَ فِيهِ الْكَلَامُ مَعَهُ مِنْ أَنَّ سِرَايَتَهُ إِلَى مَا دُونَ النَّفْسِ مُوجِبَةٌ لِسُقُوطِ الْقَوَدِ فِيهِ، احْتِجَاجًا بِرِوَايَةِ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَجُلًا جُرِحَ فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَقِيدَ فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنْ يُسْتَقَادَ مِنَ الجَارِحِ حَتَّى يَبْرَأَ الْمَجْرُوحُ.
وَرَوَى يَزِيدُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: " يتسانا بِالْجِرَاحَاتِ سَنَةً، وَلِأَنَّ الْقَوَدَ أَحَدُ الْبَدَلَيْنِ فَلَمْ يَجُزِ اسْتِيفَاؤُهُ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الْجِنَايَةِ كَالدِّيَةِ، وَلِأَنَّ الْقَوَدَ مِنَ الطَّرَفِ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الْجِنَايَةِ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَسْرِيَ إِلَى نَفْسِ الْجَانِي قَبْلَ سِرَايَتِهِ إِلَى نَفْسِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، فَإِنْ جَعَلْتُمُوهُ قصاصاً في النفس كان سالفاً في قتل قبل استحقاقه وذلك غير جائز قصاصاً [إن أَخَذْتُمُ الدِّيَةَ كُنْتُمْ قَدْ جَمَعْتُمْ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ] .
وَدَلِيلُنَا رِوَايَةُ أَيُّوبَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَجُلًا طَعَنَ رَجُلًا بِقَرْنٍ فِي رُكْبَتِهِ فَأَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَسْتَقِيدُ فَقِيلَ لَهُ: حَتَّى تَبْرَأَ، فَأَبَى وَعَجَّلَ، فَاسْتَقَادَ فَعَرَجَتْ رِجْلُهُ، وَبَرِئَتْ رِجْلُ الْمُسْتَقَادِ مِنْهُ، فأتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ: " لَيْسَ لَكَ شَيْءٌ أَنْتَ أَبَيْتَ " فَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:
أَحَدُهَا: جَوَازُ تَعْجِيلِ الْقَوَدِ قَبْلَ الِانْدِمَالِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ تَأْخِيرَهُ إِلَى وَقْتِ الِانْدِمَالِ اسْتِحْبَابٌ.
وَالثَّالِثُ: جَوَازُ الْقَوَدِ مِنَ الجِنَايَةِ بِغَيْرِ الْحَدِيدِ، لِأَنَّ الْجِنَايَةَ كَانَتْ بِقَرْنٍ، وَهَذَا الْحَدِيثُ ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ، وَلِأَنَّ الْقَوَدَ وَاجِبٌ بِالْجِنَايَةِ وَالِانْدِمَالَ عَافِيَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تُوجِبُ سُقُوطَ الْقَوَدِ، وَسِرَايَتُهَا لَا تَمْنَعُ مِنِ اسْتِيفَائِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ اسْتِقْرَارُ الْجِنَايَةِ عَلَى أَحَدِ الْحَالَيْنِ غَيْرُ مَانِعٍ مِنْ تَعْجِيلِ الْقَوَدِ، وَلِأَنَّ مَا اسْتُحِقَّ فِيهِ الْقَوَدُ لَمْ يَلْزَمْ تَأْخِيرُهُ كَالْمُنْدَمِلِ.
فَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِالْخَبَرِ الْأَوَّلِ فَمَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ بِدَلِيلِ خَبَرِنَا.
وَأَمَّا الْخَبَرُ الثَّانِي فَمَتْرُوكٌ مِنْ [وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: ضَعْفُ رَاوِيِهِ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: يَزِيدُ بْنُ عِيَاضٍ ضَعِيفٌ مَتْرُوكٌ] .
وَالثَّانِي: أَنَّ تَقْدِيرَ تَأْخِيرِهِ بِالسَّنَةِ لَا يَلْزَمُ بِالْإِجْمَاعِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الدِّيَةِ فَهُوَ أَنَّ لِلشَّافِعِيِّ فِي أَخْذِ دِيَةِ الطَّرَفِ قَبْلَ انْدِمَالِهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: قَالَهُ فِي كِتَابِ " الْمُكَاتِبِ ": لَوْ جَنَى السَّيِّدُ عَلَى عَبْدِهِ الْمُكَاتِبِ فَقَطَعَ يَدَهُ كَانَ لَهُ أَنْ يُعَجِّلَ أَرْشَ يَدِهِ قِصَاصًا مِنْ كِتَابَتِهِ، فَخَرَّجَهُ أَصْحَابُنَا قَوْلًا فِي جَوَازِ تَعْجِيلِ الْأَرْشِ قَبْلَ الِانْدِمَالِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَ أَرْشُ الْجِنَايَةِ أَقَلَّ مِنْ دِيَةِ النَّفْسِ أُخِذَ جَمِيعُهَا، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ دِيَةِ النَّفْسِ كَقَطْعِ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي أَخْذِ مَا زَادَ عَلَى دِيَةِ النَّفْسِ عَلَى وَجْهَيْنِ حَكَاهُمَا أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفِرَايِينِيُّ:
أَحَدُهُمَا: يُؤْخَذُ مِنْهُ دِيَاتُ الْأَطْرَافِ وَإِنْ كَانَتْ أربعا فوق دية النفس [اعتبارا بحال الجناية كالقود.
والثاني: حكاه عن أبي إسحاق المروزي أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ دِيَةِ النَّفْسِ] لِجَوَازِ السِّرَايَةِ إِلَيْهَا فَلَا يَجِبُ أَكْثَرُ مِنْهَا فَلَا يُؤْخَذُ مَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَرْجَعَ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ قَدْ بَطَلَ أَصْلُ الْقِيَاسِ لِلتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الدِّيَةِ وَالْقَوَدِ فِي اسْتِيفَائِهِمَا قَبْلَ الِانْدِمَالِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ كُتُبِهِ وَالْمَعْمُولُ عَلَيْهِ عِنْدَ سَائِرِ أَصْحَابِنَا إنَّهُ لَا يَجُوزُ أَخْذُ الدِّيَةِ قَبْلَ الِانْدِمَالِ وَإِنْ كَانَ الْقَوَدُ قَبْلَهُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْقَوَدَ لَا يَسْقُطُ بِمَا حَدَثَ بَعْدَ الْجِنَايَةِ مِنِ انْدِمَالٍ أَوْ سِرَايَةٍ، فَجَازَ أَنْ يُسْتَوْفَى قَبْلَ اسْتِقْرَارِهَا، وِدِيَةُ الطَّرَفِ لَا تَسْتَقِرُّ إِلَّا بَعْدَ الِانْدِمَالِ، لِأَنَّهُ إِن قَطَعَ أصْبعا أَرْشُهَا عُشْرُ الدِّيَةِ فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُشَارِكَهُ فِي قَتْلِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مِائَةُ نَفْسٍ، فَلَا يَلْزَمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الجَمَاعَةِ مِنَ الدِّيَةِ إِلَّا عُشْرُ عُشْرِهَا فَيَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَرُدَّ عَلَى قَاطِعِ الْأصْبع الزِّيَادَةَ عَلَيْهِ فَافْتَرَقَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَحْدُثَ فِي الْقَوَدِ مِثْلُهُ، لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يُشْرِكَهُ قَبْلَ انْدِمَالِ الْأصْبع خَاطِئٌ فَتَسْرِي الْجِنَايَتَانِ إِلَى نَفْسِهِ فَيَسْقُطُ الْقَوَدُ عَلَى الْعَامِدِ.
قِيلَ: إِنَّمَا يَسْقُطُ الْقَوَدُ عَنِ الْعَامِدِ فِي النَّفْسِ إِذَا شَارَكَهُ خَاطِئٌ بِخُرُوجِ النَّفْسِ بِعَمْدِهِ وَخَطَئِهِ، فَأَمَّا الطَّرَفُ الَّذِي تَفَرَّدَ الْعَامِدُ بِأَخْذِهِ فَلَا يَسْقُطُ الْقَوَدُ فِيهِ بِمُشَارَكَةِ الْخَاطِئِ لَهُ فِي النَّفْسِ، وَصَارَ الْقَوَدُ فِي الطَّرَفِ مَحْتُوم الِاسْتِحْقَاقِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: " إِنَّ هَذَا يُفْضِي عِنْدَ السِّرَايَتَيْنِ إلى السلف في القصاص فهو أن تقول: لَا تَخْلُو السِّرَايَتَانِ بَعْدَ الْجِنَايَةِ وَالْقِصَاصِ مِنْ أن تتقدم سِرَايَةُ الْجِنَايَةِ أَوْ سِرَايَةُ الْقِصَاصِ، فَإِنْ تَقَدَّمَتْ سراية الجناية على سراية القصاص [فقد استوفى بسراية القصاص ما وجب في سراية الجناية من القصاص، وإن تقدمت سراية القصاص على سراية الجناية فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ أنها تكون قصاصاً وإن تقدمت على سراية الجناية] فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ سَلَفًا لِحُدُوثِهَا عَنْ قِصَاصٍ قَدِ اسْتُوفِيَ بَعْدَ اسْتِحْقَاقِهِ، وَالسَّلَفُ أَنْ يَقُولَ: اقْطَعْ يَدِي لِيَكُونَ قِصَاصًا مِنْ سِرَايَةِ الْجِنَايَةِ لتقدمها عليه.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ خَيْرَانَ أَنَّهَا لَا تَكُونُ قِصَاصًا، لِتَقَدُّمِهَا عَلَى سِرَايَةِ الْجِنَايَةِ وَتَمَيُّزِ الطَّرَفَيْنِ عَنِ السِّرَايَتَيْنِ، فَعَلَى هَذَا يَصِيرُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مُسْتَحِقًّا لِدِيَةِ النَّفْسِ لِفَوَاتِ الْقِصَاصِ فِيهَا بِالسِّرَايَةِ إِلَيْهَا وَهِيَ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ لِحُدُوثِهَا عَنْ مُبَاحٍ، وَقَدِ اسْتَوْفَى الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مِنْ دِيَةِ النَّفْسِ عُشْرَهَا وَهِيَ دِيَةُ الْأصْبع الْمُقْتَصِّ مِنْهَا، فَيَرْجِعُ فِي مَالِ الْجَانِي بِتِسْعَةِ أَعْشَارِ الدِّيَةِ، وَقَدِ اسْتَوْفَيْنَا هَذَيْنِ الْجَوَابَيْنِ لِمَا تَعَلَّقَ بِهِمَا مِنْ شَرْحِ الْمَذْهَبِ.
(مَسْأَلَةٌ) قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ كَانَ مَاتَ مِنْهَا قَتَلْتُهُ بِهِ لِأَنَّ الْجَانِيَ ضَامِنٌ لِمَا حَدَثَ مِنْ جِنَايَتِهِ وَالْمُسْتَقَادَ مِنْهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ لَهُ مَا حَدَثَ مِنَ القَوَدِ بِسَبَبِ الْحَقِّ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ سِرَايَةَ الْجِنَايَةِ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْجَانِي، وَسِرَايَةَ الْقِصَاصِ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ عَلَى الْمُقْتَصِّ لَهُ، لِحُدُوثِ سِرَايَةِ الْجِنَايَةِ عَنْ مَحْظُورٍ وَحُدُوثِ سِرَايَةِ الْقِصَاصِ عَنْ مُبَاحٍ، وَإِنْ سَوَّى أَبُو حَنِيفَةَ بَيْنَ ضمان السرايتين، فعلى هذا صورة مسئلتنا أَنْ يَقْطَعَ أصْبعهُ فَيَقْتَصُّ مِنْ أصْبعهِ، ثُمَّ تَسْرِي الْجِنَايَةُ إِلَى نَفْسِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، فَيَجِبُ أَنْ يُقْتَصَّ لَهُ مِنْ نَفْسِ الْجَانِي، وَلَوْ كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ قَدْ أَخَذَ دِيَةَ أصْبعهِ ثُمَّ مَاتَ مِنْ سِرَايَتِهَا لَمْ يُقْتَصَّ لَهُ مِنْ نَفْسِ الْجَانِي، لِأَنَّ أَخْذَهُ لِدِيَةِ أصْبعهِ عَفْوٌ عَنِ الْقِصَاصِ فِيهَا، وَسِرَايَةُ مَا لَا قِصَاصَ فِيهِ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِلْقِصَاصِ، وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِتِسْعَةِ أَعْشَارِ الدِّيَةِ، لِأَنَّهُ قَدْ أَخَذَ فِي دِيَةِ الْأُصْبُع عُشْرَهَا، فَصَارَ مُسْتَوْفِيًا لِجَمِيعِ الدية.
(مسألة)
قال المزني رضي الله عنه: " وَسَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ لَوْ شَجَّهُ مُوضِحَةً فَذَهَبَتْ مِنْهَا عَيْنَاهُ وَشَعْرُهُ فَلَمْ يَنْبُتْ ثم برئ أقص مِنَ المُوضِحَةِ فَإِنْ ذَهَبَتْ عَيْنَاهُ وَلَمْ يَنْبُتْ شَعْرُهُ فَقَدِ اسْتَوْفَى حَقَّهُ وَإِنْ لَمْ تَذْهَبْ عَيْنَاهُ وَنَبَتَ شَعْرُهُ زِدْنَا عَلَيْهِ الدِّيَةَ وَفِي الشعر حكومة ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ سِرَايَةَ الْجِنَايَةِ تَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تَسْرِيَ إِلَى النَّفْسِ، فَيَجِبُ الْقِصَاصُ لَهُ فِي السِّرَايَةِ كَوُجُوبِهِ فِي الْجِنَايَةِ لِأَنَّ النَّفْسَ تُؤْخَذُ تَارَةً بِالتَّوْجِئَةِ وَتَارَةً بِالسِّرَايَةِ، فَوَجَبَ الْقِصَاصُ فِي الْحَالَيْنِ وَلَيْسَتِ النَّفْسُ عَيْنًا تَرَى فَتَنْفَرِدُ بِالْأَخْذِ، فَلَوْ سَرَى قِصَاصُ الْجِنَايَةِ إِلَى النَّفْسِ كَانَ وَفَاءً لِحَقِّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ تَسْرِيَ الْجِنَايَةُ إِلَى عُضْوٍ فِي الْجَسَدِ كَسِرَايَةِ قَطْعِ الْأصْبع إِلَى الْكَفِّ وَسِرَايَةِ قَطْعِ الْكَفِّ إِلَى الْمِرْفَقِ، فَالْقِصَاصُ فِي الْجِنَايَةِ دُونَ السِّرَايَةِ، وَيُؤْخَذُ
أَرْشُ السِّرَايَةِ مَعَ الْقِصَاصِ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى مَا مَضَى، فَلَوْ سَرَى قِصَاصُ الْجِنَايَةِ مِثْلَ سِرَايَةِ الْجِنَايَةِ لَمْ يَسْقُطْ بِهِ أَرْشُ سِرَايَةِ الْجِنَايَةِ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ حُدُوثِ سِرَايَةِ الْجِنَايَةِ غَيْرُ مَضْمُونٍ فَصَارَ مَضْمُونًا، وَحُدُوثُ سِرَايَةِ الْقِصَاصِ عَنْ غَيْرِ مَضْمُونٍ فَلَمْ يَصِرْ مَضْمُونًا.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ تَسْرِيَ الْجِنَايَةُ إِلَى ذَهَابِ ضَوْءِ الْعَيْنِ كَالْمُوضِحَةِ فِي الرَّأْسِ إِذَا ذَهَبَ بِهَا ضَوْءُ الْعَيْنِ، فَالَّذِي نَقَلَهُ الْمُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ نَصًّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ الْقِصَاصَ فِي السِّرَايَةِ إِلَيْهِ وَاجِبٌ، لِأَنَّ ضَوْءَ الْعَيْنِ لَيْسَ بشخص يرى فيؤخذ بقلع العين تارة وَبِالسِّرَايَةِ أُخْرَى فَأَشْبَهَ النَّفْسَ، فَاقْتَضَى أَنْ يَجِبَ الْقِصَاصُ فِي السِّرَايَةِ إِلَيْهِ كَمَا يَجِبُ فِي السِّرَايَةِ إِلَى النَّفْسِ، فَيَصِيرُ هَذَا مُلْحَقًا بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا قِصَاصَ فِي الْمُوضِحَةِ وَلَا فِي السِّرَايَةِ كَمَا لَا يَجِبُ فِي الْأصْبع وَلَا فِي السِّرَايَةِ إِلَى الْكَفِّ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الْمُوضِحَةِ وَفِي السِّرَايَةِ إِلَى ضَوْءِ الْعَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَجِبْ فِي الْأصْبع وَالسِّرَايَةِ إِلَى الْكَفِّ، وَخَرَجَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ قَوْلًا ثَانِيًا لَمْ يُسَاعِدْهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ إنَّ السِّرَايَةَ إِلَى ضَوْءِ الْعَيْنِ لَا تُوجِبُ الْقِصَاصَ كَمَا لَا تُوجِبُهُ السِّرَايَةُ إِلَى أَعْضَاءِ الْجَسَدِ، لِأَنَّهُمَا سِرَايَتَانِ إِلَى مَا لَا دُونَ النَّفْسِ وَجَعَلَ ذَلِكَ مُلْحَقًا بِالْقِسْمِ الثَّانِي، فَأَمَّا السِّرَايَةُ إِلَى ذَهَابِ الشَّعْرِ فَلَا توجب القصاص، لأن الشعر عين تَرَى يُمْكِنُ أَنْ يُقْصَدَ بِالْأَخْذِ فَصَارَ كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ فَصُورَةُ مَسْأَلَتِنَا فِي رَجُلٍ شَجَّ رَجُلًا مُوضِحَةً فَذَهَبَ مِنْهَا ضَوْءُ عَيْنَيْهِ وَشَعْرُ رَأْسِهِ، فَعَلَى مَنْصُوصِ الشَّافِعِيِّ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي السِّرَايَةِ إِلَى ضَوْءِ الْعَيْنِ، يُقْتَصُّ مِنْ مُوضِحَةِ الْجَانِي، فَإِنْ ذَهَبَ مِنْهَا ضَوْءُ عَيْنَيْهِ وَشَعْرُ رَأْسِهِ فَقَدِ اسْتَوْفَى الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ حَقَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ مِنْهَا ضَوْءُ عَيْنَيْهِ وَلَا شَعْرُ رَأْسِهِ أُخِذَ مِنْهَا حُكُومَةٌ فِي الشَّعْرِ الزَّائِدِ عَلَى مَوْضِعِ الْمُوضِحَةِ، لِأَنَّ الشَّعْرَ الَّذِي فِي مَوْضِعِ الْمُوضِحَةِ قَدْ دَخَلَ فِي الْقِصَاصِ مِنْهَا أَوْ فِي أَرْشِ دِيَتِهَا، وَلَا يُعَالَجُ شعره حَتَّى يَذْهَبَ وَلَا يَعُودَ نَبَاتُهُ، لِأَنَّهُ قِصَاصٌ فِي السِّرَايَةِ إِلَى الشَّعْرِ، وَقَدْ كَانَ الْقِيَاسُ يَقْتَضِي أَنْ يُؤْخَذَ مِنَ الجَانِي حُكُومَةٌ وَإِنْ لَمْ يَنْبُتْ شَعْرٌ، غَيْرَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ جَعَلَهُ تَبَعًا لِخِفَّةِ حُكْمِهِ مِنْ أَحْكَامِ الْأَعْضَاءِ، فَأَمَّا ضَوْءُ الْعَيْنِ إِذَا لَمْ يَذْهَبْ بِسِرَايَةِ الْقِصَاصِ فَإِنْ أَمْكَنَ يُعَالِجُ الْعَيْنَ بِمَا يُذْهِبُ ضَوْءَهَا مِنْ غَيْرِ جِنَايَةٍ عَلَى الْحَدَقَةِ مِثْلَ الْكَافُورِ أَوْ مِيلٍ يُحْمَى بِالنَّارِ وَيُقَرَّبُ إِلَى الْعَيْنِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَذُوبَ بِهِ شَحْمُهَا اقْتُصَّ مِنْهُ بِذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إِلَّا بِقَلْعِ الْحَدَقَةِ لَمْ يَجُزْ قَطْعُهَا لِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْحَدَقَةَ عُضْوٌ لَمْ يُجْنَ عَلَيْهِ فَلَمْ يقتص منه.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تُوضَعَ حَدِيدَةُ الْقِصَاصِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهَا مِنَ الجِنَايَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: أَفَلَيْسَ لَوْ سَرَتْ إِلَى نَفْسِهِ وَلَمْ يسر القصاص إلى نفس الجاني.
قيل ووضع حَدِيد الْقِصَاصِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ مِنَ الجِنَايَةِ؟
قيل: لأن القصاص في النفس يستهلك به [جميع الجسد وفيما دون النَّفْسِ لَا يُسْتَهْلَكُ بِهِ] إِلَّا عُضْوُ الْجِنَايَةِ وَحْدَهُ فَافْتَرَقَا، وَإِذَا تَعَذَّرَ الْقِصَاصُ فِي ضَوْءِ الْعَيْنِ أُخِذَ مِنْهُ دِيَتُهَا مَعَ حُكُومَةِ الشَّعْرِ بَعْدَ الْقِصَاصِ مِنَ المُوضِحَةِ، وَلَوْ لَمْ يُقْتَصَّ مِنْهَا يُضَمُّ إِلَى ذَلِكَ دِيَةُ الْمُوضِحَةِ.
فَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي الَّذِي خَرَّجَهُ الْمَرْوَزِيُّ، إنَّهُ لَا قِصَاصَ فِي ذَهَابِ ضَوْءِ الْعَيْنِ بِالسِّرَايَةِ فَيُقْتَصُّ مِنَ المُوضِحَةِ، وَيُؤْخَذُ مِنَ الجَانِي دِيَةٌ فِي ذَهَابِ ضَوْءِ الْعَيْنِ، وَحُكُومَةٌ فِي ذَهَابِ الشَّعْرِ، سَوَاءٌ سَرَى قِصَاصُ الْمُوضِحَةِ إِلَى ذَهَابِ ضَوْءِ عَيْنِ الْجَانِي وَذَهَابِ شَعْرِهِ أَمْ لَا، كَمَا قُلْنَا فِي السِّرَايَةِ إِلَى الْكَفِّ بِقَطْعِ الْأصْبع لَمَّا لَمْ يَجِبْ فِيهِ الْقِصَاصُ لَمْ تَكُنْ سِرَايَةُ الْقِصَاصِ إِلَى الْكَفِّ مُسْقِطًا لِمَا وَجَبَ مِنْ أَرْشِ الْكَفِّ، فَأَمَّا الْمُزَنِيُّ فَإِنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ السِّرَايَةِ فِي النَّفْسِ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِيهِمَا وَهُوَ الْأَصَحُّ.
(فَصْلٌ)
فَأَمَّا إِنْ لَطَمَهُ فَأَذْهَبَ ضَوْءَ عَيْنِهِ فَإِنْ كَانَتِ اللَّطْمَةُ يَذْهَبُ بِمِثْلِهَا ضَوْءُ الْعَيْنِ فِي الْغَالِبِ وَجَبَ الْقِصَاصُ فِيهَا بِلَطْمَةٍ يُقْصَدُ بِهَا ذَهَابُ ضَوْءِ العين، [ولا يقصد بها القصاص في اللطمة] فَإِنْ ذَهَبَ بِهَا ضَوْءُ الْعَيْنِ فَقَدِ اسْتَوْفَى الْقِصَاصَ مِنْهَا، وَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ مِنْهَا ضَوْءُ العين وأمكن أن يؤخذ ضؤها مَعَ بَقَاءِ الْحَدَقَةِ بِغَيْرِ حَدِيدٍ فُعِلَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ أُخِذَتْ مِنْهُ دِيَةُ الْعَيْنِ، وَلَا أَرْشَ عَلَيْهِ فِي اللَّطْمَةِ لِاسْتِيفَاءِ مَا حَدَثَ عَنْهَا، وَإِنْ كَانَتِ اللَّطْمَةُ لَا يَذْهَبُ فِي الْأَغْلَبِ مِنْهَا ضَوْءُ الْعَيْنِ وَيَجُوزُ أَنْ يَذْهَبَ فَلَا قِصَاصَ فِيهَا؛ - لِأَنَّهَا عَمْدُ الْخَطَأِ وَتُؤْخَذُ مِنْهُ دِيَةُ الْعَيْنِ وَلَا يُعَزَّرُ فِي اللَّطْمَةِ، لِأَنَّهُ قَدِ اسْتُوفِيَ مِنْهُ حَقُّهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(مسألة)
قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَا أَبْلُغَ بِشَعْرِ رأسه ولا بشعر لحيته دية (قال المزني) رحمه الله هذا أشبه بقوله عندي قياساً على قوله إذا قطع يده فمات عنها أنه يقطع فإن مات منها فقد استوفى حقه فكذلك إذا شجه مقتصا فذهبت منها عيناه وشعره فقد أخذ حقه غير أني أقول إن لم ينبت شعره فعليه حكومة الشعر ما خلا موضع الموضحة فإنه داخل في الموضحة فلا نغرمه مرتين ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَا خِلَافَ أَنَّ الشَّعْرَ إِذَا عَادَ نَبَاتُهُ فَلَا دِيَةَ فِيهِ، فَأَمَّا الْحُكُومَةُ فَمُعْتَبَرَةٌ بِحَالِ الشَّعْرِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا شَيْنَ فِي أَخْذِهِ كَشَعْرِ الرَّأْسِ وَالْجَسَدِ وَالشَّارِبِ فَلَا يَجِبُ فِي أَخْذِهِ حُكُومَةٌ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَشِينُ أَخْذُهُ كَاللِّحْيَةِ وَالْحَاجِبَيْنِ وَأَهْدَابِ الْعَيْنَيْنِ فَلَا يَخْلُو حَالُ نَبَاتِهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَعُودَ مِثْلَ مَا كَانَ، فَلَا حُكُومَةَ فِيهِ وَيُعَزَّرُ جَانِبُهُ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَعُوَدَ أَخَفَّ مِمَّا كَانَ وَأَقَلَّ فَعَلَيْهِ حُكُومَةُ مَا نَقَصَ مِنْهُ، سَوَاءٌ عَادَ أَقْبَحَ مِمَّا كَانَ أَوْ أَجْمَلَ، لِأَنَّهُ قَدْ زَالَ مِنْ جَسَدِهِ مَا لَمْ يَعُدْ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَعُودَ أَكْثَفَ مِمَّا كَانَ وَأَكْثَرَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الزِّيَادَةِ قُبْحٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَيُعَزَّرُ، وَإِنْ كَانَ فِي الزِّيَادَةِ قَبَاحَةٌ وَشَيْنٌ فَعَلَيْهِ حُكُومَةُ مَا نَقَصَ بِالْقَبَاحَةِ وَالشَّيْنِ، وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّ نَبَاتَ الشَّعْرِ بَعْدَ ذَهَابِهِ لَا يُسْقِطُ مَا وَجَبَ فِيهِ مِنْ حُكُومَةِ أَخْذِهِ.
وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيُّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " مَنْ مَثَّلَ بِالشَّعْرِ فَلَيْسَ لَهُ خَلَاقٌ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ مُثْلَةَ الشَّعْرِ تَغْيِيرُهُ بِالسَّوَادِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ نَتْفُهُ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ حَلْقُهُ فِي الْخُدُودِ وَغَيْرِهَا.
(فَصْلٌ)
فَأَمَّا إِنْ قَلَعَ شَعْرَهُ قَلْعًا لَمْ يَعُدْ نَبَاتُهُ، فَإِنْ أَمْكَنَ فِيهِ الْقِصَاصُ حَتَّى يَذْهَبَ فَلَا يَعُودُ نَبَاتُهُ اقْتُصَّ مِنْهُ مَعَ التَّمَاثُلِ وَالْمُكْنَةِ، وَإِنْ تَعَذَّرَ الْقِصَاصُ مِنْهُ إِلَّا أَنْ يَعُودَ نَبَاتُهُ فَعَلَيْهِ فِي جَمِيعِهِ حُكُومَةٌ، وَلَا تَبْلُغُ حُكُومَتُهُ دِيَةً، وَأَوْجَبَ أَبُو حَنِيفَةَ الدِّيَةَ فِي الشَّعْرِ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ: فِي شَعْرِ الرَّأْسِ، وَاللِّحْيَةِ، وَالْحَاجِبَيْنِ وَأَهْدَابِ الْعَيْنَيْنِ، فَجُعِلَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا الدِّيَةُ إِلَّا فِي الْعَبْدِ فَإِنَّهُ أَوْجَبَ فِي شَعْرِهِ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ، احْتِجَاجًا بِمَا رُوِيَ أَنَّ رجلاً أفرغ قدر يَغْلِي عَلَى رَأْسِ رَجُلٍ فَتَمَعَّطَ مِنْهَا شَعْرُهُ فَأَتَى عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ لَهُ: اصْبِرْ سَنَةً فَصَبَرَ فَلَمْ يَنْبُتْ فَقَضَى عَلي لَهُ بِالدِّيَةِ، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ فكان إجماعاً.
قَالَ: وَلِأَنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ بِإِتْلَافِ مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ كَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، وَبِإِتْلَافِ مَا فِيهِ جَمَالٌ كَالْأَنْفِ وَالْأُذُنَيْنِ، وَفِي هَذَا الشَّعْرِ جَمَالٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ، فَاقْتَضَى أَنْ يَجِبَ فِيهِ الدِّيَةُ كَالْأَنْفِ وَالْأُذُنَيْنِ.
قَالَ: وَلِأَنَّ كُلَّ ما فرق بين رجل وَالْمَرْأَةِ وَجَبَتْ فِيهِ الدِّيَةُ كَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى.
وَدَلِيلُنَا: هُوَ أَنَّ الدِّيَةَ لَا تَجِبُ إِلَّا تَوْقِيفًا كَدِيَاتِ الشِّجَاجِ وَالْأَطْرَافِ، وَلَيْسَ فِي الشَّعْرِ تَوَقُّفٌ فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ دِيَةٌ، وَلِأَنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ فِيمَا يُؤْلِمُ وَلَيْسَ فِي أَخْذِ الشَّعْرِ أَلَمٌ، وَمَا اخْتَصَّ بِالْجَمَالِ دُونَ الْأَلَمِ لَمْ تَكْمُلْ فِيهِ الدِّيَةُ كَالْيَدِ الشَّلَّاءِ، وَلِأَنَّهُ شَعْرٌ لَا يَجِبُ فِي الْعَبْدِ مِنْهُ مُقَدَّرٌ فَلَمْ يَجِبْ فِي الْحُرِّ مِنْهُ مُقَدَّرٌ كَشَعْرِ الْجَسَدِ، وَلِأَنَّ مَنْ لَا يَجِبُ فِي شَعْرِ جَسَدِهِ مُقَدَّرٌ لَمْ يَجِبْ فِي شَعْرِ وَجْهِهِ مُقَدَّرٌ كَالْعَبْدِ، وَلِأَنَّ مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِإِزَالَتِهِ عِنْدَ تَجَاوُزِهِ حَدَّهُ لَمْ تَجِبِ الدِّيَةُ فِي إِزَالَةِ أَصْلِهِ كَالْأَظْفَارِ، ثُمَّ فِي الْأَظْفَارِ مَعَ الْجَمَالِ نَفْعٌ لَيْسَ فِي الشَّعْرِ، لِأَنَّ الْأَنَامِلَ لَا يُتَصَرَّفُ إِلَّا بِهَا فَنَقَصَ حُكْمُ الشَّعْرِ عَنْهَا.
فَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِقَضَاءِ عَلِيٍّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَقَدْ خَالَفَهُ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فقضى فيه بعشر من الإبل، فَقَدْ خَالَفَهُ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه فقضى فيه بعشر من الإبل، وخالفها فِيهِ زَيْدٌ فَقَضَى فِيهِ بِثُلْثِ الدِّيَةِ، وَلَيْسَ مَعَ الْخِلَافِ إِجْمَاعٌ، وَقِيَاسُهُ عَلَى الذَّكَرِ لِاخْتِصَاصِ الرِّجَالِ بِهِ فَيَفْسُدُ بِشَعْرِ الشَّارِبِ يَخْتَصُّ بِهِ الرِّجَالُ وَلَا يَجِبْ فِيهِ الدِّيَةُ.
ثُمَّ الْمَعْنَى فِي الذَّكَرِ أَنَّ فِيهِ مَنْفَعَةً وَإِنَّمَا يُخَافُ مِنْهُ لِلسِّرَايَةِ إِلَى النَّفْسِ، فَخَالَفَ الشَّعْرَ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنَ القِيَاسِ عَلَى الْأَنْفِ وَالْأُذُنَيْنِ فَلَا تَسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الشَّعْرِ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ فِي الْأَنْفِ وَالْأُذُنَيْنِ مَنْفَعَةً لَيْسَتْ فِي الشَّعْرِ، لِأَنَّ الْأَنْفَ يَحْفَظُ النَّفْسَ وَالشَّمَّ، وَالْأُذُنَ يَحْفَظُ السَّمْعَ وَيَدْفَعُ الْأَذَى.
وَالثَّانِي: أَنَّ فِي قَطْعِهِمَا أَلَمًا رُبَّمَا أَفْضَى إِلَى النَّفْسِ بِخِلَافِ الشَّعْرِ الَّذِي لَا يُؤْلِمُ وَلَا يُخَافُ مِنْهُ التَّلَفُ.
(مسألة)
قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَوْ أَصَابَتْهُ مِنْ جُرْحِ يَدِهِ أَكَلَةٌ فَقُطِعَتِ الْكَفُّ لِئَلَّا تَمْشِيَ الْأَكَلَةُ فِي جَسَدِهِ لَمْ يَضْمَنِ الْجَانِي مِنْ قَطْعِ الْكَفِّ شَيْئًا فَإِنْ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ فَنِصْفُ الدِّيَةِ عَلَى الْجَانِي وَيَسْقُطُ نِصْفُهَا لِأَنَّهُ جَنَى عَلَى نَفْسِهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا: فِي رَجُلٍ قَطَعَ أصْبع رَجُلٍ فَتَآكَلَتْ، وَخَافَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ سِرَايَتَهَا إِلَى نَفْسِهِ فَقَطَعَ كَفَّهُ لِيَقْطَعَ سِرَايَتَهَا، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَنْدَمِلَ بقَطْع كَفِّهِ فَيَجِبُ عَلَى الْجَانِي الْقِصَاصُ فِي الإصبع التي
قَطَعَهَا، وَعَلَيْهِ الْأَرْشُ فِيمَا سَرَتْ إِلَيْهِ الْجِنَايَةُ مِنْ كَفِّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ كَأَنَّهَا سَرَتْ إِلَى أصْبع ثَانِيَةٍ، فَيَلْزَمُهُ دِيَتُهَا لِذَهَابِهَا بِسِرَايَةِ جِنَايَتِهِ، وَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ فِيهَا، وَيَكُونُ بَاقِي الْكَفِّ الَّتِي قَطَعَهَا صَاحِبُهَا هَدَرًا لَا يَضْمَنُهَا الْجَانِي.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا قَطَعَهَا مِنَ الخَوْفِ الْحَادِثِ عَنْ جِنَايَتِهِ فَهَلَّا كَانَتْ مِنْ ضَمَانِهِ كَالسِّرَايَةِ.
قِيلَ: تَلَفُ السِّرَايَةِ حَادِثٌ عَنْ فِعْلِهِ فَضَمِنَهُ، وَتَلَفُ الْخَوْفِ حَادِثٌ عَنْ فِعْلِ غَيْرِهِ فَلَمْ يَضْمَنْهُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنَّ يَسْرِيَ قَطْعُ الْكَفِّ إِلَى نَفْسِهِ فَيَمُوتَ، فَيَكُونُ الْمَوْتُ حَادِثًا مِنْ سِرَايَتَيْنِ: قَطْعِ الْجِنَايَةِ، وَقَطْعِ الِاسْتِصْلَاحِ، فَيَصِيرُ الْجَانِي أَحَدَ الْقَاتِلَيْنِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَكُونُ الثَّانِي قَاتِلًا دُونَ الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ قَطَعَ مَحَلَّ الْجِنَايَةِ فَأَزَالَ سِرَايَتَهَا، وَهَذَا فَاسِدٌ بِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْمَوْتَ كَانَ بِسِرَايَةِ الْأَلَمَيْنِ، فَلِذَلِكَ صَارَ الْأَوَّلُ أَحَدَ الْقَاتِلَيْنِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَفِي قَطْعِ الْجَانِي نِصْفُ الدِّيَةِ، فَأَمَّا الْقَوَدُ فِي النَّفْسِ فَقَدْ صَارَ مُشَارِكًا فِي النَّفْسِ لِمَنْ لَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانُهَا فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وُجُوبِ الْقَوَدِ عَلَيْهِ، فَكَانَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ يُخْرِجُهُ عَلَى قَوْلَيْنِ مِنْ شَرِيكِ السَّبُعِ وَمِنْ جَارِحِ نَفْسِهِ بَعْدَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ:
أَحَدُهُمَا: عَلَيْهِ الْقَوَدُ فِي النَّفْسِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا قَوَدَ عَلَيْهِ، وَقَدْ مَضَى تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ مِنْ قَبْلُ.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ: لَا قَوَدَ عَلَيْهِ قَوْلًا وَاحِدًا وَإِنْ كَانَ شَرِيكَ السَّبُعِ وَشَرِيكَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ عَلَى قَوْلَيْنِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ النَّفْسَ فِي شَرِكَةِ السَّبُعِ وَالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ خَرَجَتْ عَنْ قَصْدِ التَّلَفِ فَصَارَ جَمِيعُهَا عَمْدًا مَحْضًا فَجَازَ أَنْ يَجِبَ فِيهَا الْقَوَدُ، وَفِي هَذَا الْمَوْضِعِ خَرَجَتْ عَنْ قَصْدِ الِاسْتِصْلَاحِ دُونَ التَّلَفِ، فَإِذَا أَفْضَى إِلَى التَّلَفِ صَارَ عَمْدَ الْخَطَأِ وَلَا قَوَدَ عَلَى شَرِيكِ الْخَاطِئِ وَكَذَلِكَ هَاهُنَا.
(فَصْلٌ)
فَأَمَّا إِذَا قَطَعَ الْجَانِي قِطْعَةَ لَحْمٍ مِنْ بَدَنِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَخَافَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ سِرَايَتَهَا فَقَطَعَ مَا يَلِيهَا فَمَاتَ فَيُنْظَرُ، فَإِنْ قَطَعَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ لَحْمًا مَيِّتًا فَلَا تَأْثِيرَ لِلْقِطْعَةِ، لِأَنَّ قَطْعَ الْمَيِّتِ لَا سِرَايَةَ لَهُ، وَالْجَانِي هُوَ الْقَاتِلُ وَحْدَهُ، وَالْقَوَدُ عَلَيْهِ فِي النَّفْسِ وَاجِبٌ، فَإِنْ عَفَا عَنْهُ فَجَمِيعُ الدِّيَةِ، وَإِنْ قَطَعَ لَحْمًا حَيًّا فَالْمَوْتُ مِنْ سِرَايَتِهَا وَالْجَانِي أَحَدُ الْقَاتِلَيْنِ بِوِفَاقِ أَبِي حَنِيفَةَ، لِأَنَّ مَحَلَّ الْجِنَايَةِ عِنْدَهُ إِذَا كَانَ بَاقِيًا حَدَثَتِ السِّرَايَةُ عَنْهُمَا، وَإِنْ أَزَالَهُ الثَّانِي كَانَتِ السِّرَايَةُ عَنِ الثَّانِي، وَعِنْدَنَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ بَقَاءِ مَحَلِّ الْجِنَايَةِ وَزَوَالِهِ فِي حُدُوثِ السِّرَايَةِ عَنْهُمَا، وَيَكُونُ الْقَوَدُ هَاهُنَا عَلَى الْجَانِي مَحْمُولًا عَلَى
مَا قَدَّمْنَاهُ مِنِ اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا، فَيَكُونُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَعِنْدَ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: لَا قَوَدَ عَلَيْهِ، قَوْلًا وَاحِدًا، وَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَهَكَذَا لَوْ أَنَّ الْمَجْرُوحَ خَاطَ جُرْحَهُ فَمَاتَ فَإِنْ خَاطَهُ فِي لَحْمٍ مَيِّتٍ فَالْجَارِحُ هُوَ الْقَاتِلُ وَعَلَيْهِ الْقَوَدُ فِي النَّفْسِ أَوْ جَمِيعِ الدِّيَةِ، وَإِنْ خَاطَهُ فِي لَحْمٍ حَيٍّ كَانَ الْجَارِحُ أَحَدَ الْقَاتِلَيْنِ وَكَانَ وُجُوبُ الْقَوَدِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنِ اختلاف أصحابنا في القولين.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " ولو كان في يد المقطوع أُصْبُعانِ شَلَّاوَانِ لَمْ تُقْطَعْ يَدُ الْجَانِي وَلَوْ رَضِيَ فَإِنْ سَأَلَ الْمَقْطُوعُ أَنْ يُقْطَعَ لَهُ أصْبع الْقَاطِعِ الثَّالِثِ وَيُؤْخَذَ لَهُ أَرْشُ الِإصْبَعَيْنِ وَالْحُكُومَةِ فِي الْكَفِّ كَانَ ذَلِكَ لَهُ وَلَا أَبْلُغُ بِحُكُومَةِ كَفِّهِ دِيَةَ أصْبع لِأَنَّهَا تَبَعٌ لِلْأَصَابِعِ وَكُلُّهَا مُسْتَوِيَةٌ وَلَا يَكُونُ أَرْشُهَا كَوَاحِدَةٍ مِنْهَا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ السَّلِيمَةَ لَا تُقَادُ بِالشَّلَّاءِ، وَيَجُوزُ أَنْ تُقَادَ الشَّلَّاءُ بِالسَّلِيمَةِ، فَإِذَا قَطَعَ كَفًّا فِيهَا أصْبعانِ شَلَّاوَانِ فَلَا تَخْلُو كَفُّ الْقَاطِعِ مِنْ أَنْ تَكُونَ سَلِيمَةً أَوْ فيهَا شَلَلٌ فَإِنْ كَانَتْ سَلِيمَةً فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ فِي كَفِّهِ وَإِنْ بَذَلَهَا، لِأَنَّ سَلَامَةَ مَا قَابَلَ الْأَشَلَّ يُوجِبُ سُقُوطَ الْقِصَاصِ عَنْهُ، وَمَنْ سَقَطَ الْقِصَاصُ عَنْهُ لَمْ يُقْتَصَّ مِنْهُ وَإِنْ رَضِيَ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ سُقُوطُ الْقَوَدِ عَنِ الْأَبِ بِالِابْنِ وَعَنِ الْحُرِّ بِالْعَبْدِ يَمْنَعُ مِنَ القَوَدِ مَعَ رِضَا الْأَبِ وَالْحُرِّ كَذَلِكَ يَمْنَعُ مِنْهُ مَعَ رِضَا السَّلِيمِ بِالْأَشَلِّ.
وَالثَّانِي: أَنَّ سُقُوطَ الْقَوَدِ في السليم عن الجاني قد أجب الْمَالَ أَرْشًا فِي الْأَشَلِّ مِنَ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَصَارَ كَالدَّيْنِ الْمُسْتَحَقِّ، وَلَوْ بَذَلَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْضَائِهِ لَمْ يَجُزْ، كَذَلِكَ هُنَا وَإِذَا سَقَطَ الْقِصَاصُ مِنَ السَّلِيمِ الْمُقَابِلِ لِلْأَشَلِّ لَمْ يَسْقُطْ مِنَ السَّلِيمِ الْمُقَابِلِ لِلسَّلِيمِ فَيُقَالُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَنْتَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْقِصَاصِ أَوِ الدِّيَةِ، فَإِنْ طَلَبَ الدِّيَةَ وَعَفَا عَنِ الْقِصَاصِ أُعْطِيَ دِيَةَ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ ثَلَاثِينَ بَعِيرًا يَدْخُلُ فِيهَا حُكُومَةُ مَا تَحْتَهَا مِنَ الكَفِّ، وَأُعْطِيَ حُكُومَة أُصْبُعيْنِ شَلَّاوَيْنِ لا يبلغ بهادية أُصْبُعيْنِ سَلِيمَتَيْنِ، وَيُدْخِلُ فِي حُكُومَتِهِمَا حُكُومَةُ مَا تَحْتَهُمَا مِنَ الكَفِّ، وَإِنْ أَرَادَ الْقِصَاصَ اقْتَصَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ مِنْ كَفِّ الْجَانِي الْمُمَاثِلَةِ لِلسَّلِيمَةِ مِنْ كَفِّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَأَخَذَ مِنْهُ حُكُومَةً فِي الْأصْبعيْنِ الشَّلَّاوَيْنِ يُدْخِلُ فِيهِمَا حُكُومَةَ مَا تَحْتَهُمَا مِنَ الكَفِّ، وَهَلْ يَدْخُلُ فِي الْقِصَاصِ فِي الْأَصَابِعِ الثَّلَاثِ حُكُومَةُ مَا تَحْتَهُمَا مِنَ الكَفِّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا مِنْ قَبْلُ:
أَحَدُهُمَا: تَدْخُلُ حُكُومَتُهَا فِي الْقِصَاصِ كَمَا تَدْخُلُ حُكُومَتُهَا فِي الدِّيَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ لَا تَدْخُلُ حُكُومَتُهَا فِي الْقِصَاصِ، لِبَقَائِهَا
بَعْدَ اسْتِيفَائِهِ، وَلَا يَبْلُغُ بِحُكُومَةِ الْكَفِّ دِيَةَ أُصْبُع، لِأَنَّهَا تَبَعٌ لِلْأَصَابِعِ فَلَمْ يَبْلُغْ بِالتَّابِعِ حُكْمَ الْمَتْبُوعِ، وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي جَمِيعِ الْكَفِّ فَالْمُسْتَحَقُّ هَاهُنَا حُكُومَةُ ثَلَاثَةِ أَخْمَاسِ الْكَفِّ، لِأَنَّ حُكُومَةَ خُمُسِهَا قَدْ دَخَلَ فِي حُكُومَةِ الْأصْبعيْنِ الشَّلَّاوَيْنِ إِذَا كَانَ قَدْ أَدْخَلَهُ فِي اعْتِبَارِ حُكُومَتِهِمَا فَلَا تَبْلُغُ بِحُكُومَةِ ثَلَاثَةِ أَخْمَاسِ دِيَةِ أصْبع وَثَلَاثَةِ أَخْمَاسِ دِيَتِهَا سِتٌّ مِنَ الإِبِلِ فَيَنْقُصُ مِنْهَا شَيْءٌ وَإِنْ قَلَّ.
(فَصْلٌ)
وَإِنْ كَانَ فِي كَفِّ الْجَانِي شَلَلٌ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَسَاوَى الشَّلَلَانِ مِنْ كَفِّ الْجَانِي وَكَفِّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ الشَّلَلُ مِنْ أَصَابِعِ الْجَانِي وَالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فِي الْخِنْصَرِ وَالْبِنْصَرِ وَالْبَاقِي مِنْهَا سَلِيمٌ فَيُقْتَصُّ مِنْ كَفِّ الْجَانِي لِتَكَافُئِهِمَا فِي الْأَشَلِّ وَالسَّلِيمِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَخْتَلِفَ الشَّلَلَانِ فَيَكُونُ الْأَشَلُّ مِنَ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ الْخِنْصَرَ وَالْبِنْصَرَ وَمِنَ الْجَانِي الْإِبْهَامَ وَالسَّبَّابَةَ، فَإِنْ رَضِيَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ الْأَشَلَّ بِالسَّلِيمِ اقْتُصَّ لَهُ مِنْ أَصَابِعِ الْجَانِي الثَّلَاثَةِ وَهِيَ الْوُسْطَى سَلِيمَةٌ بِسَلِيمَةٍ وَالسَّبَّابَةُ وَالْإِبْهَامُ شَلَّاوَانِ بِسَلِيمَتَيْنِ، وَأُعْطِيَ حُكُومَةً فِي أصْبعيْهِ الشَّلَّاوَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ أَخْذَ الْأَشَلِّ بِالسَّلِيمِ اقْتُصَّ لَهُ مِنْ أصْبع وَاحِدَةٍ وَهِيَ الْوُسْطَى، لِسَلَامَتِهَا مِنْهُمَا مَعًا، وَأُعْطِيَ دِيَتَيْ أصْبعيْنِ عِشْرِينَ بَعِيرًا فِي السَّبَّابَةِ وَالْإِبْهَامِ، لِسَلَامَتِهِمَا مِنَ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَشَلَلِهِمَا مِنَ الجَانِي، وَأُعْطِيَ حُكُومَةَ أصْبعيْنِ شَلَّاوَيْنِ لِنَقْصِهِمَا مِنَ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَسَلَامَتِهِمَا مِنَ الجَانِي، وَيُدْخِلُ فِي دِيَةِ السَّلِيمَتَيْنِ مَا تَحْتَهُمَا مِنَ الكَفِّ، وَفِي حُكُومَةِ الشَّلَّاوَيْنِ مَا تَحْتَهُمَا مِنَ الكَفِّ فِي سُقُوطِ حُكُومَةِ مَا تَحْتَ الْمُقْتَصِّ مِنْهَا وَجْهَانِ على ما مضى.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ كَانَ الْقَاطِعُ مَقْطُوعَ الْأُصْبُعَيْنِ قُطِعَتْ لَهُ كَفُّهُ وَأُخِذَتْ لِلْمَقْطُوعَة يَدُهُ أَرْشُ أصْبعيْنِ تَامَّتَيْنِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا قَطَعَ كَفًّا كَامِلَةَ الْأَصَابِعِ وَكَفُّ الْقَاطِعِ نَاقِصَةٌ أصْبعيْنِ كَانَ لِلْمَقْطُوعِ الْخِيَارُ فِي الدِّيَةِ وَالْقِصَاصِ، فَإِنِ اخْتَارَ الدِّيَةَ أُعْطِيَ دِيَةَ يَدٍ كَامِلَةٍ لِكَمَالِهَا مِنَ المَقْطُوعِ، وَإِنْ نَقَصَتْ مِنَ القَاطِعِ وَوَافَقَنَا أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَنَّ دِيَتَهَا لَا تَقِفُ عَلَى مُرَاضَاةِ الْقَاطِعِ وَهُوَ أَصْلٌ مَعَهُ فِيمَا خَالَفَنَا عَلَيْهِ مِنْ دِيَةِ النَّفْسِ، فَإِنِ اخْتَارَ الْقَوَدَ مِنْ كَفِّ الْقَاطِعِ أُقِيدَ مِنْهَا وَهِيَ أَنْقَصُ مِنْ حَقِّهِ، فَيُقَادُ مِنَ النَّاقِصِ بِالْكَامِلِ، وَيُعْطَى بَعْدَ الْقِصَاصِ دِيَةَ أصْبعيْنِ لِوُجُودِهِمَا فِي كَفِّ الْمَقْطُوعِ وَنُقْصَانِهِمَا مِنْ كَفِّ الْقَاطِعِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا شَيْءَ لَهُ بَعْدَ الْقِصَاصِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ مَعَهُ، وَاعْتُبِرَ فَقْدُ الْأصْبعيْنِ بِشَلَلِهِمَا وَلَا يَلْزَمُ بَعْدَ الِاقْتِصَاصِ نَقْصُ شَلَلِهِمَا كَذَلِكَ لا يلزم بعده دية فقدهما، وهذا فساد بِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ شَلَلِهِمَا وَفَقْدِهِمَا بِكَمَالِ الْعَدَدِ مَعَ الشَّلَلِ وَنُقْصَانِهِ مَعَ الْفَقْدِ.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ كَانَ لِلْقَاطِعِ سِتُّ أَصَابِعَ لَمْ تُقْطَعْ لِزِيَادَةِ الْأصْبع ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لِأَنَّ الْقِصَاصَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنَ الجَانِي مِثْلُ مَا أَخَذَ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ، فَإِذَا كَانَ لِلْقَاطِعِ سِتُّ أَصَابِعَ وَلِلْمَقْطُوعِ خُمْسٌ لَمْ يَجُزْ أَنْ تُؤْخَذَ سِتٌّ بِخَمْسٍ.
فَإِنْ قِيلَ إِذَا جَازَ إِذَا اشْتَرَكَ رَجُلَانِ فِي قَطْعِ يَدٍ أَنْ يُقْطَعُوا يَدَيْنِ يد فَهَلَّا جَازَ أَنْ يَأْخُذُوا سِتَّ أَصَابِعَ بِخَمْسٍ؟
قُلْنَا: لِأَنَّ يَدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُمَاثِلَةٌ لِيَدِ الْمَقْطُوعِ فَقَطَعْنَاهَا وَلَيْسَتْ يَدُهُ مُمَاثِلَةً لِلْيَدِ الزَّائِدَةِ فَلَمْ يَقْطَعْهَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ نُظِرَ فِي السَّادِسَةِ الزَّائِدَةِ فَإِنْ كَانَتْ تَحْتَ الْكَفِّ فِي طَرَفِ الذِّرَاعِ وَأَصْلِ الزَّنْدِ اقْتُصَّ مِنْ كَفِّ الْقَاطِعِ، لِبَقَاءِ الزَّائِدَةِ بَعْدَ أَخْذِ الْكَفِّ، وَإِنْ كَانَتِ الزَّائِدَةُ فِي الْكَفِّ مَعَ أَصَابِعِهَا لَمْ يَخْلُ حَالُهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ ثَابِتَةً فِي الْكَفِّ، فَيُقْتَصُّ مِنْ أَصَابِعِ الْقَاطِعِ الْخَمْسِ وَتُسْتَبْقَى الزَّائِدَةُ عَلَى كَفِّهِ، وَهَلْ تُؤْخَذُ مِنْهُ حُكُومَةُ كَفِّهِ الْمُسْتَبْقَاةِ؟ فَعَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ: يُؤْخَذُ حُكُومَةُ كَفِّهِ لِبَقَائِهَا بَعْدَ اسْتِحْقَاقِ الْقَوَدِ فِيهَا، وَلَا يَبْلُغُ بِهَا دِيَةَ أصْبع، لِأَنَّهَا تَبَعٌ لِلْأَصَابِعِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا تُؤْخَذُ مِنْهُ حُكُومَةُ كَفِّهِ فَتَكُونُ تَبَعًا لِلِاقْتِصَاصِ مِنْ أَصَابِعِهِ كَمَا تَكُونُ تَبَعًا لَهَا لَوْ أُخِذَتْ دِيَتُهَا.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الْأُصْبُع الزَّائِدَةُ مُلْتَصِقَةً بِإِحْدَى أَصَابِعِهِ الْخَمْسِ فَيَسْقُطُ الْقِصَاصُ فِي الْأُصْبُع الزَّائِدَةِ مَعَ الْمُلْتَصِقَةِ بِهَا، وَلَا يُقْتَصُّ مِنْهَا لِدُخُولِ الضَّرَرِ عَلَى الزَّائِدَةِ، وَيُقْتَصُّ مِنْ أَرْبَعِ أَصَابِعِ الْقَاطِعِ، وَتُؤْخَذُ مِنْهُ دِيَةُ أُصْبُع وَهِيَ الْمُسْتَبْقَاةُ لَهُ مَعَ الزَّائِدَةِ وَتَدْخُلُ حُكُومَةُ مَا تَحْتَهَا مِنَ الكَفِّ فِي دِيَتِهَا، وَفِي دُخُولِ حُكُومَةِ بَاقِي كَفِّهِ فِي الِاقْتِصَاصِ مِنْ أَصَابِعِهِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الوَجْهَيْنِ:
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ الْأُصْبُع الزَّائِدَةُ ثَابِتَةً عَلَى إِحْدَى أَنَامِلِ أُصْبُع فَيُقْتَصُّ مِنْ أَصَابِعِ الْقَاطِعِ الْأَرْبَعِ، فَأَمَّا الْأُصْبُع الَّتِي تَثْبُتُ الزَّائِدَةُ فِي أَنَامِلِهَا فَلَا يَخْلُو حَالُ الزَّائِدَةِ عَلَيْهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ ثَابِتَةً مِنْهَا فِي الْأَنْمُلَةِ الْعُلْيَا، فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْهَا، وَتُؤْخَذُ مِنْهُ دِيَةُ الْأُصْبُع، وَلَوْ بَذَلَهَا قِصَاصًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقْتَصَّ مِنْهَا.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الزَّائِدَةُ ثَابِتَةً عَلَى الْأَنْمُلَةِ الْوُسْطَى، فَيُقْتَصُّ مِنْ أنملته
الْعُلْيَا، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ دِيَةُ ثُلْثَيْ أُصْبُع سِتَّةِ أَبْعِرَةٍ وَثُلْثَيْنِ لِبَقَاءِ الْأَنْمُلَةِ الْوُسْطَى وَالْأَنْمُلَةِ السُّفْلَى.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ الزَّائِدَةُ ثَابِتَةً فِي الْأَنْمُلَةِ السُّفْلَى، فَيُقْتَصُّ مِنْ أَنْمُلَتِهِ الْعُلْيَا وَالْوُسْطَى، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ ثُلْثُ دِيَةِ أُصْبُع، لِبَقَاءِ الْأَنْمُلَةِ السفلى، وهو ثلاثة أبعرة وثلث.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ كَانَ الَّذِي لَهُ خَمْسُ أَصَابِعَ هُوَ الْقَاطِعَ كَانَ لِلْمَقْطُوعِ قَطْعُ يَدِهِ وَحُكُومَةُ الْأُصْبُع الزَّائِدَةِ وَلَا أَبْلغ بِهَا أَرْشَ أُصْبُع ".
قَالَ الماوردي: إذا كان الإصبع الزائدة فِي كَفِّ الْمَقْطُوعِ دُونَ الْقَاطِعِ اقْتَصَصْنَا مِنْ كَفِّ الْقَاطِعِ وَأَخَذْنَا مِنْهُ حُكُومَةَ الْأُصْبُع الزَّائِدَةِ، [ولا تبلغ بها دية أصبع من أصل الخلقة، فلو قطع الْأُصْبُع الزَّائِدَةِ] وحدها فَلَا قِصَاصَ فِيهَا لِعَدَمِ مِثْلِهَا فِي أَصَابِعِ الْقَاطِعِ، وَتُؤْخَذُ حُكُومَتُهَا، فَإِنْ بَقِيَ لَهَا بَعْدَ انْدِمَالِهَا شَيْنٌ وَكَانَتْ كَفُّهُ بَعْدَ أَخْذِهَا أَجْمَلَ مِنْهَا مَعَ بَقَائِهَا فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ لَا شَيْءَ فِيهَا، وَيُعَزَّرُ الْجَانِي عَنْهُمَا، لِأَنَّ الْحُكُومَةَ أَرْشٌ لِلنَّقْصِ وَلَمْ يَحْدُثْ مِنْ جِنَايَتِهِ نَقْصٌ، وَإِنَّمَا يُعَزَّرُ لِلْأَلَمِ، وَيَكُونُ مَثَابَة مَنْ قَطَعَ سِلْعَةً يَضْمَنُ إِنْ أَفْضَتْ إِلَى التلف، ولا يضمن إن برأت.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، وَالسَّاجِيِّ: عَلَيْهِ حُكُومَةٌ، لِأَنَّهُ قَدْ أَرَاقَ دَمًا بِجِنَايَةٍ، وَاخْتَلَفَا فِي اعْتِبَارِ حُكُومَتِهَا، فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ: اعْتُبِرَ حُكُومَتُهَا وَالدَّمُ جَارٍ.
وَقَالَ السَّاجِيُّ: اعْتُبِرَ حُكُومَتُهَا فِي أَوَّلِ أَحْوَالِ انْدِمَالِهَا، لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الِانْدِمَالِ الْمُعْتَبَرِ فِي غَيْرِهَا.
(فَصْلٌ)
وَلَوْ كَانَتِ الْأُصْبُع الزَّائِدَةُ فِي كَفِّ الْقَاطِعِ وَالْمَقْطُوعِ مَعًا فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَمَاثَلَ مَحَلُّ الزَّائِدَةِ مِنْ كَفَّيْهِمَا فَتَكُونُ مَعَ الْخِنْصَرَيْنِ أَوْ مَعَ الْإِبْهَامَيْنِ فَيُقْتَصُّ مِنْ كَفِّ الْقَاطِعِ بِكَفِّ الْمَقْطُوعِ وَيُسْتَوْفَى الْقِصَاصُ فِي الْأَصْلِ وَالزِّيَادَةِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَخْتَلِفَ مَحَلُّ الزَّائِدَةِ مِنْ كَفَّيْهِمَا فَتَكُونُ الزَّائِدَةُ مِنَ القَاطِعِ مع
خِنْصَرِهِ وَالزَّائِدَةُ مِنَ المَقْطُوعِ مَعَ إِبْهَامِهِ، فَلَا قِصَاصَ فِي الزَّائِدَةِ لِاخْتِلَافِهِمَا بِاخْتِلَافِ مَحَلِّهِمَا، وَيُقْتَصُّ مِنْ أَصَابِعِهِ الْخَمْسِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ حُكُومَةُ الْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ.
(فَصْلٌ)
وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ أَرْبَعُ أَصَابِعَ من أصل الخلقة وإصبع زائدة، في محل الخامسة الناقصة [والعلم بزيادتها وإن كانت في مَحَلِّ الْخَامِسَةِ النَّاقِصَةِ] ، يَكُونُ إِمَّا بِضَعْفِهَا وَقِلَّةِ حَرَكَتِهَا، وَإِمَّا بِدِقِّهَا وَصِغَرِهَا، وَإِمَّا بِغِلَظِهَا وَطُولِهَا، وَإِمَّا بِسَلْبِهَا عَنِ اسْتِوَاءِ الْأَصَابِعِ، فَإِنْ قَطَعَ هَذَا الْكَفَّ رَجُلٌ سَلِيمُ الْكَفِّ لَمْ يُقْتَصَّ مِنْ كَفِّهِ، لِأَنَّ فِيهَا أُصْبُعا مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ قَدْ قَابَلَتْهَا أُصْبُع زَائِدَةُ الْخِلْقَةِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْخُذَ الْكَامِلَةَ بِالنَّاقِصَةِ كَمَا لَا يَأْخُذُ السَّلِيمَةَ بِالشَّلَّاءِ، فَإِنْ أَرَادَ الدِّيَةَ أُعْطِيَ دِيَةَ أَرْبَعِ أَصَابِعَ أَرْبَعِينَ مِنَ الإِبِلِ وَأُعْطِيَ حُكُومَةً فِي الزَّائِدَةِ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ حُكُومَةُ الْكَفِّ، فَإِنْ أَرَادَ الْقِصَاصَ اقْتَصَّ مِنْ أَرْبَعِ أَصَابِعِ الْقَاطِعِ وَأُخِذَتْ مِنْهُ حُكُومَةٌ فِي الْأُصْبُع الزَّائِدَةِ، وَلَوْ قَطَعَ كَفًّا كَامِلَةَ الْأَصَابِعِ وَلَهُ كَفٌّ قَدْ نَقَصَتْ أُصْبُعا وَزَادَ فِي مَحَلِّهَا أُصْبُع، فَإِنْ رَضِيَ الْمَقْطُوعُ أَنْ يَأْخُذَ الزَّائِدَةَ بِالْكَامِلَةِ اقْتُصَّ لَهُ مِنْ كَفِّ الْقَاطِعِ وَلَا شَيْءَ لَهُ فِي نَقْصِ الزَّائِدَةِ كَمَا لَوِ اقْتُصَّ مِنْ شَلَّاءَ بِسَلِيمَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ يأخذها بَدَلًا مِنْ أُصْبُعهِ اقْتُصَّ لَهُ مِنْ أَرْبَعِ أَصَابِعِ الْقَاطِعِ، وَأُخِذَ مِنْهُ دِيَةُ أُصْبُع عَشْرًا مِنَ الإِبِلِ، وَلَوْ كَانَتِ الزَّائِدَةُ فِي غَيْرِ مَحَلِّ النَّاقِصَةِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقْتَصَّ مِنْهَا بِالْكَامِلَةِ وَإِنْ تَرَاضَيَا لِسُقُوطِ الْقِصَاصِ فِيهَا بِاخْتِلَافِ الْمَحَلِّ، وَلَوْ كَانَتْ كَفُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ القَاطِعِ وَالْمَقْطُوعِ نَاقِصَةً أُصْبُعا وَزَائِدَةً أُصْبُعا فَإِنْ تَسَاوَيَا فِي النَّاقِصَةِ وَالزَّائِدَةِ جَرَى الْقِصَاصُ بَيْنَهُمَا فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، وَإِنِ اسْتَوَيَا فِي الزَّائِدَةِ وَاخْتَلَفَا فِي النَّاقِصَةِ اقْتُصَّ مِنَ الزَّائِدَةِ بِالزَّائِدَةِ، وَيُؤْخَذُ مِنَ القَاطِعِ دِيَةُ أُصْبُع وَاحِدَةٍ وَهِيَ النَّاقِصَةُ مِنْ كَفِّ الْقَاطِعِ وَيُقْتَصُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَصَابِعِ الْمُتَمَاثِلَةِ فِيهِمَا، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الزَّائِدَةِ وَاسْتَوَيَا فِي النَّاقِصَةِ فَلَا قِصَاصَ بَيْنَهُمَا فِي الزَّائِدَةِ، وَيُقْتَصُّ مِنْ أَصَابِعِ الْقَاطِعِ الْأَرْبَعِ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ حُكُومَةُ الزَّائِدَةِ مِنَ المَقْطُوعِ.
(مَسْأَلَةٌ)
قَالَ الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ قَطَعَ لَهُ أَنْمُلَةٌ لَهَا طَرَفَانِ فَلَهُ الْقَوَدُ مِنْ أُصْبُعهِ وَزِيَادَةُ حُكُومَةٍ وَإِنْ كَانَ لِلْقَاطِعِ مِثْلُهَا أُقِيدَ بِهَا وَلَا حُكُومَةَ فَإِنْ كَانَ لِلْقَاطِعِ طَرَفَانِ وَلِلْمَقْطُوعِ وَاحِدٌ فَلَا قَوَدَ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا كَانَ الطرفان في أنملة المقطوع اقتص من القاطع وأخذ منه حكومة الطرف الزائد، وإن كَانَ الطَّرَفَانِ فِي أَنْمُلَةِ الْقَاطِعِ فَلَا قِصَاصَ عليه، وتؤخذ منه دية أنملة، [وإن كانا الطرفان في أنملة القاطع والمقطوع اعتبر تماثل الطرفي، فإن كان متماثلين جرى القصاص بينهما في الطرفين] وإن كانا غير متماثلين
فلا، لِأَنَّ الطَّرَفَ الزَّائِدَ مِنْ أَحَدِهِمَا مُتَيَامِنٌ وَمِنَ الْآخَرِ مُتَيَاسِرٌ فَلَا قِصَاصَ بَيْنَهُمَا، وَيُؤْخَذُ مِنَ القَاطِعِ دِيَةُ أَنْمُلَةٍ وَزِيَادَةُ حُكُومَةٍ فِي الطَّرَفِ الزائد.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ قَطَعَ أَنْمُلَ طَرَفٍ وَمِنْ آخَرَ الْوُسْطَى من أصبع واحد فَإِنْ جَاءَ الْأَوَّلُ قَبْلُ اقْتُصَّ لَهُ ثُمَّ الْوُسْطَى وَإِنْ جَاءَ صَاحِبُ الْوُسْطَى قِيلَ لَا قِصَاصَ لَكَ إِلَّا بَعْدَ الطَّرَفِ وَلَكَ الدِّيَةُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا ابْتَدَأَ فَقَطَعَ أَنْمُلَةً عُلْيَا من سباية رجل ثم قطع أنملة وسطى من سبابة آخر ليس لها عليا كان القصاص لصاحب العليا مستحقا في الحال، وقصاص صاحب الْوُسْطَى مُعْتبر بِصَاحِبِ الْعُلْيَا، فَإِنِ اقْتَصَّ صَاحِبُ الْعُلْيَا اقْتُصَّ بَعْدَهُ لِصَاحِبِ الْوُسْطَى، وَإِنْ طَالَبَ صَاحِبُ الْوُسْطَى بِالْقِصَاصِ قَبْلَ اقْتِصَاصِ صَاحِبِ الْعُلْيَا لَمْ يَخْلُ صَاحِبُ الْعُلْيَا مِنْ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَفَا عَنِ الْقِصَاصِ أَوْ لَمْ يَعْفُ، فَإِنْ عَفَا سَقَطَ قِصَاصُ صَاحِبِ الْوُسْطَى، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ أَنَمُلَتَيْنِ عُلْيَا وَوُسْطَى بِأَنْمُلَةٍ وَاحِدَةٍ وُسْطَى وَإِنْ لَمْ يَعْفُ صَاحِبُ الْعُلْيَا قِيلَ لِصَاحِبِ الْوُسْطَى: لَا قِصَاصَ لَكَ فِي الْحَالِ مَعَ بَقَاءِ الْعُلْيَا وَأَنْتَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ تَعْفُوَ عَنِ الْقِصَاصِ إِلَى الدِّيَةِ وَبَيْنَ أَنْ تَنْتَظِرَ بِهَا قِصَاصَ صَاحِبِ الْعُلْيَا.
فَإِنْ قِيلَ: إِذَا كَانَ غَيْرَ مُسْتَحِقٍّ لِلْقِصَاصِ فِي الْحَالِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَحِقَّهُ فِي ثَانِي حَالٍ، وَهَلَّا كَانَ بِاخْتِلَافِ الْحَالَيْنِ كَالْحُرِّ إِذَا قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ لَمَّا سَقَطَ الْقِصَاصُ عَنْهُ فِي الْحَالِ لَمْ يُنْتَظَرْ بِهَا عِتْقُ الْعَبْدِ مِنْ بَعْدُ حَتَّى يُقْتَصَّ مِنْهُ قِيلَ: الْقِصَاصُ فِي الْوُسْطَى قَدْ وَجَبَ بَعْدَ قَطْعِ الْعُلْيَا وَإِنَّمَا أُخِّرَ اسْتِيفَاؤُهُ لِأَجْلِ صَاحِبِ الْعُلْيَا، وَمَا أُخِّرَ اسْتِيفَاؤُهُ مِنَ القِصَاصِ لِسَبَبٍ لَمْ يُوجِبْ تَأْخِيرُهُ بُطْلَانَهُ كَتَأْخِيرِ الِاقْتِصَاصِ مِنَ الحَامِلِ حَتَّى تَضَعَ، وَخَالَفَ قَطْعَ الْحُرِّ الْعَبْدَ، لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَهُ يَجِبُ فَافْتَرَقَا، فَإِنْ بَادَرَ صَاحِبُ الْوُسْطَى فَاقْتُصَّ مِنَ القَاطِعِ فَقَدْ تَعَدَّى بِأَخْذِ العليا مع الوسطى إذا لَا قَوَدَ لَهُ عَلَيْهِ فِيهَا لِعَدَمِ مَحَلِّهَا مِنْهُ، وَعَلَيْهِ دِيَتُهَا لِلْقَاطِعِ، وَيَرْجِعُ صَاحِبُ الْعُلْيَا بِدِيَتِهَا عَلَى الْقَاطِعِ.
(فَصْلٌ)
وَلَوِ ابْتَدَأَ الْجَانِي فَقَطَعَ الْأَنْمُلَةَ الْوُسْطَى مِنْ سَبَّابَةِ رَجُلٍ لَيْسَ لَهُ عُلْيَا، ثُمَّ قَطَعَ الْعُلْيَا مِنْ سَبَّابَةِ آخَرَ فَلَا قِصَاصَ لِصَاحِبِ الْوُسْطَى، سَوَاءٌ اقْتَصَّ صَاحِبُ الْعُلْيَا أَوْ لَمْ يَقْتَصَّ، لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْقِصَاصَ فِي الْحَالِ فَلَمْ تَسْتَحِقَّهُ فِي ثَانِي حَالٍ كَالْعَبْدِ إِذَا أُعْتِقَ، وَكَمَا لَوْ قَطَعَ أُصْبُعا شَلَّاءَ ثُمَّ شُلَّتْ أُصْبُع الْقَاطِعِ بَعْدَ الْجِنَايَةِ لَمْ يُقْتَصَّ مِنْهَا، وَحَكَى ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي السَّلِيمَةِ إِذَا شُلَّتْ وَجْهًا ثَانِيًا إنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْهَا وَلَا وَجْهَ لَهُ اعتباراً
بِمَا ذَكَرْنَا، وَلَوْ قَطَعَهُمَا مِنْ رِجْلَيْنِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَجَبَ لِصَاحِبِ الْوُسْطَى الْقِصَاصُ إِذَا اسْتَوْفَاهُ صَاحِبُ الْعُلْيَا، وَيَصِيرُ كَمَا لَوْ تَقَدَّمَ بِقَطْعِ الْعُلْيَا ثُمَّ الْوُسْطَى، لَأَنَّ الْقِصَاصَ مُسْتَحَقٌّ بَعْدَ الْقَطْعِ وَالْعُلْيَا بَعْدَهُ مُسْتَحَقَّةُ الْقَطْعِ.
(مَسْأَلَةٌ)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَا أُقِيدُ بِيُمْنَى يُسْرَى وَلَا بِيُسْرَى يُمْنَى ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَالْمُمَاثَلَةُ فِي الْقِصَاصِ مُعْتَبَرَةٌ فِي الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ، فَالْجِنْسُ أَنْ تُؤْخَذَ الْيَدُ بِالْيَدِ، وَلَا تُؤْخَذُ يَدٌ بِرِجْلٍ، وَالنَّوْعُ أَنْ تُؤْخَذَ يُمْنَى بِيُمْنَى، وَلَا تُؤْخَذُ يُمْنَى بِيُسْرَى، فَإِذَا قَطَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى وَكَانَ لِلْقَاطِعِ يَدٌ يُمْنَى أَخَذْنَاهَا قَوَدًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ يُمْنَى سَقَطَ الْقِصَاصُ إِلَى الدِّيَةِ وَلَمْ يُؤْخَذْ بِهَا الْيُسْرَى لِعَدَمِ الْمُمَاثَلَةِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ.
وَقَالَ شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَقْطَعُ الْيُمْنَى بِالْيُمْنَى وَلَا أَعْدِلُ عَنْهَا إِلَى الْيُسْرَى، فَإِنْ عَدِمْتُ الْيُمْنَى قَطَعْتُ الْيُسْرَى بِهَا، لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الاسم وَتَمَاثُلِهِمَا فِي الْخِلْقَةِ وَتَقَارُبِهِمَا فِي الْمَنْفَعَةِ وَهَذَا خَطَأٌ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: 126] وَلِأَنَّ مَا تَمَيَّزَ مَحَلُّهُ وَتَفَرَّدَ بِنَوْعِهِ لَمْ يَكُنِ الِاشْتِرَاكُ فِي الِاسْمِ الْعَامِّ مُوجِبًا لِلْقِصَاصِ كَالْأُصْبُع لَا تُؤْخَذُ السَّبَّابَةُ بِالْوُسْطَى وَإِنِ اشْتَرَكَا فِي الِاسْمِ لِاخْتِلَافِهِمَا فِي الْمَحَلِّ، وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ أَخْذُ الْيُسْرَى بِالْيُمْنَى عِنْدَ عَمْدِهَا لَجَازَ أَنْ تُؤْخَذَ بِهَا مَعَ وُجُودِهَا وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ مَعَ الوجود فكذلك مع العدم.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ قُلِعَ سِنُّهُ أَوْ قُطِعَ أُذُنُهُ ثُمَّ إِنَّ الْمَقْطُوعَ ذَلِكَ مِنْهُ أَلْصَقَهُ بِدَمِهِ وَسَأَلَ الْقَوَدَ فَلَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ وَجَبَ لَهُ بِإِبَانَتِهِ وَكَذَلِكَ الْجَانِي لَا يُقْطَعُ ثَانِيَةً إِذَا أُقِيدَ مِنْهُ مَرَّةً إِلَّا بِأَنْ يُقْطَعَ لِأَنَّهَا مَيِّتَةٌ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ يَشْتَمِلُ فِي الْقَاطِعِ وَالْمَقْطُوعِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَقْطَعَ أُذُنَهُ فَيُبِينُهَا ثُمَّ إِنَّ الْمَقْطُوعَ أُذُنَهُ أَلْصَقَهَا بديها فَالْتَحَمَتْ مُنْدَمِلَةً ثُمَّ سَأَلَ الْقِصَاصَ مِنَ القَاطِعِ اقْتُصَّ لَهُ مِنْهُ لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ بِالْإِبَانَةِ، فَإِنْ سَأَلَ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ أَنْ تُزَالَ أُذُنُ الْمُقْتَصِّ لَهُ.
قِيلَ: لَا حَقَّ لَكَ فِي إِزَالَتِهَا وَإِنَّمَا تُزَالُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّهَا بَعْدَ الْإِبَانَةِ مَيِّتَةٌ نَجِسَةٌ يَلْزَمُ أَخْذُهُ بِإِزَالَتِهَا لِمَا عَلَيْهِ مِنِ اجْتِنَابِ الْأَنْجَاسِ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ حُقٌّ يَسْتَوْفِيهِ الْإِمَامُ دُونَكَ، وَهَكَذَا لَوِ اقْتَصَّ مِنْ أُذُنِ الْجَانِي فَأَلْصَقَهَا بِدَمِهَا فَسَأَلَ الْمُقْتَصُّ لَهُ أَنْ تُعَادَ إِزَالَتُهَا، قِيلَ: لَهُ: قَدِ اسْتَوْفَيْتَ حَقَّكَ مِنَ القِصَاصِ بِالْإِبَانَةِ، وَإِنَّمَا تُزَالُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لَا فِي حَقِّكَ، فَلَوْ قَطَعَ هَذِهِ الْأُذُنَ الْمُلْصَقَةَ قَاطِعٌ مِنَ المُقْتَصِّ لَهُ أَوْ مِنَ المُقْتَصِّ مِنْهُ لَمْ يَضْمَنْهَا بِقَوَدٍ وَلَا دِيَةٍ، وَيُعَزَّرُ لِافْتِيَاتِهِ عَلَى الْإِمَامِ لَا لِتَعَدِّيهِ عَلَى الْمَقْطُوعِ، لِأَنَّهُ مستحق
عَلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ تَعَدِّيًا فِي حَقِّهِ وَكَانَ افْتِيَاتًا فِي حَقِّ الْإِمَامِ لِمُدَاخَلَتِهِ فِي سُلْطَانِهِ.
(فَصْلٌ)
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ تُقْطَعَ أُذُنُهُ إِلَى نِصْفِهَا ثُمَّ يَتْرُكُهَا فَيُلْصِقُهَا الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بِدَمِهَا فَتَلْتَحِمُ وَتَنْدَمِلُ فَلَا قِصَاصَ عَلَى الْجَانِي لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: عَدَمُ الْإِبَانَةِ.
وَالثَّانِي: إِقْرَارُهَا مُنْدَمِلَةً وَتُؤْخَذُ مِنْهُ حُكُومَةُ مَا حَدَثَ مِنَ الشَّيْنِ بَعْدَ الِانْدِمَالِ فَلَوْ جَنَى عَلَيْهَا آخَرُ فَقَطَعَهَا إِلَى آخِرِ الْمَوْضِعِ الَّذِي قَطَعَهَا الْأَوَّلُ أَخَذَ بِحُكُومَتِهَا دُونَ الْقَوَدِ كَالْأَوَّلِ، وَلَوْ أَبَانَهَا اقْتُصَّ مِنْهُ بِهَا، فَلَوْ بَلَغَ الْقِصَاصُ إِلَى نِصْفِ أُذُنِ الْقَاطِعِ فَأَلْصَقَهَا بِدَمِهَا أُعِيدَ قَطْعُهَا مِنْهُ قَوَدًا، لِأَنَّهَا مُقَرَّةٌ فِي غَيْرِ الْقِصَاصِ فَوَجَبَ أَنْ تُؤْخَذَ فِي الْقِصَاصِ.
فَصْلٌ: وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ تُقْطَعَ أُذُنُهُ وَتَتَعَلَّقَ بِالْجِلْدِ فَلَا تَنْفَصِلُ مِنْهُ، فَإِنْ أَعَادَهَا الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ فَالْتَصَقَتْ أُقِرَّتْ، لِأَنَّهَا إِذَا لَمْ تَنْفَصِلْ فَهِيَ طَاهِرَةٌ لِبَقَاءِ الْحَيَاةِ فِيهَا، وَإِذَا أُقِرَّتْ بَعْدَ الِالْتِحَامِ فَلَا قِصَاصَ فِيهَا، وَفِيهَا حُكُومَةٌ بِقَدْرِ الشَّيْنِ، وَإِنْ لَمْ تَلْتَحِمْ وَجَبَ الْقِصَاصُ فِيهَا فَيُقْتَصُّ مِنْ أُذُنِ الْجَانِي حَتَّى تَتَعَلَّقَ بِجِلْدَتِهَا، وَلَا يَقْطَعُ الْجِلْدَةَ كَمَا لَمْ يَقْطَعْهَا، لِأَنَّ غَضَارِيفَ الْأُذُنِ مَحْدُودَةٌ فَجَرَى الْقِصَاصُ فِيهَا مَعَ بَقَاءِ الْجِلْدِ الْمُغَشِّي لَهَا كَمَا يُقْتَصُّ مِنَ المُوضِحَةِ لِانْتِهَائِهَا إِلَى الْعَظْمِ كَذَلِكَ يُقْتَصُّ مِنْ غُضْرُوفِ الْأُذُنِ لِانْتِهَائِهِ إلى اللحم، فإذا اقتضى مِنْهَا وَأَعَادَهَا الْجَانِي فَأَلْصَقَهَا حَتَّى الْتَحَمَتْ أُعِيدَ قَطْعُهَا ثَانِيَةً، لِأَنَّ حَقَّهُ فِي بَقَائِهَا بَائِنَةً كَمَا بَقِيَتْ أُذُنُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بَائِنَةً.
(مَسْأَلَةٌ)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَيُقَادُ بِذَكَرِ رَجُلٍ شَيْخٍ وَخَصِيٍّ وَصَبِيٍّ وَالَّذِي لَا يَأْتِي النِّسَاءَ كَانَ الذَّكَرُ يَنْتَشِرُ أَوْ لَا يَنْتَشِرُ مَا لَمْ يَكُنْ بِهِ شَلَلٌ يمنعه من أن ينقبض أو ينسبط ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْقِصَاصُ فِي الذَّكَرِ وَاجِبٌ، لِأَنَّهُ عُضْوٌ لَهُ حَدٌّ وَغَايَةٌ، فَإِذَا اسْتَوْعَبَهُ مِنْ أَصْلِ الْقَضِيبِ اقْتُصَّ مِنْهُ، وَيُؤْخَذُ الطَّوِيلُ بِالْقَصِيرِ، وَالْغَلِيظُ بِالدَّقِيقِ، وَذَكَرُ الشَّابِّ بِذَكَرِ الشَّيْخِ، وَذَكَرُ الَّذِي يَأْتِي النِّسَاءَ بِذَكَرِ الْعَنِّينِ، وَالذَّكَرُ الَّذِي يَنْتَشِرُ بِالَّذِي لَا يَنْتَشِرُ مَا لَمْ يَكُنْ بِهِ شَلَلٌ، وَذَكَرُ الْفَحْلِ بِذَكَرِ الْخَصِيِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: لَا أَقْتَصُّ مِنْ ذَكَرِ الفحل [بذكر الخصي، ولا الذكر المنتشر بغير المنتشر لنقصهما وقلة النفع بهما، فلم يقتص من كامل بناقص، وهذا فاسد] ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ) [النحل: 126]
وَلِأَنَّهُمَا قَدِ اشْتَرَكَا فِي الِاسْمِ الْخَاصِّ مَعَ تَمَامِ الْخِلْقَةِ وَالسَّلَامَةِ مِنَ الشَّلَلِ فَجَرَى الْقِصَاصُ بَيْنَهُمَا كَسَائِرِ الْأَطْرَافِ، وَلِأَنَّ ذَكَرَ الْعَنِّينِ صَحِيحٌ وَعَدَمَ الْإِنْزَالِ لِعِلَّةٍ فِي الصُّلْبِ، لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْمَاءِ، وَكَذَلِكَ ذَكَرُ الْخَصِيِّ صَحِيحٌ، وَالنَّقْصُ فِي غَيْرِهِ وَهُوَ عَدَمُ الْأُنْثَيَيْنِ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْعُنَّةِ وَالْخَصِيِّ أَكْثَرُ مِنْ فَقْدِ الْوَلَدِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُؤَثِّرُ فِي سُقُوطِ الْقَوَدِ، كَمَا يُؤْخَذُ ذَكَرُ مَنْ وُلِدَ لَهُ بِذَكَرِ الْعَقِيمِ، وَكَمَا يُؤْخَذُ ثَدْيُ الْمُرْضِعَةِ ذَاتِ اللَّبَنِ بِثَدْيِ مَنْ لَا تُرْضِعُ وَلَيْسَ لَهَا لَبَنٌ، وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ انْفِصَالٌ.
فَأَمَّا الذَّكَرُ الْأَشَلُّ فَلَا قِصَاصَ فِيهِ مِنَ السَّلِيمِ كَمَا لَا يُقْتَصُّ مِنَ اليَدِ السَّلِيمَةِ بِالشَّلَّاءِ، وَشَلَلُ الذَّكَرِ هُوَ أَنْ يَسْتَحْشِفَ أَوْ يَنْقَبِضَ فَلَا يَنْبَسِطَ بِحَالٍ، وَيَنْبَسِطُ فَلَا يَنْقَبِضُ بِحَالٍ أَوْ يَنْقَبِضُ بِالْيَدِ فَإِذَا فَارَقَتْهُ انْبَسَطَ، أَوْ يَنْبَسِطُ بِالْيَدِ فَإِذَا فَارَقَتْهُ انقبض، فهذا هو الأشل على اختلاف أنوع شَلَلِهِ، فَلَا يُقْتَصُّ مِنْهُ إِلَّا بِأَشَلَّ وَلَا يَمْنَعُ اخْتِلَافُ أَنْوَاعِ الشَّلَلِ مِنْ جَرَيَانِ الْقِصَاصِ بَيْنَهُمَا لِعُمُومِ النَّقْصِ وَعَدَمِ الْمَنْفَعَةِ.
(فَصْلٌ)
فَإِنْ قطع حشفة الذكر كان فيها القصاص، لأنه مَعْلُومَةُ الْغَايَةِ وَلَا يَمْنَعُ اخْتِلَافُهُمَا فِي الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ مِنْ جَرَيَانِ الْقِصَاصِ بَيْنَهُمَا، وَلَوْ قَطَعَ بَعْضَ ذَكَرِهِ اقْتُصَّ مِنْهُ إِذَا أَمْكَنَ، لِأَنَّهُ عَصَبٌ يُمْكِنُ قَطْعُهُ وَلَيْسَ فِيهِ عَظْمٌ يَتَشَظَّى كَالذِّرَاعِ، فَيُقَدَّرُ الْمَقْطُوعُ مِنْ ذَكَرِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، فإن كان نصفه قطع نصف الذكر الْجَانِي، سَوَاءٌ كَانَ أَكْبَرَ مِنْ ذَكَرِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوْ أَقَلَّ، وَإِنْ كَانَ ثُلْثُهُ قُطِعَ ثُلْثُ ذَكَرِ الْجَانِي، وَلَا يُؤْخَذُ بِقَدْرِ الْمَقْطُوعِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ نِصْفُ ذَكَرِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِقَدْرِ الثُّلْثِ مِنْ ذَكَرِ الْجَانِي، فَيُؤْخَذُ نِصْفُ ذَكَرِهِ وَلَا يُقْتَصَرُ عَلَى ثُلْثِهِ اعْتِبَارًا بِمِقْدَارِ الْمَقْطُوعِ مِنْ بَقِيَّةِ ذَكَرِهِ لَا مِنْ ذَكَرِ الجاني.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَبِأُنْثَيَيِ الْخَصِيِّ لِأَنَّ ذَلِكَ طَرَفٌ وَإِنْ قَدَرَ عَلَى أَنْ يُقَادَ مِنْ إِحْدَى أُنْثَيَيْ رَجُلٍ بِلَا ذَهَابِ الْأُخْرَى أُقِيدَ مِنْهُ وَإِنْ قَطَعَهُمَا فَفِيهِمَا الْقِصَاصُ أَوِ الدِّيَةُ تَامَّةً ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْقَوَدُ فِي الْأُنْثَيَيْنِ فَوَاجِبٌ، لِأَنَّهُمَا عُضْوَانِ مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ فِيهِمَا مَنْفَعَةٌ وَيُخَافُ مِنْ قَطْعِهِمَا عَلَى النَّفْسِ فَأَشْبَهَا الذَّكَرَ، فَيُؤْخَذُ أُنْثَيَا الشاب بأنثيي الشيخ، وأنثيي الرجل بأنثيي الصبي، وأنثيي من يأتي النساء بأنثيي العنين، وأنثيي الْفَحْلِ بأُنْثَيَيِ الْمَجْبُوبِ، وَهُوَ الَّذِي عَنَاهُ الشَّافِعِيُّ بِالْخَصِيِّ، وَمَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ مِنْ أَخْذِ أُنْثَيَيِ الْفَحْلِ بأُنْثَيَيِ الْمَجْبُوبِ، وَمِنْ أَخْذِ أُنْثَيَيِ الَّذِي يَأْتِي النِّسَاءَ بأُنْثَيَيِ الْعَنِّينِ، كَمَا مَنَعَا مِنْهُ فِي الذَّكَرِ، وَالْكَلَامُ فِيهِمَا وَاحِدٌ.
فَإِنْ قَطَعَ إِحْدَى الْأُنْثَيَيْنِ اقْتُصَّ مِنْهَا إِذَا عُلِمَ أَنَّ الْقِصَاصَ [مِنْهُمَا] لَا يَتَعَدَّى إِلَى ذَهَابِ الْأُخْرَى، لِأَنَّ كُلَّ عُضْوَيْنِ جَرَى الْقِصَاصُ فِيهِمَا جَرَى فِي أَحَدِهِمَا كَالْيَدَيْنِ