كِتَابُ الْعَطَايَا وَالصَّدَقَاتِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الماوردي
- الكتاب
- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
- المحقق
- الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1419 هـ -1999 م
- عدد الأجزاء
- 19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: عَلَيْهِ أَنْ يُكَافِئَ بِقَدْرِ قِيمَةِ الْهِبَةِ لَا يَلْزَمُهُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا، وَلَا يُجْزِئُهُ النُّقْصَانُ مِنْهَا، لِأَنَّ مَا اسْتَحَقَّ فِيهِ الْبَدَلُ إِذَا عُدِمَ الْمُسَمَّى رَجَعَ إِلَى الْقِيمَةِ اعْتِبَارًا بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُكَافِئَ فِي مِقْدَارِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الثَّوَابِ وَبَيْنَ أَنْ يَرُدَّ الْهِبَةَ، وَلَا خِيَارَ لِلْوَاهِبِ فِي أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ، فَإِنْ رَدَّ الْهِبَةَ لَمْ يَكُنْ لِلْوَاهِبِ أَنْ يُطَالِبَهُ بِالثَّوَابِ، فَإِنْ رَدَّهَا نَاقِصَةً فَإِنْ كَانَ نَقْصُهَا بِفِعْلِهِ ضَمِنَهُ لِلْوَاهِبِ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ فِعْلِهِ فَفِي ضَمَانِهِ إِيَّاهُ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا عَلَيْهِ ضَمَانُهُ.
وَالثَّانِي: لَا يَضْمَنُهُ، وَإِنْ رَدَّهَا وَقَدْ زَادَتْ فَإِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ لَا تَتَمَيَّزُ كَالطُّولِ وَالسَّمِنُ أَخَذَهَا الْوَاهِبُ زَائِدَةً، لِأَنَّ مَا لَا يَتَمَيَّزُ مِنَ الزِّيَادَاتِ تَبَعٌ لِلْأَصْلِ، وَإِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ مُتَمَيِّزَةً فَهِيَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ كَالنِّتَاجِ وَالثَّمَرَةِ، لِحُدُوثِهَا عَلَى مِلْكِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ دَفْعُهَا إِلَى الْوَاهِبِ وَإِنْ رَدَّ عَلَيْهِ الْهِبَةَ، وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ الْهِبَةَ وَكَافَأَهُ عَلَيْهَا بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الثَّوَابِ فِيهَا فَالْوَاهِبُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَقْبَلَ الْمُكَافَأَةَ وَبَيْنَ أَنْ لَا يَقْبَلَ، وَلَا خِيَارَ لَهُ فِي اسْتِرْجَاعِ الْهِبَةِ، فَإِنْ قَبِلَ الْمُكَافَأَةَ ثُمَّ اسْتُحِقَّتْ مِنْ يَدِهِ فَالْمَوْهُوبُ لَهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُكَافِئَهُ ثَانِيَةً وَبَيْنَ أَنْ يَرُدَّ الْهِبَةَ، وَلَوِ اسْتُحِقَّتِ الْهِبَةُ دُونَ الْمُكَافَأَةِ كَانَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِالْمُكَافَأَةِ، فَلَوْ قَالَ الْوَاهِبُ أَنَا أَهَبُ لَكَ مِثْلَ تِلْكَ الْهِبَةِ وَلَا أَرُدُّ الْمُكَافَأَةَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ بِخِلَافِ اسْتِحْقَاقِ الْمُكَافَأَةِ، فَلَوْ لَمْ يُكَافَأْ الْمَوْهُوبُ لَهُ عَنْ نَفْسِهِ وَكَافَأَهُ عَنْهُ غَيْرُهُ جَازَ وَلَا رُجُوعَ لِلْوَاهِبِ، لِوُصُولِ الثَّوَابِ إِلَيْهِ، وَلَا رُجُوعَ لِلْمُكَافِئِ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ بِمَا أَثَابَ عَنْهُ وَكَافَأَ؛ لِأَنَّهُ مُتَطَوِّعٌ إِلَّا أَنْ يكافئ بِأَمْرِهِ فَيَرْجِعَ عَلَيْهِ، فَلَوْ لَمْ يُكَافِئْهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ عَنِ الْهِبَةِ حَتَّى تَلِفَتْ فِي يَدِهِ بِغَيْرِ فِعْلِهِ فَفِي وُجُوبِ الثَّوَابِ عَلَيْهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الثَّوَابُ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُكَافِئَ وَيُثِيبَ فِي الْحَالِ الَّتِي إِنْ رَدَّ وَلَمْ يُثِبْ فَعَلَى هَذَا تتلف غير مضمونة عليه.
والقول الثَّانِي: أَنَّ الثَّوَابَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ لِاسْتِحْقَاقِهِ بِالْعَقْدِ، فَإِنْ أَثَابَ وَإِلَّا ضَمِنَهَا بِالْقِيمَةِ لِتَلَفِهَا عَنْ بَدَلٍ فَائِتٍ.
فَصْلٌ
: وَإِنِ اشْتَرَطَ الْوَاهِبُ الثَّوَابَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَشْتَرِطَهُ مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا فَإِنِ اشْتَرَطَهُ مَجْهُولًا صَحَّتِ الْهِبَةُ وَلَزِمَ الشَّرْطُ، لِأَنَّهُ يُوجِبُ الْعَقْدَ، ثُمَّ حُكْمُ هَذِهِ الْهِبَةِ وَالثَّوَابُ عَلَى مَا مَضَى، وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ غَيْرَ أَنَّ الْهِبَةَ لَوْ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ مَعَ هَذَا الشَّرْطِ مِثْلَ الثَّوَابِ لَزِمَهُ أَنْ يُثِيبَ أَوْ يَضْمَنَ الْقِيمَةَ قَوْلًا وَاحِدًا وَإِنِ اشْتَرَطَ الثَّوَابَ مَعْلُومًا فَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: جَائِزٌ، لِأَنَّ مَا مُنِعَ عَنِ الْجَهَالَةِ كَانَ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ وَلَهُ مَا اشْتَرَطَ، وَيَكُونُ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْعِ أَنَّهُ فِي الْهِبَةِ: يَشْتَرِطُ الثَّوَابَ الْمَعْلُومَ يَكُونُ مُخَيَّرًا بَيْنَ دَفْعِ الثَّوَابِ وَبَيْنَ رَدِّ الْهِبَةِ وَفِي الْبَيْعِ يَلْزَمُهُ دَفْعُ الثَّمَنِ وَلَا خِيَارَ لَهُ فِي الرَّدِّ مَا لَمْ يَكُنْ خِيَارٌ أَوْ عَيْبٌ، ثُمَّ هُمَا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ عَلَى سَوَاءٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ إِنَّ الْهِبَةَ بَاطِلَةٌ لِخُرُوجِهَا عَنْ حُكْمِ الْهِبَاتِ الْمُطْلَقَةِ وَالْبُيُوعِ اللَّازِمَةِ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ مَضْمُونَةً ضَمَانَ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ عَلَى مَا مَضَى.
فَصْلٌ
: هِبَةُ الْمَرِيضِ فِي الثُّلُثِ، فَإِنِ احْتَمَلَهَا الثُّلُثُ أُمْضِيَتْ وَإِلَّا رُدَّتْ، لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الْوَصِيَّةِ، وَإِنِ احْتَمَلَ الثُّلُثُ بَعْضَهَا أَمْضَى مِنْهَا قَدْرَ مَا احْتَمَلَهُ الثُّلُثُ إِلَّا أَنْ يُجِيزَهُ الْوَارِثُ فَيَصِحَّ فِي الْجَمِيعِ، فَلَوْ وَهَبَ فِي الصِّحَّةِ وَأُقْبِضَ فِي الْمَرَضِ فَهِيَ هِبَةٌ فِي الْمَرَضِ، لِأَنَّهَا بِالْقَبْضِ فِيهِ تَمَّتْ فَلَوِ اخْتَلَفَا فَقَالَ وَارِثُ الْوَاهِبِ هِيَ فِي الْمَرَضِ وَقَالَ الْمَوْهُوبُ لَهُ فِي الصِّحَّةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَارِثِ مع يمينه، لأن الأصل فيها عدم الزوم، فَلَوْ مَاتَ الْوَاهِبُ قَبْلَ الْقَبْضِ فَفِيهَا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ وَارِثَهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ إِقْبَاضِهَا بِالْعَقْدِ الْمَاضِي أَوِ الْمَنْعِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْعَقْدَ قَدْ بَطَلَ بِالْمَوْتِ، فَإِنْ أَحَبَّ إِمْضَاءَ الْهِبَةِ استأنف عقداً وقبضاً.
فَصْلٌ
: وَإِذَا دَخَلَ الْمُسْلِمُ دَارَ الْحَرْبِ فَوَهَبَ لَهُ أَهْلُهَا هِبَةً قَبِلَهَا وَقَبَضَهَا، وَلَمْ يَغْنَمْهَا الْمُسْلِمُونَ إِنْ ظَفِرُوا بِهَا، وَفَرَّقَ أبو حنيفة بَيْنَ مَا يُنْقَلُ مِنْهَا وَمَا لَا يُنْقَلُ، فَجَعَلَ مَا يُنْقَلُ مَمْلُوكًا وَمَا لَا يُنْقَلُ مَغْنُومًا، اسْتِدْلَالًا بِمَا رَوَى عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ مَنَحَهُ الْمُشْرِكُونَ أَرْضًا فَلَا أَرْضَ لَهُ وَهَذَا إِنْ صَحَّ عَنْهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْعَارِيَةِ دُونَ الْهِبَةِ.
فَصْلٌ
: هِبَةُ دُورِ مَكَّةَ وَعَقَارِهَا يَجُوزُ بِخِلَافِ قَوْلِ أبي حنيفة بِنَاءً عَلَى الْبَيْعِ، فَأَمَّا إِجَارَتُهَا لِلْحُجَّاجِ فَيَجُوزُ هِبَتُهَا إِنْ جَازَ بَيْعُهَا، وَأُبْطِلَ إن لم يجز بيعها.
فَصْلٌ
: هِبَةُ الدَّيْنِ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ، وَلِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ يَجُوزُ، لِأَنَّ هِبَتَهُ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ إِبْرَاءٌ وَلِغَيْرِهِ تَمْلِيكٌ، وَهِبَةُ الْمَنَافِعِ عَارِيَةٌ لَا تَلْزَمُ، لِأَنَّ قَبْضَهَا قبل انقضائها لا يصح.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " (قَالَ) وَتَجُوزُ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ عَلَى كُلِّ أحدٍ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ لَا يَأْخُذُهَا لَمَّا رَفَعَ اللَّهُ مِنْ قَدْرِهِ وَأَبَانَهُ مِنْ خَلْقِهِ إِمَّا تَحْرِيمًا وَإِمَّا لِئَلَّا يَكُونَ لأحدٍ عَلَيْهِ يدٌ لِأَنَّ مَعْنَى الصَّدَقَةِ لَا يُرَادُ ثَوَابُهَا وَمَعْنَى الْهَدِيَّةِ يُرَادُ ثَوَابُهَا وَكَانَ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَرَأَى لَحْمًا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بُرَيْرَةَ فَقَالَ " هُوَ لَهَا صدقةٌ وَلَنَا هديةٌ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَالْمَقْصُودُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَصْلَانِ مَضَيَا.
أَحَدُهُمَا: تَحْرِيمُ الصَّدَقَاتِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ.
وَالثَّانِي: إِبَاحَةٌ لِصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ وَقَدْ بَيَّنَاهُ فَلَمْ يَكُنْ لِلْإِطَالَةِ بِتَكْرَارِهِمَا وَجْهٌ مَعَ مَا حَصَلَ مِنْ إِطَالَةِ الِاسْتِيفَاءِ، فَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ فَتَحْرُمُ عَلَى الْغَنِيِّ وَإِنْ حَلَّتْ لَهُ الصَّدَقَةُ، رَوَى عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا مِنْ فقرٍ مدقعٍ أَوْ غرمٍ مفظعٍ أَوْ دمٍ مولعٍ " وبالله التوفيق.
بسم الله الرحمن الرحيم