الحاوي الكبيرصفحات 43-82
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الوديعة

صفحات 43-82
عن هذه الطبعة
عَلَم
الماوردي
الكتاب
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
المؤلف
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
المحقق
الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1419 هـ -1999 م
عدد الأجزاء
19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فِعْلُهُ عَلَى مَا جَرَى بِهِ الْعُرْفُ مِنَ الْمَعْرُوفِ الْحَسَنِ، وَلَيْسَ مِنَ الْمَعْرُوفِ الْحَسَنِ أَنْ تُنْكِحَ نَفْسَهَا بِغَيْرِ وَلِيٍّ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا " فَقَدْ مَرَّ الْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ لِأَهْلِ اللُّغَةِ فِي الْأَيِّمِ قولين: أحدهما: الَّتِي لَا زَوْجَ لَهَا بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا، وَإِنْ لَمْ تُنْكَحْ قَطُّ يُقَالُ: امْرَأَةٌ أَيِّمٌ، إِذَا كَانَتْ خَلِيَّةً مِنْ زَوْجٍ وَرَجُلٌ أَيِّمٌ إِذَا كَانَ خَلِيًّا مِنْ زَوْجَةٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا لَا يُقَالُ لَهَا أَيِّمٌ إِلَّا إِذَا نَكَحَتْ ثُمَّ حَلَّتْ بِمَوْتٍ أَوْ طَلَاقٍ بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: (فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي ... يدا الدهر ما لم تنكحي أَتَأَيَّمِ)

فَأَمَّا الْأَيِّمُ فِي هَذَا الْخَبَرِ فَالْمُرَادُ بِهَا الثَّيِّبُ مِنَ الْخَالِيَاتِ الْأَيَامَى دُونَ الْأَبْكَارِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ: " الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا ". وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا قَابَلَ الْأَيِّمَ بِالْبِكْرِ اقْتَضَى أَنْ تَكُونَ الْبِكْرُ غَيْرَ الْأَيِّمِ، لِأَنَّ الْمَعْطُوفَ غَيْرُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ غَيْرُ الْبِكْرِ إِلَّا الثَّيِّبُ فَلِهَذَا عَدَلَ بِالْأَيِّمِ عَنْ حَقِيقَةِ اللُّغَةِ إِلَى مُوجِبِ الْخَبَرِ.
فَإِذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةُ فَعَنِ الْخَبَرِ ثَلَاثَةُ أَجْوِبَةٍ: أحدها: أنها أحق بنفسها فِي أَنَّهَا لَا تُجْبَرُ إِنْ أَبَتْ وَلَا تمنع إن طلبت تدل تَفَرُّدَهَا بِالْعَقْدِ مِنْ غَيْرِ شُهُودٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ جَعَلَ لَهَا وَلِيًّا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي جَعَلَهَا أحق بنفسها موجب أن لا يسقط وِلَايَتُهُ عَنْ عَقْدِهَا لِيَكُونَ حَقُّهَا فِي نَفْسِهَا وَحَقُّ الْوَلِيِّ فِي عَقْدِهَا فَيَجْمَعُ بَيْنَ هَذَا الْخَبَرِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ " لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ " فِي الْعَقْدِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ لَفْظَةَ " أَحَقُّ " مَوْضُوعَةٌ فِي اللُّغَةِ لِلِاشْتِرَاكِ فِي الْمُسْتَحَقِّ إِذَا كَانَ حق أحدها فِيهِ أَغْلَبَ كَمَا يُقَالُ زَيْدٌ أَعْلَمُ مِنْ عَمْرٍو إِذَا كَانَا عَالِمَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَفْضَلُ وَأَعْلَمُ، وَلَوْ كَانَ زَيْدٌ عَالِمًا، وَعَمْرٌو جَاهِلًا لَكَانَ كلاماً مردوداً، لأنه لا يَصِيرُ بِمَثَابَةِ قَوْلِهِ الْعَالِمُ أَعْلَمُ مِنَ الْجَاهِلِ، وهذا الفرد إذا كان ذلك موجباً لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقٌّ وَحَقُّ الثَّيِّبِ أَغْلَبُ، فَالْأَغْلَبُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِهَتِهَا الْإِذْنُ وَالِاخْتِيَارُ من جهة قَبُولِ الْإِذْنِ فِي مُبَاشَرَةِ الْعَقْدِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " لَيْسَ لِلْوَلِيِّ مَعَ الثَّيِّبِ أَمْرٌ ".

فَالْأَمْرُ هُوَ الْإِجْبَارُ وَالْإِلْزَامُ وَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ إِجْبَارُ الثيب وإلزامها ولا يقتضي ذلك أن ينفرد بِالْعَقْدِ دُونَ وَلِيِّهَا كَمَا لَا تَنْفَرِدُ بِهِ دون الشهود.
فأما حَدِيثُ الْمَرْأَةِ الَّتِي زَوَّجَهَا أَبُوهَا، فَرِوَايَةُ عِكْرِمَةَ بْنِ فُلَانٍ، فَإِنْ كَانَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَهُوَ مُرْسَلُ الْحَدِيثِ، لِأَنَّهُ تَابِعِيٌّ وَلَمْ يُسْنِدْهُ وَالْمُرْسَلُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ فَهُوَ مَجْهُولٌ وَجَهَالَةُ الرَّاوِي تَمْنَعُ مِنْ قَبُولِ حَدِيثِهِ ثُمَّ لَا حُجَّةَ فِيهِ لَوْ صَحَّ، لِأَنَّهُ رد [نكاحاً انفرد بِهِ الْوَلِيُّ، وَإِنَّمَا يَكُونُ حُجَّةً لَوْ أَجَازَ نكاحاً] تفردت به المرأة.
وأما قياسهم عَلَى الرَّجُلِ فَالْمَعْنَى فِي الرَّجُلِ، أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلْوَلِيِّ عَلَيْهِ اعْتِرَاضٌ فِي الْكَفَاءَةِ لم يكن له في العقد عليه ولاية، ولما كان للولي على المرأة اعتراض في الكفاءة لم تكن له في العقد عليها ولاية، وكذا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِ عَلَى عَقْدِ الْإِجَارَةِ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَلِيِّ اعْتِرَاضٌ فِيهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ عَقْدُ نِكَاحِهَا.
وَأَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى الْمَهْرِ فَعِنْدَهُمْ أَنَّ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَعْتَرِضَ عَلَيْهَا فِيهِ وَيَمْنَعَهَا بِأَنْ تَتَزَوَّجَ بِأَقَلَّ من مهرها ثم هو منتقض بقطع الأطراف فِي إِبْدَالِهَا مِنَ الدِّيَةِ، وَلَا يَتَصَرَّفُ فِيهَا بِالْقَطْعِ وَالْإِبَاحَةِ.

فَصْلٌ

وَأَمَّا مَالِكٌ فَفَرَّقَ بَيْنَ الشريفة والدنية بِأَنَّ الْوَلِيَّ يُرَادُ لِحِفْظِ الْمَرْأَةِ أَنْ تَضَعَ نفسها في غير كفء والدنية مُكَافِئَةٌ لِكُلِّ الْأَدْنِيَاءِ فَلَمْ يَبْقَ لِوَلِيِّهَا نَظَرٌ وَاحْتِيَاطٌ فِي طَلَبِ الْأَكْفَاءِ فَجَازَ عَقْدُهَا بِغَيْرِ وَلِيٍّ وَلَمْ يَجُزْ عَقْدُ الشَّرِيفَةِ إِلَّا بِوَلِيٍّ، وَهَذَا الْقَوْلُ غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ دَنِيَّةٍ إِلَّا وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الرِّجَالِ مَنْ هُوَ أَدْنَى مِنْهَا فَاحْتِيجَ إِلَى احْتِيَاطِ الْوَلِيِّ فِيهَا، ثُمَّ لَوْ غَلَبَ عَلَيْهِ فرقة فقبل الشَّرِيفَةُ يَمْنَعُهَا كَرَمُ أَصْلِهَا مِنْ وَضْعِ نَفْسِهَا في غير كفء فلم يحتج إلى احتياط الولي، والدنية يمنعها لُؤْمُ أَصْلِهَا عَلَى وَضْعِ نَفْسِهَا فِي غَيْرِ كُفْءٍ لَكَانَ مُسَاوِيًا لِقَوْلِهِ، فَوَجَبَ إِسْقَاطُ الْفَرْقِ بينهما، ثم يقال له لما لم يكن هذا الفرق مَانِعًا مِنِ اسْتِوَائِهِمَا فِي الشَّهَادَةِ فَهَلَّا كَانَ غير مانع من استوائهما فِي الْوَلِيِّ مَعَ كَوْنِ النُّصُوصِ فِي الْوَلِيِّ عَامَّةً لَا تُخَصُّ بِمِثْلِ هَذَا الْفَرْقِ.

فَصْلٌ

وأما دَاوُدُ فَخَصَّ الثَّيِّبَ بِالْوِلَايَةِ دُونَ الْبِكْرِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَيْسَ لِلْوَلِيِّ مَعَ الثَّيِّبِ أَمْرٌ " لِيُطَابِقَ بَيْنَ الإخبار في الاستعمال، وقد قدمنا وجه استعمالهما وَأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا وَاقِعٌ فِي الْأَخْبَارِ فَكَانَ جَوَابًا، ثُمَّ فَرَّقَ دَاوُدُ بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ بِأَنَّ الثَّيِّبَ قَدْ خَبَرَتِ الرِّجَالَ فَاكْتَفَتْ بِخِبْرَتِهَا عن اختيار وليها والبكر لم تخبر فَافْتَقَرَتْ إِلَى اخْتِيَارِ وَلِيِّهَا وَهَذَا فَرْقٌ فَاسِدٌ وَعَكْسُهُ عَلَيْهِ أَوْلَى، لِأَنَّ خِبْرَةَ الثَّيِّبِ بِالرِّجَالِ تَبْعَثُهَا عَلَى فَرْطِ الشَّهْوَةِ فِي وَضْعِ نَفْسِهَا، فمن قَوِيَتْ فِيهِ شَهْوَتُهَا وَالْبِكْرُ لِعَدَمِ الْخِبْرَةِ أَقَلُّ شَهْوَةً فَكَانَتْ لِنَفْسِهَا أَحْفَظَ عَلَى أَنَّ الشَّهْوَةَ مذكورة فِي طِبَاعِ النِّسَاءِ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " خلقت المرأة من الرجل فهما فِي الرَّجُلِ " فَغَلَبَ حُكْمُ الشَّهْوَةِ فِي

جميعهن ثيباً وأبكاراً حتى يمنعن مِنَ الْعَقْدِ إِلَّا بِوَلِيٍّ يُحْتَاطُ لِئَلَّا تَغْلِبَهَا فَرْطُ الشَّهْوَةِ عَلَى وَضْعِ نَفْسِهَا فِي غَيْرِ كُفْءٍ فَيَدْخُلُ بِهِ الْعَارُ عَلَى أَهْلِهَا.

فَصْلٌ

وَأَمَّا أَبُو ثَوْرٍ: فَرَاعَى إِذْنَ الْوَلِيِّ دُونَ عقدة لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " أَيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ " فَكَمَا يُرَاعَى فِي نِكَاحِ السَّفِيهِ إِذْنُ الْوَلِيِّ دُونَ عَقْدِهِ كَذَلِكَ هَذَا، وَهَذَا خَطَأٌ، لِأَنَّ صَرِيحَ الْخَبَرِ يَقْتَضِي بُطْلَانَ النِّكَاحِ لِعَدَمِ إذنه ودليل خطأئه نقيض صِحَّةِ النِّكَاحِ بِوُجُودِ إِذْنِهِ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لِمَا رَوَاهُ مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ عَنِ ابن جريج بإسناده المتقدم ذِكْرُهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال لهما: " أَيُّمَا امْرَأَةٍ لَمْ يُنْكِحْهَا وَلِيُّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ". وَالثَّانِي: أَنَّ إِذْنَ الْوَلِيِّ الَّذِي يَصِحُّ بِهِ النكاح هو إذن لِمَنْ يَنُوبُ عَنْهُ، وَهُوَ الْوَكِيلُ، وَالْمَرْأَةُ لَا تصح أَنْ تَكُونَ نَائِبًا عَنْهُ، لِأَنَّ الْحَقَّ عَلَيْهَا فلم تكن هي النائبة فيه لاختلاف القرضين فَجَرَى مَجْرَى الْوَكِيلِ فِي الْبَيْعِ الَّذِي لَا يجوز أن يبيع على نفسه لاختلاف عرضه وعرض مُوَكِّلِهِ وَلَيْسَ لِاعْتِبَارِهِ بِالْإِذْنِ لِلسَّفِيهِ وَجْهٌ، لِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَى السَّفِيهِ فِي حُقِّ نَفْسِهِ، وَالْحَجْرَ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي حُقُوقِ الْأَوْلِيَاءِ فَافْتَرَقَا.
فَصْلٌ وأما أبو يوسف فاعتبر أن يعقد رَجُلٌ عَنْ إِذْنِهَا لِقُصُورِهَا عَنْ مُبَاشَرَةِ الْعَقْدَ بِنَفْسِهَا وَجَعَلَهُ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ وَلِيِّهَا لِمَا فِيهِ مِنْ حَقِّهِ فِي طَلَبِ الْأَكْفَاءِ، وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ مَالِكَةً لِلْعَقْدِ لَمْ تَحْتَجْ إِلَى الِاسْتِنَابَةِ، وإن كانت غير مالكة لم يصح مِنْهَا الِاسْتِنَابَةُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ إِنْ كَانَتِ الِاسْتِنَابَةُ شَرْطًا لَمْ تَحْتَجْ إِلَى إِجَازَةٍ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ شَرْطًا لَمْ تَحْتَجْ إِلَيْهَا فَصَارَ مَذْهَبُهُ فاسد من هذين الوجهين.

مسألة

قال الشافعي: " وَرَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " أَيُّمَا امرأةٍ نُكِحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا باطلٌ ثَلَاثًا فَإِنْ مَسَّهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا فَإِنِ اشْتَجَرُوا أَوْ قَالَ اخْتَلَفُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ له (قال) وفي ذلك دلالات.
منها أن للولي شركاً فِي بُضْعِهَا لَا يَتِمُّ النِّكَاحُ إِلَّا بِهِ ما لم يعضلها ولا نجد لشركه في بضعها معنىً إلا فضل نظره لحياطة الموضع أن ينالها من لا يكافئها نسبه وفي ذلك عارٌ عليه وأن العقد بغير ولي باطلٌ لا يجوز بإجازته وأن الإصابة إذا كانت بشبهةٍ ففيها المهر ودرئ الحد ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ بَعْدَ اسْتِدْلَالِهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَا تَضَمَّنَهُ وَدَلَّ عَلَيْهِ مِنَ الْفَوَائِدِ والأحكام نصاً واستنباطاً منها في قوله: " أيما امرأة " فَذَكَرَ خَمْسَةَ أَحْكَامٍ وَذَكَرَ أَصْحَابُهُ ثَلَاثِينَ حُكْمًا سِوَاهَا فَصَارَتْ خَمْسَةً وَثَلَاثِينَ حُكْمًا أَخَذَتْ دَلَائِلَهَا مِنَ الْخَبَرِ بِنَصٍّ وَاسْتِنْبَاطٍ.

منها في قوله: " أيما امرأة " أربعة دَلَائِلَ: أَحَدُهَا: أَنَّ " أَيُّ " لَفْظَةُ عُمُومٍ، لَهُ صِيغَةٌ لِتَنَاوُلِهِ جَمِيعَ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ فَخَالَفَ قَوْلَ دَاوُدَ أَنَّهُ لَا صِيغَةَ لِلْعُمُومِ.
وَالثَّانِي: أَنْ " مَا " الْمُتَّصِلَةَ بِأَيِّ صِلَةٌ زَائِدَةٌ، لِأَنَّهَا لو حذفت فقيل: أي امرأة صح، مثله قَوْله تَعَالَى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ) {آل عمران: 159) . أَيْ فَبِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ الصِّلَةِ الزَّائِدَةِ فِي الْكَلَامِ وَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِهِ أَحْكَامٌ.
وَالثَّالِثُ: اشْتِمَالُهُ عَلَى جَمِيعِ النِّسَاءِ مِنْ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ يُخَالِفُ قَوْلَ أبي حنيفة، وشريفة ودنية يُخَالِفُ قَوْلَ مَالِكٍ، وَبِكْرٍ وَثَيِّبٍ يُخَالِفُ قَوْلَ دَاوُدَ.
وَالرَّابِعُ: خُرُوجُ الرِّجَالِ عَنْ حُكْمِ النِّسَاءِ فِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ لِتَخْصِيصِهِمْ بِالذِّكْرِ.
وَمِنْهَا فِي قوله: " نكحت بغير إذن ولها " خمسة دَلَائِلَ: أَحَدُهَا: أَنَّ اسْمَ النِّكَاحِ حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ مَجَازٌ فِي الْوَطْءِ فَخَالَفَ قَوْلَ أبي حنيفة.
وَالثَّانِي: ثُبُوتُ الْوِلَايَةِ عَلَى جَمِيعِ النِّسَاءِ في نكاحهن قَوْلُ مَنْ قَدَّمْنَا خِلَافَهُ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُوكِّلَ، لِأَنَّ إِذْنَهُ لَا يَصِحُّ إِلَّا لوكيل ينوب عنه.
والرابع: أن لَا وِلَايَةَ لِوَصِيٍّ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَلِيٍّ وَلَا نَائِبٍ عَمَّنْ هُوَ فِي الْحَالِ وَلِيٌّ.
وَالْخَامِسُ: أن العقد فاسد قَدْ يُضَافُ إِلَى عَاقِدِهِ وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْهُ.
وَمِنْهَا فِي قَوْلِهِ: " فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ "، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فنكاحها باطل ستة دَلَائِلَ: أَحَدُهَا: بُطْلَانُ النِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ بِخِلَافِ قول من أجازه بغير ولي.
والثاني: لَا يَكُونُ إِذَا بَطَلَ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ الْوَلِيِّ بِخِلَافِ قَوْلِ أبي حنيفة.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ النكاح الفاسد لا يفسخ بطلقه إن كَانَ مُخْتَلِفًا فِيهِ بِخِلَافِ قَوْلِ مَالِكٍ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّ النِّكَاحَ الْفَاسِدَ يُسَمَّى نِكَاحًا.
وَالْخَامِسُ: أَنَّ الْإِضَافَةَ قَدْ تَكُونُ حَقِيقَةً، وَمَجَازًا.
وَالسَّادِسُ: جَوَازُ تكرار اللفظ وزيادة في البيان وتوكيد للحكم، لِأَنَّهُ قَالَ: فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ثَلَاثًا.
وَمِنْهَا فِي قوله: " وَإِنْ مَسَّهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا " خَمْسَةَ عَشَرَ دَلِيلًا.
أَحَدُهَا: أَنَّ الْمَسِيسَ عِبَارَةٌ عَنِ الْوَطْءِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْوَطْءَ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ مُوجِبٌ لِلْمَهْرِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ مَعَ الْعِلْمِ وَالْجَهْلِ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّ النكاح الفاسد إذا خلا من الإنابة لَمْ يَجِبْ فِيهِ الْمَهْرُ.
وَالْخَامِسُ: أَنَّ الْخَلْوَةَ لا تكمل بِهَا الْمَهْرُ بِخِلَافِ قَوْلِ أبي حنيفة.

وَالسَّادِسُ: أَنَّ الْمُسْتَكْرَهَةَ عَلَى الزِّنَا يَجِبُ لَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا بِخِلَافِ قَوْلِ أبي حنيفة.
وَالسَّابِعُ: أَنَّ الْإِصَابَةَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرْجَيْنِ مِنْ قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ يُوجِبُ الْمَهْرَ، لِأَنَّهُ فَرْجٌ.
وَالثَّامِنُ: أَنَّ ذَاتَ الزَّوْجِ إِذَا أُصِيبَتْ بِشُبْهَةٍ فَلَهَا الْمَهْرُ دُونَ الزَّوْجِ بِخِلَافِ قَوْلِ مَنْ جَعَلَهُ لِلزَّوْجِ.
وَالتَّاسِعُ: أن الموطوءة بشبهة يكون لها المهر لَا فِي بَيْتِ الْمَالِ بِخِلَافِ قَوْلِ مَنْ جَعَلَهُ لِبَيْتِ الْمَالِ.
وَالْعَاشِرُ: أَنَّ تَكْرَارَ الْوَطْءِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ لَا يَجِبُ بِهِ إِلَّا مهر واحدة ما لم تغرم المهر عما تقدم به.
وَالْحَادِيَ عَشَرَ: أَنَّ الْإِصَابَةَ دُونَ الْفَرْجِ لَا تُوجِبُ الْمَهْرَ.
وَالثَّانِي عَشَرَ: أَنَّ الْغَارَّةَ لِلزَّوْجِ يسقط عنه مهره بالغرور.
والثالث عشر: أن الموطوءة في العدة بِشُبْهَةٍ أَوْ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ كَالْمَوْطُوءَةِ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ فِي لُحُوقِ النَّسَبِ وَوُجُوبِ الْعِدَّةِ وتحريم المصاهرة لاستوائهما في وجوب المهر ولحوق النسب والعدة وتحريم المصاهرة.
وَالْخَامِسَ عَشَرَ: أَنَّ الْمَهْرَ إِذَا اسْتُحِقَّ بِالْإِصَابَةِ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ فَهُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ دُونَ الْمُسَمَّى سَوَاءٌ كَانَ أَقَلَّ مِنْهُ أَوْ أَكْثَرَ، بِخِلَافِ قَوْلِ أبي حنيفة: أَنَّهُ يُوجِبُ أقل الأمرين من مهر المثل أو المسمى.
وأما قَوْلِهِ: " فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ " خَمْسَةُ دَلَائِلَ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْعَصَبَةَ أحق بالولاية عليها من السلطان.
والثانية: أنهم إذا عدموا انتقلت الولاية عليها إِلَى السُّلْطَانِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْأَقْرَبَ مِنْ عَصَبَتِهَا أَوْلَى مِنَ الْأَبْعَدِ، كَمَا أَنَّ الْعَصَبَةَ لِقُرْبِهِمْ أَوْلَى مِنَ السُّلْطَانِ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّ الْأَوْلِيَاءَ إِذَا كَانُوا فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمْ إِذَا اشْتَجَرُوا أَحَقَّ مِنَ الْبَاقِينَ إِلَّا بِقُرْعَةٍ أو لتسليم.
والخامس: أنهم إذا اشتركوا فِي نِكَاحِهَا عَضْلًا لَهَا لَا تَنَازُعًا فِيهَا زَوَّجَهَا السُّلْطَانُ.
وَالِاشْتِجَارُ عَضْلًا: أَنْ يَقُولَ كُلُّ واحد منهما زوجها أنت ليصيروا جميعاً عضلة فزوجها السلطان.
والاشتجار إذا تَنَازَعًا أَنْ يَقُولَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: أَنَا أزوجها فلا تنقل الولاية إلى السلطان، لأنهم غيرة عضلة بل يفرع بَيْنَهُمْ وَيُزَوِّجُهَا مِنْ قُرِعِ مِنْهُمْ.

مَسْأَلَةٌ

قَالَ الشافعي: " وَجَمَعَتِ الطَّرِيقُ رُفْقَةً فِيهِمُ امْرَأَةٌ ثيبٌ فَوَلَّتْ أمرها رجلاً منهم فزوجها فجلد عمر بن الخطاب رضي الله عنه الناكح والمنكح ورد نكاحهما ".

قال الماوردي: وهذا الأمر المروي عن عمر وَإِنْ كَانَ دَلِيلًا عَلَى إِبْطَالِ النِّكَاحِ بِغَيْرِ ولي فالمقصود به يَتَعَلَّقُ عَلَى الْمُتَنَاكِحَيْنِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ مِنَ الْأَحْكَامِ، فَإِذَا تَنَاكَحَ الزَّوْجَانِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ فَلَا يَخْلُو حَالُهُمَا مِنْ أَنْ يَتَرَافَعَا فِيهِ إِلَى حاكمٍ أَمْ لَا فَإِنْ تَرَافَعَا فِيهِ إِلَى حَاكِمٍ لَمْ يَخْلُ حَالُ الْحَاكِمِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ شَافِعِيًّا يَرَى إِبْطَالَ النِّكَاحِ بغير ولي، أو يكون حنيفاً يَرَى جَوَازَ النِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ، فَإِنْ كَانَ شَافِعِيًّا يَرَى إِبْطَالَ النِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ، حَكَمَ بإبطاله وفرق بينهما فإن اجتمعا حكم فيه بمذهبه، وقضى بينهما، عَلَى الْإِصَابَةِ بَعْدَ تَفْرِيقِ الْحَاكِمِ بَيْنَهُمَا كَانَا زَانِيَيْنِ عَلَيْهِمَا الْحَدُّ، لِأَنَّ شُبْهَةَ الْعَقْدِ قَدِ ارْتَفَعَتْ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ بَيْنَهُمَا بِالْفُرْقَةِ، فَلَوْ تَرَافَعَا بعد إبطال الحاكم الشافعي إِلَى حَاكِمٍ حَنَفِيٍّ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يحكم بجوازه لنفوذ الحكم بإبطاله وإن كان فِي الِابْتِدَاءِ قَدْ تَرَافَعَا إِلَى حَاكِمٍ حَنَفِيٍّ يَرَى صِحَّةَ النِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ فَحَكَمَ بَيْنَهُمَا بصحته، وأذن لهما بالاجتماع فيه فلم يَكُنْ عَلَيْهِمَا فِي الْإِصَابَةِ حَدٌّ لِنُفُوذِ الْحُكْمِ بالإباحة، فلو ترافعا بعد حكم الحنفي بصحة إِلَى حَاكِمٍ شَافِعِيٍّ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِإِبْطَالِهِ وَيَنْقُضَ حَكَمَ الْحَنَفِيِّ بِصِحَّتِهِ وَإِمْضَائِهِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَهُ الْحُكْمُ بِإِبْطَالِهِ وَنَقْضِ حُكْمِ الْحَنَفِيِّ بِإِمْضَائِهِ، لِمَا فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ النَّصِّ فِي قَوْلِهِ: " فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ " ثَلَاثًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْقُضَ حُكْمًا قَدْ نَفَذَ بِاجْتِهَادٍ، وَالنَّصُّ فِيهِ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ.

فَصْلٌ

وَإِذَا لَمْ يَتَرَافَعَا فِيهِ إِلَى حَاكِمٍ وَلَا حُكِمَ فِيهِ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ صِحَّةٍ أَوْ إِبْطَالٍ، فَإِنْ لَمْ يَجْتَمِعَا فِيهِ عَلَى الْإِصَابَةِ حَتَّى افْتَرَقَا فَلَا عِدَّةَ عليهما، وَلَا مَهْرَ لَهَا، وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا لَمْ يتوارثا وإن اجتمعا فيه على الْإِصَابَةِ لَمْ تَخْلُ حَالُهُمَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أحدهما: أَنْ يَعْتَقِدَا الْإِبَاحَةَ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَعْتَقِدَا تَحْرِيمَهُ.
والثالث: أن يجهلا حكمه، فإن اعتقدا الإباحة لِاعْتِقَادِهِمَا مَذْهَبَ أبي حنيفة فِيهِ فَلَا حَدَّ عليهما، لاستباحتهما له من اجْتِهَادٍ مُسَوَّغٍ، فَإِنْ قِيلَ: أَفَلَيِسَ لَوْ شَرِبَ النَّبِيذَ مَنِ اعْتَقَدَ مَذْهَبَ أبي حنيفة فِي إِبَاحَتِهِ حَدَدْتُمُوهُ، فَهَلَّا حَدَدْتُمْ هَذَا مَعَ اعْتِقَادِهِ إِبَاحَتَهُ.
قِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الشُّبْهَةُ فِي النِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ أَقْوَى لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ أَصْلَيْ حَظْرٍ مِنْ زِنَا وَإِبَاحَةٍ مِنْ نكاح، وإباحة الشبهة في النبيذ الذي لا يرجع إلا إِلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ فِي الْحَظْرِ وَالتَّحْرِيمِ، وَهُوَ الخمر.
والثاني: أن النكاح الذي عقده وَلِيٍّ قَدْ جُعِلَ لَهُ سَبِيلٌ إِلَى اسْتِبَاحَتِهِ بِوَلِيٍّ فَاقْتُصِرَ فِي الزَّجْرِ عَنْهُ عَلَى مُجَرَّدِ النَّهْيِ، وَلَيْسَ كَالنَّبِيذِ الَّذِي لَا سَبِيلَ إِلَى اسْتِبَاحَتِهِ فَلَمْ يَقْتَصِرْ فِي الزَّجْرِ عَنْهُ عَلَى مجرد النهي حتى يضم إليه حكم هُوَ أَبْلَغُ فِي الزَّجْرِ، لِيَكُونَ أَمْنَعَ مِنَ الإقدام عليه.

فَصْلٌ

وَإِذَا كَانَا جَاهِلَيْنِ بِتَحْرِيمِ النِّكَاحِ بِغَيْرِ ولي فلا حد عليهما، لِأَنَّ الْجَهْلَ بِالتَّحْرِيمِ أَقْوَى شُبْهَةً، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " ادرأوا الحدود بالشبهات "، ولأن من جهل تحريم الزنا لحدوث إسلامه لم يجد فكان هذا بدرء الحد أولى، ألا ترى أن قول عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي أَمَةٍ أَقَرَّتْ بِالزِّنَا إِقْرَارَ جَاهِلٍ بِتَحْرِيمِهِ أَرَاهَا تَشْهَدُ بِهِ كَأَنَّهَا لَمْ تَعْلَمْ، وَإِنَّمَا الْحَدُّ عَلَى مَنْ علم.
ثم يتعلق عَلَى هَذِهِ الْإِصَابَةِ مِنَ الْأَحْكَامِ مَا يَتَعَلَّقُ عَلَى النِّكَاحِ الصَّحِيحِ إِلَّا فِي الْمُقَامِ عَلَيْهِ فيوجب العدة، ويلحق بالنسب، وَيَثْبُتُ بِهِ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ وَلَكِنْ فِي ثُبُوتِ الْمَحْرَمِيَّةِ بِهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: تَثْبُتُ بِهَا الْمَحْرَمُ كَمَا تَثْبُتُ بِهَا تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ فَلَا تُحْجَبُ عن أبيه وابنه ولا تحجب عنه أمها وبنتها.
والوجه الثاني: أن يثبت المحرم وإن ثبت به تحريم المصاهرة، لأننا أثبتنا تحريم المصاهرة تغليظاً فاقتضى أن ينتفي عَنْهُ ثُبُوتُ الْمَحْرَمِ تَغْلِيظًا.

فَصْلٌ

وَإِنْ كَانَا مُعْتَقِدَيْنِ لِتَحْرِيمِهِ يَرَيَانِ فِيهِ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ مِنْ إبطال النكاح بغير ولي فمحظور عليهما الإصابة فإن اجتمعا عليها وَوَطِئَهَا، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لَا حد عليهما وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ - مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ - وهو مذهب الزهري، وأبي ثور: الحد عَلَيْهِمَا وَاجِبٌ لِرِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: " البغي من نكحت بغير ولي ". والأثر المروي عن عمر في المرأة والرجل جَمَعَتْهُمَا رُفْقَةٌ فَوَلَّتْ أَمْرَهَا رَجُلًا مِنْهُمْ فَزَوَّجَهَا فَجَلَدَ النَّاكِحَ وَالْمُنْكَحَ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى سُقُوطِ الْحَدِّ قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الْخَبَرِ الْمَاضِي: " أَيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ " فَأَبْطَلَ النِّكَاحَ وَأَوْجَبَ المهر دون الْحَدَّ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: " ادرأوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ " وَأَقْوَى الشُّبَهَاتِ عَقْدٌ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي إِبَاحَتِهِ فَكَانَ بِإِدْرَاءِ الْحَدِّ أَوْلَى.
فَأَمَّا قَوْلُهُ: " الْبَغِيُّ مَنْ نَكَحَتْ بِغَيْرِ وَلِيٍّ " فَهِيَ لَا تَكُونُ بَغِيًّا بِالنِّكَاحِ إِجْمَاعًا، وَإِنَّمَا يَقُولُ مَنْ يُوجِبُ الْحَدَّ، إِنَّهَا تَكُونُ بِالْوَطْءِ بَغِيًّا فَلَمْ يَكُنْ فِي التَّعَلُّقِ بِهِ دَلِيلٌ، ثُمَّ يحمل على أنه يتعلق عليها بعض الأحكام الْبَغِيِّ وَهُوَ تَحْرِيمُ الْوَطْءِ، وَلَا يُمْتَنَعُ أَنْ يُسَمَّى بَعْضُ أَحْكَامِ الْبَغْيِ بَغْيًا كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مِنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فَقَدْ كَفَرَ " فَسَمَّاهُ بِبَعْضِ أَحْكَامِ الْكُفْرِ كَافِرًا، وَأَمَّا الْأَثَرُ عَنْ عُمَرَ فَالْجَلْدُ فِيهِ عِبَارَةٌ عَنِ التَّعْزِيرِ أَلَّا تَرَاهُ جَلَدَ النَّاكِحَ وَالْمُنْكَحَ وَالْحَدُّ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُنْكِحِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ عَزَّرَهُمَا.

فَصْلٌ وَإِذَا تَنَاكَحَ الزَّوْجَانِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ ثُمَّ طلقها ثلاثاً ففي حكم طلاقه وحكم تحريمها عَلَيْهِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا: أحدهما: يجز عَلَيْهِ حُكْمَ الطَّلَاقِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ، وَأَبِي حَامِدٍ الْمَرْوَزِيِّ اعْتِبَارًا بِأَغْلَظِ الْأَمْرَيْنِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ وَمَنْ عَاضَدَهُ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَرُبَّمَا كَانَ لَهُمْ فيه سَلَفٌ إنَّ حُكْمَ الطَّلَاقِ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ للحكم بإبطاله وإنما تَحِلُّ لَهُ قَبْلَ زَوْجٍ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ إِلَّا فِي نِكَاحٍ، وَقَدْ بَطَلَ أَنْ يَكُونَ نِكَاحًا.
فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَانِ الْوَجْهَانِ، فَإِنْ قِيلَ بِهَذَا الْوَجْهِ إِنَّهُ إِذَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ أَنْ يَنْكِحَهَا، قَبْلَ زَوْجٍ، فَإِنَّهُ إِذَا أَصَابَهَا لَمْ تَحِلَّ بِإِصَابَتِهِ لَهَا للزوج إن كان طَلَّقَهَا قَبْلَهُ ثَلَاثًا.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهَا قَدْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ بِطَلَاقِهِ لَهَا ثَلَاثًا حَتَّى تَنْكِحَ زوجاً غيره فهل تحل بإصابته لها الزوج إِنْ كَانَ قَدْ طَلَّقَهَا قَبْلَهُ ثَلَاثًا أَمْ لَا فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: تَحِلُّ لَهُ لِإِجْرَائِنَا عَلَى طَلَاقِهِ حُكْمَ الطَّلَاقِ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ لِأَنَّنَا ألزمناه حكم طلاقه تغليظاً عليهما فَكَانَ مِنَ التَّغْلِيظِ أَنْ لَا تَحِلَّ لِغَيْرِهِ بإصابته.

فصل

وإذا عدمت المرأة ولياً مناسباً وكانت فِي بَلَدٍ لَا حَاكِمَ فِيهِ وَأَرَادَتْ نِكَاحَ زَوْجٍ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَيْسَ لَهَا أَنْ تنكح حتى تجد ولياً بحكم أو بنسب كَمَا عَدِمَتِ الشُّهُودَ لَمْ يَجُزْ أَنْ تَتَزَوَّجَ حتى تجد الشهود.
والوجه الثاني: أن يَجُوزَ لِلضَّرُورَةِ أَنْ تَتَزَوَّجَ، لِأَنَّ الْوَلِيَّ يُرَادُ لِنَفْيِ الْعَارِ عَنْهُ بِتَزْوِيجِ غَيْرِ الْكُفْءِ فَإِذَا عدم زال معناه وخالف الشهود المعقود بِهِمُ الِاسْتِيثَاقَ لِحِفْظِ الْأَنْسَابِ، فَعَلَى هَذَا إِذَا جَوَّزَ لَهَا التَّزْوِيجَ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تَتَوَلَّاهُ بِنَفْسِهَا؛ لِأَنَّ فَقْدَ الْوَلِيِّ قَدْ أَسْقَطَ حُكْمَهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا تُوَلِّي أَمْرَهَا رَجُلًا يَكُونُ بَدَلًا مِنْ وَلِيِّهَا حَتَّى لَا يَخْلُوَ الْعَقْدُ مَنْ عَدَدِهِ، وَيُحْتَمَلُ تَخْرِيجُ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ مِنِ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي الْخَصْمَيْنِ إِذَا حَكَّمَا رَجُلًا هَلْ يَلْزَمُهُمَا حُكْمُهُ كَلُزُومِ الْحَاكِمِ وَاللَّهُ أعلم.

مسألة

قال الشافعي: " وَلَا وِلَايَةَ لِوَصِيٍّ لِأَنَّ عَارَهَا لَا يَلْحَقُهُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ:

إذا وصى الْأَبُ بِتَزْوِيجِ بِنْتِهِ لَمْ يَكُنْ لِوَصِيِّهِ أَنْ يزوجها صغيرة كانت أم كَبِيرَةً عُيِّنَ لَهُ عَلَى الزَّوْجِ أَوْ لَمْ يعين وَلَا يُزَوِّجْهَا إِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً إِلَّا أَنْ يُعَيَّنَ لَهُ عَلَى الزَّوْجِ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: يُزَوِّجُهَا الْوَصِيُّ بِكُلِّ حَالٍ اسْتِدْلَالًا عَلَى ذَلِكَ بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ لِلْأَبِ وِلَايَةً عَلَى مَالِهَا وَنِكَاحِهَا فَلَمَّا جَازَ أَنْ يُوصِيَ بِالْوِلَايَةِ عَلَى مَالِهَا جَازَ أَنْ يُوصِيَ بِالْوِلَايَةِ عَلَى نِكَاحِهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا جَازَ لِلْأَبِ أَنْ يستنيب في حياته وكيلاً جاز له أن يستنيب بعد مَوْتِهِ وَصِيًّا كَالْمَالِ، وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ، لِقَوْلِهِ عليه السلام: " لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ " وَلَيْسَ الْوَصِيُّ وَلِيًّا، وَلِرِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: زَوَّجَنِي خَالِيَ قُدَامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ بِابْنَةِ أَخِيهِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ فَمَضَى الْمُغِيرَةُ إِلَى أُمِّهَا وَأَرْغَبَهَا فِي الْمَالِ فَمَالَتْ إِلَيْهِ، وَزَهِدَتْ فِيَّ فَأَتَى قدامة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ أَنَا عَمُّهَا وَوَصِيُّ أَبِيهَا وَمَا نَقَمُوا مِنِ ابْنِ عُمَرَ إِلَّا أَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " إِنَّهَا يَتِيمَةٌ وَإِنَّهَا لَا تُنْكَحُ إِلَّا بِإِذْنِهَا " فَرَدَّ نِكَاحَهُ مَعَ كَوْنِهِ وَصِيًّا مِنْ غَيْرِ أن يستبرئ حال صغرها وكبرها ولا هل عين الأب على الزوج أم لا؟ فدل على أن النكاح إنما يجاز له؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّ لَا وِلَايَةَ لَهُ، وَلِأَنَّ وِلَايَةَ النكاح قد انتقلت بِمَوْتِ الْأَبِ إِلَى مَنْ يَسْتَحِقُّهَا بِنَفْسِهِ مِنَ الْعَصَبَاتِ فَصَارَ مُوصِيًا فِيمَا غَيْرُهُ أَحَقُّ بِهِ فكان مردود الوصية كما وَصَّى بِالْوِلَايَةِ عَلَى مَالِ أَطْفَالِهِ وَلَهُمْ جَدٌّ إِلَى غَيْرِهِ بَطَلَتْ وَصِيَّتُهُ، كَذَلِكَ هَذَا.
وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا: أَنَّهَا وِلَايَةٌ قَدِ انْتَقَلَتْ مِنْ غَيْرِ تَوْلِيَةٍ فَلَمْ يَجُزْ نَقْلُهَا بِالْوَصِيَّةِ كَالْوِلَايَةِ عَلَى الْمَالِ مَعَ وُجُودِ الْجَدِّ، وَفِي هَذَا انْفِصَالٌ عَمَّا ذَكَرَهُ مِنَ الْوَصِيَّةِ بِالْمَالِ؛ وَلِأَنَّ الْعَصَبَةَ إِنَّمَا اخْتُصُّوا بِالْوِلَايَةِ فِي نِكَاحِهَا لِمَا يَلْحَقُهُمْ مِنْ عَارِهَا بِنِكَاحِهَا غَيْرَ كُفْءٍ فَصَارَ حَقُّ الولاية بينهم مشتركاً لرفع الْعَارِ عَنْهُمْ وَعَنْهَا، وَهَذَا الْمَعْنَى مَعْدُومٌ فِي الوصي الذي لا يلحقه عارها فلم نثبت وِلَايَتَهُ لِفَقْدِ مَعْنَاهَا، وَلَيْسَ كَالْوَكِيلِ الَّذِي هُوَ نائب غير مُسْتَحِقٍّ لَهَا وَهُوَ مِنْ وَرَائِهِ مُرَاعٍ لِنَفْيِ العار عنه وعنها.

مسألة

قال الشافعي: " وَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا وَإِذْنُهَا صِمَاتُهَا " دَلَّالَةٌ عَلَى الْفَرْقِ بين الثيب والبكر فِي أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ إِذْنَ الْبِكْرِ الصَّمْتُ والتي تخالفها الْكَلَامُ وَالْآخَرُ أَنَّ أَمْرَهُمَا فِي وِلَايَةِ أَنْفُسِهِمَا مختلفٌ فَوِلَايَةُ الثَّيِّبِ أَنَّهَا أَحَقٌ مِنَ الْوَلِيِّ وَالْوَلِيُّ ههنا الْأَبُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ دُونَ الْأَوْلِيَاءِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ.
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بالأيم هاهنا الثيب لما قدمنا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَدِ اسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ بِهَذَا الْخَبَرِ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ فِي كلمتين:

إحداهما: الفرق بينهما في صفة الإذن.
والثاني: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي الْإِجْبَارِ عَلَى الْعَقْدِ، وَنَحْنُ نُقَدِّمُ الْكَلَامَ فِي الْإِجْبَارِ عَلَى الْعَقْدِ لِأَنَّهُ أصل لم يعقبه بِصِفَةِ الْإِذْنِ فِي مَوْضِعِهِ، فَنَقُولُ: النِّسَاءُ ضَرْبَانِ: أَبْكَارٌ، وَثَيِّبٌ.
فَأَمَّا الثَّيِّبُ فَيَأْتِي حُكْمُهُنَّ.
وَأَمَّا الْأَبْكَارُ فَلَهُنَّ حَالَتَانِ حَالَةٌ مَعَ الْآبَاءِ، وَحَالَةٌ مع غيرهم من الأولياء.
فما حالهن مع الآباء فهن ضَرْبَانِ: صِغَارٌ، وَكِبَارٌ.
فَأَمَّا صِغَارُ الْأَبْكَارِ فَلِلْآبَاءِ إِجْبَارُهُنَّ عَلَى النِّكَاحِ فَيُزَوِّجُ الْأَبُ ابْنَتَهُ الْبِكْرَ الصَّغِيرَةَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرَاعِيَ فِيهِ اخْتِيَارَهَا وَيَكُونُ الْعَقْدُ لَازِمًا لَهَا فِي صِغَرِهَا وَبَعْدَ كِبَرِهَا، وَكَذَلِكَ الْجَدُّ وَإِنْ عَلَا يَقُومُ فِي تَزْوِيجِ الْبِكْرِ الصَّغِيرَةِ مَقَامَ الْأَبِ إِذَا فُقِدَ الْأَبُ.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ وِفَاقًا قَوْله تَعَالَى: {وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّتِي لَمْ يَحِضْنَ) {الطلاق: 4) يَعْنِي الصِّغَارَ، وَالصَّغِيرَةُ تَجِبُ الْعِدَّةُ عَلَيْهَا مِنْ طَلَاقِ الزَّوْجِ، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا فِي الصِّغَرِ.
وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَنَا ابْنَةُ سَبْعٍ، وَدَخَلَ بِي وَأَنَا ابْنَةُ تسع، ومات عني، وأنا ابنة ثماني عشر.

فصل

وأما البكر الكبيرة فللأب أو للجد عِنْدَ فَقْدِ الْأَبِ أَنْ يُزَوِّجَهَا جَبْرًا كَالصَّغِيرَةِ، وَإِنَّمَا يَسْتَأْذِنُهَا عَلَى اسْتِطَابَةِ النَّفْسِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا فِي جَوَازِ الْعَقْدِ.
وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.
وَقَالَ أبو حنيفة: لَيْسَ لِلْأَبِ إِجْبَارُ الْبِكْرِ الْبَالِغِ على العقد إِلَّا عَنْ إِذْنٍ.
وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ، فجعل الإجبار معتبراً بالصغيرة دون البكارة، وجعل الشافعي الإجبار معتبراً بالبكارة دون الصغر، واستدل من نص قَوْلَ أبي حنيفة بِرِوَايَةِ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ أن رجلاً زوج ابنته وهي بكر فمات فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَيْنَهُمَا، وَبِرِوَايَةِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " اسْتَأْمِرُوا النِّسَاءَ فِي أَبْضَاعِهِنَّ " فَكَانَ عَلَى عمومه، ولأنها متصرفة في مالها فلا يجوز إِجْبَارُهَا عَلَى النِّكَاحِ كَالثَّيِّبِ؛ وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ زال عنه الحجر فِي مَالِهِ زَالَ عَنْهُ الْحَجْرُ فِي نِكَاحِهِ كالرجل.
ودليلنا رواية الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ عَنْ نَافِعِ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صِمَاتُهَا " فَلَمَّا جَعَلَ الثيب أحق بنفسها من وليها علم أَنَّ وَلِيَّ الْبِكْرِ أَحَقُّ بِهَا مِنْ نَفْسِهَا ويكون قوله: " والبكر تستأذن في نفسه " مَحْمُولًا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ دُونَ الْوُجُوبِ اسْتِطَابَةً لِلنَّفْسِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَحْمُولًا عَلَى الْوُجُوبِ لَصَارَتْ أَحَقَّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا كَالثَّيِّبِ.

وَمِنَ الْقِيَاسِ: أَنَّ كُلَّ مَنْ جَازَ لَهُ قبض صداقها بعد رضاعها جَازَ لَهُ عَقْدُ نِكَاحِهَا بِغَيْرِ رِضَاهَا كَالْأَمَةِ وَكَالْبِكْرِ الصَّغِيرَةِ؛ وَلِأَنَّ مَا اسْتُحِقَّ بِالْوِلَايَةِ فِي نِكَاحِ الصَّغِيرَةِ اسْتُحِقَّ بِالْوِلَايَةِ فِي نِكَاحِ الْكَبِيرَةِ قِيَاسًا عَلَى طَلَبِ الْكَفَاءَةِ، وَلِمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ أَنَّهُ: لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَزْوِيجُهَا جَبْرًا فِي الْكِبَرِ لَمَا كَانَ لَهُ تَفْوِيتُ بُضْعِهَا فِي الصِّغَرِ كَالطِّفْلِ يُقْتَلُ أَبُوهُ لَمَّا لم يكن لولي تفويت خياره عليه في القود والدية بعد البلوغ لم يكن له تفويته عَلَيْهِ قَبْلَ الْبُلُوغِ، وَكَانَ الْقَاتِلُ مَحْبُوسًا حَتَّى يَبْلُغَ فَيَخْتَارُ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا يَبْطُلُ بِالصَّبِيِّ فَإِنَّ لِلْأَبِ أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَى النِّكَاحِ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَلَيْسَ لَهُ إِجْبَارُهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ.
قُلْنَا: لَيْسَ فِي تَزْوِيجِ الِابْنِ تَفْوِيتٌ لِمَا يَقْدِرُ عَلَى اسْتِدْرَاكِهِ؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى الطَّلَاقِ إِنْ شَاءَ، وَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ غَيْرَهَا مِنَ النِّسَاءِ، وَالثَّيِّبُ لَا تَقْدِرُ عَلَى خَلَاصِ نفسها من عقد الأب إن لم يشاء.
وَأَمَّا خَبَرُ عَائِشَةَ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الثَّيِّبِ دُونَ الْبِكْرِ تَخْصِيصًا بِمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الثَّيِّبِ فَالْمَعْنَى فِيهَا؛ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجُزْ لِلْأَبِ قَبْضُ صَدَاقِهَا إِلَّا بِإِذْنِهَا لَمْ يَجُزْ لَهُ عَقْدُ نِكَاحِهَا إِلَّا بِإِذْنِهَا، وَلَمَّا جَازَ لِلْأَبِ قَبْضُ صَدَاقِ الْبِكْرِ بِغَيْرِ رِضَاهَا عِنْدَ أبي حنيفة وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ جاز له أن يعقد نكاحا بغير رضاها، لأن التصرف في المبدل معتبر بالتصرف فِي الْبَدَلِ.
وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الرَّجُلِ فَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلْأَبِ أَنْ يَعْتَرِضَ عَلَيْهِ فِي نِكَاحِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَيْهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْبِكْرُ.

فَصْلٌ

فإذا ثَبَتَ أَنَّ لِلْأَبِ إِجْبَارَ الْبِكْرِ عَلَى النِّكَاحِ صغيرة أو كبيرة، وكذلك الْجَدُّ وَإِنْ عَلَا وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلَ لَيْسَ الْإِجْبَارُ إِلَّا لِلْأَبِ دُونَ الْجَدِّ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لِلْجَدِّ إِجْبَارُ الصَّغِيرَةِ كَالْأَبِ وَلَيْسَ لَهُ إِجْبَارُ الْكَبِيرَةِ بِخِلَافِ الْأَبِ وَفَرَّقَا بَيْنَ الْأَبِ وَالْجَدِّ، بِأَنَّ الْجَدَّ يَمْلِكُ الْوِلَايَةَ بِوَسِيطٍ كَالْإِخْوَةِ، وَهَذَا خَطَأٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {مِلَة أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ) {الحج: 78) فَسَمَّاهُ أَبًا إجراءً لحكم الْأَبِ عَلَيْهِ، وَإِنْ خَالَفَهُ فِي الِاسْمِ، وَلِأَنَّهُ لما ثبت ولاية الجد على الأب فأولى أن يثبت عَلَى مَنْ يَلِي عَلَيْهِ الْأَبُ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا سَاوَى الْجَدُّ الْأَبَ فِي الْوِلَايَةِ عَلَى مَالِهَا سَاوَاهُ فِي الْوِلَايَةِ عَلَى نِكَاحِهَا وَبِهَذَا فَرَّقَ بينه وبين سائر الْعَصَبَاتِ.
فَصْلٌ فَأَمَّا حَالُ الْبِكْرِ مَعَ غَيْرِ الْأَبِ وَالْجَدِّ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ كَالْإِخْوَةِ وَالْأَعْمَامِ فَلَا تَخْلُو حَالُهَا مَعَهُمْ مِنْ أَنْ تَكُونَ صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً، فَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً لَمْ يَكُنْ لَهُمْ إِجْبَارُهَا إِجْمَاعًا، وَلَيْسَ لَهُمْ تَزْوِيجُهَا إِلَّا بِإِذْنِهَا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْآبَاءِ، وَالْعَصَبَاتِ؛ أَنَّ فِي الْآبَاءِ بَعْضِيَّةً لَيْسَتْ فِي الْعَصَبَاتِ فَقَوِيَتْ بِهَا

وِلَايَتُهُمْ حَتَّى تَجَاوَزَتْ وِلَايَةَ النِّكَاحِ إِلَى وِلَايَةِ المال فصاروا بذلك أعجز، ولأنه مِنَ الْعَصَبَاتِ، وَإِنْ كَانَتِ الْبِكْرُ صَغِيرَةً فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنَ الْعَصَبَاتِ تَزْوِيجُهَا بِحَالٍ.
وَقَالَ أبو حنيفة: لِجَمِيعِ الْعَصَبَاتِ تَزْوِيجُهَا صَغِيرَةً كَالْأَبِ وَلَهَا الْخِيَارُ إِذَا بَلَغَتْ بِخِلَافِهَا مَعَ الْأَبِ.
وَقَالَ أبو يوسف: لَهُمْ تَزْوِيجُهَا وَلَا خِيَارَ لَهَا كَهِيَ مَعَ الْأَبِ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: {وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ) {النساء: 127) . قَالَ: وَالْيَتِيمَةُ مَنْ لَا أَبَ لَهَا مِنَ الصِّغَارِ وَالَّذِي كُتِبَ لَهَا صَدَاقُهَا فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ نِكَاحِ غَيْرِ الْأَبِ لَهَا، وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ جَازَ لَهُ تَزْوِيجُهَا فِي الْكِبَرِ جَازَ لَهُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِتَزْوِيجِهَا فِي الصِّغَرِ كَالْأَبِ؛ وَلِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَوَى الْآبَاءُ وَالْعَصَبَاتُ فِي إِنْكَاحِ الثَّيِّبِ وَجَبَ أَنْ يَسْتَوُوا فِي إِنْكَاحِ الْبِكْرِ وَدَلِيلُنَا حَدِيثُ قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ أَنَّهُ زَوَّجَ ابنة أخيه بعبد الله بن عمر فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نِكَاحَهُ فَقَالَ إِنَّنِي عَمُّهَا وَوَصِيُّ أَبِيهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " إنها يتيمة وإنها لا تتزوج إِلَّا بِإِذْنِهَا " فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ تَزْوِيجَهَا إِلَّا بَعْدَ الْبُلُوغِ.
وَمِنَ الْقِيَاسِ: أَنَّ كُلَّ مَنْ لم يَمْلِكْ قَبْضَ صَدَاقِهَا لَمْ يَمْلِكْ عَقْدَ نِكَاحِهَا كالعم مع الثيب طرداً، أو كالسيد مع أمته عكساً، ولأنها ثبتت لِلْأَبِ فِي الصَّغِيرَةِ مِنْ غَيْرِ تَوْلِيَةٍ فَوَجَبَ أَنْ يُخْتَصَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ الْعَصَبَاتِ كَوِلَايَةِ المال، ولأن النكاح إذا لم ينعقد لأن ما كَانَ فَاسِدًا كَالْمَنْكُوحَةِ فِي الْعِدَّةِ وَلِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَنْعَقِدُ بِخِيَارِ التَّحَكُّمِ وَالِاقْتِرَاعِ قِيَاسًا عَلَى خِيَارِ الثَّيِّبِ.
فَأَمَّا الْآيَةُ فَتُحْمَلُ عَلَى إِنْكَاحِهَا قبل اليتم أو على إنكاح الجد، لِأَنَّ الْيُتْمَ يَكُونُ بِمَوْتِ الْأَبِ، وَإِنْ كَانَ الْجَدُّ بَاقِيًا وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْأَبِ فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي الْوِلَايَةِ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْإِجْبَارِ، وَأَمَّا جَمْعُهُمْ بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ فَمَرْدُودٌ بِافْتِرَاقِهِمَا فِي قَبْضِ الصَّدَاقِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

مَسْأَلَةٌ

قَالَ الشافعي: " ومثل هذا حديث خنساء زَوَّجَهَا أَبُوهَا وَهِيَ ثيبٌ فَكَرِهَتْ ذَلِكَ فَرَدَّ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نِكَاحَهُ وَفِي تَرْكِهِ أَنْ يَقُولَ لِخَنْسَاءَ " إِلَّا أَنْ تَشَائِي أَنْ تُجِيزِي مَا فَعَلَ أَبُوكِ " دلالةٌ عَلَى أَنَّهَا لَوْ أَجَازَتْهُ مَا جَازَ والبكر مخالفةٌ لها لاختلافهما في لفظ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ولو كانا سواء كان لفظ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنهما أحق بأنفسهما.
وقالت عائشة رضي الله عنها تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وأذا، ابنة سبع سنين ودخل بي وأنا ابنة تسع وهي لا أمر لها وكذلك إذا بلغت ولو كانت أحق بنفسها أشبه أن لا يجوز ذلك عليها قبل بلوغها كما قلنا في المولود يقتل أبوه ويحبس قاتله حتى يبلغ فيقتل أو يعفو ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: النِّكَاحُ الْمَوْقُوفُ لَا يَصْحُ وَلَا يَقَعُ إِلَّا عَلَى إِحْدَى حَالَتَيْنِ مِنْ صِحَّةٍ أَوْ فَسَادٍ، سَوَاءً كَانَ موقوفاً على إجازة الزوجة، أو الزوج أَوِ الْوَلِيِّ، وَكَذَلِكَ الْبَيْعُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُعْقَدَ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ الْبَائِعِ أَوِ الْمُشْتَرِي.
وَقَالَ أبو حنيفة: يَصِحُّ النِّكَاحُ الْمَوْقُوفُ عَلَى إجازة الزوجة، أو الزوج، أو الولي،

وَيَصِحُّ الْبَيْعُ الْمَوْقُوفُ عَلَى إِجَازَةِ الْبَائِعِ دُونَ الْمُشْتَرِي، وَاسْتَدَلَّ بِمَا رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ أَبِي وَنِعْمَ الْأَبُ هُوَ زَوَّجَنِي بِابْنِ أَخٍ لَهُ أَرَادَ أَنْ يَرْفَعَ بِي خَسِيسَتَهُ فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَتْ: قَدِ اخْتَرْتُ مَا فَعَلَ أَبِي وَإِنَّمَا أردت لتعلم النِّسَاءُ أَنْ لَيْسَ إِلَى الْآبَاءِ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، فَلَمَّا خَيَّرَهَا وَالْخِيَارُ لَا يَثْبُتُ فِي اللَّازِمِ وَلَا فِي الْفَاسِدِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ كان موقوفاً على خيارها وإجازتها قال: لأنه لَمَّا جَازَ أَنْ تَكُونَ الْوَصِيَّةُ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ مَوْقُوفَةً عَلَى إِجَازَةِ الْوَارِثِ، وَاللُّقَطَةُ إِذَا تَصَدَّقَ بِهَا الْوَاحِدُ مَوْقُوفَةً عَلَى إِجَازَةِ الْمَالِكِ لِكَوْنِ الْمُجِيزِ لَهُمَا مَوْجُودًا جَازَ أَنْ يَكُونَ النِّكَاحُ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ مَنْ يَكُونُ فِي حَالِ الْوَقْفِ مَوْجُودًا.
وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا: أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ مُجِيزُهُ مَوْجُودًا جَازَ أَنْ يَكُونَ عَلَى إِجَازَتِهِ مَوْقُوفًا كَاللُّقَطَةِ، وَالْوَصِيَّةِ.
قَالَ: وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا عَلَى الْفَسْخِ جَازَ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا عَلَى الْإِجَازَةِ.
وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا: أَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيِ الِاخْتِيَارِ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ الْعَقْدُ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ كَالْفَسْخِ قَالَ: وَلِأَنَّ حَالَ الْعَقْدِ بَعْدَ كَمَالِهِ أَقْوَى مِنْ حَالِهِ قَبْلَ كَمَالِهِ فَلَمَّا جَازَ أَنْ يَكُونَ قبل كماله موقوفاً بعد البذل عَلَى إِجَازَةِ الْقَبُولِ فَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ بَعْدَ كَمَالِهِ مَوْقُوفًا عَلَى الْإِجَازَةِ.
وَتَحْرِيرُهُ: أَنَّهُ أَحَدُ حالتي الْعَقْدِ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا عَلَى الْإِجَازَةِ كَالْحَالِ الْأُولَى.
وَدَلِيلُنَا: حَدِيثُ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " أَيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا باطل فَلَوْ صَحَّ بِالْإِجَازَةِ لَوَقَفَهُ عَلَى إِجَازَةِ الْوَلِيِّ، ولما حكم بإبطاله؛ حدث خَنْسَاءَ بِنْتِ خِدَامٍ أَنْ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ ثَيِّبٌ فَكَرِهَتْ فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نكاحها ولم يقل إلا أن تشاء أَنْ تُجِيزِي مَا فَعَلَ أَبُوكِ مَعَ حَثِّهِ عَلَى طَاعَةِ الْآبَاءِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَوْ أجازته لَمْ يَجُزْ؛ وَلِأَنَّ عَقْدَ الْمَنْكُوحَةِ إِذَا لَمْ تَصِرِ الْمَرْأَةُ بِهِ فِرَاشًا كَانَ فَاسِدًا كَالْمَنْكُوحَةِ في ردة أو عدة.
وقال أبو حنيفة: إِنَّهَا لَوْ جَاءَتْ فِي النِّكَاحِ الْمَوْقُوفِ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ لَمِ يَلْحَقْ بِهِ؛ وَلِأَنَّ مَا انْتَفَتْ عَنْهُ أَحْكَامُ النِّكَاحِ مِنَ الطلاق، والظهار، وَالتَّوَارُثِ لَمْ يَكُنْ نِكَاحًا كَالْمُتْعَةِ.
وَقَدْ قَالَ أبو حنيفة: إِنَّهُ لَا يَلْحَقُهَا فِي زَمَانِ الْوَقْفِ طَلَاقٌ، وَلَا ظِهَارٌ، وَلَا تَوَارُثٌ؛ وَلِأَنَّ ما افتقر إليه عقد النكاح كان تأخره عن العقد مبطلاً للنكاح كالشهادة؛ ولأن اشترط لُزُومِ النِّكَاحِ إِلَى مُدَّةٍ أَقْوَى مِنِ اشْتِرَاطِ لُزُومِهِ بَعْدَ مُدَّةٍ؛ لِأَنَّ مِنَ الْعُقُودِ مَا يَنْعَقِدُ إِلَى مُدَّةٍ كَالْإِجَارَةِ، وَلَيْسَ مِنْهَا مَا يَنْعَقِدُ بَعْدَ مُدَّةٍ، فَلَمَّا بَطَلَ بِاشْتِرَاطِ لُزُومِهِ بعد مد كقوله: تزوجتها شَهْرًا كَانَ أَوْلَى أَنْ يَبْطُلَ بِاشْتِرَاطِ لُزُومِهِ كقوله تزوجتها عَلَى إِجَازَتِهَا؛ لِأَنَّهُ إِذَا بَطَلَ بِمَا لَهُ فِي الصِّحَّةِ نَظِيرٌ فَأَوْلَى أَنْ يَبْطُلَ بِمَا ليس له في الصحة نظير؛ لأن النِّكَاحَ إِذَا اعْتُبِرَ لُزُومُهُ بِشَرْطٍ مُتَيَقَّنٍ بَعْدَ الْعَقْدِ كَانَ أَقْوَى وَأَوْكَدَ مِنِ اعْتِبَارِ لُزُومِهِ بشرط مجوز بَعْدَ الْعَقْدِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: قد

تَزَوَّجْتُكِ الْآنَ إِذَا أَهَلَّ شَهْرُ رَمَضَانَ كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا فَأَوْلَى إِذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى مُدَّةِ إجازتها أن يكون فاسداً إلا أن إِذَا بَطَلَ فِي أَقْوَى الْحَالَيْنِ كَانَ بُطْلَانُهُ فِي أَضْعَفِهِمَا أَوْلَى.
فَأَمَّا الْخَبَرُ الَّذِي اسْتَدَلُّوا به فضعيف، والمشهور من الرواية أنه رد نِكَاحَهَا وَلَمْ يُخَيِّرْهَا، وَلَوْ سَلَّمَنَا أَنَّهُ خَيَّرَهَا لَكَانَ مَحْمُولًا عَلَى وَقْتِ الْفَسْخِ لَا وَقْتَ الْإِمْضَاءِ؛ لِأَنَّ أَبَاهَا قَدْ كَانَ زَوَّجَهَا بِغَيْرِ كُفْءٍ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِوَقْفِ الْوَصِيَّةِ، وَالتَّصَدُّقِ بِاللُّقَطَةِ، فَالْوَصِيَّةُ يَجُوزُ وَقْفُهَا لِجَوَازِهَا بِالْمَجْهُولِ وَالْمَعْدُومِ وَلَيْسَ كَالنِّكَاحِ وَالْبَيْعِ الْبَاطِلَيْنِ عَلَى الْمَجْهُولِ وَالْمَعْدُومِ، وَأَمَّا التَّصَدُّقُ بِاللُّقَطَةِ فَلَا يَجُوزُ وَقْفُهُ بَلْ إِنْ لَمْ يَتَمَلَّكِ اللُّقَطَةَ كَانَتْ فِي يَدِهِ أَمَانَةً لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا، وَإِنْ تَمَلَّكَهَا فتصدق بها كانت عن نفسه وإذا لم يعلم الأجل بَطَلَ الْقِيَاسُ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِجَوَازِ وَقْفِ النِّكَاحِ على الفسخ فكذلك على الإجازة باطل؛ لِأَنَّ الْمَوْقُوفَ عَلَى الْفَسْخِ قَدْ تَعَلَّقَتْ عَلَيْهِ أحكام النكاح فصح الموقوف على الإجازة وقد انْتَفَتْ عَنْهُ أَحْكَامُ النِّكَاحِ فَبَطَلَ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِوَقْفِهِ بَعْدَ الْبَذْلِ وَقَبْلَ الْقَبُولِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّا نَمْنَعُ مِنْ وَقْفِ الْعَقْدِ، وَهُوَ قَبْلَ تَمَامِهِ بِالْبَذْلِ وَالْقَبُولِ لَيْسَ بِعَقْدٍ، فَلَمْ يَجُزْ أن يستدل بوقف ما ليس يَلْزَمُ عَلَى وَقْفِ عَقْدٍ يَلْزَمُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

مسألة

قال الشافعي: " والاستئمار للبكر على استطابة النفس قَالَ اللَّهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ لَا عَلَى أَنَّ لِأَحَدٍ رَدَّ مَا رَأَى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ولكن لاستطابة أنفسهم وليقتدي بسنته فيهم وقد أمر نعيماً أن يؤامر أم بنته ". قال الماوردي: أما الثَّيِّبُ فَاسْتِئْذَانُهَا وَاجِبٌ، لِأَنَّهَا أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وليها وإذنها يكون بالقول الصَّرِيحِ وَأَمَّا الْبِكْرُ فَيَلْزَمُ غَيْرَ الْأَبِ وَالْجَدِّ أن يستأذنها سَوَاءً كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ إِجْبَارُهَا.
وَقَالَ أبو حنيفة، وداود: يلزمه اسْتِئْذَانُهَا اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا وَإِذْنُهَا صِمَاتُهَا ". وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ اسْتِئْذَانَ الْأَبِ لَهَا لَا يَجِبُ وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ جَوَازِ إِجْبَارِهَا عَلَى النِّكَاحِ صَغِيرَةً وَكَبِيرَةً؛ وَمَا رَوَاهُ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ " لَيْسَ لِلْوَلِيِّ مَعَ الثَّيِّبِ أَمْرٌ "، وَالْيَتِيمَةُ وَصَمْتُهَا إِقْرَارُهَا فَلَمَّا خَصَّ الْيَتِيمَةَ بِالِاسْتِئْمَارِ وَهِيَ الَّتِي لَا أَبَ لَهَا دَلَّ عَلَى أَنَّ ذَاتَ الْأَبِ لَا يَلْزَمُ اسْتِئْمَارَهَا.
فَأَمَّا قَوْلُهُ: " والبكر تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا " فَيُحْمَلُ مَعَ غَيْرِ الْأَبِ عَلَى الْإِيجَابِ وَمَعَ الْأَبِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِمُشَاوَرَةِ أُمَّتِهِ فَقَالَ تَعَالَى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ) {آل عمران: 159) لَا عَلَى أَنَّ لِأَحَدٍ رَدَّ مَا رَأَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -.

قَالَ الشَّافِعِيُّ وَلَكِنْ عَلَى اسْتِطَابَةِ أَنْفُسِهِمْ وَلِيَقْتَدُوا بِسُنَّتِهِ فِيهِمْ وَاخْتُلِفَ فِيمَا أُمِرَ بِمُشَاوَرَتِهِمْ فِيهِ فقال قوم: في الحرب ومكائد الْعَدُوِّ خَاصَّةً.
وَقَالَ آخَرُونَ: فِي أُمُورِ الدُّنْيَا دُونَ الدِّينِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: فِي أُمُورِ الدِّينِ تَنْبِيهًا لَهُمْ عَلَى عِلَلِ الْأَحْكَامِ وَطَرِيقِ الِاجْتِهَادِ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " أَمَرَ نُعَيْمًا أَنْ يُؤَامِرَ أُمَّ ابْنَتِهِ، وَقَالَ: وأمروا الأمهات فِي بَنَاتِهِنَّ " وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى اسْتِطَابَةِ أَنْفُسِهِنَّ لا على وجوب استئمارهن، وكذلك استئمار الأب للبكر على استطابة النفس لَا عَلَى الْوُجُوبِ.

فَصْلٌ

فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ اسْتِئْمَارَ الْأَبِ لِابْنَتِهِ الْبِكْرِ اسْتِحْبَابًا فَإِذْنُهَا يَكُونُ بِالصَّمْتِ دُونَ النُّطْقِ بِخِلَافِ الثَّيِّبِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " وصمتها إِقْرَارُهَا ". وَرَوَى ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ إِذَا خُطِبَ إِلَيْهِ إِحْدَى بَنَاتِهِ دَنَا مِنَ الْخُدُورِ وَقَالَ: إِنَّ فُلَانًا خَطَبَ فُلَانَةَ فَإِنْ هِيَ رَضِيَتْ سَكَتَتْ فَكَانَ سُكُوتُهَا رِضَاهَا، وَإِنْ هِيَ أَنْكَرَتْ طَعَنَتْ فِي الْخِدْرِ فَكَانَ ذلك منها إنكاراً فلا يزوجها، ولا البكر أكثر خفراً وَتَحَذُّرًا مِنَ الثَّيِّبِ فَهِيَ تَسْتَحِي مِمَّا لَا تَسْتَحِي مِنْهُ الثَّيِّبُ مِنَ التَّصْرِيحِ بِالرَّغْبَةِ فِي الْأَزْوَاجِ فَجُعِلَ سُكُوتُهَا إِذْنًا وَرِضًا وَلَمْ يُجْعَلْ إِذْنُ الثَّيِّبِ إِلَّا نُطْقًا، فَأَمَّا مَنْ عَدَا الْآبَاءَ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ مَعَ الْبِكْرِ فَعَلَيْهِمُ اسْتِئْمَارُهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُمْ إِجْبَارُهَا وَإِذْنُهَا مَعَهُمُ الصَّمْتُ كَإِذْنِهَا مَعَ الْأَبِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إذنها معهم بِالنُّطْقِ الصَّرِيحِ كَالثَّيِّبِ بِخِلَافِهَا مَعَ الْأَبِ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ مَعَهُمْ فِي وُجُوبِ الِاسْتِئْمَارِ كَالثَّيِّبِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ إِذْنُهَا نُطْقًا صَرِيحًا كَالثَّيِّبِ، وَهَذَا خَطَأٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ عُمُومِ الْأَخْبَارِ، ولما ذَكَرْنَاهُ مِنْ كَثْرَةِ الِاسْتِحْيَاءِ وَلَعَلَّ حَيَاءَهَا مَعَ غير الأب أكثر لقلة مخالطته فكان إذنها معهم بأن يكون صمتها أَوْلَى، وَهَكَذَا السُّلْطَانُ مَعَ الْبِكْرِ كَالْعَصَبَاتِ إِذَا فقدوا لا يزوجوها إِلَّا بَعْدَ بُلُوغِهَا بِإِذْنِهَا وَإِذْنُهَا مَعَهُ الصَّمْتُ وَسَوَاءً كَانَتِ الْبِكْرُ مِمَّنْ قَدْ تَزَوَّجَتْ مَرَّةً وَطُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ، أَوْ لَمْ تَتَزَوَّجْ قَطُّ إذا كانت البكارة باقية في أن حكمها ما ذكرنا مع الأب والعصبات.
الْقَوْلُ فِي الشَّهَادَةِ فِي النِّكَاحِ

مَسْأَلَةٌ (قَالَ المزني) رحمه الله وروى الشافعي عَنِ الْحَسَنُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عدلٍ " ورواه غير الشافعي في عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: ".

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، الشَّهَادَةُ فِي النِّكَاحِ واجبة وقال داود غَيْرُ وَاجِبَةٍ وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طالب وعبد الله بن الزبير، وعمر، وعبد الله بن عباس.
وَمِنَ التَّابِعِينَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، والنخعي.

ومن الفقهاء: أبو حنيفة، والثوري، وأحمد بن حنبل ومالك وَأَبُو ثَوْرٍ غَيْرَ أَنَّ مَالِكًا جَعَلَ الْإِشْهَادَ به وترك التراخي بِكَتْمِهِ شَرْطًا فِي صِحَّتِهِ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاء) {النساء: 3) فكان على عمومه وكما رَوَاهُ عَبَّادُ بْنُ سِنَانٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: ألا أنكحك آمنة بنت ربيعة بن الحارث قال: بلى، قد أنكحتها ولم يشهد، ولما رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا زَوَّجَ بِنْتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ من عمر ولم يشهد.
قالوا: وَلِأَنَّ الْعُقُودَ نَوْعَانِ: عَقْدٌ عَلَى عَيْنٍ كَالْبَيْعِ، وَعَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ كَالْإِجَارَةِ وَلَيْسَتِ الشَّهَادَةُ شَرْطًا فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَكَانَ النِّكَاحُ مُلْحَقًا بِأَحَدِهِمَا.
وَاسْتَدَلَّ مَالِكٌ خُصُوصًا فِي وُجُوبِ الْإِشْهَادِ بِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفِّ "، وَبِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ نَهَى عَنْ نِكَاحِ السِّرِّ.
وَدَلِيلُنَا مَا رَوَاهُ الْحَسَنُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ " وروى ابن مسعود عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ ". وروى هشام بن عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " لَا بُدَّ فِي النِّكَاحِ مِنْ أَرْبَعَةٍ: زَوْجٍ وَوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ "، وَلِأَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ لَمَّا خَالَفَ سَائِرَ الْعُقُودِ فِي تَجَاوُزِهِ عَنِ الْمُتَعَاقِدِينَ إِلَى ثَالِثٍ هُوَ الْوَلَدُ الَّذِي يَلْزَمُ حفظ نسبه خالفها فِي وُجُوبِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ حِفْظًا لِنَسَبِ الْوَلَدِ الغائب لئلا يبطل نسبه فيجاهد الزَّوْجَيْنِ، وَفِي هَذَا انْفِصَالٌ عَمَّا ذَكَرُوهُ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ فِي إِلْحَاقِهِ إِمَّا بِعُقُودِ الْأَعْيَانِ، أَوْ بعقود المنافع.
فأما الجواب عن الأول: فهو أن المقصود بها من يستباح من المنكوحات ولم يرد فِي صِفَاتِ النِّكَاحِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ تَزْوِيجِ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - آمنة بنت ربيعة ولم يشهد وتزوج عَلِيٍّ بِنْتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ولم يشهد فهذا جَوَابٌ وَاحِدٌ وَهُوَ أَنَّهُ حَضَرَ الْعَقْدَ شُهُودٌ لَمْ يَقُلْ لَهُمُ اشْهَدُوا إِذْ يَبْعُدُ أَنْ يَخْلُوَ مَجْلِسُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي حَالِ بُرُوزِهِ مِنْ حُضُورِ نَفْسَيْنِ فَصَاعِدًا وَكَذَلِكَ حَالُ عُمَرَ مَعَ عَلَيٍّ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ لَا يَخْلُو أَنْ يَحْضُرَهُ نَفْسَانِ، وَإِذَا حَضَرَ الْعَقْدَ شَاهِدَانِ بِقَصْدٍ أَوِ اتِّفَاقٍ صَحَّ الْعَقْدُ بِهِمَا وَإِنْ لَمْ يُقَلْ لَهُمَا اشْهَدَا فَلَمْ يَكُنْ فِي الْخَبَرِ دَلِيلٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الرَّاوِي: وَلَمْ يُشْهِدْ، أَيْ لَمْ يَقُلْ لِمَنْ حَضَرَ اشهدوا وَكَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ رَدَّ نِكَاحًا حَضَرَهُ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ فقال هَذَا نِكَاحُ السِّرِّ وَلَا أُجِيزُهُ، وَلَوْ تَقَدَّمْتُ في لَرَجَمْتُ وَفِيهِ تَأْوِيلَانِ:

أَحَدُهُمَا: يَعْنِي لَوْ تَقَدَّمْتُ فِيهِ فَخُولِفْتُ.
وَالثَّانِي: يَعْنِي لَوْ تَقَدَّمْتُ بِالْوَاجِبِ وَتَعَدَّيْتُ إِلَى مَا لَيْسَ بِجَائِزٍ لَرُجِمْتُ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُ مَالِكٍ بِقَوْلِهِ عليه السلام: " وأعلنوا هذا النكاح واضربوا عليه بالدف " ففيه جوابان: أحدهما: أن إعلانه يكون بالشهادة وكيف يكون مكتوماً ما شهده الشُّهُودُ أَمْ كَيْفَ يَكُونُ مُعْلَنًا مَا خَلَا من بينة وشهود.
والجواب الثاني: أن يُحْمَلَ إِعْلَانُهُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ كَمَا حَصَلَ ضَرْبُ الدُّفِّ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ دُونَ الْإِيجَابِ لِمَنْ كَانَ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ، وَإِنْ كَانَ فِي عَصْرِنَا غَيْرَ مَحْمُولٍ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَلَا عَلَى الْإِيجَابِ وَأَمَّا نَهْيُهُ عَنْ نِكَاحِ السِّرِّ فَهُوَ النِّكَاحُ الَّذِي لَمْ يَشْهَدُهُ الشُّهُودُ، أَلَّا تَرَى أَنَّ عُمَرَ رَدَّ نِكَاحًا حَضَرَهُ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ، وَقَالَ: هَذَا نِكَاحُ السِّرِّ وَلَا أُجِيزُهُ.
وَقَالَ الشَّاعِرُ: (وسرك ما كان عند أمري ... وسر الثلاثة غير الخفي)

فَصْلٌ

فَإِذَا ثَبَتَ وُجُوبُ الشَّهَادَةِ فِي النِّكَاحِ وَأَنَّهَا شَرْطٌ فِي صِحَّتِهِ فَلَا يَنْعَقِدُ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ وَلَا يَنْعَقِدُ بِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ.
وَقَالَ أبو حنيفة: يَنْعَقِدُ بِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأتَانِ) {البقرة: 282) فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ؛ وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَصَحَّ بِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ كَسَائِرِ الْعُقُودِ.
وَدَلِيلُنَا قَوْله تَعَالَى: {وَأَشْهِدُوا ذَوِي عَدْلٍ مِنْكُمْ) {الطلاق: 2) فلما أمر بالرجعة بِشَاهِدِينَ وَهِيَ أَخَفُّ حَالًا مِنْ عَقْدِ النِّكَاحِ كَانَ ذَلِكَ فِي النِّكَاحِ أَوْلَى.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ ". فَإِنْ قِيلَ فَإِذَا جُمِعَ بَيْنَ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ غلب في اللغة اللفظ الْمُذَكَّرُ عَلَى الْمُؤَنَّثِ فَلَمْ يَمْنَعْ جَمْعُ الشَّاهِدَيْنَ من أن يكون شاهداً وامرأتين.
قيل: وهذا وإن صح في الجمع؛ لأن المذكر والمؤنث بلفظ التَّثْنِيَةِ يُمْنَعُ مَنْ حَمْلِهِ عَلَى الْجَمْعِ، لِأَنَّ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ مَنْ يَحْمِلُ الْجَمْعَ عَلَى التَّثْنِيَةِ، وَلَيْسَ فِيهِمْ وَلَا فِي الْفُقَهَاءِ مَنْ يَحْمِلُ التَّثْنِيَةَ عَلَى الْجَمْعِ فَإِنْ حَمْلَهُ عَلَى شَاهِدٍ وَامْرَأَةٍ خَالَفَ مَذْهَبَهُ، وَقَوْلَ الْأُمَّةِ، وَإِنْ حَمْلَهُ عَلَى شَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ خَالَفَ لَفْظَ التَّثْنِيَةِ إِلَى الْجَمْعِ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: رَأَيْتُ رَجُلَيْنِ وَقَدْ رَأَى رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ لَمْ يُصَدَّقْ في خبره فبطل ما تأولوه.
من القياس: أن الفروج لا يسوغ فيها البذل وَالْإِبَاحَةُ فَلَمْ يُسْتَبَحْ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ

كَالْقَصَاصِ، وَلِأَنَّ مَا خُصَّ مِنْ بَيْنِ جِنْسِهِ بشاهدين لم يجز أن يكون وَلَا أَحَدُهُمَا امْرَأَةً كَالشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَا، وَلِأَنَّ مَنْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ شُهُودِ النِّكَاحِ بِانْفِرَادِهِمْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ شُهُودِهِ مَعَ غَيْرِهِمْ كَالْعَبِيدِ والكفار.
فأما الْآيَةُ فَمَحْمُولَةٌ عَلَى الْأَمْوَالِ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهَا وَلِتَخْصِيصِ عمومها بما ذكرناه فأما القياس على سائر العقود فمردودة بِمَا فَرَّقَ الشَّرْعُ بَيْنَهُمَا فِي وُجُوبِ الشَّهَادَةِ والله أعلم.

فصل

فإذا تقرر أن النِّكَاحِ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ مِنَ الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ فَلَا يَصِحُّ حَتَّى يَكُونَا عَدْلَيْنِ.
وَقَالَ أبو حنيفة: يَصِحُّ بِفَاسِقَيْنِ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ حضورهما للعقد إنما هو حال فحمل الشَّهَادَةِ وَعَدَالَةُ الشُّهُودِ إِنَّمَا يُرَاعَى وَقْتَ الْأَدَاءِ لا وقت التحمل، ألا ترى لو تحمل شهادة صَبِيٌّ ثُمَّ بَلَغَ أَوْ عَبَدٌ ثُمَّ أُعْتِقَ، أو كافراً ثُمَّ أَسْلَمَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمُ اعْتِبَارًا بِحَالِهِمْ وَقْتَ الْأَدَاءِ لَا وَقْتَ التَّحَمُّلِ كَذَلِكَ شَهَادَةُ الْفَاسِقِينَ في النكاح.
وَتَحْرِيرُهُ: أَنَّهُ تَحَمَّلَ شَهَادَةً عَلَى عَقْدٍ فَجَازَ أن يصح من الفاسقين قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الْعُقُودِ؛ وَلِأَنَّ مَنْ كَانَ شَرْطًا فِي عَقْدِ النِّكَاحِ لَمْ يُرَاعَ فِيهِ العدالة كالزوجين، ولأنه لم يصح النِّكَاحِ بِشَهَادَةِ عَدُوَّيْنِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا عَلَى الزوجين صح أن تنعقد بِشَهَادَةِ فَاسِقِينَ.
وَدَلِيلُنَا قَوْله تَعَالَى: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُواْ ذَوَي عَدْلٍ) {الطلاق: 2) فَلَمَّا شَرَطَ الْعَدَالَةَ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الرَّجْعَةِ وَهِيَ أَخَفُّ كَانَ اشْتِرَاطُهَا فِي النِّكَاحِ المغلط أَوْلَى وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ " وَرَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ وَجَبَتْ فِيهِ الشَّهَادَةُ اعْتُبِرَتْ فِيهِ الْعَدَالَةُ كَالْحُقُوقِ؛ وَلِأَنَّ كُلَّ نَقْصٍ يَمْنَعُ مِنَ الشَّهَادَةِ فِي الْأَدَاءِ وَجَبَ أَنْ يُمْنَعَ انْعِقَادُ النِّكَاحِ بِهَا كَالرِّقِّ وَالْكُفْرِ وَلِأَنَّ كُلَّ مَا لَمْ يَثْبُتْ بِشَهَادَةِ الْعَبْدَيْنِ لَمْ يَثْبُتْ بِشَهَادَةِ الْفَاسِقَيْنِ كَالْأَدَاءِ.
فَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِأَنَّ حُضُورَ الْعَقْدِ حَالُ تَحَمُّلٍ لَا يُرَاعَى فِيهِ الْعَدَالَةُ فَخَطَأٌ، لِأَنَّ الشَّهَادَةَ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ إِنْ كَانَتْ تَحَمُّلًا فَهِيَ تَجْرِي مَجْرَى الْأَدَاءِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَجُوبُهَا في العقد كوجوبها في الأداء.
والثاني: أن يُرَاعَى فِيهِ حُرِّيَّةُ الشُّهُودِ وَإِسْلَامُهُمْ وَبُلُوغُهُمْ كَمَا يراعى في الأداء وإن لم تراع فِي تَحَمُّلِ غَيْرِهِ مِنَ الشَّهَادَاتِ، فَكَذَلِكَ الْفِسْقُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِ عَلَى فِسْقِ الزَّوْجَيْنِ فَهُوَ أَنَّ الْعَدَالَةَ تُرَاعَى فِي الشَّاهِدَيْنِ، وَإِنْ لَمْ تُرَاعَ فِي الْعَاقِدَيْنِ وَلِأَنَّهُ لَمَّا رُوعِيَ حُرِّيَّةُ الشَّاهِدَيْنِ وَإِنْ لَمْ يُرَاعَ حُرِّيَّةُ الزَّوْجَيْنِ كَذَلِكَ فِسْقُ الشَّاهِدِينَ وَأَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى شَهَادَةِ الْعَدُوَّيْنِ فَمَذْهَبُنَا فِي انْعِقَادِ النِّكَاحِ بِهِمَا مَا نذكره من اعتداد حالهما، فإن كانا عدوي لِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ دُونَ الْآخَرِ انْعَقَدَ النِّكَاحُ بِهِمَا؛ لأن شهادتهما

فِي الْأَدَاءِ قَدْ تُقْبِلُ عَلَى مَنْ لَيْسَ له عدوين خالفاً الْفَاسِقَيْنَ إِذْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا لِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ بحال، وإن كَانَا عَدُوَّيْنِ لِلزَّوْجَيْنِ مَعًا فَفِي انْعِقَادِ النِّكَاحِ بهما وجهان لأصحابنا: أحدهما: لا تنعقد كَالْفَاسِقَيْنِ، لِأَنَّ الْأَدَاءَ لَا يَصِحُّ مِنْهُمَا عَلَى أحد الزوجين بحال.
والوجه الثاني: هو ظَاهِرُ مَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأُمِّ إِنَّ النكاح بهما منعقد وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ مِنْهُمَا أَدَاؤُهُ بِخِلَافِ الْفَاسِقَيْنِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْفَاسِقَيْنِ لَا يَصِحُّ مِنْهُمَا أداء هذه الشهادة صح منهما أداء غيرها من الشهادات، وهذا لو كان الشاهدان ابْنَيِ الزَّوْجَيْنِ كَانَا كَالْعَدُوَّيْنِ، لَأَنَّ شَهَادَةَ الْوَلَدِ لِوَالِدِهِ مَرْدُودَةٌ، كَمَا أَنَّ شَهَادَةَ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ مَرْدُودَةٌ، فَإِنْ كَانَا ابْنِي أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ انْعَقَدَ النِّكَاحُ بِهِمَا لِإِمْكَانِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ لِأَحَدِهِمَا وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا ابْنَ الزَّوْجِ وَالْآخَرُ ابْنَ الزَّوْجَةِ فَفِي انْعِقَادِ النِّكَاحِ بِهِمَا الْوَجْهَانِ الْمَاضِيَانِ، ومن أصحابنا مع منع من انعقاد النكاح بِكُلِّ حَالٍ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْعَدُوَّيْنِ بِأَنَّ فيما بغضية لَا تَزُولُ، وَلَيْسَتْ كَالْعَدَاوَةِ الَّتِي قَدْ تَزُولُ والله أعلم بالصواب.

مسألة

(وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ) بِابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ " لَا نكاح إلا بولي مرشدٍ وشاهدي عدلٍ " وأن عمر رد نكاحاً لم يشهد عليه إلا رجل وامرأةٌ فقال " هَذَا نِكَاحُ السِّرِّ وَلَا أُجِيزُهُ وَلَوْ تَقَدَّمْتُ فيه لرجمت " وقال عمر رضي الله عنه " لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ إِلَّا بِإِذْنِ وَلِيِّهَا أَوْ ذي الرأي من أهلها أو السلطان " (قال الشافعي) والنساء محرمات الفروج فلا يحللن إلا بما بَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فبين " وليا وشهوداً وإقرار المنكوحة الثيب وصمت البكر ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ رُشْدُ الْوَلِيِّ فِي النِّكَاحِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ عَقْدِهِ، فَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ فَاسِقًا بَطَلَ عَقْدُهُ عَلَى الظَّاهِرِ من مذهب الشافعي، والمشهور من قوله سواء كَانَ الْوَلِيُّ مِمَّنْ يُجْبِرُ عَلَى النِّكَاحِ كَالْأَبِ أَوْ مِمَّنْ لَا يُجْبِرُ كَالْعَصِبَاتِ.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ: إِنْ كَانَ الْوَلِيُّ مِمَّنْ يُجْبِرُ كَالْأَبِ بَطَلَ عَقْدُهُ بِالْفِسْقِ وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُجْبِرُ كَالْعَصِبَاتِ لَمْ يَبْطُلْ عَقْدُهُ بِالْفِسْقِ لأنه يكون مأموراً كالوكيل.
وقال أَبُو حَنِيفَةَ: فِسْقُ الْوَالِي لَا يُبْطِلُ عَقْدَهُ وَبِهِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَحَكَاهُ قَوْلًا عَنْهُ اسْتِدْلَالًا بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {وَأَنْكِحُواْ الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ) {النور: 32) وَلِأَنَّ من تعين في عقد النكاح لم يعتبر فِيهِ الْعَدَالَةُ كَالزَّوْجِ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ جَازَ أَنْ يَقْبَلَ النِّكَاحَ لِنَفْسِهِ جَازَ أَنْ يَلِيَ عَلَى النِّكَاحِ غَيْرَهُ كَالْعَدْلِ؛ وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ لِلْفَاسِقِ تَزْوِيجُ أَمَتِهِ جَازَ لَهُ تَزْوِيجُ وَلِيَّتِهِ وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يَكُونَ الْكَافِرُ وَلِيًّا فِي نِكَاحِ ابْنَتِهِ فَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ الْفَاسِقُ وَلِيًّا فِي نِكَاحِ ابْنَتِهِ.

وَدَلِيلُنَا: مَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ " وأيما امرأة أنكحها ولي مسخوط عليه فنكاحها باطل.
ورواه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَوْلُهُ: " مُرْشِدٍ " وَلَمْ يَقُلْ رَشِيدٍ يَقْتَضِي أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ فِعْلُ الرُّشْدِ فِي غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَوْجُودٍ فِي نَفْسِهِ، وَهُوَ إِذَا زَوَّجَهَا بِكُفْءٍ كَانَ مُرْشِدًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَشِيدًا.
قِيلَ: هَذَا تَأْوِيلٌ يَفْسَدُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أنه صفة مدح تتعدى عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ وَمَنْ لَيْسَ بِرَشِيدٍ لَا يتوجه إليه مذمة وَلَا يَتَعَدَّى عَنْهُ رُشْدٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّ فِي الخبر الآخر في قوله: وأيما امرأة أنكحها وَلِيٌّ مَسْخُوطٌ عَلَيْهِ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، مَا يُبْطِلُ هَذَا التَّأْوِيلَ، وَلِأَنَّهُ نَقْصٌ يَمْنَعُ مِنَ الشَّهَادَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَمْنَعَ مِنَ الْوِلَايَةِ كَالرِّقِّ؛ وَلِأَنَّهَا ولاية تمنع مِنْهَا الرِّقَّ فَوَجَبَ أَنْ يُمْنَعَ مِنْهَا الْفِسْقُ كَالْوِلَايَةِ عَلَى الْمَالِ؛ وَلِأَنَّ مَنْ تَوَلَّى عَقْدَ النِّكَاحِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ مُنِعَ الْفِسْقُ مَنْ عقده كالحاكم.
فأما الْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ فَهُوَ: أَنَّهَا خِطَابٌ إِمَّا لِلْأَزْوَاجِ فَلَا يَكُونُ فِيهَا دَلِيلٌ، أَوْ لِلْأَوْلِيَاءِ وَلَيْسَ الْفَاسِقُ بِوَلِيٍّ.
وَأَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى الزَّوْجِ فالمعنى في الزوج: أنه يتولى فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَلَمْ يُعْتَبَرْ رُشْدُهُ كَمَا لم تعتبر حُرِّيَّتُهُ وَإِسْلَامُهُ وَالْوَلِيُّ يَتَوَلَّاهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ فَاعْتُبِرَ رُشْدُهُ كَمَا اعْتُبِرَتْ حُرِّيَّتُهُ وَإِسْلَامُهُ وَأَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى الْعَدْلِ فَالْمَعْنَى فِي الْعَدْلِ: أَنَّهُ لَمَّا صَحَّتْ وِلَايَتُهُ عَلَى الْمَالِ صَحَّتْ وِلَايَتُهُ على النكاح والفاسق لما بطلت ولايته على المال بطلت وِلَايَتُهُ عَلَى النِّكَاحِ وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِعَقْدِ الْفَاسِقِ عَلَى أَمَتِهِ فَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ يَعْقِدُهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ أَلَا تَرَاهُ يَمْلِكُ الْمَهْرَ دُونَهَا فَلَمْ تُعْتَبَرْ فِيهِ الْعَدَالَةُ كَالزَّوْجَيْنِ وَالْوَلِيُّ يَعْقِدُهُ في حق غيره فاعتبرت فيه العدالة كالحاكم.
وَأَمَّا وِلَايَةُ الْكَافِرِ فَلِأَنَّهُ عَدْلٌ فِي دِينِهِ وَلَوْ كَانَ فَاسِقًا فِي دِينِهِ وَبَيْنَ أَهْلِ ملة أبطلنا ولايته وكذا كالفاسق في ديننا.

فَصْلٌ

فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ وِلَايَةَ الْفَاسِقِ فِي النكاح باطلة، فالولاية تنقل عنه إلى ما هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ فَإِنْ زَالَ فِسْقُهُ عَادَتِ الْوِلَايَةُ إِلَيْهِ وَانْتَقَلَتْ عَمَّنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ، فلو زوجها الأبعد يعد عَدَالَةِ الْأَقْرَبِ، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِعَدَالَةِ الْأَقْرَبِ أَوْ عَلِمَتِ الزَّوْجَةُ بِهَا أَوِ الزَّوْجُ كَانَ النِّكَاحُ بَاطِلًا، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِعَدَالَةِ الْآخَرِ حَتَّى عُقِدَ الْعَقْدُ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: بَاطِلٌ.
وَالثَّانِي: جَائِزٌ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ فِي الْوَكِيلِ إِذَا عَقَدَ بَعْدَ عَزْلِ موكله قبل علمه.

فَصْلٌ فَلَوْ أَنَّ هَذَا الْوَلِيَّ الْفَاسِقَ وَكَّلَ وكيلاً عدلاً كانت وكالته باطلة؛ لأن الفسق قد زالت عنه الولاية فلم يصح مِنْهُ الْوَكَالَةُ وَلَكِنْ لَوْ كَانَ الْوَلِيُّ عَدْلًا فَوَكَّلَ وَكِيلًا فَاسِقًا فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ لَمَّا أَبْطَلَ الْفِسْقُ وِلَايَةَ الْوَلِيِّ مَعَ قُوَّتِهَا كَانَ أَوْلَى أَنْ يُبْطِلَ وِلَايَةَ الْوَكِيلِ مَعَ ضَعْفِهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ وَيَصِحُّ عَقْدُهُ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ وَالْوَلِيُّ مِنْ وَرَائِهِ لاستدراك ذلك.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ وَكِيلًا لِوَلِيِّ غيرها عَلَى النِّكَاحِ كَالْأَبِ بَطَلَتْ وَكَالَتُهُ بِفِسْقِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ اسْتِئْذَانُهَا فَصَارَتْ وِلَايَةَ تَفْوِيضٍ، وَإِنْ كَانَ وَكِيلًا لِمَنْ لَا يُجْبِرُهَا عَلَى النِّكَاحِ صَحَّتْ وَكَالَتُهُ لِأَنَّهُ لَا يَعْقِدُ إِلَّا عَنِ اسْتِئْذَانِهَا.
فَصْلٌ فَلَوْ كَانَ الْوَلِيُّ أَعْمَى فَفِي صِحَّةِ وِلَايَتِهِ وَجَوَازِ عَقْدِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا تَصِحُّ وِلَايَتُهُ؛ لِأَنَّ الْعَمَى يَمْنَعُهُ مِنْ طَلَبِ الْحَظِّ لِوَلِيَّتِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ وِلَايَتَهُ ثَابِتَةٌ وَعَقْدَهُ صَحِيحٌ، لأن شعيب زَوَّجَ مُوسَى بِابْنَتِهِ، وَكَانَ ضَرِيرًا وَلِأَنَّهُ قَدْ يصل إلى معرفة الحظ بالبحث والسؤال لأن معرفة الحظ لا توصل إِلَيْهِ بِالْمُشَاهَدَةِ وَالْعِيَانِ.
فَإِنْ قِيلَ بِهَذَا الْوَجْهِ صَحَّ عَقْدُهُ وَتَوْكِيلُهُ.
وَإِنْ قِيلَ بِالْوَجْهِ الْأَوَّلِ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ عَقْدُهُ فَهَلْ يَصِحُّ تَوْكِيلُهُ فِيهِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَصِحُّ توكيله؛ لأنه لما لم تصح مِنْهُ مُبَاشَرَتُهُ كَانَ بِأَنْ لَا تَصِحَّ عَنْهُ الاستنابة أَوْلَى.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَصِحُّ مِنْهُ التَّوْكِيلُ فِيهِ وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ مِنْهُ الْمُبَاشَرَةُ لَهُ بِنَفْسِهِ كَبَيْعِهِ وَشِرَائِهِ لَا يَصِحُّ مِنْهُ أَنْ يَتَوَلَّاهُ بنفسه ويصح أن يوكل فيه.

فصل

ولو كَانَ الْوَلِيُّ أَخَرَسًا فَفِي صِحَّةِ وِلَايَتِهِ وَجَوَازِ عَقْدِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ وِلَايَتَهُ بَاقِيَةٌ وَعَقْدَهُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَصِلُ إِلَى مَعْرِفَةِ الْحَظِّ وَقَدْ تَقُومُ إِشَارَتُهُ فِيهِ مَقَامَ النُّطْقِ كَمَا يَقُومُ مَقَامُهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، فَعَلَى هَذَا يَصِحُّ مِنْهُ أَنْ يَتَوَلَّاهُ بِنَفْسِهِ وَأَنْ يُوكِّلَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَصِحُّ مِنْهُ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ إِشَارَتَهُ مُحْتَمَلَةٌ، وَإِذَا أُقِيمَتْ فِي حَقِّ نَفْسِهِ لضرورة مَقَامَ نُطْقِهِ لَمْ تَدْعُ الضَّرُورَةُ إِلَى ذَلِكَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ فَعَلَى هَذَا لَا يَصِحُّ مِنْهُ التَّوْكِيلُ وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى فِي احتمال الإشارة موجود في توكيله لوجوده فِي عَقْدِهِ فَلَمْ يَصِحَّا مِنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فصل فأما إن كان الولي عدواً للزوجة، أو الزوج، أَوْ لَهُمَا فَهُوَ عَلَى وِلَايَتِهِ وَعَقْدُهُ صَحِيحٌ بِخِلَافِ الشُّهُودِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْوَلِيِّ مُبَاشَرَةُ الْعَقْدِ وَمِنَ الشُّهُودِ الْأَدَاءُ، وَالْعَدَاوَةُ تَمْنَعُ مِنَ الْأَدَاءِ وَلَا تَمْنَعُ مِنَ العقد.

فإن قيل: فإذا كان عدواً لهما وَضَعَهَا فِي غَيْرِ كفءٍ.
قِيلَ: رُشْدُهُ وَمَا يخافه من لحوق العار به يمنع من هذا التوهم.

فصل

فإذا كَانَ الْوَلِيُّ مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِالْفَلَسِ.
فَإِنْ قِيلَ: إن حجره جاري مجرى الْمَرَضِ كَانَ عَلَى وِلَايَتِهِ.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى حَجْرِ السَّفَهِ، فَفِي وِلَايَتِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا وِلَايَةَ لَهُ كَالسَّفِيهِ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ الْأَصَحُّ أَنَّهُ عَلَى وِلَايَتِهِ، لأن حجره وإن جرى مجرى حجر السفه في ماله لم يجز مجراة في عدالته والله أعلم.

مسألة

قال الشافعي: " والشهود عَلَى الْعَدْلِ حَتَّى يُعْلَمَ الْجَرْحُ يَوْمَ وَقْعِ النِّكَاحِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَالْعَدَالَةُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي شُهُودِ النِّكَاحِ عِنْدَ عَقْدِهِ هِيَ عَدَالَةُ الظَّاهِرِ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ فِي إِثْبَاتِ الْحُقُوقِ عِنْدَ الْحَاكِمِ الَّتِي يُرَاعَى فِيهَا عَدَالَةُ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ فِي إِثْبَاتِ الْحُقُوقِ عند الحاكم خَصْمًا جَاحِدًا فَاسْتُكْشِفَ لِأَجْلِهِ عَنْ عَدَالَةِ الْبَاطِنِ، وَلَيْسَ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ هَذَا الْمَعْنَى فَلَمْ تُعْتَبَرْ إِلَّا عَدَالَةُ الظَّاهِرَ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْحَاكِمَ يقدر من استبرأ العدالة في الباطن مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الزَّوْجَانِ فَسَقَطَ اعْتِبَارُ ذَلِكَ عَنْهُمَا وَإِنْ لَمْ يَسْقُطْ عَنِ الْحَاكِمِ، وإذا كان ذلك فَعَدَالَةُ الظَّاهِرِ اجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ، وَالْإِقْلَالُ مِنَ الصَّغَائِرِ فإن عَقَدَ الزَّوْجَانِ نِكَاحًا بِشَاهِدِينَ لَمْ يَخْلُ حَالُهُمَا مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَا عَدْلَيْنِ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ فَعَقْدُ النِّكَاحِ بِهِمَا صَحِيحٌ لِعَدَالَةِ ظَاهِرِهِمَا وَإِثْبَاتُهُ عِنْدَ الْحُكَّامِ جَائِزٌ لِعَدَالَةِ بَاطِنِهِمَا.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَا عَدْلَيْنِ فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ فَعَقْدُ النِّكَاحِ بِهِمَا صَحِيحٌ لعدالة ظاهرهما لكن إثباته عِنْدَ الْحُكَّامِ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِاسْتِبْرَاءِ عَدَالَةِ بَاطِنِهِمَا فَيَكْشِفُ عَنْ عَدَالَةِ الْبَاطِنِ وَقْتَ الْأَدَاءِ لَا وَقْتَ الْعَقْدِ، فَإِنْ صَحَّتْ لِلْحَاكِمِ حَكَمَ بِشَهَادَتِهِمَا فِي الْأَدَاءِ، وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ لَمْ يَحْكُمْ بِشَهَادَتِهِمَا فِي الْأَدَاءِ، وَالنِّكَاحُ عَلَى حَالِهِ من الصِّحَّةِ مَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُمَا تَقَدُّمُ الْفِسْقِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَا فَاسِقَيْنِ فَالْعَقْدُ بَاطِلٌ، فَلَوْ ظَهَرَتْ عَدَالَتُهُمَا بَعْدَ الْعَقْدِ مَعَ تَقَدُّمِ الفسق وقت العقد كَانَ الْعَقْدُ عَلَى فَسَادِهِ.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَا مَجْهُولَيِ الْحَالِ لَا يُعْرَفُ فِيهِمَا عَدَالَةٌ وَلَا فِسْقٌ فَهُمَا عَلَى ظَاهِرِ الْعَدَالَةِ وَالنِّكَاحُ بِهِمَا جَائِزٌ، لِأَنَّ الْأَصْلَ الْعَدَالَةُ وَالْفِسْقُ طَارِئٌ، وهو معنى قول الشافعي: والشهود على العدل حتى يعلم الحرج يَوْمَ وَقْعِ النِّكَاحِ وَإِذَا صَحَّ الْعَقْدُ بِهِمَا مَعَ الْجَهَالَةِ بِحَالِهِمَا لَمْ يَحْكُمِ الْحَاكِمُ بِهِمَا من إِثْبَاتِ الْعَقْدِ عِنْدَهُ إِلَّا بَعْدَ اسْتِبْرَاءِ حَالِهِمَا في الظاهر والباطن فإذا استبرأهما لَمْ يَخْلُ حَالُهُمَا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ مِنْ ثَلَاثَةِ أقسام:

أَحَدُهَا: أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ عَدَالَةُ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا فيحكم بها فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ وَفِي ثُبُوتِهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ عَدَالَةُ ظَاهِرِهِمَا دُونَ بَاطِنِهِمَا فَلَا يَحْكُمُ بِهِمَا فِي ثُبُوتِ الْعَقْدِ فَإِنْ شهد بعقد النكاح بهما شاهدا عدل حينئذٍ بِثُبُوتِ الْعَقْدِ وَصِحَّتِهِ فَيَكُونُ صِحَّةُ الْعَقْدِ بِهِمَا بِعَدَالَةِ ظَاهِرِهِمَا وَثُبُوتُهُ بِشَهَادَةِ غَيْرِهِمَا.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ فِسْقُهُمَا فَلَا يَخْلُو حال الفسق من ثلاثة أقسام: أحدهما: أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ وُجُودُ الْفِسْقِ وَقْتَ الْعَقْدِ فالنكاح باطل.
والقسم الثاني: أن يتبن لَهُ حُدُوثُ الْفِسْقِ بَعْدَ الْعَقْدِ فَالْعَقْدُ عَلَى الصِّحَّةِ وَلَا يَفْسُدُ بِحُدُوثِ فِسْقِهِمَا لَكِنْ لَا يَحْكُمُ بِثُبُوتِهِ عِنْدَهُ إِلَّا أَنْ يَشْهَدَ بِهِ عدلان أنه عقد بهما فيحكم حينئذ ثبوته.
فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَشْهَدُ بِعَقْدِ النِّكَاحِ بِهِمَا عدلان غيرهما؟ ولو حضره عدلان غيرهما لاستغى بِهِمَا عَنْ غَيْرِهِمَا.
قِيلَ: قَدْ يَجُوزُ أَنْ يُقِرَّ الزَّوْجَانِ عِنْدَ عَدْلَيْنِ أَنَّهُمَا عَقَدَا النِّكَاحَ بِهَذَيْنِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ فِسْقُهُمَا فِي الْحَالِ وَلَا يَعْلَمُ تَقَدُّمَهُ وَلَا حُدُوثَهُ والنكاح عَلَى الصِّحَّةِ لَا يَحْكُمُ بِفَسَادِهِ لِجَوَازِ حُدُوثِ الْفِسْقِ مَعَ سَلَامَةِ الظَّاهِرِ وَقْتَ الْعَقْدِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ " حَتَّى يُعْلَمَ الْجَرْحُ وَقْتَ الْعَقْدِ " وَإِذَا لَمْ يَحْكُمُ بِفَسَادِهِ لَمْ يَحْكُمْ بإثباته إِلَّا بِشَهَادَةِ غَيْرِهِمَا.

فَصْلٌ

فَإِذَا أَقَرَّ الزَّوْجَانِ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَنَّهُمَا عَقَدَا النِّكَاحَ بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ وشاهدي عدل حكم عليهما بصحة النكاح بناء على إقرارهما وَلَمْ يَسْأَلْ عَنْ عَدَالَةِ الشَّاهِدِينَ وَرُشْدِ الْوَلِيِّ فلو تناكر الزوجان من بعد أو ادَّعَى أَحَدُهُمَا سَفَهَ الْوَلِيِّ وَفِسْقَ الشَّاهِدِينَ أَلْزَمَهُ صِحَّةُ النِّكَاحِ بِسَابِقِ إِقْرَارِهِ وَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ حُدُوثُ إِنْكَارِهِ فَلَوْ قَالَ: أَنَا أُقِيمُ الْبَيِّنَةَ بما ادعيت من سفه الولي وفسق الشاهدين لم يسمعهما منه؛ لأن إِقْرَارَهُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْلَى مِنْ بَيِّنَةٍ أُكَذِّبُهَا بِهِ.

فَصْلٌ

وَإِذَا تَصَادَقَ الزَّوْجَانِ أَنَّهُمَا عَقَدَاهُ بَوْلِيٍّ وَشَاهِدِي عَدْلٍ، وَقَالَ الشَّاهِدَانِ بَلْ كُنَّا وَقْتَ الْعَقْدِ فَاسْقِينَ حَكَمَ بِصِحَّةِ النِّكَاحِ بِإِقْرَارِ الزوجين ولم يلتفت إلى قول الشاهدين فلو اختلف الزوجان فقالت الزوجة: عقدناه بشاهدين فاسقين، وَقَالَ الزَّوْجُ: عَقَدْنَاهُ بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وهو قول الْبَغْدَادِيِّينَ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الزَّوْجِ أَنَّهُمَا عَدْلَانِ وَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَصْحِبٌ لِظَاهِرِ الْعَدَالَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الزَّوْجَةِ إِنَّهُمَا فَاسِقَانِ وَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهَا مُسْتَصْحِبَةٌ أَنْ لَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا، وَلَوْ قَالَ الزَّوْجُ: كَانَ الشَّاهِدَانِ فَاسِقِينَ وَقَالَتِ الزَّوْجَةُ: كَانَا عَدْلَيْنِ، فَالنِّكَاحُ قَدِ ارْتَفَعَ بَيْنَهُمَا بِإِقْرَارِ الزَّوْجِ وَلَكِنْ فِي سُقُوطِ الْمَهْرِ وجهان:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَهْرَ لَا يَسْقُطُ تَغْلِيبًا لِقَوْلِ الزوجة لاستصحابها ظاهر العدالة.
والوجه الثاني: قد سقط الْمَهْرُ تَغْلِيبًا لِقَوْلِ الزَّوْجِ لِاسْتِصْحَابِهِ أَنْ لَا عقد بينهما والله أعلم.

فصل

فإذا تَصَادَقَ الزَّوْجَانِ أَنَّهُمَا تَنَاكَحَا بِوِلَايَةِ الْأَبِ وَأَنَّ الْأَبَ زَوَّجَهَا مِنْهُ وَأَنْكَرَ الْأَبُ أَنْ يَكُونَ زَوَّجَهَا فَالنِّكَاحُ ثَابِتٌ بِتَصَادُقِهِمَا وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ إِنْكَارُ الْأَبِ أَنَّهُ مَا عَقَدَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا لَا لِلْأَبِ فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ إِنْكَارُ الْأَبِ، وَهَكَذَا لَوْ تَصَادَقَا أَنَّهُمَا عَقَدَاهُ بِشَاهِدَيْنِ هُمَا زَيْدٌ وَعَمْرٌو، فَأَنْكَرَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو أَنْ يَكُونَا حَضَرَاهُ فَالنِّكَاحُ ثَابِتٌ بِتَصَادُقِ الزَّوْجَيْنِ وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ إِنْكَارُ الشَّاهِدِينَ، لِأَنَّ الْحَقَّ فِيهِ لِلزَّوْجَيْنِ دُونَ الشَّاهِدَيْنِ.
فَصْلٌ وَلَا يَصِحُّ النِّكَاحُ بِحُضُورِ الشَّاهِدِينَ حَتَّى يَسْمَعَا لَفْظَ الْوَلِيِّ بِالْبَذْلِ وَلَفْظَ الزَّوْجِ بِالْقَبُولِ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ فَإِنْ سَمِعَا مَعَ الْبَذْلِ وَالْقَبُولِ ذِكْرَ الصَّدَاقِ شَهِدَا بِهِ وَبِالْعَقْدِ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعَا ذِكْرَ الصَّدَاقِ شَهِدَا بِالْعَقْدِ دُونَ الصَّدَاقِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَا بِالصَّدَاقِ بِظَاهِرِ الْأَخْبَارِ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ.

مسألة

قال الشافعي: " ولو كَانَتْ صَغِيرَةً ثَيِّبًا أُصِيْبَتْ بنكاحٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا تُزَوَّجُ إِلَّا بِإِذْنِهَا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.
وَالنِّسَّاءُ ضَرْبَانِ: أَبْكَارٌ، وَثَيِّبٌ.
فَأَمَّا الْأَبْكَارُ فَقَدْ مَضَى حُكْمُهُنَّ وَسَنَذْكُرُهُ مِنْ بَعْدُ.
وَأَمَّا الثَّيِّبُ فَضَرْبَانِ: عَاقِلَةٌ، وَمَجْنُونَةٌ.
فَأَمَّا الْعَاقِلَةُ فَضَرْبَانِ: صَغِيرَةٌ وَكَبِيرَةٌ فَأَمَّا الْكَبِيرَةُ فَلَا يَجُوزُ إِجْبَارُهَا وَلَا تَزْوِيجُهَا إِلَّا بِاخْتِيَارِهَا وَعَنْ إِذْنِهَا سَوَاءً كَانَ وَلِيِّهُا أَبًا أَوْ عُصْبَةً، وَإِذْنُهَا النُّطْقُ الصَّرِيحُ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الثَّيِّبُ الصَّغِيرَةُ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ أَوْلِيَائِهَا أَبًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا إِلَّا بَعْدَ بُلُوغِهَا وَإِذْنِهَا، فَإِنْ زَوَّجَهَا قَبْلَ الْبُلُوغِ بِإِذْنٍ أَوْ بِغَيْرِ إِذْنٍ كَانَ النِّكَاحُ بَاطِلًا.
وَقَالَ أبو حنيفة: يَجُوزُ أَنْ يُزَوِّجَهَا جَمِيعُ أَوْلِيَائِهَا قَبْلَ الْبُلُوغِ فَإِنْ زَوَّجَهَا أَبُوهَا فَلَا خِيَارَ لَهَا إِذَا بَلَغَتْ وَإِنْ زَوَّجَهَا غَيْرُ أَبِيهَا مِنَ الْعَصَبَاتِ كانت بالخيار إذا بلغت بين المقام والفسخ.
وَقَالَ أبو يوسف: لَا خِيَارَ لَهَا فِي تَزْوِيجِ الْعَصَبَاتِ كَمَا لَمْ يَكُنْ لَهَا الْخِيَارُ فِي تَزْوِيجِ الْأَبِ وَاسْتَدَلُّوا عَلَى جَوَازِ تَزْوِيجِهَا قَبْلَ الْبُلُوغِ بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {وَأَنْكِحُوا الأيَامَى مِنْكُمْ) {النور: 32) وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ ثَبَتَتْ عَلَيْهِ الْوِلَايَةُ فِي مَالِهِ جَازَ إِجْبَارُهُ عَلَى النِّكَاحِ كَالْبِكْرِ الصَّغِيرَةِ وَكَالْغُلَامِ وَلِأَنَّ لَهَا مَنْفَعَتَيْنِ اسْتِخْدَامٌ، واستمتاع، فلما كان لولي العقد على استخدام منفعتها بالإجازة جَازِ لَهُ الْعَقْدُ عَلَى مَنْفَعَةِ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا بالنكاح.
وتحريره: أنها إحدى منفعتيها فجاز العقد عليها قبل بلوغها كالإجازة.

ودليلنا قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مَنْ وَلِيِّهَا، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ إِجْبَارُهَا لِأَنَّهُ يَصِيرُ أَحَقَّ بِهَا مِنْ نفسها، وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَيْسَ لِلْوَلِيِّ مَعَ الثَّيِّبِ أَمْرٌ " فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ فِي الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ؛ وَلِأَنَّ كُلَّ صِفَةٍ خرج بها الولي عن كمال الولاية قبل البلوغ قِيَاسًا عَلَى عِتْقِ الْأَمَةِ لَمَّا كَانَ حُدُوثُهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ مَانِعًا مِنْ إِجْبَارِهَا عَلَى النِّكَاحِ كَانَ حُدُوثُهُ قبل البلوغ مانعاً من إجبارها وعليه، ولأنها حرة سليمة ذهبت عدتها بِجِمَاعٍ فَلَمْ يَجُزْ إِجْبَارُهَا عَلَى النِّكَاحِ كَالْكَبِيرَةِ.
فَأَمَّا الْآيَةُ إِنْ حُمِلَتْ عَلَى الْأَوْلِيَاءِ فَمَخْصُوصَةٌ بِمَا ذَكَرْنَا.
وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْبِكْرِ وَالْغُلَامَ اعْتِبَارًا بِالْوِلَايَةِ عَلَى الْمَالِ فَلَا يَجُوزُ اعْتِبَارُ الولاية بِالْوِلَايَةِ عَلَى النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ الْمَالِ أَوْسَعُ لِثُبُوتِهَا لِلْوَصِيِّ الَّذِي لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى النِّكَاحِ، ثُمَّ الْمَعْنَى فِي الْبِكْرِ وَالْغُلَامِ أَنَّهُ لما لم يثبت لهما خيار جاز إجبارهم وَلَيْسَ كَالثَّيِّبِ لِثُبُوتِ الْخِيَارِ لَهَا عندهم وَأَمَّا استدلالهم بمنفعة الاستخدام فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الِاسْتِمْتَاعِ أَنْ مُدَّةَ الِاسْتِخْدَامِ مقررة بِأَمَدٍ يَنْقَضِي يَصِلُ إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ الْعَقْدِ بَعْدَ بُلُوغِهَا وَمُدَّةُ الِاسْتِمْتَاعِ مُؤَيَّدَةٌ وَهِيَ لَا تَصِلُ إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ الْعَقْدِ بَعْدَ بُلُوغِهَا فافترقا.

فَصْلٌ

فَأَمَّا الثَّيِّبُ الْمَجْنُونَةُ فَلَهَا حَالَتَانِ: صَغِيرَةٌ، وَكَبِيرَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً جَازَ لِأَبِيهَا إِجْبَارُهَا عَلَى النِّكَاحِ لِلْإِيَاسِ مِنْ صِحَّةِ إِذْنِهَا إِلَّا أن يكون مِمَّنْ تُجَنُّ فِي زَمَانٍ وَتُفِيقُ فِي زَمَانٍ فَلَا يَجُوزُ إِجْبَارُهَا لِإِمْكَانِ اسْتِئْذَانِهَا فِي زَمَانِ إفاقتها وإنما يجوز إجبارها إذا طبق الْجُنُونُ بِهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِهَذِهِ أَبٌ زَوَّجَهَا الْحَاكِمُ، وَلَا يَكُونُ لِأَحَدٍ مِنْ عَصَبَتِهَا تَزْوِيجُهَا؛ لِأَنَّهَا مُلْحَقَةٌ بِوِلَايَةِ الْمَالِ الثَّابِتَةِ بَعْدَ الأب والجد وللحاكم دُونَ الْعَصَبَةِ، فَإِنْ كَانَتِ الثَّيِّبُ الْمَجْنُونَةُ صَغِيرَةً لَمْ يَجُزْ لِغَيْرِ الْأَبِ وَالْجَدِّ إِجْبَارُهَا مِنْ حَاكِمٍ وَلَا عَصَبَةٍ، وَهَلْ لِلْأَبِ وَالْجَدِّ إِجْبَارُهَا إذا كان ما يؤس الْبُرْءُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَهُ إِجْبَارُهَا قِيَاسًا عَلَى مَا بَعْدَ الْبُلُوغِ وَإِنَّهُ رُبَّمَا كَانَ لها الزَّوْجِ عَفَافٌ وَشِفَاءٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَيْسَ لَهُ إِجْبَارُهَا قَبْلَ الْبُلُوغِ وَإِنْ جَازَ لَهُ إِجْبَارُهَا بعد البلوغ لأن برئها قبل البلوغ إرجاء وَالْإِيَاسُ مِنْهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ أَقْوَى فَمُنِعَ مِنْ إِجْبَارِهَا لِيَقَعَ الْإِيَاسُ مِنْ بُرْئِهَا.

فَصْلٌ

فَإِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ حُكْمِ الثَّيِّبِ وَأَنَّهَا مُفَارَقَةٌ لِلْبِكْرِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْبِكْرَ تجبر والثيب لا تجبر.
والثاني: أَنَّ إِذَنَ الْبِكْرِ الصَّمْتُ، وَإِذْنَ الثَّيِّبِ النُّطْقُ وجب أن نصف الثَّيِّبَ بِمَا تَمْتَازُ بِهِ عَنِ الْبِكْرِ.
وَالثَّيِّبُ: هِيَ الَّتِي زَالَتْ عُذْرَتُهَا، وَزَوَالُ الْعُذْرَةِ عَلَى ثلاثة أقسام: أحدها: أن يزول بوطء.
والثاني: أن تزول بظفرة أَوْ جِنَايَةٍ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ تَزُولَ خِلْقَةً وَهِيَ أَنَّ تُخْلَقَ لَا عُذْرَةَ لَهَا.

فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنْ تَزُولَ عُذْرَتُهَا بِوَطْءٍ، فَالْوَطْءُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ حَلَالًا إِمَّا فِي عَقْدِ نِكَاحٍ، أَوْ بِمِلْكِ يَمِينٍ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ شُبْهَةً.
وَالثَّالِثُ: أن يكون زنى حراماً وجميع ذلك يزول به الْبِكَارَةِ سَوَاءً كَانَ الْوَطْءُ بِنِكَاحٍ، أَوْ سِفَاحٍ وَيَجْرِي عَلَيْهَا حُكْمُ الثَّيِّبِ.
وَقَالَ أبو حنيفة: إِذَا زَالَتْ عُذْرَتُهَا بِزِنًا كَانَتْ فِي حُكْمِ البِكْر إِلَّا أَنْ يَتَكَرَّرَ مِنْهَا اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ الزَّانِيَةَ إِذَا تَذَكَّرَتْ مَا فَعَلَتْ مِنَ الزِّنَا خجلت واستحييت مِنَ التَّصْرِيحِ بِطَلَبِ الْأَزْوَاجِ فَكَانَ حَالُهَا أَسْوَأَ حَالًا مِنَ الْبِكْرِ، وَلِأَنَّ كُلَّ وَطْءٍ لَا يُبِيحُ الرَّجْعَةَ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ لَمْ يَزُلْ بِهِ حُكْمُ الْبَكَارَةِ كَالْوَطْءِ فِي غَيْرِ الْقُبُلِ.
وَدَلِيلُنَا قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَيْسَ لِلْوَلِيِّ مَعَ الثَّيِّبِ أَمْرٌ " فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ وَلِأَنَّ بَكَارَتَهَا زَالَتْ بِوَطْءٍ فَوَجَبَ أَنْ تكون في حكم الثيب كالموطؤة فِي نِكَاحٍ، وَلِأَنَّ كُلَّ وَطْءٍ زَالَتْ بِهِ الْبَكَارَةُ إِذَا كَانَ حَلَالًا زَالَتْ بِهِ الْبَكَارَةُ، وَإِنْ كَانَ مَحْظُورًا كَوَطْءِ الشُّبْهَةِ، وَلِأَنَّ كُلَّ وَطْءٍ زَالَتْ بِهِ الْبَكَارَةُ إِذَا تَكَرَّرَ زَالَتْ بِهِ الْبَكَارَةُ وَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ كَالْمَنْكُوحَةِ، وَقَدْ قال: إنه لو تكرر منها الزنا صارت ثيباً وكذلك إِذَا لَمْ يَتَكَرَّرُ وَلِأَنَّ صَمْتَ الْبِكْرِ إِنَّمَا صار إذناً لاستحيائها بدوام الخفر وقلة اختيارها لِلرِّجَالِ فَتَمَيَّزَتْ عَنِ الثَّيِّبِ الَّتِي قَدْ ظَهَرَ خفرها وخبرت الرِّجَالَ فَصَارَتْ أَقَلَّ حَيَاءً مِنَ الْبِكْرِ وَالزَّانِيَةُ لَمْ تُقْدِمْ عَلَى الزِّنَا إِلَّا لِزَوَالِ الْحَيَاءِ وَارْتِفَاعِ الْخَفْرِ فَصَارَتْ أَجْرَأَ عَلَى الْقَوْلِ وَأَخْبَرَ بالرجال من ذات الزَّوْجِ، وَفِي هَذَا الِاسْتِدْلَالِ انْفِصَالٌ عَمَّا أَوْرَدَهُ فأما قِيَاسُهُ مَعَ انْتِقَاضِهِ بِتَكْرَارِ الزِّنَا فَالْمَعْنَى فِي الوطء في غير القبل بقاء العذرة مفارق الزنا الذي زالت به العذرة في الوطء في غير القبل.

فصل

وأما زَوَالُ الْعُذْرَةِ بِإِصْبَعٍ أَوْ ظُفْرَةٍ أَوْ جِنَايَةٍ غَيْرِ الْوَطْءِ، فَقَدْ ذَهَبَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ خيران من أصحابنا إلى أنه رُفِعَ حُكْمُ الْبَكَارَةِ اسْتِدْلَالًا بِمَذْهَبٍ وَحِجَاجٍ.
فَالْمَذْهَبُ أن الشافعي قال: أصيبت بنكاح أو غيره.
وَأَمَّا الْحِجَاجُ فَهُوَ: أَنَّ الْحُكْمَ تَابِعٌ لِلِاسْمِ فَلِمَّا زَالَ بِذَلِكَ اسْمُ الْبَكَارَةِ وَجَبَ أَنْ يَزُولَ بِهِ حُكْمُ الْبَكَارَةِ وَهَذَا خَطَأٌ بَلْ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَسَائِرِ أَصْحَابِهِ أَنَّ حُكْمِ الْبَكَارَةِ جَارٍ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ صَمْتَ الْبِكْرِ إِنَّمَا كَانَ نطقاً لما هي عَلَيْهِ مِنَ الْحَيَاءِ وَعَدَمِ الْخِبْرَةِ بِالرِّجَالِ وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي هَذِهِ الَّتِي زَالَتْ عُذْرَتُهَا بِغَيْرِ وَطْءٍ فَلَمَّا وُجِدَ مَعْنَى الْبِكْرِ فِيهَا وَجَبَ أَنْ يُعَلَّقَ بِهَا حُكْمُ الْبِكْرِ، وَتَعْلِيقُ أَحْكَامُ الْبِكْرِ بِمَعَانِي الْأَسْمَاءِ أَوْلَى مِنْ تَعْلِيقِهَا بِمُجَرَّدِ الْأَسْمَاءِ، وَفِيهِ انْفِصَالٌ، وَمَا ادَّعَاهُ مِنَ المذهب فقد زال فِيهِ، لِأَنَّ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ: " أُصِيبَتْ بِنِكَاحٍ أَوْ غَيْرِهِ " يَعْنِي أَوْ غَيْرِ نِكَاحٍ مِنْ شُبْهَةٍ، أَوْ زِنًا وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي كِتَابِ " الأم ". وأما التي زالت عُذْرَتُهَا خِلْقَةً فَلَا خِلَافَ أَنَّهَا فِي حُكْمِ الْبِكْرِ وَهَذَا مِمَّا يُوَضِّحُ فَسَادَ قَوْلِ ابْنِ خَيْرَانَ حَيْثُ اعْتَبَرَ الْحُكْمَ بِمُجَرَّدِ الِاسْمِ.

فَصْلٌ

فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا وَأَرَادَ الْوَلِيُّ نكاح الْمَرْأَةِ فَذَكَرَتْ أَنَّهَا بِكْرٌ قَبِلَ قَوْلَهَا مَا لَمْ يَعْلَمْ خِلَافَهُ وَأَجْرَى عَلَيْهَا حُكْمَ الْبِكْرِ، فَإِنْ قَالَتْ: أَنَا ثَيِّبٌ قَبِلَ قَوْلَهَا، وَإِنْ لم يعلم لها زوج تقدم ولم يسأل عَنِ الْوَطْءِ الَّذِي صَارَتْ بِهِ ثَيِّبًا وَأَجْرَى عَلَيْهَا حُكْمَ الثَّيِّبِ، فَلَوْ زَوَّجَهَا الْأَبُ بِغَيْرِ إِذَنٍ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهَا بِكْرٌ فَادَّعَتْ بَعْدَ عَقْدِهِ أَنَّهَا ثَيِّبٌ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا فِي إِبْطَالِ النِّكَاحِ بَعْدَ وُقُوعِهِ عَلَى ظَاهِرِ الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهَا الْبَكَارَةُ، فَإِنْ أَقَامَتْ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ شهدن لها أنهن شاهدنها قبل النكاح ثيباً لم يبطل العقد إمضاء لجواز أن تكون عذرتهازالت بظفرة، أو اصبع، أو حلقة.

مسألة

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " ولا يزوج البكر بغير إذنها ولا يزوج الصَّغِيرَةُ إِلَّا أَبُوهَا أَوْ جَدُّهَا بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهَا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ نِكَاحَ الْبِكْرِ مُعْتَبَرٌ بِأَوْلِيَائِهَا وَنِكَاحَ الثَّيِّبِ مُعْتَبَرٌ بِنَفْسِهَا؛ لِأَنَّ الثيب لا تزوج مع الْأَوْلِيَاءِ إِلَّا بِإِذْنِهَا وَالْبِكْرَ يُجْبِرُهَا عَلَيْهِ بَعْضُ أوليائها، وإن كانت كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُ وَلِيُّ الْبِكْرِ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَبًا أَوْ عَصَبَةً فَإِنْ كَانَ وَلَيُّهَا أباً وزوجها جبراً سواء كانت صغيرة أو كبيرة أو عَاقِلَةً أَوْ مَجْنُونَةً، وَهَكَذَا الْجَدُّ بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ يَقُومُ فِي إِجْبَارِهَا مَقَامَ الْأَبِ لَكِنِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ قَامَ مَقَامَ الْأَبِ لِأَنَّهُ مشارك له في اسم الأب، أو لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْأَبِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لِأَنَّهُ مُشَارِكٌ لَهُ فِي الِاسْمِ؛ لِأَنَّهُمَا يُسَمَّيَانِ أَبًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {مِلَةَ أَبِيكُمْ إبْرَاهِيمَ) {الحج: 78) . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْأَبِ وَإِنْ لَمْ يُشَارِكْهُ فِي الِاسْمِ لِمَا فِيهِ من صفتي الأب التي تميز بها عن سائر الأولياء، وهما الولادة، والتعصب، فبالولادة تميز عن الإخوة، وبالتعصب تَمَيَّزَ عَنِ الْجَدِّ لِلْأُمِّ، وَإِنْ كَانَ وَلِيُّ الْبِكْرِ عَصَبَةً رُوعِيَ حَالُهَا حينئذٍ، فَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْ عَصَابِتِهَا تَزْوِيجُهَا سواء كانت عاقلة أو مجنونة وإن كانت كبيرة زوجها أقرب عصبتها إِنْ كَانَتْ عَاقِلَةً بِاخْتِيَارِهَا وَعَنْ إِذْنِهَا وَإِنْ كانت مجنونة لم يزوجوها؛ لِأَنَّ تَزْوِيجَهَا فِي الْجُنُونِ مُعْتَبَرٌ بِالنَّظَرِ فِي مصالحها ولا نظر للعصبات في مصالحها، وَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ وِلَايَةٌ فِي حَالِهَا وَإِنْ كَانَ وَلِيُّ الْبِكْرِ الْحَاكِمَ، فَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً لَمْ يَكُنْ لَهُ تَزْوِيجُهَا عَاقِلَةً كَانَتْ أَوْ مَجْنُونَةً؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الْمَنَاكِحِ فَتُزَوَّجُ وَلَا مِنْ أَهْلِ الِاخْتِيَارِ فَتُسْتَأْذَنُ، وَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً نُظِرَ فَإِنْ كَانَتْ عَاقِلَةً لَمْ يَكُنْ لِلْحَاكِمِ تَزْوِيجُهَا إِلَّا بِإِذْنِهَا، وَإِنْ كَانَتْ مَجْنُونَةً زَوَّجَهَا إِذَا رَأَى ذَلِكَ صَلَاحًا لَهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْعَصَبَةِ تَزْوِيجُهَا فِي حَالِ جنونها.
والفرق بينها: أن للحاكم نظر في مصالحها شارك به الأب وفارق به العصبة ولذلك ولي على مالها، وإن لم يَلِيَ عَلَيْهِ الْعَصَبَةُ.
فَصْلٌ وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ ابن ابن وله بنت ابن آخر فأراد أن يزوج ابن ابنه بنت ابْنِهِ فَإِنْ كَانَ أَبَوَاهُمَا بَاقِيَيْنِ لَمْ يَكُنْ له تزويجهما لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِلْجَدِّ مَعَ بَقَاءِ الْأَبِ وإن كان أبواها

مَيِّتَيْنِ فَإِنْ كَانَ ابْنُ ابْنِهِ بَالِغًا فَلَيْسَ لَهُ إِجْبَارُهُ عَلَى النِّكَاحِ فَإِنْ كَانَتْ بِنْتُ ابْنِهِ ثَيِّبًا فَلَيْسَ لَهُ إِجْبَارُهَا عَلَى النِّكَاحِ، وإن كان ابن ابنه صغيراً أو بنت ابْنِهِ بِكْرًا فَلَهُ إِجْبَارُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الِانْفِرَادِ فَإِنْ أَرَادَ تَزْوِيجَ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ، فَفِي جَوَازِهِ جَبْرًا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ تَزْوِيجُ أَحَدِهِمَا حَتَّى يَبْلُغَ الِابْنُ فَيَكُونُ هُوَ الْقَابِلَ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: " كل نكاح لم يحضره أربع فهو سفاح " ولأن لا يَتَوَلَّى الْعَقْدَ مِنْ طَرَفَيْهِ كَمَا لَا يَجُوزُ لابن العم أن يزوج موليته، لأن لا يَصِيرَ مُتَوَلِّيًا لِلْعَقْدِ مِنْ طَرَفَيْهِ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ الْقَاصِّ وَطَائِفَةٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ لِلْجَدِّ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ وَيَتَوَلَّى الْعَقْدَ من طرفيه كما يجوز له فيما ينفق من مال عَلَى ابْنِ ابْنِهِ إِذَا كَانَ وَالِيًا عَلَيْهِ أَنْ يَتَوَلَّى الْعَقْدَ مِنْ طَرَفَيْهِ وَخَالَفَ ابْنُ العم في تزويجه ابنة عمه إِذَا كَانَ وَالِيًا عَلَيْهَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أن وِلَايَةُ الْجَدِّ تُوجِبُ الْإِجْبَارَ لِقُوَّتِهَا وَوِلَايَةُ ابْنِ الْعَمِّ تُمْنَعُ مِنَ الْإِجْبَارِ لِضَعْفِهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْجَدَّ فِي الطَّرَفَيْنِ عَاقِدٌ لِغَيْرِهِ وَابْنُ الْعَمِّ أَحَدُ الطَّرَفَيْنِ عَاقِدٌ لِنَفْسِهِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْحَدَّادِ الْمِصْرِيِّ وَطَائِفَةٍ، فَعَلَى هَذَا لَا بُدَّ لِلْجَدِّ مِنْ أَنْ يَتَلَفَّظَ فِي عقد نكاحها بالإيجاب فيقول: قد زوجت ابن ابني ببنت ابْنِي وَهَلْ يَحْتَاجُ فِيهِ الْقَبُولَ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا بُدَّ مِنْ أَنْ بتلفظ فيه القبول فَيَقُولُ: وَقَبِلْتُ نِكَاحَهَا لَهُ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي بكر ابن الحداد، ولأنه يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِوِلَايَتَيْنِ فَقَامَ فِيهِ مَقَامَ وَلِيَّيْنِ فلم يكن بد فيه من لفظتين: أَحَدُهُمَا: إِيجَابٌ، وَالْآخَرُ قَبُولٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يحتاج أن يتلفظ فيه بالقبول، وهذا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الْقَفَّالِ؛ لِأَنَّ الْجَدَّ يَقُومُ مَقَامَ وَلِيَّيْنِ فَقَامَ لَفْظُهُ مَقَامَ لَفْظَيْنِ.

مَسْأَلَةٌ

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَلَوْ كَانَ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ يَحْتَاجُ إِلَى النِّكَاحِ زَوَّجَهُ وَلِيُّهُ فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فَجَاوَزَ مَهْرَ مثلها رد الفضل ". قال الماوردي: المولى عَلَيْهِ بِالسَّفَهِ مَمْنُوعٌ مِنَ التَّزْوِيجِ إِلَّا بِإِذْنِ وَلِيِّهِ، لِأَنَّ الْحَجْرَ يَمْنَعُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْعُقُودِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ إِلَى النِّكَاحِ حَاجَةٌ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ وَلَا لِوَلِيِّهِ أَنْ يُزَوِّجَهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْتِزَامِ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَإِنْ كَانَ بِهِ إِلَى النِّكَاحِ حَاجَةٌ، إِمَّا بِأَنْ يُرَى يَتَوَثَّبُ عَلَى النِّسَاءِ لِفَرْطِ الشَّهْوَةِ وَإِمَّا بِأَنْ يَحْتَاجَ إلى خادم وخدمة النساء له أرفق به فيجوز لوليه أَنْ يُزَوِّجَهُ؛ لِأَنَّهُ مَنْدُوبٌ إِلَى الْقِيَامِ بِمَصَالِحِهِ التي هذا منها وليصده بذلك عن مواقعة الزنا الموجب للحد وَالْمَأْثَمَ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَوَلِيُّهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُزَوِّجَهُ بِنَفْسِهِ وَبَيْنَ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي التَّزْوِيجِ فَإِنْ زَوَّجَهُ الْوَلِيُّ جَازَ أَنْ يَعْقِدَ لَهُ النِّكَاحَ عَلَى مَنْ يَخْتَارُهَا لَهُ من الأكفاء

وَلَا يَلْزَمُهُ اسْتِئْذَانُهُ فِيهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ مَصَالِحِهِ الَّتِي لَا تَقِفُ عَلَى إِذْنِهِ كما لا تقف على إذن مَا عَقَدَهُ مِنْ بَيْعٍ وَشِرَاءٍ، وَلَا يَزِيدُ الْمَنْكُوحَةَ عَلَى مَهْرِ مِثْلِهَا كَمَا لَا يَزِيدُ في عقود أمواله على أَعْوَاضِ أَمْثَالِهَا، فَإِنْ زَوَّجَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ المثل كانت الزيادة مردودة ولا تَجُبْ فِي مَالِ السَّفِيهِ وَلَا عَلَى وَلِيِّهِ وَإِنْ أَذِنَ لَهُ الْوَلِيُّ فِي التَّزْوِيجِ لِيَتَوَلَّاهُ السفيه بنفسه جاز.
فإن قبل فَهَلَّا مُنِعَ مِنْ مُبَاشَرَةِ الْعَقْدِ بِنَفْسِهِ وَلَمْ يصح منه مع إذن وليه كما لم يَصِحَّ مِنْهُ عَقْدُ الْبَيْعِ، وَإِنْ أَذِنَ فِيهِ وَلِيُّهُ؟ . قِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَ النِّكَاحِ حَيْثُ صَحَّ مِنْهُ أَنْ يَعْقِدَهُ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ وَبَيْنَ الْبَيْعِ حَيْثُ لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ أَنْ يَعْقِدَهُ، وَإِنْ أذن فيه الولي من وجهين: أحدهما: إن الْمَقْصُودَ بِالْحَجْرِ عَلَيْهِ حِفْظُ الْمَالِ دُونَ النِّكَاحِ فَذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ الْعَقْدُ فِي الْمَالِ وَصَحَّ مِنْهُ الْعَقْدُ فِي النِّكَاحِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا صَحَّ مِنْهُ رَفَعُ النِّكَاحِ بِالْخُلْعِ وَالطَّلَاقِ مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ فَأَوْلَى أَنْ يَصِحَّ مِنْهُ عَقْدُ النِّكَاحِ بِإِذْنٍ وَلَمَّا لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ إنزاله مِلْكَهُ عَنِ الْأَقْوَالِ بِالْعِتْقِ وَالْهِبَةِ بِإِذْنٍ وَلَا غَيْرِ إِذْنٍ لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ عُقُودُ الْأَمْوَالِ كُلِّهَا بِإِذْنٍ وَلَا غَيْرِ إِذْنٍ.

فَصْلٌ

فَإِذَا ثبت أن يَجُوزَ أَنْ يَتَوَلَّى عَقْدَ النِّكَاحِ بِنَفْسِهِ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ على وليه عند إذنه لَهُ فِي النِّكَاحِ أَنْ يُعَيِّنَ لَهُ عَلَى الْمَنْكُوحَةِ أَمْ لَا؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: يَلْزَمُهُ أَنْ يُعَيِّنَ لَهُ عَلَى الْمَنْكُوحَةِ لِيَقْطَعَ اجْتِهَادَهُ فِي الْعَقْدِ حَتَّى لَا ينكح من يعظم مهرها.
والثاني: عليه أن يعين له على الْقَبِيلَةِ أَوِ الْعَشِيرَةِ حَتَّى لَا يَنْكِحَ مِنْ ذوي الأنساب الذي يَعَظُمُ مُهُورُ نِسَائِهِمْ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيِّنَ له على المرأة من نساء القبيلة لأن يَقِفُ عَلَى اخْتِيَارِ النُّفُوسِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُعَيِّنَ الْمَنْكُوحَةَ وَلَا عَلَى قَبِيلَتِهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَسْوَأَ حَالًا مِنَ الْعَبْدِ الَّذِي يَجُوزُ إِذَا أَذِنَ السَّيِّدُ لَهُ فِي النكاح أن لا يعين له عَلَى الْمَنْكُوحَةِ وَلَا عَلَى قَوْمِهَا فَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ السَّفِيهُ مِثْلَهُ فِي الْإِذْنِ فَإِذَا نَكَحَ السفيه بمقتضى الْإِذْنِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ فَمَا دُونَ لَزَمَهُ الْمَهْرُ والنفقة في ماله أن ينكح بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ صَحَّ النِّكَاحُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَكَانَتِ الزِّيَادَةُ مَرْدُودَةً لَا تَلْزَمُهُ فِي وَقْتِ الْحَجْرِ وَلَا بَعْدَ فَكِّهِ عَنْهُ وَخَالَفَ الْعَبْدَ الَّذِي إِذَا نَكَحَ بِإِذْنِ السَّيِّدِ وَزَادَ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ كَانَتِ الزِّيَادَةُ فِي ذِمَّتِهِ يؤديها بعد عتقه والرفق بَيْنَهُمَا أَنَّ الْحَجْرَ عَلَى السَّفِيهِ لِحِفْظِ مَالِهِ عَلَيْهِ فَلَوْ لَزِمَتْهُ الزِّيَادَةُ بَعْدَ فَكِّ الْحَجَرِ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ مَالُهُ مَحْفُوظًا عَلَيْهِ وَالْعَبْدُ إنما حجر عَلَيْهِ لِأَجْلِ سَيِّدِهِ، وَحِفْظِ مَا يَسْتَحِقُّهُ السَّيِّدُ مِنْ كَسْبِهِ فَإِذَا لَزِمَتْهُ الزِّيَادَةُ بَعْدَ عِتْقِهِ سَلَّمَ حَقَّ السَّيِّدِ وَصَارَ مَالُهُ مَحْفُوظًا عَلَيْهِ.

فَصْلٌ

فَأَمَّا إِذَا نَكَحَ السَّفِيهُ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهِ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَكُونَ قَدْ أَعْلَمَهُ وَلِيُّهُ، وَلَا اسْتَأْذَنَهُ فَمَنَعَهُ فَنِكَاحُهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الحجر يمنع من جواز التصرف في العقد، فَعَلَى هَذَا إِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ دَخَلَ بِهَا فرق بينهما ثم ينظر فإن كَانَتْ عَالِمَةً بِحَجْرِهِ فَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ فِي حال الحجر ولا بعد فك الحجر وتصير كالمبرئة مِنْهُ لِعِلْمِهَا بِحَجْرِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَالِمَةً بِحَجْرِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي حَالِ الْحَجْرِ دَفْعُ الْمَهْرِ، لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مَنَعَ الْحَجْرُ مِنْهُ وَفِي لُزُومِهِ لَهُ بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهُ دَفْعُهُ بَعْدَ فَكِّ حَجَرِهِ لِئَلَّا يصير ممتنعاً بِبَعْضِهَا مِنْ غَيْرِ بَدَلٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يلزمه دفعه بعد فكاك الحجر عنه كما لم يلزمه قبل فكه عنه ليكون ماله بالحجر محفوظاً عليه كَمَا لَمْ تَلْزَمْهُ الزِّيَادَةُ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ لِهَذَا الْمَعْنَى، وَلَيْسَ جَهْلُهَا بِحَالِهِ عُذْرًا لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ يُمْكِنُهَا أَنْ تَسْتَعْلِمَ فَتَعْلَمُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ السَّفِيهُ قَدْ سَأَلَ وَلِيَّهُ النِّكَاحَ فَمَنَعَهُ وَاسْتَأْذَنَهُ فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فَفِي نِكَاحِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: بَاطِلٌ لِتَأْثِيرِ الْحَجْرِ فِي عُقُودِهِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْكَلَامُ فِي الْمَهْرِ عَلَى مَا مَضَى.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ النِّكَاحَ جَائِزٌ، لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَى الْوَلِيِّ فَإِذَا مَنَعَهُ مِنْهُ جَازَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ بِنَفْسِهِ كَالدَّيْنِ إِذَا مُنِعَ صَاحِبُهُ مِنْهُ جَازَ أَنَّ يَسْتَوْفِيَهُ بِنَفْسِهِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ النِّكَاحُ كَالْمَأْذُونِ فِيهِ وَيَدْفَعُ مهر المثل والنفقة من ماله.

فَصْلٌ

فَأَمَّا الْمَجْنُونُ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مُسْتَدَامَ الْجُنُونِ لَا يُفِيقُ فِي شَيْءٍ من زمانه، فهذا ينظر في حاله، وإن لَمْ يَكُنْ بِهِ إِلَى النِّكَاحِ حَاجَةٌ لَمْ يَكُنْ لِوَلِيِّهِ أَنْ يُزَوِّجَهُ وَلَا أَنْ يُوجِبَ في ماله غرم النفقة والمهر مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، وَإِنْ كَانَ بِهِ إِلَى النكاح حاجة، وذلك في أحد الحالين: إِمَّا أَنْ يُرَى يَتَوَثَّبُ عَلَى النِّسَاءِ لِفَرْطِ شهوة، وَإِمَّا أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى خِدْمَةِ النِّسَاءِ، وَالزَّوْجَةُ أَرْفَقُ بِهِ فَيَجُوزُ لِوَلِيِّهِ أَنْ يُزَوِّجَهُ بِنَفْسِهِ وَلَا يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَرُدَّ الْعَقْدَ إِلَيْهِ لِيَتَزَوَّجَ بِنَفْسِهِ بِخِلَافِ السَّفِيهِ، لِأَنَّ السَّفِيهَ مُكَلَّفٌ يتعلق بقوله حكم، والمجنون غير مكلف لا يتعلق بكلامه حُكْمٌ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَجْنُونُ مِمَّنْ يُجَنُّ فِي زَمَانٍ وَيَفِيقُ فِي زَمَانٍ فَهَذَا عَلَى أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ زَمَانُ جُنُونِهِ أَكْثَرَ مِنْ زَمَانِ إِفَاقَتِهِ فَيَجُوزُ لِوَلِيِّهِ إِذَا رَآهُ مُحْتَاجًا إِلَى النِّكَاحِ أَنْ يُزَوِّجَهُ فِي زَمَانِ جُنُونِهِ، وَلَا يَرُدَّ الْعَقْدَ إِلَيْهِ كَالَّذِي طبق بِهِ الْجُنُونُ، وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ فِي زَمَانِ إِفَاقَتِهِ وَأَنْ يَرُدَّ الْعَقْدَ إِلَيْهِ كَالسَّفِيهِ، لأن الحجر عليه قبل زَمَانِ إِفَاقَتِهِ لَا يَرْتَفِعُ

لَكِنْ يَكُونُ حُكْمُهُ فِي زَمَانِ الْجُنُونِ حُكْمَ الْحَجْرِ بِالْجُنُونِ، وَفِي زَمَانِ الْإِفَاقَةِ حُكْمَ الْحَجْرِ بِالسَّفَهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ زَمَانُ إِفَاقَتِهِ أَكْثَرَ مِنْ زَمَنِ جُنُونِهِ، فَالْحَجْرُ يَرْتَفِعُ فِي زَمَانِ الْإِفَاقَةِ وَلَا يَجُوزُ لِوَلِيِّهِ أَنْ يُزَوِّجَهُ في حال جنونه لما يرجى إفاقته ويجوز له أن يزوج بنفسه فِي زَمَانِ إِفَاقَتِهِ مِنْ غَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهِ وَلَا يَجُوزُ لِوَلِيِّهِ أَنْ يُزَوِّجَهُ فِي إِفَاقَتِهِ لِارْتِفَاعِ حَجْرِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَتَسَاوَى زَمَانُ جنونه وزمان إفاقته، ففي أغلبها حُكْمًا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ حُكْمَ الْجُنُونِ أَغْلَبُ تغليباً لحكم ثبوت الْحَجْرِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ حُكْمُهُ كَالضَّرْبِ الْأَوَّلِ فِيمَنْ كَثُرَ زَمَانُ جُنُونِهِ وَقَلَّ زَمَانُ إِفَاقَتِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ حُكْمَ الْإِفَاقَةِ أَغْلَبُ تَغْلِيبًا لِأَصْلِ السَّلَامَةِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ حُكْمُهُ كَالضَّرْبِ الثَّانِي فِيمَنْ كَثُرَ زَمَانُ إِفَاقَتِهِ وَقَلَّ زَمَانُ جنونه.

مسألة

قال الشافعي: " ولو أَذِنَ لِعَبْدِهِ فَتَزَوَّجَ كَانَ لَهَا الْفَضْلُ مَتَى عَتَقَ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: لَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ لِرِوَايَةِ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " أَيُّمَا عَبْدٍ نَكَحَ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ فهو عاهر ". والعاهر: الزاني فشبه بِالزَّانِي لِتَحْرِيمِ عَقْدِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ زَانِيًا فِي الْحُكْمِ؛ وَلِأَنَّ السَّيِّدَ مَالِكٌ لِمَنَافِعِهِ وَأَكْسَابِهِ فلم يكن له تفويتها بِتَزْوِيجِهِ، فَإِنْ تَزَوُّجَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ كَانَ النِّكَاحُ جَائِزًا، لِأَنَّ مُسْتَحِقَّ الْحَجْرِ قَدْ رَفَعَهُ بِإِذْنِهِ فَعَادَ إِلَى جَوَازِ تَصَرُّفِهِ وَإِنْ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إِذَنْ سَيِّدِهِ كَانَ نِكَاحُهُ بَاطِلًا.
وَقَالَ أبو حنيفة: يَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ السَّيِّدِ وَقَالَ مَالِكٌ: نِكَاحُهُ جَائِزٌ وَلِلسَّيِّدِ فَسْخُهُ عَلَيْهِ.
وَالدَّلِيلُ عليها رواية نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " إِذَا نَكَحَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ فَنِكَاحُهُ بَاطِلٌ "، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْخَبَرَ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عُمَرَ وَلِأَنَّ الْحَجْرَ الْمَانِعَ مِنْ جواز المناكح يمنع من صحتها كالجنون.

فَصْلٌ

فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ نِكَاحَ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ بَاطِلٌ، وَبِإِذْنِهِ جَائِزٌ فَلِلسَّيِّدِ إِذَا إذن لعبده في النكاح حالتان: إحداهما: أن يعين عَلَى الْمَنْكُوحَةِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَجَاوَزَهَا فَإِنْ نَكَحَ غَيْرَهَا كَانَ نِكَاحًا بِغَيْرِ إِذْنٍ.

وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ لَا يُعَيِّنَ لَهُ عَلَى الْمَنْكُوحَةِ وَيَكُونُ إِذْنُهُ مُطْلَقًا فَيَجُوزُ بِخِلَافِ السَّفِيهِ الذي يلزم الولي أن يعين عَلَى الْمَنْكُوحَةِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْعَبْدَ مَنْ أَهْلِ الِاخْتِيَارِ وَالتَّصَرُّفِ فِي الْعُقُودِ وَلَيْسَ السَّفِيهُ مِنْ أَهْلِ الِاخْتِيَارِ وَالتَّصَرُّفِ فِي الْعُقُودِ فَإِذَا صَحَّ نِكَاحُ الْعَبْدِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ نَظَرَ فِي الْمَهْرِ فَإِنْ كَانَ قَدْرَ مَهْرِ الْمِثْلِ كَانَ فِي كَسْبِهِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ لَزِمَ قَدْرَ مَهْرِ المثل في كسبه ونالت الزِّيَادَةَ فِي ذِمَّتِهِ حَتَّى يُعْتَقَ فَيُؤَدِّي وَفَارَقَ السَّفِيهَ فِي إِبْطَالِ الزِّيَادَةِ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ بِالْمَعْنَى الَّذِي قَدَّمْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

فَأَمَّا إِذَا سَأَلَ الْعَبْدُ سَيِّدَهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ فَعَضَلَهُ وَمَنَعُهُ نُظِرَ فِي الْعَبْدِ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ بَالِغٍ لَمْ يُجْبِرِ السَّيِّدَ عَلَى تَزْوِيجِهِ، لِأَنَّهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَى النِّكَاحِ وَإِنْ كَانَ بَالِغًا فَهَلْ يُجْبِرُ السَّيِّدَ عَلَى تَزْوِيجِهِ إِنْ أَقَامَ عَلَى عَضْلِهِ وَمَنْعِهِ زَوَّجَهُ الْحَاكِمُ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَشَارَ إِلَيْهِ في كتاب التعرض بالخطبة أن السيد بجبر على تزويج العبد لِمَا يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ حَاجَتِهِ وَكَمَالِ مَصْلَحَتِهِ وَسُكُونِ نَفْسِهِ فَشَابَهَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ تَمَامِ قُوَّتِهِ وَكَمَالِ كِسْوَتِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْقَدِيمِ، وَالْجَدِيدِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ أَنَّ السَّيِّدَ لَا يُجْبَرُ عَلَى تَزْوِيجِ عَبْدِهِ، لِأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الْمَلَاذِ وَالشَّهَوَاتِ وَلَا يَلْزَمُ السَّيِّدَ تَمْكِينُ عَبْدِهِ مِنْ مَلَاذِهِ وَشَهَوَاتِهِ، فَعَلَى تَقْدِيرِ القولين لو كان السيد مولى عليه لصغره أَوْ سَفَهٍ أَوْ جُنُونٍ.
فَإِنْ قِيلَ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ: أَنَّ السَّيِّدَ يُجْبَرُ عَلَى نِكَاحِ عَبْدِهِ لَزِمَ وَلِيَّ السَّيِّدِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ أَنْ يُزَوِّجَ عَبْدَهُ إِذَا طَلَبَ النِّكَاحَ وَإِنْ قِيلَ بِالْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ السَّيِّدَ لَا يُجْبَرُ عَلَى تَزْوِيجِهِ لَمْ يَكُنْ لِوَلِيِّهِ أَنْ يُزَوِّجَهُ.

فَصْلٌ

فَأَمَّا إِذَا أَرَادَ السَّيِّدُ أَنْ يُجْبِرَ عَبْدَهُ عَلَى التَّزْوِيجِ فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ صَغِيرًا كَانَ لِسَيِّدِهِ إجباره على النكاح، ولأنه لَمَّا كَانَ لَهُ إِجْبَارُ وَلَدِهِ فِي صِغَرِهِ الَّذِي لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ فَإِجْبَارُ عَبْدِهِ فِي صِغَرِهِ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ بَالِغًا فَهَلْ لِلسَّيِّدِ إِجْبَارُهُ عَلَى النِّكَاحِ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ لَهُ إِجْبَارُ عَبْدِهِ عَلَى النِّكَاحِ لأنه لما ملك العقد، على منافعه ورقيته جَبْرًا كَانَ النِّكَاحُ مُلْحَقًا بِأَحَدِهِمَا فِي عَقْدِهِ عَلَيْهِ جَبْرًا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْجَدِيدِ أَنَّهُ لَيْسَ لِلسَّيِّدِ إِجْبَارُ عَبْدِهِ عَلَى النِّكَاحِ، لِأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الْمَلَاذِ وَالشَّهَوَاتِ الَّتِي ليس للسيد إجبار عبده عليها، ولأن معقود الْوَطْءَ الَّذِي لَا يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ إِجْبَارُ عَبْدِهِ عَلَيْهِ فَكَانَ النِّكَاحُ بِمَثَابَتِهِ، وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ مَعًا لو كان السيد مولى عليه لصغر أو سَفَهٍ لَمْ يَكُنْ لِوَلِيِّهِ إِجْبَارُ عَبْدِهِ عَلَى النِّكَاحِ قَوْلًا وَاحِدًا، لِمَا فِي إِجْبَارِهِ مِنْ إِخْرَاجِ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ مِنْ كَسْبِهِ.

فَصْلٌ

فَأَمَّا الْمُدَبَّرُ فَهُوَ كَالْعَبْدِ فِي إِجْبَارِ السَّيِّدِ لَهُ عَلَى النِّكَاحِ، وَفِي إِجْبَارِ السَّيِّدِ على تزويجه إذا ادعى إِلَى النِّكَاحِ.
وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ فَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ إِجْبَارُهُ عَلَى النِّكَاحِ، لِمَا فِيهِ مِنْ إِلْزَامِهِ الْمَهْرَ والنفقة في كسبه، وأما إذا دعى سَيِّدَهُ إِلَى النِّكَاحِ، فَهَلْ يُجْبَرُ السَّيِّدُ عَلَيْهِ إن قيل إِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى تَزْوِيجِ عَبْدِهِ فَأَوْلَى أَنْ يُجْبَرَ عَلَى تَزْوِيجِ مُكَاتَبِهِ، وَإِنْ قُلْنَا إِنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى تَزْوِيجِ عَبْدِهِ فَفِي إِجْبَارِهِ عَلَى تَزْوِيجِ مُكَاتَبِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ كَمَا لَا يُجْبَرُ عَلَى تَزْوِيجِ عَبْدِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى تَزْوِيجِ مُكَاتَبِهِ، وَإِنْ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى تَزْوِيجِ عَبْدِهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ اكْتِسَابَ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى تَزْوِيجِهِ لِمَا يَلْحَقُهُ مِنَ الْتِزَامِ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ، وَاكْتِسَابِ الْمُكَاتَبِ لِنَفْسِهِ فَأُجْبِرَ السَّيِّدُ عَلَى تَزْوِيجِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَؤُولُ إِلَى الْتِزَامِ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ.

فَصْلٌ

فَأَمَّا الْعَبْدُ إِذَا كَانَ بَيْنَ شريكين وليس لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِإِذْنِ أَحَدِهِمَا حَتَّى يَأْذَنَا لهما جَمِيعًا فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى تَزْوِيجِهِ فَهَلْ لَهُمَا إِجْبَارُهُ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ وَإِنْ دَعَاهُمَا إِلَى النِّكَاحِ فَهَلْ يُجْبَرَانِ عَلَى تَزْوِيجِهِ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ نِصْفُ الْعَبْدِ حُرًّا وَنِصْفُهُ مَمْلُوكًا فَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَى النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ فِيهِ حُرِّيَّةً لا ولاية عليه فيها، وإن دَعَا سَيِّدَهُ إِلَى النِّكَاحِ فَفِي إِجْبَارِهِ قَوْلَانِ.

مسألة

قال الشافعي: " وَفِي إِذْنِهِ لِعَبْدِهِ بِاكْتِسَابِ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ إِذَا وجبت عليه ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا أَذِنَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ فِي النِّكَاحِ فَنَكَحَ، فَقَدْ وَجَبَ الْمَهْرُ بِالْعَقْدِ، وَالنَّفَقَةُ بالتمكين، ولوجوبها مَحَلٌّ مُعْتَبَرٌ بِحَالِ الْعَبْدِ وَلِلْعَبْدِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مُكْتَسِبًا.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُكْتَسِبٍ وَلَا مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ، فَإِنْ كَانَ مُكْتَسِبًا فَالْمَهْرُ وَالنَّفَقَةُ فِي كَسْبِهِ؛ لأن الإذن بالنكاح إذن به وبموجبه وأولى مَا تَعَلَّقَ ذَلِكَ بِكَسْبِهِ، لِأَنَّهُ مِنْهُ وَإِلَيْهِ فإن قيل: أفليس لو أَذِنَ لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ فَلَزِمَهُ فِيهَا دَيْنٌ زَادَ عَلَى مَا بِيَدِهِ كَانَ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ يُؤَدِّيْهِ بَعْدَ عِتْقِهِ فَهَلَّا اسْتَوَيَا؟ . قِيلَ: الفرق بينها: أن الإذن بالتجارة معقود بالاكتساب، وَالدَّيْنَ ضِدَّ الِاكْتِسَابِ فَصَارَ غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهِ فَلِذَلِكَ تَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ بَعْدَ عِتْقِهِ وَالْإِذْنُ بِالنِّكَاحِ معقودة الِاسْتِمْتَاعُ الْمُوجِبُ لِلْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ فَصَارَ الْمَهْرُ وَالنَّفَقَةُ مِنْ مُوجِبَاتِ إِذْنِهِ فَلِذَلِكَ تَعَلَّقَ بِكَسْبِهِ دُونَ ذِمَّتِهِ.
فَصْلٌ فَإِذَا ثَبَتَ وُجُوبُ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ فِي كَسْبِهِ فَالْمَهْرُ يُسْتَحَقُّ فِي كَسْبِهِ بَعْدَ عتقه، والنفقة تستحق من كسبه بعد تمكنه من الاستمتاع؛ لأنهما يُسْتَحَقَّانِ فِي الْكَسْبِ الْحَادِثِ بَعْدَ

وجوبها ولا يستحقان في كسب تقدمها؛ لأن الكسب لم يتعلق به إذن فصار خالصاً لسببه فَلَوْ كَانَ الْعَقْدُ بِمَهْرٍ مُؤَجَّلٍ اسْتُحِقَّ ذَلِكَ فِي الْكَسْبِ الْحَادِثِ بَعْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ قِيلَ لِلسَّيِّدِ: عَلَيْكَ أَنْ تُخَلِّيَ سَبِيلَ عَبْدِكَ وَتَرْفَعَ عَنْهُ يَدَكَ لَيْلًا وَنَهَارًا، أما النهار فللاكتساب الكسب وَالنَّفَقَةِ، وَأَمَّا اللَّيْلُ فَلِلِاسْتِمْتَاعِ بِالزَّوْجَةِ ثُمَّ لَا سَبِيلَ لَكَ إِلَى إِبْطَالِ حَقِّهِ مِنْ تَمْكِينِهِ لَيْلًا مِنْ نَفْسِهِ وَلَكَ السَّبِيلُ إِلَى مَنْعِهِ نَهَارًا مِنْ نَفْسِهِ بِالْتِزَامِ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ، لِأَنَّ حَقَّهُ فِي اسْتِمْتَاعِهِ لَيْلًا لَا بَدَلَ لَهُ فَلَمْ يَسْقُطْ وَلِحَقِّهِ مِنَ اكْتِسَابِ النَّهَارِ بَدَلٌ يلتزمه السيد فقط ثم لا يخلو حال كسبه إذا مكن مِنْهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ بِقَدْرِ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ فَلَا حَقَّ فِيهِ لِلسَّيِّدِ وَلَا عَلَيْهِ وَقَدْ خَلَصَ جَمِيعُ كَسْبِهِ لَهُ فِي نَفَقَتِهِ وَنَفَقَةِ زَوْجَتِهِ وَكِسْوَتِهَا وَمَهْرِهَا.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ كَسْبُهُ أَكْثَرَ مِنَ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ فَلِلسَّيِّدِ الْفَاضِلِ مِنْهُمَا.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمَهْرُ وَالنَّفَقَةُ أَكْثَرَ مِنْ كَسْبِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُخَلِّيَ عليه جَمِيعَ كَسْبِهِ لِيَصْرِفَهُ فِي الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ، وَيَكُونُ حَالُهُ فِي الْبَاقِي عَلَيْهِ مِنَ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ كَحَالَ مَنْ لَا كَسْبَ لَهُ وَلَا هُوَ مَأْذُونٌ لَهُ فِي التِّجَارَةِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ بَعْدُ.

فَصْلٌ

فَلَوْ أَنَّ سَيِّدَ هَذَا الْعَبْدِ المكتسب إذا استخدمه نهاراً لزمه جَمِيعُ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ لَهُ وَلِزَوْجَتِهِ سَوَاءً كَانَ كسبه مساوياً لهما أو مقصوراً عَنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ بِالِاسْتِخْدَامِ كَالضَّامِنِ لَهُمَا وَلَوْ أَنَّ سيده لم يستخدمه ولكن حبسه في زمان كسبه لَزِمَهُ غُرْمُ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ وَلَوْ حَبَسَهُ غَيْرُ سَيِّدِهِ لَزِمَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ السَّيِّدَ يَلْتَزِمُ ذَلِكَ فِي حَقِّ عَبْدِهِ فَلَزِمَهُ مَا يَسْتَحِقُّهُ الْعَبْدُ مِنْ مَهْرِ زَوْجَتِهِ وَنَفَقَتِهَا، وَالْأَجْنَبِيُّ يَضْمَنُ ذَلِكَ فِي حَقِّ السَّيِّدِ فَلَزِمَهُ قيمة ما استهلكه من منافعه.

مسألة

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ أَعْطَى مِمَّا فِي يَدَيْهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ أَحْوَالِ الْعَبْدِ أَنْ يَكُونَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ فَيَكُونُ مَا لَزِمَهُ مِنَ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ مُتَعَلِّقًا بِمَالِ التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمَالَ فِي حَقِّ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ كَمَالِ الْكَسْبِ فِي حَقِّ الْمُكْتَسِبِ لِكَوْنِهِمَا مِلْكًا للسيد الآذن لكن اختلف أصحابنا في المال هاهنا يقول الشَّافِعِيُّ: أَعْطَى مِمَّا فِي يَدَيْهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أوجه: أحدها: أن يُعْطِيَهُ مِنْ مَالِ الرِّبْحِ الْمُسْتَفَادِ بَعْدَ وُجُوبِهِ فَيُعْطِي الْمَهْرَ مِنَ الرِّبْحِ الْمُسْتَفَادِ بَعْدَ الْعَقْدِ وَالنَّفَقَةَ مِنَ الرِّبْحِ الْمُسْتَفَادِ بَعْدَ التَّمْكِينِ كَمَا قلنا في المكتسب إنه يعطيهما مِنْ كَسْبِ الْمُسْتَفَادِ بَعْدَ وُجُوبِهِمَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أن يُعْطِيهِمَا مِنْ جَمِيعِ مَا بِيَدِهِ مِنَ الرِّبْحِ الْمُسْتَفَادِ قَبْلَ الْوُجُوبِ وَبَعْدَهُ وَلَا يُعْطِيهِمَا مِنْ أصل المال؛ لأن جميعهما نماء المال، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْكَسْبِ، وَالرِّبْحِ أَنَّ كَسْبَ الْعَمَلِ حَادِثٌ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْسَ كَسْبُ التِّجَارَةِ حَادِثًا فِي كُلِّ يَوْمٍ.

وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ يُعْطِيهِمَا مِنْ جَمِيعِ مَا بِيَدِهِ مِنْ مَالِ التِّجَارَةِ مِنْ رِبْحٍ وَأَصْلٍ، لِأَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مِلْكٌ لِلسَّيِّدِ وَقَدْ صَارَ بالإذن كالمأمور يدفعهما فتعلق الإذن لجميع مَا بِيَدِهِ كَالدَّيْنِ، فَلَوْ أَنَّ السَّيِّدَ دَفَعَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مَالِ التِّجَارَةِ خَلَصَ مَالُ التِّجَارَةِ وَرِبْحُهُ لِلسَّيِّدِ.

فَصْلٌ

وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مِنْ أَحْوَالِ الْعَبْدِ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُكْتَسِبٍ وَلَا مَأْذُونٍ لَهُ فِي التِّجَارَةِ إِمَّا لِأَنَّهُ زَمِنٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى عَمَلٍ وَإِمَّا لأنه محارف محروم لا يقدر شيئاً، وَإِنْ عَمِلَ فَهُمَا سَوَاءٌ، وَعَلَى السَّيِّدِ الْتِزَامُ نَفَقَتِهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْتِزَامُ نَفَقَةِ زَوْجَتِهِ، وَيُقَالُ لها زوجك معتبر بِنَفَقَتِكِ وَأَنْتِ بِالْخِيَارِ فِي الصَّبْرِ مَعَهُ عَلَى إِعْسَارِهِ أَوْ فَسْخِ نِكَاحِهِ فَأَمَّا الْمَهْرُ فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ يُؤَدِّيهِ بَعْدَ عِتْقِهِ وَلَا يؤخذ السَّيِّدُ بِهِ، لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ الْبُضْعِ الَّذِي قَدْ صَارَ مِلْكًا لِلْعَبْدِ دُونَ السَّيِّدِ وَمَنْ مَلَكَ ذَا بَدَلٍ مُلِّكَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْبَدَلُ، وَهَذَا أَشْهَرُ الْقَوْلَيْنِ وَأَظْهَرُهُمَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا فِي ذِمَّةِ سَيِّدِهِ، لِأَنَّ إِذْنَهُ بِالنِّكَاحِ الَّذِي لَا يَنْفَكُّ مِنَ الْتِزَامِ الْمَهْرِ مُوجِبٌ لِالْتِزَامِ ذَلِكَ الْمَهْرِ كَالدُّيُونِ.

فَصْلٌ

فَأَمَّا إِذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ فَنِكَاحُهُ بَاطِلٌ فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا وَلَا مَهْرَ وَلَا نَفَقَةَ لِأَنَّ فَسَادَ الْعَقْدِ قد أسقط ما تَضَمَّنَهُ مِنَ الْعِوَضِ، وَإِنْ دَخَلَ بِهَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا وَكَانَ لَهَا بِالدُّخُولِ مَهْرُ مِثْلِهَا لِوَطْءِ الشبهة لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " فَإِنْ مَسَّهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا " وَأَيْنَ يَكُونُ الْمَهْرُ فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ أَنْ يَكُونَ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ يُؤَدِّيهِ بَعْدَ عِتْقِهِ، لِأَنَّهُ حق وجب برضى مُسْتَحِقِّهِ فَأَشْبَهَ الدُّيُونَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: خَرَّجَهُ أَصْحَابُنَا مِنْ كَلَامٍ أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ أَنَّهُ يَكُونُ فِي رَقَبَةِ عَبْدِهِ يُبَاعُ فِيهِ إلا أن يفديه به سَيِّدُهُ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ بِالْوَطْءِ الَّذِي هُوَ إِتْلَافٌ فَأَشْبَهَ الْجِنَايَةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ وَإِذَا أَذِنَ السيد لعبده في نكاح فَنَكَحَ نِكَاحًا فَاسِدًا، فَفِي دُخُولِهِ فِي إِذْنِ السيد: قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا فِي حُكْمِ إذن لِانْطِلَاقِ الِاسْمِ عَلَى فَاسِدِهِ كَانْطِلَاقِهِ عَلَى صَحِيحِهِ وَلِوُجُوبِ الْمَهْرِ فِي فَاسِدِهِ كَوُجُوبِهِ فِي صَحِيحِهِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مَحَلَّ الْمَهْرِ كَمَحَلِّهِ فِي النكاح الصحيح إن كان مكتسباً ففي كسبه وَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ كَانَ فيها بِيَدِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُكْتَسِبٍ وَلَا مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ كَانَ عَلَى مَا مَضَى مِنَ الْقَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ.
وَالثَّانِي: فِي ذِمَّةِ سَيِّدِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ الْأَصَحُّ إِنَّ النِّكَاحَ الْفَاسِدَ لَا يَكُونُ دَاخِلًا فِي جملة إذنه، لأن

إطلاق الْأَمْرِ يَقْتَضِي حَمْلَهُ عَلَى مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ، وَلِأَنَّ هَذَا الْمَهْرَ مَا وَجَبَ بِالْعَقْدِ؛ وَإِنَّمَا وَجَبَ بِالْوَطْءِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ فِيهِ إذن، فعلى هذا في محل هذا المهر الْقَوْلَانِ الْمَاضِيَانِ: أَحَدُهُمَا: فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ.
وَالثَّانِي: فِي رَقَبَتِهِ.

فَصْلٌ

وَإِذَا زَوَّجَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ بِأَمَتِهِ فَلَيْسَ عَلَى الْعَبْدِ مَهْرٌ وَلَا نَفَقَةٌ؛ لِأَنَّهُمَا لَوْ وَجَبَا لَكَانَا لِلسَّيِّدِ وَلَا يَثْبُتُ لِلسَّيِّدِ عَلَى عَبْدِهِ مَالٌ لَكِنِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْمَهْرِ، هَلْ وَجَبَ بِالْعَقْدِ ثُمَّ سَقَطَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ وَجَبَ بِالْعَقْدِ ثُمَّ سَقَطَ لِئَلَّا يَكُونَ كَالْمَوْهُوبَةِ الَّتِي جُعِلَتْ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَمْ يَجِبْ أَصْلًا، لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مِلْكُ السَّيِّدِ مَانِعًا مِنَ اسْتِدَامَةِ اسْتِحْقَاقِهَ كَانَ مَانِعًا مِنَ ابْتِدَاءِ اسْتِحْقَاقِهِ، أَلَّا تَرَاهُ لَوْ أَتْلَفَ مَالَ سَيِّدِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ غُرْمُهُ لَا فِي الِابْتِدَاءِ وَلَا فِي الِاسْتِدَامَةِ كَذَلِكَ الْمَهْرُ، وَلِمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ أَنْ يَنْفَصِلَ عَنْهُ بِأَنَّ الْأَمْوَالَ قَدْ تجوز أَنْ تُمَلَّكَ بِغَيْرِ بَدَلٍ وَالْبُضْعُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُمَلَّكَ إِلَّا بِبَدَلٍ، فَلَوْ أَنَّ السَّيِّدَ بَعْدَ تَزْوِيجِ عَبْدِهِ بِأَمَتِهِ أَعْتَقَهُمَا مَعًا لَمْ يَكُنْ لَهُ مُطَالَبَةُ عَبْدِهِ بِالْمَهْرِ بَعْدَ عِتْقِهِ؛ لِأَنَّهُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ بِالْعَقْدِ وَلَا لِلْأَمَةِ بعد عتقها مطالبة الزوج ولا السيد بِمَهْرِهَا؛ لِأَنَّهُ مَا وَجَبَ لَهَا بِالْعَقْدِ.
فَصْلٌ وَإِذَا زَوَّجَ السَّيِّدُ أَمَتَهُ بِعَبْدِ غَيْرِهِ وَلَمْ تقبض مهرها مِنْهُ حَتَّى اشْتَرَاهُ، فَإِنْ كَانَ بِيَدِ الْعَبْدِ مِنْ كَسْبِهِ قَبْلَ الشِّرَاءِ وَبَعْدَ النِّكَاحِ شَيْءٌ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي يَأْخُذُهُ مِنْ مَهْرِ أَمَتِهِ، وَلَيْسَ لِلْبَائِعِ فِيهِ حَقٌّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِيَدِ الْعَبْدِ مَنْ كَسْبِهِ قَبْلَ الشِّرَاءِ شَيْءٌ فَلَا مُطَالَبَةَ لِمُشْتَرِيهِ بِمَهْرِ أَمَتِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ عَبْدَهُ وَلَا حَقَّ لِلسَّيِّدِ عَلَى عَبْدِهِ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ هَذَا الشِّرَاءُ أَسْقَطَ الْمَهْرَ أَوْ مَنَعَ مِنَ الْمُطَالَبَةِ مَعَ بَقَاءِ الْمَهْرِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَدْ أَسْقَطَ الْمَهْرَ، لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمِلْكُ مَانِعًا مِنَ ابْتِدَاءِ اسْتِحْقَاقِهِ كَانَ مَانِعًا مِنْ بَقَاءِ اسْتِحْقَاقِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ مَنَعَ مِنَ الْمُطَالَبَةِ بِالْمَهْرِ وَلَمْ يسقطه؛ لأن الحقوق ثابتة في الذمم لا تسقط إلا بالأداء أو الإبراء، وَلَيْسَ الشِّرَاءُ وَاحِدًا مِنْهُمَا، وَتَأْثِيرُ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ يَكُونُ بِعِتْقِ الْعَبْدِ أَوْ بَيْعِهِ.
فَإِنْ قِيلَ إِنَّ الشِّرَاءَ قَدْ أَسْقَطَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْمَهْرِ لَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ مُطَالَبَةُ الْعَبْدِ بَعْدَ عتقه أو بيعه.
فإن قيل: إنه مَنَعَ مِنَ الْمُطَالَبَةِ بِهِ وَلَمْ يُسْقِطْهُ كَانَ لِلسَّيِّدِ مُطَالَبَتُهُ بَعْدَ عِتْقِهِ أَوْ بَيْعِهِ.
فَصْلٌ وَإِذَا زَوَّجَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ بِأَمَةِ غَيْرِهِ ثُمَّ اشْتَرَاهَا السَّيِّدُ كَانَ النِّكَاحُ بِحَالِهِ وَمَهْرُهَا

مُسْتَحَقٌّ لِبَائِعِهَا لِوُجُوبِهِ فِي مِلْكِهِ، وَلَوْ كَانَ السَّيِّدُ قَدْ أَمَرَ عَبْدَهُ بِشِرَاءِ زَوْجَتِهِ، فَإِنْ أمره أن يشتريها لسيده فالنكاح بِحَالِهِ وَإِنْ أَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا لِنَفْسِهِ لِتُكُونَ أمة لبعد لا للسيد ففيه قولان: أحدهما: بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي الْعَبْدِ هَلْ يَمْلِكُ إِذَا مَلَكَ أَمْ لَا؟ فَعَلَى قَوْلِهِ في الْقَدِيمِ أَنَّهُ يُمَلَّكُ إِذَا مَلَكَ فَالشِّرَاءُ لِلْعَبْدِ وَقَدْ بَطَلَ النِّكَاحُ، لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ زَوْجَتَهُ بطل نكاحها وعلى القول الْجَدِيدِ: إِنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ إِذَا مُلِّكَ فَيَكُونُ الشِّرَاءُ لِلسَّيِّدِ وَالنِّكَاحُ بِحَالِهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ بالصواب.

مسألة

قال الشافعي: " وَلَوَ ضَمِنَ لَهَا السَّيَدُ مَهْرَهَا وَهَوَ ألفٌ عَنِ الْعَبْدِ لَزِمَهُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا أَذِنَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ أَنْ يَتَزَوَّجَ حُرَّةً فَتَزَوُّجَهَا عَلَى صَدَاقِ أَلْفٍ ثُمَّ إِنَّ السَّيِّدَ ضَمِنَ لها ألف عَنْ عَبْدِهِ صَحَّ الضَّمَانُ لِوُجُوبِهِ كَالدُّيُونِ وَيَكُونُ الألف كَسْبَ عَبْدِهِ بِالْعَقْدِ، وَفِي ذِمَّةِ سَيِّدِهِ بِالضَّمَانِ وَهِيَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ تُطَالِبَ الْعَبْدَ بِهَا من كسبه بحكم عقده أو تُطَالِبَ السَّيِّدَ بِهَا بِحُكْمِ ضَمَانِهِ، فَإِنْ دَفْعَهَا الْعَبْدُ مِنْ كَسْبِهِ بَرِئَ السَّيِّدُ مِنْ ضَمَانِهَا، وَإِنْ دَفْعَهَا السَّيِّدُ مِنْ مَالِهِ بَرِئَ الْعَبْدُ مِنْهَا وَلَمْ يَرْجِعِ السَّيِّدُ بِهَا عَلَى عَبْدِهِ، لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يَثْبُتُ لَهُ فِي ذِمَّةِ عَبْدِهِ مَالٌ فَلَوْ طَلَّقَ هَذَا الْعَبْدُ زَوْجَتَهُ نُظِرَ فِي طَلَاقِهِ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ بِهَا فَقَدِ اسْتَكْمَلَتْهُ وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا مَلَكَ بِالطَّلَاقِ نِصْفَ الصَّدَاقِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنِ الزَّوْجَةُ قَبَضَتْ صَدَاقَهَا بَرِئَ الزَّوْجُ مِنْ نصف وَبَرِئَ السَّيِّدُ مِنْ ضَمَانِ هَذَا النِّصْفِ، لِأَنَّ براءة المضمون عنه توجب المرأة الضَّامِنِ وَبَقِيَ لِلزَّوْجَةِ نِصْفُ الصَّدَاقِ عَلَى الْعَبْدِ وَعَلَى السَّيِّدِ ضَمَانُهُ، وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الزَّوْجَةُ المطلقة قبل الدخول قد قبضت صدقها رَجَعَ عَلَيْهَا نِصْفُهُ، ثُمَّ لَا يَخْلُو حَالُ الْمُطَلِّقِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ.
إِمَّا أَنْ يَكُونَ بَاقِيًا عَلَى مِلْكِ سَيِّدِهِ عِنْدَ طَلَاقِهِ أَوْ قَدْ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ فَإِنْ كَانَ بَاقِيًا عَلَى مِلْكِهِ فَالسَّيِّدُ هُوَ الرَّاجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ الصَّدَاقِ لِأَنَّه مِنْ كَسْبِ عَبْدِهِ بِالطَّلَاقِ وَاكْتِسَابِ العبد لسيده، وإن كَانَ مِلْكُ السَّيِّدِ قَدْ زَالَ عَنْهُ بعتقٍ أَوْ بَيْعٍ فَفِي مُسْتَحِقِّ هَذَا النِّصْفِ مِنَ الصَّدَاقِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ إِنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ الْعَبْدُ إِنْ كَانَ قَدْ أُعْتِقَ أَوْ مُشْتَرِيهِ إِنْ كَانَ قَدْ بِيعَ وَلَا حق فيه لسيده الدافع له، لأن نصف الصداق كسب ما مَلَكِ بِالطَّلَاقِ وَالطَّلَاقُ لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِ السيد فلم يستحق ما ملك بِهِ بَعْدَ زَوَالِ مِلْكِهِ وَجَرَى ذَلِكَ مَجْرَى الْأَبِ يُزَوِّجُ ابْنَهُ الصَّغِيرَ عَلَى صَدَاقٍ يَدْفَعُهُ الْأَبُ مِنْ مَالِهِ ثُمَّ يُطَلِّقُ الِابْنُ عِنْدَ الْبُلُوغِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِزَوْجَتِهِ فَيَمْلِكُ الِابْنُ نِصْفَ الصَّدَاقِ، وَلَا يَعُودُ إِلَى الْأَبِ وَإِنْ دَفْعَهُ مِنْ مَالِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: - قَالَهُ أَبُو بَكْرِ بن الحداد في " فروعه " - أنه يَكُونُ لِلسَّيِّدِ، لِأَنَّ الصَّدَاقَ مَالُهُ فَمَا رَجَعَ مِنْهُ بِالطَّلَاقِ عَادَ إِلَيْهِ وَإِنْ زَالَ مُلْكُهُ عن العبد.

وَذَهَبَ إِلَى هَذَا بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَيْضًا، وَفُرِّقَ بَيْنَ الْأَبِ إِذَا دَفَعَ الصَّدَاقَ عَنِ ابْنِهِ وَبَيْنَ السَّيِّدِ إِذَا دَفَعَهُ عَنْ عبده، بأن الابن يملك فكان دفع الأب تمليك له ثم قضاء لِلصَّدَاقِ عَنْهُ فَإِذَا طَلَّقَ الِابْنُ قَبْلَ الدُّخُولِ عَادَ نِصْفُ الصَّدَاقِ إِلَيْهِ لِسَابِقِ مِلْكِهِ وَلَيْسَ كَالْعَبْدِ، لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ فَلَمْ يَكُنْ دَفْعُ الصَّدَاقِ عَنْهُ تَمْلِيكًا لَهُ فَإِذَا طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ لَمْ يَمْلِكْ مَا لَمْ يُجْبَرْ لَهُ عَلَيْهِ مِلْكٌ وَسَوَاءً دَفَعَ السَّيِّدُ الصَّدَاقَ مِنْ مَالِهِ أَوْ دَفَعَهُ الْعَبْدُ مِنْ كَسْبِهِ، لِأَنَّ كَسْبَهُ مَالٌ لِسَيِّدِهِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ وَأَوْلَاهُمَا.

مسألة

قال الشافعي: " فَإِنْ بَاعَهَا زَوْجُهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِتِلْكَ الْأَلْفِ بعينها فالبيع باطلٌ من قبل أن عُقْدَةَ الْبَيْعِ وَالْفَسْخِ وَقَعَا مَعًا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا ضَمِنَ السَّيِّدُ عَنْ عَبْدِهِ صَدَاقَ زَوْجَتِهِ وَهُوَ أَلْفٌ ثُمَّ إِنَّهَا ابْتَاعَتْ زَوْجَهَا مِنْ سَيِّدِهِ بِأَلْفٍ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَبْتَاعَهُ بألفٍ فِي ذِمَّتِهَا.
وَالثَّانِي: أَنْ تَبْتَاعَهُ بِالْأَلْفِ الَّتِي هِيَ صَدَاقُهَا فإن ابتاعته بألف فِي ذِمَّتِهَا فَقَدْ ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ بَعْدُ، وإن ابتاعه بِالْأَلْفِ الَّتِي هِيَ صَدَاقُهَا كَأَنَّهَا قَالَتْ لِلسَّيِّدِ بِعْنِي زَوْجِي بِالْأَلْفِ الَّتِي ضَمِنْتَهَا مِنْ صَدَاقِي، فللجواب عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُقَدِّمَتَانِ نَذْكُرُهُمَا، ثُمَّ نَبْنِي الْجَوَابَ عَلَيْهِمَا.
إِحْدَى الْمُقَدِّمَتَيْنِ: أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا مَلَكَتْ زَوْجَهَا بَطَلَ نِكَاحُهَا، وَإِنَّمَا بَطَلَ، لِأَنَّ أَحْكَامَ النِّكَاحِ وَمِلْكَ الْيَمِينِ مُتَضَادَّةٌ، لِأَنَّهُ كَانَ مالكاً لبعضها فصارت مالكة لرقبته، وصار مُسْتَحِقَّ الْحَجْرِ عَلَيْهَا بِالزَّوْجِيَّةِ فَصَارَتْ تَسْتَحِقُّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ بِالرِّقِّ وَكَانَتْ نَفَقَتُهَا عَلَيْهِ فَصَارَتْ نَفَقَتُهُ عَلَيْهَا وَإِذَا تَضَادَّتْ أَحْكَامُهَا مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ ثبت أقواهما وانتفى أضعفها، وَمِلْكُ الْيَمِينِ أَقْوَى مِنْ عَقْدِ النِّكَاحِ، لِأَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ يُخْتَصُّ بِمِلْكِ الْبُضْعِ، وَمِلْكُ الْيَمِينِ يَسْتَوْعِبُ مِلْكَ الرَّقَبَةِ كُلِّهَا فَلِذَلِكَ ثَبَتَ مِلْكُ الْيَمِينِ وَبَطَلَ عَقْدُ النِّكَاحِ.
وَالْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ فَسْخَ النِّكَاحِ قَبْلَ الدُّخُولِ إِنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجَةِ أَسْقَطَ جَمِيعَ صَدَاقِهَا كَمَا لَوِ ارْتَدَّتْ وَإِنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ لَمْ يسقط الصداق إلا نصفه كما لو ارتد، وَهُوَ هَاهُنَا مِنْ قِبَلِ الزَّوْجَةِ، لِأَنَّهُ وَقَعَ بابتياعها له.
فإن قيل الفسخ هَاهُنَا إِنَّمَا وَقَعَ بِالِابْتِيَاعِ الَّذِي هُوَ مِنْهُمَا وَالْفَسْخُ إِذَا وَقَعَ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجَيْنِ غَلَبَ فِيهِ حُكْمُ الزَّوْجِ دُونَ الزَّوْجَةِ كَالْخُلْعِ.
قِيلَ: قَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا هَذَا، فَأَخْطَأَ فيه، مَذْهَبًا، وَحِجَاجًا.
أَمَّا الْمَذْهَبُ فَهُوَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَدْ نَصَّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عَلَى خِلَافِهِ، وَجَعَلَ الْفَسْخَ مُضَافًا إِلَى الزَّوْجَةِ فِي إِسْقَاطِ جَمِيعِ صَدَاقِهَا.
وَأَمَّا الْحِجَاجُ فَهُوَ الْفَرْقُ الْوَاقِعُ بَيْنَ الِابْتِيَاعِ وَالْخَلْعِ مِنْ وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ الِابْتِيَاعَ إِنَّمَا كَانَ بَيْنَ السَّيِّدِ والزوجة من غير أن يكون للزوج فيه صنع ولا اختبار فلم يجز أن يضاف إليه الخلع، وإنما كَانَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فَجَازَ لِاخْتِصَاصِ الزَّوْجِ بِالْفُرْقَةِ أَنْ يُضَافَ الْفَسْخُ إِلَيْهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الزَّوْجَ فِي الْخُلْعِ أَزَالَ مِلْكَهُ عَنِ الْبُضْعِ إِلَى غير مالك كالعتق الذي يزيل بِهِ الْمُعَتِقُ مِلْكَهُ عَنْ رَقَبَةِ الْعَبْدِ إِلَى غَيْرِ مَالِكٍ فَغَلَبَ فِيهِ حُكْمُ الزَّوْجِ دُونَ الزَّوْجَةِ وَالِابْتِيَاعُ قَدْ زَالَ بِهِ مِلْكُ الْبَائِعِ وَانْتَقَلَ إِلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي فَغَلَبَ فِيهِ حُكْمُ الزَّوْجَةِ لِانْتِقَالِ الْمِلْكِ إِلَيْهَا دُونَ الزَّوْجِ.

فَصْلٌ

فَإِذَا تَقَرَّرَتْ هَاتَانِ الْمُقَدِّمَتَانِ وَابْتَاعَتْ زَوْجَهَا بِالْأَلْفِ الَّذِي ضَمِنَهُ السَّيِّدُ مِنْ صَدَاقِهَا لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ قَدْ دَخَلَ بِهَا قَبْلَ الِابْتِيَاعِ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ، فَإِنِ ابْتَاعَتْهُ بعد دخوله بها كَانَ الْبَيْعُ جَائِزًا لِابْتِيَاعِهَا إِيَّاهُ مِنْ مَالِكِهِ بثمن قد استحقته ذِمَّتِهِ لِاسْتِكْمَالِهَا لِلصَّدَاقِ بِالدُّخُولِ فَصَارَ كَابْتِيَاعِهَا إِيَّاهُ بِدَيْنٍ عَلَى سَيِّدِهِ وَإِذَا صَحَّ الْبَيْعُ بَطَلَ النِّكَاحُ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الزَّوْجَةَ إِذَا مَلَكَتْ زَوْجَهَا بَطَلَ نِكَاحُهَا، وَبَرِئَتِ الزَّوْجَةُ مِنَ الثَّمَنِ لِكَوْنِهِ صَدَاقًا، وَبَرِئَ السَّيِّدُ مِنْ ضَمَانِ الصَّدَاقِ لِكَوْنِهِ ثَمَنًا وَلَمْ يَبْقَ لَهَا عَلَى زَوْجِهَا صَدَاقٌ، لِأَنَّهَا قَدِ اسْتَوْفَتْهُ مِنْ ضَامِنِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى عَبْدِهِ بما غرمه عنه من ضمانه، لِأَنَّهُ ضَمِنَهُ عَنْهُ فِي حَالِ مِلْكِهِ.
فَصْلٌ وَإِنِ ابْتَاعَتْهُ بِصَدَاقِهَا قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا فَهِي

َ مَسْأَلَةُ

الْكِتَابِ فَالْبَيْعُ يَكُونُ بَاطِلًا، وَتَعْلِيلُ بُطْلَانِهِ قَدْ أَجْمَلَهُ الشَّافِعِيُّ فَقَالَ: " لِأَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ وَالْفَسْخِ وَقَعَا مَعًا ". وَبَيَانُهُ: أَنَّ فِي إِثْبَاتِ البيع إبطال النكاح، وَذَلِكَ أَنَّ الْبَيْعَ إِذَا صَحَّ بَطَلَ النِّكَاحُ، وَإِذَا بَطَلَ النِّكَاحُ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ سَقَطَ صَدَاقُهَا وَإِذَا سَقَطَ الصَّدَاقُ بَطَلَ ضَمَانُهُ، لِأَنَّ بَقَاءَ الضَّمَانِ يَكُونُ لِبَقَاءِ الْحَقِّ الْمَضْمُونِ، وَإِذَا بَطَلَ الضَّمَانُ بَطَلَ الثَّمَنُ، لِأَنَّ الثَّمَنَ هُوَ الصَّدَاقُ الْمَضْمُونُ، وَإِذَا بَطَلَ الثَّمَنُ بَطَلَ الْبَيْعُ، لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِثَمَنٍ، فَلَمَّا أَدَّى إِثْبَاتُ الْبَيْعِ إِلَى إِبْطَالِ النِّكَاحِ وَالْبَيْعِ حُكِمَ بِإِبْطَالِ الْبَيْعِ وَبَقَاءِ النِّكَاحِ عَلَى ثُبُوتِهِ، لِأَنَّ مَا أَدَّى ثُبُوتُهُ إِلَى إِسْقَاطِهِ وَإِسْقَاطِ غَيْرِهِ حُكِمَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ بِإِسْقَاطِهِ وَثُبُوتِ غَيْرِهِ لِيُدْفَعَ بِأَقَلِّ الضَّرَرَيْنِ أَكْبَرُهُمَا، وَلِذَلِكَ نَظَائِرُ.
فَمِنْهَا: أَنَّ مَنْ مَاتَ وَتَرَكَ أخاً وَارِثَ لَهُ سِوَاهُ، فَأَقَرَّ الْأَخُ بِابْنٍ لِلْمَيِّتِ ثَبَتَ نَسَبُ الِابْنِ وَلَمْ يَرِثْ، لِأَنَّهُ لَوْ ورث لحجب الْأَخَ فَلَمْ يَرِثْ، وَإِذَا لَمْ يَرِثِ الْأَخُ بَطَلَ إِقْرَارُهُ بِالنَّسَبِ، لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقِرَّ بِالنَّسَبِ مَنْ لَيْسَ بِوَارِثٍ، وَإِذَا بَطَلَ إِقْرَارُهُ بِالنَّسَبِ لَمْ يَثْبُتِ النَّسَبُ، فَلَمَّا كَانَ تَوْرِيثُ هَذَا الِابْنِ مُؤَدِّيًا إِلَى إِبْطَالِ نَسَبِهِ وَمِيرَاثِهِ ثَبَتَ نَسَبُهُ وَبَطَلَ مِيرَاثُهُ.
وَمِنْهَا: أَنَّ مَنِ اشْتَرَى أَبَاهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ عَتَقَ وَلَمْ يَرِثْ، لِأَنَّ عِتْقَهُ فِي الْمَرَضِ كَالْوَصِيَّةِ لَهُ فِي اعْتِبَارِهِ مِنَ الثُّلُثِ، فَلَوْ وَرِثَ لمنع الوصية، لأنه لا وصية لوارث وإن مُنِعَ الْوَصِيَّةَ بَطَلَ الْعِتْقُ، وَإِذَا بَطَلَ الْعِتْقُ سَقَطَ الْمِيرَاثُ، فَلَمَّا كَانَ تَوْرِيثُهُ مُؤَدِّيًا إِلَى إِبْطَالِ عِتْقِهِ وَمِيرَاثِهِ ثَبَتَ عِتْقُهُ وَسَقَطَ مِيرَاثُهُ.
ومنها: أن يوصي لرجل بابن له مملوكه فمات قبل الوصية، وخلف أَخًا هُوَ وَارِثُهُ فَيَقْبَلُ الْأَخُ الْوَصِيَّةَ لِأَخِيهِ بِابْنِهِ فَإِنَّ الِابْنَ يَعْتِقُ وَلَا يَرِثُ، لِأَنَّهُ لو ورث

لحجب الْأَخَ، وَإِذَا حَجَبَهُ بَطَلَ قَبُولُهُ لِلْوَصِيَّةِ وَإِذَا بَطَلَ قَبُولُهُ بَطَلَ عِتْقُ الِابْنِ وَإِذَا بَطَلَ عِتْقُهُ سَقَطَ مِيرَاثُهُ فَلَمَّا أَدَّى ثُبُوتُ مِيرَاثِهِ إلى سقوط عتقه وبطلانه ثبت العتق وسقط الْمِيرَاثُ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَدَّعِيَ عَبْدَانِ عَلَى سَيِّدِهِمَا العتق، وهو منكر فيشهد لَهُمَا شَاهِدَانِ بِالْعِتْقِ فَيُحْكَمُ بِعِتْقِهِمَا ثُمَّ يَشْهَدُ الْمُعَتَقَانِ بِجَرْحِ الشَّاهِدِينَ فَإِنَّ شَهَادَتَهُمَا بِالْجَرْحِ مَرْدُودَةٌ، لِأَنَّهَا لَوْ قُبِلَتْ فِي الْجَرْحِ رَدَّتْ شَهَادَةَ الشَّاهِدِينَ بِالْعِتْقِ، وَصَارَ الْمُعَتَقَانِ عَبْدَيْنِ مَرْدُودِيِ الشَّهَادَةِ، فَلَمَّا أَدَّى قَبُولُ شَهَادَتِهِمَا إِلَى رَدِّهَا وَإِبْطَالِ الْعِتْقِ رُدَّتْ شَهَادَتُهُمَا وَثَبَتَ الْعِتْقُ وَلِذَلِكَ مِنَ النَّظَائِرِ مَا يَطُولُ ذِكْرُهُ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا أَمْثِلَةً يُؤَدِّي دَوْرُهَا إِذَا ثَبَتَ إِلَى سُقُوطِهَا فَلَمْ يثبت - وبالله التوفيق -.

مسألة

قال الشافعي: " وَلَوَ بَاعَهَا إِيِّاهُ بألفٍ لَا بِعَيْنِهَا كَانَ الْبَيْعُ جَائِزًا وَعَلَيْهَا الثَّمَنُ وَالنِّكَاحُ مفسوخٌ مِنْ قبلها وقبل السيد ". قال الماوردي: وهذه المسألة الثانيةمن ابتياعها لزوجها إن ابتاعته بِأَلْفٍ فِي ذِمَّتِهَا فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ لِانْعِقَادِهِ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ، وَالنِّكَاحُ قَدْ بَطَلَ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ النِّكَاحَ وَمِلْكَ الْيَمِينِ لَا يَجْتَمِعَانِ لِتَنَافِي أَحْكَامِهِمَا فَأُثْبِتُ أَقْوَاهُمَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ قَدْ دَخَلَ بِهَا قَبْلَ ابْتِيَاعِهَا لَهُ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ دَخَلَ بِهَا فَصَدَاقُهَا قَدْ سَقَطَ لِانْفِسَاخِ النِّكَاحِ مِنْ جِهَتِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَإِذَا سَقَطَ الصَّدَاقُ بَطَلَ ضَمَانُ السَّيِّدِ لَهُ، لِأَنَّ الضَّمَانَ فَرْعٌ لِأَصْلٍ قَدْ بَرِئَ مِنْهُ الْمَضْمُونُ فَبَرِئَ الضَّامِنُ مِنْهُ وَلِلسَّيِّدِ عَلَيْهَا الْأَلْفُ الَّذِي اشترت بها زوجها ولا مطالبة لها بصداقها.

فَصْلٌ

وَإِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا قَبْلَ ابْتِيَاعِهَا لَهُ، فَقَدِ اسْتَقَرَّ لَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا بالدخول على الزوج قد ملكته فصار عبداً لها، قبل تبرأ الزوج منه بحدوث ملكها أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: قَدْ بَرِئَ مِنْهُ، لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يَصِحُّ أَنَّ يَثْبُتَ لَهُ فِي ذِمَّةِ عَبْدِهِ مَالٌ فَعَلَى هَذَا قَدْ بَرِئَ السَّيِّدُ مِنْ ضَمَانِهِ لِبَرَاءَةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَلِلسَّيِّدِ مُطَالَبَتُهَا بِالْأَلْفِ الَّذِي هُوَ ثَمَنٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الزَّوْجَ لَا يَبْرَأُ مِنْ صَدَاقِهَا، وَإِنْ صَارَ عَبْدًا لَهَا لِاسْتِقْرَارِهِ عَلَيْهِ قَبْلَ مِلْكِهَا لَهُ فَلَمْ يَسْقُطْ إِلَّا بِأَدَاءٍ أَوْ إِبْرَاءٍ، وَإِنْ صَارَ لَهَا عَبْدًا، وَإِنَّمَا لَا يَثْبُتُ لَهَا ابْتِدَاءً فِي ذِمَّتِهِ مَالٌ بَعْدَ أَنْ صَارَ لَهَا عَبْدًا، فَأَمَّا أَنَّ يكون الحق ثابتاً فلا يُمْتَنَعُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْمِلْكِ بَاقِيًا فَعَلَى هَذَا لَهَا عَلَى السَّيِّدِ الْأَلْفُ الَّذِي هُوَ صداقها، وللسيد عليها الألف التي هي ثمن زوجها، فإن كانت الألفان من نقدين مختلفين لم يصر قصاصاً، وَكَانَ عَلَيْهَا أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى السَّيِّدِ الْأَلْفَ التي هي ثَمَنُ زَوْجِهَا وَعَلَى السَّيِّدِ أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَيْهَا الْأَلْفَ الَّذي هِوَ صَدَاقُهَا.
فَإِنْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا أَدْفَعُ مَا عَلَيَّ حَتَّى أقبض مالي لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ، لِأَنَّهُ لَا تَعَلُّقَ لأحد المالين بالآخر، فأيهما بَدَأَ بِالْمُطَالَبَةِ قُضِيَ لَهُ عَلَى صَاحِبِهِ بِالدَّفْعِ فإن تبارءا من

فصول الكتاب · 30 فصل · 608 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الحاوي الكبير · 608 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كِتَابُ الْبُيُوعِ
كتاب الإقرار
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كتاب العارية
كتاب الغصب
كِتَابُ الشَّرْطِ فِي الرَّقِيقِ يَشْتَرِطُهُمُ الْمُسَاقِي
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ الْعَطَايَا وَالصَّدَقَاتِ
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب الصداق
كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع
كتاب السير
كتاب مختصر الجامع من كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب النذور
كِتَابُ الْعِتْق
كتاب عتق أمهات الأولاد من كتب
جارٍ التحميل