كتاب النذور
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الماوردي
- الكتاب
- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
- المحقق
- الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1419 هـ -1999 م
- عدد الأجزاء
- 19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
مِنْ غَيْرِ الشَّافِعِيِّ وَمَعْنَى قَوْلِهِ الْمَعْرُوفُ أَنْ يَطْرَحَ عَنْهُمْ ذَلِكَ بِنِصْفِ مَهْرِ مِثْلِهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي رُجُوعِ الشُّهُودِ عَمَّا اخْتَصَّ بِالْأَبْدَانِ مِنَ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هِيَ الْقَسَمُ الثَّانِي فِي رُجُوعِهِمْ عَمَّا اخْتَصَّ بِالْأَحْكَامِ وَهُوَ شَيْئَانِ: الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ.
فَأَمَّا الطَّلَاقُ: فَهُوَ أَنْ يَشْهَدُوا عَلَى رَجُلٍ بِطَلَاقِ الثَّلَاثِ، فَيُفَرِّقُ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ يَرْجِعُ الشُّهُودُ، فَهِيَ مَمْنُوعَةٌ مِنَ الزَّوْجِ بَعْدَ نُفُوذِ الْحُكْمِ بِطَلَاقِهَا وَعَلَى الشُّهُودِ مَهْرُ مِثْلِهَا لِلزَّوْجِ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا ضَمَانَ عَلَى الشُّهُودِ.
اسْتِدْلَالًا: بِأَنَّهُ لَيْسَ لِخُرُوجِ الْبِضْعِ عَنْ مِلْكِ الزَّوْجِ قِيمَةٌ، وَلَوْ كَانَ مُقَوَّمًا بِمَهْرِ الْمِثْلِ فِي مِلْكِهِ، لَوَجَبَ إِذَا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهَا، أَنْ يَكُونَ مَهْرُ مِثْلِهَا مَحْسُوبًا مِنْ ثُلُثِهِ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ فِي مَرَضِهِ، وَلَوَجَبَ إِذَا طَلَّقَهَا وَقَدْ أَحَاطَ دَيْنُهُ بِتَرِكَتِهِ أَنْ لَا يَقَعَ طَلَاقُهُ، كَمَا لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ وَهَذَا مَدْفُوعٌ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ فِي خُرُوجِهِ مِنْ مِلْكِهِ كَمَا لَا قِيمَةَ لَهُ فِيمَا اسْتَهْلَكَهُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ ذِي قِيمَةٍ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ ضَمَانِهِ، إِنَّ عَقْدَ النِّكَاح بَعْدَ الدُّخُولِ أَقْوَى وَقَبْلَهُ أَضْعَفُ، لِارْتِفَاعِ الْعَقْدِ بِالرِّدَّةِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَوُقُوفِهِ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بَعْدَ الدُّخُولِ، وَوَافَقُونَا عَلَى تَضْمِينِ الشُّهُودِ إِذَا شَهِدُوا بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَكَانَ أَوْلَى أَنْ يَضْمَنُوا إِذَا شَهِدُوا بِهِ بَعْدَ الدُّخُولِ.
وَتَحْرِيرُ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ قِيَاسًا، إِنَّهَا شَهَادَةٌ بِطَلَاقٍ فَرَّقَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ الرُّجُوعُ عَنْهَا مُوجِبًا لِلضَّمَانِ كَالشَّهَادَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَالْمَالُ قَبْلَ الدُّخُولِ مُعَرَّضٌ لِلسُّقُوطِ بِرِدَّتِهَا، وَبِالْفَسْخِ إِذَا كَانَ مِنْ قَبْلِهَا، وَهُوَ بَعْدَ الدُّخُولِ مُسْتَقِرٌّ لَا يَسْقُطُ بِحَالٍ، فَإِذَا شَهِدُوا بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ فَقَدْ أَثْبَتُوا بِهِ صِفَةَ الْمُعَرَّضِ لِلسُّقُوطِ فَضُمِّنُوا، وَإِذَا شَهِدُوا بِهِ بَعْدَ الدُّخُولِ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مُعَرَّضًا لِلسُّقُوطِ فَلَمْ يُضَمَّنُوا.
قِيلَ: عَكْسُ هَذَا أَوْلَى، لِأَنَّ الصَّدَاقَ وَاجِبٌ بِالْعَقْدِ، فَإِذَا شَهِدُوا بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ فَقَدْ أَسْقَطُوا بِهَا نِصْفَ الصَّدَاقِ، وَإِذَا شَهِدُوا بِهِ بَعْدَ الدُّخُولِ لَمْ يُسْقِطُوا بِهِ شَيْئًا مِنَ الصَّدَاقِ، فَكَانَ ضَمَانُهُمْ بَعْدَ الدُّخُولِ أَقْوَى مِنْ ضَمَانِهِمْ قَبْلَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهُوَ بَعْدُ الدُّخُولِ قَدِ اسْتَوْفَى حَقَّهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ، فَلَمْ يُضَمَّنُوا وَقَبْلَ الدُّخُولِ لَمْ يَسْتَوْفِهِ فَضُمِّنُوا.
قِيلَ: حَقُّهُ فِي الِاسْتِمْتَاعِ بَاقٍ بِبَقَاءِ النِّكَاحِ، وَقَدْ أَبْطَلُوهُ بِشَهَادَتِهِمْ فِي الْحَالَتَيْنِ فَضَمَّنُوهُ فِيهَا.
وَدَلِيلٌ ثَانٍ: أَنَّ الْإِحَالَةَ بَيْنَ الزَّوْجِ وَبِضْعِ امْرَأَتِهِ إِذَا لَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى خُلُوِّ الْعَقْدِ مِنْ مَهْرٍ، فَهُوَ مُوجِبٌ لِضَمَانِ الْمَهْرِ، كَمَا لَوْ أَرْضَعَتْ زَوْجَتُهُ الْكَبِيرَةُ زَوْجَتَهُ الصَّغِيرَةَ ضَمِنَتِ الْكَبِيرَةُ مَهْرَ الصَّغِيرَةِ.
وَقَدْ وَافَقُوا عَلَى ذَلِكَ إِذَا قَصَدَتِ الْكَبِيرَةُ تَحْرِيمَ الصَّغِيرَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَبِفِعْلِ الْكَبِيرَةِ قَدْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهَا، وَلَا يَلْزَمُهَا مَهْرُهَا.
قِيلَ: لِأَنَّه لَوْ لَزِمَهَا مَهْرُهَا، لَأَفْضَى إِلَى خُلُوِّ الْعَقْدِ مِنْ مَهْرِهَا، وَلَا يُفْضِي هَذَا إِلَى خُلُوِّ عَقْدِ الصَّغِيرَةِ مِنْ مَهْرِهَا، فَلِذَلِكَ ضَمِنَتِ الْكَبِيرَةُ مَهْرَ الصَّغِيرَةِ، وَلَمْ تَضْمَنْ مَهْرَ نَفْسِهَا.
فَإِنْ قِيلَ بَعْدَ هَذَا: لو قتلها لَضَمِنَتْ دِيَتَهَا، وَلَا تَضْمَنُ مَهْرَهَا.
قِيلَ: ضَمَانُ الْمَنَافِعِ تَسْقُطُ بِضَمَانِ أَعْيَانِهَا، فَأَوْجَبَ ضَمَانُ دِيَتِهَا سُقُوطَ مَهْرِهَا.
وَدَلِيلٌ ثَالِثٌ: إِنَّهُ لَمَّا كَانَ لِدُخُولِ الْبِضْعِ فِي مِلْكِ الزَّوْجِ قِيمَةٌ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ لِخُرُوجِهِ عَنْ مِلْكِهِ قِيمَةٌ اعْتِبَارًا بِسَائِرِ الْأَمْوَالِ، فَإِنْ مَنَعُوا أَنْ يَكُونَ لِخُرُوجِهِ عن ملكه قيمة بما ذكروه ودللنا عَلَيْهِ بِجَوَازِ الْخُلْعِ عَلَى الْبِضْعِ، فَإِنَّهُ يَمْلِكُ بِهِ الْعِوَضَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَمْلِكَ الْعِوَضَ فِي مُقَابَلَةِ مَا لَيْسَ لَهُ عِوَضٌ.
ثُمَّ نُجِيبُ عَمَّا اسْتَدَلُّوا بِهِ مِنْ أَنَّهُ لَا قِيمَةَ لِخُرُوجِهِ عَنْ مِلْكِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ إِنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا فِي مَرَضِهِ لَمْ يَكُنْ مِنْ ثَلَاثَةٍ، وَلَوْ كَانَتْ مَالًا لَكَانَتْ مِنْ ثُلُثِهِ لِعِتْقِهِ، فَهُوَ إِنَّنَا نَعْتَبِرُ مَا كَانَ مُنْتَقِلًا إِلَى وَرَثَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَالزَّوْجَةُ لَا تَنْتَقِلُ إِلَيْهِمْ بَعْدَ الْمَوْتِ.
فَلِذَلِكَ لَمْ تُعْتَبَرْ مِنَ الثُّلُثِ، وَإِنْ كَانَ بِضْعُهَا مِلْكًا لَهُ كَأُمِّ الْوَلَدِ لَوْ أَعْتَقَهَا فِي مَرَضِهِ لَمْ تَكُنْ مِنْ ثُلُثِهِ وَإِنْ كَانَتْ مِلْكًا، لِأَنَّها لَا تَنْتَقِلُ بَعْدَ الْمَوْتِ إِلَى وَرَثَتِهِ، وَهَكَذَا لَوْ طَلَّقَهَا فِي مَرَضِهِ وَقَدْ أَحَاطَ دَيْنُهُ بِتَرِكَتِهِ بَعْدَ طَلَاقِهِ وَإِنْ لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ، لِأَنَّها لَا تَنْتَقِلُ إِلَى الْغُرَمَاءِ كَعِتْقِ أَمِ الْوَلَدِ، وَخَالَفَ عِتْقُ الْعَبْدِ الْقِنِّ الَّذِي يُصْرَفُ فِي دُيُونِهِ لَوْ لَمْ يُعْتَقْ.
(فَصْلٌ)
: وَإِذْ قَدْ ذَكَرْنَا دَلَائِلَ مَنْ أَثْبَتَ الْغُرْمَ وَنَفَاهُ، فَالَّذِي أَرَاهُ أَوْلَى مِنْ إِطْلَاقِ هَذَيْنِ الْمَذْهَبَيْنِ إِنَّ الشَّهَادَةَ بِهَذَا الطَّلَاقِ الْكَاذِبِ يُوجِبُ تَحْرِيمَهَا فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ.
وَيَجُوزُ لَهُمَا الِاجْتِمَاعُ بَعْدَهَا فِيمَا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى.
عَلَى أَصْلِ مَذْهَبِنَا فِي أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ فِي الظَّاهِرِ لَا يُحِيلُ الْأُمُورَ عَمَّا هِيَ عَلَيْهِ فِي الْبَاطِنِ، وَإِنْ خَالَفَنَا أَبُو حَنِيفَةَ.
فَاقْتَضَى مِنْ مَذْهَبِنَا أَنْ يُنْظَرَ فِي حَالِ الزَّوْجِ، فَإِنْ وَصَلَ إِلَى الِاسْتِمْتَاعِ بِزَوْجَتِهِ بِمُسَاعَدَتِهَا لَهُ عَلَى مَا أَبَاحَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي الْبَاطِنِ، فَلَا رُجُوعَ لِلزَّوْجِ بِمَهْرِهَا عَلَى الشُّهُودِ إِذَا رَجَعُوا، لِئَلَّا يَجْمَعَ بَيْنَ الِاسْتِبَاحَةِ وَالرُّجُوعِ بِالْمَهْرِ.
وَإِنْ لَمْ يَصِلْ إِلَى الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا، لِامْتِنَاعِهَا عَلَيْهِ تَمَسُّكًا بِظَاهِرِ التَّحْرِيمِ، رَجَعَ عَلَى الشُّهُودِ بِمَهْرِهَا لِتَفْوِيتِهِمْ عَلَيْهِ بِضْعَهَا.
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدَانِ عَلَى رَجُلٍ بِقَذْفِ امْرَأَتِهِ بِالزِّنَا فَيُلَاعِنُ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ يَرْجِعُ الشَّاهِدَانِ، وَاللَّعَّانُ فِي الظَّاهِرِ عَلَى نَفَاذِهِ فِي وُقُوعِ الْفُرْقَةِ وَتَحْرِيمِ الْأَبَدِ، فَأَمَّا نُفُوذُهُ فِي الْبَاطِنِ فَمُعْتَبَرٌ بِحَالِ الزَّوْجِ، فَإِنَّ أَمِنَ حَدَّ الْقَذْفِ حِينَ لَاعَنَ بِاخْتِيَارِهِ، فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الشُّهُودِ لِوُقُوعِ الْفُرْقَةِ بِلِعَانِهِ.
وَإِنْ خَافَ مِنْ حَدِّ الْقَذْفِ، لَمْ تَقَعِ الْفُرْقَةُ فِي الْبَاطِنِ، وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الشُّهُودِ إِنْ أَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا، وَيَرْجِعُ عَلَيْهِمْ إِنْ مَنَعَتْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ)
: فَإِذَا ثَبَتَ وُجُوبُ الْغُرْمِ عَلَى الشُّهُودِ إِذَا رَجَعُوا فِي الطَّلَاقِ، فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ ثَلَاثًا.
وَالثَّانِي: دُونَ الثَّلَاثِ.
فَإِنْ كَانَ مَا شَهِدُوا بِهِ مِنَ الطَّلَاقِ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الدُّخُولِ: فَعَلَيْهِمْ ضَمَانُ جَمِيعِ الْمَهْرِ يُقَسِطُ بَيْنَهُمْ عَلَى أَعْدَادِهِمْ، فَإِنْ شَهِدَ بِهِ اثْنَانِ، كَانَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ، وَإِنْ شَهِدَ بِهِ ثَلَاثَةٌ، كَانَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثُهُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ شَهَادَتُهُمْ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي قَدْرِ مَا يَلْزَمُ الشُّهُودِ:
فَرَوَى عَنْهُ الْمُزَنِيُّ إِنَّ عَلَيْهِمْ ضَمَانَ جَمِيعِ الْمَهْرِ.
وَرَوَى عَنْهُ الرَّبِيعُ إِنَّ عَلَيْهِمْ ضَمَانُ نِصْفِهِ، وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيِّ.
فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي اخْتِلَافِ مَا نَقَلَاهُ، فَخَرَّجَهُ أَكْثَرُهُمْ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: عَلَيْهِمْ نِصْفُ الْمَهْرِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لِأَنَّه قَدْرُ مَا الْتَزَمَ.
وَالثَّانِي: إِنَّهُ قَدْ رَجَعَ عَلَى الزَّوْجَةِ بِنِصْفِهِ، فَلَوْ رَجَعَ عَلَى الشُّهُودِ بِجَمِيعِهِ لَصَارَ إِلَيْهِ مَهْرٌ وَنِصْفٌ، وَهُوَ لَا يَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ مِنَ الْمَهْرِ فَعَلَى هَذَا عَلَيْهِمْ نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلِ، لِأَنَّه قِيمَةُ الْمُتْلَفِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: نِصْفُ الْمَهْرِ الْمُسَمَّى اعْتِبَارًا بِمَا غَرِمَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَلْزَمُهُمْ جَمِيعُ مَهْرِ الْمِثْلِ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُمْ قَدْ أَحَالُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا مِلْكَهُ مِنْ جَمِيعِ الْبِضْعِ، فَوَجَبَ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِمْ بِجَمِيعِ مَهْرِهَا كَمَا يَرْجِعُ بِهِ لَوْ دَخَلَ بِهَا.
وَالثَّانِي: إِنَّهُ لَمَّا رَجَعَ بِجَمِيعِ الْمَهْرِ إِذَا اسْتَمْتَعَ بِهَا، كَانَ أَوْلَى أَنْ يَرْجِعَ بِجَمِيعِهِ إِذَا لَمْ يَسْتَمْتِعُ بِهَا.
فَعَلَى هَذَا، إِنْ كَانَ الصَّدَاقُ قَدْ سَاقَهُ إِلَيْهَا لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا بِنِصْفِهِ، لِأَنَّه لَا يَدَّعِيهِ.
وَإِنْ لَمْ يَسُقْهُ إِلَيْهَا لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا نِصْفُهُ، وَإِنِ اعْتَرَفَ لَهَا بِجَمِيعِهِ لِأَجْلِ مَنْعِهِ مِنْهَا.
وَامْتَنَعَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مِنْ تَخْرِيجِ الرُّجُوعِ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَحَمَلُوا مَا رَوَاهُ مَنْ أَوْجَبَ جَمِيعَ الْمَهْرِ عَلَى الزَّوْجِ إِذَا سَاقَ جَمِيعَ الْمَهْرِ إِلَيْهَا، لِأَنَّه خَرَجَ عَنْ يَدِهِ جَمِيعُ الْمَهْرِ، فَرَجَعَ عَلَيْهِمْ بِجَمِيعِ الْمَهْرِ.
وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ عِنْدِي أَوْلَى عِنْدِي مِنْ تَخْرِيجِ الْقَوْلَيْنِ، لِأَنَّ مَا أَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى الِاتِّفَاقِ كَانَ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الِاخْتِلَافِ.
(فَصْلٌ)
: وَإِنْ كَانَ مَا شَهِدُوا بِهِ مِنَ الطَّلَاقِ أَقَلَّ مِنَ الثَّلَاثِ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الدُّخُولِ.
فَيُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَى الشُّهُودِ إِذَا رَجَعُوا كَمَا يُوجِبُهُ طَلَاقُ الثَّلَاثِ، لِأَنَّها تَبِينُ بِالْوَاحِدَةِ كَمَا تَبِينُ بِالثَّلَاثِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا تَبِينَ بِالْوَاحِدَةِ لِأَنَّه لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنْهُ طَلَاقٌ فلا شيء على الشهود إذا رجعوا، لأنه الزَّوْجَ يَقْدِرُ عَلَى اسْتِبَاحَتِهَا بِالرَّجْعَةِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَبِينَ بِالْوَاحِدَةِ الَّتِي شَهِدُوا بِهَا وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي خَلْعٍ تَبِينُ فِيهِ بِالْوَاحِدَةِ وَرَجَعَ الشُّهُودُ عَنْهُ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ عَلَى الزَّوْجَةِ لِإِنْكَارِهَا عَقَّدَ الْخُلْعُ، فَقَدْ أَلْزَمُوهَا الْعِوَضَ، وَلَا يَكُونُ الطَّلَاقُ بَدَلًا مِنْهُ فِي حَقِّهَا، فَلَهَا الرُّجُوعُ عَلَيْهِمْ بِمَا أَغْرَمُوهَا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ عَلَى الزَّوْجِ لِإِنْكَارِهَا عَقْدَ الْخُلْعِ، فَقَدْ كَانُوا
أَلْزَمُوهُ بِالطَّلَاقِ بِمَا أَوْجَبُوهُ لَهُ مِنَ الْعِوَضِ وَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَدَعْهُ، لِحَقِّهِ فِي بِضْعِهَا، فَإِذَا لَمْ يَصِلُ إِلَيْهِ، كَانَ لَهُ الْوُصُولُ إِلَى بَدَلِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ نُظِرَ.
فَإِنْ كَانَ الْعِوَضُ بِقَدْرِ مَهْرِ الْمِثْلِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الشُّهُودِ بِشَيْءٍ، لِوُصُولِهِ إِلَى الْمَهْرِ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجَةِ.
وَإِنْ كَانَ الْعِوَضُ أَقَلُّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ، يَرْجِعُ عَلَى الشُّهُودِ بِالْبَاقِي مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ لِيَسْتَكْمِلَهُ مِنَ الشُّهُودِ وَالزَّوْجَةِ.
وَمَثَلُهُ أَنْ يَشْهَدُوا بِشَفْعَتِهِ فِي مَبِيعٍ وَيُنْتَزَعُ مِنْ مُشْتَرِيهِ بِثَمَنِهِ ثُمَّ يَرْجِعُ الشُّهُودُ عَمَّا شَهِدُوا بِهِ مِنْ مِلْكِ الشَّفِيعِ، فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ مِثْلَ قِيمَةِ الْمِلْكِ لَمْ يُضَمَّنُوا، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ ضُمِّنُوا فَاضِلَ الْقِيمَةِ.
وَهَكَذَا لَوْ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ بَاعَ فَانْتُزِعَ مِنْهُ مَا شَهِدُوا بِهِ مِنَ الثَّمَنِ ثُمَّ رَجَعُوا إِنْ كَانَ الثَّمَنُ مِثْلَ قِيمَتِهِ لَمْ يُضَمَّنُوا، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنَ الْقِيمَةِ ضُمِّنُوا فَاضِلَ الْقِيمَةِ.
وَلَوْ شَهِدُوا بِهِبَةٍ ثُمَّ رَجَعُوا.
فَإِنْ قِيلَ بِوُجُوبِ الْمُكَافَأَةِ لَمْ يُضَمَّنُوا، وَإِنْ قِيلَ بِسُقُوطِهَا ضُمِّنُوا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنَّ تَبِينَ بِالْوَاحِدَةِ، لِأَنَّ الزَّوْجَ قَدْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الشَّهَادَةِ طَلْقَتَيْنِ فَصَارَتْ بَائِنَةً بِالثَّالِثَةِ، فَقَدْ أَحَالَ الشُّهُودُ بِهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ بِضْعِهَا، فَلَزِمَهُمُ الْغُرْمُ بِحُكْمِ الْإِحَالَةِ وَفِي قَدْرِ مَا يَلْزَمُهُمْ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: جَمِيعُ الْمَهْرِ، لِأَنَّهمْ مَنَعُوهُ مِنْهَا مِنْ جَمِيعِ الْبِضْعِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَلْزَمُهُمْ ثُلُثُ الْمَهْرِ، لِأَنَّه مَمْنُوعٌ مِنْ بِضْعِهَا بِثَلَاثِ طَلَقَاتٍ اخْتَصَّ الشُّهُودُ بِوَاحِدَةٍ مِنْهَا، فَكَانَ ثُلُثُ الْمَنْعِ مِنْهُمْ فَوَجَبَ ثُلُثُ الْمَهْرِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ الزَّوْجُ قَدْ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً، وَشَهِدُوا بِطَلْقَتَيْنِ رَجَعَ عَلَيْهِمْ بِثُلُثَيِ الْمَهْرِ.
فَهَذَا حُكْمُ شَهَادَتِهِمْ بِالطَّلَاقِ إِذَا رَجَعُوا عَنْهُ.
( [الْقَوْلُ فِي رُجُوعِ شُهُودِ الْعِتْقِ] )
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا شَهَادَتُهُمْ بِالْعِتْقِ إِذَا رَجَعُوا عَنْهَا فِي عَبْدٍ كَانَ قِنَّا، فَعَلَيْهِمْ غُرْمُ قِيمَتِهِ بِوِفَاقِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَإِنْ خَالَفَ فِي الطَّلَاقِ.
وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ عِنْدَ نُفُوذِ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمْ، لَا وَقْتَ رُجُوعِهِمْ، لِأَنَّه بِالْحُكْمِ صَارَ مُسْتَهْلَكًا لَا بِالرُّجُوعِ.
فَإِنْ شَهِدُوا عَلَيْهِ بِعِتْقِ مُدَبَّرٍ ثُمَّ رَجَعُوا عَنْهُ لَزِمَهُمْ غُرْمُ قِيمَتِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّه قَدْ كَانَ
عَلَى الرِّقِّ وَجَوَازِ الْبَيْعِ، فَإِنْ شَهِدُوا عَلَيْهِ بِعِتْقِ أُمِّ الْوَلَدِ رَجَعَ عَلَيْهِمْ بِقِيمَتِهَا، وَإِنْ مَنَعَ مِنْ بَيْعِهَا كَمَا يَرْجِعُ بِالْقَيِّمَةِ عَلَى قَاتِلِهَا.
وَإِنْ شَهِدُوا عَلَيْهِ بِكِتَابَةِ عَبْدِهِ، لَمْ يُغَرَّمُوا عِنْدَ الرُّجُوعِ، وَيُنْظَرُ مَا يَكُونُ مِنْ حَالِ الْمُكَاتَبِ: فَإِنْ عَجَزَ وَعَادَ إِلَى الرِّقِّ فَلَا غُرْمَ عَلَى الشُّهُودِ بِعَوْدِهِ إِلَى الرِّقِّ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الشَّهَادَةِ.
وَإِنْ أَدَّى وَعُتِقَ نُظِرَ فِي مَا أَدَّاهُ مِنْ كِتَابَتِهِ، فَإِنْ كَانَ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ، فَفِي وُجُوبِ غُرْمِهَا عَلَى الشُّهُودِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا غُرْمَ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ السَّيِّدَ قَدْ وَصَلَ إِلَى الْقِيمَةِ مِنْ مُكَاتَبِهِ فَصَارَ كَوُصُولِهِ إِلَى الْمَهْرِ مِنْ خُلْعِ زَوْجَتِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَرْجِعُ عَلَيْهِمْ بِغُرْمِ قِيمَتِهِ وَإِنْ وَصَلَ إِلَيْهَا مِنْ مَكَاتَبِهِ، لِأَنَّه أَدَّاهَا مِنِ اكْتِتَابِهِ الَّتِي قَدْ كَانَ يَمْلِكُهَا بِغَيْرِ كِتَابِهِ، وَبِهَذَا خَالَفَ مَا أَدَّتْهُ الْمَرْأَةُ فِي الْخُلْعِ، لِأَنَّ الْمُؤَدَّى لَا يَمْلِكُهُ الزَّوْجُ إِلَّا بِالْخُلْعِ.
وَإِنْ كَانَ مَا أَدَّاهُ الْمُكَاتَبُ فَيُعْتَقُ بِهِ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ، رَجَعَ السَّيِّدُ عَلَى الشُّهُودِ بِالْبَاقِي مِنْ قِيمَتِهِ، وَفِي رُجُوعِهِ عَلَيْهِمْ بِمَا أَدَّاهُ الْمُكَاتَبُ وَجْهَانِ تَعْلِيلًا بِمَا قَدَّمْنَاهُ فِيهَا.
فَإِنْ شَهِدُوا بِإِبْرَاءِ مُكَاتَبِهِ مِنْ مَالِ كِتَابَتِهِ فَحُكِمَ عَلَيْهِ بِعِتْقِهِ، ثُمَّ رَجَعَ الشُّهُودُ، غُرِّمُوا لَهُ أَقَلَّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ مَالِ كِتَابَتِهِ، لِأَنَّ الْقِيمَةَ إِذَا كَانَتْ أَقَلَّ، فَلَيْسَ بِأَغْلَظَ مِنَ الْعَبْدِ الْقِنِّ.
فَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ مَالُ الْكِتَابَةِ أَقَلُّ، فَلَيْسَ لَهُ عَلَى الْمُكَاتَبِ أَكْثَرُ مِنْهُ فَلَمْ يَرْجِعْ بِالزِّيَادَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
( [الْقَوْلُ فِي رُجُوعِ شهود المال] )
(مسألة)
: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَإِنْ كَانَ فِي دَارٍ فَأُخْرِجَتْ مِنْ يَدَيْهِ إِلَى غَيْرِهِ عُزِّرُوا عَلَى شَهَادَةِ الزُّورِ وَلَمْ يُعَاقَبُوا عَلَى الْخَطَأِ وَلَمْ أُغْرِمْهُمْ مِنْ قِبَلِ أَنِّي جَعَلْتُهُمْ عُدُولًا بِالْأَوَّلِ فَأَمْضَيْنَا بِهِمُ الْحُكْمَ وَلَمْ يَكُونُوا عُدُولًا بِالْآخَرِ فَتُرَدُّ الدَّارُ وَلَمْ يُفِيتُوا شَيْئًا لَا يُؤْخَذُ وَلَمْ يَأْخُذُوا شَيْئًا لِأَنْفُسِهِمْ فَأَنْتَزِعَهُ مِنْهُمْ وَهُمْ كَمُبْتَدِئِينَ شَهَادَةٍ لَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ فَلَا أُغْرِمُهُمْ مَا أقَرُوهُ فِي أَيْدِي غَيْرِهِمْ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هِيَ الْقَسَمُ الثَّالِثُ فِي رُجُوعِهِمْ عَمَّا اخْتَصَّ بِالْأَمْوَالِ، وَهُوَ ضَرْبَانِ: عَيْنٌ وَدَيْنٌ.
فَأَمَّا الْعَيْنُ فَكَالدَّارِ وَالدَّابَّةِ إِذَا كَانَتْ فِي يَدِ رَجُلٍ يَتَصَرَّفُ فِيهَا تَصَرُّفَ الْمَالِكِينَ الْحَائِزِينَ، فَشَهِدَ الشُّهُودُ بِهَا لِغَيْرِهِ فَانْتَزَعَهَا الْحَاكِمُ مِنْ يَدِهِ بِشَهَادَتِهِمْ وَسَلَّمَهَا، إِلَى
الْمَشْهُودِ لَهُ، ثُمَّ رَجَعَ الشُّهُودُ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْتَزِعَهَا مِنَ الْمَشْهُودِ لَهُ لِنُفُوذِ الْحُكْمِ بها.
والحكم لا ينتقص بِرُجُوعِهِمْ.
فَأَمَّا وُجُوبُ غُرْمِهَا عَلَى الشُّهُودِ، فَالَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِيهَا وَذَكَرَهُ هُنَا وَفِي غَيْرِهِ مِنَ الْكُتُبِ لَا رُجُوعَ عَلَى الشُّهُودِ بِغُرْمِهَا.
وَقَالَ فِيمَنْ أَقَرَّ بِدَارٍ فِي يَدِهِ أَنَّهُ غَصَبَهَا مِنْ زَيْدٍ ثُمَّ قَالَ: لَا بَلْ غَصَبْتُهَا مِنْ عَمْرٍو: إِنَّهَا تَكُونُ لِزَيْدٍ لِتَقَدُّمِ الْإِقْرَارِ بِهَا لَهُ، وَهَلْ يَجِبُ قِيمَتُهَا لِعَمْرٍو أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:
وَكَذَا قَالَ فِي عَبْدٍ أَعْتَقَهُ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ، ثُمَّ أَقَرَّ بِغَصْبِهِ مِنْ عَمْرٍو، هَلْ يَغْرَمُ قِيمَتَهُ لِعَمْرٍو أَمْ لَا؟ عَلَى الْقَوْلَيْنِ.
وَرُجُوعِ الشُّهُودِ كَرُجُوعِ الْمُقِرِّ بِالْغَصْبِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ وَطَائِفَةٍ: إِنَّهُمَا سِيَّانِ، وَفِي غُرْمِ الشُّهُودِ إِذَا رَجِعُوا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: عَلَيْهِمْ غُرْمُ قِيمَةِ الْعَيْنِ، وَهُوَ الْمَخْرَجُ، وَبِهِ قال أبو حنيفة لاستهلالكها عَلَى مَالِكِهَا حُكْمًا، فَصَارَ كَاسْتِهْلَاكِهَا عَلَيْهِ، فَعَلَى هَذَا فِي قِيمَتِهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ عَلَيْهِمْ قِيمَتُهَا يَوْمَ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمْ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: عَلَيْهِمْ أَكْثَرُ قِيمَتِهَا مِنْ يَوْمِ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمْ إِلَى وَقْتِ رُجُوعِهِمْ.
فَهَذَا حُكْمُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ: لَا غُرْمَ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ الْأَعْيَانَ تُضْمَنُ بِوَاحِدٍ مِنْ أَمْرَيْنِ: إِمَّا بِإِتْلَافٍ أَوْ بِيَدٍ، وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الشُّهُودِ إِتْلَافُ الْعَيْنِ لِبَقَائِهَا، وَلَا يَدَ لِعَدَمِ تَصَرُّفِهِمْ فِيهَا.
فَسَقَطَ غُرْمُهَا عَنْهُمْ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: مِنْ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا: وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، أَنَّهُ لَا غُرْمَ عَلَى الشُّهُودِ قَوْلًا وَاحِدًا.
وَإِنْ كَانَ فِي غُرْمِ الْمُقِرِّ بِالْغَصْبِ قَوْلَانِ لِوُقُوعِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ لِلْغَاصِبِ يَدًا صَارَ بِهَا ضَامِنًا، وَلَيْسَ لِلشُّهُودِ يَدٌ يُضَمِّنُونَ بِهَا فَافْتَرَقَ حُكْمُهَا.
( [الْقَوْلُ فِي رُجُوعِ شُهُودِ الدَّيْنِ] )
(فَصْلٌ)
: فَأَمَّا الدَّيْنُ إِذَا شَهِدُوا بِهِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّ عَلَيْهِ لِزَيْدٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ مِنْ قَرْضٍ أَوْ غَصْبٍ فَأَلْزَمَهُ الْحَاكِمُ دَفَعَهَا إِلَيْهِ بِشَهَادَتِهِمْ فَدَفَعَهَا، ثُمَّ رَجَعُوا عَنْ شَهَادَتِهِمْ، وَلِلدَّيْنِ الْمَقْبُوضِ حَالَتَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَهْلَكَهُ الْمَشْهُودُ لَهُ، فَعَلَى الشُّهُودِ غُرْمُهُ لِتَلَفِ الْعَيْنِ
بِالِاسْتِهْلَاكِ، وَلَا يَجُوزُ لِلشُّهُودِ أَنْ يَرْجِعُوا بِهِ عَلَى الْمَشْهُودِ لَهُ إِذَا غَرِمُوا، وَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُمْ عَلَيْهِ لِمَا سَبَقَ مِنِ اعْتِرَافِهِمْ لَهُ بِالْحَقِّ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ الدَّيْنِ الْمَقْبُوضِ بَاقِيًا فِي يَدِ الْمَشْهُودِ لَهُ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَكُونُ فِي حُكْمِ الدَّيْنِ أَمْ فِي حُكْمِ الْعَيْنِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِي حُكْمِ الْعَيْنِ لِبَقَاءِ عَيْنِهِ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الشُّهُودِ بِغُرْمِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ فِي حُكْمِ الْمُسْتَهْلَكِ مِنَ الدَّيْنِ لِتَعَلُّقِهِ بِالذِّمَّةِ فَيَرْجِعُ عَلَى الشُّهُودِ بِغُرْمِهِ.
(فَصْلٌ)
: وَإِذَا ثَبَتَ الرُّجُوعُ عَلَى الشُّهُودِ بِغُرْمِ الدَّيْنِ، لَمْ يَخْلُ رُجُوعُهُمْ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ جَمِيعِهِمْ أَوْ بَعْضِهِمْ.
فَإِنْ رَجَعُوا جَمِيعًا وَكَانُوا شَاهِدِينَ كَانَ عَلَى كُلِّ واحد منهما نصف الدين.
ولو وَإِنْ كَانُوا شَاهِدًا وَامْرَأَتَيْنِ، كَانَ عَلَى الرَّجُلِ نِصْفُ الدَّيْنِ، لِأَنَّه نِصْفُ الْبَيِّنَةِ، وَكَانَ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمَرْأَتَيْنِ رُبُعُ الدَّيْنِ لِأَنَّها رُبُعُ الْبَيِّنَةِ.
وَلَوْ كَانَ الشُّهُودُ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ، كَانَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثُ الدَّيْنِ، لِأَنَّه ثُلُثُ الْبَيِّنَةِ وَلَوْ كَانُوا عَشْرَةً كَانَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عُشْرُ الدَّيْنِ، لِأَنَّه عُشْرُ الْبَيِّنَةِ.
وَلَوْ كَانُوا رَجُلًا وَعَشْرُ نِسْوَةٍ كَانَ عَلَى الرَّجُلِ سُدُسُ الدَّيْنِ وَعَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ النِّسْوَةِ نِصْفُ سُدُسِ الدَّيْنِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: عَلَى الرَّجُلِ نِصْفُ الدَّيْنِ، لِأَنَّه نِصْفُ الْبَيِّنَةِ وَعَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ النِّسَاءِ نِصْفُ عُشْرٍ، لِأَنَّها نِصْفُ عُشْرِ الْبَيِّنَةِ وَبِهِ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ.
وَهَذَا خَطَأٌ، لِأَنَّ كُلَّ امْرَأَتَيْنِ تَقُومَانِ مَقَامَ الرَّجُلِ، فَصَارَ النِّسَاءُ الْعَشْرُ كَخَمْسَةِ رِجَالٍ، فَإِذَا اقْتَرَنَ بِهِمْ رَجُلٌ صَارُوا مَعَهُ كَسِتَّةِ رِجَالٍ، يَلْزَمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سُدُسُ الدَّيْنِ، فَاقْتَضَى أَنْ يَلْزَمَ الرَّجُلَ سُدُسَ الدَّيْنِ وَيَلْزَمَ كُلَّ امْرَأَتَيْنِ سُدُسُهُ، فَتَخْتَصُّ كُلُّ وَاحِدَةٍ بِنِصْفِهِ.
وَإِنْ رَجَعَ بَعْضُ الشُّهُودِ دُونَ جميعهم، فعلى ثلاثة أضرب:
أحدهما: أَنْ لَا يَزِيدُوا عَلَى عَدَدِ الْبَيِّنَةِ، وَيَكُونُوا رَجُلَيْنِ فَيَرْجِعُ أَحَدُهُمَا، فَعَلَيْهِ نِصْفُ الدَّيْنِ، لِأَنَّه نِصْفُ الْبَيِّنَةِ، وَإِنْ كَانُوا رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ وَلَوْ رَجَعَتْ وَاحِدَةٌ مِنَ الْمَرْأَتَيْنِ، فَعَلَيْهَا رُبُعُ الدَّيْنِ، لِأَنَّها رُبُعُ الْبَيِّنَةِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَزِيدُوا عَلَى عَدَدِ الْبَيِّنَةِ، وَيَرْجِعُ مَنْ زَادَ عَلَيْهَا كَأَرْبَعَةِ رِجَالٍ يَرْجِعُ مِنْهُمُ اثْنَانِ، فَفِي الرُّجُوعِ عَلَى الرَّاجِعِينَ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ: لَا رُجُوعَ عَلَيْهِمَا لِكَمَالِ الْبَيِّنَةِ بِغَيْرِهِمَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الْمُزَنِيِّ حَكَاهُ عَنْهُ أَصْحَابُهُ: يَرْجِعُ عَلَيْهِمَا، لِأَنَّ الْحَقَّ لَمْ يَتَعَيَّنْ بِشَهَادَةِ غَيْرِهِمَا فَلَزِمَهُمَا نِصْفُ الدَّيْنِ، لِأَنَّهمَا نِصْفُ الْبَيِّنَةِ.
فَلَوْ شَهِدَتْ مَعَ الْأَرْبَعَةِ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ ثُمَّ رَجَعَتِ الْمَرْأَةُ مِنَ الرَّجُلَيْنِ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمَرْأَةِ، لِأَنَّها إِذَا انْفَرَدَتْ لَمْ تَدْخُلْ فِي جُمْلَةِ الْبَيِّنَةِ.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَزِيدُوا عَلَى عَدَدِ الْبَيِّنَةِ وَيَرْجِعُ الزَّائِدُ عَلَى الْبَيِّنَةِ وَبَعْضُ الْبَيِّنَةِ كَالثَّلَاثَةِ إِذَا رَجَعَ مِنْهُمُ اثْنَانِ وَجَبَ الرُّجُوعُ عَلَيْهِمَا وَفِي قَدْرِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَرْجِعُ عَلَيْهِمَا بِنِصْفِ الدَّيْنِ، لِأَنَّه قَدْ بَقِيَ نِصْفُ الْبَيِّنَةِ وَهَذَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُسْقِطُ الرجوع عليهم إذا بقي بعدهم عدد البينة، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِمَا بِثُلُثَيِ الدَّيْنِ، لِأَنَّهمَا ثُلُثَا الْبَيِّنَةِ، وَهَذَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُوجِبُ الرجوع عليهم إذا بقي بعدهم عدد البينة، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ الْمُزَنِيِّ.
فَلَوْ كَانُوا رَجُلَيْنِ وَامْرَأَتَيْنِ فَرَجَعَ مِنْهُمْ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ، فَفِي قَدْرِ الرُّجُوعِ عَلَيْهِمْ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُرْجَعُ عَلَيْهِمَا بِرُبُعِ الدَّيْنِ، لِأَنَّه قَدْ بَقِيَ بِالرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْبَيِّنَةِ، وَيَتَحَمَّلُ الرَّجُلُ مِنَ الرُّبُعِ ثُلُثَيْهِ وَهُوَ سُدُسُ الدَّيْنِ وَتَتَحَمَّلُ الْمَرْأَةُ ثُلُثَهُ وَهُوَ نِصْفُ السُّدُسِ مِنَ الدَّيْنِ، وَهُوَ قِيَاسُ ابْنِ سُرَيْجٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ الدَّيْنِ، لِأَنَّهمَا نِصْفُ الْبَيِّنَةِ، فَيَتَحَمَّلُ الرَّجُلُ ثُلُثَيِ النِّصْفِ وَهُوَ ثُلُثُ الدَّيْنِ، وَتَتَحَمَّلُ الْمَرْأَةُ ثُلُثَهُ.
وَهُوَ سُدُسُ الدَّيْنِ، وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الْمُزَنِيِّ.
( [الْقَوْلُ فِي اخْتِلَافِ الشُّهُودِ فِي قَدْرِ الدَّيْنِ وَرُجُوعِهِمْ عَنْهُ] )
(فَصْلٌ)
: وَإِذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ مَالًا فَشَهِدَ لَهُ شَاهِدٌ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَشَهِدَ لَهُ شَاهِدٌ ثَانٍ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ، وَشَهِدَ لَهُ شَاهِدٌ ثَالِثٌ بِثَلَاثِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَشَهِدَ لَهُ رَابِعٌ بِأَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَقَدْ قَامَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِثَلَاثِمِائَةِ دِرْهَمٍ، لِأَنَّ الْمِائَةَ الرَّابِعَةَ شَهِدَ بِهَا شَاهِدٌ وَاحِدٌ فَلَمْ تَثْبُتْ.
فَإِنْ رَجَعَ الشُّهُودُ الْأَرْبَعَةُ بَعْدَ الْغُرْمِ، رَجَعَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِمَا غَرِمَهُ وَهُوَ ثَلَاثُمِائَةٍ.
وَيَخْتَلِفُ قَدْرُ مَا يُرْجَعُ بِهِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ عَنْهُمْ بِاخْتِلَافِ مَا شَهِدُوا
بِهِ فَالْمِائَةُ الْأَوْلَى قَدْ شَهِدَ بِهَا الْأَرْبَعَةُ، فَيَكُونُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رُبُعُهَا وَهُوَ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا، وَالْمِائَةُ الثَّانِيَةُ قَدْ شَهِدَ بِهَا ثَلَاثَةٌ سِوَى الْأَوَّلِ.
فَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثُهُ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ دِرْهَمًا وَثُلُثُ دِرْهَمٍ، وَالْمِائَةُ الثَّالِثَةُ قَدْ شَهِدَ بِهَا اثْنَانِ سِوَى الْأَوَّلِ وَالثَّانِي، فَيَكُونُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهَا، خَمْسُونَ دِرْهَمًا، فَيَصِيرُ الْجَمِيعُ ثَلَاثَمِائَةِ دِرْهَمٍ.
عَلَى الْأَوَّلِ مِنْهَا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا، وَعَلَى الثَّانِي مِنْهَا ثَمَانِيَةٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا وَثُلُثٌ، وَعَلَى الثَّالِثِ مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَثُلُثٌ وَعَلَى الرَّابِعِ مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَثُلُثٌ.
( [الْقَوْلُ فِي رُجُوعِ شُهُودِ الدَّيْنِ عَنْ بَعْضِ مَا شَهِدُوا بِهِ] )
(فَصْلٌ)
: وَإِذَا شَهِدَ ثَلَاثَةٌ عَلَى رَجُلٍ بِثَلَاثِينَ دِرْهَمًا ثُمَّ رَجَعَ أَحَدُهُمْ عَنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَرَجَعَ ثَانٍ عَنْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَرَجْعَ الثَّالِثُ عَنْ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا، فَلِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ إِذَا غَرِمَ الثَّلَاثِينَ أَنْ يَرْجِعَ مِنْهَا بِعِشْرِينَ، لِأَنَّ الْعَشْرَةَ الثَّانِيَةَ قَدْ بَقِيَ مِنْهَا بَعْدَ الرَّاجِعِ شَاهِدَانِ، فَتَكُونُ الْعَشْرَةُ الْأَوْلَى عَلَيْهِمْ أَثْلَاثًا، لِأَنَّه قَدْ رَجَعَ عَنْهَا الثَّلَاثَةُ فَيَلْزَمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَثُلُثُ دِرْهَمٍ.
وَالْعَشَرَةُ الثَّانِيَةُ قَدْ رَجَعَ عَنْهَا اثْنَانِ، فَهِيَ عَلَيْهِمَا نِصْفَانِ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، يَصِيرُ الْجَمِيعُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، مِنْهَا عَلَى الرَّاجِعِ عَنِ الْعَشْرَةِ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَثُلُثٌ، وَعَلَى الرَّاجِعِ عَنِ الْعِشْرِينَ ثَمَانِيَةُ دَرَاهِمَ وثلث، وعلى الرجع عَنِ الثَّلَاثِينَ ثَمَانِيَةُ دَرَاهِمَ وَثُلُثٌ.
فَأَمَّا الْعَشْرَةُ الرَّابِعَةُ فَلَا رُجُوعَ عَنْهَا بِشَيْءٍ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ.
وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي: يَرْجِعُ عَلَى الرَّاجِعِ عَنْهَا بِثُلُثِهَا وَهِيَ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَثُلُثٌ.
وَالْعَشَرَةُ الثانية تثبت بثلاثة ورجع مليها اثْنَانِ، فَعَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ يَلْزَمُهُمَا نِصْفُهَا لِأَنَّه بَقِيَ شَاهِدٌ وَاحِدٌ، وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي: ثُلُثَاهَا، فَأَمَّا جَمِيعُهَا فَلَا.
(فَصْلٌ)
: فَإِذَا ثَبَتَ الرُّجُوعُ عَلَى الشُّهُودِ بِغُرْمِ الدَّيْنِ الَّذِي رَجَعُوا عَنْهُ عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنَ التَّقْرِيرِ وَالتَّفْرِيعِ، فَلَا فَرْقَ فِي الرُّجُوعِ بَيْنَ عَمْدِهِمْ وَخَطَئِهِمْ بِخِلَافِ الدِّمَاءِ، لِأَنَّ ضَمَانَ الْأَمْوَالِ يَسْتَوِي فِيهِ الْعَمْدُ وَالْخَطَأُ وَالدِّمَاءُ يَفْتَرِقُ فِيهَا حُكْمُ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ، وَيُفَسَّقُونَ فِيهَا بِالْعَمْدِ دُونَ الْخَطَأِ وَيُعَزَّرُونَ فِي عَمْدِ الْأَمْوَالِ وَعَمْدِ الدِّمَاءِ إِذَا لَمْ يَجِبْ فِيهَا الْقَوَدُ فَإِنْ وَجَبَ فِيهَا الْقَوَدُ فَأُقِيدُوا فِي نَفْسٍ أَوْ طَرَفٍ، سَقَطَ التَّعْزِيرُ لِدُخُولِهِ عَلَى الْقَوَدِ فَإِنْ عَدَلَ وَلِيُّ الدَّمِ فِيهِ عَنِ الْقَوَدِ إِلَى الدِّيَةِ فَفِي تَعْزِيرِ الشُّهُودِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا تَعْزِيرَ عَلَيْهِمَا، لِأَنَّ الدِّيَةَ بَدْلٌ عَنِ الْقَوَدِ الَّذِي يَسْقُطُ بِهِ التَّعْزِيرُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُعَزَّرُونَ، لِأَنَّ التَّعْزِيرَ ثَابِتٌ يَخْتَصُّ بالأبدان.
( [بَابُ عِلْمِ الْحَاكِمِ بِحَالِ مَنْ قَضَى بِشَهَادَتِهِ] )
(مسألة)
: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَإِذَا عَلِمَ الْقَاضِي أَنَّهُ قَضَى بِشَهَادَةِ عَبْدَيْنِ أَوْ مُشْرِكَيْنِ أَوْ غَيْرِ عَدْلَيْنِ مِنْ جَرْحٍ بَيِّنٍ أَوْ أَحَدِهِمَا رَدَّ الْحُكْمَ عَلَى نَفْسِهِ وَرَدَّهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي أَنَّ شَهَادَةَ الْعَبْدِ وَالْكَافِرِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ بِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الدَّلِيلِ.
فَإِذَا ثَبَتَ حُكْمُ الْحَاكِمِ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ فِي حَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ، أَوْ عِتْقٍ، أَوْ طَلَاقٍ، أَوْ مِلْكٍ، أَوْ مَالٍ، ثُمَّ بَانَ لَهُ بَعْدَ نُفُوذِ حُكْمِهِ بِهِمَا، أَنَّهُمَا عَبْدَانِ أَوْ أَحَدَهُمَا أَوْ كَافِرَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا عَبْدٌ وَالْآخِرُ كَافِرٌ، فَإِنَّ الْحُكْمَ بِشَهَادَتِهِمَا مَرْدُودٌ، لِأَنَّه حَكَمَ بِشَهَادَةِ مَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ بِهَا فَصَارَ كَحُكْمِهِ بِهَا مَعَ عِلْمِهِ وَجَرَى مَجْرَى مِنْ حَكَمَ بِالِاجْتِهَادِ ثُمَّ بَانَ لَهُ مُخَالَفَةُ النَّصِّ، كَانَ حُكْمُهُ مَرْدُودًا قَبْلَ الْحُكْمِ وَبَعْدَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي شَهَادَةِ الْعَبْدِ، فَأَجَازَهَا شُرَيْحٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَدَاوُدُ.
وَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ شَهَادَةَ الْكَافِرِ فِي مَوْضِعٍ، وَالِاخْتِلَافُ فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الِاجْتِهَادِ فِيهَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنْقَضَ بِالِاجْتِهَادِ حُكْمًا نَفَذَ بِالِاجْتِهَادِ.
قِيلَ: قَدِ اخْتُلِفَ فِيمَا رُدَّتْ بِهِ شَهَادَةُ الْعَبْدِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: بِظَاهِرِ نَصٍّ لَمْ يَدْفَعْهُ دَلِيلٌ، فَصَارَ كَالدَّلِيلِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 283] وَلَيْسَ الْعَبْدُ مِمَّنْ يُرْضَى.
فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِ مُخَالِفًا لِلنَّصِّ فَكَانَ مَرْدُودًا.
وَالثَّانِي: إِنَّهَا مَرْدُودَةٌ بِقِيَاسٍ عَلَى الشَّوَاهِدِ غَيْرِ مُحْتَمَلٍ، انْعَقَدَ عَلَيْهِ إِجْمَاعُ الْمُتَأَخِّرِينَ بَعْدَ شُذُوذِ الْخِلَافِ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ، فَصَارَ مَرْدُودًا بِإِجْمَاعٍ انْعَقَدَ عَلَى قِيَاسٍ جَلِيٍّ.
وَالثَّالِثُ: إِنَّهَا رُدَّتْ بِاجْتِهَادٍ ظَاهِرِ الشَّوَاهِدِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُنْقَضَ بِاجْتِهَادٍ خَفِيِّ الشَّوَاهِدِ، لِأَنَّ الْأَقْوَى أَمْضَى مِنَ الْأَضْعَفِ، وَإِنَّمَا يَتَعَارَضَانِ إِذَا تَسَاوَيَا فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، عَلَى أَنَّ الِاجْتِهَادَ لَمْ يَكُنْ فِي الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِ، وَإِنَّمَا حَكَمَ بِهَا، لِأَنَّه لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ عَبْدٌ ثُمَّ عَلِمَ بِعُبُودِيَّتِهِ قَطْعًا فَوَجَبَ أَنْ يَقْضِيَ بِعِلْمِهِ عَلَى مَا اشْتَبَهَ وَأَشْكَلَ.
فَثَبَتَ أَنَّ الْحُكْمَ بِشَهَادَةِ الْعَبْدِ وَالْكَافِرِ مَرْدُودٌ، وَقَدْ وَافَقَ عَلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالُكٌ، وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ.
(فَصْلٌ)
: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْحُكْمَ بِهَا مَرْدُودٌ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا، هَلْ يَقَعُ بَاطِلًا لَا يَفْتَقِرُ إِلَى الْحُكْمِ بِنَقْضِهِ، أَوْ يَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى وُجُوبِ الْحُكْمِ بِنَقْضِهِ؟ بِحَسَبَ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْمَانِعِ مِنَ الْحُكْمِ بِهِ.
فَمَنْ جَعَلَ دَلِيلَ رَدِّهِ نَصًّا أَوْ إِجْمَاعًا، جَعَلَهُ بَاطِلًا لَا يَفْتَقِرُ إِلَى الْحُكْمِ بِنَقْضِهِ، لَكِنْ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يُظْهِرَ بُطْلَانَهُ لِمَا قَدَّمَهُ مِنْ ظُهُورِ نُفُوذِهِ.
وَمَنْ جَعَلَ رَدَّهُ قُوَّةُ الِاجْتِهَادِ فِي شَوَاهِدِهِ، جَعَلَهُ مَوْقُوفًا عَلَى وُجُوبِ الْحُكْمِ لَا بِنَقْضِهِ لِأَنَّ غَيْرَهُ شَوَاهِدُهُ مَعْلُومَةٌ بِالِاجْتِهَادِ فَصَارَ مَوْقُوفًا عَلَى الْحُكْمِ بِنَقْضِهِ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأَنَّه قَالَ مِنْ بَعْدُ: وَرَدُّ شَهَادَةِ الْعَبْدِ إِنَّمَا هُوَ بِتَأْوِيلٍ.
وَلَيْسَ بِتَحْرِيفِ السِّجِلِّ نَقْضًا لِلْحُكْمِ حَتَّى يَنْقُضَهُ بِالْحُكْمِ قَوْلًا، وَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُسَجِّلَ بِالنَّقْضِ كَمَا أَسْجَلَ بِالْحُكْمِ لِيَكُونَ السِّجِلُّ الثَّانِي مُبْطِلًا لِلسِّجِلِّ الْأَوَّلِ، كَمَا صَارَ الْحُكْمُ الثَّانِي نَاقِضًا لِلْحُكْمِ الْأَوَّلِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ قَدْ أَسْجَلَ الْحُكْمَ لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِسْجَالَ بِالنَّقْضِ، وَإِنْ كَانَ الْإِسْجَالُ بِهِ أَوْلَى.
(مَسْأَلَةٌ)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " بَلِ الْقَاضِي بِشَهَادَةِ الْفَاسِقِ أَبْيَنُ خَطَأً مِنْهُ بِشَهَادَةِ الْعَبْدِ وَذَلِكَ أَنَ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قال ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ وقال ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ وَلَيْسَ الْفَاسِقُ بِوَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ فَمَنْ قَضَى بِشَهَادَتِهِ فَقَدْ خَالَفَ حُكْمَ اللَّهِ وَرَدُّ شَهَادَةِ العبد إنما هو تأويل وقال في موضع آخر إن طلب الخصم الجرحة أجله بالمصر وما قاربه فإن لم يجيء بِهَا أُنْفِذَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ ثُمَ إِنْ جَرَحَهُمْ بَعْدُ لَمْ يُرَدَّ عَنْهُ الْحُكْمُ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) قِيَاسُ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ أَنْ يَقْبَلَ الشُّهُودَ الْعُدُولَ أَنْهُمَا فَاسِقَانِ كَمَا يَقْبَلُ أَنَّهُمَا عَبْدَانِ وَمُشْرِكَانِ وَيَرُدُّ الْحُكْمَ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي رَدِّ شَهَادَةِ الْفَاسِقِ بِالنَّصِّ، فَإِذَا حَكَمَ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ ثُمَّ بَانَ لَهُ فِسْقُهُمَا، فَإِنْ كَانَ الْفِسْقُ طَارِئًا أَمْضَى الْحُكْمَ بِشَهَادَتِهِمَا فَهُوَ عَلَى صِحَّتِهِ وَنَفَاذِهِ.
وَإِنْ كَانَ الْفِسْقُ مُتَقَدِّمًا قَبْلَ إِمْضَاءِ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمَا، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ كُتُبِهِ، إِنَّ الْحُكْمَ بِشَهَادَتِهِمَا مَرْدُودٌ وَإِنَّ الْفِسْقَ أَسْوَأُ حَالًا مِنَ الرِّقِّ، لِأَنَّ خَبَرَ الْعَبْدِ مَقْبُولٌ وَخَبَرُ الْفَاسِقِ مردود.
وَنَقَلَ الْمُزَنِيُّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عَنِ الشَّافِعِيِّ: إِنَّ الْحَاكِمَ إِذَا أَطْرَدَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ جَرْحَ الشُّهُودِ مُدَّةَ إِطْرَادِهِ، فَلَمْ يَأْتِ بِالْجَرْحِ، فَأَمْضَى الْحُكْمَ عَلَيْهِ بِشَهَادَتِهِمَا، ثُمَّ أَتَى بَعْدَ إِمْضَاءِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِبَيِّنَةِ الْجَرْحِ ثُمَّ كَانَ حُكْمُهُ عَلَيْهِ مَاضِيًا، وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ قَوْلٌ بِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يُنْقَضُ بِشَهَادَةِ الْفَاسِقِ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي صِحَّةِ تَخْرِيجِهِ:
فَمَذْهَبُ الْمُزَنِيِّ وَأَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ تَخْرِيجُهُ قَوْلًا ثَانِيًا، وَجَعَلُوا نَقْضَ الْحُكْمِ بِشَهَادَةِ الْفَاسِقِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَنْقُضُهُ، وَهُوَ النَّصُّ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يَنْقُضُهُ، وَهُوَ الْمُخَرَّجُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَذَهَبَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إِلَى الْمَنْعِ مِنْ تَخْرِيجِهِ قَوْلًا ثَانِيًا، وَأَنَّهُ لَا يَجِيءُ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ إِلَّا مَا نَصَّ عَلَيْهِ وَصَرَّحَ بِهِ مِنْ نَقْضِ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِ قَوْلًا وَاحِدًا.
وَأَجَابُوا عَمَّا نَقَلَهُ الْمُزَنِيِّ، فِيمَنْ أطْرَدَهُ الْحَاكِمُ بِجَرْحِ شُهُودِهِ فَأَحَضَرَ بَيِّنَةَ الْجَرْحِ بَعْدَ انْقِضَاءِ زَمَانِهِ وَنُفُوذِ حُكْمِهِ بِجَوَابَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ لَمْ يَنْقُضْهُ، لِأَنَّ الْخَصْمَ أَقَامَ بَيِّنَةً بِفِسْقِ الشُّهُودِ مُطْلَقًا، وَلَمْ يَشْهَدُوا بِفِسْقِ الشُّهُودِ قَبْلَ الْحُكْمِ، فَلَمْ يَنْقُضْهُ لِجَوَازِ حُدُوثِهِ بَعْدَ نُفُوذِ الْحُكْمِ بِهَا حَتَّى يُعَيَّنُوا أَنَّهُ كَانَ فَاسِقًا قَبْلَ الشَّهَادَةِ أَوْ بَعْدَهَا وَقَبْلَ نُفُوذِ الْحُكْمِ بها فينقضها.
وأما الْجَوَابَ الثَّانِيَ: إِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْخَصْمَ عَجَزَ عَنْ بَيِّنَةِ الْجَرْحِ عِنْدَ إطْرَادِهِ فَحُكِمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ عَادَ يَسْأَلُ الْحَاكِمَ إِطْرَادَهُ ثَانِيَةً، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَطْرُدَهُ الْجَرْحَ بَعْدَ إِبْطَالِ الْإِطْرَادِ، لِأَنَّ الْإِطْرَادَ يُوجِبُ نَقْضَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ، وَالْحُكْمُ قَدْ نَفَذَ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَادَ إِلَى الْوَقْفِ عَلَى الْإِطْرَادِ.
فَإِنْ بَانَ لِلْحَاكِمِ الْفِسْقُ مِنْ غَيْرِ إِطْرَادِ الْخَصْمِ، بِأَنْ قَامَتْ عِنْدَهُ الْبَيِّنَةُ بِأَنَّهُ شَرِبَ خَمْرًا أَوْ قَذَفَ مُحْصَنًا قَبْلَ شَهَادَتِهِ، نَقَضَ الْحُكْمَ بِهَا، فَبَانَ أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ نَقَضَ الْحَكَمُ بِشَهَادَةِ الْفَاسِقِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْتَلِفَ قَوْلُهُ فِيهِ كَمَا يَنْقُضُهُ بِشَهَادَةِ الْعَبْدِ وَالْكَافِرِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ بِشَهَادَةِ الْفَاسِقِ، وَإِنْ نَقَضَهُ بِشَهَادَةِ الْعَبْدِ وَالْكَافِرِ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ الرِّقَّ وَالْكُفْرَ مَقْطُوعٌ بِهِمَا وَالْفِسْقَ مُجْتَهَدٌ فِيهِ، فَجَازَ نَقْضُهُ بِالْمَقْطُوعِ بِهِ كَمَا يَنْقُضُ بِمُخَالَفَةِ النَّصِّ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْقُضَ بِمُجْتَهِدٍ فِيهِ، لِأَنَّ الْحُكْمَ إِذَا نَفَذَ بِالِاجْتِهَادِ لَمْ يُنْقَضْ بالاجتهاد.
وَالدَّلِيلُ عَلَى نَقْضِ الْحُكْمِ بِفِسْقِهِ كَمَا يُنْقَضُ بِرِقِّهِ شَيْئَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّ اشْتِرَاطَ الْعَدَالَةِ نَصٌّ، وَاشْتِرَاطَ الْحَرِيَّةِ اجْتِهَادٌ، فَإِنْ نُقِضَ الْحُكْمُ بِمُخَالَفَةِ الْمَشْرُوطِ بِالنَّصِّ لِاجْتِهَادٍ، كَانَ أَوْلَى أَنْ يُنْقَضَ لِمُخَالَفَةِ الْمَشْرُوطِ بِالنَّصِّ.
وَالثَّانِي: إِنَّ الْعَبْدَ مَقْبُولُ الْخَبَرِ، وَالْفَاسِقَ مَرْدُودُ الْخَبَرِ، وَالشَّهَادَةُ كَالْخَبَرِ، فَلَمَّا نُقِضَ الْحُكْمُ بِشَهَادَةِ مَنْ يُقْبَلُ خَبَرُهُ، كَانَ أَوْلَى أَنْ يُنْقَضَ بِشَهَادَةِ مَنْ يُرَدُّ خَبَرُهُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: إِنَّ الرِّقَّ مَقْطُوعٌ بِهِ وَالْفِسْقُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ، فَهُوَ إِنَّهُمَا إِذَا صَارَا مَعْلُومَيْنِ، صَارَ الرَّدُّ بِالْفِسْقِ مَقْطُوعًا بِهِ.
وَالرَّدُّ بِالرِّقِّ مُجْتَهَدًا فِيهِ.
فَكَانَ بِالْعَكْسِ أَحَقُّ.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وإذا أَنَفَذَ الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمَا قَطْعًا ثُمَّ بَانَ لَهُ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا شَيْءٌ لِأَنَّهمَا صَادِقَانِ فِي الظَّاهِرِ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَقْبَلَ مِنْهُمَا فَهَذَا خَطَأٌ مِنْهُ تَحْمِلُهُ عَاقِلَتُهُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا وَجَبَ نَقْضُ الْحُكْمِ بِرَدِّ الشَّهَادَةِ إِمَّا لِفِسْقٍ أَوْ لِرِقٍّ أَوْ كُفْرٍ، فَسَوَاءٌ.
وَلَا يَخْلُو الْحُكْمُ مِنْ أَنْ يُفْضِيَ إِلَى اسْتِهْلَاكٍ أَوْ لَا يُفْضِيَ.
فَإِنْ لَمْ يُفْضِ إِلَى اسْتِهْلَاكٍ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِنَقْضِهِ ضَمَانٌ، وَكَانَ نَقْضُهُ مُعْتَبَرًا بِالْحُكْمِ.
فَإِنْ كَانَ فِي عَقْدِ نِكَاحٍ عُقِدَ بِشَاهِدَيْنِ فَبَانَا عَبْدَيْنِ، أَوْ كَافِرَيْنِ، أَوْ فَاسِقَيْنِ.
افْتَقَرَ إِلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ بِنَقْضِهِ، لِأَنَّ مَالِكًا يُجِيزُ عَقْدَ النِّكَاحِ بِغَيْرِ شُهُودٍ إِذَا أُعْلِنَ.
وَإِنْ كَانَ فِي إِثْبَاتِ نِكَاحِ اخْتَلَفَ فِيهِ الزَّوْجَانِ، فَإِنْ بَانَ فِسْقُ الشَّاهِدَيْنِ حُكِمَ بِنَقْضِهِ وَلَمْ يُنْقَضْ بِظُهُورِ فِسْقِهِمَا إِلَّا أَنْ يُحْكَمَ بِهِ لِخِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهِ وَفَرَّقَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فِيهِ بَعْدَ يَمِينِ الزَّوْجَةِ الْمُنْكِرَةِ.
وَإِنْ بَانَ كُفْرُ الشَّاهِدَيْنِ أَظْهَرَ نَقْضَ الْحُكْمَ وَلَمْ يَفْتَقِرْ نَقْضُهُ إِلَى حُكْمٍ لِوُقُوعِهِ مُنْتَقِضًا لِرَدِّ شَهَادَتْهِمَا بِالنَّصِّ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ.
وَإِنْ بَانَ رِقُّ الشَّاهِدَيْنِ، فَهَلْ يَفْتَقِرُ نَقْضُهُ إِلَى الْحُكْمِ بِهِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ مَبْنِيَّيْنِ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي شَهَادَتِهِ هَلْ رُدَّتْ بِظَاهِرِ نَصٍّ، أَوْ إِجْمَاعٍ عَنْ ظَاهِرِ اجْتِهَادٍ ظَاهِرٍ أَوْ عَلَى مَا قَدَّمْنَا.
وَهَكَذَا فِي كُلِّ حُكْمٍ نَفَذَ بِشَهَادَتِهِمْ يَكُونُ الْحُكْمُ بِنَقْضِهِ مُعْتَبَرًا بِأَحْوَالِ شُهُودِهِ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ فِي الرِّقِّ وَالْكُفْرِ وَالْفِسْقِ فَيُحْتَاجُ إِلَى الْحُكْمِ بِنَقْضِهِ فِي الْفِسْقِ، وَلَا يُحْتَاجُ إِلَى الْحُكْمِ بِنَقْضِهِ فِي الْكُفْرِ، وَفِي احْتِيَاجِهِ إلى الحكم بنقضه فِي الرِّقِّ وَجْهَانِ.
وَإِنْ كَانَتِ الشَّهَادَةُ بِنَقْضِهِ فِي طَلَاقٍ فَرَّقَ فِيهِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَقَعَ مَا أَوْقَعَهُ مِنَ الطَّلَاقِ وَجَمَعَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بَعْدَ يَمِينِ الزَّوْجِ الْمُنْكِرِ.
وَإِنْ كَانَتِ الشَّهَادَةُ فِي عِتْقٍ أُنَفِذَ بِهَا حُرِّيَّةُ الْعَبْدِ، حُكِمَ بِرِقِّهِ وَبَقَائِهِ عَلَى مِلْكِ سَيِّدِهِ، وَيَمْلِكُ اكْتِتَابَهُ بَعْدَ يَمِينِ السَّيِّدِ فِي إِنْكَارِ عِتْقِهِ.
وَإِنْ كَانَتِ الشَّهَادَةُ عَلَى نَقْلِ مِلْكٍ مِنْ دَارٍ أَوْ عَقَارٍ، حُكِمَ بِإِعَادَتِهِ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ مَعَ أُجْرَةِ مِثْلِهِ بَعْدَ يَمِينِهِ عَلَى إِنْكَارِهِ، فَإِنْ طَلَبَ إِعَادَةَ الدَّارِ إِلَى يَدِهِ لِيَحْلِفَ بَعْدَ رَدِّهَا عَلَيْهِ، وَجَبَ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يَرْفَعَ عَنْهَا يَدَ الْمَشْهُودِ لَهُ، لِبُطْلَانِ بَيِّنَتِهِ وَلَا يَأْمُرُ بِرَدِّهَا عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، لِأَنَّ أَمْرَهُ بِالرَّدِّ حُكِمَ لَهُ بِالِاسْتِحْقَاقِ وَلَا يَمْنَعُهُ مِنْهُمَا، لِأَنَّ مَنْعَهُ حُكِمَ عَلَيْهِ بِإِبْطَالِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَيُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ بَاتٍّ، وَهَذَا بِخِلَافِ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ الَّذِي لَا يَجُوزُ التَّمْكِينُ مِنْهُمَا إِلَّا بَعْدَ الْيَمِينِ لِمَا فِيهَا مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَإِنْ كَانَتِ الشَّهَادَةُ فِي دَيْنٍ حُكِمَ بِقَضَائِهِ، فَإِنْ كَانَ مَالُهُ بَعْدَ قَضَائِهِ بَاقِيًا فِي يَدِ الْمَشْهُودِ لَهُ حُكِمَ بِرَدِّهِ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ وَلَمْ يُعْدَلْ عَنْهُ إِلَى بَدَلِهِ، وَإِنِ اسْتَهْلَكَهُ الْمَشْهُودُ لَهُ، أُخِذَ بِرَدِّ مِثْلِهِ.
فَإِنْ أَعْسَرَ بِهِ أَقْرَضَهُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِيَكُونَ دَيْنًا عَلَيْهِ فِي ذِمَّتِهِ يُؤَدِّيهِ إِذَا أَيْسَرَ بِهِ وَيَدْفَعُهُ إِلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بَدَلًا مِنَ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ.
(فَصْلٌ)
: فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْحُكْمُ مُفْضِيًا إِلَى الِاسْتِهْلَاكِ وَالْإِتْلَافِ، كَالْقِصَاصِ فِي نَفْسٍ أَوْ طَرَفٍ، فَهُوَ مُوجِبٌ لِضَمَانِ الدِّيَةِ دُونَ الْقَوَدِ، لِأَنَّه خَرَجَ عَنْ حُكْمِ الْعَمْدِ إِلَى الْخَطَأِ وَالْحُكْمُ بِهِ تَمَّ بِالشُّهُودِ وَالْحَاكِمِ وَالْمَشْهُودِ لَهُ، فَأَمَّا الشُّهُودُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ لِظُهُورِ رِقِّهِمْ، فَلَا يَمْنَعُ وُجُودُ ذَلِكَ فِيهِمْ مِنْ أَنْ يَكُونُوا صَادِقِينَ فِي شَهَادَتِهِمْ، وَخَالَفَ حَالُ الشُّهُودِ إِذَا رَجَعُوا لِاعْتِرَافِهِمْ بِكَذِبِهِمْ، فَلِذَلِكَ ضُمِنُوا بِالرُّجُوعِ وَلَمْ يُضْمَنُوا بِالْفِسْقِ وَالرِّقِّ، وَأَمَّا الْمَشْهُودُ لَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، لِأَنَّه لَا يَمْنَعُ فِسْقُ شُهُودِهُ مِنِ اسْتِحْقَاقِهِ لِمَا شَهِدُوا بِهِ.
وَإِذَا سَقَطَ الضَّمَانُ عَنْ هَؤُلَاءِ، وَجَبَ الضَّمَانُ عَلَى الْحَاكِمِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنَّ الضَّمَانَ عَلَى الْمُزَكِّينَ لِلشُّهُودِ عِنْدَ الْحَاكِمِ دُونَ الْحَاكِمِ، لِأَنَّهمْ أَلِجَأُوهُ إِلَى الْحُكْمِ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ.
وَهَذَا فَاسِدٌ، لِأَنَّ الْمُزَكِّينَ شَهِدُوا بِالْعَدَالَةِ دُونَ الْقَتْلِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُضَمَّنُوا مَا لَمْ يَشْهَدُوا بِهِ مِنَ الْقَتْلِ وَوَجَبَ الضَّمَانُ عَلَى مَنْ حَكَمَ بِالْقَتْلِ، لِأَنَّه قَدْ تَعَيَّنَ مِنْهُ فِي فِعْلِهِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ ضَمَانُ الدِّيَةِ عَلَى الْحَاكِمِ، سَوَاءٌ تَقَدَّمَ بِالْقِصَاصِ إِلَى وَلِيِّ الدَّمِ أَوْ إِلَى غيره،.
وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ: إِنْ تَقَدَّمَ بِهِ الْحَاكِمُ إِلَى وَلِيِّ الدَّمِ كَانَ ضَمَانُ الدِّيَةِ عَلَى الْوَلِيِّ، وَإِنْ تَقَدَّمَ بِهِ إِلَى غَيْرِهِ كَانَ الضَّمَانُ عَلَى الْحَاكِمِ.
وَهَذَا خَطَأٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ عَنْ أَمْرِهِ فِي الْحَالَيْنِ.
وَالثَّانِي: إِنَّهُ لَمَّا لَمْ يُضَمِّنْهُ مُبَاشَرَةً إِذَا كَانَ وَلِيُّ الدَّمِ مَعَ عَدَمِ اسْتِحْقَاقِهِ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يَضْمَنَهُ وَلِيُّهُ مَعَ جَوَازِ اسْتِحْقَاقِهِ.
فَإِذَا تَقَرَّرَ ضَمَانُ الدِّيَةِ عَلَى الْحَاكِمِ لَمْ يَضْمَنْهَا فِي مَالِهِ، وَفِي مَحَلِّ ضَمَانِهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: عَلَى عَاقِلَتِهِ، لِأَنَّها دِيَةُ خَطَأٍ بِهِ وَتَكُونُ كَفَّارَةُ الْقَتْلِ فِي مَالِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَضْمَنُهَا فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ لِنِيَابَتِهِ عَنْهُمْ، وَفِي الْكَفَّارَةِ عَلَى هَذَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: فِي بَيْتِ الْمَالِ كَالدِّيَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: فِي مَالِهِ، لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالْمُكَفِّرِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
( [باب الشهادة في الوصية] )
(مسألة)
: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَوْ شَهِدَ أَجْنَبِيَّانِ لِعَبْدٍ أَنَّ فُلَانًا الْمُتَوَفَّى أَعْتَقَهُ وَهُوَ الثُّلُثُ فِي وَصِيَّتِهِ وَشَهِدَ وَارِثَانِ لِعَبْدٍ غَيْرِهِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ وَهُوَ الثُّلُثُ فِي الِاثْنَيْنِ فَسَوَاءٌ وَيُعْتَقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَهُ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) قِيَاسُ قَوْلِهِ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا وَقَدْ قَالَهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْبَابِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي صُورَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هَلْ هِيَ فِي الْعِتْقِ النَّاجِزِ فِي الْمَرَضِ، أَوِ الْوَصِيَّةِ بِالْعِتْقِ بَعْدَ الْمَوْتِ؟
وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ يَحْتَمِلُ كِلَا الْأَمْرَيْنِ، لِأَنَّه قَالَ: وَلَوْ شَهِدَ أَجْنَبِيَّانِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ وَهُوَ الثُّلُثُ فِي وَصِيَّتِهِ، وَيَشْهَدُ وَارِثَانِ لعبد غيره أنه أعتقه وهو الثلث في وَصِيَّتِهِ، فَلَهُمْ فِي مُرَادِ الشَّافِعِيِّ تَأْوِيلَانِ تَخْتَلِفُ أَحْكَامُهُمَا بِاخْتِلَافِ الْمُرَادِ بِهَا:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ، وَأَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، إِنَّهَا مَقْصُورَةٌ فِي الْوَصِيَّةِ بِالْعِتْقِ بَعْدَ الْمَوْتِ.
فَيَشْهَدُ أَجْنَبِيَّانِ أَنَّ الْمُتَوَفَّى وَصَّى بِعِتْقِ عَبْدِهِ سَالِمٍ بَعْدَ الْمَوْتِ وَهُوَ الثُّلُثُ.
وَيَشْهَدُ وَارِثَانِ أَنَّهُ وَصَّى بِعِتْقِ عَبْدِهِ غَانِمٍ وَهُوَ الثُّلُثُ، فَعَبَّرَ عَنِ الْعِتْقِ بِالْوَصِيَّةِ، لِأَنَّها وَصِيَّةٌ بِالْعِتْقِ.
فَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْوَارِثَيْنِ كَمَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَجْنَبِيَّيْنِ، لِأَنَّهُمَا لَا يَجُرَّانِ بِهَا نَفْعًا وَلَا يَدْفَعَانِ بِهَا ضَرَرًا، فَصَارَ بِالشَّهَادَتَيْنِ مُوجَبًا بِعِتْقِ عَبْدَيْنِ قِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُلُثُ التَّرِكَةِ، وَسَوَاءٌ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بِعِتْقِهِمَا فِي الصِّحَّةِ أَوِ فِي الْمَرَضِ، أَوْ أَحَدِهِمَا فِي الصِّحَّةِ، وَالْآخَرِ فِي الْمَرَضِ، لِاسْتِوَاءِ الْوَصَايَا فِي الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ وَالْمُتَقَدِّمِ وَالْمُتَأَخِّرِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ فِي الْوَصِيَّةِ بِعِتْقِهِمَا دَلِيلٌ عَلَى تَبْعِيضِ الْعِتْقِ كَأَنَّهُ قَالَ: أَعْتِقُوا سَالِمًا إِنِ احْتَمَلَهُ الثُّلُثُ، وَإِلَّا فَأَعْتَقُوا مِنْهُ قَدْرَ مَا احْتَمَلَهُ وأعتقوا غانما إن احتملوا الثُّلُثَ، وَإِلَّا فَأَعْتِقُوا مِنْهُ قَدْرَ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ، فَإِذَا كَانَتْ قِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَوَاءٌ صَارَ كَأَنَّهُ قَدْ وَصَّى بِعِتْقِ النِّصْفِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَهَاهُنَا يُعْتَقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ
وَلَا يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ مَنْ أَوْصَى بِعِتْقِ النِّصْفِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ عَبْدَيْنِ عُتِقَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ وَلَمْ يُكْمَلُ الْعِتْقُ فِي أَحَدِهِمَا بِالْقُرْعَةِ كَذَلِكَ هَاهُنَا.
فَإِنْ أَرَادَ الْمُزَنِيُّ الْقُرْعَةَ بَيْنَهُمَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ كَانَ خَطَأً مِنْهُ لِمَا بَيَّنَاهُ، وَالْجَوَابُ عَنْهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الْوَصِيَّةُ بِعِتْقِهِمَا مُطْلَقَةٌ، لَيْسَ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى تَبْعِيضِ الْعِتْقِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَيَكُونُ كَالْمُوصِي بِعِتْقِهِمَا مَعًا، وَالثُّلُثُ لَا يَحْتَمِلُهَا لِأَنَّه لَا فَرْقَ فِي الْوَصِيَّةِ بِعِتْقِهِمَا بَيْنَ الْجَمْعِ وَالتَّفْرِيقِ، فَوَجَبَ أَنْ يُقْرِعَ بَيْنَهُمَا لِيُكْمِلَ الْعِتْقَ فِي أَحَدِهِمَا كَمَا أَقْرَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَيْنَ سِتَّةِ أَعْبُدٍ أُعْتِقُوا فِي الْمَرَضِ فَأُعْتِقَ مِنْهُمُ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً، لِأَنَّه لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَقَا مَعًا مَعَ زِيَادَتِهِمَا عَلَى الثُّلُثِ الَّذِي مَنَعَ الشَّرْعُ مِنْهُ إِلَّا بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْصِدَ عِتْقَ أَحَدِهِمَا مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ، لِأَنَّه لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ وَلَا يَجُوزُ تَبْعِيضُ الْعِتْقِ فِيهِمَا، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْعِتْقِ تَكْمِيلُ الْمَنَافِعِ بِالْحُرِّيَّةِ، وَلِذَلِكَ إِذَا أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، قُوِّمَ عَلَيْهِ بَاقِيهِ لِتَكْمِيلِ مَنَافِعِهِ بِعِتْقِ جَمِيعِهِ.
فَلَمْ تَبْقَ بَعْدَ امْتِنَاعِ هَذِهِ الْوُجُوهِ إِلَّا دُخُولُ الْقُرْعَةِ بَيْنَهُمَا، لِتَكْمِيلِ الْعِتْقِ فِيمَنْ قَرَعَ مِنْهُمَا.
فَإِنِ اسْتَوَتْ قِيمَةُ الْعَبْدَيْنِ وَكَانَ قِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُلُثُ التَّرِكَةِ فَأَيُّهُمَا قَرَعَ عَتَقَ جَمِيعُهُ وَرَقَّ الْآخَرُ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ قِيمَةُ الْعَبْدَيْنِ فَكَانَتْ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا ثُلُثُ التَّرِكَةِ وَقِيمَةُ الْآخَرِ سُدُسُهَا، فَإِنْ قَرَعَ مَنْ قِيمَتُهُ الثُّلُثُ عُتِقَ جَمِيعُهُ وَرُقَّ جَمِيعُ الْآخَرِ، وَإِنْ قَرَعَ مَنْ قِيمَتُهُ السُّدُسُ عُتِقَ جَمِيعُهُ وَنِصْفُ الْآخَرِ وَرُقَّ بَاقِيهِ.
وَإِنْ أَرَادَ الْمُزَنِيُّ الْإِقْرَاعَ بَيْنَهُمَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَقَدْ أَصَابَ فِي الْجَوَابِ، وَأَخْطَأَ فِي الْعِبَارَةِ، لِأَنَّه مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَلَيْسَ بِمَقِيسٍ عَلَى مَذْهَبِهِ، فَكَانَ الْأَصَحُّ فِي عِبَارَتِهِ أَنْ يَقُولَ: هَذَا مُقْتَضَى قَوْلِهِ، وَلَا يَقُولُ: هَذَا قِيَاسُ قَوْلِهِ.
" وَإِنْ كَانَ الْخَطَأُ فِي الْعِبَارَةِ مَعَ الصَّوَابِ فِي الْمَعْنَى مَغْفُورًا "، فَإِنَّمَا أَرَادَ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ: [عُتِقَ] مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ، يَعْنِي فِي الْحُكْمِ، وَيُكْمَلُ فِي أَحَدِهِمَا بِالْقُرْعَةِ، تَعْوِيلًا عَلَى مَا أَبَانَهُ مِنْ مَذْهَبِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَهَذَا الْجَوَابُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ إِذَا ثَبَتَتْ عَدَالَةُ الْوَارِثَيْنِ وَعَدَالَةُ الْأَجْنَبِيَّيْنِ فَإِنْ ثَبَتَتْ عَدَالَةُ الْوَارِثَيْنِ وَفِسْقُ الْأَجْنَبِيَّيْنِ بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ بِعِتْقِ مَنْ شَهِدَ بِهَا الْأَجْنَبِيَّانِ وَرُقَّ جَمِيعُهُ.
وَصَحَّتْ بِعِتْقِ مَنْ شَهِدَ بِهَا الْوَارِثَانِ وَعُتِقَ جَمِيعُهُ.
وَإِنْ ثَبَتَتْ عَدَالَةُ الْأَجْنَبِيَّيْنِ وَفِسْقُ الْوَارِثَيْنِ، بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ بِعِتْقِ مَنْ شَهِدَ لَهُ الْوَارِثَانِ وَرُقَّ جَمِيعُهُ، وَصَحَّتْ بِعِتْقِ مَنْ شَهِدَ لَهُ الْأَجْنَبِيَّانِ وَعُتِقَ جَمِيعُهُ وَلَا يَلْزَمْهُمَا
بِالْإِقْرَارِ بَعْدَ رَدِّ الشَّهَادَةِ أَنْ يُعْتَقَ مَنْ شَهِدَا لَهُ بِالْوَصِيَّةِ، لِأَنَّه لَا يَنْفُذُ الْعِتْقُ بِالْوَصِيَّةِ حَتَّى يُعْتَقَ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ، وَلَيْسَ يَلْزَمُ أَنْ يُعْتَقَ بِالْوَصِيَّةِ إِلَّا مَنِ احْتَمَلَهُ الثُّلُثُ، وَقَدِ اسْتَوْعَبَ الثُّلُثَ بِعِتْقِ مَنْ شَهِدَ لَهُ الْأَجْنَبِيَّانِ فَبَطَلَتْ فِي غَيْرِهِ وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا الْوَارِثَانِ.
(فَصْلٌ)
: وَالثَّانِي مِنْ تَأْوِيلِ أَصْحَابِنَا: إِنَّ المسألة مصورة فِي عِتْقٍ نَاجِزٍ فِي حَيَاةِ الْمُعْتِقِ.
فَشَهِدَ أَجْنَبِيَّانِ أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ سَالِمًا وَهُوَ الثُّلُثُ، وَيَشْهَدُ وَارِثَانِ أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ غَانِمًا، وَهُوَ الثُّلُثُ، وَقَوْلُهُمْ: وَفِيهِ أَيْ فِي الْمَرَضِ الَّذِي يَكُونُ الْعِتْقُ فِيهِ مُعْتَبَرًا بِالثُّلُثِ كَالْوَصِيَّةِ.
فَعَبَّرَ عَنِ الْمَرَضِ بِالْوَصِيَّةِ، لِأَنَّ الْعِتْقَ لَوْ كَانَ فِي الصِّحَّةِ لَأَوْجَبَتِ الشَّهَادَتَانِ عِتْقَ الْعَبْدَيْنِ، وَإِنْ زَادَا عَلَى الثُّلُثِ، لَأَنَّ عَطَايَا الصِّحَّةِ لَا تُعْتَبَرُ بِالثُّلُثِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالشَّهَادَتَانِ عَلَى ثلاثة أضرب:
أحدهما: أَنْ يَدُلَّ عَلَى تَقَدُّمِ عِتْقِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ فَيَتَحَدَّدُ بِهَا عِتْقُ الْمُتَقَدِّمِ وَرِقُّ الْمُتَأَخِّرِ إِذَا تَسَاوَيَا فِي تَقْوِيمِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالثُّلُثِ وَلَا يُقْرِعُ بَيْنَهُمَا لِتَحَرِّي الْعِتْقِ الْمُتَقَدِّمِ الْمُزِيلِ لِلْإِشْكَالِ.
فَامْتَنَعَتْ فِيهِ الْقُرْعَةُ الْمُسْتَعْمَلَةُ مَعَ الْإِشْكَالِ.
فَإِنْ أَرَادَ الْمُزَنِيُّ الْإِقْرَاعَ بَيْنَهُمَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَقَدْ أَخْطَأَ لِمَا بَيَّنَاهُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَدُلَّ الشَّهَادَتَانِ عَلَى وُقُوعِ عِتْقِهِمَا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهَذَا يَكُونُ فِي تَعْلِيقِ عِتْقِهِمَا بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ.
كَقَوْلِهِ: إِذَا أَهَلَّ رَمَضَانُ فَسَالِمٌ حُرٌّ، وَإِذَا أَهَلَّ رَمَضَانُ فَغَانِمٌ حُرٌّ فإن أهل رمضان عتقا واستوى [في] عتقهما حُكْمُ الْجَمْعِ وَالتَّفْرِيقِ.
فَيَجِبُ الْإِقْرَاعُ بَيْنَهُمَا لِامْتِنَاعِ عِتْقِهِمَا مَعًا، وَأُعْتِقَ مِنْهُمَا مَنْ قَرَعَ وَرُقَّ الْآخَرُ.
وَإِنْ أَرَادَ الْمُزَنِيُّ بِالْقُرْعَةِ بَيْنَهُمَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَقَدْ أَصَابَ فِي الْحُكْمِ وَإِنْ أَخْطَأَ فِي الْعِبَارَةِ، وَالْجَوَابُ فِي هَذَيْنِ الضَّرْبَيْنِ متفق عليه.
والضرب الثاني: أَنْ تَدُلَّ الشَّهَادَتَانِ عَلَى تَقَدُّمِ عِتْقِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ وَلَا يَكُونُ فِيهَا بَيَانُ الْمُتَقَدِّمِ وَالْمُتَأَخِّرِ، فَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا وَيُعْتَقُ مَنْ قَرَعَ مِنْهُمَا.
نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ " الْأُمِّ ".
وَيَكُونُ الْمُزَنِيُّ فِي هَذَا الْقَوْلِ مُصِيبًا فِي اعْتِرَاضِهِ، وَإِنَّمَا اسْتُعْمِلَتِ الْقُرْعَةُ بَيْنَهُمَا، لِامْتِنَاعِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَعَدَمِ الْمَزِيَّةِ فِي أَحَدِهِمَا، فَكَانَ تَكْمِيلُ الْحُرِّيَّةِ فِي أَحَدِهِمَا أَوْلَى مِنْ تَبْعِيضِهَا فِيهِمَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، إنَّ يُعْتَقَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ وَلَا يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّه رُبَّمَا عُتِقَ بِالْقُرْعَةِ مُسْتَحِقُّ الرِّقِّ لِتَأَخُّرِهِ وَرُقَّ بِهَا مُسْتَحِقُّ الْعِتْقِ لِتَقَدُّمِهِ، فَإِذَا عُتِقَ نِصْفُهُمَا وَرُقَّ نِصْفُهُمَا، عُتِقَ نِصْفُ الْمُتَقَدِّمِ وَعِتْقُهُ
مُسْتَحَقٌّ، وَرِقُّ نِصْفُ الْمُتَأَخِّرِ وَرِقُّهُ مُسْتَحَقٌّ، فَصَارَتْ أَقْرَبَ إِلَى الِاسْتِحْقَاقِ مِنَ الْإِقْرَاعِ.
وَيَكُونُ الْمُزَنِيُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مُخْطِئًا فِي اعْتِرَاضِهِ.
(فَصْلٌ)
: وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ: إِذَا اخْتَلَفَتْ قِيمَةُ الْعَبْدَيْنِ فَكَانَتْ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا الثُّلُثُ وَقِيمَةُ الْآخَرِ السدس، فإن قيل بالقول بالأول إِنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، نُظِرَ فِي الْقَارِعِ مِنْ هَذَيْنِ، فَإِنْ كَانَ صَاحِبَ الثُّلُثِ عُتِقَ جَمِيعُهُ وَرُقَّ جَمِيعُ الْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ الْقَارِعُ مِنْهَا صَاحِبُ السُّدُسِ عُتِقَ جَمِيعُهُ وَنِصْفُ الْآخَرِ وَرُقَّ بَاقِيهِ.
وَإِنْ قِيلَ بِالثَّانِي: إِنَّهُ يُعْتَقُ النِّصْفُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِذَا تَسَاوَيَا عُتِقَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ ثُلُثَاهُ، لِأَنَّ ثُلُثَيِ الثُّلُثِ وَثُلُثَيِ السُّدُسِ، ثُلُثُ جَمِيعِ الْمَالِ، وَيَصِحُّ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا هِيَ مَخْرَجُ " ثُلُثَيِ السُّدُسِ " ثُلُثَا ثُلُثِهَا أَرْبَعَةٌ، وَثُلُثَا سُدُسِهَا سَهْمَانِ، وَهِيَ مَعَ الْأَرْبَعَةِ سِتَّةٌ، وَهِيَ ثُلُثُ جَمِيعِ الْمَالِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا.
(فَصْلٌ)
: فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ جَوَازِ الشَّهَادَةِ بِالْعِتْقِ النَّاجِزِ عَنِ الْأَضْرُبِ الثَّلَاثَةِ فَهُوَ إِذَا ثَبَتَتْ عَدَالَةُ الْأَجْنَبِيَّيْنِ وَعَدَالَةُ الْوَارِثَيْنِ.
فَإِنْ ثَبَتَتْ عَدَالَةُ الْوَارِثَيْنِ وَفِسْقُ الْأَجْنَبِيَّيْنِ بَطَلَ عِتْقُ مَنْ شَهِدَ لَهُ الْأَجْنَبِيَّانِ وَرُقَّ جَمِيعُهُ، وَنَفَذَ عِتْقُ مَنْ شَهِدَ لَهُ الْوَارِثَانِ وَتَحَرَّرَ جَمِيعُهُ.
وَإِنْ ثَبَتَتْ عَدَالَةُ الْأَجْنَبِيَّيْنِ وَفِسْقُ الْوَارِثَيْنِ عُتِقَ جَمِيعُ مَنْ شَهِدَ لَهُ الْأَجْنَبِيَّانِ، فَبَطَلَتْ شَهَادَةُ الْوَارِثَيْنِ وَصَارَا بَعْدَ رَدِّ الشَّهَادَةِ مُقِرَّيْنِ وَإِقْرَارُهُمَا بِالْعِتْقِ النَّاجِزِ مُخَالِفٌ لِإِقْرَارِهِمَا بِالْوَصِيَّةِ بِالْعِتْقِ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْعِتْقِ النَّاجِزِ مُوجِبٌ لِزَوَالِ الْمِلْكِ، وَالْإِقْرَارِ بِالْوَصِيَّةِ بِالْعِتْقِ غَيْرُ مُوجِبٍ لِزَوَالِ الْمِلْكِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُمَا فِي الْوَصِيَّةِ بِالْعِتْقِ غَيْرُ مَا أَوْجَبَتْهُ الشَّهَادَةُ لِدُخُولِهِ فِي مِيرَاثِهِمَا بَعْدَ إِقْرَارِهِمَا وَلَزِمَهُمَا فِي الْعِتْقِ النَّاجِزِ غَيْرُ مَا أَوْجَبَتْهُ الشَّهَادَةُ لِإِقْرَارِهِمَا بِخُرُوجِهِ عَنْ مِيرَاثِهِمَا بَعْدَ إِقْرَارِهِمَا وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُ حَالُهُمَا بَعْدَ أَنْ صَارَا بِرَدِّ الشَّهَادَةِ مُقِرِّينَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُصَدِّقَا الْأَجْنَبِيَّيْنِ عَلَى شَهَادَتِهِمَا، فَيَلْزَمْهُمَا بَعْدَ اسْتِيعَابِ الثُّلُثِ بِشَهَادَةِ الْأَجْنَبِيَّيْنِ مَا كَانَ يَلْزَمُ فِي التَّرِكَةِ لَوْ أُمْضِيَتْ شَهَادَتُهُمَا مَعَ الْأَجْنَبِيَّيْنِ وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْأَضْرُبِ الثَّلَاثَةِ:
فَإِنْ كَانَ فِي الضَّرْبِ الْأَوَّلِ: أَنْ تَدُلَّ الشَّهَادَتَانِ عَلَى تَقَدُّمِ عِتْقِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ وَتَعْيِينِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى الْمُتَأَخِّرِ يُنْظَرُ:
فَإِنْ كَانَ عِتْقُ الْمُتَأَخِّرِ بِشَهَادَةِ الْأَجْنَبِيَّيْنِ، عَتَقَ فِي التَّرِكَةِ بِشَهَادَتْهِمَا وَعَتَقَ الْمُتَقَدِّمُ عَلَى الْوَارِثَيْنِ بِإِقْرَارِهِمَا.
وَإِنْ كَانَ عِتْقُ الْمُتَقَدِّمِ بِشَهَادَةِ الْأَجْنَبِيَّيْنِ، عَتَقَ فِي التَّرِكَةِ بِشَهَادَتِهِمَا وَلَمْ يُعْتَقِ الْمُتَأَخِّرُ عَلَى الْوَارِثَيْنِ مَعَ إِقْرَارِهِمَا، لِأَنَّه يُرَقُّ وَلَوْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا، لِأَنَّ الْمُسْتَحِقَّ فِي الشَّهَادَتَيْنِ عِتْقُ الْمُتَقَدِّمِ دُونَ الْمُتَأَخِّرِ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي الضَّرْبِ الثَّانِي أَنْ تَدُلَّ الشَّهَادَتَانِ عَلَى وُقُوعِ عِتْقِهِمَا مَعًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا عُتِقَ فِي التَّرِكَةِ مَنْ شَهِدَ بِعِتْقِهِ الْأَجْنَبِيَّانِ، وَلَمْ يُعْتَقْ عَلَى الْوَارِثَيْنِ مَنْ شَهِدَا بِعِتْقِهِ، لِأَنَّ شَهَادَتَهُمَا لَوْ قُبِلَتْ لَأَوْجَبَتِ الْإِقْرَاعَ بَيْنَ الْعَبْدَيْنِ، وَلَوْ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا جَازَ أَنْ تَقَعَ الْقُرْعَةُ عَلَى مَنْ شَهِدَ لَهُ الْأَجْنَبِيَّانِ وَيُرَقُّ مَنْ شَهِدَ لَهُ الْوَارِثَانِ، فَتَرَدَّدَتْ حَالُهُ مَعَ صِحَّةِ الشَّهَادَتَيْنِ بَيْنَ الرِّقِّ وَالْعِتْقِ، فَلَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَتَعَيَّنَ فِيهِ الْعِتْقُ مَعَ الرِّقِّ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي الضَّرْبِ الثَّالِثِ: أَنْ تَدُلَّ الشَّهَادَتَانِ عَلَى تَقَدُّمِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ وَيُشْكِلُ الْمُتَقَدِّمُ وَالْمُتَأَخِّرُ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِيهِمَا مِنَ الْقَوْلَيْنِ:
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا مَعَ صِحَّةِ الشَّهَادَتَيْنِ، لَمْ يُعْتَقْ عَلَى الْوَارِثِينَ مَنْ شَهِدَا بِعِتْقِهِ وَعُتِقَ فِي التَّرِكَةِ مَنْ شَهِدَ الْأَجْنَبِيَّانِ بِعِتْقِهِ، لِأَنَّ دُخُولَ الْقُرْعَةِ بَيْنَهُمَا مَعَ صِحَّةِ الشَّهَادَتَيْنِ لَا تُوجِبُ تَعْيِينَ الْعِتْقِ فِي شَهَادَةِ الْوَارِثَيْنِ.
وَإِنْ قِيلَ بِالْقَوْلِ الثَّانِي: إِنَّهُ يُعْتَقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ مَعَ صِحَّةِ الشَّهَادَتَيْنِ عُتِقَ فِي التَّرِكَةِ جَمِيعُ مَنْ شَهِدَ لَهُ الْأَجْنَبِيَّانِ، وَعُتِقَ عَلَى الْوَارِثَيْنِ نِصْفُ مَنْ شَهِدَا لَهُ، لِأَنَّه قَدْ كَانَ يُعْتَقُ نِصْفُهُ مَعَ صِحَّةِ شَهَادَتِهِمَا فَوَجَبَ أَنْ يُعْتَقَ مَعَ رَدِّهَا بِإِقْرَارِهِمَا.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقْدَحَ الْوَارِثَانِ فِي شَهَادَةِ الْأَجْنَبِيَّيْنِ بِتَكْذِيبِهِمَا، فَيُعْتَقُ جَمِيعُ الْعَبْدَيْنِ أَحَدُهُمَا بِشَهَادَةِ الْأَجْنَبِيَّيْنِ وَالْآخَرُ بِإِقْرَارِ الْوَارِثَيْنِ فِي الْأَضْرُبِ الثَّلَاثَةِ، لِأَنَّ الْوَارِثَيْنِ مُقِرَّانِ أَنَّهُ لَمْ يُعْتَقْ غَيْرُ مَنْ شَهِدَا بِعِتْقِهِ، فَأَلْزَمْنَاهُمَا عِتْقَهُ بِإِقْرَارِهِمَا، وَقَدْ شَهِدَ الْأَجْنَبِيَّانِ بِعِتْقِ غَيْرِهِ فَأَعْتَقْنَاهُ بِشَهَادَتِهِمَا.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَخْتَلِفَ الْوَارِثَانِ فِي تَصْدِيقِ الْأَجْنَبِيَّيْنِ فَيُصَدِّقُهُمَا أَحَدُ الْوَارِثَيْنِ وَيُكَذِّبُهُمَا الْآخَرُ، فَيَلْزَمُ الْمُصَدِّقَ مَا كَانَ يَلْزَمُهُ مَعَ أَخِيهِ لَوْ صَدَّقَ، وَيُلْزَمُ الْمُكَذِّبُ مَا كَانَ يَلْزَمُهُ مَعَ أَخِيهِ لَوْ كَذَّبَ.
(مَسْأَلَةٌ)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ شَهِدَ الْوَارِثَانِ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ عِتْقِ الْأَوَّلِ وَأَعْتَقَ الْآخَرَ أَجَزْتُ شَهَادَتَهُمَا وَإِنَمَا أَرُدُّ شَهَادَتَهُمَا فِيمَا جَرَّا إِلَى أَنْفُسِهِمَا فَإِذَا لَمْ يَجُرَّا فَلَا فَأَمَّا الْوَلَاءُ فَلَا يُمْلَكُ مِلْكُ الْأَمْوَالِ وَقَدْ لَا يَصِيرُ فِي أَيْدِيِهِمَا بِالْوَلَاءِ شَيْءٌ وَلَوْ أَبْطَلْتُهُمَا بِأَنَّهُمَا يَرِثَانِ الْوَلَاءَ إِنْ مَاتَ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُمَا أَبْطَلْتُهَا لِذَوِي أرحامهما ".
قال الماوردي: هذه ال
ْمَسْأَلَةُ
مُصَوَّرَةٌ فِي الْوَصِيَّةِ بِالْعِتْقِ وَفِيهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَوْلَى الْوَصِيَّةُ بِالْعِتْقِ، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ أَنْ يُذْكَرَ حُكْمُ الْعِتْقِ النَّاجِزِ وَالْمُوصَى بِهِ جَمِيعًا.
وَالزِّيَادَةُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَشْهَدَ أَجْنَبِيَّانِ أَنَّهُ أَوْصَى بِعِتْقِ عَبْدِهِ سَالِمًا قِيمَتُهُ الثُّلُثُ، وَيَشْهَدُ وَارِثَانِ أَنَّهُ رَجَعَ عَنِ الْوَصِيَّةِ بِعِتْقِ سَالِمٍ وَأَوْصَى بِعِتْقِ غَانِمٍ وقيمته الثلث.
ويشهد وارثان أنه رجع عن الْوَصِيَّةِ بِعِتْقِ سَالِمٍ وَأَوْصَى بِعِتْقِ غَانِمٍ رُدَّتْ شَهَادَتُهُمَا وَإِنْ كَانَا عَدْلَيْنِ، وَلَا تُرَدُّ فِيهِ شَهَادَةُ الْأَجْنَبِيَّيْنِ لِلُحُوقِ التُّهْمَةِ بِالْوَارِثَيْنِ لِعَوْدِهِ إِلَى مِيرَاثِهِمَا.
فَأَمَّا إِذَا شَهِدَا أَنَّهُ رَجَعَ عَنِ الْوَصِيَّةِ بِعِتْقِ سَالِمٍ وَأَوْصَى بِعِتْقِ غَانِمٍ وَهِيَ فِي الْقِيمَةِ سَوَاءٌ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا فِي الرُّجُوعِ عَنِ الْوَصِيَّةِ بِعِتْقِ سَالِمٍ وَفِي الْوَصِيَّةِ بِعِتْقِ غَانِمٍ.
وَزَعَمَ بَعْضُ الْعِرَاقِيِّينَ إِنَّهَا تُقْبَلُ فِي الْوَصِيَّةِ بِعِتْقِ غَانِمٍ وَلَا تُقْبَلُ فِي الرُّجُوعِ عَنْ عِتْقِ سَالِمٍ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهَا لَمَّا رُدَّتْ فِي الرُّجُوعِ لَوِ انْفَرَدَتْ رُدَّتْ فِيهِ إِذَا اقْتَرَنَتْ بِغَيْرِهِ.
وَالثَّانِي: لِدُخُولِ التُّهْمَةِ عَلَيْهِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ سَالِمٌ أَكْثَرَ كَسْبًا فَيَتَمَلَّكَاهُ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ غَانِمٌ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُمَا فَيَرِثَاهُ، وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُمَا لَوْ شَهِدَا بِالْوَصِيَّةِ وَلَمْ يَشْهَدَا بِالرُّجُوعِ صَحَّتْ شَهَادَتُهُمَا وَتَعَيَّنَ الْعِتْقُ بِالْقُرْعَةِ فِي أَحَدِهِمَا، فَجَازَ أَنْ يَتَعَيَّنَ فِيهِ بِشَهَادَتِهِمَا.
وَالثَّانِي: إِنَّ الْوَاجِبَ بِالْوَصِيَّةِ إِخْرَاجُ الثُّلُثِ مِنَ الْعِتْقِ، وَشَهَادَتُهُمَا بِالرُّجُوعِ لَا يَمْنَعُ مِنْهُ، لِأَنَّ تَعْيِينَهُ فِي أَحَدِهِمَا يَنْفِي التُّهْمَةَ عَنْهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ الْقِيمَةُ وَقَدِ الْتَزَمَاهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَا ظُنَّ بِهِمَا مِنْ طَلَبِ الْكَسْبِ وَالْمِيرَاثُ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ فِي الْحَالِ وَقَدْ يَكُونُ مِنْ بَعْدُ وَقَدْ لَا يَكُونُ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْتَبِرَ بِهِ التُّهْمَةَ فِي الْحَالِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: " لَوْ أُبْطِلَتْ شَهَادَتُهُمَا لِذَلِكَ لَأَبْطَلْتُهَا لِذَوِي أَرْحَامِهِمَا ".
(فَصْلٌ)
: وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا أَنْ يَشْهَدَ أَجْنَبِيَّانِ بِعِتْقِ سَالِمٍ وَغَانِمٍ وَقِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الثُّلُثُ.
وَيَشْهَدُ وَارِثَانِ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ عِتْقِ سَالِمٍ إِلَى عِتْقِ غَانِمٍ، قُبِلَتْ شَهَادَتَهُمَا، لِأَنَّ الْوَاجِبَ بِالشَّهَادَةِ عِتْقُ أَحَدِهِمَا، فَلَمَّا جَازَ تَعْيِينُهُ بِالْقُرْعَةِ، جَازَ تَعْيِينُهُ بِشَهَادَةِ الورثة
لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ وَعِتْقِ غَانِمٍ وَرِقِّ سَالِمٍ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ.
كَمَا جَازَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ بِالْقُرْعَةِ.
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى كُلِّ هَذَا، إِذَا شَهِدَ أَجْنَبِيَّانِ أَنَّهُ أَوْصَى بِعِتْقِ سَالِمٍ وَهُوَ الثُّلُثُ، وَشَهِدَ وَارِثَانِ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ عِتْقِ سَالِمٍ وَأَوْصَى بِعِتْقِ غَانِمٍ وَهُوَ الثُّلُثُ، وَشَهِدَ أَجْنَبِيَّانِ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ عِتْقِ أَحَدِهِمَا وَأَوْصَى بِعِتْقِ نَافِعٍ بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ بِعِتْقِ سَالِمٍ بِشَهَادَةِ الْوَارِثَيْنِ، وَلَمْ تَبْطُلْ فِي غَانِمٍ بِشَهَادَةِ الْأَجْنَبِيَّيْنِ، لِأَنَّهمَا أَطْلَقَا الرُّجُوعَ وَلَمْ يُعَيِّنَاهُ فِي غَانِمٍ وَثَبَتَتْ بِهِمَا الْوَصِيَّةُ بِعِتْقِ نَافِعٍ، وَقَدْ ثَبَتَتْ بِشَهَادَةِ الْوَارِثَيْنِ الْوَصِيَّةُ بِعِتْقِ غَانِمٍ وَإِبْطَالِ الْوَصِيَّةِ بِعِتْقِ سَالِمٍ، فَيَرِقُّ سَالِمٌ، وَيُقْرَعُ بَيْنَ غَانِمٍ وَنَافِعٍ وَيُعْتَقُ مِنْهُمَا مِنْ قَرَعَ وَيُرَقُّ الْآخَرُ.
فَإِنْ شَهِدَ الْوَارِثَانِ بِرُجُوعِهِ عَنْ عِتْقِ نَافِعٍ، جَازَ وَتَعَيَّنَتِ الْوَصِيَّةُ بِعِتْقِ غَانِمٍ.
وَلَوْ شَهِدَ أَجْنَبِيَّانِ أَنَّهُ أَوْصَى بِعِتْقِ سَالِمٍ، وَشَهِدَ وَارِثَانِ أَنَّهُ أَوْصَى بِعِتْقِ غَانِمٍ، وَشَهِدَ أَجْنَبِيَّانِ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ عِتْقِ أَحَدِهِمَا، لَمْ يَكُنْ لِلشَّهَادَةِ بِالرُّجُوعِ تَأْثِيرٌ، لِأَنَّه لَوْ لَمْ يَرْجِعْ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، وَالرُّجُوعُ إِذَا لَمْ يُعِيِّنْ يَقْتَضِي الْإِقْرَاعَ، فَبَطَلَ تَأْثِيرُ الشهادة بالرجوع.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ شَهِدَ أَجْنَبِيَّانِ أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدًا هُوَ الثُّلُثُ وَصِيَّةً وَشَهِدَ وَارِثَانِ أَنَّهُ رَجَعَ فِيهِ وَأَعْتَقَ عَبْدًا هُوَ السُّدُسُ عَتَقَ الْأَوَّلُ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ لِلْجَرِّ إِلَى أَنْفُسِهِمَا وَأَبْطَلْتُ حَقَّهُمَا مِنَ الْآخَرِ بِالْإِقْرَارِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي قَبُولِ شَهَادَةِ الْوَرَثَةِ بِالرُّجُوعِ فِي الْوَصِيَّةِ إِذَا لَمْ يُتَّهَمَا، وَرَدَّهَا إِذَا اتُّهِمُوا، وَصُورَةُ مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ أَنْ يَشْهَدَ أَجْنَبِيَّانِ أَنَّهُ أَوْصَى بِعِتْقِ سَالِمٍ وَقِيمَتُهُ الثُّلُثُ، وَيَشْهَدَ وَارِثَانِ أَنَّهُ رَجَعَ عَنِ الْوَصِيَّةِ بِعِتْقِ سَالَمٍ وَأَعْتَقَ غَانِمًا وَقِيمَتُهُ السُّدُسُ، فَقَدْ صَارَا بِشَهَادَتِهِمَا مُتَّهَمَيْنِ، لِأَنَّهمَا جَرًّا بِهَا بِسُدُسِ التَّرِكَةِ إِلَى أَنْفُسِهِمَا، فَتَوَجَّهَتِ التُّهْمَةُ إِلَيْهِمَا فِي نِصْفِ الرُّجُوعِ وَهُوَ السُّدُسُ.
وَلِلشَّافِعِيِّ فِي تَبْعِيضِ الشَّهَادَةِ إِذَا رُدَّتْ بِالتُّهْمَةِ فِي بَعْضِ الْمَشْهُودِ فِيهِ، هَلْ يُوجِبُ رَدُّهَا فِي بَاقِيهِ؟ قَوْلَانِ.
كَشَاهِدَيْنِ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَذَفَ أُمَّهُمَا وَأَجْنَبِيَّةً، رُدَّتْ شَهَادَتُهُمَا فِي قَذْفِ أُمِّهِمَا لِلتُّهْمَةِ وَهَلْ تُرَدُّ فِي قَذْفِ الْأَجْنَبِيَّةِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:
فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَخْرِيجِ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
فَذَهَبَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ وَجُمْهُورُ الْبَغْدَادِيِّينَ إِلَى أَنَّ تبعيض الشهادة في هذه المسألة على القولين:
أحدهما: أنها ترد في جميع وَلَا تَبْعِيضَ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَعَلَى هَذَا تَبْطُلُ شَهَادَةُ الْوَارِثَيْنِ فِي كُلِّ الرُّجُوعِ، وَيُعْتَقُ فِي التَّرِكَةِ سالم
بِشَهَادَةِ الْأَجْنَبِيَّيْنِ وَهُوَ الثُّلُثُ، وَيُعْتَقُ غَانِمٌ عَلَى الْوَارِثَيْنِ بِإِقْرَارِهِمَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: تَبْعِيضُ الشَّهَادَةِ هَاهُنَا كَمَا بَعَّضَهَا الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْقَذْفِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، فَعَلَى هَذَا تُرَدُّ شَهَادَةُ الْوَارِثَيْنِ بِالرُّجُوعِ فِي نِصْفِ سَالِمٍ " وَتُقْبَلُ فِي الرُّجُوعِ بِنِصْفِهِ.
" وَيُعْتَقُ نِصْفُهُ بِالْوَصِيَّةِ بِشَهَادَةِ الْأَجْنَبِيَّيْنِ، وَيُرَقُّ نِصْفُهُ بِشَهَادَةِ الْوَارِثَيْنِ، وَيُعْتَقُ جَمِيعُ غَانِمٍ بِشَهَادَةِ الْوَارِثَيْنِ وَقَدِ اسْتَوْعَبَ ثُلُثَ التَّرِكَةِ بِالشَّهَادَتَيْنِ.
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْبَصْرِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِنَا إِلَى الْمَنْعِ مِنْ تَبْعِيضِ الشَّهَادَةِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَإِنْ كَانَ تَبْعِيضُهَا فِي الشَّهَادَةِ بِالْقَذْفِ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَجَعَلُوا الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا مُعْتَبَرًا بِأَنَّ التُّهْمَةَ إِذَا تَوَجَّهَتْ إِلَى صِفَةِ الشَّاهِدِ رُدَّتْ، وَلَمْ يَجُزْ تَبْعِيضُهَا كَالْعَدَاوَةِ، وَإِذَا تَوَجَّهَتْ إِلَى صِفَةِ الْمَشْهُودِ فِيهِ جَازَ تَبْعِيضُهَا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَالتُّهْمَةُ هَاهُنَا فِي صِفَةِ الشَّاهِدِ دُونَ الْمَشْهُودِ فِيهِ، فَرُدَّتْ جَمِيعُهَا وَلَمْ تُبَعَّضْ.
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا، إِذَا شَهِدَ أَجْنَبِيَّانِ أَنَّهُ أَوْصَى بِعِتْقِ عَبْدٍ قِيمَتُهُ نِصْفُ التَّرِكَةِ، وَشَهِدَ وَارِثَانِ أَنَّهُ رَجَعَ عَنِ الْوَصِيَّةِ بِعِتْقِهِ وَأَعْتَقَ عَبْدًا قِيمَتُهُ ثُلُثُ التَّرِكَةِ، قُبِلَتْ شَهَادَةُ الْوَارِثَيْنِ فِي الرُّجُوعِ عَنِ الْأَوَّلِ وَفِي عِتْقِ الثَّانِي فِي الثُّلُثِ وَتَنْتَفِي عَنْهُمَا التُّهْمَةُ فِي الرُّجُوعِ بِالزِّيَادَةِ لِأَنَّها مَرْدُودَةٌ بِالشَّرْعِ، فَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا فِي الرُّجُوعِ بِالْكُلِّ.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ لَمْ يَقُولَا أَنَّهُ رَجَعَ فِي الْأَوَّلِ أَقْرَعْتُ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَسْتَوْظِفَ الثُّلُثَ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفْتِينَ إِنَّ شَهَادَةَ الْأَجْنَبِيَّيْنِ وَالْوَرَثَةِ سَوَاءٌ مَا لَمْ يَجُرَّ إِلَى أَنْفُسِهِمَا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي أَنَّ شَهَادَةَ الْوَرَثَةِ بِالْعِتْقِ وَالْوَصِيَّةِ مَقْبُولَةٌ كَالْأَجَانِبِ إِذَا لَمْ يَجْرُّوا بِهِمَا نَفْعًا، فَإِذَا شَهِدَ الْأَجَانِبُ بِعِتْقِ عَبْدٍ قِيمَتُهُ الثُّلُثُ، وَشَهِدَ الْوَرَثَةُ بِعِتْقِ عَبْدٍ قِيمَتُهُ السُّدُسُ، وَلَمْ يَقُولُوا: إِنَّهُ رَجِعَ عَنْ عِتْقِ صَاحِبِ الثُّلُثِ، فَالشَّهَادَتَانِ ثَابِتَتَانِ بِعِتْقِ عَبْدَيْنِ يَسْتَوْعِبَانِ نِصْفَ التَّرِكَةِ، فَيُعْتَبَرُ فِي تَحْرِيرِ الْعَبْدِ حَالُ الشَّهَادَتَيْنِ، فَإِنَّهُمَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ شَهَادَةُ الْأَجْنَبِيَّيْنِ لِصَاحِبِ الثُّلُثِ بِعِتْقٍ بَاتٍّ فِي الْحَيَاةِ، وَشَهَادَةُ الْوَرَثَةِ لِصَاحِبِ السُّدُسِ بِالْوَصِيَّةِ السُّدُسِ بِالْوَصِيَّةِ بِعِتْقِهِ بَعْدَ الْوَفَاةِ فَيُسْتَوْعَبُ الثُّلُثُ بِالْعِتْقِ الْبَاتِّ فِي صَاحِبِ الثُّلُثِ، وَتَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ بِعِتْقِ صَاحِبِ السُّدُسِ لِتَقَدُّمِ النَّاجِزِ فِي الْحَيَاةِ عَلَى الْوَصِيَّةِ بَعْدَ الْوَفَاةِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ شَهَادَةُ الْأَجْنَبِيَّيْنِ لِصَاحِبِ الثُّلُثِ بِالْوَصِيَّةِ بِعِتْقِهِ بَعْدَ الْوَفَاةِ، وَشَهَادَةُ الْوَارِثَيْنِ لِصَاحِبِ السُّدُسِ بِعِتْقِهِ بات في الحياة فيعتق [جميع] صاحب
السُّدُسِ، وَيُعْتَقُ مِنْ صَاحِبِ الثُّلُثِ نِصْفُهُ اسْتِكْمَالًا لِلثُّلُثِ، وَيُرَقُّ بَاقِيهِ وَهُوَ النِّصْفُ.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَتَانِ بِالْوَصِيَّةِ بِعِتْقِ الْعَبْدَيْنِ بَعْدَ الْوَفَاةِ، فَيَسْتَوِي فِيهِمَا مَنْ تَقَدَّمَتْ فِيهِ الْوَصِيَّةُ وَمَنْ تَأَخَّرَتْ، وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا لِيَسْتَوْظِفَ الثُّلُثَ مَنْ قَرَعَ مِنْهُمَا، فَإِنْ قَرَعَ صَاحِبُ الثُّلُثِ عُتِقَ جَمِيعُهُ وَرُقَّ جَمِيعُ الْآخَرِ، وَإِنْ قَرَعَ صَاحِبُ السُّدُسِ، عُتِقَ جَمِيعُهُ وَبَعْضُ صَاحِبِ الثُّلُثِ اسْتِكْمَالًا لِلثُّلُثِ، وَرُقَّ بَاقِيهِ وَهُوَ نِصْفُهُ.
وَالضَّرْبُ الرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَتَانِ بِالْعِتْقِ الْبَاتِّ فِي الْحَيَاةِ، فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تَدُلَّ الشَّهَادَتَانِ عَلَى وُقُوعِ عِتْقِهِمَا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فَيَتَحَرَّرُ بِالْقُرْعَةِ لِيَسْتَكْمِلَ الثُّلُثَ بِعِتْقِ الْقَارِعِ وَرِقِّ الْمَقْرُوعِ عَلَى مَا بَيَّنَاهُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَدُلَّ الشَّهَادَتَانِ عَلَى عِتْقِ أَحَدِهِمَا قَبْلَ الْآخَرِ، وَيَعْلَمُ بِهَا الْمُتَقَدِّمُ مِنَ الْمُتَأَخِّرِ فَيْسَتَوْظِفَ الثُّلُثَ بِالْأَوَّلِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ صَاحِبَ الثُّلُثِ عُتِقَ جَمِيعُهُ وَرُقَّ صَاحِبُ السُّدُسِ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ هُوَ صَاحِبُ السُّدُسِ، عُتِقَ جَمِيعُهُ وَنِصْفُ صَاحِبِ الثُّلُثِ، اسْتِكْمَالًا لِلثُّلُثِ وَيَرِقُّ نِصْفُهُ الْبَاقِي.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ تَدُلَّ الشَّهَادَتَانِ عَلَى تَقَدُّمِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَلَا تَدُلُّ عَلَى الْمُتَقَدِّمِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِ، فَقَدْ ذَكَرْنَا فِيهَا قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا لِيُسْتَوْظَفَ الثُّلُثُ بِعِتْقِ الْقَارِعِ وَرِقِّ الْمَقْرُوعِ عَلَى مَا بَيَّنَاهُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّهُ يُعْتَقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقَدْرِ مَا احْتَمَلَهُ الثُّلُثُ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ.
فَيُعْتَقُ مِنْ صَاحِبِ الثُّلُثِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ، وَيُعْتَقُ مِنْ صَاحِبِ السُّدُسِ رُبُعُهُ.
وَبَيَانُهُ: أَنْ نُنَزِّلَهَا تَنْزِيلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ صَاحِبَ الثُّلُثِ فَيُعْتَقُ جَمِيعُهُ وَيُرَقُّ صَاحِبُ السُّدُسِ كُلِّهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ صَاحِبَ السُّدُسِ فَيُعْتَقُ جَمِيعُهُ وَنِصْفُ صَاحِبِ الثُّلُثِ، فَيَتَحَرَّرُ فِي التَّنْزِيلَيْنِ أَنَّهُ عُتِقَ نِصْفُ صَاحِبِ الثُّلُثِ يَقِينًا.
وَتَعَارُضَ التَّنْزِيلَانِ فِي صَاحِبِ السُّدُسِ وَنِصْفِ صَاحِبِ الثُّلُثِ وَهُمَا فِي الْقِيمَةِ مُتَسَاوِيَانِ فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ السُّدُسُ الْبَاقِي مِنَ الثُّلُثِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، فَيُعْتَقُ مِنْ صَاحِبِ الثُّلُثِ نِصْفُهُ وَمِنْ صَاحِبِ السُّدُسِ نِصْفُهُ، فَيَصِيرُ النِّصْفُ مِنْ صَاحِبِ الثُّلُثِ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِ، وَمِنْ صَاحِبِ السُّدُسِ نِصْفَهُ.
وَمِثَالُهُ: أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ الثُّلُثِ قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ، وَقِيمَةُ صَاحِبِ السُّدُسِ خَمْسَةُ
دنانير، وقد خلف المعتق سواهما خمسة عشرة دِينَارًا، فَتَصِيرُ التَّرِكَةُ مَعَ قِيمَتِهِمَا ثَلَاثِينَ دِينَارًا، ثُلُثُهَا عَشَرَةُ دَنَانِيرَ، فَيُعْتَقُ مِنْ صَاحِبِ الثُّلُثِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ سَبْعَةُ دَنَانِيرَ وَنِصْفٌ، وَيُعْتَقُ مِنْ صَاحِبِ السُّدُسِ نِصْفُهُ بِدِينَارَيْنِ وَنِصْفٍ، فَتَصِيرُ قِيمَةُ الْمُعْتِقِ مِنْهُمَا عَشَرَةُ دَنَانِيرَ هِيَ الثُّلُثُ، وَيَبْقَى لِلْوَرَثَةِ رُبُعُ صَاحِبِ الثُّلُثِ بِدِينَارَيْنِ وَنِصْفٍ وَنِصْفُ صَاحِبِ السُّدُسِ بِدِينَارَيْنِ وَنِصْفٍ يُضَافَانِ إِلَى خَمْسَةَ عشرة دِينَارًا يَصِيرُ عِشْرِينَ دِينَارًا هِيَ مِثْلَا مَا خرج بالعتق.
( [الْقَوْلُ فِي الشَّهَادَةِ بِالْوَصِيَّةِ بِالْمَالِ] )
(مَسْأَلَةٌ)
: قَالَ الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ شَهِدَ رَجُلَانِ لِرَجُلٍ بِالثُّلُثِ وَآخَرَانِ لَآخَرَ بِالثُّلُثِ وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ أَحَدِهِمَا فَالثُلُثُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِزَيْدٍ، وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِعَمْرٍو، صَحَّتِ الشَّهَادَتَانِ بِثُلُثِ الْمَالِ لِزَيْدٍ وَعَمْرٍو نِصْفَيْنِ فَإِنْ أَجَازَ الْوَرَثَةُ الْوَصِيَّةَ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ أُمْضِيَتِ الْوَصِيَّتَانِ بِثُلُثَيِ الْمَالِ لِزَيْدٍ وَعَمْرٍو فَإِنِ امْتَنَعُوا عَنْ إِجَازَةِ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ جُعِلَ الثُّلُثُ بَيْنَ زَيْدٍ وَعَمْرٍو نِصْفَيْنِ، وَلَمْ يَقْرَعْ بَيْنَهُمَا وَإِنْ قُرِعَ بَيْنَ الْعَبْدَيْنِ لِوُقُوعِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الشَّرْعَ أَثْبَتَ دُخُولَ الْقُرْعَةِ فِي الْعِتْقِ دُونَ التَّمْلِيكِ.
وَالثَّانِي: إِنَّ الْمَقْصُودَ بِالْعِتْقِ كَمَالُ أَحْكَامِ الْمُعْتَقِ وَلَا يَكْمُلُ تَبْعِيضُ الْعِتْقِ فِيهِ، فَأُقْرِعَ لِكَمَالِ أَحْكَامِهِ، وَالْمَقْصُودُ بِالْوَصِيَّةِ نَفْعُ الْمُوصَى لَهُ، وَهُوَ يَنْتَفِعُ بِتَبْعِيضِ الْوَصِيَّةِ، فَلَمْ يُقْرَعْ مَعَ وُجُودِ الْمَنْفَعَةِ.
فَلَوْ شَهِدَ وَارِثَانِ أَوْ أجنبيان أنه رجع عن الوصية بالثلث بالثلث لزيدإلى الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ لِعَمْرٍو، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا وَصَارَ الثُّلُثُ كُلُّهُ لِعَمْرٍو.
فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ بَعْدَ ذَلِكَ أنه رجع عن الوصية بالثلث لعمرو وصى بِالثُّلُثِ لِبَكْرٍ، صَارَ الثُّلُثُ كُلُّهُ لِبَكْرٍ، وَبَطَلَتْ فِي حَقِّ زَيْدٍ وَعَمْرٍو، وَسَوَاءٌ كَانَتِ الشَّهَادَةُ مِنْ وَرَثَةٍ أَوْ أَجَانِبَ.
وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ لِزَيْدٍ بِالثُّلُثِ وَشَهِدَ آخَرَانِ لِعَمْرٍو بِالثُّلُثِ، وَشَهِدَ آخَرَانِ بِرُجُوعِهِ عَنْ إِحْدَى الْوَصِيَّتَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ، لَمْ تَكُنْ لِلشَّهَادَةِ بالرجوع تأثير، وبطل حكمهما.
وَجُعِلَ الثُّلُثُ بَيْنَ زَيْدٍ وَعَمْرٍو.
(فَصْلٌ)
: وَلَوْ شَهِدَ أَجْنَبِيَّانِ أَنَّهُ أَوْصَى بِعِتْقِ سَالِمٍ وَهُوَ الثُّلُثُ، وَشَهِدَ وَارِثَانِ أَنَّهُ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِزَيْدٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقْرَعَ بَيْنَهُمَا عِنْدَ امْتِنَاعِ الْوَرَثَةِ مِنْ إِجَازَتِهَا، لِأَنَّ الْقُرْعَةَ لَا تَدْخُلْ فِي الْمَالِ وَإِنْ دَخَلَتْ فِي الْعِتْقِ، فَوَجَبَ إِذَا اجْتَمَعَا أَنْ يُغَلَّبَ مَا لَا
تَدْخُلُهُ الْقُرْعَةُ، لِأَنَّ دُخُولَهَا رُخْصَةٌ، فَإِذَا امْتَنَعَتِ الْقُرْعَةُ فِي اجْتِمَاعِهِمَا، فَفِيهَا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُشْرَكَ بَيْنَهُمَا فِي الثُّلُثِ فَيُعْتَقُ نِصْفُ الْعَبْدِ وَيُدْفَعُ إِلَى زَيْدٍ السُّدُسُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنْ يُغَلِّبَ الْعِتْقَ عَلَى الْوَصِيَّةِ فَيُعْتِقُ جَمِيعَ الْعَبْدِ وَتُرَدُّ جَمِيعُ الْوَصِيَّةِ، لِأَنَّ لِلْعِتْقِ مَزِيَّةٌ بِالسِّرَايَةِ إِلَى غَيْرِ الْمِلْكِ فَقُدِّمَ عَلَى الْوَصَايَا.
فَلَوْ شَهِدَ وَارِثَانِ أَنَّهُ رَجَعَ عَنِ الْوَصِيَّةِ بِالْعِتْقِ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا فِي رَدِّ الْعِتْقِ.
وَأُمْضِيَتِ الْوَصِيَّةُ بِالثُّلُثِ، وَلَوْ شَهِدَا بِالرُّجُوعِ فِي الثُّلُثِ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا وَأُمْضِيَتِ الْوَصِيَّةُ بِالْعِتْقِ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ عَنْهُمَا فِي الشَّهَادَةِ بِهَذَا الرُّجُوعِ.
(فَصْلٌ)
: وَإِذَا شَهِدَ شاهدان أنه دبر عبده سالما وهو الثلث، وَشَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ أَوْصَى بِعِتْقِ عَبْدِهِ غَانِمًا وَهُوَ الثُّلُثُ فَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُمَا سَوَاءٌ وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا وَيُعْتِقُ مِنْ قَرَعَ مِنْهُمَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّ التَّدْبِيرَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَصِيَّةِ بِالْعِتْقِ، لِوُقُوعِ الْعِتْقِ فِيهِ بِالْمَوْتِ، فَيُعْتَقُ الْمُدَبَّرُ، وَيُرَقُّ الْمُوصَى بِعِتْقِهِ.
وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ دَبَّرَ عَبْدَهُ سَالِمًا وَهُوَ الثُّلُثُ، وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ أَوْصَى بِعِتْقِ عَبْدِهِ غَانِمًا وَهُوَ الثُّلُثُ، وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ أَوْصَى بِثُلُثِهِ لِزَيْدٍ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أقوال:
أحدهما: أَنَّهُ يُقَدَّمُ التَّدْبِيرَ فَيُسْتَوْظَفُ بِهِ الثُّلُثُ، وَيُرَقُّ الْمُوصَى بِعِتْقِهِ، وَتَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ بِثُلُثِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّهُ يُشْرَكُ بَيْنَ الْمُدَبَّرِ وَالْمُوصَى بِعِتْقِهِ وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا وَيُعْتَقُ مَنْ قَرَعَ مِنْهُمَا، وَتَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ بِثُلُثِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: إِنَّهُ يُشْرَكُ بَيْنَ الْجَمِيعِ فِي الثُّلُثِ فَيُدْفَعُ ثُلُثُ الثُّلُثِ إِلَى الْمُوصَى لَهُ وَيُقْرَعُ بَيْنَ الْمُدَبَّرِ وَالْمُوصَى بِعِتْقِهِ فِي ثُلُثَيِ الثُّلُثِ، فَإِذَا قَرَعَ أَحَدُهُمَا عُتِقَ ثُلُثَاهُ ورق ثلثه وجميع الآخر.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَقَالَ فِي الشَّهَادَاتِ فِي الْعِتْقِ وَالْحُدُودِ إِمْلَاءً وَإِذَا شَهِدَا أَنَ سَيِّدَهُ أَعْتَقَهُ فَلَمْ يُعَدَّلَا فَسَأَلَ الْعَبْدُ أَنْ يُحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ أُجِّرَ وَوُقِفَتْ إِجَارَتُهُ فَإِنْ تَمَّ عِتْقُهُ أَخَذَهَا وَإِنْ رُقَّ أَخَذَهَا السَّيِّدُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي عَبْدٍ ادَّعَى عَلَى سَيِّدِهِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ وَأَنْكَرَ السَّيِّدُ عِتْقَهُ، فَأَقَامَ الْعَبْدُ بَيِّنَةً بِعِتْقِهِ شَاهِدَيْنِ مَجْهُولَيِ الْعَدَالَةِ، فَسَأَلَ الْعَبْدُ أَنْ يُحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ حَتَّى تَظْهَرَ الْعَدَالَةُ لِيُحْكَمَ بِعِتْقِهِ، أُجِيبَ إِلَى الْإِحَالَةِ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ السَّيِّدِ حَتَّى تَظْهَرَ الْعَدَالَةُ لِأَمْرَيْنِ: -
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ قَدْ قَامَ بِمَا عَلَيْهِ مِنَ الشَّهَادَةِ، وَبَقِيَ مَا عَلَى الْحَاكِمِ مِنْ كَشْفِ الْعَدَالَةِ.
وَالثَّانِي: إِنَّ الظَّاهِرَ مِنَ الشَّهَادَةِ صِحَّتُهَا، وَلَا يُؤْمَنُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يُبَاعَ، وَلَا عَلَى الْأَمَةِ أَنْ تُوطَأَ.
فَإِذَا أُحِيلَ بَيْنَهُمَا، لَزِمَ الْحَاكِمُ أَنْ يَسْتَظْهِرَ لِلسَّيِّدِ بِأَمْرَيْنِ كَمَا اسْتَظْهَرَ لِلْعَبْدِ بِالْمَنْعِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَضَعَهُ عَلَى يَدِ أَمِينٍ نِيَابَةً عَنْ يَدِ السَّيِّدِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُؤَجِّرَهُ بِأُجْرَةٍ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْهَا، وَيُوقِفُ بَاقِيهَا عَلَى عَدَالَةِ الشَّاهِدَيْنِ، فَإِنْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُمَا حُكِمَ بِعِتْقِهِ وَرُدَّ عَلَيْهِ بَاقِي أُجْرَتِهِ، وَإِنْ ثَبَتَ فِسْقُهُمَا حُكِمَ بِرِقِّهِ وَإِعَادَتِهِ إِلَى سَيِّدِهِ مَعَ بَقِيَّةِ أُجْرَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ لَهُمَا عَدَالَةٌ وَلَا فِسْقٌ كَانَ بَاقِيًا عَلَى الْوَقْفِ مَا بَقِيَ حَالُ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَالْجَهَالَةِ.
وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الدَّعْوَى فِي غَيْرِ الْعِتْقِ مِنْ دَيْنٍ مُدَّعًى، وَأَقَامَ مُدَّعِيهِ شَاهِدَيْنِ مَجْهُولَيِ الْعَدَالَةِ وَالْجَرْحِ، فَوَقَفَتْ شَهَادَتُهُمَا عَلَى الْكَشْفِ، وَسَأَلَ الْمُدَّعِي حَبْسَ خَصْمِهِ عَلَى الْكَشْفِ عَلَى الْعَدَالَةِ أُجِيبَ إِلَيْهَا اعْتِبَارًا بِعَدَالَةِ الظَّاهِرِ، وَلَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ بِهَا حَتَّى 7 تَثْبُتَ عَدَالَةُ الْبَاطِنِ، وَلَمْ يَكُنْ لِحَبْسِهِ غَايَةً إِلَّا أَنْ تَثْبُتَ الْعَدَالَةُ لِيَسْتَوْفِيَ مِنْهُ الْحَقَّ، أَوْ يَثْبُتَ الْفِسْقَ وَيُطْلَقَ.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ شَهِدَ لَهُ شَاهِدٌ وَادَّعَى شَاهِدًا قَرِيبًا فَالْقَوْلُ فِيهَا وَاحِدٌ مِنْ قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَا وَصَفْتُ فِي الْوَقْفِ، وَالثَّانِي لَا يُمْنَعُ مِنْهُ سَيِّدُهُ وَيَحْلِفُ لَهُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا: أَنْ يُقِيمَ الْمُدَّعِي لِلْعِتْقِ شَاهِدًا عَلَى عِتْقِهِ، وَيَسْأَلُ أَنْ يُحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ عَلَى إِقَامَةِ الشَّاهِدِ الْآخَرِ، فَفِي إِجَابَتِهِ إِلَى ذَلِكَ قَوْلَانِ مَنْصُوصَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُجَابُ إِلَى ذَلِكَ، لِأَنَّ بَقِيَّةَ الْعَدَدِ كَبَيِّنَةِ الْعَدَالَةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يُجَابُ إِلَيْهِ لِأَنَّه قَدْ أَتَى فِي كَمَالِ الْعَدَدِ بِمَا عَلَيْهِ، وَبَقِيَ مَا عَلَى الْحَاكِمِ مِنْ ظُهُورِ الْعَدَالَةِ، وَلَمْ يَأْتِ فِي نُقْصَانِ الْعَدَدِ بِمَا عَلَيْهِ فَلَمْ يُحْكَمْ لَهُ بِمَا سَأَلَ.
فَإِنْ قِيلَ: بِأَنَّهُ لَا يُجَابُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ الَّذِي أَقَامَهُ مَعْرُوفَ الْعَدَالَةِ أَوْ مَجْهُولَهَا، وَيَحْلِفُ السَّيِّدُ عَلَى إِنْكَارِ الْعِتْقِ فَيَكُونُ الْعَبْدُ فِي يَدِهِ عَلَى الرِّقِّ.
وَإِنْ قِيلَ بِأَنَّهُ يُجَابُ إِلَى الْإِحَالَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ لَمْ يَخْلُ حَالُ الشَّاهِدِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفَ الْعَدَالَةِ أَوْ مَجْهُولَهَا، فَإِنْ كَانَ مَعْرُوفَ الْعَدَالَةِ، حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ إلى مدة
ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَإِنْ أَقَامَ الشَّاهِدَ الْآخَرَ حُكِمَ لَهُ بِالْعِتْقِ، وَإِنْ لَمْ يُقِمْهُ أُحْلِفَ السَّيِّدَ عَلَى إِنْكَارِ الْعِتْقِ، وَأُعِيدَ الْعَبْدُ إِلَى يَدِهِ عَلَى الرِّقِّ، وَإِنْ كَانَ الشَّاهِدُ الَّذِي أَقَامَهُ مَجْهُولَ الْعَدَالَةِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فِي جَوَازِ الْإِحَالَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يُحَالُ بَيْنَهُمَا كَمَا لَوْ كَانَ الشَّاهِدُ عَدْلًا اعْتِبَارًا بِعَدَالَةِ ظَاهِرِهِ.
وَالْوَجْهُ القاني: أَنْ لَا يُحَالَ، لِأَنَّ الْبَاقِيَ مِنَ الْعَدَالَةِ وَالْعَدَدِ أَكْثَرُ مِنَ الْمَاضِي فَيَسْقُطُ بِاعْتِبَارِ الْأَقَلِّ.
(فَصْلٌ)
: وَلَوْ كَانَتِ الدَّعْوَى فِي حَقِّ أَيْتَامٍ فَأَقَامَ مُدَّعِيهِ شَاهِدًا وَاحِدًا وَسَأَلَ حَبْسَ خَصْمِهِ عَلَى إِقَامَةِ شَاهِدٍ آخَرَ، فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ مِمَّا لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ كَالْقِصَاصِ وَالنِّكَاحِ، فَفِي جَوَازِ حَبْسِهِ عَلَى إِقَامَةِ الشَّاهِدِ الْآخَرِ قَوْلَانِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي دَعْوَى الْعِتْقِ.
أَحَدُهُمَا: لَا يُحْبَسُ بِهِ.
وَالثَّانِي: يُحْبَسُ إِلَى مُدَّةِ ثلاث أَيَّامٍ ثُمَّ يُطْلَقُ إِنْ لَمْ يُقِمِ الْآخَرَ.
وإن كان الحق ما يَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي حَبْسِ الْخَصْمِ فِيهِ بِالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ:
فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى جَوَازِهِ قَوْلًا وَاحِدًا، لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَهُ وَيَسْتَحِقَّ، وَذَهَبَ آخَرُونَ مِنْهُمْ إِلَى أَنَّهُ عَلَى قَوْلَيْنِ أَيْضًا كَغَيْرِهِ، لِأَنَّه لَوْ أَرَادَ الْيَمِينَ لِعَجَّلَهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(فَصْلٌ)
: وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِزَيْدٍ، وَشَهِدَ شَاهِدٌ وَاحِدٌ أَنَّهُ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِعَمْرٍو، وَلْيَحْلِفْ مَعَهُ عَمْرٌو، فَالشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ بَيِّنَةٌ فِي الْوَصِيَّةِ بِالْمَالِ، فَإِذَا قَابَلَتَ شَاهِدَيْنِ فَفِي مُزَاحَمَتِهِمَا لَهُ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُزَاحِمُهُمَا، لِأَنَّها بَيِّنَةٌ فِي إِثْبَاتِ الْوَصِيَّةِ كَالشَّاهِدَيْنِ، وَيَكُونُ الثُّلُثُ بَيْنِ عَمْرٍو وَزَيْدٍ نِصْفَيْنِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّ الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ لَا يُزَاحِمُ الشَّاهِدَيْنِ لِكَمَالِ الشَّاهِدَيْنِ وَقُصُورِ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ.
وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدُ عَمْرٍو أَنَّهُ رَجَعَ عَنِ الْوَصِيَّةِ لِزَيْدٍ، وَأَوْصَى بِثُلُثِهِ لِعَمْرٍو وَحَلَفَ مَعَهُ عَمْرٌو، صَحَّ الرُّجُوعُ وَالْوَصِيَّةُ لِعَمْرٍو بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ قَوْلًا وَاحِدًا، لِأَنَّه لَيْسَ فِي الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ هَاهُنَا مُزَاحَمَةٌ لِلشَّاهِدَيْنِ، وَإِنَّمَا هِيَ بَيِّنَةٌ بِرُجُوعٍ لَمْ يَتَضَمَّنْهُ شَهَادَةُ الشَّاهِدَيْنِ.
وَهَاتَانِ الْمَسْأَلَتَانِ نَصَّ عَلَيْهِمَا الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأُمِّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ)
: وَإِذَا قَالَ: إِنْ قُتِلْتُ فَعَبْدِي حُرٌّ وَشَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ قُتِلَ وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ مَاتَ فَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ يُحْكَمُ بِشَهَادَةِ الْقَتْلِ وَتُسْقَطُ شَهَادَةُ الْمَوْتِ.
لِأَنَّهمَا أَزْيَدُ عِلْمًا فَيَسْتَحِقُّ الْقَوَدَ وَيُعْتَقُ الْعَبْدُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: قَدْ تَعَارَضَتِ الْبَيِّنَتَانِ فِيمَا شَهِدَ لِأَنَّه لَا اسْتِحَالَةَ أَنْ يَمُوتَ مَقْتُولٌ أَوْ يُقْتَلَ مَيِّتٌ، فَلَا يَسْتَحِقُّ الْقَوَدَ وَلَا يُعْتَقُ الْعَبْدُ لِأَجْلِ الِاسْتِحَالَةِ.
فَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إِنْ مُتُّ فِي رَمَضَانَ فَسَالِمٌ حُرٌّ، وَإِنْ مُتُّ فِي شَوَّالٍ فَغَانِمٌ حُرٌّ ثُمَّ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ مَاتَ فِي رَمَضَانَ وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ مَاتَ فِي شَوَّالٍ فَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: قَدْ تَعَارَضَتِ الشَّهَادَتَانِ بِتَنَافِيهِمَا وَيُعْمَلُ فِي الْعِتْقِ عَلَى تَصْدِيقِ الْوَرَثَةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يُحْكَمُ بِقَوْلِ مَنْ شَهِدَ بِمَوْتِهِ فِي رَمَضَانَ، لِأَنَّه أَزْيَدُ عِلْمًا،.
وَيُعْتَقُ الْعَبْدُ الْأَوَّلُ، فَإِنْ صَدَّقَ الْوَرَثَةُ الثَّانِي عُتِقَ عَلَيْهِمْ بِمَوْتِهِ.
وَلَوْ قَالَ: إِنْ مُتُّ فِي مَرَضِي هَذَا فَعَبْدِي سَالِمٌ حُرٌّ، وَإِنْ مُتُّ فِي غَيْرِهِ فَعَبْدِي غَانِمٌ حُرٌّ فَشَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ مَاتَ فِي مَرَضِهِ ذَلِكَ وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ مَاتَ فِي غَيْرِهِ، فَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: قَدْ تَعَارَضَتِ الْبَيِّنَتَانِ وَسَقَطَتَا، وَعِتْقُ أَحَدِهِمَا لَمْ يَتَعَيَّنْ فَيَرْجِعُ إِلَى بَيَانِ الْوَرَثَةِ فِي ذَلِكَ.
فَإِنْ أَثْبَتُوا عِتْقَ أَحَدِهِمَا عُمِلَ فِي ذَلِكَ عَلَى بَيَانِهِمْ وَحُكِمَ بِرِقِّ الْآخَرِ، وَلَهُ إِحْلَافُهُمْ، وَإِنْ عَدِمَ بَيَانُ الْوَرَثَةِ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا وَعُتِقَ الْقَارِعُ وَرُقَّ الْمَقْرُوعُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْبَيِّنَتَيْنِ، وَيُحْكَمُ بِأَسْبَقِ الشَّهَادَتَيْنِ، وَيُعْتَقُ أول العبدين والله أعلم بالصواب.
(مختصر من جامع الدعوى والبينات)
(إملاء على كتاب ابن القاسم ومن كتاب الدعوى)
(إملاء على كتاب أبي حنيفة ومن اختلاف الأحاديث ومن اختلاف ابن أبي ليلى وأبي حنيفة ومن مسائل شتى سمعتها لفظا)
(مسألة)
: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " أَخْبَرْنَا مُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ " الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي " (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَحْسَبُهُ قَالَ وَلَا أُثْبِتُهُ قَالَ " وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عليه ".
ابن حَجَّاجٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا فِي بَيْتٍ تَخْرُزَانِ لَيْسَ مَعَهُمَا فِيهِ غَيْرُهُمَا فَخَرَجَتْ إِحْدَاهُمَا وَقَدْ طُعِنَتْ فِي كَفِّهَا بِأشْفًى حَتَّى خَرَجَ مِنْ ظَهْرِ كَفِّهَا، تَقُولُ طَعَنَتْهَا صَاحِبَتُهَا، وَتُنْكِرُ الْأُخْرَى قَالَ: فَأَرْسَلْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِمَا، فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: لَا تُعْطِ شَيْئًا إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعَاوِيهِمْ لَادَّعَى رِجَالٌ أَمْوَالَ رِجَالٍ وَدِمَاءَهُمْ لَكِنِ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ " فَكَمَلَ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ " مَعَ مَا قُدِّمَ مِنَ التَّعْلِيلِ.
رَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ إِلَّا فِي الْقَسَامَةِ ".
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّهَا أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " إِنَمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ لَتَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بَعْضٍ فَأَقْضِيَ عَلَى مَا أَسْمَعُ مِنْهُ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ، فَلَا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار ".
وَقِيلَ: إِنَّ أَوَّلَ دَعْوَى كَانَتْ فِي الْأَرْضِ دَعْوَى قَابِيلَ بْنِ آدَمَ عَلَى أَخِيهِ هَابِيلَ، أَنَّهُ أَحَقُّ بِنِكَاحِ تَوْأَمَتِهِ مِنْهُ، فَتَنَازَعَا إِلَى آدَمَ فَأَمَرَهُمَا بِمَا قَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا بِقَوْلِهِ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ﴾ [المائدة: 27] فَأَفْضَى تَنَازُعُهُمَا إِلَى الْقَتْلِ فَقَتَلَ قَابِيلُ هَابِيلَ فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ فِي الْأَرْضِ.
(فَصْلٌ)
: وَحَدُّ الدَّعْوَى أَنَّهُ طَلَبُ مَا يُذْكَرُ اسْتِحْقَاقُهُ، وَسُمِّيَتْ دَعْوَى، لِأَنَّه قَدْ دعاه
إِلَى نَفْسِهِ، وَالدَّعْوَى تَشْتَمِلُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: مُدَّعٍ، مُدَّعًى عَلَيْهِ، وَمُدَّعًى بِهِ، وَمُدَّعًى عِنْدَهُ.
فَأَمَّا الْمُدَّعِي: فَهُوَ الطَّالِبُ مِنْ غَيْرِهِ شَيْئًا فِي يَدِهِ، أَوْ فِي ذِمَّتِهِ.
وَأَمَّا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: فَهُوَ الْمَطْلُوبُ مِنْهُ شَيْئًا فِي يَدِهِ، أَوْ فِي ذِمَّتِهِ.
وَفَرْقُ مَا بَيْنَ الطَّالِبِ، وَالْمَطْلُوبِ مِنْهُ، أَنَّ الطَّالِبَ إِذَا تَارَكَ تُرِكَ وَالْمَطْلُوبَ إِذَا تَارَكَ لَمْ يُتْرَكْ.
وَأَمَّا الْمُدَّعَى بِهِ فَهُوَ مَا تَنَازَعَ فِيهِ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ.
وَأَمَّا الْمُدَّعَى عِنْدَهُ فَهُوَ مَنْ نَفَذَ حُكْمُهُ مِنْ قَاضٍ أَوْ أَمِيرٍ.
(فَصْلٌ)
: وَالدَّعْوَى عَلَى سِتَّةٍ أَضْرُبٍ: صَحِيحَةٌ، وَفَاسِدَةٌ، وَمُجْمَلَةٌ، وَنَاقِصَةٌ، وَزَائِدَةٌ، وَكَاذِبَةٌ.
فَأَمَّا الدَّعْوَى الصَّحِيحَةُ فَضَرْبَانِ: دَعْوَى اسْتِحْقَاقٍ، وَدَعْوَى اعْتِرَاضٍ.
فَأَمَّا دَعْوَى الِاسْتِحْقَاقِ فَضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَتَوَجَّهَ إِلَى عَيْنٍ فِي الْيَدِ.
وَالثَّانِي: إِلَى مَالٍ فِي الذِّمَّةِ.
فَأَمَّا تَوَجُّهُ الدَّعْوَى إِلَى عَيْنٍ فِي الْيَدِ فَضَرْبَانِ: مَنْقُولٌ، وَغَيْرُ مَنْقُولٍ فَأَمَّا الْمَنْقُولُ فَضَرْبَانِ: حَاضِرٌ، وَغَائِبٌ.
فَإِنْ كَانَتِ الْعَيْنُ الْمَنْقُولَةُ حَاضِرَةٌ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ، كَعَبْدٍ أَوْ ثَوْبٍ، أَغْنَتِ الْإِشَارَةُ عَنْ صِفَتِهَا، وَعَنْ ذِكْرِ قِيمَتِهَا
فَإِنْ كَانَتِ الدَّعْوَى فِي غَصْبٍ صَحَّتِ الدَّعْوَى، إِذَا قَالَ غَصَبَنِي هَذَا الْعَبْدَ، أَوْ هَذَا الثَّوْبَ وَإِنْ كَانَتِ الدَّعْوَى فِي وَدِيعَةٍ فَقَالَ: أَوْدَعْتُهُ هَذَا، وَإِنْ كَانَتِ الدَّعْوَى فِي ابْتِيَاعٍ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ بِهَا دَعْوَى الْعَقْدِ، كَانَ فِي صِحَّةِ الدَّعْوَى ذِكْرُ قَدْرِ الثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ بِهَا انْتِزَاعُهُ مِنْ يَدِهِ كَانَ فِي صِحَّةِ الدَّعْوَى أَنْ يَذْكُرَ أَنَّهُ ابْتَاعَهُ مِنْهُ، وَدَفَعَ إِلَيْهِ ثَمَنَهُ، وَقَدْ مَنَعَهُ مِنْهُ وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَذْكُرَ قَدْرَ الثَّمَنِ.
وَإِنْ كَانَتِ الْعَيْنُ الْمَنْقُولَةُ غَائِبَةً، فَإِنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ كَالْحِنْطَةِ، اقْتُصِرَ فِي تَعْيِينِهَا عَلَى ذِكْرِ الصِّفَةِ، ثُمَّ صار الحكم فيها كالعين والحاضرة، وإن كانت من غير ذوات المثال، كَالْجَوَاهِرِ لَزِمَهُ فِي تَعْيِينِهَا ذِكْرُ الْجِنْسِ، وَالنَّوْعِ، وَمَا يُضْبَطُ بِهِ مِنْ صِفَاتِهَا فَإِنْ كَانَتْ وَدِيعَةً لَمْ يَلْزَمْهُ ذِكْرُ قِيمَتِهَا، لِأَنَّ الْوَدِيعَةَ أَمَانَةٌ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ عَارِيَةً أَوْ غَصْبًا لَزِمَهُ فِي التَّعْيِينِ ذِكْرُ قِيمَتِهَا، لِضَمَانِ الْعَارِيَةِ وَالْغَصْبِ بِالْقِيمَةِ،
وَإِنْ كَانَتْ مَبِيعَةً لَزِمَهُ فِي التَّعْيِينِ ذِكْرُ ثَمَنِهَا لِضَمَانِ مَا لَمْ يُقْبَضْ مِنَ الْمَبِيعِ بِالثَّمَنِ دُونَ الْقِيمَةِ.
وَأَمَّا غَيْرُ الْمَنْقُولِ كَدَارٍ، أَوْ ضَيْعَةٍ، فَتَعْيِينُهَا فِي الدَّعْوَى يَكُونُ بِذِكْرِ النَّاحِيَةِ، وَالْحُدُودِ الْأَرْبَعَةِ: لِتَتَمَيَّزَ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِهَا، وَلَا يُغْنِيَ ذِكْرُ النَّاحِيَةِ عَنْ ذِكْرِ الْحُدُودِ، وَلَا ذِكْرُ الْحُدُودِ عَنْ ذِكْرِ النَّاحِيَةِ، وَلَا أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى بَعْضِ الْحُدُودِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ جَمِيعَهَا فَتَصِيرُ بِذِكْرِ النَّاحِيَةِ وَالْحُدُودِ الْأَرْبَعَةِ مُتَمَيِّزَةً عَنْ غَيْرِهَا، إِلَّا أَنْ تَكُونَ الدَّارُ مَشْهُورَةً بِاسْمِهَا مُتَمَيِّزَةً بِهِ عَنْ غَيْرِهَا، " كَدَارِ النَّدْوَةِ " بِمَكَّةَ وَ " دَارِ الْخَيْزُرَانِ " فَيُغْنِي ذِكْرُ اسْمِهَا عَنْ ذِكْرِ حُدُودِهَا، وَإِذَا ذُكِرَتِ النَّاحِيَةُ وَالْحُدُودُ الْأَرْبَعَةُ، صَحَّ دَعْوَاهَا وَإِنْ جَازَ أَنْ يُشَارِكَهَا غَيْرُهَا فِي حُدُودِهَا، كَمَا إِذَا ذُكِرَ الرَّجُلُ بِاسْمِهِ، وَاسْمِ أَبِيهِ وَجَدِّهُ، وَقَبِيلَتِهِ، وَصِنَاعَتِهِ، صَحَّ، وَتَمَيَّزَ فِي الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يُشَارِكَهُ غَيْرُهُ فِي الِاسْمِ، وَالنَّسَبِ، لِأَنَّه غَايَةُ الْمُمْكِنِ وَلِأَنَّ الْمُشَارَكَةَ نَادِرَةٌ، ثُمَّ صِحَّةُ دَعَوَاهَا بعد تحديدها معتبرة بشرطين: أَنْ يَذْكُرَ أَنَّهَا مِلْكُهُ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَذْكُرَ أَنَّهَا فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ.
وَهُوَ إِذَا ذَكَرَ ذَلِكَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُعَيِّنَ السَّبَبَ الَّذِي صَارَتْ بِهِ فِي يَدِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَبَيْنَ أَنْ يُطْلِقَهُ.
(فَصْلٌ)
: وَإِنْ كَانَتِ الدَّعْوَى بِمَالٍ فِي الذِّمَّةِ، فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِنْ ذَوِي الْأَمْثَالِ كَالدَّرَاهِمِ، وَالدَّنَانِيرِ، أَوِ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ مِمَّا يَصِحُّ أَنْ يُثْبَتَ فِي الذِّمَّةِ ثَمَنًا، أَوْ يُضْمَنَ فِي الْعَمْدِ بِمِثْلِهِ، فَيَلْزَمُهُ فِي الدَّعْوَى أَنْ يَذْكُرَ الْجِنْسَ وَالنَّوْعَ، وَالصِّفَةَ، وَالْقَدَرَ، بِمَا يَصِيرُ بِهِ عِنْدَ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ مَعْلُومًا، وَهُوَ بِالْخِيَارِ فِي أَنْ يَذْكُرَ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ، أَوْ لَا يَذْكُرَ فَتَكُونُ صِحَّةُ الدَّعْوَى مُعْتَبَرَةً بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَقُولَ لِي عَلَيْهِ كَذَا وَيَصِفَهُ.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَقُولَ وَهُوَ حَالٌّ، لِأَنَّ الْمُؤَجَّلَ لَا يَسْتَحِقُّ الْمُطَالَبَةَ بِهِ قَبْلَ حُلُولِهِ، فَلَمْ تَصِحَّ دَعْوَاهُ، فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ حَالًّا، وَبَعْضُهُ مُؤَجَّلًا صَحَّ دَعْوَى جَمِيعِهِ لِاسْتِحْقَاقِ الْمُطَالَبَةِ بِبَعْضِهِ وَيَكُونُ الْمُؤَجَّلُ تَبَعًا فَلَوْ كَانَ الْمُؤَجَّلُ فِي عَقْدٍ قُصِدَ بِدَعْوَاهُ تَصْحِيحُ الْعَقْدِ، كَالسَّلَمِ الْمُؤَجَّلِ، صَحَّتْ دَعْوَاهُ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ مُسْتَحَقٌّ فِي الْحَالِ.
وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَقُولَ: وَقَدْ مَنَعَنِي، أَوْ أَخَّرَهُ عَنِّي فَإِنْ قَالَ: وَقَدْ أَنْكَرْتُ صَحَّ، لِأَنَّ الْمُنْكِرَ مَانِعٌ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الشُّرُوطِ الثَّلَاثَةِ: هَلْ يُعْتَبَرُ فِي صِحَّةِ الدَّعْوَى أَنْ
يَقُولُ: وَأَنَا أَسْأَلُ الْقَاضِي، أَنْ يُلْزِمَهُ الْخُرُوجَ إِلَيَّ مِنْ حَقِّي عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يُعْتَبَرُ فِي صِحَّةِ الدَّعْوَى، لِأَنَّ الْمَقْصُودُ بِالتَّحَاكُمِ إِلَيْهِ، وَإِلَّا كَانَ خَبَرًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُعْتَبَرُ، لِأَنَّ شَاهِدَ الْحَالِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَاعْتُبِرَ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَا فِي الذِّمَّةِ غَيْرَ ذِي مِثْلٍ، فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الشَّرْعُ مَانِعًا مِنْ ثُبُوتِهِ فِي الذِّمَّةِ، كَاللُّؤْلُؤِ، وَالْجَوْهَرِ، فَلَا تَصِحُّ دَعْوَى عَيْنِهِ، لِأَنَّها لَا يَصِحُّ ثُبُوتُهَا فِي الذِّمَّةِ إِلَّا أَنْ يَقْصِدَ بِالدَّعْوَى ثُبُوتَ عِوَضِهَا، لِأَنَّها مَغْصُوبَةٌ، فَتَصِحُّ دَعْوَاهَا بِذِكْرِ قِيمَتِهَا، أَوْ تَكُونَ عَنْ سَلَمٍ فَاسِدٍ، فَتَكُونُ الدَّعْوَى بِرَدِّ ثَمَنِهَا، وَيَكُونُ ذِكْرُهَا إِخْبَارًا عَنِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِعِوَضِهَا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَصِحَّ فِي الشَّرْعِ ثُبُوتُهُ فِي الذِّمَّةِ، وَذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: فِي السَّلَمِ أَنْ يَكُونَ مَعْقُودًا عَلَى ثِيَابٍ، فَيَلْزَمُهُ فِي صِحَّةِ دَعْوَاهَا شَرْطَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَصِفَهَا بِأَوْصَافِهَا الْمُسْتَحَقَّةِ فِي عَقْدِ السَّلَمِ.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَذْكُرَ أَنَّهَا عَنْ عَقْدِ سَلَمٍ، يَذْكُرُ فِيهِ الشُّرُوطَ الْمُعْتَبَرَةَ فِي صِحَّةِ السَّلَمِ.
ثُمَّ يَذْكُرُ بَعْدَهَا مَا يُوجِبُهُ مَقْصُودُ الدَّعْوَى فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ عَنْ سَلَمٍ، لَمْ تَصِحَّ دَعْوَى أَعْيَانِهَا، لِأَنَّها قَدْ تَكُونُ مَغْصُوبَةً تُوجِبُ غُرْمَ قِيمَتِهَا، فَيَلْزَمُهُ مَعَ ذِكْرِ الصِّفَةِ أَنْ يَذْكُرَ الْقِيمَةَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: الْإِبِلُ الْمُسْتَحَقَّةُ فِي الدِّيَةِ وَالْغُرَّةُ الْمُسْتَحَقَّةُ فِي الْجَنِينِ، فَلَا يَلْزَمْهُ صِفَتُهَا فِي دَعْوَاهُ، لِأَنَّ أَوْصَافَهَا مُسْتَحَقَّةٌ بِالشَّرْعِ، وَصِحَّةِ الدَّعْوَى فِيهَا مُعْتَبَرَةٌ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَذْكُرَ أَنَّهَا عَنْ جِنَايَةٍ يَصِفُهَا بِعَمْدٍ، أَوْ خَطَأٍ، لِاخْتِلَافِ صِفَاتِهَا بِالْعَمْدِ، وَالْخَطَأِ، وَهِيَ مُسْتَحَقَّةٌ عَلَى الْجَانِي فِي الْعَمْدِ، وَفِي الْخَطَأِ مُسْتَحَقَّةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَذْكُرَ أَنَّهَا عَلَى حُرٍّ، لِأَنَّ الْإِبِلَ لَا تُسْتَحَقُّ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْعَبْدِ، وَأَنَّ الْمُجْهِضَةَ لِجَنِينِهَا حُرَّةٌ، لِأَنَّ الْغُرَّةَ لَا تُسْتَحَقُّ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَذْكُرَ مَا وَصَفْنَا فِيهِ الْجِنَايَةَ مِنْ نَفْسٍ، أَوْ طَرَفٍ، أَوْ جِرَاحٍ تَقَدَّرَتْ دِيَتُهُ بِالشَّرْعِ، كَالْمُوَضِّحَةِ، وَالْجَائِفَةِ، فَتَكُونُ الْمُطَالَبَةُ بِالدَّعْوَى عَفْوًا عَنِ الْقِصَّاصِ، فَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ فِيمَا لَا تَتَقَدَّرُ دِيَتُهُ بِالشَّرْعِ، كَانَتْ دَعْوَاهُ مَقْصُورَةً عَلَى وَصْفِ
الْجِنَايَةِ، وَلَمْ تَصِحَّ دَعْوَاهُ، بِقَدْرِ أَرْشِهَا لِأَنَّها مُقَدَّرَةٌ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ، وَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَى عَبْدٍ اسْتَحَقَّ فِيهَا الْقِيمَةَ فَيَذْكُرُ قَدْرَ قِيمَتِهِ لِيَعْلَمَ بِهَا دِيَةَ نَفْسِهِ وَأَطْرَافِهِ.
وَإِنْ كَانَتْ فِي جَنِينِ أَمَةٍ، ذَكَرَ فِي الدَّعْوَى قَدْرَ قِيمَتِهَا، لِأَنَّ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ عُشْرُ قِيمَتِهَا، ثُمَّ تُسْتَوْفَى شُرُوطُ الْمَقْصُودِ بِالدَّعْوَى فَهَذَا حُكْمُ دَعْوَى الِاسْتِحْقَاقِ.
(فَصْلٌ)
: فَأَمَّا دَعْوَى الِاعْتِرَاضِ فَضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَى مَا فِي يَدِهِ.
وَالثَّانِي: إِلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ.
فَأَمَّا تَوَجُّهُ الدَّعْوَى إِلَى مَا فِي يَدِهِ، فَلَا تَكُونُ إِلَّا بَعْدَ مُعَارَضَتِهِ، فَإِنْ كَانَتِ الْمُعَارَضَةُ بِمَا لَا يُسْتَضَرُّ بِهِ الْمُدَّعِي لَمْ تَصْحَّ الدَّعْوَى مِنْهُ.
وَإِنْ كَانَتْ بِمَا يُسْتَضَرُّ بِهِ الْمُدَّعِي إِمَّا بِمَدِّ الْيَدِ إِلَى مِلْكِهِ، وَإِمَّا بِمَنْعِهِ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ وَإِمَّا بِمُلَازَمَتِهِ عَلَيْهِ، أَوْ بِقَطْعِهِ عَنْ أَشْغَالِهِ صَحَّتْ دَعْوَاهُ بِخَمْسَةِ شُرُوطٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَصِفَ الْمِلْكَ بِمَا يَصِيرُ بِهِ متعينا منقول وَغَيْرَ مَنْقُولٍ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ.
وَالثَّانِي: إِنَّهُ لَهُ وَفِي مِلْكِهِ، لِأَنَّ مَا لَا يَمْلِكُهُ، أَوْ لَمْ يَسْتَتِبُّهُ مَالِكُهُ فِيهِ لَا يُمْنَعُ من المعارضة فيه.
والثالث: أن يذكر المعارض لَهُ بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهِ، إِنْ كَانَ حَاضِرًا، أَوْ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ إِنْ كَانَ غَائِبًا.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يذكر المعارضة هَلْ هِيَ فِي الْمِلْكِ، أَوْ فِي نَفْسِهِ؟ لِأَجْلِ الْمِلْكِ لِافْتِرَاقِهِمَا فِي الْحُكْمِ.
وَالْخَامِسُ: أَنْ يذكر أنه عارضه بغير حق لأنه ربما استحق المعارضة بِرَهْنٍ، أَوْ إِجَارَةٍ حَتَّى لَا يَتَّقِيَ فِي دَعْوَاهُ مَا يَحْتَاجُ الْحَاكِمُ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْهُ لِيَعْدِلَ بِسُؤَالِهِ إِلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
وَأَمَّا تَوَجُّهُ الدَّعْوَى إِلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ، لِأَنَّه قَدْ طُولِبَ بِمَا لَا يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَلْحَقْهُ بِالْمُطَالَبَةِ ضَرَرٌ، لَمْ تَصِحَّ الدَّعْوَى، وَإِنْ لَحِقَهُ بِهَا ضَرَرٌ، إِمَّا فِي نَفْسِهِ بِالْمُلَازِمَةِ، أَوْ فِي جَاهِهِ بِالْإِشَاعَةِ، وَإِمَّا فِي مَالِهِ بِالْمُعَارَضَةِ صَحَّتْ مِنْهُ الدَّعْوَى لِيَسْتَدْفِعَ بِهَا الضَّرَرَ وَصِحَّتُهَا مُعْتَبَرَةٌ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَذْكُرَ مَا طُولِبَ بِهِ، إِمَّا مُفَسَّرًا، أَوْ مُجْمَلًا، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالدَّعْوَى مَا سِوَاهُ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَذْكُرَ أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ بِالْحَقِّ لَا تُرَدُّ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَذْكُرَ مَا اسْتَضَرَّ بِهِ، لِأَنَّ مَقْصُودَ الدَّعْوَى لِيَكُونَ الْكَفُّ عَنْهُ مُتَوَجِّهًا إِلَيْهِ، فَإِنِ اقْتَرَنَ بِهَذِهِ الشُّرُوطِ مَا يَكْمُلُ بِهِ جَمِيعُ الدَّعَاوَى، سَأَلَ الْحَاكِمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَهُ في الجواب، عن دعوى هذه المعارضة، ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَعْتَرِفَ بِجَمِيعِ مَا تضمنها فيمنعه الحاكم من معارضته.
والحال الثانية: أن ينكر المعارضة فيخلي سبيله، فلا يمين عليه لأن لا يتعلق بالمعارضة اسْتِحْقَاقُ غُرْمٍ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَذْكُرَ أَنَّهُ يعارضه فِيهِ بِحَقٍّ يَصِفُهُ، فَيَصِيرُ مُدَّعِيًا بَعْدَ أَنْ كَانَ مُدَّعًى عَلَيْهِ، وَيَصِيرُ الْمُدَّعِي مُدَّعًى عَلَيْهِ، بَعْدَ أَنْ كَانَ مُدَّعِيًا.
فَهَذَا الْكَلَامُ فِي صِحَّةِ الدَّعْوَى، وَإِنْ تَضَمَّنَتْ ضُرُوبًا أَغْفَلْنَاهَا اقْتِصَارًا وَتَعْوِيلًا بِهَا عَلَى اعْتِبَارِ مَا بَيَّنَاهُ.
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا الدَّعْوَى الْفَاسِدَةُ فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: مَا عَادَ فَسَادُهُ إِلَى الْمُدَّعِي.
وَالثَّانِي: مَا عَادَ فَسَادُهُ إِلَى الشَّيْءِ الْمُدَّعَى.
وَالثَّالِثُ: مَا عَادَ فَسَادُهُ إِلَى سَبَبِ الدَّعْوَى.
فَأَمَّا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ فِي عَوْدِ فَسَادِهِ إِلَى الْمُدَّعِي، فَكَمُسْلِمٍ ادَّعَى نِكَاحَ مَجُوسِيَّةٍ أَوْ حُرٍّ وَاجِدٍ الطَّوْلَ ادَّعَى نِكَاحَ أَمَةٍ، فَهَذِهِ دَعْوَى فَاسِدَةٌ، لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ مَجُوسِيَّةً، وَالْوَاجِدُ الطَّوْلِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْكِحَ أَمَةً، فَبَطَلَتْ دَعْوَاهُ لِامْتِنَاعِ مَقْصُودِهَا فِي حَقِّهِ، فَلَمْ يَكُنْ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْمَعَهَا مِنْهُ.
وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي: فِيمَا عَادَ فَسَادُهُ إِلَى الشَّيْءِ الْمُدَّعَى، فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَدَّعِيَ مَا لَا تَقِرُّ عَلَيْهِ يَدٌ كَالْخَمْرِ، وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَالسِّبَاعِ الضَّارِيَةِ، وَالْحَشَرَاتِ الْمُؤْذِيَةِ،.
فَدَعَوَاهُ فَاسِدَةٌ، لِوُجُوبِ رَفْعِ الْيَدِ عَنْهَا فِي حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يَكُنْ لِلْحَاكِمِ، أَنْ يَسْمَعَهَا مِنْ كَافَّةِ النَّاسِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَدَّعِي مَا تَقَرُّ عَلَيْهِ اليد، ولا تصح العارضة عَنْهُ كَجُلُودِ الْمَيِّتَةِ، وَالسِّرَاجِينِ، وَالسِّمَادِ، وَالنَّجِسِ، وَالْكِلَابِ الْمُعَلَّمَةِ، تَقِرُّ عَلَيْهَا الْيَدُ لِلِانْتِفَاعِ بِجُلُودِ الْمَيِّتَةِ، إِذَا دُبِغَتْ، وَبِالسَّمَادِ، وَالسِّرَاجِينِ فِي الزُّرُوعِ، وَالشَّجَرِ، وَالْكِلَابِ فِي الصَّيْدِ، وَالْمَوَاشِي، وَاخْتُلِفَ فِي الْيَدِ عَلَيْهَا إِذَا كَانَتِ الْجُلُودُ مِنْ أَمْوَاتِ حَيَوَانٍ، وَالسِّرَاجِينُ مِنْ أَرْوَاثِ بَهَائِمِهِ، هَلْ تَكُونُ يَدُ مِلْكٍ أَوْ يَدِ انْتِفَاعٍ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: إِنَّهَا يَدُ انْتِفَاعٍ لَا يَدُ مِلْكٍ لخروجها عن معارضة الْأَمْلَاكِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّهَا يَدُ مِلْكٍ لِأَنَّه أَحَقُّ بِهَا كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: إِنَّ مَا كَانَ مِنْهَا مِلْكًا يُعْتَاضُ عَنْهُ، وَيَصِيرُ فِي الثَّانِي يُعْتَاضُ عَنْهُ كَجُلُودِ الْمَيْتَةِ كَانَتِ الْيَدُ عَلَيْهَا يَدُ مِلْكٍ اعتبارا بالطرفين وما خرج عن أملاك المعارضة فِي طَرَفَيْهِ، كَالْكِلَابِ، وَالْأَنْجَاسِ، كَانَتِ الْيَدُ عَلَيْهَا يَدُ انْتِفَاعٍ لَا يَدَ مِلْكٍ فَإِذَا تَوَجَّهَتِ الدَّعْوَى إِلَى شَيْءٍ مِنْ هَذَا، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ بَاقِيًا أَوْ تَالِفًا.،
فَإِنْ كَانَ تَالِفًا كَانَتِ الدَّعْوَى فِيهِ بَاطِلَةً، لِأَنَّه لَا يُسْتَحَقُّ بِتَلَفِهَا مِثْلٌ، وَلَا قِيمَةٌ، وَإِنْ كانت باقية لم يخل أن يدعيها بمعارضة، أَوْ غَيْرِ مُعَاوِضَةٍ.
فَإِنِ ادَّعَاهَا بِمُعَاوَضَةٍ أَنَّهُ ابْتَاعَهَا، كَانَتِ الدَّعْوَى فَاسِدَةٌ، لِأَنَّها لَا تُمْلَكُ بِالِابْتِيَاعِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ دَفَعَ ثَمَنَهَا، فَتَكُونُ دَعْوَاهُ مُتَوَجِّهَةً إِلَى الثَّمَنِ إِنْ طَلَبَهُ، وَيَكُونُ ذِكْرُ ابْتِيَاعِهَا إِخْبَارًا عَنِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِاسْتِرْجَاعِ الثَّمَنِ بِهِ، وَإِنِ ادَّعَاهَا بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ فَقَدْ تَصِحُّ دَعْوَاهَا فِي أَحَدِ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تُغْصَبَ مِنْهُ، فَتَصِحُّ دَعْوَى غَصْبِهَا.
وَالثَّانِي: أَنْ يُوصِيَ بِهَا، فَتَصِحُّ دَعْوَى الْوَصِيَّةِ بِهَا.
وَالثَّالِثُ: أَنْ تُوهَبَ لَهُ، فَتَصِحُّ دَعْوَى هِبَتِهَا.
فَإِنْ أَطْلَقَ الدَّعْوَى وَلَمْ يُفَسِّرْهَا، بِمَا تَصِحُّ بِهِ أَوْ تَفْسُدَ، فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيمَا يَكُونُ مِنَ الْحَاكِمِ فِيهَا عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَسْتَفْسِرُ لِيَعْمَلَ عَلَى تَفْسِيرِهِ فِي صِحَّتِهَا، وَفَسَادِهَا، لِأَنَّه مَنْدُوبٌ لِفَصْلِ مَا اشْتَبَهَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُمْسِكَهُ مُتَوَقِّفًا عَنْهُمَا، وَلَا يَسْتَفْسِرَهُ إِيَّاهَا، ليكون هو المبتدىء بِتَفْسِيرِهَا، لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ دَعْوَاهُ حَقٌّ لَهُ، يَقِفُ عَلَى خِيَارِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: مَا تُقَرُّ عَلَيْهِ الْيَدُ مِلْكًا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ مَالِكٍ إِلَى مَالِكٍ كَالْوَقْفِ وَأُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَالدَّعْوَى فِيهِ عَلَى الْمَالِكِ فَاسِدَةٌ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْمَعَهَا الْحَاكِمُ عَلَى مَالِكٍ لِاسْتِحَالَةِ انْتِقَالِهِ عَنْ مالكه إِلَى مِلْكِ غَيْرِهِ إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ ابْتِيَاعَهُ لِاسْتِرْجَاعِ الثَّمَنِ، فَتَكُونُ الدَّعْوَى مُتَوَجِّهَةً إِلَى الثَّمَنِ وَيَكُونُ ذِكْرُ ابْتِيَاعِهِ إِخْبَارًا عَنِ السَّبَبِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَدَّعِيَ الْوَقْفَ وَأُمَّ الْوَلَدِ عَلَى غَاصِبِهَا، وَإِنْ لَمْ يَدَّعِيَا عَلَى مَالِكِهِمَا.
وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّالِثُ: فِي الْأَصْلِ وَهُوَ مَا عَادَ فَسَادُهُ إِلَى سَبَبِ الدَّعْوَى وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: عَقْدٌ - وَمُقْتَضَى عَقْدٍ:
فَأَمَّا الْعَقْدُ فَكَالْبَيْعِ، إِذَا ادَّعَى مَا ابْتَاعَهُ وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: صَحِيحٌ وَمُتَّفَقٌ عَلَى فَسَادِهِ، وَمُخْتَلَفٌ فِيهِ:
فَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ صَحِيحًا، صَحَّتِ الدَّعْوَى فِيهِ: إِذَا اسْتَوْفَى شُرُوطَهَا عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.
وَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ مُتَّفَقًا عَلَى فَسَادِهِ كَبَيْعِ الْحَمْلِ فِي الْبَطْنِ، وَبَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ أَنْ تُخْلَقَ، فَالدَّعْوَى فِيهِ بَاطِلَةٌ لَا يَسْمَعُهَا إِنْ طَلَبَ تَسْلِيمَ الْمَبِيعِ، وَيَسْمَعُهَا إِنْ طَلَبَ مُوجَبَهَا مِنْ رَدِّ الثَّمَنِ.
وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ مُخْتَلَفًا فِيهِ كَبَيْعِ الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ، يَسْمَعُهَا لِيَحْكُمَ فِيهَا بِمَا يؤدي إليه اجتهاده، ومن صِحَّةِ الْبَيْعِ، وَتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ، أَوْ يَحْكُمَ بِفَسَادِهِ ورد الثمن.
وكذلك الحكم في عقود الإجازات، وَالْمَنَاكِحِ، وَالرُّهُونِ.
وَأَمَّا نَقْصُ الْعَقْدِ فَكَالشُّفْعَةِ، وَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: مُسْتَحَقَّةٌ، وَبَاطِلَةٌ وَمُخْتَلَفٌ فِيهَا.
فَأَمَّا الْمُسْتَحَقَّةُ: فَشُفْعَةُ الْخُلْطَةِ تَصِحُّ دَعْوَاهَا بَعْدَ اسْتِيفَاءِ شُرُوطِهَا وَأَمَّا الْبَاطِلَةُ فَالشُّفْعَةُ فِيمَا يُنْقَلُ مِنْ مَتَاعٍ، أَوْ حَيَوَانٍ فَلَا يَسْمَعُ الْحَاكِمُ مِمَّنْ مِنْهُ الدَّعْوَى.
فَإِنْ جَهِلَ الْمُدَّعِي حُكْمَهَا أَخْبَرَهُ بِسُقُوطِ حَقِّهِ فِيهَا.
وَأَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِيهَا فَشُفْعَةُ الْجَارِ، فَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ مِمَّنْ يَرَى وُجُوبَهَا سَمِعَ الدَّعْوَى فِيهَا، وَحَكَمَ بِهَا لِمُدَّعِيهَا، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَرَى وُجُوبَهَا لَمْ يَسْمَعِ الدَّعْوَى فِيهَا بِخِلَافِ الْبَيْعِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، لِأَنَّ فِي الْبَيْعِ عَقْدًا يَفْتَقِرُ إِلَى الْحَاكِمِ بِإِبْطَالِهِ فَلِذَلِكَ سَمِعَ فِيهِ الدَّعْوَى لِيَحْكُمَ بِإِبْطَالِهِ وَرَدِّ مَا تَقَابَضَاهُ، وَلَيْسَ هَذَا فِي الشُّفْعَةِ، لِأَنَّها مُجَرَّدُ دَعْوَى، يَبْطُلُ بِرَدِّهَا وَالْإِعْرَاضِ عَنْهَا، فَلِذَلِكَ مَا افْتَرَقَا.
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا الدَّعْوَى الْمُجْمَلَةُ فَكَقَوْلِهِ: لِي عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَالشَّيْءُ مَجْهُولٌ لِانْطِلَاقِهِ عَلَى كُلِّ مَوْجُودٍ مِنْ حَقٍّ وَبَاطِلٍ، وَصَحِيحٍ وَفَاسِدٍ، فَلَا يُسْمَعُ دَعْوَى الْمُجْمَلِ وَالْمَجْهُولِ، وَإِنْ سُمِعَ الْإِقْرَارُ، بِالْمُجَمَّلِ وَالْمَجْهُولِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الدَّعْوَى، وَالْإِقْرَارِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّ الْمُدَّعِي لَا يَجُوزُ أَنْ يَدَّعِيَ مَا أَشْكَلَ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: إِنَّ مُدَّعِيَ الْمَجْهُولِ مُقَصِّرٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، فَلَمْ تُسْمَعْ مِنْهُ، وَالْمُقِرُّ مُقَصِّرٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، فَأُضِرَّ بِهِ.
وَلَا يَلْزَمُ الْحَاكِمَ أَنْ يَسْتَفْسِرَهُ عَمَّا ادَّعَاهُ مِنْ مُجْمَلٍ، أَوْ مَجْهُولٍ، حتى يكون هو المبتدىء بِتَفْسِيرِهِ بِخِلَافِ مَا ذَكَرْنَا فِي الْوَجْهَيْنِ فِي اسْتِقْرَارِ الْمَقْصُودِ بِالدَّعْوَى، لِأَنَّ تِلْكَ مَعْلُومَةٌ سُئِلَ فِيهَا عَنْ مَقْصُودِهِ، وَهَذِهِ مَجْهُولَةٌ أَخْفَاهَا لِقَصْدِهِ، فإن قال له فسر ما
أجهلت لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّه تَلْقِينٌ وَإِنْ قَالَ لَهُ إِنْ فَسَّرْتَ مَا أَجْمَلْتَ جَازَ لِأَنَّه اسْتِفْهَامٌ، وَالْحَاكِمُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُلَقِّنَ وَيَجُوزَ أَنْ يَسْتَفْهِمَ.
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا الدَّعْوَى النَّاقِصَةُ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: نُقْصَانُ صِفَةٍ، وَنُقْصَانُ شَرْطٍ.
فَأَمَّا نُقْصَانُ الصِّفَةِ فَكَقَوْلِهِ: لِي عَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ، لَا يَصِفُهَا فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْهَا، وَلَا يَحْمِلَهَا عَلَى الْغَالِبِ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ فَإِنْ كَانَ إِطْلَاقُهَا فِي الْبَيْعِ مَحْمُولًا عَلَى الْغَالِبِ، لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ فِي الدَّعْوَى مِنْ غَيْرِهَا فَإِنْ كَانَتْ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ سَأَلَهُ عَنْهَا أَيْضًا، لِجَوَازِ أَنْ يُعْقَدَ بِغَيْرِهَا.
وَأَمَّا نُقْصَانُ الشَّرْطِ فَكَدَعْوَى عَقْدِ نِكَاحٍ، لَا يُذْكَرُ فِيهَا الْوَلِيُّ، أَوِ الشُّهُودُ فَلَا يَسْأَلُهُ الْحَاكِمُ عَنْ نُقْصَانِ الشرط، ويتوقف عن السماع، حتى يكون المبتدىء بِذِكْرِهِ، أَوْ لَا يَذْكُرُهُ فَيَطْرَحُهَا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ نُقْصَانِ الصِّفَةِ، وَلَا يَسْأَلَهُ عَنْ نُقْصَانِ الشَّرْطِ: أَنَّ نُقْصَانَ الصِّفَةِ لَا يَتَرَدَّدُ ذِكْرُهُ بَيْنَ صِحَّةٍ وَفَسَادٍ، فَجَازَ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْهُ وَنُقْصَانُ الشَّرْطِ يَتَرَدَّدُ ذِكْرُهُ بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْهُ.
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا الدَّعْوَى الزَّائِدَةِ فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ هَدْرًا غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ كَقَوْلِهِ: ابْتَعْتُ مِنْهُ هَذَا الْعَبْدَ فِي بَلَدِ كَذَا، أَوْ فِي سُوقِ كَذَا، فَلَا يُؤَثِّرُ فِي الدَّعْوَى وَيَطْرَحُ لِلْحَاكِمِ سَمَاعَهَا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ تَأْكِيدًا كَقَوْلِهِ: ابْتَعْتُ هَذَا الْعَبْدَ عَلَى أَنِّي إِنْ وَجَدْتُ بِهِ عَيْبًا رَدَدْتُهُ، أَوْ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ أَنِّي أَسْتَحِقُّ دَرَكَهُ فَلَا يَمْنَعُ الْحَاكِمُ مِنْ سَمَاعِهَا، وَإِنْ لَمْ تَحْتَجِ الدَّعْوَى إِلَيْهَا بِمَا أَوْجَبَهُ الشَّرْعُ مِنْ رَدِّ الْعَيْبِ، وَدَرْكِ الْمُسْتَحَقِّ، لِأَنَّ التَّأْكِيدَ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْعُقُودِ فَجَرَتِ الدَّعْوَى فِيهِ عَلَى المعهود.
والضرب الثلث: أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ مُنَافِيَةٌ لِمُوجَبِ الدَّعْوَى.
كَقَوْلِهِ: ابْتَعْتُ هَذَا الْعَبْدَ بِأَلْفٍ إِنِ اسْتَقَالَنِي أَقَلْتُهُ، وَإِنْ رَدَّهَا عَلَيَّ فَسَخْتُهُ فَهَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي الدَّعْوَى مُعْتَبَرَةٌ بِمَخْرَجِهَا مِنْهُ، فَإِنْ خَرَجَتْ مَخْرَجَ الْوَعْدِ بَعْدَ صِحَّةِ الْعَقْدِ، لَمْ تَمْنَعْ مِنْ صِحَّةِ الدَّعْوَى وَكَانَ ذِكْرُهَا حِكَايَةَ حَالٍ تَقِفُ عَلَى خِيَارِهِ، وَإِنْ خَرَجَتْ مَخْرَجَ الشَّرْطِ فِي الْعَقْدِ، أَبْطَلَ بِهَا الدَّعْوَى فَإِنْ قَصَدَ بِهَا تَمَلُّكَ الْمَبِيعِ لَمْ يَسْمَعْهَا وَإِنْ قَصَدَ بِهَا اسْتِرْجَاعَ الثَّمَنِ سَمِعَهَا.
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا الدَّعْوَى الْكَاذِبَةُ فَهِيَ الْمُسْتَحِيلَةُ: كَمَنِ ادَّعَى وَهُوَ بِمَكَّةَ أَنَّهُ نكح بالأمس فلانة بالبصرة.
أو ادعى ألآنه وَرِثَ هَذَا الْعَبْدَ مِنْ أَبِيهِ وَقَدْ وُلِدَ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ.
أَوِ ادَّعَى أَنَّ فُلَانًا جَرَحَهُ هَذِهِ الْجِرَاحَةَ فِي يَوْمِهِ، وَفُلَانٌ غَائِبٌ إِلَى نَظَائِرِ هَذَا مِنَ الدَّعَاوَى الْمُمْتَنِعَةِ فَتَكُونُ كَاذِبَةً، يُقْطَعُ بِكَذِبِ مُدَّعِيهَا، لَا يَسْمَعُهَا الْحَاكِمُ، وَإِنْ صَدَّقَهُ الْخَصْمُ عَلَيْهَا لِاسْتِحَالَتِهَا، وَتَزُولُ بِهَا عَدَالَةُ الْمُدَّعِي لِلْعِلْمِ بِكَذِبِهِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(فَصْلٌ)
: فَإِذَا صَحَّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ مُقَدِّمَاتِ هَذَا الباب، فالدعوى الصحيحة ممنوعة مِنْ كُلِّ جَائِزِ الْأَمْرِ فِيمَا يَدَّعِيهِ، عَلَى كُلِّ جَائِزِ الْأَمْرِ، فِيمَا يُدَّعَى عَلَيْهِ سَوَاءٌ عُرِفَ بَيْنَهُمَا مُعَامَلَةٌ، أَوْ لَمْ يُعْرَفْ، وَيُعْدِيهِ الْحَاكِمُ إِذَا اسْتَعْدَاهُ وَإِنْ جَلَّ قَدْرُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَتَصَوَّنَ.
وَقَالَ مَالِكٌ لَا يُعْدِ بهِ عَلَى أَهْلِ الصِّيَانَةِ، فَلَا يَسْتَحْضِرْهُ الْحَاكِمُ، إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ بَيْنَهُمَا مُعَامَلَةً، لِئَلَّا يَسْتَبْذِلَ أَهْلَ الصِّيَانَاتِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ " وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فَأَمَرَهُ بِالتَّسْوِيَةِ وَتَرَكِ الْمَيْلِ.
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي عَهْدِهِ إِلَى أبي موسى: آسي بين الناس في وجهك، وعدلك، ومجلسك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضَعِيفٌ فِي عَدْلِكَ.
وَقَدِ احْتَكَمَ عَلِيُّ بْنُ أبي طالب عليه السلام وَيَهُودِيٌّ إِلَى شُرَيْحٍ فِي حَالِ خِلَافَتِهِ فَلَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يُسَاوِيَ فِي الْمُحَاكَمَةِ بَيْنَ الْيَهُودِيِّ، وَبَيْنَ نَفْسِهِ، وَلِأَنَّ خُمُولَ الْمُدَّعِي لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ ذَا حَقٍّ، وَصِيَانَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ حَقٌّ.
وَلِأَنَّ الْمُعَامَلَةَ لَا تَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ الْحَقِّ، وَعَدَمُهَا لَا يَمْنَعُ مِنْ حُدُوثِ الْحَقِّ، فَلَمْ يَكُنْ لِاعْتِبَارِهَا فِي الدَّعَاوَى وَجْهٌ.
وَالَّذِي يَجُوزُ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ الْحَاكِمُ فِي تَحَاكُمِ أَهْلِ الصِّيَانَةِ أَنْ يميزهم عن مجالس العامة، ويفرد لمحاكمتهم مجالسا خَاصًا يُصَانُونَ بِهِ، عَنْ بِذْلَةِ الْعَامَّةِ، يُجْمَعُ فِيهِ بَيْنَهُمْ، وَبَيْنَ خُصُومِهِمْ، فَلَا تُرَدُّ فِيهِ الدعوى ولا تبتذل فيه الصيانة.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِذَا ادَّعَى الرَّجُلُ الشَّيءَ فِي يَدَيِ الرَّجُلِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لِمَنْ هُوَ فِي يَدَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ، لِأَنَّه أَقْوَى سَبَبًا فَإِنِ اسْتَوَى سَبَبُهُمَا فَهُمَا فِيهِ سَوَاءٌ فَإِنْ أَقَامَ الَّذِي لَيْسَ فِي يَدَيْهِ الْبَيِّنَةَ قِيلَ لِصَاحِبِ الْيَدِ الْبَيِّنَةُ الَّتِي لَا تَجُرُّ إِلَى أَنْفُسِهَا بِشَهَادَتِهَا أَقْوَى مِنْ كَيْنُونَةِ الشَّيءِ فِي يَدَيْكَ وَقَدْ يَكُونُ فِي يَدَيْكَ مَا لَا تَمْلِكُهُ فَهُوَ لِفَضْلِ قُوَةِ سَبَبِهِ عَلَى سَبَبِكَ فَإِنْ أَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً قِيلَ قَدِ اسْتَوَيْتُمَا فِي الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةِ والذي