كتاب النذور
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الماوردي
- الكتاب
- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
- المحقق
- الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1419 هـ -1999 م
- عدد الأجزاء
- 19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الرِّقِّ، لِأَنَّ الْوَلَاءَ جَارٍ مَجْرَى النَّسَبِ فِي الْمِيرَاثِ، فَخَرَجَ عَنْ أَحْكَامِ الرِّقِّ فِي النَّقْضِ.
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا الصَّبِيُّ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ شَهَادَتَهُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ بِحَالٍ، سَوَاءٌ رَاهَقَ أَوْ لَمْ يُرَاهِقْ، وَسَوَاءٌ حُكِمَ بِصِحَّةِ إِسْلَامِهِ، أَوْ لَمْ يُحْكَمْ، فَإِنْ بَلَغَ الِاحْتِلَامَ قَبْلَ اسْتِكْمَالِ السِّنِّ قُبِلَ، وَكَذَلِكَ لَوْ بَلَغَ بِاسْتِكْمَالِ السِّنِّ قُبِلَ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالِغًا، فَلَمْ يُعْتَبَرِ اجْتِمَاعُهُمَا فِيهِ.
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا الْكَافِرُ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِمُسْلِمٍ، وَلَا عَلَيْهِ فِي وَصِيَّةٍ، وَلَا غَيْرِهَا، فِي سِفْرٍ كَانَ أَوْ حَضَرٍ.
وَحُكِيَ عَنْ دَاوُدَ: أَنَّهُ أَجَازَ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي وَصِيَّتِهِ، فِي السَّفَرِ دُونَ الْحَضَرِ.
وَبِهِ قَالَ مِنَ التَّابِعِينَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَعِكْرِمَةُ.
فَأَمَّا قَبُولُ شَهَادَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وَعَلَى بَعْضٍ، فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي جَوَازِهَا عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ إِنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ بِحَالٍ سَوَاءٌ اتَّفَقَتْ مِلَلُهُمْ أَوِ اخْتَلَفَتْ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ إِنَّ شَهَادَةَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ مَقْبُولَةٌ مَعَ اتِّفَاقِ مِلَلِهِمْ وَاخْتِلَافِهَا، وَبِهِ قَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَقُضَاةُ الْبَصْرَةِ الْحَسَنُ، وَسَوَّارٌ وَعُبَيْدُ اللَّهِ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ، وَقَتَادَةَ إِنَّهُ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ لِأَهْلِ مِلَّتِهِمْ وَعَلَيْهِمْ، وَلَا تُقْبَلُ عَلَى غَيْرِ أَهْلِ مِلَّتِهِمْ كَالْيَهُودِ عَلَى النَّصَارَى، وَالنَّصَارَى عَلَى الْيَهُودِ.
وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: 106] .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مِنْ غَيْرِ دِينِكُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَجَعَلَهُ دَاوُدُ مَقْصُورًا عَلَى الْوَصِيَّةِ، وَجَعَلَهُ أَبُو حَنِيفَةَ مَقْصُورًا عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَجَعَلَهُ الزُّهْرِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ مَقْصُورًا عَلَى الْمُوافِقِينَ فِي الْمِلَّةِ دُونَ الْمُخَالِفِينَ وَرَوَى الشَّعْبِيُّ عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " أَجَازَ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ " قَالُوا: وَهَذَا نَصٌّ.
وَرَوَى أَبُو أُسَامَةَ عَنْ مُجَالِدٍ عَنْ عَامِرٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ جَاءَتِ الْيَهُودُ بِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ مِنْهُمْ زَنَيَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ: " ائْتُونِي بِأَعْلَمِ رَجُلَيْنِ مِنْكُمْ " فَأَتَوْهُ
بابني صوريا " فنشهدما كَيْفَ تَجِدُونَ أَمْرَ هَذَيْنِ فِي التَّوْرَاةِ " فَقَالَا نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ إِذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا مِثْلَ الْمَيْلِ فِي الْمُكْحُلَةِ رُجِمَا، قَالَ: " فَمَا مَنَعَكُمَا أَنْ تَرْجُمُوهُمَا " قَالَا ذَهَبَ سُلْطَانُنَا فَكَرِهْنَا الْقَتْلَ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بالشهود فجاؤوا بِأَرْبَعَةٍ فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا مِثْلَ الْمَيْلِ فِي الْمُكْحُلَةِ، " فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِرَجْمِهِمَا ".
فَدَلَّ عَلَى قَبُولِ شَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ، بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ قَالُوا: وَلِأَنَّ الْكُفْرَ لَا يُنَافِي الْوِلَايَةَ، لِأَنَّ الْكَافِرَ يَلِي عَلَى أَطْفَالِهِ وَعَلَى نِكَاحِ بَنَاتِهِ، فَكَانَ أَوْلَى أَنْ لَا يُمْنَعَ مِنَ الشَّهَادَةِ، لِأَنَّهَا أَخَفُّ شُرُوطًا مِنَ الْوِلَايَةِ.
قَالُوا: وَلِأَنَّ مَنْ كَانَ عَدْلًا مِنْ أَهْلِ دِينِهِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ كَالْمُسْلِمِينَ.
قَالُوا: وَلِأَنَّهُ فُسِّقَ عَلَى وَجْهِ التَّأْوِيلِ، فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ كَأَهْلِ الْبَغْيِ.
وَدَلِيلُنَا: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] فَمَنَعَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِمْ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُمْ غَيْرُ عُدُولٍ.
وَالثَّانِي: إِنَّهُمْ لَيْسُوا مِنَّا.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6] وَالْكَافِرُ فَاسِقٌ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَثَبَّتَ فِي خَبَرِهِ، وَالشَّهَادَةُ أَغْلَظُ مِنَ الْخَبَرِ، فَأَوْجَبَتِ التَّوَقُّفَ عَنْ شَهَادَتِهِ.
وَرَوَى عُبَادَةُ بْنُ نُسَيٍّ عَنِ ابْنِ غَنْمٍ قَالَ: سَأَلْتُ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ عَنْ شَهَادَةِ الْيَهُودِيِّ عَلَى النَّصْرَانِيِّ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُولُ: " لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَهْلِ دِينٍ عَلَى غَيْرِ أَهْلِ دِينِهِمْ إِلَّا الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُمْ عُدُولٌ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَعَلَى غَيْرِهِمْ " فَإِذَا مَنَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مِنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِمْ عَلَى غَيْرِ أَهْلِ دِينِهِمْ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يُسَوِّي بَيْنَ أَهْلِ دِينِهِمْ وَغَيْرِهِمْ دَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ عَلَى أَهْلِ دِينِهِمْ، وَعَلَى غَيْرِهِمْ، وَلِأَنَّ الْفَاسِقَ الْمُسْلِمَ أَكْمَلُ مِنَ الْكَافِرِ الْعَدْلِ، لِصِحَّةِ الْعِبَادَاتِ مِنَ الْفَاسِقِ، وَاسْتِحْقَاقِ الْمِيرَاثِ، وَذَلِكَ لَا يَصِحُّ مِنَ الْكَافِرِ، ولا يستحق ميراث مسلم، ثم كَانَ الْفِسْقُ مَانِعًا مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ، فَكَانَ الْكُفْرُ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَانِعًا مِنْهَا.
وَيَتَحَرَّرُ لك مِنْ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ قِيَاسَانِ.
أَحَدُهُمَا: إِنَّ مَنْ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ عَلَى الْمُسْلِمِ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ عَلَى غَيْرِ الْمُسْلِمِ كَالْفَاسِقِ.
وَالثَّانِي: إِنَّ مَنْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ بِالْفِسْقِ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ بِالْكُفْرِ، كالشهادة على
الْمُسْلِمِ، وَلِأَنَّ الْكَذِبَ يَمْنَعُ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ، وَالْكَذِبُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَعْظَمُ مِنَ الْكَذِبِ عَلَى عِبَادِهِ، ثُمَّ كَانَتْ شَهَادَةٌ مَنْ كَذَبَ عَلَى النَّاسِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَرْدُودَةً، وَالْكَافِرُ الْكَاذِبُ عَلَى اللَّهِ أَوْلَى أَنْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ، وَقَدْ وصف الله تعالى كذبهم فقال: ﴿لا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: 5] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 3] .
وَيَتَحَرَّرُ مِنْ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ قِيَاسَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّ مَنْ كَانَ مَوْسُومًا بِالْكَذِبِ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ كَالْمُسْلِمِ.
وَالثَّانِي: إِنَّ الْكَذِبَ إِذَا رُدَّتْ بِهِ شَهَادَةُ الْمُسْلِمِ، فَأَوْلَى أَنْ تُرَدَّ بِهِ شَهَادَةُ الْكَافِرِ، كَالْكَذِبِ عَلَى النَّاسِ، وَلِأَنَّ نَقْصَ الْكُفْرِ أَغْلَظُ مِنْ نَقْصِ الرِّقِّ، لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّ نَقْصَ الْكَفْرِ يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الْعِبَادَاتِ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْهَا نَقْصُ الرِّقِّ.
وَالثَّانِي: إِنَّ نَقْصَ الْكَفْرِ يَمْنَعُ مِنْ قَبُولِ الْخَبَرِ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْهُ نَقْصُ الرِّقِّ، ثُمَّ ثَبَتَ بِاتِّفَاقِنَا وَأَبِي حَنِيفَةَ أَنْ نَقْصَ الرِّقِّ يَمْنَعُ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ، فَكَانَ أَوْلَى أَنْ يَمْنَعَ مِنْ قَبُولِهَا نَقْصُ الْكَفْرِ وَلِهَذِهِ الْمَعَانِي مَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ قَبُولِ شَهَادَةِ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ اعْتِبَارًا بِنَقْصِ الْكَفْرِ، فَكَذَلِكَ أَهْلُ الْكِتَابِ.
وَيَتَحَرَّرُ مِنْ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ قِيَاسَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهَا شَهَادَةٌ يَمْنَعُ مِنْهَا الرِّقَّ، فَوَجَبَ أَنْ يُمْنَعَ مِنْهَا الْكُفْرُ، قِيَاسًا عَلَى شَهَادَةِ الْوَثَنِيِّ.
وَالثَّانِي: إِنَّهَا شَهَادَةٌ يَمْنَعُ مِنْهَا كُفْرُ الْوَثَنِيِّ، فَوَجَبَ أَنْ يَمْنَعَ مِنْهَا كُفْرُ الْكِتَابِيِّ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الْمُسْلِمِ.
فَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِالْآيَةِ فَسَنَذْكُرُ مِنِ اخْتِلَافِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِي تَفْسِيرِهَا مَا يَتَكَافَأُ بِهِ الِاسْتِدْلَالُ بِهَا.
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ [المائدة: 106] فَفِيهِ ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتٍ:
أَحَدُهَا: إِنَّهَا الشَّهَادَةُ بِالْحُقُوقِ عِنْدَ الْحُكَّامِ.
وَالثَّانِي: إِنَّهَا شَهَادَةُ الْحُضُورِ لِلْوَصِيَّةِ.
وَالثَّالِثُ: إِنَّهَا أَيْمَانٌ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَيْمَانُ بَيْنِكُمْ فَعَبَّرَ عَنِ الْيَمِينِ بِالشَّهَادَةِ، كَمَا قَالَ فِي أَيْمَانِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: 6] فَلَا يَكُونُ لِأَبِي حَنِيفَةَ فِيهَا دَلِيلٌ إِلَّا عَلَى التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ، وَيَمْنَعُهُ التَّأْوِيلَانِ الْآخَرَانِ مِنْهُمَا، وَلَا يَكُونُ لِدَاوُدَ فِيهَا دَلِيلٌ إِلَّا عَلَى التَّأْوِيلِ الثَّانِي، وَيَمْنَعُهُ التَّأْوِيلَانِ الْآخَرَانِ فِيهِمَا.
وفي قوله: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: 106] تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَعْنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ.
وَالثَّانِي: يَعْنِي: وَصِيَّ الْمُوصِي، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَفِيهِمَا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُمَا شَاهِدَانِ يَشْهَدَانِ عَلَى وَصِيَّةِ الْمُوصِي.
وَالثَّانِي: أنهما وصيان وَلِيِّهِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَدَاوُدَ دَلِيلٌ عَلَى التَّأْوِيلَيْنِ الْآخَرَيْنِ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا دَلِيلٌ عَلَى التَّأْوِيلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ آخَرَانِ من غيركم﴾ فِيهِ تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: مِنْ غَيْرِ دِينِكُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَشُرَيْحٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
وَالثَّانِي: مِنْ غَيْرِ قَبِيلَتِكُمْ وَعَشِيرَتِكُمْ، وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ، وَعِكْرِمَةَ، وَالزُّهْرِيِّ، وَلَيْسَ لَهُمَا فِيهِمَا عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ دَلِيلٌ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا عَلَى التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ دَلِيلٌ.
وَفِي هَذَا الْمَوْضِعِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهَا عَلَى التَّخْيِيرِ فِي اثْنَيْنِ مِنَّا، أَوْ آخَرَيْنِ مِنْ غَيْرِنَا.
وَالثَّانِي: إِنَّهَا لِغَيْرِ التَّخْيِيرِ، وَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ، أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ لَمْ تَجِدُوا مِنْكُمْ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَشُرَيْحٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [المائدة: 106] يَعْنِي سافرتم " فأصابتكم مصيبة الموت "، وَفِي الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ، وَتَقْدِيرُهُ، وَقَدْ أَسْنَدْتُمُ الْوَصِيَّةَ إليهما.
وقوله: ﴿تحبسونها مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ [المائدة: 106] أَيْ تَسْتَوْثِقُوا بِهِمَا لِلْأَيْمَانِ، وَهَذَا خِطَابٌ لِلْوَرَثَةِ، وَفِي هَذِهِ الصَّلَاةِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعَصْرِ، وَهَذَا قَوْلُ شُرَيْحٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
وَالثَّانِي: مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ أَهْلِ دِينِهِمَا وَمِلَّتِهِمَا مِنْ أَهْلِ الذمة، وهذا قول ابن عباس، والسدي.
﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ [المائدة: 106] فِيهَا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِنِ ارْتَبْتُمْ بِالْوَصِيَّيْنِ فِي الْخِيَانَةِ أَحْلَفَهُمَا الْوَرَثَةُ.
وَالثَّانِي: إِنِ ارْتَبْتُمْ بِالشَّاهِدَيْنِ فِي الْعَدَالَةِ، وَالْجَرْحِ أَحْلَفَهُمَا الْحَاكِمُ.
وفي قوله: ﴿لا نشتري به ثمنا﴾ فيهما تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا نَأْخُذُ عَلَيْهِ رِشْوَةً، وَهَذَا قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ.
وَالثَّانِي: لَا يعتاض عليه بحق، ﴿ولو كان ذا قربى﴾ أَيْ لَا يَمِيلُ مَعَ ذِي الْقُرْبَى فِي قول الزور والشهادة بغير حق، ولا يكتم شهادة الله، عِنْدَنَا فِيمَا أَوْجَبَهُ مِنْ أَدَائِهَا عَلَيْنَا.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فآخران يقومان مقامهما﴾ [المائدة: 107] وفي ﴿عثر﴾ تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: ظَهَرَ، حَكَاهُ ابْنُ عِيسَى.
وَالثَّانِي: اطَّلَعَ، قَالَهُ النَّخَعِيُّ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَإِنْ تَقَارَبَ مَعْنَاهُمَا: أَنَّ الظُّهُورَ مَا بَانَ بِنَفْسِهِ وَالِاطِّلَاعَ ما بان بالكشف عنه.
وقوله: ﴿استحقا إثما إن كذبا وخانا﴾ [المائدة: 107] فعبر عن الكذب والخيانة بالإثم، لحدوثه عنهما، وَفِي الَّذِي ﴿عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُمَا الشَّاهِدَانِ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَالثَّانِي: إِنَّهُمَا الْوَصِيَّانِ، وَهَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بن جبير.
﴿فآخران﴾ يعني من الورثة.
﴿يقومان مقامهما﴾ يَعْنِي فِي اليمين حِينِ ظَهَرَ لَهُمَا الْخِيَانَةُ من الذين استحق عليهما الأوليان.
فِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: الْأَوْلَيَانِ بِالْمَيِّتِ مِنَ الْوَرَثَةِ، وَهَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
وَالثَّانِي: الْأَوْلَيَانِ بِالشَّهَادَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَشُرَيْحٍ وَسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ، مَا رَوَى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَهْمٍ، قِيلَ: إِنَّهُ ابْنُ أَبِي مارية، مولى العاصي بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيِّ مَعَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، وَعُدَيِّ بْنِ بَدَّاءٍ فَمَاتَ السَّهْمِيُّ بِأَرْضٍ لَيْسَ بِهَا مُسْلِمٌ، فَلَمَّا قَدِمَا بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا جَامًا مِنْ فِضَّةٍ مُخَوَّصًا بِالذَّهَبِ، فَأَحْلَفَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ثُمَّ وَجَدَ الْجَامَ بِمَكَّةَ، فَقَالُوا: اشْتَرَيْنَاهُ مِنْ تميم الداري، وعدي بن براء، فقام رجلان من أولياء السهمي، قيل: إنه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَالْمُطَّلِبُ بْنُ أَبِي وَدَاعَةَ فَحَلَفَا لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ
شَهَادَتِهِمَا، وَأَنَّ الْجَامَ لِصَاحِبِهِمْ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَاتَانِ الْآيَتَانِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ، قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " سافروا مع ذوي الجدود والمسيرة ".
وَاخْتُلِفَ فِي حُكْمِ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ، هَلْ هُوَ منسوخ أو ثابت؟ فقال ابن عباس: حكمها مَنْسُوخٌ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: حُكْمُهُمَا ثَابِتٌ، وَقَدْ تَجَاوَزْنَا بِتَفْسِيرِ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ حَدَّ الْجَوَابِ لِيُعْرَفَ حُكْمُهُمَا، وَلَيْسَ مَعَ هَذَا الِاخْتِلَافِ دَلِيلٌ فِيهِمَا، فَإِنِ اسْتَدَلَّ مَنْ نَصَرَ مَذْهَبَ دَاوُدَ بِمَا رَوَاهُ غَيْلَانُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: شَهِدَ رَجُلَانِ نَصْرَانِيَّانِ مِنْ أَهْلِ دَقُوقَاءَ عَلَى وَصِيَّةِ مُسْلِمٍ، وَأَنَّ أَهْلَ الْوَصِيَّةِ أَقَرَّا بِهِمَا أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ، فَاسْتَحْلَفَهُمَا بِاللَّهِ بَعْدَ الْعَصْرِ مَا اشْتَرَيْنَا ثَمَنًا، وَلَا كَتَمْنَا شَهَادَةً بِاللَّهِ، إِنَّا إِذًا، لَمِنَ الْآثِمِينَ، ثُمَّ قَالَ أَبُو مُوسَى، وَاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ لَقَضِيَّةٌ مَا قُضِيَ بِهَا مُنْذُ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَبْلَ الْيَوْمِ.
قِيلَ: هَذَا خِلَافٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، فلم يحج بَعْضُهُمْ بَعْضًا، لَا سِيَّمَا وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى خِلَافِهِ.
ثُمَّ هَذِهِ قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَهَا تَأْوِيلٌ، فَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا دَلِيلٌ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِحَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّهُ أَجَازَ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فَهُوَ أَنَّهُ أَرَادَ بِالشَّهَادَةِ اليمين كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون: 2] ، وَكَمَا قَالَ فِي الْمُنَافِقِينَ: ﴿قَالُوا: نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: 1] أَيْ: نَحْلِفُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ رَجْمِ الزَّانِيَيْنِ الْيَهُودِيَّيْنِ: فَهُوَ أَنَّهُ لَمْ يُرْوَ أَنَّهُ قَبِلَ شَهَادَةَ الْيَهُودِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الشُّهُودُ مُسْلِمِينَ، أَوْ حَصَلَ مَعَ شَهَادَةِ الْيَهُودِ اعْتِرَافُ الزَّانِيَيْنِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِصِحَّةِ وِلَايَتِهِمْ: فَهُوَ أَنَّ الْوِلَايَةَ خَاصَّةٌ فَخَفَّ حُكْمُنَا، لِمَا يُرَاعَى فِيهَا عَدَالَةُ الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ، وَيُرَاعَى فِي الشَّهَادَةِ عَدَالَةُ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، فَلِذَلِكَ رُدَّتْ شَهَادَةُ الْكَافِرِ، وَإِنْ صَحَّتْ وِلَايَتُهُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِأَنَّهُمْ عُدُولٌ: فَهُوَ أَنَّ كِتَابَ اللَّهِ الْوَارِدَ بِتَكْذِيبِهِمْ يَمْنَعُ مِنْ ثُبُوتِ عَدَالَتِهِمْ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى أَهْلِ الْبَغْيِ، لِأَنَّ فِسْقَهُمْ بِتَأْوِيلٍ: فَهُوَ أَنَّ مَنْ حُكِمَ بِفِسْقِهِ مِنْهُمْ لِظُهُورِ الْخَطَأِ فِي تَأْوِيلِهِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ، وَمَنْ كَانَ تَأْوِيلُ شُبْهَتِهِ مُحْتَمَلًا كَانُوا عَلَى عَدَالَتِهِمْ وَقَبُولِ شَهَادَتِهِمْ.
(كتاب الأقضية واليمين مع الشاهد وما دخل فيه من اختلاف الحديث وغير ذلك)
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْمَخْزُومِيُّ عَنْ سَيْفِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ قَالَ عَمْرٌو فِي الْأَمْوَالِ وَرَوَاهُ مِنْ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ وَمِنْ حَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ وَرَوَاهُ عَنْ عَلِيٍّ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَشُرَيْحٍ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْحُكْمِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى جَوَازِ الْحُكْمِ بِهِ.
وَهُوَ فِي الصَّحَابَةِ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
وَمِنَ التَّابِعِينَ: قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَشُرَيْحٍ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَابْنِ سِيرِينَ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ، وَرَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَمَالِكٍ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْكَمَ بِالْيَمِينِ وَالشَّاهِدِ، وَوَافَقَهُ أَصْحَابُهُ عَلَيْهِ، حَتَّى قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: انْقَضَّ حُكْمُ الْحَاكِمِ إِذَا حَكَمَ بِهِ.
وَبِهِ قَالَ مِنَ التَّابِعِينَ: الزُّهْرِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ وَمِنَ الْفُقَهَاءِ: ابْنُ شُبْرُمَةَ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ.
اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: 282] فَجُعِلَ الْقَضَاءُ مَقْصُورًا عَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ، فَكَانَ الْقَضَاءُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ زِيَادَةٌ عَلَيْهِمَا، وَالزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ تَكُونُ عِنْدَهُمْ نَسْخًا.
وَبِرِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ ".
فَخُصَّ الْمُدَّعِي بِالْبَيِّنَةِ، وَالْمُنْكِرُ بِالْيَمِينِ.
وَبِرِوَايَةِ سِمَاكٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ كِنْدَةَ، وَرَجُلًا مِنْ حَضْرَمَوْتَ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذَا غَصَبَنِي أَرْضِي، وَرِثْتُهَا مِنْ أَبِي، وَقَالَ الْكِنْدِيُّ: أرضي وفي يدي، أزرعها لا حق له فِيهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِلْحَضْرَمِيِّ: " أَلَكَ بَيِّنَةٌ "، قَالَ: لَا، قَالَ: " لَكَ يَمِينُهُ "، فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ: إِنَّهُ فَاجِرٌ، لَا يُبَالِي على ما حلف، إنه لا يتورع من شَيْءٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّا ذَاكَ " فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا عَدَا الْبَيِّنَةَ لَا يَسْتَوْجِبُ بِهِ حَقًّا، وَلِأَنَّ الْبَيِّنَةَ مَوْضُوعَةٌ لِإِثْبَاتِ الدَّعْوَى، وَالْيَمِينَ مَوْضُوعَةٌ لِإِنْكَارِهَا، فَلَمَّا لَمْ تُنْقَلِ الْبَيِّنَةُ إِلَى نفي المنكر، وجب أن لا تنقل اليمين إِلَى إِثْبَاتِ الْمُدَّعِي.
وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا: أَنَّهَا حُجَّةٌ لِأَحَدِ الْمُتَنَازِعَيْنِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تُنْقَلَ إِلَى خَصْمِهِ كَالْبَيِّنَةِ.
وَلِأَنَّ نُقْصَانَ الْعَدَدِ الْمَشْرُوعِ فِي الْبَيِّنَةِ يَمْنَعُ مِنَ الْحُكْمِ بِهَا كَالْيَمِينِ مَعَ الْمَرْأَتَيْنِ.
وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ يَمِينُ الْمُدَّعِي مَعَ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ تَقُومُ مَقَامَ شَاهِدٍ لَمَا قُبِلَتْ فِيهِ يَمِينُ عَبْدٍ وَلَا فَاسِقٍ، وَفِي إِجَازَتِكُمْ لِيَمِينِ الْعَبْدِ وَالْفَاسِقِ مَا يَمْنَعُ أَنْ تَقُومَ اليمين مَقَامَ الشَّاهِدِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ قَامَتْ يَمِينُهُ مَقَامَ شَاهِدٍ لَمَا تَرَتَّبَ بَعْدَ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ، لِأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ لَا يَتَرَتَّبَانِ، وَيَجُوزُ تَقْدِيمُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، وَفِي قَوْلِكُمْ: إِنَّ يَمِينَهُ لَا تُقْبَلُ إِلَّا بَعْدَ الشَّاهِدِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَا تَقُومُ مَقَامَ شَاهِدٍ.
(فَصْلٌ)
: وَدَلِيلُنَا: مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي صَدْرِ الْبَابِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ " فَإِنْ قِيلَ: هَذَا الْحَدِيثُ مُنْقَطِعٌ وَمُرْسَلٌ، لِأَنَّ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ لَمْ يَلْقَ ابْنَ عَبَّاسٍ؟
قِيلَ: قَدْ رَوَاهُ مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزِّنْجِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ رَوَاهُ الشَّافِعِيِّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ رَبِيعَةَ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ ".
فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا الْحَدِيثُ مَعْلُولٌ، لِأَنَّ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ مُحَمَّدٍ قال: لقيت سهل بْنَ أَبِي صَالِحٍ فَسَأَلْتُهُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ أَخْبَرَنِي رَبِيعَةُ وَهُوَ عِنْدِي ثِقَةٌ أَنِّي حَدَّثْتُهُ إِيَّاهُ، وَلَا أَحْفَظُهُ.
قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: وَكَانَ أَصَابَ سُهَيْلًا عِلَّةٌ ذَهَبَ بِهَا بَعْضُ عَقْلِهِ، فَنَسِيَ بَعْضَ حَدِيثِهِ، فَكَانَ سُهَيْلٌ إِذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ قَالَ: أَخْبَرَنِي رَبِيعَةُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
قِيلَ: نِسْيَانُ الرَّاوِي لَا يَمْنَعُ مِنْ قَبُولِ حَدِيثِهِ، قَبْلَ نِسْيَانِهِ، وَلَيْسَ النِّسْيَانُ أَكْثَرَ مِنَ الْمَوْتِ الَّذِي لَا يُرَدُّ بِهِ الْحَدِيثُ، وَضَبْطُهُ لِنَفْسِهِ حَتَّى نَسِيَ الرِّوَايَةَ فَحَدَّثَ بِهَا عَنْ رَبِيعَةَ عَنْ نَفْسِهِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ عَقْلِهِ.
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
فَكَانَ مَرْوِيًّا مِنْ طَرِيقَيْنِ ثَابِتَيْنِ.
وَرَوَى جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " قَضَى بِالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ مَعَ يَمِينِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ ".
قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: وَلَقِيتُ الْحَكَمَ بْنَ عُتَيْبَةَ يَسْأَلُ أَبِي، وَقَدْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى جِدَارٍ، لِيَقُومَ، أَقَضَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
وَقَضَى بِهِ عَلِيٌّ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ بِالْعِرَاقِ.
وَرَوَى جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أَنْ أَقْضِيَ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ "
وَرَوَى مُطَرِّفُ بْنُ مَازِنٍ، عَنِ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ " وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " أَنَّهُ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ فِي الْحُقُوقِ ".
وَرَوَى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ أَنَّهُ: قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، فَصَارَ هَذَا الْحَدِيثُ مَرْوِيًّا عَنْ ثَمَانِيَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، علي، وابن عباس، وأبو هُرَيْرَةَ، وَجَابِرِ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
وَلَعَلَّهُ قَدْ رَوَاهُ غَيْرُهُمْ، فَكَانَ مِنْ أَشْهَرِ الْأَحَادِيثِ وَأَثْبَتِهَا، وَقَدْ قَضَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِالْكُوفَةِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ عَلَى الْمِنْبَرِ.
مَعْنَاهُ: أَنَّهُ أَحْلَفَ الْمُدَّعِيَ قَائِمًا عَلَى الْمِنْبَرِ، لَا أَنَّهُ حَكَمَ بِهِ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ.
فَاعْتَرَضُوا عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: الطَّعْنُ فِيهِ وَالْقَدْحُ فِي صِحَّتِهِ بِمَا حَكَوْهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ: أَنْ لَيْسَ فِي الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - خَبَرٌ يَصِحُّ.
وَهَذَا الْقَدْحُ فَاسِدٌ، لِأَنَّ مَالِكًا، وَالشَّافِعِيَّ قَدْ أَثْبَتَاهُ، وَقَالَا بِهِ، وَهَمَّا أَعْرَفُ بِصِحَّةِ الْحَدِيثِ وَأَقْرَبُ إِلَى زَمَنِ مَعْرِفَتِهِ مِنْ يَحْيَى، وَإِنْ كَانَ الْحِكَايَةُ عَنْهُ فِي قَدْحِهِ ضَعِيفَةً، وَقَدْ أَثْبَتَهُ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فِي الصَّحِيحِ.
وَالِاعْتِرَاضُ الثَّانِي: بَعْدَ تَسْلِيمِ صِحَّتِهِ أَنْ قَالُوا: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَضَى بِشَهَادَةِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَضَى بِشَهَادَتِهِ وَحْدَهُ، وَسَمَّاهُ ذَا الشَّهَادَتَيْنِ، وَهَذِهِ الشَّهَادَةُ يَخُصُّ بِهَا خُزَيْمَةَ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تُعْتَبَرَ فِي غَيْرِهِ.
وَعَنْهُ جَوَابَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّ خُزَيْمَةَ إِنَّمَا شَهِدَ وَحْدَهُ فِي قِصَّةِ الْأَعْرَابِيِّ حِينَ بَاعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَرَسًا، ثُمَّ جَحَدَهُ إِلَى أَنْ شَهِدَ خُزَيْمَةُ فَاعْتَرَفَ الْأَعْرَابِيُّ بَعْدَ شَهَادَتِهِ، فَلَمْ يَخْتَصَّ خُزَيْمَةُ إِلَّا بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ.
وَالثَّانِي: إِنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي شَهَادَةِ خُزَيْمَةَ، لَمَا احْتَاجَ إِلَى إِحْلَافِ الْمُدَّعِي مَعَ شَهَادَتِهِ.
وَالِاعْتِرَاضُ الثَّالِثُ: أَنْ قَالُوا: اسْتِعْمَالُ الْحَدِيثِ، أَنَّهُ قَضَى بِيَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ شَاهِدِ الْمُدَّعِي، لِقُصُورِ بَيِّنَتِهِ، فِي نَقْصِهَا عَنْ عَدَدِ الْكَمَالِ.
وَعَنْهُ جَوَابَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّ قَضَاءَهُ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ مُوجِبٌ أَنْ يَكُونَ الْقَضَاءُ مُتَعَلِّقًا بِهِمَا، وَهَذَا عَلَى مَا قَالُوهُ مُتَعَلِّقٌ بِالْيَمِينِ دُونَ الشَّاهِدِ.
وَالثَّانِي: إِنَّ فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَضَى بِالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ مَعَ يَمِينِ مَنْ لَهُ الحق إبطالا لهذا الاعتراض وإبطالا لهذه التَّأْوِيلِ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ بِهِ، فَقَدْ قَضَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِالْكُوفَةِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ أَحْلَفَ الْمُدَّعِيَ قَائِمًا، لَا أَنَّهُ حَكَمَ وَهُوَ عَلَى المنبر.
وَرَوَى أَبُو الزِّنَادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: شَهِدْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ يَقْضُونَ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ وَأَخْبَرَ يَحْيَى أَنَّهُ قَضَى بِهَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَقَضَى بِهَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَكُتِبَ بِهَا إِلَى خُلَفَائِهِ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ، وَمِثْلُ هَذَا الْعَمَلِ الْمَشْهُورِ إِذَا لَمْ يُعَارَضْ بِالْخِلَافِ كَانَ إِجْمَاعًا مُنْتَشِرًا، وَحِجَاجًا قَاطِعًا.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ الزُّهْرِيَّ الْقَضَاءُ بِالشَّاهِدِ مَعَ الْيَمِينِ بِدْعَةٌ وَأَوَّلُ مَنْ قَضَى بِهِ مُعَاوِيَةُ.
قِيلَ: قَوْلُ الزُّهْرِيِّ مَعَ عَمَلِ مَنْ ذَكَرْنَاهُ مَرْدُودٌ وَقِيلَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّ الزُّهْرِيَّ قَضَى بِهَا حِينَ وَلِيَ، وَالْإِثْبَاتُ الْمُوافِقُ لِلْجَمَاعَةِ أَوْلَى مِنَ النَّفْيِ الْمُخَالِفِ لَهُمْ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الِاعْتِبَارِ أَنَّهُ أحد المتداعيين، فجاز أن يكون اليمين فِي جَنَبَتِهِ، كَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ أُصُولَ الْأَحْكَامِ موضوعة على أن اليمين تَكُونَ فِي جَنَبَةِ أَقْوَى الْمُتَدَاعِيَيْنِ، وَأَقْوَاهُمَا مَعَ عدم الشهادة جنبة المدعي عليه، لأن الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ، فَإِذَا حَصَلَ مَعَ الْمُدَّعِي شاهد صار أقوى فوجب أن تكون اليمين فِي جَنَبَتِهِ.
(فَصْلٌ)
: فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِالْآيَةِ، وَأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَيْهَا نُسِخَ فَمِنْ ثَلَاثَةِ أوجه:
أحدهما: إِنَّ النَّسْخَ عِنْدَنَا رَفْعُ مَا لَزَمَ دَوَامُهُ، والنسخ عندهم أن يصير ما كان مجزءا، غير مجزىء، وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ رَفْعُ مَا لَزَمَ دَوَامُهُ، فَيَكُونُ نَسْخًا عِنْدَنَا، وَلَا فِيهِمَا، إِنْ صار ما يجزىء غير مجزىء، فَيَكُونُ نَسْخًا عِنْدَهُمْ فَصِرْنَا مُجْمِعِينَ عَلَى أَنْ لَيْسَ فِي هَذَا نَسْخٌ.
وَالْجَوَابُ الثَّانِي: إِنَّنَا قَدْ رَدَدْنَا عَلَى مَا فِي آيَةِ الشَّهَادَةِ، إِنْ قَبِلْنَا فِي الْوِلَادَةِ شَهَادَةَ النِّسَاءِ مُنْفَرِدَاتٍ، وَهُمْ قَبِلُوا شَهَادَةَ الْقَابِلَةِ، وَحْدَهَا.
فَلَمَّا لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ نَسْخًا لَمْ تَكُنِ الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ نَسْخًا.
وَالْجَوَابُ الثَّالِثُ: إِنَّ مَا فِي آيَةِ الشَّهَادَةِ مَحْمُولٌ عَلَى حَالِ التَّحَمُّلِ، وَالْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ مُعْتَبَرَةٌ فِي الْأَدَاءِ دُونَ التَّحَمُّلِ، فَلَمْ تَصِرْ زِيَادَةً عَلَى النَّصِّ.
وَأَمَّا الجواب عن الخبرين فهو أن اليمين الَّتِي جَعَلَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - في جنبة المدعى عليه، هي غير اليمين الَّتِي جَعَلْنَاهَا فِي جَنَبَةِ الْمُدَّعِي، لِاخْتِلَافِهِمَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وُجُوبُهَا مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَجَوَازُهَا فِي جَنَبَةِ الْمُدَّعِي.
وَالثَّانِي: أَنَّ تِلْكَ لِلنَّفْيِ، وَهَذِهِ لِلْإِثْبَاتِ فَلَمْ يَصِحَّ الْمَنْعُ، وَبِمِثْلِهِ يُجَابُ عَنِ الِاسْتِدْلَالِ الْأَوَّلِ.
وَقِيَاسُهُمْ عَلَى الْيَمِينِ، مَعَ الْمَرْأَتَيْنِ وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ الْمَرْأَتَيْنِ فِي الشَّهَادَةِ يَضْعُفَانِ عَنْ حُكْمِ الرَّجُلِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُمَا يُقْبَلَانِ مَعَ الرَّجُلِ فِي الْأَمْوَالِ فَقَطْ وَيُقْبَلُ الرَّجُلُ مَعَ الرَّجُلِ فِي كُلِّ الْأَحْكَامِ.
وَالثَّانِي: إِنَّ الْمَرْأَتَيْنِ لَوِ انْضَافَ إِلَيْهِمَا مَثْلُهُمَا فِي الْأَمْوَالِ فَصِرْنَ أَرْبَعًا لَمْ يُحْكَمْ بِهِنَّ، وَيُحْكَمُ بِالرَّجُلِ، إِذَا انْضَافَ إِلَى الرَّجُلِ، فَلَمَّا كَانَ الرَّجُلُ أَقْوَى من المرأتين، جاز أن تضاف اليمين إِلَى الْأَقْوَى، وَيُمْنَعُ مِنْهَا مَعَ الْأَضْعَفِ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِيَمِينِ الْعَبْدِ، وَالْفَاسِقِ، فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّهُ مَا تَعَلَّقَ بِالْيَمِينِ، لَمْ تُعْتَبَرْ فِيهِ الْحُرِّيَّةُ وَالْعَدَالَةُ كَمَا لَمْ تُعْتَبَرْ فِي يَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَئِنْ قَامَتْ مَقَامَ الشَّاهِدِ فِي اسْتِيفَاءِ الْحَصْرِ، فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِمَا مَا يُعْتَبَرُ فِي الشَّهَادَةِ، كَالْأَيْمَانِ فِي الْقَسَامَةِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عِنْدَ اسْتِدْلَالِهِمْ بِأَنَّ تَرْتِيبَ الْيَمِينِ بَعْدَ الشَّهَادَةِ يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ كَالشَّاهِدِ فَهُوَ أَنَّهَا مُقَوِّيَةٌ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أَنْ تَكُونَ إِلَّا بَعْدَهَا، وَخَالَفَ حَالُ الشَّاهِدَيْنِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ منهما مقو بصاحبه.
(مسألة)
: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " فَإِذَا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ وَقَالَ عَمْرٌو وَهُوَ الَّذِي رَوَى الْحَدِيثَ فِي الْأَمْوَالِ وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ مِنْ رِوَايَةِ مُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ فِي الدَّيْنِ وَالدَّيْنُ مَالٌ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْضَى بِهَا فِي غَيْرِ مَا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أو مثل معناه (قال الشافعي) رحمه الله: والبينة في دلالة سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بينتان بينة كاملة هي بعدد شهود لا يحلف مقيمها معها وبينة ناقصة العدد في المال يحلف مقيمها معها ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا ثَبَتَ جَوَازُ الْحُكْمِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فَهُوَ مُخْتَصٌّ بِالْأَمْوَالِ، وَمَا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْمَالَ وَلَا يُحْكَمُ بِهَا فِي غَيْرِ الْمَالِ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ أَوْ حَدٍّ وَقَالَ مَالِكٌ: أَحْكُمُ بِهَا فِي جَمِيعِ الْحُقُوقِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْحُدُودِ، اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، وَلَمْ يَخُصَّ الْمَالَ مِنْ غَيْرِهِ، فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ قَالَ: وَلِأَنَّ مَا كَانَ بَيِّنَةً فِي الْأَمْوَالِ، جَازَ أَنْ يَكُونَ بَيِّنَةً فِي الْحُدُودِ، كَالشَّاهِدَيْنِ، وَلِأَنَّ يَمِينَ الْمُدَّعِي فِي النُّكُولِ، لَمَّا جَازَ أَنْ تُثْبَتَ بِهَا الْأَمْوَالُ، وَالْحُدُودُ جَازَ أَنْ يُحْكَمَ بِمِثْلِهِ فِي يَمِينِهِ مَعَ شَاهِدِهِ.
وَدَلِيلُنَا مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَضَى بِالشَّاهِدِ مَعَ الْيَمِينِ قَالَ الرَّاوِي: فِي الْأَمْوَالِ، وَقِيلَ فِي الدَّيْنِ، وَالدَّيْنُ مَالٌ، فَوَجَبَ أَنْ يَقْضِيَ بِهَا فِي مِثْلِ مَا قَضَى بِهِ، لِأَنَّ الْقَضَايَا فِي الْأَعْيَانِ لَا تُسْتَعْمَلُ عَلَى الْعُمُومِ، لِحُدُوثِهَا فِي مَخْصُوصٍ، وَقَدْ رَوَى الدارقطني
فِي سُنَنِهِ حَدِيثًا أَسْنَدَهُ إِلَى أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " اسْتَشَرْتُ جِبْرِيلَ فِي الْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، فَأَشَارَ عَلَيَّ بِذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ لَا تَعْدُو ذَلِكَ ". وَهَذَا نَصٌّ، وَلِأَنَّ الشَّاهَدَ وَالْمَرْأَتَيْنِ أَقْوَى مِنَ الَشَاهِدِ وَالْيَمِينِ، فَلَمَّا لَمْ يُحْكَمْ بِالشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ فِي غَيْرِ الْأَمْوَالِ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يُحْكَمَ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فِيهِ، وَلِأَنَّ الْأَمْوَالَ نَفْعُ جهات تملكها، فاتبع حكم الشاهدة بِهَا، وَلَمَّا ضَاقَتْ جِهَاتُ مَا عَدَّا الْأَمْوَالَ ضَاقَ حُكْمُ الشَّهَادَةِ بِهَا.
وَلَا وَجْهَ لِاسْتِدْلَالِ مَالِكٍ بِالْحَدِيثِ، لِأَنَّ قَضَايَا الْأَعْيَانِ لَا يُدَّعَى فِيهَا الْعُمُومُ.
وَقِيَاسُهُ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ مُنْتَقَضٌ بِالشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ، وَاسْتِدْلَالُهُ بِالْيَمِينِ فِي النُّكُولِ، فَلِوُجُوبِهَا عَنِ اخْتِيَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَعَمَّتْ فِي حَقِّهِ، وَالْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ وَجَبَتْ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ، فَجُعِلَتْ مَقْصُورَةً عَلَى مَا اتَّسَعَ حُكْمُهُ، وَلَمْ يَضِقْ.
(فَصْلٌ)
: فَإِذَا ثَبَتَ اخْتِصَاصُ الْحُكْمِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ فِي الْأَمْوَالِ، دُونَ غَيْرِهَا.
فَمُدَّعِي الْمَالِ إِذَا قَدَرَ عَلَى إِثْبَاتِ حَقِّهِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُثْبِتَهُ بِشَاهِدَيْنِ وَهُوَ أَقْوَاهُمَا، فَيُحْكَمُ لَهُ بِالْمَالِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُثْبِتَهُ بِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ، فَيُحْكَمُ لَهُ بِالْمَالِ بِالشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ، إِلَّا مَعَ عَدَمِ الشَّاهِدَيْنِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: 282] .
وَدَلِيلُنَا هُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَاطَبَ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْمُسْتَشْهَدِينَ فِي تَوَثُّقِهِمْ بِالشَّهَادَةِ دُونَ الْحُكَّامِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: 282] وَقَدْ وَافَقَ مَالِكٌ عَلَى جَوَازِ أَنْ يَتَوَثَّقَ الْمُسْتَشْهِدُ بِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى شَاهِدَيْنِ، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ الْحُكْمِ بِالشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ، مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ، لِأَنَّ مَقْصُودَ التَّوَثُّقِ بِالشَّهَادَةِ: إِثْبَاتُ الْحُقُوقِ بِهَا عِنْدَ الْحُكَّامِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُثْبِتَهُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، فَإِنْ كَانَ مَعَ عَدَمِ الْبَيِّنَةِ الْكَامِلَةِ بِشَاهِدَيْنِ، أَوْ بِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ، جَازَ وَثَبَتَ بِهِ الْحَقُّ، وَإِنْ كَانَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْبَيِّنَةِ الْكَامِلَةِ، فَفِي جَوَازِ إِثْبَاتِهِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ مَعَ وُجُودِ مَا هُوَ أَكْمَلُ مِنْهَا، كَمَا يَجُوزُ إِثْبَاتُهُ بِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ مَعَ وُجُودِ شَاهِدَيْنِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ إِثْبَاتُهُ بِهَا مَعَ وُجُودِ الْبَيِّنَةِ الْكَامِلَةِ، لِأَنَّ نَقْصَهَا عَنِ الْكَمَالِ، يَبْعَثُ عَلَى الْحُكْمِ بِهَا فِي الِاضْطِرَارِ دُونَ الِاخْتِيَارِ.
(فَصْلٌ)
: فَإِنْ عَدَلَ الْمُدَّعِي عَنْ إِثْبَاتِ حَقِّهِ بِالْبَيِّنَةِ مِنْ أَحَدِ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثِ مَعَ
الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، إِلَى إِحْلَافِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، عِنْدَ إِنْكَارِهِ لَمْ يُمْنَعْ، لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ حَقٌّ لَهُ، وَلَيْسَتْ بِحَقٍّ عَلَيْهِ، فَلَوْ أَقَامَ شَاهِدَيْنِ ثُمَّ طَلَبَ أَنْ لَا يُحْكَمَ لَهُ بِهِمَا، وَيَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، أُجِيبَ إِلَى إِحْلَافِهِ، فَلَوْ مَنَعَ مِنْ إِحْلَافِهِ وَطَلَبَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ أُجِيبَ إلى الحكم بها، وقطعت اليمين عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَوْ أَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا، وَامْتَنَعَ مَنْ اليمين مَعَهُ وَرَضِيَ بِإِحْلَافِ الْمُنْكِرِ، ثُمَّ رَجَعَ عَنِ اسْتِحْلَافِهِ لِيَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ قَدْ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنَ الْيَمِينِ بِمَا طَلَبَهُ مِنْ إِحْلَافِ الْمُنْكِرِ كَمَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُنْكِرِ إِذَا نَكَلَ عن اليمين أَنْ يَرْجِعَ فِي رَدِّهَا عَلَى الْمُدَّعِي لِيَحْلِفَ عَلَى إِنْكَارِهِ لِإِسْقَاطِهَا فِي حَقِّهِ بِرَدِّهَا عَلَى خَصْمِهِ، وَخَالَفَ الْبَيِّنَةَ الْكَامِلَةَ الَّتِي لَا يَسْقُطُ حقه منها بطلب اليمين لِأَنَّهَا لَا تُنْقَلُ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ، فَإِنْ لَمْ يَحْلِفِ الْمُدَّعِي مَعَ شَاهِدِهِ، وَطَلَبَ إِحْلَافَهُ المنكر، أجيب إلى إحلافه، فإن حلف برىء، وَلَمْ يَكُنْ لِلشَّاهِدِ تَأْثِيرٌ، وَإِنْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ بِالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ مَعَ نُكُولِ الْمُنْكِرِ وَقَالَ مَالِكٌ: أَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ، مَعَ نُكُولِهِ، وَلَا أُحْلِفُ الْمُدَّعِيَ وَإِنْ وَافَقَ عَلَى أَنْ لَا يَحْكُمَ بِالنُّكُولِ إِلَّا مَعَ يَمِينِ الْمُدَّعِي، اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ النُّكُولَ كَالشَّاهِدِ، فَإِذَا انْضَمَّ إِلَى شَاهِدٍ، صَارَ كَالشَّاهِدَيْنِ فَلَمْ يَحْتَجْ مَعَهُمَا إِلَى يَمِينِ الطَّالِبِ.
وَهَذَا فَاسِدٌ، لِأَنَّ الشَّاهِدَ فِي الْأَمْوَالِ كَاللَّوْثِ فِي الدِّمَاءِ، فَلَمَّا لَمْ يُحْكَمْ بِاللَّوْثِ مَعَ عَدَمِ الْأَيْمَانِ، لَمْ يُحْكَمْ بِالشَّاهِدِ مَعَ عَدَمِ الْيَمِينِ، وَلَا وَجْهَ لِجَعْلِ النُّكُولِ كَالشَّاهِدِ، لِأَنَّ الشَّاهِدَ مُثْبِتٌ، وَالنَّاكِلَ نَافٍ فَتَضَادَّا.
(فَصْلٌ)
: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ عَلَى النَّاكِلِ بِالنُّكُولِ مَعَ الشَّاهِدِ، لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي أَنْ يَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِهِ، لِإِسْقَاطِ حَقِّهِ مِنْ تِلْكَ الْيَمِينِ بِرَدِّهَا، عَلَى الْمُنْكِرِ، فَإِنْ طَلَبَ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ اليمين الَّتِي نَكَلَ عَنْهَا الْمُنْكِرُ، فَفِي جَوَازِ رَدِّهَا عَلَيْهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ أَنْ تُرَدَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ قَدْ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْهَا بِرَدِّهَا عَلَى الْمُنْكِرِ، فَلَمْ تَعُدْ إِلَيْهِ بَعْدَ سُقُوطِهَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ أَصَحُّ، إِنَّهُ تُرَدُّ عَلَيْهِ هَذِهِ الْيَمِينُ الْمُسْتَحَقَّةُ بِالنُّكُولِ، وَإِنْ لَمْ تُرَدَّ عليه هذه اليمين الْمُسْتَحَقَّةُ مَعَ الشَّاهِدِ، لِاخْتِلَافِ مُوجِبِهِمَا فَلَمْ يَكُنْ سُقُوطُ حَقِّهِ مِنْ إِحْدَاهُمَا مُوجِبًا لِسُقُوطِهِ مِنَ الْأُخْرَى، مَعَ اخْتِلَافِهِمَا فِي السَّبَبِ الْمُوجِبِ، وَلَيْسَ التَّوَقُّفَ عَنِ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ نُكُولًا، حَتَّى يَحْكُمَ الْحَاكِمُ بِنُكُولِهِ فِيهَا، بَعْدَ تَوَقُّفِهِ فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَانِ الْقَوْلَانِ:
فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوْلِ إِنَّ يَمِينَ النُّكُولِ تُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعِي، عُرِضَتْ عَلَيْهِ، فَإِنْ حَلَفَ اسْتَحَقَّ مَا ادَّعَاهُ بِيَمِينِهِ لَا بشاهده، وإن نكل سقط حقه من اليمين بَعْدِ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِنُكُولِهِ فِيهَا بَعْدَ تَوَقُّفِهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِنُكُولِهِ إِلَّا أَنْ يَسْأَلَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، أَنْ يَحْكُمَ
عَلَى الْمُدَّعِي بِالنُّكُولِ عَنْ يَمِينِ الرَّدِّ، لِأَنَّ قَصْدَ الْحَاكِمِ بِنُكُولِهِ حَقٌّ لَهُ، وَلَا يَكُونُ نُكُولُهُ عَنِ الرَّدِّ مَعَ الشَّاهِدِ قَدْحًا فِي الشَّاهِدِ، فَإِنِ اقْتَرَنَ بِشَهَادَتِهِ شَهَادَةُ غَيْرِهِ ثَبَتَتِ الْبَيِّنَةُ بِهِمَا، وَحُكِمَ لَهُ بِالْحَقِّ، وَإِنِ انْفَصَلَتِ الْمُحَاكَمَةُ بِالنُّكُولِ لِأَن
َّ فَصْلَ
الْمُحَاكَمَةِ بِالْأَيْمَانِ أَقْوَى، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ، فَكَانَ أَوْلَى أَنْ لَا يَمْنَعَ فِي سَمَاعِهَا فَصْلُهَا بِالنُّكُولِ الَّذِي هُوَ أَضْعَفُ، فَإِنْ عُدِمَ شَاهِدٌ آخَرُ سَقَطَ حُكْمُ الْبَيِّنَةِ، وَخُلِّيَ سَبِيلَ الْمُنْكِرِ.
وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي: إِنَّ يَمِينَ النُّكُولِ لَا تُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعِي، فَقَدْ قَالَ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفِرَايِينِي: إِنَّ الْمُنْكِرَ يُحْبَسُ بِالشَّاهِدِ حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يُغَرَّمَ وَهَذَا خَطَأٌ، لِأَنَّ الْحَبْسَ عَلَى الْحُقُوقِ يَكُونُ بَعْدَ ثُبُوتِ اسْتِحْقَاقِهَا، وَلَمْ يَثْبُتِ الْحَقُّ بِالشَّاهِدِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُحْبَسَ بِهِ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَوَجَبَ تَخْلِيَةُ سَبِيلِهِ.
(فَصْلٌ)
: وَيَتَفَرَّعُ عَلَى قِيَاسِ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ أَنْ يَنْكُلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، إِذَا أَنْكَرَ عَنِ الْيَمِينِ قَبْلَ شَهَادَةِ الْوَاحِدِ عَلَيْهِ، وَرُدَّتْ يَمِينُهُ عَلَى الْمُدَّعِي، فَنَكَلَ عَنْهَا، ثُمَّ أَقَامَ شَاهِدًا، فَحَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِنُكُولِهِ، عَنْ يَمِينِ الرَّدِّ، كَانَ جَوَازُ إِحْلَافِهِ مَعَ شَاهِدِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِهِ إِذَا قِيلَ إِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ يَمِينِ الرَّدِّ، إِذَا امْتَنَعَ مِنَ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَجُوزُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ الشَّاهِدِ إِذَا قِيلَ: إِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَحْلِفَ يَمِينَ الرَّدِّ، إِذَا امْتَنَعَ مِنَ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ.
(مَسْأَلَةٌ)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " فكل ما كَانَ مِنْ مَالٍ يَتَحَوَّلُ إِلَى مَالِكٍ مِنْ مَالِكٍ غَيْرِهِ حَتَّى يَصِيرَ فِيهِ مِثْلَهُ أَوْ فِي مِثْلِ مَعْنَاهُ قُضِيَ فِيهِ بِالشَّاهِدِ مَعَ الْيَمِينِ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا وَجَبَ بِهِ مَالٌ مِنْ جُرْحٍ أَوْ قَتْلٍ لَا قِصَاصَ فِيهِ أَوْ إِقْرَارٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُ الْمَالَ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ثَبَتَ بِمَا قَدَّمْنَاهُ جَوَازُ الْحُكْمِ، بِالشَّاهِدِ، وَالْيَمِينِ فِي الْأَمْوَالِ خَاصَّةً، فَكُلُّ مَا كَانَ مَالًا مِنْ دَيْنٍ، أَوْ عَيْنٍ، فَالدَّيْنُ مَا كَانَ فِي الذِّمَّةِ مِنْ ثَمَنٍ، أَوْ قَرْضٍ.
وَالْعَيْنُ، مَا كَانَ فِي الْيَدِ مِنْ مَنْقُولٍ، كَالثَّوْبِ، وَالْعَبْدِ، أَوْ غَيْرِ مَنْقُولٍ كَالدَّارِ وَالْأَرْضِ، فَيُحْكَمُ لِمُدَّعِيهِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَكَذَلِكَ مَا اسْتُفِيدَ بِهِ مِنَ الْأَمْوَالِ مِنَ العقود
كَالْبَيْعِ، وَالْإِجَارَةِ، وَالْهِبَةِ، تَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، لِأَنَّهَا عُقُودٌ مَوْضُوعَةٌ، لِنَقْلِ مَالٍ مِنْ مَالِكٍ إِلَى مَالِكٍ، أَوْ لِنَقْلِ مَا هُوَ بِمَعْنَى الْمَالِ مِنْ مَنَافِعَ الْإِجَارَةِ.
(فَصْلٌ)
: فَأَمَّا عَقْدُ النِّكَاحِ، فَلَا يَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ، وَالْيَمِينِ، لِأَنَّ مَقْصُودَهُ الِاسْتِمْتَاعُ وَالصَّدَاقُ تَبَعٌ، وَكَذَلِكَ الرَّجْعَةُ، وَالطَّلَاقُ، فَإِنْ تَصَادَقَا عَلَى النِّكَاحِ وَاخْتَلَفَا فِي الصَّدَاقِ، ثَبَتَ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ فِيهِ مَقْصُورَةٌ عَلَى الْمَالِ، دُونَ النِّكَاحِ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ الْخُلْعِ، إِذَا اخْتَلَفَا فِي أَصْلِهِ، لَمْ يُثْبِتْ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ، لِأَنَّ فِيهِ طَلَاقًا لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِهِمَا، وَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى أَصْلِهِ، وَاخْتَلَفَا فِي قَدْرِ عِوَضِهِ، حُكِمَ فِيهِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ فِيهِ مَقْصُورَةٌ عَلَى الْمَالِ، دُونَ الطَّلَاقِ.
(فَصْلٌ)
: فَأَمَّا الْوَصِيَّةُ، فَإِنْ كَانَتِ الْوِلَايَةُ عَلَيْهَا لَمْ تَثْبُتْ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ، وَإِنْ كَانَ فِي تَمَلُّكِ الْمَالِ بِهَا، ثَبَتَتْ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ.
وَأَمَّا الْوِكَالَةُ، فَلَا تَثْبُتُ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ سَوَاءٌ كَانَتْ بِمَالٍ أَوْ غَيْرِ مَالٍ، لِأَنَّهَا عَقْدُ نِيَابَةٍ كَالْوَصِيَّةِ.
وَأَمَّا الْعِتْقُ، فَلَا يَثْبُتُ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مُزِيلًا لِمِلْكِ مَالٍ فَلَيْسَ يَنْتَقِلُ مِنْ مَالِكٍ إِلَى مَالِكٍ، لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ، وَكَذَلِكَ التَّدْبِيرُ لَا يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ لِأَنَّهُ يَؤُولُ إِلَى الْمُعْتِقِ.
فَأَمَّا الْكِتَابَةُ، فَلَا يَثْبُتُ عَقْدُهَا إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ، لِإِفْضَائِهَا إِلَى الْعِتْقِ وَيَثْبُتُ أَدَاءُ الْمَالِ فِيهَا بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ لِأَنَّهُ وَإِنْ أَفْضَى إِلَى الْعِتْقِ، فَهُوَ كَالْعَقْدِ الَّذِي اتَّفَقَا عَلَيْهِ.
(فَصْلٌ)
: فَأَمَّا السَّرِقَةُ فَمُوجِبَةٌ لِلْقَطْعِ، وَالْغُرْمِ، فَإِنْ كَانَتِ الْبَيِّنَةُ بِشَاهِدَيْنِ، ثَبَتَ بِهِمَا الْقَطْعُ، وَالْغُرْمُ، وَإِنْ كَانَتْ بِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ، أَوْ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، ثَبَتَ بِهَا الْغُرْمُ وَلَمْ يَثْبُتْ بِهَا الْقَطْعُ، لِأَنَّهُمَا قَدْ يَتَمَيَّزَانِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ، لِوُجُوبِ الْغُرْمِ مَعَ عَدَمِ الْقَطْعِ.
(فَصْلٌ)
: فَأَمَّا الْوَقْفُ، فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ مُوجِبٌ لِنَقْلِ الْمِلْكِ، مِنَ الْوَاقِفِ إِلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، ثَبَتَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ غَيْرُ مُوجِبٍ لِنَقْلِ الْمِلْكِ، فَفِي ثُبُوتِهِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ وَجْهَانِ، نَذْكُرُهُمَا مِنْ بَعْدُ.
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا الْجِنَايَاتُ فَضَرْبَانِ: عَمْدٌ وَخَطَأٌ.
فَأَمَّا الْخَطَأُ فَيَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، لِأَنَّهَا مَقْصُورَةٌ عَلَى اسْتِحْقَاقِ الْمَالِ.
وَأَمَّا الْعَمْدُ فَضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا لَمْ يَجِبْ فِيهِ قِصَاصٌ، كَجِنَايَةِ الْوَالِدِ عَلَى الْوَلَدِ، وَالْمُسْلِمِ عَلَى الْكَافِرِ وَالْحُرِّ عَلَى الْعَبْدِ، فَيَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ بِهَا إِلَّا الْمَالَ، فَصَارَتْ كَالْخَطَأِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا وَجَبَ فِيهِ الْقِصَاصُ، فَلَا يَثْبُتُ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ، لِأَنَّهُ اسْتِهْلَاكُ نَفْسٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا أَوْجَبْتُمْ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فِيهِ الدِّيَةَ دُونَ الْقِصَاصِ، كَمَا أَوْجَبْتُمْ فِي السَّرِقَةِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ الْغُرْمَ، دُونَ الْقَطْعِ؟ قِيلَ: لِأَنَّ الْقَطْعَ فِي السَّرِقَةِ تَابِعٌ لِلْمَالِ، لَا يُثْبِتُ إِلَّا مَعَ اسْتِحْقَاقِهِ، فَصَارَ الْمَالُ فِيهَا أَصْلًا، وَالْقَطْعُ فَرْعًا.
وَالدِّيَةُ فِي الْعَمْدِ تَابِعَةٌ لِلْقِصَاصِ، يَكُونُ الْقِصَاصُ فِيهَا أَصْلًا، وَالدِّيَةُ فَرْعًا، فَجَازَ أَنْ يَسْتَحِقَّ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ الْغُرْمَ فِي السَّرِقَةِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَحِقَّ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ الدِّيَةَ فِي الْجِنَايَةِ.
فَأَمَّا جِرَاحُ الْعَمْدِ، فَمَا سَقَطَ فِيهِ الْقِصَاصُ كَالْجَائِفَةِ، وَمَا دُونَ الْمُوَضِّحَةِ فَيُسْتَحَقُّ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَمَا وَجَبَ فِيهِ الْقِصَاصُ كَالْمُوضِّحَةِ وَالْأَطْرَافِ لَمْ يُسْتَحَقَّ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ وَمَا جَمَعَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ كَالْهَاشِمَةِ، وَالْمُنْقِلَةِ لَمْ يَثْبُتْ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ.
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا إِسْقَاطُ الْحُقُوقِ فَضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: بَرَاءَةٌ مِنْ مَالٍ، وَيَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ.
وَالثَّانِي: عَفْوٌ عَنْ حَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ، فَلَا يَثْبُتُ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ، لِيَكُونَ إِسْقَاطُهُمَا بَعْدَ الْوُجُوبِ مُعْتَبَرًا بِإِيجَابِهِمَا قَبْلَ السُّقُوطِ.
وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى رَجُلٍ بِحَقٍّ فَادَّعَى الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ، مَا يُوجِبُ رَدَّ شَهَادَتِهِمَا، فَإِنْ كَانَتْ دَعْوَاهُ فِي جُرْحِ الشَّاهِدَيْنِ، لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ دَعْوَاهُ فِي أَنَّ الْمُدَّعِيَ أَكْذَبُ الشَّاهِدَيْنِ، حُكِمَ فِيهِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ لِأَنَّ إِكْذَابَ الْمُدَّعِي لِبَيِّنَتِهِ، يُوجِبُ سُقُوطَ حَقِّهِ، وَلَا يُوجِبُ جُرْحَ شُهُودِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بالصواب.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ أَتَى قَوْمٌ بِشَاهِدٍ أَنَّ لِأَبِيهِمْ عَلَى فلان حقا أو أن فُلَانًا قَدْ أَوْصَى لَهُمْ فَمَنْ حَلَفَ مِنْهُمْ مَعَ شَاهِدِهِ اسْتَحَقَّ وِرْثَهُ أَوْ وَصِيَّتَهُ دُونَ مَنْ لَمْ يَحْلِفْ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي وَرَثَةِ مَيِّتٍ، ادَّعَوْا أَنَّ لِمَيِّتِهِمْ دَيْنًا عَلَى رَجُلٍ مُنْكِرٍ، أَوِ ادَّعَوْا وَصِيَّةً وَصَّى بِهَا لِمَيِّتِهِمْ، وَأَقَامُوا عَلَى الدَّيْنِ وَالْوَصِيَّةِ شَاهِدًا وَاحِدًا، فَلَهُمْ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَحْلِفُوا جَمِيعًا مَعَ شَاهِدٍ مِنْهُمْ، فَيَسْتَحِقُّوا بِأَيْمَانِهِمْ مَعَ شَاهِدٍ مِنْهُمْ مَا ادَّعُوهُ مِنَ الدَّيْنِ، وَالْوَصِيَّةِ لِأَنَّهُمَا مِنْ حُقُوقِ الْأَمْوَالِ الْمَحْكُومِ فِيهَا بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَيَكُونُ الدَّيْنُ مَقْسُومًا بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ.
فَأَمَّا الْوَصِيَّةُ فَلَا يَخْلُو حَالُهُمْ فِيهَا مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَدَّعُوا أَنَّ مَيِّتَهُمْ قَبِلَهَا قَبْلَ مَوْتِهِ، فَتَكُونَ الْوَصِيَّةُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ، لِأَنَّ مَيِّتَهُمْ قَدْ مَلَكَهَا بِقَبُولِهِ، فَصَارَتْ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ الْمَوْرُوثَةِ عَنْهُ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَذْكُرُوا أَنَّهُ لَمْ يَقْبَلْهَا، وَأَنَّهُمُ الْقَابِلُونَ لَهَا بَعْدَ مَوْتِهِ، فَفِي كَيْفِيَّةِ اسْتِحْقَاقِهِمْ لَهَا بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: تَكُونُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ، إِذَا قِيلَ: إِنَّ الْوَصِيَّةَ تُمْلَكُ بِالْقَبُولِ لِأَنَّ مِنْ حُكْمِ الْوَصِيَّةِ أَنْ يَتَسَاوَى فِيهَا أَهْلُ الْوَصَايَا، فَيَكُونَ لِلْوَارِثِينَ عَنْ مَيِّتِهِمْ حَقُّهُ مِنَ الْقَبُولِ، فَيَصِيرُوا هُمُ الْمَالِكِينَ لَهَا بِالْقَبُولِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَدْخُلَ فِي مِلْكِ مَيِّتِهِمْ.
فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ عَلَى أبيهم دين لم يقض منهما.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: تَكُونُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ، إِذَا قِيلَ: إِنَّ الْقَبُولُ يُبْنَى عَلَى مِلْكٍ سَابِقٍ، مِنْ حِينِ مَاتَ الْمُوصِي فَيَكُونُ قَبُولُهُمْ موجبا لدخولها في ملك ميتهم، ثم ملوكها عَنْهُ بِالْمِيرَاثِ فَصَارُوا فِيهَا عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ، فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيهِمْ دَيْنٌ قُضِيَ مِنْهَا.
(فَصْلٌ)
: وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَمْتَنِعُوا جَمِيعًا مِنَ الْيَمِينِ مَعَ شَاهِدٍ مِنْهُمْ، فَلَا حَقَّ لَهُمْ فِيمَا شَهِدَ بِهِ شَاهِدُهُمْ مِنَ الدَّيْنَ وَالْوَصِيَّةِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا اسْتَحَقُّوا النِّصْفَ، لِأَنَّ لَهُمْ نِصْفَ الْبَيِّنَةِ، قِيلَ: الْبَيِّنَةُ لَا تَتَبَعَّضُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ لِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنَ الْحَقِّ لَا يُسْتَحَقُّ إِلَّا بِكَمَالِ الْبَيِّنَةِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَحِقَّ بَعْضَهُ بِبَعْضِ الْبَيِّنَةِ، فَإِنْ مَاتَ الْوَرَثَةُ وَأَرَادَ وَرَثَتُهُمْ أَنْ يَحْلِفُوا مَعَ شَاهِدِهِمْ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ امْتِنَاعُهُمْ مِنَ الْأَيْمَانِ، لِنُكُولِهِمْ عَنْهَا، فَلَا يَجُوزُ لِوَرَثَتِهِمْ أَنْ يَحْلِفُوا بَعْدَ مَوْتِهِمْ، لِأَنَّهُمْ قَدْ أَسْقَطُوا حُقُوقَهُمْ مِنَ الْأَيْمَانِ بِنُكُولِهِمْ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونُوا قَدْ تَوَقَّفُوا عَنِ الْأَيْمَانِ لِيَحْلِفُوا بِهَا مِنْ غَيْرِ نُكُولٍ عَنْهَا، فَيَجُوزُ لِوَرَثَتِهِمْ أَنْ يَحْلِفُوا بَعْدَ مَوْتِهِمْ، وَيَسْتَحِقُّوا مَا كَانَ لَهُمْ لِأَنَّ حُقُوقَهُمْ مِنَ الْأَيْمَانِ لَمْ تَسْقُطْ بِالتَّوَقُّفِ، إِنَّمَا تَسْقُطُ بِالنُّكُولِ، وَلَيْسَ التَّوَقُّفُ نُكُولًا.
(فَصْلٌ)
: وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَحْلِفَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ مَعَ الشَّاهِدِ، وَيَنْكُلَ بَعْضُهُمْ، فَيُحْكَمَ لِمَنْ حَلَفَ بِحَقِّهِ مِنَ الدَّيْنِ وَالْوَصِيَّةِ، وَلَا شَيْءَ لِمَنْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّ الشَّاهِدَ الْوَاحِدَ كَالْيَدِ عِنْدَ التَّنَازُعِ، وَلَوْ حَلَفَ بَعْضُ ذَوِي الْأَيْدِي حُكِمَ لَهُ بِيَمِينِهِ، دُونَ مَنْ نَكَلَ كَذَلِكَ هُنَا.
وَالثَّانِي: إِنَّ الشَّاهِدَ الْوَاحِدَ حُجَّةٌ، قَدْ قَبِلَهَا الْحَالِفُ، فَثَبَتَ حَقُّهُ بِهَا، وَرَدَّهَا النَّاكِلُ فَسَقَطَ حَقُّهُ مِنْهَا، وَصَارَ كَأَخَوَيْنِ ادَّعَيَا حَقًّا مِنْ مِيرَاثٍ عَلَى مُنْكِرٍ فَنَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ، فَرُدَّتْ عَلَى الْأَخَوَيْنِ، فَحَلَفَ أَحَدُهُمَا، وَنَكَلَ الْآخَرُ، قَضَى لِلْحَالِفِ بِحَقِّهِ دُونَ النَّاكِلِ.
فَإِنْ قِيلَ: إِذَا كَانَ الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ بَيِّنَةً فِي ثُبُوتِ الْحَقِّ كَالشَّاهِدَيْنِ، وَلَوْ أَقَامَ أَحَدُ الْوَرَثَةِ الْبَيِّنَةَ بِشَاهِدَيْنِ حُكِمَ بِالْحَقِّ لِمَنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ وَلِمَنْ لَمْ يُقِمْهَا، فَهَلَّا كَانَ فِي الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ كَذَلِكَ.
قِيلَ: لِأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ بَيِّنَةٌ كَامِلَةٌ فِي ثُبُوتِ الْحَقِّ، فَثَبَتَ لِجَمِيعِهِمْ، وَالشَّاهِدُ الْوَاحِدُ تَكْمُلُ بِهِ الْبَيِّنَةُ مَعَ أَيْمَانِهِمْ، فَكَمُلَتْ بَيِّنَةُ مَنْ حَلَفَ، وَنَقَصَتْ بِهِ بَيِّنَةُ مَنْ نَكَلَ فَلِذَلِكَ لَمْ يَسْتَحِقَّ النَّاكِلُ وَاسْتَحَقَّ الْحَالِفُ.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا مِيرَاثٌ يَجِبُ أَنْ يَشْتَرِكَ فِيهِ جَمِيعُ الْوَرَثَةِ، كَأَخَوَيْنِ ادَّعَيَا دَارًا مِيرَاثًا، فَصَدَّقَ عَلَيْهِ أَحَدُهُمَا، وَأَكْذَبَ الْآخَرُ، كَانَ النِّصْفُ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ الْمُصَدِّقُ بَيْنَ الْأَخَوَيْنِ، لِكَوْنِهِ مِيرَاثًا يُوجِبُ تَسَاوِيهِمَا فِيهِ، فَهَلَّا كَانَ مَا اسْتَحَقَّهُ الْحَالِفُ مَعَ شَاهِدِهِ مَقْسُومًا بَيْنَ جَمِيعِهِمْ، لِكَوْنِهِ مِيرَاثًا.
قِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا إِنَّ الْمَجْحُودَ، كَالْمَغْصُوبِ، وَغَصْبُ بَعْضِ التَّرِكَةِ يُوجِبُ تَسَاوِي الْوَرَثَةِ، فِي غَيْرِ الْمَغْصُوبِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي النُّكُولِ مَعَ الشَّاهِدِ، لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْوُصُولِ إِلَى حَقِّهِ بِيَمِينِهِ، فَصَارَ بِنُكُولِهِ، كَالْمُسَلِّمِ وَالتَّارِكِ لَهُ عَلَى خَصْمِهِ، وَجَرَى ذَلِكَ مَجْرَى أَخَوَيْنِ أَقَرَّ رَجُلٌ لِأَبِيهِمَا بِدَيْنٍ، فَقَبِلَهُ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يَقْبَلْهُ الْآخَرُ، كَانَ حَقُّ الْقَابِلِ خَالِصًا لَهُ، لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُ الْقَابِلِ، لِأَنَّهُ تَارِكٌ لِحَقِّهِ مِنْهُ، كَذَلِكَ حُكْمُ النَّاكِلِ مَعَ الحالف.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَعْتُوهٌ وُقِفَ حَقُّهُ حَتَّى يَعْقِلَ فَيَحْلِفَ أَوْ يَمُوتَ فَيَقُومَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فَيَحْلِفَ وَيَسْتَحِقَّ وَلَا يَسْتَحِقُّ أَخٌ بِيَمِينِ أَخِيهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا كَانَ فِي الْوَرَثَةِ الَّذِينَ أَقَامُوا بِدَيْنِ مَيِّتِهِمْ، شَاهِدًا وَاحِدًا مَعْتُوهٌ، أَوْ طِفْلٌ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا بِيَمِينٍ من حلف كَمَا لَمْ يَسْتَحِقَّ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ إِذَا لَمْ يَحْلِفْ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَحْلِفَ الْمَعْتُوهُ وَالطِّفْلُ، لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِأَيْمَانِهِمَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْلِفَ وَلِيُّهُمَا، لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لِأَحَدٍ حَقُّ يَمِينِ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ النِّيَابَةَ فِي الْأَيْمَانِ لَا تَصِحُّ، وَيَكُونُ حَقُّ الْمَعْتُوهِ وَالطِّفْلِ مَوْقُوفًا عَلَى إِفَاقَةِ الْمَعْتُوهِ، وَبُلُوغِ
الطِّفْلِ، لِيَحْلِفَا بَعْدَ الْعَقْلِ وَالْبُلُوغِ وَيَسْتَحِقَّا، وَيَكُونَ تَصَرُّفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِيمَا يَسْتَحِقَّانِ بِأَيْمَانِهِمَا نَافِذًا، سَوَاءٌ كَانَ دَيْنًا، أَوْ يَمِينًا، لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُمَا بِالشَّاهِدِ قَبْلَ الْيَمِينِ حَقٌّ يُوجِبُ وَقْفَهُ وَإِنَّمَا الْوَقْفُ مُتَوَجِّهٌ إِلَى الْحُكْمِ بِالْحَقِّ، إِنْ حَلَفَا وَلَيْسَ عَلَيْهِمَا قَبْلَ الْيَمِينِ حَقٌّ يُوقَفُ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ حُكِمَ بِاسْتِحْقَاقِ الْحَالِفِينَ مِنْ شُرَكَائِهِمَا، فَلَا وَجْهَ لِمَا وَهَمَ فِيهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، أَنَّهُ يُوقَفُ الْحَقُّ عَلَيْهِمَا فَإِنْ مَاتَا قَبْلَ الْبُلُوغِ، وَالْعَقْلِ قَامَ وَرَثَتُهُمَا مَقَامَهُمَا فِي الْيَمِينِ، فَيَحْلِفُ الْوَرَثَةُ فِي حُقُوقِ أَنْفُسِهِمْ لِأَنَّهُمْ وَرِثُوا اسْتِحْقَاقَ الْيَمِينِ الَّتِي يُسْتَحَقُّ بِهَا الدَّيْنُ، وَيَصِيرُونَ مَالِكِينَ لِحُقُوقِهِمْ مِنَ الدَّيْنِ، بِأَيْمَانِهِمْ عَنِ الْمَعْتُوهِ وَالطِّفْلِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَعْتُوهِ وَالطِّفْلِ دَيْنٌ قُضِيَ مِنْهُ، وَلَوْ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ الْأَوَّلِ دَيْنٌ قُضِيَ مِنْهُ بِقَدْرِ حَقِّ الْمَعْتُوهِ وَالطَّفْلِ، فَلَوِ اجْتَمَعَ فِي هَذَا السَّهْمِ دَيْنَانِ، دَيْنٌ عَلَى الْمَيِّتِ الْأَوَّلِ، وَدَيْنٌ عَلَى الْمَعْتُوهِ وَالطِّفْلِ، قُضِيَ الدَّيْنَانِ مِنْهُ، فَإِنْ ضَاقَ السَّهْمُ عَنْهُمَا قُدِّمَ دَيْنُ الْمَيِّتِ الْأَوَّلِ عَلَى دَيْنِ الْمَعْتُوهِ، وَالطِّفْلِ، لِأَنَّهُمَا يَرِثَانِ مَا بَقِيَ بَعْدَ قضاء الدين.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَيْسَ الْغَرِيمُ وَلَا الْمُوصَى لَهُ مِنْ مَعْنَى الْوَارِثِ فِي شَيْءٍ وَإِنْ كَانُوا أَوْلَى بِمَالِ مَنْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ فَلَيْسَ مِنْ وَجْهٍ أَنَّهُمْ يَقُومُونَ مَقَامَهُ وَلَا يَلْزَمُهُمْ مَا يَلْزَمُ الْوَارِثَ مِنْ نَفَقَةِ عَبِيدِهِ الزَّمْنَى أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ ظَهَرَ مَالٌ سِوَى مَالِهِ الَّذِي يُقَالُ لِلْغَرِيمِ احْلِفْ عَلَيْهِ كَانَ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يُعْطُوهُ من ذلك المال الظاهر الَذِي لَمْ يَحْلِفْ عَلَيْهِ الْغَرِيمُ قَالَ وَإِذَا حَلَفَ الْوَرَثَةُ فَالْغُرَمَاءُ أَحَقُّ بِمَالِ الْمَيِّتِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَمُقَدِّمَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَنْ مَاتَ عَنْ تَرِكَةٍ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مَلَكَ الْوَرَثَةُ تَرِكَتَهُ، وَإِنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِهَا، وَمُنِعُوا مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهَا، إِلَّا بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ، وَهُمْ فِي قَضَائِهِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَقْضُوهُ مِنْهَا، أَوْ مِنْ غَيْرِهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَتَكُونُ التَّرِكَةُ كَالْمَرْهُونَةِ بِالدَّيْنِ، وَالْوَرَثَةُ فِيهَا بِمَنْزِلَةِ الرَّاهِنِ الَّذِي يُمْنَعُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الرَّهْنِ، حَتَّى يَقْضِيَ مَا فِيهِ مِنَ الدَّيْنِ، إِمَّا مِنْ مَالِهِ أَوْ مِنْ عَيْنِ الرَّهْنِ، وَالدَّيْنُ بَاقٍ فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ، دُونَ الْوَرَثَةِ حَتَّى يَقْضِيَهُ الْوَرَثَةُ، وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا: إِنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِالتَّرِكَةِ لَمْ يَمْلِكْهَا الْوَرَثَةُ إِلَّا بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ، وَكَانَتْ بَاقِيَةً عَلَى مِلْكِ الْمَوْرُوثِ فَإِذَا قَضَوْهُ انْتَقَلَ مِلْكُهَا إِلَيْهِمْ، وَإِنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِبَعْضِ التَّرِكَةِ، مَلَكُوا مِنَ التَّرِكَةِ مَا زَادَ عَلَى قَدْرِ الدَّيْنِ، وَلَمْ يَمْلِكُوا مَا أَحَاطَ بِقَدْرِ الدَّيْنِ إِلَّا بَعْدَ قَضَائِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِجَمِيعِ التَّرِكَةِ، لَمْ يَمْلِكُوهَا إِلَّا بَعْدَ قَضَائِهِ وَإِنْ أَحَاطَ بِبَعْضِ التَّرِكَةِ مَلَكُوهَا جَمِيعًا، قَبْلَ قَضَائِهِ مَعَ مُوافَقَتِهِمَا، أَنَّ لِلْوَرَثَةِ قَضَاءَ الدَّيْنِ مِنَ التَّرِكَةِ، وَمِنْ غَيْرِ التَّرِكَةِ، وَاسْتَدَلَّا عَلَى أَنَّ الدَّيْنَ مَانِعٌ مِنْ مِلْكِ الْوَرَثَةِ لِلتَّرِكَةِ، إِلَّا بَعْدَ قَضَائِهِ، وَتَأْثِيرُ هَذَا الْخِلَافِ يَكُونُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَا يَحْدُثُ فِي التَّرِكَةِ مِنَ النَّمَاءِ قَبْلَ قَضَاءِ الدَّيْنِ، كَالثَّمَرَةِ، وَالنَّتَاجِ وَأُجُورِ الْعَقَارِ، وَكَسْبِ الْعَبِيدِ، يَكُونُ مِلْكًا لِلْوَرَثَةِ عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَهُمْ مَالِكِينَ لِلتَّرِكَةِ، لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ قَضَاءُ الدَّيْنُ وَيَكُونُ مَضْمُومًا إِلَى التَّرِكَةِ عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَهُمْ غَيْرَ مَالِكِينَ لَهَا فِي قَوْلِ مَنْ جَعَلَهَا بَاقِيَةً عَلَى مِلْكِ الْمَيِّتِ لِيَتَعَلَّقَ بِهَا قَضَاءُ الدَّيْنِ.
وَالثَّانِي: مَا يَجِبُ فِيهِ مِنْ زَكَاةِ الْأَعْيَانِ وَفِطْرَةِ الْعَبِيدِ، وَنَفَقَاتُهُمْ تَكُونُ عَلَى الْوَرَثَةِ فِي قَوْلِ مَنْ جَعَلَهُمْ مَالِكِينَ لِلتَّرِكَةِ، وَتَكُونُ فِي التَّرِكَةِ عَلَى قَوْلِ مَنْ لَمْ يَجْعَلْهُمْ مَالِكِينَ لِلتَّرِكَةِ.
وَاسْتَدَلَّ مَنْ جَعَلَ الدَّيْنَ مَانِعًا مِنْ مِلْكِ الْوَرَثَةِ لِلتَّرِكَةِ، إِلَّا بَعْدَ قَضَائِهِ بِقَوْلِ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 11] ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي التَّرِكَةِ أَبُ الْوَارِثِ لَمْ يُعْتَقْ عَلَيْهِ قَبْلَ قَضَاءِ الدَّيْنِ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ مَلَكَ عَمَّهُ، وَخَلَّفَ ابْنَ عَمِّهِ حُرًّا، وَأَبَاهُ مَمْلُوكًا فَلَا يُعْتَقُ عَلَى أَبِيهِ حَتَّى يَقْضِيَ الدَّيْنَ، فَيُعْتَقُ عَلَيْهِ.
وَلَوْ دَخَلَ فِي مِلْكِهِ قَبْلَ قَضَائِهِ، أُعْتِقَ عَلَيْهِ، وَهَذَا دَلِيلٌ يَمْنَعُ مِنْ دُخُولِ التَّرِكَةِ فِي مِلْكِ الْوَرَثَةِ قَبْلَ قَضَاءِ الدَّيْنِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى انْتِقَالِ الْمِلْكِ إِلَى الْوَرَثَةِ قَبْلَ قَضَاءِ الدَّيْنِ، أَنَّهُ لَمَّا كَانَ لِلْوَرَثَةِ مَنْعُ الْغُرَمَاءِ مِنْ أَعْيَانِ التَّرِكَةِ، وَقَضَاءُ الدُّيُونِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى دُخُولِهَا في ملكهم، ولأنه الْوَرَثَةَ لَوْ لَمْ يَمْلِكُوا التَّرِكَةَ إِلَّا بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ، لَوَجَبَ إِذَا مَاتَ وَخَلَّفَ ابْنَيْنِ، وَمَاتَ أَحَدُهُمَا وَخَلَّفَ ابْنًا، ثُمَّ قَضَى الدَّيْنَ أَنْ تَكُونَ التَّرِكَةُ، لِلِابْنِ الْبَاقِي دُونَ ابْنِ الابن.
وفي انعقاد الإجماع على أنهما تَكُونُ لِلِابْنِ وَابْنِ الِابْنِ اعْتِبَارًا بِمَوْتِ الْمُورِّثِ دَلِيلٌ عَلَى انْتِقَالِ التَّرِكَةِ إِلَيْهِمْ بِمَوْتِهِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْوَرَثَةُ أَحَقَّ بِاقْتِضَاءِ دُيُونِهِ مِنَ الْغُرَمَاءِ، وَكَانُوا أَوْلَى بِالتَّصَرُّفِ فِي التَّرِكَةِ مِنْهُمْ، وَهُمْ لَا يَتَصَرَّفُونَ إِلَّا بِحُكْمِ الْمِلْكِ، دَلَّ عَلَى انْتِقَالِهَا إِلَى مِلْكِهِمْ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دين﴾ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَنْعِ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي حُقُوقِ أَنْفُسِهِمْ إِلَّا بَعْدَ قَضَائِهِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْعِتْقِ، فَهُوَ أَنَّ الدَّيْنَ قَدْ أَوْقَعَ حَجْرًا عَلَيْهِ كَحَجْرِ الْمُرْتَهِنِ وَذَلِكَ مَانِعٌ مِنَ الْعِتْقِ مَعَ اسْتِقْرَارِ الْمِلْكِ كَالرَّهْنِ.
(فَصْلٌ)
: فَإِذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةُ فَصُورَةُ ال
ْمَسْأَلَةِ
فِي رَجُلٍ أَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا
بَالدَّيْنِ لَهُ، وَمَاتَ قَبْلَ حَلِفِهِ مَعَ شَاهِدِهِ فَلِوَارِثِهِ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ الشَّاهِدِ، وَيَسْتَحِقَّ دَيْنَهُ، لِأَنَّهُ يَقُومُ فِي التَّرِكَةِ مَقَامَ مَوْرُوثِهِ.
فَإِنْ حَلَفَ وَعَلَى الْمَيِّتِ دُيُونٌ وَوَصَايَا قضى مِنْهُ دُيُونُهُ، وَنَفَذَتْ مِنْهُ وَصَايَاهُ وَإِنْ نَكَلَ الْوَرَثَةُ عَنْ الْيَمِينِ وَأَرَادَ الْغُرَمَاءُ، وَأَهْلُ الْوَصَايَا أَنْ يَحْلِفُوا مَعَ الشَّاهِدِ لِيَسْتَوْجِبُوهُ فِي دُيُونِهِمْ، وَوَصَايَاهُمْ فَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: قَالَهُ فِي الْقَدِيمِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَحْلِفُوا؛ وَيَسْتَحِقُّوا لِأَنَّ الْحَقَّ إِذَا ثَبَتَ صَارَ إِلَيْهِمْ، فَكَانُوا فِيهِ كَالْوَرَثَةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: قَالَهُ فِي الْجَدِيدِ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْهِ فِي الْقَدِيمِ لَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَحْلِفُوا؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ أَنْ يَمْلِكُوا الدَّيْنَ بِأَيْمَانِهِمْ، لَجَازَ أَنْ يَسْقُطَ بِإِبْرَائِهِمْ، وَهُوَ لَا يَسْقُطُ لَوْ بَرِئُوا مِنْهُ، فَكَذَلِكَ لَا يَسْتَحِقُّ إِذَا حَلَفُوا عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّهُمْ لَوْ مَلَكُوا أَنْ يَحْلِفُوا عَلَيْهِ لَمَلَكُوا أَنْ يَدَّعُوهُ، وَدَعْوَاهُمْ مَرْدُودَةٌ، فَكَذَلِكَ أَيْمَانُهُمْ.
وَلِأَنَّ الدَّيْنَ لَوِ اسْتُحِقَّ بِأَيْمَانِهِمْ، لَجَازَ أَنْ يُمَلَّكَ الْوَرَثَةُ بِهَا، ما فضل عن ديونهم، ولجاز إذا أبرؤوا الْمَيِّتَ مِنْ دُيُونِهِمْ، بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ أَنْ يَصِيرَ ذَلِكَ مِلْكًا لِلْوَرَثَةِ، وَفِي الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْوَرَثَةَ لَا يَمْلِكُونَهُ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَيِّتَ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ، وَلِأَنَّ الْوَرَثَةَ لَوْ أَكْذَبُوا الشَّاهِدَ وَصَدَّقَهُ الْغُرَمَاءُ، لَمْ يَكُنْ لِلْغُرَمَاءِ أَنْ يَحْلِفُوا مَعَهُ، وَلَوْ صَدَّقَهُ الْوَرَثَةُ وَكَذَّبَهُ الْغُرَمَاءُ كَانَ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يَحْلِفُوا مَعَهُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مِلْكَ الدَّيْنِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ لِلْوَرَثَةِ دُونَ الْغُرَمَاءِ.
وَهَكَذَا لَوِ ادَّعَى وَرَثَةُ الْمَيِّتِ دَيْنًا عَلَى مُنْكِرٍ، وَنَكَلَ الْمُنْكِرُ عَنْ الْيَمِينِ فَرُدَّتْ عَلَى الْوَرَثَةِ فَلَمْ يَحْلِفُوا وَأَجَابَ غُرَمَاءُ الْمَيِّتِ إِلَى الْيَمِينِ فَفِي إِحْلَافِهِمْ قَوْلَانِ تَعْلِيلًا بِمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَهَكَذَا غُرَمَاءُ الْمُفْلِسِ إِذَا أَقَامَ شَاهِدًا بَدَيْنٍ وَلَمْ يَحْلِفْ مَعَهُ وَأَجَابَ غُرَمَاؤُهُ إِلَى اليمين لمراجع أوردت يَمِينَ النُّكُولِ عَلَيْهِ فَلَمْ يَحْلِفْ وَأَجَابَ غُرَمَاؤُهُ إِلَيْهَا فَفِي رَدِّهَا قَوْلَانِ:
فَأَمَّا إِذَا وَصَّى الْمَيِّتُ بِعَيْنٍ قَائِمَةٍ فِي يَدِ زَيْدٍ، وَوَصَّى بِهَا لِعَمْرٍو فَأَنْكَرَهَا زَيْدٌ، وَنَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ فردت اليمين عَلَى الْوَرَثَةِ، فَإِنْ حَلَفُوا اسْتُحِقَّتِ الْعَيْنُ، وَدُفِعَتْ إِلَى الْمُوصَى لَهُ، وَإِنْ نَكَلُوا وَأَجَابَ الْمُوصَى لَهُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَيْهَا، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا، فَخَرَّجَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى قَوْلَيْنِ، كَالدُّيُونِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لِلْمُوصَى لَهُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَيْهَا، وَيَسْتَحِقَّهَا قَوْلًا وَاحِدًا بِخِلَافِ الدُّيُونِ لِأَنَّ الْأَعْيَانَ مُخَالِفَةٌ لِلدُّيُونِ لِسُقُوطِ حُقُوقِ الْوَرَثَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ وَبِثُبُوتِهِ فِي الدين،
لِأَنَّ لَهُمْ قَضَاءَ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ التَّرِكَةِ، وَلَيْسَ لَهُمْ إِبْدَالُ الْوَصِيَّةِ بِغَيْرِ الْعَيْنِ.
وَعَلَى هَذَا لَوِ اخْتَلَفُوا فِي الْجَارِيَةِ الْمَرْهُونَةِ، إِذَا أَحْبَلَهَا الرَّاهِنُ وَادَّعَى وَطْأَهَا بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ، وَأَنْكَرَ الْمُرْتَهِنُ الْإِذْنَ فَجَعَلَ الْقَوْلَ قَوْلَ الْمُرْتَهِنِ مَعَ يَمِينِهِ، فِي إِنْكَارِ الْإِذْنِ، فَلَمْ يَحْلِفْ فَرُدَّتْ اليمين عَلَى الرَّاهِنِ فَلَمْ يَحْلِفْ وَأَجَابَتِ الْجَارِيَةُ الْمَرْهُونَةُ إِلَى أَنْ تَحْلِفَ فَخَرَّجَهَا أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا عَلَى قَوْلَيْنِ، وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ أَنْ تَحْلِفَ قَوْلًا وَاحِدًا لِتَعْيِينِ حَقِّهَا فِي مَصِيرِهَا أُمَّ وَلَدٍ لِسَيِّدِهَا.
(مسألة)
: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " وَلَوْ أَقَامَ شَاهِدًا أَنَّهُ سَرَقَ لَهُ مَتَاعًا مِنْ حِرْزٍ يُسَاوِي مَا تُقْطَعُ فِيهِ الْيَدُ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ وَاسْتَحَقَّ وَلَا يُقْطَعُ لِأَنَّ الْحَدَّ لَيْسَ بِمَالٍ كَرَجُلٍ قَالَ امْرَأَتِي طَالِقٌ وَعَبْدِي حُرٌّ إِنْ كُنْتُ غَصَبْتُ فُلَانًا هَذَا الْعَبْدَ فَيَشْهَدُ لَهُ عَلَيْهِ بِغَصْبِهِ شَاهِدٌ فَيَحْلِفُ وَيَسْتَحِقُّ الْغَصْبَ وَلَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ طَلَاقٌ وَلَا عِتْقٌ لِأَنَّ حُكْمَ الْحِنْثِ غَيْرُ حُكْمِ الْمَالِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَقَدْ ثَبَتَ مِنْ مَذْهَبِنَا أَنَّ الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ يُحْكَمُ بِهِ فِي الْأَمْوَالِ دُونَ الْحُدُودِ، فَإِذَا ادَّعَى سَرِقَةَ مَالٍ يُوجِبُ الْقَطْعَ، وَأَقَامَ عَلَيْهَا شَاهِدًا، وَيَمِينًا وَجَبَ الْغُرْمُ، وَسَقَطَ الْقَطْعُ لِأَنَّ الْغُرْمَ مَالٌ وَالْقَطْعَ حَدٌّ، وَلَا يَمْتَنِعُ، إِذَا اجْتَمَعَ فِي الدَّعْوَى أَنْ يَجْرِيَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمُهُ لَوِ انْفَرَدَ وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ الْغُرْمُ دُونَ الْقَطْعِ إِذَا سَرَقَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ، أَوْ سَرَقَ أَقَلَّ مِنْ نِصَابٍ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ الْقَطْعُ دُونَ الْغُرْمِ، إِذَا وُهِبَتْ لَهُ السَّرِقَةُ فَلَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يُثْبِتَ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ الْغُرْمَ دُونَ الْقَطْعِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا أَوْجَبْتُمْ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ الدِّيَةَ، دُونَ الْقَوَدِ، لِأَنَّ الدِّيَةَ مَالٌ، وَالْقَوَدُ حَدٌّ، كَمَا أَوْجَبْتُمْ بِهِ فِي السَّرِقَةِ الْغُرْمَ، دُونَ الْقَطْعِ قِيلَ: لِفَرْقَيْنِ مَنَعَا مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا:
أَحَدُهُمَا: إِنَّ الْمَالَ فِي السَّرِقَةِ أَصْلٌ وَالْقَطْعَ فَرْعٌ فَجَازَ أَنْ يَثْبُتَ حُكْمُ الْأَصْلِ مَعَ سُقُوطِ فَرْعِهِ، وَالْقَوَدُ فِي الْقَتْلِ أَصْلٌ، وَالدِّيَةُ فَرْعٌ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَثْبُتَ حُكْمٌ لِلْفَرْعِ مَعَ سُقُوطِ أَصْلِهِ.
وَالثَّانِي: إِنَّ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ مُوجِبٌ لِلْقَوَدِ، وَأَنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ بِالْعَفْوِ عَنِ الْقَوَدِ، وَاخْتِيَارِ الدِّيَةِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَسْتَحِقَّ الدِّيَةَ إِلَّا مَنْ يَسْتَحِقُّ الْقَوَدَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّ قَتْلَ الْعَمْدِ مُوجِبٌ لِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ مِنَ الْقَوَدِ أَوِ الدِّيَةِ، وَأَنَّ كُلَّ
وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَدَلٌ عَنِ الْآخَرِ يَكُونُ مُسْتَحِقُّهُ مُخَيَّرًا فِي أَحَدِهِمَا فَإِذَا امْتَنَعَ اسْتِحْقَاقُهُمَا، وَثُبُوتُ الْخِيَارِ فِيهِمَا امْتَنَعَ وُجُوبُ أَحَدِهِمَا.
وَهَذَانِ الْأَمْرَانِ مَعْدُومَانِ فِي السَّرِقَةِ لِجَوَازِ ثُبُوتِ الْغُرْمِ دُونَ الْقَطْعِ، وَثُبُوتِ الْقَطْعِ دُونَ الْغُرْمِ.
وَقَدْ أَوْضَحَ الشَّافِعِيُّ ذَلِكَ بِمِثَالٍ ضَرَبَهُ فِي رَجُلٍ ادَّعَى عَبْدًا فِي يَدِ رَجُلٍ غَصَبَهُ عَلَيْهِ، فَحَلَفَ الْمُدَعَّى عَلَيْهِ بِالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ أَنَّهُ مَا غَصَبَهُ الْعَبْدَ الَّذِي ادَّعَاهُ، فَإِنْ أَقَامَ مُدَّعِي الْغَصْبِ شَاهِدَيْنِ حُكِمَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْغَصْبِ، وَحُكِمَ عَلَيْهِ بِالْحِنْثِ فِي الطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ، وَلَوْ أَقَامَ عَلَيْهِ شَاهِدًا وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ شَاهِدًا وَيَمِينًا حُكِمَ عَلَيْهِ بِالْغَصْبِ، وَلَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ بِالْحِنْثِ فِي الطلاق والعتاق، ولأن الْغَصْبَ مَالٌ، وَالطَّلَاقَ وَالْعِتْقَ لَيْسَا بِمَالٍ.
(فَصْلٌ)
: وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأُمِّ إِذَا عَمَدَ الرامي بسهمه إِنْسَانًا، فَأَصَابَهُ، وَنَفَذَ السَّهْمُ مِنَ الْأَوَّلِ إِلَى آخَرَ، فَأَصَابَهُ أَنَّ الْأَوَّلَ عَمْدٌ يُوجِبُ الْقَوَدَ.
وَالثَّانِي خَطَأٌ يُوجِبُ الدِّيَةَ دُونَ الْقَوَدِ.
فَإِنِ ادُّعِيَتْ هَذِهِ الْجِنَايَةُ عَلَى إِنْسَانٍ فَأَنْكَرَهَا، وَأَقَامَ مُدَّعِيهَا شَاهِدًا وَيَمِينًا، فَإِنْ كَانَ الْعَمْدُ مِمَّا يَسْقُطُ فِيهِ الْقَوَدُ، لِأَنَّهُ مِنْ وَالِدٍ عَلَى وَلَدٍ، وَمِنْ حُرٍّ عَلَى عَبْدٍ أَوْ مِنْ مُسْلِمٍ عَلَى كَافِرٍ ثَبَتَتِ الْجِنَايَتَانِ مَعًا، بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، لِاجْتِمَاعِهِمَا فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ دُونَ الْقَوَدِ، فَإِنْ كَانَ الْعَمْدُ مُوجِبًا لِلْقَوَدِ لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُ الْعَمْدِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَفِي وُجُوبِ الْخَطَأِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَثْبُتُ بِهِ حُكْمُهُ، لِاخْتِصَاصِهِ بِالْمَالِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يَثْبُتُ بِهِ حُكْمُهُ، لِأَنَّهُ حَدَثَ عَنْ عَمْدٍ سَقَطَ حُكْمُهُ، فَسَقَطَ بِهِ حُكْمُ مَا حَدَثَ عَنْهُ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِجَوَازِ انْفِرَادِ كُلِّ واحد منهما بحكمه.
(مسألة)
: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " وَلَوْ أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى جَارِيَةٍ أَنَّهَا لَهُ وَابْنَهَا وَلَدٌ مِنْهُ حَلَفَ وَقُضِيَ لَهُ بِالْجَارِيَةِ وَكَانَتْ أُمَّ وَلَدِهِ بِإِقْرَارِهِ لِأَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ مَمْلُوكَةٌ وَلَا يُقْضَى لَهُ بِالابْنِ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ عَلَى أَنَّهُ ابْنُهُ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) رَحِمَهُ اللَّهُ: وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ يَأْخُذُهَا وَوَلَدَهَا ويكون ابنه (قال المزني) رحمه الله: وهذا أشبه بقوله الآتي لَمْ يختلف وَهُوَ قَوْلُهُ لَوْ أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى عَبْدٍ فِي يَدَيْ رَجُلٍ يَسْتَرِقُّهُ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا لَهُ فَأَعْتَقَهُ ثُمَّ غَصَبَهُ هَذَا بَعْدَ الْعِتْقِ حَلَفَ وَأَخَذَهُ وَكَانَ مَوْلًى لَهُ (قال المزني) رحمه الله: فهو لا يأخذه
مولاه على أنه يسترقه كما أنه لا يأخذ ابنه على أنه يسترقه فإذا أجازه في المولى لزمه في الابن ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي جَارِيَةٍ وَلَدَتْ وَلَدًا فِي يَدَيْ رَجُلٍ يَسْتَرِقُّهُمَا، فَادَّعَاهَا وَوَلَدَهَا مُدَّعٍ فَلَهُ فِي دَعْوَاهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَدَّعِيَهَا مِلْكًا لِنَفْسِهِ، فَيُحْكَمَ لَهُ فِيهَا بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، لِاخْتِصَاصِ الدَّعْوَى بِالْمِلْكِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهَا حُرَّةٌ تَزَوَّجَهَا، وَأَنَّ وَلَدَهَا ابْنُهُ مِنْهَا، حُرٌّ، لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ رِقٌّ، فَلَا يُحْكَمُ لَهُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، حَتَّى يَشْهَدَ لَهُ شَاهِدَانِ بِدَعْوَاهُ، لِأَنَّهَا تَضَمَّنَتْ حُرِّيَّةً وَزَوْجِيَّةً وَنَسَبًا.
وَالشَّهَادَةُ بِحُرِّيَّتِهَا بَيِّنَةٌ عَلَى صَاحِبِ الْيَدِ وَالشَّهَادَةُ بِالزَّوْجِيَّةِ بَيِّنَةٌ عَلَيْهَا إِنْ كَانَتْ مُعْتَرِفَةً بِحُرِّيَّتِهَا، وَإِنْ لَمْ تَعْتَرِفْ بِحُرِّيَّتِهَا كَانَتْ بَيِّنَةً عَلَى صَاحِبِ الْيَدِ، وَتُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ بِحُرِّيَّتِهَا، وَإِنْ لَمْ تَدَّعِيهَا لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ صِحَّةِ نِكَاحِ الْمُدَّعِي، وَحُرِّيَّةِ وَلَدِهِ مِنْهَا، وَالشَّهَادَةُ بِنَسَبِ الْوَلَدِ بَيِّنَةٌ عَلَى صَاحِبِ الْيَدِ وَالْوَلَدِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهَا كَانَتْ أَمَتَهُ، وَأَنَّهُ أَوْلَدَهَا هَذَا الْوَلَدَ، فَصَارَتْ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ، فَتَعَلَّقَ بِدَعْوَاهُ فِي الْأُمِّ حُكْمَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهَا أَمَتُهُ.
وَالثَّانِي: إِنَّهَا أُمُّ وَلَدِهِ، وَتَعَلَّقَ بِهَا فِي الْوَلَدِ حُكْمَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ ابْنُهُ.
وَالثَّانِي: إِنَّهُ حُرٌّ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُحْكَمُ لَهُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فِي الْإِقْرَارِ أَنَّهَا أَمَتُهُ، وَأَنَّهَا أُمُّ وَلَدِهِ تُعْتَقُ عَلَيْهِ بِمَوْتِهِ، لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّ أَحْكَامَ الرِّقِّ جَارِيَةٌ عَلَيْهَا فِي اسْتِخْدَامِهَا وَالِاسْتِمْتَاعِ بِهَا وَإِجَارَتِهَا، وَتَمَلُّكِ مَنَافِعِهَا، وَأَخْذِ الْقِيمَةِ مِنْ قَاتِلِهَا وَالرِّقِّ قَالَ: " وَيُحْكَمُ فِيهِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ ".
وَالثَّانِي: إِنَّهُ لَمَّا حَرُمَ عَلَيْهِ بَيْعُهَا، صَارَ الْمِلْكُ وَالدَّعْوَى مَقْصُورَيْنِ عَلَى مَنَافِعِهَا، وَالْمَنَافِعُ فِي حُكْمِ الْأَمْوَالِ الْمَحْكُومِ بِهَا بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا لِاخْتِلَافِ هَذَا التَّعْلِيلِ: هَلْ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِإِقْرَارِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ بِإِقْرَارِهِ الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ، فَوَجَبَ تَمَلُّكُ رِقِّهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّهَا صَارَتْ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ أَمَتَهُ وَأُمَّ وَلَدِهِ، قَضَاءً بِالشَّهَادَةِ.
(فَصْلٌ)
: فَأَمَّا الْوَلَدُ فَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَالْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي كُتُبِهِ، أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَهُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ مَا ادَّعَاهُ مِنْ نَسَبِهِ وَحُرِّيَّتِهِ، وَيَكُونُ فِي يَدِ صَاحِبِ الْيَدِ عَلَى مَا يَذْكُرُهُ فِيهِ أَنَّهُ عَبْدُهُ أَوْ وَلَدُهُ مَعَ يَمِينِهِ، كَمَا لَوْ تَجَرَّدَتِ الدَّعْوَى عَنْ بَيِّنَةٍ إِلَّا أَنْ يَشْهَدَ بِهَا شَاهِدَانِ، فَيُحْكَمَ لَهُ بِالنَّسَبِ وَالْحُرِّيَّةِ، لِأَنَّ الدَّعْوَى لَوِ انْفَرَدَتْ بِنَسَبِهِ وَبِحُرِّيَّتِهِ لَمْ يُحْكَمْ فِيهَا بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ كَذَلِكَ إِذَا أَقَرَّ بِادِّعَاءِ أَمَتِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَحَكَّاهُ الْمُزَنِيُّ عَنْهُ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي كُتُبِهِ أَنَّهُ يَصِيرُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ تَبَعًا لِأُمِّهِ فِي ثُبُوتِ نَسَبِهِ وَحُرِّيَّتِهِ، لِأَنَّهَا فِي الدَّعْوَى أَصْلٌ مَتْبُوعٌ، وَهُوَ فِيهَا فَرْعٌ تَابِعٌ، فَأَوْجَبَ ثُبُوتُ الْأَصْلِ ثُبُوتَ فَرْعِهِ، وَاسْتَشْهَدَ لَهُ الْمُزَنِيُّ بِمَا حَكَاهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي رَجُلٍ ادَّعَى عَبْدًا فِي يَدِ رَجُلٍ لِيَسْتَرِقَّهُ أَنَّهُ كَانَ عَبْدَهُ، وَأَنَّهُ أَعْتَقَهُ وَغَصَبَهُ صَاحِبُ الْيَدِ، بَعْدَ حُرِّيَّتِهِ، وَأَقَامَ بِمَا ادَّعَاهُ مِنَ الْمِلْكِ وَالْعِتْقِ شَاهِدًا وَيَمِينًا قُضِيَ لَهُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَإِنْ كَانَ مَقْصُودُ الدَّعْوَى اسْتِحْقَاقَ الْوَلَاءِ، لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِدَعْوَى رِقٍّ وَعِتْقٍ.
كَذَلِكَ دَعْوَى الْوَلَدِ، لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِرِقِّ أُمِّهِ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي حُكْمِ مَا اسْتَشْهَدَ بِهِ الْمُزَنِيُّ مِنْ دَعْوَى الْعَبْدِ الْمُعْتَقِ، فَكَانَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ يُسَوِّي بَيْنَهُمَا، وَلَا يُفَرِّقُ وَيَمْنَعُ مِنْ ثُبُوتِ نَسَبِ الْوَلَدِ وَعِتْقِ الْعَبْدِ، وَإِنْ خَرَّجَ فِي نَسَبِ الْوَلَدِ قَوْلٌ ثَانٍ خَرَجَ فِي عِتْقِ الْعَبْدِ.
وَذَهَبَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا إِلَى تَصْحِيحِ مَا قَالَهُ الْمُزَنِيُّ فِي عِتْقِ الْعَبْدِ، وَفَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَسَبِ الْوَلَدِ بِأَنَّ الْعَبْدَ قَدْ جَرَى عَلَيْهِ رِقٌّ يَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، فَاسْتَصْحَبَ حُكْمُهُ فِيهِ، وَإِنْ عُتِقَ بِإِقْرَارِ مَالِكِهِ، وَالْوَلَدُ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ رِقٌّ يَسْتَصْحِبُ حُكْمُهُ فِيهِ، فَتَجَرَّدَتْ دَعْوَاهُ بِإِثْبَاتِ النَّسَبِ الَّذِي لَا يُحْكَمُ فِيهِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ.
فَأَمَّا التَّعْلِيلُ بِأَنَّ الْوَلَدَ تَابِعٌ لِأُمِّهِ، فَهُوَ وَإِنْ كَانَ تَابِعًا لَهَا فِي الْبُنُوَّةِ، فَهِيَ تَابِعَةٌ لَهُ فِي الْحُرِّيَّةِ، لِأَنَّهَا تُعْتَقُ بحريته.
(مسألة)
: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " وَلَوْ أَقَامَ شَاهِدًا أَنْ أَبَاهُ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الدَّارِ صَدَقَةً مُحَرَّمَةً مَوْقُوفَةً وَعَلَى أَخَوَيْنِ لَهُ فَإِذَا انْقَرَضُوا فَعَلَى أَوْلَادِهِمْ أَوْ عَلَى الْمَسَاكِينِ فَمَنْ حَلَفَ مِنْهُمْ ثَبَتَ حَقُّهُ وَصَارَ ما بقي ميراثا فإن حلفوا معا خرجت الدار من ملك صاحبها إلى من جعلت له حياته ومضى الحكم فيها لهم فمن جاء بعدهم ممن وقفت عليه إذا ماتوا قام مقام الوارث وإن لم يحلف إلا واحد فنصيبه منها وهو الثلث صدقة على ما شهد به شاهده ثم نصيبه على من تصدق به أبوه عليه بعده أخويه فإن قال الذين تصدق به عليهم بعد الاثنين نحن نحلف على ما أبى أن يحلف عليه الاثنان ففيها
قولان: أحدهما أنه لا يكون لهم إلا ما كان للاثنين قبلهم والآخر أن ذلك لهم من قبل أنهم إنما يملكون إذا حلفوا بعد موت الذي جعل لهم ملك إذا مات وهو أصح القولين وبه أقول والله أعلم ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَمُقَدِّمَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: هَلْ يَثْبُتُ الْوَقْفُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ فِي انْتِقَالِ مَالِكِ الْوَقْفِ بَعْدَ زَوَالِ مِلْكِ الْوَاقِفِ عَنْهُ، فَأَحَدُ قَوْلَيْهِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّهُ يَنْتَقِلُ إِلَى مِلْكِ الْوَقْفِ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِمَنَافِعِهِ، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِرَقَبَتِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: نَصَّ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ إِنَّهُ يَنْتَقِلُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا إِلَى مَالِكٍ كَالْعِتْقِ الَّذِي بِوُجُودِهِ يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ بِهِ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لَا إِلَى مَالِكٍ وَلِمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ فَرَّقَ بَيْنَ الْوَقْفِ وَالْعِتْقِ بِأَنَّ الْوَقْفَ يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْمِلْكِ فِي ضَمَانِهِ بِالْيَدِ وَغُرْمِ قِيمَتِهِ بِالْإِتْلَافِ وَالْعِتْقُ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْمِلْكِ، فَلَا يُضْمَنُ بِالتَّلَفِ، وَلَا تُغْرَمُ قِيمَتُهُ بِالْإِتْلَافِ.
فَإِنْ قِيلَ بِالْأَوَّلِ إِنَّهُ مِلْكٌ لِلْمُوقَفِ عَلَيْهِ حُكِمَ فِي إِثْبَاتِهِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ.
وَإِنْ قِيلَ بِالثَّانِي إِنَّ الْمِلْكَ زَائِلٌ عَنْهُ إِلَى غَيْرِ مَالِكٍ، فَفِي إِثْبَاتِهِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ لِأَصْحَابِنَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، لَا يَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ كَالْعِتْقِ لِزَوَالِ الْمِلْكِ بِهِمَا إِلَى غَيْرِ مَالِكٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ يَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ بِخِلَافِ الْعِتْقِ وَإِنْ زَالَ الْمِلْكُ بِهِمَا إِلَى غَيْرِ مَالِكٍ لِوُقُوعِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَحْكَامَ الْمِلْكِ بَاقِيَةٌ عَلَى الْوَقْفِ فِي ضَمَانِهِ بِالْيَدِ، وَغُرْمِهِ بِالْقِيمَةِ، وَزَائِلٌ عَنِ الْمُعْتِقِ، لِأَنَّهُ لَا يُضْمَنُ بِالْيَدِ، وَلَا يُغْرَمُ بِالْقِيمَةِ.
وَالثَّانِي: إِنَّ الْمَقْصُودَ بِالْوَقْفِ مِلْكُ مَنَافِعِهِ الَّتِي هِيَ أَمْوَالٌ، وَالْمَقْصُودَ بِالْعِتْقِ كَمَالُ أَحْكَامِهِ فِي مِيرَاثِهِ وَشَهَادَتِهِ وَوِلَايَتِهِ، وَلِهَذَيْنِ الْفَرْقَيْنِ ثَبَتَ الْوَقْفُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَلَمْ يَثْبُتْ بِهِمَا الْعِتْقُ.
(فَصْلٌ)
: فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي صُورَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ وَأَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَأَبِي حامد
الْمَرْوَزِيِّ إِنَّهَا مُصَوَّرَةٌ فِي رَجُلٍ مَاتَ وَخَلَّفَ دَارًا عَلَى وَرَثَةٍ مِنْ بَنِينَ وَبَنَاتٍ وَزَوْجَاتٍ، فَادَّعَى أَحَدُ بَنِيهِ أَنَّ أَبَاهُ وَقَفَ هَذِهِ الدَّارَ عَلَيْهِ، وَعَلَى أَخَوَيْهِ هَذَيْنِ دُونَ بَاقِي الْوَرَثَةِ، وَصَدَّقَهُ الْأَخَوَانِ عَلَى الدَّعْوَى، فَيَكُونُ دَعْوَى الْأُخْوَةِ عَلَى أَبِيهِمْ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنَّهَا مُصَوَّرَةٌ فِي رَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ خَلَّفَ دَارًا عَلَى وَلَدِهِ، فَادَّعَى أَجْنَبِيٌّ مِنْهُ أَنَّ صَاحِبَهَا وَقَفَهَا عَلَيْهِ، وَعَلَى إِخْوَتِهِ.
وَتَصْوِيرُهَا عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَشْبَهُ بِكَلَامِ الشَّافِعِيِّ مِنَ الْوَجْهِ الثَّانِي، وَإِنْ كَانَ لِلثَّانِي فِي الِاحْتِمَالِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ، وَلَيْسَ هَذَا الِاخْتِلَافُ فِي صُورَةِ الْمَسْأَلَةِ مُوجِبًا لِلِاخْتِلَافِ فِي حُكْمِهَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْوَجْهَيْنِ، وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الْأَحْكَامُ بِاخْتِلَافِ الصُّورَةِ، وَنَحْنُ نَذْكُرُهُمَا مَعًا.
فَأَمَّا تَصْوِيرُهَا عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ: أَنْ يَقُولَ الْمُدَّعِي، إِنَّ أَبِي وَقَفَ دَارَهُ هَذِهِ عَلَيَّ وَعَلَى إِخْوَتِي دُونَ غَيْرِنَا مِنْ شُرَكَائِنَا فِي الْمِيرَاثِ، فَإِذَا انْقَرَضْنَا، فَهِيَ عَلَى أَوْلَادِنَا مَا بَقَوْا، ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِينِ إِذَا انْقَرَضُوا، فَإِنْ صَدَّقَهُ الْبَاقُونَ مِنَ الْوَرَثَةِ كَانَتِ الدَّارُ وَقْفًا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمْ، ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِينِ بِإِقْرَارِ الْوَرَثَةِ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ يَلْزَمُ الْمُسْتَحِقِّينَ لِوَقْفِهَا مِنَ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْبُطُونِ.
وَإِنْ أَنْكَرَ الْبَاقُونَ مِنَ الْوَرَثَةِ أَنْ تَكُونَ وَقْفًا، وَأَقَامَ مُدَّعُوهَا شَاهِدَيْنِ صَارَتْ وَقْفًا بِإِقْرَارِ الْمَيِّتِ عِنْدَ الشَّاهِدَيْنِ، وَإِنْ أَقَامُوا شَاهِدًا وَاحِدًا، وَقِيلَ بِأَنَّ الْوَقْفَ يَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ، لَمْ يَخْلُ حَالُ الْإِخْوَةِ الثَّلَاثَةِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَحْلِفُوا مَعَ شَاهِدِهِمْ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَنْكُلُوا.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَحْلِفَ بَعْضُهُمْ، وَيَنْكُلَ بَعْضُهُمْ، فَإِنْ حَلَفُوا جَمِيعًا كَانَتِ الدَّارُ وَقْفًا عَلَيْهِمْ، وَمَنْفَعَتُهَا بَيْنَهُمْ عَلَى سَوَاءٍ مِنْ غَيْرِ تَفْضِيلٍ، لِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ مُطْلَقَةٌ كَالْهِبَةِ، وَلَا حَقَّ فِيهَا لِأَوْلَادِهِمْ مَا بَقِيَ أَحَدُهُمْ، لِأَنَّهَا مُصَوَّرَةٌ فِي تَرْتِيبِ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ عَلَى الثَّانِي، فَإِنْ مَاتَ الْإِخْوَةُ الثَّلَاثَةُ لَمْ يَخْلُ انْقِرَاضُهُمْ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعًا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ أَوْ يَنْقَرِضُوا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، فَإِنِ انْقَرَضُوا مَعًا انْتَقَلَ الْوَقْفُ إِلَى أَوْلَادِهِمْ، وَاخْتُلِفَ فِي اسْتِحْقَاقِهِمْ لَهُ هَلْ يَكُونُ بِأَيْمَانِهِمْ أَوْ بِأَيْمَانِ آبَائِهِمْ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ إِنَّهُمْ لَا يَسْتَحِقُّونَهُ إِلَّا بِأَيْمَانِهِمْ مَعَ شَاهِدِ آبَائِهِمْ، لِأَنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَهُ عَنِ الْوَاقِفِ لَا عَنْ آبَائِهِمْ، فَلَمَّا اسْتَحَقَّهُ الْآبَاءُ بِأَيْمَانِهِمْ وَجَبَ أَنْ يَسْتَحِقَّهُ الأبناء بأيمانهم.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ إِنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَهُ بِأَيْمَانِ آبَائِهِمْ، لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ بِأَيْمَانِهِمْ وَقْفًا مُؤَبَّدًا، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكْمُلَ لِلْأَبْنَاءِ أَنْ يَصِيرَ مِلْكًا مُطْلَقًا.
فَإِنِ انْقَرَضَ الْأَبْنَاءُ وَأَفْضَى الْوَقْفُ إِلَى الْمَسَاكِينِ، فَلَا أَيْمَانَ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مُتَعَيِّنِينَ وَاسْتِحْقَاقُهُمْ لَهُ مُعْتَبَرٌ بِالْأَبْنَاءِ.
فَإِنْ قِيلَ بِالظَّاهِرِ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ إِنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَهُ بِأَيْمَانِ آبَائِهِمِ اسْتَحَقَّهُ الْمَسَاكِينُ، بِتِلْكَ الْأَيْمَانِ.
وَإِنْ قِيلَ: بِمَذْهَبِ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ إِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّهُ الْأَبْنَاءُ إِلَّا بِأَيْمَانِهِمْ، فَلَهُ فِي اسْتِحْقَاقِ الْمَسَاكِينِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ لِلضَّرُورَةِ فِي عَدَمِ التَّعْيِينِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّهُ لَا حَقَّ لَهُمْ فِيهِ، ويعود ملكا مطلقا.
ومن مَذْهَبِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَنَّ الْوَقْفَ الْمُقَدَّرَ بِمُدَّةٍ يَصِحُّ، وَإِنْ كَانَ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ لَا يَصِحُّ حَتَّى يَكُونَ مُؤَبَّدًا، وَإِنْ مَاتَ الْأُخْوَةُ الثَّلَاثَةُ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، فَإِنْ مَاتَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَادَ نَصِيبُهُ إِلَى أَخَوَيْهِ، وَصَارَتْ مَنْفَعَةُ الْوَقْفِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَإِنْ مَاتَ ثَانٍ عَادَ نَصِيبُهُ إِلَى الْبَاقِي، فَصَارَ لَهُ جَمِيعُ الْمَنْفَعَةِ إِذَا كَانَ شَرْطُ الْوَقْفِ الْمُرَتَّبِ أَنْ يَعُودَ سَهْمُ مَنْ مَاتَ، اسْتَحَقَّهُ هُوَ فِي دَرَجَتِهِ، فَإِنْ أَطْلَقَ الشَّرْطَ، فَفِي مُسْتَحَقِّ سَهْمِ الْمَيِّتِ قَبْلَ انْقِرَاضِهِمْ جَمِيعِهِمْ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَسْتَحِقُّهُ مَنْ فِي دَرَجَتِهِ كَمَا لَوْ كَانَ ذَلِكَ مَشْرُوطًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَسْتَحِقُّهُ الْمَسَاكِينُ حَتَّى يَنْقَرِضَ جَمِيعُهُمْ، فَيَسْتَحِقُّهُ الْبَطْنُ الثَّانِي، وَإِذَا وَجَبَ عَوْدُ هَذَا الْوَقْفِ إِلَى الْبَاقِي مِنَ الثَّلَاثَةِ كَانَ فِي اسْتِحْقَاقِهِ بِالْيَمِينِ مُعْتَبَرًا بِاسْتِحْقَاقِ الْبَطْنِ الثَّانِي، فَإِنْ جُعِلَ لَهُمْ بِغَيْرِ يَمِينٍ كَانَ مَا عَادَ إِلَى الْبَاقِي عَلَى أَخَوَيْهِ مُسْتَحِقًّا لَهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَإِنْ لَمْ يُجْعَلْ لِلْبَطْنِ الثَّانِي إِلَّا بِأَيْمَانِهِمْ، فَفِيمَا عَادَ إِلَى الْبَاقِي عَنْ إِخْوَتِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّهُ إِلَّا بِيَمِينٍ، لِأَنَّهُ صَارَ إِلَيْهِ عَنْ غَيْرِهِ كَالْبَطْنِ الثَّانِي.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ، لِأَنَّهُ قَدْ حَلَفَ عَلَيْهِ مَرَّةً، فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى يَمِينٍ ثَانِيَةٍ.
وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ خَالَفَ الْبَطْنُ الثَّانِي ثُمَّ حُكْمُ الْبَطْنِ الثَّالِثِ بَعْدَ الثَّانِي كَحُكْمِ الْبَطْنِ الثَّانِي بَعْدَ الْأَوَّلِ.
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا الْحَالُ الثَّانِيَةُ: وَهُوَ أَنْ يَنْكُلَ الْإِخْوَةُ الثَّلَاثَةُ عَنِ الْيَمِينِ مَعَ شَاهِدِهِمْ، فَتَكُونَ الدَّارُ بَعْدَ إِحْلَافِ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ تَرِكَةً فِي الظَّاهِرِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دُيُونٌ يَسْتَوْعِبُهَا قُضِيَتْ مِنْ ثَمَنِهَا، وَبَطَلَ وَقْفُهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ دُيُونٌ، فَكَانَتْ وَصَايَا أَمْضَى مِنْ
وَصَايَاهُ مَا احْتَمَلَهُ الثُّلُثُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ دُيُونٌ وَلَا وَصَايَا كَانَتْ مِيرَاثًا بَيْنَ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ يَمْلِكُ هُوَ لَا الْإِخْوَةُ الثَّلَاثَةُ مِيرَاثَهُمْ مِنْهَا، وَتَصِيرُ وَقْفًا بِإِقْرَارِهِمْ لِأَنَّ مَا ادَّعَوْهُ مِنْ وَقْفِهَا مَقْبُولٌ فِي حَقِّهِمْ وَغَيْرُ مَقْبُولٍ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ.
فَإِذَا انْقَرَضَ الْإِخْوَةُ الثَّلَاثَةُ انْتَقَلَ الْوَقْفُ إِلَى الْبَطْنِ الثَّانِي بِغَيْرِ يَمِينٍ، لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ وَقْفًا عَلَى الْبَطْنِ الْأَوَّلِ بِغَيْرِ يَمِينٍ، فَصَارَ الْبَطْنُ الثَّانِي بِمَثَابَتِهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْبُطُونِ، وَكَانَ بَقِيَّةُ الدَّارِ مِلْكًا مُطْلَقًا لِبَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ، فَإِنْ مَاتَ الْبَاقُونَ مِنَ الْوَرَثَةِ عَنْ نَصِيبِهِمْ مِنْهَا، وَعَادَ مِيرَاثُهُمْ إِلَى الْإِخْوَةِ الثَّلَاثَةِ صَارَ جَمِيعُ الدَّارِ وَقْفًا بإقرارهم، لأنهم ملكوا جميعا، وَإِنْ وَرِثَهُمْ غَيْرُهُمْ، وَعَادَ الْإِخْوَةُ، فَادَّعَوْا وَقْفَ بَقِيَّتِهَا عَلَيْهِمْ بَعْدَ انْبِرَامِ الْحُكْمِ مَعَ مَنْ تَقَدَّمَهُمْ، فَإِنِ ادَّعَوْا عَلَيْهِمْ بِوَقْفِهَا صَحَّتِ الدَّعْوَى عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُمْ لَوِ اعْتَرَفُوا بِوَقْفِهَا صَارَ حَقُّهُمْ وَقْفًا، وَإِنْ لَمْ يَدَّعُوا عَلَيْهِمْ لَمْ تَصِحَّ الدَّعْوَى عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ انْبِرَامَ الْحُكْمِ مَعَ تَقَدُّمِهِمْ قَدْ أَسْقَطَ دَعْوَاهُمْ.
فَلَوْ بَذَلَ الْبَطْنُ الثَّانِي الْيَمِينَ مَعَ الشَّاهِدِ عِنْدَ نُكُولِ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ عَنْهَا، فَفِي إِحْلَافِهِمْ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَحْلِفُونَ، لِأَنَّهُمْ فَرْعٌ لِأَصْلٍ صَارُوا لَهُ تَبَعًا، فَإِذَا بَطَلَ حُكْمُ الْأَصْلِ الْمَتْبُوعِ بَطَلَ حُكْمُ الْفَرْعِ التَّابِعِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ أَظْهَرُ لَهُمْ أَنْ يَحْلِفُوا، لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّ الْوَقْفَ يَصِيرُ إِلَيْهِمْ عَنِ الْوَاقِفِ لَا عَنِ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ، فَصَارُوا فِي إِفْضَائِهِ إِلَيْهِمْ فِي حُكْمِ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ.
وَالثَّانِي: إِنَّهُ لَوِ امْتَنَعَ الْبَطْنُ الثَّانِي مِنَ الْأَيْمَانِ، لِامْتِنَاعِ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ مِنْهَا لَمَلَكَ بِهِ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ إِبْطَالَ الْوَقْفِ عَلَى الْبَطْنِ الثَّانِي، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ، فَكَانَ تَمْكِينُ الْبَطْنِ الثَّانِي مِنَ الْأَيْمَانِ غَيْرَ مُمْتَنَعٍ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي أَصْلِ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ فِي الْوَقْفِ إِذَا كَانَ عَلَى أَصْلٍ مَعْدُومٍ وَفَرْعٍ مَوْجُودٍ، هَلْ يَبْطُلُ الْفَرْعُ لِبُطْلَانِهِ فِي الْأَصْلِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَبْطُلُ فِي الْفَرْعِ كَبُطْلَانِهِ فِي الْأَصْلِ، لِامْتِزَاجِهِمَا فِي الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْلِفَ الْبَطْنُ الثَّانِي مَعَ نُكُولِ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ لِبُطْلَانِهِ فِي حُقُوقِهِمْ، فَيَبْطُلُ فِي حَقِّ مَنْ بَعْدَهُمْ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يَبْطُلُ فِي الْفَرْعِ، وَإِنْ بَطَلَ فِي الْأَصْلِ، لِأَنَّ حَقَّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَتَعَدَّاهُ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ لِلْبَطْنِ الثَّانِي أَنْ يَحْلِفَ مَعَ نُكُولِ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّ الْمَسْأَلَةَ أَصْلٌ فِي نَفْسِهَا، وَالْقَوْلَانِ مَنْصُوصَانِ فِيهَا، فَإِذَا اسْتَقَرَّ الْقَوْلَانِ فِيهَا، إِمَّا بِنَاءً وَإِمَّا أَصْلًا، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مَوْضِعِ الْقَوْلَيْنِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: إِنْ كَانَ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ بَاقِينَ لَمْ يَكُنْ لِلْبَطْنِ الثَّانِي أَنْ يَحْلِفُوا قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنِ انْقَرَضُوا فَإِحْلَافُ الْبَطْنِ الثَّانِي عَلَى الْقَوْلَيْنِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِعَكْسِ الْأَوَّلِ: إِنِ انْقَرَضَ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ كَانَ لِلْبَطْنِ الثَّانِي أَنْ يَحْلِفُوا قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ كَانُوا بَاقِينَ، فَإِحْلَافُ الْبَطْنِ الثَّانِي عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَقَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ، لِأَنَّ تَرْتِيبَ الْبُطُونِ يَمْنَعُ مِنِ اسْتِحْقَاقِ الثَّانِي مَعَ بَقَاءِ الْأَوَّلِ.
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا الْحَالُ الثَّالِثَةُ: وَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ بَعْضُهُمْ، وَيَنْكُلَ بَعْضُهُمْ مِثْلَ: أَنْ يَحْلِفَ مِنَ الثَّلَاثَةِ الْإِخْوَةِ وَاحِدٌ، وَيَنْكُلُ اثْنَانِ، فَيَكُونَ ثُلُثُهَا وَقْفًا عَلَى الْحَالِفِ بِيَمِينِهِ، وَثُلُثَاهَا مِلْكًا مَوْرُوثًا بَيْنَ الْأَخَوَيْنِ وَبَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ، وَلَا يَرِثُ الْحَالِفُ مِنْهُ شَيْئًا، لِأَنَّهُ مُقِرٌّ بِأَنَّ الْبَاقِيَ مِنَ الدَّارِ وَقْفٌ عَلَى أَخَوَيْهِ، وَيَصِيرُ مَا وَرِثَهُ الْأَخَوَانِ مِنْهَا وَقْفًا عَلَيْهِمَا بِإِقْرَارِهِمَا وَسِهَامُ بَاقِي الْوَرَثَةِ مِلْكًا لَهُمْ طَلْقًا.
فَإِنْ أَرَادَ الْبَطْنُ الثَّانِي أَنْ يَحْلِفُوا عَلَيْهِ كَانَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْلَيْنِ فِي الْبِنَاءِ وَالْمَحَلِّ، فَإِنْ مَاتَ الْإِخْوَةُ الثَّلَاثَةُ انْتَقَلَتْ حُقُوقُهُمْ إِلَى الْبَطْنِ الثَّانِي، وَكَانَ نَصِيبُ مَنْ وَرِثَ وَلَمْ يَحْلِفْ مُنْتَقِلًا إِلَى الْبَطْنِ الثَّانِي بِغَيْرِ يَمِينٍ، لِأَنَّهُ صَارَ وَقَفًا عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَكَانَ نَصِيبُ مَنْ حَلَفَ مُنْتَقِلًا إِلَى الْبَطْنِ الثَّانِي بِيَمِينٍ أَوْ بِغَيْرِ يَمِينٍ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ فِي يَمِينِ الْبَطْنِ الثَّانِي بَعْدَ يَمِينِ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ، وَيَسْتَوِي فِيهِ وَرَثَةُ الْحَالِفِ وَغَيْرِ الْحَالِفِ مِنَ الْبَطْنِ الثَّانِي.
وَلَوْ مَاتَ مِنَ الْإِخْوَةِ اللَّذَانِ لَمْ يَحْلِفَا انْتَقَلَ نَصِيبُهُمْ إِلَى الْأَخِ الْحَالِفِ بِغَيْرِ يَمِينٍ.
وَلَوْ مَاتَ الْأَخُ الْحَالِفُ وَبَقِيَ أَخَوَاهُ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ أَيْمَانَ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ تُسْقِطُ الْأَيْمَانَ عَنِ الْبَطْنِ الثَّانِي انْتَقَلَ نَصِيبُ الْحَالِفِ إِلَى أَخَوَيْهِ النَّاكِلَيْنِ، وَلَمْ يَنْتَقِلْ إِلَى الْبَطْنِ الثَّانِي لِاسْتِحْقَاقِ التَّرْتِيبِ بَيْنَ الْبُطُونِ.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّ أَيْمَانَ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ لَا تُسْقِطُ الْأَيْمَانَ عَنِ الْبَطْنِ الثَّانِي لَمْ يَنْتَقِلْ نَصِيبُ الْحَالِفِ إِلَى أَخَوَيْهِ، لِنُكُولِهِمَا عَنِ الْيَمِينِ، وَفِي انْتِقَالِهِ إِلَى الْبَطْنِ الثَّانِي إِنْ حلفوا وجهان:
أَحَدُهُمَا: يَنْتَقِلُ إِلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانَ التَّرْتِيبُ مُسْتَحَقًّا لِلضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ إِلَى حِفْظِ الْوَقْفِ عَلَى الْبُطُونِ الْآتِيَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَنْتَقِلُ إِلَى الْبَطْنِ الثَّانِي مَا كَانَ الْأَخَوَانِ النَّاكِلَانِ بَاقِيَيْنِ اعْتِبَارًا بِشَرْطِ الْوَقْفِ فِي تَرْتِيبِ الْبُطُونِ.
فَعَلَى هَذَا فِي مَصْرِفِهِ إِلَى انْقِرَاضِ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، حَتَّى يَنْقَرِضَ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ، فَيُرَدُّ عَلَى الْبَطْنِ الثَّانِي بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُصْرَفُ إِلَى أَقْرَبِ النَّاسِ بِالْوَاقِفِ، وَيَكُونُ الْأَخَوَانِ النَّاكِلَانِ وَهُمَا مِنْ أَقْرَبِ النَّاسِ بِهِ وَمَنْ فِي دَرَجَتِهِمَا مِنَ الْأَقَارِبِ فِيهِ سَوَاءٌ.
فَإِذَا مَاتَ الْأَخَوَانِ انْتَقَلَ جَمِيعُ هَذَا النَّصِيبِ إِلَى الْبَطْنِ الثَّانِي بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ، لِإِفْضَاءِ الْوَقْفِ إِلَيْهِمْ بَعْدَ انْقِرَاضِ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ.
(فَصْلٌ)
: وَلَوْ كَانَ الْإِخْوَةُ الثَّلَاثَةُ عِنْدَ ادِّعَاءِ الْوَقْفِ عَلَيْهِمْ هُمْ وَرَثَةَ الْوَاقِفِ، وَلَا يُشْرِكُهُمْ غَيْرُهُمْ، صَارَتِ الدَّارُ وَقْفًا عَلَيْهِمْ بِإِقْرَارِهِمْ، لَا بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَانْتَقَلَ الْوَقْفُ عَنْهُمْ إِلَى الْبَطْنِ الثَّانِي، وَمَا يَلِيهِ بِغَيْرِ يَمِينٍ كَمَا صَارَ لِلْأَوَّلِ بِغَيْرِ يَمِينٍ.
فَإِنْ كَانَ عَلَى الْوَاقِفِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِالْوَقْفِ، فَإِنْ قَضَوْهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ خَلَصَ الْوَقْفُ لَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَقْضُوهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ بِإِسْقَاطِ الدُّيُونِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَنُظِرَ:
فَإِنْ كَانَ الْوَاقِفُ فِي الْمَرَضِ بَطَلَ، لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ تَبْطُلُ بِاسْتِغْرَاقِ الدُّيُونِ، وَلَا يَكُونُ لِبَيِّنَتِهِمْ تَأْثِيرٌ، وَإِنْ كَانَ فِي الصِّحَّةِ سُمِعَتْ بَيِّنَتُهُمْ، وَثَبَتَ الْوَقْفُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَاهُ؛ لِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ فِي الصِّحَّةِ، فَلَمْ تُرَدَّ بِالدُّيُونِ، وَإِنْ عُدِمَتِ الْبَيِّنَةُ حَلَفَ أَرْبَابُ الدُّيُونِ عَلَى إِبْطَالِ الْوَقْفِ، فَكَانَ مَصْرُوفًا فِي دُيُونِهِمْ، فَإِنْ نَكَلُوا عَنِ الْأَيْمَانِ رُدَّتْ عَلَى الْوَرَثَةِ، فَإِنْ حَلَفُوا ثَبَتَ الْوَقْفُ، وَإِنْ نَكَلُوا صَرَفَهُ فِي أَرْبَابِ الدُّيُونِ.
وَلَوْ كَانَتِ الدَّارُ الَّتِي أَقَرُّوا بِوَقْفِهَا مَغْصُوبَةً فِي يَدِ أَجْنَبِيٍّ قَضَى لَهُمْ عَلَى الْغَاصِبِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ قَوْلًا وَاحِدًا، لِأَنَّ الْغَصْبَ يُسْتَحَقُّ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَالْغُصُوبُ تَتَوَجَّهُ إِلَى الْوَقْفِ كَمَا تَتَوَجَّهُ إِلَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ، فَإِذَا أُزِيلَتْ يَدُ الْغَاصِبِ عَنْهُ كَانَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَغْصُوبًا.
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا تَصْوِيرُ ال
ْمَسْأَلَةِ
عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي فِي ادِّعَاءِ الْوَقْفِ عَلَى أَجْنَبِيٍّ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَإِنْ صَدَّقَهُمْ وَارِثُهُ فَالدَّارُ وَقْفٌ عَلَيْهِمْ، وَتَنْتَقِلُ عَنْهُمْ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْبُطُونِ بِغَيْرِ يَمِينٍ لِمَصِيرِهَا إِلَى الْبَطْنِ الْأَوَّلِ بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَإِنْ أَكْذَبَهُمُ الْوَارِثُ، وَأَقَامُوا شَاهِدًا لِيَحْلِفُوا مَعَهُ كَانَ حُكْمُهُمْ فِيهَا كَحُكْمِهِمْ لَوِ ادَّعَوْهَا وَقْفًا مِنْ أَبِيهِمْ إِلَّا فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ،
وَهُوَ أَنَّهُمْ إِذَا نَكَلُوا عَنِ الْيَمِينِ مَعَ شَاهِدِهِمْ صَارَ جَمِيعُهَا مِلْكًا طَلْقًا لِلْوَارِثِ، وَلَوْ كَانَتْ مِنْ أَبِيهِمْ، لَكَانَ قَدْرَ مَوَارِيثِهِمْ مِنْهَا وَقْفًا عَلَيْهِمْ بِإِقْرَارِهِمْ، وَمَا عَدَا هَذَا الْحُكْمَ فَهُوَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى السَّوَاءِ.
(مَسْأَلَةٌ)
: قَالَ الشافعي رضي الله عنه: " ولو قَالَ وَعَلَى أَوْلَادِهِمْ وَأَوُلَادِ أَوْلَادِهِمْ مَا تَنَاسَلُوا قَالَ فَإِذَا حَدَثَ وَلَدٌ نَقَصَ مَنْ لَهُ حَقٌّ فِي الْحَبْسِ وَيُوقَفُ حَقُّ الْمَوْلُودِ حَتَّى يَبْلُغَ فَيَحْلِفَ فَيَأْخُذُ أَوْ يَدَعَ فَيَبْطُلَ حَقُّهُ وَيَرُدُّ كِرَاءَ مَا وُقِفَ لَهُ مِنْ حَقِّهِ عَلَى الَّذِينَ انْتَقَصُوا مِنْ أَجْلِهِ حَقُوقَهُمْ سَوَاءً بَيْنَهُمْ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُوافِقَةٌ لِمَا تَقَدَّمَهَا مِنْ وَجْهٍ، وَمُخَالِفَةٌ لَهَا مِنْ وَجْهٍ:
وَصُورَتُهَا: أَنْ يَدَّعِيَ وَاحِدٌ مِنْ ثَلَاثَةِ إِخْوَةٍ أَنَّ أَبَاهُمْ وَقَفَ هَذِهِ الدَّارَ عَلَيْهِمْ، وَعَلَى أَوْلَادِهِمْ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ مَا تَنَاسَلُوا، فَإِذَا انْقَرَضُوا فَعَلَى الْفُقَرَاءِ، فَجَعَلَ الْبَطْنَ الثَّانِيَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُشَارِكًا لِلْبَطْنِ الْأَوَّلِ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى جَعَلَ الْبَطْنَ الثَّانِيَ مُتَرَتِّبًا بَعْدَ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ، وَهُمَا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ عَلَى سَوَاءٍ.
فَإِذَا أَقَامَ بِهَذِهِ الدَّعْوَى شَاهِدًا لِيَحْلِفُوا مَعَهُ، لَمْ يَخْلُ حَالُ الْإِخْوَةِ الثَّلَاثَةِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعَهُمْ مِنْ أَوْلَادِهِمْ أَحَدٌ أَوْ لَا يَكُونَ.
فَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ مِنْ أَوْلَادِهِمْ وَاحِدٌ صَارُوا بِهِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْوَقْفِ أَرْبَعَةً، لِأَنَّهُ يُشَارِكُهُمْ فِيهِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ نَصِيبَهُ مِنَ الْوَقْفِ إِلَّا بِيَمِينِهِ، وَلَا تُغْنِيهِ يَمِينُ أَبِيهِ كَمَا لَا يَسْتَحِقُّهُ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ إِلَّا بِيَمِينِهِ، وَلَا يُغْنِيهِ أَيْمَانُ إِخْوَتِهِ، فَإِنْ حَلَفَ مَعَهُمْ قُسِّمَ الْوَقْفُ بَيْنَهُمْ عَلَى أَرْبَعَةِ أَسْهُمٍ، وَإِنْ نَكَلَ سَقَطَ حَقُّهُ، وَكَانَ حُكْمُهُ كَحُكْمِ أَحَدِ الثَّلَاثَةِ إِذَا نَكَلَ مَعَ يَمِينِ أَخَوَيْهِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ الْإِخْوَةِ الثَّلَاثَةِ عِنْدَ ادِّعَاءِ الْوَقْفِ أَحَدٌ مِنَ الْبَطْنِ الثَّانِي، وَحَلَفُوا مَعَ شَاهِدِهِمُ اسْتَحَقُّوا الْوَقْفَ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا، لِأَنَّهُ لَا مُشَارِكَ لَهُمْ فِيهِ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِهِمْ.
فَإِنْ وُلِدَ لَهُمْ وَلَدٌ صَارَ مُشَارِكًا لَهُمْ فِي الْوَقْفِ، وَصَارَ مَعَهُمْ رَابِعًا، فَوَجَبَ أَنْ يُوقَفَ بِهِ نَصِيبُهُ مِنَ الْوَقْفِ وَهُوَ الرُّبُعُ، لِأَنَّهُ وَاحِدٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ، وَيَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى يَمِينِهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْوَقْفِ الْمُرَتَّبِ يَأْخُذُهُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ بِغَيْرِ يَمِينٍ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ إِنَّهُمْ فِي الْوَقْفِ الْمُرَتَّبِ بَيْنَهُمْ، وَبَيْنَ الْوَاقِفِ وَاسِطَةٌ مِنَ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ قَدْ ثَبَتَ الْوَقْفُ بِهِمْ، وَالْبَطْنُ الثَّانِي بَدَلٌ مِنْهُمْ، فَانْتَقَلَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْوَقْفِ مَا كَانَ لَهُمْ.
وَإِذَا كَانَ الْوَقْفُ مُشْتَرَكًا، فَكُلُّ بَطْنٍ فِيهِ أَصْلٌ بِأَنْفُسِهِمْ مِنْ غَيْرِ وَسِيطٍ بَيْنَهُمْ، وَبَيْنَ
الْوَاقِفِ، فَكَانَ حُكْمُ كُلِّ بَطْنٍ فِيهِ كَحُكْمِ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ لَا يَسْقُطُ بِأَيْمَانِ بَعْضِهِمْ أَيْمَانُ غَيْرِهِمْ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدِ اعْتَرَفَ لَهُ شُرَكَاؤُهُ بِحَقِّهِ فِيهِ، فَلَمْ يَحْلِفْ عَلَيْهِ مَعَ اعْتِرَافِ مُسْتَحِقِّيهِ كَمَا لَوِ اعْتَرَفَ ثَلَاثَةُ شُرَكَاءَ فِي دَارٍ بِرَابِعٍ أَنَّهُ شَرِيكُهُمْ فِيهَا اسْتَحَقَّ سَهْمَهُ فِيهَا بِغَيْرِ يَمِينٍ قِيلَ: قَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا مَعَ نَصِّ الشَّافِعِيِّ، عَلَى أَنَّ نَصِيبَ الْحَادِثِ مَوْقُوفٌ عَلَى يَمِينِهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْفَيَّاضِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ الْجَوَابَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْوَاقِفَ شَرَطَ فِي وَقْفِهِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَقْبَلْهُ كَانَ نَصِيبَهُ عَلَى شُرَكَائِهِ، فَلِذَلِكَ حَلَفَ الْحَادِثُ إِنْ صَدَّقَهُ الشُّرَكَاءُ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ مِنْ أَهْلِهِ بِقَبُولِهِ، وَقَبُولُهُ يَكُونُ بِيَمِينِهِ، لِأَنَّ سَهْمَهُ إِذَا لَمْ يُقْبَلْ عَائِدٌ عَلَيْهِمْ، وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِطِ الْوَاقِفُ هَذَا اسْتَحَقَّ الْحَادِثُ سَهْمَهُ بِاعْتِرَافِ شُرَكَائِهِ بِغَيْرِ يَمِينٍ كَالدَّارِ الْمَمْلُوكَةِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ الثَّلَاثَةِ إِذَا اعْتَرَفُوا بِشَرِيكٍ رَابِعٍ فِيهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْبَصْرِيِّينَ أَيْضًا إِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى إِطْلَاقِ الْوَقْفِ إِذَا قِيلَ: إِنَّ سَهْمَ مَنْ لَمْ يُقْبَلْ أَوْ مَاتَ بَعْدَ قَبُولِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ رَاجِعٌ عَلَى الشُّرَكَاءِ، فَيُسْتَحْلَفُ الْحَادِثُ، وَيَرْجِعُ عَلَى الشُّهَدَاءِ إِنْ لَمْ يَحْلِفْ.
فَأَمَّا إِذَا قِيلَ: إِنَّ سَهْمَهُ رَاجِعٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ لَمْ يُسْتَحْلَفِ الْحَادِثُ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى الشُّرَكَاءِ إِنْ لَمْ يَحْلِفْ، لِأَنَّ أَصْحَابَ الشَّافِعِيِّ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي مَذْهَبِهِ فِي الْوَقْفِ إِذَا لَمْ يَقْبَلْهُ أَحَدُ أَرْبَابِهِ، هَلْ يَكُونُ نَصِيبُهُ مَعَ إِطْلَاقِ شَرْطِ الْوَقْفِ عَائِدًا عَلَى شُرَكَائِهِ أَوْ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ: إِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَمْوَالِ كُلِّهَا فِي أَنَّ الْحَادِثَ لَا يَسْتَحِقُّ نَصِيبَهُ، وَإِنِ اعْتَرَفَ لَهُ الشُّرَكَاءُ إِلَّا بِيَمِينِهِ، وَفَرَّقَ بَيْنَ الْوَقْفِ، وَبَيْنَ الدَّارِ الْمَمْلُوكَةِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ بِفَرْقَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُمْ فِي الْوَقْفِ مُقِرُّونَ عَلَى الْوَاقِفِ، وَفِي غَيْرِ الْوَقْفِ مُقِرُّونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ.
وَالْفَرْقُ الثَّانِي: إِنَّ فِي الْوَقْفِ حَقًّا لِلْبَطْنِ الثَّانِي، فَلَمْ يَنْفُذْ إِقْرَارُهُمْ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ فِي الْمِلْكِ حَقٌّ لِغَيْرِهِمْ.
(فَصْلٌ)
: فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا كَانَ سَهْمُ الرَّابِعِ وَهُوَ الرُّبْعُ مَوْقُوفًا عَلَى يَمِينِهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ، وَلَوْ حَدَثَ خَامِسٌ وُقِفَ لَهُ خُمْسُ الْوَقْفِ عَلَى يَمِينِهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ، فَإِنْ بَلَغَ الْحَادِثَانِ لَمْ يَخْلُ حَالُهُمَا بَعْدَ بُلُوغِهِمَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: إِمَّا أَنْ يَحْلِفَا أَوْ يَنْكُلَا أَوْ يَحْلِفَ أَحَدُهُمَا، وَيَنْكُلَ الْآخَرُ.
فَإِنْ حَلَفَا اسْتَحَقَّ الرَّابِعُ الرُّبُعَ قَبْلِ حُدُوثِ الْخَامِسِ، وَالْخُمُسَ بَعْدَ حُدُوثِهِ، وَاسْتَحَقَّ الْخَامِسُ الْخُمُسَ لَا غَيْرَهُ، وَإِنْ نَكَلَا جَمِيعًا رُدَّ مَا وُقِفَ مِنْ رُبُعِ الرَّابِعِ وَخُمُسِ الْخَامِسِ عَلَى الْإِخْوَةِ الثَّلَاثَةِ.
وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا، وَنَكَلَ الْآخَرُ سَقَطَ حَقُّ النَّاكِلِ، وَصَارَ الْوَقْفُ بَيْنَ أَرْبَعَةٍ، فَيَكْمُلُ لِلرَّابِعِ رُبُعُ الْوَقْفِ مِنْ حِينِ حُدُوثِهِ، وإلى وقت يمينه، ويرد ما زاد عليه عَلَى الْإِخْوَةِ الثَّلَاثَةِ.
وَبَاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(مَسْأَلَةٌ)
: قَالَ الشافعي رضي الله عنه: " فإن مَاتَ مِنَ الْمُنْتَقَصِ حُقُوقُهُمْ أَحَدٌ فِي نِصْفِ عُمُرِ الَّذِي وُقِفَ لَهُ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ رَدَّ حِصَّةَ الْمُوقَفِ عَلَى مَنْ مَعَهُ فِي الْحَبْسِ وَأُعْطِيَ وَرَثَةُ الْمَيِّتِ مِنْهُمْ بِقَدْرِ مَا اسْتَحَقَّ مِمَّا رُدَّ عَلَيْهِ بِقَدْرِ حَقِّهِ (قَالَ المزني) أصل قول الشافعي أن المحبس أزال ملك رقبته لله عز وجل وإنما يملك المحبس عليه منفعته لا رقبته كما أزال المعتق ملكه عن رقبة عبده وإنما يملك المعتق منفعة نفسه لا رقبته وهو لا يجيز اليمين مع الشاهد إلا فيما يملكه الحالف فكيف يخرج رقبة ملك رجل بيمين من لا يملك تلك الرقبة وهو لا يجيز يمين العبد مع شاهده بأن مولاه أعتقه لأنه لا يملك ما كان السيد يملكه من رقبته فكذلك يَنْبَغِي فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ أَنْ لَا يُجِيزَ يمين المحبس عليه في رقبته الحبس لأنه لا يملك ما كان المحبس يملكه من رقبته (قال المزني) وإذا لم تزل رقبة الحبس بيمينه بطل الحبس من أصله وهذا عندي قياس قوله على أصله الذي وصفت ولو جاز الحبس على ما وصف الشافعي ما جاز أن يقر أهله أن لهم شريكا وينكر الشريك الحبس فيأخذون حقه لامتناعه من أن يحلف معهم فأصل قوله أن حق من لم يحلف موقوف حتى يحلف له ووارثه إن مات يقوم مقامه ولا يأخذ من حق أقر به لصاحبه شيئا لأن أخذه ذلك حرام ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَالْمَسْأَلَةُ مُصَوَّرَةٌ فِي الْوَقْفِ الْمُشْتَرَكِ إِذَا وُقِفَ سَهْمُ مَنْ حَدَثَ عَلَى يَمِينِهِ بَعْدَ الشَّاهِدِ، فَمَاتَ بَعْضُ أَهْلِهِ، وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَمُوتَ بَعْضُ مَنْ حَلَفَ، كَأَنَّهُ وَقَفَ سَهْمٌ رَابِعٌ حَادِثٌ، فَمَاتَ أَحَدُ الْإِخْوَةِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ حَلَفُوا بَعْدَ أَنْ مَضَى للصبي الحادث الموقوف سهمه نصف عمر الصغر، وَهُوَ سَبْعُ سِنِينَ وَنِصْفٌ، لِأَنَّ مُدَّةَ الصِّغَرِ مِنْ وَقْتِ الْوِلَادَةِ إِلَى زَمَانِ الْبُلُوغِ، وَذَلِكَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَيُوقَفُ لِلْحَادِثِ بَعْدَ مَوْتِ أَحَدِ الثَّلَاثَةِ بَعْدَ أَنْ كَانَ الْمُوقَفُ لَهُ
الرُّبُعَ، لِأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ مَوْتِ أَحَدِ الثَّلَاثَةِ وَاحِدًا مِنْ أَرْبَعَةٍ، فَكَانَ نَصِيبُهُ الرُّبُعَ، وَصَارَ بَعْدَ مَوْتِ الثَّالِثِ وَاحِدًا مِنْ ثَلَاثَةٍ، فَصَارَ نَصِيبُهُ الثُّلُثَ، فَإِنْ بَلَغَ الْحَادِثَ، وَحَلَفَ اسْتَحَقَّ جَمِيعَ مَا وُقِفَ لَهُ مِنَ الرُّبُعِ فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنْ عُمُرِ صِغَرِهِ، وَالثُّلُثَ فِي النِّصْفِ الثَّانِي مِنْ عُمُرِ صِغَرِهِ.
وَإِنْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ سَقَطَ حَقُّهُ مِنَ الْوَقْفِ، وَرُدَّ الرُّبُعُ الْمَوْقُوفُ فِي الْأَوَّلِ عَلَى الْأَخَوَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ وَعَلَى وَرَثَةِ الْمَيِّتِ الثَّالِثِ، وَرُدَّ الثُّلُثُ الْمَوْقُوفُ فِي الْآخِرِ عَلَى الْأَخَوَيْنِ خَاصَّةً دُونَ وَرَثَةِ الثَّالِثِ، لِأَنَّ الْمَيِّتَ يَسْتَحِقُّ اسْتِرْجَاعَ مَا وَقَفَ فِي حَيَاتِهِ، وَلَا يَسْتَحِقُّ اسْتِرْجَاعَ مَا وَقَفَ بَعْدَ مَوْتِهِ.
(فَصْلٌ)
: وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَمُوتَ الْحَادِثُ الْمَوْقُوفُ سَهْمُهُ قَبْلَ بُلُوغِهِ، فَيَقُومُ وَرَثَتُهُ فِيهِ مَقَامَهُ لِانْتِقَالِ حَقِّهِ إِلَيْهِمْ بِالْمَوْتِ، وَهَكَذَا لَوْ وُقِفَ سَهْمُ مَجْنُونٍ حَتَّى يَفِيقَ [فَمَاتَ بَعْدَ بُلُوغِهِ وَقَبْلَ إِفَاقَتِهِ قَامَ وَرَثَتُهُ مَقَامَهُ، فَيَحْلِفُونَ وَيَسْتَحِقُّونَ أَوْ يَنْكُلُونَ] فَيُرَدُّ عَلَى أَهْلِ الْوَقْفِ وَإِذَا كَانَ هَكَذَا لَمْ يَخْلُ حَالُ وَارِثِ هَذَا الْمَيِّتِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَرِثَهُ عُمُومَتُهُ الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ حَلَفُوا، فَهَلْ يَلْزَمُهُمْ فِي مِيرَاثِ سَهْمِهِ أَنْ يَحْلِفُوا عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ لَهُ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، قَدَّمْنَاهُمَا في الوقف المرتب:
أحدها: لَا يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَحْلِفُوا، لِأَنَّهُمْ قَدْ حَلَفُوا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَحْلِفُوا، لِأَنَّهُمْ حَلَفُوا فِي حُقُوقِ أَنْفُسِهِمْ، وَهَذِهِ يَمِينٌ فِي حَقِّ غيرهم، فإن نكلوا عن هذه اليمين لَمْ يَسْتَحِقُّوا سَهْمَ الْمَيِّتِ، وَإِنِ اسْتَحَقُّوا سِهَامَ أَنْفُسِهِمْ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ وَرَثَةُ الْمَيِّتِ مِمَّنْ لَا مَدْخَلَ لَهُمْ فِي الْوَقْفِ كَالزَّوْجَةِ وَالْأُمِّ وَالْجَدَّةِ وَالْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ لِلْأُمِّ، فَلَا حَقَّ لَهُمْ فِي سَهْمِهِمُ الْمَوْقُوفِ إِلَّا بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ، لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَسْتَحِقَّهُ الْمَيِّتُ إِلَّا بِيَمِينِهِ لَمْ يَسْتَحِقَّهُ وَرَثَتُهُ إِلَّا بِأَيْمَانِهِمْ، فَإِنْ حَلَفُوا جَمِيعًا اسْتَحَقُّوا جَمِيعَ الْمَوْقُوفِ، وَإِنْ حَلَفَ بَعْضُهُمْ، وَنَكَلَ بَعْضُهُمُ اسْتَحَقَّ الْحَالِفُ مِنْهُمْ قَدْرَ نَصِيبِهِ، وَرُدَّ نَصِيبُ مَنْ لَمْ يَحْلِفْ عَلَى الْإِخْوَةِ الثَّلَاثَةِ.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ وَارِثُهُ مِمَّنْ لَهُ مَدْخَلٌ فِي الْوَقْفِ كَمَوْتِ الْمَجْنُونِ عَنْ حَمْلٍ وُلِدَ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَيُوقَفُ مَا وَرِثَهُ عَنْ سَهْمِ أَبِيهِ عَلَى يَمِينِهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ، وَيُسْتَأْنَفُ لَهُ وَقْفُ سَهْمِهِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ مِنْ أَصْلِ الْوَقْفِ عَلَى يَمِينِهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ، فَيَصِيرُ الْمَوْقُوفُ لَهُ سَهْمَيْنِ: سَهْمُ أَبِيهِ وَسَهْمُ نفسه.
فَإِذَا بَلَغَ، فَفِي يَمِينِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَحْلِفُ يَمِينًا وَاحِدَةً عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ لِسَهْمِ نَفْسِهِ، فَيَسْتَحِقُّ بِهَا سَهْمَ أَبِيهِ، وَسَهْمَ نَفْسِهِ إِذَا قِيلَ: إِنَّ عُمُومَتَهُ لَوْ وَرِثُوهُ لَمْ يَحْلِفُوا، فَإِنْ حَلَفَ عَلَى اسْتِحْقَاقِ سَهْمِ أَبِيهِ اسْتَحَقَّهُ؛ وَلَمْ يَسْتَحِقَّ سَهْمَ نَفْسِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَسْتَحِقُّ سَهْمَ أَبِيهِ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَحْلِفُ يَمِينَيْنِ، وَيَسْتَحِقُّ بِإِحْدَاهُمَا سَهْمَ أَبِيهِ، وَيَسْتَحِقُّ بِالْآخَرِ سَهْمَ نَفْسِهِ، إِذَا قِيلَ: إِنَّ عُمُومَتَهُ لَوْ وَرِثُوهُ حَلَفُوا.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَلَهُ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ:
الْأُولَى: أَنْ يَحْلِفَ الْيَمِينَيْنِ فَيَسْتَحِقَّ بِهِمَا السَّهْمَيْنِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَنْكُلَ عَنِ الْيَمِينَيْنِ، فَلَا يَسْتَحِقَّ السَّهْمَيْنِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَحْلِفَ عَلَى حَقِّ أَبِيهِ، وَلَا يَحْلِفَ عَلَى حَقِّ نَفْسِهِ، فَيَسْتَحِقَّ سَهْمَ أَبِيهِ، وَلَا يَسْتَحِقَّ سَهْمَ نَفْسِهِ، وَيَخْرُجُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ.
وَالْحَالُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَحْلِفَ عَلَى حَقِّ نَفْسِهِ، وَلَا يَحْلِفَ عَلَى حَقِّ أَبِيهِ، فَيَسْتَحِقَّ سَهْمَ نَفْسِهِ، وَيَصِيرَ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ، وَلَا يَسْتَحِقَّ سَهْمَ أَبِيهِ، وَيُرَدُّ عَلَى الْإِخْوَةِ الثَّلَاثَةِ.
(فَصْلٌ)
: فَأَمَّا الْمُزَنِيُّ، فَكَلَامُهُ يَشْتَمِلُ عَلَى فَصْلَيْنِ، قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِمَا:
أَحَدُهُمَا: إِنَّ الْوَقْفَ كَالْعِتْقِ الَّذِي يَزُولُ بِهِ الْمِلْكُ إِلَى غَيْرِ مَالِكٍ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْكَمَ فِيهِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، كَذَلِكَ الْوَقْفُ لَا يُحْكَمُ فِيهِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فَعَلَّقَ عَلَى هَذَا الْفَصْلِ حُكْمَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ جَعَلَ الْوَقْفَ غَيْرَ مَمْلُوكِ الرَّقَبَةِ، وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: هُوَ مَمْلُوكُ الرَّقَبَةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا تَوْجِيهَ الْقَوْلَيْنِ.
وَالْحُكْمُ الثَّانِي: إِنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ أَصْحَابِنَا فِيهِ، فَعَلَى قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ لَا يَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ كَالْعِتْقِ، مُوافَقَةً لِلْمُزْنِيِّ فِيهِ.
وَعَلَى قَوْلِ أَبِي الْعَبَّاسِ يَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، بِخِلَافِ الْعِتْقِ، وَإِنْ لَمْ يَمْلِكَا، فَخَالَفَهُ الْمُزَنِيُّ لِمَا ذَكَرَهُ مِنَ الْفَرْقَيْنِ بَيْنَ الْوَقْفِ وَالْعِتْقِ.
وَالْفَصْلُ الثَّانِي: إِنَّ الْإِخْوَةَ الثَّلَاثَةَ إِذَا حَلَفُوا، وَصَارَ بِأَيْمَانِهِمْ وَقْفًا، وَانْتَقَلَ إِلَى غَيْرِهِمْ لَمْ يَحْلِفْ، وَلَا يُرَدُّ سَهْمُ مَنْ نَكَلَ عَلَى الْحَالِفِينَ، لِاعْتِرَافِهِمْ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُمْ فِيهِ، فَعَلَّقَ عَلَى هَذَا الْفَصْلِ حُكْمَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ لَا يَحْلِفُ مَنْ دَخَلَ فِي الْوَقْفِ بَعْدَ أَيْمَانِ مَنْ تَقَدَّمَهُ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ أَصْحَابِنَا فِيهِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
وَالْحُكْمُ الثَّانِي: إِنَّهُ لَا يُرَدُّ سَهْمُ النَّاكِلِ عَلَى الْحَالِفِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا وُجُوهَ أَصْحَابِنَا فِي مَوْضُوعِ الْمَسْأَلَةِ، وَلَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ أَنْ يُرَدَّ عَلَيْهِمْ، وَإِنِ اعْتَرَفُوا لَهُ بِالْحَقِّ، لِأَنَّ امْتِنَاعَهُ مِنَ الْيَمِينِ امْتِنَاعٌ مِنَ الْقَبُولِ، وَتَرْكَهُ لِقَبُولِ الْوَقْفِ يَجْعَلُهُ فِيهِ كَالْمَعْدُومِ فِي رَدِّهِ عَلَى الْمَوْجُودِينَ مِنْ أَهْلِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(باب الخلاف في اليمين مع الشاهد)
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " قَالَ بَعْضُ النَّاسِ فَقَدْ أَقَمْتُمُ الْيَمِينَ مَقَامَ شَاهِدٍ قُلْتُ وَإِنْ أعطيت بها كما أعطيت بشاهد فليس معناها معنى شاهد وأنت تبرىء المدعى عليه بشاهدين وبيمينه إن لم يكن لَهُ بَيِّنَةٌ وَتُعْطِي الْمُدَّعِيَ حَقَّهُ بِنُكُولِ صَاحِبِهِ كما تعطيه بشاهدين أفمعنى ذلك معنى شاهدين؟ قال فكيف يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ عَلَى وَصِيَّةٍ أَوْصَى بِهَا مَيِّتٌ أَوْ أَنَّ لِأَبِيهِ حَقًّا عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ صَغِيرٌ وَهُوَ إِنْ حَلَفَ حَلَفَ عَلَى ما لم يعلم قلت فأنت تجيز أن يشهد أن فلانا ابن فلان وأبوه غائب لم يرياه قط ويحلف ابْنَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً مَشْرِقِيًّا اشْتَرَى عَبْدًا ابْنَ مِائَةِ سَنَةٍ مَغْرِبِيًّا وُلِدَ قَبْلَ جَدِّهِ فَبَاعَهُ فَآبِقَ أَنَّكَ تُحَلِّفُهُ لَقَدْ بَاعَهُ بَرِيئًا من الإباق على البت قَالَ مَا يَجِدُ النَّاسُ بُدًّا مِنْ هَذَا غير أن الزهري أنكرها قلت فقد قضى بها حين ولي أرأيت ما رويت عن علي من إنكاره على معقل حديث بروع أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - جعل لها المهر والميراث ورد حديثه ومع علي زيد وابن عمر فهل رددت شيئا بالإنكار فكيف يحتج بإنكار الزهري وقلت له وكيف حكمت بشهادة قابلة في الاستهلال وهو ما يراه الرجال أم كَيْفَ حَكَمْتَ عَلَى أَهْلِ مَحَلَّةٍ وَعَلَى عَوَاقِلِهِمْ بِدِيَةِ الْمَوْجُودِ قَتِيلًا فِي مَحَلَّتِهِمْ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ وَزَعَمْتَ أَنَّ الْقُرْآنَ يُحَرِّمُ أَنْ يَجُوزَ أَقَلُّ مِنْ شَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَزَعَمْتَ أَنَّ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ بَرَاءَةٌ لِمَنْ حَلَفَ فخالفت في جملة قولك الكتاب والسنة أرأيت لو قال لك أهل المحلة أتدعي علينا فأحلف جميعنا وأبرئنا قال لا أحلفهم إذا جاوزوا خمسين رجلا ولا أبرئهم بأيمانهم وأغرمهم قلت فكيف جاز لك هذا قال روينا هذا عن عمر بن الخطاب رحمة الله عليه فقلت فإن قيل لك لا يجوز على عمر أن يخالف الكتاب والسنة وقال عمر نَفْسِهِ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قال لا يجوز أن أتهم من أثق به ولكن أقول بالكتاب والسنة وقول عمر على الخاص: قلت فلم لم يجز لنا مِنْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ما أجزت لنفسك من عمر؟ قلت وقد رويتم أن عمر كتب فجلبهم إلى مكة وهو مسيرة