الحاوي الكبيرصفحات 39-78
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب النذور

صفحات 39-78
عن هذه الطبعة
عَلَم
الماوردي
الكتاب
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
المؤلف
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
المحقق
الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1419 هـ -1999 م
عدد الأجزاء
19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فَإِنْ أَقَامَ صَاحِبُ الدَّيْنِ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّ لِلْمَحْبُوسِ مَالًا نَظَرَ فَإِنْ لَمْ تُعَيِّنِ الْبَيِّنَةُ الْمَالَ لَمْ تُسْمَعِ الشَّهَادَةُ لِلْجَهْلِ بِهَا.
وَإِنْ عَيَّنَتِ الْمَالَ وَشَهِدَتْ بِأَنَّ لَهُ هَذِهِ الدَّارَ سُئِلَ الْمَحْبُوسُ عَنْهَا، فَإِنِ اعْتَرَفَ بِهَا لِنَفْسِهِ حَكَمَ عَلَيْهِ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ فَإِنِ امْتَنَعَ مِنْ قَضَائِهِ بَاعَهَا عَلَيْهِ الْقَاضِي وَقَضَى دَيْنَهُ.
وَإِنْ أَنْكَرَهَا فَلَهُ حَالَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنْ لَا يُقِرَّ بها لغيره فلا يؤثر إنكاره وتابع عَلَيْهِ فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُقِرَّ بِهَا لِغَيْرِهِ فَيَقُولُ هِيَ لِزَيْدٍ، فَيُسْأَلُ زَيْدٌ عَنْهَا فَإِنْ أَنْكَرَهَا وَأَكْذَبَهُ فِي إِقْرَارِهِ بِهَا بِيعَتْ عَلَيْهِ فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ وَوَكَّلَ الْقَاضِي عَنْهُ وَكَيْلًا يَبِيعُهَا عَلَيْهِ وَلَا يَتَوَلَّى الْقَاضِي بَيْعَهَا مَعَ إِنْكَارِهِ.
وَإِنْ صَدَّقَهُ زيدٌ عَلَى إِقْرَارِهِ بِهَا لَهُ وَادَّعَى مِلْكًا لِنَفْسِهِ قِيلَ لَهُ: أَلَكَ بَيِّنَةٌ بِأَنَّ الدَّارَ لَكَ ملكا؟ فَإِنْ أَقَامَهَا حُكِمَ لَهُ بِالدَّارِ دُونَ الْمَحْبُوسِ؛ لِأَنَّ مَعَهُ بِإِقْرَارِ الْمَحْبُوسِ بَيِّنَةً وَيَدًا فَكَانَ أَوْلَى مِنْ بَيِّنَةِ الْمَحْبُوسِ مَعَ زَوَالِ يَدِهِ بِالْإِنْكَارِ.
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ فَفِي الْحُكْمِ بِهَا لِزَيْدٍ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَحْكُمُ بِهَا لِزَيْدٍ لِأَنَّ الْمَحْبُوسَ قَدْ أَبْطَلَ بَيِّنَتَهُ بِإِقْرَارِهِ فَبَطَلَتْ شَهَادَتُهَا لَهُ وَصَارَ مُقِرًّا بِهَا لِزَيْدٍ فَلَزِمَ إِقْرَارُهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَحْكُمَ بِهَا لِزَيْدٍ وَتَكُونَ الدَّارُ فِي حُكْمِ مِلْكِ الْمَحْبُوسِ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ شَهِدَتْ لَهُ بِالْمِلْكِ وَلِصَاحِبِ الدَّيْنِ بِالْقَضَاءِ، فَإِذَا كَذَّبَهَا رُدَّتْ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَلَمْ تُرَدَّ فِي حَقِّ صَاحِبِ الدَّيْنِ.

(فصل: [النظر في أمور الأوصياء] )

: وَالْأَمَانَةُ الثَّالِثَةُ: النَّظَرُ فِي أُمُورِ الْأَوْصِيَاءِ لِمَا يَتَعَلَّقُ عَلَيْهِمْ مِنْ حُقُوقِ مَنْ تَوَلَّى عَلَيْهِ الْقَاضِي مِنَ الْأَطْفَالِ وَالْمَجَانِينَ وَفِي حُقُوقِ مَنْ لَا يَتَعَيَّنُ مِنَ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ فَيَنْظُرُ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَيَبْدَأُ بِمَنْ يَرَى مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ بِخِلَافِ الْمَحْبُوسِينَ، لِأَنَّ هَذَا مِنْهُ نَظَرُ اجْتِهَادٍ، وَلِأَنَّ النَّظَرَ فِيهِ عَلَيْهِمْ لا لهم.
وللوصي ثلاثة أحوال: أحدهما: أَنْ يَكُونَ وَصِيًّا فِي الْوِلَايَةِ عَلَى الْأَطْفَالِ فَتَلْزَمُهُ فِي حَقِّهِمْ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: الْأَوَّلُ: حِفْظُ أُصُولِ أَمْوَالِهِمْ.
وَالثَّانِي: تَمْيِيزُ فُرُوعِهَا.
وَالثَّالِثُ: النَّفَقَةُ عليهم بالمعروف.

وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ وَصِيًّا فِي تَفْرِيقِ الثُّلُثِ وَقَضَاءِ الدَّيْنِ فَلَا يَتَعَدَّاهُ إِلَى وِلَايَةِ الْأَطْفَالِ، وَنَظَرَ فِي الْوَصِيَّةِ: فَإِنْ كَانَتْ لِمُعَيَّنِينَ سَقَطَ اجْتِهَادُهُ فِيهَا وَصَرَفَ الدَّيْنَ وَالثُّلُثَ فِي الْمُسَمِّينَ وَإِنْ كَانَتْ فِي مَوْصُوفِينَ غَيْرِ مُعَيَّنِينَ اجْتَهَدَ رَأْيَهُ فِي دَفْعِهَا إِلَى الْمَوْصُوفِينَ وَصَارُوا بَعْدَ الدَّفْعِ فِيهَا كَالْمُعَيَّنِينَ فَإِنْ عَدَلَ بِالثُّلُثِ عَنْ أَهْلِ تِلْكَ الصِّفَةِ إِلَى غَيْرِهِمْ لَمْ يجزه وإن كانوا أمس حاجة وضمن الثلاث لِأَهْلِ تِلْكَ الصِّفَةِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ اسْتِرْجَاعُ مَا دَفَعَهُ إِلَّا أَنْ يُصَدِّقُوهُ عَلَى الْوَصِيَّةِ وَالصِّفَةِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ وَصِيًّا، فِي الْأَمْرَيْنِ مِنْ وِلَايَةِ الْأَطْفَالِ وَتَفْرِيقِ الثُّلُثِ فَهِيَ الْوَصِيَّةُ الْعَامَّةُ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَعْمَلَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَا كَانَ يَعْمَلُهُ لَوِ انْفَرَدَ بِهِ.
فَإِذَا عَرَفَ الْقَاضِي مَا إِلَى الْوَصِيِّ اخْتَبَرَ حَالَهُ فِي أَمَانَتِهِ وَقُوَّتِهِ: فَسَيَجِدُهُ لَا يخلو فيها من أربعة أَحْوَالٍ: إِحْدَاهَا: أَنْ يَكُونَ أَمِينًا قَوِيًّا وَهُوَ أَكْمَلُ الْأَوْصِيَاءِ حَالًا فَيُقِرُّهُ الْقَاضِي عَلَى وَصِيَّتِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَبْدِلَ بِهِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ يَكُونُ أَمِينًا ضَعِيفًا لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّفَرُّدِ بِتَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ فَعَلَى الْقَاضِي أَنْ يَضُمَّ إِلَيْهِ مِنْ أُمَنَائِهِ مَنْ يَقْوَى بِهِ فِي تَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ وَلَا يَرْفَعُ يَدَهُ لِضَعْفِهِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ خَائِنًا فِي الْأَمَانَةِ فَاسِقًا فِي الدِّيَانَةِ فَلَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يُقِرَّهُ عَلَيْهَا وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهَا إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأُمَنَاءِ.
وَالْحَالُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَكُونَ ثِقَةً فِي الْأَمَانَةِ فَاسِقًا فِي الدِّيَانَةِ فَيَنْظُرُ فِي الْوَصِيَّةِ فَإِنْ كَانَتْ بِالْوِلَايَةِ عَلَى الْأَطْفَالِ أَوْ تَفْرِيقِ الثُّلُثِ فِي غَيْرِ مُعَيَّنِينَ انْتَزَعَهَا مِنْهُ الْقَاضِي وَرَدَّهَا إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأُمَنَاءِ الْعُدُولِ وَإِنْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ فِي تَفْرِيقِ الثُّلُثِ لِمُعَيَّنِينَ أَوْ قَضَاءِ الدَّيْنِ لِمُسَمِّينَ جَازَ أَنْ يُقِرَّهَا فِي يَدِهِ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا: إِنَّ فِي تِلْكَ وِلَايَةً وَاجْتِهَادًا وَلَيْسَ الْفَاسِقُ مِنْ أَهْلِهَا وَهَذِهِ مَقْصُورَةٌ بِالتَّعْيِينِ عَلَى التَّنْفِيذِ دُونَ الِاجْتِهَادِ.
فَإِذَا أُبْطِلَتِ الْوَصِيَّةُ بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْخِيَانَةِ وَالْفِسْقِ لَمْ يَخْلُ حَالُهُ فِي الْوَصِيَّةِ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَدْ تَصَرَّفَ فِيهَا أَوْ كَفَّ عَنْهَا.
فَإِنْ كَفَّ عَنْهَا وَلَمْ يَتَصَرَّفْ فِيهَا رَفعَ الْقَاضِي يَدَهُ عَنْهَا وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهَا.
وَإِنْ تَصَرَّفَ فِيهَا اعْتَبَرَ حَالَ فِسْقِهِ فَإِنْ كَانَ خَفِيًّا يَفْتَقِرُ إِلَى اجْتِهَادٍ نَفَّذَ تَصَرُّفَهُ وَلَمْ يُضْمَنْ إِلَّا بِالتَّعَدِّي مَا لَمْ يَحْكُمِ الْقَاضِي بِفِسْقِهِ، وَإِنْ كَانَ فِسْقُهُ ظَاهِرًا لَا يَفْتَقِرُ إِلَى اجْتِهَادٍ رُدَّ تَصَرُّفُهُ وَلَمْ يُنَفَّذْ.
فَإِنْ بَاعَ فَسَخَ بَيْعَهُ وَإِنْ فَرَّقَ الثُّلُثَ فِي مُعَيَّنِينَ أَوْ قَضَى دَيْنًا لِمُسَمِّينَ لَمْ يَضْمَنْهُ وَأَمْضَى فِعْلَهُ لِوُصُولِهِ إِلَى مَنْ تَعَيَّنَ حَقُّهُ فِيهِ وَإِذَا كَانَ الثُّلُثُ لِمَنْ لَا يَتَعَيَّنُ مِنَ الْفُقَرَاءِ

وَالْمَسَاكِينِ رَدَّهُ الْقَاضِي وَلَمْ يَضُمَّهُ وَأَغْرَمَهُ مَا فَرَّقَهُ وَرَدَّ تَفْرِيقَ مَا تَغَرَّمَهُ إِلَى أَمِينِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمَسَاكِينِ بِمَا فَرَّقَهُ وَإِنْ صَدَّقُوهُ عَلَى الْوَصِيَّةِ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ بِوُصُولِهِ إِلَيْهِمْ بِحَقٍّ.

(فَصْلٌ: [النَّظَرُ فِي أحوال أمناء القضاة] )

: وَالْأَمَانَةُ الرَّابِعَةُ: النَّظَرُ فِي أَحْوَالِ أُمَنَاءِ الْقُضَاةِ فَيُعْتَبَرُ فِيهِمْ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا: مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ قُوَّةٍ وَأَمَانَةٍ.
وَالثَّانِي: مَا يَتَصَرَّفُونَ فِيهِ مِنَ الْوِلَايَةِ عَلَى أَطْفَالٍ وَالنَّظَرِ فِي أَمْوَالٍ.
وَالثَّالِثُ: مَا فَعَلُوهُ فِيهَا مِنْ قَبْلُ وَمَا يَسْتَأْنِفُونَ مِنَ الْعَمَلِ فِيهَا مِنْ بَعْدُ.
وَيَبْدَأُ بِمَنْ يَرَاهُ مِنْهُمْ مَنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ كَالْأَوْصِيَاءِ.
وَلَا يَخْلُو حَالُ الْأَمِينِ فِيهَا مِنْ أربعة أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ عَدْلًا، وَقَدْ فَعَلَ مَا جَازَ فَيَكُونُ عَلَى وِلَايَتِهِ وَنَفَاذِ قَوْلِهِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ عَدْلًا وَقَدْ فَعَلَ مَا لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ أَتَاهُ عَلَى جَهَالَةٍ فَيَكُونُ عَلَى وِلَايَتِهِ وَيَرُدُّ مَا فَعَلَهُ فَإِنْ أَمْكَنَ اسْتِدْرَاكُهُ لَمْ يُغَرِّمْهُ، وَإِنْ فَاتَ اسْتِدْرَاكُهُ غَرَّمَهُ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ فَاسِقًا وَقَدْ فَعَلَ مَا جَازَ فَوِلَايَتُهُ بَاطِلَةٌ بِفِسْقِهِ وَلَا يَضْمَنُ مَا تَعَيَّنَ وَيَضْمَنُ مَا لَمْ يَتَعَيَّنْ كَالْوَصِيِّ.
وَالْحَالُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَكُونَ فَاسِقًا وَقَدْ فَعَلَ مَا لَمْ يَجُزْ فَوِلَايَتُهُ بَاطِلَةٌ وَعَمَلُهُ مَرْدُودٌ وَعَلَيْهِ غُرْمُ مَا تَصَرَّفَ فِيهِ.
فَإِنْ وَجَدَ مِنْ أَحَدِ الْأُمَنَاءِ ضَعِيفًا كَانَ فِيهِ بَيْنَ خِيَارَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَضُمَّ إِلَيْهِ قَوِيًّا مِنْ أُمَنَائِهِ وَإِمَّا أَنْ يَنْتَزِعَهَا مِنْهُ إِلَى قَوِيٍّ بِخِلَافِ الْوَصِيِّ.
وَإِذَا ادَّعَى الْأَمِينُ الْوَصِيَّ بِهِ أَنْفَقَ عَلَى الْيَتِيمِ مَالًا أَوْ عَمَّرَ لَهُ عَقَارًا وَكَانَ مَا ادَّعَاهُ مُحْتَمَلًا قَبْلَ قَوْلِهِ فِيهِ فَإِنِ اتَّهَمَهُ الْقَاضِي أَحْلَفَهُ عَلَيْهِ.
فَإِنِ ادَّعَى فِي مَالِ الْيَتِيمِ أُجْرَةً جَعَلَهَا لَهُ الْحَاكِمُ قَبْلَهُ فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَعْطَاهُ إذا لم تزد عَلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ.
وَإِنْ عُدِمَ الْبَيِّنَةَ فَفِي اسْتِحْقَاقِهَا وَجْهَانِ مِنِ اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ فِي صَاحِبِ الدَّابَّةِ إِذَا رَكِبَهَا ثُمَّ ادَّعَى إِعَارَتَهَا، وَادَّعَى الْمَالِكُ إِجَارَتَهَا.
أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ أَنَّ لِلْأَمِينِ أُجْرَةَ مِثْلِهِ.
إِذَا قِيلَ إِنَّ لِصَاحِبِ الدَّابَّةِ أُجْرَتَهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا أُجْرَةَ لِلْأَمِينِ إِذَا قِيلَ لَيْسَ لِصَاحِبِ الدَّابَّةِ أُجْرَتُهَا.

وَعَلَى الْقَاضِي بَعْدَ تَصَفُّحِ أَحْوَالِ الْأُمَنَاءِ وَالْأَوْصِيَاءِ أَنْ يُثْبِتَ فِي دِيوَانِهِ حَالَ كُلِّ أَمِينٍ وَوَصِيٍّ فِيمَا بِيَدِهِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَمَنْ يَلِي عَلَيْهِ مِنَ الْأَيْتَامِ لِيَكُونَ حُجَّةً لِلْجِهَتَيْنِ فَإِنْ وَجَدَ ذِكْرَ ذَلِكَ فِي دِيوَانِ الْقَاضِي الْأَوَّلِ عَارَضَ بِهِ وَعَمِلَ بِأَحْوَطِهِمَا.

(فَصْلٌ: [النَّظَرُ فِي الوقوف العامة والخاصة] )

: وَالْأَمَانَةُ الْخَامِسَةُ: النَّظَرُ فِي الْوُقُوفِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ.
أَمَّا الْعَامَّةُ فَلِأَنَّ مُسْتَحِقِّيهَا لَا يَتَعَيَّنُونَ فَلَمْ يَقِفِ النَّظَرُ عَلَى مَطَالِبَ.
وَأَمَّا الْخَاصَّةُ؛ فَلِأَنَّ مُفْضَاهَا إِلَى مَنْ لَا يَتَعَيَّنُ مِنَ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ لِيَنْظُرَ هَلْ أَفْضَتْ إِلَيْهِمْ وَهَلْ يَسْتَحِقُّ الْوِلَايَةَ عَلَى مَنْ تَعَيَّنَ مِنْهُمْ لِصِغَرٍ أَوْ جُنُونٍ أَوْ سَفَهٍ وَلِيَعْلَمَ سُبُلَهَا فَيَحْمِلَ عَلَى شُرُوطِ وَاقِفِهَا.
وَإِنْ تَغَيَّرَ حَالُ الْوَالِي عَلَيْهَا، فَعَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْأَوْلِيَاءِ وَالْأُمَنَاءِ وَالْأَسْجَالِ بِهِ عِنْدَ تَطَاوُلِ مُدَّتِهُ لِتَكُونَ الْحُجَّةُ بَاقِيَةً وَمُثْبَتَةً فِي دِيوَانِهِ عَلَى مَا مَضَى فِي الْأُمَنَاءِ وَالْأَوْصِيَاءِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
( [كَرَاهَةُ مُبَاشَرَةِ الْقَاضِي البيع والشراء لنفسه] ) :

(مسألة)

: قال الشافعي رضي الله عنه: وَأَكْرَهُ لَهُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ خَوْفَ الْمُحَابَاةِ بِالزِّيَادَةِ وَيَتَوَلَّاهُ لَهُ غَيْرُهُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَإِنَّمَا كَرِهَ لَهُ أَنْ يُبَاشِرَ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ فِي خَاصِّ نَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَرِهَهُ أَبُو حَنِيفَةَ لِرِوَايَةِ أَبِي الْأَسْوَدِ الْمَالِكِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ.
أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " مَا عَدَلَ وَالٍ اتَّجَرَ فِي رَعِيَّتِهِ أَبَدًا ". وَرُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ قَالَ شَرَطَ عَلَيَّ عُمَرُ حِينَ وَلَّانِي الْقَضَاءَ أَنْ لَا أَبِيعَ وَلَا أَبْتَاعَ وَلَا أَرْتَشِيَ وَلَا أَقْضِيَ وَأَنَا غَضْبَانُ، وَلَمَّا بُويِعَ أَبُو بَكْرٍ بِالْخِلَافَةِ خَرَجَ بَعْدَ ثَلَاثٍ بِرِزْمَةِ ثِيَابٍ إِلَى السُّوقِ فَقِيلَ لَهُ مَا هَذَا فَقَالَ أَنَا كَاسِبٌ أَهْلِي فَأَجْرَوْا لَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ كُلَّ يَوْمٍ دِرْهَمَيْنِ، وَلِأَنَّهُ إِذَا بَاعَ وَاشْتَرَى لَمْ يُؤْمَنْ أَنْ يُسَامِحَ وَيُحَابِيَ فَتَمِيلَ نَفْسُهُ عِنْدَ الْمُحَاكَمَةِ إِلَيْهِ إِلَى مُمَايَلَةِ مَنْ سَامَحَهُ وَحَابَاهُ، وَلِأَنَّ فِي مُبَاشَرَتِهِ بِذِلَّةٍ تَقِلُّ بِهَا هَيْبَتُهُ فَكَانَ تَصَاوُنُهُ عَنْهَا أَوْلَى.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَبِيعُ وَيَشْتَرِي فَعَنْهُ أَجْوِبَةٌ:

أَحَدُهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ نَزَّهَ رَسُولَهُ مِمَّا يَتَوَجَّهُ إِلَى غَيْرِهِ مِنَ التُّهْمَةِ فَقَالَ ﴿وما هو على الغيب بضنين﴾ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَا فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ إِلَّا نَادِرًا قَصَدَ بِهِ بَيَانَ الْأَحْكَامِ فَإِنَّهُ ابْتَاعَ مِنْ أَعْرَابِيٍّ فَرَسًا وَقَالَ لَهُ اخْتَرْ.
وَاسْتَامَ مِنْ جَابِرٍ بَعِيرًا لَهُ فَقَالَ هُوَ لك يا رسول الله فقال بل بعينه فَتَمَاكَسَا فِي ثَمَنِهِ حَتَّى اسْتَقَرَّ فَلَمَّا قَدِمَا الْمَدِينَةَ دَفَعَ إِلَيْهِ الثَّمَنَ وَأَعَادَ إِلَيْهِ الْبَعِيرَ وَقَالَ: أَتَظُنُّ أَنَّنِي كَسَبْتُكَ أَيْ غَبِنْتُكَ.
فَدَلَّ بِهَذَا عَلَى أَحْكَامٍ.
مِنْهَا جَوَازُ الِاسْتِطْلَاعِ فِي الْأَثْمَانِ وَإِنَّ الْمُغَابَنَةَ فِيهَا مُمْضَاةٌ لِأَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِهِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ مُخَالَفَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِيمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّرْعِ لَيْسَتْ بِمَعْصِيَةٍ لِأَنَّ جَابِرًا مَا أَجَابَهُ إِلَى مَا طَلَبَهُ مِنْهُ حَتَّى زَادَهُ.
فَإِنِ احْتَاجَ الْقَاضِي إِلَى بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ وَكَّلَ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ، وَلَا يَكُونُ مَعْرُوفًا بِهِ، فَإِنْ عُرِفَ اسْتَبْدَلَ بِهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ حَتَّى لَا يُحَابَى فَتَعُودَ المحاباة إليه.
فإن لم يحد فِي مُبَاشَرَتِهِ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ بُدًّا وَاحْتَكَمَ إِلَيْهِ مَنْ بَايَعَهُ وَشَارَاهُ اخْتَرْنَا لَهُ أَنْ لَا يَنْظُرَ فِي حُكُومَتِهِ بِنَفْسِهِ وَيَسْتَخْلِفَ مَنْ يَنْظُرُ فِيهَا فَيَكُونَ بَعِيدًا مِنَ التُّهْمَةِ فَإِنَّهُ وَإِنْ حَكَمَ بِالْحَقِّ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَكُونَ قَلْبُهُ إِلَيْهِ أَمْيَلَ مِنْ خَصْمِهِ إِنْ بَاشَرَهُ أَوْ إِلَى خَصْمِهِ أَمْيَلَ إِنْ عَاشَرَهُ.
فَإِنْ خَالَفَ مَا اخْتَرْنَا وَتَفَرَّدَ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَأَحْكَامُهُ نَافِذَةٌ كحكمه في الغصب.
( [حضور القاضي الولائم] )

(مسألة)

: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَلَا أُحِبُّ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنِ الْوَلِيمَةِ إِمَّا أَنْ يُجِيبَ كُلًّا وَإِمَّا أَنْ يَتْرُكَ كُلًّا ويعتذر ويسألهم التعليل ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا حُضُورُ الْوَلَائِمِ إِذَا دُعِيَ إِلَيْهَا فَيَجُوزُ أَنْ يُجِيبَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " لَوْ دُعِيت إِلَى كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ لَقَبِلْتُ " رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَنْ تَعَلَّقَتْ عَلَيْهِ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَالْقُضَاةِ هَلْ يَكُونُونَ فِي حُضُورِ الْوَلَائِمِ مَنْدُوبِينَ إِلَيْهَا كَغَيْرِهِمْ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ مَنْدُوبُونَ إِلَى حُضُورِهَا مَعَهُمْ لِعُمُومِ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ " أَجِيبُوا الدَّاعِيَ فَإِنَّهُ مَلْهُوفٌ ". وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ " مَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّاعِيَ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ".

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُمْ لِاخْتِصَاصِهِمْ بِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ يَسْقُطُ عَنْهُمْ فَرْضُ الْإِجَابَةِ بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ وَلِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَا أُحِبُّ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنِ الْوَلِيمَةِ وَأَخْرَجَهُ مَخْرَجَ الِاسْتِحْبَابِ دُونَ الْوُجُوبِ لِأَنَّ أَمْرَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَحْتَمِلُ الْعُمُومَ وَيَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ فِيمَا عَدَا الْوُلَاةَ وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ مُرْتَزِقًا لَمْ يَحْضُرْ لِأَنَّهُ أَجِيرٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُفَوِّتَ عَلَيْهِمْ حَقَّهُمْ مِنْ زَمَانِهِ، وَإِنْ كَانَ مُتَطَوِّعًا غَيْرَ مُرْتَزِقٍ حَضَرَ وَكَانَ كَغَيْرِهِ مِنَ النَّاسِ.
فَتَكُونُ الْإِجَابَةُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فَرْضًا يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي مُسْتَحَبَّةً يُكْرَهُ لَهُ تَرَكُهَا، وَلَا يَأْثَمُ بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الثَّالِثِ مُفَصَّلَةً بِاعْتِبَارِ حَالِهِ فِي الِارْتِزَاقِ وَالتَّطَوُّعِ.

(فَصْلٌ)

: فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا وَدُعِيَ إِلَى وَلِيمَةٍ فَإِنِ مُنِعَ مِنْهَا لَمْ يَحْضُرْ عَلَى الْأَحْوَالِ كُلِّهَا.
وَنَظَرَ فِي الْمُرْتَزَقِ فَإِنْ قَلَّ زَمَانُ حُضُورِهِ فِيهَا كَالْيَوْمِ أَوْ مَا قَارَبَهُ لَمْ يُلْزِمْهُ رَدَّ شَيْءٍ مِنْ رِزْقِهِ.
وَإِنْ طَالَ زَمَانُ حُضُورِهِ لَهَا وَأَقَلُّ زَمَانٍ طُولُهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا رَدَّ مِنْ رِزْقِهِ بِقِسْطِ مَا أَخَلَّ بِنَظَرِهِ.
وَإِنْ أُمِرَ بِالْحُضُورِ وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِوَلِيمَةِ الْعُرْسِ دُونَ غَيْرِهَا نَظَرَ فَإِنْ كَانَ يَنْقَطِعُ بِهَا عَنِ النَّظَرِ فِي أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ.
أَوْ كَانَتْ تَكْثُرُ فَتُفْضِي إِلَى الْبِذْلَةِ امْتَنَعَ مِنَ الْحُضُورِ وَلَمْ يُجِبْ تَوَفُّرًا عَلَى الْأَحْكَامِ وَحِفْظًا لِلْهَيْبَةِ.
وَإِنْ قَلَّتْ: وَلَمْ تَقْطَعْهُ عَنِ النَّظَرِ وَلَا أَفْضَتْ بِهِ إِلَى الْبِذْلَةِ حَضَرَهَا اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ وَاقْتِدَاءً بِالرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. فَإِنْ قَطَعَهُ عَنِ الْحُضُورِ عُذْرٌ فَذَكَرَهُ وَسَأَلَهُمُ التَّحْلِيلَ.
وَإِذَا أَجَابَ عَمَّ بِالْإِجَابَةِ كُلَّ دَاعٍ، وَإِذَا امْتَنَعَ عَمَّ بِالِامْتِنَاعِ كُلَّ دَاعٍ وَلَمْ يَخُصَّ بِالْإِجَابَةِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ لِظُهُورِ الْمُمَايَلَةِ فِيهِ وَتَوَجُّهِ الظِّنَّةِ إِلَيْهِ، وَالْأَوْلَى بِهِ عِنْدِي فِي مِثْلِ هَذَا الزَّمَانِ أَنْ يَعُمَّ بِامْتِنَاعِهِ جَمِيعَ النَّاسِ، لِأَنَّ السَّرَائِرَ قَدْ خَبُثَتْ وَالظُّنُونَ قَدْ تَغَيَّرَتْ.
( [عِيَادَتُهُ الْمَرْضَى وَحُضُورُ الْجَنَائِزِ وَمَقْدَمِ الغائب] ) :

(مسألة)

: قال الشافعي رضي الله عنه: وَيَعُودُ الْمَرْضَى وَيَشْهَدُ الْجَنَائِزَ وَيَأْتِي مَقْدَمَ الْغَائِبِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.
وَهَذِهِ قُرَبٌ يُنْدَبُ إِلَيْهَا جَمِيعُ النَّاسِ فَكَانَ الْوُلَاةُ فِيهَا كَغَيْرِهِمْ.
لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا طَاعَةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وطاعة رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَطَلَبُ ثَوَابِهِ وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " عَائِدُ الْمَرِيضِ فِي مَخْرَفٍ مِنْ مَخَارِفِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ "

وَعَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سَعْدًا وَجَابِرًا فِي مَرَضِهِمَا، وَعَادَ غُلَامًا يَهُودِيًّا فِي جِوَارِهِ وَعَرَض عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ فَأَجَابَ.
وَيَجُوزُ لِلْقَاضِي فِي الْعِيَادَةِ وَشُهُودِ الْجِنَازَةِ أَنْ يَعُمَّ وَيَخُصَّ بِخِلَافِ الْوَلَائِمِ الَّتِي يَعُمُّ بِهَا وَلَا يَخُصُّ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْوَلَائِمَ مِنْ حُقُوقِ الدَّاعِي فَاسْتَوَى جَمِيعُهُمْ فِي اسْتِحْقَاقِ الْإِجَابَةِ وَالْعِيَادَةِ وَحُضُورِ الْجَنَائِزِ مِنْ حُقُوقِهِ لِأَنَّهُ يَقْصِدُ بِهِ الثَّوَابَ فَجَازَ أَنْ يَخُصَّ.
وَالثَّانِي أَنَّ فِي الْوَلَائِمِ ظِنَّةً لَيْسَتْ فِي الْعِيَادَةِ وَالْجَنَائِزِ فَكَانَ الْعُمُومُ فِيهَا مُزِيلًا لِلظِّنَّةِ.
وَكَذَلِكَ إِتْيَانُهُ مَقْدَمَ الْغَائِبِ يَجُوزُ أَنْ يَعُمَّ بِهِ وَيَخُصَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْغَائِبِ خَصْمٌ فَلَا يَأْتِي مَقْدَمَهُ لِئَلَّا تَضْعُفَ بِهِ نَفْسُ خَصْمِهِ بِظُهُورِ الْمُمَايَلَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(هَيْبَةُ مَجَالِسِ الحكام وصيانتها)

(مسألة)

: قال الشافعي رضي الله عنه: وَإِذَا بَانَ لَهُ مِنْ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ لَدَدٌ نَهَاهُ فَإِنْ عَادَ زَجَرَهُ وَلَا يَحْبِسُهُ وَلَا يَضْرِبُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ مَا يَسْتَوْجِبُهُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: مَجْلِسُ الْحُكَّامِ فِي الْأَحْكَامِ يَتَمَيَّزُ عَنْ مَجَالِسِ غَيْرِهِمْ وَعَنْ مَجَالِسِ أَنْفُسِهِمْ فِي غَيْرِ الْأَحْكَامِ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: فَضْلُ وَقَارِ الْقَاضِي فِيهَا عَنْ أَنْ يَبْدَأَ أَحَدًا بِكَلَامٍ أَوْ سَلَامٍ أَوْ إِكْرَامٍ وَلْيَكُنْ فِي دُخُولِ جَمِيعِ الْمُتَنَازِعِينَ إِلَيْهِ مِنْ شَرِيفٍ وَمَشْرُوفٍ مُطْرِقًا فَقَدْ حُكِيَ أَنَّ الْمَهْدِيَّ وَهُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ تَقَدَّمَ مَعَ خُصُومٍ لَهُ بِالْبَصْرَةِ إِلَى قَاضِيهَا عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيِّ فَلَمَّا رَآهُ الْقَاضِي مُقْبِلًا أَطْرَقَ إِلَى الْأَرْضِ حَتَّى جَلَسَ مَعَ خُصُومِهِ مَجْلِسَ الْمُتَحَاكِمِينَ فَلَمَّا انْقَضَتِ الْحُكُومَةُ قَامَ الْقَاضِي فَوَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ الْمَهْدِيُّ: وَاللَّهِ لَوْ قُمْتَ حِينَ دَخَلْتُ إِلَيْكَ لَعَزَلْتُكَ وَلَوْ لَمْ تَقُمْ حِينَ انْقَضَى الْحُكْمُ لَعَزَلْتُكَ.
وَإِنَّمَا كَانَ يَعْزِلُهُ بِالْقِيَامِ قَبْلَ الحكم لممايلته، ويعزله بالعقود بَعْدَ الْحُكْمِ لِتَرْكِ حَقِّهِ فَيَكُونُ الْعَزْلُ الْأَوَّلُ مُسْتَحَقًّا وَالثَّانِي أَدَبًا فَهَذَا وَجْهٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُبْعِدَ مَجَالِسَ الْخُصُومِ مِنْهُ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي الْهَيْبَةِ وَالثَّانِي لِئَلَّا تَسْبِقَ إِلَيْهِ تُهْمَةَ أَنْ يُشِيرَ إِلَى أَحَدِهِمَا أَوْ يُشِيرَ إِلَيْهِ أَحَدُهُمَا بِمَا يُخَالِفُ الْحَقَّ.
وَلْيَكُنِ الْبِسَاطُ الَّذِي يَجْلِسُ عَلَيْهِ مُتَمَيِّزًا عَنْ بِسَاطِ الْخُصُومِ لِيَكُونَ أَهْيَبَ لَهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَحْضُرَ فِي مَجْلِسِهِ مَعَ الْخُصُومِ إِلَّا مَنْ لَهُ بِالْحُكْمِ تَعَلُّقٌ فَإِنَّنَا

نَسْتَحِبُّ أَنْ لَا يَخْلُوَ مَجْلِسُ حُكْمِهِ مِنْ شُهُودٍ وَفُقَهَاءٍ: أَمَّا الشُّهُودُ فَلْيَشْهَدُوا مَا جَرَى فِيهِ مِنْ إِقْرَارٍ وَمَا نَفَذَ فِيهِ مِنْ حُكْمٍ.
وَأَمَّا الْفُقَهَاءُ فَلْيَرْجِعَ إِلَيْهِمْ وَيُشَاوِرَهُمْ فِي أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ وَلِيُنَبِّهُوهُ عَلَى زَلَلٍ إِنْ كَانَ مِنْهُ، وَلَا يَرُدُّوا عَلَيْهِ مَا يُخَالِفُونَهُ مِنْ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ وَيَمْنَعُ أَنْ يَحْضُرَ مَعَ الْخَصْمِ مَنْ لَيْسَ بِوَكِيلٍ لَهُ فِي الْمُحَاكَمَةِ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ.
وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنْ يُسَاوِيَ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِي مَقْعَدِهِمَا وَالنَّظَرِ إِلَيْهِمَا وَكَلَامِهِ لَهُمَا وَلَا يَخُصُّ أَحَدَهُمَا بِتَرْتِيبٍ وَلَا نَظَرٍ وَلَا كَلَامٍ كَتَبَ عُمَرُ فِي عَهْدِهِ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ: آسِ بَيْنَ النَّاسِ فِي وَجْهِكَ وَعَدْلِكَ وَمَجْلِسِكَ حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف مِنْ عَدْلِكَ فَأَمَرَهُ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمْ فِي وَجْهِهِ وَعَدْلِهِ وَمَجْلِسِهِ، وَلْيَكُنْ جُلُوسُ الْخُصُومِ بَيْنَ يَدَيْهِ جُثَاةً عَلَى الرُّكَبِ لِيَتَمَيَّزَ عَنْ جُلُوسِ غَيْرِ الْخُصُومِ فَيَكُونُ أَجْمَعَ لِلْهَيْبَةِ.
وَالْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ كَلَامُ الْخَصْمِ مَقْصُورًا عَلَى الدَّعْوَى وَالْجَوَابِ وَكَلَامُ الْقَاضِي مَقْصُورًا عَلَى ال

ْمَسْأَلَةِ

وَالْحُكْمِ.
وَحُضُورُ الْخُصُومِ فِي الْمُحَاكَمَةِ يُسْقِطُ عَنْهُمْ سُنَّةَ السَّلَامِ.
فَإِنْ سَلَّمَا جَمِيعًا رَدَّ الْقَاضِي عَلَيْهِمَا.
وَإِنْ سَلَّمَ أَحَدُهُمَا فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي فَرْضِ رَدِّهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْحَالِ.
وَالثَّانِي: يَرُدُّ عَلَيْهِ بَعْدَ الْحُكْمِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَرُدَّهُ فِي الْحَالِ عَلَيْهِمَا مَعًا.
وَمَنَعَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الرَّدِّ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا، لِأَنَّ الْخَصْمَ أَوْقَعَ السَّلَامَ فِي غَيْرِ مَوْقِعِهِ فَلَمْ يَسْتَحِقَّ الرَّدَّ عَلَيْهِ والله أعلم.

(فصل: [لدد الخصوم] )

: فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا مِنْ آدَابِ مَجْلِسِهِ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الْخَمْسَةِ فَكَانَ مِنْ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ لَدَدٌ وَفِي اللَّدَدِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ شِدَّةُ الْخُصُومَةِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: 204] وَهَذَا قَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ الِالْتِوَاءُ عَنِ الْحَقِّ وَمِنْهُ أُخِذَ لَدُودُ الْفَمِ، لِأَنَّهُ فِي أَحَدِ جَانِبَيِ الْفَمِ،

وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: 97] وَهَذَا قَوْلُ الْبَغْدَادِيِّينَ، فَيَنْهَى الْقَاضِي الْخَصْمَ عَنْ لَدَدِهِ وَلَا يَبْدَأُهُ قَبْلَ النَّهْيِ بِزَجْرٍ وَلَا زَبْرٍ فَإِنْ كَفَّ بِالنَّهْيِ كَفَّ عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُفَّ عَنْهُ قَابَلَهُ وَغَلَبَهُ بِالزَّجْرِ وَالزَّبْرُ قَوْلًا لَا يَتَعَدَّاهُ إِلَى ضَرْبٍ وَلَا حَبْسٍ.
وَيَكُونُ زَجْرُهُ وَزَبْرُهُ مُعْتَبَرًا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: بِحَسَبِ لَدَدِهِ.
وَالثَّانِي: عَلَى قَدْرِ مَنْزِلَتِهِ.
فَإِنْ لَمْ يُكَفَّ بِالزَّجْرِ وَالزَّبْرِ بَعْدَ الثَّانِيَةِ حَتَّى عَادَ إِلَى ثَالِثَةٍ جَازَ أَنْ يَتَجَاوَزَ زَوَاجِرَ الْكَلَامِ إِلَى الضَّرْبِ وَالْحَبْسِ تَعْزِيرًا وَأَدَبًا يَجْتَهِدُ رَأْيَهُ فِيهِ بِحَسْبِ اللَّدُودِ وَعَلَى قَدْرِ الْمَنْزِلَةِ.
فَإِنْ كَانَ فِي لَدَدِهِ شَتْمٌ وَفُحْشٌ وَكَانَ غَمْرًا سَفِيهًا ضَرَبَهُ إِمَّا بِالْعَصَا أَوْ بِالنَّعْلِ عَلَى مِقْدَارِهِ.
وَإِنْ كَانَ لَدَدُهُ تَمَانُعًا مِنَ الْحَقِّ وَخُرُوجًا عَنِ الْوَاجِبِ وَكَانَ سَاكِتًا حَبَسَهُ.
فَإِنْ جَمَعَ فِي لَدَدِهِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ جَازَ أَنْ يَجْمَعَ فِي تَعْزِيرِهِ بَيْنَ الضَّرْبِ وَالْحَبْسِ.
قَدْ تَحَاكَمَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الزُّبَيْرُ مَعَ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَلَمَّا قَالَ الْأَنْصَارِيُّ بَعْدَ حُكْمِهِ عَلَيْهِ لِلزُّبَيْرِ فِي شُرْبِ أَرْضِهِ إنَّهُ ابْنُ عَمَّتِكَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِلزُّبَيْرِ أَمِرَّ الْمَاءَ عَلَى بَطْنِهِ وَاحْبِسْهُ حَتَّى يَبْلُغَ أُصُولَ الْجَدْرِ فَكَانَ قَوْلُهُ أَمِرَّ الْمَاءَ على بطنه تعزيزا وَفِيهِ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65] وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يُقَسِّمُ الصَّدَقَاتِ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: اعْدِلْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَيْلَكَ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ فَمَنْ يَعْدِلُ؟ فَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ تَعْزِيرًا لَهُ وَفِيهِ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إذا هم يسخطون﴾ [التوبة: 58] . وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي فِي التَّعْزِيرِ عَسُوفًا خَرِقًا وَلَا ضَعِيفًا مَهِينًا وَلْيَكُنْ مُعْتَدِلَ الْأَحْوَالِ وَقُورًا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا يَصْلُحُ لِأُمُورِ الْأُمَّةِ إِلَّا رَجُلٌ قَوِيٌّ فِي غَيْرِ عُنْفٍ لَيِّنٌ مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ لَا تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لائم والله أعلم.
( [القول في مشاورة القضاء] ) :

(مسألة)

: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَيُشَاوِرُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38] وَقَالَ لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - {وشاورهم في

الأَمْرِ} [آل عمران: 159] قَالَ الْحَسَنُ إِنْ كَانَ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنْ مُشَاوَرَتِهِمْ لَغَنِيًّا وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَسْتَنَّ بِذَلِكَ الْحُكَّامُ بَعْدَهُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْمُشَاوَرَةُ فَمَنْدُوبٌ إِلَيْهَا فِي الْأُمُورِ الْمُشْتَبِهَةِ لِمَا أَوْرَدَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَفْسِيرِ الْحَسَنِ ولسنة نبيه وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ " الْمُسْتَشِيرُ مُعَانٌ وَالْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ " وَقَدْ شَاوَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَصْحَابَهُ فِي أَسْرَى بَدْرٍ فَأَشَارَ أَبُو بَكْرٍ بِالْفِدَاءِ وَأَشَارَ عُمَرُ بِالْقَتْلِ فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِرَأْيٍ أَبِي بَكْرٍ وَفَادَى فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال: 67] الْآيَةَ، وَالَّتِي بَعْدَهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَوْ نَزَلَ عَذَابٌ مِنَ السَّمَاءِ لَمَا نَجَا مِنْهُ إِلَّا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ " وَشَاوَرَ رَسُولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَهْلَ الْمَدِينَةِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فِي أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِي حَفْرِ الْخَنْدَقِ حَتَّى اتَّفَقُوا عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: فِي صُلْحِ الْأَحْزَابِ عَلَى ثُلُثِ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ فَقَالُوا إِنْ كَانَ اللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا فَالسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لِأَمْرِ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا تُطْمِعْهُمْ فِينَا فَإِنَّهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَكُونُوا يَصِلُونَ إِلَى ثَمَرِهِ إِلَّا بِشِرَاءٍ أَوْ قِرًى فَامْتَنَعَ وَشَاوَرَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الصَّحَابَةَ فِي الْجَدَّةِ أُمِّ الْأُمِّ وَشَاوَرَ عُمَرُ فِي الْجَدَّةِ أُمِّ الْأَبِّ حَتَّى فَرَضَا لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ.
وَشَاوَرَ عُمَرُ فِي دِيَةِ الْجَنِينِ وَفِي الَّتِي أَجْهَضَتْ مَا فِي بَطْنِهَا، وَشَاوَرَ عُثْمَانُ فِي الْأَحْكَامِ، وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَلِيلَ الِاسْتِشَارَةِ فِيهَا فَقِيلَ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي عَصْرِهِ عَدِيلٌ يُشَاوِرُهُ وَقِيلَ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ شَاهَدَ اسْتِشَارَةِ قَرِينِهِ فَاكْتَفَى بِهَا، وَأَمَّا اسْتِشَارَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَدْ كَانَ يُشَاوِرُ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا وَمَصَالِحِهَا.
وَاخْتَلَفُوا فِي اسْتِشَارَتِهِ فِي الدِّينِ وَالْأَحْكَامِ عَلَى حسب اختلافهم هل كان لرسول الله الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنْ يَجْتَهِدَ رَأْيَهُ فِيهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَا اسْتَشَارَ فِي الدِّينِ وَلَا فِي الْأَحْكَامِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 423] وَهَذَا قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ رَأْيَهُ فِيهَا وَقَالَ آخَرُونَ قَدِ اسْتَشَارَهُمْ فِي الدِّينِ

وَالْأَحْكَامِ فَمِنْهُ مَا شَاوَرَهُمْ فِي عَلَامَةٍ تَكُونُ لِأَوْقَاتِ صَلَوَاتِهِمْ فَأَشَارَ بَعْضُهُمْ بِالنَّاقُوسِ فَقَالَ ذَلِكَ مِزْمَارُ النَّصَارَى، وَأَشَارَ بَعْضُهُمْ بِالْقَرْنِ فَقَالَ ذَاكَ مِزْمَارُ الْيَهُودِ وَأَشَارَ بَعْضُهُمْ بِالنَّارِ فَقَالَ مَا تَصْنَعُونَ بِالنَّهَارِ وَأَشَارَ بَعْضُهُمْ بِالرَّايَةِ فَقَالَ مَا تَصْنَعُونَ بِاللَّيْلِ حَتَّى أَخْبَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ بِمَا رَآهُ فِي الْمَنَامِ مِنَ الْأَذَانِ فَأَخَذَ بِهِ وَعَمِلَ عَلَيْهِ.
وَشَاوَرَ أَصْحَابَهُ فِي حَدِّ الزَّانِي وَالسَّارِقِ فَقَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَقَالَ: " هُنَّ فَوَاحِشُ وَفِيهِنَّ عُقُوبَاتٌ " حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمَا مَا أَنْزَلَ وَهَذَا قَوْلُ مَنْ جَعَلَ لَهُ اجْتِهَادَ رَأْيِهِ فِيهَا.
فَأَمَّا غَيَّرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مِنْ صَحَابَتِهِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ سَائِرِ أُمَّتِهِ فَمُشَاوَرَتُهُمْ تَعُمُّ فِي مَصَالِحِ الدُّنْيَا وَأَحْكَامِ الدِّينِ فَمَا اخْتَصَّ عَنْهَا بِالدُّنْيَا نُدِبَ إِلَيْهِ عَقْلًا وَمَا اخْتَصَّ مِنْهَا بِالدِّينِ نُدِبَ إِلَيْهِ شَرْعًا.

(فصل: [في أي المسائل يشاور] )

: فَإِذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ فَالْقَاضِي مَأْمُورٌ بِالْمُشَاوَرَةِ فِي أَحْكَامِهِ وَقَضَايَاهُ.
وَهِيَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: ظَاهِرٌ جَلِيٌّ قَدْ حَصَلَ الِاتِّفَاقُ فِيهِ، وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ، فَلَا يَحْتَاجُ فِي مِثْلِ هَذَا إِلَى مُشَاوَرَةٍ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: نَوَازِلُ حَادِثَةٌ لَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهَا قَوْلٌ لِمَتْبُوعٍ أَوْ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ مِنْ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ فَهُوَ الَّذِي يُؤْمَرُ بِالْمُشَاوَرَةِ فِيهَا، لِيَتَنَبَّهَ بِمُذَاكَرَتِهِمْ وَمُنَاظَرَتِهِمْ عَلَى مَا يَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ، حَتَّى يَسْتَوْضِحَ بِهِمْ طَرِيقَ الِاجْتِهَادِ فَيَحْكُمُ بِاجْتِهَادِهِ دُونَ اجْتِهَادِهِمْ.
فَإِنْ لَمْ يُشَاوِرْ، وَحَكَمَ نُفِّذَ حُكْمُهُ، إِذَا لَمْ يُخَالِفْ فِيهِ نَصًّا أَوْ إِجْمَاعًا أَوْ قِيَاسًا جليا غير محتمل.
( [بين القاضي وأهل الشورى] ) : وَلَيْسَ عَلَى أَهْلِ الشُّورَى إِذَا خَالَفُوهُ فِي حُكْمِهِ أَنْ يُعَارِضُوهُ فِيهِ وَلَا يَمْنَعُوهُ مِنْهُ إِذَا كَانَ مُسَوِّغًا فِي الِاجْتِهَادِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ كَانَ أَعْلَمَ مِنْ مُخَالِفِهِ عَمِلَ عَلَى اجْتِهَادِ نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفُهُ أَعْلَمَ مِنْهُ عَمِلَ عَلَى اجْتِهَادِ مُخَالِفِهِ: لِقَوْلِ اللَّهِ: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43] .

وَدَلِيلُنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: 59] وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ اجْتَهَدُوا فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَلَمْ يُقَلِّدْ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، مَعَ تَفَاضُلِهِمْ فِي الْعِلْمِ: وَلِأَنَّ مَعَهُ آلَةَ الِاجْتِهَادِ لِتُوَصِّلَهُ إِلَى دَرْكِ الْمَطْلُوبِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ التَّقْلِيدُ كَالتَّقْلِيدِ فِي التَّوْحِيدِ.
وَالْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى تَقْلِيدِ الْعَامِّيِّ لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ . وَالثَّانِي: أَنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى سُؤَالِ الْمُسْتَشَارِ فِي الْمُذَاكَرَةِ وَالْكَشْفِ.
فَلَوْ لَمْ يَصِلِ الْقَاضِي بِاجْتِهَادِهِ إِلَى حُكْمِ الْحَادِثَةِ فَفِي جَوَازِ تَقْلِيدِهِ فِيهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ يَجُوزُ أَنْ يُقَلِّدَ فِيهَا، لِلضَّرُورَةِ، وَيَحْكُمَ لِأَنَّهُ مَا مِنْ عَالمٍ إِلَّا وَيَجُوزُ أَنْ يُشْكَلَ عَلَيْهِ أَحْكَامُ بَعْضِ الْحَوَادِثِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَلِّدَ فِي قَضَائِهِ وَيَسْتَخْلِفَ عَلَيْهَا مَنْ يَحْكُمُ بِاجْتِهَادِهِ إِنْ ضَاقَ وَقْتُ الْحَادِثَةِ لِأَنَّ الْحَاكِمَ مُلْزَمٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَلْزَمَ مَا لَا يَعْتَقِدُ لُزُومَهُ.
(شُرُوطُ من يشاوره القاضي) :

(مسألة)

: قال الشافعي رضي الله عنه: وَلَا يُشَاوِرُ إِذَا نَزَلَ بِهِ الْمُشْكِلُ إِلَّا عَالِمًا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْآثَارِ وَأَقَاوِيلِ النَّاسِ وَالْقِيَاسِ وَلِسَانِ الْعَرَبِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ وَهَذِهِ شُرُوطُ مَنْ يُشَاوِرُهُ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ وَمَجْمُوعِهَا: إِنَّ كُلَّ مَنْ صَحَّ أَنْ يُفْتِيَ فِي الشَّرْعِ صَحَّ أَنْ يُشَاوِرَهُ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ فَتُعْتَبَرُ فِيهِ شُرُوطُ الْمُفْتِي وَلَا تُعْتَبَرُ فِيهِ شُرُوطُ الْقَاضِي.
فَيَجُوزُ أَنْ يُشَاوِرَ الْأَعْمَى وَالْعَبْدَ وَالْمَرْأَةَ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَاضِيًا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَفْتَى وَيُفْتِيَ.
وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْمُفْتِي شَرْطَانِ: أَحَدُهُمَا: الْعَدَالَةُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْمُخْبِرِ دُونَ الشَّاهِدِ، لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ وَسَلَامَةَ الْبَصَرِ يُعْتَبَرَانِ فِي الشَّاهِدِ وَلَا يُعْتَبَرَانِ فِي الْمُفْتِي وَالْمُخْبِرِ.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فِي النَّوَازِلِ وَالْأَحْكَامِ.
وَيَكُونُ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ إِذَا أَحَاطَ عِلْمُهُ بِخَمْسَةِ أُصُولٍ:

أَحَدُهَا: عِلْمُهُ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فِي مَعْرِفَةِ نَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ وَمُحْكَمِهِ وَمُتَشَابِهِهِ وَمُفَسِّرِهِ وَمُجْمَلِهِ وَعُمُومِهِ وخصومه، وَإِنْ لَمْ يَقُمْ بِتِلَاوَتِهِ.
وَالثَّانِي: عِلْمُهُ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي مَعْرِفَةِ أَخْبَارِ التَّوَاتُرِ وَالْآحَادِ وَصِحَّةِ الطُّرُقِ وَالْإِسْنَادِ، وَمَا تَقَدَّمَ مِنْهَا وَمَا تَأَخَّرَ، وَمَا كَانَ عَلَى سَبَبٍ وَغَيْرِ سَبَبٍ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهَا مُسْنَدَةً إِذَا عَرَفَهَا مِنْ وُجُوهِ الصِّحَّةِ.
وَالثَّالِثُ: عِلْمُهُ بِالْإِجْمَاعِ وَالِاخْتِلَافِ وَأَقَاوِيلِ النَّاسِ لِيَتْبَعَ الْإِجْمَاعَ وَيَجْتَهِدَ فِي الْمُخْتَلِفِ.
وَالرَّابِعُ: عِلْمُهُ بِالْقِيَاسِ مَا كَانَ مِنْهُ جَلِيًّا أَوْ خَفِيًّا وَقِيَاسِ الْمَعْنَى وَقِيَاسِ الشَّبَهِ وَصِحَّةِ الْعِلَلِ وَفَسَادِهَا.
وَالْخَامِسُ: عِلْمُهُ بِالْعَرَبِيَّةِ فِيمَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَيْهِ مِنَ اللُّغَةِ وَالْإِعْرَابِ، لِأَنَّ لِسَانَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَرَبِيٌّ، فَيَعْرِفُ لِسَانَ الْعَرَبِ، مِنْ صِيغَةِ أَلْفَاظِهِمْ وَمَوْضُوعِ خِطَابِهِمْ لِيُفَرِّقَ بَيْنَ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ، وَحُكْمِ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، وَالنَّدْبِ وَالْإِرْشَادِ، وَالْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ.
فَإِذَا أَحَاطَ عِلْمًا بِهَذِهِ الْأُصُولِ الْخَمْسَةِ وَأَشْرَفَ عَلَيْهَا وَإِنْ لَمْ يَصِرْ أَعْلَمَ النَّاسِ بِهَا إِذَا تَبَيَّنَهَا عَلِمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ - جَازَ أَنْ يُفْتِيَ وَجَازَ أَنْ يُسْتَفْتَى.
وَجَازَ أَنْ يُشَاوِرَهُ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ النَّازِلَةِ، وَسَوَاءٌ وَافَقَ الْقَاضِي عَلَى مَذْهَبِهِ أَوْ خَالَفَهُ، لِأَنَّهُ لَا يَقْتَنِعُ مِنْهُ بِالْجَوَابِ حَتَّى يَسْأَلَهُ عَنِ الدَّلِيلِ وَالتَّعْلِيلِ.
فَإِنْ كَانَ فَاسِقًا لَمْ يَعْمَلْ عَلَى قَوْلِهِ فِيمَا تَعَلَّقَ بِالنَّقْلِ وَالرِّوَايَةِ وَالْفُتْيَا لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6] . وَاخْتُلِفَ فِي جَوَازِ مُبَاحَثَتِهِ فِيمَا تَعَلَّقَ بِالْمَعَانِي وَالِاسْتِنْبَاطِ فَمَنَعَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ مُبَاحَثَتِهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِهِ حَذِرًا مِمَّا يَسْتَحْدِثُهُ مِنْ شُبْهَةٍ فَاسِدَةٍ، وَأَجَازَهُ آخَرُونَ لِأَنَّهُ رُبَّمَا انْكَشَفَ بِمُنَاظَرَتِهِ وَجْهُ الصَّوَابِ إِذْ لَيْسَ يُؤْخَذُ بِقَوْلِهِ وَإِنَّمَا يُعْمَلُ عَلَى مَا تَنْتَهِي إِلَيْهِ الْمُنَاظَرَةُ مِنْ وُضُوحِ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ.
وَلَا يُعَوِّلُ الْقَاضِي عَلَى مُشَاوَرَةِ الْوَاحِدِ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَ عَدَدٍ يَنْكَشِفُ بِمُنَاظَرَتِهِمْ مَا غَمُضَ وَيَتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى مَا خَفِيَ وَلَا يُقَلِّدُهُمْ وَإِنْ كَانُوا عَدَدًا حَتَّى يَصِلَ إِلَى عِلْمِ الْحَادِثَةِ بِمَا يَقْتَضِيهِ الدَّلِيلُ وَيُوجِبُهُ التَّعْلِيلُ.

(مَسْأَلَةٌ)

: قَالَ الشافعي رضي الله عنه: " وَلَا يَقْبَلُ وَإِنْ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُ حَتَّى يَعْلَمَ كَعِلْمِهِ أَنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لَهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ تَخْتَلِفِ الرِّوَايَةُ فِيهِ أَوْ بِدَلَالَةٍ عَلَيْهِ أَوْ أَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ وَجْهًا أَظْهَرَ منه ".

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِالْمُشَاوَرَةِ لِلتَّقْلِيدِ وَإِنَّمَا أُمِرَ بِهَا لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لِيَتَوَصَّلَ بِهَا إِلَى مَعْرِفَةِ مَا لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ مِنَ الْأَدِلَّةِ، وَرُبَّمَا خَفِيَتْ عَلَيْهِ سُنَّةٌ عَلِمَ بِهَا الْمُسْتَشَارُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا الْمُسْتَشِيرُ.
وَالثَّانِي: لِيَسْتَوْضِحَ بِمُنَاظَرَتِهِمْ طُرُقَ الِاجْتِهَادِ وَالتَّوَصُّلِ إِلَى غَوَامِضِ الْمَعَانِي، فَإِنَّ بِاجْتِمَاعِ الْخَوَاطِرِ فِي الْمُنَاظَرَةِ يَكْمُلُ الِاسْتِيضَاحُ وَالْكَشْفُ فَلِذَلِكَ كَانَ مَأْمُورًا بِهَا.
( [القول في التقليد] ) :

(مسألة)

: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " فَأَمَّا أَنْ يُقَلِّدَهُ فَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ ذَلِكَ لِأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ". أَمَّا التَّقْلِيدُ فَهُوَ قَبُولُ قَوْلٍ بِغَيْرِ دَلِيلٍ.
مَأْخُوذٌ مِنْ قِلَادَةِ الْعُنُقِ، لِأَنَّهُ قَدْ جَعَلَ قَبُولَ قَوْلِهِ كَالْقِلَادَةِ فِي عُنُقِهِ.
وَهُوَ ضَرْبَانِ: ضَرْبٌ: أُمِرْنَا بِهِ وَضَرْبٌ نُهِينَا عَنْهُ.
فَأَمَّا الْمَأْمُورُ بِهِ فَالتَّقْلِيدُ فِي الْأَخْبَارِ وَالشَّهَادَةِ وَتَقْلِيدِ الْعَامِّيِّ لِلْعَالمِ فِيمَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْ عِلْمٍ، وَقَدِ اسْتَوْفَيْنَاهُ مَشْرُوحًا فِي أَوَّلِ كِتَابِنَا هَذَا.
فَأَمَّا الْمَنْهِيُّ عَنْهُ: فَهُوَ التَّقْلِيدُ فِيمَا يَعْتَقِدُهُ عِلْمًا، أَوْ يَقْضِي بِهِ حُكْمًا، وَيُفْتِي بِهِ إِخْبَارًا، فَهُوَ مَحْظُورٌ، لَا يَسْتَقِرُّ بِهِ عِلْمٌ، وَلَا يَصِحُّ بِهِ حُكْمٌ، وَلَا تَجُوزُ بِهِ فُتْيَا، وَيَسْتَوِي فِي حَظْرِهِ تَقْلِيدُ مَنْ عَاصَرَهُ وَمَنْ تَقَدَّمَهُ وَسَوَاءٌ سَاوَاهُ فِي الْعِلْمِ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ.
وَجَوَّزَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ تَقْلِيدَ عُلَمَاءِ السَّلَفِ وَمَنْ عَاصَرَهُ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِ فِي الْعِلْمِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43] . وَجَوَّزَ بَعْضُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ تَقْلِيدَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ". وَجَوَّزَ آخَرُونَ مِنْهُمْ تَقْلِيدَ الصَّحَابَةِ دُونَ التَّابِعِينَ لِقَوْلِ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ ".

وَجَوَّزَ آخَرُونَ مِنْهُمْ تَقْلِيدَ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ دُونَ غَيْرِهِمْ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي ". وَجَوَّزَ آخَرُونَ تَقْلِيدَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا خَاصَّةً لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ". وَالدَّلِيلُ عَلَى فَسَادِ التَّقْلِيدِ، وَوُجُوبِ الرُّجُوعِ إِلَى أَدِلَّةِ الْأُصُولِ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 10] وقَوْله تَعَالَى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83] فَنَفَى أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ الْمُسْتَنْبِطِ عِلْمٌ.
وَرُوِي أَنَّ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ آتِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَفِي عُنُقِهِ صَلِيبٌ أَوْ وَثَنٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ". فَقَالَ عَدِيٌّ: مَا اتَّخَذُوهُمْ أَرْبَابًا فَقَالَ: " أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ عَلَيْهِمْ مَا حَلَّ وَيُحِلُّونَ لَهُمْ مَا حُرِّمَ؟ " قَالَ: نَعَمْ قَالَ: " فَتِلْكَ الْعِبَادَةُ ". وَلِأَنَّهُ لَا يَخْلُو حَالُ الْمُقَلِّدِ مِنْ أَنْ يُقَلِّدَ جَمِيعَ النَّاسِ أَوْ بَعْضَهُمْ فَإِنْ قَلَّدَ جَمِيعَ النَّاسِ لَمْ يُمْكِنْهُ لِاخْتِلَافِهِمْ، وَإِنْ قَلَّدَ بَعْضَهُمْ لَمْ يَكُنْ قَوْلُ مَنْ قَلَّدَهُ بِأَوْلَى مِنْ تَرْكِهِ فَإِنْ رَجَّحَ صَارَ مُسْتَدِلًّا.
ثُمَّ يُقَالُ لِمَنْ قَلَّدَ: صِرْتَ إِلَى التَّقْلِيدِ بِدَلِيلٍ أَوْ بِغَيْرِ دَلِيلٍ؟ فَإِنْ قَالَ بِدَلِيلٍ نَاقَضَ قَوْلَهُ صَارَ مُسْتَدِلًّا وَغَيْرَ مُقَلِّدٍ.
وَإِنْ قَالَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ قِيلَ: فَهَلَّا قَلَّدْتَ مَنْ قَالَ بِإِبْطَالِ التَّقْلِيدِ فَلَا يَجِدُ مِنْهُ انْفِصَالًا إِلَّا بِدَلِيلٍ فَبَطَلَ التَّقْلِيدُ بِالدَّلِيلِ.
وَفِي أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِالِاقْتِدَاءِ بِأَصْحَابِهِ مَا يُوجِبُ تَرْكَ التَّقْلِيدِ لِأَنَّهُمْ حِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْجِدِّ وَالْعَوْلِ وَغَيْرِهِ اسْتَدَلُّوا وَلَمْ يُقَلِّدْ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.

(فَصْلٌ: [الْقَوْلُ فِي وجوب النظر في أصول الشرع] )

فَإِذَا تَقَرَّرَ فَسَادُ التَّقْلِيدِ وَجَبَ النَّظَرُ فِي أُصُولِ الشَّرْعِ لِيَصِلَ إِلَى الْعِلْمِ بِمُوجَبِهَا.
وَأَبْطَلَ قَوْمٌ وُجُوبَ النَّظَرِ وَعَوَّلُوا عَلَى الْإِلْهَامِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: 46] فَحَمَلُوهُ عَلَى إِلْهَامِ الْقُلُوبِ دُونَ اعْتِبَارِهَا.
وَهَذَا تَأْوِيلٌ فَاسِدٌ وَقَوْلٌ مُطَّرِحٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي

أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت: 53] فَدَلَّ عَلَى أَنَّ رُؤْيَةَ الْآيَاتِ تَدُلُّ عَلَى الْحَقِّ دُونَ الْإِلْهَامِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 10] . يَعْنِي إِمَّا بِالنَّصِّ عَلَى حُكْمِهِ، وَإِمَّا بِالنَّصِّ عَلَى أَصْلِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْ لِإِلْهَامِ الْقُلُوبِ عِلْمًا بِغَيْرِ أَصْلٍ.
ثُمَّ يُقَالُ: لِمَنْ أَثْبَتَ الْمَعَارِفَ بِالْإِلْهَامِ لِمَ قُلْتَ: بِالْإِلْهَامِ فَإِنِ اسْتَدَلَّ نَاقَضَ وَإِنْ قَالَ قُلْتُهُ بِالْإِلْهَامِ فَعَنْهُ سُئِلَ فَيُقَالُ لَهُ انْفَصِلْ عَمَّنِ ادَّعَى الْإِلْهَامَ فِي إِبْطَالِ الْإِلْهَامِ وَانْفَصِلْ عَمَّنِ ادَّعَى الْإِلْهَامَ بِخِلَافِ إِلْهَامِكَ فِي جَمِيعِ أَقْوَالِكَ.

(فَصْلٌ: [السَّبَبُ الْمُؤَدِّي إِلَى معرفة الأصول الشرعية] )

فَإِذَا ثَبَتَ وُجُوبُ النَّظَرِ فِي الْأُصُولِ الشَّرْعِيَّةِ فَالسَّبَبُ الْمُؤَدِّي إِلَى مَعْرِفَتِهَا وَالْعَمَلِ بِهَا شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: عِلْمُ الْحَقِّ وَهُوَ الْعَقْلُ: لِأَنَّ حُجَجَ الْعَقْلِ أَصْلٌ لِمَعْرِفَةِ الْأُصُولِ إِذْ لَيْسَ تُعْرَفُ صِحَّةُ الْأُصُولِ إِلَّا بِحُجَجِ الْعُقُولِ.
وَلِذَلِكَ لَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ إِلَّا بِمَا أَوْجَبَهُ الْعَقْلُ أَوْ جَوَّزَهُ وَلَمْ يَرِدْ بِمَا حَظَرَهُ الْعَقْلُ وَأَبْطَلَهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: 43] مَعْنَاهُ وَمَا يَعْلمُهَا إِلَّا الْعَاقِلُونَ لِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُولِي النُّهَى﴾ [طه: 54] يَعْنِي أُولِي الْعُقُولِ.
فَصَارَتْ حُجَجُ الْعُقُولِ قَاضِيَةً عَلَى حُجَجِ السَّمْعِ وَمُؤَدِّيَةً إِلَى عِلْمِ الِاسْتِدْلَالِ، وَلِذَلِكَ سَمَّى كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْعَقْلَ أُمَّ الْأُصُولِ.
وَالسَّبَبُ الثَّانِي فِي مَعْرِفَةِ الْأُصُولِ الشَّرْعِيَّةِ مَعْرِفَةُ لِسَانِ الْعَرَبِ: وَهُوَ مُعْتَبَرٌ فِي حُجَجِ السَّمْعِ خَاصَّةً قَالَ الله تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: 4] لِأَنَّهُ لَا يُخَاطِبُهُمْ إِلَّا بِمَا يُفْهَمُ عَنْهُ لِيَكُونَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ وَلَهُمْ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: 103] فَاحْتَاجَ النَّاظِرُ إِلَى مَعْرِفَةِ لِسَانِهِمْ، وَمَوْضُوعِ خِطَابِهِمْ، لِيُفَرِّقَ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، وَبَيْنَ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ، وَبَيْنَ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ، وَبَيْنَ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ، وَبَيْنَ الْمُفَسَّرِ وَالْمُجْمَلِ، وَبَيْنَ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ، وَيُفَرِّقَ بَيْنَ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ، وَيَعْرِفُ صِيغَةَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي.
فَإِنْ قَصُرَ عَنْهَا لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ النَّظَرُ.
وَلَسْنَا نَعْنِي أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِجَمِيعِ لُغَتِهِمْ وَإِعْرَابِ كَلَامِهِمْ، لِأَنَّ التَّشَاغُلَ بِهِ يَقْطَعُهُ عَنْ عِلْمِ مَا سِوَاهُ، وَإِنَّمَا نُرِيدُ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِمَوْضُوعِ كَلَامِهِمْ وَمَشْهُورِ خِطَابِهِمْ وَهُوَ

مُشْتَمِلٌ عَلَى أَرْبَعَةِ وُجُوهٍ: أَمْرٌ وَنَهْيٌ وَخَبَرٌ وَاسْتِخْبَارٌ.
فَأَمَّا مَنْ لَا يَقْصِدُ النَّظَرَ الْمُؤَدِّيَ إِلَى الْعِلْمِ فَالَّذِي يَلْزَمُهُ مِنْ مَعْرِفَةِ الْعَرَبِيَّةِ مَا يَجِبُ أَنْ يَتْلُوَهُ فِي صَلَاتِهِ مِنَ الْقُرْآنِ وَالْأَذْكَارِ دُونَ غَيْرِهِ.
فَإِذَا جَمَعَ النَّاظِرُ بَيْنَ هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ مِنْ عِلْمِ الْحَوَاسِّ وَلِسَانِ الْعَرَبِ صَحَّ مِنْهُ النَّظَرُ فِي الْأُصُولِ وَكَانَا أَصْلَيْنِ فِي الْعِلْمِ بِهَا.
وَقَدِ اخْتَلَفَ فِي الْعِبَارَةِ عَنِ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْأَصْلُ مَا دَلَّ عَلَى غَيْرِهِ، وَالْفَرْعُ مَا دَلَّ عليه غيره.
فعلى هذا الْعِبَارَةِ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ فِي الْكِتَابِ إنَّهُ فَرْعٌ لِعِلْمِ الْحِسِّ، لِأَنَّهُ الدَّالُّ عَلَى صِحَّتِهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: الْأَصْلُ مَا تَفَرَّعَ عَنْهُ غَيْرُهُ، وَالْفَرْعُ مَا تَفَرَّعَ عَنْ غَيْرِهِ فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِي الْكِتَابِ إنَّهُ فرع لعلم الحسن، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَوَلَّاهُ وَجَعَلَهُ أَصْلًا دَلَّ العقل عليه.

(فصل: [الأصول الشرعية] )

فَإِذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ فَالْأُصُولُ الشَّرْعِيَّةُ أَرْبَعَةٌ: الكتاب والسنة والإجماع والقياس.
أولا: الكتاب.
فَالْأَصْلُ الْأَوَّلُ هُوَ كِتَابُ اللَّهِ: الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الجاثية: 29] وَقَالَ: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 38] وَقَالَ: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 10] . (ما يشتمل عليه الكتاب) : وَكِتَابُ اللَّهِ يَشْتَمِلُ عَلَى ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ: أَمْرٍ وَنَهْيٍ وَخَبَرٍ.
وَلَيْسَ فِيهِ اسْتِخْبَارٌ لِعِلْمِهِ بِمَا كَانَ وَيَكُونُ.
وَمَا وَرَدَ فِيهِ عَلَى صِيغَةِ الِاسْتِخْبَارِ وَالِاسْتِفْهَامِ فَالْمُرَادُ بِهِ تَقْرِيرٌ أَوْ وَعِيدٌ.
وَقَدْ حُدَّ مَا فِيهِ بِأَخَصَّ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ فَقِيلَ: إِنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى إِعْلَامٍ وَإِلْزَامٍ.
فَالْإِعْلَامُ: وَعْدٌ أَوْ وَعِيدٌ، وَلَيْسَ يَخْلُو مَا فِيهِ مِنَ النُّصُوصِ مِنْ أَنْ يُرَادَ بِهِ وَعْدٌ أَوْ وَعِيدٌ.
وَالْإِلْزَامُ أَمْرٌ وَنَهْيٌ.
فَالْأَمْرُ مَا تُعُبِّدَ بِفِعْلِهِ.

والنهي ما تعبد بتركه.
(أقسام الأمر) : وَالْأَمْرُ: يَنْقَسِمُ بِالْقَرَائِنِ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: وَاجِبٌ وَاسْتِحْبَابٌ وَمُبَاحٌ.
فَإِنْ تَجَرَّدَ عَنْ قَرِينَةٍ كَانَ مَحْمُولًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ عَلَى الْوُجُوبِ إِلَّا بِدَلِيلٍ يَصْرِفُهُ إِلَى الِاسْتِحْبَابِ أَوِ الْإِبَاحَةِ.
وَذَهَبَ غَيْرُهُ إِلَى أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى الْوُجُوبِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ مَوْقُوفٌ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى الْمُرَادِ بِهِ لِاحْتِمَالِهِ.
وَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ أَوْلَى، لِفِرَقِ مَا بَيْنَ وُرُودِ الأمر وعدمه.
(أقسام النهي) : وَالنَّهْيُ يَنْقَسِمُ بِالْقَرَائِنِ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: تَحْرِيمٌ وَكَرَاهَةٌ وَتَنْزِيهٌ: فَإِنْ تَجَرَّدَ عَنْ قَرِينَةٍ كَانَ مَحْمُولًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ عَلَى التَّحْرِيمِ وَفَسَادِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ إِلَّا أَنْ يَصْرِفَهُ دَلِيلٌ إِلَى غَيْرِهِ.
وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي فِعْلَ الْمَأْمُورِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَلَا يُحْمَلُ عَلَى التَّكْرَارِ إِلَّا بِدَلِيلٍ.
وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي تَرْكَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ عَلَى الدَّوَامِ وَلَا يُجْعَلُ مُوَقَّتًا إِلَّا بِدَلِيلٍ.
وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَوْرَ، وَلَا يُحْمَلُ عَلَى التَّرَاخِي إِلَّا بِدَلِيلٍ.
وَفِيمَا يَقْتَضِيهِ مُطْلَقُ الْأَمْرِ مِنَ الْفَوْرِ أَوِ التَّرَاخِي وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْفَوْرِ كَالنَّهْيِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى التَّرَاخِي.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى التَّرَاخِي حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى الْفَوْرِ.
وَقَدْ يَرِدُ الْأَمْرُ بِلَفْظِ الْخَبَرِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] فَيُحْمَلُ عَلَى حُكْمِ الْأَمْرِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَيْهِ النَّسْخُ.
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ مَا وَرَدَ بِلَفْظِ الْخَبَرِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَيْهِ نَسْخٌ كَالْخَبَرِ.
وَهَذَا فَاسِدٌ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْأَمْرِ فَكَانَ عَلَى حُكْمِهِ.
وَمُطْلَقُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مُتَوَجِّهٌ إِلَى جَمِيعِ الْأَحْرَارِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ.
وَفِي دُخُولِ الْعَبِيدِ فِي مُطْلَقِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: يَدْخُلُونَ فِيهِ لِتَوَجُّهِ التَّكْلِيفِ إِلَيْهِمْ وَلَا يَخْرُجُونَ مِنْهُ إِلَّا بِدَلِيلٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَتَوَجَّهُ إِلَيْهِمْ وَيَخْرُجُونَ مِنْهُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ لِأَنَّهُمْ أَتْبَاعٌ.

وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ إِنْ تَضَمَّنَ الْخِطَابُ وَعِيدًا تَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ كَالْأَحْرَارِ وَلَمْ يَخْرُجُوا مِنْهُ إِلَّا بِدَلِيلٍ وَإِنْ تَضَمَّنَ مِلْكًا أَوْ عَقْدًا أَوْ وِلَايَةً خَرَجُوا مِنْهُ وَلَمْ يَدْخُلُوا فِيهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ.
وَإِذَا وَرَدَ الْكِتَابُ بِاللَّفْظِ الْمُذَكَّرِ تَوَجَّهَ إِلَى الرِّجَالِ وَلَمْ تَدْخُلْ فِيهِ النِّسَاءُ إِلَّا بِدَلِيلٍ، كَمَا لَوْ وَرَدَ بِلَفْظِ الْمُؤَنَّثِ تَوَجَّهَ إِلَى النِّسَاءِ وَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ الرِّجَالُ إِلَّا بِدَلِيلٍ.
وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَذَلِكَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ.
وَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ مِنِ افْتِرَاقِهِمَا فِي اللَّفْظِ الْمُؤَنَّثِ دَلِيلٌ يُوجِبُ افْتِرَاقَهُمَا فِيمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ اللَّفْظِ الْمُذَكَّرِ.
وَأَمَّا مَا تَضَمَّنَتْهُ شَرَائِعُ مَنْ قَبْلَنَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي فَمَا لَمْ يَقُصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا فِي كِتَابِهِ لَمْ يَلْزَمْنَا حُكْمُهُ لِانْتِفَاءِ الْعِلْمِ بِصِحَّتِهِ، وَمَا قَصَّهُ عَلَيْنَا فِي كِتَابِهِ لَزِمَنَا مِنْهُ مَا شَرَعَهُ إِبْرَاهِيمُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: 123] . وَفِي لُزُومِ مَا شَرَعَهُ غَيْرُهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى نَسْخِهِ لِكَوْنِهِ حَقًّا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَلْزَمُ إِلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِهِ وليس في أصله منسوخا.

(فَصْلٌ)

: وَالَّذِي يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ كِتَابُ اللَّهِ مِنَ النُّصُوصِ فِي الْأَحْكَامِ قِيلَ إِنَّهَا خَمْسُمِائَةِ آيَةٍ.
تَنْقَسِمُ سِتَّةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ.
وَالثَّانِي: الْمُجْمَلُ وَالْمُفَسَّرُ وَالثَّالِثُ: الْمُطْلَقُ وَالْمُقَيَّدُ.
وَالرَّابِعُ: الْإِثْبَاتُ وَالنَّفْيُ.
وَالْخَامِسُ: الْمُحْكَمُ وَالْمُتَشَابِهُ.
وَالسَّادِسُ: النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ.
( [القسم الأول: العموم والخصوص] ) : فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ وَهُوَ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ: فَالْعُمُومُ هُوَ الْجَمْعُ وَالِاشْتِرَاكُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ قَدْ عَمَّ الْأَمْنُ وَالْخِصْبُ.

وَأَقَلُّ الْعُمُومِ ثَلَاثَةٌ هِيَ أَقَلُّ الْجَمْعِ، وَمَنْ جَعَلَ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَيْنِ جَعَلَهُمَا أَقَلَّ الْعُمُومِ.
وَالْخُصُوصُ: هُوَ الِانْفِرَادُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ زَيْدٌ مَخْصُوصٌ بِالشَّجَاعَةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَشْجَعُ مِنْهُ.
وَأَقَلُّ الْخُصُوصِ وَاحِدٌ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخُصُوصُ مَخْرَجًا لِأَقَلِّ الْعُمُومِ وَأَكْثَرِهِ إِذَا انْطَلَقَ عَلَى الْبَاقِي اسْمُ الْعُمُومِ كَالِاسْتِثْنَاءِ وَيَكُونُ الْمَخْصُوصُ غَيْرَ مُرَادٍ بِالْعُمُومِ بِخِلَافِ النَّسْخِ وَيَصِيرُ الْمُرَادُ بِالْعُمُومِ هُوَ لِلْبَاقِي مِنْهُ بَعْدَ الْمَخْصُوصِ.
وَيَجُوزُ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ الْمُطْلَقِ.
وَمَنَعَ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ تَخْصِيصِ مَا أُكِّدَ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِوُجُودِ الِاحْتِمَالِ بَعْدَ التَّأْكِيدِ كَوُجُودِهِ مِنْ قَبْلُ.
فَأَمَّا الْأَحْوَالُ: فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا لَمْ يَخْلُ الْعُمُومُ مِنْ ثلاثة أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ مِنَ الدَّلَائِلِ أَوْ شَوَاهِدِ الْأَحْوَالِ مَا يُوجِبُ حَمْلَهُ عَلَى عُمُومِهِ فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى مُقْتَضَى الْعُمُومِ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23] وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْعُمُومِ فِي تَحْرِيمِ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَخْصِيصِهِ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ ورسوله﴾ الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 33، 34] فَخَصَّ مِنْ عُمُومِ الْقَتْلِ التَّائِبَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَوَجَبَ أَنْ يُسْتَعْمَلَ هَذَا الْعُمُومُ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ التَّخْصِيصُ.
الْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ الْعُمُومُ مُطْلَقًا لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ.
فَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا يُوجِبُهُ إِطْلَاقُهُ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الظَّاهِرِ أَنَّهُ لَا صِيغَةَ لِلْعُمُومِ تُوجِبُ الْعَمَلَ بِهَا، وَالْوَاجِبُ فِيهِ التَّوَقُّفُ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى الْمُرَادِ بِهِ كَالْمُجْمَلِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنْ الِاحْتِمَالِ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَبُ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّ الْوَاجِبَ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى عُمُومِهِ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى تَخْصِيصِهِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ وَلَا اجْتِهَادٍ امْتِثَالًا لِمُوجَبِ الْأَمْرِ.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْعِرَاقِ أَنَّهُ قَبْلَ التَّخْصِيصِ مُسْتَعْمَلٌ عَلَى عُمُومِهِ مِنْ

غَيْرِ اجْتِهَادٍ وَلَا نَظَرٍ وَبَعْدَ التَّخْصِيصِ مُجْمَلٌ لَا يُسْتَعْمَلُ إِلَّا بَعْدَ الْبَيَانِ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ التَّخْصِيصِ جَلِيٌّ وَبَعْدَ التَّخْصِيصِ خَفِيٌّ.
وَالرَّابِعُ: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ لِمُطْلَقِ الْعُمُومِ صِيغَةً تُوجِبُ النَّظَرَ وَالِاجْتِهَادَ فِي أَدِلَّةِ تَخْصِيصِهِ، فَإِنْ وُجِدَ مَا يَخُصُّهُ اسْتُعْمِلَ بَاقِيهِ بَعْدَ تَخْصِيصِهِ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مَا يَخُصُّهُ أُجْرِيَ عَلَى عُمُومِهِ، وَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ قَبْلَ النَّظَرِ وَلَا يَصِيرُ مُجْمَلًا بَعْدَ التَّخْصِيصِ، لِأَنَّهُ قَبْلَ النَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ مُتَكَافِئُ الِاحْتِمَالِ وَبَعْدَ إِمْعَانِ النَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ مُتَرَجِّحُ الِاسْتِعْمَالِ وَلَيْسَ لِزَمَانِ النَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ وَقْتٌ مُقَدَّرٌ وَإِنَّمَا هُوَ مُعْتَبِرٌ بِمَا يُؤَدِّيهِ الِاجْتِهَادُ إِلَيْهِ مِنَ الرَّجَاءِ وَالْإِيَاسِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَأَدِلَّةُ التَّخْصِيصِ تُؤْخَذُ مِنْ أَرْبَعَةِ أُصُولٍ: الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ.
فَأَمَّا تَخْصِيصُ الْكِتَابِ: فَمِثْلُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] فَاقْتَضَى عُمُومُهُ إِيجَابَ الْعِدَّةِ عَلَى كُلِّ مُطَلَّقَةٍ فَخَصَّ مِنْهُ الْمُطَلَّقَةَ قَبْلَ الدُّخُولِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: 46] . وَأَمَّا تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ: فَمِثْلُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] خَصَّهُ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " لَا قَطْعَ فِي أَقَلَّ مِنْ رُبْعِ دِينَارٍ " وَلَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا أَكْثَرَ وَمِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5] ونهى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ.
وَأَمَّا تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِالْإِجْمَاعِ: فَمِثْلُ قَوْله تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11] خَصَّهُ الْإِجْمَاعُ فِي أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَرِثُ.
وَخَصَّتْهُ السُّنَّةُ فِي أَنَّ الْقَاتِلَ وَالْكَافِرَ لَا يَرِثَانِ فَصَارَا بَعْضَهَا مَخْصُوصًا بِالسُّنَّةِ وَبَعْضَهَا مَخْصُوصًا بِالْإِجْمَاعِ.
وَأَمَّا تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِالْقِيَاسِ: فَمِثْلُ قَوْله تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2] ثَمَّ خُصَّتِ الْأَمَةُ بِنِصْفِ الْحَدِّ نَصًّا بِقَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: 25] ثُمَّ خُصَّ الْعَبْدُ بِنِصْفِ الْحَدِّ قِيَاسًا عَلَى الْأَمَةِ فَصَارَ بَعْضُ الْآيَةِ مَخْصُوصًا بِالْكِتَابِ وَبَعْضُهَا مَخْصُوصًا بِالْقِيَاسِ وَمِثْلُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ الله إِلَى قَوْلِهِ فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: 36] ثُمَّ خَصَّ الْإِجْمَاعُ تَحْرِيمَ الْأَكْلِ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَخَصَّ الْقِيَاسُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ تَحْرِيمَ الْأَكْلِ مِنْ هَدْيِ الْمُتْعَةِ وَالْقران قِيَاسًا عَلَى جَزَاءِ الصَّيْدِ فَصَارَ بَعْضُ الْآيَةِ مَخْصُوصًا بِالْإِجْمَاعِ وَبَعْضُهَا مَخْصُوصًا بِالْقِيَاسِ.

( [القول في تخصيص العموم بِالْقِيَاسِ] )

وَيَجُوزُ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ.
وَفِي جَوَازِ تَخْصِيصِهِ بِالْقِيَاسِ الْخَفِيِّ وَجْهَانِ.
فَإِذَا عَدِمَ الْمُجْتَهِدُ أَدِلَّةَ التَّخْصِيصِ مِنْ أَحَدِ هَذِهِ الْأُصُولِ الْأَرْبَعَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُ الْعُمُومِ عَلَى الْعُمُومِ.
فَإِذَا خُصَّ الْعُمُومُ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَحَدِ الْأُصُولِ الْأَرْبَعَةِ جَازَ الْقِيَاسُ عَلَى الْمَخْصُوصِ مِنَ الْعُمُومِ وَلَمْ يَجُزِ الْقِيَاسُ عَلَى الْبَاقِي مِنَ الْعُمُومِ.
مِثَالُهُ: أَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 37] لَمَّا خَصَّ مِنْهُ مَنْ سَرَقَ مِنْ ثَمَرٍ أَوْ كَثَرٍ فِي سُقُوطِ الْقَطْعِ عَنْهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ نَقِيسَ عَلَى قَطْعِ السَّارِقِ قَطْعَ مَنْ لَيْسَ بِسَارِقٍ، وَجَازَ أَنْ نَقِيسَ عَلَى سَارِقِ الثَّمَرِ وَالْكَثَرِ سَارِقَ غَيْرِ الثَّمَرِ وَالْكَثَرِ فِي سُقُوطِ الْقَطْعِ عَنْهُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْعُمُومَ لَمَّا ضَعُفَ حُكْمُهُ عَنِ اسْتِيفَاءِ اسْمِهِ ضَعُفَ مَعْنَاهُ عَنِ اجْتِذَابِ غَيْرِهِ وَالْمَخْصُوصُ لَمَّا قَوِيَ حُكْمُهُ عَلَى اسْتِيفَاءِ اسْمِهِ قَوِيَ مَعْنَاهُ عَلَى اجْتِذَابِ غَيْرِهِ.
وَلِذَلِكَ قَاسَ الشَّافِعِيُّ عَلَى جَزَاءِ الصَّيْدِ فِي تَحْرِيمِ أَكْلِهِ وَهُوَ مَخْصُوصُ تَحْرِيمِ هَدْيِ الْمُتْعَةِ وَلَمْ يَقِسْهُ عَلَى بَقِيَّةِ الْعُمُومِ فِي الْإِبَاحَةِ.

(فَصْلٌ: [القسم الثاني وهو المفسر والمجمل] )

وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ الْمُفَسَّرُ وَالْمُجْمَلُ فَالْمُفَسَّرُ هُوَ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْهُ الْمُرَادُ بِهِ.
وَالْمُجْمَلُ هُوَ مَا لَمْ يُفْهَمْ مِنْهُ الْمُرَادُ بِهِ.
وَمِثْلُهُ فِي الْكِتَابِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141] ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 43 / النساء: 4، 7 / النور: 56 / المزمل: 20] . وَمِثْلُهُ فِي السُّنَّةِ: قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَإِذَا قَالُوهَا: عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ ". فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ جَازَ خِطَابُهُمْ بِمَا لَا يَفْهَمُونَهُ مِنَ الْمُجْمَلِ؟ قِيلَ: لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لِيَكُونَ إِجْمَالُهُ تَوْطِئَةً لِلنُّفُوسِ عَلَى قَبُولِ مَا يَتَعَقَّبُهُ مِنَ الْبَيَانِ فَإِنَّهُ لَوْ بَدَأَ فِي تَكْلِيفِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ بِبَيَانِهِمَا جَازَ أَنْ تَنْفِرَ النُّفُوسُ مِنْهُمَا وَلَا تَنْفِرُ مِنْ إِجْمَالِهِمَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ مِنَ الْأَحْكَامِ جَلِيًّا، وَجَعَلَ مِنْهَا خَفِيًّا؛ لِيَتَفَاضَلَ النَّاسُ

فِي الْعِلْمِ بِهَا، وَيُثَابُوا عَلَى الِاسْتِنْبَاطِ لَهَا.
كَذَلِكَ جَعَلَ مِنْهَا مُفَسَّرًا جَلِيًّا، وَجَعَلَ مِنْهَا مُجْمَلًا خَفِيًّا.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْمُجْمَلُ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقَعَ الْإِجْمَالُ فِي الِاسْمِ الْمُشْتَرَكِ وَالضَّرْبُ الثَّانِي أَنْ يَقَعَ الْإِجْمَالُ فِي الْحُكْمِ الْمُبْهَمِ.
فَأَمَّا الْإِجْمَالُ فِي الِاسْمِ الْمُشْتَرَكِ فَمِثْلُ الْقَرْءِ يَنْطَلِقُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ، وَالشَّفَقُ يَنْطَلِقُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ، وَالَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ يَنْطَلِقُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَبِ وَالزَّوْجِ.
فَإِنِ اقْتَرَنَ بِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ أُخِذَ بِهِ، وَإِنْ تَجَرَّدَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَاقْتَرَنَ بِهِ عُرْفٌ عَمِلَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ تَجَرَّدَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَعُرْفٍ وَجَبَ الِاجْتِهَادُ فِي الْمُرَادِ مِنْهُمَا وَكَانَ مِنْ خَفِيِّ الْأَحْكَامِ الَّتِي وُكِّلَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا إِلَى الِاسْتِنْبَاطِ فَصَارَ دَاخِلًا فِي الْمُجْمَلِ لِخَفَائِهِ وَخَارِجًا مِنْهُ لِإِمْكَانِ اسْتِنْبَاطِهِ.
وَأَمَّا الْإِجْمَالُ فِي الْحُكْمِ الْمُبْهَمِ: فَضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ إِجْمَالُهُ فِي لَفْظِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 43 - النساء: 77 - النور: 56 - المزمل: 20] ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: 141] . والثاني: كما كَانَ إِجْمَالُهُ بِغَيْرِهِ.
مِثَالُهُ مِنَ الْقُرْآنِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275] وَالرِّبَا صِنْفٌ مِنَ الْبُيُوعِ صَارَ بِهِ الْبَاقِي مِنَ الْبُيُوعِ مُجْمَلًا عَلَى قَوْلِ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَإِنْ قَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ عُمُومٌ خُصَّ مِنْهُ الرِّبَا.
وَمِثَالُهُ مِنَ السُّنَّةِ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " الصُّلْحُ جَائِزٌ إِلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا " وَكِلَا الضَّرْبَيْنِ مُجْمَلٌ يَفْتَقِرُ إِلَى بَيَانٍ يُفْهَمُ بِهِ الْمُرَادُ.
فَإِنْ قِيلَ: أَفَيَلْزَمُ التَّعَبُّدُ بِهِ قَبْلَ بَيَانِهِ؟ قِيلَ: نَعَمْ قَدْ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ وَقَالَ لَهُ: ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةٍ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهُ فَإِنْ أَجَابُوكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقًّا يُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَيُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَتَعَبَّدَهُمْ بِالْتِزَامِ الزَّكَاةِ قَبْلَ بَيَانِهَا.
وَفِي كَيْفِيَّةِ تَعَبُّدِهِمْ بِالْتِزَامِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ يَتَعَبَّدُونَ قَبْلَ الْبَيَانِ بِالْتِزَامِهِ مُجْمَلًا وَبَعْدَ الْبَيَانِ بِالْتِزَامِهِ مُفَسَّرًا.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْبَيَانُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمُجْمَلِ وَهُوَ ضَرْبَانِ:

أَحَدُهُمَا: مَا وُكِّلَ الْعُلَمَاءُ إِلَى اجْتِهَادِهِمْ فِي بَيَانِهِ مِنْ غَيْرِ سَمْعٍ يَفْتَقِرُ إِلَيْهِ: مِثْلُ قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ [التوبة: 29] فَلَمْ يَرِدْ سَمْعٌ بِبَيَانِ أَقَلِّ الْجِزْيَةِ حَتَّى اجْتَهَدَ الْعُلَمَاءُ فِي أَقَلِّهَا.
وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9] فَأُجْمِلَ ذِكْرُ الْعَدَدِ الَّذِي تَنْعَقِدُ بِهِ الْجُمُعَةُ حَتَّى اجْتَهَدَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ.
وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي نَفَقَةِ الزَّوْجَاتِ ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: 7] فَأُجْمِلَ قَدْرُ النَّفَقَةِ فِي أَقَلِّهَا وَأَوْسَطِهَا وَأَكْثَرِهَا حَتَّى اجْتَهَدَ الْعُلَمَاءُ فِي تَقْدِيرِهَا فَهَذَا وَنَظَائِرُهُ مِنَ الْمُجْمَلِ الَّذِي لَا يَفْتَقِرُ إِلَى بَيَانِ السَّمْعِ فَبَيَانُهُ سَاقِطٌ عَنِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ أُصُولِ الْأَدِلَّةِ الْمَشْهُورَةِ، سَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنِ الْكَلَالَةِ فَقَالَ: " تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ " فَوَكَلَهُ إِلَى الِاجْتِهَادِ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِالْبَيَانِ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْبَيَانِ الصَّادِرِ عَنْ الِاجْتِهَادِ هَلْ يُؤْخَذُ قِيَاسًا أَوْ تَنْبِيهًا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يُؤْخَذُ تَنْبِيهًا مِنْ لَفْظِ الْمُجْمَلِ وَشَوَاهِدِ أَحْوَالِهِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ لِعُمَرَ فِي الْكَلَالَةِ: " تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ " فَرَدَّهُ إِلَيْهَا لِيَسْتَدِلَّ بِمَا تَضَمَّنَهَا مِنْ تَنْبِيهٍ وَشَوَاهِدِ حَالٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ قِيَاسًا عَلَى مَا اسْتَقَرَّ بَيَانُهُ مِنْ نَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ لِأَنَّ عُمَرَ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنْ قُبْلَةِ الصَّائِمِ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ بِمَاءٍ فَجَعَلَ الْقُبْلَةَ بِغَيْرِ إِنْزَالٍ كَالْمَضْمَضَةِ بِلَا ازْدِرَادٍ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي مِنَ الْمُجْمَلِ: مَا يَفْتَقِرُ بَيَانُهُ إِلَى السَّمْعِ، كَقَوْلِهِ ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 43] لَا يُوصَلُ إِلَى بَيَانِهِ إِلَّا مِنْ نَصٍّ مَسْمُوعٍ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ.
فَعَلَى هَذَا هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَتَأَخَّرَ بَيَانُهُ وَبَيَانُ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ عَنْ وَقْتِ نُزُولِهِ إِلَى وَقْتِ تَنْفِيذِهِ وَاسْتِعْمَالِهِ أَمْ لَا؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: يَجُوزُ أَنْ يُؤَخَّرَ بَيَانُ الْعُمُومِ وَالْمُجْمَلِ عَنْ وَقْتِ النُّزُولِ إِلَى وَقْتِ التَّنْفِيذِ وَالِاسْتِعْمَالِ، لِأَنَّ مُعَاذًا أَخَّرَ بَيَانَ الزَّكَاةِ لِأَهْلِ الْيَمَنِ إِلَى الْوَقْتِ الَّذِي أَخَذَهَا مِنْهُمْ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ بَيَانِ الْمُجْمَلِ وَالْعُمُومِ عَنْ وَقْتِ النُّزُولِ إِلَى وَقْتِ التَّنْفِيذِ لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ فِي الْحَاجَةِ إِلَى الْبَيَانِ وَلِيَحْتَرِزَ بِتَعْجِيلِهِ مِنِ اخْتِرَامِ الْمَنِيَّةِ لِلرَّسُولِ الْمُبينِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: يَجُوزُ تَأْخِيرُ بَيَانِ الْعُمُومِ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ الْبَيَانِ مَفْهُومٌ، وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ بَيَانِ الْمُجْمَلِ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ الْبَيَانِ غَيْرُ مَفْهُومٍ.

(فصل: [القسم الثالث بيان المطلق والمقيد] )

وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثِ وَهُوَ الْمُطْلَقُ وَالْمُقَيَّدُ: فَهُوَ أَنْ يَرِدَ الْخِطَابُ مُقَيَّدًا بِحَالٍ أَوْ وَصْفٍ أَوْ شَرْطٍ ثُمَّ يَرِدُ مِنْ جِنْسِهِ مُطْلَقٌ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِوَصْفٍ وَلَا شَرْطٍ.
وَالْكَلَامُ فِيهِ مُشْتَمِلٌ عَلَى فَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِي الْمُقَيَّدِ هَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ مَقْصُورًا عَلَى الشَّرْطِ الْمُقَيَّدِ بِهِ أَمْ لَا؟ وَالثَّانِي: فِي الْمُطْلَقِ هَلْ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى حُكْمِ الْمُقَيَّدِ مَنْ جِنْسِهِ أَمْ لَا؟ فَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي الْمُقَيَّدِ بِالشَّرْطِ: فَهُوَ عِنْدَنَا وَعِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ تَقْيِيدُهُ بِالْوَصْفِ شَرْطًا فِي ثُبُوتِ حُكْمِهِ، فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ بِوُجُودِهِ وَيَنْتَفِي بِعَدَمِهِ مِثْلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سفر﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: 6] فَكَانَ تَقْيِيدُ التَّيَمُّمِ بِالْمَرَضِ وَالسِّفَرِ شَرْطًا فِي إِبَاحَتِهِ وَكَقَوْلِهِ فِي كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: 89] فَكَانَ الْعَدَمُ شَرَطًا فِي جَوَازِ الصِّيَامِ إِلَى نَظَائِرِهِ وَهَذَا الْقِسْمُ فِيمَا كَانَ مَعْنَاهُ خَاصًّا.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا لَا يَكُونُ الْوَصْفُ الْمُقَيَّدُ شَرْطًا فِي حُكْمِ الْأَصْلِ وَيَعُمُّ حُكْمُهُ مَعَ وُجُودِ الشَّرْطِ وَعَدَمِهِ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: 101] وَلَيْسَ الْخَوْفُ شَرْطًا فِي جَوَازِ الْقَصْرِ لِجَوَازِهِ مَعَ الْأَمْنِ وَكَقَوْلِهِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] وَلَيْسَ الْعَمْدُ شَرْطًا فِي وُجُوبِهِ لِوُجُوبِهِ عَلَى الْخَاطِئِ وَالْعَامِدِ وَكَقَوْلِهِ فِي تَحْرِيمِ المناكح: ﴿وربائبكم اللائي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ [النساء: 23] وَلَيْسَ كَوْنُهَا فِي الْحِجْرِ شَرْطًا فِي الْحَظْرِ لِتَحْرِيمِهَا فِي الْحَالَيْنِ.
وَهَذَا الْقِسْمُ فِيمَا كَانَ مَعْنَاهُ عَامًّا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا يَكُونُ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْمُقَيَّدِ.
فَإِنْ كَانَ خَاصًّا كَالْقِسْمِ الْأَوَّلِ ثَبَتَ حُكْمُ التَّقْيِيدِ.
وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ عَامًّا كَالْقِسْمِ الثَّانِي سَقَطَ حُكْمُ التَّقْيِيدِ.
وَأَنْكَرَ أَهْلُ الظَّاهِرِ وَمِنْهُمْ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ هَذَا الْقِسْمَ وَأَجْرَوْا جَمِيعَ الْمُقَيَّدِ عَلَى تَقْيِيدِهِ وَجَعَلُوهُ شَرْطًا فِي ثُبُوتِ حُكْمِهِ يَثْبُتُ بِوُجُودِهِ وَيَسْقُطُ بِعَدَمِهِ.

وَلَمْ يَعْتَبِرُوا مَعْنَى الْأَصْلِ فِي عُمُومٍ وَلَا خُصُوصٍ، لِاعْتِمَادِهِمْ عَلَى الْمَنْصُوصِ دُونَ الْمَعَانِي.
وَلِأَنَّ النَّصَّ لَا يُرْفَعُ بِالتَّعْلِيلِ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ نَسْخًا بِهَا: وَلِأَنَّهُ لَوْ سَقَطَ حُكْمُ هَذَا التَّقْيِيدِ الْمَشْرُوطِ لَجَازَ أَنْ يَسْقُطَ حُكْمُ أَصْلِهِ.
وَلَوِ اسْتَقَرَّ أَصْلُ هَذَا لَسَقَطَتْ أَحْكَامُ النُّصُوصِ كُلُّهَا.
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مَدْفُوعٌ بِنَصِّ الْكِتَابِ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء: 31] وَلَيْسَ يُسْتَبَاحُ قَتْلُهُمْ مَعَ أَمْنِ الْإِمْلَاقِ كَمَا لَا يُسْتَبَاحُ مَعَ وُجُودِهِ.
وَقَالَ ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: 33] وَلَا يَجُوزُ إِكْرَاهُهُنَّ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُرِدْنَ تُحَصُّنًا.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: 36] وَهُوَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَظْلِمَ فِيهِنَّ وَلَا فِي غَيْرِهِنَّ.
فَلَمَّا سَقَطَ حُكْمُ التَّقْيِيدِ فِي هَذَا وَلَمْ يَصِرْ نَسْخًا جَازَ أَنْ يَسْقُطَ فِي غَيْرِهِ وَلَا يَكُونُ نَسْخًا، فَإِنْ خُصَّ هَذَا بِدَلِيلٍ فَقَدْ جَعَلُوا لِلدَّلِيلِ تَأْثِيرًا فِي إِسْقَاطِ التَّقْيِيدِ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ.
فَإِنْ قِيلَ فَإِذَا سَقَطَ حُكْمُ التَّقْيِيدِ صَارَ لَغْوًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ.
قِيلَ: يَحْتَمِلُ ذِكْرُ التَّقْيِيدِ مَعَ سُقُوطِ حُكْمِهِ أُمُورًا مِنْهَا: أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ مَأْخُوذًا مِنْ حُكْمِ الْمَنْطُوقِ بِهِ لِيَسْتَعْمِلَهُ الْمُجْتَهِدُ فِيمَا لَمْ يَجِدْ فِيهِ نصا فإن أكثر الحوادث غير نصوص.
وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ التَّقْيِيدُ تَنْبِيهًا عَلَى غَيْرِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: 75] فَنَبَّهَ بِالْقِنْطَارِ عَلَى الْكَثِيرِ وَنَبَّهَ بِالدِّينَارِ عَلَى الْقَلِيلِ، وَإِنْ كَانَ حُكْمُ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فِيهِمَا سَوَاءً.
وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ هُوَ الْأَغْلَبَ مِنْ أَحْوَالِ مَا قُيِّدَ بِهِ، فَيَذْكُرُهُ لِغَلَبَتِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229] وَإِنْ كَانَتْ مُفَادَاةُ الزَّوْجَيْنِ تَجُوزُ مَعَ وُجُودِ الْخَوْفِ وَعَدَمِهِ لِأَنَّ الْأَغْلَبَ مِنَ الْمُفَادَاةِ أَنْ تَكُونَ مَعَ الْخَوْفِ.

وَإِذَا احْتُمِلَ هَذِهِ الْأُمُورُ وَغَيْرُهَا صَارَ وُجُودُ التَّقْيِيدِ مُقَيَّدًا مَعَ سُقُوطِ حُكْمِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَغْوًا.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ النَّظَرُ فِي كُلِّ مُقَيَّدٍ.
فَإِنْ ظَهَرَ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ تَأْثِيرِهِ سَقَطَ حُكْمُ التَّقْيِيدِ وَجَازَ فِي عُمُومِ حُكْمِهِ كَالْمُطْلَقِ.
وَإِنْ عُدِمَ الدَّلِيلُ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى تَقْيِيدِهِ وَجُعِلَ شَرْطًا فِي ثُبُوتِ حكمه فهذا حكم المقيد.
( [والفصل الثاني] ) : وَأَمَّا حُكْمُ الْمُطْلَقِ الْوَارِدُ مِنْ جِنْسِ الْمُقَيَّدِ إِذَا جُعِلَ التَّقْيِيدُ شَرْطًا فِي الْمُقَيَّدِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ حَمْلِهِ عَلَى إِطْلَاقِهِ أَوْ عَلَى مَا قُيِّدَ مِنْ جِنْسِهِ.
فَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَجِبُ حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ مِنْ جِنْسِهِ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى حَمْلِهِ عَلَى إِطْلَاقِهِ كَمَا حُمِلَ إِطْلَاقُ الشَّهَادَةِ فِي الدُّيُونِ وَالْعُقُودِ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282] عَلَى الشَّهَادَةِ الْمُقَيَّدَةِ بِالْعَدَالَةِ فِي الرَّجْعَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] فَصَارَتِ الْعَدَالَةُ شَرْطًا فِي كُلِّ شَهَادَةٍ.
وَلِاعْتِقَادِ الشَّافِعِيِّ لِهَذَا الْمَذْهَبِ مَا حَمَلَ إِطْلَاقَ الْعِتْقِ فِي كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ وَالظِّهَارِ عَلَى الْعِتْقِ الْمُقَيَّدِ بِالْإِيمَانِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ، وَجَعَلَ الْإِيمَانَ شَرْطًا فِي عِتْقِ جَمِيعِ الْكَفَّارَاتِ.
وَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمُطْلَقَ مَحْمُولٌ عَلَى إِطْلَاقِهِ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى حَمْلِهِ عَلَى الْمُقَيَّدِ مِنْ جِنْسِهِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَجْعَلِ الْعِتْقَ فِيمَا عَدَا كَفَّارَةَ الْقَتْلِ مَشْرُوطًا بِالْإِيمَانِ حَمْلًا عَلَى إِطْلَاقِهِ.
وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إِلَى أَنَّ أَقَلَّ حُكْمِ الْمُطْلَقِ بَعْدَ الْمُقَيَّدِ مِنْ جِنْسِهِ مَوْقُوفٌ عَلَى الدَّلِيلِ.
فَإِنْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى إِطْلَاقِهِ أُطْلِقَ.
وَإِنْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى تَقْيِيدِهِ قُيِّدَ.
وَإِنْ لَمْ يَقُمْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَلِيلٌ صَارَ كَالَّذِي لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ فَيَعْدِلُ فِيهِ إِلَى غَيْرِهِ مِنْ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ وَالِاجْتِهَادِ فِي اسْتِنْبَاطِ الْمَعَانِي.
وَيَصِيرُ احْتِمَالُهُ لِلْأَمْرَيْنِ مُبْطِلًا لِحُكْمِ النَّصِّ فِيهِ.
وَهَذَا قَوْلُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى وَقْفِ الْعُمُومِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى تَخْصِيصٍ أَوْ عُمُومٍ.
وَهَذَا أَفْسَدُ الْمَذَاهِبِ، لِأَنَّ النُّصُوصَ الْمُحْتَمَلَةَ يَكُونُ الِاجْتِهَادُ عَائِدًا إِلَيْهَا وَلَا

يَعْدِلُ بِالِاحْتِمَالِ إِلَى غَيْرِهَا لِيَكُونَ حُكْمُ النَّصِّ ثَابِتًا بِمَا يُؤَدِّي الِاجْتِهَادُ إِلَيْهِ مِنْ نَفْيِ الِاحْتِمَالِ عَنْهُ وَتَعْيِينِ الْمُرَادِ بِهِ.
وَالَّذِي عِنْدِي وَأَرَاهُ أَوْلَى الْمَذَاهِبِ فِي الْمُطْلَقِ أَنْ يَعْتَبِرَ غِلَظَ حُكْمِ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ.
فَإِنْ كَانَ حُكْمُ الْمُطْلَقِ أَغْلَظَ حُمِلَ عَلَى إِطْلَاقِهِ وَلَمْ يُقَيَّدْ إِلَّا بِدَلِيلٍ.
وَإِنْ كَانَ حُكْمُ الْمُقَيَّدِ أَغْلَظَ حُمِلَ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَلَمْ يُحْمَلْ عَلَى إِطْلَاقِهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ، لِأَنَّ التَّغْلِيظَ إِلْزَامٌ وَمَا تَضَمَّنهُ الْإِلْزَامُ لَمْ يَسْقُطِ الْتِزَامُهُ بِالِاحْتِمَالِ.
وَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا وَوَجَبَ حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ كَانَ ذَلِكَ مُسْتَعْمَلًا فِي إِطْلَاقِ الصِّفَةِ وَلَا يَكُونُ مُسْتَعْمَلًا فِي إِطْلَاقِ الْأَصْلِ.
مِثَالُهُ: أَنَّ مَسْحَ الْيَدَيْنِ فِي التَّيَمُّمِ مُطْلَقٌ وَفِي الْوُضُوءِ تَقَيَّدَ بِالْمِرْفَقَيْنِ فَحُمِلَ إِطْلَاقُهُمَا فِي التَّيَمُّمِ عَلَى تَقْيِيدِهِمَا فِي الْوُضُوءِ بِالْمِرْفَقَيْنِ وَأُطْلِقَ ذِكْرُ الرَّأْسِ وَالرِّجْلَيْنِ وَذُكِرَا فِي الْوُضُوءِ فَلَمْ يُحْمَلْ تَرْكُ ذِكْرِهِمَا فِي التَّيَمُّمِ عَلَى إِثْبَاتِ ذِكْرِهِمَا فِي الْوُضُوءِ، لِأَنَّ ذِكْرَ الْمَرَافِقِ صِفَةٌ وَذِكْرَ الرَّأْسِ وَالرِّجْلَيْنِ أَصْلٌ.
وَذَهَبَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ خَيْرَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إِلَى أَنَّ الْمُطْلَقَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي الصِّفَةِ وَالْأَصْلِ مَعًا، وَجَعَلَ إِطْلَاقَ ذِكْرِ الْإِطْعَامِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ مَحْمُولًا عَلَى ذِكْرِ الْإِطْعَامِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، وَأَوْجَبَ فِيهِمَا إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا، كَمَا حَمَلَ إِطْلَاقَ الْعِتْقِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ عَلَى تَقْيِيدِهِ بالأيمان في كفارة القتل.
وفي إِثْبَاتُ أَصْلٍ بِغَيْرِ أَصْلٍ.
فَإِذَا ثَبَتَ حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ اللُّغَةِ، أَوْ مِنْ طَرِيقِ الشَّرْعِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ اللُّغَةِ لِأَنَّهُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ مَوْضُوعٌ لِهَذَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى الْمُقَيَّدِ بِالشَّرْعِ الْمُسْتَقِرِّ عَلَى اسْتِنْبَاطِ الْمَعَانِي، لِأَنَّ الْأَحْكَامَ لَا تُؤْخَذُ إِلَّا شَرْعًا مَنْ نَصٍّ أَوْ قِيَاسٍ.
وَإِذَا وَرَدَ مُقَيِّدَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ بِشَرْطَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَأُطْلِقَ ثَالِثٌ مِنْ جِنْسِهِمَا وَجَبَ حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى إِطْلَاقِهِ وَلَمْ يَجِبْ حَمْلُهُ عَلَى أَحَدِ الْمُقَيَّدَيْنَ لِأَنَّهُ لَيْسَ حَمْلُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا بِأَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْآخَرِ، وَحَمْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُقَيَّدِينَ عَلَى تَقْيِيدِهِ.
وَأَمَّا حَمْلُهُ عَلَى تَقْيِيدِ نَظِيرِهِ فَيُنْظَرُ فِي صِفَتَيِ التَّقْيِيدِ فِيهِمَا.
فَإِنْ تَنَافَى الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لَمْ يُحْمَلْ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ وَاخْتَصَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِصِفَتِهِ الَّتِي قُيِّدَ بِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ تَقْيِيدِ صَوْمِ الظِّهَارِ بِالتَّتَابُعِ، وَتَقْيِيدِ صَوْمِ التَّمَتُّعِ

بِالتَّفْرِقَةِ، وَلَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ التَّتَابُعِ وَالتَّفْرِقَةِ فَيُخْتَصُّ كُلُّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِصِفَتِهِ.
وَإِنْ أُمْكِنَ اجْتِمَاعُ الصِّفَتَيْنِ وَلَمْ يَتَنَافَيَا فَفِي حَمْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى تَقْيِيدِ نَظِيرِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يُحْمَلُ إِلَّا عَلَى مَا قُيِّدَ بِهِ إِذَا قِيلَ إِنَّ الْمُطْلَقَ لَا يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيِّدِ إِلَّا بِدَلِيلٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُحْمَلُ عَلَى تَقْيِيدِهِ وَتَقْيِيدِ نَظِيرِهِ فَيَصِيرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُقَيَّدًا بِالصِّفَتَيْنِ إِذَا قِيلَ بِجَوَازِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ.
فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ مَا أُطْلِقَ مِنْ جِنْسِهِمَا عَلَى تَقْيِيدِهِمَا مَعًا وَيَصِيرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ النُّصُوصِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَجَانِسَةِ مُقَيَّدًا بِشَرْطَيْنِ.

(فَصْلٌ: [الْقِسْمُ الرَّابِعُ الْإِثْبَاتُ وَالنَّفْيُ] )

وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ وَهُوَ الْإِثْبَاتُ وَالنَّفْيُ: فَيَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: إِثْبَات تَجَرَّدَ عَنْ نَفْيٍ.
وَالثَّانِي: نَفْي تَجَرَّدَ عَنْ إِثْبَاتٍ.
وَالثَّالِثُ: مَا اجتمع فيه نفي وإثبات.
( [القول في الإثبات المتجرد عن النفي] ) : فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: فِي الْإِثْبَاتِ إِذَا تَجَرَّدَ عَنْ نَفْيٍ فَضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقْتَرِنَ بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ فَيَكُونُ إِثْبَاتُهُ نَفْيًا لِمَا عَدَاهُ كَقَوْلِ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ "، وَكَقَوْلِهِ: " إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ " فَيَكُونُ إِثْبَاتُ الْعَمَلِ بِالنِّيَّةِ مُوجِبًا لِنَفْيهِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، وَإِثْبَاتُ الْوَلَاءِ لِلْمُعْتِقِ مُوجِبًا لِنَفْيِهِ لِغَيْرِ الْمُعْتِقِ.
وَسَوَاءٌ كَانَ هَذَا الْإِثْبَاتُ جَوَابًا أَوِ ابْتِدَاءً.
لَكِنِ اخْتُلِفَ فِي النَّفْيِ بِهِ هَلْ هُوَ بِلَفْظِ النُّطْقِ أَوْ بِدَلِيلِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الَّذِي أَوْجَبَ النَّفْيَ بَعْدَ الْإِثْبَاتِ هُوَ دَلِيلُ اللَّفْظِ دُونَ اللَّفْظِ فَيَكُونُ دَلِيلُ الْخِطَابِ هُوَ الْمُوجِبُ لِلنَّفْيِ؛ لِأَنَّهَا لَفْظَةُ تَحْقِيقٍ فَجَرَتْ مَجْرَى التَّأْكِيدِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا أَوْجَبَتِ النَّفْيَ وَالْإِثْبَاتَ بِنَفْسِ اللَّفْظِ، لِأَنَّ لَفْظَةَ " إِنَّمَا " مَوْضُوعَةٌ فِي اللُّغَةِ لِإِثْبَاتٍ مَا اتَّصَلَ بِهَا وَنَفْيِ مَا انْفَصَلَ عَنْهَا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَتَجَرَّدَ الْإِثْبَاتُ عَنْ حَرْفِ التَّحْقِيقِ كقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ زَكَاةٌ " وَكَقَوْلِهِ " الْقَطْعُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ " فَلِمَخْرَجِهِ حَالَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَ جَوَابًا لِسَائِلٍ عَنِ الزَّكَاةِ فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ فَقَالَ: " فِي سَائِمَةِ

الْغَنَمِ زَكَاةٌ " وَلِسَائِلٍ عَنِ الْقَطْعِ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَقَالَ: " الْقُطْعُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ " فَلَا يَكُونُ هَذَا الْإِثْبَاتُ نَفْيًا لِمَا عَدَاهُ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ بَيَانُ السُّؤَالِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَبْدَأَ بِهِ الرَّسُولُ فَيَقُولُ مُبْتَدِئًا: " فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ زَكَاةٌ " و " الْقَطْعُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ " فَيَكُونُ هَذَا الْإِثْبَاتُ نَفْيًا لِمَا عَدَاهُ فَلَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ وَلَا يَجِبُ الْقَطْعُ فِي أَقَلَّ مِنْ رُبُعِ دِينَارٍ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِتَخْصِيصٍ هَذَا بِالذِّكْرِ مِنْ مُوجِبٍ فَلِمَا خَرَجَ عَنِ الْجَوَابِ ثَبَتَ وُرُودُهُ لِلْبَيَانِ.
هَذَا هُوَ الظَّاهِرِ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَقَوْلِ جُمْهُورِ أَصْحَابِهِ.
وَذَهَبَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ وَأَبُو حَامِدٍ الْمَرْوَزِيُّ إِلَى أَنَّ حُكْمَ مَا عَدَا الْإِثْبَاتَ مَوْقُوفٌ عَلَى الدَّلِيلِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ الِاحْتِمَالِ.
وَهَذَا فَاسِدٌ بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّعْلِيلِ.
وَإِذَا انْتَفَى حُكْمُ الْإِثْبَاتِ عَمَّا عَدَاهُ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مُوجِبِ نَفْيِهِ عَنْهُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَوْجَبَهُ لِسَانُ الْعَرَبِ لُغَةً.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: بَلْ أَوْجَبَهُ دَلِيلُ الخطاب شرعا.
( [القول في النفي المتجرد عن الإثبات] ) : وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: فِي النَّفْيِ إِذَا تَجَرَّدَ عَنْ إِثْبَاتٍ فَضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ جَوَابًا لِسُؤَالٍ فَلَا يَكُونُ النَّفْيُ مُوجِبًا لِإِثْبَاتِ مَا عداه كقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ وَلَا الرَّضْعَتَانِ " لَا يَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ بِالثَّالِثَةِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَبْتَدِئَ به الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَيَقُولُ: " لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ " فَدَلَّ عَلَى قَبُولِهَا بِالطَّهُورِ وَيَكُونُ نَفْيُ الْحُكْمِ عَنْ تِلْكَ الصِّفَةِ مُوجِبًا لِإِثْبَاتِهِ عِنْدَ عَدَمِهَا.
وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.
وَيَحْتَمِلُ قَوْلُ مَنْ جَعَلَ مَا عَدَا الْإِثْبَاتَ مَوْقُوفًا أَنْ يَجْعَلَ مَا عَدَا النَّفْيَ مَوْقُوفًا.
وَإِذَا كَانَ حُكْمُ النَّفْيِ مُطْلَقًا يَحْتَمِلُ نَفْيَ الْجَوَازِ وَنَفْيَ الْكَمَالِ حُمِلَ عَلَى نَفْيِ الْجَوَازِ لِعُمُومِهِ كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ " فَكَانَ هَذَا النَّفْيُ مَانِعًا مِنْ أَجْزَائِهَا.
فَإِنْ قَامَ دَلِيلٌ عَلَى نَفْيِ الْكَمَالِ حُمِلَ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ " لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إِلَّا فِي مَسْجِدِهِ " لَمَّا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَجْزَائِهَا حُمِلَ عَلَى نفي كمالها.

ويجيء على مذهب من قال بوقف المحتمل بجعل هذا موقوفا لأنه محتمل.
( [القول فيما اجتمع فيه نفي وإثبات] ) : وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ الْجَامِعُ لِلنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فَيَشْتَمِلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهُمَا: الِاسْتِثْنَاءُ.
وَالثَّانِي: الشَّرْطُ.
والثالث: الغاية.
( [النوع الأول: الاستثناء] ) : فَأَمَّا النَّوْعُ الْأَوَّلُ وَهُوَ الِاسْتِثْنَاءُ: فَالْمُعْتَبَرُ فِي ثُبُوتِ حُكْمِهِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا: أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَصْلٍ يَبْقَى مِنْهُ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ بَعْضُهُ وَإِنْ قَلَّ، وَإِنْ رُفِعَ جَمِيعُهُ لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ نَسْخًا، وَيَثْبُتُ حُكْمُ الْأَصْلِ وَيَبْطُلُ حُكْمُ الِاسْتِثْنَاءِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ جِنْسِ الْأَصْلِ لِيَصِحَّ بِهِ خُرُوجُ بَعْضِهِ.
فَإِنْ عَادَ إِلَى غَيْرِ جِنْسِهِ صَحَّ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فِي الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ.
وَأَجَازَ قَوْمٌ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى.
وَأَبْطَلَهُ آخَرُونَ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى.
وَبَيَانُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي جَوَازِهِ فِي الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ هُوَ كَقَوْلِهِ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إِلَّا دِينَارًا فَلَا يُجْعَلُ لَفْظُ الدِّينَارِ اسْتِثْنَاءً مِنْ لَفْظِ الدَّرَاهِمِ لِأَنَّهُ لَا يُجَانِسُهَا وَإِنَّمَا تُجْعَلُ قِيمَتُهُ مُسْتَثْنَاةً مِنَ الدَّرَاهِمِ، لِأَنَّهُ لَا يُنَافِيهَا فَصَارَ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَتَعَلَّقَ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ ضِدَّ حُكْمِ الْأَصْلِ فَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ إِثْبَاتًا صَارَ الِاسْتِثْنَاءُ نَفْيًا، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ نَفْيًا صَارَ الِاسْتِثْنَاءُ إِثْبَاتًا.
وَإِنْ عَادَ الِاسْتِثْنَاءُ إِلَى جُمَلٍ مَذْكُورَةٍ تَقَدَّمَتْهُ يُمْكِنُ أَنْ يَعُودَ إِلَى جَمِيعِهَا وَيُمْكِنُ أَنْ يَعُودَ إِلَى بَعْضِهَا فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَعُودُ إِلَى جَمِيعِهَا مَا لَمْ يَخُصَّهُ دَلِيلٌ كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 36] فَكَانَ ذَلِكَ رَاجِعًا إِلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْقَتْلِ وَالصَّلْبِ وَالْقَطْعِ وَالنَّفْيِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَرْجِعُ إِلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ إِلَّا أَنْ يَعُمَّهُ دَلِيلٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: 92] فَرَجَعَ ذَلِكَ إِلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ وَهُوَ الدِّيَةُ دُونَ الْكَفَّارَةِ.
وَكَذَلِكَ مَا اخْتَلَفَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ

شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا} [النور: 4 - 5] . أن التوبة عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ تَرْجِعُ إِلَى الْفِسْقِ وَحْدَهُ، لِأَنَّهُ أَقْرَبُ مَذْكُورٍ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ تَرْجِعُ إِلَى الْفِسْقِ وَقَبُولِ الشَّهَادَةِ اعْتِبَارًا بِالْعُمُومِ.
وَلَا تَرْجِعُ عِنْدَهُمَا جَمِيعًا إِلَى الْجَلْدِ مَعَ اخْتِلَافِهِمَا فِي التَّعْلِيلِ.
فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِبُعْدِهِ عَنْ أَقْرَبِ مَذْكُورٍ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لِخُرُوجِهِ بِدَلِيلٍ: وَهُوَ أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ الَّتِي لَا تَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ.
وَلِذَلِكَ لَمْ يَجْعَلْ قَوْلَهُ ﴿إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: 92] عَائِدًا إِلَى الْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ الَّتِي لَا تَسْقُطُ بِالْعَفْوِ وَجَعَلَهُ عَائِدًا إِلَى الدِّيَةِ لِسُقُوطِهَا بِالْعَفْوِ.

(فَصْلٌ: [النوع الثاني: الشرط] )

وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي وَهُوَ الشَّرْطُ: وَالشَّرْطُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْعَلَامَةُ وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: 18] أَيْ عَلَامَاتُهَا وَلِذَلِكَ سُمِّيَ صَاحِبَ الشَّرْطِ لِتَمَيُّزِهِ بِعَلَامَتِهِ.
وَالشَّرْطُ فِي الشَّرْعِ: هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي عُلِّقَ بِهِ الْحُكْمُ لِأَنَّهُ عَلَامَةٌ لِوُجُوبِهِ.
فَإِذَا عُلِّقَ الْحُكْمُ بِشَرْطٍ ثَبَتَ الْحُكْمُ بِوُجُودِهِ وَانْتَفَى بِعَدَمِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] فَيَتَعَلَّقُ بِهِ إِثْبَاتٌ وَنَفْيٌ فَيَجْرِي مَجْرَى الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ وَجْهٍ وَإِنْ خَالَفَهُ مِنْ وَجْهٍ.
فَوَجْهُ اجْتِمَاعِهِمَا أَنَّهُ قَدْ يُثْبِتُ حُكْمًا وَيَنْفِي حُكْمًا.
وَوَجْهُ افْتِرَاقِهِمَا: أَنَّ الشَّرْطَ يُثْبِتُ الْحُكْمَ فِي حَالِ وُجُودِهِ وَيَنْفِيهِ فِي حَالِ عَدَمِهِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ يَجْمَعُ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ.
وَرُبَّمَا قُيِّدَ الْحُكْمُ بِشَرْطٍ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ مَعَ وُجُودِهِ وَعَدَمِهِ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّرْطِ إِثْبَاتٌ وَلَا نَفْيٌ.
وَيَصْرِفُهُ الدَّلِيلُ عَمَّا وُضِعَ لَهُ مِنَ الْحَقِيقَةِ إِلَى مَا قَصَدَ بِهِ مِنَ الْمَجَازِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: 4] وَحَقُّهَا فِي الْعِدَّةِ مَعَ وُجُودِ الرِّيبَةِ وَعَدَمِهَا سَوَاءٌ.
فَإِنْ تَجَرَّدَ الشَّرْطُ عَنْ دَلِيلٍ حُمِلَ عَلَى مُوجَبِهِ فِي النفي والإثبات.

فَإِنْ عُلِّقَ الشَّرْطُ بِجُمَلٍ مَذْكُورَةٍ عَادَ إِلَى جَمِيعِهَا مَا لَمْ يَخُصَّهُ دَلِيلٌ كَالِاسْتِثْنَاءِ.
وَجَعَلَهُ أَبُو حَنِيفَةَ عَائِدًا إِلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ.
وَدَلِيلُنَا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أوسط ما تطعمون أهلكم أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: 89] يَعُودُ إِلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ وَلَا يَعُودُ إِلَى أَقْرَبِ مذكور من تحرير الرقبة.

(فصل: [النوع الثالث: الغاية] )

وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّالِثُ وَهُوَ الْغَايَةُ: فَهِيَ حَدٌّ لِثُبُوتِ الْحُكْمِ قَبْلَهَا وَانْتِفَائِهِ بَعْدَهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: 187] . فَكَانَ الْفَجْرُ حَدًّا لِإِبَاحَةِ الْأَكْلِ قَبْلَهُ وَتَحْرِيمِهِ بَعْدَهُ، فَتَعَلَّقَ بِالْغَايَةِ إِثْبَاتٌ وَنَفْيٌ كَالِاسْتِثْنَاءِ وَالشَّرْطِ، غَيْرَ أَنَّ الشَّرْطَ مُوجِبٌ لِثُبُوتِ الْحُكْمِ بَعْدَهُ، وَلِانْتِفَائِهِ قَبْلَهُ، وَالْغَايَةُ مُوجِبَةٌ لِثُبُوتِ الْحُكْمِ قَبْلَهَا وَلِانْتِفَائِهِ بَعْدَهَا.
فَإِنِ اقْتَرَنَ بِالْغَايَةِ شَرْطٌ تَعَلَّقَ الْإِثْبَاتُ بهما والنفي بأحدهما كقوله تعالى: ﴿فلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: 222] وَهَذَا غَايَةٌ ثُمَّ قال ﴿فإذا تطهرن فأتوهن﴾ وَهَذَا شَرْطٌ فَتَعَلَّقَ حُكْمُ الْإِثْبَاتِ بِوُجُودِ الشَّرْطِ بَعْدَ الْغَايَةِ، فَلَا يُسْتَبَاحُ وَطْؤُهُنَّ إِلَّا بِالْغُسْلِ بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ، وَتَنْتَفِي الِاسْتِبَاحَةُ بِعَدَمِهَا أَوْ عَدَمِ أَحَدِهِمَا مِنْ غَايَةٍ أَوْ شَرْطٍ.

(فَصْلٌ: [القسم الخامس: المحكم والمتشابه] )

وَأَمَّا الْقِسْمُ الْخَامِسُ وَهُوَ الْمُحْكَمُ وَالْمُتَشَابِهُ: فَأَصْلُهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: 7] الْآيَةَ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُحْكَمَ النَّاسِخُ وَالْمُتَشَابِهَ الْمَنْسُوخُ وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُحْكَمَ الْفَرَائِضُ وَالْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ، وَالْمُتَشَابِهَ الْقَصَصُ وَالْأَمْثَالُ وَهُوَ قَوْلٌ مَأْثُورٌ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمُحْكَمَ الَّذِي لَمْ تَتَكَرَّرْ أَلْفَاظُهُ وَالْمُتَشَابِهَ الَّذِي تَكَرَّرَتْ أَلْفَاظُهُ وَهَذَا قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّ الْمُحْكَمَ مَا عَلِمَ الْعُلَمَاءُ تَأْوِيلَهُ وَفَهِمُوا مَعْنَاهُ، وَالْمُتَشَابِهَ مَا لَمْ يَكُنْ

لَهُمْ إِلَى عِلْمِهِ سَبِيلٌ، مِمَّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِعِلْمِهِ: كَقِيَامِ السَّاعَةِ، وَطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَنُزُولِ عِيسَى، وَغَيْرِهِ، وَهَذَا قَوْلُ جَابِرٍ.
وَالْخَامِسُ: أَنَّ الْمُحْكَمَ: مَا أَحْكَمَ اللَّهُ بَيَانَ حَلَالِهِ وَحَرَامِهِ، فَلَمْ تُشْتَبَهْ مَعَانِيهِ وَالْمُتَشَابِهَ: مَا اشْتُبِهَتْ مَعَانِيهِ، وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ.
وَالسَّادِسُ: أَنَّ الْمُحْكَمَ مَا لَمْ يَحْتَمِلْ مِنَ التَّأْوِيلِ إِلَّا وَجْهًا وَاحِدًا، وَالْمُتَشَابِهَ مَا احْتَمَلَ مِنَ التَّأْوِيلِ أَوْجُهًا، وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ.
وَالسَّابِعُ: أَنَّ الْمُحْكَمَ مَا قَامَ بِنَفْسِهِ، وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى اسْتِدْلَالٍ، وَالْمُتَشَابِهَ مَا لَمْ يَقُمْ بِنَفْسِهِ وَاحْتَاجَ إِلَى اسْتِدْلَالٍ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ.
وَالثَّامِنُ: أَنَّ الْمُحْكَمَ مَا كَانَتْ مَعَانِي أَحْكَامِهِ مَعْقُولَةً وَالْمُتَشَابِهَ مَا كَانَتْ مَعَانِي أَحْكَامِهِ غَيْرَ مَعْقُولَةٍ كَأَعْدَادِ الصَّلَوَاتِ، وَاخْتِصَاصِ الصِّيَامِ بِشَهْرِ رَمَضَانَ دُونَ شَعْبَانَ.
وَهَذَا مُحْتَمَلٌ.
وَفِي قَوْلِهِ ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: 7] ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ أَرَادَ الْآيَ الَّتِي فِيهَا الْفَرَائِضُ وَالْحُدُودُ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ الْمَقْصُودِ وَهَذَا قَوْلُ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَرَادَ فَوَاتِحَ السُّوَرِ الَّتِي يُسْتَخْرَجُ مِنْهَا الْقُرْآنُ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي فَاخِتَةَ.
وَالثَّالِثُ: أَرَادَ أَنَّهُ مَعْقُولُ الْمَعَانِي؛ لِأَنَّهُ يَتَفَرَّعُ عَنْهُ مَا يُشَارِكُهُ فِي مَعْنَاهُ فَيَصِيرُ الْأَصْلُ لِفُرُوعِهِ كَالْأُمِّ لِحُدُوثِهَا عَنْهُ فَلِذَلِكَ سماه أم الكتاب.
وهذا محتمل.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران: 7] فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: شَكٌّ قَالَهُ مُجَاهِدٌ.
وَالثَّانِي: ميل.
﴿فيتبعون ما تشابه منه﴾ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ الْأَجَلُ الَّذِي أَرَادَتِ الْيَهُودُ أَنْ تَعْرِفَهُ مِنَ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي الْقُرْآنِ مِنِ انْقِضَاءِ مُدَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِحِسَابِ الْجُمَلِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَعْرِفَةُ عَوَاقِبِ الْقُرْآنِ في العلم بورود النسخ قبل وقته.
﴿ابتغاء الفتنة﴾ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ الشِّرْكُ قَالَهُ السدي.

وَالثَّانِي: أَنَّهُ اللَّبْسُ قَالَهُ مُجَاهِدٌ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ إفساد ذات البين.
﴿وابتغاء تأويله﴾ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ التَّأْوِيلَ التَّفْسِيرُ.
وَالثَّانِي: أنه العاقبة المنتظرة.
﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: تَأْوِيلُ جَمِيعِ الْمُتَشَابِهِ، لِأَنَّ فِيهِ مَا يَعْلَمُهُ النَّاسُ وَفِيهِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: 53] ، يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ تَأْوِيلَهُ وَقْتُ حُلُولِهِ، وَهَذَا قول بعض المتأخرين: ﴿والراسخون في العلم﴾ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَعْنِي الثَّابِتِينَ فِيهِ، وَالْعَامِلِينَ بِهِ.
وَالثَّانِي: يَعْنِي الْمُسْتَنْبِطِينَ لَهُ، وَالْعَالِمِينَ بِهِ.
وَفِيهِمْ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ دَاخِلُونَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ وَتَقْدِيرُهُ: أَنَّ الَّذِي يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ جَمِيعًا رَوَى مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَنَا مِمَّنْ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ خَارِجُونَ مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ وَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقَالَ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا به﴾ . ﴿كل من عند ربنا﴾ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: عِلْمُ ذَلِكَ عِنْدَ رَبِّنَا.
والثاني: أنا مَا فَصَّلَهُ اللَّهُ مِنَ الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ مُنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا.
وَإِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى كِتَابَهُ مُحْكَمًا وَمُتَشَابِهًا اسْتِدْعَاءً لِلنَّظَرِ مِنْ غَيْرِ اتِّكَالٍ عَلَى الْخَبَرِ لِيَتَبَيَّنَ التَّفَاضُلُ وَيَسْتَجْزِلَ الثَّوَابُ.

وَقَدْ رَوَى مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: الْقُرْآنُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَجْزَاءٍ: " حَلَالٌ فَاتَّبِعْهُ، وَحَرَامٌ فَاجْتَنِبْهُ، وَمُتَشَابِهٌ يُشْكَلُ عَلَيْكَ فَكِلْهُ إِلَى عَالِمِهِ ". وَإِذَا وَضَحَ مَا ذَكَرْنَاهُ فَمَا تَضَمَّنَهُ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْأَحْكَامِ وَالْأَعْلَامِ يَنْقَسِمُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مُحْكَمٌ فِي أَحْوَالِهِ.
وَالثَّانِي: مُتَشَابِهٌ فِي أَحْوَالِهِ.
وَالثَّالِثُ: مُتَشَابِهٌ فِي حَالٍ وَمُحْكَمٌ فِي حَالٍ.
وَالرَّابِعُ: مُحْكَمٌ مِنْ وَجْهٍ وَمُتَشَابِهٌ مِنْ وَجْهٍ.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ وَهُوَ الْمُحْكَمُ فِي الْأَحْوَالِ فَضَرْبَانِ: مَفْهُومٌ، وَمَعْقُولٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَفْهُومَ مَا لَمْ يَحْتَجْ إِلَى فِكْرٍ، وَالْمَعْقُولُ مَا احْتَاجَ إِلَى فِكْرٍ.
وَالْمَفْهُومُ: ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا فُهِمَ صَرِيحُ لَفْظِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي تَحْرِيمِ الْمَنَاكِحِ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23] الْآيَةَ.
وَالثَّانِي: مَا فُهِمَ بِمَخْرَجِ خِطَابِهِ مِثْلِ قَوْلِهِ فِي تَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَالْقِمَارِ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: 90] فَدَلَّ وَضْعُ الْخِطَابِ عَلَى تَحْرِيمِهِ.
وَالْمَعْقُولُ: ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا عُلِمَ بِالتَّنْبِيهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: 11] نَبَّهَ بِثُلُثِ الْأُمِّ عَلَى أَنَّ الْبَاقِيَ لِلْأَبِ.
وَالثَّانِي: مَا عُلِمَ بِالِاسْتِدْلَالِ: مِثْلُ تَقْدِيرِ أَقَلِّ الْحَمْلِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ بِقَوْلِهِ ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: 14] دَلَّ بِقَوْلِهِ ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: 233] عَلَى أَنَّ الْبَاقِيَ مِنْ ثَلَاثِينَ شَهْرًا هُوَ أَقَلُّ مُدَّةِ الْحَمْلِ.
فَهَذِهِ الضُّرُوبُ الْأَرْبَعَةُ وَنَظَائِرُهَا مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مُتَشَابِهَةٍ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ الْمُتَشَابِهُ فِي الْأَحْوَالِ: فَضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا تَلَوَّحَتْ فِيهِ إِشَارَةٌ يُحْتَمَلُ الِاسْتِدْلَالُ بِهَا كَقَوْلِهِ فِي الْكَلَالَةِ: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: 12] فَسَأَلَ عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنِ الْكَلَالَةِ.
فَقَالَ: " تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ " يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ [النساء: 176] ... الآية

فَسَمَّاهَا آيَةَ الصَّيْفِ، لِأَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الصَّيْفِ فَلَمْ يَزِدْهُ فِي الْبَيَانِ عَنِ الرَّدِّ إِلَى الْإِشَارَةِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا تَجَرَّدَ عَنْ إِشَارَةٍ كَالْحُرُوفِ الْمُفْرَدَةِ فِي الْقُرْآنِ مِثْلُ ﴿الم﴾ وَ ﴿كهيعص﴾ [مريم: 1] ﴿حمعسق﴾ [الشورى: 1] فَكَانَتْ عَلَى احْتِمَالِ مُشْتَبِهَةٍ غَيْرَ أَنَّ الْمُرَادَ فِي الضَّرْبِ الْأَوَّلِ خَفِيٌّ وَفِي هَذَا الضَّرْبِ مُبْهَمٌ وَكِلَاهُمَا مِنَ الْمُتَشَابِهِ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ الْمُتَشَابِهُ فِي حَالٍ وَالْمُحْكَمُ فِي حَالٍ: فَضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: الْعُمُومُ إِذَا خُصَّ.
وَالثَّانِي: الْمُجْمَلُ إِذَا فُسِّرَ، هُمَا قَبْلَ الْبَيَانِ مِنَ الْمُتَشَابِهِ، وَبَعْدَ الْبَيَانِ مِنَ الْمُحْكَمِ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ: وَهُوَ الْمُحْكَمُ مِنْ وَجْهٍ وَالْمُتَشَابِهُ مِنْ وَجْهٍ: فَضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْمُتَشَابِهُ فِي الْمُوجَبِ، وَالْمُحْكَمُ فِي الْوَاجِبِ، مِثْلُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بالحق﴾ [الأنعام: 151، الإسراء: 33] فَالْحَقُّ هُوَ السَّبَبُ الْمُوجَبُ وَهُوَ مِنَ الْمُتَشَابِهِ وَإِبَاحَةُ الْقَتْلِ هُوَ الْوَاجِبُ وَهُوَ مِنَ الْمُحْكَمِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمُحْكَمُ فِي الْمُوجَبِ وَالْمُتَشَابِهُ فِي الْوَاجِبِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141] . وَالسَّبَبُ الْمُوجِبُ هُوَ اسْتِحْصَادُ الزَّرْعِ وَهُوَ مِنَ الْمُحْكَمِ وَالْحَقُّ الْمُؤَدَّى هُوَ الْوَاجِبُ وَهُوَ مِنَ الْمُتَشَابِهِ.
فَهَذَانِ الضَّرْبَانِ وَنَظَائِرُهُمَا هُوَ الْمُحْكَمُ مِنْ وَجْهٍ وَالْمُتَشَابِهُ مَنْ وَجْهٍ ثُمَّ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ تُعْتَبَرُ جَمِيعُ النُّصُوصِ.

(فصل: [القسم السادس الناسخ والمنسوخ] )

وَأَمَّا الْقِسْمُ السَّادِسُ وَهُوَ النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ.
فَالنَّسْخُ هُوَ رَفْعُ مَا ثَبَتَ حُكْمُهُ فِي الشَّرْعِ دُونَ الْعَقْلِ، لِأَنَّ وَاجِبَاتِ الْعُقُولِ لَا يَجُوزُ نسخها بشرع ولا عقل.
فالنسخ مُخْتَصٌّ بِالْأَحْكَامِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي دُونَ الْأَخْبَارِ، لِأَنَّ نَسْخَ الْخَبَرِ مُفْضٍ إِلَى دُخُولِ الْكَذِبِ فِي نَاسِخِهِ أَوْ مَنْسُوخِهِ، وَنَسْخُ الْحُكْمِ إِنَّمَا هُوَ الْعِلْمُ بِانْقِضَاءِ مُدَّتِهِ.
وَهُوَ مَأْخُوذٌ فِي اللُّغَةِ مِنْ قَوْلِهِمْ نَسَخَ الْمَطَرُ الْأَثَرَ إِذَا أَزَالَهُ وَنَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ إِذَا زَالَ بِهَا فَسُمِّيَ فِي الشَّرْعِ نَسْخًا لِزَوَالِ الْحُكْمِ بِهِ كَمَا سُمِّيَ بِهِ نَسْخُ الْكِتَابِ لِإِزَالَةِ الْأَصْلِ بِإِثْبَاتِ فَرْعِهِ.

وَلَيْسَ يَمْتَنِعُ فِي الْعَقْلِ وَلَا فِي الشَّرْعِ نَسْخُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لِأَنَّهَا مُعْتَبَرَةٌ بِالْمَصَالِحِ.
وَقَدْ تَخْتَلِفُ الْمَصَالِحُ بِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ فَيَكُونُ الْمَنْسُوخُ مَصْلَحَةً فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي، وَيَكُونُ النَّاسِخُ مَصْلَحَةً فِي الزَّمَانِ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ، فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَصْلَحَةً فِي زَمَانِهِ وَحَسَنًا فِي وَقْتِهِ وَإِنْ تَضَادَّا.
وَلَا يَكُونُ بَدَاءً ورجوعا فيستقبح كما زعم قوم لأن النداء هُوَ الرُّجُوعُ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَمْرٍ وَنَهْيٍ، وَالنَّسْخُ هُوَ أَمْرٌ بِالشَّيْءِ فِي وَقْتٍ وَالنَّهْيُ فِي غَيْرِهِ فَافْتَرَقَا.
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنِ اخْتِصَاصِ النَّسْخِ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ دُونَ الْعَقْلِيَّةِ فِي الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي دُونَ الْأَخْبَارِ، فَالنَّسْخُ جَائِزٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصْلٌ لِأَحْكَامِ الشَّرْعِ فَإِذَا جَاءَتْ فِي الْكِتَابِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ السُّنَّةِ كَانَ فِي السُّنَّةِ أَجْوَزَ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالنَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ يَشْتَمِلُ عَلَى تَفْصِيلِ بَيَانِهِ عَلَى سَبْعَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا يَقَعُ فِيهِ النَّسْخُ.
وَالثَّانِي: مَا يَقَعُ بِهِ النَّسْخُ.
وَالثَّالِثُ: فِي أَحْكَامِ النَّسْخِ.
وَالرَّابِعُ: فِي أَحْوَالِ النَّسْخِ.
وَالْخَامِسُ: فِي زَمَانِ النَّسْخِ.
وَالسَّادِسُ: فِي دَلَائِلِ النَّسْخِ.
والسابع: في الفرق بين التخصيص والنسخ.
( [القول فيما يقع فيه النسخ] ) : فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فِيمَا يَقَعُ فِيهِ النَّسْخُ: فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهَا الْأَوَامِرُ وَالنَّوَاهِي الشَّرْعِيَّةُ وَهِي عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ مُطْلَقَةً فَيَجُوزُ نَسْخُهَا، وَإِنْ وَرَدَتْ بِلَفْظِ الْخَبَرِ.
وَتَوَهَّمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فَمَنَعَ مِنْ نَسْخِهَا إِذَا وَرَدَتْ بِلَفْظِ الْخَبَرِ اعْتِبَارًا بِالْأَخْبَارِ فِي الِامْتِنَاعِ مِنْ دُخُولِ النَّسْخِ فِيهَا.
فَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: اخْتِصَاصُ الْأَخْبَارِ بِالْأَعْلَامِ وَاخْتِصَاصُ الْأَوَامِرِ بِالْإِلْزَامِ.
وَالثَّانِي: اخْتِصَاصُ الْأَخْبَارِ بِالْمَاضِي وَالْأَوَامِرِ بِالْمُسْتَقْبَلِ وَلِمَا تَعَلَّقَ بِمَا وَرَدَ مِنَ

الْأَوَامِرِ بِلَفْظِ الْأَخْبَارِ أَحْكَامُ الْأَوَامِرِ دُونَ الْأَخْبَارِ، وَمِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ، كَذَلِكَ فِي حُكْمِ النَّسْخِ.
والضرب الثاني: أن يرد الأمر مؤكدا بالتأييد فَفِي جَوَازِ نَسْخِهِ لِأَصْحَابِنَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يجوز نسخه؛ لأن صريح التأييد مَانِعٌ مِنِ احْتِمَالِ النَّسْخِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَكَأَنَّهُ أشبه أن نسخه جائر، لأن المطلق يقتضي التأييد كالمؤكد، لأنه لما جاز القطاع الْمُؤَبَّدِ بِالِاسْتِثْنَاءِ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الفاسقون إِلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: 4] جَازَ انْقِطَاعُهُ بِالنَّسْخِ كَالْمُطْلَقِ.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ مُقَدَّرًا بِمُدَّةٍ فَيَكُونُ انْقِضَاءُ الْمُدَّةِ مُوجِبًا لِارْتِفَاعِ الْأَمْرِ فَيَصِيرُ نَسْخًا بِغَيْرِ نَسْخٍ.
فَإِنْ أُرِيدَ نَسْخُهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ مُدَّتِهِ كَانَ فِي جَوَازِهِ وَجْهَانِ: كالمؤبد.
( [القول فيما يقع به النسخ] ) : وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: فِيمَا يَقَعُ بِهِ النَّسْخُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بِمِثْلِ الْمَنْسُوخِ فَيُنْسَخُ الْكِتَابُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةُ بِالسُّنَّةِ.
قَالَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: 106] . وَفِي الْمُرَادِ بِنَسْخِهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: تَبْدِيلُهَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَالثَّانِي: قبضها قاله السدي.
وفي قوله " أو ننسأها " وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: نَتْرُكُهَا فَلَا تُنْسَخُ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَالثَّانِي: نُؤَخِّرُهَا وَمِنْهُ بَيْعُ النَّسَاءِ.
وَفِي هَذَا التَّأْخِيرِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: نُؤَخِّرُ نَسْخَهَا.
وَالثَّانِي: نُؤَخِّرُ نُزُولَهَا.
وَفِي قَوْلِهِ ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أو مثلها﴾ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: بِخَيْرٍ مِنْهَا فِي الْمَنْفَعَةِ إِمَّا بِالتَّخْفِيفِ وَإِمَّا بِكَثْرَةِ الثَّوَابِ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، وَمَعْنَاهُ: نَأْتِ مِنْهَا بِخَيْرٍ قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ.

فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ.
وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا هَلْ مَنَعَ مِنْهُ الْعَقْلُ أَوِ الشَّرْعُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَنَعَ مِنْهُ الْعَقْلُ، لِأَنَّهُ يَمْنَعُ مِنِ اعْتِرَاضِ الْمَأْمُورِ عَلَى الْآمرِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: بَلْ مَنَعَ مِنْهُ الشَّرْعُ دُونَ الْعَقْلِ، لِأَنَّ التَّفْوِيضَ إِلَى الْمَأْمُورِ لَا يَمْنَعُ مِنْ مُشَارَكَةِ الْآمرِ.
وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ نَسْخَ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ الْمُسْتَفِيضَةِ كَمَا نُسِخَتْ آيَةُ الوصايا بقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ ". وَدَلِيلُنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ [النحل: 101] وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ اتبع إلا ما يوحى إلي) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -[يونس: 15] . وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزبير عن جابر قال: قال رسو ل الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " كَلَامِي لَا يَنْسَخُ كَلَامَ اللَّهِ وَكَلَامُ اللَّهِ يَنْسَخُ كَلَامِي، وَكَلَامُ اللَّهِ يَنْسَخُ بَعْضُهُ بَعْضًا " وَهَذَا نَصٌّ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
وَالَّذِي نَسَخَ آيَةَ الْوَصَايَا هُوَ آيَةُ الْمَوَارِيثِ فَكَانَتِ السُّنَّةُ بَيَانًا.
وَأَمَّا نَسْخُ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ فَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الرِّسَالَةِ الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَسْخُ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ كَمَا لَا يَجُوزُ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ: يَجُوزُ نَسْخُ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ لِأَنَّ الْقُرْآنَ أَوْكَدُ مِنَ السُّنَّةِ وَخَرَّجَهُ قَوْلًا ثَانِيًا لِلشَّافِعِيِّ مِنْ كَلَامٍ تَأَوَّلَهُ فِي الرِّسَالَةِ وَاسْتِشْهَادُهُ بِأَنَّ الْأَمْرَ أَنْفَذُ حُكْمًا مِنَ الْمَأْمُورِ وَاسْتِدْلَالًا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَسَخَ عَلَى رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَا عَقَدَهُ مَعَ قُرَيْشٍ فِي الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى رَدِّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ لَمَّا جَاءَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ مُسْلِمَةً وَطَلَبَهَا أَخَوَاهَا مَنَعَهُ اللَّهُ مِنْ رَدِّهَا وَنَسَخَ عَلَيْهِ حُكْمَهُ بِقَوْلِهِ {إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: 10] الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكفار﴾ . . فَدَلَّ هَذَا عَلَى جَوَازِ نَسْخِ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ.
فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي طَرِيقِ الْجَوَازِ وَالْمَنْعِ فِي الشَّرْعِ مَعَ جَوَازِهِ فِي الْعَقْلِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا تُوجَدُ سُنَّةٌ إِلَّا وَلَهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى أَصْلٌ كَانَتِ السُّنَّةُ فِيهِ بَيَانًا

فصول الكتاب · 30 فصل · 608 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الحاوي الكبير · 608 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كِتَابُ الْبُيُوعِ
كتاب الإقرار
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كتاب العارية
كتاب الغصب
كِتَابُ الشَّرْطِ فِي الرَّقِيقِ يَشْتَرِطُهُمُ الْمُسَاقِي
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ الْعَطَايَا وَالصَّدَقَاتِ
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب الصداق
كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع
كتاب السير
كتاب مختصر الجامع من كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب النذور
كِتَابُ الْعِتْق
كتاب عتق أمهات الأولاد من كتب
جارٍ التحميل