الحاوي الكبيرصفحات 463-502
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب النذور

صفحات 463-502
عن هذه الطبعة
عَلَم
الماوردي
الكتاب
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
المؤلف
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
المحقق
الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1419 هـ -1999 م
عدد الأجزاء
19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

(مسألة:)

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " مَنْ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ لَزِمَهُ إِنْ قَدَرَ عَلَى الْمَشِيِ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ رَكِبَ وَأَهْرَاقَ دماً احتياطاً من قبل أنه إذا لم يطق شيئاً سقط عنه ولا يمشي أحدٌ إلى بيت الله إلا أن يكون حاجاً أو معتمراً ". قال الماوردي: أما النذور فِي اللُّغَةِ فَهُوَ الْوَعْدُ بِخَيْرٍ أَوْ بِشَرٍّ، قَالَ عَنْتَرَةُ الْعَبْسِيُّ: (الشَّاتِمَيْ عِرْضِي وَلَمْ أَشْتُمْهُمَا ... وَالنَّاذِرَيْنِ إِذَا لَمَ أَلْقَهُمَا دَمِي)

وَأَمَّا النَّذْرُ فِي الشَّرْعِ فَهُوَ الْوَعْدُ بِالْخَيْرِ، دُونَ الشَّرِّ، قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا نَذْرَ فِي معصيةٍ " وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِ الْوَفَاءِ، بِالنُّذُورِ كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالعُقُودِ) {المائدة: 1) وَقَالَ تَعَالَى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً) {الإسراء: 17) يعني مسؤولاً عَنْهُ وَفِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْعَقْدِ وَالْعَهْدِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعَقْدَ مَا كَانَ بَيْنَ مُتَعَاقِدَيْنِ، والعهد قد ينفرد فيه الإنسان في حقه نَفْسِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْعَقْدَ إِلْزَامٌ بِوَثِيقَةٍ، وَالْعَهْدَ إِلْزَامٌ بِغَيْرِ وَثِيقَةٍ، فَصَارَ الْعَقْدُ أَوْكَدَ مِنَ الْعَهْدِ، فَأَمَرَ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ بِالْوَفَاءِ.
وَقَالَ تَعَالَى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً) {النحل: 16) فَجَمَعَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بَيْنَ الْأَمْرِ بِالْوَفَاءِ وَبَيْنَ النَّهْيِ عَنْ نَقْضِهِ، ثُمَّ حَمِدَ مَنْ وَفَّى بِنَذْرِهِ فَقَالَ: {يُوْفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً) {الإنسان: 7) وَحَمِدَ مَنْ وَفَّى بِعَهْدِهِ فَقَالَ: {وَالمَوْفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ (البقرة: 177) ثُمَّ ذَمَّ وَتَوَعَّدَ مَنْ لَمْ يَفِ بِعَهْدِهِ، وَلَمْ يَفِ بِنَذْرِهِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾ الْآيَاتِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (التوبة: 75، 76، 77) وَهَذَا نَزَلَ فِي ثَعْلَبَةَ بْنِ حَاطِبٍ الْأَنْصَارِيِّ وَفِي سَبَبِ نُزُولِهِ فِيهِ قَوْلَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَانَ لَهُ مَالٌ بِالشَّامِ خَافَ هَلَاكَهُ، فَنَذَرَ إِنْ وَصَلَ إِلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ مِنْهُ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ بَخِلَ بِهِ وَهَذَا قَوْلُ الْكَلْبِيِّ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَوْلًى لِعُمَرَ قَتَلَ حَمِيمًا لَهُ فَنَذَرَ إِنْ وَصَلَ إِلَى الدِّيَةِ أَنْ يُخْرِجَ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى مِنْهَا، فَلَمَّا وَصَلَتْ إِلَيْهِ بَخِلَ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى مِنْهَا وَهَذَا قَوْلُ مُقَاتِلٍ، فَلَمَّا بَلَغَ ثَعْلَبَةَ مَا نَزَل فِيهِ آتِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَسَأَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ صَدَقَتَهُ فَقَالَ: " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَنَعَنِي أَنْ أَقْبَلَ مِنْكَ صَدَقَتَكَ " فَحَثَا القراب عَلَى رَأْسِهِ، وَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَلَمْ يَقْبَلْ مِنْ صَدَقَتِهِ شَيْئًا، ثُمَّ أَتَى بَعْدَهُ أَبَا بَكْرٍ فَلَمْ يَقْبَلْهَا مِنْهُ، ثُمَّ أَتَى بَعْدَهُ عُمَرُ فَلَمْ يَقْبَلْهَا مِنْهُ، ثُمَّ أَتَى بَعْدَهُ عُثْمَانُ، فَلَمْ يَقْبَلْهَا مِنْهُ، وَمَاتَ فِي أَيَّامِهِ، وَهَذَا مِنْ أَشَدِّ وَعِيدٍ، وَأَعْظَمِ زَجْرٍ فِي نَقْضِ الْعُهُودِ، وَمَنْعِ النُّذُورِ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ السُّنَّةِ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ " وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " إِنَّ النَّذْرَ لَا يَأْتِي على ابن آدم شيئاً لم أُقَدِّرْهُ عَلَيْهِ وَلَكِنَّهُ شيءٌ أَسْتَخْرِجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ يُؤْتِينِي عَلَيْهِ مَا لَا يُؤْتِينِي عَلَى الْبُخْلِ ". فَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ، عَلَى أَنَّ مَا يَبْذُلُهُ مِنَ الْبِرِّ أَفْضَلُ مِمَّا يَلْتَزِمُهُ بِالنَّذْرِ.
وَرَوَى نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ عُمَرَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِنِّي نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " أَوْفِ بِنَذْرِكَ "؛ وَلِأَنَّ ضَمَانَ الْحُقُوقِ نَوْعَانِ: حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَحَقٌّ لِلْآدَمِيِّينَ، فَلَمَّا جَازَ أَنْ تَتَبَرَّعَ بِالضَّمَانِ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، جَازَ أَنْ تَتَبَرَّعَ لِضَمَانٍ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى.

(فَصْلٌ:)

فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَالنُّذُورُ الْمَحْضَةُ ضَرْبَانِ: مُجَازَاةٌ، وَتَبَرُّرٌ.
فَأَمَّا الْمُجَازَاةُ: فَهُوَ مَا عَقَدَهُ النَّاذِرُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ طَاعَةٍ يَفْعَلُهَا مُجَازَاةً عَلَى مَا يَرْجُو مِنْ نَفْعٍ، أَوْ يَسْتَدْفِعُهُ مِنْ ضرٍ فَجَعَلَهُ شَرْطًا وَجَزَاءً.
فَالشَّرْطُ مَا طُلِبَ وَالْجَزَاءُ مَا بُذِلَ، وَالشَّرْطُ الْمَطْلُوبُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: طَاعَةٌ وَمُبَاحٌ وَمَعْصِيَةٌ.

وَالْجَزَاءُ الْمَبْذُولُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: طَاعَةٌ وَمُبَاحٌ وَمَعْصِيَةٌ.
فَأَمَّا ضُرُوبُ الشَّرْطِ الْمَطْلُوبِ فَالطَّاعَةُ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ فِي الرَّجَاءِ إِنْ رَزَقَنِي اللَّهُ الْحَجَّ، أَوْ فَتَحَ عَلَى يَدَيَّ بِلَادَ أَعْدَائِهِ، فَلَهُ عَلَيَّ كَذَا.
وَيَقُولُ فِي الْخَوْفِ إِنْ كَفَانِي اللَّهُ ظَفَرَ أَعْدَائِهِ بِي، أَوْ دَفَعَ عَنِّي مَا يَقْطَعُنِي عَنْ صَلَاتِي وَصِيَامِي فَلَهُ عَلَيَّ كَذَا.
فَهَذَا نَذْرٌ مُنْعَقِدٌ وَالْوَفَاءُ بِهِ وَاجِبٌ.
وَالْمُبَاحُ أَنْ يَقُولَ فِي الرَّجَاءِ: إِنْ رَزَقَنِي اللَّهُ وَلَدًا أَوْ مَالًا فَلَهُ عَلَيَّ كَذَا.
وَيَقُولُ فِي الْخَوْفِ: إِنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي أَوْ سَلَّمَنِي فِي سَفَرِي فَلَهُ عَلَيَّ كَذَا.
فَهَذَا نَذْرٌ مُنْعَقِدٌ وَالْوَفَاءُ بِهِ وَاجِبٌ.
وَالْمَعْصِيَةُ أَنْ يَقُولَ فِي الرَّجَاءِ إِنْ ظَفِرْتُ بِقَتْلِ فُلَانٍ، أَوْ زَنَيْتُ بِفُلَانَةٍ فَلِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا.
وَيَقُولُ فِي الْخَوْفِ إِنْ لَمْ أُدْفَعْ عَنْ قَطْعِ الطَّرِيقِ، وَلَمْ أَمْنَعْ مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ، فَلِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا.
فَهَذَا نَذْرٌ بَاطِلٌ، وَالْوَفَاءُ بِهِ غَيْرُ وَاجِبٍ، لِمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيِّ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَلَا نَذْرَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ " وَلِأَنَّ الشَّرْعَ لَمَّا مَنَعَ مِنِ انْعِقَادِ الْمَعْصِيَةِ، أَسْقَطَ مَا قَابَلَهَا مِنَ الْجَزَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْصِيَةً.
وَأَمَّا ضَرْبُ الْجَزَاءِ الْمَبْذُولِ، فَالطَّاعَةُ مِنْهَا أَنْ يَقُولَ: إِنْ كَانَ كَذَا فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُصَلِّيَ، أَوْ أَصُومَ، أَوْ أَحُجَّ، أَوْ أَعْتَكِفَ، أَوْ أَتَصَدَّقَ، فَهَذَا جَزَاءٌ يَنْعَقِدُ بِهِ الشَّرْطُ الْمُبَاحُ، وَيُلْتَزَمُ فِيهِ الْوَفَاءُ.
وَأَمَّا الْمُبَاحُ فَهُوَ أَنْ يَقُولَ: إِنْ كَانَ كَذَا، فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَكْلُ لَذِيذٍ، وَلُبْسُ جَدِيدٍ إِنْ أَثْبَتَ، أَوْ لَا أَكَلْتُ لَذِيذًا، وَلَا لَبِسْتُ جَدِيدًا، إِنْ نَفَى، فَهَذَا جَزَاءٌ لَا يَنْعَقِدُ بِهِ الشَّرْطُ، وَلَا يَلْزَمُ فِيهِ الْوَفَاءُ، لِأَنَّهُ خَارِجٌ عَنِ الْعُرْفِ الْمَقْصُودِ بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
رَوَى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَخْطُبُ إِذْ هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ فِي

الشَّمْسِ فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا: هَذَا أَبُو إِسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ وَلَا يَقْعُدَ، وَلَا يَسْتَظِلَّ، وَلَا يَتَكَلَّمَ فَقَالَ: " مُرُوهُ فَلْيَتَكَلَّمْ، وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ وليتم صومه " فأسقط عنه ما لا طاقة فيه، وأمره بالتزام بما فِيهِ طَاعَةٌ.
وَرَوَى ابْنُ عَوْنٍ حَدِيثًا أَسْنَدَهُ أَنَّ رَجُلًا حَجَّ مَعَ ذِي قَرَابَةٍ مُقْتَرِنًا بِهِ فَرَآهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ: " مَا هَذَا؟ قِيلَ: إِنَّهُ نَذَرَ فَأَمَرَ بِالْقِرَانِ أَنْ يُقْطَعَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي الِاقْتِرَانِ طَاعَةٌ لِلَّهِ، أَسْقَطَهُ مِنْ نَذْرِهِ وَالْمَعْصِيَةُ أَنْ يَقُولَ: إِنْ كَانَ كَذَا قَبَّلْتُ فُلَانًا، أَوْ زَنَيْتُ بِفُلَانَةٍ، إِنْ أَثْبَتَ، أَوْ لَا صَلَّيْتُ، وَلَا صُمْتُ إِنْ نَفَى فَهَذَا جَزَاءٌ بَاطِلٌ، وَهُوَ عِنْدَنَا بِاعْتِقَادِهِ عَاصٍ، فَصَارَ شَرْطُ النَّذْرِ مُنْعَقِدًا بِنَوْعَيْنِ بِطَاعَةٍ، وَمُبَاحٍ، وَغَيْرَ منعقد بنوع واحد وهم الْمَعْصِيَةُ، وَصَارَ الْجَزَاءُ لَازِمًا بِنَوْعٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الطَّاعَةُ وَغَيْرُ لَازِمٍ، بِنَوْعَيْنِ وَهُمَا الْمُبَاحُ، وَالْمَعْصِيَةُ.
فَعَلَى هَذَا إِذَا قَالَ: إِنْ هَلَكَ فُلَانٌ؛ وَهَبْتُ دَارِي لِفُلَانٍ فَإِنْ كَانَ الْهَالِكُ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ، انْعَقَدَ بِهِ الشَّرْطُ؛ لِأَنَّهُ طَاعَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَعْدَائِهِ، لَمْ يَنْعَقِدْ بِهِ الشَّرْطُ؛ لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ وَإِنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ مِمَّنْ يَقْصِدُ بِهِبَتِهِ الْأَجْرَ وَالثَّوَابَ لَزِمَ بِهِ الْجَزَاءُ؛ لِأَنَّهُ طَاعَةٌ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَقْصِدُ بِهِبَتِهِ التَّوَاصُلَ وَالْمَحَبَّةَ لَمْ يَلْزَمْ بِهِ الْجَزَاءُ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ وَلَوْ قَالَ: إِنْ سَلَّمَ اللَّهُ مَالِي وَهَلَكَ مَالُ فُلَانٍ أَعْتَقْتُ عَبْدِي وَطَلَّقْتُ امْرَأَتِي انْعَقَدَ نَذْرُهُ عَلَى سَلَامَةِ مَالِهِ وَلَمْ يَنْعَقِدْ عَلَى هَلَاكِ مَالِ فُلَانٍ لِأَنَّ مَا شَرَطَهُ مِنْ سَلَامَةِ مَالِهِ مُبَاحٌ، وَمَا شَرَطَهُ مِنْ هَلَاكِ مَالِ غَيْرِهِ مَعْصِيَةٌ، وَلَزِمَهُ فِي الْجَزَاءِ عِتْقُ عَبْدِهِ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ طَلَاقُ امْرَأَتِهِ؛ لِأَنَّ الْجَزَاءَ بِالْعِتْقِ طَاعَةٌ، وَالْجَزَاءَ بِالطَّلَاقِ مُبَاحٌ.
وَلَوْ جَعَلَ ذَلِكَ شَرْطًا فِي وُقُوعِ الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ فَقَالَ: إِنْ سَلَّمَ اللَّهُ مَالِي وَهَلَكَ مَالُ فُلَانٍ فَامْرَأَتِي طَالِقٌ وَعَبْدِي حُرٌّ انْعَقَدَ الشَّرْطَانِ، وَوَقَعَ بِهِمَا الْعِتْقُ وَالطَّلَاقُ وَصَارَ شَرْطُ الْمَعْصِيَةِ مُعْتَبَرًا كَشَرْطِ الطَّاعَةِ وَالْجَزَاءُ فِيهِ بِمُبَاحِ الطَّلَاقِ وَاقِعٌ كَوُقُوعِهِ بِمُسْتَحَبِّ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ خَارِجًا عَنْ أَحْكَامِ النُّذُورِ إِلَى وُقُوعِ الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ بِالصِّفَاتِ، ثُمَّ نَجْعَلُ مَا ذَكَرْنَاهُ قِيَاسًا مُسْتَمِرًّا فِي نَذْرِ الْمُجَازَاةِ.
وَأَمَّا نَذْرُ التَّبَرُّرِ فَهُوَ أَنْ يَقُولَ مُبْتَدأً لِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا فَيَبْتَدِئُ بِالْتِزَامِ مَا لَيْسَ بِلَازِمٍ فَهُوَ نَوْعَانِ: طَاعَةٌ، وَغَيْرُ طَاعَةٍ.
فَأَمَّا الطَّاعَةُ الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَهُوَ أَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَحُجَّ، أَوْ أَعْتَمِرَ، أَوْ أُصَلِّيَ، أَوْ أَصُومَ، أَوْ أَعْتَكِفَ، أَوْ أَتَصَدَّقَ بِمَالِي، أَوْ مَا جَرَى مَجْرَى هَذَا مِنْ أَنْوَاعِ الْقُرَبِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي انْعِقَادِ نَذْرِهِ، وَوُجُوبِ الْوَفَاءِ بِهِ على وجهين:

أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ نَذْرٌ مُنْعَقِدٌ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ، كَالْمُجَازَاةِ؛ لِعُمُومِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ ظَوَاهِرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى حَاكِيًا عَنْ مَرْيَمَ: {إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي) {آل عمران: 35) فَأَطْلَقَ نَذْرَهَا وَلَمْ يَذْكُرْ تَعْلِيقَهُ بِشَرْطٍ وَجَزَاءٍ، فَدَلَّ عَلَى لُزُومِ النَّذْرَيْنِ فِي التَّبَرُّرِ وَالْمُجَازَاةِ.
وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ) {التوبة: 77) فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِ الْوَفَاءِ بِوَعْدِهِ فِي الْأَمْرَيْنِ.
وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ " فَاسْتَوَى فِيهِ حُكْمُ النَّذْرَيْنِ.
وَلِأَنَّهُ عَقْدُ نَذْرٍ بِطَاعَةٍ فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَ فِي الْمُجَازَاةِ، وَالتَّبَرُّرِ، كَالْأُضْحِيَّةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ الصَّيْرَفِيِّ أَنَّهُ نَذْرٌ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ، وَالْوَفَاءُ بِهِ وَاجِبٌ تَمَسُّكًا بِدَلِيلِ لُغَةٍ وَشَرْعٍ.
أما اللغة فما حَكَاهُ الصَّيْرَفِيُّ عَنْ ثَعْلَبٍ، إنَّ النَّذْرَ عِنْدَ الْعَرَبِ وَعْدٌ بِشَرْطٍ فَكَانَ عُرْفُ اللِّسَانِ فِيهِ مُسْتَعْمَلًا.
وَأَمَّا الشَّرْعُ فَلِاسْتِقْرَارِ أُصُولِهِ عَلَى الْفَرْقِ فِي اللُّزُومِ بَيْنَ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ مِنَ الْبُيُوعِ والإجارت لِأَنَّهَا لَازِمَةٌ بِالْعَقْدِ وَبَيْنَ عُقُودِ غَيْرِ الْمُعَاوَضَاتِ مِنَ الْعَطَايَا وَالْهِبَاتِ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ لَازِمَةٍ بِالْعَقْدِ فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ نَذْرُ الْمُعَاوَضَةِ لَازِمًا بِالْعَقْدِ، وَنَذْرُ غَيْرِ الْمُعَاوَضَةِ غَيْرَ لَازِمٍ بِالْعَقْدِ، وَكِلَا الِاسْتِدْلَالَيْنِ مَدْخُولٌ بِمَا قَدَّمْنَاهُ وَعُرْفُ اللِّسَانِ مَدْفُوعٌ بِقَوْلِ جَمِيلِ بْنِ مَعْمَرٍ: (فَلَيْتَ رِجَالًا فِيكِ قَدْ نَذَرُوا دَمِي ... وَهَمُّوا بِقَتْلِي يَا بُثَيْنَ لِقَوْلِي)

وَأَمَّا نَذْرُ مَا لَيْسَ بِطَاعَةٍ، وَلَا قُرْبَةٍ فَكَقَوْلِهِ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَدْخُلَ الْبَصْرَةَ أَوْ لَا أَدْخُلَهَا، أَوْ آكُلَ لَذِيذًا، أَوْ لَا آكُلَهُ، أَوْ أَلْبَسَ جَدِيدًا، أَوْ لَا أَلْبَسَهُ فَلَيْسَ فِي فِعْلِ شَيْءٍ مِنْ هَذَا وَلَا فِي تَرْكِهِ طَاعَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى، وَلَا قُرْبَةٌ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ قَدْ أَبَاحَ فِعْلَهُ وَتَرَكَهُ فَاسْتَوَى الْأَمْرَانِ فِي الْحُكْمِ عِنْدَهُ، فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رَوَيْتَ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى رَأْسِكَ بِالدُّفِّ فَقَالَ: " أَوْفِ بِنَذْرِكِ " قِيلَ: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِبَاحَةِ دُونَ الْوُجُوبِ فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَزَوَّجَ فَإِنْ قَصَدَ بِهِ غَضَّ الطَّرْفِ وَتَحْصِينَ الْفَرْجِ، كَانَ قُرْبَةً؛ فَيَكُونُ وَاجِبًا فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَإِنْ قَصَدَ بِهِ الِاسْتِمْتَاعَ، وَالتَّلَذُّذَ كَانَ مُبَاحًا، فَلَا يَجِبُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ.
ثُمَّ عَلَى قِيَاسِ هَذَا فِي نَظَائِرِهِ؛ فَهَذَا حُكْمُ عَقْدِ الْبَابِ فِي أُصُولِ النذور.

(فَصْلٌ:)

فَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ: فَصُورَتُهَا فِيمَنْ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ فَلَهُ حَالَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَصِفَهُ بِبَيْتِهِ الْحَرَامِ.
فَيَقُولُ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ؛ فَيَنْعَقِدُ بِهِ النَّذْرُ، وَيَلْزَمُ فِيهِ الْوَفَاءُ؛ لِأَنَّهُ من طاعات الله التي يتعبد بِهَا.
وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَذْهَبَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، أَوْ أَقْصِدَهُ، أَوْ أَمْضِيَ إِلَيْهِ انْعَقَدَ بِهِ النَّذْرُ كَالْمَشْيِ إِلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ بِالْمَشْيِ إِلَيْهِ، وَلَا يَنْعَقِدُ بِالْقَصْدِ لَهُ وَالذَّهَابِ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ بِالْمَشْيِ يُرِيدُ الْقُرْبَةَ وَبِالْقَصْدِ وَالذَّهَابِ غَيْرُ مُرِيدٍ لَهُمَا.
وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: قَوْلُ اللَّهُ تَعَالَى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ) {الحج: 27) فَجَعَلَ الرُّكُوبَ صِفَةً لِقَاصِدِيهِ كَالْمَشْيِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْقَصْدَ، وَالذَّهَابَ يَعُمُّ الْمَشْيَ وَالرُّكُوبَ فَدَخَلَ حُكْمُ الْخُصُوصِ في العموم.
والحال الثانية: أن لا يصفه بالبيت الحرام، ويقتضي عَلَى قَوْلِهِ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَمْشِيَ إِلَى بيت الله فله ثلاثة أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُرِيدَ بِهِ بَيْتَ اللَّهِ الْحَرَامَ، فَيَصِيرَ بِإِرَادَتِهِ فِي حُكْمِ مَنْ تَلَفَّظَ بِهِ فِي انْعِقَادِ نَذْرِهِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُرِيدَ بِهِ غَيْرَهُ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ، وَمَسَاجِدِهِ التي لا فضل لنا عَلَى غَيْرِهَا، فَلَا يَنْعَقِدُ بِهِ نَذْرٌ، وَلَا يَلْزَمُهُ فِيهِ وَفَاءٌ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ مِنْ بَعْدُ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يُطْلِقَ نَذْرَهُ، وَلَا يَقْتَرِنَ بِهِ إِرَادَةٌ، فَفِي إِطْلَاقِهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ ظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ الْمُزَنِيُّ هَاهُنَا، أَنَّ مَعْهُودَ إِطْلَاقِهِ يَتَوَجَّهُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ عُرْفًا؛ فَتَوَجَّهَ النَّذْرُ إِلَيْهِ حُكْمًا، فَصَارَ بِالْعُرْفِ كَالْمُضْمَرِ فَيَصِيرُ النَّذْرُ بِهِ مُنْعَقِدًا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ ظَاهِرُ، مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأُمِّ وَنَقَلَهُ أَبُو حَامِدٍ الْمَرْوَزِيُّ فِي جَامِعِهِ أَنَّهُ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ يَنْطَلِقُ عَلَى مَسَاجِدِ اللَّهِ كُلِّهَا فَلَمْ يَتَعَيَّنْ إِطْلَاقُهُ مِنْ بَعْضِهَا، وَلَا يُحْمَلُ إِطْلَاقُهُ عَلَى إِضْمَارٍ تَجَرَّدَ عَنْ نِيَّةٍ فَعَلَى هَذَا لَا يَنْعَقِدُ بِهِ النَّذْرُ، وَلَوِ احْتَاطَ بِالْتِزَامِهِ كَانَ أَوْلَى.

(فَصْلٌ:)

فَإِذَا ثَبَتَ انْعِقَادُ النَّذْرِ بِقَصْدِ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ لَمْ يَخْلُ حَالُ مُنْذِرِهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:

أَحَدُهَا: أَنْ يُرِيدَ قَصْدَهُ لِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، فَقَدْ تَعَيَّنَ نَذْرُهُ بِمَا أَرَادَهُ مِنْ حَجٍّ، أَوْ عُمْرَةٍ فَإِنْ أَرَادَ الْحَجَّ لَمْ تُجْزِهِ الْعُمْرَةُ، وَلَوْ أَرَادَ الْعُمْرَةَ، لَمْ يُجْزِهِ الْحَجُّ، وَإِنْ قَرَنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَجَزَأَهُ الْقِرَانُ عَنْ إِفْرَادِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يُرِيدَ بِقَصْدِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ أَنْ لَا يَحُجَّ وَلَا يَعْتَمِرَ فَفِي النَّذْرِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: بَاطِلٌ لِاسْتِثْنَاءِ مَقْصُودِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ صَحِيحٌ لِعَوْدِ الِاسْتِثْنَاءِ إِلَى الْحُكْمِ، دُونَ الْعَقْدِ.
فَعَلَى هَذَا فِي الشَّرْطِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ يُنَافِي حُكْمَ النُّذُورِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الشَّرْطَ صَحِيحٌ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ بِحَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ لِاتِّصَالِ الشَّرْطِ بِالنَّذْرِ فَصَارَ مَحْمُولًا عَلَيْهِ فَعَلَى هَذَا فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَضُمَّ إِلَى قَصْدِ الْبَيْتِ عِبَادَةً مِنْ طَوَافٍ، أَوْ صَلَاةٍ، أَوْ صِيَامٍ، أَوِ اعْتِكَافٍ، لِيَصِيرَ الْقَصْدُ طَاعَةً، إِذَا اقْتَرَنَ بِطَاعَةٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَقْرِنَ بِالْقَصْدِ طَاعَةً، لِأَنَّ قَصْدَ الْبَيْتِ طَاعَةٌ وَمُشَاهَدَتَهُ قُرْبَةٌ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا مَا الْتَزَمَ فَصَارَ فِي مَجْمُوعِ هَذَا التَّفْصِيلِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ النَّذْرَ بَاطِلٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ صَحِيحٌ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ النَّذْرَ وَالشَّرْطَ صَحِيحَانِ، وَعَلَيْهِ فِعْلُ عِبَادَةٍ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّهُمَا صَحِيحَانِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ عِبَادَةٌ غَيْرُ الْقَصْدِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يُطْلِقَ نَذْرَهُ بِقَصْدِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، وَلَا يَقْتَرِنُ بِهِ إِرَادَةٌ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَمَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ فِيهِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَيَكُونُ إِطْلَاقُ النَّذْرِ مَعْقُودًا بِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ بِهِمَا شَرْعًا؛ فَصَارَ مَقْصُودًا بِهِمَا نَذْرًا.
وَذَهَبَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: إنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ فِيمَنْ أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ مِنْ غَيْرِ خَطَأٍ فِيهَا هَلْ يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ لِدُخُولِهَا عَلَى قَوْلَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ بِحَجٍّ، أَوْ عُمْرَةٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَهَا مُحِلًّا فَعَلَى هَذَا يَصِيرُ إِطْلَاقُ نَذْرِهِ بِقَصْدِ الْبَيْتِ مَعْقُودًا عَلَى حَجٍّ، أَوْ عُمْرَةٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ وَيَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَهَا مُحِلًّا.
قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: فَعَلَى هَذَا فِي انْعِقَادِ نَذْرِهِ بِحَجٍّ، أَوْ عُمْرَةٍ وَجْهَانِ تَخَرَّجَا مِنِ اخْتِلَافِ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ فِيمَنْ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، أَوْ مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ فِي لُزُومِ نَذْرِهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهُ النَّذْرُ كَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَهُوَ قَصْدٌ لَا يَجِبُ بِهِ إِحْرَامٌ، وَكَذَلِكَ قَصْدُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لَا يَجِبُ فِيهِ إِحْرَامٌ وَيَكُونُ النَّذْرُ فِي جَمِيعِهَا مَقْصُورًا عَلَى مُجَرَّدِ الْقَصْدِ لِاشْتِرَاكِهَا فِي مَعْنَى الْوُجُوبِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يَلْزَمُهُ النَّذْرُ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، وَإِنْ لَزِمَهُ النَّذْرُ إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، لِوُجُوبِ قَصْدِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ شَرْعًا، فَوَجَبَ قَصْدُهُ نَذْرًا، وَلَمْ يَجِبْ قَصْدُ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ شَرْعًا فَلَمْ يَجِبْ قَصْدُهُ نَذْرًا فَاقْتَضَى افْتِرَاقُهُمَا فِي هَذَا التَّعْلِيلِ الْمُخَالِفِ بَيْنَهُمَا فِي الْوُجُوبِ أَنْ يَجِبَ بِقَصْدِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي النَّذْرِ مَا أَوْجَبَ قَصْدُهُ بِالشَّرْعِ، وَهَذَا التَّخْرِيجُ، وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا، فَإِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ مَعَ عَدَمِ النَّصِّ، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى وُجُوبِ إِحْرَامِهِ فِي النَّذْرِ بِحَجٍّ، أَوْ عُمْرَةٍ؛ لِأَنَّهُ مَعْهُودُ النَّذْرِ عُرْفًا، فَلَمْ يَجُزِ الْعُدُولُ عَنْهُ إِلَى تَخْرِيجِ مَا يُخَالِفُهُ، وَيَكُونُ فِي هَذَا مُخَيَّرًا بَيْنَ الْإِحْرَامِ بِحَجٍّ؛ أَوْ عُمْرَةٍ، وَإِنْ كَانَ الْحَجُّ أَفْضَلَ مِنَ الْعُمْرَةِ.

(فَصْلٌ:)

فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ عَلَيْهِ فِيهِ هَذَا النَّذْرُ أَنْ يُحْرِمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، فَلَهُ حَالَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنْ يُطْلِقَ فِي نَذْرِهِ صِفَةَ قَصْدِهِ، وَلَا يَشْتَرِطُ فِيهِ رُكُوبًا، وَلَا مَشْيًا فَيَقُولُ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَقْصِدَ بَيْتَ اللَّهِ الْحَرَامِ، أَوْ أَذْهَبَ إِلَيْهِ، أَوْ أَمْضِيَ إِلَيْهِ أَوْ أَتَوَجَّهَ إِلَيْهِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ إذا خرج بن الرُّكُوبِ وَالْمَشْيِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَشْتَرِطَ فِي نَذْرِهِ صِفَةَ قَصْدِهِ بِرُكُوبٍ أَوْ مَشْيٍ فَيَقُولُ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، أَوْ أَرْكَبَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ فَفِي لُزُومِ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ فِي نَذْرِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الرُّكُوبُ، وَلَا الْمَشْيُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجِبْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِالشَّرْعِ لَمْ يَجِبْ بِالنَّذْرِ، وَلَهُ أَنْ يَرْكَبَ إِنْ شَرَطَ الْمَشْيَ، وَيَمْشِيَ إِنْ شَرَطَ الرُّكُوبَ.
وَقَدْ رَوَى يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ فَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَاسْتَفْتَيْتُهُ فَقَالَ: " لِتَمْشِ أَوْ لِتَرْكَبْ " فَخَيَّرَهَا بَيْنَ الْمَشْيِ وَالرُّكُوبِ فَدَلَّ عَلَى سُقُوطِ الشَّرْطِ فِي المشي والركوب.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُمَا يَجِبَانِ بِالشَّرْطِ؛ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَمْشِيَ إِذَا شَرَطَ الْمَشْيَ وَيَلْزَمَهُ أَنْ يَرْكَبَ إِذَا شَرْطَ الرُّكُوبَ، لِأَنَّ فِي الْمَشْيِ زِيَادَةَ عَمَلٍ وَفِي الرُّكُوبِ زِيَادَةُ نَفَقَةٍ، وَكِلَاهُمَا قُرْبَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ النَّذْرِ أَنْ لَا يَلْزَمَ فِيهِ إِلَّا مَا وَجَبَ بِالشَّرْعِ كَمَا يَلْزَمُ فِيهِ الْأُضْحِيَّةُ وَالِاعْتِكَافُ وَإِنْ لَمْ يُجِبْ فِيهِ الشَّرْعُ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَشْبَهُ: أَنَّ الْمَشْيَ يَلْزَمُ بِاشْتِرَاطِهِ، وَلَا يَلْزَمُ الرُّكُوبُ بِاشْتِرَاطِهِ؛ لِأَنَّ فِي الْمَشْيِ مَشَقَّةً، فَلَزِمَ لِتَغْلِيظِهِ، وَفِي الرُّكُوبِ تَرْفِيهٌ فَلَمْ يَلْزَمْ لِتَحْقِيقِهِ وَأَدَاءُ الْأَخَفِّ بِالْأَغْلَظِ مُجْزِئٌ وَأَدَاءُ الْأَغْلَظِ بِالْأَخَفِّ غَيْرُ مُجْزِئٍ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ حَجَّا مَاشِيَيْنِ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " مَا آسَى عَلَى شَيْءٍ كَمَا آسَى عَلَى أَنْ لَوْ حَجَجْتُ فِي شَبَابِي مَاشِيًا ". وَقَدْ سَمِعْتُ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ) {الحج: 27) فَبَدَأَ بِالرَّجَّالَةِ قَبْلَ الرُّكْبَانِ.
فَإِنْ قِيلَ بِالْوَجْهِ الْأَوَّلِ: إِنَّ الْمَشْيَ وَالرُّكُوبَ لَا يَجِبَانِ بِالشَّرْطِ، لَزِمَهُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ مِنْ مِيقَاتِهِ وَلَمْ يَلْزَمْهُ الْإِحْرَامُ فِيهِ مِنْ بَلَدِهِ اعْتِبَارًا بِفَرْضِ الْحَجِّ فِي الْإِحْرَامِ كَمَا اعْتُبِرَ بِفَرْضِهِ فِي سُقُوطِ الْمَشْيِ وَالرُّكُوبِ.
وَإِنْ قِيلَ بِالْوَجْهِ الثَّانِي إِنَّ الْمَشْيَ وَالرُّكُوبَ يَجِبَانِ بِالشَّرْطِ ابْتَدَأَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِنْدَ مَسِيرِهِ مِنْ دُوَيْرَةِ أهله ولزمه الإحرام فيها مِنْ بَلَدِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا صَارَ الْمَشْيُ وَالرُّكُوبُ مِنْ حُقُوقِ هَذَا الْحَجِّ، الْمَنْدُوبِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ حُقُوقِ حَجِّ الْإِسْلَامِ وَجَبَ أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ الْإِحْرَامُ لِيَصِيرَ بِهِ دَاخِلًا فِي لَوَازِمِ النَّذْرِ.
وَإِنْ قِيلَ بِالْوَجْهِ الثَّالِثِ: إِنَّ الْمَشْيَ وَاجِبٌ بِالشَّرْطِ، وَالرُّكُوبَ غَيْرُ وَاجِبٍ بِالشَّرْطِ، لَزِمَهُ فِي اشْتِرَاطِ الْمَشْيِ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ بَلَدِهِ، وَفِي اشْتِرَاطِ الرُّكُوبِ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ مِيقَاتِهِ.

(فَصْلٌ:)

فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ وُجُوبِ مَا شَرَطَهُ مِنَ الْمَشْيِ وَالرُّكُوبِ، فَخَالَفَ شَرْطَهُ فَرَكِبَ، وَقَدْ شَرَطَ أَنْ يَمْشِيَ وَمَشَى، وَقَدْ شَرَطَ أَنْ يَرْكَبَ فَحَجُّهُ مجزئٌ عَنْ نَذْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ حَجُّ النَّذْرِ بِأَوْكَدَ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَلَا الْمَشْيُ وَالرُّكُوبُ بِأَوْكَدَ مِنْ تَقْدِيمِ الْإِحْرَامِ، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ إِجْرَاءِ الْفَرْضِ، فَكَانَ أَوْلَى أَنْ لَا يَمْنَعَ مِنْ إِجْزَاءِ النَّذْرِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ جُبْرَانُ مَا أخرهُ مِنَ الْإِحْرَامِ، وَفِي وُجُوبِ جُبْرَانِ مَا تَرَكَهُ مِنَ الْمَشْيِ وَالرُّكُوبِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:

أَحَدُهَا: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ جُبْرَانُهُمَا؛ لِاخْتِصَاصِ الْجُبْرَانِ بِالْمَنَاسِكِ الشَّرْعِيَّةِ، وَلَيْسَ الْمَشْيُ، وَالرُّكُوبُ بِنُسُكٍ مَشْرُوعٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجِبُ عَلَيْهِ جُبْرَانُهُمَا بِدَمٍ فَيَفْتَدِي الْمَشْيَ إِذَا رَكِبَ، وَيَفْتَدِي الرُّكُوبَ إِذَا مَشَى؛ لِأَنَّهُمَا قَدْ صَارَا بِالشَّرْطِ مِنْ حُقُوقِ حَجِّهِ، فَجَرَى عَلَيْهِمَا حُكْمُ الْمَنَاسِكِ الشَّرْعِيَّةِ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ أُخْتَهُ نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ حَافِيَةً غَيْرَ مُخْتَمِرَةٍ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عُقْبَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ: " مُرْ أُخْتَكَ فَلْتَرْكَبْ وَلْتَخْتَمِرْ وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أيامٍ ". وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَشْبَهُ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَفْتَدِيَ الْمَشْيَ، إِذَا رَكِبَ وَلَا يَفْتَدِيَ الرُّكُوبَ إِذَا مَشَى؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَرَفَّهَ بِتَرْكِ الْمَشْيِ، وَلَمْ يَتَرَفَّهْ بِتَرْكِ الرُّكُوبِ، فَإِذَا قِيلَ: بِسُقُوطِ الْفِدْيَةِ فِيهِمَا اسْتَوَى حُكْمُ تَرْكِهِمَا بِعُذْرٍ وَغَيْرِ عُذْرٍ.
وَإِذَا قِيلَ بِوُجُوبِ الْفِدْيَةِ فِيهِمَا، وَجَبَتْ فِي تَرْكِهِمَا بِغَيْرِ عُذْرٍ لِقُدْرَةِ الْمَاشِي عَلَى الْمَشْيِ وَقُدْرَةِ الرَّاكِبِ عَلَى الرُّكُوبِ، وَفِي وُجُوبِهِمَا فِي تَرْكِهِمَا لِعُذْرٍ لِعَجْزِ الْمَاشِي بِالْمَرَضِ، وَعَجْزِ الرَّاكِبِ بِالْعُسْرَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: تَسْقُطُ الْفِدْيَةُ بِالْعَجْزِ؛ لِاسْتِقْرَارِ الشَّرْعِ عَلَى سُقُوطِ مَا عَجَزَ عَنْهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: تَجِبُ الْفِدْيَةُ مَعَ الْعَجْزِ، لِتَوَجُّهِ الْعَجْزِ إِلَى الْفِعْلِ، دُونَ الْفِدْيَةِ؛ فَيَسْقُطُ مَا عَجَزَ عَنْهُ مِنَ الْفِعْلِ، وَلَمْ يَسْقُطْ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ الْفِدْيَةِ لِأَنَّ الْفِدْيَةَ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ، تَجِبُ عَلَى الْمَعْذُورِ، وَغَيْرِ الْمَعْذُورِ كَالْفِدْيَةِ فِي الْحَلْقِ، وَاللِّبَاسِ فَإِذَا اسْتَقَرَّ وُجُوبُ هَذِهِ الْفِدْيَةِ فَفِيهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا فِدْيَةُ تَرْكٍ؛ لِأَنَّهُ تَارِكٌ لِلْمَشْيِ الْمَشْرُوطِ، وَتَارِكٌ لِمَا شَرَطَهُ مِنْ نَفَقَةِ الرُّكُوبِ؛ فَصَارَ كَالْمُتَمَتِّعِ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ بِتَرْكِ الْإِحْرَامِ مِنْ مِيقَاتِ بَلَدِهِ فِي أَحَدِ نُسْكَيْهِ، فَعَلَى هَذَا تكون الفدية دم شاة، فإذا أَعْسَرَ بِهَا صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا فِدْيَةُ تَرْفِيهٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَرَفَّهَ فِي تَرْكِ الْمَشْيِ بِالرُّكُوبِ وَتَرَفَّهَ فِي تَرْكِ الرُّكُوبِ، بِسُقُوطِ النَّفَقَةِ؛ فَصَارَ كَفِدْيَةِ الْحَلْقِ الَّذِي تَرَفَّهَ بِهِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مُخَيَّرًا فِي الْفِدْيَةِ بَيْنَ دَمِ شَاةٍ، أَوْ إِطْعَامِ ثَلَاثَةِ آصُعٍ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوْ صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَهَذَا أَشْبَهُ بِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ.

(مَسْأَلَةٌ:)

قَالَ الشافعي: " وَإِذَا نَذَرَ الْحَجَّ مَاشِيًا مَشَى حَتَّى يَحِلَّ لَهُ النِّسَاءُ ثُمَّ يَرْكَبُ وَإِذَا نَذَرَ أَنْ يَعْتَمِرَ مَاشِيًا مَشَى حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَيَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَيَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ ".

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا النَّذْرُ فِي الْحَجِّ مَاشِيًا مُوَافِقٌ لِنَذْرِهِ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ مِنْ وَجْهَيْنِ، وَمَفَارِقٌ لَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ.
فَأَمَّا مَا يُوَافِقُهُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ: فَأَحَدُهُمَا: اشْتِرَاكُهُمَا فِي وجوب المشي فيهما، وسقوطه، وفيه وَجْهَانِ وَأَمَّا مَا يُفَارِقُهُ فِيهِ مِنَ الْوَجْهَيْنِ: فَأَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إِذَا نَذَرَ الْحَجَّ مَاشِيًا؛ تَعَيَّنَ نَذْرُهُ فِي الْحَجِّ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارٌ فِي الْعُمْرَةِ، وَإِذَا نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ، لَمْ يَتَعَيَّنْ نَذْرُهُ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَكَانَ لَهُ الْخِيَارُ فِي الْإِحْرَامِ بِحَجٍّ، أَوْ عُمْرَةٍ.
وَالثَّانِي: يَفْتَرِقَانِ فِي أَوَّلِ الْمَشْيِ وَآخِرِهِ، فَإِذَا نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا كَانَ آخِرُ الْمَشْيِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، وَأَوَّلُهُ مُخْتَلَفًا فِيهِ.
وَإِذَا نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ كَانَ أَوَّلُ الْمَشْيِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، وَآخِرُهُ مُخْتَلَفًا فِيهِ، فَإِذَا نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا فَفِي أَوَّلِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَشْيِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: مِنْ بَلَدِهِ إِذَا تَوَجَّهَ مِنْهُ لِحَجِّهِ اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ فِي حَجِّ الْمَاشِي فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ بِهِ مِنْ بَلَدِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ مِنْ مِيقَاتِهِ اعْتِبَارًا بِأَوَّلِ أَفْعَالِ الْحَجِّ وَأَرْكَانِهِ.
فَعَلَى هَذَا يُحْرِمُ بِهِ مِنْ مِيقَاتِهِ وَآخِرِ مَشْيِهِ إِذَا حَلَّ إِحْلَالَهُ الثَّانِي الَّذِي يَسْتَبِيحُ بِهِ جَمِيعَ مَا حَظَرَهُ الْإِحْرَامُ وَفِي إِحْلَالِهِ الثَّانِي قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: الرَّمْيُ؛ وَالْحَلْقُ؛ وَالطَّوَافُ؛ إِنْ قِيلَ: إِنَّ الْحَلْقَ نُسُكٌ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ بِشَيْئَيْنِ: الرَّمْيُ، وَالطَّوَافُ، إن قيل: إن الحق إِبَاحَةٌ بَعْدَ حَظْرٍ.
وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْكَبَ فِي أَيَّامِ مِنًى وَإِنْ كَانَ الرَّمْيُ فِيهَا بَاقِيًا عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ يَرْمِيهَا بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ حَجَّةٍ.
وَإِذَا نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ كَانَ أَوَّلُ مَشْيِهِ مِنْ بَلَدِهِ إِذَا تَوَجَّهَ، وَفِي آخِرِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: إِذَا وَصَلَ إِلَى الْبَيْتِ اعْتِبَارًا بِلَفْظِ نَذْرِهِ.
وَالثَّانِي: إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ طَوَافَ الْقُدُومِ اعْتِبَارًا بِأَوَّلِ قُرْبَةٍ.
وَالثَّالِثُ: إِذَا حَلَّ إِحْلَالَهُ الثَّانِي اعْتِبَارًا بِكَمَالِ نُسُكِهِ، فَإِنْ رَكِبَ فِي مَشْيِهِ الْمُسْتَحَقِّ كَانَ

فِي الْفِدْيَةِ عَلَى مَا مَضَى، وَإِذَا نَذَرَ أَنْ يَعْتَمِرَ مَاشِيًا كَانَ فِي أَوَّلِ مَشْيِهِ وَجْهَانِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْحَجِّ: أَحَدُهُمَا: مِنْ بَلَدِهِ، وَيُحْرِمُ مِنْهُ بِعُمْرَةٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: مِنْ مِيقَاتِهِ وَيُحْرِمُ مِنْهُ بِعُمْرَتِهِ، وَآخِرُ مَشْيِهِ إِذَا أَحَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ، وَفِيمَا يَتَحَلَّلُ بِهِ مِنْهُمَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: بِالطَّوَافِ، وَالسَّعْيِ، وَالْحَلْقِ، إِنْ قِيلَ إِنَّ الْحَلْقَ نُسُكٌ.
وَالثَّانِي: بِالطَّوَافِ، وَالسَّعْيِ، إِنْ قِيلَ: إِنَّ الْحَلْقَ إِبَاحَةٌ بَعْدَ حَظْرٍ.

(فَصْلٌ:)

وَإِذَا قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ الْحَجُّ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ انْصَرَفَ هَذَا إِلَى النَّذْرِ، فَانْعَقَدَ نَذْرُهُ بِالْحَجِّ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ، رُوعِيَ مَخْرَجُ لَفْظِهِ، فَإِنْ تَضَمَّنَ مَا يَدُلُّ عَلَى النَّذْرِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ مُجَازَاةً عَلَى اجْتِلَابِ نَفْعٍ، أَوْ دَفْعِ ضَرَرٍ، أَوْ شَرَطَ فِيهِ الْمَشْيَ الَّذِي لَا يَلْزَمُ مِنْ غَيْرِ النَّذْرِ انْصَرَفَ ذَلِكَ إِلَى النَّذْرِ، وَانْعَقَدَ نَذْرُهُ بِالْحَجِّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي لَفْظِهِ دَلِيلٌ عَلَى النَّذْرِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: لِلَّهِ عَلَيَّ الْحَجُّ، فَهُوَ مُحْتَمِلٌ أَنْ يُرِيدَ بِهِ نَذْرًا لِحَجٍّ، وَمُحْتَمِلٌ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْإِخْبَارَ بِفَرْضِ الْحَجِّ؛ فَوَجَبَ لِأَجْلِ هَذَا الِاحْتِمَالِ أَنْ يُرْجَعَ إِلَى الْمُرَادِ بِهِ، فَإِنْ أَرَادَ بِهِ النَّذْرَ كَانَ نَذْرًا، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ الْإِخْبَارَ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ فَرْضِ الْحَجِّ لَمْ يَكُنْ نَذْرًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِرَادَةٌ لَمْ يَنْعَقِدْ بِهِ النَّذْرُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ بِشَكْلٍ محتمل.

(مسألة:)

قال الشافعي: " وَلَوْ فَاتَهُ الْحَجُّ حَلَّ مَاشِيًا وَعَلَيْهِ حَجُّ قابلٍ مَاشِيًا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا أَحْرَمَ بِمَا نَذَرَهُ مِنَ الْحَجِّ مَاشِيًا، وَفَاتَهُ الْحَجُّ بِفَوَاتِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ إِمَّا بِإِحْصَارٍ أَوْ مَرَضٍ، أَوْ خَطَأٍ فِي عَدَدٍ أَوْ ضَلَالٍ فِي طَرِيقٍ فَلَا يَخْلُو حَجُّ نَذْرِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُطْلَقَ الزَّمَانِ، أَوْ مُعَيَّنًا فَإِنْ أَطْلَقَ زَمَانَهُ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِسَنَةٍ بِعَيْنِهَا، جَازَ لَهُ تَعْجِيلُهُ فِي أَوَّلِ عَامٍ، وَجَازَ لَهُ تَأْخِيرُهُ إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَعْوَامِ؛ لِأَنَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ أَوْكَدُ وَهِيَ عَلَى التَّرَاخِي فَكَانَ حَجُّ النَّذْرِ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ عَلَى التَّرَاضِي.
فَإِذَا أَحْرَمَ بِهِ فِي عَامٍ، وَمَشَى فِيهِ حَتَّى فَاتَهُ الْحَجُّ بِأَحَدِ مَا ذَكَرْنَا، وَجَبَ أَنْ يَتَحَلَّلَ مِنْهُ بعملة عُمْرَةٍ مِنْ طَوَافٍ، وَسَعْيٍ وَحِلَاقٍ، وَفِي لُزُومِ الْمَشْيِ فِيمَا يَتَحَلَّلُ بِهِ بَعْدَ الْفَوَاتِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَمْشِي فِيهِ لِاسْتِحْقَاقِهِ بِالنَّذْرِ وَهُوَ الَّذِي نَقَلَهُ الْمُزَنِيُّ هَاهُنَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْكَبَ فِيهِ؛ لِأَنَّ مَا يَتَحَلَّلُ بِهِ بَعْدَ الْفَوَاتِ غَيْرُ مُجْزِئٍ عَنْ نَذْرِهِ فَسَقَطَ الْمَشْيُ فِيهِ كَمَا سَقَطَ تَوَابِعُ الْوُقُوفِ مِنَ الرَّمْيِ وَالْمَبِيتِ ثُمَّ عَلَيْهِ قَضَاءُ

حَجَّةِ النَّذْرِ بِالْفَوَاتِ، كَمَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَقْضِيَ بِالْفَوَاتِ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ وَفِي زَمَانِ قَضَائِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: عَلَى التَّرَاخِي كَأَصْلِ النَّذْرِ.
وَالثَّانِي: عَلَى الْفَوْرِ فِي عَامَّةِ الْآتِي؛ لِأَنَّ إِحْرَامَهُ بِمَا فَاتَ قَدْ عَجَّلَ قَضَاءَ الْفَوَاتِ، وَعَلَيْهِ فِي الْقَضَاءِ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا كَالْأَدَاءِ، لِيَصِيرَ قَاضِيًا لِمَا كَانَ لَهُ مُؤَدِّيًا وَفِي اعْتِدَادِهِ بِمَشْيِهِ فِي الْحَجِّ الْفَائِتِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْأَظْهَرُ: لَا يُعْتَدُّ بِمَشْيِهِ فِيهِ، كَمَا لَا يُعْتَدُّ بِغَيْرِهِ مِنْ أَرْكَانِهِ، وَيَلْزَمُهُ الْعَوْدُ إِلَى بَلَدِهِ؛ لِإِحْرَامِهِ بِالْقَضَاءِ مِنْهُ، وَيَتَوَجَّهُ بَعْدَ إِحْرَامِهِ مِنْهُ مَا يَشَاءُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَعْتَدُّ بِمَشْيِهِ فِي الْفَائِتِ وَإِنْ لَمْ يَعْتَدَّ بِشَيْءٍ مِنْ أَرْكَانِهِ لِاخْتِصَاصِ الْمَشْيِ بِالنَّذْرِ دُونَ الشَّرْعِ؛ فَيَجُوزُ أَنْ يَرْكَبَ فِي حَجِّهِ الْقَضَاءِ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى مَحَلِّ الْفَوَاتِ ثُمَّ يَمْشِيَ فِي بَقِيَّةِ حَجِّهِ، حَتَّى يَتَحَلَّلَ مِنْهُ حَكَاهُ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَعَ ضَعْفِهِ.

(فَصْلٌ:)

وَإِنْ كَانَ نَذْرُهُ مُقَيَّدًا بِزَمَانٍ فِي سَنَةٍ بِعَيْنِهَا كَقَوْلِهِ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَحُجَّ مَاشِيًا فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ فِيهِ الْتِزَامًا لِمُوجِبِ نَذْرِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ عَنْهُ، وَفِي جَوَازِ تَقْدِيمِهِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ قَبْلَ وَقْتِهِ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ قَبْلَ وَقْتِهِ، إِذَا وُجِدَ شَرْطُ نَذْرِهِ كَمَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ وُجُوبِهَا، وَالْأَوْلَى بِهِ أَنْ يُحْرِمَ بِهِ فِي عَامِ نَذْرِهِ فإذا أحرم فيه ففاته الحج فيه وُجُوبِ قَضَائِهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَقْضِي كَغَيْرِ الْمُعَيِّنِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يَقْضِي؛ لِأَنَّ الْمُعَيَّنَ لَا يَتَمَاثَلُ فِي الْقَضَاءِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَا يَلْزَمُ قَضَاؤُهُ، لَزِمَهُ الْمَشْيُ فِي الْقَضَاءِ، وَفِي لُزُومِ الْمَشْيِ، فِيمَا يَتَحَلَّلُ بِهِ مِنْ حَجِّ فَوَاتِهِ، قَوْلَانِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
وَلَوْ أَخَّرَ الْحَجَّ الْمُعَيَّنَ عَنْ عَامَّةِ الْمُعَيَّنِ فَإِنْ أَخَّرَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَجَبَ قَضَاؤُهُ وَإِنْ أَخَّرَهُ لِعُذْرٍ فَفِي وجوب قضائه قولان كالفوات.
والله أعلم بالصواب.

بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا محمد وآله قال الشافعي: " وَلَوْ قَالَ عَلَيَّ أَنْ أَمْشِيَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الْمَشْيُ حَتَّى يَكُونَ بَرًّا فَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَشْيِ إِلَى غَيْرِ مَوَاضِعَ التَّبَرُّرِ برٌّ وَذَلِكَ مِثْلُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَأُحِبُّ لَوْ نَذَرَ إِلَى مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ أَوْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ أن يمشي واحتج بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى " ولا يبين لي أن يجب كما يبين لي أن واجباً المشي إلى بيت الله وذلك أن البر بإتيان بيت الله عز وجل فرضٌ والبر بإتيان هذين نافلةٌ ولو نذر أن يمشي إلى مسجد مصرٍ لم يجب عليه ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَا يَخْلُو إِذَا نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى مَكَانٍ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يُعَيِّنَ الْمَكَانَ الَّذِي يَمْشِي إِلَيْهِ أَوْ لَا يُعَيِّنَ فَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ مَكَانًا يَمْشِي إِلَيْهِ بِقَوْلٍ وَلَا نِيَّةٍ لَمْ يَنْعَقِدْ بِهِ نَذْرٌ ولم يلزمه مَشْيٌ؛ لِأَنَّهُ لَا قُرْبَةَ فِي الْمَشْيِ وَلَا بِرَّ وَلَا يَلْزَمُ بِالنَّذْرِ إِلَّا مَا كَانَ بِرًّا؛ وَإِنْ عَيَّنَ فِي نَذْرِهِ الْمَكَانَ الَّذِي يَمْشِي إِلَيْهِ بِقَوْلٍ ظَاهِرٍ، أَوْ نِيَّةٍ مُضْمَرَةٍ، فله فيه ثلاثة أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَنْذِرَ الْمَشْيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ إِلَى مَكَّةَ، أَوْ إِلَى مَوْضِعٍ مِنْ جَمِيعِ الْحَرَمِ فَقَدْ ذَكَرْنَا انْعِقَادَ نَذْرِهِ بِهِ لِمَا خَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ وُجُوبِ قَصْدِهِ فِي الشَّرْعِ؛ فَوَجَبَ قَصْدُهُ بِالنَّذْرِ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ فِي قَصْدِهِ أَنْ يُحْرِمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ قَصْدُهُ إِلَّا بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَنْذِرَ الْمَشْيَ إِلَى مَسْجِدٍ لَمْ يَخْتَصَّ بِعِبَادَةٍ شَرْعِيَّةٍ كَنَذْرِ الْمَشْيِ إِلَى مَسْجِدٍ بِالْبَصْرَةِ، أَوْ مَسْجِدٍ بِالْكُوفَةِ فَلَا يَنْعَقِدُ بِهِ النَّذْرُ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِمَسْجِدِ الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ اخْتِصَاصٌ بِطَاعَةٍ لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْمَسَاجِدِ.
فَلَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِ الْبَصْرَةِ؛ انْعَقَدَ نَذْرُهُ بِالصَّلَاةِ وَلَمْ يَنْعَقِدْ بِجَامِعِ الْبَصْرَةِ، وَجَازَ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ نَذْرِهِ بِالْبَصْرَةِ وَغَيْرِ الْبَصْرَةِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَنْذِرَ الْمَشْيَ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَهُوَ مَسْجِدُ بَيْتِ

الْمَقْدِسِ، أَوْ يَنْذِرَ الْمَشْيَ إِلَى مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَفِي انْعِقَادِ نَذْرِهِ بِالْمَشْيِ إِلَيْهِمَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْمَنْقُولُ هَاهُنَا، وَالْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْأُمِّ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَنَّ نَذْرَهُ لَا يَنْعَقِدُ بِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ إِلَيْهِ لِرِوَايَةِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي نَذَرْتُ إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ مَكَّةَ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ رَكْعَتَيْنِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " صَلِّ هَاهُنَا ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ صَلِّ هَاهُنَا ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ قَالَ شَأْنُكَ " إِذَنْ فَلَوْ وَجَبَ هَذَا النَّذْرُ؛ لَبَدَأَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِالْأَمْرِ بِهِ وَلِأَنَّهُمَا لَا يَجِبُ قَصْدُهُمَا بِالشَّرْعِ؛ فَلَمْ يَجِبْ قَصْدُهُمَا بِالنَّذْرِ كَسَائِرِ الْمَسَاجِدِ مِنْ جَمِيعِ الْأَمْصَارِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ لَمْ يَقْرِنْ بِالْمَشْيِ إِلَيْهَا عِبَادَةً سَقَطَ حُكْمُ النَّذْرِ، وَإِنْ قَرَنَ بِالْمَشْيِ إِلَيْهَا عِبَادَةً شَرْعِيَّةً مِنْ صَلَاةٍ، أَوْ صِيَامٍ، أَوِ اعْتِكَافٍ لَزِمَهُ مَا نَذَرَ مِنْ صَلَاةٍ أَوْ صِيَامٍ أَوِ اعْتِكَافٍ وَلَمْ يَلْزَمْهُ نَذْرُهُ فِي الْمَشْيِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، وَجَازَ أَنْ يُصَلِّيَ، وَيَصُومَ فِي مسجدٍ، وَغَيْرِ مسجدٍ، وَجَازَ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: نَصَّ عَلَيْهِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْبُوَيْطِيِّ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ: إِنَّ نَذْرَهُ بِالْمَشْيِ إِلَيْهِمَا مُنْعَقِدٌ وَالْوَفَاءَ بِهِ وَاجِبٌ؛ لِرِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مساجدٍ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَمَسْجِدِي " هَذَا فَنَفَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - شَدَّ الرَّحَالِ وُجُوبًا إِلَّا إِلَيْهَا؛ فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِ شَدِّهَا إِلَى هَذِهِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ وَلِأَنَّهُمَا قَدْ كَانَا مَقْصُودَيْنِ فِي الشَّرْعِ بِعِبَادَةٍ وَاجِبَةٍ.
وَأَمَّا الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى؛ فَقَدْ كَانَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ قِبْلَةً يُصَلَّى إِلَيْهِ.
وَأَمَّا مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ فقد كان مقصوداً بوجوب الهجرة إليه؛ ففارقها مَا عَدَاهُمَا مِنْ سَائِرِ مَسَاجِدِ الْأَمْصَارِ فِي حُكْمِ الشَّرْعِ؛ فَفَارَقَاهَا أَيْضًا فِي حُكْمِ النَّذْرِ.
فَعَلَى هَذَا لَا يَخْلُو نَذْرُهُ فِي الْمَشْيِ إِلَيْهَا مِنْ أَنْ يَتَضَمَّنَ عِبَادَةً فِيهِ، أَوْ لَا يَتَضَمَّنَ عِبَادَةً فِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَتَضَمَّنْ فِيهِ عِبَادَةً وَاقْتَصَرَ عَلَى أَنَّ نَذْرَ الْمَشْيِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ؛ لَزِمَهُ الْمَشْيُ إِلَيْهِمَا، وَفِي الْتِزَامِهِ فِعْلَ الْعِبَادَةِ فِيهِمَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَلْزَمُهُ غَيْرُ قَصْدِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ بِنَذْرِهِ، وَيَكُونُ النَّذْرُ مَقْصُورًا عَلَى التَّبَرُّرِ بِقَصْدِهِمَا وَالْمُشَاهَدَةِ لَهُمَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَلْزَمُهُ فِي الْقَصْدِ إِلَيْهِمَا فِعْلُ عِبَادَةٍ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ الْمَسَاجِدَ إِنَّمَا تُقْصَدُ لِلْعِبَادَةِ دُونَ الْمُشَاهَدَةِ.
فَعَلَى هَذَا فِيمَا يَلْزَمُهُ مِنَ الْعِبَادَةِ فِيهِمَا وَجْهَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِيمَا شَاءَ مِنْ صَلَاةٍ أَوْ صِيَامٍ أَوِ اعْتِكَافٍ؛ لِأَنَّ جَمِيعَهَا عِبَادَاتٌ يُتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَلْزَمُهُ فِيهِمَا الصَّلَاةُ خَاصَّةً لِاخْتِصَاصِ الْمَسَاجِدِ بِالصَّلَاةِ عُرْفًا فَاخْتُصَّ بِهِمَا نَذْرًا وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي غَيْرِهِ "، وَإِنْ عَيَّنَ فِي نَذْرِهِ مَا يَفْعَلُهُ مِنَ الْعِبَادَاتِ فِي هَذَيْنِ الْمَسْجِدَيْنِ فَقَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُصَلِّيَ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، أَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ فِيهِمَا، أَوْ أَصُومَ فِيهِمَا انْعَقَدَ نَذْرُهُ بِالْقَصْدِ، وَانْعَقَدَ نَذْرُهُ بِالْعِبَادَةِ وَلَزِمَتْهُ الْعِبَادَةُ الَّتِي عَيَّنَهَا مِنْ صَلَاةٍ أَوْ صِيَامٍ أَوِ اعْتِكَافٍ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَعْدِلَ عَنْهَا إِلَى غَيْرِهَا.
فَإِذَا نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَأَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ انْعَقَدَ نَذْرُهُ بِالْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا.
أَمَّا الْمَشْيُ إِلَيْهِ فَفِي وُجُوبِهِ وَجْهَانِ كَالْمَشْيِ إِلَى الْحَرَمِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَجِبُ وَيَكُونُ مَحْمُولًا عَلَى الْقَصْدِ فَإِنْ مَشَى أَوْ رَكِبَ جَازَ، وَإِنْ كَانَ الْمَشْيُ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ أَفْضَلَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ المشي إليه واجب وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْكَبَ اعْتِبَارًا بِصَرِيحِ لَفْظِهِ فِي نَذْرِهِ فَعَلَى هَذَا إِنْ رَكِبَ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَمْشِ فَفِي إِجْزَائِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يُجْزِئُهُ إِذَا قِيلَ: إِنَّ نَذْرَهُ مَقْصُورٌ عَلَى الْوُصُولِ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِالْمَشْيِ هُوَ الْعِبَادَةُ الْمَقْصُودَةُ، وَعَلَيْهِ إِعَادَةُ قَصْدِهِ إِلَيْهِ مَاشِيًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُجْزِئُهُ إِذَا قِيلَ: إِنَّهُ يَلْتَزِمُ بِقَصْدِهِ فِعْلَ عِبَادَةٍ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ الْمَقْصُودُ بِالنَّذْرِ هُوَ فِعْلُ الْعِبَادَةِ فِيهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَجْبُرَ تَرْكَ الْمَشْيِ بِفِدْيَةٍ، كَمَا قِيلَ: في المشي إلى الحرم لاختصاص الفدية يجبران الْحَجِّ، دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْعِبَادَاتِ.
فَأَمَّا الصَّلَاةُ فيه فقد لزمته بالنذر في اسْتِحْقَاقِ فِعْلِهَا فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا مُسْتَحَقَّةٌ فِيهِ فَإِنْ صَلَّاهَا فِي غَيْرِهِ مِنَ الْمَسَاجِدِ؛ لَمْ يُجْزِهِ إِذَا قِيلَ إِنَّهُ يَلْتَزِمُ بِقَصْدِهِ فِعْلَ عِبَادَةٍ فِيهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ غَيْرُ مستحق فيه؛ فإن صلاها في غير أَجْزَأَهُ لِأَنَّهُ لَا يَلْتَزِمُ بِقَصْدِهِ فِعْلَ غَيْرِهِ، وَالْأَظْهَرُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ لُزُومُ صَلَاتِهِ فِيهِ، وَأنَّهَا لَا تُجْزِئُهُ فِي غَيْرِهِ.

(فَصْلٌ:)

وَإِذَا نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ بِمِنًى فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ لَمْ يَلْزَمْهُ بِهَذَا النَّذْرِ أَكْثَرُ مِنْ صَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْحَرَمِ الَّذِي حُرْمَتُهُ مُشْتَرَكَةٌ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْحَرَمِ لَزِمَهُ هَذَا النَّذْرُ، كَمَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى الْحَرَمِ وَفِيمَا يَنْعَقِدُ بِهِ نذره وجهان:

أَحَدُهُمَا: يَنْعَقِدُ بِمَا نَذَرَهُ مِنَ الصَّلَاةِ فِي الْحَرَمِ إِذَا قِيلَ: إِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ دُخُولُ الحرم.
أَحَدُهُمَا: لَا تَتَعَيَّنُ وَيَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَهَا فِي أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ مِنَ الْحَرَمِ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ جَمِيعِ الْحَرَمِ وَاحِدَةٌ، وَلَأَنْ يُشَاهِدَ الْكَعْبَةَ فِي صَلَاتِهِ أَفْضَلُ مِنْ أَنْ لَا يُشَاهِدَهَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " النَّظَرُ إِلَى الْكَعْبَةِ عبادةٌ ". وَالثَّانِي: يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ فِعْلُهَا فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ، وَلَا يُجْزِئُهُ فِي غَيْرِهِ اعْتِبَارًا بِصَرِيحِ نَذْرِهِ وَإِنْ نَذَرَ الصَّلَاةَ في المسجد الأقصى؛ لا تجزئه فِي غَيْرِهِ؛ لِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " لَوْ كُنْتُ امْرَأً مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ مَا أَتَى عَلَيَّ سَبْتٌ حَتَّى آتِيَ مَسْجِدَ الْخَيْفِ فَأُصَلِّيَ فِيهِ فَهَذَا حُكْمُ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ إِذَا قِيلَ: إِنَّ نَذْرَهُ مُنْعَقِدٌ بِمَا نَذَرَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَلْتَزِمَ بِانْعِقَادِ نَذْرِهِ أَنْ يُحْرِمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ إِذَا قِيلَ: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ دُخُولُ الْحَرَمِ إِلَّا بِإِحْرَامٍ، فَعَلَى هَذَا فِي الْتِزَامِهِ مَا عَقَدَ بِهِ نَذْرَهُ مِنَ الصَّلَاةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَلْزَمُهُ فِعْلُ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ قَدْ نَقَلَ نَذْرَهُ إِلَى مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ، فَلَمْ يَجْمَعْ عَلَيْهِ بَيْنَ بَدَلٍ، وَمُبْدَلٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ فِعْلَ الصَّلَاةِ لَا تَسْقُطُ عَنْهُ لِأَنَّهُ مُلْتَزِمٌ بِهَا بِنَذْرِهِ، وَمُلْتَزِمُ الْإِحْرَامِ بِدُخُولِ الْحَرَمِ، فصارت الصلاة واجب عليه بالنذر، والإحرام واجبة عَلَيْهِ بِالشَّرْعِ، فَلَمْ يَجْتَمِعْ فِيهِ بَدَلٌ وَمُبْدَلٌ والله أعلم.

(مسألة:)

قال الشافعي: " وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَنْحَرَ بِمَكَّةَ لَمْ يُجْزِئْهُ بِغَيْرِهَا وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَنْحَرَهُ بِغَيْرِهَا لَمْ يُجْزِئْهُ إِلَّا حَيْثُ نَذَرَ لِأَنَّهُ وَجَبَ لِمَسَاكِينِ ذَلِكَ الْبَلَدِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَمَّا نَذْرُ النَّحْرِ فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَنْذِرَ النَّحْرَ لِنَفْسِهِ، فَلَا يَنْعَقِدُ بِهِ النَّذْرُ، وَلَا يَلْزَمُ فِيهِ الْوَفَاءُ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ مَا اخْتَصَّ بِالْقُرْبَةِ وَلَا نَذْرَ فِيمَا تَجَرَّدَ عَنْهَا، وَهَذَا عَائِدٌ إِلَيْهِ فَتَجَرَّدَ عَنْ قُرْبَةٍ فَلَمْ يَلْزَمْ كَمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يَأْكُلَ طَعَامًا، أَوْ يَلْبَسَ ثَوْبًا.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَنْذِرَ نَحْرَهُ لِلْمَسَاكِينِ؛ فَهَذَا نَذْرٌ لَازِمٌ لِاخْتِصَاصِهِ بِالْقُرْبَةِ، فَإِنْ نَذَرَهُ لِقَوْمٍ مُعَيَّنِينَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَعْدِلَ إِلَى غَيْرِهِمْ، وَلَزِمَهُ نَحْرُهُ قَبْلَ دَفْعِهِ إِلَيْهِمْ وَإِنْ دَفَعَهُ حَيًّا إِلَيْهِمْ لَمْ يَجُزْ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لِمَا فِي إِرَاقَةِ دَمِ الْهَدْيِ مِنَ الْقُرْبَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ جَعَلَ حَقَّهُمْ فِي لَحْمِهِ، وَيَدْفَعُ إِلَيْهِمْ لَحْمَهُ نِيئًا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُطْبَخَ قَبْلَ دَفْعِهِ إِلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ انْتِفَاعَهُمْ بِهِ نِيئًا يصنعون به ما شاؤوا أَعَمُّ مِنِ انْتِفَاعِهِمْ بِهِ

مَطْبُوخًا؛ فَإِنْ دَفَعَهُ إِلَيْهِمْ مَطْبُوخًا صَارَ مُتَعَدِّيًا فِي حَقِّهِمْ، فَضَمِنَ لَهُمْ بَيْنَ قِيمَتِهِ نِيئًا وَمَطْبُوخًا إِنْ كَانَ الطَّبْخُ قَدْ نَقَصَ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ مُسْتَحِقُّهُ مِنَ الْمَسَاكِينِ جَازَ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ إِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً فَصَاعِدًا، وَيَجُوزُ أَنْ يُسَاوِيَ بَيْنَهُمْ وَيُفَاضِلَ؛ فَإِنْ نَذَرَ نَحْرَهُ لِأَغْنِيَاءَ خَاصَّةً مُعَيَّنِينَ، أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنِينَ، نُظِرَ فَإِنِ اقْتَرَنَ بِهِ نَوْعٌ مِنَ الْقُرْبِ لِيَتَأَسَّى بِهِ الْأَغْنِيَاءُ فِي التَّوَسُّعِ؛ لَزِمَ نَذْرُهُ، وَإِنْ تَجَرَّدَ عَنِ الْقُرْبَةِ وَقُصِدَ بِهِ الْمُبَاهَاةُ، وَالتَّطَوُّلُ، لَمْ يَلْزَمْ نَذْرُهُ فَلَوْ أَطْلَقَ مَنْ نَذَرَ نَحْرَهُ لَهُمُ انْصَرَفَ إِلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ دُونَ الْأَغْنِيَاءِ؛ لِاخْتِصَاصِهِمْ بِالْقُرَبِ، وحاز أَنْ يُصْرَفَ فِي سِتَّةِ أَصْنَافٍ فِي مُسْتَحِقِّي الزَّكَاةِ مِنَ الْفُقَرَاءِ، وَالْمَسَاكِينِ، وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ، وَسَقَطَ مِنْهُمْ صِنْفَانِ، الْعَامِلُونَ عَلَيْهَا، وَالْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يُطْلِقَ نَذْرَ نَحْرِهِ فَلَا يَجْعَلُهُ لِنَفْسِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ فَيُحْمَلُ مَعَ الْإِطْلَاقِ عَلَى الْعُرْفِ الْمَقْصُودِ بِالنَّذْرِ وَعُرْفُ النَّذْرِ مُتَوَجِّهٌ إِلَى غَيْرِهِ، فَصَارَ نَذْرُ نَحْرِهِ لِغَيْرِهِ، فَيَنْعَقِدُ النَّذْرُ لَازِمًا.

(فصل:)

فإذا تقرر بما فصلناه وُجُوب نَحْرِهِ، وَتَفْرِقَة لَحْمِهِ انْتَقَلَ الْكَلَامُ إِلَى محل النحر، وتفرقه اللحم، وهي عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُعَيِّنَ نَحْرَهُ فِي الْحَرَمِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُعَيِّنَ نَحْرَهُ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُطْلِقَ مَحَلَّ نَحْرِهِ، وَلَا يُعَيِّنَ فِي حِلٍّ وَلَا حَرَمٍ.
فَأَمَّا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ؛ إِذَا عَيَّنَ نَحْرَهُ فِي الْحَرَمِ فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَنْذِرَ نَحْرَهُ فِي الْحَرَمِ، وَتَفْرِقَةَ لَحْمِهِ فِي الْحَرَمِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فِي الْحَرَمِ النَّحْرِ وَتَفْرِقَةِ اللَّحْمِ فَإِنْ نَحَرَهُ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ، أَوْ فَرَّقَ لَحْمَهُ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ لَمْ يَجُزْ، وَكَانَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قُرْبَةٌ مَقْصُودَةٌ بِالنَّذْرِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَنْذِرَ نَحْرَهُ فِي الْحَرَمِ، وَتَفْرِيقَ لَحْمِهِ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ فَقَدْ صَارَ مُعَيَّنًا لِمَسَاكِينِ غَيْرِ الْحَرَمِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُفَرِّقَهُ فِي مَسَاكِينِ الْحَرَمِ وَفِي وُجُوبِ نَحْرِهِ فِي الْحَرَمِ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَحَدُهُمَا: يَجِبُ نَحْرُهُ فِيهِ؛ لِانْعِقَادِ نَذْرِهِ بِهِ مَعَ اخْتِصَاصِ الْحَرَمِ بِقُرْبَةِ النَّحْرِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يَجِبُ نَحْرُهُ فِيهِ؛ اعْتِبَارًا بِمُسْتَحِقِّي لَحْمِهِ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ نَحْرُهُ فِي الْحَرَمِ إِنْ وَصَلَ إِلَيْهِمْ طَرِيًّا، وَلَا يُسْتَحَبُّ إِنْ لَمْ يَصِلْ طَرِيًّا.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أن ينذره نَحْرَهُ فِي الْحَرَمِ وَيُطْلِقَ تَفْرِيقَ لَحْمِهِ، وَلَا يَجْعَلُهُ لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ وَلَا لِغَيْرِهِمْ، فَيَلْزَمُهُ نَحْرُهُ فِي الْحَرَمِ عَلَى مُوجِبِ نَذْرِهِ.

وَفِي تَفْرِيقِ لَحْمِهِ وَجْهَانِ، حَكَاهُمَا الْإِسْفَرَايِينِيُّ أَصَحُّهُمَا فِي الْحَرَمِ اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَلَى خِيَارِهِ فِي تَفْرِيقِهِ فِي الْحَرَمِ وَغَيْرِهِ اعْتِبَارًا بِالْإِطْلَاقِ.

(فَصْلٌ:)

وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يُعَيِّنَ نَحْرَهُ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ كَأَنَّهُ عَيَّنَ نَحْرَهُ بِالْبَصْرَةِ فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ أيضاً: أحدهما: أَنْ يَنْذِرَ نَحْرَهُ بِالْبَصْرَةِ، وَتَفْرِيقَ لَحْمِهِ بِالْبَصْرَةِ، فَقَدْ لَزِمَهُ بِالنَّذْرِ تَفْرِيقُ لَحْمِهِ بِالْبَصْرَةِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ لِمَسَاكِينِهَا، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُفَرِّقَهُ فِي غَيْرِهِمْ، وَفِي وُجُوبِ نَحْرِهِ بِالْبَصْرَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ الْمُزَنِيُّ، أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَنْحَرَهُ بِالْبَصْرَةِ، وَيَصِيرُ النَّحْرُ بِهَا لَازِمًا بِالنَّذْرِ، كَمَا لَوْ نَذَرَ نَحْرَهُ بِالْحَرَمِ، فَإِنْ نَحْرَهُ بِغَيْرِ الْبَصْرَةِ ضَمِنَهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَلْزَمُهُ نَحْرُهُ بِالْبَصْرَةِ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ دَخَلَ فِي نَذْرِهِ فَلَيْسَ لِلنَّحْرِ بِالْبَصْرَةِ قُرْبَةٌ، لَا تُوجَدُ بِغَيْرِهَا، وَلِلنَّحْرِ بِمَكَّةَ قُرْبَةٌ لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهَا؛ لِاخْتِصَاصِهَا بِنَحْرِ الْهَدَايَا؛ فَلِذَلِكَ تَعَيَّنَ النَّحْرُ فِي الْحَرَمِ، وَلَمْ يَتَعَيَّنْ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَنْذِرَ نَحْرَهُ بِالْبَصْرَةِ وَتَفْرِيقَ لَحْمِهِ فِي غَيْرِ الْبَصْرَةِ، فَلَا يَلْزِمُهُ نَحْرُهُ بِالْبَصْرَةِ، إِذَا كَانَ تَفْرِيقُ لَحْمِهِ مُسْتَحَقًّا فِي غَيْرِهَا، لِأَنَّهُ لَا فَضْلَ لِنَحْرِهِ فِيهَا عَلَى نَحْرِهِ فِي غَيْرِهَا، بِخِلَافِ نَحْرِهِ فِي الْحَرَمِ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ، وَلَا يَلْزَمُهُ نَحْرُهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ فِيهِ تَفْرِيقَهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مستقر فِي نَذْرِهِ، وَلَهُ نَحْرُهُ حَيْثُ شَاءَ وَإِنْ كَانَتِ الْبَصْرَةُ لِأَجْلِ التَّسْمِيَةِ أَوْلَى، وَإِذَا وَصَلَ لَحْمُهُ طَرِيًّا إِلَى مُسْتَحَقِّهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ ينذره نَحْرَهُ بِالْبَصْرَةِ، وَيُطْلِقَ تَفْرِقَةَ لَحْمِهِ، فَلَا يَجْعَلُهُ لِمَسَاكِينِ الْبَصْرَةِ وَلَا لِغَيْرِهِمْ.
فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: يَلْزَمُهُ نَحْرُهُ بِالْبَصْرَةِ، وَتَفْرِقَةُ لَحْمِهِ بِالْبَصْرَةِ، اعْتِبَارًا بِالنَّذْرِ وَالْعُرْفِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَلْزَمُهُ نَحْرُهُ بِالْبَصْرَةِ، وَيَجُوزُ تَفْرِقَةُ لَحْمِهِ فِي غَيْرِ الْبَصْرَةِ، اعْتِبَارًا بِالنَّذْرِ دُونَ الْعُرْفِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: يَلْزَمُهُ تَفْرِقَةُ لَحْمِهِ بِالْبَصْرَةِ، وَيَجُوزُ لَهُ نَحْرُهُ فِي غَيْرِ الْبَصْرَةِ، اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ دُونَ النَّذْرِ، لِأَنَّهُ لَا فَضِيلَةَ فِي تَعْيِينِهَا بِالنَّذْرِ.
(فَصْلٌ:) وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ يُطْلِقَ مَحَلَّ نَحْرِهِ، فَلَا يُعَيِّنُهُ فِي الْحَرَمِ، وَلَا

فِي غَيْرِهِ فَفِيهِ قَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلِيِ الشَّافِعِيِّ فِي زَكَاةِ الْمَالِ.
هَلْ يَكُونُ مَصْرِفُهَا فِي بَلَدِ الْمَالِ مُسْتَحَقًّا؟ أَوْ مُسْتَحَبًّا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مُسْتَحَبٌّ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ نَحْرُ نَذْرِهِ، وَتَفْرِقَةُ لَحْمِهَا مُسْتَحَبًّا فِي بَلَدِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَعْدِلَ بِهِمَا إِلَى غَيْرِهِ فَيَنْحَرُ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ وَيُفَرِّقُ لَحْمَهُ فِي مَسَاكِينِ غَيْرِ بَلَدِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ مَصْرِفَ الزَّكَاةِ فِي بَلَدِهِ مُسْتَحَقٌّ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ تَفْرِقَةُ لَحْمِهِ فِي مَسَاكِينِ بَلَدِهِ مُسْتَحَقًّا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْدِلَ بِهِمْ إِلَى غَيْرِهِمْ، وَفِي وُجُوبِ نَحْرِهِ فِي بَلَدِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجِبُ.
وَالثَّانِي: يستحب، وتعليلهما قد تقدم.

(مسألة:)

قال الشافعي: " وإذا نَذَرَ أَنْ يَأْتِيَ إِلَى موضعٍ مِنَ الْحَرَمِ مَاشِيًا أَوْ رَاكِبًا فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ الْحَرَمَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ إِذَا نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى مَوْضِعٍ مِنَ الْحَرَمِ، انْعَقَدَ نَذْرُهُ، وَلَزِمَهُ أَنْ يَمْشِيَ إِلَيْهِ حَاجًّا، أَوْ مُعْتَمِرًا، سَوَاءٌ كَانَ مَا سماه من مواضع لحرم مُخْتَصًّا بِنُسُكٍ، أَمْ لَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ إِلَّا إِذَا نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، أَوْ إِلَى مَكَّةَ، وَلَا يَنْعَقِدُ بِذِكْرِ غَيْرِهَا مِنْ بِقَاعِ الْحَرَمِ احْتِجَاجًا بِأَنَّ مَا عَدَاهُمَا مِنَ الْحَرَمِ، لَا يَلْزَمُ إِتْيَانُهُمَا شَرْعًا، فَلَمْ يَلْزَمْ إِتْيَانُهَا نَذْرًا كالحل، ودليلنا قول الله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ إِلَّا مَا خَصَّهُ دَلِيلٌ، وَلِأَنَّهُ مَوْضِعٌ يَلْزَمُ الْإِحْرَامُ لَهُ، فَانْعَقَدَ النَّذْرُ بِهِ كَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَلِأَنَّهُ مَوْضِعٌ يُلْزِمُ جَزَاءَ صَيْدٍ، فَانْعَقَدَ النَّذْرُ بِقَصْدِهِ قِيَاسًا عَلَى مَكَّةَ، وَفَارَقَ الْحِلَّ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَلِأَنَّ الْحَرَمَ أَعَمُّ، فكان النذر به ألزم.
(مسألة:) قال الشافعي: " وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَأْتِيَ عَرَفَةَ أَوْ نَمِرَةً أَوْ مِنًى أَوْ قَرِيبًا مِنَ الْحَرَمِ لَمْ يَلْزَمْهُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى مَوْضِعٍ مِنَ الْحِلِّ، لَمْ يَنْعَقِدْ بِهِ النَّذْرُ سَوَاءٌ تَعَلَّقَ بِهِ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ شَيْءٌ، أَوْ لَمْ يَتَعَلَّقْ كَعَرَفَةَ، وَالْمَوَاقِيتِ لِأَنَّهَا حِلٌّ لَا يُضْمَنُ صَيْدُهَا، وَلَا يَلْزَمُ الْإِحْرَامُ لَهَا، فَسَاوَتْ غَيْرَهَا مِنْ بِقَاعِ الْحِلِّ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ قَصْدُهَا مُقْتَرِنًا بِغَيْرِهَا مِنِ انْعِقَادِ النُّسُكِ، الَّذِي أَوْجَبَ قَصْدَهَا، وَعَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ يَلْزَمُ أَنْ يَجِبَ النَّذْرُ بِالْمَشْيِ إِلَى عَرَفَةَ، وَلِأَنَّ قَصْدَهَا يَجِبُ بِالشَّرْعِ، فَوَجَبَ النَّذْرُ.

فَأَمَّا الْمَوَاقِيتُ فَلَا يَقْتَضِي لُزُومُ النَّذْرِ بِقَصْدِهَا، لِانْعِقَادِ الْإِحْرَامِ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا، وَلَوْ قِيلَ بِوُجُوبِ النَّذْرِ بِقَصْدِ عَرَفَةَ، كَانَ مَذْهَبًا وَيَكُونُ الْمُنْعَقِدُ بِنَذْرِهِ الْحَجَّ، دُونَ الْعُمْرَةِ، لِاخْتِصَاصِ عَرَفَةَ بِالْحَجِّ، والله أعلم.

(مسألة:)

قال الشافعي: " وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَهْدِيَ مَتَاعًا لَمْ يُجْزِئْهُ إِلَّا أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ فَإِنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ أَنْ يُعَلِّقَهُ سِتْرًا عَلَى الْبَيْتِ أَوْ يَجْعَلَهُ فِي طِيبِ الْبَيْتِ جَعَلَهُ حيث نواه ". قال الماوردي: وهذا صحيح النَّذْرُ فِي الْمَتَاعِ الْمَنْقُولِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَجْعَلَ هَذَا الْمَتَاعَ هَدْيًا، فَيَتَوَجَّهُ مُطْلَقُ هَذَا الْهَدْيِ إِلَى وُجُوبِ نَقْلِهِ إِلَى الْحَرَمِ، لِأَنَّهُ مَحِلُّ الْهَدْيِ فِي الشَّرْعِ، فَانْصَرَفَ إِلَيْهِ فِي النَّذْرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {هَدْياً بَالِغَ الكَعْبَةِ) {المائدة: 95) . وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَهْدِيَ هَذَا الْمَتَاعَ، وَلَا يَجْعَلُهُ هَدْيًا فَقَدْ تَقَابَلَ فِيهِ عُرْفَانِ، عُرْفُ اللَّفْظِ أَنْ يَكُونَ هَدِيَّةً، وَعُرْفُ الشَّرْعِ أَنْ يَكُونَ هَدْيًا، فَإِنْ أَرَادَ عُرْفَ اللَّفْظِ أَنْ يَكُونَ هَدِيَّةً بَيْنَ الْمُتَوَاصِلَيْنِ، لَمْ يَنْعَقِدْ بِهِ النَّذْرُ إِلَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بقربه يختص بِثَوَابٍ وَإِنْ أَرَادَ بِهِ عُرْفَ الشَّرْعِ أَنْ يَكُونَ هَدْيًا، وَجَبَ عَلَيْهِ إِيصَالُهُ إِلَى الْحَرَمِ، وَإِنْ أَطْلَقَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إِرَادَةٌ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُحْمَلُ عَلَى عُرْفِ الشَّرْعِ، فَيَكُونُ هَدْيًا يُوصِلُ إِلَى الْحَرَمِ، فَيَصِيرُ النَّذْرُ بِهِ مُنْعَقِدًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُحْمَلَ عَلَى عُرْفِ اللَّفْظِ، لِأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَنَ بِهِ عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ فَيَكُونُ هَدِيَّةً وَلَا يَكُونُ هَدْيًا فَلَا يَنْعَقِدُ بِهِ النَّذْرُ، لِأَنَّ النَّذْرَ لَا يَلْزَمُ مَعَ الِاحْتِمَالِ.

(فَصْلٌ:)

فَإِذَا صَحَّ انْعِقَادُ هَذَا النَّذْرِ، وَجَبَ إِيصَالُهُ إِلَى الْحَرَمِ وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أقسام: أحدهما: أَنْ يَجْعَلَهُ لِلْكَعْبَةِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَخُصَّ بِهِ الْكَعْبَةَ، وَلَا يَصْرِفَهُ إِلَى الْمَسَاكِينِ، فَإِنْ كَانَ ثَوْبًا كَسَاهَا بِهِ، وَجَعَلَهُ سِتْرًا عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ طِيبًا جَعَلَهُ طِيبًا لَهَا، وَإِنْ كَانَ شَمْعًا أَشْعَلَهُ لَهَا، وَإِنْ كَانَ ذَهَبًا جَعَلَهُ لِمَصَابِيحِهَا، وَإِنْ كَانَ مِنْ صُنُوفِ الْمَتَاعِ الَّتِي لَا تُسْتَعْمَلُ فِي الْكَعْبَةِ، بَاعَهُ وَصَرَفَ ثَمَنَهُ فِي مَصَالِحِهَا.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَجْعَلَهُ لِأَهْلِ الْحَرَمِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصْرِفَهُ فِي مَصَالِحِ الْكَعْبَةِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَصْرِفَهُ فِي الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَهُمْ دُونَ الْأَغْنِيَاءِ، لِأَنَّهُمْ أَهْلُ الصَّدَقَاتِ، وَفِي جَوَازِ صَرْفِهِ فِي ذَوِي الْقُرْبَى مِنْهُمْ وَجْهَانِ:

أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ لِوُجُوبِهِ كَالزَّكَوَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ صَرْفُهُ فِيهِمْ، لِأَنَّهُ تَطَوَّعَ بِنَذْرِهِ فَأَشْبَهَ تَطَوُّعَ الصَّدَقَاتِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يُطْلِقَ نَذْرَهُ، فَلَا يَجْعَلُهُ مُخْتَصًّا بِمَصَالِحِ الْكَعْبَةِ، وَلَا مَصْرُوفًا فِي مَسَاكِينِ الْحَرَمِ، فَيَجِبُ صَرْفُهُ إِلَى الْمَسَاكِينِ، لِأَنَّهُمْ أَهْلُ الصَّدَقَاتِ فِي الشَّرْعِ، فَكَانُوا أَحَقَّ بِقُرْبِ النَّذْرِ فَعَلَى هَذَا يُنْظَرُ فِي مَتَاعِ النَّذْرِ، فَإِنْ كَانَ تَفْرِيقُهُ عَلَيْهِمْ مُمْكِنًا، وَنَافِعًا، كَالطَّعَامِ وَالثِّيَابِ وَجَبَ تَفْرِيقُهُ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ، وَصَرْفُ ثَمَنِهِ فِيهِمْ، كَمَا لَوْ كَانَتْ دَرَاهِمَ، أَوْ دَنَانِيرَ، لِأَنَّ إِخْرَاجَ الْقِيَمِ، فِيمَا اسْتُحِقَّ أَعْيَانُهُ لَا يَجُوزُ، كَالزَّكَوَاتِ.
وَإِنْ كَانَ الْمَتَاعُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ تَفْرِيقُهُ فِيهِمْ لِأَنَّهُ بِغَيْرِهِ أَنْفَعُ كَالطِّيبِ وَاللُّؤْلُؤِ، وَالْجَوْهَرِ، كَانَ حَقُّهُمْ فِي قِيمَتِهِ.
وَهَلْ يَلْزَمُ النَّاذِرَ بَيْعُهُ؟ أَوْ دَفْعُ قِيمَتِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مُخَرَّجَانِ مِنَ اخْتِلَافِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي الْعَبْدِ الْجَانِي هَلْ يَفْدِيهِ السَّيِّدُ بِقِيمَتِهِ؟ أَوْ بِثَمَنِهِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَفْدِيهِ بِقِيمَتِهِ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ لِلنَّاذِرِ أَنْ يَصْرِفَ قِيمَتَهُ إِلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَبِعْهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَ الْعَبْدَ الْجَانِيَ لِجَوَازِ ابْتِيَاعِهِ بِأَكْثَرَ مَنْ قِيمَتِهِ، فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُهُ بَيْعُ هَذَا الْمَتَاعِ بِأَكْثَرَ لِجَوَازِ أَنْ يَرْغَبَ فِيهِ مَنْ يَشْتَرِيهِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالثَّمَنِ الْمَبْذُولِ فِيهِ جاز.

(مسألة:)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِذَا نَذَرَ أَنْ يَهْدِيَ مَا لَا يُحْمَلُ مِنَ الْأَرَضِينِ وَالدُّورِ بَاعَ ذَلِكَ وَأَهْدَى ثَمَنَهُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا فِي حُكْمِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْأَحْكَامِ، وَعَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْأَقْسَامِ، وَإِنَّمَا يُخَالِفُهُ فِي أَنَّهُ غَيْرُ مَنْقُولٍ، فَيَكُونُ الْهَدْيُ مُتَوَجِّهًا إِلَى قِيمَتِهِ، أَوْ ثَمَنِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ فَإِنْ أَرَادَ بِهَدْيِهِ أَنْ يَكُونَ وَقْفًا عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ، أَوْ مَصَالِحِ الْكَعْبَةِ، جَعَلْنَاهُ عَلَى مَا أَرَادَهُ بِقَوْلِهِ، أَوْ نِيَّتِهِ فَإِنْ كَانَ الْهَدْيُ نَخْلًا فَأَثْمَرَ، فَإِنْ حَدَثَتْ ثَمَرَتُهُ قَبْلَ وُجُودِ شَرْطِ نَذْرِهِ، كَانَ الثَّمَرُ خَارِجًا مِنْ نَذْرِهِ، وَالزَّكَاةُ فِيهِ وَاجِبَةً، وَإِنْ حَدَثَتِ الثَّمَرَةُ بَعْدَ وُجُودِ شَرْطِ نَذْرِهِ كَانَ دَاخِلًا فِي نَذْرِهِ، وَلَا زَكَاةَ فِيهِ فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَنْقِلَ ثَمَنَهُ، أَوْ قِيمَتَهُ دُونَ عَيْنِهِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُفَرَّقُ عَلَيْهِمْ بِعَيْنِهِ دُونَ قِيمَتِهِ، لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُفَرَّقُ عَلَيْهِمْ قِيمَتُهُ، دُونَ عَيْنِهِ نُظِرَ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ فِي مَوْضِعِ النَّذْرِ أَكْثَرَ جَازَ، وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ لَمْ يَجُزْ، فَإِنِ اسْتَهْلَكَهُ وَجَبَتْ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ فِي أَكْثَرِ حَالَتَيْهِ مِنْ مَوْضِعِ الِاسْتِهْلَاكِ، أَوْ مِنَ الْحَرَمِ لِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ إِيصَالِهِ إِلَى الْحَرَمِ.

(مسألة:)

قال الشافعي: " ومن نذر بدنةً لم يجزئه إِلَّا ثنيٌّ أَوْ ثنيةٌ وَالْخَصِيُّ يُجْزِئُ وَإِذَا لَمْ يَجِدْ بَدَنَةً فبقرةٌ ثنيةٌ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فسبعٌ مِنَ الْغَنَمِ تُجْزِي ضَحَايَا وَإِنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ عَلَى بدنةٍ مِنَ الْإِبِلِ لَمْ يُجْزِئْهُ مِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ إِلَّا بِقِيمَتِهَا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ نَذْرَ الْهَدْيِ يَنْقَسِمُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا، فَلَا يَلْزَمُهُ غَيْرُ مَا عُيِّنَ وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْهَدْيِ الْمَشْرُوعِ، كَالْمَتَاعِ الْمَنْقُولِ، وَالْعَقَارِ، غَيْرِ الْمَنْقُولِ وَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَهُمَا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ الْهَدْيِ الْمَشْرُوعِ، كَمَنْ نَذَرَ هَدْيَ بَدَنَةٍ، أَوْ بَقَرَةٍ، أَوْ شَاةٍ بِعَيْنِهَا فَعَلَيْهِ إِيصَالُهَا إِلَى الْحَرَمِ، سَوَاءٌ أَجْزَأَتْ فِي الضَّحَايَا لِسَلَامَتِهَا وَكَمَالِ سِنِّهَا، أَوْ لَمْ تُجْزِئْ فِي الضَّحَايَا، لِعَيْبٍ، أَوْ صِغَرٍ، فَإِنْ أَرَادَ الْعُدُولَ عَنْهَا إِلَى غَيْرِهَا، لَمْ يُجْزِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَعْدُولُ أنه عنها أفضل، أو أنقص، وعليه علفها، ومؤونتها، حَتَّى تَصِلَ إِلَى مَحَلِّهَا، فَإِنْ تَلِفَتْ قَبْلَ وصولها، لم يخل تلفها من ثلاثة أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُتْلِفَ لَهَا فَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهَا، أَوْ مِثْلِهَا، لِأَنَّ أَكْثَرَهَا حَقُّ الْمَسَاكِينِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُتْلِفَهَا غَيْرُهُ فَلَيْسَ عَلَى الْمُتْلِفِ إِلَّا قِيمَتُهَا فَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ الْأَمْرَيْنِ صَرَفَهَا فِي مِثْلِهَا، وَفِي مَصْرِفِ الزِّيَادَةِ عَلَى المِثْل وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: فِي مِثْلٍ آخَرَ، أَوْ جُزْءٍ مِنْ مِثْلٍ آخَرَ.
وَالثَّانِي: يَصْرِفُهَا إِلَى الْمَسَاكِينِ وَرِقًا.
وَإِنْ كَانَتِ الْقِيمَةُ أَقَلَّ الْأَمْرَيْنِ فَهَلْ يَلْزَمُ النَّاذِرَ تَمَامُ ثَمَنِ مِثْلِهَا، أَمْ لَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهُ تَمَامُ ثَمَنِ الْمِثْلِ، لِاسْتِحْقَاقِ الْمَسَاكِينِ لَهُ بِالنَّذْرِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَشْبَهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إِتْمَامُ الثَّمَنِ، لِأَنَّهُ قَدْ سَاقَ مَا نَذَرَ.
فَعَلَى هَذَا فِي مَصْرِفِ الْقِيمَةِ النَّاقِصَةِ عَنِ الْمِثْلِ، مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ فِي زِيَادَةِ الْقِيمَةِ: أَحَدُهُمَا: يُصْرَفُ فِي بَعْضِ الْمِثْلِ.
وَالثَّانِي: يُصْرَفُ عَلَى الْمَسَاكِينِ وَرِقًا.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ تَتْلَفَ بِنَفْسِهَا، فَفِي ضَمَانِهَا عَلَيْهِ وجهان:

أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْأَصَحُّ، أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا بَعْدَ النَّذْرِ كَالْأَمَانَةِ، وَكَمَا لَوْ نَذَرَ عِتْقَ عَبْدٍ فَمَاتَ الْعَبْدُ قَبْلَ عِتْقِهِ، لَا يَضْمَنُهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَضْمَنُهَا، لِتَعَلُّقِ نَذْرِهَا بِذِمَّتِهِ لِجِهَةٍ بَاقِيَةٍ، وَخَالَفَ نَذْرَ الْعِتْقِ لِعَدَمِ الْجِهَةِ الْمُسْتَحِقَّةِ لَهُ، فَعَلَى هَذَا فِيمَا يَضْمَنُهَا بِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: بِمِثْلِهَا.
وَالثَّانِي: بِقِيمَتِهَا.
وَالثَّالِثُ: بِأَكْثَرِ الْأَمْرَيْنِ مِنَ الْمِثْلِ وَالْقِيمَةِ: فَهَذَا حُكْمُ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فِي الْهَدْيِ الْمُعَيَّنِ.

(فَصْلٌ:)

وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ لَا يُعَيِّنَ هَدْيَهُ، وَيُسَمِّي جِنْسًا يَعُمُّ أَنْوَاعًا كَقَوْلِهِ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ بَدَنَةً فَاسْمُ الْبَدَنَةِ يُطْلَقُ فِي الْعُرْفِ عَلَى الْوَاحِدِ مِنَ الْإِبِلِ، وَلَا يَعُمُّ أَنْوَاعًا وَيُطْلَقُ فِي الشَّرْعِ عَلَى الْوَاحِدِ مِنَ الْإِبِلِ، وَعَلَى الْوَاحِدِ مِنَ الْبَقَرِ، وَعَلَى سَبْعٍ مِنَ الْغَنَمِ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ " فَنَحَرْنَا الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ "، فَيَصِيرُ اسْمُ الْبَدَنَةِ فِي الشَّرْعِ جِنْسًا، يَعُمُّ أَنْوَاعًا، فَيُحْمَلُ نَذْرُهُ عَلَى مُوجِبِ الشَّرْعِ دُونَ الْعُرْفِ، فَيَلْزَمُهُ فِي نَذْرِ هَدْيِ بَدَنَةٍ، أَنْ يَنْحَرَ بَعِيرًا، أَوْ بَقَرَةً، أَوْ سَبْعًا مِنَ الْغَنَمِ، وَفِي كَيْفِيَّةِ لُزُومِهَا وَجْهَانِ، كَمَا قُلْنَاهُمَا فِي إِفْسَادِ الْحَجِّ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تَلْزَمُهُ عَلَى وَجْهِ التَّخْيِيرِ فِي نَحْرِ أَيِّهَا شَاءَ مِنْ بَعِيرٍ أَوْ بَقَرَةٍ، أَوْ سَبْعٍ مِنَ الْغَنَمِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقُومُ مَقَامَ الْآخَرِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا تَلْزَمُهُ عَلَى وَجْهِ التَّرْتِيبِ، فَيَنْحَرُ بَعِيرًا، فَإِنْ عَدِمَهُ نَحَرَ بَقَرَةً، فَإِنْ عَدِمَهَا، نَحَرَ سَبْعًا مِنَ الْغَنَمِ، لِأَنَّ اسْمَ الْبدنِ يَنْطَلِقُ عَلَى الْإِبِلِ عُرْفًا، وَشَرْعًا فَصَارَتْ أَصْلًا قَالَ اللَّهِ تَعَالَى: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا) {الحج: 36) . يُرِيدُ بِهَا الْإِبِلَ فَإِذَا تَقَرَّرَ الْوَجْهَانِ، فَهَلْ يُرَاعى فِيهَا شُرُوط الضَّحَايَا فِي السِّنِّ وَالسَّلَامَةِ مِنَ الْعُيُوبِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يُرَاعى شُرُوط الضَّحَايَا اعْتِبَارًا بِمُطْلَقِ الِاسْمِ، فَيُجْزِئُ صَغِيرُهَا وَكَبِيرُهَا، وَسَلِيمُهَا، وَمَعِيبُهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُرَاعى شُرُوط الضَّحَايَا مِنْ سِنِّهَا وَسَلَامَتِهَا وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ اعْتِبَارًا بِعُرْفِ الشَّرْعِ، فَلَا يُجْزِئُ مِنْهَا إِلَّا السَّلِيم مِنْ عُيُوبِ الضحايا ويجز الْخَصِيُّ فِيهَا لِإِجْزَائِهِ فِي الضَّحَايَا، وَلَا يُجْزِئُ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، إِلَّا الثَّنِيَّ، فَصَاعِدًا، وَيُجْزِئُ الضَّأْنُ الْجَذَعُ، فَإِنْ عَدِمَ هَذِهِ الْأَنْوَاعَ الثَّلَاثَةَ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَعْدِلَ عَنْهَا إِلَى الْإِطْعَامِ، وَإِنْ كَانَ فِي الشَّرْعِ بَدَلًا مِنْهَا لِانْتِفَاءِ اسْمِ الْبَدَنَةِ عَنْهَا وَنَحْنُ نُرَاعِي فِي النذر

عُرْفَ الشَّرْعِ مَعَ وُجُودِ الِاسْمِ، إِمَّا حَقِيقَةً، أو مجازاً، لتكون معانيها تعباً لَهَا، وَإِنْ كَانَتْ فِي الشَّرْعِ تَبَعًا لِمَعَانِيهَا، وَاسْمُ الْبَدَنَةِ لَا يَنْطَلِقُ عَلَى الطَّعَامِ حَقِيقَةً، وَلَا مَجَازًا وَإِنْ كَانَتْ تَنْطَلِقُ عَلَى الْبَقَرِ، وَالْغَنَمِ، إِمَّا حَقِيقَةً، وَإِمَّا مَجَازًا، فَصَارَ الطَّعَامُ مَسْلُوبَ الِاسْمِ، وَإِنْ كَانَ بَدَلًا مَشْرُوعًا، كَمَا لَوْ نَذَرَ عِتْقَ عَبْدٍ فَعَدِمَهُ لَمْ يَعْدِلْ عَنْهُ إِلَى الصِّيَامِ، وَإِنْ كَانَتْ بَدَلًا مِنَ الْعِتْقِ فِي الْكَفَّارَاتِ.

(فَصْلٌ:)

وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَخُصَّ اسْمَ هَدْيِهِ بِنَوْعٍ مِنْ أَجْنَاسِهِ فَيَقُولُ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ بَدَنَةً مِنَ الْإِبِلِ، فَيَصِيرُ نَذْرُ هَدْيِهِ مَقْصُورًا عَلَى مَا نَوَاهُ مِنْ خُصُوصِهِ، فَلَا يُجْزِئُهُ مِنْ غَيْرِ الْإِبِلِ مَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الْإِبِلِ، وَفِي اعْتِبَارِ سِنِّهِ وَسَلَامَتِهِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ، فَإِذَا لَمْ يَجِدِ الْإِبِلَ فَفِي عُدُولِهِ إِلَى بَدَلِهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا بَدَلَ لَهَا، لِأَنَّهُ عَيَّنَهَا فِي الْوُجُوبِ، فَلَمْ يَجُزِ الْعُدُولُ إِلَى غَيْرِ مَا أَوْجَبَ، وَكَانَتِ الْبَدَنَةُ بَاقِيَةً فِي ذِمَّتِهِ حَتَّى يَجِدَهَا، كَمَا لَوْ نَذَرَ عِتْقَ عَبْدٍ، فَلَمْ يَجِدْهُ كَانَ فِي ذِمَّتِهِ حَتَّى يَجِدَهُ، وَلَا يَعْدِلُ عَنْهُ إِلَى بَدَلٍ مِنْ صِيَامٍ، أَوْ إِطْعَامٍ، وَإِنْ كَانَ بَدَلًا مِنْهُ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَعْدِلَ عَنْهَا إِلَى بَدَلِهَا، وَهِيَ بَقَرَةٌ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالنَّذْرِ نَفْعُ الْمَسَاكِينِ، بِلَحْمِهَا، وَهُمْ مُنْتَفِعُونَ بِلُحُومِ الْبَقَرِ، كَانْتِفَاعِهِمْ بِلُحُومِ الْإِبِلِ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى فَارَقَ نَذْرَ الْعِتْقِ، فَعَلَى هَذَا فِي حُكْمِ انْتِقَالِهِ إِلَى الْبَقَرَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَنْتَقِلَ إِلَيْهَا عَلَى وَجْهِ الْبَدَلِ دُونَ الْقِيمَةِ، فَيَنْتَقِلُ إِلَى الْبَقَرَةِ قَلَّ ثَمَنُهَا، أَوْ كَثُرَ فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْبَقَرَةَ، انْتَقَلَ عَنْهَا إِلَى سَبْعٍ مِنَ الْغَنَمِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَعْدِلَ إلى إطعام ولا صيام، وإن كان بَدَلًا مِنْهَا، فِي تَكْفِيرِ مَنْ أَفْسَدَ حَجَّهُ، لِأَنَّ اسْمَ الْبَدَنَةِ لَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِمَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَعْدِلُ إِلَى الْبَقَرَةِ بِأَكْثَرِ الْأَمْرَيْنِ مِنْهُمَا، أَوْ مِنْ قِيمَةِ الْبَدَنَةِ، فَإِنْ كَانَتِ الْبَقَرَةُ أَكْثَرَ مِمَّا لَزِمَهُ، نَحَرَ بَقَرَةً، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْبَدَنَةِ أَكْثَرَ صَرَفَهَا فِيمَا أَمْكَنَ مِنَ الْبَقْرِ وَلَوْ فِي عَشْرِ بَقَرَاتٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْبَقَرَ عَدَلَ إِلَى الْغَنَمِ، وَفِيهِ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَعْدِلُ عَنْهَا إِلَى سَبْعٍ مِنَ الْغَنَمِ، مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ قِيمَةٍ، قَلَّ ثَمَنُهَا أَوْ كَثُرَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَعْدِلُ إِلَى الْغَنَمِ بِالْقِيمَةِ، وَفِي الْقِيمَةِ الَّتِي يَعْدِلُ عَنْهَا إِلَى الْغَنَمِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُعْتَبَرَ فِيهَا أَكْثَرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَةِ الْبَدَنَةِ، أَوْ سَبْعٍ مِنَ الْغَنَمِ، لِأَنَّ الْبَدَنَةَ هِيَ الْأَصْلُ الْمَنْذُورُ.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُعْتَبَرُ أَكْثَرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَةِ الْبَقَرَةِ، أَوْ سَبْعٍ مِنَ الْغَنَمِ، لِأَنَّهُ يَنْتَقِلُ عَنِ الْبَقَرَةِ إِلَى الْغَنَمِ، فَكَانَتِ الْبَقَرَةُ أَصْلًا لِلْغَنَمِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: يُعْتَبَرُ أَكْثَرُ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ مِنْ قِيمَةِ الْبَدَنَةِ، أَوْ قِيمَةِ الْبَقَرَةِ، أَوْ سَبْعٍ مِنَ الْغَنَمِ لِأَنَّ الْبَدَنَةَ أَصْلُ الْبَقَرَةِ، وَالْبَقَرَةَ أَصْلُ الْغَنَمِ، فَاعْتُبِرَ أَعْظَمُهَا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(فَصْلٌ:)

وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ يُطْلِقَ اسْمَ الْهَدْيِ، وَلَا يُقَيِّدَهُ بِجِنْسٍ وَلَا نَوْعٍ فَيَقُولُ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ هَدْيًا فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْأُمِّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُهْدِيَ، مَا يَجُوزُ فِي الضَّحَايَا مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، خَاصَّةً، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُهْدِيَ غَيْرَهُمَا حَمْلًا لِإِطْلَاقِ الْهَدْيِ عَلَى مَا قَيَّدَهُ الشَّرْعُ، فَعَلَى هَذَا فِي اعْتِبَارِ شَرْطِ الضَّحَايَا مِنَ السِّنِّ، وَالسَّلَامَةِ وَجْهَانِ ذَكَرْنَاهُمَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأَمَالِي مِنَ الْحَجِّ وَالْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ يَجُوزُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى هَدْيِ مَا شَاءَ مِنْ قَلِيلٍ، وَكَثِيرٍ يَجُوزُ فِي الضَّحَايَا مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ، وَالْغَنَمِ، أَوْ لَا يَجُوزُ فِي الضَّحَايَا مِنَ الطَّعَامِ وَالثِّيَابِ، وَصُنُوفِ الْأَمْوَالِ، لِأَنَّ اسْمَ الْهَدْيِ مُشْتَقٌّ مِنَ الْهَدِيَّةِ الَّتِي لَا تَخْتَصُّ بِنَوْعٍ مِنَ الْأَمْوَالِ، وقد جاء الشرع يهدي مَا قَلَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ) {المائدة: 95) . وَقَدْ يَهْدِي جَزَاءَ صَيْدٍ عَنْ عُصْفُورٍ وَجَرَادَةٍ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي التَّبْكِيرِ إِلَى الْجُمُعَةِ " وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً ". قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: فِي هَذَا الْقَوْلِ وَعَلَيْهِ أَنْ يَهْدِيَ مَا كَانَ وَلَوْ بَيْضَةً أَوْ تَمْرَةً، أَوْ قَبْضَةً مِنْ حِنْطَةٍ "، وَاخْتَلَفَ أصحابنا فيه على وجهين: أحدهما: أنه قال عَلَى وَجْهِ الْمُبَالَغَةِ، وَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ أَنْ يَهْدِيَ أَقَلَّ مَا يَكُونُ ثَمَنًا لِمَبِيعٍ، أَوْ مَبِيعًا لِثَمَنٍ، وَلَا تَكُونُ الثَّمَرَةُ الْوَاحِدَةُ ثَمَنًا، وَلَا مَبِيعًا، اعْتِبَارًا بِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي أَقَلِّ الصَّدَاقِ.
والوجه الثاني: أنه قال عَلَى وَجْهِ التَّحْقِيقِ فِي إِجْزَاءِ هَدْيِ التَّمْرَةِ، وَالْبَيْضَةِ، وَالْقَبْضَةِ مِنَ الْحِنْطَةِ، لِأَنَّ الثَّمَرَةَ قَدْ تَكُونُ هَدْيًا فِي جَزَاءِ جَرَادَةٍ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَأَسْتَحِبُّ أَنْ لَا يَنْقُصَ مِنَ الْمُدِّ، لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يُوَاسي بِهِ، وَإِنْ أَجْزَأَ مَا دُونَهُ فَأَمَّا إِذَا قَالَ: " لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ الْهَدْيَ " فَأَدْخَلَ الْأَلِفَ وَاللَّامَ، فَقَدْ كَانَ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ يَقُولُ: يَلْزَمُهُ أَنْ يُهْدِيَ مَا يَجُوزُ فِي الضَّحَايَا قَوْلًا وَاحِدًا، لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ يَدْخُلَانِ لِجِنْسٍ أَوْ مَعْهُودٍ، فَلَمَّا لَمْ يَنْصَرِفَا إِلَى عُمُومِ الْجِنْسِ انْصَرَفَا إِلَى مَعْهُودِ الشَّرْعِ، وَهُوَ الضَّحَايَا وَذَهَبَ سَائِرُ أَصْحَابِنَا، إِلَى اسْتِوَاءِ الْحُكْمِ فِي الْأَمْرَيْنِ مَعَ

دُخُولِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ وَحَذْفِهِمَا لِأَنَّ مَعْهُودَ الشَّرْعِ فِيهِ مُخْتَلِفٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الدَّلِيلِ.

(فَصْلٌ:)

وَيَتَفَرَّعُ عَلَى نَذْرِ الْهَدَايَا إِذَا نَذَرَ أَنْ يَذْبَحَ وَلَدَهُ، أَوْ نَفْسَهُ، أَوْ عَبْدَهُ، وَعَيَّنَهُ فَنَذْرُهُ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ لَهُ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: يَلْزَمُهُ فِي هَذَا النَّذْرِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَيَكُونُ النَّذْرُ مُنْعَقِدًا بِالْكَفَّارَةِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَلْزَمُهُ شَاةٌ إِذَا نَذَرَ ذَبْحَ وَلَدِهِ، وَذَبْحَ نَفْسِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ إِذَا نَذَرَ ذَبْحَ وَالِدِهِ وَعَبْدِهِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: تَلْزَمُهُ الشَّاةُ فِي وَلَدِهِ، وَعَبْدِهِ خَاصَّةً، وَيَكُونُ نَذْرًا مُنْعَقِدًا بِشَاةٍ احْتِجَاجًا، بِأَنَّ خَلِيلَ اللَّهِ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الْتَزَمَ ذَبْحَ وَلَدِهِ، فَأَمَرَ اللَّهُ سبحانه وتعالى، أن يفيديه بِشَاةٍ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذَبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (الصافات: 107) . وَبِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: مَنْ نَذَرَ ذَبْحَ ابْنِهِ فَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ فَصَارَ إِجْمَاعًا.
وَدَلِيلُنَا حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " لَا نَذْرَ فِي معصيةٍ، وَلَا نَذْرَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ " وَهَذَا نَذْرٌ فِي مَعْصِيَةٍ، وَنَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ وَرَوَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِي اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ " وَالْتِزَامُ هَذَا النَّذْرِ مَعْصِيَةٌ، وَتَرْكُهُ طَاعَةٌ، وَلِأَنَّهُ نَذْرٌ لَا يَنْعَقِدُ بِالْوَفَاءِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَنْعَقِدَ بِغَيْرِهِ، كَالنَّذْرِ فِي جَمِيعِ الْمَعَاصِي، وَلِأَنَّ حُرْمَةَ الْوَالِدِ أَعْظَمُ مِنْ حُرْمَةِ الْوَلَدِ، فَلَمَّا لَمْ تَلْزَمْهُ الشَّاةُ، إِذَا نَذَرَ ذَبْحَ وَالِدِهِ، فَأَوْلَى أَنْ لَا تَلْزَمَهُ، إِذَا نَذَرَ ذَبْحَ وَلَدِهِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِحَالِ الْخَلِيلِ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَهُوَ أَنَّهُ رَأَى فِي الْمَنَامِ أَنَّهُ يَذْبَحُ ابْنَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ (الصافات: 102) . وَرُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ فِي الْمَنَامِ كَالْوَحْيِ فِي الْيَقَظَةِ، فَصَارَ ذَلِكَ أَمْرًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِيَخْتَبِرَ صَبْرَهُ وَطَاعَةَ ابْنِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ: {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرْ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) {الصافات: 102) . فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُجْعَلَ أَصْلًا فِي النُّذُورِ، كَمَا لَمْ يُجْعَلِ الشُّرُوعُ فِي الذَّبْحِ أَصْلًا فِيهَا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فَالرِّوَايَةُ مُخْتَلِفَةٌ، فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ عَلَيْهِ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ عَلَيْهِ شَاةً، وَلَيْسَتْ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ أَوْلَى مِنَ الْأُخْرَى وَقَدْ سَقَطَتْ إِحْدَاهُمَا، فَوَجَبَ أَنْ تَسْقُطَ الْأُخْرَى، ثُمَّ لَوِ انْفَرَدَتِ الرِّوَايَةُ لَمَا صَارَتْ إِجْمَاعًا إِلَّا بِانْتِشَارِهَا وَلَمْ تَنْتَشِرْ فَلَمْ تَكُنْ إِجْمَاعًا.

(مسألة:)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ نَذَرَ عَدَدَ صومٍ صَامَهُ مُتَفَرِّقًا أَوْ مُتَتَابِعًا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَا يَخْلُو إِذَا نَذَرَ صِيَامَ أيامٍ مَعْدُودَاتٍ مِنْ أَنْ يُعَيِّنَ زَمَانَهَا، أَوْ يُطْلِقَهُ فَإِنْ عَيَّنَهُ فَقَالَ: " لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ الْعَشْرَ الْأُوَلَ مِنْ رَجَبٍ، أَوِ الْعَشْرَ الْأَخِيرَ مِنْ شَعْبَانَ "، لَزِمَهُ أَنْ يَصُومَ الْعَشْرَ الَّذِي عَيَّنَهُ، لَا يُجْزِئُهُ أَنْ يُقَدِّمَهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ، وَيَكُونُ فِيهِ التَّتَابُعُ مُسْتَحَقًّا، لِأَنَّ أَيَّامَهُ مُتَتَابِعَةً.
وَإِنْ أَطْلَقَ الْعَشْرَ، وَلَمْ يُعَيِّنْهُ، وَقَالَ: " لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ عشرة أيام "، فله ثلاثة أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَشْتَرِطَ فِيهَا التَّتَابُعَ إِمَّا بِقَوْلِهِ، أَوْ بِقَلْبِهِ فَيَلْزَمُهُ تَتَابُعُهَا، وَيَكُونُ عَلَى التَّرَاخِي دُونَ الْفَوْرِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ فِيهَا الْفَوْرَ، فَيَجِبُ فِي شَرْطِهِ أَنْ يُعَجِّلَ صِيَامَهَا عَلَى الْفَوْرِ فَإِنْ فَرَّقَ صِيَامَهَا لَمْ يُجْزِهِ وَأَعَادَهَا مُتَتَابِعَاتٍ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَشْتَرِطَ صِيَامَهَا مُتَفَرِّقَةً، فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفَرِّقَهَا، وَأَقَلُّ التَّفْرِقَةِ أَنْ يُفَرِّقَ كُلَّ يَوْمَيْنِ بِيَوْمٍ فَإِنْ تَابَعَ صِيَامَهَا فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُجْزِئُهُ، لِأَنَّ الْمُتَابَعَةَ أَغْلَظُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا تُجْزِئُهُ، لِأَجْلِ الشَّرْطِ، فَإِنْ شَرَطَ أَنْ يُتَابِعَ فِيهَا خَمْسَةَ أَيَّامٍ، وَيُفَرِّقَ خَمْسَةَ أَيَّامٍ، صَامَهَا عَلَى مَا شَرَطَ، وَكَانَ مُخَيَّرًا فِي تَقْدِيمِ مَا شَاءَ مِنْ صِيَامِ الْمُتَتَابِعَاتِ، أَوِ الْمُتَفَرِّقَاتِ وَيَخْتَارُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الصَّوْمَيْنِ بِيَوْمٍ، فَإِنْ تَابَعَ بَيْنَ الْخَمْسَةِ الْمُتَفَرِّقَاتِ، وَالْخَمْسَةِ الْمُتَتَابِعَاتِ جَازَ لِأَنَّ التَّفْرِقَةَ مَشْرُوطَةٌ فِي الْخَمْسَةِ وَلَيْسَتْ مَشْرُوطَةً بَيْنَ الْخَمْسَتَيْنِ، فَإِنْ تَابَعَ الصِّيَامَ الْعَشْرَةَ كُلَّهَا أَجَزَأَهُ الْخَمْسَةُ الْمُتَتَابِعَةُ، وَفِي إِجْزَاءِ الْخَمْسَةِ الْمُتَفَرِّقَةِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ فَلَوْ قَالَ: " لِلَّهِ تَعَالَى عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ " بَعْضُهَا مُتَتَابِعًا، وَبَعْضُهَا مُتَفَرِّقًا، فَأَقَلُّ مَا عَلَيْهِ أَنْ يُتَابِعَ بَيْنَ يَوْمَيْنِ، وَأَقَلُّ مَا لَهُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ يَوْمَيْنِ، وَهُوَ فِيمَا عَدَاهُمَا بِالْخِيَارِ بَيْنَ التَّفْرِقَةِ وَالْمُتَابَعَةِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يُطْلِقَ صِيَامَ الْعَشْرَةِ أَيَّامٍ، وَلَا يُشْتَرَطَ فِيهَا مُتَابَعَةً، وَلَا تَفْرِقَةَ فَالْأَوْلَى بِهِ وَالْأَفْضَلُ لَهُ أَنْ يَصُومَهَا مُتَتَابِعَةً، أَمَّا الْفَضِيلَةُ فَلِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ " وَأَمَّا الْأَوْلَى فَلِأَنَّهُ يَأْمَنُ الْفَوَاتَ، فَإِنْ فَرَّقَ صَوْمَهَا أَجْزَأَهُ.
وَقَالَ دَاوُدُ: لَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يُتَابِعَهَا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَطَ التَّتَابُعَ فِي صِيَامِ كَفَارَّةِ الْقَتْلِ، وَالظِّهَارِ، فَحُمِلَ عَلَيْهِ كُلُّ مُطْلَقٍ مِنَ الصِّيَامِ، وَهَذَا فَاسِدٌ، لِأَنَّ مُطْلَقَ الصِّيَامِ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ أَصْلَيْنِ، شَرْطُ التَّتَابُعِ فِي أَحَدِهِمَا، وَهُوَ كَفَّارَةُ الْقَتْلِ، وَالظِّهَارِ، وَشَرْطُ التَّفْرِقَةِ فِي الْآخَرِ، وَهُوَ صَوْمُ التَّمَتُّعِ، فَلَمْ يَكُنِ الصَّوْمُ الْمُطْلَقُ فِي اعْتِبَارِهِ بِأَحَدِهِمَا

أَوْلَى مِنِ اعْتِبَارِهِ بِالْآخَرِ فَوَجَبَ مَعَ تَرَدُّدِهِ بَيْنَ الْأَصْلَيْنِ أَنْ يَكُونَ عَلَى إِطْلَاقِهِ فِي جواز تفرقته، وتتابعه والله أعلم.

(مسألة:)

قال الشافعي: " وَلَوْ نَذَرَ صِيَامَ سنةٍ بِعَيْنِهَا صَامَهَا إِلَّا رَمَضَانَ فَإِنَّهُ يَصُومُهُ لِرَمَضَانَ وَيَوْمَ الْفِطَرِ وَالْأَضْحَى وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ فِيهَا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا نَذَرَ صِيَامَ سَنَةٍ مُعَيَّنَةٍ كَأَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ابْتَدَأَ لِصِيَامِهَا مِنْ أَوَّلِ الْمُحَرَّمِ، وَخَرَجَ مِنْهُ لِانْسِلَاخِ ذِي الْحِجَّةِ، وَخَرَجَ مِنْ نَذْرِهِ صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ، لِاسْتِحْقَاقِهِ عَنْ فَرْضِهِ، وَلَمْ يَقْضِهِ لِاسْتِثْنَائِهِ مِنْ نَذْرِهِ بِالشَّرْعِ، وَأَفْطَرَ مَا مَنَعَ الشَّرْعُ مِنْ صِيَامِهِ، وَهِيَ خَمْسَةُ أَيَّامٍ يَوْمُ الْفِطْرِ، وَيَوْمُ الْأَضْحَى، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ الثَّلَاثَةِ، وَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهَا، لِأَنَّ تَحْرِيمَ صِيَامِهَا مَنَعَ مِنِ انْعِقَادِ النَّذْرِ بِهَا، فَإِنْ صَامَ جَمِيعَهَا إِلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّرْعُ مِنْهَا، فَقَدْ وَفَّى بِنَذْرِهِ، وَسَقَطَ عَنْهُ بِأَدَائِهِ، وَإِنْ أَفْطَرَ فِيهَا، فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُفْطِرَ فِيهَا بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَقَضَاءُ مَا أَفْطَرَهُ، وَاجِبٌ عَلَيْهِ، لِاسْتِحْقَاقِهِ بِنَذْرِهِ.
فَأَمَّا مَا صَامَهُ مِنْهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرَطَ تَتَابُعَهَا فِي نَذْرِهِ أَجْزَأَهُ مَا صَامَهُ مِنْهَا، لِأَنَّ تَتَابُعَهَا كَانَ مُسْتَحِقًّا بِالزَّمَانِ دُونَ الشَّرْطِ، كَمَا اسْتَحَقَّ تَتَابُعَ صِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَلَمْ يَبْطُلْ مَا صَامَ فِيهِ بِالْفِطْرِ، فَكَذَلِكَ صِيَامُ هَذِهِ السَّنَةِ الْمَنْذُورَةِ مُسْتَحَقٌّ تَتَابُعُهَا لِزَمَانِهَا، فَلَمْ يَبْطُلْ صِيَامُهَا بِالْفِطْرِ فِي بَعْضِهَا، وَجَازَ أَنْ يَقْضِيَ مَا أَفْطَرَهُ مُتَفَرِّقًا، وَمُتَتَابِعًا كَقَضَاءِ رَمَضَانَ، وَإِنْ شَرَطَ تَتَابُعَ صِيَامِهَا فِي نَذْرِهِ، صَارَ التَّتَابُعُ مُسْتَحَقًّا بِالشَّرْطِ وَالزَّمَانِ فَيَبْطُلُ مَا صَامَهُ مِنْهَا بِفِطْرِهِ فِيهَا لِأَجْلِ الشَّرْطِ دُونَ الزَّمَانِ، كَالصِّيَامِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، لَمَّا كَانَ التَّتَابُعُ فِيهِ مُسْتَحَقًّا بِالشَّرْطِ، بَطَلَ بِالْفِطْرِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ صَوْمٍ، وَوَجَبَ أَنْ يُسْتَأْنَفَ الْقَضَاءُ بِصِيَامِ سَنَةٍ مُتَتَابِعَةٍ، إِلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّرْعُ مِنْهَا، وَهُوَ شَهْرُ رَمَضَانَ، وَالْعِيدَانِ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ.

(فَصْلٌ:)

وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يُفْطِرَ فِيهَا بِعُذْرِ، وَالْأَعْذَارُ الَّتِي يُسْتَبَاحُ بِهَا الْفِطْرُ أَرْبَعَةٌ: الْحَيْضُ، وَالنِّفَاسُ، وَهُمَا مُخْتَصَّانِ بِالنِّسَاءِ دُونَ الرِّجَالِ، فَأَمَّا الْحَيْضُ، فَلَا يُبْطِلُ تَتَابُعَ الصَّوْمِ سَوَاءٌ كَانَ مُسْتَحَقًّا بِالشَّرْطِ، أَوِ الزَّمَانِ لِأَنَّهُ مَعْهُودٌ، وَلَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، وَفِي وُجُوبِ قَضَاءِ أَيَّامِ الْحَيْضِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَجِبُ قَضَاؤُهَا، لِاسْتِثْنَائِهَا بِالشَّرْعِ كَاسْتِثْنَاءِ رَمَضَانَ وَالْعِيدَيْنِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَجِبُ قَضَاؤُهَا كَمَا أَوْجَبَهُ الشَّرْعُ مِنْ قَضَاءِ أَيَّامِ الْحَيْضِ فِي صَوْمِ

الْفَرْضِ، وَخَالَفَ مَا عَدَاهُ مِنَ الْأَيَّامِ الْمُسْتَثْنَاةِ لِعُمُومِ اسْتِثْنَائِهَا، فِي حَقِّ كُلِّ نَادِرٍ، وَخُصُوصِ اسْتِثْنَاءِ الْحَيْضِ فِي حَقِّ الْحَائِضِ، وَحُكْمُ الْفِطْرِ بِالنِّفَاسِ كَحُكْمِ الْفِطْرِ بِالْحَيْضِ، وَإِنْ خَالَفَهُ فِي اشْتِرَاكِهِمَا فِي أَحْكَامِ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ جَعَلْتُمْ قَضَاءَ أَيَّامِ الْحَيْضِ مُوجِبًا لِدُخُولِهِ فِي نَذْرِهَا، وَلَوْ نَذَرَتْ صِيَامَ أَيَّامِ حَيْضِهَا، بَطَلَ نَذْرُهَا، وَلَمْ يَلْزَمْهَا الْقَضَاءُ، فَهَلَّا كَانَتْ هَذِهِ كَذَلِكَ.
قِيلَ: لِأَنَّ إِفْرَادَهَا بِالنَّذْرِ يَجْعَلُهُ مَعْقُودًا عَلَى مَعْصِيَةٍ، فَيَبْطُلُ، وَلَا يَجْعَلُهُ إِذَا دَخَلَ فِي الْعُمُومِ مَعْقُودًا عَلَى مَعْصِيَةٍ فَلَزِمَ.
وَأَمَّا الْفِطْرُ بِالْمَرَضِ فَلَا يَبْطُلُ بِهِ التَّتَابُعُ الْمُسْتَحَقُّ بِالزَّمَانِ، وَفِي إِبْطَالِهِ التَّتَابُعَ الْمُسْتَحَقَّ بِالشَّرْطِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَبْطُلُ بِهِ كَمَا لَا يَبْطُلُ بِالْحَيْضِ، لِأَنَّهُ عُذْرٌ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَبْطُلُ بِهِ التَّتَابُعُ، وَإِنْ لَمْ يَبْطُلْ بِالْحَيْضِ، لِأَنَّ فِطْرَ الْحَيْضِ مَعْهُودٌ، وَفِطْرَ الْمَرَضِ نَادِرٌ.
فَإِنْ قِيلَ: بِأَنَّهُ يَبْطُلُ التَّتَابُعُ لَزِمَهُ أَنْ يَسْتَأْنِفَ قَضَاءَ سَنَةٍ كَامِلَةٍ إِلَّا شَهْرَ رَمَضَانَ، وَالْخَمْسَةَ الْمُحَرَّمَةَ.
وَإِنْ قِيلَ: إنه غير مبطل للتابع كَالْحَيْضِ فَفِي وُجُوبِ قَضَاءِ مَا أَفْطَرَ بِالْمَرَضِ قَوْلَانِ كَالْفِطْرِ بِالْحَيْضِ.
وَأَمَّا الْفِطْرُ بِالسَّفَرِ فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَالْمَرَضِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي إِبَاحَةِ الْفِطْرِ شَرْعًا، فَيَكُونُ الْفِطْرُ بِهِ كَالْفِطْرِ بِالْمَرَضِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ كَالْفِطْرِ بِغَيْرِ عُذْرٍ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى الصِّيَامِ، فَخَالَفَ الْمَرَضُ الْعَاجِزُ عَنْهُ، فَيَكُونُ الْفِطْرُ بِهِ كَفِطْرِ غَيْرِ الْمَعْذُورِ.

(مَسْأَلَةٌ:)

قَالَ الشافعي: " وَإِنْ نَذَرَ سَنَةً بِغَيْرِ عَيْنِهَا قَضَى هَذِهِ الْأَيَّامَ كُلَّهَا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا كَانَ النَّذْرُ مَعْقُودًا عَلَى صِيَامِ سَنَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ، فَالسَّنَةُ تَجْمَعُ شُهُورًا وَالشَّهْرُ يَجْمَعُ أَيَّامًا، فَشُهُورُ السَّنَةِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، وَأَيَّامُ الشَّهْرِ مَا بَيْنَ هِلَالَيْهِ، فَإِنْ تَمَّ كَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا، وَإِنْ نَقَصَ، كَانَ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، لَا يَنْقُصُ مِنْهَا، فَإِنْ فَاتَ هِلَالُهُ كَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، لَا يَنْقُصُ مِنْهَا، فَتَصِيرُ شُهُورُ السَّنَةِ بِفَوَاتِ أَهِلَّتِهَا ثَلَاثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ يَوْمًا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَنَذْرُ صِيَامِهَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: مطلق ومتتابع.

فَأَمَّا الْمُطْلَقُ فَيَجُوزُ أَنْ يَصُومَهَا مُتَتَابِعًا، وَمُتَفَرِّقًا، فَإِنْ صَامَهَا مُتَفَرِّقًا، نُظِرَتْ فَإِنْ صَامَ كُلَّ شَهْرٍ مِنْهَا بِأَسْرِهِ، وَلَمْ يُفْطِرْ فِي شَيْءٍ من أيامه، اعتد بما بين هلاله شَهْرًا سَوَاءٌ كَانَ الشَّهْرُ كَامِلًا، أَوْ نَاقِصًا، وَإِنْ أَفَطَرَ يَوْمًا مِنْهُ اسْتَوْفَاهُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا كَامِلَةً، لِفَوَاتِ هِلَالِهِ فَإِنْ كَانَ كَامِلًا قَضَى يَوْمَ فِطْرِهِ وَحْدَهُ، وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا، صَامَ يَوْمَيْنِ يَوْمَ فِطْرِهِ وَيَوْمَ نُقْصَانِهِ وَيَكُونُ فِي صِيَامِهِ كُلَّ شَهْرٍ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ، حَتَّى يَسْتَكْمِلَ صِيَامَ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا، سَوَاءٌ تَابَعَ شُهُورَهَا أَوْ فَرَّقَهَا فَلَوْ صَامَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ عَشْرَةَ أَيَّامٍ، وَجَبَ أَنْ يَسْتَكْمِلَ صِيَامَ ثَلَاثَةٍ وَسِتِّينَ يَوْمًا، لِأَنَّهُ قَدْ فَاتَ هِلَالُ كُلِّ شَهْرٍ بِصِيَامِ بَعْضِهِ.

(فَصْلٌ:)

وَأَمَّا الْمُتَتَابِعُ بِالشَّرْطِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: " لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ سَنَةً مُتَتَابِعَةً " فَهُوَ عَلَى التَّرَاخِي دُونَ الْفَوْرِ، لِأَنَّ تَرْكَ التَّعْيِينِ لَهَا قَدْ جَعَلَ نَذْرَ صِيَامِهَا مَضْمُونًا فِي ذِمَّتِهِ، وَلَهُ إِذَا شَرَعَ فِي صِيَامِهَا، أَنْ يَبْتَدِئَهَا بِأَيِّ شَهْرٍ شَاءَ مِنْ شُهُورِهَا، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ أَنْ يَبْتَدِئَهَا بِالْمُحَرَّمِ، لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ أَوَّلُ السَّنَةِ الْمُعَيَّنَةِ، وَهَذِهِ السَّنَةُ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ، وَإِذَا نَذَرَ صِيَامَهُ شهر كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يَبْتَدِئَهُ بِصِيَامِ أَوَّلِهِ، وَبَيْنَ أَنْ يَبْتَدِئَ صِيَامَهُ بَعْدَ ذَهَابِ بَعْضِهِ، لِأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُتَابِعَ الصِّيَامَ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ مَا تَقَدَّمَهُ فَإِذَا صَامَ سَنَةً مُتَوَالِيَةَ الْأَهِلَّةِ سَقَطَ مِنَ الِاعْتِدَادِ بِهَا مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّرْعُ مِنْهَا، وَهُوَ شَهْرُ رَمَضَانَ، لِأَنَّ صِيَامَهُ عَنْ فَرْضِهِ دُونَ نَذْرِهِ، وَالْخَمْسَةُ أَيَّامٍ الَّتِي مَنَعَ الشَّرْعُ مِنْ صِيَامِهَا، وَهِيَ: الْعِيدَانِ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ الثَّلَاثَةُ، وَلَا يَنْقَطِعُ تَتَابُعُ صِيَامِهِ لِفِطْرِهِ فِيهَا، لِأَنَّهُ لَا يُعْذَرُ فِي صِيَامِ السَّنَةِ الْمُتَتَابِعَةِ عَلَى التَّحَرُّزِ مِنْهَا، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَقْضِيَ مَا لَمْ يَعْتَدَّ بِصِيَامِهِ مِنْ نَذْرِهِ مُتَّصِلًا بِصِيَامِهِ، فَإِنْ كَانَ شَوَّالٌ وَذُو الْحِجَّةِ تَامَّيْنِ، فَيَقْضِي خَمْسَةً وَثَلَاثِينَ يَوْمًا مِنْهُمَا عَنْ رَمَضَانَ ثَلَاثونَ يَوْمًا سَوَاءٌ كَانَ رَمَضَانُ تَامًّا أَوْ نَاقِصًا، لِأَنَّ نُقْصَانَهُ قَدْ فَاتَ هِلَالُهُ، وَيَوْمَ فِطْرِهِ مِنْ شَوَّالٍ وَأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ.
وَإِنْ كَانَ شَوَّالٌ، وَذُو الْحِجَّةِ، نَاقِصَيْنِ، قَضَى سَبْعَةً وَثَلَاثِينَ يَوْمًا، لِأَنَّ شوال وَذَا الْحِجَّةِ قَدْ فَاتَهُ هِلَالُهُمَا بِالْفِطْرِ فِي بَعْضِهِمَا، فَلَزِمَهُ إِتْمَامُهُمَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا سَقَطَ عَنْهُ قَضَاءُ هَذِهِ الْأَيَّامِ فِي صِيَامِ السَّنَةِ الْمُطْلَقَةِ كَمَا سَقَطَ عَنْهُ قَضَاؤُهَا فِي الْمُعَيَّنَةِ، قِيلَ: لِأَنَّ نَذْرَهُ فِي السَّنَةِ الْمُعَيَّنَةِ تَعَلَّقَ بِالزَّمَانِ، فَانْعَقَدَ عَلَى مَا يَجُوزُ صِيَامُهُ فِي النَّذْرِ، وَخَرَجَ مِنْهَا مَا لَا يَجُوزُ صِيَامُهُ فِيهِ وَنَذْرُهُ فِي السَّنَةِ الْمُطْلَقَةِ، تَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ، فَانْعَقَدَ عَلَى كَمَالِ الْمُدَّةِ.
(فَصْلٌ:) فَإِنْ عَقَدَ نَذْرَهُ عَلَى صِيَامِ رَمَضَانَ، وَالْعِيدَيْنِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ، لَمْ يَنْعَقِدْ نَذْرُهُ وَلَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاؤُهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ وَيَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ، فَإِنْ صَامَ ذَلِكَ عَنْ نَذْرِهِ أَجْزَأَهُ الْعِيدَانِ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ، فَأَمَّا رَمَضَانُ فَيُجْزِئُهُ إِنْ كَانَ مُسَافِرًا وَلَا يُجْزِئُهُ إِنْ

كَانَ حَاضِرًا، وَيُجْزِئُهُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ مُسَافِرًا كَانَ، أَوْ حَاضِرًا اسْتِدْلَالًا بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ فِي نَذْرِهِ، إِذَا عَمَّ وَجَبَ أَنْ يَنْعَقِدَ عَلَيْهِ النَّذْرُ إِذَا خَصَّ.
وَالثَّانِي: أَنَّ أَوَّلَ نَذْرِهِ بَدَأَ بِعَقْدِهِ عَلَى صِيَامِ شَهْرٍ، وَأَيَّامٍ وَإِذَا وَصَلَهُ فِي تَعْيِينِهِ بِرَمَضَانَ وَالْأَيَّامِ الْمُحَرَّمَةِ سَقَطَ حُكْمُ الْمَعْصِيَةِ، وَلَمْ يَبْطُلْ حُكْمُ النَّذْرِ، كَمَا لَوْ قَالَ: " لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُصَلِّيَ فِي دَارٍ مَغْصُوبَةٍ " لَزِمَتْهُ الصَّلَاةُ وَسَقَطَ فِعْلُهَا فِي دَارٍ مَغْصُوبَةٍ.
وَدَلِيلُنَا حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: قَالَ " لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَلَا نَذْرَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ " وَلِأَنَّ مَا لَمْ يَسْتَحِقَّ صَوْمُهُ عَنِ النَّذْرِ لَمْ يَنْعَقِدْ بِهِ النَّذْرُ كَأَيَّامِ الْحَيْضِ، وَلِأَنَّهُ زَمَانٌ يُنَافِي صِيَامَ نَذْرِهِ فَلَمْ يَنْعَقِدْ عَلَيْهِ نَذَرُهُ كَاللَّيْلِ.
وَالْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِ بِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ نَذْرِهِ، فَجَازَ أَنْ يَنْعَقِدَ عَلَى خُصُوصِ النَّذْرِ، فَكَذَلِكَ حُكْمُ مَا اخْتَلَفْنَا فِيهِ فَدَخَلَ فِي عُمُومِ نَذْرِهِ، وَلَا يَنْعَقِدُ عَلَيْهِ خُصُوصُ نَذْرِهِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِ بِنَذْرِهِ الصَّلَاةَ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، فَيُحْتَمَلُ انْعِقَادُ نَذْرِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: بَاطِلٌ فَسَقَطَ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ صَحِيحٌ وَيُصَلِّيهَا فِي غَيْرِ الْمَغْصُوبَةِ، وَيُجْزِئُهُ إِنْ صَلَّاهَا فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ تَعْيِينَ الزَّمَانِ مِنَ الصِّيَامِ الْمَنْذُورِ لَازِمٌ، وَتَعْيِينَ الْمَكَانِ فِي الصَّلَاةِ الْمَنْذُورَةِ غَيْرُ لَازِمٍ.
وَالثَّانِي: مَا أَجْمَعْنَا عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمٍ مُطْلَقٍ، فَصَامَهُ فِي يَوْمِ عِيدٍ، لَمْ يُجْزِهِ.
وَلَوْ نَذَرَ صَلَاةً مُطْلَقَة

ً فَصَلَّ

اهَا فِي دَارٍ مَغْصُوبَةٍ أَجْزَأَهُ.

(مسألة:)

قال الشافعي: " وَإِنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَحُجَّ عَامِي هَذَا فَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ عدوٌ أَوْ سلطانٌ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَإِنْ حَدَثَ بِهِ مرضُ أَوْ خطأٌ عددٍ أَوْ نسيانٍ أَوْ توانٍ قَضَاهُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْحَجُّ الْمَنْذُورُ ضَرْبَانِ: مُطْلَقٌ وَمُعَيَّنٌ.
فَأَمَّا الْمُطْلَقُ: فَهُوَ أَنْ يَقُولَ: " إِنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَلِلَّهِ عليَّ أَنْ أَحُجَّ "، ولا يعين

عَامَ حَجِّهِ فَإِذَا شَفَى اللَّهُ مَرِيضَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ، لِوُجُودِ شَرْطِ النَّذْرِ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِهِ وُجُودُ الزَّادِ، وَالرَّاحِلَةِ.
وَفِي اعْتِبَارِ وَجُودِهِمَا فِي أَدَائِهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَحَدُهُمَا: يُعْتَبَرُ وُجُودُهُمَا فِي الْأَدَاءِ لِأَنَّهُمَا مِنْ شَرَائِطِ الْإِمْكَانِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُعْتَبَرُ وُجُودُهُمَا فِي الْأَدَاءِ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ بِهِ فِي نَذْرِهِ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ لَا يَطْرَحُ الْغَلَبَةَ فِي الْأَيْمَانِ فَلَمْ يَطْرَحْهَا فِي النُّذُورِ، وَفِي وُجُوبِ تَعْجِيلِهِ عَلَى الْفَوْرِ وَجْهَانِ مَضَيَا.
وَأَمَّا الْمُعَيَّنُ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: إِنْ قَدِمَ غَائِبِي فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَحُجَّ فِي عَامِي هَذَا فَلَا يَخْلُو قُدُومُ غَائِبِهِ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ وَقْتِ الْحَجِّ فِي عَامِهِ أَوْ بَعْدَهُ، فَإِنْ قَدِمَ بَعْدَ عَامِهِ سَقَطَ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحَجُّ لِانْقِضَاءِ وَقْتِهِ وَإِنْ قَدِمَ قَبْلَ حَجِّ عَامِهِ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْوَقْتُ مُتَّسِعًا لِحَجِّهِ، فَقَدْ لَزِمَهُ النَّذْرِ، وَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ فِي عَامِهِ الْحَجُّ لِإِمْكَانِ أَدَائِهِ فِيهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَضِيقَ الْوَقْتُ عَنْ إِمْكَانِ الْحَجِّ فِي عَامِهِ لِقُصُورِ زَمَانِهِ، فَفِي لُزُومِ نَذْرِهِ وَوُجُوبِ الْحَجِّ عَلَيْهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَلْزَمُهُ النَّذْرُ.
وَالثَّانِي: يَلْزَمُهُ النَّذْرُ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ، وَيَقْضِيهِ بَعْدَ عَامِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ قَادِرًا عَلَى اسْتِثْنَائِهِ فِي نَذْرِهِ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ لَا يَطْرَحُ الْغَلَبَةَ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ، فِي وُجُودِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(فَصْلٌ:)

فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ فِي عَامِهِ لِتَعْيِينِهِ فِي نَذْرِهِ فَإِنْ حَجَّ فِيهِ أَجْزَأَهُ وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْهُ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ تَأَخُّرُهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهُ فِي الْعَامِ الثَّانِي، وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَأْخِيرُهُ عَنْهُ، لِأَنَّ فَرْضَهُ مُسْتَحَقٌّ عَلَى الْفَوْرِ دُونَ التَّرَاخِي.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يُؤَخِّرَهُ عَنْ عَامِهِ لِعُذْرٍ فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَمُوتَ قَبْلَ وَقْتِ الْحَجِّ، فَلَا حَجَّ عَلَيْهِ لِمَوْتِهِ، قَبْلَ وَقْتِ الْأَدَاءِ، فَصَارَ كَمَوْتِ الْمُزَكِّي قَبْلَ الْحَوْلِ، وَمَوْتِ الْمُصَلِّي قَبْلَ الْوَقْتِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يُؤَخِّرَهُ بِإِحْصَارِ سُلْطَانٍ قَاهِرٍ، وَعَدُوٍّ غَالِبٍ، فَحُكْمُ الْإِحْصَارِ فِي حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ كَانَ عَامًّا سَقَطَ بِهِ الْقَضَاءُ، وَإِنْ كَانَ خَاصًّا فَفِي سُقُوطِ القضاء قولان.

فَأَمَّا حُكْمُ الْإِحْصَارِ فِي حَجَّةِ النَّذْرِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ - إِنَّهُ عَلَى حُكْمِهِ فِي حَجَّةِ الْإِسْلَامِ إِنْ كَانَ عَامًّا سَقَطَ عَنْهُ الْقَضَاءُ، وَإِنْ كَانَ خَاصًّا فَعَلَى قَوْلَيْنِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ - إِنَّهُ عَلَى الْعَكْسِ فِي حَجَّةِ الْإِسْلَامِ إِنْ كَانَ الْإِحْصَارُ خَاصًّا، وَجَبَ بِهِ الْقَضَاءُ، وَإِنْ كَانَ عَامًّا فَعَلَى قَوْلَيْنِ، وَهَذَا أَشْبَهُ، لِأَنَّ حَجَّةَ النَّذْرِ أَغْلَظُ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يُؤَخِّرَهُ لِعُذْرٍ يَعُودُ إِلَيْهِ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ نِسْيَانٍ، أَوْ تَلَفِ مَالٍ، أَوْ خَطَأِ عَدَدٍ، أَوْ ضَلَالِ طَرِيقٍ، فَالْقَضَاءُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ لِاخْتِصَاصِ الْأَعْذَارِ بِهِ، كَمَا لَا يَسْقُطُ عَنْهُ صِيَامُ رَمَضَانَ بِمَرَضِهِ وَإِعْذَارِهِ مَعَ إِمْكَانِ اسْتِثْنَائِهَا في نذره.

(مسألة:)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ الْيَوْمَ الَّذِي يَقْدِمُ فِيهِ فلانٌ فَقَدِمَ لَيْلًا فَلَا صَوْمَ عَلَيْهِ وَأُحِبُّ لَوْ صَامَ صَبِيحَتَهُ وَلَوْ قَدِمَ نَهَارًا هُوَ فِيهِ صائمٌ تَطَوُّعًا كَانَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ لِأَنَّهُ نَذْرٌ وَقَدْ يَحْتَمِلُ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ بِأَنْ يَكُونَ فِيهِ صَائِمًا عن نذره (قال المزني) يعني أنه لا صوم لنذره إلا بينةٍ قبل الفجر ولم يكن له سبيلٌ إلى أن يعلم أن عليه صوماً إلا بعد مقدمه (قال المزني) قضاؤه عندي أولى به (قال المزني) وكذلك الحج إذا أمكنه قبل موته، فرض الله عز وجل صوم شهر رمضان بعينه فلم يسقط بعجزه عنه بمرضه (قال المزني) رحمه الله قال الله ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أيَّامٍ أَخَرَ﴾ وأجمعوا أنه لو أغمي عليه الشهر كله فلم يعقل فيه أن عليه قضاءه والنذر عنده واجبٌ فقضاؤه إذا أمكنه وإن ذهب وقته واجبٌ وقد قطع بهذا القول في موضعٍ آخر (قال الشافعي) ولو أصبح فيه صائماً من نذرٍ غير هذا أحببت أن يعود لصومه لنذره ويعود لصومه لقدوم فلان ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَفِي انْعِقَادِ هَذَا النَّذْرِ، إِذَا قَالَ: " لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ الْيَوْمَ الَّذِي يَقَدَمُ فِيهِ فُلَانٌ " قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ نَذْرَهُ بَاطِلٌ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ تَقْدِيمَ النِّيَّةِ فِي صِيَامِ النَّذْرِ مُسْتَحَقٌّ فِي اللَّيْلِ، وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا قَبْلَ الْعِلْمِ بِوُجُوبِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ قُدُومَهُ فِيهِ يَمْنَعُ مِنْ إِجْزَاءِ الصَّوْمِ قَبْلَهُ، وَقَدْ مَضَى مِنَ النَّهَارِ بَعْضُهُ،

فَلَمْ يَجُزْ لِتَقَدُّمِهِ وَبَقَاءِ بَعْضِهِ، فَلَمْ يَصِحَّ صَوْمُ بَعْضِهِ، وَهَذَا تَعْلِيلُ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ فلهذين التعليلين بطل نذره ولم يلزمه وقضاءه، كَمَنْ نَذَرَ صِيَامَ الْأَيَّامِ الْمُحَرَّمَةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ إِنَّ نَذْرَهُ مُنْعَقِدٌ وقضاؤه وَاجِبٌ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْمُزَنِيُّ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ نَذْرٌ انْعَقَدَ عَلَى اسْتِقْبَالِ صِيَامٍ فِي زَمَانٍ، يَجُوزُ فِيهِ الصِّيَامُ، فَصَارَ كَسَائِرِ الْأَيَّامِ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ التَّفْرِيعُ فَإِنْ قُدِمَ بِفُلَانٍ مَيِّتًا، سَقَطَ فَرْضُ الصِّيَامِ لِعَدَمِ الشَّرْطِ وَإِنْ قَدِمَ فُلَانٌ حَيًّا، لَمْ يَخْلُ مَقْدِمُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَإِنْ قَدِمَ لَيْلًا، سَقَطَ فَرْضُ الصِّيَامِ لِأَنَّهُ لَمَّا عَلَّقَهُ بِالْيَوْمِ صَارَ النَّهَارُ شَرْطًا فِي وُجُوبِهِ، وَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِلَى وُجُوبِ الصِّيَامِ عَلَيْهِ فِي غَدِهِ تَعْلِيلًا بِأَنَّ الْعَرَبَ تُعَبِّرُ بِاللَّيَالِي عَنِ الْأَيَّامِ، وَعَنِ اللَّيَالِي بِالْأَيَّامِ، وَلِذَلِكَ مَا اسْتَحَبَّ الشَّافِعِيُّ أَنْ يَصُومَ صَبِيحَةَ لَيْلَتِهِ.
وَلَوْ قَدِمَ نَهَارًا، لَمْ يَخْلُ حَالُ النَّاذِرِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ صَائِمًا، أَوْ مُفْطِرًا، فَإِنْ كَانَ فِيهِ مُفْطِرًا فَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُمْسِكَ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَإِنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ كَالْمُسَافِرِ إِذَا قَدِمَ فِي يَوْمٍ قَدْ أَفْطَرَ فِي أَوَّلِهِ، اسْتَحْبَبْنَا لَهُ أَنْ يُمْسِكَ فِي بَقِيَّتِهِ وَإِنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ وَإِنْ كَانَ النَّاذِرُ فِي يَوْمِ الْقُدُومِ صَائِمًا لَمْ يَخْلُ صَوْمُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ تَطَوُّعًا، فَيَكُونُ فِيهِ عَلَى حُكْمِ تَطَوُّعِهِ، وَلَا يُجْزِئُهُ عَنْ نَذْرِهِ، وَفِي انْحِتَامِ صِيَامِهِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَنْحَتِمُ صَوْمُهُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مُسْتَحِقًّا فِي نَذْرِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَنْحَتِمُ صَوْمُهُ عَلَيْهِ، وَيَكُونُ عَلَى اخْتِيَارِهِ فِيهِ، وَهُوَ أَظْهَرُ اعْتِبَارًا بِمَا انْعَقَدَتْ نِيَّتُهُ عَلَيْهِ مِنْ تَطَوُّعِهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ صِيَامُهُ عَنْ فَرْضٍ وَجَبَ عَلَيْهِ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فَرْضَ صِيَامٍ مُتَعَيِّنًا فِي يَوْمٍ، وَذَلِكَ صِيَامَانِ: أَحَدُهُمَا: فَرْضُ رَمَضَانَ.
وَالثَّانِي: لِنَذْرٍ تَقَدَّمَ مِنْهُ، تَعَيَّنَ عَلَيْهِ فِي يَوْمِهِ، فَيَسْتَكْمِلُ صَوْمَ يَوْمِهِ عَنْ فَرْضِهِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ، لِعَدَمِ اسْتِحْقَاقِهِ، وَيُسْتَحَبُّ لَوْ أَعَادَهُ، وَلَا يَكُونُ فَرْضُهُ مُشْتَرَكًا، وَعَلَيْهِ قَضَاءُ نَذْرِهِ الْمُسْتَقْبَلِ فَيَصُومُ يَوْمَيْنِ فَرْضًا وَيَوْمًا مُسْتَحَبًّا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَصُومَهُ عَنْ فَرْضٍ لَمْ يَتَعَيَّنْ فِيهِ، كَقَضَاءِ رَمَضَانَ، وَصَوْمِ الْكَفَّارَةِ، فَعَلَيْهِ إِتْمَامُهُ عَنْ فَرْضِهِ الَّذِي نَوَاهُ، وَفِي وُجُوبِ قَضَائِهِ عَنْ ذَلِكَ الْفَرْضِ وَجْهَانِ:

أَحَدُهُمَا: - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ - يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ، لِدُخُولِهِ فِيهِ عَنْ نِيَّةٍ انْعَقَدَتْ بِهِ، ثُمَّ عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ صَوْمَ نَذْرِهِ، وَيَصُومَ عَلَى قَوْلِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ يَوْمًا عَنْ فَرْضِهِ وَيَوْمًا عَنْ نَذْرِهِ، وَيَوْمًا مُسْتَحَبًّا.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَصُومَ عَنْ نَذْرِهِ فِي يَوْمِ الْقُدُومِ وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَعْلَمَ بِقُدُومِهِ فِيهِ، فَلَا يُجْزِئُهُ صِيَامُهُ عَنْ نَذْرِهِ، لِعَدَمِ عِلْمِهِ كَمَا لَا يُجِزِئُهُ صِيَامُ يَوْمِ الشَّكِّ مَعَ عَدَمِ عِلْمِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ سَيَدْخُلُ فِيهِ لِقُرْبِهِ مِنْهُ فَفِي إِجْزَائِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ إِنَّهُ يُجْزِئُهُ لِأَنَّهُ قَدْ نَوَاهُ عَلَى عِلْمٍ بِهِ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ مُقْتَضَى تَعْلِيلِ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ، لِأَنَّهُ قَدْ صَامَ أَوَّلَهُ قَبْلَ مَقْدِمِهِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْهُ، مَعَ الِاخْتِيَارِ مِنْهُ فَلَا يَصِيرُ عَالِمًا بِمَقْدِمِهِ.

(مَسْأَلَةٌ:)

قال الشافعي: " وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ الْيَوْمَ الَذِي يَقْدُمُ فِيهِ فلانٌ أَبَدًا فَقَدِمَ يَوْمَ الْإِثْنَيْن فَعَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ كُلَّ إِثْنَيْن يَسْتَقْبِلُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ يَوْمَ فطرٍ أَوْ أَضْحَى أَوْ تَشْرِيقٍ فَلَا يَصُومُهُ وَلَا يَقْضِيهِ وَقَالَ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) رَحِمَهُ اللَّهُ لا قضاء أشبه بقوله لأنها ليست بوقتٍ لصومٍ عنده لفرضٍ ولا لغيره وإن نذر صومها نذر معصيةً وكذلك لا يقضي نذر معصيةٍ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا عَقَدَ نَذْرَهُ، عَلَى صِيَامِ اليوم الذي يقدم فيه فلان أبدا، فقدم يَوْمَ الِإِثْنَيْن كَانَ نَذْرُهُ فِي الْأَثَانِينِ الْمُسْتَقْبَلَةِ مُنْعَقِدًا، لِإِمْكَانِ صِيَامِهَا وَفِي انْعِقَادِهِ فِي الِإِثْنَيْن الَّذِي قَدِمَ فِيهِ فُلَانٌ قَوْلَانِ، عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُمَا فَيَصِيرُ صَوْمُ الْأَثَانِينِ مُسْتَحَقًّا بِنَذْرِهِ فَإِنْ مَنَعَهُ عَنْ صِيَامِهِ فِي النَّذْرِ عُذْرٌ، فَالْأَعْذَارُ المانعة منه خمسة: أحدها: فرض رمضان، لأنه فِيهِ مِنَ الْأَثَانِينِ مَا قَدِ اسْتَحَقَّ صِيَامَهُ عَنْ فَرْضِهِ، فَخَرَجَ عَنْ جُمْلَةِ نَذْرِهِ، فَيَلْزَمُهُ صِيَامُ أَثَانِين رَمَضَانَ عَنْ رَمَضَانَ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَصُومَهَا عَنْ نَذْرِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ قضاؤها عن النذر، لاستثناءها بِالشَّرْعِ مَعَ إِحَاطَةِ الْعِلْمِ بِوُجُودِهَا فِيهِ، فَإِنْ صَامَهَا عَنْ نَذْرِهِ لَمْ يَكُنْ نَذْرًا، وَلَا فَرْضًا، وَلَزِمَهُ قَضَاؤُهَا عَنِ الْفَرْضِ دُونَ النَّذْرِ.
وَالْعُذْرُ الثَّانِي: أَنْ يُصَادِفَ بَعْضُ الْأَثَانِينِ مَا يَحْرُمُ صِيَامُهُ مِنَ الْعِيدَيْنِ، وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ صِيَامُهُ، عَنِ النَّذْرِ كَمَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَصُومَهُ عَنْ غَيْرِ النَّذْرِ، وَفِي وُجُوبِ قَضَائِهِ عَنْ نَذْرِهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْأَظْهَرُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي النُّذُورِ، وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ، أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ لِأَمْرَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: لِأَنَّ الشَّرْعَ قَدِ اسْتَثْنَاهُ فَصَارَ كَأثانين رَمَضَانَ.
وَالثَّانِي: لِأَنَّهُ صَادَفَ أَيَّامَ التَّحْرِيمِ فَصَارَ نَذْرَ مَعْصِيَةٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: نَصَّ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ أَنَّ عَلَيْهِ قَضَاءَهُ لِأَنَّ نَذْرَهُ قَدِ انْعَقَدَ عَلَى طَاعَةٍ وَقَدْ كَانَ يَجُوزُ أَنْ لَا يُصَادِفَ أَيَّامَ التَّحْرِيمِ، فَلَزِمَ قَضَاؤُهُ لِانْعِقَادِ النَّذْرِ، وَفَارَقَ أَثَانِينَ رَمَضَانَ الَّتِي لَا يَنْفَكُّ مِنْهَا.
وَالْعُذْرُ الثَّالِثُ: الْمَرَضُ الْمَانِعُ مِنْ صِيَامِهِ بِالْعَجْزِ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، لِأَنَّ مَا وَجَبَ بِالنَّذْرِ مُعْتَبَرٌ بِمَا وَجَبَ بِالشَّرْعِ، فَلَمَّا لَمْ يَسْقُطْ بِالْمَرَضِ قَضَاءُ، مَا وَجَبَ مِنْ رَمَضَانَ، لَمْ يَسْقُطْ بِهِ قَضَاءُ مَا وَجَبَ بِالنَّذْرِ.
وَالْعُذْرُ الرَّابِعُ: الْجُنُونُ الطَّارِئُ عَلَيْهِ، فَيَسْقُطُ بِهِ قَضَاءُ النَّذْرِ كَمَا يَسْقُطُ بِهِ قَضَاءُ الْفَرْضِ.
والعذر الخامس: الإغماء

(مسألة:)

قال الشافعي: " وَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ صَامَهُمَا وَقَضَى كُلَّ إثنين فِيهِمَا وَلَا يُشْبِهُ شَهْرَ رَمَضَانَ لِأَنَّ هَذَا شيءٌ أَدْخَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ بَعْدَمَا وَجَبَ عَلَيْهِ صَوْمُ الإثنين وَشَهْرُ رَمْضَانَ أَوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ لَا بشيءٍ أَدْخَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ صَوْمُ الْأَثَانِينِ عَنْ نَذْرٍ، وَصَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ عَنْ كَفَّارَةٍ، صَامَ أَثَانِينَ الشَّهْرَيْنِ الْمُتَتَابِعَيْنِ عَنْ كَفَّارَتِهِ، دُونَ نَذْرِهِ، لِأَنَّ قَضَاءَ أَثَانِينِ نَذْرِهِ مُمْكِنٌ وقضاء تتابع صيامه بغير الأثناين غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَمَا أَمْكَنَ مَعَهُ أَدَاءُ الْحَقَّيْنِ كَانَ أَوْلَى مِنْ إِسْقَاطِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ، فَإِذَا فَعَلَ هَذَا، وَصَامَ أَثَانِينَ الشَّهْرَيْنِ عَنْ كَفَّارَتِهِ، حَتَّى تَتَابَعَ شَهْرَا صِيَامِهِ أَجْزَأَتْهُ عَنِ الْكَفَّارَةِ، وإن كان صام أَثَانِينِهِ مُسْتَحَقًّا عَنْ غَيْرِهَا، لِمَا قَدَّمْنَا مِنَ التَّعْلِيلِ.
فَأَمَّا قَضَاءُ أَثَانِينِهِ عَنِ النَّذْرِ فَمُعْتَبَرٌ بِأَسْبَقِهِمَا وُجُوبًا، فَإِنْ تَقَدَّمَ وُجُوبُ النَّذْرِ عَلَى وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ أَثَانِينَ الشَّهْرَيْنِ عَنْ نَذْرِهِ، لِأَنَّهُ أَدْخَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِإِيجَابِ الْكَفَّارَةِ مَا مَنَعَهُ مِنْ صِيَامِ النَّذْرِ قَضَاءً كَالْفِطْرِ بِعُذْرٍ، أَوْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَإِنْ تَقَدَّمَ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ عَلَى وُجُوبِ النَّذْرِ فَفِي قضاء أثانين الكفارة وجهان: أحدهما: يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهَا، لِتَقَدُّمِ اسْتِحْقَاقِهَا عَنْهُ كَأَثَانِينِ رَمَضَانَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهَا بِخِلَافِ أَثَانِينِ رَمَضَانَ، لِأَنَّهُ أَدْخَلَ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ عَلَى نَفْسِهِ، وَقَدِ التزم بالنذر أثانيها فَقَضَاهَا، لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَسْتَثْنِهَا، وَصِيَامُ رَمَضَانَ

أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، فَلَمْ يَقْضِ أَثَانِينَهُ، لِأَنَّ الشَّرْعَ قَدِ اسْتَثْنَاهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(مَسْأَلَةٌ:)

قال الشافعي: " وَلَوْ كَانَ النَّاذِرُ امْرَأَةً فَهِيَ كَالرَّجُلِ وَتَقْضِي كُلَّ مَا مَرَّ عَلَيْهَا مِنْ حَيْضِهَا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا حَيْضُهَا فِي شَهْرَيِ الْكَفَّارَةِ، فَلَا يَمْنَعُ مِنْ تَتَابُعِهَا، لِأَنَّ عَادَتَهَا فِي الْحَيْضِ يمنع مِنْ صِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ بِغَيْرِ حَيْضٍ، وَلِذَلِكَ لَوْ نَذَرَتْ صِيَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ لَمْ يَقْطَعِ الْحَيْضُ تَتَابُعَ الصِّيَامِ فِي نَذْرِهَا، كَمَا لَمْ يَقْطَعْ تَتَابُعَهُ فِي كَفَّارَتِهَا، وَعَلَيْهَا أَنْ تَقْضِيَ أَيَّامَ حَيْضِهَا فِي صِيَامِ الْكَفَّارَةِ مُتَتَابِعَةً، كَمَا كَانَ عَلَيْهَا مُتَابَعَةُ الْأَدَاءِ، وَفِي وُجُوبِ قَضَائِهَا فِي صِيَامِ النَّذْرِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: تَقْضِي أَيَّامَ حَيْضِهَا فِي النَّذْرِ كَمَا قَضَتْهَا فِي الْكَفَّارَةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَيْسَ عَلَيْهَا قَضَاؤُهَا، فِي صِيَامِ النَّذْرِ، وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهَا قَضَاؤُهَا فِي صِيَامِ الْكَفَّارَةِ لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِالشَّرْعِ، وَوُجُوبِ النَّذْرِ بِالشَّرْطِ.
فَأَمَّا إِذَا أَلْزَمَهَا صِيَامُ كُلِّ إِثْنَيْن بِالنَّذْرِ فَحَاضَتْ فِي يَوْمِ الِإِثْنَيْن فَهِيَ بِالْحَيْضِ مُفْطِرَةٌ، لَا يُجْزِئُهَا إِمْسَاكُهَا فِيهِ عَنِ النَّذْرِ، لِأَنَّ الصَّوْمَ فِي الْحَيْضِ مَعْصِيَةٌ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ عَلَيْهَا قَضَاءَهُ عَنْ نَذْرِهَا، كَمَا كَانَ عَلَيْهَا قَضَاءُ أَيَّامِ حَيْضِهَا فِي فَرْضِ رَمَضَانَ، لِيَكُونَ حُكْمُ النَّذْرِ مَحْمُولًا عَلَى مُوجَبِ الشَّرْعِ، وَقَدْ خَرَّجَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا قَوْلًا آخَرَ إنَّهَا لَا تَقْضِيهِ كَمَا لَا تَقْضِي إِذَا صَادَفَ أَيَّامَ الْعِيدِ، وَالتَّشْرِيقِ، وَهَذَا التَّخْرِيجُ غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْعِيدَيْنِ وَالتَّشْرِيقِ عَامٌّ فِي جَمِيعِ النَّاسِ وَتَحْرِيمَ الْحَيْضِ خَاصٌّ فِيهَا دُونَ غَيْرِهَا فَافْتَرَقَا.
(مَسْأَلَةٌ:) قال الشافعي: " وَلَوْ قَالَتْ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ أَيَّامَ حَيْضِي فَلَا يَلْزَمُهَا شيءٌ لِأَنَّهَا نَذَرَتْ مَعْصِيَةً (قال المزني) رحمه الله هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا يَقْضِيَ نَذْرَ معصيةٍ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا إِذَا نَذَرَتْ أَنْ تَصُومَ أَيَّامَ حَيْضِهَا، فَهُوَ مَعْصِيَةٌ، لَا يَنْعَقِدُ بِهِ نَذْرٌ، وَلَا يَلْزَمُ بِهِ قَضَاءٌ كَالنَّذْرِ فِي صِيَامِ الْأَيَّامِ الْمُحَرَّمَةِ، وَقَدْ وَافَقَ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَيَّامِ الْحَيْضِ وَإِنْ خَالَفَ فِي أَيَّامِ التَّحْرِيمِ، وَحَدِيثُ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا نَذْرَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ " عَامٌّ فِي الْأَمْرَيْنِ.
وَلَوْ نَذَرَتْ أَنْ تَصُومَ أَيَّامَ اسْتِحَاضَتِهَا كَانَ نَذْرًا صَحِيحًا لِإِبَاحَةِ الصِّيَامِ فِي الِاسْتِحَاضَةِ، وَإِنْ حَرُمَ فِي الْحَيْضِ، وَلَوْ نَذَرَتْ أَنْ تَصُومَ أَيَّامَ نِفَاسِهَا، لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ

الصَّوْمَ فِيهِ حَرَامٌ كَالْحَيْضِ، وَلَوْ نَذَرَتْ أَنْ تَصُومَ عَدَدَ أَيَّامِ حَيْضِهَا، صَحَّ النَّذْرُ، وَلَزِمَهَا الصَّوْمُ، لِأَنَّهَا جَعَلَتْ أَيَّامَ الْحَيْضِ مِقْدَارًا، وَلَمْ تَجْعَلْهَا زَمَانًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(فَصْلٌ:)

فَأَمَّا إِذَا نَذَرَ الصَّلَاةَ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا، كَمَنْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَ الصُّبْحِ، وَقَبْلَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ، وَعِنْدَ قِيَامِ الظَّهِيرَةِ، وَقَبْلَ الزَّوَالِ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ، وَقَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ النَّذْرَ بَاطِلٌ لَا يَنْعَقِدُ بِوَفَاءٍ وَلَا قَضَاءٍ، لِأَنَّ الصَّلَاةَ فِيهَا مَعَ النَّهْيِ مَعْصِيَةٌ وَالنَّذْرُ لَا يَنْعَقِدُ بِمَعْصِيَةٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ النَّذْرَ صَحِيحٌ، يَنْعَقِدُ عَلَى الْوَفَاءِ بِالصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ، فَيُصَلِّي فِيهَا وَلَا يَقْضِي لتوجه المنهي إلا مَا لَا سَبَبَ لَهُ مِنَ الصَّلَوَاتِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ النَّذْرَ صَحِيحٌ، يَنْعَقِدُ بِالْقَضَاءِ دُونَ الْوَفَاءِ، فَيَلْزَمُهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا فِي غَيْرِ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ، وَلَا يَجُوزَ أَنْ يُصَلِّيَهَا فِيهَا، لِيَفِيَ بِالنَّذْرِ، وَيَسْلَمَ مِنَ الْمَعْصِيَةِ.

(فَصْلٌ:)

وَإِذَا بَطَلَ نَذْرُ الْمَعْصِيَةِ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى النَّاذِرِ فِيهِ.
قَالَ الرَّبِيعُ: فِيهِ قَوْلٌ آخَرُ عَلَيْهِ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْ نَذْرِ الْمَعْصِيَةِ، كَفَّارَةَ يَمِينٍ، لِأَنَّ الزُّهْرِيَّ رَوَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ " وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَهَذَا التَّخْرِيجُ مِنَ الرَّبِيعِ، لَيْسَ بِقَوْلٍ لِلشَّافِعِيِّ، وَإِنَّمَا قَالَهُ تَخْرِيجًا عَنْ نَفْسِهِ، لِأَنَّ غَيْرَهُ لَمْ يَحْكِهِ عَنْهُ، وَلَا وُجِدَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِهِ، وَلَا تَقْتَضِيهِ أُصُولُ مَذْهَبِهِ، وَكَانَ الرَّبِيعُ إِذَا أَلْزَمَ شَيْئًا قَالَ: وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ لِقُصُورِهِ عَنِ الِانْفِصَالِ عَنْهُ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِرِوَايَتِهِ دُونَ تَخْرِيجِهِ، وَتَأْوِيلُ الْحَدِيثِ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى نَذْرِ الْأَيْمَانِ، الَّتِي يُخَيَّرُ فِيهَا بَيْنَ الْوَفَاءِ وَالتَّكْفِيرِ، وَلَا يُحْمَلُ عَلَى نَذْرِ الْجَزَاءِ وَالتَّبَرُّرِ.
(فَصْلٌ:) فَأَمَّا الْمُزَنِيُّ، فَإِنَّهُ جَعَلَ بُطْلَانَ نَذْرِهَا، إِذَا نَذَرَتْ أَنْ تَصُومَ أَيَّامَ حَيْضِهَا دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهَا فِي نَذْرِ صِيَامِ يَوْمِ الِإِثْنَيْن أَنْ تَقْضِيَ، مَا وَافَقَ أَيَّامَ الْحَيْضِ، وَأَيَّامَ التَّحْرِيمِ، وَهَذَا اسْتِدْلَالٌ فَاسِدٌ، لِأَنَّ نَذْرَ الِإِثْنَيْن انْعَقَدَ عَلَى طَاعَةٍ، فَجَازَ أَنْ يَلْزَمَ فِيهِ الْقَضَاءُ، وَنَذْرُ الْحَيْضِ وَأَيَّامِ التَّحْرِيمِ انْعَقَدَ عَلَى مَعْصِيَةٍ، فَلَمْ يَلْزَمْ فِيهِ الْقَضَاءُ، لِافْتِرَاقِ حكم العقدين.
والله أعلم.

(مسألة:)

قال الشافعي رحمه الله عليه " وَإِذَا نَذَرَ الرَّجُلُ صَوْمًا أَوْ صَلَاةً وَلَمْ يَنْوِ عَدَدًا فَأَقَلُّ مَا يَلْزَمُهُ مِنَ الصَّلَاةِ رَكْعَتَانِ وَمِنَ الصَّوْمِ يومٌ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا إِذَا نَذَرَ عَدَدًا مِنْ صَلَاةٍ، أَوْ صِيَامٍ، لَزِمَهُ الْعَدَدُ الَّذِي قَالَهُ، أَوْ

نَوَاهُ، فَأَمَّا إِذَا أَطْلَقَ نَذْرَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ عَدَدًا، وَلَا نَوَاهُ، وَقَالَ: " لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمٌ، أَوْ صَلَاةٌ " لَزِمَهُ صِيَامُ يَوْمٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّهُ يُسْتَحَقُّ شَرْعًا، فَاسْتُحِقَّ نَذْرًا.
وَلَوْ قِيلَ: يَلْزَمُهُ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ كَانَ مَذْهَبًا، لِأَنَّهُ أَقَلُّ صَوْمٍ وَرَدَ فِي الشَّرْعِ نَصًّا، فَأَمَّا الصَّلَاةُ فَفِيمَا يَلْزَمُهُ مِنْهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْأَصَحُّ نَقَلَهُ الْمُزَنِيُّ وَالرَّبِيعُ يَلْزَمُهُ مِنْهَا رَكْعَتَانِ، لِأَنَّهَا أَقَلُّ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: تَفَرَّدَ الرَّبِيعُ بِنَقْلِهِ، تَلْزَمُهُ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ، لِأَنَّ أَقَلَّ الْوِتْرِ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَا اعْتِبَارَ بِهَذَا التَّعْلِيلِ، لِأَنَّ الْفَرْضَ أَصْلٌ، وَالْوِتْرُ تَبَعٌ، فَوَجَبَ إِلْحَاقُهُ بِالْأَصْلِ دُونَ التَّوَابِعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(فَصْلٌ:)

وَإِذَا نَذَرَ صَلَاةَ رَكْعَتَيْنِ فِي مَوْضِعٍ بِعَيْنِهِ فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ فِعْلُ الصَّلَاةِ، وَيَكُونُ مُخَيَّرًا بَيْنَ الصَّلَاةِ فِيهِ، وَفِي غَيْرِهِ، وَهُوَ إِذَا نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِ الْبَصْرَةِ، جَازَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ.
وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ، جَازَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِ الْبَصْرَةِ، لِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَالصَّلَاةِ فِي الْآخَرِ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ بِنَذْرِهِ فِيهِ، وَلَا يُجْزِئُهُ فِي غَيْرِهِ، وَهُوَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ الْمُخْتَصُّ بِوُجُوبِ الْفَضْلِ فِي الشَّرْعِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَلْزَمُهُ الصَّلَاةُ فِيهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَهَا فِي غَيْرِهِ كَمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي جَامِعِ الْبَصْرَةِ، أَوِ الْكُوفَةِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ يَلْزَمُ فِي الشَّرْعِ الصَّلَاةُ فِي مَوْضِعٍ بِعَيْنِهِ فَلَمْ يَلْزَمْ فِي النَّذْرِ.
وَدَلِيلُنَا قَوْلُ اللَّهُ تَعَالَى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ) {النحل: 91) . فَكَانَ إِذًا عَلَى عُمُومِهِ.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ نَذَرَ نَذْرًا يُطِيقُهُ فَلْيَفِ بِهِ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا سَمَّاهُ فَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِهِ " وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " صلاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ صلاةٍ فِي مَسْجِدِي وصلاةٌ فِي مَسْجِدِي أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ " فَجَعَلَ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، كَمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي غَيْرِهِ، فَصَارَ النَّاذِرُ لِلصَّلَاةِ فِيهِ، كَالنَّاذِرِ لِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ، فَلَمْ يُجْزِهِ عَنْهَا صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ، وَبِهَذَا الْمَعْنَى فَارَقَ نَذْرَ الصَّلَاةِ فِي غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ لَا فَضْلَ لِغَيْرِهِ مِنَ الْمَوَاضِعِ عَلَى غَيْرِهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي وُجُوبِ الصَّلَاةِ فِيهِ، وَهُوَ إِذَا نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى أَوْ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ فَفِي وُجُوبِ الصَّلَاةِ فِيهِ قولان، بناء عل اخْتِلَافِ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ فِي وُجُوبِ النَّذْرِ بِالْمَشْيِ إليهما:

فصول الكتاب · 30 فصل · 608 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الحاوي الكبير · 608 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كِتَابُ الْبُيُوعِ
كتاب الإقرار
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كتاب العارية
كتاب الغصب
كِتَابُ الشَّرْطِ فِي الرَّقِيقِ يَشْتَرِطُهُمُ الْمُسَاقِي
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ الْعَطَايَا وَالصَّدَقَاتِ
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب الصداق
كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع
كتاب السير
كتاب مختصر الجامع من كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب النذور
كِتَابُ الْعِتْق
كتاب عتق أمهات الأولاد من كتب
جارٍ التحميل