الحاوي الكبيرصفحات 381-415
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب النذور

صفحات 381-415
عن هذه الطبعة
عَلَم
الماوردي
الكتاب
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
المؤلف
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
المحقق
الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1419 هـ -1999 م
عدد الأجزاء
19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَبِهِ قَالَ مِنَ التَّابِعِينَ عَطَاءٌ وَمِنَ الْفُقَهَاءِ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ لَا يُحْكَمُ بِالْقَافَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُخْلَقَ الْوَلَدُ مِنْ مَاءِ رَجُلَيْنِ وَأَكْثَرُ، وَأَلْحَقَهُ بِجَمِيعِهِمْ، وَلَوْ كَانُوا مِائَةً.
وَإِذَا تَنَازَعَ امْرَأَتَانِ وَلَدًا أَلْحَقْتُهُ بِهِمَا كَالرَّجُلَيْنِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: أُلْحِقُهُ بِالْوَاحِدِ إِجْمَاعًا، وَبِالِاثْنَيْنِ أَثَرًا وَبِالثَّلَاثَةِ قِيَاسًا وَلَا أُلْحِقُهُ بِالرَّابِعِ، فَتَحَرَّرَ الْخِلَافُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: أحدها: في إِلْحَاقِهِ بِالْقَافَةِ مَنَعَ مِنْهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَجَوَّزْنَاهُ.
والثاني: في إلحاقه بأبوين جَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبْطَلْنَاهُ.
وَالثَّالِثُ: فِي خَلْقِهِ مِنْ مَاءَيْنِ فَأَكْثَرَ، صَحَّحَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَفْسَدْنَاهُ.
واستدل أصحاب أبي حنيفة على إبطال قوة الْقَافَةِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ لِلشَّبَهِ تَأْثِيرٌ فِي لُحُوقِ الْأَنْسَابِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ علم﴾ وَهَذِهِ صِفَةُ الْقَائِفِ، وَبُقُولِهِ تَعَالَى: ﴿فِي أَيِّ صورة ما شاء ركبك﴾ وَلَوْ تَرَكَّبَتْ عَنِ الْأَشْبَاهِ زَالَتْ عَنْ مُشْتَبَهٍ.
وبقوله تعالى: ﴿أفحكم الجاهلية يبغون﴾ . وَالْقِيَافَةُ مِنْ أَحْكَامِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَدْ أُنْكِرَتْ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَعُدَّتْ مِنَ الْبَاطِلِ، حَتَّى قَالَ جَرِيرٌ فِي شِعْرِهِ: (وَطَالَ خِيَارِي غُرْبَةُ الْبَيْنِ وَالنَّوَى ... وَأُحْدُوثَةٌ مِنْ كَاشِحٍ يَتَقَوَّفُ)

أَيْ يَقُولُ: الْبَاطِلَ.
وَمِمَّا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ وَأَنَا أُنْكِرُهُ.
فَقَالَ: هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: مَا أَلْوَانُهَا؟ قَالَ: حُمْرٌ.
قَالَ: فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: فَمِنْ أَيْنَ هَذَا؟ قَالَ: لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَهُ.
قَالَ: وَهَذَا لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَهُ ". فَأَبْطَلَ الِاعْتِبَارَ بِالشَّبَهِ الَّذِي يَعْتَبِرُهُ الْقَائِفُ.
وَبِمَا رُوِيَ أَنَّ الْعَجْلَانِي لَمَّا قُذِفَ مِنْ شَرِيكِ بْنِ السَّحْمَاءِ بِزَوْجَتِهِ وَهِيَ حَامِلٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " إِنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى نَعْتِ كَذَا فَلَا أَرَاهُ إِلَّا وَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى نَعْتِ كَذَا، فَلَا أَرَاهُ إِلَّا وَقَدْ كَذَبَ عَلَيْهَا "، فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الْمَكْرُوهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " إِنَّ أَمْرَهُ لَبَيِّنٌ لَوْلَا مَا حَكَمَ

اللَّهُ لَوْلَا الْأَيْمَانُ، لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ ". فَدَلَّ عَلَى أَنَّ حُكْمَ اللَّهِ يَمْنَعُ مِنِ اعْتِبَارِ الشَّبَهِ.
قَالُوا: وَلَوْ كَانَتِ الْقِيَافَةُ عِلْمًا لَعَمَّ فِي النَّاسِ، وَلَمْ يُخْتَصَّ بِقَوْمٍ وَلَأَمْكَنَ أَنْ يَتَعَاطَاهُ كُلُّ مَنْ أَرَادَ كَسَائِرِ الْعُلُومِ فَلَمَّا لَمْ يَعُمَّ وَلَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُتَعَلَّمَ بَطَلَ أَنْ يَكُونَ عِلْمًا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَعْمَلُ بِالْقِيَافَةِ فِي إِلْحَاقِ الْبَهَائِمِ كَانَ أَوْلَى أَنْ لَا يَعْمَلَ بِهَا فِي إِلْحَاقِ الْأَنْسَابِ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى جَوَازِ إِلْحَاقِ الْوَلَدِ بِآبَائِهِ لِعُمُومِ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ ". فَلَمَّا لَمْ يَمْتَنِعِ الِاشْتِرَاكُ فِي الْفِرَاشِ لَمْ يَمْتَنِعِ الِاشْتِرَاكُ فِي الْإِلْحَاقِ، وَبِمَا رُوِيَ مِنْ قَضِيَّةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " اخْتَصَمَا فِي رَجُلَيْنِ إِلَيْهِ وَقَدْ وَطِئَا امْرَأَةً فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ فَأَتَتْ بِوَلَدٍ فَدَعَا بِالْقَائِفِ وَسَأَلَهُ فَقَالَ: قَدْ أَخَذَ الشَّبَهَ مِنْهُمَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَضَرْبَهُ عُمَرُ بِالدِّرَةِ، حَتَّى أَضْجَعَهُ ثُمَّ حَكَمَ بِأَنَّهُ ابْنُهُمَا يَرِثُهُمَا، وَيَرِثَانِهِ، وَهُوَ لِلْبَاقِي مِنْهُمَا.
فَلَمْ يظهر له في الحكم بهما فخالف مَعَ اشْتِهَارِ الْقَضِيَّةِ، فَصَارَ كَالْإِجْمَاعِ.
قَالُوا: وَلِأَنَّهُمَا قَدِ اشْتَرَكَا فِي السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِثُبُوتِ النَّسَبِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَاحِقًا بِهِمَا كَأَبَوَيْنِ.
قَالُوا: ولأن أسباب التوارث لا يمنع الِاشْتِرَاكُ فِيهَا كَالْوَلَاءِ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى جَوَازِ خَلْقِهِ مِنْ مَاءِ رِجَالٍ بِأَنَّهُ لَمَّا خُلِقَ الْوَلَدُ مِنْ مَاءِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ، إِذَا امْتَزَجَ بِمَاءِ الْمَرْأَةِ فِي الرَّحِمِ كَانَ أَوْلَى أَنْ يُخْلَقَ مِنْ مَاءِ الْجَمَاعَةِ، إِذَا امْتَزَجَ مَاؤُهُمْ بِمَائِهَا، لِأَنَّهُ بِالِاجْتِمَاعِ أَقْوَى وَبِالِانْفِرَادِ أَضْعَفُ، وَالْقُوَّةُ أَشْبَهُ بِعُلُوقِ الْوَلَدِ مِنَ الضَّعْفِ.
قَالُوا: وَلِأَنَّهُ إِذَا جَازَ أَنْ يُخْلَقَ مِنِ اجْتِمَاعِ مَاءِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ مِنْ إِنْزَالٍ بَعْدَ إِنْزَالٍ، جَازَ أَنْ يخلق من اجتماع ماء الجماعة من وطىء بعد وطىء، لِأَنَّ اجْتِمَاعَ الْمِيَاهِ مِنَ الْجَمَاعَةِ كَاجْتِمَاعِهَا مِنَ الْوَاحِدِ.

(فَصْلٌ)

: وَالدَّلِيلُ عَلَى اعْتِبَارِ الشَّبَهِ فِي الْأَنْسَابِ، إِذَا اشْتَبَهَتْ، وَالْعَمَلِ فِيهَا بِالْقِيَافَةِ، مَا رَوَى الشَّافِعِيُّ فِي صَدْرِ الْبَابِ عَنْ سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهَا، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَعْرِفُ السُّرُورَ فِي وَجْهِهِ ". وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ: تَبْرُقُ سَرَائِرُ وَجْهِهِ، فَقَالَ: أَلَمْ تَرَي أَنْ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِيَّ نَظَرَ إِلَى أُسَامَةَ وَزَيْدٍ، عَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ، قَدْ غَطَّيَا رُؤُوسَهُمَا وَبَدَتْ أقدامهما فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بَعْضٍ.
فَفِيهِ دَلِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَطْعَنُونَ فِي نَسَبِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، لِأَنَّ زَيْدًا كَانَ قَصِيرًا عَرِيضَ الْأَكْتَافِ أَخْنَسَ أَبْيَضَ اللَّوْنِ، وَكَانَ أُسَامَةُ مَدِيدَ الْقَامَةِ أقنى أسود

اللَّوْنِ، وَكَانَ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَكْرَهُ الْقَدْحَ فِيهِ وَفِي أُسَامَةَ، فَلَمَّا جَمَعَ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِيُّ بَيْنَهُمَا فِي النَّسَبِ، بِقَوْلِهِ: " هَذِهِ أَقْدَامٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ " سُرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بُقُولِهِ لِزَوَالِ الْقَدْحِ فِيهِمَا، مِمَّنْ كَانَ يَطْعَنُ فِي نَسَبِهِمَا فَلَوْ لَمْ تَكُنِ الْقِيَافَةُ حَقًا، لَمَا سُرَّ بِهَا، لِأَنَّهُ لَا يُسَرُّ بِبَاطِلٍ ولرد ذلك عليه، وإن أصاب، لأن لا يَأْمَنَ مِنَ الْخَطَأِ فِي غَيْرِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الشَّرْعَ مَأْخُوذٌ عَنِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مِنْ قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ، وَإِقْرَارِهِ، فَكَانَ إِقْرَارُهُ لِمُجَزِّزٍ عَلَى حُكْمِهِ شَرْعًا مِنَ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي جَوَازِ الْعَمَلِ بِهِ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ.
أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى الْأَبْطَحِ فَرَأَى بَعْضَ قَافَةِ الْأَعْرَابِ.
فَقَالَ: مَا أَشْبَهَ هَذَا الْقَدَمَ بِقَدَمِ إِبْرَاهِيمَ الَّتِي فِي الْحِجْرِ، فَأَلْحَقَهُ بِالْجَدِّ الْأَبْعَدِ، وَأَقَرَّهُ عَلَى اقْتِفَاءِ الْأَثَرِ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ فَثَبَتَ اعْتِبَارُ الشَّبَهِ بِالْقَافَةِ شَرْعًا.
وَيَدُلُّ عَلَى اشْتِهَارِهِ فِي الْإِسْلَامِ، أَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَعَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى غَارِ ثَوْرٍ مُخْتَفِيًا فِيهِ مِنْ قُرَيْشٍ، أَخَذَتْ قُرَيْشٌ قَائِفًا يَتْبَعُ بِهِ أَقْدَامَ بَنِي إِبْرَاهِيمَ، فَيَتَتَبَّعُهَا حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْغَارِ ثُمَّ انْقَطَعَ الْأَثَرُ فَقَالَ: إِلَى هَاهُنَا انْقَطَعَ أَثَرُ بَنِي إِبْرَاهِيمَ، فَلَمْ يَكُنْ مِنَ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِيهِ إِنْكَارٌ فَثَبَتَ أَنَّهُ شَرْعٌ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قد اعتبر لشبه فِي وَلَدِ الْعَجْلَانِيِّ، فَقَالِ: " إِنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى نَعْتِ كَذَا فَلَا أَرَاهُ إِلَّا وَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى نَعْتِ كَذَا فَلَا أَرَاهُ إِلَّا وَقَدْ كَذَبَ عَلَيْهَا "، فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الْمَكْرُوهِ.
فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَوْلَا الْأَيْمَانُ " وَرُوِيَ " الْقُرْآنُ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ ". يَعْنِي فِي إِلْحَاقِ الْوَلَدِ بِالْفِرَاشِ، وَنَفْيِهِ عَنِ الْعَاهِرِ، وَلَوْلَا أَنَّ الشَّبَهَ مَعَ جَوَازِ الِاشْتِرَاكِ حُكْمٌ، لَأَمْسَكَ عَنْهُ كَيْلَا يَقُولَ بَاطِلًا فَيُتَّبَعُ فِيهِ وَقَدْ نَزَّهَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنْ قَوْلِ الْبَاطِلِ كَمَا نَزَّهَهُ عَنْ فِعْلِهِ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " إِذَا غَلَبَ مَاءُ الرَّجُلِ كَانَ الشَّبَهُ لِلْأَعْمَامِ وَإِذَا غَلَبَ مَاءُ الْمَرْأَةِ كَانَ الشَّبَهُ لِلْأَخْوَالِ ". فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لِلشَّبَهِ تَأْثِيرًا فِيمَا أَشْبَهَ فَقَدْ كَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَسْتَدِلُّ عَلَيْهِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ ". فَجَعَلَ لِلْفِرَاسَةِ حُكْمًا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْإِجْمَاعِ اشْتِهَارُهُ فِي الصَّحَابَةِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ فَعَلُوهُ، وَأُقِرُّوا عَلَيْهِ، وَلَمْ يُنْكِرُوهُ، حَتَّى رُوِيَ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ شَكَّ فِي ابْنٍ لَهُ، فَأَرَاهُ الْقَافَةَ، وَلَوْ كَانَ هَذَا مُنْكَرًا لَمَا جَازَ مِنْهُمْ إِقْرَارُهُمْ عَلَى مُنْكَرٍ، فَصَارَ كَالْإِجْمَاعِ، وَقَدْ جَرَى فِي أَشْعَارِهِمْ مَا يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ الْقِيَافَةِ عِنْدَهُمْ،.
وَاشْتِهَارِ صِحَّتِهَا بَيْنَهُمْ، حَتَّى قَالَ شَاعِرُهُمْ: (قَدْ زَعَمُوا أَنْ لَا أُحِبُّ مُطْرِفَا ... كَلَّا وَرَبِّ الْبَيْتِ حُبًا مُسْرِفَا)

(يَعْرِفُهُ مَنْ قَافَ أَوْ تَقَوَّفَا ... بِالْقَدَمَيْنِ، وَالْيَدَيْنِ، وَالْقَفَا)

(وَطَرْفِ عَيْنَيْهِ إِذَا تَشَوَّفَا ... ... ... ... ... ... ... )

ويدل عليه من طريق المعنى، وهو أَنَّ الْحَادِثَةَ فِي الشَّرْعِ، إِذَا تَجَاذَبَهَا أَصْلَانِ حَاظِرٌ وَمُبِيحٌ، لَمْ تُرَدَّ إِلَيْهَا، وَرُدَّتْ إِلَى أَقْوَاهُمَا شَبَهًا بِهَا، كَذَلِكَ فِي اشْتِبَاهِ الْأَنْسَابِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى إِبْطَالِ إِلْحَاقِ الْوَلَدِ يَأْتِي فِي وقول الله تعالى: ﴿يأيها النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ [الحجرات: 13] ، وَهَذَا خِطَابٌ لِجَمِيعِهِمْ فَدَلَّ عَلَى انْتِفَاءِ خَلْقِ أَحَدِهِمْ مِنْ ذَكَرَيْنِ وَأُنْثَى، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾ [الإنسان: 2] فَمَنَعَ أَنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا مِنْ نُطْفَتَيْنِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنْ لَيْسَ فِي سَالِفِ الْأُمَمِ، وَحَدِيثِهَا، وَلَا جَاهِلِيَّةٍ، وَلَا إِسْلَامٍ، أَنْ نَسَبُوا أَحَدًا فِي أَعْصَارِهِمْ، إِلَى أَبَوَيْنِ، وَفِي إِلْحَاقِهِ بِاثْنَيْنِ خَرْقُ الْعَادَاتِ، وَفِي خَرْقِهَا إِبْطَالُ الْمُعْجِزَاتِ، وَمَا أَفْضَى إِلَى إِبْطَالِهَا، بَطَلَ فِي نَفْسِهِ، وَلَمْ يُبْطِلْهَا.
وَالْقِيَاسُ، هُوَ أَنَّهُمَا شَخْصَانِ، لَا يَصِحُّ اجْتِمَاعُهُمَا عَلَى وَطْءِ وَاحِدٍ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُلْحَقَ الْوَلَدُ بِهِمَا كَالْحُرِّ مَعَ الْعَبْدِ، وَالْمُسْلِمِ مَعَ الْكَافِرِ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَمْتَنِعُ مِنْ إِلْحَاقِهِ بِهِمَا، وَإِنِ اشْتَرَكَا فِي الْوَطْءِ فَيُلْحِقُهُ بِالْحُرِّ دُونَ الْعَبْدِ، وَالْمُسْلِمِ دُونَ الْكَافِرِ، وَالدَّلِيلِ عَلَى إِبْطَالِ خَلْقِهِ مِنْ مَاءَيْنِ مَعَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ نَصِّ الْكِتَابِ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أُمَمُ الطِّبِّ فِي خَلْقِ الْإِنْسَانِ، أَنَّ عُلُوقَ الْوَلَدِ يَكُونُ حِينَ يَمْتَزِجُ مَاءُ الرَّجُلِ بِمَاءِ الْمَرْأَةِ، ثُمَّ تَنْطَبِقُ الرَّحِمُ عَلَيْهِمَا بعد ذلك [الامتزاج] فَيَنْعَقِدُ عُلُوقُهُ لِوَقْتِهِ، وَلَا يَصِلُ إِلَيْهِ مَاءٌ آخر، من ذلك الواطىء وَلَا مِنْ غَيْرِهِ، وَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ تَعَالَى على قوله تعالى: ﴿فلينظر الإنسان مما خلق خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب﴾ يَعْنِي أَصْلَابَ الرِّجَالِ، وَتَرَائِبِ النِّسَاءِ، وَالتَّرَائِبُ الصُّدُورُ فَاسْتَحَالَ، بِهَذَا خَلْقُ الْوَلَدِ مِنْ مَاءَيْنِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ مِنْ ذَكَرَيْنِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا اسْتَحَالَ فِي شَاهِدِ الْعُرْفِ أَنْ تَنْبُتَ السُّنْبُلَةُ مِنْ حَبَّتَيْنِ، وَتَنْبُتَ النَّخْلَةُ مِنْ نَوَاتَيْنِ، دَلَّ عَلَى اسْتِحَالَةِ خَلْقِ الْوَلَدِ مِنْ مَاءَيْنِ.
فَإِنْ قِيلَ لَمَّا لَمْ يَسْتَحِلْ خَلْقُ الْوَلَدِ مِنْ مَاءِ ذَكَرٍ، وَأُنْثَى، لَمْ يَسْتَحِلْ أَنْ يُخْلَقَ مِنْ مَاءِ ذَكَرَيْنِ وَأُنْثَى.
قِيلَ: قَدْ جَوَّزْتُمْ مَا يَسْتَحِيلُ إِمْكَانُهُ فِي الْعُقُولِ، وَالْعِيَانِ مِنْ إلحاق الولد، بأمين فكيف اعتبرتهم إِنْكَارَ إِلْحَاقِهِ بِأَبَوَيْنِ؟ وَتَعْلِيلُكُمْ بِالْإِمْكَانِ فِي الْأَبَوَيْنِ يُبْطِلُ إِلْحَاقَكُمْ لَهُ بِأُمَّيْنِ، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ عِنْدَنَا مُسْتَحِيلٌ فِي الْأَبَوَيْنِ، وَالْأُمَّيْنِ، ثُمَّ نَقُولُ مَا اسْتَحَالَ عَقْلًا وَشَرْعًا فِي لُحُوقِ الْأَنْسَابِ.
لَمْ يَثْبُتْ بِهِ نَسَبٌ كَابْنِ عِشْرِينَ إِذَا ادَّعَى أَبُوهُ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً لَمْ يُلْحَقْ لِاسْتِحَالَتِهِ، كذلك ادعاء امرأتين ولد لَمْ يُلْحَقْ بِهِمَا لِاسْتِحَالَتِهِ.

(فَصْلٌ)

: فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْله تَعَالَى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ به

عِلْمٌ} [الإسراء: 36] فَهُوَ عَائِدٌ عَلَيْهِمْ فِي إِلْحَاقِهِ بِالْجَمَاعَةِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ دَلِيلٌ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عن قوله تعالى: ﴿من أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: 8] فَهُوَ: أَنَّهُ يُرَادُ بِهِ فِيمَا شَاءَ مِنْ شَبَهِ أَعْمَامِهِ، وَأَخْوَالِهِ، وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: 50] . فَهُوَ: أَنَّ مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ، لَا يُنْسَبُ إِلَى حُكْمِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَإِنْ وَافَقَهُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَهُ " فَهُوَ أَنَّهُ دَالٌّ عَلَى اعْتِبَارِ الشَّبَهِ، لِأَنَّهُ عَلَّلَ بِنُزُوعِ الْعِرْقِ الْأَوَّلِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ الْعَجْلَانِيِّ: فَهُوَ مَا جَعَلْنَاهُ دَلِيلًا مِنْهُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اخْتِصَاصِ قَوْمٍ بِهِ، وَتَعَذُّرِ مُعَاطَاتُهُ، وَتَعَلُّمِهِ: فَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ يَمْتَنِعُ، أَنْ يَكُونَ فِي الْعُلُومِ، مَا يُسْتَفَادُ بِالطَّبْعِ دُونَ التَّعَلُّمِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: (إِنْ لَمْ يَسْتَفِدْهُ الْإِنْسَانُ طَبْعًا ... تَعَذَّرَ أَنْ يَقُولَهُ بِتَعَلُّمِ وَاكْتِسَابِ)

وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ صِنَاعَةُ الشِّعْرِ عِلْمًا، كَذَلِكَ الْقِيَافَةُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: " الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ": فَهُوَ أَنَّ الْفِرَاشَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ الزَّوْجَةُ، وَعِنْدَنَا مَنْ يَجُوزُ أَنْ يَلْحَقَ وَلَدَهَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ ذَاتَ زَوْجَيْنِ، فَلَمْ يَجُزْ عِنْدَهُمْ أَنْ تَكُونَ لِاثْنَيْنِ، وَعِنْدَنَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُلْحَقَ وَلَدُهَا إِلَّا بِوَاحِدٍ فَلَمُ يَكُنْ فِرَاشًا إِلَّا لِوَاحِدٍ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِامْتِنَاعِ الْقِيَافَةِ فِي الْبَهَائِمِ.
فَهُوَ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِإِلْحَاقِ الْبَهَائِمِ الْمِلْكَ، وَالْيَدَ أَقْوَى فَاسْتَغْنى بِهِ عَنِ الْقِيَافَةِ، وَالْمَقْصُودُ فِي الْآدَمِيِّينَ النَّسَبُ، وَالْيَدُ لَا تَأْثِيرَ لَهَا فَاحْتِيجَ فِيهِ إِلَى الْقِيَافَةِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِصَّةِ عُمُرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي إِلْحَاقِ الْوَلَدِ بِاثْنَيْنِ.
فَهُوَ: أَنَّ الرِّوَايَةَ اخْتَلَفَتْ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ فَرَوَى الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ " الْأُمِّ " عَنِ ابْنِ عِيَاضٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ أَنَّ رَجُلَيْنِ تَدَاعَيَا وَلَدًا فَدَعَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْقَافَةَ فَقَالُوا: قَدِ اشْتَرَكَا فِيهِ.
فقال عمر: وإلى أيهما يثبت؟ ويرى أَنَّهُ دَعَا عَجَائِزَ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقُلْنَ: إِنَّ الْأَوَّلَ وَطِئَهَا، فَعَلَقَتْ مِنْهُ، ثُمَّ حَاضَتْ فَاسْتَحْشَفَ الْوَلَدُ ثُمَّ وَطِئَهَا الثَّانِي فَانْتَعَشَ بِمَائِهِ، فَأَخَذَ شَبَهًا مِنْهُمَا فَقَالَ عُمَرُ: " اللَّهُ أَكْبَرُ " وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْأَقْرَبِ.
وَإِذَا تَعَارَضَتْ فِيهَا الرِّوَايَاتُ الْمُخْتَلِفَةُ، سَقَطَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَا وَكَانَتْ دَلِيلًا لَنَا لِاجْتِمَاعِهِمْ، فِيهَا عَلَى اسْتِعْمَالِ الْقَافَةِ، وَاسْتِخْبَارِهِمْ عَنْ إِلْحَاقِ الولد.
وأما الجواب عن قياسهم على إلحافه بِأَبَوَيْهِ مَعَ انْتِقَاضِهِ بِدَعْوَى الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ فَهُوَ أَنَّ الْأَبَ وَالْأُمَّ هُمَا مُشْتَرِكَانِ فِي وَطْءٍ وَاحِدٍ، فَلَحِقَ الْوَلَدُ بِهِمَا وَالرَّجُلَانِ لَا يَشْتَرِكَانِ فِي وَطْءٍ وَاحِدٍ، فَلَمْ يُلْحَقَ الْوَلَدُ بِهِمَا.

وأما الجواب عن استدلالهم بالولاء تَعْلِيلًا بِالتَّوَارُثِ بِهَا، فَلَيْسَتِ الْأَنْسَابُ مُعْتَبَرَةٌ بِالتَّوَارُثِ لِثُبُوتِ الْأَنْسَابِ مَعَ عَدَمِ التَّوَارُثِ بِالرِّقِّ، وَاخْتِلَافِ الدِّينِ، ثُمَّ الْمَعْنَى فِي الْوَلَاءِ حُدُوثُهُ عَنْ مِلْكٍ، لَا يَمْتَنِعُ فِيهِ الِاشْتِرَاكُ، وَحُدُوثُ النَّسَبِ عَنْ وَطْءٍ وَاحِدٍ، يَمْتَنِعُ فِيهِ الِاشْتِرَاكُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ، بِأَنَّهُ لَمَّا لَحِقَ بِذَكَرٍ وَأُنْثَى، لَحِقَ بِذَكَرَيْنِ وَأُنْثَى، فَقَدْ تَقَدَّمَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنِ امْتِنَاعِهِ أَنْ يُخْلَقَ مِنْ مَاءٍ بَعْدَ مَاءٍ، مِنْ وَاحِدٍ، أَوِ اثْنَيْنِ.

(فَصْلٌ)

: وَإِذَا كَانَ أَحَدُ الْوَاطِئَيْنِ زَوْجًا وَطْئِهَا فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، وَالْآخَرُ أَجْنَبِيًّا، وَطْئِهَا بِشُبْهَةٍ كَانَا فِي اسْتِلْحَاقِ الْوَلَدِ سَوَاءً، وَيُلْحِقُهُ الْقَافَةُ بِأَشْبَهِهِمَا بِهِ، وَقَالَ مَالِكٌ يُلْحَقُ بِالزَّوْجِ مِنْ غَيْرِ قَافَةٍ لِقُوَّتِهِ بِالنِّكَاحِ، وَتَمَيُّزِهِ بِالِاسْتِبَاحَةِ.
وَدَلِيلُنَا: هُوَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَوِ انْفَرَدَ، لَكَانَ الْوَلَدُ لَاحِقًا بِهِ فَوَجَبَ إِذَا اجْتَمَعَا أَنْ يَسْتَوِيَا فِي اسْتِلْحَاقِهِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلُحُوقِهِ.
وَلَيْسَ اخْتِصَاصُ أَحَدِهِمَا بِالِاسْتِبَاحَةِ مُوجِبًا، لِاخْتِصَاصِهِ بِلُحُوقِ الْوَلَدِ كَمَنْ بَاعَ أَمَةً بَعْدَ وَطْئِهَا، وَوَطِئَهَا الْمُشْتَرِي قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا وَجَاءَتْ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ لُحُوقُهُ، بِهِمَا اسْتَوَيَا فِي اسْتِلْحَاقِهِ وَأَلْحَقَهُ الْقَافَةُ بِمُشْبِهِهِ.
وَإِنْ كَانَ وَطْءُ الْبَائِعِ مُبَاحًا وَوَطْءُ الْمُشْتَرِي مَحْظُورًا.

(فَصْلٌ)

: فَإِذَا تَقَرَّرَ وُجُوبُ الْحُكْمِ بِالْقِيَافَةِ فِي الْأَنْسَابِ، إِذَا اشْتَبَهَتْ بَعْدَ الِاشْتِرَاكِ فِي أَسْبَابِ لُحُوقِهَا، فَالْكَلَامُ فِيهَا يَشْتَمِلُ عَلَى أَرْبَعَةِ فُصُولٍ: أَحَدُهَا: صِفَةُ الْقَائِفِ.
وَالثَّانِي: صِفَةُ القيافة.
الثالث: الْمُوجِبُ لَهَا.
وَالرَّابِعُ: نُفُوذُ الْحُكْمِ بِهَا.
فَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي صِفَةِ الْقَائِفِ، فَيَشْتَمِلُ عَلَى أَرْبَعَةِ شُرُوطٍ، يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ بِهَا قَائِفًا - وَهُوَ: أَنْ يَكُونَ رَجُلًا حُرًّا، عَدْلًا، عَالِمًا، لِأَنَّهُ مُتَرَدِّدُ الْحَالِ بَيْنَ حُكْمٍ، وَشَهَادَةٍ، فَاعْتُبِرَتْ فِيهِ هَذِهِ الشُّرُوطُ الْأَرْبَعَةُ، فَإِنْ كَانَ امْرَأَةً أَوْ عَبْدًا، أَوْ فَاسِقًا أَوْ غَيْرَ عَالِمٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ قَائِفًا.
وَعِلْمُهُ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: عِلْمُهُ بِالْقِيَافَةِ.
وَالثَّانِي: عِلْمُهُ بِالْفِقْهِ.

فَأَمَّا عِلْمُهُ بِالْقِيَافَةِ، فَهُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا فِيهِ وَمُخْتَبَرًا عَلَيْهِ، وَاخْتِبَارُهُ فِيهِ أَنْ يُجَرَّبَ فِي غَيْرِ الْمُتَنَازِعِينَ، بِأَنْ يُضَمَّ وَلَدٌ مَعْرُوفُ النَّسَبِ، إِلَى جَمَاعَةٍ لَيْسَ لَهُ فِيهِمْ أَبٌ، وَيُقَالُ لَهُ: مَنْ أَبُوهُ مِنْهُمْ؟ وَلَا يُقَالُ أَلْحِقْهُ بِأَبِيهِ مِنْهُمْ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِيهِمْ أَبٌ، فَإِذَا قَالَ: لَيْسَ لَهُ فِيهِمْ أَبٌ، ضَمَّهُ ذَلِكَ الْوَلَدُ إِلَى جَمَاعَةٍ لَهُ فِيهَا أَبٌ، وَقِيلَ لَهُ: أَلْحِقْهُ بِأَبِيهِ مِنْهُمْ، لِأَنَّ لَهُ فِيهِمْ أَبًا، فَإِنْ أَلْحَقَهُ بِأَبِيهِ مِنْهُمْ، عُرِفَ أَنَّهُ عَالِمٌ بِالْقِيَافَةِ.
وَإِنْ أَخْطَأَ فِي الْأَوَّلِ فَأَلْحَقَهُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ، أَوْ أَخْطَأَ فِي الثَّانِي فَأَلْحَقَهُ بِغَيْرِ أبيه منهم، علم بأنه غير عالم بالقيامة، وَلَا يُقْنَعُ، إِذَا أَصَابَ مَرَّةً أَنْ يُجَرَّبَ فِي ثَانِيَةٍ، وَثَالِثَةٍ، لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يُصِيبَ فِي الْأَوَّلَةِ، اتِّفَاقًا وَفِي الثَّانِيَةِ، ظَنًّا وَفِي الثَّالِثَةِ يَقِينًا، فَإِذَا وُثِقَ بِعِلْمِهِ عُمِلَ عَلَى قَوْلِهِ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَخْتَبِرَ ثَانِيَةً بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ بِعِلْمِهِ.
وَأَمَّا عِلْمُ الْفِقْهِ فَإِنْ نَزَلَ بِهِ مَنْزِلَةَ الْمُخَيَّرِ لَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى عِلْمِ الْفِقْهِ وَإِنْ نَزَلَ مَنْزِلَةَ الْحَاكِمِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ، مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَ حَالَتَيْهِ اعْتُبِرَ فِيهِ مِنْ عِلْمِ الْفِقْهِ، مَا اخْتَصَّ بِلُحُوقِ الْأَنْسَابِ وَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ الْعِلْمُ بِجَمِيعِ الْفِقْهِ، لِأَنَّ اعْتِبَارَهُ فِي الْقَافَةِ مُتَعَذِّرًا.
وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ فِي بَنِي مُدْلِجٍ، وَلَا مِنَ الْعَرَبِ، إِذَا تَكَامَلَتْ فِيهِ شُرُوطُ الْقِيَافَةِ، وَوَهِمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، فَقَالَ: لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ إِلَّا مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ، لِاخْتِصَاصِهِمْ بِعِلْمِ الْقِيَافَةِ طَبْعًا فِي خَلْقِهِمْ، وَهَذَا لَا وَجْهَ لَهُ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْقِيَافَةِ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يُعْدَمَ فِي بَنِي مُدْلِجٍ، وَيُوجَدَ فِي غَيْرِ بَنِي مُدْلِجٍ، وَإِنْ كَانَ الْأَغْلَبُ وُجُودُهُ فِي بَنِي مُدْلِجٍ.

(فَصْلٌ)

: وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي فِي صِفَةِ الْقِيَافَةِ، فَالْمُعْتَبِرُ فِيهَا التَّشَابُهُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: تَخْطِيطُ الْأَعْضَاءِ وَأَشْكَالُ الصُّورَةِ.
وَالثَّانِي: فِي الْأَلْوَانِ وَالشُّعُورِ.
وَالثَّالِثُ: فِي الْحَرَكَاتِ وَالْأَفْعَالِ.
وَالرَّابِعُ: فِي الْكَلَامِ، وَالصَّوْتِ، وَالْحِدَّةِ، وَالْأَنَاةِ، وَلَئِنْ جَازَ أَنْ تَخْتَلِفَ هَذِهِ الْأَرْبَعَةُ فِي الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ فِي الظَّاهِرِ الْجَلِيِّ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا، فِي الْبَاطِنِ تَشَابُهٌ خَفِيٌّ، وَلَئِنْ لَمْ يَكُنْ فِي جَمِيعِهَا لِغَلَبَةِ التَّشَابُهِ بِالْأُمَّهَاتِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي بَعْضِهَا لِأَنَّ الْمَوْلُودَ مِنْ أَبْيَضَ، وَأَسُودَ، لَا يَكُونُ أَبْيَضَ مَحْضًا، وَلَا أَسْوَدَ مَحْضًا فَيَكُونُ فِيهِ مِنَ الْبَيَاضِ، مَا يُقَارِبُ الْأَبْيَضِ، وَمِنَ السَّوَادِ مَا يُقَارِبُ بالسواد.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُ حَالُ الْوَلَدِ مَعَ الْمُتَنَازِعَيْنِ فِيهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ فِيهِ شَبَهٌ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَلَيْسَ فِيهِ شَبَهٌ مِنَ الْآخَرِ، فَيَلْحَقُ بِمَنْ فِيهِ شَبَهُهُ، وَيُنْفَى عَمَّنْ لَيْسَ فِيهِ شَبَهُهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ الشَّبَهُ بَيْنَهُمَا مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، أَوْ من بعضها ظَاهِرًا كَانَ أَوْ خَفْيًا.

وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ شَبَهٌ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ، مِنْهُمَا فَلَا يَكُونُ فِي الْقِيَافَةِ بَيَانٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنْفَى عَنْهَا، لِأَنَّ نَسَبَهُ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِمَا، فَيُعْدَلُ إِلَى الْوَقْفِ عَلَى الِانْتِسَابِ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.
والْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ فِيهِ شَبَهٌ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَهَذَا عَلَى خَمْسَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَتَمَاثَلَ الشَّبَهَانِ، وَلَا يَتَرَجَّحَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِشَيْءٍ، فَلَا يَكُونُ فِي الْقِيَافَةِ بَيَانٌ، وَيَعْدِلُ إِلَى غَيْرِهَا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي، أَنْ يَتَمَاثَلَ الشَّبَهُ بَيْنَهُمَا فِي الْعَدَدِ، وَيَخْتَلِفَا فِي الظُّهُورِ، وَالْخَفَاءِ، يَكُونُ فِيهِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَبَهَانِ، وَهُوَ فِي أَحَدِهِمَا ظَاهِرٌ، وَفِي الْآخَرِ خَفِيٌّ، فَيُلْحَقُ بِمَنْ ظَهَرَ مِنْهُ الشَّبَهُ دُونَ مَنْ خَفِي فِيهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَتَمَاثَلَا فِي الظُّهُورِ، وَالْخَفَاءِ، وَيَخْتَلِفَانِ فِي الْعَدَدِ، فَيَكُونُ الشَّبَهُ فِي أَحَدِهِمَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، وَفِي الْآخَرِ مِنْ وَجْهَيْنِ، فَيَلْحَقُ بِمَنْ زَادَ عَدَدُ الشَّبَهِ فِيهِ دُونَ مَنْ قَلَّ.
وَالضَّرْبُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الشَّبَهُ فِي أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ عَدَدًا، وَأَظْهَرَ شَبَهًا، وَهُوَ فِي الْآخِرِ أَقَلُّ، وَأَخْفَى، فَيُلْحَقُ بِمَنْ كَثُرَ فِيهِ عَدَدُ الشَّبَهِ، وَظَهَرَ دُونَ مَنْ قَلَّ، فِيهِ وَخَفِيَ، وَهُوَ أَقْوَى مِنَ الضَّرْبَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ.
وَالضَّرْبُ الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا فِي الشَّبَهِ أَكْثَرَ عَدَدًا، وَأَخْفَى شَبَهًا، وَالْآخَرُ أَقَلَّ عَدَدًا، وَأَظْهَرَ شَبَهًا، فَيَكُونُ الشَّبَهُ فِي أَحَدِهِمَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ خَفِيَّةٍ، وَفِي الْآخَرِ من وجهين ظاهرين، ففه وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُرَجِّحُ كَثْرَةَ الْعَدَدِ عَلَى ظُهُورِ الشَّبَهِ، فَيُلْحَقُ بِمَنْ فِيهِ الشَّبَهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ خَفِيَّةٍ، تَغْلِيبًا لِزِيَادَةِ التَّشَابُهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُرَجَّحُ ظُهُورُ الشَّبَهِ عَلَى كَثْرَةِ الْعَدَدِ، فَيُلْحَقُ بِمَنْ فِيهِ الشَّبَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ ظَاهِرَيْنِ، تَغْلِيبًا لِقُوَّةِ التَّشَابُهِ.
فَهَذَا أَصْلٌ فِي اعْتِبَارِ التَّشَابُهِ فِي الْقِيَافَةِ، وَقَدْ يَخْتَلِفُ فَطِنَ الْقَافَةُ فَمِنْهُمْ مَنْ تَكُونُ فِطْنَتُهُ مِنْ أَعْدَادِ التَّشَابُهِ أَقْوَى، وَمِنْهُمْ مَنْ تَكُونُ فِطْنَتُهُ فِي قُوَّةِ التَّشَابُهِ أَقْوَى، فَيَعْتَمِدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مَا فِي قُوَّةِ فِطْنَتِهِ، تَغْلِيبًا لِقُوَّةِ حِسِّهِ، فَإِنْ كَانَ الْقَائِفُ عَارِفًا بِأَحْكَامِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ، جَازَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا مُخْبِرًا، وَحَاكِمًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَارِفًا بِأَحْكَامِهَا كَانَ فِيهَا مُخْبِرًا، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا حَاكِمًا، لِيَحْكُمَ بِهَا مِنَ الْحُكَّامِ مَنْ يَعْلَمُهَا، وَيَجْتَهِدُ رَأْيَهُ فِيهَا.

(فَصْلٌ)

: وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي الْمُوجِبِ لِاسْتِعْمَالِ الْقَافَةِ، فَالتَّنَازُعُ فِي الْوَلَدِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِنْ لَقِيطٍ لَا يُعْرَفُ لِلْمُتَنَازِعَيْنِ فِيهِ فَرَاشٌ، فَلَا يَخْلُو حَالُ الْوَلَدِ مِنْ أَنْ يَكُونَ صَغِيرًا، أَوْ كَبِيرًا، فَإِنْ كَانَ كَبِيرًا بَالِغًا عَاقِلًا تَوَجَّهَتِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ، وَكَانَ الْجَوَابُ مَأْخُوذًا مِنْهُ.
فَإِنْ صَدَّقَ أَحَدَهُمَا، وَكَذَّبَ الْآخَرَ، لَحِقَ بِالْمُصَدِّقِ، وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ لِلْمُكَذَّبِ، لِأَنَّهُ لَوْ رَجَعَ عَنْ إِقْرَارِهِ لَمْ يُقْبَلْ، وَلَمْ يُغْرَمْ وَإِنْ كَذَّبَهُمَا حَلَفَ لَهُمَا، وَلَمْ يحلق بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ قَبْلَ التَّكْذِيبِ قُبِلَ إِقْرَارُهُ، وَإِنْ قَالَ: أَنَا ابْنُ وَاحِدٍ مِنْكُمَا وَلَسْتُ أَعْرِفُهُ بِعَيْنِهِ، رُجِعَ إِلَى الْقَافَةِ فِي إِلْحَاقِهِ، بِأَحَدِهِمَا فَإِنْ عُدِمُوا أُخِذَ الْوَلَدُ جَبْرًا بِالِانْتِسَابِ إِلَى أَحَدِهِمَا غَيْبًا، فَإِنْ سَلَّمَهُ أَحَدُ الْمُتَنَازِعَيْنِ إِلَى الْآخَرِ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْقَافَةِ وَالِانْتِسَابِ، جَازَ وَصَارَ وَلَدًا لِمَنْ سُلِّمَ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْحُكْمِ بِنَسَبِهِ، إِمَّا بَعْدَ الْقَافَةِ، أَوْ بَعْدَ الِانْتِسَابِ لَمْ يَجُزْ.
وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ صَغِيرًا غَيْرَ مُمَيِّزٍ، أَوْ كَانَ بَالِغًا مَجْنُونًا، اسْتُعْمِلَ فِيهِ القَافَةُ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ إِقْرَارٌ وَلَا فِرَاشٌ، فَإِنْ أَلْحَقَهُ الْقَافَةُ بِأَحَدِهِمَا لَحِقَ بِهِ وَإِنْ عُدِمُوا أَوْ أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ، وُقِفَ إِلَى زَمَانِ الِانْتِسَابِ فَإِنْ سَلَّمَهُ أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ، كَانَ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ جَوَازِهِ قَبْلَ إِلْحَاقِهِ، وَبُطْلَانِهِ بَعْدَ إِلْحَاقِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ عَنْ فِرَاشٍ وَقَعَ فِيهِ التَّنَازُعُ، فَاسْتِعْمَالُ الْقِيَافَةِ فِيهِ مُعْتَبَرٌ، بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْفِرَاشُ مُشْتَرِكًا بَيْنَ الْمُتَنَازِعَيْنِ فِيهِ، فَإِنْ تَفَرَّدَ بِهِ أَحَدُهُمَا، كَانَ وَلَدًا لِصَاحِبِ الْفِرَاشِ مِنْ غَيْرِ قِيَافَةٍ، وَإِنْ كَانَ شَبَهُهُ بِغَيْرِ صَاحِبِ الْفِرَاشِ أَقْوَى.
فَلَوْ أَنَّ زَوْجًا شَكَّ فِي وَلَدِهِ مِنْ زَوْجَتِهِ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَعْمِلَ فِيهِ الْقَافَةُ لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّ الْقَافَةَ لَا تَنْفِي مَا لَحِقَ بِالْفِرَاشِ.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ اشْتِرَاكُهُمَا فِي الْفِرَاشِ مُوجِبًا لِلُحُوقِ الْوَلَدِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لَوِ انْفَرَدَ، فَإِنْ كَانَ لَا يَلْحَقُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَوِ انْفَرَدَ، لِأَنَّهُمَا زَانِيَانِ بَطَلَتْ دَعْوَاهُمَا فِيهِ، وَلَمْ يَلْحَقْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَإِنْ كَانَ يَلْحَقُ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، لِأَنَّ أَحَدَهُمَا زَانٍ، وَالْآخِرَ لَيْسَ بِزَانٍ، بَطَلَ تَنَازُعُهُمَا، وَلَمْ تُسْتَعْمَلِ الْقَافَةُ فِيهِ، وَكَانَ لَاحِقًا بِصَاحِبِ الْفِرَاشِ، دُونَ الزَّانِي لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ ". وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَثْبُتَ فِرَاشُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَثُبُوتُهُ، مُعْتَبَرٌ بِحَالِ الْمُتَنَازِعَيْنِ.
فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا زَوْجًا، وَالْآخَرُ ذَا شُبْهَةٍ، ثَبَتَ فِرَاشُ ذِي الشُّبْهَةِ، بِتَصْدِيقِ الزَّوْجِ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ تَصْدِيقُ الْمَوْطُوءَةِ، لِأَنَّ الْفِرَاشَ لِلزَّوْجِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ

فِيهِمَا زَوْجٌ اعْتُبِرَ فِيهِ تَصْدِيقُ الْمَوْطُوءَةِ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِنْ كَانَتْ خَالِيَةً مِنْ زَوْجٍ، وَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ، اعْتُبِرَ فِيهِ تَصْدِيقُ زَوْجِهَا، دُونَهَا، لِأَنَّهُ أَمْلَكُ بِالْفِرَاشِ فِيهَا، وَصَارَ الزوج داخلا معها فِي التَّنَازُعِ، لِأَنَّ لَهُ فِرَاشًا ثَالِثًا، وَلَا يُعْتَبَرُ تَصْدِيقُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ، لِأَنَّ ثُبُوتَ النَّسَبِ حَقٌّ لَهُ وَعَلَيْهِ.
فَلَوْ أَنْكَرَتْهَا الْمَوْطُوءَةُ، أَوْ زَوْجُهَا لَمْ يَثْبُتْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا الْفِرَاشُ، وَعَلَى مُنْكِرِهَا الْيَمِينُ.
وَلَوِ ادَّعَتِ الْمَوْطُوءَةُ، أَوْ زَوْجُهَا عَلَيْهَا الْفِرَاشَ، وَأَنْكَرَاهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمَا مَعَ أَيْمَانِهِمَا، وَلَا فِرَاشَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
فَإِذَا ثَبَتَ فِرَاشُهُمَا بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّصَادُقِ فِيهِ أَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ مَعَ التَّجَاحُدِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَقُومُ بِهِ الْبَيِّنَةُ فِي مِثْلِهِ، تَكَامَلَتْ شُرُوطُ الِاشْتِرَاكِ فِي لُحُوقِ النَّسَبِ وَصَارَ الْفِرَاشُ حَقًّا لَهُمَا، وَحَقًّا عَلَيْهِمَا، فَلَا يَقِفُ عَلَى مُطَالَبَتِهِمَا وَلَا يَجُوزُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُسَلِّمَ لِصَاحِبِهِ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ عَلَيْهِ، وَيَسْتَوِي فِيهِ حُكْمُ الْوَلَدِ صَغِيرًا وَكَبِيرًا، وَيُسْتَعْمَلُ الْقَافَةُ فِي إِلْحَاقِهِ بِأَحَدِهِمَا، إِذَا طُولِبَ بِهَا.
وَالَّذِي يَسْتَحِقُّ الْمُطَالَبَةَ بِهَا مَنْ كَانَ قَوْلُهُ فِي الْفِرَاشِ مُعْتَبَرًا، وَالْوَلَدُ إِذَا كَانَ بَالِغًا فَإِنْ لَمْ يَطْلُبِ الْحَاكِمُ بِهَا جَازَ لَهُ فِي حَقِّ الصَّغِيرِ أَنْ يَسْتَعْمِلَ الْقِيَافَةَ إِذَا عُلِمَ بِالْحَالِ مِنْ غَيْرِ طَلَبِ نِيَابَةٍ عَنِ الصَّغِيرِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَهَا فِي حَقِّ الْكَبِيرِ، لِأَنَّهُ أَخَصُّ بِطَلَبِ حُقُوقِهِ.

(فَصْلٌ)

: وَأَمَّا الْفَصْلُ الرَّابِعُ: فِي ثُبُوتِ الْحُكْمِ بِلُحُوقِ النَّسَبِ بِقَوْلِ الْقَافَةِ فَهُوَ مُعْتَبَرٌ بِاسْتِلْحَاقِ النَّسَبِ، وَاسْتِلْحَاقِهِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي فِرَاشٍ.
وَالثَّانِي: إِذَا تَدَاعَيَا لَقِيطًا.
فَإِنْ كَانَ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي فِرَاشٍ، لَمْ يَصِحَّ إِلْحَاقُهُ بِالْقَافَةِ إِلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ، لِأَنَّ الْفِرَاشَ قَدْ أَوْجَبَ لَهُمَا حَقًّا، وَأَوْجَبَ عَلَيْهِمَا حَقًّا فِي إِلْحَاقِهِ بِأَحَدِهِمَا، وَنَفْيِهِ عَنِ الْآخَرِ، وَأَلْحَقَ لَهُمَا عَلَى الْوَلَدِ، وَأَلْحَقَ عَلَيْهِمَا لِلْوَلَدِ وَلِذَلِكَ وَجَبَ إِلْحَاقُهُ بِأَحَدِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَتَنَازَعَا فِيهِ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُسَلِّمَهُ أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ فَكَانَ أَغْلَظُ مِنَ اللِّعَانِ الَّذِي لَا يَصِحُّ إِلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ فَكَانَ هَذَا أَوْلَى أَنْ لَا يَصِحَّ إِلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ، لِأَنَّ اللَّعَّانَ يَخْتَصُّ بِالنَّفْيِ دُونَ الْإِثْبَاتِ، وَالْقِيَافَةُ تَجْمَعُ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ.
وَإِنْ كَانَ اسْتِحْقَاقُ الْوَلَدِ فِي ادِّعَاءِ لَقِيطٍ لَمْ يُعْرَفْ لَهُمَا فِيهِ فِرَاشٌ مُشْتَرَكٌ، فَهُوَ حَقٌّ لَهُمَا وَلَيْسَ بِحَقٍّ عَلَيْهِمَا فِي الظَّاهِرِ، لِأَنَّهُمَا لَوْ لَمْ يَتَنَازَعَا فِيهِ، لَمْ يَعْتَرِضْ لَهُمَا،

وَلَوْ سَلَّمَهُ أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ صَحَّ وَانْتَفَى عمن سلمه، ولحق عن سُلِّمَ إِلَيْهِ فَلَمْ يَفْتَقِرِ اسْتِلْحَاقُهُ إِلَى حُكْمٍ، وَجَازَ أَنْ يَنْفَرِدَ بِاسْتِعْمَالِ الْقَافَةِ فِيهِ إِنِ اخْتَارَا، وَجَازَ أَنْ يَتَحَاكَمَا فِيهِ إِلَى حَاكِمٍ، إن اختلفا فَإِنْ تَنَازَعَا فِيهِ إِلَى حَاكِمٍ وَقَفَ اخْتِيَارُ الْقَائِفِ عَلَى الْحَاكِمِ، دُونَهُمَا وَإِنْ لَمْ يَتَنَازَعَا فِيهِ إِلَى حَاكِمٍ، وَقَفَ اخْتِيَارُ الْقَائِفِ عَلَيْهِمَا فَإِذَا اتَّفَقَا عَلَى اخْتِيَارٍ قَائِفٍ كَانَا فِيهِ بِالْخِيَارِ فِي تَحْكِيمِهِ، أَوِ اسْتِخْبَارِهِ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ مِنْ شَرْحِ التَّحْكِيمِ، وَالِاسْتِخْبَارِ.
فَإِنِ اسْتَخْبَرَهُ فَأُخْبِرَ كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى إِمْضَائِهِمَا وَالْتِزَامِهِمَا.
وَإِنْ حَكَّمَاهُ فَحَكَمَ كَانَ فِي لُزُومِ حُكْمِهِ لَهُمَا قولان: وإن اختلفا في اختيار القائف، إذا حلفا بعد الاتفاق عليه في تحكيمه، أو استخباره لَمْ يَعْمَلْ عَلَى اخْتِيَارِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَتَنَازَعَا فِيهِ إِلَى الْحَاكِمِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمَا، وَإِذَا كَانَ الْحَاكِمُ هُوَ النَّاظِرُ بَيْنَهُمَا فِي لُحُوقِ النَّسَبِ، إما في الفراش المشترك حتما واجبا، وإما في اللقيط المدعى، إما بالتراخي والاختيار، وإما أن يطلبه أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ، فَيُؤْخَذُ الْمُمْتَنِعُ جَبْرًا بِالْحُكْمِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ لِلْمُتَنَازِعَيْنِ فِي اللَّقِيطِ أَنْ يَنْفَرِدَا بالقيافة إذا اتفقا على التراخي فِي تَفَرُّدِهِمَا بِهِ، دُونَ الْحَاكِمِ.
فَإِذَا أَرَادَ الْحَاكِمُ الْحُكْمَ بَيْنَهُمَا، اخْتَارَ مِنَ الْقَافَةِ أَوْثَقَهُمْ وَأَغْلَبَهُمْ، وَاجْتَهَدَ رَأْيَهُ فِي تَحْكِيمِ الْقَائِفِ، أَوِ اسْتِخْبَارِهِ فَإِنْ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى تَحْكِيمِهِ، كَانَ ذَلِكَ اسْتِخْلَافًا لَهُ فِي الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا، فَيُرَاعِي فِي اسْتِنَابَتِهِ شُرُوطَ التَّقْلِيدِ، وَاخْتُبِرَ فِي الْعِلْمِ بِشُرُوطِ الْإِلْحَاقِ، فَإِنْ قَضَى بِهَا، أَعْلَمَهُ بِهَا.
فَأَمَّا الْمُخْتَصُّ مِنْهَا بِفِطْنَتِهِ فَقُوَّةُ حِسِّهِ، فَهُوَ مَرْكُوزٌ فِي طَبْعِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى قَائِفٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّهُ حُكْمٌ، فَجَازَ مِنَ الْقَائِفِ الْوَاحِدِ، فَإِنْ جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ قَائِفَيْنِ احْتِيَاطًا كَانَ أَوْكَدَ، كَمَا جُمِعَ فِي شِقَاقِ الزَّوْجَيْنِ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ.
وَلَا يَنْفُذُ الْحُكْمُ فِي لُحُوقِهِ بواحد منهما، حتى يجتمعان عَلَيْهِ، فَإِذَا أَلْحَقَهُ الْقَائِفُ الْوَاحِدُ إِذَا أُفْرِدَ أَوِ الْقَائِفَانِ إِذَا جُمِعَ بَيْنَهُمَا بِأَحَدِ الْمُتَنَازِعَيْنِ فيه، ونفاه عن الآخر لحقه، وَانْتَفَى عَنِ الْآخَرِ، وَلَوْ أَلْحَقَهُ بِأَحَدِهِمَا، وَلَمْ يَنْفِهِ عَنِ الْآخَرِ، لَمْ يَلْحَقْ بِهِ، لِجَوَازِ أَنْ يَرَى اشْتِرَاكَهُمَا فِيهِ، وَلَوْ نَفَاهُ عَنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُلْحِقْهُ بِالْآخَرِ، انْتَفَى عَمَّنْ نَفَاهُ عَنْهُ، وَصَارَ الْآخَرُ مُنْفَرَدًا بِالدَّعْوَى فَلَحِقَ بِهِ، لِانْفِرَادِهِ بِالْفِرَاشِ، لَا بِالْقَائِفِ.
وَلَوْ تَنَازَعَ فِي دَعْوَاهُ ثَلَاثَةٌ فَأَلْحَقَهُ بِأَحَدِهِمْ، وَنَفَاهُ عَنِ الْآخَرَيْنِ، أَمْضَى حَكَمَهُ فِي إِلْحَاقِهِ وَنَفْيِهِ، وَلَوْ نَفَاهُ عَنْ أَحَدِهِمْ، خَرَجَ مِنَ الدَّعْوَى، وَصَارَتْ بَيْنَ الْآخَرَيْنِ، وَلَوْ نَفَاهُ عَنِ اثْنَيْنِ، خَرَجَا مِنَ الدَّعْوَى، وَصَارَ لَاحِقًا بِالْبَاقِي، لِانْفِرَادِهِ بِالدَّعْوَى، لَا بُقُولَ الْقَائِفِ، فَإِنْ لَحِقَ بِأَحَدِهِمْ لِإِلْحَاقِ الْقَائِفِ بِهِ، وَنَفْيِهِ عَنْ غَيْرِهِ اسْتَقَرَّ حُكْمُهُ فِي ثبوت

نَسَبِهِ، وَلَزِمَ الْحَاكِمَ تَنْفِيذُ حُكْمِهِ، وَإِنْ نَفَاهُ الْقَائِفُ عَنْ أَحَدِهِمَا اسْتَقَرَّ حُكْمُهُ بِالنَّفْيِ، وَلَمْ يَسْتَقِرَّ حُكْمُهُ بِاللُّحُوقِ، حَتَّى يَحْكُمَ لَهُ الْحَاكِمُ بِاللُّحُوقِ، بِحُكْمِ الِانْفِرَادِ بِالدَّعْوَى، فَإِنْ رَجَعَ الْقَائِفُ بَعْدَ حُكْمِهِ بِذِكْرِ الْغَلَطِ فِيهِ، لَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ، لِأَنَّ نُفُوذَ الْحُكْمِ بِالِاجْتِهَادِ يَمْنَعُ مِنْ نَقْضِهِ بِاجْتِهَادٍ.
وَإِنْ رَأَى الْحَاكِمُ اجْتِهَادَهُ إِلَى اسْتِخْبَارِ الْقَائِفِ دُونَ تَحْكِيمِهِ، أَنْكَرَ الْقَائِفُ مُخْبِرًا، وَالْحَاكِمُ هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِالْحُكْمِ، جَازَ وَلَزِمَهُ أَنْ يَجَمْعَ بَيْنَ قَائِفَيْنِ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِنْ كَانَ خَبَرُ الْوَاحِدِ مَقْبُولًا، لِأَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ.
كَمَا لَا يَحْكُمُ فِي التَّقْوِيمِ إِلَّا بِقَبُولِ مُقَوِّمَيْنِ، فَإِذَا أَرَادَ الْقَائِفَانِ بَعْدَ اجْتِهَادِهِمَا، أَنْ يَذْكُرَا لِلْحَاكِمِ، مَا صَحَّ عِنْدَهُمَا مِنْ لُحُوقِ الْوَلَدِ بِأَحَدِهِمَا فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَكُونُ خَبَرًا يُؤَدَّى بِلَفْظِ الْإِخْبَارِ، وَلَا تَكُونُ شَهَادَةً تُؤَدَّى بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ، لِأَنَّ الشَّهَادَةَ تَخْتَصُّ بِفِعْلٍ مَشَاهَدٍ وَقَوْلٍ مَسْمُوعٍ وَلَيْسَ فِي الْقِيَافَةِ، وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَكَانَ خَبَرًا، وَلَمْ يَكُنْ شَهَادَةً فَعَلَى هَذَا يَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ، أَنْ يَسْأَلَهُمَا عَنْ سَبَبِ عِلْمِهِمَا، لِيَجْتَهِدَ رَأْيَهُ فِيهِمَا إِنْ ذَكَرَا اشْتِرَاكَهُمَا فِي الشَّبَهِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ سُؤَالُهُمَا إِنْ كَانَ مُخْتَصًّا بِأَحَدِهِمَا، دُونَ الْآخَرِ، لِأَنَّ عَلَيْهِ فِي الِاشْتِرَاكِ أَنْ يَجْتَهِدَ رَأْيَهُ فِي التَّرْجِيحِ، فَلَزِمَهُ السُّؤَالُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي اخْتِصَاصِ أَحَدِهِمَا بِالتَّرْجِيحِ بِالشَّبَهِ، اجْتِهَادُهُ فِي التَّرْجِيحِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ السُّؤَالُ، وَلَكِنْ عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَهُمَا أَفِي الشَّبَهِ اشْتِرَاكٌ؟ حَتَّى يَسْأَلَهُمَا عَنْ سَبَبِهِ، وَيَجْتَهِدَ رَأْيَهُ فِيهِ، أَوْ لَيْسَ فِيهِ اشْتِرَاكٌ؟ حَتَّى لَا يَسْأَلَهُمَا عَنْهُ، وَلَا يَجْتَهِدَ رَأْيَهُ فِيهِ، ويقتنع منهما أن يقولا هذا ولد وهذا دُونَ هَذَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ شَهَادَةً تُؤَدَّى بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَنْ مشاهدة، لأن الحال يَشْهَدُ، وَالْحُكْمُ مُخْتَصٌّ بِالشَّهَادَةِ دُونَ الْخَبَرِ.
فَعَلَى هَذَا لَا يَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يَسْأَلَهُمَا عَنْ سَبَبِ عِلْمِهِمَا، لِأَنَّ الشَّاهِدَ لَا يُسْأَلُ عَنْ سَبَبِ عِلْمِهِ بِمَا شَهِدَ لَكِنْ إِنْ كَانَ الشَّبَهُ مُخْتَصًّا بِأَحَدِهِمَا، جَازَ لِلْقَائِفَيْنِ أَنْ يَشْهَدَا بِأَنَّهُ وَلَدُ هَذَا دُونَ هَذَا، وَإِنْ كان الشبه مشتركا يحتاجا إِلَى اجْتِهَادٍ فِي تَرْجِيحٍ فَفِيمَا يَشْهَدَانِ بِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَشْهَدَانِ بِمَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُمَا مِنْ لُحُوقِ نَسَبِهِ بِأَحَدِهِمَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَشْهَدَانِ بِالشَّبَهِ الْمُوجِبِ لِلُحُوقِ النَّسَبِ بِأَحَدِهِمَا لِيَجْتَهِدَ الْحَاكِمُ رأيه دونها، وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ مِنِ اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا، هَلْ يَسُوغُ لِلشُّهُودِ أَنْ يَجْتَهِدُوا فِيمَا يُؤَدُّوهُ إِذَا كَانَ الِاجْتِهَادُ فِيهِ سَمَاعٌ.
فَإِذَا أَدَّى الْقَائِفَانِ إِلَى الْحَاكِمِ مَا عِنْدَهُمَا مِنْ لُحُوقِ النَّسَبِ بِأَحَدِهِمَا خبرا على

أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، أَوْ شَهَادَةً عَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ لَزِمَ الْحُكْمُ بِقَوْلِهِمَا فِي إِلْحَاقِ النَّسَبِ بِمَنْ أُلْحِقَ، وَنَفْيِهِ عَمَّنْ نَفَوْهُ، وَهُوَ قَبْلَ حُكْمِ الْحَاكِمِ، غَيْرُ لَاحِقٍ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِنْ رَجَعَ الْقَائِفَانِ فِي قَوْلِهِمَا، وَأَلْحَقُوهُ بِمَنْ نَفَوْهُ عَنْهُ لخطأ اعترافا بِهِ رُوعِيَ رُجُوعُهُمَا، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِقَوْلِهِمَا، لَمْ يَنْقُصْ حُكْمَهُ وَأَمْضَاهُ عَلَى مَا حَكَمَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ حُكْمِهِ بِقَوْلِهِمَا لَمْ يَكُنْ نَسَبُهُ لِلْأَوَّلِ، وَلَا لِلثَّانِي.
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِبُطْلَانِ الشَّهَادَةِ، بِالرُّجُوعِ عَنْهَا.
وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِتُعَارِضِ الْقَوْلَيْنِ فِيهِ.
فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَى القائفين ولحوق نَسَبِهِ، وَبَانَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِمَا عُمِلَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَشْكَلَ عَلَى غَيْرِهِمَا عَدَمُ النَّسَبِ مِنْ جِهَةِ القافة، ووجب أَنْ يُوقَفَ النَّسَبُ لِلشَّكِّ، حَتَّى يَنْتَسِبَ الْوَلَدُ بِطَبْعِهِ إِلَى أَحَدُهُمَا لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " من شأن الرَّحِمِ إِذَا تَمَاسَّتْ تَعَاطَفَتْ ". وَلَهُ فِي زَمَانِ انْتِسَابِهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْقَدِيمُ إِلَى اسْتِكْمَالِ سَبْعٍ، وَهِيَ الْحَالُ الَّتِي يُخَيَّرُ فِيهَا بَيْنَ أَبَوَيْهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ الْجَدِيدُ الصَّحِيحُ إِلَى بلوغه، لأنه لا يكمن بِقَوْلِهِ فِي لَوَازِمِ الْحُقُوقِ قَبْلَ الْبُلُوغِ، وَإِنْ قَبِلَ فِي الِاخْتِيَارِ لِأَحَدِ أَبَوَيْهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ من الحقوق، فَإِذَا انْتَسَبَ إِلَى أَحَدِهِمَا لَحِقَ بِهِ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ تَصْدِيقُ الْأَبِ، فَلَوْ رَجَعَ وَانْتَسَبَ إِلَى الْآخَرِ لَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ بَعْدَ لُحُوقِهِ بِالْأَوَّلِ.
وَلَوْ وُجِدَتِ الْقَافَةُ بَعْدَ انْتِسَابِهِ إِلَى أَحَدِهِمَا، لَمْ يُلْحَقْ بِهِ لِاسْتِقْرَارِ لِحَوْقِهِ بِالِانْتِسَابِ إِلَى الْأَوَّلِ.
وَلَوْ مَاتَ الْوَلَدُ قَبْلَ انْتِسَابِهِ إِلَى أَحَدِهِمَا، قَامَتْ وَرَثَتُهُ، مَقَامَهُ فِي الِانْتِسَابِ، إِلَى أَحَدِهِمَا، وَلَوْ مَاتَ الْمُتَنَازِعَانِ وَالْوَلَدُ بَاقٍ جُمِعَ بَيْنِهِ وَبَيْنَ عَصَبَتِهِمَا، وَكَانَ لَهُ بَعْدَ الِاجْتِمَاعِ مَعَهُمْ أَنْ يَنْتَسِبَ إِلَى أَحَدِهِمَا، فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا وَبَقِيَ الْآخَرُ نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ التَّنَازُعُ فِي فِرَاشٍ مُشْتَرَكٍ انْتَسَبَ إِلَى مَنِ اخْتَارَ مِنَ الْحَيِّ، أَوِ الْمَيِّتِ، وَإِنْ كَانَ التَّنَازُعُ فِي لَقِيطٍ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَكُونُ كَالْفِرَاشِ فِي انْتِسَابِهِ إِلَى أَحَدِهِمَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُلْحَقُ بِالْبَاقِي، لِانْقِطَاعِ دَعْوَى الْمَيِّتِ.
وَقَدْ رَوَى زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ قَلَّدَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَضَاءَ الْيَمَنِ اخْتَصَمَ إِلَيْهِ ثَلَاثَةٌ فِي وَلَدِ امْرَأَةٍ، وَقَعُوا عَلَيْهَا، فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ؛ تَنَازَعُوا فِيهِ.
فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، وَأَلْحَقَهُ بِمَنْ قَرَعَ مِنْهُمْ، وأخبر به

رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " فَضَحِكَ حَتَى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ فَقِيلَ: إِنَّهُ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ لِإِشْكَالِهِ عَلَى الْقَافَةِ.
وَقِيلَ: إِنَّمَا ضَحِكَ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مِنَ الْقُرْعَةِ: لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي لُحُوقِ النَّسَبِ: لِوُجُودِ مَا هُوَ أَقْوَى، وَهُوَ انْتِسَابُ الْوَلَدِ.

(فَصْلٌ)

: وَإِذَا طَلَبَ الْقَائِفُ عَلَى قِيَافَتِهِ أَجْرًا، وَلَمْ يَجِدْ بِهَا مُتَطَوِّعًا جَازَ أَنْ يُعْطَى عَلَيْهَا رِزْقًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، لِأَنَّ لَهُ عَمَلًا يَنْقَطِعُ بِهِ عَنْ مَكْسَبِهِ، كَمَا يُعْطَى الْقَاسِمُ وَالْحَاسِبُ وَيَسْتَحِقُّهُ سَوَاءٌ أَلْحَقَهُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَوْ أَشَكَلَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُلْحِقْهُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ رِزْقُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، كَانَتْ أُجْرَتُهُ عَلَى الْمُتَنَازِعَيْنِ فِيهِ، فَإِنْ أَلْحَقَهُ بِأَحَدِهِمَا استحقها ن وَفِيمَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى مَنْ أُلْحِقَ بِهِ الْوَلَدُ دُونَ مَنْ نُفِيَ عَنْهُ، لِأَنَّهُ مُسْتَأْجِرٌ لِلُحُوقٍ دُونَ النَّفْيِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجِبُ عَلَيْهِمَا، لِأَنَّ الْعَمَلَ مُشْتَرَكٌ فِي حَقِّهِمَا، وَهُوَ فِي حَقِّ مَنْ نُفِيَ عَنْهُ كُهُوَ فِي حَقِّ مَنْ أُلْحِقَ بِهِ.
وَإِنْ لَمْ يُلْحَقْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا.
فَإِنْ كَانَ إشكاله عَلَيْهِ، لَمْ يَسْتَحِقَّ الْأُجْرَةَ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الْعَمَلُ، وَإِنْ كَانَ لِتَكَافُؤِ الِاشْتِبَاهِ فَفِي اسْتِحْقَاقِ الْأُجْرَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَسْتَحِقُّهَا إِذَا قِيلَ: إِنَّهُ لَوْ أَخَذَ مِنْهُمَا، كَانَ تَغْلِيبًا بِوُجُودِ الْعَمَلِ مِنْهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَسْتَحِقُّهَا إِذَا قِيلَ: إِنَّهُ لَوْ أَلْحَقَهُ بِأَحَدِهِمَا: اخْتَصَّ بِالْتِزَامِ الْآخَرِ، تَعْلِيلًا بِالْإِلْحَاقِ.
(فَصْلٌ) : وَإِذَا وُجِدَ وَادَّعَاهُ مَنْ يَجُوزُ أَنْ يُولَدَ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ لَحِقَهُ بِهِ، فَإِنِ ادَّعَاهُ بَعْدَهُ آخَرٌ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ دَعَوَاهُ مَرْدُودَةٌ لِلُحُوقِ نَسَبِهِ بِالسَّابِقِ، إِلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةَ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ الظَّاهِرُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ دَعْوَى النَّاسِ مَسْمُوعَةٌ وَيَرَى الْقَافَةُ، فَإِنْ نَفَوْهُ عَنِ الثَّانِي، كَانَ عَلَى لُحُوقِهِ بِالْأَوَّلِ وَإِنْ أَلْحَقُوهُ بِالثَّانِي أُرِيَ مَعَ الْأَوَّلِ، فَإِنْ نَفَوْهُ عَنْهُ لَحِقَ بِالثَّالِثِ، وَإِنْ أَلْحَقُوهُ بِهِ لَمْ يَأْتِ بِالْقَافَةِ بَيَانٌ، لِأَنَّهُمْ قَدْ أَلْحَقُوهُ بِهِمَا، وَوَقَفَ الْوَلَدُ إِلَى حَدِّ الِانْتِسَابِ لِيَنْتَسِبَ إِلَى أَحَدِهِمَا.
فَإِنِ اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ فِي ادِّعَاءِ اللَّقِيطِ، وَهُوَ فِي يَدِ أَحَدِهِمْ، فَصَاحِبُ الْيَدِ كَالسَّابِقِ بِالدَّعْوَى، فَيَكُونُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ

أَحَدُهُمَا: يُلْحَقُ بِهِ إِلَّا أَنْ تُلْحِقَهُ الْقَافَةُ بِغَيْرِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ فِي الدَّعْوَى بِغَيْرِهِ لَا يُلْحَقُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ تُلْحِقَهُ الْقَافَةُ، أَوْ يَعْتَرِفَ لَهُ الْبَاقِي بِنَسَبِهِ، أَوْ يَبْلُغَ حَدَّ الِانْتِسَابِ فَيَنْتَسِبَ إِلَيْهِ، فَإِنْ مَاتَ الْوَلَدُ مَعَ بَقَاءِ الِانْتِسَابِ، فَقَبْلَ الِانْتِسَابِ وَقَفَ مِنْ مَالِهِ مِيرَاثًا حَتَّى يَصْطَلِحَ الْمُدَّعُونَ عَلَيْهِ، وَإِنْ مَاتَ الْمُدَّعُونَ أَوْ بَعْضُهُمْ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، أَنَّهُ يوقف من قال كل واحد منهم ميراث أب، كما يوقف من ماله إذا مات ميراث أب.
حتى ينتسب بعد بلوغه حَدَّ الِانْتِسَابِ، فَيَسْتَحِقَّ مِيرَاثَ مَنِ انْتَسَبَ إِلَيْهِ وَيَرُدُّ مَا وُقِفَ مِنَ الْبَاقِينَ عَلَى وَرَثَتِهِمْ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُوقَفُ لَهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ شَيْءٌ، وَيُدْفَعُ مَالُ كُلِّ وَاحِدٍ إِلَى وَرَثَتِهِ والله أعلم.

(مسألة)

: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوِ ادَّعَى حُرٌّ وَعَبْدٌ مُسْلِمَانِ وَذِمِّيٌّ مَوْلُودًا وُجِدَ لَقِيطًا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَالتَّدَاعِي فِيمَا سِوَاهُ فَيَرَاهُ الْقَافَةُ فَإِنْ أَلْحَقُوهُ بِوَاحِدٍ فَهُوَ ابْنُهُ وَإِنْ أَلْحَقُوهُ بِأَكْثَرَ لَمْ يَكُنِ ابْنَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَبْلُغُ فَيَنْتَسِبُ إِلَى أَيِّهِمْ شَاءَ فَيَكُونُ ابْنُهُ وَتَنْقَطِعَ عَنْهُ دَعْوَى غَيْرِهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ يَسْتَوِي إِذَا ادعى الولد، الحر وَالْعَبْدُ وَالْمُسْلِمُ، وَالْكَافِرُ لَقِيطًا أَوْ مِنْ فِرَاشٍ مُشْتَرَكٍ، وَلَيْسَ بِمُشْتَرَكٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْإِمَامُ رَحِمَهُ اللَّهُ: إِذَا تَنَازَعَ حُرٌّ وَعَبْدٌ أَلْحَقْتُهُ بِالْحُرِّ دُونَ الْعَبْدِ.
وَإِنْ تَنَازَعَ مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ، أَلْحَقْتُهُ بِالْمُسْلِمِ دُونَ الْكَافِرِ، وَلَوْ تَنَازَعَ حُرٌّ كَافِرٌ وَعَبْدٌ مُسْلِمٌ، أَلْحَقْتُهُ بِالْحُرِّ الْكَافِرِ، دُونَ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ، لِيَكُونَ الْوَلَدُ مُلْحَقًا بِأَكْمَلِهِمَا حُكْمًا.
اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ الْحُرِّيَّةُ، وَالْإِسْلَامُ، فَصَارَتْ كَالْيَدِ لِمَنْ وَاقَعَهَا، فَتَرْجَحُ بِهَا.
وَلِأَنَّهُمَا لَوْ تَنَازَعَا حَضَانَتَهُ كَانَ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ أَحَقُّ بِهَا مِنَ الْعَبْدِ الْكَافِرِ، كَذَلِكَ حُكْمُ النَّسَبِ وَدَلِيلُنَا هُوَ أَنَّهُمَا قَدِ اشْتَرَكَا فِي سَبَبِ الدَّعْوَى، فَوَجَبَ أَنْ يَشْتَرِكَا فِي حُكْمِهِمَا، كالمسلمين الحرين.
ولأنه لو انفرد بالدعوى عبدا أَوْ كَافِر كَانَ فِيهَا كَالْمُسْلِمِ، وَلَا يُدْفَعُ عَنْهَا بِحُكْمِ الدَّارِ، كَذَلِكَ إِذَا اجْتَمَعَ مَعَ الْحُرِّ، أَوِ الْمُسْلِمِ، كَالْمَالِ، وَفِيهِ انْفِصَالٌ.
فَأَمَّا الْحَضَانَةُ فَفِيهَا وِلَايَةٌ، لَوْ تَفَرَّدَ بِهَا كَافِرٌ وَعَبْدٌ لَمْ يَسْتَحِقَّهَا وَلَيْسَ كَالنَّسَبِ الَّذِى يَلْحَقُ بالعبد، والكافر.

(فَصْلٌ)

: فَإِذَا ثَبَتَ اسْتِوَاؤُهُمَا فِي الدَّعْوَى، فَإِنْ أُلْحِقَ بِالْمُسْلِمِ، لَحِقَ بِهِ نَسَبًا، وَدِينًا، وَإِنْ أُلْحِقَ بِالْكَافِرِ، لَحِقَ بِهِ نَسَبًا، وَفِي إِلْحَاقِهِ بِهِ دِينًا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُلْحَقُ بِهِ فِي دِينِهِ اعْتِبَارًا بِالْوِلَادَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُلْحَقُ بِدِينِهِ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الدَّارِ، فَأُجْرِيَ عَلَيْهِ حُكْمُ الْإِسْلَامِ، حَتَّى يَبْلُغَ فَيُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنْ أَقَرَّ بِالْإِسْلَامِ اسْتَقَرَّ حُكْمُ الْإِسْلَامِ، وَإِنِ ادَّعَى الْكُفْرَ أُرْهِبَ ثُمَّ أُقِرَّ عَلَى الْكُفْرِ فَإِنْ قِيلَ بِالْوَجْهِ الْأَوَّلِ إنَّهُ يَجْرِي عَلَى الْكُفْرِ أُقِرَّ فِي يَدِهِ وَإِنْ قِيلَ بِالثَّانِي، إنَّهُ يَجْرِي عَلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ لَمْ يُقَرَّ فِي يَدِهِ، لِئَلَّا يُلَقِّنَهُ الْكُفْرَ، فَيَدَّعِيهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ.

(فَصْلٌ)

: وَإِذَا تَنَازَعَ وَالِدٌ، وَوَلَدُهُ فِي وَلَدٍ ادعياه كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، عَنِ الْتِقَاطٍ أَوِ اشْتِرَاكٍ فِي فِرَاشٍ فَهُمَا فِيهِ سَوَاءٌ، وَلَا يَغْلِبُ دَعْوَى الْوَالِدِ عَلَى الْوَلَدِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنِ كَانَ الْوَلَدُ مِنْ أَمَةٍ، اشْتَرَكَا فِي إِصَابَتِهَا، فَإِنْ كَانَتِ الْأَمَةُ لِلْأَبِ، أَوْ مُشْتَرِكَةٍ بَيْنَ الِابْنِ وَالْأَبِ، فَالْوَلَدُ يَلْحَقُ بِالْأَبِ، وَإِنْ كَانَتْ لِلِابْنِ فَالْوَلَدُ يَلْحَقُ بِالْأَبِ وَالِابْنِ، وَهَذَا حُكْمٌ لَا يُوجِبُهُ دَلِيلٌ، ولا تقتضيه تَعْلِيلٌ، لِأَنَّ الْأُبُوَّةَ وَالْبُنُوَّةَ لَا تَخْتَلِفُ فِيهَا أَحْكَامُ الدَّعَاوَى، كَالْأَمْوَالِ.
وَلِأَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ فِي ادِّعَاءِ الْوَلَدِ حُكْمُ الْأُمِّ، وَالْجَدِّ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ حُكْمُ الْأَبِ وَالِابْنِ.
(فَصْلٌ) : وَإِذَا تَنَازَعَ في الولد امرأتان، قيل: إِنَّ دَعْوَاهُمَا مَسْمُوعَةٌ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَذْهَبِ فِيهِ، اسْتَعْمَلَ الْقَافَةَ فِيهَا، إِذَا عُدِمَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَى وِلَادَتِهِ، وَكَانَتَا فِي مُنَازَعَتِهِ، كَالرَّجُلَيْنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا مُسْلِمَةٌ، وَالْأُخْرَى كَافِرَةٌ، كَانَتَا سَوَاءً، فِي ادِّعَائِهِ.
أَوْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا حُرَّةً، وَالْأُخْرَى أَمَةً، تَسَاوَيَا فِيهِ، وَجَازَ لِلْأَمَةِ أَنْ تَخْتَصَّ بِالدَّعْوَى دُونَ السَّيِّدِ لِاخْتِصَاصِهَا بِحَقِّ النَّسَبِ، وَتَفَرَّدَ السَّيِّدُ بِحَقِّ الْمِلْكِ فَإِنْ أَلْحَقَتِ الْقَافَةُ الْوَلَدَ بِالْأُمِّ، لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ لِسَيِّدِهَا رِقٌّ تَعْلِيلًا بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَوْلَدَهَا حُرٌّ بِشُبْهَةٍ.
وَالثَّانِي: لِأَنَّ إِلْحَاقَ الْقَافَةِ طَرِيقَةُ الِاجْتِهَادِ، دُونَ الْعِلْمِ وَلَوْ قَامَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَى وِلَادَتِهَا لَهُ فَفِي دُخُولِهِ فِي مِلْكِ السَّيِّدِ وَجْهَانِ مِنِ اخْتِلَافِ التَّعْلِيلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مِنْ حُرٍّ بشبهه.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ، لِأَنَّهُ لَحِقَ بِهَا عَنْ عِلْمٍ، لَا عَنِ اجْتِهَادٍ، وَحُكْمُ الْوَلَدِ حُكْمُ أُمِّهِ، وَيَجِيءُ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ لِلْحُرَّةِ دُونَ الْأَمَةِ، وَالْمُسْلِمَةِ دُونَ الْكَافِرَةِ.

(فَصْلٌ)

: فَإِذَا أَشْكَلَ عَلَى الْقَافَةِ حُكْمُ الْوَلَدِ فِي تَنَازُعِ، وُقِفَ عَلَى إِثْبَاتِ الْوَلَدِ إِلَى أَحَدِهِمَا، كَمَا يُوقَفُ عَلَى إِثْبَاتِهِ إِلَى الْآخَرِ، أَوْ إِلَى أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ، لِأَنَّ الطَّبْعَ يُحَرِّكُ الْإِنْسَانَ، وَيَجْذِبُهُ فَلَوْ أَنَّ وَلَدًا تَنَازَعَ رَجُلَانِ فِيهِ، وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ، مِنْهُمَا أِنَّهُ أَخُوهُ مِنْ أَبِيهِ، فَإِنْ كَانَ أَبَوَاهُ بَاقِيَيْنِ لَمْ تُسْمِعْ دَعْوَاهُمَا، وَكَانَ أَبَوَاهُمَا أَحَقُّ بِالدَّعْوَى مِنْهَا، وَإِنْ كَانَا مَيِّتَيْنِ فَإِنْ وَرِثَهَا مَعَهُمَا غَيْرُهُمَا لَمْ تُسْمِعْ دَعْوَاهُمَا، إِلَّا بِاجْتِمَاعِ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ، فَإِنْ أَنْكَرَهَا أَحَدُهُمْ بَطَلَتِ الدَّعْوَى وَإِنْ تَفَرَّدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمِيرَاثِ أُمِّهِ، سُمِعَتْ دَعْوَاهُمَا، وَجَازَ أَنْ تُسْتَعْمَلَ الْقَافَةُ مَعَهُمَا عِنْدَ عَدَمِ الشَّبَهِ، فَإِنَّ الشَّبَهَ يَنْتَقِلُ مِنَ الآباءِ إِلَى الْأَبْنَاءِ، حَتَّى يَشْتَرِكَ بِهِ الْإخْوَةُ، فَإِذَا أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِإِخْوَةِ أَحَدِهِمَا، حُكِمَ بينهما بالأخوة كما يحكم بالنبوة، لِأَنَّ عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ ادَّعَى أَخًا مِنْ أُمِّهِ، وَأَبِيهِ، فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - دَعْوَاهُ، وَأَلْحَقَهُ بِهِ، أَخًا بِفِرَاشِ أَبِيهِ، فَقَالَ: هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ أَخًا، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ، حِينَ نَازَعَهُ فِيهِ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَاصٍ عَنْ أَخِيهِ، لِأَنَهُ عاهر بأمه في الجاهلية.
هكذا لَوْ مَاتَ الْمُتَنَازِعَانِ فِي الْوَلَدِ، أَوْ أَحَدُهُمَا قَبْلَ حُكْمِ الْقَافَةِ جَمَعَ بَيْنَ الْوَلَدِ وَبَيْنَ مَنْ نَاسَبَ الْمُتَنَازِعَيْنِ، مِنَ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ، كَالْبَنِينَ، وَالْبَنَاتِ، وَالْأُخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ، وَالْأَعْمَامِ وَالْعَمَّاتِ، وَلَا يُخْتَصُّ بِالذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ، لِوُجُودِ الشَّبَهِ فِي الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ وَأَلْحَقَهُ الْقَافَةُ بِمَنْ كَانَ شِبْهَ أَقَارِبِهِ فيه، ونفوه عمن لم يكن شبه أَقَارِبُهُ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ الشَّبَهُ فِي أَقْرَبِ مُنَاسِبِيهِ، أَوْ أَبْعَدِهِمْ لِأَنَّ عِرْقَ النَّسَبِ يَنْزِعُ إِلَى الْأَقَارِبِ وَالْأَبَاعِدِ عَلَى إِيجَادِ الشَّبَهِ، وَمِنَ الْآخَرِ فِي الْأَبْعَدِينَ، أُلْحِقَ بِمَنْ كَانَ شَبِهَ فِي الْأَقْرَبِينَ، دُونَ مَنْ كَانَ شَبَهُهُ فِي الْأَبْعَدِينَ، لِأَنَّ الشَّبَهَ فِي الْأَقْرَبِ أَقْوَى مِنَ الشَّبَهِ فِي الْأَبْعَدِ.

(بَابُ جَوَابِ الشَّافِعِيِّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ فِي الولد يدعيه عدة رجال)

(مسألة)

: قال الشافعي رضي الله عنه: " قلت لمحمد بن الحسن زعمت أن أبا يوسف قال إن ادعاه اثنان فهو ابنهما بالأثر فَإِنِ ادَعَاهُ ثَلَاثَةٌ فَهُوَ ابْنَهُمُ بِالْقِيَاسِ وَإِنِ ادَعَاهُ أَرْبَعَةٌ لَمْ يَكُنِ ابْنَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قال هذا خطأ من قوله قلت فإذ زعمت إَنَّهُمْ يَشْتَرِكُونَ فِي نَسَبِهِ وَلَوْ كَانُوا مِائَةً كما يشتركون في المال لو مات أحد الشركاء في المال أيملك الحي إلا ما كان يملكه قبل موت صاحبه؟ قال لا قلت فقد زَعَمْتَ إِنْ مَاتَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَرِثَهُ مِيرَاثَ ابن تَامٍّ وَانْقَطَعَتْ أُبُوَّتُهُ فَإِنْ مَاتَ وَرِثَهُ كُلُّ واحد منهم سهما من مائة سهم من مِيرَاثِ أَبٍ فَهَلْ رَأَيْتَ أَبًا قَطُّ إِلَى مدة؟ قلت أو رأيت إذا قطعت أبوته من الميت أيتزوج بناته وهن اليوم أجنبيات وهن بالأمس له أخوات؟ قال إنه لا يدخل هذا قلت وأكثر قال كيف كان يلزمنا أن نورثه؟ قلت نورثه في قولك من أحدهم سَهْمًا مِنْ مِائْةِ سَهْمٍ مِنْ مِيرَاثِ ابْنٍ كَمَا نُوَرِّثُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَهْمًا مِنْ مائة سهم من ميراث أب (قال المزني) رحمه الله ليس هذا بلازم لهم في قولهم لِأَنَّ جَمِيعَ كُلِّ أَبٍ أَبُو بَعْضِ الِابْنِ وَلَيْسَ بَعْضُ الِابْنِ ابْنًا لِبَعْضِ الْأَبِ دُونَ جميعه كَمَا لَوْ مَلَكُوا عَبْدًا كَانَ جَمِيعُ كُلِّ سَيِّدٍ مِنْهُمْ مَالِكًا لِبَعْضِ الْعَبْدِ وَلَيْسَ بَعْضُ العبد ملكا لبعض السيد دون جميعه فتفهم ذلك تجده إن شاء الله ". قال الماوردي: هذا مناظرة جرت بين الشافعي ومحمد بن الحسن رحمهما الله لَمْ يُثْبِتْهَا الرَّبِيعُ فِي كِتَابِهِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَحَكَي عَنِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ قَالَ قُلْتُ لِبَعْضِ النَّاسِ وَصَرَّحَ بِهَا الشَّافِعِيُّ فِي الْإِمْلَاءِ فَقَالَ: قُلْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ فَنَقَلَهَا الْمُزَنِيُّ عَنْهُ فِي الْإِمْلَاءِ وَلَمْ يختلف عليه أبو حنيفة رضي الله عنه وَأَصْحَابُهُ فِي الْمَنْعِ مِنِ اسْتِعْمَالِ الْقَافَةِ، وَاخْتَلَفُوا بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى الْمَنْعِ مِنِ اسْتِعْمَالِ الْقَافَةِ فِيمَنْ يَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ مِنَ الْآبَاءِ الْمُتَنَازِعَيْنِ، فِيهِ فَأَلْحَقَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ رَحِمَة اللَّهُ بِاثْنَيْنِ، وَلَمْ يُلْحِقْهُ بِأَكْثَرَ اتِّبَاعًا لِمَا حُكِيَ مِنَ الْأَثَرِ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي إِلْحَاقِهِ بِاثْنَيْنِ.
وَأَلْحَقَهُ أَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ بِثَلَاثَةٍ، وَلَمْ يُلْحِقْهُ بِأَكْثَرَ مِنْهُمْ، فَاللَّاحِقُ بالثاني

أَثَرًا، وَاللَّاحِقُ بِالثَّالِثِ قِيَاسًا، وَمُنِعَ مِنْ إِلْحَاقِهِ بِالرَّابِعِ قِيَاسًا وَأَلْحَقَهُ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِكُلِّ مَنِ ادَّعَاهُ وَإِنْ كَانُوا مِائَةً قِيَاسًا عَلَى الْأَثَرِ فِي الثَّانِي، فَنَاظَرَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ على قول أبي يوسف رحمه الله وَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَائِلًا فِي الْعَدَدِ بِقَوْلِهِمَا فَلِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لَهُمَا فِي تَرْكِ الْقِيَافَةِ، وَإِلْحَاقِهِ بِالِاثْنَيْنِ، وَإِذَا بَطَلَ قَوْلُهُمَا فِي إِلْحَاقِهِ بِأَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْنِ بَطَلَ قَوْلُهُ فِي إِلْحَاقِهِ بِالِاثْنَيْنِ.
وَلِأَنَّ اسْتِعْمَالَ الْقَافَةِ بِالشَّبَهِ، وَالْأَثَرِ، وَالْعُرْفِ.
فَابْتَدَأَ الشَّافِعِيُّ بِمُنَاظَرَتِهِ عَلَى الْقِيَاسِ فِي الرَّابِعِ، كَالثَّالِثِ فَلِمَ جَعَلَ الثَّالِثَ قِيَاسًا، وَلَمْ يَجْعَلِ الرَّابِعَ قِيَاسًا.
وَإِنِ امْتَنَعَ فِي الرَّابِعِ، امْتَنَعَ فِي الثَّالِثِ فَبَطَلَ فِيهِ اسْتِعْمَالُ الْقِيَاسِ، وَلَمْ يَبْقَ فِيهِ إِلَّا الْأَثَرُ الْمَرْوِيُّ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الثَّانِي، وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِيهِ عَنْ عُمَرَ فَرَوَى عَنْهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، أَنَّهُ قَالَ لِلْوَلَدِ: انْتَسِبْ إِلَى أَيِّهِمَا شِئْتَ.
وَرَوَي عَنْهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، أَنَّهُ قَضَى بِهِ لَهُمَا يَرِثَانِهِ وَيَرِثُهُمَا، وَهُوَ لِلْبَاقِي مِنْهُمَا فلم تكن لإحدى الرِّوَايَتَيْنِ بِأَوْلَى مِنَ الْأُخْرَى، فَتَعَارَضَا، وَأَوْجَبَ التَّعَارُضُ سُقُوطُهُمَا.

(فَصْلٌ)

: ثُمَّ عَدَلَ الشَّافِعِيُّ فِي مُنَاظَرَتِهِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ إَنَّهُمْ يَشْتَرِكُونَ فِي نَسَبِهِ، وَلَوْ كَانُوا مِائَةً كَمَا يَشْتَرِكُونَ فِي الْمَالِ، فَأَبْطَلَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ هذا القول من أربعة أوجه: أحدهما: أَنَّهُ قَالَ لَوْ مَاتَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ فِي الْمَالِ، لَمْ يَمْلُكِ الْحَيُّ إِلَّا مَا كَانَ يَمْلِكُ قَبْلَ مَوْتِ صَاحِبِهِ.
قَالَ: لَا.
فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: " زَعَمْتَ إِنْ مَاتَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَرِثَهُ مِيرَاثَ ابْنٍ تَامٍّ، وَانْقَطَعَتْ أُبُوَّتُهُ " فَأَبْطَلَ الشَّافِعِيُّ بِهَذَا قِيَاسَهُمْ عَلَى الْمَالِ، لِأَنَّ مَوْتَ أَحَدِ الشُّرَكَاءِ فِيهِ لَا يُوجِبُ انْتِقَالَ حَقِّهِ إِلَيْهِمْ، وَعِنْدَهُمْ أَنَّ مَوْتَ أَحَدِ الْآبَاءِ يُوجِبُ انْتِقَالَ أُبُوَّتِهِ إِلَيْهِمْ، فَبَطَلَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا قِيَاسًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنْ قَالَ زَعَمْتَ أَنْ لَوْ مَاتَ رَجُلٌ وَاحِدٌ وَرِثَهُ مِيرَاثَ أَبٍ تَامٍّ وَانْقَطَعَتْ أُبُوَّتُهُ، فَإِنْ مَاتَ وَرِثَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَهْمًا مِنْ مِائَةِ سَهْمٍ مِنْ مِيرَاثِ أَبٍ، فَهَلْ رَأَيْتَ أَبًا قَطُّ إِلَى مُدَّةٍ؟ فَأَبْطَلَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِهَذَا إِلْحَاقَ نَسَبِهِ بِالْجَمَاعَةِ، لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّهُ إِذَا مَاتَ أَحَدُهُمُ انْقَطَعَ نَسَبُهُ مِنْهُ فَصَارَ أَبًا فِي حَيَاتِهِ وَغَيْرَ أَبٍ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَجَعَلُوا نَسَبَهُ مُقَدَّرًا بِمُدَّةِ حَيَّاتِهِ، وَلَمْ نَرَ أَبًا قَطُّ إِلَى مُدَّةٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ قَالَ أَرَأَيْتَ إِذَا انْقَطَعَتْ أُبُوَّتُهُ عَنِ الْمَيِّتِ.
أَيَتَزَوَّجُ بَنَاتَهُ، وَهُنَّ

الْيَوْمَ أَجْنَبِيَّاتٌ، وَكُنَّ لَهُ بِالْأَمْسِ أَخَوَاتٍ، فَأَبْطَلَ الشَّافِعِيُّ عَلَيْهِمْ بِهَذَا مَا قَالُوهُ مِنِ انْقِطَاعِ أُبُوَّتِهِ بِالْمَوْتِ، فَقَالَ بَنَاتُ الْمَيِّتِ مِنْهُمْ مَا حُكْمُهُمْ مَعَ الْوَلَدِ أَيَحْلِلْنَ لَهُ أَمْ لَا؟ فَقَدْ كُنَّ لَهُ بِالْأَمْسِ أَخَوَاتٌ فَإِنْ قَالَ: يَحْلِلْنَ بَطَلَ أَنْ يَكُنَّ بِالْأَمْسِ أَخَوَاتٌ مُحَرَّمَاتٌ وَيَصِرْنَ فِي الْيَوْمِ أَجْنَبِيَّاتٌ مُحَلَّلَاتٌ، وَإِنْ قَالَ يَحْرُمْنَ، بَطَلَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ، وَلَهُنَّ أَبٌ جَامِعٌ بَيْنَ نَسَبِهِ، وَنَسَبِهِنَّ، وَيَصِرْنَ أَجْنَبِيَّاتٍ مُحَرَّمَاتٍ.
وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ: مِمَّا قَالُوهُ فِي التَّوَارُثِ بَيْنَهُمْ، أَنَّهُ إِنْ مَاتَ جَعَلُوا مِيرَاثَهُ بَيْنَ جَمِيعِهِمْ، وَأَعْطَوْا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِيرَاثَ بَعْضِ أَبٍ، وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمْ أَعْطَوْهُ جَمِيعَ مِيرَاثِ أَبٍ تَامٍّ، فَجَعَلُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَعْضَ أَبٍ، وَلَمْ يَجْعَلُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَعْضَ ابْنٍ.
فَقَالَ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ لِلشَّافِعِيِّ: كَيْفَ يَلْزَمُنَا أَنْ نُوَرِّثَهُ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَلْزَمُكَ أَنْ تُوَرِّثَهُمْ فِي قَوْلِكَ: أَنْ نُورِّثَهُ مِنْ كُلِّ واحد منهم سهما من مائة سهم من مِيرَاثِ ابْنٍ، كَمَا نُوَرِّثُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَهْمًا مِنْ مِائَةِ سَهْمٍ مِنْ مِيرَاثِ أَبٍ، فَاعْتَرَضَ الْمُزَنِيُّ عَلَى الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي هَذَا الْجَوَابِ فَقَالَ: " لَيْسَ هَذَا بِلَازِمٍ لَهُمْ فِي قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ كُلِّ أَبٍ أَبُو بَعْضِ الِابْنِ وَلَيْسَ بَعْضُ الِابْنِ ابْنًا لِبَعْضِ الْأَبِ دُونَ جَمِيعِهِ.
ثُمَّ اسْتَشْهَدَ عَلَيْهِ فَقَالَ: " كَمَا لَوْ مَلَكُوا عَبْدًا، كَانَ جَمِيعُ كُلِّ سَيِّدٍ مِنْهُمْ مَالِكًا لِبَعْضِ الْعَبْدِ، وَلَيْسَ بَعْضُ الْعَبْدِ مِلْكًا لِبَعْضِ السَّيِّدِ، دُونَ جَمِيعِهِ فَشَذَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فَسَاعَدَ الْمُزَنِيَّ عَلَى اعْتِرَاضِهِ، وَمُنِعَ فِيمَا أَلْزَمَهُمُ الشَّافِعِيُّ عَلَى قَوْلِهِمْ أَنْ يَكُونَ لَازِمًا لَهُمْ، تَعْلِيلًا بِمَا ذَكَرَهُ الْمُزَنِيُّ، وَذَهَبَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا إِلَى صِحَّةِ إِلْزَامِ الشَّافِعِيِّ لَهُمْ، وَأَبْطَلَ اعْتِرَاضَ الْمُزَنِيِّ عَلَى الشَّافِعِيِّ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ مَا يَبْطُلُ اعْتِرَاضُ الْمُزَنِيِّ، لِأَنَّ عِنْدَهُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْآبَاءِ أَبٌ لِكُلِّ الْوَلَدِ، وَكُلُّ الْوَلَدِ ابْنٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْآبَاءِ، فَبَطَلَ مَا اسْتَشْهَدَ بِهِ الْمُزَنِيُّ مِنِ اشْتِرَاكِ السَّادَةِ فِي الْعَبْدِ الْوَاحِدِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا كَانَ بَعْضُ الْوَلَدِ ابْنًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْآبَاءِ، وَجَبَ إِذَا مَاتَ أَحَدُ الْآبَاءِ، أَنْ لَا يَرِثَهُ مِنْ بَعْضِ الْبَنِينَ مَا يَكُونُ مُسْتَحِقًّا بِجَمِيعِ الْبُنُوَّةِ، فَصَحَّ مَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَفَسَدَ مَا اعْتَرَضَ بِهِ الْمُزَنِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَإِذَا بَطَلَ إِلْحَاقُ الْوَلَدِ بِآبَاءٍ ثَبَتَ اسْتِعْمَالُ الْقَافَةِ، لِأَنَّ النَّاسَ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ: فَوَجَبَ فَسَادُ أَحَدِهِمَا صِحَّةُ الْآخَرِ، وَقَدِ اسْتُشْهِدَ مِنْ عِلْمِ الْقَافَةِ فِي إِلْحَاقِ الْأَنْسَابِ، مَا يُزِيلُ لارتياب بِهِ، فَقَدْ حُكِيَ أَنَّ رَجُلًا شَكَّ فِي ابْنٍ لَهُ، فَسَارَ بِهِ إِلَى دِيَارِ بَنِي مُدْلِجٍ وَمَعَ الْأَبِ أَخٌ لَهُ، وَهُمَا عَلَى رَاحِلَتَيْنِ، وَالْوَلَدُ مَاشٍ، فَأَعْيَا، وَأَقْبَلَ صَبِيٌّ مِنْهُمْ فَقَالَ لَهُ الْأَبُ: ارْدُفْ هَذَا الْغُلَامَ بِنَا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ وَإِلَيْهِمَا ثُمَّ قَالَ: أُرْدِفُهُ بِأَبِيهِ، أَوْ بِعَمِّهِ؟ فَقَالَ: بِأَبِيهِ.
فَأَرْدَفَهُ بِهِ، فَعَادَ مِنْ فَوْرِهِ وَزَالَ مَا كَانَ فِي

نَفْسِهِ.
وَكَالَّذِي رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ أَبِي لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ " لَمَّا وَلَدَتْ مَارِيَةُ الْقِبْطِيَّةُ إِبْرَاهِيمَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ فِي نَفْسِهِ مِنْهُ شَيْءٌ بَعَثَ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا إِبْرَاهِيمَ، فَسَلَّمَ، وَذَهَبَ مَا كَانَ فِي نَفْسِهِ.
وَكَانَ لِلشَّافِعِيِّ فِرَاسَةٌ، فَحَكَى أَبُو ثَوْرٍ قَالَ: كُنْتُ بِحَضْرَةِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، إِذَا جَاءَ رَجُلٌ فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ مَلِيًّا وَقَالَ لَهُ: أَلَكَ أَخٌ؟ قَالَ: نَعَمْ.
وَلَكِنَّهُ غَائِبٌ فِي الْبَحْرِ مُنْذُ سِنِينَ.
فَقَالَ لَهُ: لَعَلَّهُ هذا الجائي مقام إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ أَخُوهُ قَدْ قَدِمَ مِنْ سَاعَتِهِ.
وَحَكَى أَبُو ثَوْرٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: مَا صِنَاعَةُ هَذَا؟ فَقَالَ: لَا أَعْرِفُ.
وَلَكِنْ إِمَّا أَنْ يَكُونَ خَيَّاطًا، أَوْ نَجَّارًا، فَسَأَلَنَا الرَّجُلَ عَنْ صِنَاعَتِهِ، فَقَالَ: كُنْتُ خَيَّاطًا فَصِرْتُ نَجَّارًا.
وَقَالَ الْمُصَنَّفُ: كُنْتُ ذَاتَ يَوْمٍ، وَأَنَا جَالِسٌ بِجَامِعِ الْبَصْرَةِ، وَرَجُلٌ يَتَكَلَّمُ فَجَمَعَنِي وَأَصْحَابِي حُضُورُهُ، فَلَمَّا سُمِعَتُ كَلَامَهُ، قُلْتُ لَهُ وُلِدْتَ بِأَذْرَبِيجَانَ، وَنَشَأَتْ بِالْكُوفَةِ قَالَ: نَعَمْ.
فَعَجِبَ مِنِّي مَنْ حَضَرَ.
وَالْقِيَافَةُ، وَالْفِرَاسَةُ، غَرِيزَةٌ فِي الطِّبَاعِ يُعَانُ فِيهَا الْمَجْبُولُ عَلَيْهَا، وَيَعْجِزُ فِيهَا الْمَصْرُوفُ عَنْهَا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

(بَابُ دَعْوَى الْأَعَاجِمِ وِلَادَةَ الشِّرْكِ وَالطِّفْلِ يُسْلِمُ أحد أبويه)

(مسألة)

: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِذَا ادَعَى الْأَعَاجِمُ وِلَادَةً بِالشِّرْكِ فَإِنْ جَاؤُونَا مُسْلِمِينَ لَا وَلَاءَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِعِتْقٍ قَبِلْنَا دَعْوَاهُمْ كَمَا قَبِلْنَا مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَصِلُ هَذَا الْبَابِ أَنَّ حِفْظَ الْأَنْسَابِ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ يَجِبُ حِفْظُهُ وَتَعْيِينُهُ، وَقِسْمٌ يَجِبْ حِفْظُهُ وَلَا يُجِبْ تَعْيِينُهُ، وَقِسْمٌ لَا يَجِبُ حِفْظُهُ وَلَا تَعْيِينُهُ.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: الَّذِي يَجِبُ حِفْظُهُ وَتَعْيِينُهُ فَهِيَ الْأَنْسَابُ الَّتِي يُسْتَحَقُّ بِهَا التَّوَارُثُ، لِقُرْبِهِمَا وضبط عددها، فحفظها بَيْنَ الْمُتَنَاسِبِينَ فِيهَا وَاجِبٌ لَهُمْ، وَعَلَيْهِمْ عَلَى تَفْضِيلِ النَّسَبِ وَتَعْيِينِ الدَّرَجِ، لِأَنَّهَا تُوجِبُ مِنْ حُقُوقِ التَّوَارُثِ لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ وَوِلَايَةُ النِّكَاحِ بِمَا لَا يُوصِلُ إِلَى مَعْرِفَةِ مُسْتَحِقِّهِ، إِلَّا مِنْهُمْ فَلَزِمَهُمْ حِفْظُهُ وَتَعَدُّدُهُ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ الَّذِي يَجِبُ حِفْظُهُ، وَلَا يُجِبُ تَعْيِينُهُ فَهِيَ الْأَنْسَابُ الْمُتَبَاعِدَةُ عَنِ التَّوَارُثِ، وَتَخْتَصُّ بِأَحْكَامٍ تَأْبَى من عددها، وَهُمْ ذَوُو رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لِاخْتِصَاصِهِمْ بِسَهْمِ ذِي الْقُرْبَى، وَتَحْرِيمِ الصَّدَقَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ.
عَلَيْهِمْ، فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَعْرِفُوا أَنَّهُمْ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، وَمِنْ بَنِي الْمُطَّلِبِ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي الْبُطُونِ الْمُتَمَيِّزَةِ، لِيَكُونُوا مَشْهُورِينَ فِي عَشَائِرِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ لَهُمُ اتِّصَالُ أَنْسَابِهِمْ، لِيُعَرِّفَهُمْ وُلَاةَ الْغِنَى فِي حَقِّهِمْ.
مِنْ سَهْمِ ذِي الْقُرْبَى، وَيُعَرِّفَهُمْ وُلَاةَ الصَّدَقَاتِ فِي مَنْعِهِمْ مِنْهَا.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: الَّذِي لَا يَجِبُ حِفْظُهُ، وَلَا تَعْيِينُهُ فَهِيَ الْأَنْسَابُ الْمُتَبَاعِدَةُ عَنِ التَّوَارُثِ، وَلَا تَخْتَصُّ بِحُكْمٍ يَأْبَى بِهِ مَنْ عَدَاهَا كَسَائِرِ الْأُمَمِ، وَهَلْ يَلْزَمُهُ إِنْ كَانَ عَرَبِيًّا أَنْ يَعْرِفَ أَنَّهُ مِنَ الْعَرَبِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مِنِ اخْتِلَافِ الْقَوْلَيْنِ فِي تَمْيِيزِ الْعَرَبِ مِنَ الْعَجَمِ فِي حُكْمِ الِاسْتِرْقَاقِ، فَإِنْ مُيِّزُوا فِيهِ عَنْ غَيْرِهِمْ لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّهُ مِنْهُمْ كَمَا لَا يَلْزَمُ إِذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ الْعَرَبِ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّهُ مِنْ أَيِّ الْأُمَمِ، وَأَيِّ أَجْنَاسِ الْعَالَمِ.

(فَصْلٌ)

: فَإِذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ فَمَسْأَلَةُ الْكِتَابِ مَقْصُورَةٌ عَلَى الْأَنْسَابِ الَّتِي يَجِبُ

حِفْظُهَا، وَتَعْيِينُهَا؛ لِاسْتِحْقَاقِ التَّوَارُثِ، فَإِذَا كَانُوا أَحْرَارًا لا ولاء عليهم، انقسموا ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ مِنْ وِلَادَةِ الْإِسْلَامِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ مِنْ وِلَادَةِ الشِّرْكِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونُوا مُشْرِكِينَ.
فَإِنْ كَانُوا مُسْلِمِينَ مِنْ وِلَادَةِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فَعَلَيْنَا فِي أَنْسَابِهِمْ حَقَّانِ: أَحَدُهُمَا: حَفِظُ أَنْسَابِهِمْ.
وَالثَّانِي: أَنْ تُعْرَفَ فُرُشُ وِلَادَتِهِمْ؛ لِوُجُوبِ حُرْمَتِهِمْ نُطَفًا، وَمَوْلُودِينَ، فَإِنِ ادَّعَوْا اتِّصَالَ قَوَاعِدِ أَنْسَابِهِمْ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهَا، لَزِمَ اعْتِبَارُهَا بِفُرُشِ وِلَادَتِهِمْ، فَإِنْ خَالَفْتَ مَا تَعَارَفُوا عَلَيْهِ حُمِلُوا فِي أَنْسَابِهِمْ عَلَى مَا أَوْجَبَهُ عَلَى فُرُشِ وِلَادَتِهِمْ، وَأُبْطِلَ تَصَادُقُهُمْ عَلَى مَا خَالَفَهَا، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي فُرُشِ وِلَادَتِهِمْ مَا يخَالَفَهَا، حُمِلُوا فِيهَا عَلَى تَصَادُقِهِمْ، وَحُفِظَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْسَابُ الَّتِي تَصَادَقُوا عَلَيْهَا، وَيَسْتَوِي فِيهَا الْمُتَلَاصِقَةُ كَالْآبَاءِ مَعَ الْأَبْنَاءِ، وَالْأَنْسَابِ الْمُنْفَصِلَةِ، كَالْأُخْوَةِ، وَالْأَعْمَامِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ مِنَ الْفُرُشِ مَا يُخَالِفُهُمْ، فَإِنْ رَجَعُوا بَعْدَ التَّصَادُقِ فَتَكَاذَبُوا، كَانَ التَّكَاذُبُ مردودا بالتصادق، لأن الإنكار يعلو الْإِقْرَارَ مَرْدُودٌ، إِلَّا أَنْ يُقَدِّمَ بَيِّنَةً بِخِلَافِ مَا تَصَادَقُوا عَلَيْهِ، فَيُحْكَمُ بِهَا.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُمُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ وِلَادَةِ الشِّرْكِ، فَعَلَيْنَا حِفْظُ أَنْسَابِهِمْ، بَعْدَ الْوِلَادَةِ لِحُرْمَتِهِمْ بِالْإِسْلَامِ، وَلَيْسَ عَلَيْنَا أَنْ نَعْتَبِرَهَا بِفُرِشِ وِلَادَتِهِمْ، بِسُقُوطِ حُرْمَةِ نُطَفِهِمْ بِالشِّرْكِ، فَحُمِلُوا فِي الْأَنْسَابِ عَلَى تَصَادُقِهِمْ، وَتُحْفَظُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ التَّصَادُقِ بِوُجُوبِ حُرْمَتِهِمْ مَوْجُودِينَ وَسُقُوطِهَا نُطَفًا.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ، فَلَا يَلْزَمُنَا حِفْظُ أَنْسَابِهِمْ نُطَفًا، وَلَا مَوْلُودِينَ؛ لِسُقُوطِ حُرْمَتِهِمْ فِي الْحَالَيْنِ، فَإِذَا تَصَادَقُوا فِي أَنْسَابِهِمْ لَمْ يُعْتَرَضْ فِيهَا عَلَيْهِمْ، وَكَانُوا فِيهَا مَحْمُولِينَ عَلَى تَصَادُقِهِمْ وَإِنْ تَكَاذَبُوا فِيهَا، بَطَلَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَصَادُقِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ فِيهِمْ أَلْزَمُ مِنَ الْآخَرِ، فَإِنْ تَحَاكَمُوا فِيهَا إِلَيْنَا، حَكَمْنَا بَيْنَهُمْ بِمَا يَكُونُونَ عَلَيْهِ بَعْدَ التَّحَاكُمِ مِنَ التَّصَادُقِ، أَوِ التَّكَاذُبِ.

(فَصْلٌ)

: وإذا ثبت ما قررناه من أُصُولِ الْأَقْسَامِ فِي هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ عُمُومًا وَخُصُوصًا، وَحَضَرَ مِنْهُمْ مَنْ لَا رِقَّ عَلَيْهِ، وَلَا وَلَاءَ، فَادَّعَى نَسَبَ لَقِيطٍ لَا رِقَّ عَلَيْهِ، وَلَا وَلَاءَ نُظِرَ فِي دَعْوَاهُ.

فَإِنِ ادَّعَاهُ وَلَدًا، سُمِعَتْ دَعْوَاهُ إِذَا مُكِّنَتْ، وَلَحِقَ بِهِ وَلَدًا وَنَاسَبَ جَمِيعَ مَنْ نَاسَبَهُ مدعيه، من آبائه وأبنائه، وإخوانه، وَأَعْمَامِهِ، سَوَاءٌ صَدَّقُوهُ عَلَيْهِ أَوْ خَالَفُوهُ.
فَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا أُجْرِيَ عَلَى اللَّقِيطِ حُكْمُ الْإِسْلَامَ وَوَجَبَ حِفْظُ نَسَبِهِ فِي حَقِّهِ، وَإِنْ لَمْ يَجِبْ فِي حَقِّ الْمُدَّعِي، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُجْرَى عَلَيْهِ حُكْمُ الْإِسْلَامِ، وَيُمْنَعُ مِنْهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ، لِئَلَّا يُلَقِّنَهُ الْكُفْرَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجْرِي عَلَى حُكْمِ الْكَفْرِ، وَلَمْ يَجِبْ حِفْظُ نَسَبِهِ، لَا فِي حَقِّهِ وَلَا فِي حَقِّ الْمُدَّعِي، وَلَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ مَا كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ بِهِ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ، مُنِعَ مِنْهُ قَبْلَ بُلُوغِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَصِفَ الْإِسْلَامَ، إِذَا بَلَغَ وَلَمْ يُمْنَعْ مِنْ إِخْرَاجِهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ إِذَا أُجْبِرَ عَلَى الْكُفْرِ.
وَإِنِ ادَّعَاهُ أَخًا، وَلِمَ يدعيه وَلَدًا، رُدَّتْ دَعْوَاهُ إِنْ كَانَ أَبُوهُ بَاقِيًا، وكان الأب أحق بالدعوى منه، سمعت إِنْ كَانَ مَيِّتًا، وَلَمْ يَكُنْ لِأَبِيهِ وَارِثٌ سِوَاهُ، وَلَا يُسْمَعُ إِنْ وَرِثَهُ غَيْرُهُ، حَتَّى يَتَّفِقُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ إِذَا سُمِعَتْ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ، وَأُلْحِقَ بِهِ أَخًا، صَارَ مُنَاسِبًا لِجَمِيعِ مَنْ نَاسَبَهُ مِمَّنْ عَلَا وَسَفَلَ مِنْ عَصَبَاتٍ، وَذَوِي أَرْحَامٍ وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ، وَالْكُفْرِ مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَلَوِ ادَّعَى نَسَبَ بَالِغٍ مَجْهُولِ النَّسَبِ، لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ رِقٌّ، وَلَا وَلَاءٌ كَانَتْ دَعْوَاهُ عَلَى تَصْدِيقِهِ، فَإِنْ أَنْكَرَ وَعَدِمَ الْبَيِّنَةَ لَمْ يَلْحَقْهُ نَسَبُهُ، وَإِنْ صَدَّقَهُ لَحِقَ بِهِ نَسَبُهُ بِالدَّعْوَى، وَالتَّصْدِيقِ وَلَهُمَا أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ: أحدها: أن يكونوا مُسْلِمَيْنِ فَحِفْظُ نَسَبِهِمَا وَاجِبٌ فِي الْجِهَتَيْنِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَا كَافِرَيْنِ، فَحِفْظُ نَسَبِهِمَا غَيْرُ وَاجِبٍ فِي الْجِهَتَيْنِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَا فِي الدَّعْوَى قَدْ تَنَازَعَا إِلَى حَاكِمٍ حَكَمَ بَيْنَهُمَا بِلُحُوقِ النَّسَبِ، فَيَجِبُ حِفْظُهُ لِتَنْفِيذِ الْحُكْمِ، وَإِنْ لَمْ يَجِبْ فِي حَقِّ النَّسَبِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ مُدَّعِيهِ مُسْلِمًا.
وَهُوَ يُقِرُّ بِالْكُفْرِ، فَإِنْ كَانَ مَوْلُودًا عَلَى الْإِسْلَامِ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ وَلَدُهُ كَافِرًا، وَقِيلَ: الْآنَ أَنْتَ بِتَصْدِيقِكَ لَهُ عَلَى الْأُبُوَّةِ مُسْلِمٌ، وَادِّعَاؤُكَ الْكُفْرَ يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الرِّدَّةِ.
فَإِنْ أَسْلَمْتَ وَإِلَّا قُتِلْتَ، وَإِنْ كَانَ الْأَبُ مِنْ وِلَادَةِ الشِّرْكِ، وَأَسْلَمَ بَعْدَ الْبُلُوغِ، فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مَوْلُودًا لَهُ قَبْلَ إِسْلَامِهِ، أُقِرَّ الْوَلَدُ عَلَى كُفْرِهِ، وَوَجَبَ حِفْظُ نَسَبِهِ فِي حَقِّ أَبِيهِ، دُونَ حَقِّهِ.
وَالْحَالَةُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَكُونَ مُدَّعِيهِ كَافِرًا، وَهُوَ مُسْلِمٌ وَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُسْلِمِ أَبٌ كَافِرٌ، وَلِذَلِكَ جَازَ أَنْ يَلْحَقَ نَسَبُهُ بِكَافِرٍ وَيَجْرِيَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمُ دِينِهِ، وَوَجَبَ حِفْظُ نَسَبِهِ فِي حَقِّهِ، وَإِنْ لَمْ يجب في حق الأب.

(مسألة)

: قال الشافعي رضي الله عنه: " وإن كانوا مسبين عَلَيْهِمْ رِقٌّ أَوْ أُعْتِقُوا فَثَبَتَ عَلَيْهِمْ وَلَاءٌ لَمْ يُقْبَلْ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ عَلَى وِلَادَةٍ مَعْرُوفَةٍ قَبْلَ السَّبْيِ وَهَكَذَا أَهْلُ حِصْنٍ وَمَنْ يُحْمَلُ إِلَيْنَا مِنْهُمْ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي مَسْبِيٌّ مِنْ بِلَادِ الشِّرْكِ اسْتَرَقَّهُ مُسْلِمٌ وَأَعْتَقَهُ فَصَارَ لَهُ عَلَيْهِ الْوَلَاءُ، ثُمَّ قَدِمَ مِنْ بِلَادِ الشِّرْكِ مَنِ ادَّعَى نَسَبَهُ، فَإِنِ اقْتَرَنَ بِدَعْوَاهُ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ تَشْهَدُ لَهُ بِمَا ادَّعَاهُ مِنَ النَّسَبِ عَلَى الْوَجْهِ الْجَائِزِ فِي الْإِسْلَامِ، حُكِمَ بِهَا وَثَبَتَ النَّسَبُ بَيْنَهُمَا سَوَاءٌ كَانَ مُدَّعِيهِ يَدَّعِي نَسَبًا، أَعْلَى كَالْأُبُوَّةِ، وَالْأُخُوَّةِ، أَوْ نَسَبًا أَسْفَلَ كَالْبُنُوَّةِ.
وَإِنْ عَدِمَ مُدَّعِيهِ الْبَيِّنَةَ لَمْ يَخْلُ حَالُ الْمُدَّعِي وَمَنْ عَلَيْهِ رِقٌّ، أَوْ وَلَاءٌ مِنْ أَرْبَعَةِ أحوال: أحدها: مِنْ أَنْ يُصَدِّقَاهُ عَلَى النَّسَبِ فَيَثْبُتُ النَّسَبُ بَيْنَهُمَا فِي الْأَعْلَى مِنَ الْأُبُوَّةِ، وَالْأَسْفَلِ مِنَ البنوة.
والحالة الثَّانِيَةُ: أَنْ يُنْكِرَاهُ، أَوْ يُكَذِّبَاهُ، فَلَا نَسَبَ وَلَيْسَ لَهُ إِحْلَافُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَمَّا الْعِتْقُ، فَلِأَنَّ إِقْرَارَهُ لَا يَنْفَذُ مَعَ إِنْكَارِ مُعْتِقِهِ، وأما معتقه فيلتزم الدعوى على غيره.
والحالة الثَّالِثَةُ: أَنْ يُنْكِرَهُ الْمُعْتِقُ، وَيُصَدِّقَهُ مُعْتِقُهُ.
فَلَا نَسَبَ لَهُ، وَلَهُ إِحْلَافُ الْمُعْتِقِ بَعْدَ تَصْدِيقِ مُعْتِقِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِالنَّسَبِ ثَبَتَ.
والحالة الرَّابِعَةُ: أَنْ يُصَدِّقَهُ الْمُعْتِقُ، وَيُكَذِّبَهُ مُعَتِقُهُ.
فَلَا يَخْلُو مُدَّعِي النَّسَبِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَدَّعِيَ نَسَبًا أَعْلَى، أَوْ نَسَبًا أَسْفَلَ.
فَإِنِ ادَّعَى نَسَبًا أَعْلَى كَالْأُبُوَّةِ وَالْأُخُوَّةِ، لَمْ يثبت النسب بينهما مع التصديق، الأثر وتعليل: أَمَّا الْأَثَرُ: فَأَثَرَانِ أَحَدُهُمَا مَا رَوَى الشَّعْبِيُّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ إِلَى شُرَيْحٍ أَنْ لَا تُوَرِّثَ حَمِيلًا إِلَّا بِبَيِّنَةٍ.
وَالثَّانِي: مَا رَوَاهُ حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَمَعَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَاسْتَشَارَهُمْ فِي مِيرَاثِ الْحَمِيلِ، فَأجْمَعُوا أَنْ لَا يُوَرَّثَ حَمِيلٌ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ.
فَصَارَ هَذَا الْأَثَرُ الثَّانِي إِجْمَاعًا.
وَأَمَّا التَّعْلِيلُ: فَلِأَنَّ مُعْتِقَهُ لَمَّا اسْتَحَقَّ بِوَلَائِهِ عَلَيْهِ أَنْ يَرِثَهُ، وَكَانَ لُحُوقُ النَّسَبِ يَدْفَعُهُ عَنِ الْمِيرَاثِ، لِتَقْدِيمِ الْمِيرَاثِ بِالنَّسَبِ على الميراث بالولاء، لم يَكُنْ لَهُمَا إِبْطَالُ حَقٍّ بِصِفَةٍ مِنْ مِيرَاثِ الْمَيِّتِينَ بِإِقْرَارٍ مَظْنُونٍ مُحْتَمَلٍ.

فَإِنْ قِيلَ: أَفَلَيِسَ لَوْ كَانَ لَهُ أَخٌ يَرِثُهُ؟ فَأَقَرَّ بِابْنٍ يَحْجُبُ أَخَاهُ عَنِ الْمِيرَاثِ، ثَبَتَ نَسَبُهُ بِإِقْرَارِهِ.
فَمَا الْفَرْقُ؟ قِيلَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمِيرَاثَ بِالْوَلَاءِ نَتِيجَةُ مِلْكٍ قَدْ تَفَرَّدَ بِهِ بِصِفَةٍ لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ فَلَمْ يُقْبَلْ فِي دَفْعِهِ إِقْرَارٌ عَنْ مُشَارِكٍ فِيهِ.
وَالْمِيرَاثُ بِالنَّسَبِ مُشْتَرَكٌ فَجَازَ أن يثبت بإقرار الشركين فِيهِ فَهَذَا حُكْمُ النَّسَبِ الْأَعْلَى.
فَأَمَّا دَعْوَى النَّسَبِ الْأَسْفَلِ: وَهُوَ أَنْ يَدَّعِيَ الْحَمِيلُ أَنَّ هَذَا الْمُعْتَقَ ابْنُهُ، فَيُصَدِّقَهُ عَلَى الْبُنُوَّةِ وَيُكَذِّبَهُ مُعْتِقُهُ، فَفِي ثُبُوتِ نَسَبِهِ وَجْهَانِ: وَقَالَ ابْنُ أبي هريرة قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ مَعَ تَكْذِيبِ مُعْتِقِهِ، كَالنَّسَبِ الْأَعْلَى.
وَالثَّانِي: يَثْبُتُ نَسَبُهُ، وَإِنْ كَذَّبَهُ مُعْتِقُهُ، لِانْتِفَاءِ الضَّرَرِ عَنْهُ لِإِدْخَالِ وَلَدِهِ في الولاء مُعْتِقِهِ، الَّذِي لَا يَدْخُلُ فِيهِ أَهْلُ النَّسَبِ الْأَعْلَى، فَلِذَلِكَ لَا يَثْبُتُ الْإِقْرَارُ بِالنَّسَبِ الْأَسْفَلِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ بِالنَّسَبِ الْأَعْلَى.
وَسُمِّيَ حَمِيلًا، لِأَنَّهُ يُحْمَلُ بِنَسَبٍ مَجْهُولٍ.
فَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: " فَكَذَا أَهْلُ حِصْنٍ وَمَنْ يُحْمَلُ إِلَيْنَا مِنْهُمْ ". فَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الرَّدَّ عَلَى طَائِفَةٍ، قَالُوا إِنَّ الْحَمِيلَ إِذَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ كَبِيرٍ لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ، لِتَمَكُّنِهِ مِنْ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ حِصْنٍ أَوْ دَيْرٍ فَتَثْبُتُ وَهُمَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ سَوَاءٌ، لِإِطْلَاقِ الْأَثَرِ وعموم التعليل.

(مسألة)

: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِذَا أَسْلَمَ أَحَدُ أَبَوَيِ الطِّفْلِ أَوِ الْمَعْتُوهِ كان مسلما لأن الله عز وجل أعلى الإسلام على الأديان والأعلى أولى أن يكون الحكم له مع أنه رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ معنى قولنا ويروى عن الحسن وغيره ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، فَإِنِ اجْتَمَعَ إِسْلَامُ الْأَبَوَيْنِ كَانَ إِسْلَامًا لِصِغَارِ أَوْلَادِهِمَا مَعَهُمَا يَكُونُ لِلْبَالِغِينَ الْعُقَلَاءِ وَهَذَا إِجْمَاعٌ فَأَمَّا إِذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ إِسْلَامَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَكُونُ إِسْلَامًا لَهُمْ سَوَاءٌ كَانَ الْمُسْلِمُ مِنْهُمَا أَبًا، أَوْ أُمًّا.
وَقَالَ عَطَاءٌ: يَكُونُونَ مُسْلِمِينَ بِإِسْلَامِ الْأُمِّ دُونَ الْأَبِ، لِأَنَّهُ مِنَ الْأُمِّ قَطْعًا وَمِنَ الْأَبِ ظَنًّا.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَكُونُ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ الْأَبِ دُونَ الْأُمِّ، لِرُجُوعِهِ فِي النَّسَبِ إِلَى أَبِيهِ احْتِجَاجًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ

مُقْتَدُونَ} [الزخرف: 43] . وَالْمُرَادُ بِالْآيَةِ الْمِلَّةُ، فَدَلَّ عَلَى إِلْحَاقِهِ بِمِلَّةِ الْأَبِ دُونَ الْأُمِّ.
وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ [يس: 6] فَدَلَّ عَلَى إِضَافَةِ الْأَوْلَادِ إِلَى الْآبَاءِ، دُونَ الْأُمَّهَاتِ.
وَدَلِيلُنَا قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: 21] وَهُمْ ذُرِّيَّةٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَبَوَيْنِ، فَوَجَبَ أَنْ يُتْبَعُوا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَبَوَيْنِ.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " أَوْلَادُ الْمُسْلِمِينَ مَعَهُمْ فِي الْجَنَّةِ، وَهُمْ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ". فَدَلَّ عَلَى إِسْلَامِهِمْ وَلِأَنَّ الْإِسْلَامَ حَقٌّ، وَالْكُفْرَ بَاطِلٌ، وَاتِّبَاعُ الْحَقِّ أَوْلَى مِنِ اتِّبَاعِ الْبَاطِلِ، وَلِأَنَّ تَعَارُضَ الْبَيِّنَتَيْنِ يُوجِبُ تَغْلِيبَ أَقْوَاهُمَا وَأَعْلَاهُمَا، وَالْإِسْلَامُ أَقْوَى، وَأَعْلَى مِنَ الْكُفْرِ، فَوَجَبَ أَنْ يَغْلِبَ الْإِسْلَامُ عَلَى حُكْمِ الْكُفْرِ لِقَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة: 40] وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " الْإِسْلَامُ يَعْلُو، وَلَا يُعْلَى ". وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أَيُّ ابْنِ أَمَةٍ أَسْلَمَ فِدْيَتُهُ دِيَةُ الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ مُسْلِمًا لَوْ تَزَوَّجَ كَافِرَةً كَانَ الْوَلَدُ مُسْلِمًا، كَذَلِكَ إِذَا أَسْلَمَ بَعْدَ أَنْ تَزَوَّجَهَا وَفِيهِ انْفِصَالٌ عَنْ دَلِيلِهِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: 43] فَإِنَّهُ قَالَهُ عَلَى وَجْهِ الذَّمِّ لَهُمْ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ فِي عُدُولِهِمْ عَنْهُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ [يس: 6] فَهُوَ أَنَّ الْإِنْذَارَ مُتَوَجِّهٌ إِلَى الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ، وَإِنْ عَبَّرَ عَنْهُ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ التَّذْكِيرِ.

(فَصْلٌ)

: وَأَمَّا إِذَا أَسْلَمَ الْجَدُّ، أَوِ الْجَدَّةُ فَعَنْهُ ثَلَاثَةُ أَجْوِبَةٌ: أَحَدُهَا: إنَّهُ يَكُونُ إِسْلَامًا لَهُمْ مَعَ بَقَاءِ الْأَبَوَيْنِ، وَعَدَمِهِمَا، لِأَنَّهُمَا مَحْجُوبَانِ، بِمَنْ دُونَهُمَا لِلْبَعْضِيَّةِ، الَّتِي بَيْنَهُمَا كَالْأَبَوَيْنِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَكُونُ إِسْلَامًا لَهُمْ مَعَ بَقَاءِ الْأَبَوَيْنِ وَعَدَمِهِمَا لِأَنَّهُمَا مَحْجُوبَانِ بِمَنْ دُونَهُمَا.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ إِسْلَامًا لَهُمْ مَعَ عَدَمِ الْأَبَوَيْنِ، وَلَا يَكُونُ إِسْلَامًا لَهُمْ مَعَ وُجُودِ الْأَبَوَيْنِ، لِأَنَّهُمْ بِحُكْمِ الْأَقْرَبِ أَخَصُّ مِنْهُمْ بِحُكْمِ الْأَبْعَدِ، إِذَا كَانَ بَاقِيًا، وَالْمَوْجُودِ دُونَ الْمَفْقُودِ إِذَا كَانَ مَيِّتًا.

(باب متاع البيت يختلف فيه الزوجان من كِتَابِ اخْتِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى)

(مسألة)

: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ يَسْكُنَانِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا أَوْ بَعْدَ مَا تَفَرَّقَا كَانَ الْبَيْتُ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا أَوْ يَمُوتَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا فَيَخْتَلِفُ فِي ذَلِكَ وَرَثَتُهُمَا فَمَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ وَإِنْ لَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً فَالْقِيَاسُ الَّذِي لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ عِنْدِي بِالْغَفْلَةِ عَنْهُ عَلَى الْإِجْمَاعِ أن هَذَا الْمَتَاعُ بِأَيْدِيِهِمَا جَمِيعًا فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وقد يملك الرجل متاع المرأة وتملك المرأة متاع الرجل ولو استعملت الظنون عليهما لحكمت في عطار ودباغ يتنازعان عطراً ودباغاً في أيديهما بأن أجعل للعطار العطر وللدباغ الدباغ ولحكمت فيما يتنازع فيه معسر وموسر من لؤلؤ بأن أجعله للموسر ولا يجوز الحكم بالظنون ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا كَانَ الزَّوْجَانِ فِي دَارٍ يَسْكُنَاهَا، إِمَّا مِلْكًا لَهُمَا، أَوْ لِأَحَدِهِمَا، أَوْ لِغَيْرِهِمَا.
فَاخْتَلَفَ فِي مَتَاعِهَا الَّذِي فِيهَا مِنْ آلَةٍ، وَبُسُطٍ وَفُرُشٍ، وَدَرَاهِمَ، وَدَنَانِيرَ، وَادَّعَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِنَفْسِهِ، أَوْ مَاتَا فَاخْتَلَفَ فِيهِ وَرَثَتُهُمَا أَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا.
فَاخْتَلَفَ فِيهِ الْبَاقِي وَوَرَثَةُ الْمَيِّتِ، أَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي أَخٍ، أَوْ أُخْتٍ، وَكَانَا يَسْكُنَانِ دَارًا، اخْتَلَفَا فِي مَتَاعِهَا.
فَكُلُّ ذَلِكَ سَوَاءٌ.
فَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ بِمِلْكِ مَا ادَّعَاهُ، حُكِمَ بِهَا، وَإِنْ عَدِمَا الْبَيِّنَةَ مَعَ اخْتِلَافِهِمَا فِيهِ، فَهُمَا مُشْتَرَكَانِ فِي الْيَدِ حُكْمًا، وَيَدُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى نِصْفِهِ، فَيَتَحَالَفَانِ عَلَيْهِ وَيُجْعَلُ بَيْنَهُمَا بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا نِصْفَيْنِ، وَيَشْتَرِكَانِ فِيمَا يَخْتَصُّ بِالرِّجَالِ.
كَالْعَمَائِمِ، وَالطَّيَالِسَةِ، وَالْأَقْبِيَةِ وَالسِّلَاحِ.
وَفِيمَا يُخْتَصُّ بِالنِّسَاءِ كَالْحُلِيِّ، وَالْمَقَانِعِ، وَمُصَبَّغَاتِ الثِّيَابِ، وَقُمُصِ النِّسَاءِ.
وَفِيمَا يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ، وَالنِّسَاءِ، مِنَ الْبُسُطِ، وَالْفُرُشِ، وَالْآلَةِ، وَلَا يَخْتَصُّ الرِّجَالُ بِآلَةِ الرِّجَالِ، وَلَا النِّسَاءُ بِآلَةِ النِّسَاءِ، وَيَسْتَوِي فِيهَا يَدُ الْمُشَاهَدَةِ، وَيَدُ الْحُكْمِ.
وَيَدُ الْمُشَاهَدَةِ أَنْ يَكُونَ مَقْبُوضًا فِي أَيْدِيهِمَا، وَيَدُ الْحُكْمِ أَنْ يَكُونَ فِي مِلْكِهِمَا.

وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: يُجْعَلُ مَا يَخْتَصُّ بِالرِّجَالِ لِلرِّجَالِ، وَمَا يَخْتَصُّ بِالنِّسَاءِ لِلنِّسَاءِ، فِي يَدِ الْمُشَاهَدَةِ وَيَدِ الْحُكْمِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ كَانَتْ أَيْدِيهِمَا يَدَ مُشَاهَدَةٍ كَانَتْ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كان يَدَ حُكْمٍ، كَانَ مَا يَخْتَصُّ بِالرِّجَالِ لِلزَّوْجِ، وَمَا يَخْتَصُّ بِالنِّسَاءِ لِلزَّوْجَةِ.
وَمَا يَصِحُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَكُونُ لِلزَّوْجِ دُونَ الزَّوْجَةِ، فَإِنْ مَاتَا قَامَ وَرَثَتُهُمَا مَقَامَهُمَا.
وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا، وَبَقِيَ الْآخَرُ كَانَ الْقَوْلُ فِي جَمِيعِهِ قَوْلَ الْبَاقِي مِنْهُمَا، فَصَارَ مُخَالِفًا لَنَا فِي خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا: فِي يَدِ الْمُشَاهَدَةِ، وَيَدِ الْحُكْمِ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَهُمَا عِنْدَنَا سَوَاءٌ.
وَالثَّانِي: فِيمَا يَخْتَصُّ بِالرِّجَالِ جَعَلَهُ لِلزَّوْجِ، وَهُوَ عِنْدَنَا بَيْنَهُمَا.
وَالثَّالِثُ: مَا يَخْتَصُّ بِالنِّسَاءِ جَعَلَهُ لِلزَّوْجَةِ، وَهُوَ عِنْدَنَا بَيْنَهُمَا.
وَالرَّابِعُ: فِيمَا يَصْلُحُ لَهُمَا جَعَلَهُ لِلزَّوْجِ، وَهُوَ عِنْدَنَا بَيْنَهُمَا.
وَالْخَامِسُ: فِي مَوْتِ أَحَدِهِمَا جَعَلَهُ لِلْبَاقِي مِنْهُمَا، وَهُوَ عِنْدَنَا بَيْنَهُمَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ، فِيمَا جَرَتِ الْعَادَةُ، أَنْ يَكُونَ جِهَازًا لِمِثْلِهَا، وَقَوْلُ الزَّوْجِ فِيمَا جَرَتِ الْعَادَةُ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِيهِ.
وَقَالَ زُفَرُ بِمَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ، وَهُوَ فِي الصَّحَابَةِ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَاسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ فِي تَفْصِيلِ الْمَتَاعِ وَتَمْيِيزِهِ عَلَى الْفَرْقِ فِي الْمُشَاهَدَةِ بَيْنَ يَدِ الْمُشَاهَدَةِ وَيَدِ الْحُكْمِ، أَنَّ يَدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْمُشَاهَدَةِ عَلَى نِصْفِهِ، وَفِي الْحُكْمِ عَلَى جَمِيعِهِ.
بِدَلِيلِ أَنَّ مُدَّعِيًا لَوِ ادَّعَاهُ فِي يَدِ الْمُشَاهَدَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَدَّعِيَ جَمِيعَهُ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَخْتَصَّ أَحَدُهُمَا بِالدَّعْوَى دُونَ الْآخَرِ، وَلَوِ ادَّعَاهُ فِي يَدِ الْحُكْمِ جَازَ لَهُ أَنْ يَدَّعِيَ جَمِيعَهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ يَدَ الْمُشَاهَدَةِ، يَدٌ عَلَى نِصْفِهِ، وَيَدَ الْحُكْمِ يَدٌ عَلَى جَمِيعِهِ، فَافْتَرَقَا فَلِذَلِكَ مَا افْتَرَقَا فِيهِ، إِذَا تَنَازَعَا، وَاسْتَدَامَا عَلَى التَّفْصِيلِ فِي يَدِ الْحُكْمِ، فَإِنْ مُنِعَ مِنْهُ فِي يَدِ الْمُشَاهَدَةِ، فَإِنَّ يَدَ الْحُكْمِ أَقْوَى مِنْ يَدِ الْمُشَاهَدَةِ، فِي اسْتِيلَائِهِمَا فِي الْحُكْمِ، عَلَى جَمِيعِهِ وَاخْتِصَاصِهَا فِي الْمُشَاهَدَةِ عَلَى نِصْفِهِ، فَلَمَّا وَقَعَ التَّرْجِيحُ فِي يَدِ الْمُشَاهَدَةِ بَيْنَ رَاكِبِ الدَّابَّةِ، وَقَائِدِهَا، فِي جَعْلِ الدَّابَّةِ لِرَاكِبِهَا دُونَ قَائِدِهَا، اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ، كَانَ التَّرْجِيحُ فِي يَدِ الْحُكْمِ، بِاعْتِبَارِ الْعُرْفِ أَوْلَى.
وَرُبَّمَا حَرَّرُوا قِيَاسًا، وَقَالُوا: كُلُّ يَدٍ ثَبَتَ بِهَا الِاسْتِحْقَاقُ، جَازَ أَنْ يَقَعَ فِيهَا التَّرْجِيح قِيَاسًا عَلَى يَدِ الْمُشَاهَدَةِ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى أَنَّ الْأَثَاثَ، وَآلَتَهُ، مُخْتَصٌّ بِالزَّوْجِ دُونَهَا فَإِنَّهُ السَّابِقُ إِلَى اقْتِنَائِهِ، وَالْمُنْفَرِدُ بِابْتِيَاعِهِ، فَصَارَ فِيهِ أَرْجَحَ، فَاخْتَصَّ به دونهما وَاسْتَدَلُّوا عَلَى أَنَّ الْحَيَّ مِنْهُمَا، أَحَقُّ بِهِ مِنْ وَرَثَةِ الْمَيِّتِ، فَإِنَّهُ أَسْبَقُ يَدًا، وَأَقْوَى

تَصَرُّفًا، وَأَظْهَرُ عِلْمًا، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الْحَادِثَةَ، إِذَا حَاذَاهَا أَصْلَانِ أُلْحِقَتْ بِأَقْوَاهُمَا شَبَهًا بِهَا، كَالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَدَلِيلُنَا عَلَيْهِمْ فِي الْجَمِيعِ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ " وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَ اشْتِرَاكِهِمَا فِي الْيَدِ مُدَّعٍ، وَمُدَّعًى عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّهُ أَثَرٌ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ، فَصَارَ كَالْإِجْمَاعِ.
وَلِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ فِي الْيَدِ يَمْنَعُ مِنَ التَّرْجِيحِ بِالْعُرْفِ.
قِيَاسًا عَلَى يَدِ الْمُشَاهَدَةِ.
وَلِأَنَّ مَا لَمْ يَتَرَجَّحْ بِهِ يَدُ الْمُشَاهَدَةِ، لَمْ يَتَرَجَّحْ بِهِ يَدُ الْحُكْمِ، كَتَنَازُعِ الدَّبَّاغِ، وَالْعَطَّارِ فِي عِطْرِهِ، وَدِبَاغَتِهِ.
وَلِأَنَّ مَا يَسْقُطُ فِيهِ اعْتِبَارًا الْعُرْفُ فِي الْيَدِ الْمُفْرَدَةِ، سَقَطَ فِيهِ اعْتِبَارُهُ فِي الْيَدِ الْمُشْتَرَكَةِ، كَالْغَنِيِّ، وَالْفَقِيرِ، فِي اللُّؤْلُؤِ، وَالْجَوْهَرِ.
وَلَوْ كَانَ الْعُرْفُ مَعَ اشْتِرَاكِ الْيَدِ مُعْتَبَرًا، لَأَوْجَبَ تَنَازُعَ الْعَطَّارِ، وَالدَّبَّاغِ فِي الْعِطْرِ وَالدِّبَاغَةِ أَنْ يَجْعَلَ العطر للعطار والدباغة للدباغ، وفي تنازغ الْغَنِيِّ، وَالْفَقِيرِ، فِي اللُّؤْلُؤِ وَالْجَوْهَرِ أَنْ تُجْعَلَ لِلْغَنِيِّ دُونَ الْفَقِيرِ، وَفِي أَمْثَالِ ذَلِكَ مِنْ آلَاتِ الصُّنَّاعِ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَهُ فَكَذَلِكَ فِي أَثَاثِ الْبَيْتِ، وَهَذَا إِلْزَامٌ لَا يَتَحَقَّقُ عَنْهُ انْفِصَالٌ وَيَدُ الْمُشَاهَدَةِ، تَدْفَعُ جَمِيعَ مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا قَالُوهُ إَنَّ يَدَ الحاكم تُوجِبُ اسْتِيلَاءَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى جَمِيعِهِ، اسْتِشْهَادًا بِمَا ذَكَرُوهُ، فَهِيَ أَنَّهَا دَعْوَى نُخَالِفُهُمْ فِيهَا، وَلَيْسَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي يَدِ الحكم، أن يدعيه إلا عليها، وَلَا يَدَّعِيَهُ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَإِنَّمَا يَخْتَصُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِدَعْوَى نِصْفِهِ، كَالْيَدِ الْمُشَاهَدَةِ فَبَطَلَ احْتِجَاجُهُمْ بِهِ، ثُمَّ لَمَّا صَارَتْ يَدُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى جَمِيعِهِ، أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا لِتَفَرُّدِ أَحَدِهِمَا بِبَعْضِهِ، وَعَكْسُهُ فِي يَدِ الْمُشَاهَدَةِ أَشْبَهُ، لِتَفَرُّدِهِ بِالْيَدِ عَلَى الْبَعْضِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَلَى مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ مِنْ رَاكِبِ الدَّابَّةِ، وَقَائِدِهَا، فَهُوَ أَنَّ أَصْحَابَنَا قَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمَا فِيهِ سَوَاءٌ، فَسَقَطَ الِاسْتِدْلَالُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الرَّاكِبَ أَحَقُّ بِهَا مِنَ الْقَائِدِ، لِأَنَّ لِلرَّاكِبِ مَعَ الْيَدِ تَصَرُّفًا، لَيْسَ لِلْقَائِدِ كَلَابِسِ الثَّوْبِ، وَمُمْسِكِهِ يَكُونُ اللَّابِسُ أَحَقُّ بِهِ مِنَ الْمُمْسِكِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا اسْتَدَلُّوا بِهِ مِنَ الْأَثَاثِ، مِنْ سُبُوقِ يَدِ الرَّجُلِ عَلَيْهِ فَهُوَ أَنَّهَا دَعْوَى مَدْفُوعَةٌ، لِجَوَازِ أَنْ تَسْبِقَ يَدُ الْمَرْأَةِ عَلَيْهِ بِصَنْعَةٍ أَوِ ابْتِيَاعٍ مِنْ صَانِعٍ، وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ

قَدْ تَرِثُ مَتَاعَ الرَّجُلِ، وَالرَّجُلَ قَدْ يَرِثُ مَتَاعَ النِّسَاءِ، وَإِنْ كَانَ فِي مِيرَاثِ مَتَاعِ الرِّجَالِ، وَمَتَاعِ النِّسَاءِ، فَلَا يَكُونُ لِأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ يَدٌ سَابِقَةٌ، وَلَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِمَتَاعِ جِهَةٍ دُونَ صَاحِبِهِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِتَرْجِيحِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، فَهُوَ أَنَّ تَعَارُضَ الْأُصُولِ فِي الْأَحْكَامِ يُوجِبُ تَغْلِيبَ الْأَشْبَهِ، لِاعْتِبَارِ الشَّبَهِ فِيهِ إِذَا انْفَرَدَ، وَلَمَّا كَانَتِ الْأَمْلَاكُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا شَبَهُ الْعُرْفِ فِي الْيَدِ الْمُنْفَرِدَةِ، لَمْ يُعْتَبَرْ فِي الْيَدِ الْمُشْتَرِكَةِ، كَمَا لَا يُعْتَبَرُ فِي يَدِ الْمُشَاهَدَةِ.

(فَصْلٌ)

: إِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي تَسَاوِي الزَّوْجَيْنِ، فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ، تَحَالَفَا عَلَيْهِ عِنْدَ عَدَمِ الْبَيِّنَةِ، وَحَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى نِصْفِهِ، لِأَنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى مَا فِي يَدِهِ، وَلَا يَحْلِفُ عَلَى مَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى جَمِيعِهِ، لِأَنَّ عِنْدَهُ أَنَّ يَدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى جَمِيعِهِ، وَهَذَا فَاسِدٌ، لِأَنَّ الْيَدَ مَا اخْتَصَّتْ بِالشَّيْءِ، وَمِنَ الْمُمْتَنِعِ أَنْ يَخْتَصَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِكُلِّ الْمَتَاعِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَيْسَ يَمْتَنِعُ هَذَا كَمَا لَمْ يَمْتَنِعْ فِي الرَّهْنِ، إِذَا أَوْجَبَ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُرْتَهِنِ، وَالْمُسْتَأْجِرِ يَدٌ عَلَى جَمِيعِهِ.
قِيلَ: يَدُهُمَا فِي الرَّهْنِ مُخْتَلِفَةٌ، لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ مُسْتَوْثِقٌ بِالرَّقَبَةِ، وَالْمُسْتَأْجِرَ مُسْتَوْثِقٌ بِالْمَنْفَعَةِ، وَيَدَهُمَا فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ مُتَّفِقَةٌ، فَامْتَنَعَ فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ وَإِنْ لَمْ يَمْتَنِعْ فِي الرَّهْنِ.
وَإِذَا وَجَبَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَنْ يَحْلِفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى نِصْفِهِ، لَا عَلَى جميعه فلها ثلاثة أحوال: أحدها: أَنْ يَحْلِفَا، فَيُجْعَلُ بَيْنَهُمَا مِلْكًا.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَنْكُلَا فَيُجْعَلُ بَيْنَهُمَا يَدًا.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَحْلِفَ أَحَدُهُمَا وَيَنْكُلَ الْآخَرُ، فَيُحْكَمُ لِلْحَالِفِ بِالنِّصْفِ، وَيَكُونُ النِّصْفُ الَّذِي فِي يَدِ النَّاكِلِ تُرَدُّ الْيَمِينُ فِيهِ عَلَى الْحَالِفِ فَإِنْ حَلَفَ الْيَمِينَ الثَّانِيَةَ فِي الرَّدِّ، حُكِمَ لَهُ بِالْجَمِيعِ، نِصْفُهُ بِيَمِينِهِ عَلَى مَا فِي يَدِهِ، وَنِصْفُهُ بِيَمِينِ الرَّدِّ بَعْدَ نُكُولِ صَاحِبِهِ، وَإِنِ امْتَنَعَ فِي يَمِينِ الرَّدِّ لَمْ يُحْكَمْ لَهُ، إِلَّا فِي النِّصْفِ الَّذِي حَلَفَ بِيَمِينِ الْيَدِ وَكَانَ النِّصْفُ الَّذِي فِي يَدِ النَّاكِلِ مُقَرًّا عَلَيْهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

(بَابُ أَخْذِ الرَّجُلِ حَقَّهُ مِمَّنْ يَمْنَعُهُ إِيَّاهُ)

(مسألة)

: قال الشافعي رضي الله عنه: " وكانت هند زوجة لأبي سفيان وكانت القيم عَلَى وَلَدِهَا لِصِغَرِهِمْ بِأَمْرِ زَوْجِهَا فَأَذِنَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَمَّا شَكَتْ إِلَيْهِ أَنْ تَأْخُذَ مِنْ مَالِهِ مَا يَكْفِيهَا وَوَلَدَهَا بِالْمَعْرُوفِ فَمِثْلُهَا الرَّجُلُ يَكُونُ لَهُ الْحَقُّ عَلَى الرَّجُلِ فَيَمْنَعُهُ إِيَّاهُ فَلَهُ أن يأخذ من ماله حيث وجده بوزنه أو كيله فإن لم يكن له مثل كانت قيمته دنانير أو دراهم فإن لم يجد له مالا باع عرضه واستوفى من ثمنه حقه فإن قيل فَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " أد إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ " قيل إنه ليس بثابت ولو كان ثابتا لم تكن الخيانة ما أذن بأخذه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وإنما الخيانة أن آخذ له درهما بعد استيفائه درهمي فأخونه بدرهم كما خانني في درهمي فليس لي أن أخونه بأخذ ما ليس لي وإن خانني ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ، فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ عَلَى مُقِرٍّ وَمَلِيءٍ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ مِنْهُ مَتَى طَالَبَهُ بِهِ، فَلَا يَجُوزُ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ مَالِ الْغَرِيمِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَإِنْ أَخَذَهُ كَانَ آثِمًا، وَعَلَيْهِ رَدُّهُ، وَإِنْ كَانَ جِنْسَ دَيْنِهِ، لِأَنَّ لِمَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَنْ يَقْضِيَهُ مِنْ أَيِّ أَمْوَالِهِ شَاءَ، وَلَا يَتَعَيَّنُ فِي بَعْضِهِ، وَيَجْرِي عَلَى مَا أَخَذَهُ حُكْمُ الْغَاصِبِ، عَلَى أَنْ يَرُدَّ مَا أَخَذَهُ، وَلَهُ أَنْ يُطَالِبَ بِمَا وَجَبَ لَهُ، وَلَا يَكُونُ قِصَاصًا، لِأَنَّ الْقِصَاصَ يَخْتَصُّ بِمَا فِي الذِّمَمِ، دُونَ الْأَعْيَانِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَقْدِرَ صَاحِبُ الدَّيْنِ عَلَى قَبْضِ دَيْنِهِ، فَهُوَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقْدِرَ عَلَى أَخْذِهِ مِنْهُ بِالْمُحَاكَمَةِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَعْجِزَ عَنْهُ.
فَإِنْ عَجَزَ عَنْ أَخْذِهِ مِنْهُ بِالْمُحَاكَمَةِ، وَذَلِكَ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إِمَّا لِامْتِنَاعِ الْغَرِيمِ بِالْقُوَّةِ، وَإِمَّا لِجُحُودِهِ مَعَ عَدَمِ الْبَيِّنَةِ، فَيَجُوزُ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ غَرِيمِهِ

قَدْرَ دَيْنِهِ سِرًّا، بِغَيْرِ عِلْمِهِ.
فَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ، لَمْ يَتَجَاوَزْ إِلَى غَيْرِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ مِنْ جِنْسِهِ، جَازَ أَنْ يَعْدِلَ إِلَى غَيْرِ جِنْسِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ وَمِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا، وَإِنْ قَدَرَ صَاحِبُ الدَّيْنِ عَلَى أَخْذِهِ بِالْمُحَاكَمَةِ، وَعَجَزَ عَنْهُ بِغَيْرِ الْمُحَاكَمَةِ، وَذَلِكَ لِأَحَدِ وَجْهَيْنِ إِمَّا لِمَطْلِهِ مَعَ الْإِقْرَارِ، أَوِ الْإِنْكَارِ مَعَ وُجُودِ الْبَيِّنَةِ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقْدِرَ عَلَى أَخْذِ دَيْنِهِ سِرًّا مِنْ جِنْسِهِ، فَيَجُوزُ أَخْذُهُ مِنْهُ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، لِأَنَّ إِحْوَاجَهُ إِلَى الْمُحَاكَمَةِ عُدْوَانٌ مِنَ الْغَرِيمِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى أَخْذِهِ، إِلَّا مِنْ غير جنسه ففي جواز أخذه سراً بعير علمه وجهان: أحدهما: يجوز تعليلاً بما ذكرنا مِنْ عُدْوَانِ الْغَرِيمِ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ، أَنْ يَنْفَرِدَ بِبَيْعِهِ مِنْ غَيْرِ حَاكِمٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ إِلَّا بِالْمُحَاكَمَةِ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ بِمَا يَزُولُ عَنْهُ الْهَمُّ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ صَاحِبَ الدَّيْنِ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ، إِلَّا بِالْحَاكِمِ فَهَذَا شَرْحُ مَذْهَبِنَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ قَدَرَ عَلَى أَخْذِ دَيْنِهِ إِذَا لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ مِنْ غَرِيمِهِ، أَنْ يَأْخُذَ مِنْ جِنْسِهِ، جَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ دَيْنُهُ دَرَاهِمَ فَوَجَدَ دَنَانِيرَ، أَوْ دَنَانِيرَ فَوَجَدَ دَرَاهِمَ، لِأَنَّهَا مِنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ، وَإِنْ تَنَوَّعَتْ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ إِلَّا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ فِي الْأَمْتِعَةِ وَالْعُرُوضِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُهُ، احْتِجَاجًا بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " أَدِّ الْأَمَانَةَ لِمَنِ ائْتَمَنَكَ وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ ". وَبِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لا يحل مال امرىء مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ " وَلِأَنَّهُ مَالٌ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْخُذَهُ قِيَاسًا عَلَى مَا فِي يَدِ الْغَرِيمِ مِنْ رُهُونٍ، وَوَدَائِعَ.
وَلِأَنَّهُ إِذَا أَخَذَهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ حَقِّهِ لَمْ يَحِلَّ أَنْ يأخذه لأنه [إما أن] يَمْلِكَهُ أَوْ يَبِيعَهُ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ لِأَنَّهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ حَقِّهِ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَبِيعَهُ، لِأَنَّهُ لَا وَلَايَةَ لَهُ عَلَى بَيْعِهِ.
فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ لَهُ حَقٌّ فِي أَخْذِهِ.
وَدَلِيلُنَا مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " لِصَاحِبِ الْحَقِّ يَدٌ وَمَقَالٌ ". فَكَانَتِ الْيَدُ عَلَى الْعُمُومِ.
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ عِيَاضٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ هِنْدَ امْرَأَةَ أَبِي سُفْيَانَ قَالَتْ: إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وَإِنَّهُ لَا يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي، وَوَلَدِي، إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْهُ سِرًّا.
فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ ".

وَلِأَنَّ مِنَ الْحُقُوقِ الْمُخْتَلِفَةِ مَا يَتَعَذَّرُ وُجُودُ جِنْسِهَا فِي مَالِهِ، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ أَخْذِهِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ وَمِنْ جِنْسِهِ، وَلِأَنَّ مَنْ جَازَ لَهُ أَخْذُ دَيْنِهِ مِنْ جِنْسِهِ جَازَ لَهُ أَخْذُهُ مَعَ تَعَذُّرِ الْجِنْسِ أَنْ يُأْخَذَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ قِيَاسًا عَلَى أَخْذِ الدَّرَاهِمِ بِالدَّنَانِيرِ، وَالدَّنَانِيرِ، بِالدَّرَاهِمِ.
وَلِأَنَّ مَنْ جَازَ أَنْ يُقْضَي مِنْهُ دَيْنُهُ، جَازَ أَنْ يَتَوَصَّلَ مُسْتَحِقُّهُ إِلَى أَخْذِهِ، إِذَا امْتَنَعَ بِحَسَبِ الْمُمْكِنِ قِيَاسًا عَلَى الْمُحَاكَمَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَالْحَاكِمُ يُجْبِرُ عَلَى الْبَيْعِ وَلَا يَبِيعُ عَلَيْهِ.
قِيلَ: عِنْدَنَا يَبِيعُ عَلَيْهِ فِي دَيْنِهِ، إِذَا امْتَنَعَ مِنْ بَيْعِهِ سَوَاءٌ، كَانَ مَالُهُ عُرُوضًا، أَوْ عَقَارًا.
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ مَنَعَ مِنَ بَيْعِ الْعَقَارِ فِي الدُّيُونِ، وَهُوَ عِنْدَنَا مَبِيعٌ عَلَيْهِ، فِي الْحَالَيْنِ جَبْرًا، لِأَنَّ جَمِيعَ الدُّيُونِ تُقْضَى مِنْ جَمِيعِ الْأَمْوَالِ كَدَيْنِ الْمَيِّتِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عن قولهم: " لا يحل مال امرىء مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ " فَهُوَ إِنْ حَمَلَهُ عَلَى أَنْ لَا يَدْفَعَ صَاحِبُ الدَّيْنِ مِنْ دَيْنِهِ، وَهُوَ مَظْلُومٌ، أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، وَهُوَ ظَالِمٌ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: " أَدِّ الْأَمَانَةَ لِمَنِ ائْتَمَنَكَ وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ ". وَهُوَ أَنَّ الْأَمَانَةَ هِيَ الْوَدِيعَةُ، تُؤَدَّى إِلَى مَالِكِهَا، وَلَيْسَ مَالُ الْغَرِيمِ وَدِيعَةً، يَكُونُ أَمَانَةً وَقَوْلِهِ: " وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ " فَلَيْسَ مُسْتَوْفِي حَقِّهِ خَائِنًا، فَلَمْ يَتَوَجَّهْ إِلَيْهِ الْخِطَابُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا مَعْنَى الْخَبَرِ.
قِيلَ: يُحْمَلُ مَعْنَاهُ مَعَ ضَعْفِهِ، عِنْدَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إِمَّا عَلَى الْأَعْرَاضِ، إِذَا هُتِكَتْ وَالْحُقُوقِ إِذَا بَطَلَتْ وَإِمَّا عَلَى الْوَدَائِعِ، إِذَا جُحِدَتْ ثُمَّ أُدِّيَتْ.
وَأَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى مَا فِي يَدِهِ مِنْ رُهُونٍ وَوَدَائِعَ، فَتِلْكَ لَا يَمْلِكُهَا فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تؤخذ في دينه، وهذا ما له فَجَازَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ دَيْنِهِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِالتَّقْسِيمِ فِي أَخْذِهِ مِلْكًا، أَوْ مبيعا فإنه يَنْقَسِمُ يُؤْخَذُ فِي أَخْذِ الدَّرَاهِمِ عَنِ الدَّنَانِيرِ والدنانير عن الدراهم، ولا يمنع جَوَازُهُ، فَكَذَلِكَ فِي غَيْرِهِ عَلَى أَنَّ لَنَا فِي الْبَيْعِ مَا سَنَذْكُرُهُ.

(فَصْلٌ)

: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ لَهُ أَخْذَهُ مِنْ جِنْسِهِ، وَمِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ.
قِيلَ لَهُ: إِنْ قَدَرْتَ عَلَيْهِ مِنْ جِنْسِ حَقِّكَ، لَمْ يَكُنْ لَكَ أَنْ تَعْدِلَ إِلَى غَيْرِ جِنْسِكَ.
وَكُنْتَ فِي أَخْذِهِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ مُتَعَدِّيًا فَإِنْ كَانَ حَقُّكَ دَرَاهِمَ لَمْ يَكُنْ لَكَ أَنْ تَأْخُذَهُ إِلَّا دَرَاهِمَ، وَإِنْ كَانَ حَقُّكَ دَنَانِيرَ، لَمْ يَكُنْ لَكَ أَنْ تَأْخُذَهُ إِلَّا دَنَانِيرَ، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ حَقُّكَ بُرًّا، أَوْ شَعِيرًا أَخَذْتَ جِنْسَ حَقِّكَ مِنَ الْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ.

وَلَهُ أَنْ يَبِيعَ بِوَزْنِهِ، وَكَيْلِهِ وَيَصِيرَ بِأَخْذِهِ فِي ضَمَانِهِ، وَعَلَى مِلْكِهِ.
وَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ جِنْسُ حَقِّهِ وَعَدَلَ إِلَى غَيْرِ جِنْسِهِ جَازَ فَإِذَا أَخَذَهُ فَفِي حُكْمِ يَدِهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهَا يَدُ أَمَانَةٍ، لَا تُوجِبُ الضَّمَانَ، حَتَّى تُبَاعَ فَيَسْتَوْفِي حَقَّهُ مِنْهُ كَالرَّهْنِ.
فَعَلَى هَذَا لَوْ تَلَفَ فِي يَدِهِ قَبْلَ بَيْعِهِ، كَانَ حَقُّهُ بَاقِيًا، وَجَازَ أَنْ يَعُودَ إِلَى مَالِ الْغَرِيمِ ثَانِيَةً، فَيَأْخُذَ مِنْهُ بِقَدْرِ دَيْنِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ يَدَهُ ضَامِنَةٌ لِمَا أَخَذَهُ قَبْلَ بَيْعِهِ، وَبَعْدَهُ بِخِلَافِ الرَّهْنِ، لِأَنَّ الرَّهْنَ عَنْ مُرَاضَاةٍ، وَهَذَا عَنْ إِجْبَارٍ.
فَعَلَى هَذَا إِنْ تَلَفَ فِي يَدِهِ كَانَتْ قِيمَتُهُ قِصَاصًا عَنْ دَيْنِهِ إِذَا تَجَانَسَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ.
وَإِذَا كَانَ مَا أَخَذَهُ بَاقِيًا، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْتَبْقِيَهُ فِي يَدِهِ رَهْنًا، لِأَنَّ الرَّهْنَ عَقْدٌ لَا يَتِمُّ إِلَّا عَنْ مُرَاضَاةٍ تُبْذَلُ، وَقَبُولٍ فَإِنِ اسْتَبْقَاهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى بَيْعِهِ، وَأَخَذَ حَقَّهُ مِنْ ثَمَنِهِ، ضِمْنَهُ وَجْهًا وَاحِدًا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ مِنْ غَيْرِ بَيْعِهِ، فَإِذَا أَرَادَ بَيْعَهُ فِي حَقِّهِ، فَلِأَصْحَابِنَا فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى بَيْعَهُ بِنَفْسِهِ، لِتَعَذُّرِ بَيْعِ الْحَاكِمِ لَهُ، إِذَا تَعَذَّرَتِ الْبَيِّنَةُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى بَيْعَهُ بِنَفْسِهِ، لِامْتِنَاعِ أَنْ يَتَفَرَّدَ بِبَيْعِ مِلْكِ غَيْرِهِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ كَالرَّهْنِ وَيَتَوَصَّلُ إِلَى بَيْعِ الْحَاكِمِ لَهُ، بِأَنْ يَأْتَمِنَ عَلَيْهِ رَجُلًا، وَيُحْضِرَهُ إِلَى الْحَاكِمِ، وَيَدَّعِيَ عَلَيْهِ أَنَّ لَهُ دَيْنًا عَلَى غَرِيمٍ وَقَدْ اؤْتُمِنَ هَذَا عَلَى مَا فِي يَدِهِ أَنْ يَبِيعَهُ فِي دَيْنِي، وَأَسْأَلُ إِلْزَامَهُ بَيْعَ ذَلِكَ، وَإِلْزَامَهُ قَضَاءَ دَيْنِي مِنْ ثَمَنِهِ وَيَعْتَرِفُ الْحَاضِرُ بِمَا ادَّعَاهُ مِنَ الدَّيْنِ وَائْتِمَانِهِ عَلَى مَا فِي يَدِهِ.
لِيُبَاعَ فِي دَيْنِهِ، فَيَأْمُرُ الْحَاكِمُ بِبَيْعِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَسْأَلَهُ الْحَاكِمُ مَعَ يَدِهِ وَاعْتِرَافِهِ عَنْ جُمْلَةِ الدَّيْنِ، وَلَهُ مِلْكُ الْعَيْنِ، فَيَصِحُّ الْبَيْعُ بِإِذْنِهِ، وَيَصِلُ صَاحِبُ الدَّيْنِ إِلَى حَقِّهِ مِنْ ثَمَنِهِ، وَقَدْ حُكِيَ عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ غَيْرُ هَذَا، وَأَنَّهُ يَتَوَصَّلُ إِلَيْهِ بِأَنْ يَدَّعِيَ الدَّيْنَ عَلَى الْمَدْفُوعِ ذَلِكَ إِلَيْهِ، وَيُوَافِقَهُ عَلَى إِقْرَارِهِ، وَأَنَّ مَا بِيَدِهِ مِلْكُهُ، حَتَّى يَأْمُرَهُ الْحَاكِمُ بِبَيْعِهِ، وهذا كذب صراح والأول محال محتمل، وذكر صريح الكذب حرام وَكَذَا التَّحَيُّلُ الْمَوْضُوعُ يَتَنَزَّهُ عَنْهُ أَهْلُ الْوَرَعِ وَالتَّحَرُّجِ فَدَعَتِ الضَّرُورَةُ إِلَى اسْتِعْمَالِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ.
والله أعلم بالصواب.

بسم الله الرحمن الرحيم

فصول الكتاب · 30 فصل · 608 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الحاوي الكبير · 608 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كِتَابُ الْبُيُوعِ
كتاب الإقرار
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كتاب العارية
كتاب الغصب
كِتَابُ الشَّرْطِ فِي الرَّقِيقِ يَشْتَرِطُهُمُ الْمُسَاقِي
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ الْعَطَايَا وَالصَّدَقَاتِ
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب الصداق
كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع
كتاب السير
كتاب مختصر الجامع من كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب النذور
كِتَابُ الْعِتْق
كتاب عتق أمهات الأولاد من كتب
جارٍ التحميل