الحاوي الكبيرصفحات 101-140
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب النذور

صفحات 101-140
عن هذه الطبعة
عَلَم
الماوردي
الكتاب
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
المؤلف
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
المحقق
الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1419 هـ -1999 م
عدد الأجزاء
19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

اثنين وعشرين يوما فأحلفهم في الحجر وَقَضَى عَلَيْهِمْ بِالدِّيَةِ فَقَالُوا مَا وَقَتْ أَمْوَالَنَا أَيْمَانَنَا وَلَا أَيْمَانُنَا أَمْوَالَنَا فَقَالَ حَقَنْتُمْ بأيمانكم دماءكم فخالفتم في ذلك عمر فلا أنتم أخذتم بكل حكمه ولا تركتموه ونحن نروي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بالإسناد الصحيح أنه بدأ في القسامة بالمدعين فلما لم يحلفوا قال تبرئكم يهود بخمسين يمينا وإذ قال تبرئكم يهود فلا يكون عليهم غرم ويروى عن عمر أنه بدى المدعى عليهم ثم رد اليمين على المدعين وهذان جميعا يخالفان ما رويتم عنه وَقَدْ أَجَزْتُمْ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَهُمْ غَيْرُ الذين شرط الله عز وجل أَنْ تَجُوزَ شَهَادَتُهُمْ وَرَدَدْتُمْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - في اليمين مع الشاهد قال فإنا أجزنا شهادة أهل الذمة بقول الله عز وجل ﴿أو آخران من غيركم﴾ قلت سمعت من أرضى يقول من غير قبيلتكم من المسلمين ويحتج بقول الله جل وعز ﴿تحبسونهما من بعد الصلاة﴾ قلت والمنزل فيه هذه الآية رجل من العرب فأجزت شهادة مشركي العرب بعضهم على بعض قال: لا، إلا شهادة أهل الكتاب قلت فإن قال قائل لا إلا شهادة مشركي العرب فما الفرق فقلت له أفتجيز اليوم شهادة أهل الكتاب على وصية مسلم كما زعمت أنها في القرآن؟ قال لا لأنها منسوخة قلت بماذا؟ قال بقول الله عز وجل ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ قلت فقد زعمت بلسانك أنك خالفت القرآن إذ لم يجز الله إلا مسلما فأجزت كافرا وقال لي قائل إذا نص الله حُكْمًا فِي كِتَابِهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَكَتَ عَنْهُ وَقَدْ بَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُحْدِثَ فِيهِ مَا لَيْسَ في القرآن قلت فقد نص الله عز وجل الوضوء في كتابه فأحدث فِيهِ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَنَصَّ مَا حَرَّمَ من النساء وَأَحَلَّ مَا وَرَاءَهُنَّ فَقُلْتَ لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلَا عَلَى خَالَتِهَا وَنَصَّ الْمَوَارِيثَ فقلت لَا يَرِثُ قَاتِلٌ وَلَا مَمْلُوكٌ وَلَا كَافِرٌ وإن كانوا ولدا أو والدا ونص حجب الأم بالإخوة فحجبتها بِأَخَوَيْنِ وَنَصَّ لِلْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ أَنْ تُمَسَّ نِصْفَ المهر ورفع العدة فقلت إِنْ خَلَا بِهَا وَلَمْ يَمَسَّهَا فَلَهَا الْمَهْرُ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ فَهَذِهِ أَحْكَامٌ مَنْصُوصَةٌ فِي الْقُرْآنِ فَهَذَا عِنْدَكَ خِلَافُ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَالْيَمِينُ مَعَ الشاهد لا يخالف ظاهر القرآن شيئا والقرآن عربي فيكون عاما يُرَادُ بِهِ الْخَاصَّ وَكُلُّ كَلَامٍ احْتَمَلَ فِي الْقُرْآنِ مَعَانِيَ فَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - تَدُلُّ عَلَى أَحَدِ مَعَانِيهِ مُوافِقَةً لَهُ لَا مخالفة للقرآن (قال الشافعي) رحمه الله وما تركنا من الحجة عليهم أكثر مما كتبناه وبالله التوفيق ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: يُرِيدُ الشَّافِعِيُّ بِمَنْ حَكَى عَنْهُ بَعْضَ النَّاسِ، إِمَّا مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ أَوْ غَيْرَهُ مِنْ فُقَهَاءِ الْعِرَاقِ أَنَّهُ اعْتَرَضَ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي حُكْمِهِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فِي

الْأَمْوَالِ دُونَ غَيْرِهَا، بِأَنَّهُ لَوْ أَقَامَ مَقَامَ الشَّاهِدَيْنِ فِي الْأَمْوَالِ، لَقَامَ مَقَامَهُمَا فِي غَيْرِ الْأَمْوَالِ، فَأَجَابَ الشَّافِعِيُّ عَنْ هَذَا، وَإِنْ كُنَّا قَدْ قَدَّمْنَا مِنْ دَلَائِلِ إِثْبَاتِهِ، وَنَفْيِهِ وَمَا أَوْضَحَ بِهِ الشَّافِعِيُّ حِجَاجَهُ، وَأَبْطَلَ بِهِ قَوْلَ مَنْ رَدَّ عَلَيْهِ، فَيَحْسُنُ تَوْضِيحُهُ، وَإِنْ تَقَدَّمَ مَا أَغْنَى عَنْهُ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ لِمَنْ عَارَضَهُ بِهَذَا الرَّدِّ: " أَنَا وَإِنْ أَعْطَيْتُ بِهَا "، يَعْنِي: بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ مَا أُعْطِي بِشَاهِدَيْنِ " فَلَيْسَ مَعْنَاهَا مَعْنَى شَاهِدٍ " يَعْنِي فَلَيْسَ مَعْنَاهَا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مَعْنَى شَاهِدٍ، وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَعْنَى شَاهِدٍ ثُمَّ بَيَّنَ له الشافعي فساد اعتراضه، فقال: " وأنت تبرىء الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِشَاهِدَيْنِ، وَبِيَمِينِهِ إِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، وَتُعْطِي الْمُدَّعِيَ حَقَّهُ بِنُكُولِ صَاحِبِهِ كَمَا تُعْطِي بِالشَّاهِدَيْنِ، أَفَمَعْنَى ذَلِكَ مَعْنَى شَاهِدَيْنِ؟ " يَعْنِي أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَبْرَأُ بِيَمِينِهِ كَمَا يبرأ بشاهدين، وإن لم تكن اليمين فِي كُلِّ مَوْضِعٍ كَالشَّاهِدَيْنِ، وَأَنَّهُ يُحْكَمُ لِلْمُدَّعِي بِنُكُولِ صَاحِبِهِ كَمَا يُحْكَمُ لَهُ بِشَاهِدَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ النُّكُولُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ كَالشَّاهِدَيْنِ صَحَّ، وَأَنَّ الْحُكْمَ بِالشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ فِي مَوْضِعٍ لَا يُوجِبُ الْحُكْمَ بِهِمْ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ، كَذَلِكَ الْحُكْمُ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ فِي مَوْضِعٍ لَا يُوجِبُ الْحُكْمَ بِهِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ، وَهَذَا جَوَابٌ مُقْنِعٌ.

(فَصْلٌ)

: وَحَكَى الشَّافِعِيُّ عَنِ الْمُعْتَرِضِ عَلَيْهِ اعْتِرَاضًا ثَانِيًا، فَقَالَ فِي الرَّدِّ عَلَى الْحُكْمِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ: " وَكَيْفَ يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ عَلَى وَصِيَّةٍ أَوْصَى بِهَا مَيِّتٌ أَوْ أَنَّ لِأَبِيهِ حَقًّا عَلَى رَجُلٍ آخَرَ، وَهُوَ صَغِيرٌ؟ وَهُوَ إِنْ حَلَفَ حَلَفَ عَلَى مَا لَا يَعْلَمُ "؟ يُرِيدُ الْمُعْتَرِضُ بِهَذَا الْفَصْلِ أَنْ اليمين تَكُونَ فِيمَا يَقْطَعُ الْحَالِفُ بِصِحَّتِهِ، وَأَنْتُمْ تُحَلِّفُونَهُ مَعَ شَاهِدِهِ فِيمَا لَا يَقْطَعُ بِصِحَّتِهِ مِنْ وَصِيَّةِ مَيِّتٍ لَهُ وَفِي دَيْنِ أَبِيهِ إِذَا مَاتَ عَنْهُ، وَهُوَ صَغِيرٌ، وَهُوَ لَا يَقْطَعُ بِصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ، وَلَا بِاسْتِحْقَاقِ الدَّيْنِ؟ . فَأَجَابَ الشَّافِعِيُّ عَنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ بِرَدِّهِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ قَالَ لِلْمُعْتَرِضِ: " وَأَنْتَ تُجِيزُ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّ فُلَانَ ابْنُ فُلَانٍ، وَأَبُوهُ غَائِبٌ لَمْ يَرَ أَبَاهُ قَطُّ "، يَعْنِي فِي الشَّاهِدِ يَشْهَدُ لَهُ بِالنَّسَبِ أَوْ فِي الْوَلَدِ يَحْلِفُ عَلَى نَسَبِهِ، وَإِنْ لَمْ يَرَ أَبَاهُ، وَلَا سَبِيلَ لَهُمَا إِلَى الْقَطْعِ بِصِحَّةِ النَّسَبِ، فَلَمْ يَمْتَنِعْ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، لِأَنَّ لِلْحَالِفِ طَرِيقًا إِلَى الْعِلْمِ بِهِ مِنْ وَجْهٍ يَقَعُ فِي نَفْسِهِ صِدْقُهُ إِمَّا مِنْ أَخْبَارٍ تَوَاتَرَ الْقَطْعُ بِهَا، وَإِمَّا أَخْبَارُ آحَادٍ يَقَعُ فِي النَّفْسِ صِدْقُهَا.
وَالثَّانِي: إِنْ قَالَ لِلْمُعْتَرِضِ: " وَأَنْتَ تُحَلِّفُ ابْنَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً مَشْرِقِيًّا اشْتَرَى عَبْدًا ابْنَ مِائَةِ سَنَةٍ مَغْرِبِيًّا وُلِدَ قَبْلَ جَدِّهِ، فَبَاعَهُ، فَآبِقَ، أَنَّكَ تُحَلِّفُهُ، لَقَدْ بَاعَهُ بَرِيئًا مِنَ الْإِبَاقِ عَلَى الْبَتِّ، فَأَجَابَهُ الْمُخَالِفُ بِأَنْ قَالَ: " مَا يَجِدُ النَّاسُ بُدًّا مِنْ هَذَا "، وَهَذَا اعْتِذَارُ مَنْ يَضِيقُ عَلَيْهِ الِانْفِصَالُ، وَلَيْسَ بِجَوَابٍ.

وَطُرُقُ الْعِلْمِ فِي هَذَا مُمْتَنِعَةٌ، وَلَا يُمْنَعُ مِنَ الْيَمِينِ فِيهِ عَلَى الْبَتِّ، فَكَيْفَ يُمْنَعُ مِنْهَا مَعَ الشَّاهِدِ فِيمَا تَكْثُرُ طُرُقُ الْعِلْمِ بِصِحَّتِهِ.
فَأَمَّا مَذْهَبُنَا فِي يَمِينِ هَذَا الصَّبِيِّ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنْ يَمِينَهُ عَلَى الْبَتِّ وَالْقَطْعِ، كَقَوْلِ الْعِرَاقِيِّينَ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ الشَّافِعِيُّ عَلَى وَجْهِ الْمُعَارَضَةِ دُونَ الْإِنْكَارِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُحْلِفَهُ عَلَى الْعِلْمِ دُونَ الْقَطْعِ، فَيَحْلِفُ بِاللَّهِ لَقَدْ بَاعَهُ، وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُ آبِقٌ، لِأَنَّهُ غَايَةُ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ ذِكْرُ الشَّافِعِيِّ لَهُ عَلَى وَجْهِ الْمُعَارَضَةِ، وَإِنْكَارِ إِحْلَافِهِ عَلَى الْبَتِّ.

(فَصْلٌ)

: وَحَكَى الشَّافِعِيُّ عَنْهُ اعْتِرَاضًا ثَالِثًا، قَدَحَ بِهِ فِي خَبَرِ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، أَنَّ الزُّهْرِيَّ أَنْكَرَهَا، فَجَعَلَ إِنْكَارَ الزُّهْرِيِّ قَدْحًا فِي الْخَبَرِ، وَمَانِعًا مِنَ الْعَمَلِ بِهِ.
وَأَجَابَ الشَّافِعِيُّ عَنْهُ بِجَوَابَيْنِ، وَأَجَابَ أَصْحَابُهُ عَنْهُ بِجَوَابَيْنِ.
أَحَدُ جَوَابَيِ الشَّافِعِيِّ مَا رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ قَضَاءً بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ حِينَ وَلَّى، وَلَا يَثْبُتُ إِنْكَارُهَا مَعَ الْعَمَلِ بِهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدْ أَنْكَرَ عَلَى مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ مَا رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍّ أَنَّ زَوْجَهَا مَاتَ عَنْهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَقَدْ نَكَحَهَا عَلَى غَيْرِ صَدَاقٍ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - جَعَلَ لَهَا الْمَهْرَ وَالْمِيرَاثَ.
وَوَافَقَ عَلِيًّا فِي إِنْكَارِهِ عَلَى مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ مِنْ جُلَّةِ الصَّحَابَةِ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، فَعَمِلَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ، وَلَمْ يَرُدُّهُ بِإِنْكَارِ عَدَدٍ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ.
وَرَدَّ عَلَيْنَا حَدِيثَ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ بِإِنْكَارِ الزُّهْرِيِّ، وَهُوَ وَاحِدٌ مِنَ التَّابِعِينَ، وَأَحَدُ جَوَابَيْ أَصْحَابِهِ أَنَّ إِنْكَارَ الزُّهْرِيِّ لِلْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ إِنَّمَا كَانَ فِي الدِّمَاءِ دُونَ الْأَمْوَالِ حِينَ بَلَغَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَضَى بِهِ فِي الشِّجَاجِ.
وَالثَّانِي: إِنَّهُ قَدْ تَقَابَلَ فِي الزُّهْرِيِّ إِنْكَارُهُ وَعَمَلُهُ، فَسَقَطَا بِالْمُعَارَضَةِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي أَحَدِهِمَا حُجَّةٌ.

(فَصْلٌ)

: ثُمَّ إِنَّ الشَّافِعِيَّ عَارَضَهُمْ فِي هَذَا الْفَصْلِ الرَّابِعِ، بِمَا تَنَاقَضَتْ فِيهِ مَذَاهِبُهُمْ، وَخَالَفُوا بِهِ أُصُولَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّهُمْ حَكَمُوا فِي الِاسْتِهْلَالِ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ مِمَّا يَرَاهُ الرِّجَالُ، وَهَذَا إِنَّمَا أَوْرَدَهُ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُمْ مَنَعُوا مِنَ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدِ اسْتَوْفَى الشَّهَادَاتِ فِي كِتَابِهِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْيَمِينَ مَعَ الشَّاهِدِ، فَصَارَ زَائِدًا عَلَى النَّصِّ

الْمُفْضِي إِلَى النَّسْخِ، فَأَوْرَدَ عَلَيْهِمْ شَهَادَةَ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ فِي الِاسْتِهْلَالِ عِنْدَ التَّنَازُعِ فِيهِ وَلَيْسَتِ الْمَرْأَةُ الْوَاحِدَةُ بِبَيِّنَةٍ، وَلَا لَهَا فِي النَّصِّ ذِكْرٌ، وَالشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ أَقْوَى مِنْهَا، فَكَيْفَ رَدَدْتُمُ الْأَقْوَى، وَأَجَزْتُمُ الْأَضْعَفَ؟ ، وَجَعَلْتُمُ الْأَقْوَى زَائِدًا عَلَى النَّصِّ الْمُفْضِي إِلَى النَّسْخِ، وَلَمْ تَجْعَلُوا ذَلِكَ فِي الْأَضْعَفِ؟ هَلْ هُوَ إِلَّا تَنَاقُضٌ فِي الْقَوْلِ وَإِبْطَالٌ لِمَعْنَى النَّصِّ فِي شَهَادَةِ النِّسَاءِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: 282] ، فَاقْتَصَرُوا عَلَى الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ، وَإِنْ لَمْ تُذَكِّرْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى.
وَالثَّانِي: إِنْ قَالَ لِمُعْتَقِدِ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ: كَيْفَ حَكَمْتَ عَلَى أَهْلِ مَحَلَّةٍ، وَعَلَى عَوَاقِلِهِمْ بِدِيَةِ الْمَوْجُودِ قَتِيلًا فِي مَحَلَّتِهِمْ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ؟ وَزَعَمْتَ أَنَّ الْقُرْآنَ يُحَرِّمُ أَنْ يَجُوزَ أَقَلُّ مِنْ شَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَزَعَمْتَ أَنَّ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ بَرَاءَةٌ لِمَنْ حَلَفَ، فَخَالَفْتَ فِي جُمْلَةِ قَوْلِكَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ؟ وَأَرَادَ الشَّافِعِيُّ بِهَذَا الرَّدَّ عَلَيْهِمْ فِي أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّهُمْ أَجَازُوا فِي الْقَسَامَةِ مَا تُمْنَعُ مِنْهُ الأصول بغير أصل، وردوا اليمين مَعَ الشَّاهِدِ، وَهُوَ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِلْأُصُولِ، وَلَهُ فِيهِ أَصْلٌ.
وَالثَّانِي: إِنَّ السُّنَّةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ مُبَرِّئَةٌ، وَهُمْ جَعَلُوهَا، مُلْزِمَةً، فَعَلَّقُوا عَلَيْهَا ضِدَّ مُوجِبِهَا، وَلَيْسَ يَتَعَلَّقُ عَلَى الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ ضِدُّ مُوجِبِهِ، فَأَجَابُوهُ عَنِ اعْتِرَاضِهِ عَلَيْهِمْ بِهَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ بِأَنْ قَالُوا: رَوَيْنَا هَذَا عَنْ عُمَرَ، فَاتَّبَعْنَاهُ، وَكَانَ أَصْلًا فِيهِ، فَرَدَّ الشَّافِعِيُّ عَلَيْهِمْ هَذَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: قَالَ: إِنَّ عُمَرَ لَا يَسْتَجِيزُ أَنْ يُخَالَفَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَقَوْلُهُ فِي نَفْسِهِ: " الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ "، وَقَدْ جَعَلُوهُ بِهَذَا مُخَالِفًا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَقَوْلِ نَفْسِهِ.
وَرَدَدْتُمُ الْيَمِينَ مَعَ الشَّاهِدِ، وَفِيهِ سُنَّةٌ لَا تُخَالِفُ الْكِتَابَ، وَلَا السُّنَّةَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ قَالَ: قَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ مَا لَمْ يَعْمَلُوا بِهِ، وَخَالَفْتُمُوهُ فِي أَرْبَعَةِ أَحْكَامٍ: أَحَدُهَا: إِنَّهُ جَلَبَهُمْ إِلَى مَكَّةَ مِنْ مَسِيرَةِ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَهُمْ لَا يَرَوْنَ نَقْلَ الْخَصْمِ مِنْ بَلَدِهِ إِلَى غَيْرِ بَلَدِهِ.
وَالثَّانِي: إِنَّهُ أَحْلَفَهُمْ فِي الْحِجْرِ، تَغْلِيظًا بِالْمَكَانِ، وَهُمْ لَا يَرَوْنَ تَغْلِيظَ الْأَيْمَانِ بِالْمَكَانِ.
وَالثَّالِثُ: إِنَّهُ اخْتَارَ مِنْ أَهْلِ الْحِجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا أَحْلَفَهُمْ، وَهُمْ يَجْعَلُونَ الْخِيَارَ لِوَلِيِّ الدَّمِ دُونَ الْوَالِي.

وَالرَّابِعُ: إِنَّهُ أَلْزَمَهُمُ الدِّيَةَ، لَمَّا حَلَفُوا، فَقَالُوا: مَا وَفَّتْ أَمْوَالُنَا أَيْمَانَنَا، وَلَا أَيْمَانُنَا أَمْوَالَنَا، فَقَالَ: حَقَنْتُمْ بِأَيْمَانِكُمْ دِمَاءَكُمْ، فَصَرَّحَ بِأَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَحْلِفُوا أُقِيدُوا، وَهُمْ لَا يَرَوْنَ الْقَوَدَ، فَلَا بِكُلِّ قَوْلِ عُمَرَ أَخَذُوا، وَلَا لِجَمِيعِهِ رَدُّوا، فَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ حُجَّةً فِيمَا أَخَذُوهُ كَانَ حُجَّةً فِيمَا رَدُّوهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً فِيمَا رَدُّوهُ، فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ فِيمَا أَخَذُوهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: إِنْ قَالَ لَهُمْ: عَمِلْتُمْ بِقَوْلِ عُمَرَ فِي الْقَسَامَةِ بِمَا يُخَالِفُ الْأُصُولَ، وَلَمْ تَعْمَلُوا بِقَوْلِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ وَهُوَ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِلْأُصُولِ، وَهُوَ حُجَّةٌ تَدْفَعُ قَوْلَ عُمَرَ، وَلَيْسَ قَوْلُ عُمَرَ حُجَّةً تَدْفَعُ قَوْلَ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، وَمَا خَالَفَ الْأُصُولَ مُمْتَنِعٌ، وَمَا لَمْ يُخَالِفْهَا فَتَبَعٌ، فَعَمِلُوا بِخِلَافِ مَا أَوْجَبَهُ الشَّرْعُ، وَرَدُّوا مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ.

(فَصْلٌ)

: وَعَارَضَهُمُ الشَّافِعِيُّ بِهَذَا الْفَصْلِ الْخَامِسِ، فَقَالَ: وَقَدْ أَجَزْتُمْ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَهُمْ غَيْرُ الَّذِينَ شَرَطَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ تَجُوزَ شَهَادَتُهُمْ، وَرَدَدْتُمْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ؟ يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَطَ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282] ، وليس الكفار بمرضيين، ولا يجعلوه مُخَالِفًا لِلنَّصِّ، وَيَجْعَلُونَ الْقَضَاءَ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، وَلَيْسَ بِمُخَالِفٍ لِلنَّصِّ، مُخَالِفًا لِلنَّصِّ، فَأَجَابُوهُ بِمَا حَكَاهُ عَنْهُمْ أَنْ قَالُوا: إِنَّمَا أَجَزْنَا شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ، بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: 106] ، فَأَبْطَلَ جَوَابَهُمْ مِنْ أَرْبَعَةِ أوجه: الأول: إِنْ قَالَ: سَمِعْتُ مَنْ أَرْضَى بِقَوْلِهِ: " مِنْ غَيْرِ قَبِيلَتِكُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ " وَلَئِنْ تَرَدَّدَ التَّأْوِيلُ بَيْنَ احْتِمَالَيْنِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ دَيْنِكُمْ، وَمِنْ غير أهل قبلتكم فَحَمْلُهُ عَلَى غَيْرِ أَهْلِ الْقَبِيلَةِ، لِمُوافَقَةِ النَّصِّ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى غَيْرِ أَهْلِ الدَّيْنِ لِمُخَالَفَةِ النَّصِّ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ [المائدة: 106] . وَالثَّانِي: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْعَرَبِ، وَكُفَّارُهُمْ مُشْرِكُونَ لَا يَقْبَلُ أَبُو حَنِيفَةَ شَهَادَتَهُمْ، وَإِنَّمَا يَقْبَلُ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْكِتَابِ.
وَالثَّالِثُ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي وَصِيَّةِ مُسْلِمٍ، وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يُجِيزُ شَهَادَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ لِمُسْلِمٍ، وَلَا عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُجِيزُهَا لِبَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، فَإِنَّهُ مَنَعَ مِنْهَا فِي الْمُسْلِمِ مَعَ مَجِيءِ الْقُرْآنِ بِهَا، لِأَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ عِنْدَهُ، وَرَدَّ شَهَادَةَ أَهْلِ الشِّرْكِ عُمُومًا، وَفِي أَهْلِ الْكِتَابِ لِمُسْلِمٍ، وَعَلَى مُسْلِمٍ.
فَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، فَقَالَ: " بِمَاذَا نُسِخَتْ "؟ ، فَقَالَ: بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282] ، فَأَجَابَهُ الشَّافِعِيُّ عَنْهُ، فَقَالَ: زَعَمْتَ بلسانك

أَنَّكَ خَالَفْتَ الْكِتَابَ إِذْ لَمْ يُجِزِ اللَّهُ إِلَّا مُسْلِمًا، وَأَجَزْتَ كَافِرًا.

(فَصْلٌ)

: وَحَكَى الشَّافِعِيُّ عَنْهُمْ فِي هَذَا الْفَصْلِ السَّادِسِ أَنَّهُ إِذَا نَصَبَ اللَّهُ تَعَالَى حُكْمًا فِي كِتَابِهِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَكَتَ عَنْهُ، وَقَدْ بَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُحْدِثَ فِيهِ مَا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ.
مُرَادُهُمْ بِهَذَا: أَنْ يَمْنَعُوا مِنَ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ بَيَّنَ الشَّهَادَاتِ، فَاقْتَضَى أَنْ تَكُونَ مَقْصُورَةً عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ الْكِتَابُ، وَلَيْسَ فِيهِ الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ، وَهَذَا مِمَّا يُخَالِفُهُمْ فِيهِ الشَّافِعِيُّ حُكْمًا وَوُجُودًا، فَحَكَى مِنْ وُجُودِهِ مَا وَافَقُوا عَلَيْهِ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِهِ، فَقَالَ: " قَدْ نَصَّ اللَّهُ الْوُضُوءَ فِي كِتَابِهِ، فَأَجَزْتَ فِيهِ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَنَصَّ مَا حَرَّمَ مِنَ النِّسَاءِ فِي كِتَابِهِ، وَأَحَلَّ مَا وَرَاءَهُنَّ، فَقُلْتَ: لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا، وَلَا عَلَى خَالَتِهَا، وَنَصَّ الْمَوَارِيثَ، فَقَالَ: " لَا يَرِثُ قَاتِلٌ وَلَا مَمْلُوكٌ، وَلَا كَافِرٌ، وَإِنْ كَانُوا وَلَدًا أَوْ وَالِدًا "، وَحَجَبَ الْأُمَّ بِالْإِخْوَةِ كَحَجَبْتَهَا بِأَخَوَيْنِ، وَنَصَّ لِلْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ أَنْ تُمَسَّ نِصْفَ الْمَهْرِ، وَرَفْعَ الْعِدَّةِ، وَقُلْتُ: إِنْ خَلَا بِهَا، وَلَمْ يَمَسَّهَا فَلَهَا الْمَهْرُ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، فَهَذِهِ أَحْكَامٌ مَنْصُوصَةٌ فِي الْقُرْآنِ، فَهَذَا عِنْدَكَ خِلَافُ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ، وَالْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ لَا يُخَالِفُ مِنْ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ شَيْئًا.
فَبَيَّنَ الشَّافِعِيُّ وُجُودَهُ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِهِ، ثُمَّ أَوْضَحَ طَرِيقَ جَوَازِهِ، فَقَالَ: " وَالْقُرْآنُ عَرَبِيٌّ، فَيَكُونُ عَامُّ الظَّاهِرِ يُرَادُ بِهِ الْخَاصَّ، وَكُلُّ كَلَامٍ احْتَمَلَ فِي الْقُرْآنِ مَعَانِيَ، فَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - تَدُلُّ عَلَى أَحَدِ مَعَانِيهِ، مُوافِقَةً لَهُ لَا مُخَالِفَةً لِلْقُرْآنِ ". يُرِيدُ بِذَلِكَ إِنَّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ عَامٍّ وَمُجْمَلٍ، فَفِي سُنَّةِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - تَخْصِيصُ مَا أُرِيدَ بِالْعُمُومِ، وَتَفْسِيرُ مَا أُرِيدَ بِالْمُجْمَلِ، فَلَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يُبَيِّنَ بِسُنَّتِهِ فِي الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ مَا يَكُونُ مُوافِقًا لِلْقُرْآنِ، وَغَيْرَ مُخَالِفٍ لَهُ، فَهَذِهِ سِتَّةُ أُصُولٍ أَوْرَدَهَا الشَّافِعِيُّ بَيْنَ ثَلَاثَةِ فُصُولٍ مِنْهَا، فَسَادُ مَا اعْتَرَضَ بِهِ الْمُخَالِفُ، وَبَيْنَ ثَلَاثَةٍ مِنْهَا تُنَاقِضُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمُخَالِفُ عَلَى أَوْضَحِ شَرْحٍ وبيان، وبالله التوفيق.

(باب موضع اليمين)

(مسألة)

: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " مَنِ ادَّعَى مَالًا فَأَقَامَ عَلَيْهِ شَاهِدًا أَوِ ادُّعِيَ عَلَيْهِ مَالٌ أَوْ جِنَايَةُ خَطَأٍ بِأَنْ بَلَغَ ذَلِكَ عِشْرِينَ دِينَارًا أَوِ ادَّعَى عَبْدٌ عِتْقًا تَبْلُغُ قِيمَتُهُ عِشْرِينَ دِينَارًا أَوِ ادَّعَى جِرَاحَةَ عَمْدٍ صَغُرَتْ أَوْ كَبُرَتْ أَوْ فِي طَلَاقٍ أَوْ لِعَانٍ أَوْ حَدٍّ أَوْ رَدِّ يَمِينٍ فِي ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ بِمَكَّةَ كَانَتِ الْيَمِينُ بَيْنَ الْمَقَامِ وَالْبَيْتِ وَإِنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ كَانَتْ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَإِنْ كَانَتْ بِبَلَدٍ غَيْرِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ أُحْلِفَ بَعْدَ الْعَصْرِ فِي مَسْجِدِ ذَلِكَ الْبَلَدِ بِمَا تُؤَكَّدُ بِهِ الْأَيْمَانُ وَيُتْلَى عَلَيْهِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قليلا﴾ الْآيَةَ قَالَ وَهَذَا قَوْلُ حُكَّامِ الْمَكِّيِّينَ وَمُفْتِيهِمْ ومن حجتهم فيه أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ رَأَى قَوْمًا يحلفون بين المقام والبيت فَقَالَ أَعْلَى دَمٍ؟ قَالُوا لَا قَالَ أَفَعَلَى أمر عظيم؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَتَهَاوَنَ النَّاسُ بِهَذَا الْمَقَامِ قال فذهبوا إلى أن العظيم من الأموال ما وصفت من عشرين دينارا فصاعدا قال ابن أبي مليكة كَتَبَ إِلَيَّ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي جَارِيَتَيْنِ ضَرَبَتْ إحداهما الأخرى أَنْ أَحْبِسَهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ ثُمَّ أَقْرَأَ عَلَيْهِمَا ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قليلا﴾ ففعلت فاعترفت قال واستدللت بقول الله جل ثناؤه ﴿تحبسونهما من بعد الصلاة﴾ قال المفسرون صلاة العصر على تأكيد اليمين على الحالف في الوقت الذي تعظم فيه اليمين وبكتاب أبي بكر الصديق رضي الله عنه يحلف عند المنبر مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وما بلغني أن عمر حلف عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - في خصومة بينه وبين رجل وأن عثمان ردت عليه اليمين على المنبر فاتقاها وقال أخاف أن توافق قدر بلاء فيقال بيمينه قال وبسنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وأصحابه وأهل العلم ببلدنا دار السنة والهجرة وحرم الله عز وجل وحرم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اقتدينا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْأَيْمَانُ مَوْضُوعَةٌ لِلزَّجْرِ، حَتَّى لَا يَتَعَدَّى طَالِبٌ، وَلَا مَطْلُوبٌ، فَجَازَ تَغْلِيظُهَا بِمَا سَاغَ فِي الشَّرْعِ مِنَ التَّغْلِيظِ بِالْمَكَانِ وَالزَّمَانِ، وَالْعَدَدِ، وَاللَّفْظِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ، وَأَهْلِ الْحَرَمَيْنِ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.

وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ تَغْلِيظَهَا بِالْعَدَدِ، وَاللَّفْظِ، وَمَنَعَ مِنْ تَغْلِيظِهَا بِالْمَكَانِ وَالزَّمَانِ، وَاسْتَبْدَعَهُ مِنَ الْحُكَّامِ احْتِجَاجًا بِرِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ " فأطلق اليمين، كما أطلق البينة، فَوَجَبَ أَنْ تُحْمَلَ عَلَى إِطْلَاقِهَا مِنْ غَيْرِ تَغْلِيظٍ بِمَكَانٍ وَزَمَانٍ كَمَا حُمِلَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَى إِطْلَاقِهَا مِنْ غَيْرِ تَغْلِيظٍ بِمَكَانٍ وَزَمَانٍ وَلِأَنَّ اليمين حُجَّةَ الْمَطْلُوبِ، وَالْبَيِّنَةُ حُجَّةُ الطَّالِبِ.
فَلَوْ جَازَ التَّغْلِيظُ فِي حُجَّةِ أَحَدِهِمَا لَجَازَ فِي حُجَّتِهِمَا، لِوُجُوبِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا.
وَفِي سُقُوطِهَا مِنْ حُجَّةِ الطَّالِبِ دَلِيلٌ عَلَى سُقُوطِهَا مِنْ حُجَّةِ الْمَطْلُوبِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ تَغْلِيظُهُمَا فِي بَعْضِ الْحُقُوقِ لَجَازَ تَغْلِيظُهُمَا فِي جَمِيعِ الْحُقُوقِ، لِأَنَّ مَا اسْتُحِقَّ فِي الْكَثِيرِ كَانَ مُسْتَحَقًّا فِي الْقَلِيلِ، كَالْبَيِّنَةِ وَالْيَمِينِ، فَلَمَّا لَمْ يُعْتَبَرِ التَّغْلِيظُ فِي الْقَلِيلِ لَمْ يُعْتَبَرْ فِي الْكَثِيرِ.
وَدَلِيلُنَا: مَا رَوَاهُ صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " مَنْ حَلَفَ عِنْدَ مِنْبَرِي (وَرُوِيَ: عَلَى مِنْبَرِي) بِيَمِينٍ آثِمَةٍ، تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ولو قَضِيبٍ مِنْ أَرَاكٍ ". فَدَلَّ عَلَى أَنَّ تَغْلِيظَ الْيَمِينِ بِالْمِنْبَرِ مَشْرُوعٌ، وَالْحَالِفُ عِنْدَهُ مَزْجُورٌ، وَلِأَنَّ عَمَلَ الصَّحَابَةِ بِهِ شَائِعٌ، وَإِجْمَاعَهُمْ عَلَيْهِ مُنْعَقِدٌ.
رَوَى الْمُهَاجِرُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقِ إِنْ أَبْعَثَ إِلَيْهِ بِقَيْسِ بْنِ الْمَكْشُوحِ فِي وِثَاقٍ، فَبَعَثْتُ بِهِ، فَأَحْلَفَهُ فِي قَتْلٍ عَلَى الْمِنْبَرِ خَمْسِينَ يَمِينًا.
وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ فِي خُصُومَةٍ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي أَرْضٍ، فَحَلَفَ عَلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ وَهَبَ لَهُ الْأَرْضَ بَعْدَ يَمِينِهِ.
وَأَحْلَفَ عُمَرُ أَهْلَ الْقَسَامَةِ فِي الْحِجْرِ.
وَرُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ فِي أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَاتَّقَاهَا، وَدَفَعَ الْمَالَ، وَقَالَ: أَخَافُ أَنْ يُوافِقَ قَدَرَ بَلَاءٍ، فَيُقَالَ: بِيَمِينِهِ ". وَرُوِيَ أَنَّ ابْنَ أَبِي مُطِيعٍ، وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ اخْتَصَمَا إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، وَكَانَ وَالِيًا عَلَى الْمَدِينَةِ، فَتَوَجَّهَتِ الْيَمِينُ عَلَى زَيْدٍ، فَأَمَرَهُ مَرْوَانُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَجَعَلَ زَيْدٌ يَمْتَنِعُ، وَيَحْلِفُ بِاللَّهِ أَنَّ حَقَّهُ لَحَقٌّ، فَقَالَ مَرْوَانُ: لَا وَاللَّهِ إِلَّا عِنْدَ مَقَاطِعِ الْحُقُوقِ، فَامْتَنَعَ، وَجَعَلَ مَرْوَانُ يَعْجَبُ من ذلك ".

قَالَ مَالِكٌ: أَكْرَهُ حَبْسَ الْيَمِينِ.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ ابْنُ عَبَّاسٍ في جارية ضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى، فَكَتَبَ إِلَيَّ أَنْ أَحْبِسَهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ، ثُمَّ أَقْرَأَ عَلَيْهِمَا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [آل عمران: 77] فَفَعَلْتُ، فَاعْتَرَفَتْ.
وَرُوِيَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ رَأَى قَوْمًا يَحْلِفُونَ بَيْنَ الْبَيْتِ وَالْمَقَامِ، فَقَالَ: أَعْلَى دَمٍ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: أَفَعَلَى عَظِيمٍ مِنَ الْمَالِ؟ قَالُوا: لَا.
قَالَ: لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَهْزَأَ النَّاسُ بِهَذَا الْمَقَامِ.
فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ يَحْلِفُونَ فِيهِ عَلَى الدَّمِ، وَعَلَى عَظِيمٍ مِنَ الْمَالِ، فَهَذَا مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ مَنْ ذَكَرْنَا مِنَ الصَّحَابَةِ قَوْلًا وَعَمَلًا، وَلَيْسَ يُعْرَفُ لَهُمْ فِيهِ مُخَالِفٌ، فَثَبَتَ أَنَّهُ إِجْمَاعٌ فَإِنْ قِيلَ: امْتِنَاعُ زَيْدٍ مِنَ الْيَمِينِ عَلَى الْمِنْبَرِ دَلِيلٌ عَلَى خِلَافِهِ، وَارْتِفَاعِ الْإِجْمَاعِ قِيلَ: لَمْ يَمْتَنِعْ إِلَّا لِلتَّوَقِّي دُونَ الْخِلَافِ، وَلَوْ لَمْ يَرَهُ جَائِزًا، لَأَنْكَرَهُ عَلَى مَرْوَانَ، فَقَدْ كَانَ يُنْكِرُ عَلَيْهِ كَثِيرًا مِنْ أَفْعَالِهِ، فَيُطِيعُهُ مَرْوَانُ، حَتَّى قَالَ لَهُ ذَاتَ يَوْمٍ بِمَشْهَدِ الْمَلَأِ: إِنَّكَ أَحْلَلْتَ الرِّبَا، فَقَالَ مَرْوَانُ: مَعَاذَ اللَّهِ! ، فَقَالَ زَيْدٌ: إِنَّ النَّاسَ يَتَبَايَعُونَ الْأَمْلَاكَ بِالصُّكُوكِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضُوا، فَوَجَّهَ مَرْوَانُ مُسْرِعًا، فَمَنَعَهُمْ مِنْ ذَلِكَ طَاعَةً لِزَيْدٍ.
وَقَدْ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ : إِنَّهَا بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ فِي أَيْمَانِ مَنْ نَزَلَتْ فِيهِ الْآيَةُ مِنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، وَعَدَيِّ بْنِ زَيْدٍ.
أَوْ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ مَوْضُوعَةٌ لِلزَّجْرِ، والزمان والمكان أزجر، فكان بِاسْتِعْمَالِهِ فِي الْأَيْمَانِ أَجْدَرَ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ تَغْلِيظُهَا بِالْعَدَدِ وَاللَّفْظِ، جَازَ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ خَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَهُوَ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ وُجُوبُ الْيَمِينِ دُونَ صِفَتِهَا، وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اعْتِبَارِهِمْ بِالْبَيِّنَةِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّ الْبَيِّنَةَ لَا تَشْهَدُ بِحَقٍّ لَهَا، فَارْتَفَعَتِ التُّهْمَةُ عَنْهَا، فَاسْتَغْنَتْ عَنِ الزَّجْرِ، وَالْحَالِفُ يُثْبِتُ حَقًّا لِنَفْسِهِ.
وَالثَّانِي: إِنَّ زَجْرَ الْبَيِّنَةِ يُفْضِي إِلَى تَوَقُّفِهَا عَنْ مَا لَزِمَهَا مِنْ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، وَذَلِكَ مَعْصِيَةٌ يُخَالِفُ بِهَا حُكْمَ الْحَالِفِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ جَمْعِهِمْ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّ الْقَلِيلَ يُكْتَفَى فِي الزَّجْرِ عَنْهُ بِالْيَمِينِ، وَالْكَثِيرُ لَا يُكْتَفَى فِيهِ بِالْيَمِينِ حَتَّى يَقْتَرِنَ بِهَا مَا يَزْجُرُ عَنِ الكثير.

وَالثَّانِي: إِنَّ الشَّرْعَ لَمَّا فَرَّقَ بَيْنَ قَلِيلِ الْمَالِ وَكَثِيرِهِ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ، وَقَطْعِ السَّرِقَةِ لَمْ يَمْنَعْ مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فِي التَّغْلِيظِ.

(فَصْلٌ)

: فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ التَّغْلِيظِ فِي الْأَيْمَانِ بِالْمَكَانِ وَالزَّمَانِ فَهُوَ مَشْرُوعٌ، وَلَيْسَ بِمُسْتَبْدَعٍ، وَهُوَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مُسْتَبْدَعٌ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، وَعَلَيْهِ وَقَعَ الْخِلَافُ.
وَالْكَلَامُ فِي التَّغْلِيظِ يَشْتَمِلُ عَلَى فَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: جِنْسُ مَا تُغَلَّظُ فِيهِ الْأَيْمَانُ مِنَ الْحُقُوقِ.
وَالثَّانِي: صِفَةُ التَّغْلِيظِ بِمَكَانِهِ وَزَمَانِهِ.
فَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِيمَا تُغَلَّظُ فِيهِ الْأَيْمَانُ مِنَ الْحُقُوقِ، فَفِيهِ لِلْفُقَهَاءِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ طَائِفَةٍ مِنْ حُكَّامِ الْحِجَازِ وَابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ: أَنَّهَا تُغَلَّظُ فِي كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، لِأَنَّهُ صِفَةٌ لِلْيَمِينِ، كَالْبَيِّنَةِ الَّتِي يَسْتَوِي حُكْمُهَا فِي كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ إِنَّهَا تُغَلَّظُ فِيمَا يُقْطَعُ فِيهِ الْيَدُ، وَلَا تُغَلَّظُ فِيمَا لَا يُقْطَعُ فِيهِ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: " لَمْ تَكُنِ الْيَدُ لِتُقْطَعَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الشَّيْءِ التَّافِهِ ". تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا تُقْطَعُ فِيهِ لَيْسَ بِتَافِهٍ، فَكَانَ كَثِيرًا.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، إِنَّ مَا خَرَجَ عَنِ الْأَمْوَالِ، وَلَمْ يَثْبُتْ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ كَالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ، وَالنِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ، فَالْأَيْمَانُ فِيهِ مُغَلَّظَةٌ، فِيمَا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ، وَمَا ثَبَتَ بِالشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ مِنَ الْأَمْوَالِ، فَتُغَلَّظُ الْأَيْمَانُ فِي كَثِيرِهِ دُونَ قَلِيلِهِ، وَكَثِيرُهُ عِشْرُونَ دِينَارًا؛ لِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، حِينَ مَرَّ بِقَوْمٍ يَحْلِفُونَ بَيْنَ الْبَيْتِ وَالْمَقَامِ، فَقَالَ: أَعْلَى دَمٍ؟ قَالُوا: لَا.
قَالَ: أَفَعَلَى عَظِيمٍ مِنَ الْمَالِ؟ قَالُوا: لَا.
قَالَ: لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَتَهَاوَنَ النَّاسُ بِهَذَا الْمَقَامِ.
فَعَقَلَ السَّامِعُونَ لِقَوْلِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّهُ أَرَادَ بِالْعَظِيمِ مِنَ الْمَالِ عِشْرِينَ مِثْقَالًا، فَصَارَ هَذَا الْمِقْدَارُ أَصْلًا فِي تَغْلِيظِ الْأَيْمَانِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا جَعَلْتُمْ هَذَا قَدْرًا فِي التَّغْلِيظِ، فَهَلَّا جَعَلْتُمُوهُ قَدْرًا فِي الْإِقْرَارِ إِذَا أَقَرَّ بِمَالٍ عَظِيمٍ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُ أَقَلُّ مِنْ عِشْرِينَ دِينَارًا، وَأَنْتُمْ تَقْبَلُونَ مِنْهُ مَا قَلَّ وَكَثُرَ؟ قِيلَ: لِأَنَّهُ فِي الْإِقْرَارِ مُتَرَدِّدُ الِاحْتِمَالِ بَيْنَ إِرَادَةِ الْقَدْرِ، وَإِرَادَةِ الصِّفَةِ، وَفِي التَّغْلِيظِ لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا إِرَادَةَ الْقَدْرِ، فَلِذَلِكَ جَعَلْنَاهُ قَدْرًا فِي التَّغْلِيظِ، لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ.
وَإِذَا كَانَ هَكَذَا، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَقْدِيرِهِ بِالْعِشْرِينِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لِأَنَّهَا نِصَابٌ فِي الزَّكَاةِ، لِيَكُونَ الْمِقْدَارُ مُعْتَبَرًا بِأَصْلٍ مَشْرُوعٍ، فَعَلَى

هَذَا إِنْ وَجَبَتِ الْيَمِينُ فِي الدَّرَاهِمِ غُلِّظَتْ فِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَصَاعِدًا.
وَإِنْ وَجَبَتْ فِي الْغَنَمِ غُلِّظَتْ فِي أَرْبَعِينَ شَاةً فَصَاعِدًا.
وَإِنْ وَجَبَتْ فِي الْبَقَرِ غُلِّظَتْ فِي ثَلَاثِينَ بَقَرَةً فَصَاعِدًا.
وَإِنْ وَجَبَتْ فِي الْإِبِلِ غُلِّظَتْ فِي خَمْسٍ مِنَ الْإِبِلِ فَصَاعِدًا.
وَإِنْ وَجَبَتْ فِي الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ غُلِّظَتْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَصَاعِدًا.
سَوَاءٌ بَلَغَ قِيمَةُ ذَلِكَ عِشْرِينَ دِينَارًا أَوْ لَمْ يَبْلُغْ، وَإِنْ وَجَبَتْ فِي أَقَلَّ مِنْ هَذِهِ النُّصُبِ الْمُزَكَّاةِ لَمْ يُغَلَّظْ، سَوَاءٌ بَلَغَ قِيمَةُ ذَلِكَ عِشْرِينَ دِينَارًا أَوْ لَمْ تَبْلُغْ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّهُ قُدِّرَ بِالْعِشْرِينِ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ عَنْ تَوْقِيفٍ، أَوِ اجْتِهَادٍ لَا يُعْتَبَرُ بِغَيْرِهِ، فعلى هذا لا تغلظ اليمين فِي الدَّرَاهِمِ وَالثِّمَارِ وَالْمَوَاشِي إِلَّا أَنْ تَبْلُغَ قِيمَتُهَا عِشْرِينَ دِينَارًا، فَتُغَلَّظَ، وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ نِصَابًا، وَإِنْ نَقَصَتْ قِيمَتُهَا عَنِ الْعِشْرِينَ، لَمْ تُغَلَّظْ، وَإِنْ بَلَغَتْ نِصَابًا.
فَأَمَّا الْأَمْوَالُ الَّتِي لَا زَكَاةَ فِي جِنْسِهَا، فَيَصِيرُ فِي تَغْلِيظِ الْيَمِينِ فِيهَا أَنْ تَبْلُغَ قِيمَتُهَا عِشْرِينَ دِينَارًا مِنْ غَالَبِ دَنَانِيرِ الْبَلَدِ الْخَالِصَةِ مِنَ الْغِشِّ.

(فَصْلٌ)

: فَإِنْ كَانَتِ الْيَمِينُ فِي جِنَايَةٍ، لَا يَجِبُ فِيهَا الْقَوَدُ مِنَ الْخَطَأِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ، وَمَا لَا قَوَدَ فِيهِ مِنَ الْعَمْدِ غُلِّظَتْ إِذَا بَلَغَ أَرْشُهَا عِشْرِينَ دِينَارًا، وَلَمْ تُغَلَّظْ إِنْ نَقَصَ أَرْشُهَا عَنِ الْعِشْرِينَ وَإِنْ كَانَتْ جِنَايَةَ عَمْدٍ تُوجِبُ الْقَوَدَ غُلِّظَتْ فِي قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا، وَإِنْ وَجَبَتِ الْيَمِينُ فِي الْعِتْقِ، فَإِنْ تَوَجَّهَتْ عَلَى السَّيِّدِ لِإِنْكَارِهِ لَمْ تُغَلَّظِ الْيَمِينُ إِلَّا أَنْ تَبْلُغَ قِيمَتُهُ عِشْرِينَ دِينَارًا، وَإِنْ وَجَبَتْ عَلَى الْعَبْدِ لِرَدِّ الْيَمِينِ عَلَيْهِ غُلِّظَتْ، وَإِنْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ عَنِ الْعِشْرِينَ، لِأَنَّهَا فِي حَقِّ السَّيِّدِ عَلَى مَالٍ، وَفِي حَقِّ الْعَبْدِ عَلَى عِتْقٍ، وَهَكَذَا الْمُكَاتَبُ فِي عَقْدِ الْكِتَابَةِ إِنْ تَوَجَّهَتِ الْيَمِينُ فِيهِ، عَلَى السَّيِّدِ لَمْ تُغَلَّظْ إِنْ قَلَّتْ قِيمَتُهُ، وَإِنْ تَوَجَّهَتْ عَلَى الْمُكَاتَبِ غُلِّظَتْ وَإِنْ قَلَّتْ قِيمَتُهُ لِأَنَّهَا فِي حَقِّ السَّيِّدِ لِلْمَالِ، وَفِي حَقِّ الْمُكَاتَبِ لِلْعِتْقِ.
وَإِنْ وَجَبَتِ الْيَمِينُ فِي وَقْفٍ عُطِّلَتْ، وَإِنْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ عَنِ الْعِشْرِينَ إِذَا قِيلَ: إِنَّهُ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ، وَلَمْ تُغَلَّظْ إِذَا قِيلَ: إِنَّهُ يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَإِنْ وَجَبَتْ اليمين فِي الْوَصِيَّةِ فَإِنْ تَوَجَّهَتْ عَلَى الْمُوصِي بِالْوِلَايَةِ عَلَيْهَا تَغَلَّظَتْ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَإِنْ تَوَجَّهَتْ عَلَى الْمُوصَى لَهُ تَغَلَّظَتْ فِي الْكَثِيرِ دُونَ الْقَلِيلِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ فِي عَبْدٍ قَدْ وَصَّى بِعِتْقِهِ أَوْ فِي وَالِدٍ قَدْ وَصَّى لَهُ بِوَلَدِهِ، فَتَكُونَ عَلَى التَّغْلِيظِ، فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ.

(فَصْلٌ)

: وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي صِفَةِ التَّغْلِيظِ بِمَكَانِهِ وَزَمَانِهِ.

أَمَّا الْمَكَانُ، فَيُعْتَبَرُ بِأَشْرَفِ الْبِقَاعِ مِنَ الْبَلَدِ، فَإِنْ كَانَ بِمَكَّةَ، فَبَيْنَ الْبَيْتِ وَالْمَقَامِ، وَتُصَانُ الْكَعْبَةُ عَنْهُ.
وَأَمَّا الْحِجْرُ، فَقَدْ أَحْلَفَ عُمَرُ أَهْلَ الْقَسَامَةِ فِيهِ، وَلَوْ صِينَ عَنْهُ كَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْبَيْتِ.
وَإِنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ، فَفِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَعَلَى مِنْبَرِهِ، كَمَا أَحْلَفَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: يَحْلِفُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، لَا عَلَيْهِ، لِأَنَّ عُلُوَّ الْمِنْبَرِ تَشْرِيفٌ يُصَانُ عَنْ مَأْثَمِ الْأَيْمَانِ، لَكِنْ يَرْقَى عَلَيْهِ الحاكم المستخلف، لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَاتِ، وَلَا يَرْقَى عَلَيْهِ الطَّالِبُ إِلَّا أَنْ يَرْقَى عَلَيْهِ الْحَالِفُ، لِوُجُوبِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ.
وَإِنْ كَانَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَفِي مَسْجِدِهَا عِنْدَ الصَّخْرَةِ، لِأَنَّهَا أَشْرَفُ بِقَاعِهِ، وَيُسْتَحْلَفُ قَائِمًا، لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ عَلَى الْمِنْبَرِ، لِأَنَّ الْمَنَابِرَ مَقَامَاتُ الْوُقُوفُ فِي الْوُلَاةِ، فَكَانَ فِي الِاسْتِحْلَافِ أَوْلَى، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَكُونَ الطَّالِبُ الْمُسْتَحْلِفُ جَالِسًا عِنْدَ قِيَامِ الْحَاكِمِ، لِأَنَّهُ هُوَ الْمَزْجُورُ دُونَ الْمُسْتَحْلَفِ.
فَأَمَّا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى إِذَا تَغَلَّظَتْ عَلَيْهِمُ الْأَيْمَانُ، فَفِي كَنَائِسِهِمْ، وَبِيَعِهِمْ؛ لِأَنَّهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَشْرَفَ الْبِقَاعِ عِنْدَنَا، فَهِيَ أَشْرَفُهَا عِنْدَهُمْ، وَهُمُ الْمَزْجُورُونَ بِهَا، فَاعْتَبَرْنَا مَا هُوَ أَشْرَفُ فِي مُعْتَقَدِهِمْ لَا فِي مُعْتَقَدِنَا.
وَأَمَّا التَّغْلِيظُ بِالزَّمَانِ، فَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ [لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ﴾ [المائدة: 106] أَنَّهَا صَلَاةُ الْعَصْرِ] وَلِأَنَّهُ وَقْتٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ، وَتُجَابُ فِيهِ الدَّعَوَاتُ.
فَأَمَّا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَبَعْدَ صَلَاتِهِمُ الَّتِي يَرَوْنَهَا أَعْظَمَ صَلَوَاتِهِمْ.
وَأَمَّا التَّغْلِيظُ بِالْعَدَدِ فَفِي الْحُقُوقِ الَّتِي شُرِعَ فِيهَا الْعَدَدُ، وَهِيَ الدِّمَاءُ: تُغَلَّظُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا، وَفِي اللِّعَانِ بِخَمْسَةِ أَيْمَانٍ.
وَأَمَّا التَّغْلِيظُ بِاللَّفْظِ: فَهُوَ أَنْ يُذْكَرَ مَعَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ الْخَارِجَةِ عَنِ الْعُرْفِ الْمَأْلُوفِ فِي لَغْوِ الْيَمِينِ، مَا يَكُونُ أَزْجَرَ وَأَرْدَعَ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِي صِفَةِ الْيَمِينِ.
وَأَمَّا التَّغْلِيظُ بِالْوَعْظِ، فَيَكُونُ قَبْلَ الْيَمِينِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ

وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا} [آل عمران: 77] وَبِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " من حلف يمينا فاجرة، ليقتطع مال امرىء مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ يَلْقَاهُ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ ". فَأَمَّا الْإِحْلَافُ بِالْمُصْحَفِ تَغْلِيظًا، فَقَدْ كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَفْعَلُهُ، وَقَدْ حَكَّاهُ الشَّافِعِيُّ عَنِ بَعْضِ قُضَاتِهِمُ اسْتِحْسَانًا، وَلَيْسَ بِمُسْتَحَبٍّ عِنْدَهُ، وَإِنْ أَجَازَهُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مَنْ كَانَ حَالِفًا، فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ "، وهل يجزىء الْحَلِفُ بِهِ عَنِ الْحَلِفِ بِاللَّهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أحدهما: يجزىء، وَيَسْقُطُ بِهِ وُجُوبَ الْيَمِينِ، لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْحِنْثِ بِهِمَا، وَوُجُوبِ التَّكْفِيرِ فِيهِمَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يجزىء، وَلَا يَسْقُطُ بِهِ وُجُوبُ الْيَمِينِ، لِأَنَّ مِنَ الفقهاء من لا يُعَلِّقُ عَلَيْهِ حِنْثًا، وَلَا يُوجِبُ بِهِ تَكْفِيرًا.

(فَصْلٌ)

: فَإِنْ تَرَكَ التَّغْلِيظَ بِمَا وَصَفْنَا انْقَسَمَ تركه ثلاثة أقسام: أحدها: لا تجزىء الْيَمِينُ بِتَرْكِهِ، وَهُوَ الْعَدَدُ فِيمَا يُسْتَحَقُّ فِيهِ الْعَدَدُ مِنَ الْقَسَامَةِ وَاللِّعَانِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا تجزىء الْيَمِينُ بِتَرْكِهِ، وَهُوَ الْأَلْفَاظُ الْمُضَافَةُ إِلَى اسْمِ اللَّهِ، تعالى وَمَا سِوَى الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا اخْتُلِفَ فِي إِجْزَاءِ الْيَمِينِ بِتَرْكِهِ، وَهُوَ التَّغْلِيظُ بِالْمَكَانِ وَالزَّمَانِ، وَفِي إِجْزَائِهَا لِلشَّافِعِيِّ قولان: أحدهما: تجزىء، كذلك التغليظ باللفظ.
والثاني: لا تجزىء كَتَرْكِ التَّغْلِيظِ بِالْعَدَدِ.
وَفَرَّقَ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفِرَايِينِي بَيْنَ التَّغْلِيظِ بِالْمَكَانِ وَالزَّمَانِ، وَجَعَلَ الْيَمِينَ بِتَرْكِ الزَّمَانِ مُجْزِئَةً وَبِتَرْكِ الْمَكَانِ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَجُمْهُورُ أَصْحَابِنَا عَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ.
وَيَسْتَوِي فِي تَغْلِيظِ الْيَمِينِ أَنْ يُسْتَحْلَفَ بِهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِذَا أَنْكَرَ، أَوْ يُسْتَحْلَفَ بِهَا الْمُدَّعِي إِذَا رُدَّتْ عَلَيْهِ، أَوْ إِذَا أَقَامَ شَاهِدًا، لِيَحْلِفَ مَعَهُ، فَإِنْ كَانَتْ عَلَى الْحَالِفِ يَمِينٌ مُتَقَدِّمَةٌ أَنْ لَا يَحْلِفَ فِي مَكَانِ التَّغْلِيظِ مِنْ مَكَّةَ أَوِ الْمَدِينَةِ وَأَنْ لَا يَحْلِفَ فِي زمان

التَّغْلِيظِ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَفِيهِ قَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى التَّغْلِيظِ بِالْمَكَانِ وَالزَّمَانِ: وَهَلْ هُوَ شَرْطٌ فِي إِجْزَاءِ الْيَمِينِ أَمْ لَا؟ أَحَدُهُمَا: يُعْفَى مِنَ التغليظ بالمكان والزمان، لأن لا يُحْمَلَ عَلَى الْحِنْثِ فِي الْيَمِينِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي يَجْعَلُ الْيَمِينَ بِتَرْكِ التَّغْلِيظِ مُجْزِئَةً.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يُعْفَى، وَيُؤْخَذُ بِالتَّغْلِيظِ، وَإِنْ أَفْضَى إِلَى حِنْثِهِ، وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي يَجْعَلُ الْيَمِينَ بِتَرْكِ التَّغْلِيظِ غَيْرَ مُجْزِئَةٍ.

(مسألة)

: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَالْمُسْلِمُونَ الْبَالِغُونَ رِجَالُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ وَأَحْرَارُهُمْ وَعَبِيدُهُمْ وَمَمَالِيكُهُمْ يحلفون كَمَا وَصَفْنَا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا وَجَبَتِ الْيَمِينُ الْمُغَلَّظَةُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ كَانَ رَجُلًا حُرًّا تَغَلَّظَتْ عَلَى مَا وَصَفْنَا بِالْمَكَانِ وَالزَّمَانِ، وَمَا عَدَاهُمَا، فَإِنْ كَانَ زَمِنًا لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَشْيِ، إِلَى مَكَانِ التَّغْلِيظِ إِلَّا بِأُجْرَةِ مَرْكُوبٍ، كَانَ أُجْرَةُ مَرْكُوبِهِ إِلَى مَكَانِ التَّغْلِيظِ مُسْتَحَقَّةً عَلَى الْمُسْتَحْلَفِ لَهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَقٍّ عَلَى الْحَالِفِ، وَإِنَّمَا هُوَ حَقٌّ لِلْمُسْتَحْلِفِ وَكَانَتْ أُجْرَةُ عَوْدِهِ عَلَى الْحَالِفِ، لِأَنَّهُ يَعُودُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ امْرَأَةً لَمْ يَخْلُ حَالُهَا مِنْ أَنْ تَكُونَ بَرْزَةً، أَوْ خَفِرَةً، فَإِنْ كَانَتْ بَرْزَةً غُلِّظَتْ يَمِينُهَا بِالْمَكَانِ وَالزَّمَانِ كَالرَّجُلِ، لَكِنْ تُخَالِفُهُ فِي أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّهَا تَحْلِفُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، لَا عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: إِنَّهَا تَحْلِفُ جَالِسَةً، لَا قَائِمَةً، سَتْرًا لَهَا، لِأَنَّهَا عَوْرَةٌ.
وَإِنْ كَانَتْ خَفِرَةً لَا تَبْرُزُ، اسْتَخْلَفَ الْحَاكِمُ مَنْ يُحْلِفُهَا فِي مَنْزِلِهَا، وَسَقَطَ تَغْلِيظُ يَمِينِهَا بِالْمَكَانِ، لِحِفْظِ صِيَانَتِهَا بِإِقْرَارِهَا فِي مَنْزِلِهَا، وَغُلِّظَتْ يَمِينُهَا بِالزَّمَانِ كَغَيْرِهَا، وَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ عَبْدًا غُلِّظَتْ يَمِينُهُ بِالْمَكَانِ وَالزَّمَانِ كَالْحُرِّ، فَإِنْ كَانَ مُقِيمًا عَلَى حِفْظِ مَالٍ لِسَيِّدِهِ يَخَافُ إِنْ فَارَقَهُ إِلَى مَكَانِ التَّغْلِيظِ أَنْ يُتَخَطَّفَ نُظِرَ: فَإِنْ كَانَ سَيِّدُهُ حَاضِرًا تَوَلَّى حِفْظَ مَالِهِ، وَحُمِلَ الْعَبْدُ إِلَى مَكَانِ التَّغْلِيظِ، وَإِنْ كَانَ سَيِّدُهُ غَائِبًا أُقِرَّ الْعَبْدُ عَلَى حِفْظِهِ، وَقِيلَ لِلْمُسْتَحْلِفِ: أَنْتَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ تُنْظِرَهُ بِالْيَمِينِ إِلَى وَقْتِ إِمْكَانِهِ مِنْ حُضُورِ الْمَكَانِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، وَيَدْخُلُ عَلَى سَيِّدِهِ أَوْ تُعَجِّلَ إِحْلَافَهُ فِي مَكَانِهِ.

(فَصْلٌ)

: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنْقَلَ مُسْتَحْلَفٌ مِنْ بَلَدِهِ، لِتَغْلِيظِ يَمِينِهِ بِمَكَّةَ أَوِ الْمَدِينَةِ، فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ نَقَلَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَيْسَ بْنَ الْمَكْشُوحِ فِي وِثَاقٍ مِنَ الْيَمَنِ إِلَى الْمَدِينَةِ، حَتَّى أَحْلَفَهُ بِهَا، وَنَقَلَ عُمَرُ أَهْلَ الْقَسَامَةِ مِنْ مَسَافَةِ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ يَوْمًا إِلَى مَكَّةَ حتى

أَحْلَفَهُمْ فِي الْحِجْرِ، قِيلَ: إِنَّمَا فَعَلَا ذَلِكَ فِي حَقِّ السِّيَاسَةِ الْمُعْتَبَرَةِ بِالرَّأْيِ وَالْمَصْلَحَةِ، وَلَمْ يَنْقُلَا فِي حَقِّ الْمُسْتَحْلِفِ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَلَدِ الْحَالِفِ حَاكِمٌ يُغَلِّظُ الْيَمِينَ إِذَا اسْتَحْلَفَ جَازَ نَقْلُهُ لِلْيَمِينِ، وَتَغْلِيظُهَا إِلَى بَلَدٍ يَقْصُرُ عَنْ مَسَافَةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَلَمْ يَجُزْ نقله إلى ما زاد، لأن لا يَبْلُغَ سَفَرَ الْقَصْرِ، وَاسْتَنَابَ حَاكِمُ الْبَلَدِ الْبَعِيدِ مَنْ يَسْتَحْلِفُهُ، وَيُغَلِّظُ يَمِينَهُ مِنْ أَهْلِ بَلَدِهِ إذا كان من بلاد عمله.

(مسألة)

: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَيَحْلِفُ الْمُشْرِكُونَ أَهْلُ الذِّمَّةِ وَالْمُسْتَأْمَنُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمَا يُعَظِّمُ مِنَ الْكُتُبِ وَحَيْثُ يُعَظِّمِ مِنَ الْمَوَاضِعِ مِمَّا يَعْرِفُهُ الْمُسْلِمُونَ وَمَا يُعَظِّمُ الْحَالِفُ مِنْهُمْ مِثْلَ قَوْلِهِ وَاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، وَاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ الْإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا وَلَا يَحْلِفُونَ بِمَا يَجْهَلُ مَعْرِفَتَهُ الْمُسْلِمُونَ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ يَحْلِفُ الْكَفَّارُ فِي الْحُقُوقِ بِاللَّهِ تَعَالَى كَمَا يَحْلِفُ الْمُسْلِمُونَ إِذَا جَرَى عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ بِذِمَّةٍ أَوْ بِجِزْيَةٍ: وَهُمْ ضَرْبَانِ: مُقِرٌّ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَجَاحِدٌ لَهُ.
فَأَمَّا الْمُقِرُّ بِهِ فَضَرْبَانِ: أَهْلُ الْكِتَابِ، وَغَيْرُ أَهْلِ كِتَابٍ.
فَأَمَّا أَهْلُ الْكِتَابِ، فَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَقَدْ أَجْرَى الْمُسْلِمُونَ الْمَجُوسَ مَجْرَاهُمْ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ ". وَيُسْتَظْهَرُ عَلَيْهِمْ فِي الْيَمِينِ بِاللَّهِ بِمَا يَنْفِي عَنْهُ احْتِمَالَ التَّأْوِيلِ، وَتُغَلَّظُ الْأَيْمَانَ عَلَيْهِمْ بِالْمَكَانِ وَالزَّمَانِ كَمَا تُغَلَّظُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ يَهُودِيًّا أَحْلَفَهُ الْحَاكِمُ بِاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى.
وَإِنْ رَأَى أَنْ يَزِيدَ عَلَى هَذَا، فَيَقُولَ: الَّذِي نَجَّى مُوسَى وَقَوْمَهُ مِنَ الْيَمِّ، وَأَغْرَقَ فِيهِ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ، فَعَلَ.
وَهَذَا فِي كل يمين وجب تغليظهما أَوْ لَمْ يَجِبْ، لِيَزُولَ الِاحْتِمَالُ عَنِ اسْمِ من يخلف بِهِ، وَلِيَخْرُجَ عَنِ الْمَأْلُوفِ مِنْ لَغْوِ أَيْمَانِهِمْ كَمَا يَحْلِفُ الْمُسْلِمُ بِاللَّهِ الطَّالِبُ الْغَالِبُ، فِيمَا يَجِبُ تَغْلِيظُهُ، وَفِيمَا لَا يَجِبُ.
فَإِنْ كَانَتْ يَمِينُ الْيَهُودِ يَجِبُ تَغْلِيظُهَا بِالْمَكَانِ وَالزَّمَانِ، وَمَكَانُ تَغْلِيظِهَا كَنَائِسُ الْيَهُودِ، لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَهَا أَشْرَفَ بِقَاعِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَرَهَا الْمُسْلِمُونَ كَذَلِكَ.
وَأَمَّا تَغْلِيظُهَا بِالزَّمَانِ، فَفِي وَقْتِ أَشْر

َفِ صَلَ

وَاتِهِمْ عِنْدَهُمْ، وَلَا يُحْلِفُهُمْ بِمَا لَا

يَعْرِفُهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَيْمَانِهِمْ كَقَوْلِهِمْ: أَهَيَا اشَرَاهَيَا وَلَا بِالْعَشْرِ كَلِمَاتٍ الَّتِي يَدْعُونَهَا، وَلَا يَعْرِفُهَا الْمُسْلِمُونَ، وَلَا بِاللِّسَانِ الْعِبْرَانِيِّ إِذَا تَكَلَّمُوا بِغَيْرِهِ، فَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّمُوا إِلَّا بِهِ، وَلَمْ يَعْرِفُوا غَيْرَهُ أَحْلَفَهُمْ بِهِ إِذَا كَانَ فِي الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَعْرِفُهُ.

(فَصْلٌ)

: وَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ نَصْرَانِيًّا أَحْلَفَهُ بِاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ الْإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى.
وَإِنْ رَأَى أَنْ يَزِيدَ عَلَى هَذَا، فَيَقُولَ: الذي أبرأ له الأكمة والأبرص، وأحي لَهُ الْمَوْتَى بِإِذْنِهِ فَعَلَ، فَإِنْ تَغَلَّظَتْ يَمِينُهُ بِالْمَكَانِ، وَالزَّمَانِ كَانَ مَكَانُ تَغْلِيظِهَا بِيَعَ النَّصَارَى، لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَهَا أَشْرَفَ بِقَاعِهِمْ، وَكَانَ زَمَانُ تَغْلِيظِهَا فِي وَقْتِ أَشْرَفِ صَلَوَاتِهِمْ عِنْدَهُمْ.

(فَصْلٌ)

: فَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ مَجُوسِيًّا، أَحْلَفَهُ بِاللَّهِ الَّذِي خَلَقَنِي وَرَزَقَنِي.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا: هَلْ يُحْلِفُهُ بِاللَّهِ الَّذِي خَلَقَ النَّارَ، وَالنُّورَ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُحْلِفُهُ بِذَلِكَ، لِاخْتِصَاصِهِمْ بِتَعْظِيمِ النَّارِ وَالنُّورِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يُحْلِفُهُمْ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ قِدَمَ النَّارِ وَالنُّورِ.
فَأَمَّا تَغْلِيظُ يَمِينِهِ بِالْمَكَانِ وَالزَّمَانِ فَأَجَلُّ الْأَمْكِنَةِ عِنْدَهُمْ بَيْتُ النَّارِ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَغْلِيظِ أَيْمَانِهِمْ فِيهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تُغَلَّظُ فِيهِ، لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ تَعْظِيمَ النَّارِ دُونَ الْبَيْتِ الَّذِي فِيهِ النَّارُ، فَخَالَفُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى فِي قَصْدِ الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ لِصَلَوَاتِهِمْ، وَعِبَادَاتِهِمْ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: 40] . وَقَالَ آخَرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا: بَلْ يَحْلِفُونَ فِي بَيْتِ النَّارِ، لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَهُ أَشْرَفَ الْبِقَاعِ عِنْدَهُمْ، وَإِنْ شَرَّفُوهُ، لِتَعْظِيمِ النَّارِ عِنْدَهُمْ.
وَأَمَّا الزَّمَانُ فَلَيْسَ لَهُمْ صَلَوَاتٌ مُؤَقَّتَاتٌ يَحْلِفُونَ فِيهَا، وَإِنَّمَا لَهُمْ زَمْزَمَةٌ يَرَوْنَهَا قُرْبَةً، فَإِنْ كَانَتْ مُؤَقَّتَةً عِنْدَهُمْ أُحْلِفُوا فِي أَعْظَمِ أَوْقَاتِهَا عِنْدَهُمْ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مؤقتة

سَقَطَ تَغْلِيظُ أَيْمَانِهِمْ بِالزَّمَانِ، إِلَّا أَنَّهُمْ يَرَوْنَ النَّهَارَ أَشْرَفَ مِنَ اللَّيْلِ، لِأَنَّ النُّورَ عِنْدَهُمْ أَشْرَفُ مِنَ الظُّلْمَةِ، فَيَحْلِفُونَ فِي النَّهَارِ دُونَ اللَّيْلِ.

(فَصْلٌ)

: فَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ وَثَنِيًّا لَمْ يَحْلِفْ بِمَا يُعَظِّمُهُ مِنَ الْأَوْثَانِ، وَالْأَصْنَامِ، وَحَلَّفَهُ بِاللَّهِ، وَلَمْ يَقُلْ: الَّذِي خَلَقَ الْأَوْثَانَ وَالْأَصْنَامَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ أَجْسَامَهَا كَمَا خَلَقَ أَجْسَامَ غَيْرِهَا، وَهُمُ اخْتَلَفُوا مَا أَحْدَثُوهُ مِنَ الْمَعَاصِي بِعِبَادَتِهَا، وَلَكِنْ يُحْلِفُهُ بِاللَّهِ الَّذِي خَلَقَنِي، وَرَزَقَنِي، وَأَحْيَانِي.
فَأَمَّا تَغْلِيظُهَا بِالْمَكَانِ، فَسَاقِطٌ فِي حُقُوقِهِمْ، لِأَنَّهُمْ يُعَظِّمُونَ بُيُوتَ أَصْنَامِهِمْ، وَهِيَ مُخَالِفَةٌ لِكَنَائِسِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، لِأَنَّ دُخُولَ الْمُسْلِمِينَ بُيُوتَ أَصْنَامِهِمْ مَعْصِيَةٌ، وَدُخُولَهُمْ كَنَائِسَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى غَيْرُ مَعْصِيَةٍ، لِأَنَّ بُيُوتَ الْأَصْنَامِ لَمْ تُوضَعْ فِي الِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ إِلَّا لِأَجْلِ مَعْصِيَةٍ، وَقَدْ كَانَتِ الْكَنَائِسُ وَالْبِيَعُ مَوْضُوعَةً فِي الِابْتِدَاءِ عَلَى طَاعَةٍ نُسِخَتْ، فَصَارَتْ مَعْصِيَةً، وَكَذَلِكَ تَغْلِيظُ الزَّمَانِ يَسْقُطُ عَنْهُمْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْأَيَّامِ عِنْدَهُمْ يَوْمٌ يَرَوْنَهُ أَشْرَفَ الْأَيَّامِ، فَإِنْ بَعُدَ ذَلِكَ الْيَوْمُ، وَتَأَخَّرَ لَمْ تُؤَخَّرِ الْيَمِينُ إِلَيْهِ، لِاسْتِحْقَاقِ تَقَدُّمِهَا، وَإِنْ قَرُبَ وَتَعَجَّلَ احْتَمَلَ أَنْ تُغَلَّظَ أَيْمَانُهُمْ فِيهِ، كَمَا تُغَلَّظُ بِأَوْقَاتِ الْعِبَادَاتِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يُغَلَّظَ فِيهِ، لِأَنَّ عِبَادَاتِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى قَدْ كَانَتْ طَاعَةً، وَإِنْ صَارَتْ بَعْدَ النَّسْخِ مَعْصِيَةً، وَيَوْمُ هَؤُلَاءِ لَمْ يَخْتَصَّ بِعِبَادَةٍ تَكُونُ طَاعَةً، فَسَاوَى غَيْرَهُ مِنَ الْأَيَّامِ.

(فَصْلٌ)

: فَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ دَهْرِيًّا، لَا يَعْتَقِدُ خَالِقًا، وَلَا مَعْبُودًا، اقْتَصَرَ الْحَاكِمُ عَلَى إِحْلَافِهِ بِاللَّهِ الْخَالِقِ الرَّازِقِ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْ إِلَهًا خَالِقًا رَازِقًا.
فَإِنْ قِيلَ: فَلَيْسَتْ يَمِينُهُ زَاجِرَةً لَهُ، فَمَا الْفَائِدَةُ فِيهَا؟ قِيلَ: أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: إِجْرَاءُ حُكْمِهَا عَلَيْهِمْ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: 49] . وَالثَّانِي: لِيَزْدَادَ بِهَا إِثْمًا رُبَّمَا يُعَجِّلُ به انتقاما، والله أعلم.

(مسألة)

: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَيَحْلِفُ الرَّجُلُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَفِيمَا عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ عَلَى الْبَتِّ مِثْلَ أَنْ يُدَّعَى عَلَيْهِ بَرَاءَةٌ مِنْ حَقٍّ لَهُ فَيَحْلِفُ بِاللَّهِ إِنَّ هَذَا الْحَقَّ وَيُسَمِّيهِ لَثَابِتٌ عَلَيْهِ مَا اقْتَضَاهُ وَلَا شَيْئًا مِنْهُ وَلَا مُقْتَضًى بِأَمْرٍ يَعْلَمُهُ وَلَا أَحَالَ بِهِ وَلَا بِشَيْءٍ مِنْهُ وَلَا أَبْرَأَهُ مِنْهُ ولَا مِنْ شَيْءٍ مِنْهُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ وَإِنَّهُ لَثَابِتٌ عَلَيْهِ إِلَى أَنْ حلف بهذا اليمين وإن كان حقا لأبيه حلف في نفسه على البت وفي أبيه على العلم ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.
إِذَا أَرَادَ الْحَاكِمُ اسْتِيفَاءَ يَمِينٍ تَوَجَّهَتْ عَلَى خَصْمٍ

فِي إِثْبَاتٍ أَوْ نَفْيٍ اشْتَمَلَ شَرْطُهَا الْمُعْتَبَرُ فِي إِجْزَائِهَا وَانْبِرَامِ الْحُكْمِ بِهَا عَلَى فَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: شَرْطُهَا فِي الْعِلْمِ وَالْبَتِّ.
وَالثَّانِي: شَرْطُهَا فِي الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ.
فَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ شَرْطُهَا فِي الْحَلِفِ بِهَا عَلَى الْعِلْمِ وَالْبَتِّ، فَالْيَمِينُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ عَلَى إِثْبَاتٍ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ عَلَى نَفْيٍ.
فَإِنْ كَانَتْ عَلَى إِثْبَاتٍ، فَهِيَ عَلَى الْبَتِّ وَالْقَطْعِ، سَوَاءٌ أَثَبَتَ بِهَا الْحَالِفُ مَا حَدَثَ عَنْ فِعْلِهِ أَوْ مَا حَدَثَ عَنْ فِعْلِ غَيْرِهِ.
وَالْحَادِثُ عَنْ فِعْلِهِ أَنْ يَقُولَ قَطْعًا بَاتًّا: وَاللَّهِ لَقَدْ بِعْتُكَ دَارِي أَوِ اشْتَرَيْتُ دَارَكَ أَوْ أَجَّرْتُكَ عَبْدِي، أَوِ اسْتَأْجَرْتُ عَبْدَكَ، أَوْ أَقْرَضْتُكَ أَلْفًا، أَوِ اقْتَرَضْتَ مِنِّي أَلْفًا سَوَاءٌ أَضَافَ ذَلِكَ إِلَى نَفْسِهِ أَوْ إِلَى خَصْمِهِ، لِأَنَّهُ بِهَا تَمَّ، فَصَارَ حَادِثًا عَنْ فِعْلِهِ.
وَأَمَّا الْحَادِثُ عَنْ فِعْلِ غَيْرِهِ، فَهُوَ أَنْ يَقُولَ: وَاللَّهِ لَقَدِ اشْتَرَى مِنْكَ أَبِي دَارَكَ، أَوِ اشْتَرَيْتَ مِنْ أَبِي دَارَهُ، أَوْ لَقَدِ اسْتَأْجَرَ مِنْكَ أَبِي عَبْدَكَ، أَوِ اسْتَأْجَرْتَ مِنْ أَبِي عَبْدَهُ، أَوْ لَقَدْ أَقْرَضَكَ أَبِي أَلْفًا، أَوْ لَقَدِ اقْتَرَضْتَ مِنْ أَبِي أَلْفًا، فَتَكُونُ يَمِينُ الْإِثْبَاتِ لِفِعْلِهِ، وَفِعْلِ غَيْرِهِ عَلَى الْبَتِّ، وَالْقَطْعِ فِي الْحَالَتَيْنِ مَعًا، لِأَنَّهُ عَلَى إِحَاطَةِ عِلْمٍ بِفِعْلِهِ، وَمَا ادَّعَى فِعْلَ غَيْرِهِ إِلَّا بَعْدَ إِحَاطَتِهِ بِفِعْلِهِ.

(فَصْلٌ)

: وَإِنْ كَانَتِ الْيَمِينُ عَلَى نَفْيٍ لِبَيْعٍ أَوْ إِجَارَةٍ أَوْ قَرْضٍ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا: هَلْ تَكُونُ عَلَى الْبَتِّ أَوْ عَلَى الْعِلْمِ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى: إِنَّهَا عَلَى الْبَتِّ كَالْإِثْبَاتِ سَوَاءٌ كَانَتْ عَلَى نَفْيِ فِعْلِ نَفْسِهِ أَوْ فِعْلِ غَيْرِهِ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ: إِنَّهَا عَلَى الْعِلْمِ سَوَاءٌ كَانَتْ عَلَى نَفْيِ فِعْلِ نَفْسِهِ أَوْ فِعْلِ غَيْرِهِ.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ: إِنَّهَا إِنْ كَانَتِ الْيَمِينُ عَلَى نَفْيِ فِعْلِ نَفْسِهِ، فَهِيَ عَلَى الْبَتِّ، فَيَقُولُ: وَاللَّهِ مَا فَعَلْتُ، وَلَا بِعْتُ، وَلَا أَجَّرْتُ، وَلَا نَكَحْتُ، وَلَا طَلَّقْتُ.
وَإِنْ كَانَتْ عَلَى نَفْيِ فِعْلِ غَيْرِهِ، فَهِيَ عَلَى الْعِلْمِ دُونَ الْبَتِّ، فَيَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَعْلَمُ أَنَّ أَبِي بَاعَكَ، وَلَا أَعْلَمُ أَنَّهُ آجَرَكَ، وَلَا أَعْلَمُ أَنَّهُ اقْتَرَضَ مِنْكَ، وَلَا أَعْلَمُ أَنَّهُ وَصَّى لَكَ، لِأَنَّهُ عَلَى إِحَاطَةِ عِلْمٍ بِمَا نَفَاهُ عَنْ نَفْسِهِ، فَكَانَتْ يَمِينُهُ فِيهِ قَطْعًا عَلَى الْبَتِّ

وَلَيْسَ عَلَى إِحَاطَةِ عِلْمٍ بِمَا نَفَاهُ عَنْ غَيْرِهِ، لِتَعَذُّرِ التَّوَاتُرِ فِيهِ، وَاسْتِعْمَالِ الْمَظْنُونِ مِنْ أخبار الآحاد، فكانت اليمين فِيهَا بِحَسَبِ مَا أَدَّاهُ إِلَى الْعِلْمِ بِهِمَا، وَهُوَ يَعْلَمُ نَفْيَ فِعْلِهِ قَطْعًا، وَنَفْيَ فِعْلِ غَيْرِهِ ظَنًّا، فَحَلَفَ فِيمَا قَطَعَ بِهِ عَلَى الْبَتِّ، وَفِيمَا اسْتَعْمَلَ فِيهِ غَلَبَةَ الظَّنِّ عَلَى الْعِلْمِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ وَجَبَ إِحْلَافُهُ عَلَى الْبَتِّ، فَأَحْلَفَهُ الْحَاكِمُ عَلَى الْعِلْمِ كَانَتْ يَمِينُهُ غَيْرَ مُجْزِئَةٍ، وَهُوَ فِي الْحُكْمِ بِهَا بِمَثَابَةِ مَنْ لَمْ يَحْلِفْ، وَيَجُوزُ لِلْخَصْمِ أَنْ يَسْتَأْنِفَ الدَّعْوَى عَلَيْهِ عِنْدَ ذَلِكَ الْحَاكِمِ، أَوْ عِنْدَ غَيْرِهِ.
وَلَوْ وَجَبَ إِحْلَافُهُ عَلَى الْعِلْمِ، فَأَحْلَفَهُ الْحَاكِمُ عَلَى الْبَتِّ أَجْزَأَتْ يَمِينُهُ، وَثَبَتَ بِهَا الْحُكْمُ فِيمَا حَلَفَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ يَمِينَ الْبَتِّ أَغْلَظُ، وَيَمِينَ الْعِلْمِ أَخَفُّ، فَجَازَ أَنْ يَسْقُطَ الْأَخَفُّ بِالْأَعْلَى، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْقَطَ الْأَغْلَظُ بِالْأَخَفِّ، وَلَئِنْ حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ فِي مَوْضِعِ العلم، فإنها تؤول بِهِ إِلَى الْعِلْمِ لِامْتِنَاعِ الْقَطْعِ مِنْهُ.

(فَصْلٌ)

: وَهُوَ مَا تَضَمَّنَهُ الْيَمِينُ مِنْ شُرُوطِ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: يَمِينٌ عَلَى النَّفْيِ تَخْتَصُّ بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، يَمِينٌ عَلَى الْإِثْبَاتِ تَخْتَصُّ بِالْمُدَّعِي.
فَأَمَّا يَمِينُ النَّفْيِ، فَتَجِبُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى حُكْمِ الدَّعْوَى، وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُدَّعَى عَلَيْهِ دَيْنٌ فِي ذِمَّتِهِ.
والثاني: أن يدعي عليه يمين فِي يَدِهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُدَّعَى عَلَيْهِ دَيْنٌ فِي ذِمَّةِ أَبِيهِ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يُدَّعَى عَلَيْهِ عَيْنٌ فِي يَدِ أَبِيهِ.
فَأَمَّا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَنْ يُدَّعَى عَلَيْهِ دَيْنٌ فِي ذِمَّتِهِ، فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى مُطْلَقَةً لَمْ يَقْتَرِنْ بِهَا ذِكْرُ السَّبَبِ كَقَوْلِهِ: لِي عَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ، وَلَا يَذْكُرُ سَبَبَ اسْتِحْقَاقِهَا، فَهِيَ دَعْوَى صَحِيحَةٌ.
وَلَا يَلْزَمُ سُؤَالُهُ عَنْ سَبَبِهَا، فَإِنْ سَأَلَهُ الْحَاكِمُ كَانَ مُخْطِئًا، وَلَمْ تَلْزَمْهُ إِبَانَةُ السَّبَبِ، لِأَنَّ تَنَوُّعَ الْأَسْبَابِ لَا يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْحُقُوقِ، فَتَكُونُ يَمِينُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِذَا أَنْكَرَهَا عَلَى الْبَتِّ، فَيَقُولُ: وَاللَّهِ مَا لَهُ عَلَيَّ هَذِهِ الْأَلْفُ، وَلَا شَيْءٌ مِنْهَا بِوَجْهٍ، وَلَا سَبَبٍ.
وَقَوْلُهُ: وَلَا شَيْءٌ مِنْهَا، شَرْطٌ مُسْتَحَقٌّ فِي يَمِينِهِ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ عَلَيْهِ بَعْضُهَا، فَهُوَ إِذَا حَلَفَ أَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَيْهِ بَرَّ فِي يَمِينِهِ، وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ بَاقِيهَا، وَقَوْلُهُ: " بِوَجْهٍ وَلَا سَبَبٍ " تَأْكِيدًا فَإِنْ أَغْفَلَهُ جَازَ.
وَلَوْ قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا كَانَ مُجْزِئًا، وَلَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ فِي

يَمِينِهِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ يَمِينُهُ بِحَسَبِ جَوَابِهِ فِي إِنْكَارِهِ.
فَإِنْ قَالَ فِي الْإِنْكَارِ: لَيْسَ لَهُ عَلَيَّ مَا ادَّعَاهُ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفِ، وَلَا شَيْءٌ مِنْهَا كَانَ جَوَابًا مُقَابِلًا لِلدَّعْوَى، وَحَلَفَ عَلَى مِثْلِ جَوَابِهِ: وَاللَّهِ مَا لَهُ عَلَيَّ هَذَا الْأَلْفُ، وَلَا شَيْءٌ مِنْهُ.
وَإِنْ قَالَ: لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا كَانَ جَوَابًا كَافِيًا، وَحَلَفَ عَلَى مِثْلِ جَوَابِهِ: وَاللَّهِ مَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا، فَإِنْ قَالَ: وَاللَّهِ مَا لَهُ عَلَيَّ شَيْءٌ كَانَتْ مَعْلُولَةً غَيْرَ مُقْنِعَةٍ، لِاحْتِمَالِ مَا لَهُ عَلَى جَسَدِي شَيْءٌ، فَإِذَا قَالَ: لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا انْتَفَى هَذَا الِاحْتِمَالُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى مُقْتَرِنَةً بِذِكْرِ السَّبَبِ، فَيَقُولَ: لِي عَلَيْهِ أَلْفُ قَرْضٍ أَوْ غَصْبٌ أَوْ ثَمَنُ مَبِيعٍ أَوْ قِيمَةُ مُتْلَفٍ، أَوْ أَرْشُ جِنَايَةٍ، فَيَكُونَ فِي الْجَوَابِ عَلَى إِنْكَارِهِ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يَعُمَّ بِإِنْكَارِهِ، فَيَقُولَ: لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا، فَيَكُونَ جَوَابُهُ أَوْفَى، وَتَكُونَ يَمِينُهُ عَلَى الْبَتِّ بِحَسَبِ جَوَابِهِ، وَاللَّهِ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا.
فَإِنْ أَرَادَ الْحَاكِمُ أَنْ يُحْلِفَهُ مَا اقْتَرَضَ مِنْهُ أَلْفًا وَلَا غَصَبَهُ أَلْفًا لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اقْتَرَضَهَا ثُمَّ قَضَاهَا، فَيَحْنَثَ فِي يَمِينِهِ، وَإِنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ، فَهَذَا أَحَدُ خِيَارَيْهِ فِي الْإِنْكَارِ.
وَالْخِيَارُ الثَّانِي: أَنْ يَقْتَصِرَ فِي إِنْكَارِهِ عَلَى ذِكْرِ السَّبَبِ، فَيَقُولَ: مَا اقْتَرَضْتُ مِنْهُ وَلَا غَصَبْتُ مِنْهُ شَيْئًا، فَيَقْنَعُ مِنْهُ بِهَذَا الْجَوَابِ، وَلَوْ قَالَ: مَا اقْتَرَضْتُ مِنْهُ أَلْفًا، وَلَا غَصَبْتُهُ أَلْفًا لَمْ يُقْنِعْ حَتَّى يَقُولَ: وَلَا شَيْئًا مِنْهَا، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَضَ أَوْ غَصَبَ بَعْضَهَا.
فَإِذَا اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ السَّبَبِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي صِفَةِ إِحْلَافِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْحَاكِمَ يُحْلِفُهُ قَطْعًا عَلَى الْعُمُومِ، فَيَقُولُ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا احْتِرَازًا مِنْ أَنْ يَكُونَ قَدْ غَصَبَ أَوِ اقْتَرَضَ ثُمَّ قَضَى.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يُحْلِفُهُ قَطْعًا بِاللَّهِ إِنَّهُ مَا اقْتَرَضَهَا، وَلَا غَصَبَهَا، وَلَا شَيْئًا مِنْهَا، لِأَنَّ احْتِمَالَ الْقَضَاءِ قَدِ ارْتَفَعَ عَنْهَا بِقَوْلِهِ، مَا اقْتَرَضْتُ وَلَا غَصَبْتُ.

(فَصْلٌ)

: وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي، وَهُوَ أَنْ يُدَّعَى عَلَيْهِ يَمِينٌ فِي يَدَيْهِ كَدَارٍ أَوْ عَبْدٍ أَوْ ثَوْبٍ، فَلَا يَسْتَقِلُّ بِهَذِهِ الدَّعْوَى إِلَّا أَنْ يَصِلَهَا بِمَا يُوجِبُ انْتِزَاعَهَا مِنْ يَدِهِ، فَيَقُولَ: وَقَدْ غَصَبَنِي عَلَيْهَا، أَوْ مَنَعَنِي مِنْهَا بِغَيْرِ حَقٍّ، لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ لَهُ، وَلَا يَسْتَحِقُّ انْتِزَاعَهَا مِنْ يَدِهِ، لِأَنَّهَا مُسْتَأْجَرَةٌ أَوْ مَرْهُونَةٌ، فَإِذَا كَمُلَتِ الدَّعْوَى بِقَوْلِ الْمُدَّعِي هَذِهِ الدَّارُ لِي، وَقَدْ غَصَبَنِي عَلَيْهَا، فَلِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي إِنْكَارِهِ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَقُولَ: لَا حَقَّ لَهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ، فَهَذَا جَوَابٌ مُقْنِعٌ، وَلَا يَتَضَمَّنُ أَنَّهَا مِلْكُ الْمُنْكِرِ، وَلَا أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا بِتَحْلِفَةِ الْحَاكِمِ عَلَى الْبَتِّ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيهَا، وَلَا

يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ: وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْهَا، لِأَنَّ قَوْلَهُ: " لَا حَقَّ لَهُ فِيهَا ". مُسْتَوْعِبٌ لِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقُولَ: لَا يَسْتَحِقُّ هَذِهِ الدَّارَ، فَيَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ: وَلَا شيئا منها، لأن قوله: " لا يَسْتَحِقُّهَا " لَا يَمْنَعُ أَنْ يَسْتَحِقَّ بَعْضَهَا، فَيُحْلِفُهُ الْحَاكِمُ بِاللَّهِ أنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ هَذِهِ الدَّارَ، وَلَا شَيْئًا مِنْهَا.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَقُولَ: هَذِهِ الدَّارُ لِي دُونَهُ، فَيَكُونَ هَذَا جَوَابًا كَافِيًا، فَإِنْ قَالَ: هَذِهِ الدَّارُ لِي وَلَمْ يَقُلْ دُونَهُ أَقْنَعَ؛ لِأَنَّهَا إِذَا كَانَتْ لَهُ فَلَا شَيْءَ فِيهَا لِغَيْرِهِ، فَيُحْلِفُهُ الْحَاكِمُ عَلَى الْبَتِّ عَلَى نَفْيِ مِلْكِ الْمُدَّعِي، وَلَا يُحْلِفُهُ عَلَى إِثْبَاتِ مِلْكِهِ، لِأَنَّهَا يَمِينٌ عَلَيْهِ، وَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ لَهُ، فَيَقُولُ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَا يَمْلِكُ هَذِهِ الدَّارَ، وَلَا شَيْئًا مِنْهَا، أَوْ لَا مِلْكَ لَهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ أَوْ لَا حَقَّ لَهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ.
فَإِنْ زَادَ فِي يَمِينِهِ: وَإِنَّهَا لِي دُونَهُ جَازَ، وَكَانَتْ مِلْكًا لَهُ فِي الظَّاهِرِ بِيَدِهِ لَا بِيَمِينِهِ، وَالْحَالُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَقُولَ: مَا غَصَبْتُ هَذِهِ الدَّارَ، فَلَا يُقْنَعُ هَذَا الْجَوَابُ، لِأَنَّهُ ادَّعَى عَلَيْهِ مِلْكَ الدَّارِ وَغَصْبِهَا، فَأَنْكَرَ الْغَصْبَ، وَلَمْ يَنْكَرِ الْمِلْكَ، فَلَا يَمْنَعُ إِذَا لَمْ يَغْصِبْهَا مِنْهُ أَنْ تَكُونَ مِلْكًا لَهُ.
فَإِذَا قَالَ: مَا غَصَبْتُهُ إِيَّاهَا، وَهِيَ لِي دُونَهُ، كَانَ جَوَابَ الْإِنْكَارِ، وَكَانَ فِي إِحْلَافِ الْحَاكِمِ لَهُ وَجْهَانِ عَلَى مَا مَضَى: أَحَدُهُمَا: يُحْلِفُهُ عَلَى مَا أَجَابَ بِهِ: وَاللَّهِ مَا غَصَبْتُهُ هَذِهِ الدَّارَ، وَإنَّهَا لِي دُونَهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُحْلِفُهُ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ، وَلَا بِسَبَبِهَا، لِأَنَّ الْغَصْبَ مُوجِبٌ لِلْأُجْرَةِ، فَصَارَ بِادِّعَاءِ غَصْبِهَا وَمِلْكِهَا مُدَّعِيًا لَهَا وَلِأُجْرَتِهَا، فَاحْتَاجَتْ يَمِينُهُ أَنْ تَتَضَمَّنَ نَفْيَ الْأَمْرَيْنِ: الْمِلْكِ وَالْأُجْرَةِ.
فَلِذَلِكَ قَالَ فِي يَمِينِهِ: لَا حَقَّ لَهُ فِيهَا، وَلَا بِسَبَبِهَا، لِأَنَّهُ لَا يُمْتَنَعُ أَنْ يَزُولَ مِلْكُهُ عَنْهَا بَعْدَ اسْتِحْقَاقِ أُجْرَتِهَا بِالْغَصْبِ.

(فَصْلٌ)

: وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّالِثُ وَهُوَ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ دَارًا فِي يَدِ أَبِيهِ، فَسَمَاعُ هَذِهِ الدَّعْوَى مُعْتَبَرٌ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: إِنْ ثَبَتَ مَوْتُ أَبِيهِ، فَإِنْ كَانَ حَيًّا، وَأَنْكَرَ الِابْنُ مَوْتَهُ لَمْ تُسْمَعْ مِنْهُ الدَّعْوَى عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الدَّارُ فِي تَرِكَتِهِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي تَرِكَتِهِ لَمْ تُسْمَعِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ،

وَسُمِعَتْ عَلَى مَنْ هِيَ فِي يَدَيْهِ إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْأُجْرَةَ، فَتُسْمَعُ دَعْوَى الْغَصْبِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْأُجْرَةِ دُونَ الْعَيْنِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ هَذَا الِابْنُ وَارِثًا، وَلَا يَكُونُ قَاتِلًا، وَلَا كَافِرًا، فَإِنْ لَمْ يَرِثْهُ سُمِعَتِ الدَّعْوَى عَلَى مَنْ يَرِثُهُ.
فَإِذَا تَكَامَلَتْ شُرُوطُ سَمَاعِهَا كَانَ جَوَابُ إِنْكَارِهِ وَشُرُوطُ يَمِينِهِ مُتَرَدِّدَةً بَيْنَ الْأَحْوَالِ الْأَرْبَعَةِ فِي ادِّعَائِهَا فِي يَدِهِ إِلَّا فِي شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُقْتَنَعُ مِنْهُ فِي جَوَازِ إِنْكَارِهِ أَنْ يَقُولَ: لَا أَعْلَمُ أَنَّكَ تَسْتَحِقُّهَا، وَلَا شَيْئًا مِنْهَا، وَلَوْ كَانَتِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ، لَمْ يُقْتَنَعْ مِنْهُ إِلَّا بِالْقَطْعِ أَنْ يَقُولَ: لَا تَسْتَحِقُّهَا وَلَا شَيْئًا مِنْهَا.
وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ يَمِينُهُ عَلَى الْعِلْمِ دُونَ الْبَتِّ، فَيَقُولَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَا أَعْلَمُ أَنَّكَ تَسْتَحِقُّهَا، وَلَا شَيْئًا مِنْهَا، لِأَنَّ مَا نَفَاهُ مِنْ فِعْلِ غَيْرِهِ مَحْمُولٌ عَلَى الْعِلْمِ دُونَ الْبَتِّ، لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى الْقَطْعِ بِمَا ادَّعَى عَلَيْهِ مِنْ فِعْلِ غَيْرِهِ فَحُمِلَ إِنْكَارُهُ وَيَمِينُهُ عَلَى الْعِلْمِ دُونَ الْبَتِّ.

(فَصْلٌ)

: وَأما الضَّرْبُ الرَّابِعُ: وَهُوَ أَنْ يُدَّعَى عَلَيْهِ دَيْنٌ فِي ذِمَّةِ أَبِيهِ، فَسَمَاعُ هَذِهِ الدَّعْوَى مُعْتَبَرٌ بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الشَّرَائِطِ الثَّلَاثَةِ: أَنْ يَكُونَ أَبُوهُ مَيِّتًا وَأَنْ يَكُونَ هُوَ وَارِثًا، وَأَنْ يُخَلِّفَ أَبُوهُ تَرِكَةً.
فَإِنْ مَاتَ مُعْدِمًا لَمْ تُسْمَعِ الدَّعْوَى؛ لِأَنَّهَا عَلَى الْأَبِ دُونَهُ، فَإِذَا تَكَامَلَتْ وَأَنْكَرَهَا كَانَ إِنْكَارُهُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ، فَيَقُولُ: لَا أَعْلَمُ أَنَّ لَكَ عَلَى أَبِي هَذِهِ الْأَلْفَ، وَلَا شَيْئًا مِنْهَا، فَإِنْ قَالَ: لَا أَعْلَمُ أَنَّ لَكَ عَلَى أَبِي حَقًّا أَجْزَأَ، وَلَوْ أَنْكَرَ قَطْعًا، فَقَالَ: لَيْسَ لَكَ عَلَى أَبِي حَقٌّ كَانَ أَبْلَغَ فِي لَفْظِ الْإِنْكَارِ، وَإِنْ كَانَ مَحْمُولًا فِي الْمَعْنَى عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ ثُمَّ يَكُونُ يَمِينُهُ بَعْدَ إِنْكَارِهِ عَلَى الْعِلْمِ دُونَ الْبَتِّ بِحَسَبَ إِنْكَارِهِ، فَيَقُولُ: وَاللَّهِ إِنِّي لَا أَعْلَمُ أَنَّ لَكَ عَلَى أَبِي هَذِهِ الْأَلْفَ، وَلَا شَيْئًا مِنْهَا، وَوَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَنَّ لَكَ عَلَى أَبِي حَقًّا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ وَارِثٌ سِوَاهُ سَقَطَتِ الدَّعْوَى بِيَمِينِهِ، وَزَالَتِ الْمُطَالَبَةُ بِهَا، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ وَارِثٌ سِوَاهُ أُحْلِفَ بِمِثْلِ يَمِينِهِ إِذَا أَنْكَرَ كَإِنْكَارِهِ، وَسَوَاءٌ قَلَّ سَهْمُهُ أَوْ كَثُرَ.
فَإِنْ أَنْكَرَ أَحَدُ الْوَارِثِينَ، وَاعْتَرَفَ الْآخَرُ أُلْزِمَ الْمُنْكِرُ حُكْمَ إِنْكَارِهِ، وَأُلْزِمَ الْمُعْتَرِفُ حُكْمَ اعْتِرَافِهِ، وَهَلْ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ جَمِيعِ الدَّيْنِ أَوْ قَدْرُ حَقِّهِ مِنْهُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَضَيَا فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ.
فَإِنْ شَهِدَ بِالدَّيْنِ عَلَى الْمُنْكَرِ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ إِنْ أُلْزِمَ جَمِيعَ الدَّيْنِ، وَقُبِلَتْ إِنْ أُلْزِمَ قَدْرَ حَقِّهِ مِنْهُ.

فَهَذَا حُكْمٌ اليمين عَلَى النَّفْيِ، وَإِنَّهَا مُسْتَحَقَّةٌ فِي الْإِنْكَارِ.

(فَصْلٌ)

: وَأَمَّا الْيَمِينُ عَلَى الْإِثْبَاتِ، فَمُسْتَحَقُّهُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: أَحَدُهَا: فِي الدِّمَاءِ مَعَ اللَّوْثِ، وَقَدْ مَضَتْ فِي الْقَسَامَةِ.
وَالثَّانِي: يَمِينُ الرَّدِّ عَلَى الْمُدَّعِي بَعْدَ نُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
وَالثَّالِثُ: الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ الْقَائِمَةُ مَقَامَ شَاهِدٍ.
فَأَمَّا يَمِينُ الرَّدِّ، فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: فِي يَمِينٍ، وَدَيْنٍ.
فَأَمَّا الْيَمِينُ فِي الْعَيْنِ فَعَلَى ضربين: أحدهما: أنه يدعيها لنفسها.
وَالثَّانِي: لِأَبِيهِ.
فَإِنِ ادَّعَاهَا لِنَفْسِهِ كَادِّعَائِهِ مِلْكَ دَارٍ أَوْ عَبْدٍ فِي يَدِ مُنْكِرٍ نَاكِلٍ، فَيَحْلِفُ بِاللَّهِ: إِنَّ هَذِهِ الدَّارَ لِي فِي مِلْكِي، لَا حَقَّ فِيهَا لِصَاحِبِ الْيَدِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ احْتِيَاطٌ وَتَأْكِيدٌ.
وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى أَنْ حَلَفَ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ لِي أَجْزَأَتْ.
وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ وَاقْتَصَرَ عَلَى إِنَّهَا مِلْكِي أَجْزَأَ، وَهُوَ أَوْكَدُ مِنْ قَوْلِهِ: إِنَّهَا لِي.
وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى أَنَّهُ لَا حَقَّ فِيهَا لِصَاحِبِ الْيَدِ لَمْ تُجْزِهِ، وَلَمْ يَصِرْ بِيَمِينِهِ مَالِكًا لَهَا، لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ فِي يَدِهِ مِلْكًا لِغَيْرِهِ.

(فَصْلٌ)

: وَلَوِ ادَّعَاهَا لِأَبِيهِ سُمِعَتْ دَعْوَاهُ بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ أَبُوهُ مَيِّتًا، فَإِنْ كَانَ حَيًّا لَمْ تُسْمَعْ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ وَارِثًا، فَإِنْ لَمْ يَرِثْهُ، لِكَوْنِهِ قاتلا أو كافرا لم تسمع.
فإذا استكملت الشَّرْطَيْنِ جَازَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى الْبَتِّ بِاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ الدَّارَ لِأَبِيهِ، وَعَلَى مِلْكِهِ، إِلَى أَنْ مَاتَ عَنْهَا لَا حَقَّ فِيهَا لِصَاحِبِ الْيَدِ، وَلَوْ لَمْ يَقِلْ: إِلَى أَنْ مَاتَ عَنْهَا، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَحْوَطَ، لِأَنَّهُ إِذَا أَثْبَتَ مِلْكَ أَبِيهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَقَدْ أَثْبَتَ مِلْكَهُ إِلَى حِينِ مَوْتِهِ.
فَإِذَا حَلَفَ جَرَى عَلَيْهَا مِلْكُ أَبِيهِ، وَانْتَقَلَتْ إِلَيْهِ مِيرَاثًا، وَقَضَى مِنْهَا دُيُونَهُ، وَنَفَّذَ مِنْهَا وَصَايَاهُ.
فَإِنْ قِيلَ: أَفَلَسْتُمْ تَقُولُونَ: إِنَّهُ لَا يَمْلِكُ أَحَدٌ مَالًا بِيَمِينِ غَيْرِهِ؟ فَلِمَ قُلْتُمْ: الْأَبُ مَالِكٌ بِيَمِينِ ابْنِهِ؟ قِيلَ: لِأَنَّ الِابْنَ قَائِمٌ مَقَامَ الْأَبِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْمِلْكِ، فَقَامَ مَقَامَهُ فِي إِثْبَاتِهِ بِالْيَمِينِ، كَمَا يَحْلِفُ الْوَكِيلُ عَلَى مَا ابْتَاعَهُ لِمُوكِّلِهِ، وَيَحْلِفُ الْعَبْدُ عَلَى مَا ابْتَاعَهُ، وَإِنْ

كَانَ الْمِلْكُ لِغَيْرِهِ.
فَإِنْ نَكَلَ هَذَا الِابْنُ عَنْ يَمِينِ الرَّدِّ، وَأَجَابَ إِلَيْهَا أَرْبَابُ الدُّيُونِ وَالْوَصَايَا نُظِرَ: فَإِنِ اتَّسَعَتِ التَّرِكَةُ لِقَضَاءِ دُيُونِهِمْ وَوَصَايَاهُمْ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْلِفُوا.
وَإِنْ ضَاقَتِ التَّرِكَةُ عَنْ دُيُونِهِمْ وَوَصَايَاهُمْ، فَفِي جَوَازِ إِحْلَافِهِمْ عَلَيْهَا قَوْلَانِ مَضَيَا.
فَإِذَا أُحْلِفُوا ثَبَتَ مِنْ مِلْكِ الْمَيِّتِ بِقَدْرِ الدُّيُونِ وَالْوَصَايَا، وَبَقِيَ مَا زَادَ عَلَيْهَا عَلَى مِلْكٍ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، لَا يَمْلِكُهُ الْوَرَثَةُ كَمَا لَوْ حَلَفَ بَعْضٌ الْوَرَثَةِ أَثْبَتَ بِيَمِينِهِ حَقَّ نَفْسِهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ بِهَا حَقُّ غَيْرِهِ مِنَ الْوَرَثَةِ.
وَأَمَّا الْيَمِينُ فِي الدَّيْنِ، فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لِنَفْسِهِ.
وَالثَّانِي: لِأَبِيهِ.
فَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ لَهُ كَادِّعَائِهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ دَيْنًا لَهُ، فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُطْلِقَهَا.
وَالثَّانِي: أَنْ يَذْكُرَ سَبَبَهَا.
فَإِنْ أَطْلَقَهَا حَلَفَ يَمِينًا عَلَى إِثْبَاتِهَا، وَنَفَى مَا يُسْقِطُهَا، فَيَقُولُ: وَاللَّهِ إِنَّ لِي عَلَيْهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ مَا قَبَضْتُهَا، وَلَا شَيْئًا مِنْهَا، وَلَا قُبِضَتْ لِي، وَلَا شَيْءٌ مِنْهَا، وَلَا أَحَلْتُ بِهَا، وَلَا بِشَيْءٍ مِنْهَا، وَلَا أَبْرَأْتُهُ مِنْهَا، وَلَا مِنْ شَيْءٍ مِنْهَا، وَلَا وَجَبَ لَهُ عَلَيَّ مَا يَبْرَأُ بِهِ مِنْهَا أَوْ مِنْ شَيْءٍ مِنْهَا، لِأَنَّهُ قَدْ يَجْنِي عَلَيْهِ أَوْ يَشْتَرِي مِنْهُ بِقَدْرِ دَيْنِهِ، فَيَصِيرُ قِصَاصًا فِي قَوْلِ مَنْ يَجْعَلُ الدُّيُونَ الْمُتَمَاثِلَةَ قِصَاصًا.
ثُمَّ يَقُولُ: وَإِنَّهَا لَثَابِتَةٌ عَلَيْهِ إِلَى وَقْتِي هَذَا، فَتَكُونُ يَمِينُهُ إِذَا اسْتُوفِيَتْ بِكَمَالِهَا مُشْتَمِلَةً عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا: إِثْبَاتُ اسْتِحْقَاقِهَا.
وَالثَّانِي: نَفْيُ سُقُوطِهَا.
وَالثَّالِثُ: بَقَاؤُهَا إِلَى وَقْتِ يَمِينِهِ.
فَأَمَّا إِثْبَاتُهَا بِالْيَمِينِ، فَمُسْتَحَقٌّ.
وَأَمَّا بَقَاؤُهَا إِلَى وَقْتِ الْيَمِينِ فَمُسْتَحَبٌّ.
وَأَمَّا نَفْيُ إِسْقَاطِهَا، فَفِيهِ وَجْهَانِ مُحْتَمَلَانِ: أَحَدُهُمَا: مُسْتَحَقٌّ، لِأَنَّ ثُبُوتَهَا لَا يَمْنَعُ مِنْ حُدُوثِ مَا يُسْقِطُهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: مُسْتَحَبٌّ، لِأَنَّ إِثْبَاتَهَا فِي الْحَالِ يَمْنَعُ مِنْ سُقُوطِهَا مِنْ قبل.

وَإِنْ ذَكَرَ سَبَبَ اسْتِحْقَاقِهَا أَنَّهُ مِنْ قَرْضٍ أَوْ غَصْبٍ أَوْ قِيمَةِ مُتْلَفٍ أَوْ ثَمَنِ مَبِيعٍ نُظِرَ: فَإِنْ كَانَ السَّبَبُ ظاهرا يحتمل أن يكون له فيه بينة وجب أن يذكر سَبِّبُ الِاسْتِحْقَاقَ فِي يَمِينِهِ، لِأَنْ لَا يُقِيمَهَا، فَيَسْتَحِقُّ بِهَا أَلْفًا أُخْرَى، وَإِنْ كَانَ السَّبَبُ خَفِيًّا لَمْ يَجِبْ ذِكْرُهُ فِي الْيَمِينِ، وَكَانَ ذِكْرُهُ فِيهَا احْتِيَاطًا.

(فَصْلٌ)

: وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ لِأَبِيهِ حَلَفَ عَلَى إِثْبَاتِهِ قَطْعًا، وَعَلَى نَفْيِ سُقُوطِهِ عِلْمًا، فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ لِأَبِي عَلَيْكَ أَلْفًا لَا أَعْلَمُهُ قَبَضَهَا، وَلَا شَيْئًا مِنْهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، لِأَنَّ إِثْبَاتَ فِعْلِ الْغَيْرِ مُسْتَحَقٌّ عَلَى الْبَتِّ، وَنَفْيَ فِعْلِ الْغَيْرِ مُسْتَحَقٌّ عَلَى الْعِلْمِ.
فَإِنْ كَانَ الِابْنُ هُوَ الْوَارِثَ وَحْدَهُ، اسْتَحَقَّ جَمِيعَهَا، وَإِنْ كَانَ أَحَدَ الْوَرَثَةِ اسْتَحَقَّ مِنْهَا قَدْرَ نَصِيبِهِ، وَكَانَ بَاقِيهَا مَوْقُوفًا عَلَى إِثْبَاتِ شُرَكَائِهِ فِيهَا، وَلَيْسَ لَهُمْ إِنْ نَكَلُوا أَنْ يُشَارِكُوا الْحَالِفَ فِي حَقِّهِ، لِأَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَى الْوُصُولِ إِلَى حُقُوقِهِمْ بِمِثْلِ وُصُولِهِ.

(فَصْلٌ)

: وَأَمَّا الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ، فَهِيَ كَيَمِينِ الْإِثْبَاتِ فِي الرَّدِّ بَعْدَ النُّكُولِ.
وَاخْتَلَفَ أصحابنا هل يلزمه أن يذكر فيها؛ وأن مَا شَهِدَ بِهِ شَاهِدُهُ حَقٌّ، وَصِدْقٌ عَلَى مَا شَهِدَ بِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهُ ذَاكَ تَحْقِيقًا لِشَهَادَتِهِ، وَإِثْبَاتًا لِقَوْلِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ فِي يَمِينِهِ بِمَثَابَةِ الشَّاهِدِ الْآخَرِ، وَلَيْسَ يَلْزَمُ الشَّاهِدُ أَنْ يَشْهَدَ بِصِدْقِ الْآخَرِ وَصِحَّةِ شَهَادَتِهِ.
(فَصْلٌ) : فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي أَيْمَانِ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، فَصُورَةُ مَسْأَلَتِنَا فِي رَجُلٍ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَلْفًا، فذكر المدعى عليه أنه قد برىء مِنْهَا، فَصَارَ مُقِرًّا بِهَا، وَمُدَّعِيًا لِسُقُوطِهَا عَنْهُ بعد وجوبها عليه، وصار المدعي مدعيا عَلَيْهِ قَدِ اسْتَحَقَّ الْأَلْفَ بِالْإِقْرَارِ، وَوَجَبَتْ عَلَيْهِ يَمِينُ النَّفْيِ فِي الْإِنْكَارِ.
وَهِيَ مُعْتَبَرَةٌ بِدَعْوَى الْبَرَاءَةِ، وَدَعْوَاهَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُطْلِقَهَا.
وَالثَّانِي: أَنْ يُعَيِّنَهَا.
فَإِنْ أَطْلَقَهَا وَقَالَ: قَدْ بَرِئْتُ إِلَيْهِ مِنْهَا، فَقَدْ عَمَّ، وَلَمْ يَخُصَّ، فَيَكُونُ يَمِينُ الْمُنْكِرِ لَهَا عَلَى الْعُمُومِ عَلَى مَا وَصَفَهَا الشَّافِعِيُّ فِي اشْتِمَالِ يَمِينِهِ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْبَرَاءَاتِ، فَيَقُولُ: وَاللَّهِ مَا قَبَضْتُهَا، وَلَا شَيْئًا مِنْهَا، وَلَا قَبَضَهَا لَهُ قَابِضٌ بِأَمْرِهِ، وَلَا شَيْئًا مِنْهَا، وَعَبَّرَ الشَّافِعِيُّ عَنِ الْقَبْضِ بِالِاقْتِضَاءِ، وَعَنِ الْأَمْرِ بِالْعِلْمِ، وَذِكْرُ الْقَبْضِ أَوْلَى مِنَ الِاقْتِضَاءِ لِأَنَّ الِاقْتِضَاءَ الْمُطَالَبَةُ وَالْقَبْضَ الِاسْتِيفَاءُ، وَهُوَ لَا يَبْرَأُ بِالِاقْتِضَاءِ، وَيَبْرَأُ بِالِاسْتِيفَاءِ.

وَذِكْرُ الْأَمْرِ أَوْلَى مِنَ الْعِلْمِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَعْلَمُ أَنَّهُ قَبَضَهَا مَنْ لَمْ يَأْمُرْهُ، فَلَا يَبْرَأُ بِهِ.
ثُمَّ يَقُولُ: وَلَا أَحَالَ بِهَا عَلَيْهِ وَلَا بِشَيْءٍ مِنْهَا، وَلَا أَبْرَأَهُ مِنْهَا، وَلَا عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا.
وَزَادَ الشَّافِعِيُّ فِي " الْأُمِّ ": " وَلَا كَانَ مِنْهُ مَا يَبْرَأُ بِهِ مِنْهَا، وَلَا مِنْ شَيْءٍ مِنْهَا " يَعْنِي: مِنْ جِنَايَةٍ عَلَيْهِ أَوْ إِتْلَافٍ لِمَالِهِ بِقَدْرِ دَيْنِهِ، وَيَقُولُ: وَإِنَّهَا لَثَابِتَةٌ عَلَيْهِ إِلَى وَقْتِ يَمِينِهِ هَذِهِ.
فَهَذِهِ سِتَّةُ أَشْيَاءَ ذَكَرَهَا الشَّافِعِيُّ فِي اشْتِمَالِ يَمِينِهِ عَلَيْهَا، اخْتَصَّ الشَّافِعِيُّ بِذِكْرِهَا وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهَا أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ أَصْحَابُهُ أَنَّ السَّادِسَ مِنْهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ: " وَإِنَّهَا لَثَابِتَةٌ عَلَيْهِ إِلَى وَقْتِ يَمِينِهِ " أَنَّهُ اسْتِظْهَارٌ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْخَمْسَةِ الْبَاقِيَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ لِتَشْتَمِلَ على أنواع البراءات، فينتهي بهما احْتِمَالُ التَّأْوِيلِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ اسْتِظْهَارٌ، وَلَوِ اقْتَصَرَ فِي يَمِينِهِ عَلَى أَنْ قال: ما برىء إِلَيَّ مِنْهَا، وَلَا مِنْ شَيْءٍ مِنْهَا، لَعَمَّ فِي الْحُكْمِ جَمِيعَ أَنْوَاعِهَا مِنْ قَبْضٍ وَحَوَالَةٍ وَإِبْرَاءٍ، وَمَا يُوجِبُ الْإِبْرَاءَ.

(فَصْلٌ)

: وَإِنْ خَصَّ بِنَوْعِ الْإِبْرَاءِ مَا يَعُمُّ، فَقَالَ: دَفَعْتُهَا إِلَيْهِ أَوْ قَالَ: أَحَالَ بِهَا عَلَيَّ، أَوْ قَالَ: أَبْرَأَنِي مِنْهَا، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا: هَلْ تَكُونُ يَمِينُهُ مَقْصُورَةً عَلَى النَّوْعِ الَّذِي ادَّعَاهُ أَوْ مُشْتَمِلَةً عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْوَاعِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ ظَاهِرُ مَا أَطْلَقَهُ الشَّافِعِيُّ: أَنَّهَا تَشْتَمِلُ عَلَى عُمُومِ أَنْوَاعِ الْبَرَاءَاتِ فِي ذِكْرِ الْأَنْوَاعِ الْخَمْسَةِ، لِأَنَّهَا أَنْفَى لِلِاحْتِمَالِ، وَهَلْ تَكُونُ عَلَى الِاحْتِيَاطِ أَوْ عَلَى الْوُجُوبِ؟ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَصَحُّ أَنَّ يَمِينَهُ تَكُونُ مَقْصُورَةً عَلَى النَّوْعِ الَّذِي ادَّعَى الْبَرَاءَةَ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ، لِأَنَّ مَا لَمْ يَذْكُرْهُ لَمْ يُتَبَرَّعْ بِهِ لَهُ، وَمَا لَمْ يَدَّعِهِ لَمْ يَحْلِفْ عَلَيْهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(مسألة)

: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِنْ أُحْلِفَ قَالَ وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَعْلَمُ مِنَ السِّرِّ مَا يَعْلَمُ مِنَ الْعَلَانِيَةِ ثُمَّ يَنْسِقُ الْيَمِينَ ".

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا هُوَ الْأَوْلَى فِي صِفَةِ الْيَمِينِ، لِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِلزَّجْرِ، فَعَدَلَ بِهَا عَنْ مَعْهُودِ الْأَيْمَانِ، فِيمَا يُكْثِرُونَهُ فِي كَلَامِهِمْ مِنْ لَغْوِ الْيَمِينِ، لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الزَّجْرِ عَنْهَا، وَأَمْنَعُ مِنَ الْإِقْدَامِ عَلَيْهَا.
وَأَوْلَى الْأَيْمَانِ الزَّاجِرَةِ مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ أَنْ يَقُولَ: وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الَّذِي يَعْلَمُ مِنَ السِّرِّ مَا يَعْلَمُ مِنَ العلانية، وقال في الأم ﴿الَّذِي يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ، وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ ، وَهُمَا سَوَاءٌ فِي الْمَعْنَى، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ أَوْلَى لِأَنَّ نَسَقَهَا إِلَى الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَدْ تضمنها القرآن، وقوله: " الَّذِي يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ، تَنْبِيهًا لِلْحَالِفِ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ بِصِدْقِهِ، وَكَذِبِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ فِي إِحْلَافِهِ مِمَّا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْحُكَّامِ: بِاللَّهِ الطَّالِبِ الْغَالِبِ، الضَّارِّ، النَّافِعِ، الْمُدْرِكِ، الْمُهْلِكِ، جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي نَسَقِ تِلَاوَتِهَا فِي الْقُرْآنِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَنْبِيهِ الْحَالِفِ عَلَى اسْتِدْفَاعِ مَضَارِّهِ، وَاجْتِلَابِ مَنَافِعِهِ، وَمِنْ زَجْرِ الْحَالِفِ أَنْ يَعِظَهُ الْحَاكِمُ قَبْلَ إِحْلَافِهِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [آل عمران: 77] وبقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مَنْ حَلَفَ يَمِينًا كَاذِبَةً، لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امرىء مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ ". وَحُكِيَ أَنَّ رَجُلًا قَدِمَ إِلَى الْحَاكِمِ، فَهَمَّ بِالْيَمِينِ، فَلَمَّا وَعَظَهُ بِهَذَا امْتَنَعَ وَأَقَرَّ، وَقَالَ: مَا ظَنَنْتُ أَنَّ الْحَالِفَ يَسْتَحِقُّ هَذَا الْوَعِيدَ.
فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى إِحْلَافِهِ بِاللَّهِ أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَةِ ذَاتِهِ، كَقَوْلِهِ: وَعِزَّةِ اللَّهِ، وَعَظَمَةِ اللَّهِ، جَازَ.
قَدِ اقْتَصَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي إِحْلَافِ رُكَانَةَ عَلَى أَنْ أَحْلَفَهُ بِاللَّهِ، لِأَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ أَسْمَائِهِ، وَقِيلَ: هُوَ اسْمُهُ الْأَعْظَمُ، وَقِيلَ: فِي تَأْوِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65] ، أَيْ: مَنْ يَتَسَمَّى بِاللَّهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَتَسَمَّ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ، وَإِنْ تَسَمُّوا بِغَيْرِهِ مِنْ أَسْمَائِهِ.
وَشَذَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، فَقَالَ: لَا يُجْزِئُهُ إِحْلَافُهُ بِاللَّهِ، حَتَّى يُغَلِّظَهَا بِمَا وَصَفْنَا، لِيَخْرُجَ بِهَا عَنْ عَادَتِهِ، وَيُعِيدَهَا الْحَاكِمُ عَلَيْهِ مُغَلَّظَةً.
فَأَمَّا إِحْلَافُهُ بِالْمُصْحَفِ، وَمَا فِيهِ مِنَ الْقُرْآنِ، فَقَدْ حَكَى الشَّافِعِيُّ عَنْ مُطَرِّفٍ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ يحلف على المصحف، قال: ورأيت مطرفا بضعا يَحْلِفُ عَلَى الْمُصْحَفِ.

قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَهُوَ حَسَنٌ، وَعَلَيْهِ الْحُكَّامُ بِالْيَمَنِ، وَهَذَا إِنَّمَا اسْتَحْسَنَهُ فِيمَا تُغَلَّظُ فِيهِ الْيَمِينُ بِالْمَكَانِ وَالزَّمَانِ.
فَأَمَّا إِحْلَافُهُ بِالْمَلَائِكَةِ وَالرُّسُلِ وَمَا يَعْظُمُ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، فَلَا يَجُوزُ، لِمَا رَوَى عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " سَمِعَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَنَا أَقُولُ: وَذِمَّةِ الْخَطَّابِ، فَضَرَبَ كَتِفِي وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كان حالفا، فليحلف بالله أو فليصمت ". قال عمر: فما حلفت بها بعد ذَاكِرًا وَلَا آثِرًا، وَفِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: عَاهِدًا، وَلَا نَاسِيًا.
وَالثَّانِي: قَائِلًا وَلَا حَاكِيًا.
فَإِنْ أَحْلَفَهُ الْحَاكِمُ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، فَقَدْ أَسَاءَ وَأَثِمَ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حُكْمُ الْيَمِينِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحَلِّفَ أَحَدًا بِطَلَاقٍ وَلَا عِتْقٍ وَلَا نَذْرٍ، لِأَنَّهَا تَخْرُجُ عَنْ حُكْمِ الْيَمِينِ إِلَى إِيقَاعِ فُرْقَةٍ، وَالْتِزَامِ غُرْمٍ، وَهُوَ مُسْتَبْدَعٌ، وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ: (رَأَيْتُ كُلَيْبًا أَحْدَثَتْ فِي قَضَائِهَا ... طَلَاقَ نِسَاءٍ لَمْ يَسُوقُوا لَهَا مَهْرًا)

قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَمَتَى بَلَغَ الْإِمَامُ أَنَّ حَاكِمًا يَسْتَحْلِفُ النَّاسَ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ عَزَلَهُ عَنِ الْحُكْمِ، لأنه جاهل.
والله أعلم بالصواب.

(مسألة)

: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ الْيَمِينُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ الْحَاكِمُ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ رَكَانَةَ قَالَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِنِّي طَلَّقْتُ امْرَأَتِي الْبَتَّةَ وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ إِلَّا وَاحِدَةً فَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ " وَاللَّهِ مَا أَرَدْتَ إِلَّا وَاحِدَةً "؟ فَرَدَّهَا إِلَيْهِ وَهَذَا تجويزا لِلْيَمِينِ فِي الطَّلَاقِ وَالرَّجْعَةِ فِي طَلَاقِ الْبَتَّةِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا وَجَبَتِ الْيَمِينُ على خصم في نفي أو إثبات، فعجلها عِنْدَ الْحَاكِمِ قَبْلَ اسْتِحْلَافِهِ، لَمْ تُجْزِهِ، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا الْحُكْمُ الْمَطْلُوبُ، وَاسْتَحْلَفَهُ الْحَاكِمُ عَلَيْهَا، وَإِنْ تَقَدَّمَ سَمَاعُهَا مِنْهُ؛ لِأُمُورٍ مِنْهَا: مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ حَدِيثِ رُكَانَةَ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " إِنِّي طَلَّقْتُ امْرَأَتِي الْبَتَّةَ، وَوَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ إِلَّا وَاحِدَةً، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " وَاللَّهِ مَا أَرَدْتَ إِلَّا وَاحِدَةً "؟ فَرَدَّهَا عَلَيْهِ، وَإِنْ سَمِعَهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدَّمَهَا قَبْلَ اسْتِحْلَافِهِ.
ولأن من شرط اليمين استيفاء الحاكم لها، لِتَكُونَ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ دُونَ الْحَالِفِ، وَهَذَا الشَّرْطُ مَعْدُومٌ فِي الْيَمِينِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَلَمْ يَقَعْ مَوْقِعَ الْإِجْزَاءِ.
وَلِأَنَّهَا مُؤَقَّتَةٌ بَعْدَ نَظَرِ الْحَاكِمِ وَاجْتِهَادِهِ، فَكَانَ تَقْدِيمُهَا فِي مَجْلِسِهَا كَتَقْدِيمِهَا فِي

غَيْرِ مَجْلِسِهِ، وَكَلِعَانِ الزَّوْجَيْنِ إِذَا قَدَّمَاهُ قَبْلَ لِعَانِ الْحَاكِمِ بَيْنَهُمَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمُ اللِّعَانِ.

(فَصْلٌ)

: فَإِذَا ثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْيَمِينَ الْمُسْتَحَقَّةَ فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ هِيَ الَّتِي يَسْتَوْفِيهَا الْحَاكِمُ عَلَى الْحَالِفِ، فَمِنْ صِفَتِهِ فِي أَخْذِهَا عَلَيْهِ أَنْ يَأْمُرَهُ بِهَا، فَصْلًا بَعْدَ فَصْلٍ، يَقُولُ الْحَالِفَ فِي كُلِّ فَصْلٍ مِنْهَا مِثْلَ مَا يَأْمُرُهُ الْحَاكِمُ عَلَى سَوَاءٍ، لِأَنَّ يَمِينَهُ مَحْمُولَةٌ عَلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ، فَلَمْ يَجُزْ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُفَوِّضَهَا إِلَيْهِ، فَتَكُونَ مَرْدُودَةً إِلَى اجْتِهَادِهِ، فَتَصِيرَ مَحْمُولَةً عَلَى نِيَّتِهِ لَا عَلَى نِيَّةِ مُسْتَحْلِفِهِ، فَإِنْ فَوَّضَهَا الْحَاكِمُ إِلَيْهِ، فَاسْتَوْفَاهَا الْحَالِفُ عَلَى نَفْسِهِ كَانَ الْحَاكِمُ مُقَصِّرًا فِي حَقِّ الْمُسْتَحْلِفِ.
وَفِي إِجْزَاءِ الْيَمِينِ وَجْهَانِ مُحْتَمَلَانِ: أحدهما: تجزىء فِيمَا يَجِبُ بِهَا مِنْ نَفْيٍ وَإِثْبَاتٍ، لِأَنَّهَا بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ، وَعَنْ أَمْرِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا تجزىء، لِأَنَّهَا تَصِيرُ مَحْمُولَةً عَلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ، وَهِيَ مُسْتَحَقَّةٌ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ، فَكَانَتْ غَيْرَ الْمُسْتَحَقَّةِ.
وَإِذَا أَخَذَهَا الْحَاكِمُ عَلَى الْحَالِفِ، فَقَالَ بَعْدَ يَمِينِهِ: " إِنْ شَاءَ اللَّهُ " أَعَادَهَا عَلَيْهِ، لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى يَرْفَعُ حُكْمَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ عَلَّقَهَا بِشَرْطٍ أَوْ وَصَلَهَا بِكَلَامٍ لَمْ يَفْهَمْهُ الْحَاكِمُ أَعَادَهَا عَلَيْهِ، وَهَكَذَا لَوْ قَطَعَهَا الْحَالِفُ أَوْ أَدْخَلَ فِي إِثْبَاتِهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا أَعَادَهَا الْحَاكِمُ عَلَيْهِ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا، وَزَجَرَهُ عَلَيْهِ إِنْ عَمَدَ حَتَّى تُخَلَّصَ الْيَمِينُ مِنِ اسْتِثْنَاءٍ يَرْفَعُهَا أَوْ شَرْطٍ يُفْسِدُهَا، أَوْ إِدْخَالِ كَلَامٍ يَقْطَعُهَا، أَوْ سُكُوتٍ يُبْطِلُ مَا تَقَدَّمَهَا.
(فَصْلٌ) : وَإِذَا كَانَ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ أَخْرَسَ، فَإِنْ كَانَ مَفْهُومَ الْإِشَارَةِ أُحْلِفَ بِالْإِشَارَةِ لِأَنَّهَا فِي حَقِّ الْأَخْرَسِ تَقُومُ مَقَامَ الْعِبَارَةِ فِي حَقِّ النَّاطِقِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَفْهُومِ الْإِشَارَةِ كَانَ الْحُكْمُ مَوْقُوفًا إِلَى أَنْ يَزُولَ مَا بِهِ أَوْ تُفْهَمَ إِشَارَتُهُ، كَمَا يُوقَفُ الْحُكْمُ فِي حَقِّ الْمَجْنُونِ إِلَى حَالِ إِفَاقَتِهِ، فَإِنْ طَلَبَ الْمُدَّعِي رَدَّ الْيَمِينِ عَلَيْهِ، لِتَعَذُّرِ الْيَمِينِ مِنْ جِهَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّهَا لَا تُرَدُّ إِلَّا بَعْدَ النُّكُولِ عَنْهَا، وَلَمْ يُعْرَفْ نُكُولُ الْأَخْرَسِ عَنْهَا.
(فَصْلٌ) : قَالَ الشَّافِعِيُّ: " وَهَكَذَا يَجُوزُ الْيَمِينُ فِي الطَّلَاقِ وَالرَّجْعَةُ فِي طَلْقَةِ الْبَتَّةِ "، يُرِيدُ بِهِ حَدِيثَ رُكَانَةَ، فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الْأَحْكَامِ بَعْدَ أَنْ دَلَّ عَلَى إِعَادَةِ الْيَمِينِ إِذَا قُدِّمَتْ عَلَى الِاسْتِحْلَافِ، فَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ عَلَى حُكْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وُجُوبُ الْيَمِينِ فِي الطَّلَاقِ.

وَالثَّانِي: اسْتِحْقَاقُ الرَّجْعَةِ فِي طَلْقَةِ الْبَتَّةِ.
وَقَدِ اسْتَخْرَجَ أَصْحَابُنَا مِنْهُ أَدِلَّةً عَلَى أَحْكَامٍ فِي ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: الِاسْتِحْلَافُ، وَفِيهِ أَدِلَّةٌ عَلَى خمسة أحكام: أحدهما: أن تعجل اليمين قبل الاستحلاف لا يجزىء.
وَالثَّانِي: جَوَازُ الِاقْتِصَارِ فِي الْيَمِينِ عَلَى إِحْلَافِهِ بِاللَّهِ مِنْ غَيْرِ تَغْلِيظٍ بِصِفَاتِهِ.
وَالثَّالِثُ: جَوَازُ حَذْفِ وَاوِ الْقَسَمِ مِنَ الْيَمِينِ، فَقَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ لِرُكَانَةَ: " اللَّهِ إِنَّكَ أَرَدْتَ وَاحِدَةً؟ " فَقَالَ: اللَّهِ إِنِّي أَرَدْتُ وَاحِدَةً ". وَالرَّابِعُ: اسْتِحْقَاقُ الْيَمِينِ فِي الطَّلَاقِ وَالنِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ إِذَا وَقَعَ فِيهِ الْخِلَافُ وَالتَّنَازُعُ بِخِلَافِ مَا يَقُولُهُ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَمِينَ فِي ذَلِكَ.
وَالْخَامِسُ: اسْتِحْلَافُهُ عَلَى نِيَّتِهِ، وَإِنْ لَمْ تُعْلَمْ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: الطَّلَاقُ، وَفِيهِ أَدِلَّةٌ عَلَى خَمْسَةِ أَحْكَامٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْبَتَّةَ لَا تَكُونُ طَلَاقًا ثَلَاثًا، بِخِلَافِ مَا قَالَهُ مَالِكٌ، فَإِنَّهُ جَعَلَ الْبَتَّةَ ثَلَاثًا، وَقَدْ جَعَلَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَاحِدَةً بِإِرَادَةِ رُكَانَةَ.
وَالثَّانِي: أَنَّ اللَّفْظَ مَحْمُولٌ عَلَى إِرَادَةِ الْمُطَلِّقِ، فَإِنْ لَمْ يُرِدْ بِهِ الطَّلَاقَ لَمْ يَقَعْ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُحْمَلَ عَلَى إِرَادَتِهِ فِي الْعَدَدِ، وَأَنَّهُ إِنْ أَرَادَ طَلْقَتَيْنِ وَقَعَتَا بِخِلَافِ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ إِلَّا وَاحِدَةً أَوْ ثَلَاثًا، وَلَا يَقَعُ بِهِ طَلْقَتَانِ، وَقَدْ أُحْلِفَ رُكَانَةَ عَلَى مَا أَرَادَهُ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّ طَلَاقَ الثَّلَاثَةِ يَقَعُ دُفْعَةً وَاحِدَةً إِذَا أُرِيدَ، بِخِلَافِ مَا قَالَهُ أَهْلُ الظَّاهِرِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ، تَقَعُ بِهِ وَاحِدَةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ بِحَالٍ.
وَلَوْ لَمْ تَقَعِ الثَّلَاثَةُ مَا أُحْلِفَ رُكَانَةَ عَلَى إِرَادَةِ الواحدة.

وَالْخَامِسُ: أَنَّ طَلَاقَ الثَّلَاثِ لَيْسَ بِبِدْعَةٍ وَلَا حَرَامٍ بِخِلَافِ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُبْتَدَعًا حَرَامًا مَا أُحْلِفَ رُكَانَةَ عَلَيْهِ، وَلَبَيَّنَهُ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَهُ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: الرَّجْعَةُ، وَفِيهِ أَدِلَّةٌ عَلَى خمسة أحكام: أحدهما: أَنَّ الرَّجْعَةَ مُسْتَحَقَّةٌ فِي الْبَتَّةِ بِخِلَافِ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ إنَّهَا تَكُونُ طَلْقَةً بَائِنَةً، لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " أَقَرَّ رُكَانَةَ عَلَى زَوْجَتِهِ ". وَالثَّانِي: اسْتِحْقَاقُ الرَّجْعَةِ فِي كُلِّ طَلَاقٍ، لَمْ يُبَتَّ.
وَالثَّالِثُ: اخْتِصَاصُ الرَّجْعَةِ بِالْقَوْلِ فِي قِصَّةِ رُكَانَةَ بِرَدِّهَا عَلَيْهِ.
وَالرَّابِعُ: جَوَازُ الرَّجْعَةِ بِغَيْرِ عِلْمِ الزَّوْجَةِ، لِرَجْعَةِ رُكَانَةَ بِغَيْرِ عِلْمِهَا.
وَالْخَامِسُ: جَوَازُهَا بِغَيْرِ شَهَادَةٍ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(باب الامتناع من اليمين)

(مسألة)

: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِذَا كَانَتِ الدَّعْوَى غَيْرَ دَمٍ فِي مَالٍ أحلف المدعى عليه فإن حلف برىء وَإِنْ نَكَلَ قِيلَ لِلْمُدَّعِي احْلِفْ وَاسْتَحِقَّ فَإِنْ أَبَيْتَ سَأَلْنَاكَ عَنْ إِبَائِكَ فَإِنْ كَانَ لِتَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ لِتَنْظُرَ فِي حِسَابِكَ تَرَكْنَاكَ وَإِنْ قُلْتَ لَا أُؤَخِّرُ ذَلِكَ لِشَيْءٍ غَيْرَ أَنَّى لَا أَحْلِفُ أَبْطَلْنَا أَنْ تَحْلِفَ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، وَإِنَّمَا شَرَطَ أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى فِي غَيْرِ دَمٍ، لِأَنَّ دَعْوَى الدَّمِ مُخَالِفَةٌ لِدَعْوَى الْمَالِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَبْدَأُ بِيَمِينِ الْمُدَّعِي مَعَ اللَّوْثِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَحْلِفَ فِي الدَّمِ خَمْسِينَ يَمِينًا.
وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ مُمْتَنِعَانِ فِي دَعْوَى الْأَمْوَالِ.
فَإِذَا كَانَتِ الدَّعْوَى فِي مَالٍ، وَأَنْكَرَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
قِيلَ لِلْمُدَّعِي: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ فَإِنْ أَقَامَهَا حُكِمَ لَهُ بِهَا، وَلَمْ يَحْلِفِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَهَا، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِلْحَضْرَمِيِّ لَمَّا تَحَاكَمَ إِلَيْهِ مَعَ الْكِنْدِيِّ: " أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ " قَالَ: لَا، قَالَ: لَكَ يَمِينُهُ لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّا ذَاكَ ". فَقَدَّمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْيَمِينِ، وَلِأَنَّ الْبَيِّنَةَ حُجَّةٌ خَارِجَةٌ عَنِ الْمُحْتَجِّ بِهَا، فَانْتَفَتِ التُّهْمَةُ عَنْهَا، وَالْيَمِينُ صَادِرَةٌ عَنِ الْمُحْتَجِّ بِهَا فَتَوَجَّهَتِ التُّهْمَةُ إِلَيْهَا، وَمَا عُدِمَتِ التُّهْمَةُ فِيهِ أَقْوَى مِمَّا تَوَجَّهَتْ إِلَيْهِ.
وَتَقْدِيمُ الْأَقْوَى عَلَى الْأَضْعَفِ أَوْلَى مِنْ تَقْدِيمِ الْأَضْعَفِ عَلَى الْأَقْوَى؛ وَلِأَنَّ الْبَيِّنَةَ قَوْلُ اثْنَيْنِ، وَالْيَمِينَ قَوْلُ وَاحِدٍ، وَقَوْلُ الِاثْنَيْنِ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الْوَاحِدِ.
فَإِنْ لَمْ يُقِمِ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ مَعَ عَدَمِ الْبَيِّنَةِ أَقْوَى مِنَ الْمُدَّعِي، لِأَنَّ الدَّعْوَى إِنْ كَانَتْ فِي دَيْنٍ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ، فَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ.
وَإِنْ كَانَتْ فِي عَيْنٍ بِيَدِهِ دَلَّتِ الْيَدُ فِي الظَّاهِرِ عَلَى مِلْكِهِ، وَقِيلَ لِلْمُدَّعِي: قَدْ وَجَبَتْ لَكَ عَلَيْهِ الْيَمِينُ، فَأَنْتَ فِي اسْتِقْضَائِهَا عَلَيْهِ مُخَيَّرٌ، فَإِنْ أَعْفَاهُ أَمْسَكَ عَنِ

الْمُطَالَبَةِ، وَإِنْ طَالَبَ بِهَا قِيلَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ: أَتَحْلِفُ؟ فَإِنْ حَلَفَ سَقَطَتِ الدَّعْوَى وَإِنْ نَكَلَ لَمْ يُسْأَلْ عَنْ سَبَبِ النُّكُولِ إِلَّا أَنْ يبتدىء، فَيَقُولَ: أَنَا مُتَوَقِّفٌ عَنِ الْيَمِينِ، لِأَنْظُرَ فِي حِسَابِي، وَأَسْتَثْبِتَ حَقِيقَةَ أَمْرِي، فَيُنْظَرَ مَا قَلَّ مِنَ الزَّمَانِ، وَلَا يَبْلُغُ إِنْظَارُهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
وإن لم يبتدىء بِذِكْرِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِتَوَقُّفِهِ حُكِمَ بِنُكُولِهِ، وَلَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ بِالدَّعْوَى حَتَّى يَحْلِفَ الْمُدَّعِي عَلَى اسْتِحْقَاقِهَا.
وَحَكَمَ عَلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ بِالْحَقِّ إِذَا نَكَلَ.
وَالْكَلَامُ مَعَهُ يَأْتِي.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: لِأَنَّ نُكُولَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنِ الْيَمِينِ لَيْسَ بِإِقْرَارٍ مِنْهُ بِالْحَقِّ، وَلَا بِحُجَّةٍ لِلْمُدَّعِي، فَلَا أَقْضِي عَلَيْهِ، فَإِنْ بَذَلَ الْيَمِينَ، بَعْدَ نُكُولِهِ لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ، لِسُقُوطِ حَقِّهِ مِنْهَا بِالنُّكُولِ.
وَسَوَاءٌ كَانَ بَعْدَ رَدِّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي أَوْ قَبْلَهُ.
فَإِذَا حَلَفَ الْمُدَّعِي صَارَ بِيَمِينِهِ مَعَ نُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَقْوَى مِنْهُ، فَقَضَى بِحَقِّهِ عَلَيْهِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ تَكُونُ يَمِينُهُ مَعَ النُّكُولِ قَائِمَةً مَقَامَ الْإِقْرَارِ أَوْ مَقَامَ الْبَيِّنَةِ عَلَى قولين فذكرهما مِنْ بَعْدُ.
وَإِنْ تَوَقَّفَ الْمُدَّعِي عَنِ الْيَمِينِ لَمْ يُحْكَمْ بِنُكُولِهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ سَبَبِ تَوَقُّفِهِ، فَإِنْ ذَكَرَ أَنَّهُ مُتَوَقِّفٌ عَنِ الْيَمِينِ، لِيَرْجِعَ إِلَى حِسَابِهِ، وَيَسْتَظْهِرَ لِنَفْسِهِ أُنْظِرَ بِهَا، وَكَانَ عَلَى حَقِّهِ مِنَ الْيَمِينِ، وَلَمْ تُضَيَّقْ عَلَيْهِ الْمُدَّةُ.
وَلَوْ تَرَكَهَا تَارِكٌ بِخِلَافِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِذَا اسْتُنْظِرَ، لِأَنَّ يَمِينَ الْمُدَّعِي حَقٌّ لَهُ، وَيَمِينَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَقٌّ عَلَيْهِ.
فَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ الْمُدَّعِي فِي تَوَقُّفِهِ عَنِ الْيَمِينِ عُذْرًا إِلَّا أَنَّهُ لَا يَخْتَارُ أَنْ يَحْلِفَ، حُكِمَ بِنُكُولِهِ، وَسُقُوطِ دَعْوَاهُ.
فَإِنْ دَعَا إِلَى الْيَمِينِ بَعْدَ نُكُولِهِ عَنْهَا لَمْ يُسْتَحْلَفْ بَعْدَ الْحُكْمِ بِنُكُولِهِ، وَقِيلَ: لَكَ أَنْ تَسْتَأْنِفَ الدَّعْوَى، فتصير كالمبتدىء بِهَا، وَيَكُونُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِفَ إِذَا أَنْكَرَهَا؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ الدَّعْوَى الَّتِي حُكِمَ بِنُكُولِهِ فيها، فإن حلف برىء وَسَقَطَتِ الدَّعْوَى، وَإِنْ نَكَلَ رُدَّتْ عَلَى الْمُدَّعِي، فَإِذَا حَلَفَ حُكِمَ لَهُ بِالدَّعْوَى.
فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ سَأَلْتُمُ الْمُدَّعِيَ عَنْ سَبَبِ نُكُولِهِ، وَلَمْ تَسْأَلُوا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ سَبَبِ نُكُولِهِ؟ قِيلَ: لِأَنَّ نُكُولَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَدْ أَوْجَبَ حَقًّا لِلْمُدَّعِي فِي رَدِّ الْيَمِينِ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَعَرَّضَ الْحَاكِمُ لِإِسْقَاطِهِ بِسُؤَالِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَيَمِينُ الْمُدَّعِي مَقْصُورَةٌ عَلَى حَقِّ نَفْسِهِ، لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقٌّ لِغَيْرِهِ، فَجَازَ أَنْ يُسْأَلَ عن سبب امتناعه منها.

(مسألة)

: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِنْ حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يَحْلِفْ فَنَكَلَ الْمُدَّعِي فَأَبْطَلْنَا يَمِينَهُ ثَمَّ جَاءَ بِشَاهِدَيْنِ أَوْ بِشَاهِدٍ وَحَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ أَخَذْنَا لَهُ حَقَّهُ وَالْبَيِّنَةُ الْعَادِلَةُ أَحَقُّ مِنَ الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي دَعْوَى أُحْلِفَ الْمُنْكِرُ عَلَيْهَا، ثُمَّ أَحْضَرَ الْمُدَّعِي بَعْدَ الْيَمِينِ بَيِّنَةً، سُمِعَتْ بَيِّنَتُهُ فِي قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: لَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ يَمِينِهِ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ نَفَذَ بِسُقُوطِ الدَّعْوَى، وَبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُنْقَضَ بِسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ وَاسْتِحْقَاقِ الدَّعْوَى.
وَلِأَنَّهُ قَدِ اعْتَاضَ عَنِ الدَّعْوَى بِالْيَمِينِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ عِوَضَيْنِ.
وَدَلِيلُنَا: مَا رَوَاهُ رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: اخْتَصَمَ رِجَالٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ: " مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مال امرىء مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ ". فَمَوْضِعُ الدَّلِيلِ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلِ الْيَمِينَ مُبَرِّئَةً فِي الْبَاطِنِ، وَإِنِ انْقَطَعَتْ بِهَا الْمُطَالَبَةُ فِي الظَّاهِرِ فَإِذَا قَامَتْ بِهَا الْبَيِّنَةُ لَزِمَتْ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: الْبَيِّنَةُ أَحَقُّ مِنَ الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ.
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا مُسْنَدًا مِنْ طَرِيقٍ لَا يَثْبُتُ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ، وَحُجَّتُهُ أَنْ وُقِفَ وَأُسْنِدَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ لِعُمَرَ فِيهِ مُخَالِفٌ، وَلِأَنَّ الْحَقَّ يَثْبُتُ بِالْإِقْرَارِ تَارَةً، وَبَالْبَيِّنَةِ أُخْرَى.
فَإِذَا لَمْ تَمْنَعِ الْيَمِينُ مِنْ ثُبُوتِ الْحَقِّ بِالْإِقْرَارِ، لَمْ تمنع من ثبوته بالبينة ولو برىء بِالْيَمِينِ لَسَقَطَ بِالْإِقْرَارِ، وَفِيهِ جَوَابٌ عَنِ الِاسْتِدْلَالِ بالبراءة، وتأخذ الْعِوَضُ بِالْيَمِينِ، لِأَنَّ الْيَمِينَ تُسْقِطُ الْمُطَالَبَةَ، وَلَا تبرىء مِنَ الْحَقِّ، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَلَعَلَّ أَحَدَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النَّارِ ".

(فَصْلٌ)

: فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يُسْتَحْلَفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ إِمْكَانِ الْبَيِّنَةِ، فَإِنَّمَا يُسْتَحْلَفُ مَعَ عَدَمِهَا.
قِيلَ: لِلْمُدَّعِي عِنْدَ الْمُطَالَبَةِ بِاسْتِحْلَافِ الْمُدَّعَى عليه ثلاثة أحوال:

أَحَدُهَا: أَنْ يَقُولَ لِي بَيِّنَةٌ لَا أَقْدِرُ عَلَيْهَا لِغَيْبَةٍ أَوْ عُذْرٍ، فَيُسْتَحْلَفُ خَصْمُهُ، ثُمَّ تُحْضَرُ بَيِّنَتُهُ، فَتُسْمَعُ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقُولَ: لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ، وَأَنَا أَطْلُبُ إِحْلَافَ خَصْمِي، فَلَا يُمْنَعُ مِنِ اسْتِحْلَافِهِ، وَلَا مِنْ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ بَعْدَ يَمِينِهِ، لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ حُجَّةٌ لَا يُجْبَرُ عَلَى إِقَامَتِهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَعْدِلَ عَنْهَا إِلَى طَلَبِ الْيَمِينِ، إِمَّا لِيَنْزَجِرَ بِهَا، فَيُقِرَّ، وَإِمَّا لِيَحْتَقِبَ بِهَا وِزْرًا.
فَإِذَا لَمْ يُزْجَرْ بِهَا عَنِ الْإِنْكَارِ جَازَ أَنْ يُقِيمَ الْحُجَّةَ بِبَيِّنَتِهِ، وَيُظْهِرَ بِهَا صِدْقَ الدَّعْوَى، وَكَذِبَ الْإِنْكَارِ، وَحِنْثَ الْيَمِينِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَقُولَ: لَيْسَ لِي بَيِّنَةٌ، وَأَنَا أَطْلُبُ الْيَمِينَ، لِعَدَمِ الْبَيِّنَةِ، فَإِذَا أَقَامَهَا بَعْدَ إِحْلَافِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي قَبُولِهَا.
وَقَدْ حُكِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا لَا تُسْمَعُ، لِأَنَّ فِي إِنْكَارِ الْبَيِّنَةِ حَرَجًا لِمَنْ يَشْهَدُ بِهَا، وَلَا تُسْمَعُ لَهُ بَيِّنَةٌ قَدْ جَحَدَهَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ، وَهُوَ الظَّاهِرِ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَقَوْلِ جُمْهُورِ أَصْحَابِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ تُنْسَى الْبَيِّنَةُ ثُمَّ يَذْكُرُهَا، وَقَدْ تَكُونُ لَهُ بَيِّنَةٌ، وَلَا يَعْلَمُ بِهَا، ثُمَّ يَعْرِفُهَا، فَلَمْ يَكُنْ فِي قَوْلِهِ حَرَجٌ، وَلَا تَكْذِيبٌ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مَذْهَبًا ثَالِثًا: إِنْ كَانَ هُوَ الَّذِي اسْتَوْثَقَ بِإِشْهَادِ الْبَيِّنَةِ لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ إِذَا أَنْكَرَهَا.
وَإِنْ كَانَ قَدِ اسْتَوْثَقَ بِهَا وَلِيُّهُ فِي صِغَرِهِ أَوْ وَكِيلُهُ فِي كِبَرِهِ قُبِلَتْ مِنْهُ إِذَا أَنْكَرَهَا، لِأَنَّهُ لَا يَجْهَلُ فِعْلَ نَفْسِهِ، وَقَدْ يَجْهَلُ فِعْلَ غَيْرِهِ.
وَهَذَا الْفَرْقُ لَا وَجْهَ لَهُ، لِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَجْهَلْ فِعْلَ نَفْسِهِ فِي وَقْتِهِ، فَقَدْ يَنْسَاهُ بَعْدَ وَقْتِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ هَذِهِ الْبَيِّنَةُ بَعْدَ يَمِينِ الْمُنْكِرِ بِشَاهِدَيْنِ أَوْ شَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ شَاهِدٍ وَيَمِينِهِ إِذَا كَانَ مِمَّا يُحْكَمُ فِيهِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ.

(فَصْلٌ)

: وَأَمَّا إِذَا نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنِ الْيَمِينِ، وَرُدَّتْ عَلَى الْمُدَّعِي، فَنَكَلَ عَنْهَا، وَأَقَامَ شَاهِدًا، لِيَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِهِ فَفِي جَوَازِ إِحْلَافِهِ مَعَ شَاهِدِهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ فِي كِتَابِ " الْأُمِّ "، وَفِي " الْجَامِعِ الْكَبِيرِ " لِلْمُزَنِيِّ: لَا يُحْكَمُ لَهُ بِالْيَمِينِ مَعَ شَاهِدِهِ، لِأَنَّهُ بِنُكُولِهِ عَنْهَا فِي الرَّدِّ قَدْ أَسْقَطَ حَقَّهُ بِهَا مِنْ بَعْدُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَحَكَاهُ الْمُزَنِيُّ فِي هَذَا الْمُخْتَصِرِ أَنَّهُ يُحْكَمُ لَهُ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ،

لِأَنَّ يَمِينَ الرَّدِّ غَيْرُ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، لِاخْتِلَافِ السَّبَبَيْنِ، وَافْتِرَاقِ الْمَعْنَيَيْنِ، فَلَمْ يَكُنْ سُقُوطُ إِحْدَاهُمَا مُوجِبًا لِسُقُوطِ الْأُخْرَى.
وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ بِالْعَكْسِ، وَهُوَ إِذَا نَكَلَ الْمُدَّعِي عَنِ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، فَرُدَّتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ بِنُكُولِ الْمُنْكِرِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَأَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ كَانَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْقَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَحْلِفُ تَعْلِيلًا بِأَنَّهُ قَدْ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنَ الْيَمِينِ بِالنُّكُولِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَحْلِفُ تَعْلِيلًا بِاخْتِلَافِهَا في السبب والمعنى.

(مسألة)

: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ رَدَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْيَمِينَ فَقَالَ لِلْمُدَّعِي احْلِفْ فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَا أَحْلِفُ لَمْ أَجْعَلْ ذَلِكَ لَهُ لِأَنِّي قَدْ أَبْطَلْتُ أَنْ يَحْلِفَ وَحَوَّلْتُ الْيَمِينَ عَلَى صَاحِبِهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.
وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ، وَقُلْنَا: إِذَا نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنِ الْيَمِينِ وَجَبَ رَدُّهَا عَلَى الْمُدَّعِي، فَأَجَابَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِلَى الْيَمِينِ بَعْدَ نُكُولِهِ لَمْ يُسْتَحْلَفْ، وَكَانَ الْمُدَّعِي أَحَقَّ بِالْيَمِينِ لِإِثْبَاتِ حَقِّهِ، لِأَنَّهُ قَدِ اسْتَحَقَّهَا بِنُكُولِ خَصْمِهِ، فَلَمْ يَكُنْ لِلْخَصْمِ إِبْطَالُهَا عَلَيْهِ فَإِنْ قِيلَ: أَفَلَيْسَ لَوِ امْتَنَعَ الْمُدَّعِي مِنْ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، وَاسْتَحَقَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِفَ لِسُقُوطِ الدَّعْوَى عَنْهُ، فَلَوْ أَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ كَانَ لَهُ، وَأَسْقَطَ بِهَا يَمِينَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَهَلَّا كَانَا سَوَاءً؟ قِيلَ: لَا يَسْتَوِيَانِ، لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ تَجُوزُ أَنْ تُقَامَ بَعْدَ يَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَكَانَ إِقَامَتُهَا قَبْلَ يَمِينِهِ أَوْلَى، لِأَنَّ الْيَمِينَ وَالْبَيِّنَةَ مَعًا حَقٌّ لِلْمُدَّعِي، فَكَانَ لَهُ الْخِيَارُ فِي أَيِّهِمَا شَاءَ، وَلَهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا إِذَا تَقَدَّمَتِ الْيَمِينُ، وَلَيْسَ لَهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا إِذَا قَدَّمَ البينة.
(مسألة) : قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ قَالَ أُحْلِفُهُ مَا اشْتَرَيْتَ هَذِهِ الدَّارَ الَّتِي فِي يَدَيْهِ لَمْ أُحْلِفْهُ إِلَّا مَا لِهَذَا وَيُسَمِّيهِ فِي هَذِهِ الدَّارِ حَقٌّ بِمِلْكٍ وَلَا غَيْرِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ لِأَنَّهُ قَدْ يَمْلِكُهَا وَتَخْرُجُ مِنْ يَدَيْهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدْ مَضَى نَظَائِرُهَا فِي جُمْلَةِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَبْلُ: وَقُلْتُ: فَإِذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ دَارًا فِي يَدَيْهِ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْهُ، لَمْ يَخْلُ حَالُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الْإِنْكَارِ مِنْ أَنْ يَقُولَ: مَا لَهُ فِيهَا حَقٌّ، أَوْ يَقُولَ: مَا اشْتَرَاهَا مِنِّي.
فَإِنْ كَانَ جَوَابُ إِنْكَارِهِ أَنَّهُ مَا لَهُ فِيهَا حَقُّ تَمْلِيكٍ، وَلَا غَيْرِهِ كَانَ جَوَابُهُ مُقْنِعًا،

وَأُحْلِفَ بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يُحْلَفْ أَنَّهُ مَا اشْتَرَاهَا مِنْهُ، لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهَا عَلَيْهِ، وَيَبْتَاعَهَا مِنْهُ، فَيَجِبُ أَنْ يَحْلِفَ: مَا اشْتَرَاهَا، وَإِنْ كَانَ مَالِكًا لَهَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، حَلَفَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا لِهَذَا وَيُسَمِّيهِ، وَتَسْمِيَتُهُ اسْتِظْهَارٌ، وَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ، لِأَنَّ الْإِشَارَةَ إِلَيْهِ تُغْنِي عَنْ تَسْمِيَتِهِ: مَا لَهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ حَقٌّ بِمِلْكٍ، وَلَا غَيْرِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَهَذَا تَأْكِيدٌ.
وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى أَنَّ مَا لَهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ حَقٌّ أَجْزَأَ، لِأَنَّهُ يَعُمُّ الْمِلْكَ وَغَيْرَهُ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ.
وَإِنْ كَانَ جَوَابُ الْمُنْكِرِ مُقَابِلًا لِدَعْوَى الْمُدَّعِي، فَقَالَ: مَا اشْتَرَاهَا مِنِّي.
فَفِي يَمِينِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى مِثْلِ مَا تَقَدَّمَ، أَنَّهُ مَا لَهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ حَقٌّ اسْتِظْهَارًا مِنْ أَنْ يَكُونَ قَدْ مَلَكَهَا بَعْدَ الْبَيْعِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: بَلْ يَكُونُ يَمِينُهُ مُوافِقَةً لِجَوَابِ إِنْكَارِهِ، لِأَنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ قَدِ ارْتَفَعَ بِقَوْلِهِ: مَا اشْتَرَاهَا مِنْهُ، [فَعَلَى هَذَا يَحْلِفُ بِاللَّهِ أَنَّهُ مَا اشْتَرَاهَا مِنْهُ] وَلَا شَيْئًا مِنْهَا، وَلَا اشْتُرِيَتْ لَهُ، وَلَا شَيْءَ مِنْهَا.
وَلَوْ حَلَفَ بِاللَّهِ مَا بَاعَهَا عَلَيْهِ، وَلَا شَيْئًا مِنْهَا، وَلَا بَاعَهَا عَلَى أَحَدٍ اشْتَرَاهَا لَهُ، وَلَا شَيْئًا مِنْهَا وَلَا بَاعَهَا عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ جِهَتِهِ، وَلَا شَيْئًا مِنْهَا أَجْزَأَ لِأَنَّ نَفْيَ الشِّرَاءِ مُوجِبٌ لِنَفْيِ الْبَيْعِ، وَنَفْيُ الْبَيْعِ مُوجِبٌ لِنَفْيِ الشِّرَاءِ، فَقَامَ نَفْيُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، مَقَامَ نَفْيِ الْآخَرِ.
وَفِي أَوْلَاهُمَا بِالْيَمِينِ وَجْهَانِ مُحْتَمَلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَحْلِفَ مَا اشْتَرَاهَا مِنْهُ، لِأَنَّهَا مُقَابِلَةٌ لِلدَّعْوَى.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: بَلِ الْأَوْلَى أَنْ يَحْلِفَ مَا بَاعَهَا عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا أَخَصُّ بِنَفْيِ فِعْلِهِ.

(فَصْلٌ)

: وَلَوِ ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ قَتَلَ أَبَاهُ، وَكَمَّلَ الدَّعْوَى بِذِكْرِ صِفَةِ الْقَتْلِ، فَلِلْمُنْكِرِ حَالَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنْ يُنْكِرَ الْقَتْلَ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يُنْكِرَ بِهَذِهِ الدَّعْوَى عليه حق.
فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ جَوَابَيْ هَذَا الْإِنْكَارِ مُقْنِعٌ، فَيَحْلِفُ إِنْ أَنْكَرَ الْحَقَّ أَنَّهُ مَا يَسْتَحَقُّ

عَلَيْهِ بِدَعْوَى هَذَا الْقَتْلِ حَقٌّ مِنْ قَوَدٍ وَلَا دِيَةٍ، وَلَا يَحْلِفُ أَنَّهُ مَا قَتَلَ، لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَتَلَهُ قَوَدًا أَوْ قَتَلَهُ مُرْتَدًّا، أَوْ قَتَلَهُ لِأَنَّهُ وَجَدَهُ عَلَى امْرَأَتِهِ، أَوْ قَتَلَهُ لِدَفْعِهِ عَنْ نَفْسِهِ، فَلِذَلِكَ جَازَ أَنْ يَعْدِلَ فِي إِنْكَارِهِ وَيَمِينِهِ إِلَى نَفْيِ الْحَقِّ دُونَ الْقَتْلِ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ أَنْكَرَ الْقَتْلَ كَانَتْ يَمِينُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا قَتَلَ.
وَالثَّانِي: مَا عَلَيْهِ حَقٌّ بِهَذَا الْقَتْلِ مِنْ قَوَدٍ، وَلَا عَقْلٍ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(باب النكول ورد اليمين من الجامع ومن اختلاف الشهادات والحكام ومن الدعوى والبينات ومن إملاء في الحدود)

(مَسْأَلَةٌ)

: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَا يَقُومُ النُّكُولُ مَقَامَ إِقْرَارٍ فِي شَيْءٍ حَتَّى يَكُونَ معه يمين المدعي فإن قيل فكيف أحلفت في الحدود والطلاق والنسب والأموال وجعلت الأيمان كلها تجب على المدعى عليه وجعلتها ترد على المدعي؟ قيل قلته استدلالا بالكتاب والسنة ثم الخبر عن عمر حكم الله على القاذف غير الزوج بالحد ولم يجعل له مخرجا منه إلا بأربعة شهداء وأخرج الزوج من الحد بأن يحلف أربعة أيمان ويلتعن بخامسة فيسقط عنه الحد ويلزمها إن لم تخرج منه بأربعة أيمان والتعانها وسن بينهما الفرقة ودرأ الله عنهما الحد بالأيمان والتعانه وكانت أحكام الزوجين وإن خالفت أحكام الأجنبيين في شيء فهي مجامعة لها في غيره وذلك أن اليمين فيه جمعت درء الحد عن الرجل والمرأة وفرقة ونفي ولد فكان هذا الحد والفراق والنفي معا داخلة فيها ولا يحق الحد على المرأة حين يقذفها الزوج إلا بيمينه وتنكل عن اليمين ألا ترى أن الزوج لو لم يلتعن حد بالقذف ولترك الخروج منه باليمين ولم يكن على المرأة حد ولا لعان أو لا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال للأنصاريين " تحلفون وتستحقون دم صاحبكم " فلما لم يحلفوا رد الأيمان على يهود ليبرؤوا بها فلما لم يقبلها الأنصاريون تركوا حقهم أو لا ترى عمر جعل الأيمان على المدعى عليهم فلما لم يحلفوا ردها على المدعين وكل هذا تحويل يمين من موضع قد ندبت فيه إلى الموضع الذي يخالفه وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " وعلى المدعى عليه اليمين " ولا يجوز أن تكون على مدعى عليه دون غيره إلا بخبر لازم وهما لفظان مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ " مخرجهما واحد فكيف يجوز أن يقال إن جاء المدعي بالبينة أخذ وإن لم يأت بها حدث له حكم غيرها وهو استحلاف من ادعى عليه وإن جاء المدعى عليه باليمين برىء وإن لم يأت بها لزمه ما نكل عنه ولم يحدث له حكم غيرها ويجوز رد اليمين كما حدث للمدعي إن لم يأت بها حكم غيره وهو اليمين وإذ حول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اليمين حيث وضعها فكيف لم تحول كما حولها ".

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهُوَ كَمَا قَالَ.
إِذَا نَكَلَ الْمُنْكِرُ عَنِ الْيَمِينِ، لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ، حَتَّى يَحْلِفَ الْمُدَّعِي، فَيَسْتَحِقَّ الدَّعْوَى بِيَمِينِهِ لَا بِنُكُولِ خَصْمِهِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: " لَيْسَ النُّكُولُ إِقْرَارًا مِنْهُ بِالْحَقِّ، وَلَا بَيِّنَةً لِلْمُدَّعِي، فَلَا أَقْضِي عَلَيْهِ بِهِ ". وَهَذَا صَحِيحٌ، لِأَنَّ الْحُقُوقَ تَثْبُتُ بِالْإِقْرَارِ أَوِ الْبَيِّنَةِ، وَلَيْسَ النُّكُولُ وَاحِدًا مِنْهَا، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْحُكَّامِ.
وَسَوَاءٌ كَانَتِ الدَّعْوَى فِيمَا لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ كَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْخُلْعِ وَالرَّجْعَةِ، وَالْقِصَاصِ وَالْعِتْقِ، أَوْ كَانَتْ فِيمَا تَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ شَاهِدٍ وَيَمِينٍ كَالْأَمْوَالِ أَوْ مَا يَكُونُ مَقْصُودُهُ الْمَالَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا أَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ، لَكِنْ إِنْ كَانَتِ الدَّعْوَى فِي مَالٍ يَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ رَدَدْتُ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي، وَإِنْ كَانَتْ فِيمَا لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ كَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَالْقَتْلِ حَبَسْتُهُ حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يُقِرَّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ فِي الْأَمْوَالِ، بَعْدَ أَنْ أَقُولَ لَهُ ثَلَاثًا: إِنْ حَلَفْتَ، وَإِلَّا قَضَيْتُ عَلَيْكَ، وَلَا أَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ فِي النُّكُولِ.
وَخَالَفَهُ أَبُو يُوسُفَ، فَحَكَمَ عَلَيْهِ فِي الْقَتْلِ بِالدِّيَةِ دُونَ الْقَوَدِ، وَحَكَمَ عَلَيْهِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ بِالْقَوَدِ.
وَإِنْ كَانَتِ الدَّعْوَى فِي نِكَاحٍ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ نَسَبٍ لَمْ أُوجِبْ عَلَى الْمُنْكِرِ الْيَمِينَ، وَلَمْ أَحْكُمْ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ.
وَلِوُجُوبِ الْأَيْمَانِ فِي جَمِيعِ الدَّعَاوَى مَوْضِعٌ يَأْتِي، وَهَذَا الْمَوْضِعُ مُخْتَصٌّ بِالنُّكُولِ عَنِ الْيَمِينِ إِذَا وَجَبَتْ عَلَى الْمُنْكِرِ، هَلْ يُقْضَى عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ عَنْهَا؟ وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ، بِبِنَائِهِ عَلَى مَذْهَبِهِ أَنَّ الْيَمِينَ تَخْتَصُّ بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُنْقَلَ إِلَى الْمُدَّعِي، وَلِذَلِكَ لَمْ يُقْضَ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، فَكَانَتِ الدَّلَائِلُ مُشْتَرِكَةً فِي الْمَوْضِعَيْنِ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِلْحَضْرَمِيِّ حِينَ أَنْكَرَهُ الْكِنْدِيُّ: " أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: لَكَ يَمِينُهُ لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّا ذَاكَ "، فَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ حَقَّهُ فِي أَحَدِ أَمْرَيْنِ بَيِّنَتُهُ أَوْ يَمِينُ خَصْمِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لَا حَقَّ لَهُ فِي يَمِينِ نَفْسِهِ قَالُوا: وَلِأَنَّ الْبَيِّنَةَ حُجَّةٌ لِلْمُدَّعِي، وَالْيَمِينَ حُجَّةٌ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ أَنْ تُنْقَلَ حُجَّةُ الْمُدَّعِي، وَهِيَ الْبَيِّنَةُ إِلَى الْمُدَّعِي لَمْ يَجُزْ أَنْ تَنْقِلَ حَقَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَهُوَ الْيَمِينُ إِلَى الْمُدَّعِي

فصول الكتاب · 30 فصل · 608 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الحاوي الكبير · 608 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كِتَابُ الْبُيُوعِ
كتاب الإقرار
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كتاب العارية
كتاب الغصب
كِتَابُ الشَّرْطِ فِي الرَّقِيقِ يَشْتَرِطُهُمُ الْمُسَاقِي
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ الْعَطَايَا وَالصَّدَقَاتِ
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب الصداق
كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع
كتاب السير
كتاب مختصر الجامع من كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب النذور
كِتَابُ الْعِتْق
كتاب عتق أمهات الأولاد من كتب
جارٍ التحميل