كتاب النذور
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الماوردي
- الكتاب
- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
- المحقق
- الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1419 هـ -1999 م
- عدد الأجزاء
- 19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُقْبَضُ الدَّيْنُ، وَإِنْ وَجَبَ قَبْضُ الْأَعْيَانِ وَيُسْتَبْقَى فِي ذِمَّةِ الْغَرِيمِ بِخِلَافِ الْمُعَيَّنِ، لِأَنَّ قَبْضَهُ لِلْغَائِبِ مُعْتَبَرٌ بِالْأَحْوَطِ، وَاسْتِبْقَاؤُهُ فِي ذِمَّةٍ مَضْمُونَةٍ أَوْلَى مِنْ قَبْضِهِ بِتَرْكِهِ أَمَانَةً إِلَّا أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ عَلَى غَيْرِ ملي، فيقبض وجها واحدا.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ عَدَدُهُمْ وَقَفَ مَالَهُ وَتَلوَّمَ به ويسأل عن البلدان التي وطئها هَلْ لَهُ فِيهَا وَلَدٌ؟ فَإِذَا بَلَغَ الْغَايَةَ الَّتِي لَوْ كَانَ لَهُ فِيهَا وَلَدٌ لَعَرَفَهُ وَادَّعَى الِابْنُ أَنْ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ أَعْطَاهُ الْمَالَ بِالضَّمِينِ وَحُكِيَ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ لَهُ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ لَهُ وَارِثَا غَيْرَهُ فَإِذَا جَاءَ وَارِثٌ غَيْرُهُ أَخَذَ الضُّمَنَاءُ بِحَقِّهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي الْبَيِّنَةِ الْكَامِلَةِ إِذَا أَقَامَهَا الِابْنُ الْحَاضِرُ وَوُجُوبُ الْحُكْمِ بِهَا لِلْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ.
فَأَمَّا الْبَيِّنَةُ النَّاقِصَةُ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَشْهَدَ بِالدَّارِ لِلْمَيِّتِ، وَلَا تَشْهَدَ لِلْحَاضِرِ بِالْبُنُوَّةِ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ حَقٌّ لِلْحَاضِرِ، وَلَا لِلْغَائِبِ، وَتَكُونُ الدَّارُ مُقَرَّةً فِي يَدِي مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ، لِأَنَّ دَعْوَاهَا لَمْ تُسْمَعْ مِنْ مُسْتَحِقٍّ لَهَا فَلَمْ يَكُنْ لِبَيِّنَتِهِ تَأْثِيرٌ، حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ثُبُوتِ نَسَبِهِ.
فَإِذَا أَقَامَهَا وَثَبَتَ نَسَبُهُ بِهَا، اسْتَغْنَى عَنْ إِعَادَةِ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةَ، وَإِنْ كَانَا قَبْلَ ثُبُوتِ النَّسَبِ، لِأَنَّ مَا قَدَّمَهُ مِنَ الدَّعْوَى قَدْ تَضَمَّنَتِ الدَّارَ وَالنَّسَبَ عَلَى وَجْهٍ صَحَّ بِهِ سَمَاعُهَا وَلَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَتُهُ الْأَوْلَى بِالدَّارِ وَالنَّسَبِ، حُكِمَ لَهُ بِهَا كَذَلِكَ، إِذَا شَهِدَتِ الْأَوْلَى بِالدَّارِ، وَشَهِدَتِ الثَّانِيَةُ بِالنَّسَبِ حُكِمَ بِهِمَا.
وَلَوِ اسْتَأْنَفَ الدَّعْوَى، وَأَعَادَ الْبَيِّنَةَ كَانَ أَوْلَى.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ بِالدَّارِ لِلْمَيِّتِ، وَتَشْهَدَ لِلْحَاضِرِ بِالْبُنُوَّةِ، وَلَا تَشْهَدَ أَنْ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ، فَقَدْ قَامَتِ الْبَيِّنَةُ بِهِمَا وَكَانَ مَالِكًا لِنَصِيبٍ مَجْهُولٍ مِنَ الدَّارِ، لَا يُعْلَمُ قَدْرُهُ.
وَلَهُ حَالَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَقْدِرَ عَلَى إِقَامَةِ بَيِّنَةٍ بِأَنْ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يَعْجِزَ.
فَإِنْ قَدَرَ عَلَى إِقَامَتِهَا، وَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ، بِأَنْ لَا وَارِثَ غَيْرُهُ نَظَرَ فِي الْبَيِّنَةِ.
فَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ الْبَاطِنَةِ بِالْمَيِّتِ، عَلَى قَدِيمِ الْوَقْتِ وَحُدُوثِهِ فِي حَضَرِهِ وَسَفَرِهِ سُمِعَتْ، وَحُكِمَ لَهُ بِالْمِيرَاثِ، وَلَمْ يُطَالَبْ بِضَمِينٍ، لِأَنَّه قَدْ أَقَامَ بَيِّنَةً إِنْ لَمْ يَعْمَلْ بِمُوجِبِهَا، أعلمت.
وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ الظَّاهِرَةِ دُونَ الْبَاطِنَةِ لَمْ تَصِحَّ شَهَادَتُهُمْ، بِأَنْ لَا وَارِثَ
غَيْرُهُ، لِأَنَّه قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي الْبَاطِنِ وَلَدٌ، لَا يَعْلَمُونَ بِهِ فَلَمْ يَصِلُوا بِمَعْرُوفِ الظَّاهِرِ إِلَى مَعْرِفَةِ مَا قَدْ يَكُونُ فِي الْبَاطِنِ، فَلَمْ يُحْكَمْ بِهِ وَصَارَ كَمَنْ لَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً بِأَنْ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ.
وَإِذَا لَمْ يُقِمْهَا مُنِعَ مِنْ حَقِّهِ فِي الدَّارِ لِلْجَهْلِ بِمِقْدَارِهِ، وَلَزِمَ الْحَاكِمُ أَنْ يَسْتَكْشِفَ عَنْ حَالِ الْمَيِّتِ فِي الْبِلَادِ الَّتِي وَطِئَهَا، وَيُكَاتِبُ حُكَّامَهَا بِالْمَسْأَلَةِ عَنْ حَالِهِ، هَلْ خَلَّفَ فِيهَا وَلَدًا أَوْ وَارِثًا وَيُلْزَمُ به [فإنه] لَا يَخْفَى حَالُ وَارِثٍ لَهُ فِي مِثْلِهِ.
فَإِنْ حَضَرَتْهُ بَيِّنَةٌ جَازَ أَنْ يَسْمَعَهَا الْحَاكِمُ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى، وَعَلَى غَيْرِ خَصْمٍ، لِأَنَّها بَيِّنَةٌ عَلَى مَا قَدْ لَزِمَ مِنَ الْكَشْفِ فَكَانَتْ فِي حَقِّ نَفْسِهِ لِتَقْيِيدِ مَا قَدْ حَكَمَ بِهِ، وَالْبَيِّنَةُ تَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ الْبَاطِنَةِ بِهِ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ، لِأَنَّها بَيِّنَةٌ عَلَى نَفْيٍ فَحُمِلَتْ عَلَى الْعِلْمِ دُونَ الْقَطْعِ، فَإِنْ شَهِدُوا أَنْ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ قُبِلُوا وَكَانَتْ شَهَادَتُهُمْ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْعِلْمِ، دُونَ الْقَطْعِ، وَدُفِعَ إِلَيْهِ الْمِيرَاثُ بَعْدَ تَمَامِ الشَّهَادَةِ، مِنْ غَيْرِ ضَمِينٍ.
وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لِلْحَاكِمِ بَيِّنَةٌ، وَبَلَغَ زَمَانَ الْإِيَاسِ مِنَ الظَّفَرِ بِهَا، وَأَنْ يَظْهَرَ مَا لَمْ يَظْهَرَ دَفَعَ إِلَيْهِ الْمَالَ، إِنْ لَمْ يُقِرَّ بِغَيْرِهِ، فَإِنْ أَقَرَّ بِأَخٍ لَهُ غَائِبٍ أَعْطَاهُ نِصْفَ الدَّارِ وَالتَّرِكَةِ، وَكَانَ نِصْفُهَا مَوْقُوفًا عَلَى قُدُومِ الْغَائِبِ.
فَأَمَّا مُطَالَبَةُ الْحَاضِرِ بِإِقَامَةِ ضَمِينٍ فيها، ودفع إِلَيْهِ احْتِيَاطًا؛ لِظُهُورِ شَرِيكٍ قَدْ يَكُونُ لَهُ فِي الْمِيرَاثِ حَقٌّ، فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الضَّمِينِ وَقَالَ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ: مَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِيهِ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: أَنْ خَرَّجُوا اخْتِلَافَ نَصِّهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَجِبُ لِيَكُونَ نُفُوذُ الْحُكْمِ عَلَى الْأَحْوَطِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يُسْتَحَبُّ فَلَا تَجِبُ لِأَنَّها وَثِيقَةٌ لِغَيْرِ مُطَالِبٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنْ كَانَ هَذَا الْوَارِثُ مِمَّنْ لَا يَسْقُطُ بِغَيْرِهِ كَالِابْنِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إِقَامَةُ ضَمِينٍ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُسْقَطُ بِغَيْرِهِ كَالْأَخِ، وَجَبَ عَلَيْهِ إِقَامَةُ ضَمِينٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: إِنْ كَانَ أَمِينًا لَمْ يُجِبْ عَلَيْهِ إِقَامَةُ ضَمِينٍ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ أَمِينٍ، وَجَبَ عَلَيْهِ.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ قُلْتُمْ تُقَسِّمُونَ مَالَ الْمُفْلِسِ بَيْنَ غُرَمَائِهِ بَعْدَ إِشَاعَةِ أَمْرِهِ مِنْ غَيْرِ ضَمِينٍ مَعَ جَوَازِ ظُهُورِ غَرِيمٍ.
قِيلَ: لِوُقُوعِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، بِأَنَّ حُقُوقَ الْغُرَمَاءِ مُتَحَقِّقَةٌ وَحَقُّ هَذَا الْوَارِثِ غَيْرُ مُتَحَقَّقٍ، فَإِذَا دَفَعَ الْحَاكِمُ الْمَالَ إِلَيْهِ عَلَى مَا وَصَفْنَا كَتَبَ قِصَّتَهُ، وَذَكَرَ فِيهَا أَنَّ دَفْعَ الْمَالِ إِلَيْهِ بَعْدَ الْكَشْفِ الظَّاهِرِ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ قَاطِعٍ بِأَمْرِ الِاسْتِحْقَاقِ لِيَكُونَ إِنْ ظَهَرَ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمِيرَاثِ غَيْرُ مَدْفُوعٍ بِنُفُوذِ الْحُكْمِ عليه بإبطال حقه منه، ليمكن من المطالبة وإقامة البينة.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ كَانَ مَكَانَ الِابْنِ أَوْ مَعَهُ زَوْجَةٌ وَلَا يَعْلَمُونَهُ فَارَقَهَا أَعْطَيْتُهَا رُبُعَ الثُّمُنِ لِأَنَّ مِيرَاثَهَا مَحْدُودٌ لِلْأَكْثَرِ وَالْأَقَلِ الثُّمُنُ وَرُبُعُ الثُّمُنِ وَمِيرَاثُ الِابْنِ غَيْرُ مَحْدُودٍ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَخْلُو مُدَّعِي الْمِيرَاثِ، إِذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ بِسَبَبِ مِيرَاثِهِ، وَعَدَمِ الْبَيِّنَةِ، بِأَنْ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَا يُسْقَطُ بِحَالٍ كَالِابْنِ، فَيُوقَفُ أَمْرُهُ فِي الْحَالِ عَلَى الْكَشْفِ، وَلَا يُدْفَعُ إِلَيْهِ مِنَ التَّرِكَةِ شَيْءٌ، لِأَنَّه لَيْسَ لَهُ قَدْرٌ مُتَيَقَّنٌ، فَإِنْ لَمْ يَبِنْ بَعْدَ كَشْفِ الْحَاكِمِ وَارِثٌ غَيْرُهُ، دُفِعَ إِلَيْهِ الْمِيرَاثُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ حَالِ الضَّمِينِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَجُوزُ أَنْ يَرِثَ فِي حَالٍ كَالْأَخِ، فَيُوقَفُ أَمْرُهُ عَلَى الْكَشْفِ، فَإِنْ لَمْ يَبِنْ لِلْحَاكِمِ بَعْدَ طُولِ الْكَشْفِ وَارِثٌ سِوَاهُ، وَلَمْ يُقِمُ الْبَيِّنَةَ بِأَنْ لَا وَارِثَ لَهُ سِوَاهُ.
فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَجْرِي مَجْرَى الِابْنِ فِي دَفْعِ الْمِيرَاثِ إِلَيْهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِهِمْ: إِنَّهُ يدفع إليه كالابن، لأن لَمْ يُعْلَمْ وَارِثٌ غَيْرُهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ يَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى الْأَبَدِ، حَتَّى تَقُومَ الْبَيِّنَةُ بِأَنْ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ بِخِلَافِ الِابْنِ، لِوُقُوعِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الِابْنَ وَارِثٌ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا بِيَقِينٍ، وَالْأَخُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، هَلْ هُوَ وَارِثٌ، أَوْ غَيْرُ وَارِثٍ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَرِثَ إِلَّا بِيَقِينٍ، وَهَكَذَا حُكْمُ ابْنِ الِابْنِ لِجَوَازِ سُقُوطِهِ بِالِابْنِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَا يَسْقُطُ بِحَالٍ، وَلَهُ فَرْضٌ مُقَدَّرٌ كَالْأَبَوَيْنِ، وَالزَّوْجَيْنِ، فَيُدْفَعُ إِلَيْهِ أَقَلُّ فَرْضِهِ، لِأَنَّه يَسْتَحِقُّهُ بِيَقِينٍ وَيُوقَفُ أَكْثَرُهُ عَلَى الْكَشْفِ، فَإِنْ كَانَ أَبًا دُفِعَ إِلَيْهِ السُّدُسَ مَعُولًا.
وَإِنْ كَانَتْ أُمًّا فَكَذَلِكَ يُدْفَعُ السُّدُسُ مَعُولًا.
وَإِنْ كَانَ زَوْجًا، دُفِعَ إِلَيْهِ الرُّبْعُ مَعُولًا، وَإِنْ كَانَتْ زَوْجَةً دُفِعَ إِلَيْهَا رُبْعُ الثُّمُنِ مَعُولًا، لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ وَاحِدَةً مِنْ أَرْبَعٍ
فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ بَعْدَ طُولِ الْكَشْفِ مَنْ يَحْجُبُ هَؤُلَاءِ عَنْ أَعْلَى الْفَرْضَيْنِ صَارَ كَالِابْنِ يُدْفَعُ إِلَيْهِ بَاقِي فَرْضِهِ الْأَعْلَى بِضَمِينٍ عَلَى ما ذكرناه من الوجوه.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِذَا مَاتَتْ زَوْجَتُهُ وَابْنُهُ مِنْهَا فَقَالَ أَخُوهَا مَاتَ ابْنُهَا ثَمَّ مَاتَتْ فَلِي مِيرَاثِي مَعَ زَوْجِهَا وَقَالَ زَوْجُهَا بَلْ مَاتَتْ فَأُحْرِزُ أَنَا وَابْنِي الْمَالَ ثُمَّ مَاتَ ابْنِي فَالْمَالُ لِي فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَخِ لأنَهُ وَارِثٌ لِأُخْتِهِ وَعَلَى الَذِي يَدَّعِي أَنَّهُ مَحْجُوبٌ الْبَيِّنَةُ وَعَلَى الْأَخِ فِيمَا يَدَّعِي أَنَّ أُخْتَهُ وَرِثَتِ ابْنَهَا الْبَيِّنَةُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي امْرَأَةٍ ذَاتِ زَوْجٍ، وَابْنٍ، وَأَخٍ، مَاتَتْ وَابْنُهَا، وَاخْتَلَفَ زَوْجُهَا، وَأَخُوهَا فَقَالَ الْأَخُ: مَاتَ ابْنُهَا قَبْلَهَا فَكَانَ مِيرَاثُهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا، ثُمَّ مَاتَتْ بَعْدَهُ، فَكَانَ مِيرَاثُهَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ، فَلَكَ مِيرَاثُ زَوْجٍ هُوَ النِّصْفُ، وَلِي مَعَكَ مِيرَاثُ أَخٍ، هُوَ النِّصْفُ وَقَالَ الزَّوْجُ: بَلْ مَاتَتِ الزَّوْجَةُ قَبْلَ ابْنِهَا، فَوَرِثْتُهَا مَعَ ابْنِهَا دُونَكَ ثُمَّ مَاتَ الِابْنُ فَوَرِثْتُهُ دُونَكَ.
فَإِنْ كَانَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ بِمَا ادَّعَاهُ، حُكِمَ بِهَا، وَإِنْ عُدِمَتِ الْبَيِّنَةُ، كَانَ تنازعهما في تقدم الموت، وتأخره معتبرا بالغرقى، والهدمى، فَيُقْطَعُ التَّوَارُثُ بَيْنَ الْمَيِّتِينَ، وَيَجْعَلُ تَرِكَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْحَيِّ مِنْ وَرَثَتِهِ فَيُجْعَلُ تَرِكَةُ الِابْنِ لِأَبِيهِ، كَأَنَّهُ لَا أُمَّ لَهُ، وَيُجْعَلُ تَرِكَةُ الْأُمِّ بَيْنَ زَوْجِهَا، وَأَخِيهَا، كَأَنَّهُ لَا ابْنَ لَهَا، فَيُعْطَى زَوْجُهَا النِّصْفُ وَالنِّصْفُ الْبَاقِي لِلْأَخِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَالزَّوْجُ يَدَّعِي مِنْ تَرِكَتِهَا مَعَ الِابْنِ الرُّبُعَ، فَلِمَ أُعْطِيَ النِّصْفَ وَهُوَ لَا يَدَّعِيهِ؟ قِيلَ: هُوَ وَإِنِ ادَّعَى الرُّبُعَ بِمِيرَاثِهِ عَنْهَا، فَقَدِ ادَّعَى بَاقِيهِ بِمِيرَاثِهِ عَنْ أَبِيهِ مَعَ اخْتِلَافِ السَّبَبَيْنِ، فَصَارَ بِإِعْطَاءِ النِّصْفِ مَدْفُوعًا عَنِ اسْتِحْقَاقِ الْكُلِّ، فَصَارَ مُعْطي بَعْضَ مَا ادَّعَى وَلَمْ يُعْطَ أَكْثَرَ مِنْهُ.
(مَسْأَلَةٌ)
: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " وَلَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ وَرِثَ هَذِهِ الْأَمَةَ مِنْ أَبِيهِ وَأَقَامَتِ امْرَأَةٌ الْبَيِّنَةَ أَنَّ أَبَاهُ أَصْدَقَهَا إِيَّاهَا فَهِيَ لِلْمَرْأَةِ كَمَا يَبِيعُهَا وَلَمْ يُعْلَمْ شُهُودُ الْمِيرَاثِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي أَمَةٍ تَنَازَعَهَا ابْنٌ مَيِّتٌ، وَزَوْجَتُهُ، فَقَالَ الِابْنُ: هَذِهِ الْأَمَةُ لِي وَرِثْتُهَا مَعَكِ عَنْ أَبِي، وَقَالَتِ الزَّوْجَةُ: هَذِهِ الْأَمَةُ لِي مَلَكْتُهَا عَنْ أَبِيكَ بِصَدَاقِي.
فَإِنْ عُدِمَتِ الْبَيِّنَةُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الِابْنِ مَعَ يَمِينِهِ، لِأَنَّها عَلَى أَصْلِ مِلْكِ الْأَبِ، وَمَوْرُوثِهِ عَنْهُ، وَدَعْوَى الزَّوْجَةِ لَهَا صَدَاقًا غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، كَمَا لَوِ ادَّعَتْهَا ابْتِيَاعًا.
وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً عَلَى مَا ادَّعَاهُ، فَشَهِدَتْ بَيِّنَةُ الِابْنِ أَنَّ أَبَاهُ خَلَّفَهَا مِيرَاثًا، وَشَهِدَتْ بَيِّنَةُ الزَّوْجَةِ أَنَّهُ جَعَلَهَا لَهَا صَدَاقًا، حُكِمَ لِلزَّوْجَةِ دُونَ الِابْنِ، لِأَنَّ بَيِّنَتَهَا أَعْلَمَتْ زِيَادَةً لَمْ تُعْلِمْهَا بَيِّنَةُ الِابْنِ فَكَانَ الْحُكْمُ بِالزِّيَادَةِ أَوْلَى، كَمَا لَوِ ادَّعَتْ بِالِابْتِيَاعِ كَانَتْ بَيِّنَةُ الِابْتِيَاعِ أَوْلَى مِنْ بَيِّنَةِ الْوَرَثَةِ.
وَلِأَنَّ الْمَيِّتَ لَوْ كَانَ حَيًّا فَقَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ فِي أَمَةٍ يَمْلِكُهَا أَنَّهُ بَاعَهَا، أَوْ أَصْدَقَهَا قُضِيَ بِهَا عَلَيْهِ، وَإِنْ أَنْكَرَهَا.
والله أعلم.
(باب الدعوى في وقت قبل وقت)
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ فِي يَدِ رَجُلٍ فَأَقَامَ رَجُلٌ بَيِّنَةً أَنَّهُ مُنْذُ سِنِينَ وَأَقَامَ الَّذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ لَهُ مِنْذُ سَنَةٍ فَهُوَ لِلَذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ وَلَمْ أنظر على قَدِيمِ الْمِلْكِ وَحَدِيثِهِ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) أَشْبَهُ بِقَوْلِهِ أَنْ يَجْعَلَ الْمِلْكَ لِلْأَقْدَمِ أَوْلَى كَمَا جَعَلَ ملك النتاج أولى وقد يمكن أن يكون صاحب النتاج قد أخرجه من ملكه كما أمكن أن يكون صاحب الملك الأقدم أخرجه من ملكه ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي رَجُلَيْنِ تَدَاعَيَا عَيْنًا مَنْقُولَةً، كَعَبْدٍ، أَوْ دَابَّةٍ، أَوْ غَيْرِ مَنْقُولَةٍ كدار أو عقار.
وأقام الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ مُنْذُ سَنَةٍ.
وَأَقَامَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ مُنْذُ شَهْرٍ، أَوْ أَطْلَقَ الشَّهَادَةَ بِالْمِلْكِ فِي الْحَالِ أَوْ فِي مُدَّةٍ هِيَ أَقْصَرُ.
فَلَا يَخْلُو حَالُ الْمِلْكِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ فِي يد غَيْرِهِمَا.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ فِي يَدَيْ أَحَدِهِمَا.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ فِي أَيْدِيهِمَا.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: إِذَا كَانَ الْمِلْكُ فِي يَدَيْ غَيْرِهِمَا وَلِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ مُنْذُ سَنَةٍ، وَالْآخَرُ بَيِّنَةٌ لِحَدِيثِ الْمِلْكِ مُنْذُ شَهْرٍ، فَفِيهِمَا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ: أَنَّهُمَا سَوَاءٌ، لَا يَتَرَجَّحُ مَنْ شَهِدَتْ بِقَدِيمٍ عَلَى الْأُخْرَى لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُمَا تَنَازَعَا مِلْكَهَا فِي الْحَالِ، فَلَمْ تُؤَثِّرْ بَيِّنَةُ مَا شَهِدَتْ بِمَا قَبِلَهَا، لِأَنَّه غَيْرُ مُتَنَازَعٍ فِيهِ.
وَالثَّانِي: إِنَّ الشَّهَادَةَ بِحَدِيثِ الْمِلْكِ، لَمْ تُنْفَ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ وَإِنْ أَثْبَتَتْهُ الْأُخْرَى فَصَارَتَا مُتَكَافِئَتَيْنِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ أَظْهَرُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيِّ، إِنَّ الشَّهَادَةَ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ أَرْجَحُ، وَالْحَكَمُ بِهَا أَوْلَى لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُمَا قَدْ تَعَارَضَتَا فِي أَقَلِّ الْمُدَّتَيْنِ، وَأَثْبَتَتِ الْمُتَقَدِّمَةُ مِلْكًا لَمْ يُعَارَضْ فِيهِ فَوَجَبَ وَقَفُ الْمُتَعَارِضِ، وَأَمْضَى مَا لَيْسَ فِيهِ تَعَارُضٌ.
وَالثَّانِي: إِنَّ ثُبُوتَ مِلْكِ الْمُتَقَدِّمِ يَمْنَعُ أَنْ يَمْلِكَهُ الْمُتَأَخِّرُ إِلَّا عَنْهُ، وَلَمْ تَتَضَمَّنْهُ الشَّهَادَةُ، فَلَمْ يَحْكُمْ بِهَا، فَإِذَا تَقَرَّرَ تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ.
فَإِنْ قِيلَ بِتَسَاوِيهِمَا عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، صَارَتَا مُتَعَارِضَتَيْنِ فَيَكُونُ فِيهِمَا ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ:
أَحَدُهَا: إِسْقَاطُهَا وَالرُّجُوعُ إِلَى صَاحِبِ الْيَدِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: الْإِقْرَاعُ بَيْنَهُمَا، وَالْحُكْمُ لِمَنْ قَرَعَ مِنْهُمَا.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: اسْتِعْمَالُهَا، وَقَسْمُ الشَّيْءِ بَيْنَهُمَا، وَهَذَا الْقَوْلُ يَجِيءُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِمَكَانِ الِاشْتِرَاكِ.
فَإِنْ قِيلَ بِتَرْجِيحِ الْبَيِّنَةِ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ عَلَى الْبَيِّنَةِ بِحَدِيثِهِ، وَجُعِلَ الْحُكْمِ فِيهَا أَوْلَى، ثَبَتَ لِصَاحِبِهَا الْمِلْكُ مِنَ الْمُدَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَحُكِمَ لَهُ بِمَا حَدَثَ عَنِ الْمِلْكِ مِنْ نِتَاجٍ، وَنَمَاءٍ وَغَلَّةٍ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ، وَإِلَى وَقْتِهِ، ثُمَّ يُبْنَى عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ مَا جَعَلَهُ الْمُزَنِيُّ أَصْلًا.
وَهُوَ إِنْ تَنَازَعَا دَابَّةً، فَيُقِيمُ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ نِتْجُهَا فِي مِلْكِهِ وَيُقِيمُ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ وَلَا يَقُولُونَ نَتَجَهَا فِي مِلْكِهِ.
حَكَى الْمُزَنِيِّ عَنِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ جَعَلَهَا لِمَنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ، أَنَّهُ نَتَجُهَا فِي مِلْكِهِ، وَجَعَلَهُ شَاهِدًا عَلَى الْحُكْمِ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ دُونَ حَدِيثِهِ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي النِّتَاجِ: هَلْ يَتَرَجَّحُ بِالْبَيِّنَةِ قَوْلًا وَاحِدًا، أَوْ يَكُونُ عَلَى قَوْلَيْنِ كَالشَّهَادَةِ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ؟ وَذَهَبَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَابْنُ خَيْرَانَ إِلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا، وَأَنَّهُمَا عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي التَّعَارُضِ.
وَالثَّانِي: إِنَّهُ يَتَرَجَّحُ الْبَيِّنَةُ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ، وَبِالنِّتَاجِ عَلَى الْبَيِّنَةِ الْخَالِيَةِ مِنْهُمَا.
وَحَكَى أَبُو عَلِيِّ بْنُ خَيْرَانَ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ أَنَّ الشَّهَادَةَ بِالنِّتَاجِ لَيْسَتْ مِنْ مَنْصُوصَاتِ الشَّافِعِيِّ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَهَا الْمُزَنِيِّ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ.
وَذَهَبَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا إِلَى صِحَّةِ نَقْلِهِ، وَأَنَّ بَيِّنَةَ النِّتَاجِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَقْوَى مِنَ الْبَيِّنَةِ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَلَئِنْ لَمْ يَكُنِ النِّتَاجُ مَسْطُورًا، فَقَدْ نَقَلَهُ عَنْهُ سَمَاعًا، وَفَرَّقُوا بَيْنَ النِّتَاجِ وَقَدِيمِ الْمِلْكِ فِي الْقُوَّةِ، بِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِالنِّتَاجِ عَلَى مِلْكِهِ تَنْفِي أَنْ يَتَقَدَّمَ
عَلَيْهِمَا مِلْكٌ لِغَيْرِهِ، فَصَارَ النِّتَاجُ بِهَذَا الْفَرْقِ أَقْوَى مِنْ قَدِيمِ الْمِلْكِ، فَلِذَلِكَ رُجِّحَتِ الْبَيِّنَةُ بِالنِّتَاجِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَكَانَ تَرْجِيحُهَا بِقَدِيمِ الْمِلْكِ عَلَى قَوْلَيْنِ.
وَهَكَذَا لَوْ تَنَازَعَا ثَوْبًا، وَأَقَامَ أَحَدُهُمَا، الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ لَهُ نَسَجَهُ فِي مِلْكِهِ، وَأَقَامَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ لَهُ، وَلَمْ يَقُولُوا نَسَجَهُ فِي مِلْكِهِ.
كَانَ كَالْبَيِّنَةِ بِالنِّتَاجِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الشَّرْحِ.
فَأَمَّا إِذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةُ أَحَدِهِمَا بِسَبَبِ الْمِلْكِ مِنْ الِابْتِيَاعِ، أَوْ مِيرَاثٍ وَشَهِدَتِ الْأُخْرَى بِالْمِلْكِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ سَبَبِهِ، فَيَكُونُ التَّرْجِيحُ بِذِكْرِ السَّبَبِ كَالتَّرْجِيحِ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ، فَيَكُونُ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّ النَّسْجَ مُلْحَقٌ بِالنِّتَاجِ وَذِكْرَ السَّبَبِ مُلْحَقٌ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ.
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: إِذَا كَانَ الْمِلْكُ فِي يَدَيْ أَحَدِهِمَا وَشَهِدَتْ بَيِّنَةُ أَحَدِهِمَا أَنَّهُ لَهُ مُنْذُ سَنَةٍ، وَشَهِدَتْ بَيِّنَةُ الْآخَرِ أَنَّهُ لَهُ مُنْذُ شَهْرٍ، فَإِنْ كَانَتِ الْبَيِّنَةُ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ لِصَاحِبِ الْيَدِ، حُكِمَ لَهُ بِالْمِلْكِ.
لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ، لِأَنَّه قَدْ تَرَجَّحَ بِالْيَدِ، وَبِقَدِيمِ الْمِلْكِ، وإن كَانَتِ الْبَيِّنَةُ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ الْخَارِجِ، دُونَ صَاحِبِ الْيَدِ تَرَجَّحَ أَحَدُهُمَا بِالْيَدِ وَتَرَجَّحُ الْآخَرُ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ، فَالَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ هَاهُنَا أَنَّهَا تَكُونُ لِصَاحِبِ الْيَدِ تَرْجِيحًا بِيَدِهِ عَلَى قَدِيمِ الْمِلْكِ، وَتَابَعَهُ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وبه قال أبو حنيفة، فإن حَكَمَ بِبَيِّنَةِ صَاحِبِ الْيَدِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَإِنْ كَانَ يَرَى أَنَّ بَيِّنَةَ الْخَارِجِ أَوْلَى مِنْ بَيِّنَةِ صَاحِبِ الْيَدِ، لِأَنَّه يَمْنَعُ مِنْ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ، إِذَا لَمْ تُفِدْ إِلَّا مَا أَفَادَتِ الْيَدُ.
فَأَمَّا إِذَا أَفَادَتْ زِيَادَةً عَلَى مَا أَفَادَتْهُ الْيَدُ، فَإِنَّهُ يُقَدِّمُهَا عَلَى بَيِّنَةِ الْخَارِجِ، وَقَدْ أَفَادَتْ هَذِهِ الْبَيِّنَةُ زِيَادَةً عَلَى مَا أَفَادَتْهُ يَدُهُ، فَلِذَلِكَ قَدَّمَهَا عَلَى بَيِّنَةِ الْخَارِجِ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ، تَكُونُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ أَوْلَى فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا.
وَذَهَبَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمِرْوَزِيِّ، وَمَنْ تَابَعَهُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: إِلَى أَنَّ التَّرْجِيحَ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ أَوْلَى مِنَ التَّرْجِيحِ بِالْيَدِ، فَيَكُونُ عَلَى قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا يَحْكُمُ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ إِذَا رَجَحَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ، وَالثَّانِي يَحْكُمُ لِصَاحِبِ الْيَدِ إِذَا لَمْ تَتَرَجَّحْ بِهِ الْبَيِّنَةُ، وَاحْتَجَّ فِي تَرْجِيحِ قَدِيمِ الْمِلْكِ عَلَى التَّرْجِيحِ بِالْيَدِ، بِأَنَّهُ لَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ مُدَّعٍ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ كَانَتْ لَهُ بِالْأَمْسِ حُكِمَ لَهُ بِمِلْكِ الدَّارِ فِي الْيَوْمِ اسْتِدَامَةً لِمِلْكِهِ، وَلَوْ شَهِدَتْ لَهُ أَنَّهَا كَانَتْ فِي يَدِهِ بِالْأَمْسِ لَمْ يُحْكَمْ لَهُ بِالْيَدِ فِي الْيَوْمِ، وَلَمْ يُوجِبِ اسْتِدَامَةَ يَدِهِ.
وَهَذَا خَطَأٌ مِنْ قَائِلِهِ، لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ تُزَادُ لِإِثْبَاتِ الْيَدِ، فَإِذَا تَرَجَّحَتْ إِحْدَاهُمَا بِالْيَدِ، وَافَقَتْ مُوجِبَهَا، وَخَالَفَتْ مُوجَبَ الْأَصْلِ، فَكَذَلِكَ تَرَجَّحَتِ الْبَيِّنَةُ بِهَا، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي قَدِيمِ الْمِلْكِ وَحَدِيثِهِ.
فَأَمَّا مَا اسْتُشْهِدَ بِهِ مِنْ قَدِيمِ الْيَدِ، وَقَدِيمِ الْمِلْكِ، فَهُمَا سَوَاءٌ لَا يُحْكَمُ فِيهِمَا بِاسْتِدَامَةِ الْيَدِ، وَلَا بِاسْتِدَامَةِ الْمِلْكِ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنَّهُ كَانَ مَالِكًا لَهَا بِالْأَمْسِ، وَإِلَى وَقْتِهِ، لِأَنَّ النِّزَاعَ فِي مِلْكِهَا، فَالْوَقْتُ دُونَ مَا تَقَدَّمَ فَصَارَتِ الشَّهَادَةُ بِالْمُتَقَدِّمِ مِنْ غَيْرِ التَّنَازُعِ، فَلَمْ يُحْكَمْ بِهَا، لِأَنَّه قَدْ يَمْلِكُ مَا يَزُولُ عَنْهُ مِلْكُهُ فِي الْيَوْمِ.
فَإِنْ كَانَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ يَرَى الْحُكْمَ بِهَا فِي اليوم مذهبا لنفسه، خُولِفَ فِيهِ تَعْلِيلًا بِمَا ذَكَرْنَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا رَجَّحْتُمُ الْبَيِّنَةَ بِالْيَدِ، فَهَلَّا رَجَّحْتُمْ بِزِيَادَةِ الْعَدَدِ؟
قِيلَ: لِأَنَّ زِيَادَةَ الْعَدَدِ لَمْ تُفِدْ زِيَادَةً عَلَى مَا أَفَادَتْهُ زِيَادَةُ الْبَيِّنَةِ، وَالْيَدُ أَفَادَتْ مِنْ زِيَادَةِ التَّصَرُّفِ مَا لَمْ تُفِدِ الْبَيِّنَةُ، فَلِذَلِكَ تَرَجَّحَتِ الْبَيِّنَةُ بِالْيَدِ، وَلَمْ تَتَرَجَّحْ بِزِيَادَةِ الْعَدَدِ.
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: إِذَا كَانَ الْمِلْكُ فِي أَيْدِيهِمَا، وَكَانَ دَارًا فَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأَنَّ جَمِيعَ الدَّارِ لَهُ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَتَكَافَأَ الْبَيِّنَتَانِ، وَلَا تَشْهَدَ إِحْدَاهُمَا بِقَدِيمِ الْمِلْكِ فَقَدْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَتَهُ بِمِلْكِ جَمِيعِ الدَّارِ الَّتِي نِصْفُهَا بِيَدِهِ، وَنِصْفُهَا بِيَدِ الْآخَرِ، فَصَارَ لَهُ فِيمَا بِيَدِهِ بَيِّنَةُ دَاخِلٍ وَفِيمَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ بَيِّنَةُ خَارِجٍ، فَتَعَارَضَتِ الْبَيِّنَتَانِ فِي الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ تَعَارُضَهُمَا مُوجِبٌ لِسُقُوطِهِمَا حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ، وَأُقِرَّتِ الدَّارُ فِي أَيْدِيهِمَا مِلْكًا بِالْيَدِ وَالتَّحَالُفِ.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّ تَعَارُضَهُمَا مُوجِبٌ لِاسْتِعْمَالِهِمَا وَقَسْمِ الْمِلْكِ بَيْنَهُمَا، فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِمَا، وَتُجْعَلُ الدَّارُ بَيْنَهُمَا مِلْكًا بِالْبَيِّنَةِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَشْهَدَ بَيِّنَةُ أَحَدِهِمَا بِقَدِيمِ الْمِلْكَ وَتَشْهَدَ بَيِّنَةُ الْآخَرِ بِحَدِيثِ الْمِلْكِ، فَإِنْ لَمْ تُجْعَلِ الشَّهَادَةُ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ تَرْجِيحًا لِلْبَيِّنَةِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، فَالْجَوَابُ عَلَى مَا مَضَى مِنْ تَكَافُؤِ الْبَيِّنَتَيْنِ فِي جَعْلِ الدَّارِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، بِالْيَدِ وَالْيَمِينِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَبِالْبَيِّنَةِ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي، وَإِنْ تَرَجَّحَتِ الشَّهَادَةُ بِقَدِيمِ الْمَالِكِ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي خَلُصَ لِصَاحِبِهَا النِّصْفُ الَّذِي فِي يَدِهِ، وَتَقَابَلَ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ، تَرْجِيحُ بَيِّنَةٌ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ، وَتَرْجِيحِ بَيِّنَةِ الْآخَرِ بِالْيَدِ، فَعَلَى قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ يُحْكَمُ بِهِ لِمَنْ تَرَجَّحَتْ بَيِّنَتُهُ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ، فَتَصِيرُ جَمِيعُ الدَّارِ لَهُ لِأَنَّه يَجْعَلُ التَّرْجِيحَ بِتَقْدِيمِ الْمِلْكِ أَقْوَى مِنَ التَّرْجِيحِ بِالْيَدِ وَعَلَى الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَمَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ يُحْكَمُ بِالنِّصْفِ الْآخَرِ لِصَاحِبِ الْيَدِ، لِأَنَّه يَجْعَلُ التَّرْجِيحَ بِالْيَدِ أَقْوَى مِنَ التَّرْجِيحِ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ فَتَصِيرُ الدَّارُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ بِغَيْرِ أَيْمَانٍ قَوْلًا وَاحِدًا لِأَنَّه مَحْكُومٌ بَيْنَهُمَا فِي النِّصْفَيْنِ بِتَرْجِيحِ الْبَيِّنَتَيْنِ مِنْ غير إسقاط لهما ولا قسمة باستعمالها.
والله أعلم.
(باب الدعوى على كتاب أبي حنيفة)
(مسألة)
: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَإِذَا أَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَى هَذِهِ الدَّارَ مِنْهُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَنَقَدَهُ الثَّمَنَ وَأَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْهُ بِمِائَتِي دِرْهَمٍ وَنَقَدَهُ الثَّمَنَ بِلَا وَقْتٍ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ أَخَذَ نِصْفَهَا بِنِصْفِ الثَّمَنِ الَّذِي سَمَّى شُهُودَهُ وَيَرْجِعُ بِالنِّصْفِ وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إِنً الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ فِي الْبَيْعِ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) هَذَا أَشْبَهُ بِالْحَقِّ عِنْدِي لأن البينتين قد تكافأتا وللمقر له بالدار سبب ليس لصاحبه كما يدعيانها جميعا ببينة وهي في يد أحدهما فتكون لمن هي في يديه لقوة سببه عنده على سبب صاحبه (قال المزني) رحمه الله وقد قال لو أقام كل واحد منهما البينة على دابة أنه نتجها أبطلتهما وقبلت قول الذي هي في يديه ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: جَمَعَ الْمُزَنِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ بَيْنَ ثَلَاثِ مَسَائِلَ نَقَلَهَا عَنِ الشَّافِعِيِّ:
فَالْأُولَى: بائع ومشتريان.
والثانية: بائع وَمُشْتَرِيَانِ.
وَالثَّالِثَةُ: مُشْتَرٍ وَبَائِعَانِ.
فَأَمَّا الْأُولَى: هِيَ مَسْأَلَتُنَا فَصُورَتُهَا فِي رَجُلَيْنِ تَدَاعَيَا ابْتِيَاعَ دَارٍ مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: اشْتَرَيْتُهَا مِنْهُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَنَقَدْتُهُ الثَّمَنَ، وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً.
وَقَالَ الْآخَرُ إِنَّمَا اشْتَرَيْتُهَا مِنْهُ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ، وَنَقَدْتُهُ الثَّمَنَ، وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِي الْبَيِّنَةِ بَيَانٌ عَلَى تَقَدُّمِ أَحَدِ الْعَقْدَيْنِ، عَلَى الْآخَرِ.
وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ فِيهَا بَيَانٌ، فَإِنْ بَانَ بِهِمَا تَقْدِيمُ أَحَدِ الْعَقْدَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، بِأَنَّ تَشْهَدَ بَيِّنَةُ أَحَدِهِمَا، أَنَّهُ ابْتَاعَهَا مِنْهُ فِي رَجَبٍ وَتَشْهَدَ بَيِّنَةُ الْآخَرِ أَنَّهُ ابْتَاعَهَا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ، وَتَشْهَدُ بَيِّنَةُ أَحَدِهِمَا أَنَّهُ ابْتَاعَهَا مِنْهُ، فِي يَوْمِ السَّبْتِ، وَتَشْهَدُ بَيِّنَةُ الْآخَرِ أَنَّهُ ابْتَاعَهَا مِنْهُ فِي يَوْمِ الْأَحَدِ، فَهُمَا فِي تَقَارُبِ هَذَيْنِ الزَّمَانَيْنِ وَتَبَاعُدِهِ سَوَاءٌ.
فَيَحْكُمُ بِصِحَّةِ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ، وَإِبْطَالِ الثَّانِي، لِأَنَّه قَدْ زَالَ بِالْأَوَّلِ مِلْكُ الْبَائِعِ، فَصَارَ في الثاني
بَائِعًا لِغَيْرِ مِلْكٍ فَيَرْجِعُ الثَّانِي عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ.
لِقِيَامِ الْبَيِّنَةِ بِقَبْضِهِ لَهُ وَيَكُونُ الْأَوَّلُ أَحَقُّ بِالدَّارِ وَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى مِلْكِهِ فِي الدَّارِ، لِأَنَّه قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ غَيْرُ مَالِكٍ حَتَّى يَقُولَ الشُّهُودُ إِنَّهُ بَاعَهَا، وَهُوَ مَالِكُهَا، أَوْ يَقُولُوا إِنَّهَا لِهَذَا الْمُشْتَرِي بِابْتِيَاعِهَا مِنْ هَذَا الْبَائِعِ، فَتَدُلُّ لَهُ الشَّهَادَةُ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي، وَصِحَّةِ عَقْدِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَيِّنَتَيْنِ بَيَانٌ عَلَى تَقَدُّمِ أَحَدِ الْعَقْدَيْنِ، وَذَلِكَ يَكُونُ مِنْ أَحَدِ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ إِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَارِيخٌ، أَوْ تُؤَرَّخُ إِحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى، أَوْ تُؤَرَّخُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إِلَى وَقْتٍ وَاحِدٍ، لَا يَتَقَدَّمُ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، فَيَكُونُ بَيَانُ التَّقَدُّمِ مَعْدُومًا عَلَى الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ تَخْلُ حَالُ الدَّارِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ:
إِحْدَاهَا: أَنْ تَكُونَ فِي يَدِ الْبَائِعِ.
وَالثَّانِيَةِ: أَنْ تَكُونَ فِي يَدِ أَحَدِ الْمُشْتَرِيَيْنِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ فِي أَيْدِيهِمَا.
وَالرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ فِي يَدِ أَجْنَبِيٍّ.
(فصل)
: فأما الحالة الْأَوْلَى: وَهُوَ أَنْ تَكُونَ فِي يَدِ الْبَائِعِ: فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَصْدِيقِ الْبَائِعِ، لِإِحْدَى البينتين هل يوجب ترجيها عَلَى الْأُخْرَى؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ الْمُزَنِيِّ وَأَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ، إِنَّ تَصْدِيقَ الْبَائِعِ لِإِحْدَاهُمَا مَقْبُولٌ، تَتَرَجَّحُ بِهِ بَيِّنَتُهُ، لِأَنَّه أَصْلُ ذُو يَدٍ فَعَلَى هَذَا يَرْجِعُ إِلَى بَيَانِهِ فِي أَيِّ الْعَقْدَيْنِ تَقَدَّمَ وَلَا يَرْجِعُ إِلَى بَيَانِهِ أَيُّهُمَا بَاعَ، لِأَنَّه قَدْ ثَبَتَ عَلَيْهِ الْبَيِّعَانِ بِالْبَيِّنَةِ، فَيُرْجَعُ إِلَيْهِ بِالتَّقَدُّمِ مِنْهُمَا، فَإِذَا بَيَّنَ أَحَدَهُمَا التَّقَدُّمَ كَانَ الْبَيْعُ لَهُ، وَلَا يَمِينَ عَلَى الْآخَرِ، لِأَنَّه لَوْ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ لَمْ يَقْبَلْ، وَلَيْسَ يَغْرَمُ لِلْآخَرِ الْقِيمَةَ، وَإِنَّمَا يَرُدُّ عَلَيْهِ الثَّمَنَ، فَلِذَلِكَ لَمْ تَلْزَمْهُ الْيَمِينُ، وَإِنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ بَيَانٌ، أُحْلِفَ وَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُحَلِّفَهُ يَمِينًا تَخُصُّهُ، لِأَنَّه لَوْ بَيَّنَ بَعْدَ إِنْكَارِهِ قُبِلَ مِنْهُ فَلِذَلِكَ لَزِمَتْهُ الْيَمِينُ.
فَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ الْمُشْتَرِيَيْنِ فِي الْبَيَانِ، لَمْ يَكُنْ فِيهِ بَيَانٌ، لِأَنَّه بَيَانُهُ فِي التَّقَدُّمِ، وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَقَدِّمًا عَلَى الْآخَرِ فِي حَالِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَامِدِ الْإِسْفَرَايِينِيُّ، تَكُونُ الدَّارُ بَيْنَهُمَا بِتَصْدِيقِهِ لَهُمَا.
فَإِنْ قَالَ ذَلِكَ وَهُوَ يَرَى أَنَّ بَيَانَ الْبَائِعِ مَقْصُورٌ عَلَى الْمُتَقَدِّمِ بِالْعَقْدِ فَقَدْ وَهِمَ لِاسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِهِمَا فِي التَّقَدُّمِ، وَإِنْ قَالَهُ، لِأَنَّه يَرَى أَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى بَيَانِ الْبَائِعِ لِأَيِّهِمَا بَاعَ فَهُوَ ارْتِكَابُ مَذْهَبٍ لَا يَقْتَضِيهِ الْمَذْهَبُ لِمَا بَيَّنَاهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ خَيْرَانَ، وَعَامَّةُ أَصْحَابِنَا إِنَّ تَصْدِيقَ الْبَائِعِ لِأَجْلِ يَدِهِ، غَيْرُ مَقْبُولٍ، فِي تَرْجِيحِ بَيِّنَةِ أَحَدِهِمَا، لِاتِّفَاقِ الْبَيِّنَتَيْنِ عَلَى زَوَالِ مِلْكِهِ،
فَبَطَلَ بِهِمَا حُكْمُ يَدِهِ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ إِلَى يَدٍ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَالِكَةٌ، وَلَيْسَ لِلْبَائِعِ يَدُ مِلْكٍ.
فَعَلَى هَذَا يَجْرِيَ عَلَى الْبَيِّنَتَيْنِ حُكْمُ الْمُتَعَارِضَتَيْنِ فِي الظَّاهِرِ، وَإِنْ جَازَ أَنْ لَا يَتَعَارَضَا فِي الْبَاطِنِ بِأَنْ يَتَقَدَّمَ أَحَدُ الْعَقْدَيْنِ عَلَى الْآخَرِ فَيَكُونُ فِي تَعَارُضِهِمَا ثَلَاثَةُ أقاويل:
أحدهما: إِسْقَاطُهَا فَيَرْجِعُ إِلَى قَوْلِ الْبَائِعِ لَا تَرْجِيحًا لِلْبَيِّنَةِ لِأَنَّهمَا قَدْ أُسْقِطَتَا، وَلَكِنْ لِأَنَّها دَعْوَى عَلَيْهِ فِي ابْتِيَاعٍ مِنْهُ.
فَإِنْ كَذَّبَهُمَا حَلَفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَغَرِمَ لَهُ مَا شَهِدَتْ بِهِ بَيِّنَتُهُ مِنَ الثَّمَنِ الَّذِي دَفَعَهُ، وَالدَّارُ بَاقِيَةٌ عَلَى حُكْمِ مِلْكِهِ، وَإِنْ صَدَقَ أَحَدُهُمَا، وَكَذَبَ الْآخَرُ، كَانَتِ الدَّارُ مَبِيعَةٌ عَلَى الْمُصَدِّقِ، دُونَ الْمُكَذِّبِ فَإِنْ طَلَبَ الْمُكَذِّبُ إِحْلَافَ الْبَائِعِ، نُظِرَ فَإِنْ كَانَ قَدْ سَبَقَ بِالدَّعْوَى عَلَى الْمُصَدِّقِ كَانَ لَهُ إِحْلَافُ الْبَائِعِ، لِأَنَّه قَدِ اسْتَحَقَّ الْيَمِينَ بِإِنْكَارِهِ قَبْلَ دَعْوَى الْمُصَدِّقِ، فَلَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ مِنْهَا بِتَصْدِيقِهِ لِغَيْرِهِ وَإِنْ كَانَتْ دَعْوَاهُ بَعْدَ تَصْدِيقِ الْآخَرِ، فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ إِلَّا عَلَى تَخْرِيجٍ يَذْكُرُهُ، لِأَنَّها دَعْوَى فِي حَلَالٍ لَا يَنْفُذُ فِيهَا إِقْرَارُهُ وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ الَّذِي شَهِدَتْ بِهِ بَيِّنَتُهُ، فَلَوْ عَادَ الْبَائِعُ، فَصَدَّقَ الثَّانِي بَعْدَ تَصْدِيقِ الْأَوَّلِ، كَانَ الْبَيْعُ لِلْأَوَّلِ، لِتَقَدُّمِ إِقْرَارِهِ، وَنُظِرَ فِي قِيمَةِ الدَّارِ، فَإِنْ كَانَتْ بِقَدْرِ الثَّمَنِ الَّذِي شَهِدَتْ بِهِ بَيِّنَةُ الثَّانِي، لَمْ يُغَرَّمْ لِلثَّانِي إِلَّا الثَّمَنَ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا أَكْثَرُ مِنَ الثَّمَنِ فَفِي وُجُوبِ غُرْمِ زِيَادَةِ الْقِيمَةِ بَعْدَ رَدِّ الثَّمَنِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَغْرَمُهَا.
وَالثَّانِي: يَغْرَمُهَا.
وَمِنْ هَاهُنَا يَجِيءُ تَخْرِيجُ قَوْلِ أَبِي عَلِيٍّ لِلْبَائِعِ أَنْ يَحْلِفَ لِلْمُكَذِّبِ لِأَنَّه إِذَا غَرِمَ مَعَ الْإِقْرَارِ حَلَفَ مَعَ الْإِنْكَارِ، وَلَوْ صَدَّقَ الْبَائِعُ لَهُمَا جَمِيعًا، جُعِلَتِ الدَّارُ بَيْنَهُمَا، وَيَكُونُ نِصْفُهَا مَبِيعًا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنِصْفِ الثَّمَنِ الَّذِي شَهِدَتْ بِهِ بَيِّنَتُهُ، إِنِ اتَّفَقُوا عَلَى قَدْرِهِ.
وَإِنْ عَدَلُوا إِلَى غَيْرِهِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُشْتَرِيَيْنِ يَأْخُذُ نِصْفَ الدَّارِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ الْبَائِعُ.
إِنْ صَدَّقَ الْمُشْتَرِيَانِ عَلَى قَدْرِهِ، وَإِنْ كَذَّبَاهُ، حَلَّفَاهُ عَلَيْهِ، وَأُبْطِلَ الْبَيْعُ، وَلَا يُعْتَبَرُ الثَّمَنُ الَّذِي شَهِدَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ إِلَّا فِي دَفْعِهِ دُونَ عَقْدِ الْبَيْعِ، لِأَنَّه قَدْ أَسْقَطَ قَبُولَهُمَا فِي الْبَيْعِ، فَسَقَطَ حُكْمُ الثَّمَنِ الَّذِي شَهِدَا بِهِ وَإِنْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا فِي دَفْعِهِ، لِأَنَّ تَعَارُضَهُمَا فِي البيع لا في دفع الثمن فهو احكم الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فِي إِسْقَاطِ الْبَيِّنَتَيْنِ بِالتَّعَارُضِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: الْإِقْرَاعُ بَيْنَ الْبَيِّنَتَيْنِ فَأَيَّتُهُمَا قَرَعَتْ حُكِمَ بِهَا وَكَانَ الْبَيْعُ لِمَنْ شَهِدَتْ لَهُ، وَفِي إِحْلَافِهِ مَعَ الْقُرْعَةِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَحْلِفُ إِنْ قِيلَ: إِنَّ الْقُرْعَةَ مُرَجِّحَةٌ لِدَعْوَاهُ.
وَالثَّانِي: لَا يَمِينَ إِنْ قِيلَ إِنَّ الْقُرْعَةَ مُرَجِّحَةٌ لِبَيِّنَتِهِ، وَلِلْمَقْرُوعِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ الَّذِي شَهِدَتْ بِهِ بَيِّنَتُهُ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: اسْتِعْمَالُ الْبَيِّنَتَيْنِ، وَقَسْمُ الدَّارِ بِهِمَا بَيْنَ الْمُشْتَرِيَيْنِ لِيَكُونَ نِصْفُهَا مَبِيعًا مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَهُوَ لِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ بِالْخِيَارِ فِي إِمْضَاءِ الْبَيْعِ فِي نِصْفِ الدَّارِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ أَوْ فَسْخِهِ، لِأَنَّه ابْتَاعَ جَمِيعَ الدَّارِ فَجَعَلَ لَهُ نصفها ولهما في الخيار ثلاثة أحوال:
إحداهما: أَنْ يَخْتَارَ الْإِمْضَاءَ فَيَكُونَا شَرِيكَيْنِ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَخْتَارَ الْفَسْخَ، فَيَصِحُّ فَسْخُ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْهُمَا، وَيَتَوَفَّرُ سَهْمُهُ بِالْفَسْخِ عَلَى الْمُتَأَخِّرِ، فَيَسْقُطُ خِيَارُهُ فِي الْفَسْخِ، لِأَنَّ الْبَيْعَ قَدْ تَكَامَلَ لَهُ في جميع الدار.
والحالة الثَّالِثَةُ: أَنْ يُمْضِيَ أَحَدُهُمَا، وَيَفْسَخُ الْآخَرَ، فَقَدْ زَالَ مِلْكُ الْفَاسِخِ، وَنُظِرَ فَإِنْ فُسِخَ قَبْلَ رِضَا الْآخَرِ بِالنِّصْفِ يَغْرَمُ سَهْمَهُ عَلَى التَّرَاضِي وَأَخْذِ جَمِيعِ الدَّارِ بِجَمِيعِ ثَمَنِ بَيِّنَتِهِ، وَإِنْ فُسِخَ بَعْدَ رِضَا الرَّاضِي لَمْ يَعُدْ سَهْمُ الْفَاسِخِ عَلَى الرَّاضِي، لِاسْتِقْرَارِ الْحُكْمِ فِي ابْتِيَاعِهِ النصف.
(فصل)
: وأما الحالة الثَّانِيَةُ: وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الدَّارُ فِي يَدَيْ أَحَدِ الْمُشْتَرِيَيْنِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ تَتَرَجَّحُ بَيِّنَتُهُ بِيَدِهِ، أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ مَبْنِيَّيْنِ عَلَى اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ فِي التَّرْجِيحِ بِيَدِ الْبَائِعِ، إِذَا صَدَّقَ أَحَدَهُمَا بِتَرْجِيحِ يَدِ أَحَدِ الْمُشْتَرِيَيْنِ، إِذَا قِيلَ: إِنَّهَا تُرَجِّحُ بَيْنَ الْبَائِعِ إِذَا صَدَّقَهُ فَيَحْكُمُ لَهُ بِبَيِّنَتِهِ، وَيَدِهِ وَيَرْجِعُ الْآخَرُ بِالثَّمَنِ الَّذِي شَهِدَتْ بِهِ بَيِّنَتُهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَصْمًا لِصَاحِبِ الْيَدِ فِي الدَّارِ وَيُحَلِّفَهُ إِذَا أَنْكَرَهُ، وَإِنْ صَدَّقَهُ سَلَّمَ الدَّارَ إِلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ بِالثَّمَنِ الَّذِي شَهِدَتْ بِهِ بَيِّنَتُهُ إِنْ كَانَ مِثْلَ الثَّمَنِ فِي ابْتِيَاعِ حَقِّهِ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِالْبَاقِي، لِأَنَّه مُقِرٌّ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّهُ عَلَى الثَّانِي، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الزِّيَادَةَ، لِأَنَّه مُقِرٌّ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ مِنَ الثَّمَنِ الَّذِي دَفَعَ، وَيَكُونُ دَرَكٌ لِلثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ، دُونَ الْبَائِعِ، وَلَا يَكُونُ عَلَى الْبَائِعِ دَرَكُ الْأَوَّلِ، وَلَا الثَّانِي لِأَنَّ الثَّانِي مَلَكَهَا عَنِ الْأَوَّلِ، وَالْأَوَّلُ قَدْ أَقَرَّ أَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهَا عَنِ الْبَائِعِ فَلِذَلِكَ سَلِمَ الْبَائِعُ مَنْ دَرَكَهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا تَتَرَجَّحُ الْبَيِّنَةُ بِيَدِ الْبَائِعِ إِذَا صَدَّقَ أَحَدَهُمَا.
فَعَلَى هَذَا يَسْقُطُ حُكْمُ يَدِهِ، وَتَتَعَارَضُ الْبَيِّنَتَانِ فِي حَقِّهِمَا فَتَكُونُ عَلَى الْأَقَاوِيلِ الثَّلَاثَةِ:
أَحَدُهَا: يَسْقُطَانِ وَيَرْجِعُ إِلَى الْبَائِعِ فِي إِقْرَارِهِ، وَإِنْكَارِهِ عَلَى مَا مَضَى.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَقْرَعُ بَيْنَهُمَا، وَيَحْكُمُ لِمَنْ قَرَعَ مِنْهُمَا عَلَى مَا مضى.
والقول الثالث: يقسم بينهما باستعمالها عَلَى مَا مَضَى.
وَذَكَرَ الرَّبِيعُ قَوْلًا رَابِعًا: إِنَّ تَعَارُضَ الْبَيِّنَتَيْنِ، يُوجِبُ إِبْطَالَ الصَّفْقَتَيْنِ فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْبَيِّعَيْنِ بَاطِلًا كَالْمُتَدَاعِيَيْنِ نِكَاحَ امْرَأَةٍ يُقِيمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا، يُبْطِلُ النِّكَاحَانِ بِتَعَارُضِهِمَا، فَأَنْكَرَ أَصْحَابُنَا هَذَا الْقَوْلَ وَنَسَبُوهُ إِلَى الرَّبِيعِ تَخْرِيجًا لِنَفْسِهِ، وَمَنَعُوا مِنِ اعْتِبَارِهِ بِالنِّكَاحِ، لِوُقُوعِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، بِأَنَّ نِكَاحَ الْمَرْأَةِ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ زَوْجَيْنِ، وَشِرَاءُ الدَّارِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ مُشْتَرِيَيْنِ، فَبَطَلَ النِّكَاحَانِ، لِامْتِنَاعِ الشَّرِكَةِ، وَلَمْ يَبْطُلِ الْبَيِّعَانِ مَعَ جَوَازِ الشَّرِكَةِ.
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا الحالة الثَّالِثَةُ: وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الدَّارُ فِي يَدَيِ الْمُشْتَرِيَيْنِ فَقَدْ تَسَاوَيَا فِي الْيَدِ وَالْبَيِّنَةِ، وَلَمْ يَتَرَجَّحْ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ فِي يَدٍ وَلَا بَيِّنَةٍ.
فَإِنْ لَمْ يَتَرَجَّحْ يَدُ أَحَدِهِمَا لَمْ يَتَرَجَّحْ أَيْدِيَهُمَا وَصَارَتْ بَيَّنَتَاهُمَا مُتَعَارِضَتَيْنِ فَيَكُونُ تَعَارُضُهُمَا محمولا على الأقاويل الثلاثة في إسقاطهما وَالْإِقْرَاعِ بَيْنَهُمَا، أَوِ اسْتِعْمَالِهَا، وَإِنْ رَجَّحَتَا يَدَ أَحَدِهِمَا رَجَّحَتَا أَيْدِيَهُمَا، وَصَارَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةَ، دَاخِلٍ فِي النِّصْفِ الَّذِي فِي يَدِهِ، وَبَيِّنَةَ خَارِجٍ فِي النِّصْفِ الَّذِي بِيَدِ صَاحِبِهِ، فَيُجْعَلُ ابْتِيَاعُ الدَّارِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَهَلْ يَحْلِفُ لِصَاحِبِهِ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ وَيَرْجِعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْبَائِعِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ، وَكَانَ خِيَارُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
(فصل)
: وأما الحالة الرَّابِعَةُ: وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الدَّارُ فِي يَدِ أَجْنَبِيٍّ، فَلَا تَخْلُو يَدُهُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ:
إِحْدَاهَا: أَنْ يَكُونَ نِيَابَةً عَنِ الْبَائِعِ، فَيَكُونُ على ما قدمناه في يد البائع.
والثاني: أن تكون نِيَابَةً عَنْ أَحَدِ الْمُشْتَرِيَيْنِ، فَيَكُونُ عَلَى مَا قدمناه في يد أحدهما.
والثالث: أَنْ يَكُونَ نِيَابَةً عَنْهُمَا، فَيَكُونُ عَلَى مَا قدمناه في أيديهما.
والحالة الرَّابِعَةُ: أَنْ يَكُونَ لِنَفْسِهِ غَيْرُ ثَابِتٍ فِيهَا عَنْ غَيْرِهِ فَلَا تَتَوَجَّهُ الدَّعْوَى عَلَيْهِ فِي الْبَيْعِ، لِأَنَّه مَنْسُوبٌ إِلَى غَيْرِهِ، وَلَا تُوجِبُ بَيِّنَةُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا انْتِزَاعَ الدَّارِ مِنْ يَدِهِ، لِأَنَّ بَيْعَ غَيْرِهِ لِلدَّارِ لَا يَجْعَلُهُ مَالِكًا لَهَا وَصَاحِبُ الْيَدِ أَحَقُّ بِالدَّارِ مِنْ بَائِعِهَا، وَلَا تَتَوَجَهُ عَلَيْهِ مُطَالَبَةُ الْبَائِعِ بِهَا، لِأَنَّ قِيَامَ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ بِالْبَيْعِ يَمْنَعُ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ، وَسَقَطَ أَنْ يَكُونَ لِلْبَائِعِ عَلَيْهِ يَمِينٌ وَلَا تَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ مُطَالَبَةُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُشْتَرِيَيْنِ بِهَا، لِأَنَّه يَدَّعِي مِلْكَهَا، عَنِ الْبَائِعِ، وَلَيْسَ لِلْبَائِعِ الْمُطَالَبَةُ بِهَا فَكَانَ أَوْلَى أَنْ لَا يُطَالِبَ بِهَا النَّائِبُ عَنْهُ، فَتَسْقُطُ الْمُطَالَبَةُ عَنْ صَاحِبِ الْيَدِ، لِأَجْلِ الْبَيِّنَةِ، وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَيَرْجِعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُشْتَرِيَيْنِ عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ الَّذِي شَهِدَتْ بِهِ بَيِّنَتُهُ، فَإِذَا حُكِمَ بِإِبْطَالِ
الْبَيْعَيْنِ، وَأَخَذَ الْبَائِعُ بِرَدِّ الثَّمَنَيْنِ جَازَ لَهُ أَنْ يَسْتَأْنِفَ الدَّعْوَى، وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَيِّنَةِ الشَّاهِدَةِ بِالْبَيْعِ شَهَادَةٌ لِلْبَائِعِ، بِمِلْكِ الْمَبِيعِ، فَأَمَّا إِذَا شَهِدَتْ لَهُ بِمِلْكِ مَا بَاعَ، فَإِنْ عَارَضَهُمَا صَاحِبُ الْيَدِ بِبَيِّنَتِهِ، كَانَتْ بَيِّنَةُ صَاحِبِ الْيَدِ أَوْلَى، لِأَنَّها بَيِّنَةُ دَاخِلٍ قَدْ تَلَتْهَا بَيِّنَةُ خَارِجٍ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لِصَاحِبِ الْيَدِ بَيِّنَةٌ رُفِعَتْ يَدُهُ، وَثَبَتَ أَنَّ الْبَائِعَ بَاعَ مِلْكَهُ، وَإِنْ كَانَتِ الشَّهَادَةُ بِمِلْكِهِ فِي إِحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ حُكِمَ بِالْبَيْعِ، دُونَ الْمِلْكِ وَرَجَعَ بِالثَّمَنِ وَبَطَلَ حُكْمُ التَّعَارُضُ فِيهِمَا.
وَإِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْمِلْكِ وَالْبَيْعِ، ثَبَتَ حُكْمُ التَّعَارُضِ فِيهِمَا، وَكَانَ عَلَى الْأَقَاوِيلِ الثَّلَاثَةِ، وَقَدْ أَطَلْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِاسْتِيفَائِهَا، لِأَنَّها مِنَ الْأُصُولِ فِي الدَّعَاوَى.
(مَسْأَلَةٌ)
: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَى هَذَا الثَوْبَ مِنْ فُلَانٍ وَهُوَ مَلَكَهُ بِثَمَنٍ مُسَمًّى وَنَقَدَهُ وَأَقَامَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ فُلَانٍ وَهُوَ يَمْلِكُهُ بِثَمَنٍ مُسَمَّى وَنَقَدَهُ فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِهِ لِلَّذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ لِفَضْلِ كَيْنُونَتِهِ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْتُ مِنْ قَوْلِهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي يَجْتَمِعُ فِيهَا بَائِعَانِ، وَمُشْتَرِيَانِ وَصُورَتُهَا أَنْ يَتَنَازَعَ رَجُلَانِ فِي ثَوْبٍ يَدَّعِي أَحَدُهُمَا أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ زَيْدٍ، وَهُوَ مَالِكُهُ بِثَمَنٍ سَمَّاهُ وَنَقَدَهُ إِيَّاهُ، وَيُقِيمُ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً بِالْمِلْكِ، وَالْبَيْعِ، وَيَدَّعِي الْآخَرُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ عَمْرٍو، وَهُوَ مَالِكُهُ بِثَمَنٍ سَمَّاهُ وَنَقَدَهُ إِيَّاهُ، وَيُقِيمُ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً بِالْمِلْكِ وَالْبَيْعِ فَلَا يَخْلُو الثَّوْبُ مِنْ خَمْسَةِ أَحْوَالٍ:
أحدها: أن يكون في يد أحد المتبايعين.
والثاني: أن يكون في أيديهما.
والثالث: أن يكون في يد أحد المشتريين.
والرابع: أن يكون في أيديهما.
والخامس: أن يكون في يد أجنبي.
فأما الحالة الْأَوْلَى: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الثَّوْبُ فِي يَدِ أحد المتبايعين فَبَيِّنَتُهُ أَرْجَحُ وَجْهًا وَاحِدًا، لِأَنَّها بَيِّنَةُ دَاخِلٍ تَنْدَفِعُ بِهَا بَيِّنَةُ خَارِجٍ فَيَصِحُّ بَيْعُهُ، وَيُؤْخَذُ بِتَسْلِيمِ الثَّوْبِ إِلَى مُشْتَرِيهِ مِنْهُ.
وَيَبْطُلُ بَيْعُ الْآخَرِ، وَيُؤْخَذُ بِرَدِّ الثَّمَنِ عَلَى مُشْتَرِيهِ مِنْهُ، وَلَا يَمِينَ لِلْبَائِعِ الْآخَرِ، وَلَا لِلْمُشْتَرِي عَلَى مَنْ تَرَجَّحَتْ بَيِّنَتُهُ مِنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي، لِأَنَّ الْحُكْمَ ثَبَتَ لَهُمَا بِالْبَيِّنَةِ، تَرْجِيحًا بِالْيَدِ وَلَا يمين مع البينة.
(فصل)
: وأما الحالة الثَّانِيَةُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الثَّوْبُ فِي يَدِ الْبَائِعَيْنِ، فَلَا تَخَاصُمَ بَيْنَ الْمُشْتَرِيَيْنِ، فَقِيلَ: إِنَّهُ لَا يَدَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مَا يَدَّعِيهِ وَخَصْمُهُ فِيهِ هُوَ الْبَائِعُ عَلَيْهِ، لِيُسَلِّمَ إِلَيْهِ مَا بَاعَهُ عَلَيْهِ وَلِلْبَائِعِ حِينَئِذٍ حَالَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَتَنَازَعَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَنَّهُ مَالِكٌ لِجَمِيعِهِ وَبَيِّنَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُشْتَرِيَيْنِ فِي الْبَيْعِ، هِيَ بَيِّنَةٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْبَائِعَيْنِ فِي الْمِلْكِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةُ دَاخِلٍ فِي النِّصْفِ الَّذِي بِيَدِهِ، وَبَيِّنَةُ خَارِجٍ فِي النِّصْفِ الَّذِي فِي يَدِ صَاحِبِهِ، فَيَحْكُمُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنِصْفِهِ بِبَيِّنَتِهِ وَيَدِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ عَارَضَتْهُ فِيهِ بَيِّنَةُ خَارِجٍ وَهَلْ يَجِبُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِحْلَافُ صَاحِبِهِ، أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: مِنْ تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ هَلْ يَسْقُطَانِ، أَوْ يُسْتَعْمَلَانِ؟
فَإِنْ قِيلَ: بِإِسْقَاطِهِمَا فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَحْلِفَ لِصَاحِبِهِ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيمَا بِيَدِهِ، وَلَا يَحْلِفُ أَنَّهُ مَالِكٌ لِمَا بِيَدِهِ، لِأَنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى إِنْكَارِهِ وَلَيْسَ يَحْلِفُ عَلَى إِثْبَاتِهِ.
وَإِنْ قِيلَ: بِاسْتِعْمَالِ الْبَيِّنَتَيْنِ فَلَا يَمِينَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ، لِأَنَّ مِنْ حُكِمَ لَهُ بِالْبَيِّنَةِ لَمْ يَحْلِفْ مَعَهَا، ثُمَّ يَصِيرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْبَائِعَيْنِ مَالِكًا لِنِصْفِهِ، وَبَائِعًا لِجَمِيعِهِ فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُشْتَرِيَيْنِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ إِمْضَاءِ الْبَيْعِ فِي نِصْفِهِ وَالرُّجُوعِ بِنِصْفِ ثَمَنِهِ، وَبَيْنَ فَسْخِ الْبَيْعِ فِي جَمِيعٍ، وَالرُّجُوعِ بِجَمِيعِ ثَمَنِهِ عَلَى مَا بَيَّنَاهُ.
وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَتَصَادَقَ الْبَائِعَانِ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَالِكٌ لِنِصْفِهِ، فَيَنْقَطِعُ التَّخَاصُمُ بَيْنَهُمَا بِالتَّصَادُقِ، وَفِي انْقِطَاعِ خُصُومَةِ الْمُشْتَرِيَيْنِ بِانْقِطَاعِهَا بَيْنَ الْبَائِعَيْنِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: قَدِ انْقَطَعَتِ الْخُصُومَةُ بِتَصَادُقِهِمَا، وَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَالِكًا لِنِصْفِهِ، وَبَائِعًا لِجَمِيعِهِ، فَلَزِمَهُ تَسْلِيمُ مَا مَلَكَ وَدَرَكُ مَا لَمْ يَمْلِكْ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْخُصُومَةَ بَاقِيَةٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُشْتَرِيَيْنِ لِأَنَّهُ يَدَّعِي مِلْكَ جَمِيعِ الثَّوْبِ، وَقَدْ صَارَ إِلَى نِصْفِهِ مَعَ بَقَائِهِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَيَكُونُ مُخَاصِمًا فِيهِ لِمَنْ بِيَدِهِ النِّصْفُ الْآخَرُ فَإِنْ كَانَ قَدْ تَسَلَّمَ مُشْتَرَيَهُ، كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَصْمًا لِصَاحِبِهِ فِيهِ فَيَتَحَالَفَانِ عَلَيْهِ، وَلَا تُسْتَعْمَلُ بَيِّنَتَاهُمَا فِيهِ، لِأَنَّهَا لَا تُفِيدُهُمَا أَكْثَرَ مِنْ قَسْمٍ بَيْنَهُمَا.
فَإِنْ حَلَفَا أَوْ نَكَلَا كَانَ بَيْنَهُمَا، وَانْقَطَعَ تَخَاصُمُهُمَا، وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا، وَنَكَلَ الْآخَرُ، حُكِمَ بِجَمِيعِهِ لِلْحَالِفِ وَلَمْ يَلْزَمْ لِبَائِعِهِ عَلَيْهِ إِلَّا نِصْفُ ثَمَنِهِ، وَإِنْ صَارَ مَالِكًا لِجَمِيعِهِ لِأَنَّ الْبَائِعَ مُقِرٌّ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إِلَّا نِصْفَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُشْتَرِيهِ قَدْ سَاقَ الثَّمَنَ إِلَيْهِ، لَمْ يُطَالِبْهُ الْبَائِعُ إِلَّا بِنِصْفِهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ سَاقَ جَمِيعَ الثَّمَنِ لَمْ يَكُنْ لَهُ اسْتِرْجَاعُ شَيْءٍ مِنْهُ، لِأَنَّهُ مُقِرٌّ بِاسْتِحْقَاقِهِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي النَّاكِلِ رُجُوعُهُ بِدَرْكِهِ عَلَى بَائِعِهِ، لِأَنَّهُ
مُسْتَحَقٌّ مِنْ يَدِهِ بِنُكُولِهِ، وَلَوْ حَلَفَ لَكَانَ مُقَرًّا فِي يَدِهِ، وَلَوْ لَمْ يَتَسَلَّمُ الْمُشْتَرِي، وَكَانَ بَاقِيًا مِنْ يَدِ الْبَائِعَيْنِ وُقِفَتِ الْخُصُومَةُ بَيْنَ الْمُشْتَرِيَيْنِ، وَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مُطَالَبَةُ مُبَايِعِهِ، فَيَتَسَلَّمُ مَا ابْتَاعَهُ مِنْهُ، وَهُوَ لَا يَقْدِرُ إِلَّا عَلَى تَسْلِيمِ نِصْفِهِ الَّذِي فِي يَدِهِ، فَإِذَا قَبَضَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَهُ، تَخَاصَمَ فِيهِ الْمُشْتَرِيَانِ، وَكَانَ حُكْمُهُمَا فِي التَّخَاصُمِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الثَّوْبُ فِي يَدِ أَحَدِ الْمُشْتَرِيَيْنِ، تَرَجَّحَتْ بَيِّنَتُهُ بِيَدِهِ وَجْهًا وَاحِدًا، بِخِلَافِ يَدِهِ لَوْ كَانَ الْبَائِعُ عَلَيْهَا وَاحِدًا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، لِأَنَّهُمَا فِي الشِّرَاءِ مَعَ اثْنَيْنِ يَجْعَلُ يَدَهُ بِيَدِ بَائِعِهِ الَّذِي لَمْ يُنْقَلْ مِلْكُهُ إِلَّا إِلَيْهِ، فَصَارَتْ يَدُهُ كَيْدَ أَحَدِ الْبَائِعَيْنِ، فَحُكِمَ لَهُ بِالْجَمِيعِ، لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ بِالْجَمِيعِ بَيِّنَةُ دَاخِلٍ وَبَيِّنَةُ الْآخَرِ فِي الْجَمِيعِ بَيِّنَةُ خَارِجٍ، وَلَزِمَهُ جَمِيعُ الثَّمَنِ وَرَجَعَ الْآخَرُ عَلَى صَاحِبِهِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَلَيْسَ لَهُ مُخَاصَمَةُ صَاحِبِهِ فِي الشِّرَاءِ، لِأَنَّهُ قَدِ اسْتَقَرَّ ابْتِيَاعُهُ لِجَمِيعِ الثَّوْبِ، لِحُكْمٍ بَاتٍّ، وَيَنْقَطِعُ التَّنَازُعُ بَيْنَ الْبَائِعَيْنِ، كَانْقِطَاعِهِ بَيْنَ الْمُشْتَرِيَيْنِ لِنُفُوذِ الْحُكْمِ بِالْبَيِّنَةِ وَالْيَدِ لِلْبَائِعِ، وَالْمُشْتَرِي مِنْهُ عَلَى الْبَائِعِ الْآخَرِ وَالْمُشْتَرِي مِنْهُ.
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا الْحَالَةُ الرَّابِعَةُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الثَّوْبُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِيَيْنِ، فَقَدْ تَكَافَئَا فِي الْبَيِّنَةِ وَالْيَدِ، لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةُ دَاخِلٍ فِي نِصْفِهِ، وَبَيِّنَةُ خَارِجٍ مِنْ نِصْفِهِ، فَيُحْكَمُ بِهِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَتَكُونُ الْخُصُومَةُ فِيهِ بَيْنَ الْمُشْتَرِيَيْنِ، وَلَا خُصُومَةَ فِي الْحَالِ بَيْنَهُمَا، وَبَيْنَ الْبَائِعَيْنِ، لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِحْلَافُ صَاحِبِهِ قَوْلًا وَاحِدًا، لِأَنَّهُ لَوْ صَدَّقَهُ عَلَيْهِ، لَزِمَهُ تَسْلِيمُ مَا بِيَدِهِ وَفِي كَيْفِيَّةِ يَمِينِهِ قَوْلَانِ مِنِ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ.
فَإِنْ قِيلَ: بِاسْتِعْمَالِهِمَا كَانَتْ يَمِينُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى النَّفْيِ دُونَ الْإِثْبَاتِ، فَيَحْلِفُ بِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيمَا بِيَدِي، وَلَا يَحْلِفُ إِنِّي مَالِكٌ لِمَا بِيَدِي، لِأَنَّهُ قَدْ مَلَكَهُ بِالْبَيِّنَةِ، فَلَا يَمِينَ مَعَ الْبَيِّنَةِ، وَإِنْ قِيلَ: إِنَّ تَعَارُضَهُمَا مُوجِبٌ لِإِسْقَاطِهِمَا، كَانَتْ يَمِينُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْإِثْبَاتِ دُونَ النَّفْيِ، فَيَحْلِفُ بِاللَّهِ لَقَدْ تَمَلَّكَهُ بِالِابْتِيَاعِ مِنْ فُلَانٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ بِالْبَيِّنَةِ، فَصَارَ مَالِكًا بِالثَّمَنِ، فَإِنْ حَلَفَا كَانَ الثَّوْبُ بَيْنَهُمَا مِلْكًا، وَإِنْ نَكَلَا كَانَ الثَّوْبُ بَيْنَهُمَا يَدًا، فَلَا رُجُوعَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالدَّرَكِ عَلَى مُبَايِعِهِ، سَوَاءٌ حَلَفَا أَوْ نَكَلَا، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي ادِّعَاءِ جَمِيعِهِ مِلْكًا بِالِابْتِيَاعِ مُصَدَّقٌ لِمُبَايِعِهِ عَلَى مِلْكِهِ.
وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا، وَنَكَلَ الْآخَرُ، حُكِمَ بِالْجَمِيعِ لِلْحَالِفِ دُونَ النَّاكِلِ، وَلَزِمَهُ ثَمَنُ جَمِيعِهِ لِمُبَايِعِهِ، لِاعْتِرَافِهِمَا بِاسْتِحْقَاقِهِ، وَلَا رُجُوعَ لِلنَّاكِلِ بِدَرَكِهِ عَلَى مُبَايِعِهِ بِشَيْءٍ مِنْ ثَمَنِهِ، لِأَنَّهُ مُقِرٌّ أَنَّهُ بَائِعٌ لِمِلْكِهِ.
فَإِنْ أَحَالَ الْمُشْتَرِيَانِ بِالتَّحَالُفِ عَلَى الْبَائِعَيْنِ لِيَكُونَا خَصْمَيْنِ فِيهِ، كَانَ جَوَازُهُ عَلَى قَوْلَيْنِ، مِنِ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ، فَإِنْ قِيلَ: بِإِسْقَاطِهِمَا، تَحَالَفَ عَلَيْهِ الْبَائِعَانِ وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُشْتَرِيَيْنِ خَصْمًا لِمُبَايِعِهِ فِيهِ.
وَإِنْ قِيلَ بِاسْتِعْمَالِهَا لَمْ يَتَحَالَفْ عَلَيْهِ الْبَائِعَانِ، لِبَتِّ الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا بِالْبَيِّنَةِ، وَلَا رُجُوعَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالدَّرَكِ عَلَى مُبَايِعِهِ إِنْ تَدَاعَيَاهُ، وَلَهُمَا الرُّجُوعُ بِدَرَكِهِ، إِنْ لَمْ يَتَدَاعَيَاهُ لِأَنَّهُمَا فِي تَدَاعِيهِ مُصَدِّقَانِ لِلْبَائِعَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَتَدَاعَيَاهُ غَيْرُ مُصَدِّقِينَ، وَإِنْ لَمْ يُجْعَلْ لَهُمَا الرُّجُوعَ بِالدَّرَكِ، فَلَا خِيَارَ لَهُمَا فِي فَسْخِ الْبَيْعِ، وَإِنْ جَعَلَ لَهُمَا الدَّرَكُ كَانَ لَهُمَا الْخِيَارُ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ، وَكَانَا فِيهِ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَفْسَخَا فَيَرْجِعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَدَرَكِ جَمِيعِهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُقِيمَا فَيَرْجِعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِدَرَكِ نِصْفِهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَفْسَخَ أَحَدُهُمَا، وَيُقِيمُ الْآخَرُ، فَيَرْجِعُ الْمُقِيمُ بِدَرْكِ النِّصْفِ فَيَرْجِعُ الْفَاسِخُ بِدَرْكِ الْجَمِيعِ، وَلَا تَتَوَفَّرُ حِصَّةُ الْفَاسِخِ عَلَى التَّرَاضِي لِأَنَّ حِصَّةَ الْفَاسِخِ تَعُودُ إِلَى مُبَايِعِهِ، وَلَا تَعُودُ إِلَى مُبَايِعِ الرَّاضِي فَصَارَ فِيهِ بِخِلَافِ الْبَائِعِ الْوَاحِدِ، الَّذِي لَا يعود إلى مبايعه، ولا تعود إل مُبَايِعِ الرَّاضِي، فَيَتَوَفَّرُ مِنْ حِصَّتِهِ عَلَى الرَّاضِي.
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا الْحَالُ الْخَامِسَةُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الثَّوْبُ فِي يَدِ أَجْنَبِيٍّ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تُنْسَبَ يَدُهُ إِلَى أَحَدِ الْأَرْبَعَةِ، فَيَكُونُ حُكْمُهُ كَحُكْمِهِ لَوْ كَانَ فِي يَدِ مَنْ نَسَبَهُ إِلَيْهِ، وَهَلْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْبَاقِينَ أَنْ يُحَلِّفَهُ إِنْ أَكْذَبَهُ عَلَى أَنَّ يَدَهُ نَائِبَةٌ عَمَّنْ نَسَبَهُ إِلَيْهِ، أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: مِنَ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي وُجُوبِ الْغُرْمُ عَلَيْهِ إِنْ صَدَّقَ غَيْرَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: بِوُجُوبِ الْغُرْمِ عَلَيْهِ مَعَ الْإِقْرَارِ، أُحْلِفَ مَعَ الْإِنْكَارِ.
وَإِنْ قِيلَ: لَا غُرْمَ عَلَيْهِ لَمْ يَحْلِفْ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَدَّعِيَهُ لِنَفْسِهِ مِلْكًا، فَدَعَوَاهُ مَرْدُودَةٌ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْبَيِّنَتَيْنِ، لِأَنَّ إِحْدَاهُمَا تَشْهَدُ بِهِ لِزَيْدٍ وَالْأُخْرَى تَشْهَدُ بِهِ لِعَمْرٍو، وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَشْهَدُ بِأَنْ لَا حَقَّ فِيهِ لِصَاحِبِ الْيَدِ، وَلَا يُنْتَزَعُ مِنْ يَدِهِ قَبْلَ بَتِّ الْحُكْمِ بَيْنَ الْمُتَنَازِعَيْنِ، لِيَتَعَيَّنَ بِالْحُكْمِ مُسْتَحَقُّ انْتِزَاعِهِ مِنْهُ، فَصَارَتْ يَدُهُ ضَامِنَةٌ لَهُ فِي جَنَبَةِ مُسْتَحَقِّهِ، وَقَدْ تَعَارَضَتِ الْبَيِّنَتَانِ فِيهِ مِلْكًا فِي حَقِّ الْبَائِعَيْنِ وَمَبِيعًا فِي حَقِّ المشتريين، وتساوت البينتان في حق الجنبتين لأنها بَيَّنَتَا خَارِجٍ فَتُحْمَلُ عَلَى الْأَقَاوِيلِ الثَّلَاثَةِ:
أَحَدُهَا: إِسْقَاطُ الْبَيِّنَتَيْنِ، وَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْبَائِعَيْنِ خَصْمًا لِلْآخَرِ فِي مِلْكِهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُشْتَرِيَيْنِ خَصْمًا لِمُبَايِعِهِ فِي ابْتِيَاعِهِ، فَيَتَحَالَفُ الْبَائِعَانِ عَلَى مِلْكِهِ.
فَإِنْ حَلَفَا، حُكِمَ بِهِ لَهُمَا مِلْكًا.
وَإِنْ نَكَلَا جُعِلَ بَيْنَهُمَا يَدًا.
وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا، وَنَكَلَ الْآخَرُ فَهَلْ تُرَدُّ يَمِينُ نُكُولِهِ عَلَى مُدَّعِي ابْتِيَاعِهِ؟ عَلَى
قَوْلَيْنِ مِنِ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي غُرَمَاءِ الْمُفْلِسِ، إِذَا أَجَابُوا إِلَى يَمِينٍ يُسْتَحَقُّ بِهَا مَالٌ نَكَلَ عَنْهَا الْمُفْلِسُ:
أَحَدُهُمَا: تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُشْتَرِي إِذَا قِيلَ إِنَّهَا تُرَدُّ عَلَى الْغُرَمَاءِ لِأَنَّهُ قَدْ أَثْبَتَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِيَمِينِهِ حَقًا لِنَفْسِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُشْتَرِي إِذَا قِيلَ: إِنَّهَا [لَا] تُرَدُّ عَلَى الْغُرَمَاءِ، لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُمَا فِيمَا يَحْلِفَانِ عَلَيْهِ، إِلَّا بَعْدَ اسْتِحْقَاقِ خَصْمِهِمَا لَهُ، وَلَا يَصِحُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَمْلِكَ مَالًا بِيَمِينِ غَيْرِهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُ الثَّوْبُ مِنْ أَنْ يُحْكَمَ بِهِ لِلْبَائِعِينَ، أَوْ لِأَحَدِهِمَا فَإِنْ حُكِمَ بِهِ لَهُمَا، صَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُشْتَرِيَيْنِ مُدَّعِيًا عَلَى مُبَايِعِهِ ابْتِيَاعَ جَمِيعِهِ، وَدَفْعَ ثَمَنِهِ، فَإِنْ صَدَّقَهُ مُبَايِعُهُ عَلَى دَعْوَاهُ صَحَّ الْبَيْعُ فِي النِّصْفِ الَّذِي صَارَ إِلَيْهِ، وَبَطَلَ فِي نِصْفِهِ الَّذِي صَارَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، وَمُشْتَرِيهِ بِالْخِيَارِ فِي إِمْضَائِهِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ، وَاسْتِرْجَاعِ نِصْفِهِ الْبَاقِي، أَوْ فَسْخِهِ فِي جَمِيعِهِ، وَاسْتِرْجَاعِ جَمِيعِ ثَمَنِهِ وَإِنْ أَكْذَبَهُ مُبَايِعُهُ فِي ابْتِيَاعِهِ، حَلَفَ لَهُ، وَلَا بَيْعَ بَيْنِهِمَا بَعْدَ يَمِينِهِ، وَهَلْ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ بِثَمَنِهِ الَّذِي شَهِدَتْ بَيِّنَتُهُ بِبَيْعِهِ وَدَفْعِ ثَمَنِهِ، أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مِنَ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي الشَّهَادَةِ إِذَا رُدَّتْ فِي بَعْضِ مَا شَهِدَتْ بِهِ هَلْ يُوجِبُ رَدُّهَا فِي بَاقِيهِ؟
أَحَدُهُمَا: لَا يُرَدُّ وَيُحْكَمُ لَهُ عَلَى الْبَائِعِ بِرَدِّ الثَّمَنِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يُرَدُّ، وَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْبَائِعِ فِي إِنْكَارِهِ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ حَكَمَ بِالثَّوْبِ لِأَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ بَطَلَ بَيْعُ مَنْ لَمْ يُحْكَمْ له، وهل يرد الثمن بالبينة إن أنكر أم لا؟ على قولين وَتَوَجَّهَتِ الدَّعْوَى عَلَى مَنْ حُكِمَ لَهُ بِالثَّوْبِ لِمُشْتَرِيهِ مِنْهُ فَإِنْ صَدَّقَهُ عَلَيْهِ، صَحَّ الْبَيْعُ فِي جَمِيعِهِ وَلَا خِيَارَ لِمُشْتَرِيهِ وَإِنْ أَنْكَرَهُ حَلَفَ، وَلَا بَيْعَ بَيْنِهِمَا.
وَهَلْ يُلْزِمُهُ رَدُّ الثَّمَنِ بِالْبَيِّنَةِ أَمْ لَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ؟
فَهَذَا مَا يَتَفَرَّعُ عَلَى هَذِهِ الدَّعْوَى عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الْمُوجِبِ لِإِسْقَاطِ الْبَيِّنَتَيْنِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُوجَبُ سُقُوطُهُمَا بِالتَّعَارُضِ، وَيُمَيَّزُ بَيْنَهُمَا بِالْقُرْعَةِ.
فَأَيَّتُهُمَا قَرَعَتْ، حُكِمَ بِهَا لِمَنْ شَهِدْتُ لَهُ بِمِلْكِ الْبَائِعِ وَبَيْعِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَفِي إِحْلَافِهِ مَعَ الْقُرْعَةِ قَوْلَانِ وَرُدَّتِ الْبَيِّنَةُ الْمَقْرُوعَةُ فِي مِلْكِ الْآخَرِ، وَبَيْعِهِ، وَلَمْ تَرِدْ فِيمَا شَهِدَتْ بِهِ مِنْ دَفَعَ الثَّمَنِ قَوْلًا وَاحِدًا، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ رَدُّهَا إِسْقَاطًا وَإِنَّمَا كَانَ تَرْجِيحًا.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: اسْتِعْمَالُ الْبَيِّنَتَيْنِ بِقَسْمِ الثَّوْبِ بِهِمَا بَيْنَ الْمُشْتَرِيَيْنِ نِصْفَيْنِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْخِيَارُ فِي إِمْضَاءِ الْبَيْعِ فِي نِصْفِهِ بِنِصْفِ ثَمَنِهِ، وَاسْتِرْجَاعِ بَاقِيهِ، أَوْ فَسْخِ الْبَيْعِ فِيهِ، وَاسْتِرْجَاعِ جَمِيعِ ثَمَنِهِ، لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِيمَا شَهِدَتْ بِهِ وَإِنَّمَا أُمْضِيَتْ فِي النِّصِفِ، لِازْدِحَامِ الْحَقَّيْنِ كَالْعَوْلِ فِي الْفَرَائِضِ.
(فَصْلٌ)
: وَإِذَا تَنَازَعَا ثَوْبًا فِي يَدِ أَحَدِهِمَا مِنْهُ ذِرَاعٌ، وَفِي يَدِ الْآخَرِ مِنْهُ عَشَرَةُ أَذْرُعٍ كَانَا فِي الْيَدِ سَوَاءٌ، وَلَا يَتَرَجَّحُ مَنْ بِيَدِهِ أَكْثَرُهُ، عَلَى مَنْ بِيَدِهِ أَقَلُّهُ، لِأَنَّهُ لَوْ تَفَرَّدَ أَحَدُهُمَا بِالْيَدِ لَمْ يَقَعِ الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بِيَدِهِ أَكْثَرُهُ، أَوْ أَقَلُّهُ.
وَلَوْ تَنَازَعَا دَارًا، وَأَحَدَهُمَا فِي صَحْنِهَا وَالْآخَرُ فِي دِهْلِيزِهَا، كَانَا فِي الْيَدِ سَوَاءٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْجَالِسُ فِي الصَّحْنِ أَحَقُّ بِالْيَدِ مِنَ الْجَالِسِ فِي الدِّهْلِيزِ.
وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأَنَّهُ لَوْ تَفَرَّدَ بِالْجُلُوسِ فِي الدِّهْلِيزِ كَانَتْ يده عليها، كما لوكان فِي صَحْنِهَا، وَهَكَذَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا عَلَى سَطْحِهَا، وَالْآخَرُ فِي سُفْلِهَا كَانَا عِنْدَنَا فِي الْيَدِ سَوَاءٌ، وَلَا فَرْقَ أَنْ يَكُونَ عَلَى السَّطْحِ سُتْرَةٌ حَاجِزَةٌ أَوْ لَا تَكُونَ، أَوْ عَلَى السَّطْحِ مُمَرَّقٌ حَاجِزٌ مِنَ السُّفْلِ أَوْ لَا يَكُونُ.
وَلَوْ تَنَازَعَا مَتَاعًا فِي ظَرْفٍ، وَيَدُ أَحَدِهِمَا عَلَى الظَّرْفِ، وَيَدُ الْآخَرِ عَلَى الْمَتَاعِ اخْتَصَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْيَدِ عَلَى مَا فِي يَدِهِ، وَلَا تَكُونُ الْيَدُ عَلَى الظَّرْفِ مُشَارِكَةٌ لِلْيَدِ عَلَى الْمَتَاعِ، وَلَا الْيَدُ الَّتِي عَلَى الْمَتَاعِ مُشَارِكَةٌ لِلْيَدِ عَلَى الظَّرْفِ، لانفصال أحدهما عن الآخر، لجواز أَنْ يَكُونَ الْمَتَاعُ لِوَاحِدٍ وَالظَّرْفُ لِآخَرَ.
وَلَوْ تَنَازَعَا عَبْدًا، وَيَدُ أَحَدِهِمَا عَلَى ثَوْبِهِ، وَيَدُ الْآخَرِ عَلَى ثَوْبِهِ كَانَتِ الْيَدُ عَلَى الْعَبْدِ يدا على الثوب والعبد، لأنه يَدَ الْعَبْدِ عَلَى الثَّوْبِ أَقْوَى، فَصَارَتِ الْيَدُ عَلَى الْعَبْدِ أَقْوَى، وَلَا يَكُونُ لِصَاحِبِ الْيَدِ عَلَى الثَّوْبِ يَدٌ عَلَى الْعَبْدِ، وَلَا عَلَى الثَّوْبِ، لِأَنَّ لِلْعَبْدِ عَلَى الثَّوْبِ يَدًا وَتَصَرُّفًا، وَلِمُمْسِكِ الثَّوْبِ يَدٌ مِنْ غَيْرِ تَصَرُّفٍ، وَلَوْ تَنَازَعَا دَابَّةً أَحَدُهُمَا رَاكِبُهَا وَالْآخِرُ قَائِدُهَا، فَفِيهِ لِأَصْحَابِنَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: تَكُونُ لِرَاكِبِهَا دُونَ قَائِدِهَا، لِأَنَّهُ مَعَ الْيَدِ الْمُشْتَرِكَةِ مُخْتَصٌّ بِالتَّصَرُّفِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: هُمَا مُشْتَرِكَانِ فِي الْيَدِ عَلَيْهَا، لِأَنَّ قَوْدَهَا تَصَرُّفٌ كَالرُّكُوبِ فَاسْتَوَيَا.
وَلَوْ تَنَازَعَا سَفِينَةً أَحَدُهُمَا مُمْسِكٌ بِرِبَاطِهَا، وَالْآخَرُ مُمْسِكٌ بِخَشَبِهَا، كَانَتِ الْيَدُ لِمُمْسِكِ الْخَشَبِ، دُونَ مُمْسِكِ الرِّبَاطِ، لِأَنَّ الْخَشَبَ مِنَ السَّفِينَةِ وَالرِّبَاطَ لَيْسَ مِنْهَا.
وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا رَاكِبَهَا، وَالْآخَرُ مُمْسِكُهَا، كَانَتِ الْيَدُ لِلرَّاكِبِ، دُونَ الْمُمْسِكِ لِأَنَّ لِلرَّاكِبِ تَصَرُّفًا لَيْسَ لِلْمُمْسِكِ.
وَلَوْ تَنَازَعَا دَابَّةً فِي إِصْطَبْلِ أَحَدِهِمَا، وَأَكْذَبَهُمَا عَلَيْهَا، فَإِنْ كَانَ فِي الْإِصْطَبْلِ دَوَابٌّ لغير مالكه، واستويا فِي الْيَدِ عَلَيْهَا، لِأَنَّ التَّصَرُّفَ فِي الْإِصْطَبْلِ قَدْ صَارَ مُشْتَرَكًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْإِصْطَبْلِ دَوَابٌّ غَيْرُ دَوَابِّ صَاحِبِهِ، كَانَتِ الْيَدُ لِصَاحِبِ الْإِصْطَبْلِ خَاصَّةً لِتَفَرُّدِهِ بِالتَّصَرُّفِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(مسألة)
: قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَوْ كَانَ الثَوْبُ فِي يَدَيْ رَجُلٍ وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ
مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ ثَوْبُهُ بَاعَهُ مِنَ الَّذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَإِنَهُ يَقْضِي بِهِ بَيْنَ الْمُدَّعِيَيْنِ نِصْفَيْنِ وَيَقْضِي لِكُلِّ وَاحِدٍ منهما عليه بنصف الثمن (قال المزني) رحمه الله: ينبغي أن يقضي لكل واحد منهما بجميع الثمن لأنه قد يشتريه من أحدهما ويقبضه ثم يملكه الآخر ويشتريه منه ويقبضه فيكون عليه ثمنان وقد قال أيضا لو شهد شهود كل واحد على إقرار المشتري أنه اشتراه أو أقر بالشراء قضى عليه بالثمنين (قال المزني) سواء إذا شهدوا أنه اشترى أو أقر بالشراء ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذِهِ هِيَ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ الَّتِي يَجْتَمِعُ فِيهَا مُشْتَرٍ وَبَائِعَانِ وَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ بِيَدِهِ ثَوْبٌ تَنَازَعَهُ رَجُلَانِ، فَقَالَ لَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، هَذَا ثَوْبِي بِعْتُهُ عَلَيْكَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَسَلَّمْتُهُ إِلَيْكَ وَلِي عَلَيْكَ ثَمَنُهُ.
وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِمَا ادَّعَاهُ، فَلَا تخلو بينتاهمها مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ تَارِيخُهُمَا مُخْتَلِفًا، فَتَشْهَدُ بَيِّنَةُ أَحَدِهِمَا أَنَّهُ بَاعَهُ عَلَيْهِ فِي رَجَبٍ، وَتَشْهَدُ بَيِّنَةُ الْآخَرِ أَنَّهُ بَاعَهُ عليه في شعبان، فلا تعرض فِي الْبَيِّنَتَيْنِ، لِإِمْكَانِ حَمْلِهِمَا عَلَى الصِّحَّةِ، وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ مِنْ أَحَدِهِمَا فِي رَجَبٍ، وَيَبِيعَهُ عَلَى الْآخَرِ، ثُمَّ يَعُودُ فَيَشْتَرِيهِ مِنْهُ، فَيَصِيرُ مُشْتَرِيًا مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْبَائِعَيْنِ.
فِي وَقْتَيْنِ بِثَمَنَيْنِ، وَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ لَزِمَهُ الثَّمَنَانِ مِنْ غَيْرِ تَكَاذُبٍ وَلَا تَعَارُضٍ، كَمَا لَوِ ادَّعَتِ امْرَأَةٌ عَلَى زَوْجِهَا أَنَّهُ نَكَحَهَا فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ عَلَى صَدَاقِ أَلْفٍ، ثُمَّ نَكَحَهَا فِي يَوْمِ الْجُمْعَةِ عَلَى صَدَاقِ أَلْفَيْنِ، وَأَقَامَتْ عليه البينة بكل واحد من النكاحين، يحكم عَلَيْهِ بِالصَّدَاقَيْنِ وَلَا تَتَعَارَضُ فِيهِ الْبَيِّنَتَانِ، لِأَنَّهُ قد يتزوجها في يوم الخميس، ويخالفها فِيهِ بَعْدَ دُخُولِهِ بِهَا، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا فِي يَوْمِ الْجُمْعَةِ فَيَصِحُّ الْعَقْدَانِ وَيَلْزَمُهُ الصَّدَاقَانِ.
كَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا: يَصِحُّ فِيهِ الْبَيِّعَانِ، وَيَلْزَمُهُ الثَّمَنَانِ، لإِمْكَانِ الصِّحَّةِ وَامْتِنَاعِ التَّنَافِي، وَإِذَا أَمْكَنَ حَمْلُ الْبَيِّنَتَيْنِ عَلَى الصِّحَّةِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْمِلَا عَلَى التَّنَافِي وَالتَّضَادِّ،
(فَصْلٌ)
: وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ تَارِيخُ الْبَيِّنَتَيْنِ وَاحِدًا، فَتَشْهَدُ بَيِّنَةُ أَحَدِهِمَا أَنَّهُ بَاعَ عَلَيْهِ ثَوْبَهُ هَذَا بِأَلْفٍ، مَعَ زَوَالِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ السَّبْتِ، وَتَشْهَدُ بَيِّنَةُ الْآخَرِ أَنَّهُ بَاعَ عَلَيْهِ ثَوْبَهُ هَذَا بِأَلْفٍ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ بِعَيْنِهِ، مَعَ زَوَالِ الشَّمْسِ من يوم السبت، فقد تكاذبت البينتان فتعارضت لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَكُونَ كُلُّ الثَّوْبِ مِلْكًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْبَائِعَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَبَيْعُهُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَيْهِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، فَكَانَ تَعَارُضُهُمَا مَعَ التَّكَاذُبِ مَحْمُولًا عَلَى الْأَقَاوِيلِ الثلاثة في تعارض البينتين: أحدهما: إِسْقَاطُهُمَا بِالتَّعَارُضِ وَلَا يَتَعَيَّنُ بِهِ حَرَجُ أَحَدِهِمَا بِالتَّكَاذُبِ ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ إِسْقَاطِهِمَا إِلَى قَوْلِ صاحب اليد، فإن كذبهما حلف لهما، وبرىء من مطالبتهما، وإن
صدقها، حُكِمَ عَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ بِثَمَنِهِ فَيَلْزَمُهُ لَهُمَا ثَمَنَانِ، لِإِمْكَانِ ابْتِيَاعِهِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِنْ صَدَّقَ أَحَدَهُمَا، وَكَذَّبَ الْآخَرَ، لَزِمَهُ ثَمَنُهُ للمصدق، وحلف المكذب، وبرىء بِيَمِينِهِ وَإِنْ نَكَلَ عَنْهَا رُدَّتْ عَلَى الْمُكَذِّبِ، وَحُكِمَ لَهُ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ إِذَا حَلَفَ فَيَصِيرُ مُلْتَزِمًا لِثَمَنِهِ فِي حَقِّ الْأَوَّلِ بِإِقْرَارِهِ، وَمُلْتَزِمًا بِثَمَنِهِ فِي حَقِّ الثَّانِي بِيَمِينِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: الْإِقْرَاعُ بَيْنَ الْبَيِّنَتَيْنِ، وَالْحُكْمُ لِمَنْ قَرَعَ مِنْهُمَا، وَيَبْطُلُ حُكْمُ الْمَقْرُوعَةِ بِالْقَارِعَةِ، وَفِي إِحْلَافِ مَنْ قَرَعَتْ بَيِّنَتُهُ.
قَوْلَانِ: يَحْلِفُ فِي أَحَدِهِمَا إِنْ جُعِلَتِ الْقُرْعَةُ مُرَجِّحَةً لِلدَّعْوَى، وَلَا يَحْلِفُ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ إِنْ جُعِلَتْ مُرَجِّحَةً لِلْبَيِّنَةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: اسْتِعْمَالُ الْبَيِّنَتَيْنِ، وَقَسْمُ الثَّوْبِ الْمَبِيعِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، فَيَصِيرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَائِعًا لِنِصْفِهُ بِنِصْفِ الثَّمَنِ فَيَكُونُ الثَّمَنُ بَيْنَهُمَا، كَمَا جُعِلَ الثَّوْبُ بَيْنَهُمَا، وَلَا خِيَارَ لِمُشْتَرِيهِ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ لَمْ تَتَبَعَّضْ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا تَبَعَّضَتْ فِي حَقِّ بَائِعِهِ فَإِنْ طَلَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْبَائِعَيْنِ، إِحْلَافَ الْمُشْتَرِي بَعْدَ اسْتِعْمَالِ الْبَيِّنَتَيْنِ كَانَ لَهُ إِحْلَافُهُ، لِأَنَّهُ لَوْ صَدَّقَهُ لَزِمَهُ دَفْعُ الْبَاقِي مِنْ ثَمَنِهِ.
(فَصْلٌ)
: وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ تَكُونَ الْبَيِّنَتَانِ مُطْلَقَتَيْنِ، أَوْ إِحْدَاهُمَا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ إِطْلَاقُهُمَا عَلَى التَّعَارُضِ، وَيُحْتَمَلَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْإِمْكَانِ.
فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ.
هَذَا الْإِطْلَاقُ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ: أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْإِمْكَانِ، وَيُقْضَى عَلَى الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنَيْنِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ إِطْلَاقُهُمَا فِي وَقْتَيْنِ.
وَإِذَا أَمْكَنَ اسْتِعْمَالُ الْبَيِّنَتَيْنِ عَلَى الصِّحَّةِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْمِلَا عَلَى التَّعَارُضِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يُحْمَلَ إِطْلَاقُهُمَا عَلَى التَّعَارُضِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي فَلَا يُضْمَنُ بِأَمْرٍ مُحْتَمَلٍ، وَإِذَا حُكِمَ بِتَعَارُضِهِمَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ كَانَ عَلَى الْأَقَاوِيلِ الثَّلَاثَةِ:
أَحَدُهَا: إسقاطها.
وَالثَّانِي: الْإِقْرَاعُ بَيْنَهُمَا.
وَالثَّالِثُ: اسْتِعْمَالُهُمَا.
(فَصْلٌ)
: فَأَمَّا الْمُزَنِيُّ فَإِنَّهُ تَكَلَّمَ عَلَى فَصْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِيجَابُ الثَّمَنَيْنِ فَإِنْ أَرَادَ بِهِ مَعَ اخْتِلَافِ الْوَقْتَيْنِ فهو صحيح مسلم، وإن أراد مَعَ اجْتِمَاعِ الْعَقْدَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَهُوَ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ لِامْتِنَاعِهِ.
وَإِنْ أَرَادَ بِهِ مَعَ الْإِطْلَاقِ، فَهُوَ أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ، وَإِنْ تَوَرَّعَ فِيهِ.
وَأَمَّا ال
ْفَصْلُ
الثَّانِي: فَهُوَ أَنَّهُ جَعَلَ الشَّهَادَةَ عَلَيْهِ بِمُشَاهَدَةِ الْعَقْدَيْنِ، كَالشَّهَادَةِ عَلَى إِقْرَارِهِ بِالْعَقْدَيْنِ، وَلَوْ قَامَتِ الْبَيِّنَتَانِ عَلَى إِقْرَارِهِ بِالْعَقْدَيْنِ، لَزِمَهُ الثَّمَنَانِ، سَوَاءٌ أَقَرَّ بِهِمَا فِي وَقْتٍ، أَوْ وَقْتَيْنِ، كَذَلِكَ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ بِمُشَاهَدَةِ الْعَقْدَيْنِ تَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ مُوجِبَةً لِالْتِزَامِ الثَّمَنَيْنِ، سَوَاءٌ كَانَتَا فِي وَقْتٍ، أَوْ وَقْتَيْنِ وَهَذَا الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الْوَقْتِ الْوَاحِدِ فَاسِدٌ، لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقِرَّ فِي الْوَقْتِ الْوَاحِدِ بِعَقْدَيْنِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُبَاشِرَ فِي الْوَقْتِ الْوَاحِدِ فِعْلُ عَقْدَيْنِ، فَصَحَّ الْإِقْرَارُ بِهِمَا فِي الْوَقْتِ الْوَاحِدِ، لِإِمْكَانِهِ، وَبَطَلَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ فِي الْوَقْتِ الْوَاحِدِ، لِامْتِنَاعِهِ.
وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الْإِقْرَارِ تُعَارِضٌ فِي مَوْضِعٍ، وَهُوَ أَنْ تَتَّفِقَ الشَّهَادَتَانِ عَلَى أَنَّهُ أَقَرَّ مَرَّةً وَاحِدَةً لِوَاحِدٍ، ثُمَّ اخْتَلَفَا فِيمَنْ أَقَرَّ لَهُ، فَشَهِدَتْ إِحْدَاهُمَا أَنَّ إِقْرَارَهُ كَانَ لِزَيْدٍ، وَشَهِدَتِ الْأُخْرَى أَنَّ إِقْرَارَهُ كَانَ لِعَمْرٍو، فَتَتَعَارَضُ الشَّهَادَتَانِ فِي الْإِقْرَارِ، كَمَا تَعَارَضَتْ فِي الْعَقْدِ، فَيُحْمَلُ تَعَارُضُهُمَا عَلَى الْأَقَاوِيلِ الثَّلَاثَةِ في الموضعين.
(مسألة)
: قال الشافعي رحمه الله: " ولو أقام رجل بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْهُ هَذَا الْعَبْدَ الَذِي فِي يَدَيْهِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَأَقَامَ الْعَبْدُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ سَيِّدُهُ الَذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ أَعَتَقَهُ وَلَمْ يُوَقِّتِ الشُّهُودُ فَإِنِّي أُبْطِلُ الْبَيِّنَتَيْنِ لِأَنَّهُمَا تَضَادَّتَا وَأَحْلَفَهُ مَا بَاعَهُ وَأَحْلَفَهُ مَا أَعْتَقَهُ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) قَدْ أَبْطَلَ الْبَيِّنَتَيْنِ فِيمَا يُمْكِنُ أن تكون فِيهِ صَادِقَتَيْنِ فَالْقِيَاسُ عِنْدِي أَنَّ الْعَبْدَ فِي يَدَيْ نَفْسِهِ بِالْحُرِّيَّةِ كَمُشْتَرٍ قَبَضَ مِنَ الْبَائِعِ فَهُوَ أَحَقُّ لِقُوَةِ السَّبَبِ كَمَا إِذَا أَقَامَا بَيِّنَةً وَالشَّيْءُ فِي يَدَيْ أَحَدِهِمَا كَانَ أَوْلَى بِهِ لِقُوَّةِ السَّبَبِ وَهَذَا أَشْبَهُ بِقَوْلِهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي عَبْدٍ فِي مِلْكِ سَيِّدِهِ، ادَّعَاهُ رَجُلٌ أَنَّهُ ابْتَاعَهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ دَفَعَهَا إِلَيْهِ، وَأَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً، وَادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّ سَيِّدَهُ أَعْتَقَهُ فِي مِلْكِهِ، وَأَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِي الْبَيِّنَتَيْنِ تَارِيخٌ يَدُلُّ عَلَى تَقَدُّمِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، فَيُحْكَمُ بِشَهَادَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ دُونَ الْمُتَأَخِّرَةِ، فَإِنْ تَقَدَّمَ الْبَيْعُ عَلَى الْعِتْقِ، حُكِمَ بِهِ مَبِيعًا، وَأُبْطِلَ أَنْ يَكُونَ مُعْتَقًا، لِأَنَّهُ أَعْتَقَهُ بَعْدَ زَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ بِالْبَيْعِ، وَإِنْ تَقَدَّمَ الْعِتْقُ عَلَى الْبَيْعِ، حُكِمَ بِعِتْقِهِ وَبَطَلَ بَيْعُهُ، لِأَنَّهُ بَاعَهُ بَعْدَ زَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ، بِالْعِتْقِ، وَأَخَذَ بِرَدِّ الثَّمَنِ عَلَى مُشْتَرِيهِ، لِقِيَامِ الْبَيِّنَةِ بِعِتْقِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ فِي الْبَيِّنَتَيْنِ بَيَانٌ يَدُلُّ عَلَى تَقَدُّمِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، إِمَّا لِإِطْلَاقِهِمَا، وَإِمَّا لِتَارِيخِ إِحْدَاهِمَا، وَإِطْلَاقِ الْأُخْرَى، وَإِمَّا لِاجْتِمَاعِهِمَا فِي التَّارِيخِ عَلَى وَقْتٍ وَاحِدٍ فَتَضَادَّ اجْتِمَاعُهُمَا فِيهِ، فَتَصِيرُ الْبَيِّنَتَانِ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثِ مُتَعَارِضَتَيْنِ وَهِيَ فِي اجْتِمَاعِ التَّارِيخِ مُتَكَاذِبَتَيْنِ، وَفِي إِطْلَاقِهِ غَيْرُ مُتَكَاذِبَتَيْنِ،
وَالْحُكْمُ فِي تَعَارُضِهِمَا، سَوَاءٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا بَيَانٌ، وَإِذَا كَانَتْ عَلَى هَذَا التَّعَارُضِ.
فَلِلْعَبْدِ حَالَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِي يَدِ سَيِّدِهِ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ فِي يَدِ مُدَّعِي الشِّرَاءِ، فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ سَيِّدِهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَكُونُ تَقْدِيمُهُ لِإِحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ مُرَجِّحًا.
أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ، تَتَرَجَّحُ الْبَيِّنَةُ.
بِتَصْدِيقِهِ، لِأَنَّهُ ذُو يَدٍ مَالِكَةٍ.
فَعَلَى هَذَا إن صدق بَيِّنَةَ الْمُشْتَرِي عَلَى ابْتِيَاعِهِ، حُكِمَ بِهِ مَبِيعًا، وَسَقَطَتْ بَيِّنَةُ عِتْقِهِ، وَلَا يَمِينَ لِلْعَبْدِ عَلَى سَيِّدِهِ، لِأَنَّهُ لَوِ اعْتَرَفَ لَهُ بِالْعِتْقِ بَعْدَ بَيْعِهِ، لَمْ يُغَرَّمْ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يَحْلِفَ وَإِنْ صَدَّقَ بَيِّنَةَ الْعَبْدِ عَلَى عِتْقِهِ، حُكِمَ بِعِتْقِهِ، وَسَقَطَتْ بَيِّنَةُ بَيْعِهِ، وَهَلْ لِمُشْتَرِيهِ أَنْ يَرْجِعَ بِثَمَنِهِ بِبَيِّنَتِهِ بَعْدَ رَدِّهَا فِي بَيْعِهِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَرْجِعُ بِثَمَنِهِ إِذَا قِيلَ: إِنَّ رَدَّهَا فِي الْبَعْضِ لَا يُوجِبُ رَدَّهَا فِي الْكُلِّ، فَعَلَى هَذَا لَا يَمِينَ لِلْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ فِي إِنْكَارِهِ لِبَيْعِهِ، لِأَنَّهُ لَوِ اعْتَرَفَ بَعْدَ الْعِتْقِ لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا رَدُّ الثَّمَنِ، وَقَدْ رُدَّ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يرجح بِثَمَنِهِ بِالْبَيِّنَةِ إِذَا قِيلَ: إِنْ رَدَّ الْبَيِّنَةِ فِي الْبَعْضِ، مُوجِبٌ لِرَدِّهَا فِي الْكُلِّ، فَعَلَى هَذَا يَسْتَحِقُّ الْمُشْتَرِي إِحْلَافُ الْبَائِعِ عَلَى إِنْكَارِهِ، لِأَنَّهُ لَوِ اعْتَرَفَ لَهُ بَعْدَ الْعِتْقِ، لَزِمَهُ رَدُّ الثَّمَنِ لَأَنَّ الْيَمِينَ تَسْتَحِقُّ فِي الْإِنْكَارِ إِذَا وَجَبَ الْعِوَضُ بِالْإِقْرَارِ وَيَسْقُطُ فِي الْإِنْكَارِ إِنْ سَقَطَ الْغُرْمُ بِالْإِقْرَارِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ خَيْرَانَ، وَجُمْهُورُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا تَتَرَجَّحُ وَاحِدَةٌ مِنَ الْبَيِّنَتَيْنِ بِتَصْدِيقِ الْبَائِعِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَشْهَدُ بِزَوَالِ مِلْكِهِ، وَرَفْعِ يَدِهِ.
فَعَلَى هَذَا يَتَحَقَّقُ تَعَارُضُ الْبَيِّنَتَيْنِ.
وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: لَا تَعَارُضَ فِيهَا، وَيُحْكَمُ بِبَيِّنَةِ الْعِتْقِ، لِأَنَّ الْعَبْدَ فِي يَدِ نَفْسِهِ، فَصَارَتْ يَمِينُهُ بَيِّنَةُ دَاخِلٍ، وَبَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي بَيِّنَةُ خَارِجٍ؛ فَقَضَى بِبَيِّنَةِ الدَّاخِلِ عَلَى بَيِّنَةِ الْخَارِجِ.
وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ لَهُ يَدٌ عَلَى نَفْسِهِ، لِأَنَّ الْيَدَ عَلَيْهِ فَامْتَنَعَ أَنْ تَكُونَ الْيَدُ لَهُ أَلَا تَرَاهُ لَوِ ادَّعَاهُ عَلَى سَيِّدِهِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ، وَأَنْكَرَهُ السَّيِّدُ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ عَلَى السَّيِّدِ، وَلَوْ كَانَ فِي يَدِ نَفْسِهِ، قُبِلَ قوله عليه، أو لا تَرَى لَوْ تَنَازَعَ ابْتِيَاعَهُ رَجُلَانِ، فَصَدَّقَ أَحَدَهُمَا لَمْ يُؤَثِّرْ تَصْدِيقُهُ وَلَوْ كَانَتْ لَهُ يَدٌ عَلَى نَفْسِهِ لَكَانَ تَصْدِيقُهُ مُؤَثِّرًا.
وَأَمَّا الْحُرُّ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا.
هَلْ تَكُونُ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ يَدٌ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: تَكُونُ لَهُ يَدٌ عَلَى نَفْسِهِ، إِذْ لَيْسَ عَلَيْهِ يَدٌ لِغَيْرِهِ.
أَوَ لَا تَرَى أَنَّ مَنِ ادَّعَى لَقِيطًا عَبْدًا، فَاعْتَرَفَ لَهُ بِالرِّقِّ، كَانَ عَبْدًا لَهُ.
وَلَوْ أَنْكَرَهُ
كَانَ حُرًّا، وَلَمْ يَكُنْ عَبْدًا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ نَفْسِهِ لَمَا أَثَّرَ إِقْرَارُهُ، وَإِنْكَارُهُ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا.
إِنَّهُ لَا يَدَ لِلْحُرِّ عَلَى نَفْسِهِ، لِأَنَّ الْيَدَ تَسْتَقِرُّ عَلَى الْأَمْوَالِ وَلَا حُكْمَ لَهَا فِيمَا لَيْسَ بِمَالٍ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ يَدٌ، كَمَا لَمْ تَكُنْ لِغَيْرِهِ عَلَيْهِ يَدٌ، وَلَيْسَ يُقْبَلُ قَوْلُ اللَّقِيطِ، لِأَنَّ لَهُ يَدًا عَلَى نَفْسِهِ، وَلَكِنْ لِنُفُوذِ إِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَمْ يَصِحَّ مَا قَالُوهُ.
(فَصْلٌ)
: فَإِذَا صَحَّ أَنْ لَا يَدَ لِلْعَبْدِ عَلَى نَفْسِهِ، صَحَّ فِيهِ تَعَارُضُ الْبَيِّنَتَيْنِ وَفِي تَعَارُضِهِمَا ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ:
أحدهما: إِسْقَاطُهُمَا، وَيَرْجِعُ إِلَى السَّيِّدِ فِي تَكْذِيبِهِمَا، أَوْ تَصْدِيقِ أَحَدِهِمَا فَإِنْ كَذَّبَهُمَا، حَلَفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَكَانَ الْعَبْدُ مَوْقُوفًا عَلَى مِلْكِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ رَدُّ الثَّمَنِ بِالْبَيِّنَةِ، لِأَنَّهَا قَدْ أُسْقِطَتْ فِي كُلِّ مَا شَهِدَتْ بِهِ، وَإِنْ صَدَّقَ الْعَبْدَ دُونَ الْمُشْتَرِي، عُتِقَ الْعَبْدُ، وَحَلَفَ الْمُشْتَرِي، لِأَنَّهُ لَوْ صَدَّقَهُ بَعْدَ تَصْدِيقِ الْعَبْدِ، غَرِمَ لَهُ الثَّمَنَ، وَإِنْ صَدَّقَ الْمُشْتَرِيَ مَلَكَ الْعَبْدَ بِالشِّرَاءِ، وَلَمْ يَحْلِفْ لِلْعَبْدِ لِأَنَّهُ لَوْ صَدَّقَهُ بَعْدَ تَصْدِيقِ الْمُشْتَرِي، لَمْ يَلْزَمْهُ غُرْمٌ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: الْإِقْرَاعُ بَيْنَ الْبَيِّنَتَيْنِ وَالْقُرْعَةُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ قَوِيَّةٌ، لِأَنَّهَا يَتَمَيَّزُ بِهَا حُرِّيَّةٌ، وَرِقٌّ.
فَعَلَى هَذَا إِنْ قَرَعَتْ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي حُكِمَ لَهُ بِابْتِيَاعِهِ، وَفِي إِحْلَافِهِ مَعَ قُرْعَتِهِ قَوْلَانِ.
إِنْ قَرَعَتْ بَيِّنَةُ الْعَبْدِ، حُكِمَ بِعِتْقِهِ، وَلَزِمَهُ رَدُّ الثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي، لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ لَمْ تَسْقُطْ وَإِنَّمَا تَرَجَّحَ غَيْرُهَا فَوُقِفَتْ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: اسْتِعْمَالُ الْبَيِّنَتَيْنِ.
فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي صِحَّةِ تَخْرِيجِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عَلَى وَجْهَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: لَا يَصِحُّ تَخْرِيجُهُ، لِأَنَّ سِرَايَةِ الْعِتْقِ تُسْقِطُ حُكْمَ الْقِسْمَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَصِحُّ تَخْرِيجُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ؛ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَهُمَا لَا يَسْقُطُ بِمَا يَحْدُثُ عَنِ الْقِسْمَةِ بِهِمَا، فَعَلَى هَذَا يُجْعَلُ نِصْفُهُ مَبِيعًا عَلَى الْمُشْتَرِي بِنِصْفِ الثَّمَنِ، وَيَكُونُ فِيهِ لِأَجْلِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ إِمْضَاءِ الْبَيْعِ فِيهِ بِنِصْفِ ثَمَنِهِ، وَاسْتِرْجَاعِ نِصْفِهِ الْبَاقِي، وَبَيْنَ فَسْخِهِ، وَاسْتِرْجَاعِ جَمِيعِ ثَمَنِهِ، فَإِنْ فَسَخَ، حُكِمَ بِعِتْقِهِ عَلَى سَيِّدِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ عَادَ إِلَى مِلْكِهِ، وَقَدْ شَهِدَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِعِتْقِهِ، وَإِنَّمَا جُعِلَ نِصْفُهُ مَبِيعًا لِمُزَاحَمَةِ الْمُشْتَرِي بِبَيِّنَتِهِ، فَإِذَا زَالَتْ مُزَاحَمَتُهُ بِفَسْخِهِ زَالَ سَبَبُ التَّبْعِيضِ فَعُتِقَ الْجَمِيعُ، وَإِنْ أَقَامَ عَلَى الْبَيْعِ فِي نِصْفِهِ وَلَمْ يَفْسَخِ، اعْتُبِرَ حَالُ الْبَائِعِ، فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا بِقِيمَةِ نِصْفِهِ لَمْ يَسْرِ
الْعِتْقُ إِلَى نِصْفِهِ الْمَبِيعِ، وَكَانَ عَلَى رِقِّهِ لِمُشْتَرِيهِ.
وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا بِقِيمَتِهِ، فَفِي سِرَايَةِ عِتْقِهِ وَوُجُوبِ تَقْوِيمِهِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُقَوَّمُ عَلَيْهِ وَيَسْرِي الْعِتْقُ إِلَى جَمِيعِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ عَادَ إِلَيْهِ بِالْفَسْخِ عُتِقَ عَلَيْهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَقُومَ عَلَيْهِ، وَلَا يَسْرِي الْعِتْقُ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِعِتْقِهِ، وَإِنَّمَا أُخِذَ جَبْرًا بِعِتْقِ مِلْكِهِ فَلَمْ يَسِرْ إِلَى غَيْرِ مِلْكِهِ وَصَارَ فِي عَوْدِ النِّصْفِ الْمَبِيعِ بِالْفَسْخِ كَمَنْ وَرِثَ أَبَاهُ، لَمْ يُعْتَقْ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فِي عَوْدِهِ إِلَيْهِ بِالْفَسْخِ لَمْ يَسْتَقِرَّ عَلَيْهِ لِغَيْرِهِ مِلْكٌ فَعُتِقَ عَلَيْهِ الْجَمِيعُ مِنْ غَيْرِ تَبْعِيضٍ.
(فَصْلٌ) :
فَأَمَّا إِذَا تَعَارَضَتِ الْبَيِّنَتَانِ، وَكَانَ الْعَبْدُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَفِي تَرْجِيحِ بَيِّنَتِهِ بِيَدِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُرَجَّحُ بِيَدِهِ، لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ بَيِّنَةُ دَاخِلٍ، وَبَيِّنَةُ الْعَبْدِ بَيِّنَةُ خَارِجٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَقْضِيَ بِبَيِّنَةِ الْمُشْتَرِي فِي ابْتِيَاعِ جَمِيعِهِ، وَتَبْطُلُ بَيِّنَةُ الْعِتْقِ، وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ إِحْلَافُ سَيِّدِهِ، لِأَنَّهُ لَا غُرْمَ عَلَيْهِ لَوْ أَقَرَّ لَهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: تُرَجَّحُ بَيِّنَتُهُ بِيَدِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ أَضَافَ مِلْكَهُ إِلَى سَبَبِهِ، فَزَالَ بِذِكْرِ السَّبَبِ حُكْمُ الْيَدِ، وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ إِذَا تَنَازَعَ رَجُلَانِ فِي ابْتِيَاعِ عَبْدٍ مِنْ رَجُلٍ، وَأَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ ابْتَاعَهُ مِنْهُ، وَقَبَضَهُ، وَأَقَامَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ ابْتَاعَهُ مِنْهُ وَلَمْ يَقُولُوا: إِنَّهُ قَبَضَهُ، فَإِنْ رُجِّحَتِ الْبَيِّنَةُ بِالْيَدِ رُجِّحَتْ بِالْقَبْضِ، وَإِنْ لَمْ تُرَجَّحْ بِالْيَدِ، لَمْ تُرَجَّحْ بِالْقَبْضِ وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهَا تُرَجَّحُ بِالْقَبْضِ، لِأَنَّ الْبَيْعَ بِالْقَبْضِ مُنْبَرِمٌ وَقَبْلَ الْقَبْضِ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ سَلَامَةِ الْمَبِيعِ، فيبرم أَوْ تَلَفٍ فَيَبْطُلُ فَكَانَ تَرْجِيحُهُ بِالْقَبْضِ دَلِيلًا على ترجيحه باليد.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَا أَقْبَلُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ هَذِهِ الْجَارِيَةَ بِنْتُ أَمَتِهِ حَتَّى يَقُولُوا وَلَدْتُهَا فِي مِلْكِهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ ادَّعَى جَارِيَةً فِي يَدِ غَيْرِهِ أَنَّهَا بِنْتُ أَمَتِهِ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهَا بِنْتُ أَمَتِهِ لَمْ يُقْضَ لَهُ بِمِلْكِهَا، لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ تَلِدَهَا الْأُمُّ قَبْلَ أَنْ تُمَلَّكَ الْأُمُّ، وَهَكَذَا لَوِ ادَّعَى ثَمَرَةً، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا ثَمَرَةُ نَخْلَتِهِ، لَمْ يُقْضَ لَهُ بِمِلْكِ التَّمْرَةِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مِلْكُ النَّخْلَةِ بَعْدَ حُدُوثِ الثَّمَرَةِ.
وَهَكَذَا لَوِ ادَّعَى صُوفًا، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ مِنْ صُوفِ غنمه، لم يقض له بالصوف تجواز أَنْ يَمْلِكَ الْغَنَمَ بَعْدَ جِزَازِ الصُّوفِ، فَصَارَتِ الْبَيِّنَةُ غَيْرَ مُثْبَتَةٍ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُقْضَ بِهَا فَإِنْ شَهِدُوا أَنَّهَا بِنْتُ أَمَتِهِ وَلَدَتْهَا فِي ملكه، وفي الثمرة أنها ثمرة أَنَّهَا ثَمَرَةُ نَخْلَتِهِ أَثْمَرَتْهَا فِي
مِلْكِهِ، وَفِي الصُّوفِ أَنَّهُ مِنْ غَنِمَهُ جُزَّ فِي مِلْكِهِ، قُضِيَ لَهُ بِمِلْكِ الْجَارِيَةِ وَالثَّمَرَةِ، وَالصُّوفِ لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ أَصْلًا، مَلَكَ مَا حَدَثَ عَنْهُ مِنَ النَّمَاءِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ المغضوب منه يستحق نماء ملكه مع استرجاء أَصْلِهِ، فَصَارَتِ الشَّهَادَةُ بِهَذَا شَهَادَةٌ بِالْمِلْكِ، وَسَبَبُهُ، فَكَانَتْ أَوْكَدَ مِنَ الشَّهَادَةِ، بِمُجَرَّدِ الْمِلْكِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَذِهِ شَهَادَةٌ بِمِلْكٍ مُتَقَدِّمٍ، وَلَيْسَتْ شَهَادَةً بملك في الحال، فصار كشهادتهم أم هَذِهِ الْجَارِيَةَ كَانَ مَالِكًا لَهَا فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ، فَلَا يُوجِبُ ذَلِكَ أَنْ يُحْكَمَ لَهُ بِمِلْكِهَا، فَكَذَلِكَ فِي الْوِلَادَةِ.
قِيلَ: قَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ أَنَّ الشَّهَادَةَ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ لَا تُوجِبُ الْمِلْكَ فِي الْحَالِ وَالشَّهَادَةَ بِقَدِيمِ الْوِلَادَةِ وَالنِّتَاجِ يُوجِبُ الْمِلْكَ فِي الْحَالِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي اخْتِلَافِ النَّصَّيْنِ مَعَ تَشَابُهِ الْأَمْرَيْنِ فَكَانَ الْبُوَيْطِيُّ، وَابْنُ سُرَيْجٍ، يَحْمِلَانِهِ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يُحْكَمُ بِالْمِلْكِ فِي الشَّهَادَةِ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ، وَالشَّهَادَةِ بِالْوَلَدِ، وَالنِّتَاجِ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي النِّتَاجِ، اسْتِصْحَابًا لِثُبُوتِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ لَهُ بِالْمِلْكِ فِي الشَّهَادَةِ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ، والشهادة بالولد، والنتاج، على ما نص عليه فِي الشَّهَادَةِ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ، لِأَنَّ الْمِلْكَ الْمُتَقَدِّمَ قَدْ يَزُولُ بِأَسْبَابٍ فَلَمْ تُوجِبْ ثُبُوتَ الْمِلْكِ فِي الْحَالِ.
وَكَانَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ، وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ، يَمْنَعُونَ مِنْ تَخْرِيجِ ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَيَحْمِلُونَ جَوَابَ الشَّافِعِيِّ عَلَى ظَاهِرِهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، فَيَحْكُمُونَ لَهُ بِمِلْكِ الْوَلَدِ وَالنِّتَاجِ، إِذَا شَهِدُوا لَهُ بِحُدُوثِ الْوِلَادَةِ، وَالنِّتَاجِ فِي مِلْكِهِ، وَلَا يَحْكُمُونَ لَهُ بِمِلْكِهِمَا، إِذَا شَهِدُوا لَهُ بِقَدِيمٍ مِلْكَهُ، وَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ شَهِدُوا فِي الْوِلَادَةِ وَالنِّتَاجِ بِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ، وَنَمَاءُ مِلْكِهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ، كَمَا لَوْ شَهِدُوا لَهُ بِغَصْبِ مَاشِيَةٍ نَتَجَتْ، وَنَخْلٍ أَثْمَرَتْ، مَلَكَ بِهِ النِّتَاجَ، وَالثَّمَرَةَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ شَهَادَتُهُمْ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ، لِتُنْقَلَ أَحْوَالُهُ مِنْ مَالِكٍ إِلَى مَالِكٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّ النِّتَاجَ لَمَّا لَمْ يَتَقَدَّمُهُ فِيهِ مَالِكٌ، صَارَ فِي تَمَلُّكِهِ أَصْلًا، وَقَدِيمُ الْمِلْكِ، لَمَّا تَقَدَّمَهُ فِيهِ مَالِكٌ، صَارَ فِي تَمَلُّكِهِ فَرْعًا وَحُكْمُ الْأَصْلِ أَقْوَى مِنْ حُكْمِ الْفَرْعِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَحْدُثَ الْوَلَدُ لِغَيْرِ مَالِكِ الْأُمِّ كَالْمُوصِي إِذَا وَصَّى بِأَمَتِهِ لِزَيْدٍ وَتِحَمْلِهَا لِعَمْرٍو، فَإِنَّهَا تَلِدُهُ فِي مِلْكِهِ، وَلَيْسَ يَمْلِكُهُ.
قِيلَ: هَذَا نَادِرٌ أَخْرَجَتْهُ الْوَصِيَّةُ عَنْ حُكْمِ أَصْلِهِ، فَصَارَ كَالِاسْتِثْنَاءِ الَّذِي لَا يَمْنَعُ جَوَازُهُ مِنِ اسْتِعْمَالِ أَصْلِهِ عَلَى الْعُمُومِ قَبْلَ وُرُودِهِ.
(فَصْلٌ)
: وَإِذَا شَهِدُوا أَنَّ هَذِهِ الْجَارِيَةَ بِنْتُ أَمَتِهِ، وَلَدَتْهَا بَعْدَ مِلْكِهِ، وَلَمْ يَقُولُوا وَلَدَتْهَا فِي مِلْكِهِ، لَمْ يُحْكَمْ لَهُ بِمِلْكِ الْجَارِيَةِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَاعَهَا فَوَلَدَتْ بَعْدُ ثُمَّ عَادَ فَابْتَاعَهَا، أَوْ يَكُونُ قَدْ بَاعَهَا فَوَلَدَتْ عِنْدَ مُشْتَرِيهَا، ثُمَّ أَفْلَسَ بِهَا، فَارْتَجَعَهَا الْبَائِعُ دُونَ وَلَدِهَا، فَلِذَلِكَ لَمْ تَقُمُ الْبَيِّنَةُ بِمِلْكِهَا، وَلَوْ شَهِدُوا أَنَّهَا بِنْتُ أَمَتِهِ، أَخَذَهَا هَذَا مِنْ يَدِهِ كَانَتْ شَهَادَةٌ لَهُ بِالْيَدِ، دُونَ الْمِلْكِ فَيُحْكَمُ لَهُ بِرَدِّ الْجَارِيَةِ عَلَيْهِ يَدًا لَا مِلْكًا.
وَلَوْ شَهِدُوا أَنَّهَا بِنْتُ أَمَتِهِ، وَكَانَتْ أَمْسُ فِي يَدِهِ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ الْمَشْهُورِ مِنْ قَوْلِهِ: أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ لَهُ بِالْيَدِ إِذَا شَهِدُوا لَهُ بِيَدٍ مُتَقَدِّمَةٍ، وَإِنْ حُكِمَ لَهُ بِالْمِلْكِ إِذَا شَهِدُوا لَهُ بِمِلْكٍ مُتَقَدِّمٍ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَكَانَ الْبُوَيْطِيُّ، وَابْنُ سُرَيْجٍ، يَجْمَعَانِ بَيْنَ الشَّهَادَةِ بِقَدِيمِ الْيَدِ، وَقَدِيمِ الْمِلْكِ، فِي الْحُكْمِ بِهِمَا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَنْ فَرَّقَ أَصْحَابِنَا بَيْنَ قَدِيمِ الْيَدِ، وَقَدِيمِ الْمِلْكِ، مَا يَمْنَعُ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا.
وَفَرَّعَ ابْنُ سُرَيْجٍ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ قَدِيمِ الْيَدِ، وَقَدِيمِ الْمِلْكِ فِي الْحُكْمِ بِهِمَا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، أَنْ يَتَنَازَعَا الْجَارِيَةَ فَيُقِرُّ صَاحِبُ الْيَدِ أَنَّهَا كَانَتْ فِي يَدِ مُدَّعِيهَا أَمْسِ.
قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ إِنْ قِيلَ بِأَنَّ قِيَامَ الْبَيِّنَةِ بِأَنَّهَا كَانَتْ بِيَدِهِ أَمْسُ يُوجِبُ الْحُكْمَ لَهَا بِالْيَدِ، فَإِقْرَارُ صَاحِبِ الْيَدِ أَوْلَى بِالْحُكْمِ.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّ قِيَامَ الْبَيِّنَةِ لَا يُوجِبُ الْحُكْمَ لَهُ بِالْيَدِ، فَفِي إِقْرَارِ صَاحِبِ الْيَدِ بِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ إِقْرَارَهُ لَا يُوجِبُ الْحُكْمَ بِهِ كَمَا لَا يَجِبُ بِالْبَيِّنَةِ، لِاسْتِوَائِهِمَا فِي ثُبُوتِ الْحُكْمِ بِهِمَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّنَا نَحْكُمُ عَلَى صَاحِبِ الْيَدِ بِإِقْرَارِهِ، وَإِنْ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ.
وَتُنْقَلُ الْيَدُ إِلَى الْمُدَّعِي بِالْإِقْرَارِ، وَإِنْ لَمْ تُنْقَلْ إِلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ، لِتَقَدُّمِ الْإِقْرَارِ عَلَى الْبَيِّنَةِ الْمُكَذِّبَةِ لَهُ فَأَمَّا إِنْ أَقَرَّ صَاحِبُ الْيَدِ أَنَّ الْمُدَّعِيَ كَانَ مَالِكًا لَهَا بِالْأَمْسِ، حُكِمَ لَهُ بِالْمِلْكِ قَوْلًا وَاحِدًا وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ، لِقُوَّةِ الْإِقْرَارِ عَلَى الْبَيِّنَةِ وَيَكُونُ الْإِقْرَارُ بِالْمِلْكِ أَقْوَى مِنَ الْإِقْرَارِ بِالْيَدِ.
(فَصْلٌ)
: وَإِذَا تَنَازَعَ رَجُلَانِ فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَارِيَةٌ، فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْجَارِيَةَ، الَّتِي فِي يَدِ صَاحِبِهِ، أَنَّهَا بِنْتُ الْجَارِيَةِ الَّتِي فِي يَدِهِ، وُلِدَتْ عَلَى مِلْكِهِ، وَيُقِيمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا يَدَّعِيهِ وَهَذَا يَكُونُ مَعَ اشْتِبَاهِ الْأَسْنَانِ، وَأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ أُمًّا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تكون كل واحدة بِنْتًا فَتَصِيرُ الشَّهَادَتَانِ مُتَعَارِضَتَيْنِ فِي الْوِلَادَةِ دُونَ الْمِلْكِ، لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ تَكُونَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِنْتَ الْأُخْرَى، فَصَارَتَا فِي الْوِلَادَةِ مُتَعَارِضَتَيْنِ، وَلَمْ يَتَعَارَضَا فِي الْمِلْكِ، لِأَنَّ بَيِّنَةَ زَيْدٍ شَهِدَتْ لَهُ بِمِلْكِ الْجَارِيَةِ
الَّتِي فِي يَدِ عَمْرٍو وَبَيِّنَةَ عَمْرٍو شَهِدَتْ لَهُ بِمِلْكِ الْجَارِيَةِ الَّتِي فِي يَدِ زَيْدٍ فَلَمْ يَكُنْ فِيهَا تَعَارُضٌ فِي الْمِلْكِ، وَإِنْ تَعَارَضَتَا فِي الْوِلَادَةِ فَيُحْكَمُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِبَيِّنَتِهِ وَتُسَلَّمُ الْجَارِيَةُ الَّتِي فِي يَدِ زَيْدٍ إِلَى عَمْرٍو، وَالْجَارِيَةُ الَّتِي فِي يَدِ عَمْرٍو إِلَى زَيْدٍ، وَلَا يَكُونُ تَعَارُضُهُمَا فِي الْوِلَادَةِ مُوجِبًا لِتَعَارُضِهِمَا فِي الْمِلْكِ، وَكَانَ التَّعَارُضُ فِي الْوِلَادَةِ أَقْوَى، وَلَا يَحْمِلُ عَلَى رَدِّ الْبَيِّنَةِ فِي الْكُلِّ، إِذَا رُدَّتْ فِي الْبَعْضِ، لِأَنَّ الْوِلَادَةَ هَاهُنَا لَمْ تُؤَثِّرْ فِي الْحُكْمِ فَكَانَ وُجُودُهَا كَعَدَمِهَا، وَلَوْ كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، فَقَالَ: أَنَا مَالِكٌ لِلْجَارِيَةِ الَّتِي فِي يَدِي، وَالْجَارِيَةِ الَّتِي فِي يَدِكَ، وَهِيَ بِنْتُ الْجَارِيَةِ الَّتِي هِيَ فِي يَدِي، وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً صَارَتِ الشَّهَادَتَانِ مُتَعَارِضَتَيْنِ فِي الْوِلَادَةِ وَالْمِلْكِ جَمِيعًا، لِأَنَّهُ يستحيل أن تكون كل واحدة منهما بنت الْأُخْرَى، فَتَعَارَضَتْ فِي الْوِلَادَةِ، وَيَسْتَحِيلُ أَنْ تَكُونَ الْجَارِيَتَانِ مَعًا مِلْكًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَتَعَارَضَتْ فِي الْمِلْكِ، فَتَكُونُ عَلَى الْأَقَاوِيلِ الثَّلَاثَةِ فِي تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ، فَإِنْ زَالَ الِاشْتِبَاهُ فِي سِنِّ الْجَارِيَتَيْنِ بَانَ مَنْ يَحِقُّ أَنْ تَكُونَ بِنْتَ الْأُخْرَى لِصِغَرِ سِنِّهَا، وَكِبَرِ الْأُخْرَى، تَعَيَّنَ بِهَا كَذِبُ إِحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ فِي الْوِلَادَةِ، فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُمَا فِي الْمِلْكِ، وَحُكِمَ بِشَهَادَةِ الْأُخْرَى فِي الْوِلَادَةِ وَالْمِلْكِ، وَزَالَ بِهِ حُكْمُ التَّعَارُضِ.
(فَصْلٌ)
: وَإِذَا تَنَازَعَا شَاةً مَذْبُوحَةً وَكَانَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا رَأْسُهَا وَجِلْدُهَا وَسَقَطُهَا، وَفِي يَدِ الْآخَرِ مَسْلُوخُهَا، وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ جَمِيعَهَا لَهُ، وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً حُكِمَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمِلْكِ مَا فِي يَدِهِ، لِأَنَّ لَهُ بِمَا فِي يَدِهِ بَيِّنَةَ دَاخِلٍ، وَفِيمَا بِيَدِ صَاحِبِهِ بَيِّنَةَ خَارِجٍ، فَقَضَى بِبَيِّنَةِ الدَّاخِلِ عَلَى بَيِّنَةِ الْخَارِجِ.
وَحَكَمَ أَبُو حَنِيفَةَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، بِمَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ، لِأَنَّهُ يَقْضِي بِبَيِّنَةِ الْخَارِجِ عَلَى بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ، وَلَوْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي تِلْكَ الشَّاةَ، وَأَنَّهَا نَتَجَتْ فِي مِلْكِهِ، وَأَقَامَ بِهَا بَيِّنَةً وَأَمْضَى أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَنَّهُ يُحْكَمُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمِلْكِ مَا فِي يَدِهِ، لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ عَلَى الْقَضَاءِ بِبَيِّنَةِ الدَّاخِلِ فِي النِّتَاجِ، وَيُخَالِفُ فِي غَيْرِهِ، فَيَقْضِي بِبَيِّنَةِ الْخَارِجِ فِي غَيْرِ النتاج.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ شَهِدُوا أَنَّ هَذَا الْغَزْلَ مِنْ قُطْنِ فُلَانٍ جَعَلْتُهُ لِفُلَانٍ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا شَهِدُوا أَنَّ هَذَا الْغَزَلَ مِنْ قُطْنِ زَيْدٍ، كَانَتْ شَهَادَةٌ بِمِلْكِ زَيْدٍ لِلْغَزْلِ، لِأَنَّهُ عَيْنُ الْقُطْنِ وَإِنْ غَيَّرَتْهُ الصَّنْعَةُ، بِخِلَافِ شَهَادَتِهِمْ أَنَّ هَذِهِ الْجَارِيَةَ بِنْتُ أَمَتِهِ لِأَنَّهَا غَيْرُ أَمَتِهِ.
وَهَكَذَا لَوْ شَهِدُوا أَنَّ هَذَا الثَّوْبَ من غزل زيد كانت الشهادة لَهُ بِمِلْكِ الثَّوْبِ، لِأَنَّهُ الْقُطْنُ بِعَيْنِهِ، وَإِنْ تَغَيَّرَ بِالْغَزَلِ وَالنِّسَاجَةِ.
وَجَعْلهَا أَبُو حَنِيفَةَ شَهَادَةً بِالْقُطْنِ، دُونَ الثَّوْبِ، وَالْغَزَلِ، وَبَنَى ذَلِكَ عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ الْغَاصِبَ إِذَا عَمِلَ فِي الْمَغْصُوبِ بِمَا يُغَيِّرُ عَنْ حَالِهِ، كَانَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ مَالِكِهِ وَغَرِمَ لَهُ بَدَلَ أَصْلِهِ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهُ فِي الْغَصْبِ، وَأَنَّ مَالِكَهُ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَاصِبِهِ.
فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الثَّوْبِ مَنْسُوجًا أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ غَزْلًا، وَقُطْنًا، وَهُوَ الْأَغْلَبُ لَمْ يَرْجِعْ صَاحِبُ الْيَدِ بِزِيَادَتِهِ عَلَى الْمَالِكِ.
وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ وَهُوَ نَادِرٌ، رَجَعَ الْمَالِكُ بِنُقْصَانِهِ عَلَى صَاحِبِ الْيَدِ مِنْ أَكْثَرِ قِيمَتِهِ قُطْنًا، أَوْ غَزْلًا، وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي نَظَائِرِ هَذَا إِذَا شَهِدُوا أَنَّ هَذَا الدَّقِيقَ مِنْ حِنْطَةِ زَيْدٍ، وَهَذِهِ الدَّنَانِيرَ مِنْ ذَهَبِهِ، وَهَذِهِ الدَّرَاهِمَ مِنْ فِضَّتِهِ، وَهَذِهِ النَّخْلَةَ مِنْ نَوَاتِهِ، وَهَذَا الزَّرْعَ مِنْ بَذْرِهِ، كَانَتْ لَهُ شَهَادَةٌ بِمِلْكِ ذَلِكَ، سَوَاءً كَانَ بِعَمَلِ صَاحِبِ الْيَدِ، أَوْ بِغَيْرِ عَمَلِهِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: إِنْ تَغَيَّرَ بِعَمَلِ صَاحِبِ الْيَدِ مِلْكَهُ.
فَعَلَى هَذَا يَقُولُ إِنْ نَبَتَتِ النَّوَاةُ نَخْلَةً بِنَفْسِهَا، وَنَبَتَ الْبَذْرُ فِي الْأَرْضِ بِنَفْسِهِ، كَانَ لِمَالِكِهِ، وَإِنْ كَانَ بِعَمَلِ صَاحِبِ الْيَدِ، كَانَ لَهُ، يقول فِي رَجُلٍ غَصَبَ دَجَاجَةً فَبَاضَتْ بَيْضَتَيْنِ حَضَنَتِ الدَّجَاجَةُ إِحْدَاهُمَا حَتَّى صَارَتْ فَرْخًا وَحَضَنَ الْغَاصِبُ الْأُخْرَى، إِمَّا تَحْتَ الدَّجَاجَةِ، أَوْ تَحْتَ غَيْرِهَا حَتَّى صَارَتْ فَرُّوجًا كَانَ الْفَرْخُ الْأَوَّلُ لِمَالِكِ الدَّجَاجَةِ، وَالْفُرُوجِ الثَّانِي لِلْغَاصِبِ.
وَجَمِيعُ ذَلِكَ كُلُّهُ عِنْدَنَا لِمَالِكِ أَصْلِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ.
وَلَكِنْ لَوْ شَهِدُوا أَنَّ هَذَا الزَّرْعَ مِنْ ضَيْعَتِهِ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ شَهَادَةً لَهُ بِمِلْكِ الزَّرْعِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ زَرَعَ أَرْضَهُ لِغَيْرِهِ، وَهَذَا مِمَّا اتَّفَقْنَا نَحْنُ وَأَبُو حَنِيفَةَ عَلَيْهِ.
فَإِنْ قِيلَ: أَفَتَكُونُ هَذِهِ شَهَادَةٌ لَهُ بِالْيَدِ عَلَى الزَّرْعِ نُظِرَ، فَإِنْ لَمْ يَقُولُوا زُرِعَ فِيهَا، وَهِيَ عَلَى مِلْكِهِ لَمْ تَكُنْ شَهَادَةً لَهُ بِالْيَدِ، لِجَوَازِ زَرْعِهِ فِيهَا، وَحَصَادِهِ قَبْلَ مِلْكِهِ وَيَدِهِ وَإِنْ قَالُوا: زُرِعَ وَحُصِدَ فِي مِلْكِهِ، كَانَتْ شَهَادَةً لَهُ بِيَدٍ مُتَقَدِّمَةٍ فَيَكُونُ عِنْدَ الْبُوَيْطِيِّ، وَابْنِ سُرَيْجٍ، عَلَى قَوْلَيْنِ كَالشَّهَادَةِ بِالْمِلْكِ الْقَدِيمِ يُوجِبُ ثُبُوتَ يَدِهِ فِي الْحَالِ، وَإِحْلَافِهِ عَلَى الزَّرْعِ أَنَّهُ مِلْكُهُ.
وَالثَّانِي: لَا يُوجِبُ ثُبُوتَ يَدِهِ، وَلَا يَحْلِفُ عَلَى مِلْكِهِ.
وَالَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ لَهُ بِالْيَدِ قَوْلًا وَاحِدًا لِمَا بَيَّنَاهُ، وَلَا يَحْلِفُ عَلَيْهِ، وَيَكُونُ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ صَاحِبِ الْيَدِ فِي الْحَالِ مَعَ يَمِينِهِ، فَإِنْ أَقَامَ صَاحِبُ الْأَرْضِ بِأَدَاءِ خَرَاجِهِ أَوْ بِدَفْعِ عُشْرِهِ إِلَى الْمُسْتَحِقِّ لِقَبْضِ خَرَاجِهِ وَعُشْرِهِ لَمْ يَمْلِكْهُ، لِأَنَّهُ قَدْ يَنُوبُ فِي أَدَائِهِ عَنْ مَالِكِهِ.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِذَا كَانَ فِي يَدَيْهِ صَبِيٌ صَغِيرٌ يَقُولُ: هُوَ عَبْدِي فَهُوَ كَالثَوْبِ إِذَا كَانَ لَا يَتَكَلَّمُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ لَا يَخْلُو حَالُ هَذَا الْمَوْجُودِ، إِذَا ادَّعَاهُ الْوَاجِدُ عَبْدًا من ثلاثة أحوال:
أحدها: أَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا، فَتُعْتَبَرُ حَالُهُ فَإِنْ أَنْكَرَ الرِّقَّ، وَقَالَ أَنَا حُرٌّ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَا تُقْبَلُ دَعْوَى وَاجِدِهِ فِي ادعائه، لأن الأصل الحرية، والرق طارىء، فَكَانَ الظَّاهِرُ مَعَهُ فَلَوْ عَادَ بَعْدَ إِنْكَارِهِ لِلرِّقِّ، فَأَقَرَّ لِوَاجِدِهِ بِالرِّقِّ لَمْ يُقْبَلْ إِقْرَارُهُ وَكَانَ عَلَى الْحُرِّيَّةِ حَتَّى يُقِيمَ مُدَّعِيهِ بَيِّنَةً بِرِقِّهِ، لِأَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِالْحَرِيَّةِ لَمْ يُقْبَلْ إِقْرَارُهُ بِالرِّقِّ وَإِنْ كَانَ هَذَا أَقَرَّ بِالرِّقِّ حِينَ أَخَذَهُ الْوَاجِدُ، وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لِهَذَا الْوَاجِدِ الْمُدَّعِي لِرِقِّهِ، فَلَا اعْتِبَارَ بِإِنْكَارِهِ، لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَدَ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَيُقَرُّ فِي يَدِ مُدَّعِيهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مُنَازِعٌ فِيهِ وَيُجْبَرُ الْعَبْدُ عَلَى الْمَقَامِ مَعَهُ، فَإِنْ حَضَرَ مَنِ ادَّعَاهُ، وَنَازَعَهُ فِيهِ كَانَ لِلْأَوَّلِ يَدٌ، وَلَيْسَ لِلثَّانِي يَدٌ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الْأَوَّلِ مَعَ يَمِينِهِ لِثُبُوتِ يَدِهِ قَبْلَ مُنَازَعَتِهِ إِلَّا أَنْ يُقِيمَ الثَّانِي بَيِّنَةً، فَيُحْكَمُ أَنَّهُ عَبْدٌ لِلثَّانِي، لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ أَوْلَى مِنَ الْيَدِ، فَإِنْ أَقَامَ الْأَوَّلُ بَيِّنَةً كَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنَ الثَّانِي، لِأَنَّ لِلْأَوَّلِ بَيِّنَةُ دَاخِلٍ، وَلِلثَّانِي بَيِّنَةُ خَارِجٍ.
وَلَوْ تَنَازَعَهُ فِي الْحَالِ رَجُلَانِ، وَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ يَدٌ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِأَنَّهُ عَبْدَهُ، فَصَدَّقَ الْعَبْدُ أَحَدَهُمَا لَمْ تَتَرَجَّحْ بَيِّنَتُهُ بِتَصْدِيقِهِ، وَتَعَارَضَتْ فِيهِ الْبَيِّنَتَانِ، فَيَكُونُ عَلَى الْأَقَاوِيلِ الثَّلَاثَةِ.
وَلَوْ تَنَازَعَهُ رَجُلَانِ، وَلَا بَيِّنَةَ لِأَحَدِهِمَا فَصَدَّقَ أَحَدَهَمَا فِي رِقِّهِ، وَكَذَّبَ الْآخَرَ، وَأَنَّهُ مَمْلُوكٌ لَهُ دُونَ الْآخَرِ، كَانَ عَبْدًا لِلْمُصَدَّقِ مِنْهُمَا دُونَ الْمُكَذَّبِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَكُونُ عَبْدًا لَهُمَا يَشْتَرِكُ فِيهِ الْمُصَدَّقُ، وَالْمُكَذَّبُ، لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ بِاعْتِرَافِهِ بِالرِّقِّ لِأَحَدِهِمَا مَمْلُوكًا وَلَا اعْتِبَارَ بِاعْتِرَافِ الْمَمْلُوكِ، وَإِنْكَارِهِ.
وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأَنَّهُ حُرٌّ فِي الظَّاهِرِ، وَإِنَّمَا صَارَ مَمْلُوكَا بِاعْتِرَافِهِ فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لِمَنِ اعْتَرَفَ بِهِ.
وَلَوْ كَانَ مُعْتَرِفًا بِالرِّقِّ قَبْلَ اعْتِرَافِهِ لِأَحَدِهِمَا، ثُمَّ صَدَّقَ أَحَدَهُمَا وَكَذَّبَ الْآخَرَ كَانَ بَيْنَهُمَا.
(فَصْلٌ)
: وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَي رَقَّهُ صَغِيرًا غَيْرَ مُمَيِّزٍ، فَيُحْكَمُ بِرِقِّهِ لِمُدَّعِيهِ يَدًا، لِأَنَّهُ لَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ، وَلَيْسَ بِبَالِغٍ فَيُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنْ بَلَغَ هَذَا الْعَبْدُ، وَأَنْكَرَ الرِّقَّ، وَادَّعَى الْحَرِيَّةَ لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ لَهُ بِالْحُرِّيَّةِ، فَإِنْ طَلَبَ إحلاف
سَيِّدِهِ، أُحْلِفَ لَهُ وَلَوْ كَانَ هَذَا صَغِيرًا فَاسْتَخْدَمَهُ الْوَاجِدُ، وَلَمْ يَدَّعِ فِي الْحَالِ رِقَّهُ حَتَّى بَلَغَ، ثُمَّ ادَّعَى رِقَّهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ، يُحْكَمُ لَهُ بِرِقِّهِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لِأَنَّ يَدَهُ عَلَيْهِ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِيمَا بِيَدِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ دَعْوَاهُ إِذَا تَأَخَّرَتْ عَنِ الصِّغَرِ، صَارَتْ مُسْتَأْنَفَةً عَلَيْهِ بَعْدَ الْكِبَرِ، وَدَعَوَاهُ بَعْدَ الْكِبَرِ لَا تُقْبَلُ، إِلَّا بِبَيِّنَةٍ وَهَذَا أَظْهَرُ الْوَجْهَيْنِ عِنْدِي.
(فَصْلٌ)
: وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمُدَّعِي رَقَّهِ مُرَاهِقًا مُمَيِّزًا، وَلَيْسَ بِبَالِغٍ فَفِي ثُبُوتِ رِقِّهِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُحْكَمُ لَهُ بِرِقِّهِ عَبْدًا لَهُ، وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ إِنْكَارُهُ قَبْلَ بُلُوغِهِ، وَلَا بَعْدَ بُلُوغِهِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِحُرِّيَّتِهِ، لِأَنَّ حُكْمَ مَا قَبْلَ الْبُلُوغِ فِي ارْتِفَاعِ الْعِلْمِ سَوَاءٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْحُكْمَ بِرِقِّهِ مَوْقُوفٌ عَلَى إِقْرَارِهِ، وَإِنْكَارِهِ فَإِذَا اعْتَرَفَ لَهُ بِالرِّقِّ، حُكِمَ لَهُ بِعُبُودِيَّتِهِ، وَإِنْ أَنْكَرَ الرِّقَّ حُكِمَ لَهُ بِالْحُرِّيَّةِ، وَلَا يُحْلَفُ عَلَى إِنْكَارِهِ، إِلَّا بَعْدَ بُلُوغِهِ، وَلَا يَمْتَنَعُ أَنْ يَكُونَ لِقَوْلِهِ قَبْلَ الْبُلُوغِ حُكْمٌ، وَإِنْ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ قَلَمٌ، كَمَا يُخَيَّرُ قَبْلَ الْبُلُوغِ بَيْنَ أَبَوَيْهِ، وَيَصِحُّ مِنْهُ فِعْلُ الصَّلَاةِ، وَإِنْ لَمْ تَلْزَمْهُ، وَيُسْمَعْ خَبَرُهُ فِي الْمُرَاسَلَاتِ، وَالْمُعَامَلَاتِ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَانِ الْوَجْهَانِ مِنِ اخْتِلَافِهِمْ فِي صِحَّةِ إِسْلَامِهِ بَعْدَ مُرَاهَقَتِهِ، وَقَبْلَ بُلُوغِهِ وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ هَاهُنَا فِي قَوْلِهِ: " إِذَا كَانَ لَا يَتَكَلَّمُ " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ يَتَكَلَّمُ بِالْمُرَاهَقَةِ وَالتَّمْيِيزِ أَنْ يُعْتَبَرَ إِقْرَارُهُ وَإِنْكَارُهُ، وَقَدْ تَأَوَّلَهُ مَنْ قَالَ بِالْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَنَّ مَعْنَاهُ إِذَا كَانَ مِمَّنْ لا حكم لكلامه.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " فَإِنْ أَقَامَ رَجُلٌ بَيِّنَةً أَنَّهُ ابْنَهُ جَعَلْتُهُ ابْنَهُ وَهُوَ فِي يَدَيِ الَّذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: يَعْنِي الصَّغِيرَ إِذَا ادَّعَاهُ رَجُلٌ عَبْدًا، وَحُكِمَ لَهُ بِرِقِّهِ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ، ثُمَّ ادَّعَاهُ رَجُلٌ آخَرُ وَلَدًا، وَأَقَامَ بَيِّنَةً بِأَنَّهُ وَلَدُهُ صَارَ ابْنًا لَهُ، وَلَمْ يَزُلْ عَنْهُ رِقٌّ الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ ابْنَ زَيْدٍ عَبْدًا لِعَمْرٍو، لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدْ وُلِدَ لَهُ مِنْ أَمَةٍ تَزَوَّجَهَا، فَيَكُونُ لَهُ ابْنًا، وَهُوَ مَمْلُوكٌ لِسَيِّدِ الْأُمِّ فَلَمْ يَتَنَافَى لُحُوقُ نَسَبِهِ، وَثُبُوتُ رِقِّهِ، إِلَّا أَنْ تَشْهَدَ بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي لِنَسَبِهِ، أَنَّهُ وُلِدَ لَهُ مِنْ حُرَّةٍ تَزَوَّجَهَا، أَوْ مِنْ أَمَةٍ مَلِكَهَا فَيَكُونُ الْوَلَدُ حُرًّا، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُولَدَ الْحُرُّ مِنَ الْحُرَّةِ إِلَّا حُرًّا، وَمِنْ أَمَتِهِ إِلَّا حُرًّا، وَلَوْ كَانَ مُدَّعِي أُبُوَّتِهِ لَمْ يُقِمُ الْبَيِّنَةَ بِهَا فَصَدَّقَهُ الْوَلَدُ عَلَيْهَا فَالصَّحِيحُ مِنَ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَثْبُتُ نَسَبُهُ بِتَصْدِيقِهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى رِقِّهِ لِمُدَّعِي عُبُودِيَّتِهِ، لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلسَّيِّدِ فِي نَسَبِ الْعَبْدِ فَنَفَذَ فِيهِ إِقْرَارُ الْعَبْدِ.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ؛ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ بِتَصْدِيقِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ الْعَائِدِ عَلَى سَيِّدِهِ، بِأَنْ يَصِيرَ بَعْدَ عِتْقِهِ مَوْرُوثًا بِالنَّسَبِ، دُونَ الْوَلَاءِ وَفِيهِ ضَرَرٌ عَلَى السَّيِّدِ فِي إبطال ميراثه بالولاء.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِذَا كَانَتِ الدَّارُ فِي يَدَيْ رَجُلٍ لَا يَدَّعِيهَا فَأَقَامَ رَجُلٌ الْبَيِّنَةَ أَنَّ نِصْفَهَا لَهُ وَآخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ جَمِيعَهَا لَهُ فَلِصَاحِبِ الْجَمِيعِ النِّصْفُ وَأُبْطِلَ دَعْوَاهُمَا فِي النِّصْفِ وَأُقْرِعَ بَيْنَهُمَا (قَالَ الْمُزَنِيُّ) : فَإِذَا أَبْطَلَ دَعْوَاهُمَا فَلَا حَقَّ لَهُمَا وَلَا قُرْعَةَ وَقَدْ مَضَى مَا هُوَ أَوْلَى بِهِ فِي هَذَا الْمَعْنَى ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مُقِيمَ الْبَيِّنَةِ بِجَمِيعِهَا إِذَا تَوَرَّعَ فِيهَا بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ فِي نِصْفِهَا، فَقَدْ سَلِمَ لَهُ نِصْفُهَا، لِأَنَّهُ لَا تَنَازُعَ فِيهِ، وَلَا تَعَارُضَ، وَإِنَّمَا تَتَعَارَضُ بَيِّنَتَاهُمَا فِي النِّصْفِ الْآخَرِ، فَيَكُونُ تَعَارُضُهُمَا فِيهِ عَلَى الْأَقَاوِيلِ الثَّلَاثَةِ:
أَحَدُهَا: إِسْقَاطُهُمَا فِيهِ، وَيَخْلُصُ لِصَاحِبِ الْكُلِّ النِّصْفُ، وَلَا يَحْمِلُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ إِذَا رُدَّتِ الشَّهَادَةُ فِي الْبَعْضِ، أَنْ تُرَدَّ فِي الْكُلِّ، لِأَنَّ مُقِيمَ الْبَيِّنَةِ بِالنِّصْفِ قَدْ سَلِمَ لِصَاحِبِ الْكُلِّ النِّصْفُ، فَخَرَجَ مِنَ النِّزَاعِ وَلَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى الْبَيِّنَةِ فَعَلَى هَذَا لَا يَخْلُو صَاحِبُ الْيَدِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَدَّعِيهَا مِلْكًا، أَوْ لَا يَدَّعِيهَا.
فَإِنِ ادَّعَاهَا مِلْكًا، زَالَ مِلْكُهُ عَنْ نِصْفِهَا الْمَحْكُومِ بِهِ لِمُدَّعِي الْكُلِّ وَفِي رفع يده عن النصف الآخر الذي تعارضت فِيهِ الْبَيِّنَةُ، حَتَّى سَقَطَتْ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: تُقَرُّ فِي يَدِهِ، وَلَا تُنْتَزَعُ لِسُقُوطِ الْبَيِّنَتَيْنِ بِالتَّعَارُضِ، وَيَصِيرُ فِيهِ خَصْمًا لِلْمُتَنَازِعَيْنِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ تُنْتَزَعَ مِنْ يَدِهِ، لِاتِّفَاقِ الْبَيِّنَتَيْنِ عَلَى عَدَمِ مِلْكِهِ، وَلَيْسَ تَعَارُضُهُمَا مِنْ حَقِّهِ، وَإِنَّمَا تُعَارُضُهُمَا فِي حَقِّ الْمُتَنَازِعَيْنِ وَهِيَ غَيْرُ مُتَعَارِضَةٍ فِي حَقِّ صَاحِبِ الْيَدِ، وَإِنْ لَمْ يَدَّعِهَا مِلْكًا رُفِعَتْ يَدُهُ، لِتَنَازُعِ غَيْرِهِ فِي مِلْكِهَا، لِتُوقَفَ عَلَى الْمُتَنَازِعَيْنِ فِيهِ، فَيَتَحَالَفَانِ عَلَى النِّصْفِ، الَّذِي وَقَعَ فِيهِ التَّعَارُضُ عِنْدَ إِسْقَاطِ الْبَيِّنَتَيْنِ فِيهِ، فَإِنْ حَلَفَا جُعِلَ بَيْنَهُمَا وَصَارَ لِمُدَّعِي الْكُلِّ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا وَلِمُدَّعِي النِّصْفِ رُبُعُهَا، وَإِنْ نَكَلَا حُكِمَ لِصَاحِبِ الْكُلِّ بِالنِّصْفِ وَكَانَ النِّصْفُ الْبَاقِي مَوْقُوفًا، وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا، وَنَكَلَ الْآخَرُ، قَضَى بِهِ لِلْحَالِفِ مِنْهُمَا دُونَ النَّاكِلِ، فَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ صَاحِبَ الْكُلِّ، قَضَى لَهُ بِجَمِيعِ الدَّارِ وَإِنْ كَانَ صَاحِبَ النِّصْفِ كَانَتِ الدَّارُ بَيْنَهُمَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا مَعَ التَّعَارُضِ، فَإِنْ قَرَعَتْ بَيِّنَةُ صَاحِبِ الْكُلِّ سُلِّمَ إِلَيْهِ جَمِيعُ الدَّارِ، وَفِي إِحْلَافِهِ قَوْلَانِ، وَإِنْ قَرَعَتْ بَيِّنَةُ صَاحِبِ النِّصْفِ، جُعِلَتِ الدَّارُ بَيْنَهُمَا، نِصْفَيْنِ، وَفِي إِحْلَافِهِ قَوْلَانِ وَيُدْفَعُ عَنْهَا صَاحِبُ الْيَدِ، سَوَاءٌ ادَّعَاهَا مِلْكًا أَوْ لَمْ يَدَّعِهَا.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: اسْتِعْمَالُ الْبَيِّنَتَيْنِ، وَقَسْمُ النِّصْفِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، فَيَصِيرُ لِصَاحِبِ الْكُلِّ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا، وَلِصَاحِبِ النِّصْفِ رُبُعُهَا، وَصَاحِبُ الْيَدِ مَدْفُوعٌ بِهَا.
(فَصْلٌ)
: فَأَمَّا الْمُزَنِيُّ، فَإِنَّهُ لَمَّا قَالَ الشَّافِعِيُّ: " أُبْطِلُ دَعْوَاهُمَا فِي النِّصْفِ، وَأَقْرَعُ بَيْنَهُمَا " اعْتَرَضَ عَلَيْهِ فَقَالَ: كَيْفَ يَقْرَعُ بَيْنَهُمَا فِيمَا قَدْ أَبْطَلَ فِيهِ دَعْوَاهُمَا، وَهَذَا الِاعْتِرَاضُ فَاسِدٌ، وَلِأَصْحَابِنَا عَنْهُ جَوَابَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَبْطَلَ دَعْوَاهُمَا فِي النِّصْفِ الْحَاصِلِ لِمُدَّعِي الْكُلِّ لِأَنَّهُ قَدْ خَلُصَ لَهُ مِنْ غَيْرِ تَنَازُعٍ فِيهِ، وَأَقْرَعَ بَيْنَهُمَا فِي النِّصْفِ الْآخَرِ، وَلَمْ تُبْطَلْ دَعْوَاهُمَا فِيهِ.
وَالْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّهُ أَبْطَلَ دَعْوَاهُمَا إِذَا أَسْقَطَ بَيْنَتهُمَا، وَيَقْرَعُ بَيْنَهُمَا إِنْ لَمْ يُسْقِطْهُمَا، وَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ، أُبْطِلُ دَعْوَاهُمَا، أَوْ أَقْرَعُ بَيْنَهُمَا، لِاخْتِلَافِ قَوْلِهِ فِي تَعَارُضِهِمَا.
(فَصْلٌ)
: وَإِذَا كَانَتِ الدَّارُ فِي يَدَيْ رَجُلٍ، فَادَّعَاهَا طَالِبٌ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهَا مِلْكٌ أَجَّرَهَا مِنْ صَاحِبِ الْيَدِ، أَوْ أَوْدَعَهَا، وَأَقَامَ صَاحِبُ الْيَدِ بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكَهُ حَكَمْنَا بِبَيِّنَةِ الْخَارِجِ الْمُدَّعِي عَلَى بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ صَاحِبِ الْيَدِ، لِأَنَّ بَيِّنَةَ الْخَارِجِ لَمَّا شَهِدَتْ لَهُ، بِأَنَّهُ آجَرَهُ إِيَّاهَا أَوْ أَوْدَعَهَا صَارَتِ الْيَدُ لَهُ، فَصَارَ الدَّاخِلُ خَارِجًا، وَالْخَارِجُ دَاخِلًا.
وَلَوْ تَدَاعَاهَا رَجُلَانِ، وَهِيَ فِي يَدِ ثَالِثٍ، فَأَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ أَجَّرَهُ إِيَّاهَا، وَأَقَامَ الْآخَرُ أَنَّهَا لَهُ أَوْدَعَهُ إِيَّاهَا صَارَتِ الْيَدُ لَهُمَا بِمَا شَهِدَ لِأَحَدِهِمَا أَنَّهُ مؤجر، وَلِلْآخَرِ أَنَّهُ مُودِعٌ، فَصَارَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةُ دَاخِلٍ فِي النِّصْفِ الْمُضَافِ إِلَى يَدِهِ، وَبَيِّنَةُ خَارِجٍ فِي النِّصْفِ الْمُضَافِ إِلَى يَدِ صَاحِبِهِ، وَقَدْ تَعَارَضَتْ فِيهِ الْبَيِّنَتَانِ، فَإِنْ أُسْقِطَتَا، صَارَتِ الدَّارُ بَيْنَهُمَا يَدًا إِنْ حَلَفَا أَوْ نَكَلَا وَإِنْ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، جَعَلْتُ لِمَنْ قَرَعَ مِنْهُمَا، وَإِنِ اسْتُعْمِلَتَا فِي الْقِسْمَةِ قُسِمَتْ بَيْنَهُمَا مِلْكًا.
(فَصْلٌ)
: فَإِذَا كَانَتِ الدَّارُ فِي يَدِ مَنْ يَدَّعِيهَا مِلْكًا، فَنَازَعَهُ فِيهَا رَجُلَانِ وَأَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا مِلْكُهُ مُنْذُ سَنَةٍ وَأَقَامَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ عَلَى هَذَا الْأَوَّلِ أَنَّهُ ابْتَاعَهَا مِنْهُ مُنْذُ خَمْسِ سِنِينَ فَلَا تُمْنَعُ بَيِّنَةُ الْأَوَّلِ أَنَّهَا لَهُ مُنْذُ سَنَةٍ أَنْ تَكُونَ لَهُ مِلْكًا قَبْلَ ذَلِكَ.
بِخَمْسِ سِنِينَ، فَلِذَلِكَ سُمِعَتْ بَيِّنَةُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ، وَوَجَبَ بِهَا انْتِزَاعُهَا مِنْ صَاحِبِ الْيَدِ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي الثَّانِي أَنَّهُ ابْتَاعَهَا مِنَ الْمُدَّعِي الْأَوَّلِ، فَإِنْ شَهِدَتْ بِأَنَّهُ بَاعَهَا وَكَانَ مَالِكًا لَهَا، حُكِمَ بِهَا لِلثَّانِي مِلْكًا، فَإِنْ شَهِدَتْ أَنَّهُ بَاعَهَا وَكَانَتْ فِي يَدِهِ، حُكِمَ بِهَا لِلثَّانِي ابْتِيَاعُهَا فَجَرَى عَلَيْهِ حُكْمُ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنَ الْيَدِ أَنَّهَا لِمَالِكٍ، فَتُسَلَّمُ الدَّارُ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ إِلَى الْمُدَّعِي الثَّانِي وَتُرْفَعُ عَنْهَا يَدُ الْمُدَّعِي الْأَوَّلِ.
وَوَافَقَ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَيْهِمَا.
وَإِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ الثَّانِي، أَنَّهُ ابْتَاعَهَا مِنَ الْأَوَّلِ، وَلَمْ يَشْهَدُوا أَنَّهَا كَانَتْ مِلْكًا لِلْأَوَّلِ وَلَا فِي يَدِهِ.
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تُنْتَزَعُ مِنَ الْأَوَّلِ، وَلَا تُسَلَّمُ إِلَى الثَّانِي لِأَنَّ الْبَيْعَ مُتَرَدِّدٌ، بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَدْ بَاعَ مَا فِي مِلْكِهِ، أَوْ مَا فِي يَدِهِ فَيَصِحُّ وَبَيْنَ أَنْ يَبِيعَ مَا لَيْسَ فِي مِلْكِهِ، وَلَا يَدِهِ فَيَبْطُلُ.
فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْكُمَ بِصِحَّةِ البيع، ورفع يد الأول، بمجور مُتَرَدِّدٍ بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ يَدَ الْأَوَّلِ تُرْفَعُ وَتُسَلَّمُ الدَّارُ إِلَى الثَّانِي ابْتِيَاعًا مِنَ الْأَوَّلِ، لِأَنَّ الْبَيْعَ فِي حَقِّهِ صَحِيحٌ إِنْ مَلَكَ، وَلَا يَقْضِي بِهَا مِلْكُهُ لِلثَّانِي، وَإِنْ قَضَى لَهُ بِابْتِيَاعِهَا مِنَ الْأَوَّلِ، فَكَانَ لَهُ فِيهَا يَدٌ إِنْ نُوزِعَ فِيهَا، تَرَجَّحَ بِيَدٍ لَا بِدَفْعِ بَيِّنَةِ الْمُنَازِعِ.
(فَصْلٌ)
: وَإِذَا تَنَازَعَا دَارًا فِي يَدِ غَيْرِهِمَا، وَأَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّ الدَّارَ كَانَتْ لَهُ مُنْذُ سَنَةٍ، وَأَقَامَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الدَّارَ كَانَتْ فِي يَدِهِ مُنْذُ سَنَةٍ، فَإِنْ لَمْ تُجْعَلِ الشَّهَادَةُ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ مُوجِبَةٌ لِلْمِلْكِ، وَبِقَدِيمِ الْيَدِ مُوجِبَةٌ لِلْيَدِ لَمْ يُحْكَمْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَرَجَعَ إِلَى صَاحِبِ الْيَدِ فِي تَصْدِيقِهِمَا أَوْ تَكْذِيبِهِمَا وَإِنْ جُعِلَتِ الشَّهَادَةُ بِهِمَا مُوجِبَةً لِلْمِلْكِ وَالْيَدِ فِي الْحَالِ، حُكِمَ بِالدَّارِ لِمَنْ أَقَامَ الشَّهَادَةَ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ، دُونَ مَنْ أَقَامَهَا بِقَدِيمِ الْيَدِ، وَكَذَا لَوْ أَقَامَهَا بِيَدٍ فِي الْحَالِ، لَأَنَّ الْمِلْكَ أَقْوَى مِنَ الْيَدِ، فَلِذَلِكَ حُكِمَ بِهِ على صاحب اليد.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِذَا كَانَتِ الدَّارُ فِي يَدَيْ ثَلَاثَةٍ فَادَّعَى أحدهم النصف والآخر الثلث وآخر السادس وَجَحَدَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَهِيَ لَهُمْ عَلَى مَا في أيديهم ثلثا ثلثا ".
قال الماوردي: وَصُورَتُهَا فِي دَارٍ فِي أَيْدِي ثَلَاثَةٍ تَدَاعَوْهَا، فَادَّعَى أَحَدُهُمْ نِصْفَهَا مِلْكًا، وَبَاقِيهَا يَدًا بِإِجَارَةٍ مِنْ مَالِكٍ غَائِبٍ، أَوْ عَارِيَةٍ، أَوْ وَدِيعَةٍ، وَأَنَّهُ لَا مِلْكَ فِيهَا لِهَذَيْنِ وَلَا يَدَ حَقٍّ، وَادَّعَى الثَّانِي ثُلُثُهَا مِلْكًا وَبَاقِيهَا يَدًا بِإِجَارَةٍ، أَوْ عَارِيَةٍ، أَوْ وَدِيعَةٍ لِغَائِبٍ، وَأَنَّهُ لَا مِلْكَ فِيهَا لِهَذَيْنِ وَلَا يَدَ لِحَقٍّ.
وَادَّعَى الثَّالِثُ سُدُسُهَا مِلْكًا وَبَاقِيهَا يَدًا بِإِجَارَةٍ، أَوْ عَارِيَةٍ، أَوْ وَدِيعَةٍ لِغَائِبٍ، وَأَنَّهُ لَا حَقَّ فِيهَا لِهَذَيْنِ، وَلَا يَدَ بِحَقٍّ، وَأَنَّهَا كَانَتْ مُتَأَوِّلَةً عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ بِمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ مِنْ قَوْلِهِ " وَجَحَدَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا "، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَوْ لَمْ يَدَّعِ الْبَاقِي يَدًا لَمَا كَانَ بَيْنَهُمْ تَجَاحُدٌ، وَلَكَانُوا مُتَّفِقِينَ عَلَى مَا ادَّعَوْهُ مِلْكًا، وَلَكَانَ لِصَاحِبِ النصف النصف، وإن كان أكثرهم مِمَّا بِيَدِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَيْنِ الْحَاضِرَيْنِ مَنْ يَدَّعِيهِ مِلْكًا،
وَلِصَاحِبِ السُّدُسِ السُّدُسُ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِمَّا فِي يَدِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ يَدَّعِي مَا زَادَ عَلَيْهِ مِلْكًا وَلَكَانَ لِصَاحِبِ الثُّلُثِ الثُّلُثُ وَهُوَ قَدْرُ مَا فِي يَدِهِ، وَلَيْسَ يَدَّعِي مَا زَادَ عَلَيْهِ مِلْكًا.
وَإِذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ بَعْدَ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَمْلَاكِهِمْ فِيهَا تَجَاحُدٌ، لَمْ يُتَصَوَّرْ إِلَّا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ ادَّعَى مَا ادَّعَاهُ مِلْكًا، وَادَّعَى بَاقِيهَا يَدًا وَهُمْ فِي أَمْلَاكِهِمْ مُتَّفِقُونَ، وفي أيديهم متجاحدون، وقد تساوت أيديهم عليهما، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَمْلَاكُهُمْ فِيهَا فَتَفَرَّقَتْ أَيْدِيهِمْ أَثْلَاثًا عَلَى مَا أَوْجَبَهُ تَسَاوِيهِمْ، فَيُنْقَصُ صَاحِبُ النِّصْفِ عَمَّا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، لِأَنَّهُ يَدَّعِيهِ مِلْكًا، وَهُوَ فِي يَدِ غَيْرِهِ فَلَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ، وَيُزَادُ صَاحِبُ السُّدُسِ، بِاسْتِكْمَالِ الثُّلُثِ، لِأَنَّ لَهُ فيه يدا يدعيه ملكا لغائب.
فأقرت يدي عَلَيْهِ لِلْغَائِبِ، لِأَنَّهُ مُنَازِعٌ فِيهِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَلَا يَدٍ، وَصَاحِبُ الثُّلُثِ لَمْ يَزِدْ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِلْكًا وَلَمْ يَنْقُصْ، لِأَنَّ لَهُ فِي الثُّلُثِ يَدًا، فَلَمْ يَنْقُصْ وَلَيْسَ لَهُ فِيمَا زَادَ عَلَيْهِ يَدٌ فَلَمْ يَزِدْ، فَإِنْ أَرَادَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ إِحْلَافَ صَاحِبَيْهِ فِيمَا ادَّعَاهُ مِنِ اسْتِحْقَاقِ الْيَدِ فِي الْجَمِيعِ، نَظَرْتُ دَعْوَى يَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ لَهُ بِهَا حَقٌّ بِحِصَّةٍ لِأَنَّهُ ادَّعَاهَا إِجَارَةً، كَانَ له إحلافهما عليهما، وَإِنِ ادَّعَاهَا بَعْضُهُمْ وَدِيعَةً وَادَّعَاهَا بَعْضُهُمْ إِجَارَةً، كَانَ لِمُدَّعِي الْإِجَارَةِ إِحْلَافُهُمَا عَلَى الْعِلْمِ دُونَ الْبَتِّ، لِأَنَّهَا يَمِينٌ عَلَى نَفْيِ فِعْلِ الْغَيْرِ، وَلَمْ يَكُنْ لِمُدَّعِي الْوَدِيعَةِ إِحْلَافُهُمَا.
(فَصْلٌ)
: وَإِذَا تَنَازَعَا دَارًا فِي أَيْدِيهِمَا، وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِلْكَ جَمِيعِهَا، وَعَدِمَا الْبَيِّنَةَ، وَتَحَالَفَا عَلَيْهَا، وَحَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ مَالِكٌ لِنِصْفِهَا، وَلَا يَحْلِفُ أَنَّهُ مَالِكٌ لِجَمِيعِهَا، وَإِنْ كَانَ مُدَّعِيًا لِجَمِيعِهَا، لِأَنَّنَا نَحْكُمُ عَلَيْهِ بِيَمِينِهِ عَلَى مَا فِي يَدِهِ، وَلَا نَحْكُمُ عَلَيْهِ بِيَمِينِهِ عَلَى مَا فِي يَدِ مُنَازِعِهِ، فَكَانَتْ يَمِينُهُ مَقْصُورَةً عَلَى النِّصْفِ، وَإِنْ كَانَ مُدَّعِيًا لِلْكُلِّ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تَتَضَمَّنَ يَمِينُهُ مَا لَا يُحْكَمُ لَهُ بِهِ، وَذَكَرَ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ وَجْهًا آخَرَ أَنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى الْجَمِيعِ اعتبارا بالدعوى.
(مسألة)
: قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " فَإِذَا كَانَتْ فِي يَدَيِ اثْنَيْنِ فَأَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً عَلَى الثُّلُثِ وَالْآخَرُ عَلَى الْكُلِّ جَعَلْتُ لِلْأَوَّلِ الثُّلُثَ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مِمَّا فِي يَدَيْهِ وَمَا بَقِيَ لِلْآخَرِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، لِأَنَّ الْيَدَ تَتَرَجَّحُ بِهَا بَيِّنَةُ صَاحِبِهَا، وَتُرْفَعُ بَيِّنَةُ مُنَازِعِهَا، فَإِذَا كَانَتِ الدَّارُ فِي يَدَيْ رَجُلَيْنِ تَنَازَعَاهَا، فَأَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّ لَهُ ثُلُثَهَا، وَأَقَامَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّ لَهُ جَمِيعَهَا، قُضِيَ لِصَاحِبِ الثُّلُثِ بِثُلُثِهَا، لِأَنَّ لَهُ فِي الْيَدِ بينة ويدا، وله في السدس الزائدة عَلَى الثُّلُثِ يَدٌ، قَابَلَتْهَا بَيِّنَةٌ فَرُفِعَتْ بِهَا، وَقُضِيَ لِصَاحِبِ الْكُلِّ بِالْبَاقِي، وَهُوَ الثُّلُثُ، لِأَنَّ لَهُ بِنِصْفِهَا بَيِّنَةً وَيَدًا، وَلَهُ بِالسُّدُسِ الزَّائِدِ
عَلَى النِّصْفِ بَيِّنَةٌ بِلَا يَدٍ، قَابَلَتْهَا يَدٌ بِلَا بَيِّنَةٍ، فَقُضِيَ لَهُ بِبَيِّنَةٍ عَلَى يَدِ مُنَازِعِهِ، فَصَارَ لَهُ ثُلُثَاهَا، وَلِلْأَوَّلِ ثُلُثُهَا، وَسَقَطَ تَعَارُضُ الْبَيِّنَتَيْنِ فِي الثُّلُثِ بِالْيَدِ.
(فَصْلٌ)
: وَإِذَا كَانَتْ دَارٌ فِي يَدِ أَرْبَعَةٍ تَقَارَعُوهَا، فَادَّعَى أَحَدُهُمْ جَمِيعَهَا، وَادَّعَى الثَّانِي ثُلُثَيْهَا، وَادَّعَى الثَّالِثُ نِصْفَهَا، وَادَّعَى الرَّابِعُ ثُلُثَهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لهم بينة، جعلت الدار بينهم أرباعها بِالْيَدِ وَالتَّحَالُفِ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ بَيِّنَةٌ بِمَا ادَّعَوْهُ جُعِلَتْ بَيْنَهُمْ أَرْبَاعًا بِالْبَيِّنَةِ وَالْيَدِ مِنْ غَيْرِ تَحَالُفٍ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَدْ أَقَامَ بَيِّنَةَ دَاخِلٍ فِيمَا بِيَدِهِ وَبَيِّنَةَ خَارِجٍ فِيمَا بِيَدِ غَيْرِهِ، فَحُكِمَ لَهُ بِبَيِّنَةِ الدَّاخِلِ دُونَ الْخَارِجِ، فَصَارَ الْحُكْمُ فِيهَا مَعَ وُجُودِ الْبَيِّنَةِ وَعَدَمِهَا سَوَاءٌ فِي الْقَدْرِ وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ فِي التَّحَالُفِ، وَلَوْ كَانَتْ بِحَالِهَا فِي الدَّعْوَى، وَالدَّارُ فِي يَدِ خَامِسٍ، لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَيْهَا يَدٌ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا ادَّعَاهُ، خَلَصَ لِمُدَّعِي الْكُلِّ الثُّلُثُ الزَّائِدُ عَلَى الثُّلُثَيْنِ، لِأَنَّهُ قَدْ أَقَامَ عَلَيْهِ بينة لم تعارضها بينة غيره وتعارضت البينات فِي الثُّلُثَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ، فَكَانَ عَلَى الْأَقَاوِيلِ الثَّلَاثَةِ فِي تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ:
أَحَدُهَا: إِسْقَاطُهُمَا بِالتَّعَارُضِ، وَالرُّجُوعُ إِلَى صَاحِبِ الْيَدِ فَإِنِ ادَّعَاهَا لِنَفْسِهِ حُكِمَ بِهَا لَهُ بَعْدَ يَمِينِهِ، وَفِي قَدْرِ مَا يُحْكَمُ لَهُ فِيهَا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَحْكَمُ لَهُ أَوْ بِثُلُثَيْهَا، إِذْ قِيلَ: إِنَّ الْبَيِّنَةَ إِذَا رُدَّتْ فِي بَعْضِ الشَّهَادَةِ لَمْ تُرَدَّ فِي بَاقِيهَا، لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ بِالْكُلِّ قَدْ رُدَّتْ فِي الثُّلُثَيْنِ فَلَمْ تُرَدُّ فِي الثُّلُثِ الْبَاقِي.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يُحْكَمُ لَهُ بِجَمِيعِ الدَّارِ، إِذَا قِيلَ: إِنَّ الْبَيِّنَةَ إِذَا رُدَّتْ فِي بَعْضِ الشَّهَادَةِ، رُدَّتْ فِي جَمِيعِهَا، لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ بِالْكُلِّ لَمَّا رُدَّتْ فِي الثُّلُثَيْنِ رُدَّتْ فِي الْكُلِّ، وَإِنْ لَمْ يَدَّعِهَا صَاحِبُ الْيَدِ وَأَقَرَّ بِهَا لِبَعْضِهِمْ، أَوْ لِجَمِيعِهِمْ حُمِلُوا فِيهِ عَلَى إِقْرَارِهِ وَفِي إِحْلَافِهِ لَهُمْ قَوْلَانِ:
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ تَعَارُضَ الْبَيِّنَاتِ يُوجِبُ الْقُرْعَةَ دُونَ الْإِسْقَاطِ، قِيلَ هَذَا لَا يُعَارَضُ فِي الثُّلُثِ الْخَالِصِ لِصَاحِبِ الْكُلِّ، وَتَرْتِيبُ الْقُرْعَةِ فِي الثُّلُثَيْنِ ثَلَاثُ مَرَاتِبَ:
فَالرُّتْبَةُ الْأَوْلَى: أَنْ تَقْرَعَ فِي السُّدُسِ الَّذِي بَيْنَ النِّصْفِ وَالثُّلُثَيْنِ بَيْنَ مُدَّعِي الْكُلِّ، وَمُدَّعِي الثُّلُثَيْنِ، لِأَنَّهُ قَدْ تَعَارَضَتْ فِيهِ بَيِّنَتَاهُمَا، وَلَمْ يَتَعَارَضْ فِيهِ بَيِّنَةُ غَيْرِهِمَا، فَمَنْ قَرَعَتْ فِيهِ بَيِّنَتُهُ، حُكِمَ لَهُ بِهِ.
وَالرُّتْبَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ تَقْرَعَ فِي السُّدُسِ الَّذِي بَيْنَ الثُّلُثِ، وَالنِّصْفِ بَيْنِ ثُلُثِهِ مُدَّعِي الْكُلِّ، وَمُدَّعِي الثُّلُثَيْنِ، وَمُدَّعِي النِّصْفِ، لِأَنَّ بَيِّنَةَ صَاحِبِ الثُّلُثِ لَمْ تُعَارِضْهُمْ فِيهِ، وَتَعَارَضَتْ فِيهِ بَيِّنَةُ الثَّلَاثَةِ فَمَنْ قَرَعَ مِنْهُمْ حُكِمَ بِهِ لَهُ.
وَالرُّتْبَةُ الثَّالِثَةُ: الْإِقْرَاعُ فِي الثلث الباقي بين الربعة، لِأَنَّ بَيِّنَاتِ جَمِيعِهِمْ قَدْ
تَعَارَضَتْ وَيُحْكَمُ بِهِ لِمَنْ قَرَعَ مِنْهُمْ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ تَعَارُضَ الْبَيِّنَاتِ، يُوجِبُ اسْتِعْمَالَهَا بِالْقِسْمَةِ دُونَ الْقُرْعَةِ، فَعَلَى هَذَا يُقَسَّمُ الثُّلُثَيْنِ بَعْدَ الثُّلُثِ الْخَالِصِ لِصَاحِبِ الْكُلِّ بَيْنَ الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ تَعَارَضَتْ فِيهِمُ الْبَيِّنَةُ عَلَى سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ سَهْمًا، هِيَ مَضْرُوبُ ثَلَاثَةٍ فِي سِتَّةٍ فِي اثْنَيْنِ، وَتَرَتَّبَتِ الْقِسْمَةُ فِيهِ ثَلَاثَ مَرَاتِبَ، كَمَا تَرَتَّبَتِ الْقُرْعَةُ فِيهِ ثَلَاثَ مَرَاتِبَ:
فَالرُّتْبَةُ الْأَوْلَى: قِسْمَةُ السُّدُسِ الَّذِي بَيْنَ النِّصْفِ وَالثُّلُثَيْنِ، وَهُوَ سِتَّةٌ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ، تُقَسَّمُ بَيْنَ صَاحِبِ الْكُلِّ، وَصَاحِبِ الثُّلُثَيْنِ، لِأَنَّهُ قَدْ تَعَارَضَتْ فِيهِ بَيِّنَتَاهُمَا، وَلَمْ تَتَعَارَضْ فِيهِ بَيِّنَةُ غَيْرِهِمَا، فَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ، وَقَدْ صَارَ إِلَى صَاحِبِ الْكُلِّ بِالثُّلُثِ اثْنَا عَشَرَ سَهْمًا، فَإِذَا انْضَمَّ إِلَيْهَا هَذِهِ الثَّلَاثَةُ، صَارَ لَهُ فِي الْحَالَتَيْنِ خَمْسَةَ عَشَرَ سَهْمًا، وَلِصَاحِبِ الثُّلُثَيْنِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ، ثُمَّ يُقَسَّمُ السُّدُسُ الَّذِي بَيْنَ الثُّلُثِ وَالنِّصْفِ أَثْلَاثًا بَيْنَ صَاحِبِ الْكُلِّ، وَصَاحِبِ الثُّلُثَيْنِ، وَصَاحِبِ النِّصْفِ، لِأَنَّهُ قَدْ تَعَارَضَتْ فِيهِ بَيِّنَاتُهُمْ، وَلَمْ تَتَعَارَضْ فِيهِ بَيِّنَةُ صَاحِبِ الثُّلُثِ، فَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ سَهْمَانِ مِنَ السِّتَّةِ فَإِذَا ضَمَّهَا صَاحِبُ الْكُلِّ إِلَى مَا حَصَلَ لَهُ فِي الْحَالَتَيْنِ، وَهُوَ خَمْسَةَ عَشَرَ سَهْمًا، صَارَ لَهُ سَبْعَةَ عَشَرَ سَهْمًا، وَإِذَا ضَمَّهَا صَاحِبُ الثُّلُثَيْنِ إِلَى مَا حَصَلَ لَهُ فِي الْحَالَةِ الْوَاحِدَةِ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ صَارَ لَهُ خَمْسَةُ أَسْهُمٍ، وَلَمْ يَحْصُلْ لِصَاحِبِ النِّصْفِ إِلَّا هَذَيْنِ السَّهْمَيْنِ.
وَالرُّتْبَةُ الثَّالِثَةُ: قَسْمُ الثُّلُثِ الْبَاقِي، وَهُوَ اثْنَا عَشَرَ سَهْمًا بَيْنَ الْأَرْبَعَةِ كُلِّهِمْ، لِأَنَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ فِيهِ تَعَارُضُ بَيِّنَاتِهِمْ كُلِّهِمْ، فَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ، فَإِذَا ضَمَّهَا صَاحِبُ الْكُلِّ إِلَى مَا صَارَ لَهُ، وَهُوَ سَبْعَةَ عَشَرَ سَهْمًا، صَارَ لَهُ عِشْرُونَ سَهْمًا، وَإِذَا ضَمَّهَا صَاحِبُ الثُّلُثَيْنِ إِلَى مَا صَارَ لَهُ، وَهُوَ خَمْسَةُ أَسْهُمٍ صَارَ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَسْهُمٍ.
وَإِذَا ضَمَّهَا صَاحِبُ النِّصْفِ إِلَى مَا صَارَ لَهُ، وَهُوَ سَهْمَانِ صَارَ لَهُ خَمْسَةُ أَسْهُمٍ، وَيَنْفَرِدُ صَاحِبُ الثُّلُثِ بِثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ لَيْسَ لَهُ غَيْرُهَا، فَإِذَا جُمِعَتْ سِهَامُهُمْ، وَهِيَ عِشْرُونَ سَهْمًا لِصَاحِبِ الْكُلِّ، وَثَمَانِيَةُ أَسْهُمٍ لِصَاحِبِ الثُّلُثَيْنِ، وَخَمْسَةُ أَسْهُمٍ لِصَاحِبِ النِّصْفِ وَثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ لِصَاحِبِ الثُّلُثِ اسْتَوْعَبَتْ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ، وَقُسِّمَتْ عَلَيْهَا الدَّارَ بَيْنَهُمْ.
(فَصْلٌ)
: وَإِذَا تَنَازَعَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو دَارًا فِي يَدِ زَيْدٍ فَأَقَامَ عَمْرٌو الْبَيِّنَةَ، أَنَّ الدَّارَ لَهُ انْتُزِعَتْ مِنْهُ الدَّارُ، وَسُلِّمَتْ إِلَى عَمْرٍو، فَإِنْ عَادَ زَيْدٌ بَعْدَ انْتِزَاعِ الدَّارِ مِنْ يَدِهِ، فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الدَّارَ مِلْكَهُ، حُكْمَ لَهُ بِالدَّارِ، وَأُعِيدَتْ إِلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْحَالِ يَدٌ، لِأَنَّ زَوَالَ يَدِهِ بَيِّنَةُ خَارِجٍ عُرِفَ سَبَبُ زَوَالِهَِا، وَصَارَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ مَعَ يَدِهِ، وَهِيَ بَيِّنَةُ دَاخِلٍ فَقَضَى بِهَا عَلَى بَيِّنَةِ الْخَارِجِ.
0
- وَلَوْ كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَأَقَامَ زَيْدٌ الْبَيِّنَةَ وَالدَّارَ فِي يَدِهِ، بِأَنَّهُ مَالِكُهَا، وَأَقَامَ عَمْرٌو البينة أنه ابتاعها من زيد، حم بِهَا لِعَمْرٍو، لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ قَدْ أَثْبَتَتْ لِزَيْدٍ مِلْكًا، زَالَ عَنْهُ إِلَى عَمْرٍو، بِابْتِيَاعِهَا، فَكَانَتْ أَزِيدُ بَيَانًا، وَأَثْبَتُ حُكْمًا، فَلَوْ أَقَامَ زَيْدٌ الْبَيِّنَةَ وَالدَّارُ فِي يَدِهِ، أَنَّهُ مَالِكُهَا، وَأَقَامَ عَمْرٌو الْبَيِّنَةَ أَنَّ حَاكِمًا حَكَمَ لَهُ عَلَى زَيْدٍ بِمِلْكِهَا كُشِفَ عَنْ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِمِلْكِهَا لِعَمْرٍو، فَإِنْ بَانَ أَنَّهُ حُكِمَ بِهَا لَهُ، لِأَنَّ زَيْدًا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ بَيِّنَةٌ نَزَعَهَا مِنْ يَدِهِ بِالْبَيِّنَةِ، وَجَبَ أَنْ يُنْقَضَ حُكْمُ الْحَاكِمِ بِهَا لِعَمْرٍو، لِأَنَّ زَيْدًا قَدْ أَقَامَ بِهَا بَيِّنَةً مَعَ يَدِهِ وَإِنْ بَانَ أَنَّهُ حَكَمَ بِهَا لِعَمْرٍو عَلَى زَيْدٍ لِعَدَالَةِ بَيِّنَةِ عَمْرٍو وَجَرْحِ بَيِّنَةِ زَيْدٍ نظر، فإنفإن أعاد زيد تالك الْبَيِّنَةَ بَعْدَ أَنْ ظَهَرَ عَدَالَتُهَا حُكِمَ بِهَا لِعَمْرٍو دُونَ زَيْدٍ، لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ إِذَا رُدَّتْ بِالْجَرْحِ فِي شَهَادَةٍ لَمْ تُسْمَعْ مِنْهَا تِلْكَ الشَّهَادَةُ بَعْدَ التَّعْدِيلِ، وَكَانَ حُكْمُ الْحَاكِمِ بِهَا لِعَمْرٍو مَاضِيًا، وَإِنْ أَقَامَ زَيْدٌ بَيِّنَةً غَيْرَ تِلْكَ الْمَرْدُودَةِ، حُكِمَ بِالدَّارِ لِزَيْدٍ، وَنُقِضَ حُكْمُ الْحَاكِمِ بِهَا لِعَمْرٍو.
وَإِنْ بَانَ أَنَّ الْحَاكِمَ حَكَمَ بِهَا لِعَمْرٍو عَلَى زَيْدٍ مَعَ بَيِّنَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِأَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ يَرَى أَنْ يُحْكَمَ بِبَيِّنَةِ الْخَارِجِ عَلَى بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ، كَرَأْيِ أَهْلِ الْعِرَاقِ.
فَفِي نَقْضِ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِهَا لِعَمْرٍو وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يُنْقَضُ، لِنُفُوذِهِ بِاجْتِهَادِهِ فَلَمْ يُنَقَضْ، وَتُقَرُّ الدَّارُ فِي يَدِ عَمْرٍو.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُنْقَضُّ حُكْمُ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ عَلَى بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ، وَيُحْكَمُ بِهَا لِزَيْدٍ، لِأَنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَصٌّ فَالْقِيَاسُ فِيهِ جَلِيٌّ، وَالِاجْتِهَادُ فِيهِ قَوِيٌّ، فَنُقِضَ بِأَقْوَى الِاجْتَهَادَيْنِ أَضْعَفُهُمَا، وَإِنَّمَا لَا يُنْقَضُ الِاجْتِهَادُ مَعَ التَّكَافُؤِ، وَاحْتِمَالُ التَّرْجِيحِ.
وَإِنْ بَانَ أَنَّ الْحَاكِمَ حَكَمَ بِهَا لِعَمْرٍو عَلَى زَيْدٍ بِبَيِّنَتِهِ، وَلَمْ تُسْمَعْ بَيِّنَةُ زَيْدٍ، نُظِرَ فِي الْحَاكِمِ، فَإِنْ كَانَ يَرَى أَنْ لَا يُحْكَمَ بِبَيِّنَةِ الدَّاخِلِ مَعَ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ، فَفِي نَقْضِ حُكْمِهِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ كَمَا لَوْ سَمِعَهَا وَلَمْ يَحْكُمْ بِهَا.
وَإِنْ كَانَ يَرَى أَنَّ بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ أَوْلَى بِالْحُكْمِ، فَلَمْ يَسْمَعْهَا، بَعْدَ سَمَاعِ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ، نُقِضَ حُكْمُهُ لِعَمْرٍو وَحُكِمَ بِهَا لِزَيْدٍ، وَإِنْ لَمْ يَبِنْ بَعْدَ الْكَشْفِ السَّبَبُ الَّذِي أَوْجَبَ الْحُكْمَ بِهَا لِعَمْرٍو، دُونَ زَيْدٍ مَعَ ثُبُوتِ يَدِ زَيْدٍ وَبَيِّنَتِهِ، فَفِي نُفُوذِ الْحُكْمِ بِهَا لِعَمْرٍو وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الحكم بها نافذ ممضى ولا ينقص إِلَّا أَنْ يُعْلَمَ مَا يُوجِبُ نَقْضَهُ عَلَى مَا شَرَحْنَاهُ فِي أَحَدِ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِنَقْضِهِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حُكْمِ الْحَاكِمِ نُفُوذُهُ عَلَى الصحة، حتى بعلم فَسَادُهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُنْقَضُ حُكْمُ الْحَاكِمِ بِهَا لِعَمْرٍو تَغْلِيبًا لِيَدِ زَيْدٍ، وَبَيِّنَتِهِ، حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ نَفَذَ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ دُونَ الْفَسَادِ لِاحْتِمَالِ تَرَدُّدِهِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ وَهَذَا قول محمد بن الحسن وأن كَانَ لَهُ وَجْهٌ فَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(باب في القافة ودعوى الولد من كتاب الدعوى والبينات ومن كتاب نكاح قديم)
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أعرف السرور في وَجْهِهِ فَقَالَ " أَلَمْ تَرَي أَنْ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِيَّ نَظَرَ إِلَى أُسَامَةَ وَزَيْدٍ عَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ قَدْ غَطَّيَا رُؤُوسَهُمَا وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا فَقَالَ إِنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامِ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ " (قَالَ الشَّافِعِيُّ) فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْقَافَةِ إِلَّا هَذَا انْبَغَى أَنْ يَكُونَ فِيهِ دَلَالَةٌ أَنَّهُ عِلْمٌ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عِلْمًا لَقَالَ لَهُ لَا تَقُلْ هَذَا لِأَنَّكَ إِنْ أَصَبْتَ فِي شَيْءٍ لَمْ آمن عليك أن تخطىء في غيره وفي خطئك قذف محصنة أو نفي نسب وما أقره إلا أنه رضيه ورآه علما ولا يسر إلا بالحق - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ودعا عمر رحمه الله قائفا في رجلين ادعيا ولدا فقال لقد اشتركا فيه فقال عمر للغلام وال أيهما شئت وشك أنس في ابن له فدعا له القافة (قال الشافعي) رحمه الله وأخبرني عدد من أهل العلم من المدينة ومكة أنهم أدركوا الحكام يفتون بقول القافة (قال الشافعي) رحمه الله ولم يجز الله جل ثنائه نسب أحد قط إلا إلى أب واحد ولا رسوله عليه السلام ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ الْقِيَافَةُ يُحْكَمُ بِهَا فِي إِلْحَاقِ الْأَنْسَابِ، إِذَا اشْتَبَهَتْ بِالِاشْتِرَاكِ فِي الْوَطْءِ الْمُوجِبِ لِلُحُوقِ النَّسَبِ، فَإِذَا اشْتَرَكَ الرَّجُلَانِ فِي وَطْءِ امْرَأَةٍ يَظُنُّهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا زَوْجَتَهُ، أَوْ أَمَتَهُ، أَوْ يَتَزَوَّجُهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَزْوِيجًا فَاسِدًا يَطَؤُهَا فِيهِ، أَوْ كَانَ نِكَاحُ أَحَدِهِمَا صَحِيحًا يَطَؤُهَا فِيهِ وَوَطِئَهَا الْآخَرُ بِشُبْهَةٍ، أَوْ يَكُونَانِ شَرِيكَيْنِ فِي أَمَةٍ فَيَشْتَرِكَانِ فِي وَطْئِهَا، ثُمَّ تَأْتِي بِوَلَدٍ بَعْدَ وَطْئِهَا لِمُدَّةٍ لَا تَنْقُصُ عَنْ أَقَلِّ الْحَمْلِ، وَهِيَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَلَا تَزِيدُ عَلَى أَكْثَرِهِ، وَهِيَ أَرْبَعُ سِنِينَ فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُلْحَقَ بِهِمَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخْلَقَ مِنْ مَائِهِمَا، فَيُحْكَمُ بِالْقَافَةِ فِي إِلْحَاقِهِ بِأَحَدِهِمَا: وَكَذَلِكَ لَوِ اشْتَرَكَ عَدَدٌ كَثِيرٌ فِي وَطْئِهَا، حُكِمَ بِالْقَافَةِ فِي إِلْحَاقِهِ بِأَحَدِهِمْ، وَسَوَاءٌ اجْتَمَعُوا عَلَى ادِّعَائِهِ، وَالتَّنَازُعِ فِيهِ أَوْ تَفَرَّدَ بِهِ بَعْضُهُمْ فِي اسْتِوَائِهِ فِي إِلْحَاقِهِ بِأَحَدِهِمْ، وَهُوَ فِي الصَّحَابَةِ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالب عليه السلام فِي الْقَافَةِ، إِذَا وُجِدُوا، وَيَقْرَعُ بَيْنَهُمْ إِذَا فُقِدُوا وَحَكَمَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالْقَافَةِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، وَبِهِ قَالَ