كتاب النذور
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الماوردي
- الكتاب
- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
- المحقق
- الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1419 هـ -1999 م
- عدد الأجزاء
- 19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ وَاجِبٌ كَالْحَرَمِ، فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُهُ الصَّلَاةُ فِيهِمَا كَمَا تَلْزَمُهُ الصَّلَاةُ فِي الْحَرَمِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يَجِبُ، كَمَا لَا يَجِبُ نَذْرُ الْمَشْيِ إِلَى غَيْرِهِمَا مِنْ بِلَادِ الْحِلِّ، فَعَلَى هَذَا لَا يَلْزَمُهُ الصَّلَاةُ فِيهِمَا وَيَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي غَيْرِهِمَا مِنَ الْبِلَادِ.
(فَصْلٌ:)
وَإِذَا نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ فِي زَمَانٍ بِعَيْنِهِ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَجْعَلَهُ أَجَلًا لِوَقْتِ النَّذْرِ، فَيَسْتَحِقُّ فِعْلَ الصَّلَاةِ فِيهِ كَقَوْلِهِ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُصَلِّيَ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ الْمُسْتَقْبَلِ، فَإِنْ صَلَّاهَا فِيهِ فَقَدْ أَدَّاهَا، وَإِنْ صَلَّاهَا بَعْدَهُ فَقَدْ قَضَاهَا، وَإِنْ صَلَّاهَا قَبْلَهُ لَمْ يُجْزِهِ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ قَبْلَ الْوُجُوبِ تَطَوُّعًا، كَالْمَفْرُوضَاتِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا، وَهَذَا بِخِلَافِ الْحَجِّ الْمَنْذُورِ، فِي جَوَازِ تَقْدِيمِهِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ لِجَوَازِ تَقْدِيمِ الْحَجِّ قَبْلَ وُجُوبِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَقْصِدَ بِهِ تَفْضِيلَ ذَلِكَ الزَّمَانِ عَلَى غَيْرِهِ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ فَضِيلَةٌ عَلَى غَيْرِهِ كَقَوْلِهِ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُصَلِّيَ فِي يَوْمِ السَّبْتِ، فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي يَوْمِ الْأَحَدِ، لِأَنَّهُ لَا فَضِيلَةَ لِلسَّبْتِ عَلَيْهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ لَهُ فَضِيلَةٌ عَلَى غَيْرِهِ، كَقَوْلِهِ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُصَلِّيَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُصَلِّيَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَلَا تُجْزِئُهُ الصَّلَاةُ فِي غَيْرِهَا، وَلَيْلَةُ الْقَدْرِ، فِي الْعَشْرِ الْأُخَرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَهِيَ لَا تَتَعَيَّنُ قَطْعًا فِي إِحْدَى اللَّيَالِي الْعَشْرِ، فَيَلْزَمُهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي الْعَشْرِ لِيُصَادِفَهَا فِي إِحْدَى لَيَالِيهِ كَمَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ خَمْسِ صَلَوَاتٍ لَا يَعْرِفُهَا، قَضَى جَمِيعَهَا لِيَكُونَ مُؤَدِّيًا لَهَا، فَإِنْ لَمْ يُصَلِّهَا فِي الْعَشْرِ كُلِّهِ لَمْ يقضها إلا في مثله.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَلَوْ نَذَرَ عِتْقَ رقبةٍ فَأَيَّ رقبةٍ أَعْتَقَ أَجْزَأَهُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا إِذَا نَذَرَ عِتْقَ رَقَبَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَجَبَ عَلَيْهِ عِتْقُهَا بِنَذْرِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْدِلَ عَنْهَا إِلَى عِتْقِ غَيْرِهَا، وَإِنْ كَانَتْ أَفْضَلَ مِنْهَا، وَسَوَاءٌ أَجْزَأَتْ فِي الْكَفَّارَةِ، أَوْ لَمْ تُجْزِ، لِأَنَّ الْعِتْقَ حَقٌّ قَدْ تَعَيَّنَ لَهَا بِالنَّذْرِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهَا بَعْدَ وُجُودِ شَرْطِ النَّذْرِ، وَيَجُوزُ لَهُ بَيْعُهَا قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ: إِنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتِقَ عَبْدِي سَالِمًا، فَلَهُ بَيْعُهُ قَبْلَ شِفَاءِ مَرِيضِهِ، لِأَنَّ عِتْقَهُ لَمْ يَجِبْ وَيَسْقُطُ النَّذْرُ إِنْ شُفِيَ مَرِيضُهُ، لِخُرُوجِهِ عَنْ مِلْكِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ عِتْقُ غَيْرِهِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ، بَعْدَ شِفَاءِ مَرِيضِهِ، لِوُجُوبِ عِتْقِهِ، وَإِنْ بَاعَهُ بَطَلَ بَيْعُهُ.
فأما إذا أطلق النذر، ولم يعنيه، وَقَالَ: " لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتِقَ رَقَبَةً " فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُجْزِئُهُ عِتْقُ أَيِّ رَقَبَةٍ شَاءَ مِمَّا يُجْزِئُ فِي الْكَفَّارَةِ، أَوْ لَا يُجَزِئُ، وهو
الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ هَاهُنَا لِأَنَّ اسْمَ الرَّقَبَةِ، يَنْطَلِقُ عَلَيْهَا مَعَ اخْتِلَافِ أَحْوَالِهَا، فَرُوعِيَ مَا انْطَلَقَ عَلَيْهِ الِاسْمُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُعْتِقَ مَا يُجْزِئُ، فِي الْكَفَّارَةِ فَتَكُونُ مُؤْمِنَةٍ سَلِيمَةٍ مِنَ الْعُيُوبِ الْمُضِرَّةِ بِالْعَمَلِ إِضْرَارًا بَيِّنًا، وَلَا يُجْزِئُ عِتْقُ كَافِرَةٍ، وَلَا ذَاتُ عَيْبٍ يَضُرُّ بِالْعَمَلِ، لِأَنَّ النَّذْرَ مَحْمُولٌ عَلَى عُرْفِ الشَّرْعِ، وَتَأَوَّلَ قَائِلُ هَذَا الْوَجْهِ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ: " فَأَيُّ رَقَبَةٍ أَعْتَقَ أَجْزَاهُ " يَعْنِي: مِنْ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ، لِأَنَّ عِتْقَ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ فِي الْكَفَّارَاتِ سَوَاءٌ.
وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ مُخَرَّجَانِ مِنِ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِيمَنْ نَذَرَ الْهَدْيَ، هَلْ يُجْزِئُ فِيهِ مَا أُطْلِقَ عَلَيْهِ الِاسْمُ، أَوْ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ عُرْفُ الشَّرْعِ، وَعَلَى اخْتِلَافِ الْقَوْلَيْنِ فِي نَذْرِ الصَّلَاةِ هَلْ يُجْزِئُ فِيهِ أَقَلُّ مَفْرُوضَاتِهَا، أَوِ الأقل من جميعها.
(مسألة:)
قال الشافعي: " ولو قال رجلٌ لآخر يميني في يمنيك فَحَلَفَ فَالْيَمِينُ عَلَى الْحَالِفِ دُونَ صَاحِبِهِ (قَالَ المزني) رحمه الله فقلت له فإن قال يميني في يمينك بالطلاق فحلف أعليه شيءٌ؟ فقال لا يمين إلا على الحالف دون صاحبه (قال المزني) رحمه الله قال لي عليّ بن معبدٍ في المشي كفارة يمينٍ عن زيدٍ وابن عمر وحفصة وميمون بن مهران والقاسم بن محمدٍ والحسن وعبد الله بن عمر الجوزي وروايةٍ عن محمد بن الحسن والحسن وقال سعيد بن المسيب لا كفارة عليه أصلاً وعطاءٍ وشريكٍ وسمعته يقول: ذلك وذكر عن الليث كفارة يمينٍ في ذلك كله إلا سعيدٌ فإنه قال لا كفارة (قال المزني) حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان بن عيينة عن منصور بن عبد الرحمن الحجبي عن أمه صفية بنت شيبة أن ابن عمٍّ لها جَعَلَ مَالَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ فِي رتاج الكعبة فقالت قالت عائشة هي يمينٌ يكفرها ما يكفر اليمين وحدثنا الحميدي قال حدثنا ابن أبي روادٍ عن الْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قال فيمن جعل ماله في سبيل الله يمينٌ يكفرها ما يكفر اليمين قال الحميدي وسمعت الشافعي وسفيان يفتيان به.
قال الحميدي وهو قولي ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا قَوْلُهُ: " يَمِينِي فِي يَمِينِكَ " أَيْ عَلَى مِثْلِ يَمِينِكَ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَحْلِفْ وَأَرَادَ كُلَّ يَمِينٍ، يَحْلِفُ بِهَا مِنْ بَعْدُ، فعلى مثلها وأنا ملتزم لها، ما حكم لهذا القول، فلا يلزمه فلا يَحْلِفُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ،
سَوَاءٌ اسْتَأْنَفَ يَمِينًا بِاللَّهِ أَوْ بِطَلَاقٍ، أَوْ عَتَاقٍ، لِأَنَّهُ أَشَارَ بِالْقَوْلِ إِلَى مَعْدُومٍ، فَبَطَلَ حُكْمُ الْإِشَارَةِ، وَإِلَى مَجْهُولٍ فَبَطَلَ حُكْمُ الْجَهَالَةِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ لِمَنْ قَدْ حَلَفَ يَمِينًا، فَقَالَ: لَهُ بَعْدَ يَمِينِهِ عَلَى مِثْلِ يَمِينِكَ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ يَمِينُهُ بِاللَّهِ تَعَالَى، فَلَا يُلْزَمُ هَذَا الْقَائِلُ يَمِينَ الْحَالِفِ، لِأَنَّهُ قَدْ كَنَّى عَنِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْأَيْمَانُ بِاللَّهِ لَا تَنْعَقِدُ إِلَّا بِالصَّرِيحِ، دُونَ الْكِنَايَةِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ يَمِينُ الْحَالِفِ بِطَلَاقٍ، أَوْ عَتَاقٍ، فَإِنْ أَرَادَ هَذَا الْقَائِلُ بِمَا قَالَ: الطَّلَاقَ، وَالْعَتَاقَ، لَزِمَهُ وَإِنْ لَمْ يُرِدْ بِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ يَقَعُ بِالْكِنَايَةِ مَعَ الْإِرَادَةِ، وهذا قول كِنَايَةٌ فَلَزِمَتِ الْإِرَادَةُ، وَلَمْ تَلْزَمْ مَعَ عَدَمِ الْإِرَادَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ انْعَقَدَ بِالْكِنَايَةِ يَمِينُ الْعِتْقِ، وَالطَّلَاقِ، وَلَمْ تَنْعَقِدْ بِهَا الْيَمِينُ بِاللَّهِ تَعَالَى.
قِيلَ: لِوُقُوعِ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا صَحَّتِ النِّيَابَةُ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، وَلَمْ تَصِحَّ النِّيَابَةُ فِي الْأَيْمَانِ بِاللَّهِ، وَقَامَتِ الْكِنَايَةُ مَقَامِ الصَّرِيحِ فِي الطَّلَاقِ، وَلَمْ يَقُمْ مَقَامَ الصَّرِيحِ فِي الْأَيْمَانِ؛ فَافْتَرَقَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ تَعَالَى مُخْتَصَّةٌ بِذَاتِهِ، لَا تَقِفُ عَلَى إِرَادَةِ مُسَمِّيهِ، فَاخْتُصَّ بِالصَّرِيحِ دُونَ الْكِنَايَةِ، وَأَسْمَاءُ غَيْرِهِ تَقِفُ عَلَى إِرَادَةِ مُسَمِّيهِ، فَجُمِعَ فِيهَا بَيْنَ الصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ:)
فَأَمَّا إِذَا قَالَ رَجُلٌ يَمِينُ الْبَيْعَةِ لَازِمَةٌ لِي فَقَدْ كَانَتِ الْبَيْعَةُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَقْصُورَةً عَلَى الْمُصَافَحَةِ بِمَا اسْتَقَرَّ مِنْ عَهْدٍ، وعليه كانت سيرة الخلفاء الأربعة - رضوان الله عليهم - ثُمَّ أَحْدَثَ الْحَجَّاجُ فِيهَا يَمِينًا بِاللَّهِ تَعَالَى، وَبِالطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ، وَالْحَجِّ، وَصَدَقَةِ الْمَالِ، وَلَعَلَّهُ اسْتَنَابَ فِيهَا رَجُلًا مِنْ هُذَيْلٍ، حَتَّى قَالَ فِيهِ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ: (رَأَيْتُ هُذَيْلًا أَحْدَثَتْ فِي يَمِينِهَا ... طلاق نساءٍ لم يسوقوا لها مهرا)
لَمْ يَقُلْ بِطَلَاقِهَا وَعَتَاقِهَا، صَارَتْ يَمِينُهُ كِنَايَةً فِيهِمَا يَلْزَمُهُ الْعِتْقُ، وَالطَّلَاقُ وَإِنْ أَرَادَهُمَا وَلَا يلزماه إن لم يردهما والله أعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم
(كِتَابُ أَدَبِ الْقَاضِي)
( [الْقَوْلُ فِي حُكْمِ الْقَضَاءِ] )
الْأَصْلُ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ وَتَنْفِيذِ الْحُكْمِ بَيْنَ الْخُصُومِ كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وإجماع الأمم عليه.
(الدليل من الكتاب)
:
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: 26] الْآيَةَ.
أَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خليفة في الأرض﴾ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: خَلِيفَةٌ لَنَا، وَتَكُونُ الْخِلَافَةُ هِيَ النُّبُوَّةُ.
وَالثَّانِي: خَلِيفَةٌ لِمَنْ تَقَدَّمَكَ فِيهَا، وَتَكُونُ الْخِلَافَةُ هِيَ الْمُلْكُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ الناس بالحق﴾ وَفِيمَا أُخِذَ مِنْهُ الْحُكْمُ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْحِكْمَةِ الَّتِي تُوجِبُ وَضْعَ الشَّيْءِ فِي مَوْضِعِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ إِحْكَامِ الشَّيْءِ وَمِنْهُ حَكمَه اللِّجَامِ لِمَا فِيهِ مِنَ الإلزام.
وفي قوله: ب " الحق " وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: بِالْعَدْلِ.
وَالثَّانِي: الْحَقُّ الَّذِي لزَمَكَ الله.
وفي قوله: ﴿ولا تتبع الهوى﴾ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: الْمَيْلُ مَعَ مَنْ يَهْوَاهُ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَحْكُمَ بِمَا تَهْوَاهُ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿فَيُضِلَّكَ عن سبيل الله﴾ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: عَنْ دِينِ اللَّهِ.
وَالثَّانِي: عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الحساب﴾ وجهان:
أَحَدُهُمَا: بِمَا تَرَكُوا مِنَ الْعَمَلِ لِيَوْمِ الْحِسَابِ.
وَالثَّانِي: بِمَا أَعْرَضُوا عَنْ يَوْمِ الْحِسَابِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء: 78] قَالَ قتادة: النفش: وعي الليل، والهمل وعي النهار.
﴿وكنا لحكمهم شاهدين﴾ وَكَانَ الْحُكْمُ فِي غَنَمٍ رَعَتْ كَرْمَ آخَرَ، وَقِيلَ زَرْعَهُ، فَحَكَمَ دَاوُدُ بِالْغَنَمِ لِصَاحِبِ الْكَرْمِ أَوِ الزَّرْعِ، وَحَكَمَ سُلَيْمَانُ بِأَنْ تُدْفَعَ الْغَنَمُ إِلَى صَاحِبِ الْكَرْمِ لِيَنْتَفِعَ بِدَرِّهَا وَنَسْلِهَا وَيُدْفَعَ الْكَرْمُ إِلَى صَاحِبِ الْغَنَمِ لِيُعَمِّرَهُ حَتَّى يَعُودَ إِلَى حَالَتِهِ ثُمَّ يردّ الْكَرْم وَتسْتَرْجع الْغَنَم.
فقال تعالى: ﴿ففهمناها سليمان﴾ فَكَانَ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا قَضَاهُ سُلَيْمَانُ فَرَجَعَ دَاوُدُ عَنْ حُكْمِهِ إِلَى حُكْمِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ.
فَإِنْ قِيلَ فَكَيْفَ نَقَضَ دَاوُدُ حُكْمَهُ بِاجْتِهَادِ سُلَيْمَانَ؟ فَعَنْهُ جَوَابَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ دَاوُدَ كَانَ قَدْ أَفْتَى بِهَذَا الْحُكْمِ وَلَمْ يُنَفِّذْهُ فَلِذَلِكَ رَجَعَ عَنْهُ.
والثَّانِي: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ سُلَيْمَانَ عَنْ وَحْيٍ فَيَكُونُ نَصًّا يَبْطُلُ بِهِ الِاجْتِهَادُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ آتَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ الْحُكْمِ وَالْعِلْمِ مِثْلَ مَا آتَاهُ لِلْآخَرِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ آتَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ الْحُكْمِ وَالْعِلْمِ غَيْرَ مَا آتَاهُ لِلْآخَرِ.
وَفِي الْمُرَادِ بِالْحُكْمِ وَالْعِلْمِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْحُكْمَ الِاجْتِهَادُ وَالْعِلْمَ النَّصُّ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْحُكْمَ: الْقَضَاءُ وَالْعِلْمَ: الْفُتْيَا.
قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَوْلَا هَذِهِ الْآيَةُ لَرَأَيْتَ الْحُكَّامَ قَدْ هَلَكُوا لَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَذَرَ هَذَا بِاجْتِهَادِهِ وَأَثْنَى عَلَى هَذَا بِصَوَابِهِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65] .
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ وَعُرْوَةُ ابْنَا الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الزُّبَيْرِ وَرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَقِيلَ إِنَّهُ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ، تَخَاصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ كَانَا يَسْقِيَانِ بِهِ نَخْلًا لَهُمَا فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَى جَارِكَ " فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ وَقَالَ إِنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟ ! فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حتى
عُرِفَ أَنَّهُ قَدْ سَاءَهُ ثُمَّ قَالَ: " يَا زُبَيْرُ احْبِسِ الْمَاءَ إِلَى الْجَدْرِ أَوْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ خَلِّ سَبِيلَ الْمَاءِ " فَنَزَلَ قَوْله تعالى ﴿فلا وربك لا يؤمنون﴾ أَيْ لَا يَعْلَمُونَ بِمَا يُوجِبُهُ الْإِيمَانُ ﴿حَتَّى يحكموك﴾ أَيْ يَرْجِعُوا إِلَى حُكْمِكَ ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ أَيْ فِيمَا تَنَازَعُوا فِيهِ.
وَسُمِّيَتِ الْمُنَازَعَةُ مُشَاجَرَةً لِتَدَاخُلِ كَلَامِهِمَا كَتَدَاخُلِ الشَّجَرِ الْمُلْتَفِّ.
﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قضيت﴾ فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: شَكًّا، قَالَهُ مُجَاهِدٌ.
وَالثَّانِي: إثما قاله الضحاك: ﴿ويسلموا تسليما﴾ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يُسَلِّمُوا مَا تَنَازَعُوا فِيهِ لِحُكْمِكَ.
وَالثَّانِي: يَسْتَسْلِمُوا إِلَيْكَ تَسْلِيمًا لِأَمْرِكَ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: 49] .
(وَأَمَّا السُّنَّةُ)
:
فَرَوَى بِشْرُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي قَيْسٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ " إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ " وَرَوَاهُ أَبُو سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
فَجَعَلَ لَهُ فِي الْإِصَابَةِ أَجْرَيْنِ هُمَا عَلَى الِاجْتِهَادِ وَالْآخَرِ عَلَى الْإِصَابَةِ، وَجَعَلَ لَهُ فِي الْخَطَأِ أَجْرًا وَاحِدًا عَلَى الِاجْتِهَادِ دُونَ الْخَطَأِ.
وَرَوَى أَبُو هَاشِمٍ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قال: " القضاء ثَلَاثَةٌ: اثْنَانِ فِي النَّارِ وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ: قَاضٍ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ وَقَاضٍ قَضَى بِجَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ وَقَاضٍ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فَهُوَ فِي النَّارِ ".
وَرَوَى عَمْرُو بْنُ الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الْقَاسِمِ حِينَ يَقْسِمُ وَمَعَ الْقَاضِي حِينَ يَقْضِي.
وَرَوَى ابْنُ عَوْنٍ الثَّقَفِيُّ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَصْحَابِ مُعَاذٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ لِمُعَاذٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: " كَيْفَ تَقْضِي إِنْ عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟ ".
قَالَ: أَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ قَالَ " فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ " قَالَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ.
قَالَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ " قَالَ أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلَا آلُو قَالَ: فَضَرَبَ صَدْرَهُ وَقَالَ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يرْضى رَسُولَ اللَّهِ ".
وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " إِذَا جَلَسَ الْقَاضِي لِلْحُكْمِ بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكَيْنِ يُسَدِّدَانِهِ فَإِنْ عَدَلَ أَقَامَا وَإِنْ جَارَ عَرَجَا وَتَرَكَاهُ ".
وَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَيْنَ الْمُتَنَازِعَيْنِ وَحَكَمَ بَيْنَ الْمُتَشَاجِرَيْنِ.
وَقَلَّدَ الْقَضَاءَ فَوَلَّى عَلِيًّا قَضَاءَ نَاحِيَةِ الْيَمَنِ وَقَالَ لَهُ: " إِذَا حَضَرَ الْخَصْمَانِ إِلَيْكَ فَلَا تَقْضِ لِأَحَدِهِمَا حَتَّى تَسْمَعَ مِنَ الْآخَرِ " قَالَ عَلِيٌّ فَمَا أَشْكَلَتْ عَلَيَّ قَضِيَّةٌ بَعْدَهَا وَقَدِمَ مِنْهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.
وَاسْتَخْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ عَلَى مَكَّةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَالِيًا وَقَاضِيًا وَقَالَ " يَا عَتَّابُ انْهَهُمْ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يَقْبِضُوا وَعَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يَضْمَنُوا ".
وَقَلَّدَ مُعَاذًا قَضَاءَ بَعْضِ الْيَمَنِ وَقَالَ لَهُ مَا قَدَّمْنَاه.
وَقَلَّدَ دِحْيَةَ الْكَلْبِيَّ قَضَاءَ نَاحِيَةِ الْيَمَنِ وَكَانَ يُشَبِّهُهُ بِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَكَانَ إِذَا أَسْلَمَ قَوْمٌ أَقَامَ عَلَيْهِمْ مَنْ يُعَلِّمُهُمْ شَرَائِعَ الدِّينِ وَيَقْضِي بَيْنَ الْمُتَنَازِعِينَ.
وَقَدْ حَكَمَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ بَيْنَ النَّاسِ وَقَلَّدُوا الْقُضَاةَ وَالْحُكَّامَ.
فَحَكَمَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَيْنَ النَّاسِ وَاسْتَخْلَفَ الْقُضَاةَ وَبَعَثَ أَنَسًا إِلَى الْبَحْرَيْنِ قَاضِيًا.
وَحَكَمَ عُمَرُ بَيْنَ النَّاسِ، وَبَعَثَ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ إِلَى الْبَصْرَةِ قَاضِيًا، وَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ إِلَى الْكُوفَةِ قَاضِيًا.
وَحَكَمَ عُثْمَانُ بَيْنَ النَّاسِ، وَقَلَّدَ شُرَيْحًا الْقَضَاءَ.
وَحَكَمَ عَلِيٌّ بَيْنَ النَّاسِ وَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ إِلَى الْبَصْرَةِ قَاضِيًا وَنَاظِرًا.
فصار ذلك من فعلهم إجماعا.
(دليل العقل والعرف)
:
وَلِأَنَّ الْقَضَاءَ أَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: 112] . الْآيَةَ.
وَلِأَنَّ النَّاسَ لِمَا فِي طِبَاعِهِمْ مِنَ التَّنَافُسِ وَالتَّغَالُبِ وَلِمَا فُطِرُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّنَازُعِ وَالتَّجَاذُبِ يَقِلُّ فِيهِمُ التَّنَاصُرُ وَيَكْثُرُ فيها التَّشَاجُرُ وَالتَّخَاصُمُ، إِمَّا لِشُبْهَةٍ تَدْخُلُ عَلَى مَنْ تَدَيَّنَ أَوْ لِعِنَادٍ يُقْدِمُ عَلَيْهِ مَنْ يَجُورُ.
فَدَعَتِ الضَّرُورَةُ إِلَى قَوْدِهِمْ إِلَى الْحَقِّ وَالتَّنَاصُفِ بِالْأَحْكَامِ الْقَاطِعَةِ لِتَنَازُعِهِمْ وَالْقَضَايَا الْبَاعِثَةِ عَلَى تَنَاصُفِهِمْ.
وَلِأَنَّ عَادَاتِ الْأُمَمِ بِهِ جَارِيَةٌ وَجَمِيعَ الشَّرَائِعِ بِهِ وَارِدَةٌ.
وَلِأَنَّ فِي أَحْكَامِ الِاجْتِهَادِ مَا يَكْثُرُ فِيهِ الِاخْتِلَافُ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ أَحَدُهُمَا بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ فِيهِ إِلَّا بِالْحُكْمِ الْفَاصِلِ وَالْقَضَاءِ الْقَاطِعِ.
"
(فصل: [شروط ولاية القضاء] )
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا فَوِلَايَةُ الْقَضَاءِ تَشْتَمِلُ على خمسة شروط: مولى ومولي وعمل ونظر وعقد.
( [المولي] )
فَأَمَّا الشَّرْطُ الْأَوَّلُ وَهُوَ الْمُوَلِّي فَيُرْجَعُ فِيهِ إِلَى أَصْلٍ وَفَرْعٍ.
فَأَمَّا الْأَصْلُ فَهُوَ الْإِمَامُ الْمُسْتَخْلَفُ عَلَى الْأُمَّةِ فَتَقْلِيدُ الْقَضَاءِ مِنْ جِهَتِهِ فَرْضٌ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ وِلَايَتِهِ.
وَالثَّانِي: لِأَنَّ التَّقْلِيدَ لَا يَصِحُّ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَقَّفَ حَتَّى يَسْأَلَ لِأَنَّهُ مِنَ الْحُقُوقِ الْمُسْتَرْعَاةِ.
وَأَمَّا الْفَرْعُ: فَهُوَ قَاضِي الْإِقْلِيمِ إِذَا عَجَزَ عَنِ النَّظَرِ فِي جَمِيعِ النَّوَاحِي لَزِمَهُ تَقْلِيدُ الْقَضَاءِ فِيمَا عَجَزَ عَنْ مُبَاشَرَةِ النَّظَرِ فِيهِ.
فَإِنْ بَعُدَ عَنِ الْإِمَامِ تَعَيَّنَ فَرْضُ التَّقْلِيدِ عَلَى الْقَاضِي وَإِنْ قَرُبَ مِنْهُ كَانَ فَرْضُ التَّقْلِيدِ مُشْتَرِكًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِمَامِ.
وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمَا دُونَ غَيْرِهِمَا فَأَيُّهُمَا انْفَرَدَ بِالتَّقْلِيدِ سَقَطَ فَرْضُهُ عَنْهُمَا.
فَإِنْ تَفَرَّدَ الْقَاضِي بِالتَّقْلِيدِ كَانَ فِيهِ عَلَى عُمُومِ وِلَايَتِهِ.
وَإِنْ تَفَرَّدَ الْإِمَامُ بِالتَّقْلِيدِ كَانَ عَزْلًا لِلْقَاضِي عَنْهُ إِلَّا أَنْ يُصَرِّحَ فِي التَّقْلِيدِ بِاسْتِنَابَتِهِ عَنْهُ فَيَكُونُ بَاقِيًا عَلَى وِلَايَتِهِ.
(عزل القاضي)
:
وَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَعْزِلَ مَنْ قَلَّدَهُ وَلَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَعْزِلَ مَنْ قَلَّدَهُ الْإِمَامُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَابًا عَنْهُ.
فَفِي جَوَازِ تَفَرُّدِ الْقَاضِي بِعَزْلِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ كَمَا لَوْ كَانَ هُوَ الْمُسْتَنِيبَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ لِافْتِيَاتِهِ عَلَى الْإِمَامِ فِي اخْتِيَارِهِ لَهُ.
(تقليد أهل البلد للقاضي)
:
فَلَوْ خَلَا بَلَدٌ مِنْ قَاضٍ فَقَلَّدَ أَهْلُ الْبَلَدِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ قَاضِيًا مِنْهُمْ كَانَ تَقْلِيدُهُمْ لَهُ بَاطِلًا إِنْ كَانَ فِي الْعَصْرِ إِمَامٌ لِافْتِيَاتِهِمْ عَلَيْهِ فِيمَا هُوَ أَحَقُّ بِهِ.
وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْظُرَ بَيْنَهُمْ مُلْزَمًا فَإِنْ نَظَرَ بَطَلَتْ أَحْكَامُهُ وَصَارَ بِهَا مَجْرُوحًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَنْظُرَ بَيْنَهُمْ مُتَوَسِّطًا مَعَ التَّرَاضِي.
وَالْأَوْلَى أَنْ يَعْتَزِلَ الْوَسَاطَةَ بَيْنَهُمْ لِئَلَّا يَتَشَبَّهَ بِذَوِي الْوِلَايَاتِ الصَّحِيحَةِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّقْلِيدِ.
فَإِنْ خَلَا الْعَصْرُ مِنْ إِمَامٍ، فَإِنْ كَانَ يُرْجَى أَنْ يَتَجَدَّدَ لِإِمَامٍ نُظِرَ بَعْدَ زَمَانٍ قَرِيبٍ كَانَ تَقْلِيدُ الْقَاضِي بَاطِلًا كَمَا لَوْ كَانَ الْإِمَامُ مَوْجُودًا لِقُرْبِ زَمَانِهِ.
وَإِنْ لَمْ يُرْجَ تَجْدِيدُ إِمَامٍ قَرِيبٍ نُظِرَتْ أَحْوَالُهُمْ فَإِنْ أَمْكَنَهُمْ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى قَاضِي أَقْرَبِ الْبِلَادِ إِلَيْهِمْ كَانَ تَقْلِيدُهُمْ لِلْقَاضِي بَاطِلًا.
وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُمُ التَّحَاكُمُ إِلَى غَيْرِهِ نُظِرَ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُمْ أَنْ يَنْصُرُوهُ عَلَى تَنْفِيذِ أَحْكَامِهِ كَانَ تَقْلِيدُهُمْ لَهُ بَاطِلًا لِقُصُورِهِ عَنْ قُوَّةِ الْوُلَاةِ وَإِنْ أَمْكَنَهُمْ نَصْرُهُ وَتَقْوِيَةُ يَدِهِ كَانَ تَقْلِيدُهُ جَائِزًا حَتَّى لَا يَتَغَالَبُوا عَلَى الْحُقُوقِ إِذَا اجْتَمَعَ عَلَى تَقْلِيدِهِ جَمِيعُ أَهْلِ الِاخْتِيَارِ مِنْهُمْ وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ فِي تَقْلِيدِ الْإِمَامِ اجْتِمَاعُ أَهْلِ الِاخْتِيَارِ كُلِّهِمْ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ وِلَايَةَ الْإِمَامِ عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُ أَهْلِهَا عَلَى الِاخْتِيَارِ فَسَقَطَ اعْتِبَارُ اجْتِمَاعِهِمْ لِتَعَذُّرِهِ وَوِلَايَةُ الْقَاضِي خَاصَّةً عَلَى بَلَدٍ وَاحِدٍ يُمْكِنُ اجْتِمَاعُ أَهْلِ الِاخْتِيَارِ عَلَيْهِ فَلَزِمَ اعْتِبَارُ اجْتِمَاعِهِمْ لِإِمْكَانِهِ.
فَعَلَى هَذَا إِنْ قَلَّدَهُ بَعْضُ أَهْلِ الِاخْتِيَارِ مِنْهُمْ نُظِرَ فِي بَاقِيهِمْ فَإِنْ ظَهَرَ مِنْهُمُ الرِّضَا بِالسُّكُوتِ وَعَدَمِ الِاخْتِلَافِ صَحَّ التَّقْلِيدُ وَصَارُوا بِالرِّضَا كَالْمُجْتَمِعِينَ عَلَيْهِ.
لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُبَاشِرَهُ جَمِيعُهُمْ وَإِنْ ظَهَرَ مِنْهُمُ الْإِنْكَارُ بَطَلَ التَّقْلِيدُ لِعَدَمِ شَرْطِهِ فِي الِاجْتِمَاعِ.
فَإِنْ كَانَ لِلْبَلَدِ جَانِبَانِ فَرَضِيَ بِتَقْلِيدِهِ أَهْلُ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ دُونَ الْآخَرِ صَحَّ تَقْلِيدُهُ فِي الْجَانِبِ الْمُرْتَضَى فِيهِ وَبَطَلَ فِي الْجَانِبِ الْمَكْرُوهِ فِيهِ لأن تميز الحانبين كَتَمَيُّزِ الْبَلَدَيْنِ.
فَإِذَا صَحَّتْ وِلَايَةُ هَذَا الْقَاضِي نَفَذَتْ أَحْكَامُهُ وَلَزِمَتْ طَوْعًا وَجَبْرًا لِانْعِقَادِ وِلَايَتِهِ.
(تجدد الإمام)
:
فَإِنْ تَجَدَّدَ بَعْدَهُ إِمَامٌ لَمْ يَنْقُضْ لَهُ حُكْمًا نَفَذَ عَلَى الصِّحَّةِ.
وَلَهُ عَزْلُهُ وَإِقْرَارُهُ وَلَمْ يَجُزْ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَأْنِفَ النَّظَرَ إِلَّا بَعْدَ إِذْنِ الْإِمَامِ.
وَلَوْ كَانَ تَقْلِيدُهُ عَنْ إِمَامٍ تَقَدَّمَ لَمْ يَلْزَمْهُ الِاسْتِئْذَانُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وُجُودُ الضَّرُورَةِ فِي تَقْلِيدِ أَهْلِ الِاخْتِيَارِ وَعَدَمِهَا فِي تَقْلِيدِ الْإِمَامِ.
وَيَكْتَفِي هَذَا الْقَاضِي بِإِذْنِ الْإِمَامِ عَنْ تَجْدِيدِ تَقْلِيدٍ وَيَقُومُ الْإِذْنُ لَهُ مَقَامَ التَّقْلِيدِ.
وَإِنْ لَمْ يَجُزِ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْإِذْنِ وَالْوِلَايَاتِ الْمُسْتَجَدَّةِ لِمَا تَقَدَّمَ لِهَذَا الْقَاضِي.
مِنْ شُرُوطِ التَّقْلِيدِ وَكَانَ حُكْمُهُ أَخَفَّ.
(فَصْلٌ: [المولى] )
وَأَمَّا الشَّرْطُ الثَّانِي وَهُوَ الْمُوَلَّى:
فَتَقْلِيدُ الْقَضَاءِ مِنْ جِهَتِهِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، لِأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ فِي وَاحِدٍ مِنَ النَّاسِ، وَيَدْخُلُ فِي فَرْضِهِ كُلُّ مَنْ تَكَامَلَتْ فِيهِ شُرُوطُ الْقَضَاءِ حَتَّى يَقُومَ بِهِ أَحَدُهُمْ فَيَسْقُطُ فَرْضُهُ عَنْ جَمَاعَتِهِمْ.
فَإِنْ لَمْ تَكْمُلْ شُرُوطُهُ فِي الْوَقْتِ إِلَّا فِي وَاحِدٍ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ فَرْضُ الْإِجَابَةِ إِذَا دُعِيَ إِلَى الْقَضَاءِ، وَلَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ طَلَبُ الْقَضَاءِ لِأَنَّ فَرْضَ التَّقْلِيدِ عَلَى الْمُوَلِّي دون المولى ولا يصير بتفرده فِي عَصْرِهِ وَالِيًا حَتَّى يُوَلَّى.
وَلَوْ تَكَامَلَتْ شُرُوطُ الْإِمَامَةِ فِي وَاحِدٍ انْفَرَدَ بِهَا عَنْ غَيْرِهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ: هَلْ تَنْعَقِدُ إِمَامَتُهُ من غير أن يعقدها له أهل العقد وَالْحِلِّ؟
فَذَهَبَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ إِمَامَتُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْقِدَهَا لَهُ أَهِلُ الْعَقْدِ وَالْحِلِّ إِلَّا بِعَقْدٍ كَوِلَايَةِ الْقَضَاءِ.
وَذَهَبَ آخَرُونَ مِنْ فُقَهَاءِ الْعِرَاقِ وَبَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ إِلَى انْعِقَادِ إِمَامَتِهِ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ.
لِأَنَّ عَقْدَ أَهْلِ الْعَقْدِ إِنَّمَا يُرَادُ لِتَمْيِيزِ الْمُسْتَحِقِّ.
فَإِذَا تَمَيَّزَ بِصِفَتِهِ اسْتُغْني عَنْ عَقْدِهِمْ.
وَفَرَّقُوا بَيْنَ الْقَضَاءِ وَالْإِمَامَةِ.
بِأَنَّ الْقَضَاءَ نِيَابَةٌ خَاصَّةٌ يَجُوزُ صَرْفُهُ عَنْهَا مَعَ بَقَائِهِ عَلَى صِفَتِهِ فلم يفتقر إلى عقد ومول وَإِنْ شَذَّ بَعْضُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ فَسَوَّى بَيْنَ الْإِمَامَةِ وَالْقَضَاءِ.
وَجَعَلَ وِلَايَةَ الْقَضَاءِ فِيمَنْ تَفَرَّدَ بِشُرُوطِهِ مُنْعَقِدَةً مِنْ غَيْرِ عَاقِدٍ كَالْإِمَامَةِ.
وَالْجَمْعُ بينهما في الصحة أفسد والجمع بينهما الْبُطْلَانِ أَصَحُّ، لِأَنَّ الْوِلَايَاتِ عُقُودٌ فَافْتَقَرَتْ إِلَى عَاقِدٍ.
فَإِنِ امْتَنَعَ هَذَا الْمُنْفَرِدُ بِشُرُوطِ الْقَضَاءِ مِنَ الْإِجَابَةِ إِلَيْهِ أَجْبَرَهُ الْإِمَامُ عَلَيْهِ لِتَعَيُّنِ
فَرْضِهِ عَلَيْهِ وَمَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ فَرْضٌ أُخِذَ به جبرا.
(ولاية المفضول مع وجود الأفضل)
:
وَإِذَا تَكَامَلَتْ شُرُوطُ الْقَضَاءِ فِي جَمَاعَةٍ كَانَ الْأَوْلَى بِالْإِمَامِ أَنْ يُقَلِّدَ أَفْضَلَهُمْ.
فَإِنْ عَدَلَ عَنِ الْأَفْضَلِ إِلَى الْمُقَصِّرِ انْعَقَدَتْ وِلَايَتُهُ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى كَمَالِ الشُّرُوطِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ.
وَلَوْ تَكَامَلَتْ شُرُوطُ الْإِمَامَةِ فِي جَمَاعَةٍ وَجَبَ عَلَى أَهْلِ الِاخْتِيَارِ مِنْ أَهْلِ الْعَقْدِ أَنْ يُقَلِّدُوا أَفْضَلَهُمْ.
وَإِنْ عَدَلُوا عَنِ الْأَفْضَلِ إِلَى الْمَفْضُولِ لِعُذْرٍ صَحَّ الْعَقْدُ.
وَإِنْ عَدَلُوا عَنْهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِحَّةِ إِمَامَتِهِ فَذَهَبَ جُمْهُورُهُمْ إِلَى صِحَّتِهَا كَالْقَضَاءِ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى فَسَادِهَا لِفَسَادِ الِاخْتِيَارِ فِي الْعُدُولِ عَنِ الْأَفْضَلِ إِلَى الْمَفْضُولِ.
وَفَرَّقُوا بَيْنَ الْإِمَامَةِ وَالْقَضَاءِ بِأَنَّ الْقَضَاءَ نِيَابَةٌ خَاصَّةٌ فَجَازَ أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا عَلَى اخْتِيَارِ الْمُسْتَنِيبِ كَالْوَكَالَةِ وَالْإِمَامَةُ وِلَايَةٌ عَامَّةٌ وَلَمْ يَصِحَّ فِيهَا تَفْرِيطُ أَهْلِ الِاخْتِيَارِ لافتياتهم على غيرهم.
(تقليد طالب القضاء)
:
وَإِذَا تَكَافَأَتِ الْجَمَاعَةُ فِي شُرُوطِ الْقَضَاءِ وَكَانَ فِيهِمْ طَالِبٌ لِلْوِلَايَةِ وَفِيهِمْ مُمْسِكٌ عَنْهَا فَالْأَوْلَى بِالْإِمَامِ أَنْ يُقَلِّدَ الْمُمْسِكَ دُونَ الطَّالِبِ.
لِأَنَّهُ أَرْغَبُ فِي السَّلَامَةِ.
فَإِنِ امْتَنَعَ لِعُذْرٍ لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ.
وَإِنِ امْتَنَعَ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَفِي جَوَازِ إِجْبَارِهِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا نِيَابَةٌ لَا يَدْخُلُهَا الْإِجْبَارُ كَالْوَكَالَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُجْبَرُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِطَاعَةٍ إِنْ تُرِكَ فِيهَا عَلَى امْتِنَاعِهِ جَازَ أَنْ يَكُونَ حَالُ غَيْرِهِ مِثْلَ حَالِهِ فَيُفْضِي الْأَمْرُ إِلَى تَعْطِيلِ الْقَضَاءِ.
وَخَالَفَ حَالَ الْوَكَالَةِ الَّتِي لَا تَتَعَلَّقُ بِطَاعَةٍ.
فَإِنْ عَدَلَ الْإِمَامُ عَنِ الْمُمْسِكِ إِلَى الطَّالِبِ جَازَ وَصَحَّ تَقْلِيدُهُ بَعْدَ أَنِ اعْتَبَرَ حَالَ الطَّالِبِ فِي طَلَبِهِ.
وَلَهُ فِيهِ خَمْسَةُ أَحْوَالٍ، مُسْتَحَبٌّ وَمَحْظُورٌ وَمُبَاحٌ وَمَكْرُوهٌ وَمُخْتَلَفٌ فِيهِ.
فَأَمَّا الْحَالُ الْأُولَى: وَهُوَ الطَّلَبُ الْمُسْتَحَبُّ فَهُوَ أَنْ تَكُونَ الْحُقُوقُ مُضَاعَةً بِجَوْرٍ أَوْ عَجْزٍ وَالْأَحْكَامُ فَاسِدَةٌ بِجَهْلٍ أَوْ هَوًى فَيَقْصِدُ بِطَلَبِهِ حِفْظَ الْحُقُوقِ وَحِرَاسَةَ الْأَحْكَامِ فَهَذَا
الطَّلَبُ مُسْتَحَبٌّ وَهُوَ بِهِ مَأْجُورٌ، لِأَنَّهُ يَقْصِدُ أَمْرًا بِمَعْرُوفٍ وَنَهْيًا عَنْ مُنْكَرٍ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: وَهُوَ الطَّلَبُ الْمَحْظُورُ: أَنْ يَقْصِدَ بِطَلَبِهِ انْتِقَامًا مِنْ أَعْدَاءٍ أَوْ تَكَسُّبًا بِارْتِشَاءٍ، فَهَذَا الطَّلَبُ مَحْظُورٌ يَأْثَمُ بِهِ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِهِ مَا يَأْثَمُ بِفِعْلِهِ.
وَأَمَّا الْحَالُ الثَّالِثَةُ: وَهُوَ الطَّلَبُ الْمُبَاحُ فَهُوَ أَنْ يَطْلُبَهُ لِاسْتِمْدَادِ رِزْقِهِ أَوِ اسْتِدْفَاعِ ضَرَرٍ فَهَذَا الطَّلَبُ مُبَاحٌ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ مُبَاحٌ.
وَأَمَّا الْحَالُ الرَّابِعَةُ: وَهُوَ الطَّلَبُ الْمَكْرُوهُ، فَهُوَ أَنْ يَطْلُبَهُ لِلْمُبَاهَاةِ وَالِاسْتِعْلَاءِ بِهِ فَهَذَا الطَّلَبُ مَكْرُوهٌ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ مَكْرُوهٌ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: 83] .
وَأَمَّا الْحَالُ الْخَامِسَةُ: وَهُوَ الطَّلَبُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ فَهُوَ أَنْ يَطْلُبَهُ رَغْبَةً فِي الْوِلَايَةِ وَالنَّظَرِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ مَعَ اخْتِلَافِ السَّلَفِ قَبْلَهُمْ وَاخْتِلَافُ أَصْحَابِنَا مَعَهُمْ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: يُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ طَالِبًا وَيُكْرَهُ أَنْ يُجِيبَ إِلَيْهِ مَطْلُوبًا، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ وَمَكْحُولٍ وَأَبِي قِلَابَةَ وَمَنْ تَخَشَّنَ مِنَ الْفُقَهَاءِ وطلب السلامة لرواية سعيد ابن أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: مَنِ اسْتَقْضَى فَكَأَنَّمَا ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ " وَلِأَنَّهَا أَمَانَةٌ يَتَحَمَّلُهَا رُبَّمَا قَصَّرَ فِيهَا أَوْ عَجَزَ عَنْهَا وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ الآية [الأحزاب: 73] .
وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ لَهُ طَالِبًا، وَأَنْ يُجِيبَ إِلَيْهِ مَطْلُوبًا وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ وَالْحَسَنِ وَمَسْرُوقٍ وَمَنْ تَسَاهَلَ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَمَالَ إِلَى التَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى لِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ طَلَبَ الْقَضَاءَ حَتَّى يَنَالَهُ فَإِنْ غَلَبَ عَدْلُهُ جَوْرَهُ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَإِنْ غَلَبَ جَوْرُهُ عَدْلَهُ فَلَهُ النَّارُ ". وَلِأَنَّهُ فَرْضٌ لَا يُؤَدَّى إِلَّا بِالتَّعَاوُنِ وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2] .
وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَعْدَلُهَا: يُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ طَالِبًا وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُجِيبَ إِلَيْهِ مَطْلُوبًا وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُتَوَسِّطِينَ فِي الْأَمْرِ مِنَ الْفُقَهَاءِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
سَمُرَةَ " لَا تَطْلُبِ الْإِمَارَةَ فَإِنْ أُوتِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا وَإِنْ أُوتِيتَهَا عَنْ مسألة وكلت إليها ولأن الطلب تكلف وَالْإِجَابَةَ مَعُونَةٌ.
(بَذْلُ الْمَالِ عَلَى طَلَبِ الْقَضَاءِ)
:
فَإِنْ بَذَلَ عَلَى طَلَبِ الْقَضَاءِ مَالًا: انْقَسَمَ حَالُ طَلَبِهِ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا لِتَعَيُّنِ فَرْضِهِ عَلَيْهِ عِنْدَ انْفِرَادِهِ بِشُرُوطِ الْقَضَاءِ أَوْ مُسْتَحِبًّا لَهُ لِيُزِيلَ جَوْرَ غَيْرِهِ أَوْ تَقْصِيرِهِ فَبَذْلُهُ عَلَى هَذَا الطَّلَبِ مُسْتَحَبٌّ لَهُ وَقَبُولُهُ مِنْهُ مَحْظُورٌ عَلَى الْقَابِلِ لَهُ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ طَلَبُهُ مَحْظُورًا أَوْ مَكْرُوهًا فَبَذْلُهُ عَلَى هَذَا الطَّلَبِ مَحْظُورٌ وَمَكْرُوهٌ، بِحَسْبِ حَالِ الطَّلَبِ لِامْتِزَاجِهِمَا وَقَبُولُهُ مِنْهُ أَشَدُّ حَظْرًا وَتَحْرِيمًا.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ طَلَبُهُ مُبَاحًا فَيُعْتَبَرُ الْحُكْمُ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ التَّقْلِيدِ لَمْ يَحْرُمْ عَلَى الْبَاذِلِ وَحَرُمَ عَلَى الْقَابِلِ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " هَدَايَا الْأُمَرَاءِ غُلُولٌ " وَإِنْ كَانَ الْبَذْلُ قَبْلَ التَّقْلِيدِ حَرُمَ عَلَى الْبَاذِلِ وَالْقَابِلِ جَمِيعًا لِأَنَّهَا مِنَ الرِّشَا الْمَحْظُورَةِ عَلَى بَاذِلِهَا وَقَابِلِهَا لِرِوَايَةِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لعن الراشي والمرتشي والرائش.
فالراشي باذل الرشوة وَالْمُرْتَشِي قَابِلُهَا وَالرَّائِشُ الْمُتَوَسِّطُ بَيْنَهُمَا.
فَإِنْ كَانَ هَذَا الطَّالِبُ قَدْ عَدِمَ شُرُوطَ الْقَضَاءِ أَوْ بَعْضَهَا حَرُمَ عَلَيْهِ الطَّلَبُ وَحَرُمَ عَلَى الْإِمَامِ الْإِجَابَةُ لِفَسَادِ التَّقْلِيدِ وَتَحْرِيمِ النَّظَرِ وَصَارَ بِالطَّلَبِ مجروحا.
(فصل: [العمل] )
وَأَمَّا الشَّرْطُ الثَّالِثُ وَهُوَ الْعَمَلُ: فَيَلْزَمُ الْإِمَامُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَى الْبَلَدِ الَّذِي يُقَلِّدُهُ قَاضِيًا فَيَقُولُ: قَلَّدْتُكَ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ أَوْ يَقُولُ: قَلَّدْتُكَ قَضَاءَ الْكُوفَةِ لِيَكُونَ الْعَمَلُ مَعْلُومًا.
فَإِنْ قَالَ: قَلَّدْتُكَ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ أَوِ الْكُوفَةِ لَمْ يَجُزْ لِلْجَهْلِ بِالْعَمَلِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: قَلَّدْتُكَ قَضَاءَ أَيِّ بَلَدٍ شِئْتَ أَوْ أَيِّ بَلَدٍ رَضِيَكَ أَهْلُهُ لَمْ يَجُزْ وَكَانَ التَّقْلِيدُ فَاسِدًا لِلْجَهْلِ بِالْعَمَلِ وَإِذَا قَلَّدَهُ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ لَمْ يَخْلُ حَالُ نَوَاحِيهَا وَسَوَادِهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَنُصَّ عَلَى دُخُولِهِ فِي تَقْلِيدِهِ فَتَصِيرُ وِلَايَتُهُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الْبَصْرَةِ وَجَمِيعِ نَوَاحِيهَا وَأَعْمَالِهَا الْمَنْسُوبَةِ إِلَيْهَا.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَنُصَّ عَلَى خُرُوجِهِ مِنْ تَقْلِيدِهِ فَتَكُونُ وِلَايَتُهُ مَقْصُورَةً عَلَى دُخُولِهِ فِي تَقْلِيدِهِ فَتَصِيرُ وِلَايَتُهُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الْبَصْرَةِ دُونَ أَعْمَالِهَا وَنَوَاحِيهَا.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يُمْسِكَ عَنْ ذِكْرِ نَوَاحِيهَا وَأَعْمَالِهَا فَيَعْتَبِرُ حَالَ أَعْمَالِهَا، فَإِنْ كَانَ الْعُرْفُ فِيهَا جَارِيًا بِإِفْرَادِهَا عَنْ قَاضِي الْبَصْرَةِ لَمْ تَدْخُلْ فِي وِلَايَتِهِ وَإِنْ جَرَى الْعُرْفُ بِإِضَافَتِهَا إِلَى قَاضِي الْبَصْرَةِ دَخَلَتْ فِي وِلَايَتِهِ.
فَإِنِ اخْتَلَفَ الْعُرْفُ فِي إِفْرَادِهَا وَإِضَافَتِهَا رُوعِيَ أَكْثَرُهَا عُرْفًا فَإِنِ اسْتَوَيَا رُوعِيَ أَقْرَبُهَا عَهْدًا فَإِنْ كَانَ الْأَكْثَرُ أَوِ الْأَقْرَبُ إِفْرَادَهَا خَرَجَتْ مِنْ وِلَايَتِهِ وَإِنْ كَانَ الْأَكْثَرُ أَوِ الْأَقْرَبُ إِضَافَتَهَا دَخَلَتْ في ولايته.
(التقليد العام والخاص)
:
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْلِيدُ عَامًّا وَمَخْصُوصًا.
فَالْعَامُّ: أَنْ يُقَلِّدَهُ قَضَاءَ جَمِيعِ الْبَلَدِ وَالْقَضَاءَ بَيْنَ جَمِيعِ أَهْلِهِ، وَالْقَضَاءَ فِي جَمِيعِ الْأَيَّامِ فَتَشْتَمِلُ الْوِلَايَةُ عَلَى الْأَحْوَالِ الثَّلَاثِ، فِي جَمِيعِ الْبَلَدِ وَعَلَى جَمِيعِ أَهْلِهِ وَفِي جَمِيعِ الْأَيَّامِ.
وَالْمَخْصُوصُ: يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا فِي بَعْضِ الْبَلَدِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا فِي بَعْضِ أَهْلِهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا في بعض الأيام.
(تحديد العمل بالمكان)
:
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ التَّقْلِيدُ مَقْصُورًا عَلَى قَضَاءِ بَعْضِ الْبَلَدِ فَيَجُوزُ إِذَا كَانَ مُعَيَّنًا سَوَاءٌ اقْتَصَرَ بِهِ عَلَى أَكْثَرِ الْبَلَدِ أَوْ عَلَى أَقَلِّهِ وَلَوْ مَحِلَّةً مِنْ مَحَالِّهِ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَعُمُّ وَيَخُصُّ.
فَإِذَا قَلَّدَهُ مِنَ الْبَصْرَةِ الْقَضَاءَ فِي جَانِبِ رَبِيعَةَ أَوِ الْقَضَاءَ فِي جَانِبِ مُضَرَ كَانَ مَقْصُورَ الْوِلَايَةِ عَلَى الْجَانِبِ الَّذِي قَلَّدَهُ سَوَاءٌ كَانَ لِلْجَانِبِ الْآخَرِ قَاضٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ.
فَإِنْ قَلَّدَهُ جَانِبَ رَبِيعَةَ وَقُلِّدَ آخَرُ جَانِبَ مُضَرَ كَانَتْ وِلَايَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَقْصُورَةٌ عَلَى جَانِبِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَنْظُرَ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِهِ دُونَ الطَّارِئَيْنِ إِلَيْهِ فَلَا يَتَعَدَّاهُمْ وَيَقِفُ نَظَرُهُ عَلَى مَا قُلِّدَ.
فَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْجَانِبَيْنِ مَوْضِعٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهَا رُوعِيَ الْأَغْلَبُ عَلَيْهِ فِي إِضَافَتِهِ إِلَى أَحَدِهِمَا فَجُعِلَ دَاخِلًا فِيهِ فَإِنِ اسْتَوَى الْأَمْرَانِ فِيهِ رُوعِيَ الْقُرْبُ، فَمَا كَانَ مِنْهُ أَقْرَبُ إِلَى جَانِبِ رَبِيعَةَ دَخَلَ فِي وِلَايَةِ قَاضِيهِ وَمَا كَانَ مِنْهُ أَقْرَبُ إِلَى جَانِبِ مُضَرَ دَخَلَ فِي وِلَايَةِ قَاضِيهِ.
فَلَوْ تَحَاكَمَ مِنَ الْجَانِبَيْنِ رَجُلَانِ فَدَعَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى قَاضِي جَانِبِهِ نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَ التَّنَازُعِ قَدِ اجْتَمَعَا فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ أُجِيبُ قَوْلُ مَنْ هُوَ فِي جَانِبِهِ فِي التَّحَاكُمِ إِلَى قَاضِيهِ لِأَنَّ خَصْمَهُ فِيهِ، طَالِبًا كَانَ أَوْ مَطْلُوبًا.
وَإِنْ كَانَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي جَانِبِهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ فَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُجْبِرَ الْآخَرَ عَلَى التَّحَاكُمِ إِلَى قَاضِيهِ لِأَنَّ قَاضِيَهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُعْدِيَهُ عَلَى خَصْمِهِ لِخُرُوجِهِ عَنْ نَظَرِهِ طَالِبًا كَانَ أَوْ مَطْلُوبًا.
فَإِنْ أَرَادَ الطَّالِبُ أَنْ يَسْتَعْدِيَ قَاضِي الْمَطْلُوبِ عَلَى خَصْمِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْدِيَهُ وَيَحْكُمَ بَيْنَهُمَا فِي جَانِبِهِ لِحُصُولِهِمَا فِي عَمَلِهِ.
فَإِنْ حَصَلَ أَحَدُ الْقَاضِيَيْنِ فِي جَانِبِ الْآخَرِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِ بَيْنَ مَنْ تَنَازَعَ إِلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِ عَمَلِهِ أَوْ غَيْرِ عَمَلِهِ لِأَنَّ حُكْمَهُ لَا يَنْفُذُ إِلَّا فِي عَمَلِهِ.
وَإِذَا قَلَّدَ الْإِمَامُ قَاضِيَيْنِ فِي بَلَدٍ لِيَنْظُرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيْنَ جَمِيعِ أَهْلِهِ فَفِي جَوَازِهِ لِأَصْحَابِنَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ لِمَا يُفْضِي إِلَيْهِ أَمْرُهَا مِنَ التَّجَاذُبِ فِي تَنَازُعِ الْخُصُومِ إليهما ونبطل وِلَايَتُهُمَا إِنْ جُمِعَ بَيْنهمَا فِي التَّقْلِيدِ وَتَصِحُّ وِلَايَةُ الْأَوَّلِ إِنْ قُلِّدَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِأَنَّهَا اسْتِنَابَةٌ كَالْوَكَالَةِ الَّتِي يَجُوزُ أَنْ يَجْتَمِعَ فِيهَا وَكِيلَانِ عَلَى اجْتِمَاعٍ وَانْفِرَادٍ.
فَإِنِ اخْتَصَمَ خَصْمَانِ وَجَذَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَصْمَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا عُمِلَ عَلَى قَوْلِ الطَّالِبِ مِنْهُمَا دُونَ الْمَطْلُوبِ وَحَاكَمَهُ إِلَى مَنْ أَرَادَهُ مِنْهُمَا، لِأَنَّ حُكْمَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْقَاضِيَيْنِ نَافِذٌ عَلَيْهِمَا بِخِلَافِ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْقَاضِيَيْنِ إِذَا كَانَا فِي جَانِبَيْنِ لِقُصُورِ نَظَرِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى جَانِبِهِ وَعُمُومِ نَظَرِ هَذَيْنِ الْقَاضِيَيْنِ فِي جَمِيعِ البلد.
فَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَنَازِعَيْنِ طَالِبًا وَمَطْلُوبًا لِتَحَاكُمِهِمَا فِي قِسْمَةِ مِلْكٍ أَوِ اخْتِلَافِهِمَا فِي ثَمِنِ مَبِيعٍ أَوْ قَدْرِ صَدَاقٍ يُوجِبُ تَحَالُفُهُمَا فِيهِ عُمِلَ عَلَى قَوْلِ مَنْ دَعَا إِلَى أَقْرَبِ الْقَاضِيَيْنِ إِلَيْهِمَا.
فَإِنِ اسْتَوَيَا فِي الْقُرْبِ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا وَيُعْمَلُ بِقَوْلِ مَنْ قُرِعَ مِنْهُمَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُقْطَعُ التَّنَازُعُ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَتَّفِقَا عَلَى الرِّضَا بِأَحَدِهِمَا.
وَإِذَا قُلِّدَ الْقَاضِي جَمِيعَ الْبَلَدِ لِيَنْظُرَ فِي أَحَدِ جَانِبَيْهِ أَوْ فِي مَحَلَّةٍ مِنْهُ أَوْ فِي جَامِعِهِ لَمْ يَصِحَّ لِعُمُومِ وِلَايَتِهِ، وَكَانَ التَّقْلِيدُ بَاطِلًا إِنْ جُعِلَ ذَلِكَ شَرْطًا فِيهِ كَقَوْلِهِ قَلَّدْتُكَ عَلَى أَنْ تَنْظُرَ فِيهِ لِتَنَافِي حُكْمِ الشَّرْطِ وَالْإِطْلَاقِ.
وَإِنْ خَرَجَ عَنِ الشَّرْطِ إِلَى الْأَمْرِ كَقَوْلِهِ: قَلَّدْتُكَ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ فَانْظُرْ فِي جَامِعِهَا صَحَّ التَّقْلِيدُ وَبَطَلَ الشَّرْطُ وَجَازَ لَهُ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْجَامِعِ وَغَيْرِ الْجَامِعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْحَجْرَ عَلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ جُلُوسِهِ.
وَلَكِنْ لَوْ قَالَ، قَلَّدْتُكَ عَلَى أَنْ تَحْكُمَ فِي الْجَامِعِ بَيْنَ مَنْ جَاءَكَ فِيهِ صَحَّ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْكُمَ فِي غَيْرِهِ، بِخِلَافِ الْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ لِأَنَّ جَعْلَ الْوِلَايَةِ مَقْصُورَةٌ هَاهُنَا عَلَى مَنْ جَاءَ الْجَامِعَ وَهُمْ لَا يَتَعَيَّنُونَ إِلَّا فِيهِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْكُمَ في غيره لخروجهم من ولايته.
(فصل: تحديده بالأشخاص)
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ التَّقْلِيدُ مَقْصُورًا عَلَى بَعْضِ أَهْلِ الْبَلَدِ دُونَ جَمِيعِهِمْ فَيَجُوزُ إِذَا تَمَيَّزُوا عَنْ غَيْرِهِمْ، فَيَقُولُ قَلَّدْتُكَ لِتَقْضِيَ بِالْبَصْرَةِ بَيْنَ الْعَرَبِ دُونَ الْعَجَمِ وَيُقَلِّدُ آخَرَ الْقَضَاءَ بَيْنَ الْعَجَمِ دُونَ الْعَرَبِ فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْقَاضِيَيْنِ وَالِيًا عَلَى مَنِ اخْتَصَّ بِنَظَرِهِ.
فَلَا يَجُوزُ لِقَاضِي الْعَرَبِ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَ الْعَجَمِ وَلَا لِقَاضِي الْعَجَمِ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَ الْعَرَبِ وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَ مَنْ لَيْسَ مِنَ الْعَرَبِ وَلَا مِنَ الْعَجَمِ كَالنَّبَطِ لِخُرُوجِهِمْ عَنْ نَظَرِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
فَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ عَرَبِيُّ النَّسَبِ عَجَمِيُّ اللِّسَانِ وَعَجَمِيُّ النَّسَبِ عَرَبِيُّ اللِّسَانِ، اعْتُبِرَتْ شَوَاهِدُ الْبَلَدِ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى إِرَادَةِ النَّسَبِ دُونَ اللِّسَانِ أَوِ اللِّسَانِ دُونَ النَّسَبِ عُمِلَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَدُلَّ عَلَى إِرَادَةِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَانَ مَحْمُولًا عَلَى اعْتِبَارِ النَّسَبِ دُونَ اللِّسَانِ لِأَنَّ النَّسَبَ صِفَةٌ لَازِمَةٌ وَاللِّسَانُ صِفَةٌ زَائِلَةٌ.
فَإِنْ كَانَ فِي الْعَجَمِ مُوَالٍ لِلْعَرَبِ فَفِي أَحَقِّ الْقَاضِيَيْنِ بِالنَّظَرِ فِي أَحْكَامِهِمْ وَجْهَانِ
مَبْنِيَّانِ عَلَى اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا فِي مَوَالِي ذَوِي الْقُرْبَى هَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ مِنَ الصَّدَقَاتِ مَا يَحْرُمُ عَلَى ذَوِي الْقُرْبَى، عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ مَا يَحْرُمُ عَلَى ذَوِي الْقُرْبَى تَغْلِيبًا لِلْوَلَاءِ عَلَى النَّسَبِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَاضِي الْعَرَبِ أَحَقَّ بِالنَّظَرِ بَيْنَهُمْ مِنْ قَاضِي الْعَجَمِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ مَا يَحْرُمُ عَلَى ذَوِي الْقُرْبَى تَغْلِيبًا لِلنَّسَبِ عَلَى الْوَلَاءِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَاضِي الْعَجَمِ أَحَقَّ بِالنَّظَرِ بَيْنَهُمْ مِنْ قَاضِي الْعَرَبِ.
وَإِذَا وَقَعَ التَّنَازُعُ بَيْنَ عَرَبِيٍّ وَعَجَمِيٍّ فَلَهُمَا حَالَتَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى التَّحَاكُمِ إِلَى قَاضِي أَحَدِهِمَا: فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى قَاضِي الْمَطْلُوبِ فَيَنْفُذُ حُكْمُهُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ مَنْدُوبٌ إِلَى اسْتِيفَاءِ الْحُقُوقِ مِنْ أَهْلِ نَظَرِهِ، وَالْحَقُّ مُسْتَوْفٍ مِنَ الْمَطْلُوبِ لِلطَّالِبِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى التَّحَاكُمِ إِلَى قَاضِي الطَّالِبِ فَفِي نُفُوذِ حُكْمِهِ بَيْنَهُمَا وَجْهَانِ مُخَرَّجَانِ مِنِ اخْتِلَافِ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي نُفُوذِ حُكْمِ مَنْ تَرَاضَيَا بِهِ مِنْ غَيْرِ الْحُكَّامِ:
أَحَدُهُمَا: يَنْفُذُ حُكْمُهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَنْفُذُ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَتَجَاذَبَ الْمُتَنَازِعَانِ وَيَدْعُوَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى نَظَرِ قَاضِيهِ.
فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُوقِفُ تَنَازُعَهُمَا وَيَقْطَعُ تَخَاصُمَهُمَا حَتَّى يَتَّفِقَا عَلَى قَاضِي أَحَدِهِمَا فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى قَاضِي الْمَطْلُوبِ جَازَ وَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى قَاضِي الطَّالِبِ كَانَ عَلَى مَا مَضَى مِنَ الْوَجْهَيْنِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَجْتَمِعَ الْقَاضِيَانِ عَلَى سَمَاعِ الدَّعْوَى، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَوْجُودًا بَيْنَ أَهْلِ نَظَرِهِ، وَلَيْسَ لَهُ الِانْفِرَادُ فِي هَذَا النَّظَرِ فَلَزِمَ اجْتِمَاعُهُمَا عَلَيْهِ.
فَإِذَا اجْتَمَعَا عَلَى سَمَاعِ الدَّعْوَى تَفَرَّدَ بِالْحُكْمِ بَيْنَهُمَا قَاضِي الْمَطْلُوبِ دُونَ الطَّالِبِ.
وَإِنِ اقْتَضَى الْحُكْمُ سَمَاعَ الْبَيِّنَةِ تَفَرَّدَ بِسَمَاعِهَا قَاضِي الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ دُونَ الْمَشْهُودِ لَهُ.
وَإِنْ وَقَفَ الْحُكْمُ عَلَى يَمِينٍ اسْتَوْفَاهَا قَاضِي الْحَالِفِ دُونَ الْمُسْتَحْلِفِ لِيَكُونَ الْحُكْمُ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا نَافِذًا مِنْ قَاضِي الْمَطْلُوبِ دُونَ الطالب.
فَإِنِ امْتَنَعَ الْقَاضِيَانِ مِنْ الِاجْتِمَاعِ أَثِمَا بِالِامْتِنَاعِ، وَكَانَ قَاضِي الْمَطْلُوبِ أَغْلَظَهُمَا مَأْثَمًا وَأَخَذَهُمَا الْأَمِيرُ بِالِاجْتِمَاعِ جَبَرًا.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي مَقْصُورَ الولاية على النظر بين خصمين معينين فَيَخْتَصُّ بِالنَّظَرِ بَيْنَهُمَا وَلَا يَنْظُرُ بَيْنَ غَيْرِهِمَا، وله ثلاثة أَحْوَالٍ:
إِحْدَاهَا: أَنْ يَرُدَّ النَّظَرَ إِلَيْهِ بَيْنَهُمَا فِي كُلِّ تَنَازُعٍ يَحْدُثُ مِنْهُمَا فَيَكُونُ بَعْدَ فَصْلِ الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا بَاقِي الْوِلَايَةِ عَلَى مَا يَتَجَدَّدُ مِنْ تَنَازُعِهِمَا.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقْتَصِرَ بِهِ عَلَى النظَرِ فِي الْحُكْمِ الَّذِي تَنَازَعَاهُ فِي الْوَقْتِ، فَإِذَا فَصَلَ الْحُكْمَ بَيْنَهُمَا انْعَزَلَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا فِيمَا يَتَجَدَّدُ مِنْ تَنَازُعِهِمَا.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ تَقْلِيدَهُ مُطْلَقًا فَيُحْمَلُ عَلَى الْعُمُومِ دُونَ الْخُصُوصِ وَيَحْكُمُ بَيْنَهُمَا فِي كُلِّ مَا تَجَدَّدَ مِنْ نِزَاعِهِمَا.
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا أَنْ يُقَلِّدَهُ الْإِمَامُ قَضَاءَ بَلَدٍ عَلَى أَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلَيْهِ وَلَا يَنْظُرَ فِيهِ بِنَفْسِهِ، فَهَذَا تَقْلِيدُ اخْتِيَارٍ، وَمُرَاعَاةٍ وَلَيْسَ بِتَقْلِيدِ حُكْمٍ وَلَا نَظَرٍ.
فَإِذَا قَلَّدَ مَنِ اخْتَارَهُ ثَبَتَتْ وِلَايَةُ الْمُخْتَارِ، وَلَمْ يَكُنْ لِمَنِ اخْتَارَهُ عَزْلُهُ وَلَهُ الْإِشْرَافُ عَلَيْهِ وَالْمُرَاعَاةُ لَهُ.
وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ قَدْ عَيَّنَ لَهُ عَلَى مَنْ يَسْتَخْلِفُهُ جَازَ وَكَانَ هَذَا تَقْلِيدُ إِنْفَاذٍ وَإِشْرَافٍ وَلَيْسَ بِتَقْلِيدِ حُكْمٍ وَلَا اخْتِيَارٍ.
(فصل: [تحديد العمل بالزمان] )
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ التَّقْلِيدُ مَقْصُورًا عَلَى بَعْضِ الْأَيَّامِ دُونَ جَمِيعِهَا فَيَجُوزُ إِذَا عُيِّنَ عَلَى الْيَوْمِ الَّذِي يَحْكُمُ فِيهِ، وَلَا يَجُوزُ إِنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ، لِأَنَّ النَّظَرَ مَقْصُورٌ عَلَى الْمُتَحَاكِمَيْنِ فِيهِ فَوَجَبَ تَعْيِينُ الْيَوْمِ لِيَتَعَيَّنَ بِهِ الْخُصُومُ.
فَإِذَا قَلَّدَهُ النَّظَرَ فِي يوم السبت لَمْ يَخْلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَجْعَلَهُ نَاظِرًا فِي كُلِّ سَبْتٍ فَيَكُونُ عَلَى وِلَايَتِهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ السَّبْتِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْظُرَ فِي غَيْرِهِ لِبَقَاءِ نَظَرِهِ عَلَى أَمْثَالِهِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَجْعَلَهُ نَاظِرًا فِي سَبْتٍ وَاحِدٍ فَيَنْعَزِلُ بَعْدَ غُرُوبِ شَمْسِهِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْظُرَ فِي أَمْثَالِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ فِي نَظَرِ السَّبْتِ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لِاخْتِصَاصِ الْيَوْمِ بِالنَّهَارِ دُونَ اللَّيْلِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يُطْلِقَ تَقْلِيدَهُ فِي يَوْمِ السَّبْتِ فَيُحْمَلُ عَلَى الخصوص دون
الْعُمُومِ، وَلَيْسَ لَهُ النَّظَرُ إِلَّا فِي سَبْتٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَوَّلُ سَبْتٍ يَكُونُ بَعْدَ التَّقْلِيدِ، فَإِذَا نَظَرَ فِيهِ انْعَزَلَ بِغُرُوبِ شَمْسِهِ، وَلَوْ لَمْ يَنْظُرْ فِيهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْظُرَ فِي غَيْرِهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يُقَلِّدَهُ النَّظَرَ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَيُحْمَلُ إِطْلَاقُهُ عَلَى الْعُمُومِ فِي كُلِّ تَنَازُعٍ، وَبَيْنَ أَنْ يُقَلِّدَهُ النَّظَرَ فِي يَوْمِ السَّبْتِ فَيُحْمَلُ إِطْلَاقُهُ عَلَى الْخُصُوصِ فِي سَبْتٍ وَاحِدٍ هُوَ بَقَاءُ الْخَصْمَيْنِ فَحُمِلَ النَّظَرُ بَيْنَهُمَا عَلَى الْعُمُومِ وَانْقِضَاءِ السَّبْتِ فَحُمِلَ النَّظَرُ فِيهِ عَلَى الْخُصُوصِ.
فَلَوْ قَلَّدَ قَاضِيًا أَنْ يَنْظُرَ فِي يَوْمِ السَّبْتِ وَقَلَّدَ آخَرَ أَنْ يَنْظُرَ فِي يَوْمِ الْأَحَدِ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَقْصُورَ النَّظَرِ عَلَى يَوْمِهِ.
فَإِنْ تَرَافَعَ خَصْمَانِ فِي يَوْمِ السَّبْتِ إِلَى قَاضِيهِ وَلَمْ يَنْفَصِلِ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا فِيهِ حَتَّى رَجَعَا فِي يَوْمِ الْأَحَدِ كَانَ قَاضِي الْأَحَدِ أَحَقَّ بِالنَّظَرِ بَيْنَهُمَا مِنْ قَاضِي السَّبْتِ.
وَلَوْ تَنَازَعَ خَصْمَانِ فَدَعَا أَحَدُهُمَا إِلَى قَاضِي السَّبْتِ وَدَعَا الْآخَرُ إِلَى قَاضِي الْأَحَدِ، فَإِنْ كَانَ تَنَازُعُهُمَا فِي يَوْمِ السَّبْتِ كَانَ قَاضِيهِ أَحَقُّ بِالنَّظَرِ بَيْنَهُمَا.
وَإِنْ كَانَ تَنَازُعُهُمَا فِي يَوْمِ الْأَحَدِ كَانَ قَاضِيهِ أَحَقَّ بِالنَّظَرِ بَيْنَهُمَا.
وَإِنْ كَانَ التَّنَازُعُ فِي غَيْرِهِمَا مِنَ الْأَيَّامِ لَمْ يَتَرَجَّحْ قَوْلُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَتَّى يَسْتَأْنِفَا التَّرَافُعَ فِي أَحَدِ الْيَوْمَيْنِ فَيَصِيرُ قَاضِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَحَقَّ بِالنَّظَرِ بَيْنَهُمَا.
وَهَكَذَا الْحُكْمُ إِذَا قَلَّدَهُ النَّظَرَ فِي شَهْرٍ مِنَ السَّنَةِ فَيَكُونُ مَقْصُورَ الْوِلَايَةِ عَلَى ذَلِكَ الشَّهْرِ لَيْلًا وَنَهَارًا لِأَنَّ الشَّهْرَ يَجْمَعُهُمَا.
فَهَذَا حُكْمُ الشَّرْطِ الثَّالِثِ وَمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ من أقسامه الثلاثة.
(فصل: [النظر] )
وَأَمَّا الشَّرْطُ الرَّابِعُ وَهُوَ النَّظَرُ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ عَامٌّ وَخَاصٌّ:
فَأَمَّا الْعَامُّ: فَهُوَ أَنْ يُقَلِّدَهُ النَّظَرَ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ فَتَكُونُ وِلَايَتُهُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى جَمِيعِ مَا يَخْتَصُّ بِنَظَرِ الْقُضَاةِ وَتَشْتَمِلُ عَلَى عَشَرَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: تَثْبِيتُ الْحُقُوقِ عِنْدَ التَّنَاكُرِ مِنْ دُيُونٍ فِي الذِّمَمِ وَأَعْيَانٍ فِي الْيَدِ بَعْدَ سَمَاعِ الدَّعْوَى وَسُؤَالِ الْخَصْمِ، وَثُبُوتُهَا يَكُونُ مِنْ أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ: إِقْرَارٌ أَوْ بَيِّنَةٌ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: اسْتِيفَاءُ الْحُقُوقِ بَعْدَ ثُبُوتِهَا عِنْدَ التَّمَانُعِ وَالتَّدَافُعِ فَإِنْ كَانَتْ فِي الذِّمَّةِ أَلْزَمَ الْخُرُوجَ مِنْهَا وَحَبَسَ بِهَا وَإِنْ كَانَتْ أَعْيَانًا سَلَّمَهَا إِنِ امْتَنَعَ الْخَصْمُ مِنْ تَسْلِيمِهَا.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: النَّظَرُ فِي الْعُقُودِ مِنَ الْمَنَاكِحِ وَالْبُيُوعِ وَغَيْرِهَا عِنْدَ الِاخْتِلَافِ فِيهَا لِيَحْكُمَ بِاجْتِهَادِهِ فِي صِحَّتِهَا وَفَسَادِهَا وَالتَّحَالُفِ عَلَيْهَا.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: فَصْلُ التَّشَاجُرِ فِي حُقُوقِ الْأَمْلَاكِ مِنَ الشُّفْعَةِ وَالْمِيَاهِ وَالْحُدُودِ وَالِاسْتِطْرَاقِ وَالْعَمَلِ بِشَوَاهِدِ الْأَبْنِيَةِ.
فَأَمَّا مَخَارِجُ الْأَبْنِيَةِ وَالْأَجْنِحَةِ إِلَى الطُّرُقَاتِ وَمَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ.
فَإِنْ جَاءَهُ فِيهِ مُتَظَلِّمٌ نَظَرَ فِيهِ وَدَخَلَ فِي وِلَايَتِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَأْتِ فِيهِ مُتَظَلِّمٌ دَخَلَ فِي الْحِسْبَةِ وَكَانَ أَحَقَّ بِالنَّظَرِ فِيهِ فَإِنْ لَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى اجْتِهَادٍ تَفَرَّدَ الْمُحْتَسِبُ بِهِ وَإِنِ افْتَقَرَ إِلَى اجْتِهَادٍ كَانَ الْقَاضِي أَحَقَّ بِالِاجْتِهَادِ فِيهِ وَأَوْلَى مِنَ الْمُحْتَسِبِ ويَكُونُ الْمُحْتَسِبُ فِيهِ مُنَفِّذًا لِحُكْمِ الْقَاضِي.
وَالْقِسْمُ الْخَامِسُ: الْوِلَايَةُ عَلَى الْأَيَامَى فِي عُقُودِ مَنَاكِحِهِنَّ لِأَكْفَائِهِنَّ عِنْدَ عَدَمِ أَوْلِيَائِهِنَّ أَوْ غَفْلِهِنَّ.
وَأَسْقَطَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ هَذَا الْقِسْمَ مِنْ وِلَايَتِهِ مَعَ الْبُلُوغِ لِتَجْوِيزِهِ لَهُنَّ أَنْ يَنْفَرِدْنَ بِالْعَقْدِ عَلَى أَنْفُسِهِنَّ.
وَالْقِسْمُ السَّادِسُ: الْوِلَايَةُ عَلَى ذَوِي الْحَجْرِ بِصِغَرٍ أَوْ جُنُونٍ إِذَا عُدِمَ أَوْلِيَاءُ النَّسَبِ أَوْ لِسَفَهٍ يُوقَعُ بِهِ الْحَجْرُ لَا تُعْتَبَرُ فِيهِ وِلَايَةُ ذِي النَّسَبِ وَيَرْتَفِعُ بِإِينَاسِ الرُّشْدِ وَفَكِّ الْحَجْرِ.
فَأَمَّا أَمْوَالُ الْغَائِبِينَ عَنْهَا: فَإِنْ عَلِمُوا بِهَا فَلَا نَظَرَ لِلْقَاضِي فِيهَا لِوُقُوفِهَا عَلَى اخْتِيَارِ أَرْبَابِهَا وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا بِهَا، لِأَنَّهُمْ وَرِثُوهَا وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ فَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي نَظَرِ الْقَاضِي وَعَلَيْهِ حِفْظُهَا حَتَّى يَقْدَمُوا أَوْ يُوكِلُوا فَتَخْرُجَ حِينَئِذٍ مِنْ نَظَرِهِ.
الْقِسْمُ السَّابِعُ: الْحُكْمُ بِنَفَقَاتِ الْأَقَارِبِ وَالزَّوْجَاتِ وَالْعَبِيدِ وَتَقْدِيرُهَا بِرَأْيهِ وَاجْتِهَادِهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّامِنُ: النَّظَرُ فِي الْوُقُوفِ وَالْوَصَايَا إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا نَاظِرٌ تَوَلَّاهَا وَإِنْ كَانَ فِيهَا نَاظِرٌ واعاها فَإِنْ كَانَتْ لِمُعَيَّنِينَ سَقَطَ الِاجْتِهَادُ فِيهِمْ وَإِنْ كَانَتْ لِمَوْصُوفِينَ تَعَيَّنُوا بِاجْتِهَادِ النَّاظِرِ قَبْلَ الْحُكْمِ وَبِاجْتِهَادِ الْقَاضِي عِنْدَ الْحُكْمِ.
وَالْقِسْمُ التَّاسِعُ: النَّظَرُ فِي التَّعْدِيلِ وَالْجَرْحِ وَالتَّقْلِيدِ وَالْعَزْلِ يَعْمَلُ فِيهِ عَلَى اجْتِهَادِهِ سَوَاءٌ وَافَقَ فِيهِ اجْتِهَادَ مَنْ قَلَّدَهُ أَوْ خَالَفَهُ إِلَّا فِي التَّقْلِيدِ وَالْعَزْلِ فَيَكُونُ اجْتِهَادُ مَنْ قَلَّدَهُ فِيهِ أَنْفَذَ.
وَالْقِسْمُ الْعَاشِرُ: إِقَامَةُ الْحُدُودِ عَلَى مُسْتَحِقِّيهَا فِيمَا تَعَلَّقَ بِحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ مِنْ إِقَامَةِ حَدِّ الْقَذْفِ بِالزِّنَا وَالْقِصَاصِ فِي الْجِنَايَاتِ عَلَى النُّفُوسِ وَالْأَطْرَافِ.
فَأَمَّا مَا تَعَلَّقَ مِنْهَا بِحُقُوقِ اللَّهِ الْمَحْضَةِ كَحَدِّ الزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَتَارِكِ الصَّلَاةِ فَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِاجْتِهَادٍ كَانَ الْقَاضِي أَحَقَّ بِهَا لِاخْتِصَاصِهِ بِالِاجْتِهَادِ فِي الْأَحْكَامِ وَيَأْمُرُ وُلَاةَ الْمُعَاوِنِ بِاسْتِيفَائِهَا وَهُوَ أَوْلَى مِنْ مُبَاشَرَتِهَا بِنَفْسِهِ، وَعَلَيْهِمْ أَنْ يَعْمَلُوا بأمره فيها.
وَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِاجْتِهَادٍ كَانَ الْأَمِيرُ أَحَقَّ بِهَا لِتَعَلُّقِهَا بِتَقْوِيمِ السَّلْطَنَةِ فَإِنْ تَعَلَّقَ بِهَا سَمَاعُ الْبَيِّنَةِ سَمِعَهَا الْقَاضِي وَاسْتَوْفَاهَا الْأَمِيرُ.
فَأَمَّا قَبْضُ الصَّدَقَاتِ وَتَفْرِيقُهَا فِي ذَوِي السُّهْمَانِ.
فَإِنْ قَلَّدَ الْإِمَامُ عَلَيْهَا نَاظِرًا كَانَ أَحَقَّ بِهَا مِنَ الْقَاضِي.
وَإِنْ لَمْ يُقَلِّدْ عَلَيْهَا نَاظِرًا فَفِي اسْتِحْقَاقِ الْقَاضِي النَّظَرُ فِيهَا بِمُطْلَقِ وِلَايَتِهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لَهُ النَّظَرُ فِيهَا لِأَنَّهَا مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ فِيمَنْ أَسْمَاهُ لَهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَيْسَ لَهُ النَّظَرُ فِيهَا، لِأَنَّهَا مِنْ حُقُوقِ الْأَمْوَالِ الَّتِي تُحْمَلُ عَلَى اجْتِهَادِ الْأَئِمَّةِ.
فَأَمَّا أَمْوَالُ الْفَيْءِ فَلَيْسَ لَهُ التَّعَرُّضُ لَهَا وَجْهًا وَاحِدًا، لِأَنَّ وُجُوهَ مَصْرِفِهَا مَوْقُوفٌ عَلَى اجْتِهَادِ الْأَئِمَّةِ.
فَأَمَّا الْإِمَامَةُ فِي صَلَاةِ الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ، فَإِنْ نُدِبَ لَهَا إِمَامٌ كَانَ أَحَقَّ بِهَا مِنَ الْقَاضِي.
وَإِنْ لَمْ يُنْدَبْ لَهَا إِمَامٌ فَفِي اخْتِصَاصِ الْقَاضِي بِإِقَامَتِهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُقِيمُهَا لِأَنَّهَا مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ الْعَامَّةِ.
وَالثَّانِي: لَا حَقَّ لَهُ فِي إِقَامَتِهَا، لِأَنَّ الْأُمَرَاءَ بِهَا أخص فهذا حكم النظر العام.
(تحديد سلطات القاضي)
فَأَمَّا النَّظَرُ الْخَاصُّ: فَهُوَ أَنْ يُقَلِّدَ النَّظَرَ فِي الْمُدَايَنَاتِ دُونَ الْمَنَاكِحِ أَوِ الْحُكْمِ بِالْإِقْرَارِ مِنْ غَيْرِ سَمَاعِ بَيِّنَةٍ أَوْ فِي نِصَابٍ مُقَدَّرٍ مِنَ الْمَالِ لَا يَتَجَاوَزُهُ فَهَذَا جَائِزٌ وَيَكُونُ مَقْصُورَ النَّظَرِ عَلَى مَا قَلَّدَهُ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ: لَمْ يَزَلِ الْأُمَرَاءُ عِنْدَنَا بِالْبَصْرَةِ بُرْهَةً مِنَ الدَّهْرِ يَسْتَقْضُونَ عَلَى الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ قَاضِيًا يُسَمُّونَهُ قَاضِيَ الْمَسْجِدِ يَحْكُمُ فِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَعِشْرِينَ دِينَارًا فَمَا دُونَهَا وَيَفْرِضُ النَّفَقَاتِ وَلَا يَتَعَدَّى بِهَا مَوْضِعَهُ وَلَا مَا قُدِّرَ لَهُ.
وَإِذَا قُلِّدَ النَّظَرَ فِي الْمَنَاكِحِ جَازَ أَنْ يَحْكُمَ بِجَمِيعِ مَا تَعَلَّقَ بِهَا مِنْ صَدَاقٍ وَفَرْضٍ وَنَفَقَةٍ وَسُكْنَى وَكِسْوَةٍ وَيُزَوِّجُ الْأَيَامَى وَلَا يَحْكُمُ فِيمَا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مِنَ الْمُدَايَنَاتِ وَيَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ بِأُجْرَةِ الرَّضَاعِ وَلَا يَحْكُمَ بِنَفَقَةِ الْأَوْلَادِ وَيَحْكُمُ بِنَفَقَةِ خَادِمِ الزَّوْجَةِ وَلَا يَحْكُمُ بِنَفَقَةِ خَادِمِ الزَّوْجِ.
وَإِذَا قُلِّدَ النَّظَرَ فِي نِصَابٍ مُقَدَّرٍ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَنَظَرَ فِيهَا بَيْنَ خَصْمَيْنِ جَازَ أَنْ يَنْظُرَ بَيْنَهُمَا ثَانِيَةً فِي هَذَا الْقَدْرِ وَثَالِثَةً.
وَإِذَا كَانَ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ فَأَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ فِيهَا جَازَ إِذَا كَانَتْ دَعْوَى الشَّرِيكَيْنِ مُتَفَرِّقَةً وَلَمْ يَجُزْ إِنْ كَانَتْ دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةً.
وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ فِي عُرُوضٍ قِيمَتُهَا مِائَتَا دِرْهَمٍ جَازَ إِلَّا عَنْ نَهْيٍ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ التَّقْدِيرِ دُونَ الْجِنْسِ فَهَذَا حُكْمُ الشرط الرابع.
(فصل: [العقد] )
وَأَمَّا الشَّرْطُ الْخَامِسُ وَهُوَ الْعَقْدُ الَّذِي يَصِحُّ بِهِ التَّقْلِيدُ: فَيَشْتَمِلُ عَلَى ثَلَاثَةِ شُرُوطٍ:
أَحَدُهَا: مُقَدِّمَةُ الْعَقْدِ.
وَالثَّانِي: صِفَةُ الْعَقْدِ.
وَالثَّالِثُ: لُزُومُ الْعَقْدِ.
فَأَمَّا الشَّرْطُ الْأَوَّلُ فِي مُقَدِّمَةِ الْعَقْدِ:
فَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُوَلِّي عَارِفًا بِتَكَامُلِ شُرُوطِ الْقَضَاءِ فِي الْمُوَلَّى لِيَقَعَ الْعَقْدُ صَحِيحًا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِهِ.
فَإِنْ عَرِفَ تَكَامُلَهَا فِيهِ جَازَ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى عِلْمِهِ بِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ تَكَامُلَهَا فِيهِ سَأَلَ عَنْهُ.
فَإِنِ اسْتَفَاضَ الْخَبَرَ بِمَعْرِفَتِهِ كَانَتْ الِاسْتِفَاضَةُ أَوْكَدَ مِنَ الشَّهَادَةِ فَلَمْ يَحْتَجْ مَعَهَا إِلَّا الِاخْتِبَارَ.
وَإِنْ لَمْ يَسْتَفِضْ بِهِ الْخَبَرُ جَازَ أَنْ يَقْتَصِرَ فِيهِ عَلَى شَهَادَةِ عَدْلَيْنِ بِتَكَامُلِ شُرُوطِ الْقَضَاءِ فِيهِ وَيَخْتَبِرُهُ الْمُوَلِّي لِيَتَحَقَّقَ بِاخْتِبَارِهِ صِحَّةَ مَعْرِفَتِهِ.
وَهَلْ يَكُونُ اخْتِبَارُهُ بَعْدَ الشَّهَادَةِ وَاجِبًا أَوِ اسْتِحْبَابًا؛ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ اسْتِحْبَابٌ يَسْتَظْهِرُ بِهِ، لِأَنَّ صِحَّةَ الشَّهَادَةِ تُوجِبُ الْعَمَلَ بِهَا.
وَالْوَجْهُ الثاني: أن لاختباره وَاجِبٌ لِجَوَازِ أَنْ يَطْرَأَ عَلَيْهِ نِسْيَانٌ أَوِ اخْتِلَالٌ.
فَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ بِتَكَامُلِ صِفَاتِهِ شَاهِدَانِ لَزِمَ اخْتِبَارُهُ قَبْلَ تَقْلِيدِهِ فِي كُلِّ شَرْطٍ يُعْتَبَرُ فِي صِحَّةِ تَقْلِيدِهِ مِنْ أُصُولٍ وَفُرُوعٍ.
فَإِنْ عَرَفَ صِحَّتَهَا مِنْ أَجْوِبَتِهِ قَلَّدَهُ حِينَئِذٍ، فإن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اخْتَبَرَ مُعَاذًا حِينَ قَلَّدَهُ قَضَاءَ الْيَمَنِ، وَلَمْ يَخْتَبِرْ عَلِيًّا عِنْدَ تَقْلِيدِهِ لِأَنَّهُ أَخْبَرُ مِنْهُ بِمُعَاذٍ.
وَإِنْ قَلَّدَهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ تَكَامُلَ الشُّرُوطِ فِيهِ ثُمَّ عَلِمَهَا كَانَ التَّقْلِيدُ بَاطِلًا، حَتَّى يَسْتَأْنِفَهُ بَعْدَ الْعِلْمِ بِتَكَامُلِهَا لِوُقُوعِ التَّقْلِيدِ مع الشك فيه.
(فصل: صفة العقد)
وَأَمَّا الشَّرْطُ الثَّانِي وَهُوَ صِفَةُ الْعَقْدِ: فَهُوَ مُعْتَبَرٌ بِاللَّفْظِ مَعَ الْحُضُورِ وَبِالْمُكَاتَبَةِ مَعَ الْغيبَةِ لِلضَّرُورَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الْمُكَاتَبَةِ مع الحضور لارتفاع الضرورة.
( [لفظ العقد] )
:
وَلَفْظُ الْعَقْدِ: يَشْتَمِلُ عَلَى صَرِيحٍ وَكِنَايَةٍ وَمُخْتَلَفٍ فِيهِ.
فَأَمَّا الصَّرِيحُ: فَأَرْبَعَةُ أَلْفَاظٍ: قَلَّدْتُكَ الْقَضَاءَ وَوَلَّيْتُكَ الْقَضَاءَ أَوِ اسْتَخْلَفْتُكَ عَلَى الْقَضَاءِ أَوِ اسْتَنَبْتُكَ عَلَى الْقَضَاءِ فَلَا يَحْتَاجُ مَعَ أَحَدِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْأَرْبَعَةِ إِلَى زِيَادَةٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا.
وَأَمَّا الْكِنَايَةُ: فَأَرْبَعَةُ أَلْفَاظٍ: قَدِ اعْتَمَدْتُ عَلَيْكَ فِي الْقَضَاءِ أَوْ عَوَّلْتُ عَلَيْكَ أَوْ عَهِدْتُ إِلَيْكَ بِالْقَضَاءِ أَوْ وَكَّلْتُ إِلَيْكَ الْقَضَاءَ فَلَا يَنْعَقِدُ التَّقْلِيدُ بِأَحَدِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْأَرْبَعَةِ لِاحْتِمَالِهَا حَتَّى يَقْتَرِنَ بِهَا مَا يَزُولُ بِهِ الِاحْتِمَالُ بِإِحْدَى نُقْطَتَيْنِ إِمَّا أَنْ يَقُولَ فَاحْكُمْ أَوْ فَانْظُرْ فَيَكُونُ بِالْقَرِينَةِ كَالصَّرِيحِ فِي صِحَّةِ التَّقْلِيدِ.
وَأَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ فَأَرْبَعَةُ أَلْفَاظٍ: قَدْ فَوَّضْتُ إِلَيْكَ الْقَضَاءَ وَرَدَدْتُ إِلَيْكَ الْقَضَاءَ وَجَعَلْتُ إِلَيْكَ الْقَضَاءَ وَأَسْنَدْتُ إِلَيْكَ الْقَضَاءَ فَفِيهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا صَرِيحٌ فِي التَّقْلِيدِ.
وَالثَّانِي: وهو أصح أنها كناية.
(ما يفتقر إليه عقد التقليد)
:
وَالَّذِي يَفْتَقِرُ عَقْدُ التَّقْلِيدِ إِلَى ذِكْرِهِ فِيهِ شَيْئَانِ:
أَحَدُهُمَا: ذِكْرُ الْبَلَدِ الَّذِي يُقَلِّدُهُ فِيهِ.
والثاني: صفة الحكم من عموم خصوص.
فَإِنْ أَطْلَقَ كَانَ عَلَى الْعُمُومِ دُونَ الْخُصُوصِ فِي الْمُنَازَعَاتِ وَعَلَى الْخُصُوصِ دُونَ الْعُمُومِ فِي الْوِلَايَاتِ.
ثُمَّ تَمَامُ الْعَقْدِ مُعْتَبَرٌ بِقَوْلِ الْمُوَلَّى.
فَإِنْ كَانَ حَاضِرًا كَانَ قَبُولُهُ بِالْقَوْلِ عَلَى الْفَوْرِ فَيَقُولُ قَدْ قَبِلْتُ أَوْ قَدْ تَقَلَّدْتُ فَيَتِمُّ عَقْدُ التَّقْلِيدِ.
وَلِصِحَّةِ هَذَا الْقَبُولِ شَرْطَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْمُوَلِّي عَالِمًا بِأَنَّ الْمُوَلَّى مُسْتَحِقٌّ لِلْوِلَايَةِ الَّتِي اسْتَنَابَهُ فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ اسْتِحْقَاقَهُ لَهَا لَمْ يَصِحَّ قَبُولُهُ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَعْلَمَ الْمُوَلَّى مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ مُسْتَكْمِلٌ لِلشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الْقَضَاءِ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَصِحَّ قَبُولُهُ وَكَانَ بِالْقَبُولِ مَجْرُوحًا.
وَإِنْ كَانَ غَائِبًا جَازَ أَنْ يَكُونَ قَبُولُهُ عَلَى التَّرَاخِي.
فَإِنْ شَرَعَ فِي النَّظَرِ قَبْلَ الْقَبُولِ فَهَلْ يَكُونُ شُرُوعُهُ فِيهِ قَبُولًا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَكُونُ قَبُولًا كَالنُّطْقِ فَعَلَى هَذَا تَكُونُ أَحْكَامُهُ نَافِذَةً.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَكُونُ قَبُولًا حَتَّى يُصَرِّحَ بِالْقَبُولِ نُطْقًا لِأَنَّ الشُّرُوعَ فِي النَّظَرِ فَرْعٌ لِعَقْدِ الْوِلَايَةِ فَلَمْ يَفْقِدْ بِهِ قَبُولَهَا، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ أحكامه مردودة.
(فصل: لزوم العقد)
وَأَمَّا الشَّرْطُ الثَّالِثُ وَهُوَ لُزُومُ الْعَقْدِ: فَهُوَ مُعْتَبَرٌ فِي لُزُومِهِ لِأَهْلِ الْعَمَلِ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ فِي لُزُومِهِ لِلْمُوَلِّي وَالْمُوَلَّى لِأَنَّهُ فِي حَقِّهِمَا مِنَ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ دُونَ اللَّازِمَةِ لِأَنَّهَا اسْتِنَابَةٌ كَالْوَكَالَةِ.
وَلَا يَلْزَمُ فِي حَقِّ الْمُسْتَنِيبِ وَلَا فِي حَقِّ الْمُسْتَنَابِ.
وَيَجُوزُ لِلْمُوَلِّي أَنْ يَعْزِلَهُ إِذَا شَاءَ.
وَالْأَوْلَى بِالْمُوَلِّي أَنْ لَا يَعْزِلَهُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ.
وَأَنْ لَا يَعْزِلَ الْمُوَلَّى نَفْسَهُ إِلَّا لِعُذْرٍ.
فَإِنْ كَانَ الْعَزْلُ مِنَ الْمُوَلِّي إِشَاعَةً حَتَّى لَا يَنْظُرَ الْمُوَلَّى بَعْدَ الْعَزْلِ فَإِنْ نَظَرَ بَعْدَهُ وَقَبْلَ عِلْمِهِ بِالْعَزْلِ كَانَ فِي نُفُوذِ أَحْكَامِهِ وَجْهَانِ كَعَقْدِ الْوَكِيلِ بَعْدَ عَزْلِهِ وَقَبْلَ عِلْمِهِ.
وَإِنْ كَانَ الِاعْتِزَالُ مِنَ الْمُوَلَّى إِشَاعَةً لِيُقَلِّدَ الْمُوَلِّي غَيْرَهُ فَإِنْ حَكَمَ بَعْدَ اعْتِزَالِهِ رُدَّ حُكْمُهُ.
فَأَمَّا أَهْلُ الْعَمَلِ فَالتَّقْلِيدُ لَازِمٌ فِي حُقُوقِهِمْ بِإِظْهَارِ الطَّاعَةِ وَالْتِزَامِ الْحُكْمِ.
فَإِنِ امْتَنَعُوا مِنِ الْتِزَامِهِ لِعُذْرٍ أَوْضَحُوهُ وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ أُرْهِبُوا.
فَإِنْ أَقَامُوا عَلَى الِامْتِنَاعِ حُورِبُوا لِأَنَّ الْتِزَامَ الْقَضَاءِ مِنَ الْفُرُوضِ فَإِذَا امْتَنَعُوا مِنِ الْتِزَامِهِ حُورِبُوا عَلَيْهِ كَمَا يُحَارَبُونَ عَلَى امْتِنَاعِهِمْ مِنَ الْفُرُوضِ وَلُزُومُ الطَّاعَةِ صِحَّةُ التَّقْلِيدِ.
وَعِلْمُهُمْ بِهَا مُخْتَلِفٌ بِقُرْبِهِمْ وَبُعْدِهِمْ.
فَإِنْ بَعُدُوا مِنْ أَنْ يَشِيعَ خَبَرُ التَّقْلِيدِ فِيهِمْ أَشْهَدَ الْمولى عَلَى نَفْسِهِ شَاهِدَيْنِ بِالتَّقْلِيدِ وَالْعَهْدِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الْوِلَايَةُ بَعْدَ قِرَاءَتِهِ عَلَيْهِمَا وَعِلْمِهِمَا بِمَا فِيهِ حَتَّى يَشْهَدَا بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعَمَلِ، فَإِنْ عَرَفُوا عَدَالَتَهُمَا لَزِمَتْهُمُ الطَّاعَةُ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفُوهَا لَمْ تَلْزَمْهُمُ الطَّاعَةُ حَتَّى يَكْشِفُوا عَنِ الْعَدَالَةِ.
وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ بِهَا شَاهِدَانِ وَوَرَدَ الْقَاضِي الْمُوَلَّى فَأَخْبَرَهُمْ بِوِلَايَتِهِ لَا تَلْزَمُهُمُ الطَّاعَةُ إِنْ لَمْ يُصَدِّقُوهُ.
وَفِي لُزُومِهَا لَهُمْ إِنْ صَدَّقُوهُ وجهان:
أحدهما: تلزمهم لأنهم اعترفوا بحق عَلَيْهِمْ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا تَلْزَمُهُمْ لِمَا يَتَضَمَّنُهَا مِنْ إِقْرَارِهِمْ عَلَى الْمُوَلَّى.
وَإِنْ كَانَ الْعَمَلُ قَرِيبًا مِنَ الْمُوَلَّى أَشَاعَ الْوِلَايَةَ حَتَّى يَسْتَفِيضَ بِهَا الْخَبَرُ.
وَفِي اكْتِفَائِهِ بِالْإِشَاعَةِ عَنِ الشَّهَادَةِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَكْتَفِي بِهَا لِأَنَّهَا أَوْكَدُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَكْتَفِي بِهَا حَتَّى يَشْهَدَ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ أَخَصُّ.
فَإِنْ جُعِلَتِ الْإِشَاعَةُ كَافِيَةً لَزِمَتِ الطَّاعَةُ وَإِنْ لَمْ تُجْعَلْ كَافِيَةً لَمْ تَلْزَمِ الطَّاعَةُ.
وَلَيْسَ كَتْبُ الْعَهْدِ شَرْطًا فِي التَّقْلِيدِ، قَدْ كُتُبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ كِتَابًا وَلَمْ يَكْتُبْ لِمُعَاذٍ، وَاقْتَصَرَ عَلَى وَصِيَّتِهِ وَإِنَّمَا يُرَادُ الْعَهْدُ لِيَكُونَ شاهدا بما تضمنه من صفات التقليد وشروطه.
(هَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَذْهَبُ الْقَاضِي مُوَافِقًا لمذهب الإمام؟)
وَلَا يَلْزَمُ فِي تَقْلِيدِ الْقَضَاءِ أَنْ يَكُونَ مَذْهَبُ الْمُوَلَّى مُوَافِقًا لِمَذْهَبِ الْمُوَلِّي، وَلَا يَمْنَعُ اخْتِلَافُ مَذْهَبَيْهِمَا مِنَ التَّقْلِيدِ بَيْنَهُمَا فَيَجُوزُ لِلشَّافِعِيِّ أَنْ يُقَلِّدَ حَنَفِيًّا وَلِلْحَنَفِيِّ أَنْ يُقَلِّدَ شَافِعِيًّا لِأَنَّ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبِهِ لَا بِمَذْهَبِ غَيْرِهِ وَيَعْمَلَ عَلَى اجْتِهَادِ نَفْسِهِ لَا عَلَى اجْتِهَادِ غَيْرِهِ.
(حُكْمُ الْقَاضِي بِغَيْرِ مَذْهَبِهِ)
:
فَإِنْ كَانَ شَافِعِيًّا فَأَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ فِي قَضِيَّةٍ أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ جَازَ، وَكَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَمْنَعُ مَنِ اعْتَزَى إِلَى مَذْهَبٍ أَنْ يَحْكُمَ بِغَيْرِهِ لِتَوَجُّهِ التُّهْمَةِ إِلَيْهِ وَهَذَا وَإِنْ كَانَتِ السِّيَاسَةُ تَقْتَضِيهِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْمَذَاهِبِ وَتَمَيُّزِ أَهْلِهَا.
فَحُكْمُ الشَّرْعِ لَا يُوجِبُهُ لِمَا يَلْزَمُهُ مِنَ الِاجْتِهَادِ فِي كُلِّ حُكْمٍ طَرِيقَةُ الاجتهاد.
فإذا قضى في حكم باجتهاد ثم أراد أن يقضي فيه من بعد لزمه إعادة الِاجْتِهَادِ.
فَإِنْ أَدَّاهُ إِلَى خِلَافِ الْأَوَّلِ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْحُكْمَيْنِ مَاضِيًا وَقَدْ شَرِكَ عُمَرُ فِي عَامٍ، وَلَمْ يَشْرَكْ فِي عَامٍ وَقَالَ هَذِهِ عَلَى مَا قَضَيْنَا وَتِلْكَ عَلَى ما قضينا.
(هل للإمام أن يشترط على القاضي القضاء بمذهب معين؟)
فَإِنْ شَرَطَ الْمُوَلِّي عَلَى الْمُوَلَّى فِي عَقْدِ التَّقْلِيدِ أَنْ لَا يَحْكُمَ إِلَّا بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ
أَوْ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ عَامًّا.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ خَاصًّا.
فَإِنْ كَانَ عَامًّا: فَقَالَ لَا يَحْكُمُ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ إِلَّا بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَوْ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ كَانَ هَذَا الشَّرْطُ بَاطِلًا سَوَاءٌ كَانَ مُوَافِقًا لِمَذْهَبِ الْمُوَلِّي أَوْ مُخَالِفًا، لِأَنَّهُ قَدْ مَنَعَهُ مِنَ الِاجْتِهَادِ فِيمَا يَجِبُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ.
فَأَمَّا صِحَّةُ التَّقْلِيدِ وَفَسَادُهُ فَمُعْتَبَرٌ بِشَرْطِهِ.
فَإِنْ عَدَلَ بِهِ عَنْ لَفْظِ الشَّرْطِ وَأَخْرَجَهُ مَخْرَجَ الْأَمْرِ فَقَالَ احْكُمْ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَوْ أَخْرِجْهُ مَخْرَجَ النَّهْيِ فَقَالَ لَا تَحْكُمْ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ صَحَّ التَّقْلِيدُ وَإِنْ بَطَلَ مَا أَمَرَ بِهِ وَنَهَاهُ عَنْهُ.
وَإِنْ جَعَلَهُ بِلَفْظِ الشَّرْطِ فِي الْعَقْدِ فَقَالَ عَلَى أَنْ تَحْكُمَ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ إِنْ جَعَلَهُ أَمْرًا أَوْ عَلَى أَنْ لَا تَحْكُمَ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، إِنْ جَعَلَهُ نَهْيًا بَطَلَ التَّقْلِيدُ لِفَسَادِ الشَّرْطِ لِأَنَّهُ مَعْقُودٌ عَلَى شَرْطٍ فَاسِدٍ.
وَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ لَا يَبْطُلُ التَّقْلِيدُ وَإِنْ بَطَلَ الشَّرْطُ كَمَا لَوْ لَمْ يَخْرُجْ فِي الْعَقْدِ مَخْرَجَ الشَّرْطِ.
وَفَرْقُ مَا بَيْنَهُمَا يَمْنَعُ مِنْ تَسَاوِي حُكْمِهِمَا.
وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ خَاصًّا فِي حُكْمٍ بِعَيْنِهِ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ أَمْرًا أَوْ نَهْيًا.
فإن كان أمرا فقال أقد الْمُسْلِمَ بِالْكَافِرِ وَمِنَ الْحُرِّ بِالْعَبْدِ كَانَ أَمْرُهُ بِهَذَا الشَّرْطِ فَاسِدًا.
فَإِنْ تَجَرَّدَ عَنْ لَفْظِ الشَّرْطِ صَحَّ التَّقْلِيدُ مَعَ فَسَادِ الشَّرْطِ.
وَإِنْ قَرَنَهُ بِلَفْظِ الشَّرْطِ بَطَلَ التَّقْلِيدُ لِفَسَادِ الشَّرْطِ.
وَإِنْ كَانَ الشَّرْطُ نَهْيًا: فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَنْهَاهُ عَنِ الْحُكْمِ فِي قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ وَالْحُرِّ بِالْعَبْدِ وَلَا يَقْضِي فِيهِ بِوُجُوبِ قَوَدٍ وَلَا بِإِسْقَاطِهِ فَهَذَا شَرْطٌ فَاسِدٌ وَتَقْلِيدٌ صَحِيحٌ لِأَنَّهُ اقْتَصَرَ بِوِلَايَتِهِ عَلَى مَا عَدَاهُ فَصَارَ خَارِجًا مِنْ نَظَرِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَنْهَاهُ عَنِ الْحُكْمِ فِيهِ وَيَنْهَاهُ عَنِ الْقَضَاءِ بِالْقِصَاصِ: فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي هَذَا النَّهْيِ هَلْ يُوجَبُ صَرْفُهُ عَنِ النَّظَرِ فِيهِ؟ على وجهين:
أَحَدُهُمَا: يَكُونُ صَرْفًا عَنِ النَّظَرِ فِيهِ فَلَا يَحْكُمُ فِيهِ بِإِيجَابِ قَوَدٍ وَلَا بِإِسْقَاطِهِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ التَّقْلِيدُ صَحِيحًا فِيمَا عَدَاهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي الصَّرْفَ وَيَصِيرُ النَّهْيُ عَنْهُ أَمْرًا بِضِدِّهِ أَنْ يَقْتَصَّ مِنَ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ وَمِنَ الْحُرِّ بِالْعَبْدِ.
فَإِنْ تَجَرَّدَ عَنْ لَفْظِ الشَّرْطِ صَحَّ التَّقْلِيدُ مَعَ فَسَادِ الشَّرْطِ وَحَكَمَ فِيهِ بِمَا يُؤَدِّيهِ اجْتِهَادُهُ إِلَيْهِ مِنْ وُجُوبِ الْقَوَدِ أَوْ إِسْقَاطِهِ.
وَإِنِ اقْتَرَنَ بِلَفْظِ الشَّرْطِ بَطَلَ التَّقْلِيدُ لِفَسَادِ الشَّرْطِ، وَإِنْ حَكَمَ الْعِرَاقِيُّونَ بِصِحَّتِهِ مَعَ فَسَادِ الشَّرْطِ.
(فَصْلٌ: سَبْرُ الإمام أحوال البلاد قبل التقليد)
:
فَإِذَا اسْتَقَرَّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَحْكَامِ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ وَأَقْسَامِهَا فَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَسْبُرَ أَحْوَالَ الْبِلَادِ فِي الْقَضَاءِ وَيَكْشِفَ عَنْ أَحْوَالِ الْقُضَاةِ فِيهَا.
فَإِذَا عَلِمَ أَنَّ فِي الْبَلَدِ قَاضِيًا مُسْتَحِقًّا لِلنَّظَرِ سَقَطَ عَنْهُ فَرْضُهُ.
وَإِنْ عَلِمَ أَنْ لَا قَاضِيَ فِيهِ أَوْ فِيهِ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ النَّظَرَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُقَلِّدَ فِيهِ قَاضِيًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَرْضًا مُتَعَيِّنًا.
فَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ مَنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ كَانَ تَقْلِيدُهُ لِمَعْرِفَتِهِ بِهِ وَبِأَهْلِهِ أَوْلَى مِنْ تَقْلِيدِ الْغَرِيبِ.
فَإِنْ عَدَلَ عَنْهُ إِلَى غَرِيبٍ صح تقليده.
(تقليد غير المعين)
:
فَإِنْ قَلَّدَ الْإِمَامُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَقَالَ مَنْ نَظَرَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ فِي قَضَائِهَا فَهُوَ مُقَلَّدٌ مِنْ جِهَتِي لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَنْظُرَ فِيهِ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ.
فَإِنْ قَالَ: مَنْ نَظَرَ فِيهِ مِنْ عُلَمَائِهِ فَقَدْ قَلَّدْتُهُ لَمْ يَجُزْ لِلْجَهْلِ بِهِ.
فإن ذكر عدد الصور فَقَالَ إِنْ نَظَرَ فِيهِ يَزِيدُ أَوْ عَمْرٌو أَوْ بَكْرٌ فَقَدْ قَلَّدْتُهُ لَمْ يَجُزْ أَيْضًا لِأَنَّ الْمُقَلَّدَ مِنْهُمْ مَجْهُولٌ.
وَلَوْ قَالَ إِنْ نَظَرَ فِي قَضَاءِ الْبَصْرَةِ زَيْدٌ فَقَدْ قَلَّدْتُهُ لَمْ يَصِحَّ تَقْلِيدُهُ وَإِنْ نَظَرَ فِيهِ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عُلِّقَ بِشَرْطٍ.
وَلَكِنْ لَوْ ذَكَرَ عَدَدًا أَسْمَاهُمْ وَقَلَّدَهُمْ ثُمَّ قَالَ فَأَيُّهُمْ نَظَرَ فِيهِ فَهُوَ الْقَاضِي دُونَ غَيْرِهِ صَحَّ التَّقْلِيدُ فِي النَّاظِرِ سَوَاءٌ قَلَّ الْعَدَدُ أَوْ كَثُرَ لِأَنَّهُ جَعَلَ نَظَرَهُ عَزْلًا لِغَيْرِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ شَرْطًا في تقليده.
وَلَوْ جَعَلَهُمْ جَمِيعًا نَاظِرِينَ فِيهِ بَطَلَ تَقْلِيدُهُمْ إِنْ كَثُرُوا، وَفِي صِحَّتِهِ وَإِنْ قَلُّوا وَجْهَانِ عَلَى مَا مَضَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ)
: قَالَ الشافعي رضي الله عنه: أُحِبُّ أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ بَارِزٍ لِلنَّاسِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.
وَهُوَ مِنْ آدَابِ الْقَضَاءِ دُونَ أَحْكَامِهِ.
فَأَوَّلُ آدَابِهِ إِذَا وَرَدَ بَلَدَ عَمَلِهِ أَنْ يُعْلِمَهُمْ قَبْلَ دُخُولِهِ بِوُرُودِهِ قَاضِيًا فِيهِ إِمَّا بِكِتَابٍ أَوْ رَسُولٍ لِيَعْلَمَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ مُوَافَقَةٍ أَوِ اخْتِلَافٍ.
فَإِنِ اتَّفَقُوا جَمِيعًا عَلَى طَاعَتِهِ دَخَلَ.
وَإِنِ اتَّفَقُوا جَمِيعًا عَلَى مُخَالَفَتِهِ تَوَقَّفَ، وَاسْتَطْلَعَ رأي الإمام.
(استصحاب كتاب الْإِمَامِ)
:
وَالْأَوْلَى أَنْ يَسْتَصْحِبَ الْقَاضِي كِتَابَ الْإِمَامِ إِلَى أَمِيرِ الْبَلَدِ بِتَقْلِيدِهِ الْقَضَاءَ حَتَّى يَجْمَعَهُمْ عَلَى طَاعَتِهِ جَبْرًا إِنْ خَالَفُوهُ.
فَإِنْ وَافَقَهُ بَعْضُهُمُ اعْتُبِرَ حَالُ مُوَافَقِيهِ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ عددا من مخالفيه وأقوى يدا دخل.
(توطيد الإمام السبل للقاضي)
:
وَإِنْ كَانُوا أَقَلَّ عَدَدًا وَأَضْعَفَ يَدًا تَوَقَّفَ وَعَلَى الْإِمَامِ رَدُّ مُخَالِفِيهِ إِلَى طَاعَتِهِ وَلَوْ بِقِتَالِهِمْ عَلَيْهِ حَتَّى يُذْعِنُوا بِالطَّاعَةِ وَلْيُعِنْهُ بِمَا يَنْفُذُ أَمْرُهُ فِيهِمْ وَيَبْسُطُ يَدَهُ عَلَيْهِمْ لِيَقْدِرَ عَلَى الِانْتِصَافِ مِنَ الْقَوِيِّ لِلضَّعِيفِ وَمِنَ الشَّرِيفِ لِلْمَشْرُوفِ فَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " إِنَّ اللَّهَ لَا يُقَدِّسُ أُمَّةً لَا يُؤْخَذُ لِلضَّعِيفِ فِيهِمْ حَقُّهُ ".
ثُمَّ يُنَادِي فِي الْبَلَدِ إن اتسع بوروده ليعلم به الداني والقاضي وَالْخَاصُّ وَالْعَامُّ وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ، فَيَكُونُ أَهْيَبَ فِي النُّفُوسِ وَأَعْظَمَ فِي الْقُلُوبِ.
وَيُخْتَارُ أَنْ يَكُونَ دُخُولُهُ إِلَى الْبَلَدِ فِي يَوْمِ الِإِثْنَيْن اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي دُخُولِهِ الْمَدِينَةَ عِنْدَ هِجْرَتِهِ إِلَيْهَا.
وَيُخْتَارُ أَنْ يَسْكُنَ فِي وَسَطِ الْبَلَدِ لِيَقْرُبَ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِهِ كَمَا يُقْبِلُ الْإِمَامُ بِوَجْهِهِ فِي الْخُطْبَةِ قَصْدَ وَجْهِهِ لِيَعُمَّ جَمِيعَ النَّاسِ.
وَيُخْتَارُ أَنْ يَبْدَأَ بِقِرَاءَةِ عَهْدِهِ قَبْلَ نَظَرِهِ لِيَعْلَمَ النَّاسُ مَا تَضَمَّنُهُ مِنْ حُدُودِ عَمَلِهِ وَمِنْ صِفَةِ وِلَايَتِهِ فِي عُمُومٍ أَوْ خُصُوصٍ فَيَجْمَعُ النَّاسَ لِقِرَاءَتِهِ فِي أَفْسَحِ بِقَاعِهِ مِنْ جَوَامِعِهِ وَمَسَاجِدِهِ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ طَاعَةَ اللَّهِ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ.
ثُمَّ يَنْظُرُ بعد قراءته ولو بين خصمين لتستقر [به] وِلَايَتُهُ بِالنَّظَرِ وَيَتَوَطَّأُ لَهُ الْخُصُومُ فِي الْحُكْمِ وَلِيَعْلَمَ النَّاسُ قَدْرَ عِلْمِهِ وَضَعْفِهِ.
(فَصْلٌ)
: ثُمَّ يُقَرِّرُ أَمْرَيْنِ يَعْتَمِدُهَا الْخُصُومُ فِي نَظَرِهِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَجْعَلَ مَجْلِسَ نَظَرِهِ مِنْ بَعْدِ مَعْرُوفِ الْمَكَانِ مَخْصُوصًا بِالنَّظَرِ فِي الْأَحْكَامِ حَتَّى لَا يَسْأَلُوا عَنْهُ إِنْ خَفِيَ عَلَيْهِمْ وَلَا يَعْدِلُوا عَنْهُ إِنْ نَظَرَ فِي غَيْرِ أَحْكَامِهِمْ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ زَمَانُ نَظَرِهِ مُعَيَّنًا عَلَيْهِ مِنَ الْأَيَّامِ لِيَتَأَهَّبُوا فِيهِ لِلتَّحَاكُمِ إِلَيْهِ.
فَإِنْ كَثُرَتِ الْمُحَاكَمَاتُ وَلَمْ يَتَّسِعْ لَهَا بَعْضُ الْأَيَّامِ لَزِمَهُ النَّظَرُ فِي كُلِّ يَوْمٍ.
وَيَكُونُ وَقْتُ نَظَرِهِ مِنَ الْيَوْمِ مَعْرُوفًا لِيَكُونَ بَاقِيهِ مَخْصُوصًا بِالنَّظَرِ فِي أُمُورِ نَفْسِهِ وَرَاحَتِهِ وَدَعَتِهِ.
وَإِنْ قَلَّتِ الْمُحَاكَمَاتُ وَاتَّسَعَ لَهَا بَعْضُ الْأَيَّامِ جَعَلَ يَوْمَ نَظَرِهِ فِي الْأُسْبُوعِ مَخْصُوصًا بِحَسَبِ الْحَاجَةِ فِيهِ مِنْ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ، مُعْتَبِرًا بِقَدْرِ الْحَاجَةِ حَتَّى يَسْتَعِدَّ النَّاسُ لِلتَّحَاكُمِ فِيهِ.
فَإِنْ تَجَدَّدَ فِي غَيْرِ يَوْمِ النَّظَرِ مَا لَا يُمْكِنُ تَأْخِيرُهُ فِيهِ نَظَرَ فِيهِ وَلَمْ يُؤَخِّرْهُ.
وَيَخْتَارُ أَنْ تَكُونَ أَيَّامَ نَظَرِهِ مِنَ الأسبوع: السبت والاثنين والخميس.
(فصل: القضاء في موضع بارز)
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَأُحِبُّ أَنْ يَقْضِيَ فِي مَوْضِعٍ بَارِزٍ لِلنَّاسِ.
وَمُرَادُهُ بِهَذَا شَيْئَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَخْرُجَ مَعَ الْبُرُوزِ إِلَى الِاسْتِئْذَانِ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَوْضِعُ فَسِيحًا تَرْتَاحُ فِيهِ النُّفُوسُ وَلَا يُسْرَعُ فِيهِ الْمَالُ فَقَدْ قِيلَ: خَيْرُ الْمَجَالِسِ مَا سَافَرَ فِيهِ الْبَصَرُ وَاتَّدَعَ فِيهِ الْجَسَدُ.
وَبِحَسَبِ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِي نَقْلِ الْمُزَنِيِّ فِي مَوْضِعٍ بَارِزٍ لِلنَّاسِ فَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِالْخَفْضِ وَجَعَلَهُ صِفَةً لِلْمَوْضِعِ فِي الْفَسَاحَةِ وَالسَّعَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ رَوَاهُ بِالنَّصْبِ بَارِزًا لِلنَّاسِ وَجَعَلَهُ صِفَةً لِلْقَاضِي فِي ظُهُورِهِ مِنْ غير إذن.
وَلَئِنْ لَمْ يَحْتَجْ مَعَ بُرُوزِهِ إِلَى الْإِذْنِ عَلَيْهِ فَمِنْ أَدَبِ الْمُتَنَازِعِينَ أَنْ لَا يُبْدَأَ بِالدَّعْوَى إِلَّا بَعْدَ إِشْعَارِهِ وَإِذْنِهِ.
فَإِنْ نَظَرَ بَيْنهمْ فِي دَارِهِ الَّتِي لَا يَدْخُلُهَا أَحَدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ جَازَ وَلَمْ يُكْرَهْ وَإِنْ قَلَّ.
رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ قَالَتِ اخْتَصَمَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - رَجُلَانِ مِنَ الْأَنْصَارِ فِي مَوَارِيثَ مُتَقَادِمَةٍ فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَيْنَهُمَا فِي بَيْتِي وَكَانَ بَيْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مُنَازَعَةٌ فَأَتَيَا زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فِي بَيْتِهِ فَقَضَى بَيْنَهُمَا وَقَالَ لِعُمَرَ لَوْ أَمَرْتَنِي لَجِئْتُ فَقَالَ عُمَرُ فِي بَيْتِهِ يُؤْتَى الْحَكَمُ.
فَإِنْ كَثُرَتِ الْمُحَاكَمَاتُ عَدَلَ عَنِ النَّظَرِ فِي دَارِهِ الَّتِي تُحْوِجُ إِلَى الِاسْتِئْذَانِ إِلَى الْمَجْلِسِ الَّذِي وَصَفْنَاهُ بِالشَّرْطَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ وَإِنْ كَانَ حُكْمُهُ نَافِذًا فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا.
(كَرَاهَةُ اتِّخَاذِ الْحَاجِبِ)
:
(مَسْأَلَةٌ)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " لَا يَكُونُ دُونَهُ حِجَابٌ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ يُكْرَهُ لِلْقَاضِي أَنْ يَكُونَ مُحْتَجِبًا لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَيُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ حَاجِبٌ عَلَى إِذْنِهِ يَكُونُ وَصُولُ الْمُتَنَازِعِينَ إِلَيْهِ مَوْقُوفًا عَلَى إِذْنِهِ.
رَوَى الْقَاسِمُ بْنُ مُخَيْمِرَةَ عَنْ أَبِي مَرْيَمَ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " مَنْ وَلِيَ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ شَيْئًا فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ وَفَاقَتِهِمُ احْتَجَبَ اللَّهُ دُونَ فَاقَتِهِ وَفَقْرِهِ ".
وَقَلَّدَ عُمَرُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ الْكُوفَةَ فَقَضَى فِيهَا زَمَانًا بِغَيْرِ حَاجِبٍ ثُمَّ اتَّخَذَ حَاجِبًا فَعَزَلَ عُمَرُ حَاجِبَهُ، وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا مَنَعَ الْحَاجِبُ ذَا ظُلَامَةٍ لِهَوًى، وَرُبَّمَا اسْتَعْجَلَ عَلَى الْإِذْنِ وَارْتَشَى.
فَإِنِ اتَّخَذَ حَاجِبًا فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْحُكْمِ لَمْ يُكْرَهْ لَهُ.
بَلْ إِذَا احْتَجَبَ عَنِ النَّاسِ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْحُكْمِ وَزَمَانِهِ كَانَ أَحْفَظَ لِحِشْمَتِهِ وَأَعْظَمَ لِهَيْبَتِهِ.
وَكَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَقُولُ إِنَّمَا يُكْرَهُ لِلْقَاضِي اتِّخَاذُ الْحَاجِبِ فِي زَمَانِ الِاسْتِقَامَةِ
وَسِدَادِ أَهْلِهِ فَأَمَّا فِي زَمَانِ الِاخْتِلَاطِ وَالتَّهَارُجِ وَاسْتِطَالَةِ السُّفَهَاءِ وَالْعَامَّةِ فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَّخِذَ حَاجِبًا يَحْفَظُ هَيْبَةَ نَظَرِهِ وَيَمْنَعُ مِنِ اسْتِطَالَةِ الْخُصُومِ.
فَأَمَّا الْأَئِمَّةُ فَلَا يُكْرَهُ لَهُمُ اتِّخَاذُ الْحُجَّابِ بَلْ يُسْتَحَبُّ لَهُمْ بِخِلَافِ الْقُضَاةِ لِأَنَّهُمْ يَنْظُرُونَ فِي عُمُومِ الْأُمُورِ فَاحْتَاجُوا أَنْ يُفْرِدُوا لِكُلِّ نَظَرٍ وَقْتًا يَحْرُسُهُ الْحُجَّابُ عَلَيْهِمْ وَيَمْنَعُوا مِنْ دُخُولِ أَصْنَافِ النَّاسِ فِي غَيْرِ أَوْقَاتِهِمْ، وَقَدْ كَانَ يَرْفَأُ حَاجِبًا لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَاجْتَمَعَ عَلَى بَابِهِ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وَسَلْمَانُ وَبِلَالٌ وَصُهَيْبٌ وَجَمَاعَةٌ مِنْ وُجُوهِ الْعَرَبِ فَأَذِنَ لِسَلْمَانَ وَبِلَالٍ وَصُهَيْبٍ فَتَمَعَّرَ وَجْهُ أَبِي سُفْيَانَ فَقَالَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو: يَا أَبَا سُفْيَانَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ دُعُوا وَدُعِيتَ فَأَجَابُوا وَتَأَخَّرْتَ، وَلَئِنْ حَسَدْتَهُمُ الْيَوْمَ عَلَى بَابِ عُمَرَ لَأَنْتَ غَدًا أَشَدُّ حَسَدًا لَهُمْ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ وَلَوْلَا الْحُجَّابُ لَمَا تَمَيَّزَ هَؤُلَاءِ بِالسَّابِقَةِ وَلَا تَرَتَّبَ النَّاسُ بِحَسَبِ فَضَائِلِهِمْ وَأَقْدَارِهِمْ وَاسْتَصْعَبَ الْإِذْنُ عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةِ فِي خَلْوَةٍ أَرَادَهَا مَعَ عُمَرَ فَرَشَا يَرْفَأَ حَتَّى سَهَّلَ لَهُ الْإِذْنَ عَلَيْهِ، وَكَانَ يَسْأَلُ يَرْفَأَ أَنْ يُجْلِسَهُ فِي الدِّهْلِيزِ إِذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْوُصُولُ حَتَّى يَظُنَّ النَّاسُ أَنَّهُ قَدْ وَصَلَ حَتَّى تَبْدُوَ لَهُ مَنْزِلَةُ الِاخْتِصَاصِ بِعُمَرَ فَكَانَ الْمُغِيرَةُ أَوَّلَ مَنْ رَشَا وَيَرْفَأُ أَوَّلَ مَنِ ارْتَشَى فِي الْإِسْلَامِ.
وَمِنْ مِثْلِ هَذَا كُرِهَ الْحُجَّابُ لِأَنَّ الْحَاجِبَ رُبَّمَا فَعَلَ مَا لَا يَرَاهُ الْمُحْتَجِبُ وَقَدْ كَانَ الْحَسَنُ حَاجِبَ عُثْمَانَ وَقَنْبَرٌ حَاجِبَ عَلِيٍّ رَضِيَ الله عنهم.
(شروط الحاجب)
:
والشروط المعتبرة فِي هَذَا الْحَاجِبِ نَوْعَانِ: وَاجِبٌ وَمُسْتَحَبٌّ.
فَأَمَّا الْوَاجِبُ: فَثَلَاثَةٌ: الْعَدَالَةُ وَالْعِفَّةُ وَالْأَمَانَةُ.
وَأَمَّا الْمُسْتَحَبُّ: فَخَمْسَةٌ: أَنْ يَكُونَ حَسَنَ الْمَنْظَرِ جَمِيلَ الْمَخْبَرِ عَارِفًا بِمَقَادِيرِ النَّاسِ بَعِيدًا عَنِ الْهَوَى وَالْعَصَبِيَّةِ مُعْتَدِلَ الْأَخْلَاقِ بَيْنَ الشَّرَاسَةِ وَاللِّينِ.
(الْقَضَاءُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ وَكَرَاهَةُ الْقَضَاءِ فِيهِ)
:
(مَسْأَلَةٌ)
: قَالَ الشافعي رضي الله عنه: وَأَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ لِكَثْرَةِ الْغَاشِيَةِ وَالْمُشَاتَمَةِ بَيْنَ الْخُصُومِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْقَضَاءُ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا يُكْرَهُ فِي حَالَتَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِي تَغْلِيظِ الْأَيْمَانِ بِهِ إِذَا لَزِمَ تَغْلِيظُهَا بِالْمَكَانِ وَالزَّمَانِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - غَلَّظَ لِعَانَ الْعَجْلَانِيِّ فِي مَسْجِدِهِ، وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَحْضُرَ الْقَاضِي الصَّلَاةَ فَيَتَّفِقُ حُضُورُ خَصْمَيْنِ إِلَيْهِ فَلَا يُكْرَهُ لَهُ تَعْجِيلُ النَّظَرِ بَيْنَهُمَا فِيهِ قَدْ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
فِي مَسْجِدِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَكَذَلِكَ مَنْ قَضَى مِنَ الْأَئِمَّةِ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ حُضُورَهُمْ فِي المسجد لَمْ يَكُنْ مَقْصُورًا عَلَى الْقَضَاءِ فِيهِ.
وَأَمَّا مَا عَدَا هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ أَنْ يَجْعَلَ الْمَسْجِدَ مَجْلِسًا لِقَضَائِهِ بَيْنَ الْخُصُومِ فَمَكْرُوهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ: لَا يُكْرَهُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي كَرَاهَتِهِ رِوَايَتَانِ اسْتِدْلَالًا بِرِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بن الخطاب مستندا إلى القبلة يقضي بين الناس.
وَقَالَ الْحَسَنُ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَرَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَدْ أَلْقَى رِدَاءَهُ عَلَى كَوْمَةِ خَطَّارٍ وَنَامَ عَلَيْهِ وَأَتَاهُ سَقَّاءٌ بِقِرْبَتِهِ وَمَعَهُ خَصْمٌ فَجَلَسَ عُثْمَانُ وَقَضَى بَيْنَهُمَا.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ فِي الْمَسْجِدِ.
وَإِذَا كَانَ هَذَا مِنْ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَالْأَئِمَّةِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِهِ لَمْ يُكْرَهْ.
وَدَلِيلُنَا عَلَى كَرَاهَتِهِ مَا رَوَاهُ ابْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سَمِعَ رَجُلًا يُنْشِدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: " لَا وَجَدْتَهَا إِنَّمَا بُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ لِذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ " فَدَلَّ عَلَى كَرَاهَةِ مَا عَدَاهُمَا فِيهِ.
وَرَوَى مُعَاذٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ وَمَجَانِينَكُمْ وَرَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ وَخُصُومَاتِكُمْ وَحُدُودَكُمْ وَسَلَّ سُيُوفِكُمْ وَشِرَاءَكُمْ وَبَيْعَكُمْ ".
وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ إِلَى الْقُضَاةِ أَنْ لَا تَقْضُوا فِي الْمَسَاجِدِ.
وَسَمِعَ عُمَرُ رَجُلًا يَصِيحُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ لَهُ أَتَدْرِي أَيْنَ أَنْتَ؛ وَلِأَنَّ حُضُورَ الْخُصُومِ لَا يَخْلُو مِنْ لَغَطٍ وَمُنَابَذَةٍ وَرُبَّمَا تَعَدَّى إِلَى سَبٍّ وَمُشَاتَمَةٍ، وَالْمَسَاجِدُ تُصَانُ عَنْ هَذَا وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ فِي الْخُصُومِ جُنُبٌ وَحَائِضٌ يَحْرُمُ عَلَيْهِمَا دُخُولُ الْمَسْجِدِ، وَلِأَنَّ لَغَطَ الْخُصُومِ يَمْنَعُ خُشُوعَ الْمُصَلِّينَ، وَسَوَاءٌ صَغُرَ الْمَسْجِدُ أَوْ كَبُرَ.
فَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ مِنَ النَّظَرِ فِيهِ فَإِنَّمَا كَانَ نَادِرًا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: فِي أَرْفَقِ الْأَمَاكِنِ بِهِ وَأَحْرَاهَا أَنْ لَا تُسْرِعَ مَلَالَتُهُ فِيهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: يُرِيدُ بِأَرْفَقِ الْأَمَاكِنِ بِهِ أَنْ يَكُونَ الْمَوْضِعُ إِنِ احْتَاجَ فِيهِ إِلَى الْغَائِطِ أَوِ الْبَوْلِ قَدَرَ عَلَيْهِ وَإِنْ عَطَشَ شَرِبَ الْمَاءَ فِيهِ وَإِنْ جَاعَ أَكَلَ فِيهِ الطَّعَامَ، لِأَنَّهَا أَحْوَالٌ لَا يَسْتَغْنِي الْقَاضِي عَنْهَا.
وَيُرِيدُ بِقَوْلِهِ وَأَحْرَاهَا أَنْ لَا تُسْرِعَ مَلَالَتُهُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ الْمَوْضِعُ يَقِي مِنَ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَالشَّمْسِ وَالْمَطَرِ كَثِيرَ الضَّوْءِ حتى يَنَالَهُ أَذًى فَيَضَّجِرُ وَلَا سَآمَةٌ فَيَمَلَّ لِيَكُونَ عَلَى أَكْمَلِ أَحْوَالِهِ.
(كَرَاهَةُ إِقَامَةِ الْحُدُودِ فِي المساجد)
:
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: وَأَنَا لِإِقَامَةِ الْحَدِّ فِي الْمَسْجِدِ أَكْرَهُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ أَنَّ إِقَامَةَ الْحُدُودِ فِي الْمَسَاجِدِ مَكْرُوهَةٌ.
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا غَيْرُ مَكْرُوهَةٍ لِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهَا أَشْهَرُ نَكَالًا وَأَبْلَغُ زَجْرًا كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ وَالثَّانِي أَنَّهُمَا مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ فَكَانَتِ الْمَسَاجِدُ بِهَا أَخَصَّ كَالْعِبَادَاتِ.
وَدَلِيلُنَا مَا رَوَى عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " لَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ وَقَدْ رَوَى حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نَهَى أَنْ تقَام الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ وَأَنْ يُسْتَقَادَ فِيهَا وَلِأَنَّ الْحُدُودَ رُبَّمَا أَرْسَلَتْ حَدَثًا وَأَنْهَرَتْ دَمًا وَصِيَانَةُ الْمَسْجِدِ مِنَ الْأَنْجَاسِ وَاجِبَةٌ، وَلِأَنَّ صِيَاحَ الْمَحْدُودِ قَاطِعٌ لِخُشُوعِ الْمُصَلِّينَ.
وَاسْتِدْلَالُهُ بِالْأَمْرَيْنِ مَدْخُولٌ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ فِيهِ مَا يخاف من الحدود.
(لا يحكم وهو غضبان)
:
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: وَمَعْقُولٌ فِي قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " لَا يَحْكُمُ الْحَاكِمُ وَلًا يَقْضِي الْقَاضِيَ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ " أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي حِينَ يَحْكُمُ
فِي حَالٍ لَا يَتَغَيَّرُ فِيهَا خُلُقُهُ وَلَا عقله وَالْحَاكِمُ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ فَأَيُّ حَالٍ أَتَتْ عَلَيْهِ تغير فيها عَقْلُهُ أَوْ خُلُقُهُ انْبَغَى لَهُ أَنْ لَا يقضي حتى يذهب وأي حال صار إليه فيها سكون الطبيعة واجتماع العقل حكم وإن غيره مرض أو حزن أو فرح أو جوع أو نعاس أو ملالة ترك ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَعْتَمِدَ بِنَظَرِهِ الْوَقْتَ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ سَاكِنَ النَّفْسِ مُعْتَدِلَ الْأَحْوَالِ لِيَقْدِرَ عَلَى الِاجْتِهَادِ فِي النَّوَازِلِ وَيَحْتَرِسَ مِنَ الزَّلَلِ فِي الْأَحْكَامِ.
فَإِنْ تَغَيَّرَتْ حَالُهُ بِغَضَبٍ أَوْ حَرْدٍ تَغَيَّرَ فِيهَا عَقْلُهُ وَخُلُقُهُ تَوَقَّفَ عَنِ الْحُكْمِ احْتِرَازًا مِنَ الزَّلَلِ فِيهِ لِرِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنِ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ ".
وَرَوَى قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ وَأَبُو مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَيْهِ وَهُوَ بِسِجِسْتَانَ: أَمَّا بَعْدُ فَلَا تَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَأَنْتَ غَضْبَانُ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُولُ: " لَا يَحْكُمُ الْحَاكِمُ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غضبان ".
(لا يحكم إلا وهو شبعان ريان)
:
فَإِذَا لَحِقَ الْقَاضِي حَالٌ تَغَيَّرَ فِيهَا عَقْلُهُ أَوْ خُلُقُهُ أَوْ فَهْمُهُ مِنْ غَضَبٍ أَوْ حُزْنٍ أَوْ فَرَحٍ أَوْ مَرِضٍ أَوْ جُوعٍ أَوْ عَطَشٍ تَوَقَّفَ عَنِ الْحُكْمِ حَتَّى يَعُودَ إِلَى سُكُونِ نَفْسِهِ وَكَمَالِ عَقْلِهِ وَهُدُوءِ طَبْعِهِ وَظُهُورِ فَهْمِهِ وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا يَقْضِي الْقَاضِي إِلَّا وَهُوَ شَبْعَانُ رَيَّانُ ".
وَرَوَى أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ مَهْمُومٌ وَلَا مُصَابٌ مَحْزُونٌ، وَلَا يَقْضِي وَهُوَ جَائِعٌ ".
وَلَمَّا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ وَهُوَ يُدَافِعُ الْأَخْبَثَيْنِ وَالصَّلَاةُ لَا تَحْتَاجُ مِنْ الِاجْتِهَادِ إِلَى مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الْأَحْكَامِ فَكَانَ مَنْعُ الْأَخْبَثَيْنِ مِنَ الْقَضَاءِ أَوْلَى، وَكَانَ الشَّعْبِيُّ يَأْكُلُ قَبْلَ الْفَجْرِ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ آخُذُ حُكْمِي ثُمَّ أَخْرُجُ فَأَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَالْحَاكِمُ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ فَأَيُّ حَالٍ أَتَتْ عَلَيْهِ تَغَيَّرَ بِهَا عَقْلُهُ أَوْ خُلُقُهُ انْبَغَى لَهُ أَنْ لَا يَقْضِيَ حَتَّى تَذْهَبَ.
فَعَلَى هَذَا إِنْ قَضَى فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ الَّتِي مُنِعَ مِنَ الْقَضَاءِ فِيهَا نَفَذَ حُكْمُهُ إِنْ وَافَقَ الْحَقَّ لِأَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ وَرَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: اسْقِ زَرْعَكَ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: إِنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَقَالَ: اسْقِ زَرْعَكَ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَبْلُغَ أُصُولَ الْجَدْرِ فَكَانَ فِي الْحُكْمِ الْأَوَّلِ اسْتَنْزَلَ فِيهِ الزُّبَيْرَ عَنْ كَمَالِ حَقِّهِ ثُمَّ وَفَّاهُ فِي الْحُكْمِ الثَّانِي وَقَدْ أَمْضَاهُ فِي غَضَبِهِ فَدَلَّ عَلَى نُفُوذِ حُكْمِهِ.
(فصل: استيفاء القاضي حاجاته الأساسية)
:
فإذا ما ذكرنا فَيُخْتَارُ لِلْحَاكِمِ أَنْ لَا يَجْلِسَ لِلْحُكْمِ الْعَامِّ إِلَّا بَعْدَ سُكُونِ نَفْسِهِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ حَتَّى تَتُوقَ نَفْسُهُ إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَيَتَعَرَّضَ لِلْأَخْبَثَيْنِ وَيَسْتَوْفِيَ حَظَّهُ مِنَ النَّوْمِ وَالدَّعَةِ وَيَقْضِيَ وَطَرَهُ مِنَ الْجِمَاعِ حَتَّى يَغُضَّ طَرْفَهُ عَنِ الْحُرُمِ وَيَلْبِسَ مَا يَسْتَدْفِعُ بِهِ أَذَى وَقْتِهِ مِنْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ وَيَفْرَغَ مِنْ مُهِمَّاتِ أَشْغَالِهِ لِئَلَّا يَهْتَمَّ بِمَا يَشْغَلُ خَاطِرَهُ عَنْ الِاجْتِهَادِ فِي الْأَحْكَامِ.
وَيُصَلِّي عِنْدَ التَّأَهُّبِ لِلْجُلُوسِ رَكْعَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ جُلُوسُهُ فِي مَسْجِدٍ كَانَتِ الصَّلَاةُ تَحِيَّةً مَسْنُونَةً فَيُصَلِّيهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَوْقَاتِ النَّهْيِ، وَإِنْ كَانَ جُلُوسُهُ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ كَانَتِ الصَّلَاةُ تَطَوَّعًا فَيُصَلِّيهَا فِي غَيْرِ أَوْقَاتِ النَّهْيِ وَيَدْعُو اللَّهَ بَعْدَهَا بِمَا رَوَاهُ عَاصِمُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ قَالَ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ أَوْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ ".
وَكَانَ الشَّعْبِيُّ يَقُولُهُنَّ وَيَزِيدُ عَلَيْهِنَّ أَوْ أَعْتَدِي أَوْ يُعْتَدَى عَلَيَّ، اللَّهُمَّ أَعِنِّي بِالْعِلْمِ وَزَيِّنِّي بِالْحِلْمِ وَأَكْرِمْنِي بِالتَّقْوَى حَتَّى لَا أَنْطِقَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا أَقْضِيَ إِلَّا بِالْعَدْلِ وَيُسْتَحَبُّ
أَنْ يَقُولَ هَذَا إِذَا جَلَسَ لِلْحُكْمِ ثُمَّ يَشْرَعُ فِي نَظَرِهِ بَعْدَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ فِي مَسْجِدٍ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - خَيْرُ الْمَجَالِسِ مَا اسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةُ.
(فَصْلٌ: [الْقَوْلُ فِيمَا يَبْدَأُ بِهِ الْقَاضِي بَعْدَ اسْتِقْرَارِ ولايته] )
:
فَإِذَا تَصَدَّى لِلْحُكْمِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ وِلَايَتِهِ وَانْقِيَادِ النَّاسِ إِلَى طَاعَتِهِ كَانَ أَوَّلُ مَا يَبْدَأُ بِهِ فِي نَظَرِهِ مَا اخْتَصَّ بِأَمَانَاتِ الْحُكْمِ.
وَأَمَانَاتُهُ: مَا يَلْزَمُهُ النَّظَرُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ مستعد إليه وذلك خمس أمانات:
( [القول في أمانات الحكم] )
:
أولا ديوان الحكم:
أولها أَنْ يَتَسَلَّمَ دِيوَانَ الْحُكْمِ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَهُ أو من أمين إِنْ كَانَ فِي يَدِهِ، وَدِيوَانُ الْحُكْمِ هُوَ حُجَجُ الْخُصُومِ مِنَ الْمَحَاضِرِ وَالسِّجِلَّاتِ وَكُتُبِ الْوُقُوفِ لِأَنَّ الْحُكَّامَ يَسْتَظْهِرُونَ فِي حِفْظِ الْحُقُوقِ عَلَى أَرْبَابِهَا بِحِفْظِ حُجَجِهِمْ وَوَثَائِقِهِمْ فِي نُسْخَتَيْنِ يَتَسَلَّمُ الْمَحْكُومُ لَهُ إِحْدَاهُمَا وَتَكُونُ الْأُولَى فِي دِيوَانِهِ حُجَّةً يَرْجِعُ إِلَيْهَا إِذَا احْتَاجَ لِيَكُونَ عَلَى نَفْسِهِ مِمَّا فِي يَدِهِ.
فَإِذَا تَسَلَّمَهَا وَاتَّسَعَ لَهُ الزَّمَانُ تَصَفَّحَهَا وَعَمِلَ بِمُوجَبِ مَا تَضَمَّنَهَا إِذَا دَعَتْهُ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ.
وَلَا يَحْكُمُ بِمَا فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشْهَدَ بِهِ شَاهِدَانِ وَلَا يَحْكُمُ بِخَطِّ الْقَاضِي قَبْلَهُ وَلَا بِخَطِّ نَفْسِهِ إِلَّا أَنْ يُذَكِّرَهُ لِاشْتِبَاهِ الْخُطُوطِ وَإِمْكَانِ التَّزْوِيرِ عَلَيْهَا.
(فَصْلٌ: [الْقَوْلُ فِي تَصَفُّحِ أَحْوَالِ الْمَحْبُوسِينَ] )
وَالْأَمَانَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ مَا يَنْظُرُ فِيهِ أَنْ يَتَصَفَّحَ أَحْوَالَ الْمَحْبُوسِينَ.
وَلَا يَحْتَاجُ فِي تَصَفُّحِ أَحْوَالِهِمْ إِلَى مُتَظَلِّمٍ إِلَيْهِ لِعَجْزِ الْمَحْبُوسِينَ عَنِ التَّظَلُّمِ.
فَيُنْفِذُ إِلَى الْحَبْسِ ثِقَةً أَمِينًا وَمَعَهُ شَاهِدٌ عَدْلٌ.
فَيُثْبِتُ بِالْقُرْعَةِ اسْمَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَحْبُوسِينَ وَمَا حُبِسَ بِهِ وَاسْمَ خَصْمِهِ حَتَّى يَسْتَوْعِبَ جَمِيعَهُمْ.
وَيَتَصَفَّحُهُ الْقَاضِي.
ثُمَّ يُنَادِي فِي النَّاسِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِنِ اتسع البلد أو يوما إن صغر: إن القاضي قد بدأ في أمور المحبوسين فمن كان له على محبوس حَقٌّ فَلْيَحْضُرْ فِي يَوْمِ كَذَا وَيُعَيِّنُ لَهُمْ على اليوم.
ويكون عقيب فراغه من النداء ليتعجل أمرهم ولا يتأخر فيجعله الْيَوْمِ الرابع من ندائه.
فَإِذَا اجْتَمَعَ الْخُصُومُ أَقْرَعَ بَيْنَ الْمَحْبُوسِينَ فِيمَنْ يُقَدِّمُهُ فِي النَّظَرِ، وَلَمْ يُقْرِعْ بَيْنَ الْخُصُومِ، لِأَنَّ نَظَرَهُ لِلْمَحْبُوسِينَ عَلَى خُصُومِهِمْ وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى الْقُرْعَةِ الْأُولَى فِي إِثْبَاتِ أَسْمَائِهِمْ.
فَإِذَا فَرَغَ أَحَدُهُمْ أَمَرَ بِإِخْرَاجِهِ وَنَادَى بِإِحْضَارِ خَصْمِهِ.
وَلَا يَفْتَقِرُ فِي إِخْرَاجِ الْمَحْبُوسِينَ إِلَى إِذْنِ خَصْمِهِ، لِأَنَّهُ يَخْرُجُ فِي حَقِّهِ لَا فِي حَقِّ حَابِسِهِ.
وَإِنْ كَانَ الْحَبْسُ بَعِيدًا مِنْ مَجْلِسِ الْحُكْمِ أَخْرَجَ بِالْقُرْعَةِ جَمِيعَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى النَّظَرِ بَيْنَهُمْ فِي يَوْمِهِ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي النَّظَرِ.
فَإِذَا تَكَامَلُوا بَدَأَ بِالنَّظَرِ فِي أَمْرِ الْأَسْبَقِ بِالْقُرْعَةِ الْمَاضِيَةِ وَلَمْ يَسْتَأْنِفْ قُرْعَةً ثَانِيَةً لِأَنَّ الْقُرْعَةَ لِإِخْرَاجِهِ إِنَّمَا كَانَتْ لِلنَّظَرِ فِي أَمْرِهِ.
وَإِنْ كَانَ الْحَبْسُ قَرِيبًا مِنْ مَجْلِسِ الْحُكْمِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ ثَانِيًا إِلَّا بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ النَّظَرِ فِي أَمْرِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ اتِّصَالُ نَظَرِهِ وَقَدْ لَا يَتَّصِلُ مَعَ الْبُعْدِ إِلَّا بِإِخْرَاجِ جَمِيعِهِمْ، وَيَتَّصِلُ مَعَ الْقُرْبِ بِإِخْرَاجِ وَاحِدٍ بَعْدَ وَاحِدٍ.
فَإِذَا تَقَدَّمَ الْمَحْبُوسُ إِلَيْهِ سَأَلَهُ عَنْ سَبَبِ حَبْسِهِ وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى السُّؤَالِ الْأَوَّلِ فِي الْحَبْسِ وَعَارَضَهُ بِهِ فَإِنِ اتَّفَقَا وَإِلَّا عَمِلَ عَلَى أَغْلَظِ الْأَمْرَيْنِ مِنَ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي فَإِنْ ثَبَتَ فِي دِيوَانِ الْحُكْمِ سَبَبُ حَبْسِهِ قَابَلَهُ بِمَا قَالَهُ فِي الْأَوَّلِ وَالثَّانِي وَعَمِلَ عَلَى أَغْلَظِ الثَّلَاثَةِ.
فَإِذَا اسْتَقَرَّ الْعَمَلُ بِأَحَدِهَا كَانَ لَهُ فِيمَا يذكره من سبب حبسه خمسة أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَقُولَ حَبَسَنِي تَعْزِيرًا لِلَّذِي كَانَ مِنِّي وَلَمْ يَحْبِسْنِي لِخَصْمٍ، فَقَدِ اسْتَوْفَى حَبْسَ التَّعْزِيرِ بِعَزْلِ الْأَوَّلِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْ مُدَّةَ حَبْسِهِ مَعَ بَقَاءِ نَظَرِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ لَا يُعَزَّرُ لِذَنْبٍ كَانَ مَعَ غَيْرِهِ.
وَلَمْ يُطْلِقْهُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لَهُ خَصْمٌ لَمْ يَذْكُرْهُ حَتَّى يُنَادِيَ فِي النَّاسِ أَيَّامًا بِأَنَّ الْقَاضِيَ قَدْ رَأَى إِطْلَاقَ فُلَانٍ مِنْ حَبْسِهِ فَإِنْ كَانَ لَهُ خَصْمٌ قَدْ حُبِسَ لَهُ فَلْيَحْضُرْ وَلَا يُنَادِي بِأَنْ يَحْضُرَ كُلَّ خَصْمٍ لَهُ مِمَّنْ لَمْ يُحْبَسْ فِي حَقِّهِ.
فَإِذَا مَضَتْ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَمْ يَحْضُرْ لَهُ خَصْمٌ أَطْلَقَهُ بَعْدَ إِحْلَافِهِ أَنَّهُ مَا حُبِسَ بِحَقِّ لخَصْمٍ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقُولَ حَبَسَنِي لِتَعْدِيلِ بَيِّنَةٍ شُهِدَتْ عَلَيَّ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي جَوَازِ حَبْسِهِ بِذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ يَجُوزُ حَبْسُهُ عَلَى تَعْدِيلِ الْبَيِّنَةِ، لِأَنَّ عَلَى الْمُدَّعِي إِقَامَةَ الْبَيِّنَةِ، وَعَلَى الْقَاضِي الْكَشْفَ عَنِ الْعَدَالَةِ فَلَمْ يَمْنَعْ مَا عَلَى الْقَاضِي مِنْ حَبْسِهِ فِي حق المدعي.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْبَسَ عَلَى تَعْدِيلِ الْبَيِّنَةِ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَلْزَمُ إِلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ عَدَالَتِهِمَا.
فَإِنْ قِيلَ: بِجَوَازِ حَبْسِهِ لَمْ يَجُزْ إِطْلَاقُهُ وَلَا إِعَادَتُهُ إِلَى حَبْسِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِدْعَاءٍ لِخُصُومِهِ لِبَقَائِهِ عَلَى حَالِهِ.
وَإِنْ قِيلَ: بِأَنَّ حَبْسَهُ لَا يَجُوزُ نَظَرَ فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي قَالَ قَدْ حَكَمْتُ بِحَبْسِهِ لَزِمَ حَبْسُهُ بِاجْتِهَادِهِ وَلَمْ يَجُزْ إِطْلَاقُهُ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ قَدْ حَكَمْتُ بِحَبْسِهِ وَجَبَ إِطْلَاقُهُ لَكِنْ لَا يُعَجِّلُ بِإِطْلَاقِهِ حَتَّى يُنَادِيَ فِي النَّاسِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَنَّ الْقَاضِيَ قَدْ حَكَمَ بِإِطْلَاقِ فُلَانٍ مِنْ حَبْسِهِ فَإِنْ كَانَ لَهُ خَصْمٌ قَدْ حُبِسَ لَهُ فَلْيَحْضُرْ ثُمَّ يُطْلِقُهُ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَقُولَ حَبَسَنِي تَعَدِّيًا بِغَيْرِ حَقٍّ وَلِغَيْرِ خَصْمٍ فَقَدِ ادَّعَى مَا يُخَالِفُ الظَّاهِرَ مِنْ أَحْوَالِ الْقُضَاةِ وَحَبْسُهُ حُكْمٌ فَلَا يُنْقَضُ إِلَّا بِيَقِينِ الْفَسَادِ وَعَمَلٍ عَلَى بَيِّنَةٍ إِنْ كَانَتْ.
فَإِنْ شَهِدَتْ أَنَّهُ حُبِسَ بِحَقٍّ عَزَّرَ فِي جَرْحِهِ لِحَابِسِهِ.
وَإِنْ شَهِدَتْ أَنَّهُ حُبِسَ لِظُلْمٍ نَادَى ثَلَاثًا فِي حُضُورِ خَصْمٍ إِنْ كَانَ لَهُ ثُمَّ أَطْلَقَ بَعْدَ ثَلَاثَةٍ إِنْ لَمْ يَحْضُرْ.
وَإِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ أَعَادَهُ إِلَى حَبْسِهِ وَيَكْشِفُ عَنْ حَالِهِ وَكَانَ مُقِيمًا فِي حَبْسِهِ حَتَّى يَيْأَسَ الْقَاضِي بَعْدَ الْكَشْفِ مِنْ ظُهُورِ حَقٍّ عَلَيْهِ، وَطَالَبَهُ بِكَفِيلٍ بِنَفْسِهِ ثُمَّ أَطْلَقَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَالْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ لَا تَصِحُّ إِلَّا مِمَّنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ حَقٌّ قَبْلَ الْحَبْسِ مِنْ جُمْلَةِ الْحُقُوقِ.
فَإِنْ عَدَمَ كَفِيلًا اسْتَظْهَرَ فِي بَقَاءِ حَبْسِهِ عَلَى طَلَبِ كَفِيلٍ ثُمَّ أَطْلَقَهُ عِنْدَ إِعْوَازِهِ وَهُوَ غَايَةُ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْقَاضِي مِنِ اسْتِظْهَارِهِ.
وَالْحَالُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَقُولَ: حَبَسَنِي لِخَصْمٍ بِمَا لَا يَسْتَحِقُّ لِأَنَّنِي أَرَقْتُ عَلَيْهِ خَمْرًا أَوْ قَتَلْتُ لَهُ خِنْزِيرًا.
فَإِنْ كَانَ الْخَصْمُ مُسْلِمًا لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقٌّ بِاسْتِهْلَاكِ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَكَانَ حَبْسُهُ بِهِ ظُلْمًا يَجِبُ إِطْلَاقُهُ مِنْهُ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى سُقُوطِ غُرْمِهِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ.
وَإِنْ كَانَ الْخَصْمُ ذِمِّيًّا فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي شَافِعِيًّا لَا يَرَى وُجُوبَ غُرْمِهِ كَانَ حُكْمُهُ بَاطِلًا لِأَنَّهُ حَكَمَ بِمَا لَا يَرَاهُ فِي اجْتِهَادِهِ، وَصَارَ الْقَاضِي الثَّانِي هُوَ الْحَاكِمَ.
فَإِنْ كَانَ شَافِعِيًّا أَيْضًا لَا يَرَى وُجُوبَ الْغُرْمِ كَالْأَوَّلِ حَكَمَ بِإِطْلَاقِ الْمَحْبُوسِ.
وَإِنْ كَانَ حَنَفِيًّا وَحَكَمَ بِمَذْهَبِهِ فِي وُجُوبِ الْغُرْمِ حَكَمَ بِحَبْسِهِ إِنِ امْتَنَعَ.
وَإِنْ كَانَ الْقَاضِي الْأَوَّلُ حَنَفِيًّا يَرَى وُجُوبَ الْغُرْمِ وَالْحَبْسِ، فَإِنْ كَانَ رَأْيُ الْقَاضِي الثَّانِي مِثْلَ رَأْيِهِ كَانَ الْمَحْبُوسُ عَلَى حَبْسِهِ.
وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لَهُ فِي رَأْيِهِ يَرَى مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ فِي سُقُوطِ غُرْمِهِ لَمْ يُنْقَضْ حُكْمُ الْأَوَّلِ لِنُفُوذِهِ فِي اجْتِهَادٍ مُسَوِّغٍ.
وَفِي وُجُوبِ إِمْضَائِهِ عَلَى الثَّانِي قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُمْضِيَهُ وَلَا يَحْكُمَ بِهِ وَيُلْزِمَ الْمَحْبُوسَ حُكْمَ إِقْرَارِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يُمْضِيهِ لِبُطْلَانِهِ عِنْدَهُ وَيُعِيدُهُ إِلَى حَبْسِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُلْزِمَهُ الْقَضَاءَ، لِأَنَّهُ لَا يَرَاهُ، وَلَمْ يُطْلِقْهُ، لِأَنَّهُ لَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ بِهِ، وَأَقَرَّهُ فِيهِ حَتَّى يَصْطَلِحَا.
وَالْحَالُ الْخَامِسَةُ: أَنْ يَقُولَ حَبَسَنِي لِخَصْمٍ بِحَقٍّ فَيَسْأَلُ عَنْ خَصْمِهِ وَعَنِ الْحَقِّ الَّذِي حُبِسَ بِهِ فَإِذَا أُحْضِرَ وَطَالَبَ لَمْ يَخْلُ الْحَقُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي مَالٍ أَوْ عَلَى بَدَنٍ.
فَإِنْ كَانَ مِنْ حُقُوقِ الْأَبْدَانِ كَالْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ فَالْحَبْسُ بِهِ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ لِأَنَّ تَعْجِيلَ اسْتِيفَائِهِ مِنْهُ مُمْكِنٌ فَيُسْتَوْفي وَيُخَلَّى بَعْدَ النِّدَاءِ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ مِنْ حُقُوقِ الْأَمْوَالِ فَضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ عَيْنًا.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ فِي الذِّمَّةِ.
فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ عَيْنًا: لَمْ تَخْلُ أَنْ تَكُونَ مُسْتَحَقَّةً بِعَقْدٍ أَوْ عَنْ غَصْبٍ فَإِنِ اسْتَحَقَّ بِعَقْدٍ كَالْمَبِيعِ إِذَا لَمْ يُقْبَضْ حَكَمَ فِيهِ بِمَا يُوجِبُهُ حُكْمُ الْعَقْدِ مِنْ بَقَاءِ الثَّمَنِ أَوْ قَبْضِهِ.
وَإِنِ اسْتُحِقَّ بِغَيْرِ عَقْدٍ كَالْمَغْصُوبِ، فَإِنْ ثَبَتَ غَصْبُهُ بِبَيِّنَةٍ حَكَمَ الْقَاضِي بِتَسْلِيمِهِ وَإِنْ ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ رَفَعَ يَدَهُ عَنْهُ، وَلَمْ يَمْنَعِ الْمُدَّعِيَ مِنْهُ وَلَمْ يَحْكُمْ لَهُ بِتَسْلِيمِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ.
وَإِنْ كَانَ مَالًا فِي الذِّمَّةِ: أَمَرَهُ بِقَضَائِهِ إِنْ كَانَ مَلِيئًا.
وَإِنِ ادَّعَى عُسْرَه نَظَرَ فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ، فَإِنْ كَانَ عَنْ مُقَابَلَةِ مَالٍ صَارَ إِلَيْهِ كَثَمَنِ مَبِيعٍ قَبَضَهُ وَمَالٍ اقْتَرَضَهُ لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ دَعْوَى الْإِعْسَارِ إِلَّا بَعْدَ الْكَشْفِ.
وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ مَالٍ صَارَ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ قِيمَةٌ لِمُتْلَفٍ أَوْ مَهْرٍ وَصَدَاقٍ قَبِلَ قَوْلَهُ فِي الْعُسْرَةِ مَعَ يَمِينِهِ وَوَجَبَ إِطْلَاقُهُ بِهَا بَعْدَ النِّدَاءِ عَلَيْهِ لِجَوَازِ حُضُورِ خَصْمٍ آخَرَ إِنْ كَانَ لَهُ.