الحاوي الكبيرصفحات 83-122
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ الْعِتْق

صفحات 83-122
عن هذه الطبعة
عَلَم
الماوردي
الكتاب
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
المؤلف
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
المحقق
الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1419 هـ -1999 م
عدد الأجزاء
19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

أَحَدُهُمَا: مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ إنَّهَا كَانَتْ ثَابِتَةً فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ تعالى: ﴿وأولوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: 75] . وَالثَّانِي: مَا رَوَاهُ دَاوُدُ بْنُ الْحُصَيْنِ قَالَ: قَرَأْتُ الْقُرْآنَ عَلَى أُمِّ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 33] قَالَتِ: اقْرَأْ: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 33] فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ حَيْثُ حَلَفَ: لَا يُوَرِّثُ وَلَدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: 33] أَيْ لَا تَمْنَعُوهُمْ، وَإِنْ كُنْتُمْ قَدْ حَلَفْتُمْ أَن لَا تُوَرِّثُوهُمْ، فَكَانَ مَحْمُولًا عَلَى هَذَا السَّبَبِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِ عَلَى الْوَصَايَا، فَهُوَ أَنَّ الْوَصَايَا تَقِفُ عَلَى خِيَارِ الْمُوصِي مَعَ وُجُودِ النَّسَبِ مِنْ غَيْرِ حَلِفٍ، فَخَالَفَ مَا لَا يَصِحُّ مَعَ النَّسَبِ، وَلَا يَنْعَقِدُ إِلَّا بِحَلِفٍ.

فَصْلٌ

وَالثَّانِي: اللَّقِيطُ، اخْتَلَفُوا فِي ثُبُوتِ الْوَلَاءِ عَلَيْهِ لِمُلْتَقِطِهِ، فَالَّذِي عَلَيْهِ قَوْلُ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَالْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ.
وَحُكِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ لَهُ وَلَاءَ اللَّقِيطِ.
وَرَوَى الزُّهْرِيُّ أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ شَيْبَانُ الْتَقَطَ لَقِيطًا، فَقِيلَ لَهُ: مَا الَّذِي حَمَلَكَ عَلَى الْتِقَاطِهِ؟ قَالَ رَأَيْتُ نَفْسًا ضَائِعَةً، فَرَحَمْتُهَا، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَكَ وَلَاؤُهُ، وَعَلَيْكَ نَفَقَتُهُ، فَشَذَّ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ، فَأَخَذَ بِهَذَا، وَجَعَلَ لِلْمُلْتَقِطِ وَلَاءَ لَقِيطِهِ اتِّبَاعًا لَهُ، وَاسْتِدْلَالًا بِرِوَايَةِ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: (تُحْرِزُ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَ مَوَارِيثَ: مِيرَاثَ لَقِيطِهَا، وميراث عتيقها، وميراث ولدها الذي لا عنت عَلَيْهِ) . وَلِأَنَّ إِنْعَامَهُ عَلَيْهِ بِالِالْتِقَاطِ فِي حِرَاسَةِ نَفْسِهِ أَعْظَمُ مِنَ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ فِي عِتْقِهِ مِنْ رِقِّهِ، فَكَانَ أَحَقَّ بِوَلَائِهِ.
وَدَلِيلُنَا، مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ سُقُوطِ الْوَلَاءِ، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: (وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) . وَلِأَنَّ الْوَلَاءَ مُسْتَحَقٌّ بِإِخْرَاجِ الْعَبْدِ مِنْ نَقْصِ الرِّقِّ إِلَى كَمَالِ الْحُرِّيَّةِ، وَأَحْكَامُ اللَّقِيطِ قَبْلَ الِالْتِقَاطِ وَبَعْدَهُ سَوَاءٌ، فَلَمْ يُسْتَحَقَّ عَلَيْهِ وَلَاءٌ، وَلَا يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ بِحِرَاسَةِ نَفْسِهِ الْوَلَاءُ، كَمَا لَا يَسْتَحِقُّهُ مَنِ اسْتَنْقَذَ غَرِيقًا، أَوْ فَكَّ أَسِيرًا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَعَلَ لِشَيْبَانَ الْوِلَايَةَ عَلَى اللَّقِيطِ فِي الْقِيَامِ بِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ الْوَلَاءَ فِي مِيرَاثِهِ، وَحَدِيثُ وَاثِلَةَ إِنْ صَحَّ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهَا ادَّعَتِ اللَّقيطَ ولداً والثالث يؤكده.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَالَّذِي أَسْلَمَ النَّصْرَانِيُّ عَلَى يَدَيْهِ لَيْسَ بِمُعْتِقٍ فَلَا وَلَاءَ لَهُ) .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا هُوَ الثَّالِثُ الْمُخْتَلَفُ فِي اسْتِحْقَاقِ الْوَلَاءِ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْكَافِرُ إِذَا أَسْلَمَ عَلَى يَدِ رَجُلٍ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ وَلَاءٌ لِمَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ، سَوَاءٌ عَقَلَ عَنْهُ أَوْ لَمْ يَعْقِلْ.
وَحُكِيَ عَنْ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ أَنَّ لَهُ وَلَاءَهُ وَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ مَا لَمْ يَعْقِلْ عَنْهُ، فَإِنْ عَقَلَ عَنْهُ أَوْ عَنْ صِغَارِ وَلَدِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ.
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ إِنِ اقْتَرَنَ بِالْإِسْلَامِ عَلَى يَدِهِ مُوَالَاةٌ تَوَارَثَا وَإِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ مُوَالَاةٌ لَمْ يَتَوَارَثَا.
وَحُكِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالزُّهْرِيِّ أَنَّهُ يَرِثُهُ عَلَى الْأَحْوَالِ كُلِّهَا احْتِجَاجًا بِمَا رَوَاهُ الْأَحْوَصُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: (مَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ رَجُلٌ فَهُوَ مَوْلَاهُ يَرِثُهُ وَيَدِي عَنْهُ) . وَبِرِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهِبٍ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا السُّنَّةُ فِي الرَجُلِ يُسْلِمُ عَلَى يَدَيِ الرَّجُلِ، فَقَالَ: هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ) قَالُوا: وَحَقُّ الْمَمَاتِ اسْتِحْقَاقُ الْمِيرَاثِ.
وَرَوَى الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: (مَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ رَجُلٌ فَلَهُ ولاوه) . قَالُوا: وَلِأَنَّ إِنْعَامَهُ عَلَيْهِ بِاسْتِنْقَاذِهِ مِنَ الْكُفْرِ أَعْظَمُ مِنْ إِنْعَامِهِ بِاسْتِنْقَاذِهِ مِنَ الرِّقِّ، فَكَانَ بِوَلَائِهِ أَحَقَّ.
وَدَلِيلُ الْجُمْهُورِ عَلَى أَن لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: 37] يَعْنِي زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ، وَأَنْعَمَ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَلَيْهِ بِالْعِتْقِ، فَكَانَتِ النِّعْمَةُ بِالْإِسْلَامِ لِلَّهِ تَعَالَى دُونَ غَيْرِهِ، وَفَرْقٌ بَيْنَ النِّعْمَةِ بِالْإِسْلَامِ وَبَيْنَ النِّعْمَةِ بِالْعِتْقِ، فَلَمْ تَجُزِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ﴾ [الحجرات: 17] فَكَانَتِ الْهِدَايَةُ مِنْهُ تَعَالَى دُونَ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: (وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) وَلَيْسَ هَذَا بِمُعْتِقٍ، وَلِأَنَّ إِسْلَامَهُ مِنْ نَفْسِهِ بِمَا عُلِمَ مِنْ صِحَّتِهِ، فَلَمْ يَكُنْ لِمَنْ أَسْلَمَ عَلَى يده تأثيره فِي مُعْتَقَدِهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ أَخْذُ

الْإِسْلَامِ عَلَى الْكَافِرِ مُوجِبًا لِثُبُوتِ وَلَائِهِ عَلَيْهِ، لَكَانَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ مِنْ مَوَالِي أَبِي بَكْرٍ لإسلامهما على يده، ولكان المهاجرون والأنصار مواليا لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، وَلِأَوْلَادِهِ مِنْ بَعْدِهِ، وَهَذَا يَخْرُجُ عَنْ قَوْلِ الْأُمَّةِ، فَكَانَ مَدْفُوعًا بِهِمْ.
وَقَدْ رَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: (الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْطَى الثَّمَنَ وَوَلِيَ النِّعْمَةَ) ، وَهَذَا تَعْلِيلٌ لِاسْتِحْقَاقِ الْوَلَاءِ، فَلَمْ يُسْتَحَقَّ بِغَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْوَلَاءُ بِأَخْذِ الْإِسْلَامِ مُسْتَحَقًّا لَوَجَبَ إِذَا أَعْتَقَ الرَّجُلُ عَبْدًا نَصْرَانِيًّا، فَأَسْلَمَ عَلَى يَدِ غَيْرِ مُعْتِقِهِ أَنْ يُبْطِلَ وَلَاءَ مُعْتِقِهِ، وإذا أسلم العب النَّصْرَانِيُّ عَلَى يَدِ غَيْرِ سَيِّدِهِ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ السَّيِّدُ أَن لَا يَكُونَ عَلَيْهِ وَلَاءٌ لِمُعْتِقِهِ، وَهَذَا مَدْفُوعٌ بِالْإِجْمَاعِ، فَبَطَلَ مَا اقْتَضَاهُ بِالْإِجْمَاعِ.
وَقَدْ روى الْأَشْعَثُ بْنُ سَوَّارٍ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - رَأَى رَجُلًا يُبَاعُ، فَسَاوَمَ بِهِ ثُمَّ تَرَكَهُ فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ فَأَعْتَقَهُ ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ: إِنِّي اشْتَرَيْتُ هَذَا فَأَعْتَقْتُهُ، فَمَا تَرَى فِيهِ؟ قَالَ: (أَخُوكَ وَمَوْلَاكَ.
قَالَ: فَمَا تَرَى فِي صُحْبَتِهِ.
قَالَ: (إِنْ شَكَرَكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَشَرٌّ عَلَيْكَ، وَإِنْ كَفَرَكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ وَشَرٌّ لَهُ) ، قَالَ: فَمَا تَرَى فِي مَالِهِ؟ قَالَ: (إِنْ مَاتَ، وَلَمْ يَدَعْ وَارِثًا، فَلَكَ مَالُهُ) ، فَاعْتُبِرَ وَلَاؤُهُ بِعِتْقِهِ دُونَ إِسْلَامِهِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا اسْتَدَلُّوا بِهِ مِنَ الْأَخْبَارِ، فَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَجْوِبَةٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا ضَعِيفَةٌ لَا يَثْبُتُ بِهَا شَرْعٌ، لِأَنَّ بَعْضَهَا رَوَاهُ مَجْهُولٌ، وَبَعْضَهَا رَوَاهُ مَتْرُوكٌ، وَبَعْضَهَا مُرْسَلٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى وِلَايَةِ الْإِسْلَامِ الْمُوجِبَةِ لِلتَّنَاصُرِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: 71] . وَالثَّالِثُ: أَنَّنَا نَسْتَعْمِلُ قَوْلَهُ: فَهُوَ مَوْلَاهُ يُرِيدُ أَيْ هُوَ نَاصِرُهُ، وَقَدْ صَارَ بِاتِّفَاقِهِمَا فِي الْإِسْلَامِ وَارِثًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُونَا باختلاف الذين مُتَوَارِثَيْنِ.
وَقَوْلُهُ: أَحَقُّ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ: أَنَّهُ أَحَقُّ بِمُرَاعَاتِهِ فِي مَحْيَاهُ، وَالْمَمَاتِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِإِنْعَامِهِ عَلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ، فَهُوَ مَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ أَنَّ النِّعْمَةَ فِيهِ لَهُ لَا لِغَيْرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ أَعْتَقَ مُسْلِمٌ نَصْرَانِيًّا أَوْ نَصْرَانِيٌّ مُسْلِمًا فَالْوَلَاءُ ثَابِتٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ وَلَا يَتَوَارَثَانِ لِاخْتِلَافِ الدِّينِ وَلَا يَقْطَعُ اخْتِلَافُ الدين والولاء كَمَا لَا يَقْطَعُ النَّسَبَ قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثناؤه (ونادى نوح ابنه) (وإذ قال إبراهيم لأبيه) فَلَمْ يُقْطَعِ النَّسَبُ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ فَكَذَلِكَ الْوَلَاءُ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى فَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِي مُسْلِمٍ أَعْتَقَ نَصْرَانِيًّا.
وَالثَّانِي: فِي نَصْرَانِيٍّ أَعْتَقَ مُسْلِمًا.
وَأَمَّا إِذَا أَعْتَقَ الْمُسْلِمُ عَبْدًا نَصْرَانِيًّا، فَلَهُ وَلَاؤُهُ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَا يَرِثُهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِاخْتِلَافِ الدِّينِ.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: يرثه مع اختلاف الدين، لأنه واغصل إِلَيْهِ عَنْ رَقٍّ اعْتِبَارًا بِمَا كَانَ يَمْلِكُهُ مِنْ أَكْسَابِهِ فِي حَالِ الرِّقِّ.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ: قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ) . وَلِأَنَّ الْمِيرَاثَ بِالنَّسَبِ وَالْوَلَاءِ، فَلَمَّا سَقَطَ التَّوَارُثُ بِالنَّسَبِ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ كَانَ سُقُوطُهُ بِالْوَلَاءِ أَوْلَى، لِأَنَّهُ تَابِعٌ، وَالنَّسَبُ مَتْبُوعٌ، وَلَيْسَ لِمَا عَلَّلَ بِهِ مِنْ حَالِ الرِّقِّ وَجْهٌ، لِأَنَّهُ يَأْخُذُهُ فِي حَالِ الرِّقِّ مِلْكًا لَا يَمْنَعُ مِنْهُ اخْتِلَافُ الدِّينِ، وَهُوَ يَأْخُذُهُ بَعْدَ الْعِتْقِ إِرْثًا يَمْنَعُ مِنْهُ اخْتِلَافُ الدِّينِ.

فَصْلٌ

وَأَمَّا إِذَا أَعْتَقَ النَّصْرَانِيُّ مُسْلِمًا، فَلَهُ وَلَاؤُهُ، وَإِنْ لَمْ يَرِثْهُ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَمْلِكُ الْكَافِرُ وَلَاءً عَلَى مُسْلِمٍ، وَيَكُونُ وَلَاؤُهُ لِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ دُونَ مُعْتِقِهِ، فَإِنْ أَسْلَمَ الْمُعْتِقُ لَمْ يَمْلِكِ الْوَلَاءَ.
وَقَالَ: لَوْ أَعْتَقَ نَصْرَانِيٌّ نَصْرَانِيًّا كَانَ لَهُ وَلَاؤُهُ، فَإِنْ أَسْلَمَ الْمُعْتِقُ بَطَلَ وَلَاءُ مَوْلَاهُ، فَإِنْ أَسْلَمَ مَوْلَاهُ لَمْ يَعُدْ إِلَيْهِ الْوَلَاءُ احْتِجَاجًا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: 71] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: 73] . وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُقَرَّ لِلْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ رِقٌّ لَمْ يُقَرَّ عَلَيْهِ الْوَلَاءُ الْمُسْتَحَقُّ بِالرِّقِّ.
وَدَلِيلُنَا: قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) ، فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ لِكُلِّ مُعْتِقٍ، وَلِأَنَّ الرَّسُولَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: (الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ) ؛ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ لَمْ يَكُنِ اخْتِلَافُ

الدِّينِ مَانِعًا مِنْ ثُبُوتِ النَّسَبِ، وَجَبَ أَن لَا يَمْنَعَ اخْتِلَافُهُ مِنْ ثُبُوتِ الْوَلَاءِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ عِتْقُهُ نَافِذًا كَالْمُسْلِمِ وَجَبَ أَنْ يَسْتَحِقَّ بِهِ الْوَلَاءَ كَالْمُسْلِمِ.
فَأَمَّا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ مِنَ الْقُرْآنِ فَمَحْمُولٌ عَلَى الْمُوَالَاةِ دُونَ الْوَلَاءِ، وَأَمَّا مَنْعُهُ مِنِ اسْتِرْقَاقِ الْمُسْلِمِ، فَلِأَجْلِ يَدِهِ الَّتِي يَسْتَذِلُّهُ بِهَا، وَلَيْسَ فِي الْوَلَاءِ يَدٌ يُسْتَذَلُّ بِهَا، فَلِذَلِكَ مُنِعَ مِنْ رِقِّهِ، وَلَمْ يُمْنَعْ مِنْ وَلَائِهِ.

فَصْلٌ

فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ اخْتِلَافَ الدِّينِ لَا يَمْنَعُ مِنَ اسْتِحْقَاقِ الْوَلَاءِ بِالْعِتْقِ، وَإِنْ مَنَعَ مِنَ التَّوَارُثِ نُظِرَ.
فَإِنْ كَانَ فِي عَصَبَةِ مَوْلَاهُ مَنْ هُوَ عَلَى مِلَّتِهِ وَرِثَهُ بِالْوَلَاءِ، وَإِنْ كَانَ الْمَوْلَى غَيْرَ وَارِثٍ بِهِ كَالْأَخَوَيْنِ إِذَا كَانَا عَلَى مِلَّةٍ، وَأَبُوهُمَا عَلَى أُخْرَى تَوَارَثَا دُونَ الْأَبِ، وَإِنْ تَنَاسَبَا بِالْأَبِ.
وَإِذَا أَعْتَقَ الْمُسْلِمُ عَبْدًا نَصْرَانِيًّا، فَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ سُبِيَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُسْتَرَقَّ، لِأَنَّ عَلَيْهِ وَلَاءً لِمُسْلِمٍ، وَهَكَذَا لَوْ كَانَ مُعْتِقُهُ نَصْرَانِيًّا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُسْتَرَقَّ مَوْلَاهُ إِذَا لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، لِمَا يَلْزَمُنَا أَنْ نَحْفَظَ أَمْوَالَ أَهْلِ الذِّمَّةِ.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ: يَجُوزُ أَنْ يُسْتَرَقَّ، لِأَنَّ مُعْتِقَهُ لَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، فَسُبِيَ جَازَ أَنْ يُسْتَرَقَّ، فَكَذَلِكَ عَتِيقُهُ.
وَلَوْ أَعْتَقَ الْحَرْبِيُّ عَبْدًا حَرْبِيًّا كَانَ لَهُ وَلَاؤُهُ، فَإِنْ سُبِيَ الْعَبْدُ فَاسْتُرِقَّ بَطَلَ وَلَاؤُهُ عَلَيْهِ، وَلَوْ مُنَّ عَلَيْهِ، ثَبَتَ لَهُ الْوَلَاءُ وَلَوِ اسْتُرِقَّ وَمَاتَ رَقِيقًا بَطَلَ وَلَاؤُهُ فَلَوْ أُعْتِقَ بَعْدَ اسْتِرْقَاقِهِ عَادَ الْوَلَاءُ لَهُ.
وَإِذَا أَعْتَقَ النَّصْرَانِيُّ عَبْدًا، ثُمَّ لَحِقَ السَّيِّدُ بِدَارِ الْحَرْبِ، فَسُبِيَ وَاسْتُرِقَّ، فَاشْتَرَاهُ عَبْدُهُ، فَأَعْتَقَهُ كَانَ كُلٌّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَوْلًى لِصَاحِبِهِ، لِأَنَّ كُلَّ واحد منهما قد اعتق الآخر.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَمَنْ أَعْتَقَ سَائِبَةً فَهُوَ مُعْتِقٌ وَلَهُ الْوَلَاءُ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَالْمُعْتِقُ سَائِبَةً أَنْ يَقُولَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ وَلَا وَلَاءَ لِي عَلَيْكَ أَوْ يَقُولَ لَهُ: أَنْتَ عَتِيقٌ سَائِبَةً، فَيَكُونُ حُكْمُهُ أَن لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ، فَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْعِتْقَ وَاقِعٌ، فَأَمَّا سُقُوطُ الْوَلَاءِ فِيهِ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَجُمْهُورِ الفقهاء أَنَّ الْوَلَاءَ ثَابِتٌ لَا يَسْقُطُ بِتَسْبِيَةِ، وَاشْتِرَاطِ سُقُوطِهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَسْقُطُ فِيهِ الْوَلَاءُ اعْتِبَارًا بِشُرُوطِهِ؛ وَاسْتِدْلَالًا بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: (الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ) ، وَبِمَا رَوَى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: (السَّائِبَةُ لِيَوْمِهَا) . وفيه تأويلان:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ حُكْمَهَا عَلَى مَا شَرَطَهُ فِي يَوْمِ عِتْقِهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، لِأَنَّهُ قَصَدَ بِهَا الْأَجْرَ دُونَ الْوَلَاءِ.
وَبِمَا رَوَى الشَّعْبِيُّ: أَنَّ سَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ أَعْتَقَتْهُ لَيْلَى بِنْتُ يَعَارَ زَوْجَةُ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ سَائِبَةً، فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ، وَخَلَّفَ بِنْتًا، وَمَوْلَاتَهُ لَيْلَى زَوْجَةَ أَبِي حُذَيْفَةَ، فَدَفَعَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ إِلَى بِنْتِهِ النِّصْفَ، وَعَرَضَ الْبَاقِيَ عَلَى مَوْلَاتِهِ، فَقَالَتْ: لَا أَرْجِعُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ سَالِمٍ، فَإِنِّي جَعَلْتُهُ سَائِبَةً لِلَّهِ، فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ النِّصْفَ الْبَاقِيَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
وَدَلِيلُنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ﴾ [المائدة: 103] فَلَمَّا امْتَنَعَ مِنْ حُكْمِ السَّائِبَةِ فِي الْبَهَائِمِ الَّتِي لَا يَجْرِي عَلَيْهَا حُكْمُ الْعِتْقِ كَانَ الْمَنْعُ فِي الْآدَمِيِّينَ مِمَّنْ يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْعِتْقِ أَوْلَى.
وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: (الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ) وَفِيهِ دَلِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ اعْتَبَرَهُ بِالنَّسَبِ، وَالنَّسَبُ لَا يُعْتَبَرُ حُكْمُهُ بِالشَّرْطِ؛ كَذَلِكَ الْوَلَاءُ.
وَالثَّانِي: قَوْلُهُ: (وَلَا يُوهَبُ) وَالسَّائِبَةُ هِبَةُ الْوَلَاءِ، وَلِأَنَّ مَوَالِيَ بَرِيرَةَ بَاعُوهَا عَلَى عَائِشَةَ رِضْوَانُ الله عنها، وَاشْتَرَطُوا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ وَلَاؤُهَا إِذَا أُعْتِقَتْ، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: (مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ.
كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ وَشُرُوطُهُ أَوْثَقُ، وَالْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) . فَأَثْبَتَ الْوَلَاءَ لِلْمُعْتِقِ وَأَبْطَلَ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ.
وَرُوِيَ أَنَّ طَارِقًا أَعْتَقَ عَبِيدًا لَهُ سَوَائِبَ، وَكَانُوا سِتَّةً، وَقِيلَ عَشْرَةً فَمَاتُوا كُلُّهُمْ بَعْدَ مَوْتِ طَارِقٍ، وَخَلَّفُوا مَالًا، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ فَقَضَى بِهِ لِوَرَثَةِ طَارِقٍ، فَامْتَنَعُوا مِنْ أَخْذِهِ، فَقَالَ عُمَرُ: أَرْجِعُوهُ إِلَى قَوْمٍ مِثْلِهِمْ، فَأَبَانَ بِهَذَا الْقَضَاءِ أَنَّ الْوَلَاءَ ثَابِتٌ فِي عِتْقِ السَّائِبَةِ.
وَرَوَى قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ أَنَّ أَصْحَابَ السَّوَائِبِ شَكَوْا إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَقَالُوا: إِمَّا أَنْ تَجْعَلَ الْعَقْلَ عَلَيْنَا، وَالْمِيرَاثَ لَنَا، وَإِمَّا أَن لَا يَكُون لَنَا مِيرَاثٌ، وَلَا عَلَيْنَا عَقْلٌ، فَقَضَى عُمَرُ لَهُمْ بِالْمِيرَاثِ.
وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَلِأَنَّ الْوَلَاءَ فِي الْعِتْقِ كَالرَّجْعَةِ فِي الطَّلَاقِ، فَلَمَّا كَانَ لَوْ طَلَّقَهَا عَلَى أَن لَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا وَقَعَ الطَّلَاقُ، وَاسْتَحَقَّ الرَّجْعَةَ، وَجَبَ مِثْلُهُ فِي عِتْقِ السَّائِبَةِ أَنْ يَقَعَ الْعِتْقُ، وَيُسْتَحَقَّ الْوَلَاءُ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: (الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ) فَهُوَ مَا وَصَلَهُ بِهِ إِلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا، وهذا منه.

وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ عُمَرَ: (السَّائِبَةُ لِيَوْمِهَا) ، فَهُوَ مُجْمَلٌ لَا يَثْبُتُ بِهِ شَرْعٌ، وَحَمْلُهُ عَلَى مُقْتَضَى السُّنَّةِ أَوْلَى.
وَأَمَّا حَدِيثُ سَالِمٍ، فَقَدْ حَكَمَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بِدَفْعِ مِيرَاثِهِ إِلَى مَوْلَاتِهِ، فَلَمَّا امْتَنَعَتْ مِنْ مِيرَاثِهِ لَمْ تُجْبَرْ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهَا، وَلَيْسَ بِحَقٍّ عَلَيْهَا، فَوَضَعَهُ حَيْثُ رَأَى من الوجوه والمصالح.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَمَنْ وَرِثَ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ أَوْ مَاتَ عَنْ أُمِّ وَلَدٍ لَهُ فَلَهُ وَلَاؤُهُمْ وَإِنْ لَمْ يَعْتِقْهُمْ لِأَنَّهُمْ فِي مَعْنَى مَنْ أَعْتَقَ والمعتق السائبة معتق وهو أكثر من هذا في معنى المعتقين فكيف لا يكون له ولاؤه (قال) فالمعتق سائبة قد أنفذ الله له العتق لأنه طاعة وأبطل الشرط بأن لا ولاء له لانه معصية وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (الولاء لمن أَعْتَقَ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ؛ كُلُّ عِتْقٍ نَفَذَ عَلَى مِلْكٍ لِلرِّقِّ ثَبَتَ وَلَاؤُهُ لِمَنْ عَتَقَ عَلَى مِلْكِهِ، سَوَاءٌ كَانَ بِاخْتِيَارِهِ أَوْ غَيْرِ اخْتِيَارِهِ، بِقَوْلِهِ أَوْ بِفِعْلِهِ، أَوْ بِغَيْرِ قَوْلِهِ وَغَيْرِ فِعْلِهِ، فِي حَيَاتِهِ، أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ، بِعِوَضٍ، أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَالْمُعْتِقُ بِاخْتِيَارِهِ أَنْ يُبَاشِرَ عِتْقَ عَبْدٍ قَدِ اسْتَقَرَّ مِلْكُهُ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ لَهُ: أَنْتَ حُرٌّ.
وَالْعِتْقُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ أَنْ يَعْتِقَ شِقْصًا لَهُ مِنْ عَبْدٍ، فَيَسْرِي إِلَى جَمِيعِهِ، وَيُعْتَقُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَلَهُ جَمِيعُ وَلَائِهِ أَوْ يَرِثُ أَحَدَ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ مِنْ وَالِدَيْهِ أَوْ مَوْلُودَيْهِ، فَيُعْتَقُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَلَهُ وَلَاؤُهُ، وَعِتْقُ الْحَمْلِ يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَلَهُ وَلَاؤُهُ، وَعِتْقُ أَوْلَادِ أُمِّ وَلَدِهِ مِنْ غَيْرِهِ يُعْتَقُونَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَلَهُ وَلَاؤُهُمْ.
وَأَمَّا الْعِتْقُ بِالْفِعْلِ، فَهُوَ أَنْ يَشْتَرِيَ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ، فَيُعْتَقُ عَلَيْهِ بِفِعْلِ الشِّرَاءِ، وَلَهُ وَلَاؤُهُ، وَأُمُّ الْوَلَدِ تَعْتِقُ عَلَيْهِ بِالْإِيلَادِ إِذَا مَاتَ، وَلَهُ وَلَاؤُهَا.
وَأَمَّا الْعِتْقُ بِالْمُعَاوَضَةِ، فَعِتْقُ الْمُكَاتَبِ بِالْأَدَاءِ، وَلَهُ وَلَاؤُهُ، لِأَنَّهُ عِتْقٌ عَلَى مِلْكٍ، وَإِنْ وَصَلَ فِيهِ إِلَى الْعِوَضِ عَنْ رِقِّهِ، لِأَنَّهُ أَدَّاهُ مِنْ كَسْبِهِ.
رَوَى مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَرَّ بِرَجُلٍ يُكَاتِبُ عَبْدًا لَهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: (اشْتَرِطْ وَلَاءَهُ) يَعْنِي أَعْلِمْهُ، فَدَلَّ عَلَى اسْتِحْقَاقِ وَلَائِهِ، فَلَوْ كَاتَبَ الْمُكَاتِبُ عَبْدًا، وَعَتَقَ الثَّانِي ثُمَّ عَتَقَ الْأَوَّلُ، فَوَلَاءُ الْأَوَّلِ لِسَيِّدِهِ، وَفِي وَلَاءِ الثَّانِي قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: لِلسَّيِّدِ.
وَالثَّانِي: لِلْمُكَاتَبِ الْأَوَّلِ.
فَأَمَّا الْعِتْقُ بِالْمَوْتِ، فَعِتْقُ أُمِّ الْوَلَدِ الْمُدَبَّرِ وَلَهُ وَلَاؤُهُمَا لِعِتْقِهِمَا عَلَى مِلْكِهِ.

وَأَمَّا الْعِتْقُ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَعِتْقُ مَنْ أَوْصَى بِعِتْقِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ لَهُ وَلَاؤُهُمْ، لِأَنَّهُمْ عَتَقُوا مِنْ مَالِهِ، فَلَمْ يُمْنَعْ عِتْقُهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ مِلْكِ وَلَائِهِمْ يَنَالُهُ الَّذِي كَانَ مَالِكُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ.

فَصْلٌ

وَلَوْ بَاعَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِمَالٍ فِي ذِمَّتِهِ عِتْقٌ، وَفِي وَلَائِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَكُونُ لِسَيِّدِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ رِقٌّ لِغَيْرِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا وَلَاءَ لِسَيِّدِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُعْتَقْ فِي مِلْكِهِ، وَلَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ الْوَلَاءَ عَلَى نَفْسِهِ، وَيَسْقُطُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ وَلَاءٌ لِغَيْرِهِ.

فَصْلٌ

وَإِذَا أَعْتَقَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ عَنْ غَيْرِهِ، فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَعْتِقَهُ عَنْ حَيٍّ.
وَالثَّانِي: عَنْ مَيِّتٍ.
فَإِنْ أَعْتَقَهُ عَنْ حَيٍّ، فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَعْتِقَهُ عَنْهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، فَيَكُونُ وَلَاؤُهُ لِمُعْتِقِهِ، وَيَكُونُ لِلْمُعْتِقِ عَنْهُ اعْتِبَارًا لِقَصْدِ الْمُعْتِقِ، وَحَمْلِهِ عَلَى مَذْهَبِهِ فِي السَّائِبَةِ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَعْتِقَهُ عِتْقَ الْحَيِّ بِأَمْرِهِ، فَيَكُونُ وَلَاؤُهُ لِلْآمِرِ دُونَ الْمُعْتِقِ، فَإِنْ أَمَرَهُ أَنْ يَعْتِقَهُ بِعِوَضٍ كَانَ بَيْعًا، وَإِنْ أَمَرَهُ أَنْ يَعْتِقَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ كَانَ هِبَةً.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ كَانَ بِعِوَضٍ كَانَ وَلَاؤُهُ لِلْآمِرِ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ عِوَضٍ كَانَ وَلَاؤُهُ لِلْمُعْتِقِ.
وَدَلِيلُنَا: هُوَ أَنَّ عِتْقَ الْمَوْهُوبِ كَعِتْقِ الْمَبِيعِ، لِأَنَّهُ يُمْلَكُ بِالْهِبَةِ كَمَا يُمْلَكُ بِالْبَيْعِ، فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي اسْتِحْقَاقِ الْوَلَاءِ.
وَأَمَّا الْعِتْقُ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ عَنْ إِذْنِ الْمَيِّتِ فِي حَيَاتِهِ، فَيَكُونُ وَلَاؤُهُ لِلْآمِرِ دُونَ الْمُعْتِقِ كَالْحَيِّ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: بِغَيْرِ إِذْنِ الْمَيِّتِ، فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ عِتْقًا فِي كَفَّارَةٍ لَا خِيَارَ فِيهَا كَالْعِتْقِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَالظِّهَارِ، فَيَكُونُ الْعِتْقُ وَاقِعًا عَنِ الْمُعْتَقِ عَنْهُ، وَلَهُ وَلَاؤُهُ دُونَ الْمُعْتِقِ لِوُجُوبِهِ عَلَى مَنْ يَقْدِرُ عَلَى أَدَائِهِ.

وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْعِتْقُ عَنْ كَفَّارَةٍ فِيهَا تَخْيِيرٌ مِثْلِ كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ، فَيُنْظَرُ فِي الْمُعْتِقِ.
فَإِنْ كَانَ وَارِثًا وَقَعَ الْعِتْقُ عَنِ الْمُعْتَقِ عَنْهُ، وَلَهُ وَلَاؤُهُ دُونَ الْمُعْتِقِ، لِأَنَّ الْوَارِثَ يَقُومُ مَقَامَ الْمَوْرُوثِ، وَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ أَجْنَبِيًّا، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُجْزِئُ عَنِ الْمُعْتِقِ وَلَهُ وَلَاؤُهُ، لِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ كَالْوَارِثِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُجْزِئُ عَنِ الْمُعْتَقِ عَنْهُ، وَيَكُونُ وَاقِعًا عَنِ الْمُعْتِقِ، وَلَهُ وَلَاؤُهُ، لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ الْعُدُولُ عَنِ الْعِتْقِ إِلَى الْإِطْعَامِ وَالْكُسْوَةِ صَارَ الْعِتْقُ فِيهَا كَالتَّطَوُّعِ.

فَصْلٌ

وَإِذَا أَعْتَقَ الرَّجُلُ عَبْدًا عَلَى شَرْطِ الْخِدْمَةِ بَعْدَ الْعِتْقِ مُدَّةً مَعْلُومَةً اتَّفَقَا عَلَيْهَا، وَرَضِيَا بِهَا جَازَ ذَلِكَ عِنْدَنَا، وَإِنْ شَذَّ مَنْ خَالَفَنَا فِيهِ، وَتَعَجَّلَ عِتْقَهُ نَاجِزًا، وَعَلَيْهِ أَنْ يَخْدِمَهُ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ تِلْكَ الْخِدْمَةَ الْمَشْرُوطَةَ إِلَى انْقِضَاءِ تِلْكَ الْمُدَّةِ الْمَعْلُومَةِ.
رُوِيَ عَنْ سَفِينَةَ قَالَ: كُنْتُ مَمْلُوكًا لِأُمِّ سَلَمَةَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهَا فَأَعْتَقَتْنِي، وَشَرَطَتْ عَلَيَّ أَنْ أَخْدُمَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَا عِشْتُ.
وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَعْتَقَ عَبِيدًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَحْفِرُوا الْقُبُورَ، فَكَانُوا عَلَى ذَلِكَ.
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبِيدًا، وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَخْدُمُوا الْخَلِيفَةَ بَعْدَهُ ثَلَاثَ سِنِينَ.

مَسْأَلَةٌ

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَإِذَا أَخَذَ أَهْلُ الْفَرَائِضِ فَرَائِضَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَصَبَةُ قَرَابَةٍ مِنْ قِبَلِ الصُلْبِ كَانَ مَا بَقِيَ لِلْمَوْلَى الْمُعْتِقِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْوَلَاءُ فَيُسْتَحَقُّ بِهِ الْمِيرَاثُ كَالنَّسَبِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: (الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ) ، فَيَرِثُ الْمَوْلَى الْأَعْلَى مِنَ الْمَوْلَى الْأَسْفَلِ، وَلَا يَرِثُ الْأَسْفَلُ مِنَ الْأَعْلَى فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ إِلَّا مَنْ شَذَّ عَنْهُمْ مِنْ عَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، فَإِنَّهُمَا وَرَّثَا الْأَسْفَلَ مِنَ الْأَعْلَى كَمَا يَرِثُ الْأَعْلَى مِنَ الْأَسْفَلِ اعْتِبَارًا بِالنَّسَبِ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ (الْفَرَائِضِ) . فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا، فَالْمِيرَاثُ بِالنَّسَبِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمِيرَاثِ بِالْوَلَاءِ، لِأَنَّ النَّسَبَ أَصْلٌ، وَالْوَلَاءَ فَرْعٌ، فَسَقَطَ الْفَرْعُ بِالْأَصْلِ، وَلَمْ يَسْقُطِ الْأَصْلُ بِالْفَرْعِ، فَإِذَا اسْتَوْعَبَ الْعَصَبَاتُ أَوْ ذَوُو الْفُرُوضِ التَّرِكَةَ سَقَطَ الْمِيرَاثُ بِالْوَلَاءِ، وَإِنْ عُدِمَ عَصَبَاتُ النَّسَبِ، وَلَمْ يَسْتَوْعِبْ ذَوُو الْفُرُوضِ التَّرِكَةَ اسْتَحَقَّ الْمِيرَاثَ، وَقُدِّمَ الْمَوْلَى عَلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَحُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ وَالشَّعْبِيِّ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَالْأَسْوَدِ وَمَسْرُوقٍ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، أَنَّ ذَوِي الْأَرْحَامِ أَوْلَى مِنَ الْمَوْلَى، وَالدَّلِيلُ عَلَى تَقْدِيمِ

الْمِيرَاثِ بِالْوَلَاءِ عَلَى مَنْ لَا سَهْمَ لَهُ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ مَا رَوَاهُ سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، قَالَ كَانَ لِبِنْتِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْلًى أَعْتَقَتْهُ، فَمَاتَ، وَتَرَكَ بِنْتًا، وَمَوْلَاتُهُ بِنْتُ حَمْزَةَ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (فَأَعْطَى الْبِنْتَ النِّصْفَ، وَأَعْطَى مَوْلَاتَهُ النِّصْفَ) . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ: وَأَنَا أَعْلَمُ بِهَا لِأَنَّهَا أُخْتِي لِأُمِّي أُمُّنَا سَلْمَى بِنْتُ عُمَيْسٍ الْخَثْعَمِيَّةُ، فَمَوْضِعُ الدَّلِيلِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقَدِّمِ الْمَوْلَى عَلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ لَكَانَ الْبَاقِي بَعْدَ فَرْضِ الْبِنْتِ مَرْدُودًا عَلَى الْبِنْتِ.
وَرَوَى يُونُسُ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: (الْمِيرَاثُ لِلْعَصَبَةِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَصَبَةٌ فَالْمَوْلَى) ، وَلِأَنَّ الْمَوْلَى عَصَبَةٌ، وَالْعَصَبَاتُ أَوْلَى مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ كَالنَّسَبِ.

فَصْلٌ

فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْمَوْلَى وَارِثٌ بِوَلَائِهِ بَعْدَ الْعَصَبَاتِ وَذَوِي الْفُرُوضِ، فَإِنْ كَانَ الْمَوْلَى مَيِّتًا، فَالْوَلَاءُ بَعْدَهُ لِأَقْرَبِ عَصَبَاتِهِ يَوْمَ يَمُوتُ الْعَبْدُ الْمُعْتَقُ، فَإِنْ مَاتَ وَتَرَكَ ابْنَ مَوْلَاهُ وَبِنْتَ مَوْلَاهُ وَأَبَا مَوْلَاهُ، فَمِيرَاثُهُ لِابْنِ الْمَوْلَى دُونَ الْبِنْتِ.
وَحُكِيَ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّ الْمِيرَاثَ بِالْوَلَاءِ كَالْمِيرَاثِ بِالنَّسَبِ، فَيَحْصُلُ لِأَبِي الْمَوْلَى السُّدْسُ، وَالْبَاقِي بَيْنَ ابْنِ الْمَوْلَى، وَبِنْتِ الْمَوْلَى لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ.
وَحُكِيَ عَنْ شُرَيْحٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالنَّخَعِيِّ، وَأَبِي يُوسُفَ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ، أَنَّ لِأَبِ الْمَوْلَى السُّدْسَ وَالْبَاقِي لِابْنِ الْمَوْلَى دُونَ بِنْتِ الْمَوْلَى، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ، وَدَاوُدَ، وَهُوَ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَأَكْثَرِ التَّابِعِينَ أَنَّ ابْنَ الْمَوْلَى أَوْلَى مِنَ الْأَبِ وَالْبِنْتِ.
أَمَّا الْبِنْتُ، فَلِأَنَّ النِّسَاءَ لَا يَرِثْنَ بِالْوَلَاءِ، لِعَدَمِ التَّعْصِيبِ فِيهِنَّ وَأَمَّا الْأَبُ، فَلِأَنَّ الِابْنَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ فِي الْوَلَاءِ، فَلَا يُشَارِكُهُ فِيهِ، وَكَذَلِكَ لَا يُشَارِكُ بَنِي الِابْنِ، وَإِنْ سَفُلُوا لِأَنَّهُ لَا يَرْثُ مَعَهُمْ إِلَّا بِالْغَرَضِ، وَلَا حَقَّ لِذَوِي الْفُرُوضِ فِي مِيرَاثِ الْوَلَاءِ ثُمَّ مِيرَاثُهُ بَعْدَ بَنِي مَوْلَاهُ لِأَبِ الْمَوْلَى، لِأَنَّهُ أَحَقُّ الْعَصَبَاتِ بَعْدَ الْبَنِينَ ثُمَّ فِيمَنْ يَرِثُهُ بَعْدَ أَبِ الْمَوْلَى قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَخُو مَوْلَاهُ، وَيَكُونُ أَحَقَّ مِنْ جَدِّ الْمَوْلَى.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَشْتَرِكُ فِيهِ أَخُو الْمَوْلَى، وَجَدُّ الْمَوْلَى، فَإِنْ تَرَكَ جَدَّ مَوْلًى وَابْنَ أَخِي مَوْلًى، فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ جَدَّ الْمَوْلَى أَحَقُّ.
وَالثَّانِي: أَنَّ ابْنَ أَخِي الْمَوْلَى أَحَقُّ، وَلَا يَشْتَرِكَانِ فِيهِ، فَإِنْ تَرَكَ جَدَّ مَوْلَاهُ وَعَمَّ مَوَّلَاهُ، فَجَدُّ الْمَوْلَى أَحَقُّ وَإِنْ تَرَكَ أَبَا جَدِّ مَوْلَاهُ وَعَمَّ مَوْلَاهُ فَفِيهِ قَوْلَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ عَمَّ الْمَوْلَى أَحَقُّ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَشْتَرِكُ فِيهِ الْعَمُّ، وَأَبُو الْجَدِّ.
وَلَوْ تَرَكَ أَبَا جَدِّ مَوْلَاهُ، وَابْنَ عَمِّ مَوْلَاهُ، فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَبَا جَدِّ الْمَوْلَى أَحَقُّ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ ابْنَ عَمِّ الْمَوْلَى أَحَقُّ، وَلَا يَشْتَرِكَانِ فِيهِ.
وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ، فِيمَنْ كَانَ أَبْعَدَ مِنْهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِمَوْلَاهُ عَصَبَةٌ، فَلِمَوْلَى الْمَوْلَى ثُمَّ لِعَصَبَتِهِ يَتَقَدَّمُونَ بِمِيرَاثِهِ عَلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ، فَإِنْ عُدِمُوا فَلِبَيْتِ الْمَالِ عَلَى قَوْلِ مَنْ لَمْ يُوَرِّثْ ذَوِي الْأَرْحَامِ، وَهُوَ عَلَى قَوْلِ مَنْ وَرَّثَهُمْ لِذَوِي الْأَرْحَامِ دون بيت المال.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ تَرَكَ ثَلَاثَةَ بَنِينَ اثْنَانِ لِأُمٍّ فَهَلَكَ أَحَدُ الِاثْنَيْنِ لِأُمٍّ وَتَرَكَ مَالًا وَمَوَالِيَ فَوَرِثَ أَخُوهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ مَالَهُ وَوَلَاءَ مَوَالِيهِ ثُمَّ هَلَكَ الَّذِي وَرِثَ الْمَالَ وَوَلَاءَ الْمَوْلَى وَتَرَكَ ابْنَهُ وَأَخَاهُ لِأَبِيهِ فَقَالَ ابْنُهُ قَدْ أَحَرَزْتَ مَا كَانَ أَبِي أَحْرَزَهُ وَقَالَ أَخُوهُ إِنَّمَا أَحْرَزْتُ الْمَالَ وَأَمَّا وَلَاءُ الْمَوَالِي فَلَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) الْأَخُ أَوْلَى بِوَلَاءِ الْمَوَالِي وَقَضَى بِذَلِكَ عثمان بن عفان رحمة الله عليه ثم الأقرب فالأقرب من العصبة أولى بميراث الموالي والإخوة للأب والأم أولى من الإخوة للأب وإن كان جد وأخ لأب وأم أو لأب فقد اختلف أصحابنا في ذلك فمنهم من قال الأخ أولى وكذلك بنو الأخ وإن سفلوا ومنهم من قال هما سواء) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي ثُبُوتِ الْوَلَاءِ فِي الْكِبَرِ، وَقَدْ صَوَّرَهَا الشَّافِعِيُّ فِيمَا قَضَى بِهِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَإِنْ كَانَتْ فِي غَيْرِهِ أَقْرَبَ.
وَصُورَةُ ذَلِكَ فِي رَجُلٍ أَعْتَقَ عَبِيدًا اسْتَحَقَّ وَلَاءَهُمْ، ثُمَّ مَاتَ الْمُعْتِقُ عَنْ مَالِهِ، وَوَلَاءِ مَوَالِيهِ، وَخَلَّفَ ثَلَاثَةَ بَنِينَ اثْنَانِ مِنْهُمْ لِأُمٍّ، وَالْآخَرُ مِنْ أُمٍّ أُخْرَى، فَوَرِثُوا مَالَهُ، وَوَلَاءَ مَوَالِيهِ أَثْلَاثًا بِالسَّوِيَّةِ، ثُمَّ مَاتَ أَحَدُ اللَّذَيْنِ مِنْ أُمٍّ، وَخَلَّفَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ، وَأَخَاهُ لِأَبِيهِ، ثُمَّ مَاتَ الْأَخُ مِنَ الْأَبِ وَالْأُمِّ، وَخَلَّفَ ابْنَيْنِ وَأَخَاهُ لِأَبِيهِ، فَوَرِثَ مَالَهُ ابْنَاهُ دُونَ أَخِيهِ، وَتَنَازَعُوا فِي وَلَاءِ الْمَوَالِي، فَقَالَ الْأَخُ: أَنَا أَحَقُّ بِوَلَائِهِ مِنْكُمَا، لِأَنِّي ابْنُ مَوْلًى، وَأَنْتُمَا ابْنَا ابْنِ ابن مَوْلًى.
وَقَالَ ابْنَا الِابْنِ: لَكَ ثُلُثُ وَلَائِهِ، وَلَنَا ثُلُثَاهُ حَقُّ أَبِينَا بِمِيرَاثِهِ عَنْ أُمِّهِ وَأَخِيهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ فِي اسْتِحْقَاقِ الْوَلَاءِ.
هَلْ يَكُونُ مُعْتَبَرًا بِمَوْتِ الْعَبْدِ الْمُعْتَقِ فَيَسْتَحِقُّهُ الْكِبَرُ من

عَصَبَاتِ الْمَوْلَى الْمُعْتِقِ أَوْ يَكُونُ مُعْتَبَرًا بِمَوْتِ الْمَوْلَى الْمُعْتِقِ، فَيَكُونُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ؟ ، فَمَذْهَبُ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَأَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
وَمِنَ التَّابِعِينَ: الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَعَطَاءٌ، وَالزُّهْرِيٌّ، وَالشَّعْبِيٌّ.
وَمِنَ الْفُقَهَاءِ: الشَّافِعِيّ وَأَبي حَنِيفَةَ، وَمَالِك، وَدَاوُد، أَنَّ الْوَلَاءَ يَسْتَحِقُّهُ الْكِبَرُ اعْتِبَارًا بِمَوْتِ الْعَبْدِ الْمُعْتَقِ، فَيَكُونُ وَلَاءُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ لِابْنِ الْمَوْلَى دُونَ ابْنَيِ ابْنِهِ.
وَحُكِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، وَعَنْ شُرَيْحٍ مِنَ التَّابِعِينَ أَنَّ وَلَاءَ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ مَوْرُوثٌ يَسْتَحِقُّهُ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ، اعْتِبَارًا بِمَوْتِ الْمَوْلَى الْمُعْتِقِ، فَيَكُونُ لِابْنِ الْمَوْلَى فِي هَذِهِ ال

ْمَسْأَلَةِ

ثُلُثُ وَلَائِهِ، وَلِابْنَيِ ابْنِهِ ثُلُثَاهُ، وَمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ تَوْرِيثِ الْكِبَرِ أَصَحُّ لِمَا قَدَّمْنَاهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: (الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ وَلَا يُتَصَدَّقُ بِهِ) . يَعْنِي لَا يُورَثُ مِيرَاثَ الْمَالِ.
وَلِرِوَايَةِ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: (المولى أَخٍ فِي الدِّينِ وَنِعْمَةٍ يَرِثُهُ أَوْلَى النَّاسِ بِالْمُعْتِقِ) وَلِأَنَّ الْكِبَرَ أَقْرَبُ، فَكَانَ بِالْمِيرَاثِ أَحَقَّ كَالنَّسَبِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمِيرَاثُ بَالنَّسَبِ مُعْتَبَرًا بِمَوْتِ الْمَوْرُوثِ كَانَ كَذَلِكَ فِي الْمِيرَاثِ بِالْوَلَاءِ.

فَصْلٌ

وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا أَنْ يَعْتِقَ الرَّجُلُ عَبْدًا، وَيَمُوتُ، فَيُخَلِّفُ ثَلَاثَةَ بَنِينَ وَيَمُوتُ أَحَدُ الْبَنِينَ وَيَخَلِّفُ ابْنًا وَيَمُوتُ آخَرُ، وَيُخَلِّفُ ابْنَيْنِ وَيَمُوتُ الْآخَرُ، وَيُخَلِّفُ ثَلَاثَةَ بَنِينَ ثُمَّ يَمُوتُ الْعَبْدُ الْمُعْتَقُ، فَعَلَى مَذْهَبِنَا فِي تَوْرِيثِ الْكِبَرِ يَكُونُ مِيرَاثُهُ بِالْوَلَاءِ بَيْنَ بَنِي الْمَوْلَى عَلَى أعداد رؤوسهم مَقْسُومًا عَلَى سِتَّةِ أَسْهُمٍ، وَعَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَ الْوَلَاءَ مَوْرُوثًا يُعْطِيهِمْ سِهَامَ آبَائِهِمْ، فَيَجْعَلُ الثُّلُثَ لِابْنِ الِابْنِ، وَالثُّلُثَ لِابْنَيِ الِابْنِ الْآخَرِ، وَالثُّلُثَ لِثَلَاثَةِ بَنِي الِابْنِ الْآخَرِ، وَتَصِحُّ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا، وَلَوِ اشْتَرَكَ أَبٌ وَابْنٌ فِي عِتْقِ عَبْدٍ، ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ، وَخَلَّفَ ابْنًا آخَرَ، وَمَاتَ الْعَبْدُ الْمُعْتَقُ، كَانَ لِلِابْنِ الْمُعْتِقِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ وَلَائِهِ، النِّصْفُ مِنْهُ بِمُبَاشَرَةِ عِتْقِهِ، وَالرُّبْعُ بِمِيرَاثِهِ عَنْ أَبِيهِ، وَلِلِابْنِ الَّذِي لَيْسَ بِمُعْتِقٍ رُبْعُ وَلَائِهِ بِمِيرَاثِهِ عَنْ أَبِيهِ.
فَلَوْ مَاتَ الِابْنُ الْمُعْتِقُ قَبْلَ مَوْتِ الْعَبْدِ الْمُعْتَقِ، وَتَرَكَ ابْنًا وَأَخَاهُ، ثُمَّ مَاتَ الْعَبْدُ الْمُعْتَقُ كَانَ لِأَخِيهِ نِصْفُ وَلَائِهِ، وَلِابْنِهِ نِصْفُ وَلَائِهِ اعْتِبَارًا بِالْكِبَرِ، وَعَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَ الْوَلَاءِ مَوْرُوثًا جَعَلَ لِلْأَخِ رُبْعَ وَلَائِهِ، وَلِلِابْنِ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِ.
وَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا، وَمَاتَ، وَخَلَّفَ أَخًا لِأَبٍ وَأُمٍّ، وَأَخًا لِأَبٍ، ثُمَّ مَاتَ الْعَبْدُ الْمُعْتَقُ، فَفِي مُسْتَحِقِّ وَلَائِهِ قَوْلَانِ:

أَحَدُهُمَا: يَكُونُ الْأَخُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ أَحَقَّ بِالْوَلَاءِ، كَمَا كَانَ أَحَقَّ بِالْمَالِ، لِقُوَّةِ تَعْصِيبِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَشْتَرِكُ فِي وَلَائِهِ الْأَخُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ، وَالْأَخُ لِلْأَبِ، لِأَنَّ الْأُمَّ لَا تَرِثُ بِالْوَلَاءِ، فَلَمْ يَتَرَجَّحْ مَنْ أَوْلَى بِهَا، وَلَوْ مَاتَ الْأَخُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ، وَخَلَّفَ ابْنًا، ثُمَّ مَاتَ الْعَبْدُ الْمُعْتَقُ كَانَ الْأَخُ لِلْأَبِ أَحَقَّ بِوَلَائِهِ، وَابْنُ الْأَخِ مِنَ الْأَبِ وَالْأُمِّ فِي الْقَوْلَيْنِ مَعًا عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَ الْوَلَاءَ لِلْكِبَرِ، وَهُوَ فِي قَوْلِ مَنْ جَعَلَ الْوَلَاءَ مَوْرُوثًا على حكمه قبل الأخ.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَا يَرِثُ النِّسَاءُ الْوَلَاءَ وَلَا يَرِثْنَ إِلَّا مَنْ أَعْتَقْنَ أَوْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقْنَ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى فَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِي النِّسَاءِ لَا يَرِثْنَ الْوَلَاءَ.
وَالثَّانِي: فِي جَرِّ الْوَلَاءِ.
فَأَمَّا مِيرَاثُهُنَّ الْوَلَاءَ، فَلَا يَرِثْنَهُ عَنْ مُعْتَقٍ بِحَالٍ، وَإِنْ خَالَفَ فِيهِ طَاوُسٌ، فَوَرَّثَهُنَّ كَالرِّجَالِ، وَهُوَ خَطَأٌ، لِأَنَّ الْوَلَاءَ تَعْصِيبٌ يُنْقَلُ إِلَى الْعَصَبَاتِ، وَلَيْسَ النِّسَاءُ عَصَبَةً.
وَلَوْ كَانَ مُعْتَبَرًا بِالْمَالِ لَانْتَقَلَ إِلَى الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ كَالْمَالِ، وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ أَحَدٌ، فَصَارَ حَقُّ تَوْرِيثِهِنَّ مَدْفُوعًا بِالْإِجْمَاعِ، وَلَكِنْ يَسْتَحِقُّ النِّسَاءُ الْوَلَاءَ بِعِتْقِ الْمُبَاشَرَةِ، كَمَا تَسْتَحِقُّهُ الرِّجَالُ، لِزَوَالِ مِلْكِهِنَّ بالعتق، وقد أعتقت عائشة رضي الله عنا بَرِيرَةَ، فَجَعَلَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَلَاءَهَا وَأَبْطَلَ وَلَاءَ مَنِ اشْتَرَطَ وَلَاءَهَا مِنْ مَوَالِيهَا، فَلِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ: (ولَا يَرِثْهنَّ بِالْوَلَاءِ إِلَّا مَنْ أَعْتَقْنَ أَوْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقْنَ) يَعْنِي: إِذَا أَعْتَقَتِ الْمَرْأَةُ عَبْدًا، وَأَعْتَقَ عَبْدُهَا عَبْدًا، كَانَ لَهَا وَلَاءُ عَبْدِهَا، وَلَهَا وَلَاءُ مَنْ أَعْتَقَهُ عَبْدُهَا تَرِثُهُ بَعْدَ عَبْدِهَا، فَلَوْ أَعْتَقَتِ امْرَأَةٌ عَبْدًا، وَمَاتَتْ، وَخَلَّفَتِ ابْنًا وَأَخًا، ثُمَّ مَاتَ الْعَبْدُ الْمُعْتِقُ كَانَ وَلَاؤُهُ لِلِابْنِ دُونَ الْأَخِ، وَلَوْ مَاتَ الِابْنُ قَبْلَ مَوْتِ الْعَبْدِ، وَخَلَّفَ عَمًّا وَخَالًا، ثُمَّ مَاتَ الْعَبْدُ الْمُعْتَقُ كَانَ وَلَاؤُهُ لِخَالِهِ دُونَ عَمِّهِ، لِأَنَّ الْخَالَ أَخُو الْمُعْتِقَةِ، وَالْعَمَّ أَجْنَبِيٌّ مِنْهَا، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ جَعَلَ الْوَلَاءَ لِلْكِبَرِ.
فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مِنْ جَعَلَهُ مَوْرُوثًا يُجْعَلُ الْوَلَاءُ لِعَمِّ الِابْنِ وَإِنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا مِنَ الْمُعْتِقَةِ دُونَ الْخَالِ، وَإِنْ كَانَ أَخَاهَا لِانْتِقَالِ مَالِهِ إِلَى عمه دون خاله.

فَصْلٌ

وَأَمَّا جَرُّ الْوَلَاءِ، فَهُوَ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الْوَلَدِ وَلَاءٌ لِمُعْتِقِ أُمِّهِ، فَيَجُرُّ مُعْتِقُ أَبِيهِ وَلَاءَهُ عَنْهُ إِلَى نَفْسِهِ.
وَصُورَتُهُ: أَنْ يَعْتِقَ أَمَةً، وَتَتَزَوَّجَ بَعْدَ عِتْقِهَا بِعَبْدٍ، فَتَلِدُ مِنْهُ أَوْلَادًا، فَهُمْ أَحْرَارٌ

بِحُرِّيَّةِ أُمِّهِمْ، وَعَلَيْهِمُ الْوَلَاءُ لِمُعْتِقِ أُمِّهِمْ، فَإِذَا أُعْتِقَ أَبُوهُمُ انْجَرَّ وَلَاؤُهُمْ عَنِ الْأُمِّ إِلَى مُعْتِقِ الْأَبِ، فَإِنِ انْقَرَضَ مَوْلَى الْأَبِ وَعَصَبَتُهُ لَمْ يَعُدْ وَلَاؤُهُمْ إِلَى مُعْتِقِ الْأُمِّ، وَكَانَ لِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينِ، وَالْفُقَهَاءِ.
قَالَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ عُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَالزُّبَيْرُ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
وَمِنَ التَّابِعِينَ: الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَشُرَيْحٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ زَيْدٍ.
وَمِنَ الْفُقَهَاءِ: الْحَكَمُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ، وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ وَخَالَفَهُمْ مَنْ أَقَرَّ الْوَلَاءَ لِمُعْتِقِ الْأُمِّ، وَلَمْ يَجُرُّهُ إِلَى مُعْتِقِ الْأَبِ، فَإِنِ انْقَرَضَ مُعْتِقُ الْأُمِّ لَمْ يَنْتَقِلْ إِلَى مُعْتِقِ الْأَبِ، وَكَانَ لِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، وَرِوَايَةٌ شَذَّتْ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ.
وَمِنَ التَّابِعِينَ مَالِكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ، وَمُجَاهِدٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَعِكْرِمَةُ، وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ.
وَمِنَ الْفُقَهَاءِ دَاوُدُ، وَأَهْلُ الظَّاهِرِ، احْتِجَاجًا بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: (الولاء لحمة كلحمة النسب) ثم ثبت أن النَّسَبَ مُعْتَبَرٌ إِذَا ثَبَتَ فِي جَنَبَةٍ لَمْ يَنْتَقِلْ إِلَى غَيْرِهَا، كَذَلِكَ الْوَلَاءُ.
وَدَلِيلُنَا: مَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ مِنْ جَرِّ الْوَلَاءِ، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: (الولاء لحمة كلحمة النسب) ثم ثبت أن النَّسَبَ مُعْتَبَرٌ بِالْآبَاءِ دُونَ الْأُمَّهَاتِ كَذَلِكَ الْوَلَاءُ مُعْتَبَرٌ بِالْآبَاءِ دُونَ الْأُمَّهَاتِ وَإِنَّمَا اعْتُبِرَ بِالْأُمَّهَاتِ لِإِعْوَازِهِ مِنْ جِهَةِ الْآبَاءِ ضَرُورَةً، فَإِذَا وُجِدَ مِنْ جِهَتِهِمُ انْتَقَلَ إِلَيْهِمْ، وَجَرَى مَجْرَى وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ إِذَا اعْتَرَفَ بِهِ أَبُوهُ بَعْدَ لِعَانِهِ عَادَ إِلَى نَسَبِهِ، وَلَحِقَ بِهِ.
وَالْقِصَّةُ الْمَشْهُورَةُ فِي خَبَرِ الْوَلَاءِ مَا رُوِيَ أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَدِمَ خَيْبَرَ، فَرَأَى فِتْيَةً لُعْسًا ظِرَافًا، فَأَعْجَبَهُ ظُرْفُهُمْ، فَسَأَلَ عَنْهُمْ، فَقِيلَ لَهُ: هُمْ مَوَالٍ لِرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أُمُّهُمْ حُرَّةٌ وَأَبُوهُمْ مَمْلُوكٌ لِآلِ الْحُرْقَةِ، فَاشْتَرَى أَبَاهُمْ، وَأَعْتَقَهُ، وَقَالَ لَهُمْ: انْتَسِبُوا إِلَيَّ فَأَنْتُمْ مَوَالِيَّ، وَنَازَعَهُ رَافِعٌ فِيهِمْ، فَاخْتَصَمَا إِلَى عُثْمَانَ، فَقَضَى بِوَلَائِهِمْ لِلزُّبَيْرِ وَعَلَيٌّ حَاضِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ جَمِيعًا.

فَإِذَا ثَبَتَ جَرُّ الْوَلَاءِ إِلَى مُعْتِقِ الْأَبِ، فَأَعْتَقَ الْجِدَّ دُونَ الْأَبِ، فَفِي جَرِّهِ وَلَاءَهُمْ عَنْ مُعْتِقِ الْأُمِّ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، حَكَاهَا أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ أَقَاوِيلَ: أَحَدُهَا: يَجُرُّ مُعْتِقُ الْجِدِّ وَلَاءَهُمْ عَنْ مُعْتِقِ الْأُمِّ، وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَمَالِكٌ، لِأَنَّ الْجِدَّ وَالِدٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَجُرُّ وَلَاءَهُمْ لِمُبَاشَرَةِ الْأَبِ لِلْوِلَادَةِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: إِنْ كَانَ الْأَبُ حَيًّا لَمْ يَجُرَّ مُعْتِقُ الْجِدِّ وَلَاءَهُمْ، وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا جَرَّهُ، لِأَنَّ الْجَرَّ بِمَوْتِ الْأَبِ مُسْتَقِرٌّ، وَمَعَ بَقَائِهِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَوْ جَرَّ مُعْتِقُ الْجِدِّ وَلَاءَهُمْ، ثُمَّ أُعْتِقَ الْأَبُ بَعْدُ، فَفِي جَرِّ الْوَلَاءِ عَنْ مُعْتِقِ الْجِدِّ إِلَى مُعْتِقِ الْأَبِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجُرُّ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، لِأَنَّ الْوِلَادَةَ فِيهِ مُبَاشِرَةٌ، وَفِي الْجِدِّ بَعِيدَةٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُرُّهُ لِاسْتِقْرَارِهِ فِي نَسَبِ الْأُبُوَّةِ.

فَصْلٌ

وَلَوْ أُعْتِقَتْ أَمَةٌ حَامِلٌ مِنْ زَوْجِ مَمْلُوكٍ، فَوَلَدَتِ ابْنًا، ثُمَّ أُعْتِقَ الْأَبُ كَانَ وَلَاءُ الِابْنِ لِمُعْتِقِ الْأُمِّ، وَلَمْ يَجُرُّهُ مُعْتِقُ الْأَبِ، لِأَنَّ عِتْقَ الِابْنِ مُبَاشَرَةٌ، وَالْوَلَاءَ فِي عِتْقِ الْمُبَاشَرَةِ، لَا يَزُولُ بِالْجَرِّ، وَلَوْ لَمْ تَلِدْهُ قَبْلَ عِتْقِ الْأَبِ، وَوَلَدَتْهُ بَعْدَ عِتْقِهِ اعْتُبِرَتْ مُدَّةُ وِلَادَتِهِ بَعْدَ عِتْقِهَا.
فَإِنْ وَلَدَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ كَانَ عِتْقُهُ عَنْ مُبَاشَرَةٍ، وَكَانَ وَلَاؤُهُمَا لِمُعْتِقِهَا، وَلَا يَجُرُّهُ مُعْتِقُ الْأَبِ لِعِلْمِنَا بِكَوْنِهِ حَمْلًا وَقْتَ عِتْقِهَا.
وَإِنْ وَلَدَتْهُ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ جَرَّ مُعْتِقُ الْأَبِ وَلَاءَهُ عَنْ مُعْتِقِهَا، لِعِلْمِنَا بِعَدَمِهِ وَقْتَ عِتْقِهَا.
وَإِنْ وَلَدَتْهُ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ، فَهَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَقْتَ الْعِتْقِ مَوْجُودًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْدُومًا، فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَن لَا يَلْحَقَ بِالزَّوْجِ، فَوَلَاؤُهُ غَيْرُ مَجْرُورٍ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَلْحَقَ بِالزَّوْجِ فَفِي جَرِّ وَلَائِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: مَجْرُورٌ لِأَنَّنَا عَلَى يَقِينٍ مِنْ حُدُوثِ الْوِلَادَةِ، وَفِي شَكٍّ مِنْ تَقَدُّمِهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: غير مجرور لأنا عَلَى يَقِينٍ مِنْ ثُبُوتِ وَلَائِهِ لِمُعْتِقِ أُمِّهِ، وَفِي شَكٍّ مِنْ جَرِّهِ إِلَى مُعْتِقِ أَبِيهِ.

فَصْلٌ

وَإِذَا تَزَوَّجَ حُرٌّ لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ بِمُعْتَقَةٍ عَلَيْهَا وَلَاءٌ، وَأَوْلَدَهَا وَلَدًا لَمْ يَخْلُ

حَالُ الزَّوْجِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفَ النَّسَبِ أَوْ مَجْهُولَ النَّسَبِ، فَإِنْ كَانَ مَعْرُوفَ النَّسَبِ عَرِيقًا فِي الْحُرِّيَّةِ كَالْعَرَبِ، فَلَا وَلَاءَ عَلَى وَلَدِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ أَوْلَدَهَا فِي الرِّقِّ لَمْ يَكُنِ الْوَلَدُ رَقِيقًا.
فَكَانَ أَوْلَى إِذَا أَوْلَدَهَا بَعْدَ ثُبُوتِ الْوَلَاءِ أَن لَا يَكُونُ عَلَيْهِ وَلَاءٌ.
وَإِنْ كَانَ الْأَبُ مَجْهُولَ النَّسَبِ، فَفِي ثُبُوتِ الْوَلَاءِ عَلَى وَلَدِهِ لِمُعْتِقِ أُمِّهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ تَغْلِيبًا لِظَاهِرِ الْحُرِّيَّةِ مِنَ الْأَبِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: عَلَيْهِ الْوَلَاءُ لِاحْتِمَالِ حَالِ الْأَبِ وَثُبُوتِ الْوَلَاءِ عَلَى الْأُمِّ، وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ.

فَصْلٌ

وَإِذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ مُعْتَقَةً عَلَيْهَا وَلَاءٌ، وَأَوْلَدَهَا، ابْنًا دَخَلَ فِي وَلَاءِ أُمِّهِ، ثُمَّ اشْتَرَى الِابْنُ أَبَاهُ عَتَقَ عَلَيْهِ، وَكَانَ لَهُ وَلَاؤُهُ، وَفِي جَرِّهِ لِوَلَاءِ نَفْسِهِ مِنْ مُعْتِقِ أُمِّهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَجُرُّهُ بِعِتْقِ أُمِّهِ، لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ وَلَاءَ نَفْسِهِ، وَيَكُونُ وَلَاؤُهُ بَاقِيًا لِمُعْتِقِ أُمِّهِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ لَا يَعْقِلُ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَا يَرِثُهَا، وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُرُّ وَلَاءَ نَفْسِهِ بِعِتْقِ أَبِيهِ، وَلَا يَمْلِكُهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَكِنْ يُزِيلُ بِهِ الْوَلَاءَ عَنْ نَفْسِهِ، وَيَصِيرُ بِهِ حُرًّا لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ عِتْقَ الْأَبِ يُزِيلُ الْوَلَاءَ عَنْ مُعْتِقِ الْأُمِّ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ، فَعَلَى هَذَا لَوْ أَوْلَدَهَا ابْنَتَيْنِ فَاشْتَرَتْ إِحْدَاهُمَا أَبَاهَا عَتَقَ عَلَيْهَا، وَكَانَ لَهَا وَلَاؤُهُ، وَجَرَّتْ إِلَى نَفْسِهَا وَلَاءَ أُخْتِهَا، وَفِي جَرِّهَا لِوَلَاءِ نَفْسِهَا مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا تَجُرُّهُ، وَيَكُونُ بَاقِيًا عَلَيْهَا لِمُعْتِقِ أُمِّهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: تَجُرُّهُ، وَيَسْقُطُ بِهِ الْوَلَاءُ عَنْهَا.
فَإِنْ مَاتَ الْأَبُ كَانَ ثُلُثَا مِيرَاثِهِ بَيْنَ بِنْتَيْهِ نِصْفَيْنِ بِالنَّسَبِ، وَالثُّلُثُ الْبَاقِي لِبِنْتِهِ الْمُعْتَقَةِ بِالْوَلَاءِ، فَإِنْ مَاتَتْ بَعْدَ الْأَبِ الْبِنْتُ الَّتِي لَيْسَتْ بِمُعْتَقَةٍ كَانَ لِأُخْتِهَا الْمُعْتَقَةِ نِصْفُ مِيرَاثِهَا بِالنَّسَبِ، وَنِصْفُهُ الْبَاقِي بِالْوَلَاءِ الَّذِي جَرَّتْهُ مِنْ مُعْتِقِ أُمِّهَا، وَلَوْ كَانَتِ الْمَيِّتَةُ بَعْدَ أَبِيهَا هِيَ الْبِنْتُ الْمُعْتَقَةُ، وَخَلَّفَتْ أُخْتَهَا كَانَ لِأُخْتِهَا نِصْفُ مِيرَاثِهَا.
وَفِي نِصْفِهِ الْبَاقِي وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لِمَوْلَى أُمِّهَا إِذَا قِيلَ: إِنَّهَا لَا تَجُرُّ وَلَاءَ نَفْسِهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لِبَيْتِ الْمَالِ: إِذَا قِيلَ: إِنَّهَا قَدْ جَرَّتْ وَلَاءَ نَفْسِهَا، وَلَوِ اشْتَرَتِ

الْبِنْتَانِ أَبَاهُمَا عَتَقَ عَلَيْهِمَا، وَكَانَ وَلَاؤُهُ بَيْنَهُمَا، وَجَرَّتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا نِصْفَ وَلَاءِ أُخْتِهَا عن معتق أمها إليها، فصار لكل واحد مِنْهُمَا نِصْفُ وَلَاءِ الْأُخْرَى، لِأَنَّ لَهَا نِصْفَ وَلَاءِ الْأَبِ، وَفِي النِّصْفِ الْبَاقِي وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لِمُعْتِقِ الْأُمِّ إِذَا قِيلَ: إِنَّهَا لَا تَجُرُّ وَلَاءَ نَفْسِهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: سَاقِطٌ عَنْهَا إِذَا قِيلَ إِنَّهَا قَدْ جَرَّتْ وَلَاءَ نَفْسِهَا، فَعَلَى هَذَا لَوْ مَاتَ الْأَبُ كَانَ مِيرَاثُهُ بَيْنَهُمَا، ثُلُثَاهُ بِالنَّسَبِ، وَثُلُثُهُ بِالْوَلَاءِ، وَلَوْ مَاتَتْ بَعْدَهُ إِحْدَى الْبِنْتَيْنِ كَانَ لِأُخْتِهَا ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ مِيرَاثِهَا، نِصْفُهُ بِالنَّسَبِ، وَرُبْعُهُ بِالْوَلَاءِ، لِأَنَّ لَهَا نِصْفَ وَلَائِهَا، وَفِي الرُّبْعِ الْبَاقِي وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لِمَوْلَى أُمِّهَا إِذَا قِيلَ: إِنَّهَا لَا تَجُرُّ وَلَاءَ نَفْسِهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لِبَيْتِ الْمَالِ إِذَا قِيلَ إِنَّهَا قَدْ جَرَّتْ وَلَاءَ نَفْسِهَا.
وَحَكَى الرَّبِيعُ فِي مُخْتَصَرِهِ، وَالْبُوَيْطِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ لِلْأُخْتِ الْبَاقِيَةِ سَبْعَةُ أَثْمَانِ مِيرَاثِ الْمَيِّتَةِ، وَثُمْنُهُ الْبَاقِي لِمُعْتِقِ الْأُمِّ، وَهُوَ خَطَأٌ مِنْهُمَا عَلَى الشَّافِعِيِّ، وَإِنَّمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ هَذَا الْجَوَابُ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ أَنْ تَمُوتَ إِحْدَى الْبِنْتَيْنِ قَبْلَ الْأَبِ، فَيَرِثُهَا الْأَبُ، ثُمَّ يَمُوتُ الْأَبُ، فَيَكُونُ لِبِنْتِهِ الْبَاقِيَةِ نِصْفُ مِيرَاثِهِ بِالنَّسَبِ، وَنِصْفُهُ الْبَاقِي لِمَوَالِيهِ، وَهُمَا بِنْتَاهُ الْحَيَّةُ وَالْمَيِّتَةُ، فَتَأْخُذُ الْحَيَّةُ نِصْفَهُ، وَهُوَ الرُّبْعُ، لِأَنَّ لَهَا نِصْفَ وَلَائِهِ، وَنِصْفُهُ الْبَاقِي، وَهُوَ الرُّبْعُ لِمَوَالِي بِنْتِهِ الْمَيِّتَةِ، وَهُمْ أُخْتُهَا الْحَيَّةُ، وَمَوَالِي أُمِّهَا، لِأَنَّ الْحَيَّةَ قَدْ جَرَّتْ نِصْفَ وَلَاءِ الْمَيِّتَةِ، فَتَأْخُذُ بِهِ نِصْفَ هَذَا الرُّبْعِ، وَهُوَ الثُّمُنُ، فَيَصِيرُ لَهَا مِنْ مَالِ أَبِيهَا سَبْعَةُ أَثْمَانِ نِصْفُهُ بِالنَّسَبِ، وَرُبْعُهُ بِالْوَلَاءِ عَلَى الْأَبِ، وَثُمْنُهُ بِجَرِّ الْوَلَاءِ مِنَ الْأَبِ، وَيَكُونُ ثُمْنُهُ الْبَاقِي لِمَوْلَى الأم في أحد الوجهين والبيت الْمَالِ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي، فَغَلِطَ الرَّبِيعُ وَالْبُوَيْطِيُّ، فَنَقَلَا هَذَا الْجَوَابَ إِلَى الَّتِي تَقَدَّمَهَا.
وَاللَّهُ أعلم.

مختصر كتابي المدبر من جديد وقديم

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ سَمِعَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ دَبَّرَ رَجُلٌ مِنَّا غُلَامًا لَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟ فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ النَّحَّامِ فَقَالَ عَمْرٌو سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ عَبْدٌ قِبْطِيٌّ مَاتَ عَامَ أَوَّلَ فِي إِمَارَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ زاد أبو الزبير يقال له يعقوب (قال الشافعي) وباعت عائشة مدبرة لها سحرتها وقال ابن عمر المدبر من الثلث وقال مجاهد المدبر وصية يرجع فيه صاحبه متى شاء وباع عمر بن عبد العزيز مدبر في دين صاحبه وقال طاوس يعود الرجل في مدبره) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا التَّدْبِيرُ: فَهُوَ عِتْقٌ يُعَلِّقُهُ السَّيِّدُ بِمَوْتِهِ، فَيَقُولُ لِعَبْدِهِ: إِذَا مُتُّ فَأَنْتَ حُرٌّ وَيَقُولُ: أَنْتَ حُرٌّ بِمَوْتِي أَوْ يَقُولُ لَهُ: أَنْتَ مُدَبَّرٌ، فَيُعْتَقُ عَلَيْهِ بِمَوْتِهِ.
وَاخْتَلَفَ فِي تَسْمِيَتِهِ تَدْبِيرًا عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: لِأَنَّهُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ فِي دُبُرِ الْحَيَاةِ، وَهُوَ آخِرُهَا.
وَالثَّانِي: لِأَنَّهُ لَمْ يُجْعَلْ تَدْبِيرَ عِتْقِهِ إِلَى غَيْرِهِ.
وَالثَّالِثُ: لِأَنَّهُ دَبَّرَ أَمْرَ حَيَاتِهِ بِاسْتِخْدَامِهِ، وَأَمْرَ آخِرَتِهِ بِعِتْقِهِ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ابْتِدَائِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مُتَقَدِّمٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، أَقَرَّهُ الشَّرْعُ فِي الْإِسْلَامِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَصَارَ بِالْإِقْرَارِ شَرْعًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ فِي الْإِسْلَامِ بِنَصٍّ وَرَدَ فِيهِ عَمِلَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ فَاسْتَغْنَوْا بِالْعَمَلِ عَنْ نَقْلِ النَّصِّ، فَصَارَ بِالنَّصِّ شَرْعًا، وَصَارَ الْعَمَلُ عَلَى النَّصِّ دَلِيلًا، فَدَبَّرَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ عَبِيدًا، وَدَبَّرَتْ عَائِشَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهَا أَمَةً لَهَا.
فَإِنْ كَانَ فِي حَيَاةِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَهُوَ عَنْ أَمْرِهِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَلِعِلْمِهَا بِهِ مِنْ جِهَتِهِ.
وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِهِ، فَأَغْنَى إِجْمَاعُهُمْ عَنْ دَلِيلٍ فِيهِ.

وَمَدَارُ التَّدْبِيرِ عَلَى حَدِيثَيْنِ: أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ جَابِرٍ.
وَالْآخَرُ: حَدِيثُ عَائِشَةَ.
فَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَوَارِدٌ مِنْ طَرِيقَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الْمَتْنِ الْمُتَقَدِّمِ.
وَالثَّانِي: مَا رَوَاهُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ يُقَالُ لَهُ: أَبُو مَذْكُورٍ أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ يُقَالُ لَهُ: يَعْقُوبُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَدَعَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ: (مَنْ يَشْتَرِيهِ؟ فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ الله النحام بثمان مائة دِرْهَمٍ، ثُمَّ دَفَعَهَا إِلَيْهِ فَقَالَ: (إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فَقِيرًا فَلْيَبْدَأْ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ فَضْلًا فَعَلَى عِيَالِهِ فَإِنْ كَانَ فَضْلًا فَعَلَى ذَوِي رَحِمِهِ، فَإِنْ كَانَ فَضْلًا فَهَاهُنَا، وَهَاهُنَا) . وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَرَوَاهُ سُفْيَانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي الرِّجَالِ عَنْ أُمِّ عَمْرَةِ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ مُدَبَّرَةً لِعَائِشَةَ سَحَرَتْهَا فَأَمَرَتْ بِهَا، فَبِيعَتْ فِي الْأَعْرَابِ، وَجَعَلَتْ ثُلُثَهَا فِي الرِّقَابِ.

فَصْلٌ

فَإِذَا تَقَرَّرَ جَوَازُ التَّدْبِيرِ، فَالْمَقْصُودُ بِهِ عِتْقُ الْمُدَبَّرِ بِمَوْتِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَا كَانَ السَّيِّدُ حَيًّا بَاقٍ عَلَى رِقِّ سَيِّدِهِ وَأَحْكَامُ الرِّقِّ جَارِيَةٌ عَلَيْهِ فِي اسْتِخْدَامِهِ، وَمِلْكِ أَكْسَابِهِ، وَإِجَارَتِهِ وَنِكَاحِهِ وَطَلَاقِهِ وَشَهَادَتِهِ كَسَائِرِ الْعَبِيدِ، وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَلِلسَّيِّدِ وَطْؤُهَا كَسَائِرِ الْإِمَاءِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالتَّدْبِيرُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مُقَيَّدٌ، وَمُطْلَقٌ.
فَأَمَّا الْمُقَيَّدُ: فَهُوَ أَنْ يَقُولَ: إِنْ مُتُّ مِنْ مَرَضِي هَذَا، أَوْ عَامِي هَذَا، فَأَنْتَ حُرٌّ فَيَكُونُ تَدْبِيرُهُ مَعْقُودًا بِشَرْطِهِ.
فَإِنْ مَاتَ مِنْ هَذَا الْمَرَضِ، أَوْ فِي هَذَا الْعَامِ، عَتَقَ بِمَوْتِهِ وَإِنْ لَمْ يَمُتْ مِنْهَا بَطَلَ تَدْبِيرُهُ، وَلَمْ يُعْتَقْ بِمَوْتِهِ، فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَرَضِ، وَلَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْعَامِ.
وَأَمَّا الْمُطْلَقُ: فَهُوَ أَنْ يَقُولَ: مَتَى مُتُّ، أَوْ إِذَا مُتُّ فَأَنْتَ حُرٌّ أَوْ يَقُولَ لَهُ: أَنْتَ مُدَبَّرٌ فَفِي أَيِّ زَمَانٍ مَاتَ وَعَلَى أَيِّ صِفَةٍ مَاتَ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ قُتِلَ عَتَقَ بِمَوْتِهِ، فإنه قَتَلَهُ الْمُدَبَّرُ فَفِي عِتْقِهِ بِمَوْتِهِ قَوْلَانِ، مِنِ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي جَوَازِ الْوَصِيَّةِ لِلْقَاتِلِ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ كَالْوَصِيَّةِ فِي اعْتِبَارِهِ مِنَ الثُّلُثِ.
وَإِذَا خَرَجَ الْمُدَبَّرُ مِنْ ثُلُثِ سَيِّدِهِ عَتَقَ جَمِيعُهُ بِمَوْتِهِ، وَإِنِ اسْتَوْعَبَهُ الدَّيْنُ، رَقَّ وَلَمْ يُعْتَقْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِسَيِّدِهِ مَالٌ غَيْرُهُ، عَتَقَ ثُلُثُهُ بِمَوْتِهِ وَرَقَّ ثُلُثَاهُ لِوَرَثَتِهِ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ يَسْتَسْعِيهِ الْوَرَثَةُ فِي ثُلُثَيْهِ وَيُعْتَقُ.

فَصْلٌ

فَأَمَّا بَيْعُ الْمُدَبَّرِ وَهِبْتُهُ فِي حَيَاةِ سَيِّدِهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ بَيْعَهُ جَائِزٌ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا فِي دَيْنٍ، وَغَيْرِ دَيْنٍ، سَوَاءً كَانَ تَدْبِيرُهُ مُطْلَقًا أَوْ مُقَيَّدًا وَهُوَ فِي الصَّحَابَةِ قَوْلُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ وَفِي التَّابِعِينَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ وَفِي الْفُقَهَاءِ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ، وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، أَنَّهُ كَالْعِتْقِ النَّاجِزِ فِي الْمَرَضِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إِلَّا فِي الدَّيْنِ مُقَيَّدًا، كَانَ أَوْ مُطْلَقًا.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ إِنْ كَانَ تَدْبِيرُهُ مُقَيَّدًا جَازَ بَيْعُهُ فِي دَيْنٍ، وَغَيْرِ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ مُطْلَقًا، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ فِي دَيْنٍ وَغَيْرِ دَيْنٍ فَجَعَلَهُ لَازِمًا، إِذَا أُطْلِقَ وغير لازم إذا قيد وهو عندنا لَازِمٍ فِي الْحَالَيْنِ، احْتِجَاجًا بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ) . قَالُوا: وَلِأَنَّ كُلَّ عِتْقٍ نُجِزَ إِطْلَاقُهُ بِمَوْتِ الْمُعْتِقِ، مَنَعَ من جواز البيع كأم الولد.
قالوا: وَلِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَفَادَ بِالتَّدْبِيرِ اسْمًا غَيْرَ اسْمِ الْعَبِيدِ، وَجَبَ أَنْ يَسْتَفِيدَ بِهِ حُكْمًا غَيْرَ أَحْكَامِ الْعَبِيدِ، لِأَنَّ انْتِقَالَ الِاسْمِ يُوجِبُ انْتِقَالَ الْحُكْمِ، وَلَوْ جَازَ بَيْعُهُ لَبَقِيَ عَلَى حُكْمِهِ مَعَ انْتِقَالِ اسْمِهِ، وَهَذَا غَيْرُ جَائِزٍ كَالْمُكَاتَبِ.
وَدَلِيلُنَا مَا رُوِّينَاهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ بَاعَ مُدَبَّرًا عَلَى مَالِكِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى بَيْعِ مَنَافِعِهِ بِالْإِجَارَةِ قِيلَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْدَلَ عَنْ حَقِيقَةِ الْمَذْكُورِ إِلَى مَجَازٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ، مَا لَمْ يَصْرِفْ عَنْهُ دَلِيلٌ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا بَاعَهُ فِي دَيْنٍ، وَقَدْ يُبَاعُ فِي الدَّيْنِ مَا يُمْنَعُ مِنْ بَيْعِهِ فِي غَيْرِ الدَّيْنِ كَالْمُعْتِقِ فِي الْمَرَضِ، قِيلَ: لَوْ كَانَ بَيْعُهُ لَا يَجُوزُ إِلَّا فِي الدَّيْنِ لَكَانَ بَيْعُهُ مَوْقُوفًا عَلَى طَلَبِ الْغُرَمَاءِ، وَلَمَا جَازَ أَنْ يَبِيعَ مِنْهُ إِلَّا قَدْرَ الدَّيْنِ، وَقَدْ بَاعَهُ كُلَّهُ بِثَمَنٍ دَفَعَهُ إِلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: أَنْفِقْ عَلَى نَفْسِكَ، ثُمَّ عَلَى عِيَالِكَ، ثُمَّ عَلَى ذَوِي رَحِمَكَ، ثُمَّ اصْنَعْ بِالْفَضْلِ مَا شِئْتَ فَدَلَّ عَلَى بَيْعِهِ فِي الدَّيْنِ وَغَيْرِ الدَّيْنِ.
وَقَدْ بَاعَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مُدَبَّرَتَهَا فِي غَيْرِ دَيْنٍ، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ بَيْعِهِ فِي الدَّيْنِ وَغَيْرِ الدَّيْنِ، وَلِأَنَّ التَّدْبِيرَ قَوْلٌ عُلِّقَ بِهِ عِتْقٌ عَلَى صِفَةٍ تَفَرَّدَ بِهَا فَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ جَوَازِ بَيْعِهِ كَتَعْلِيقِهِ بِجَمِيعِ الصِّفَاتِ، وَلِأَنَّ مَنْ جَرَى عَلَيْهِ حُكْمُ التَّدْبِيرِ، جَازَ بَيْعُهُ قَبْلَ الْمَوْتِ كَالتَّدْبِيرِ الْمُقَيَّدِ، وَلِأَنَّ مَنْ كَانَ عِتْقُهُ مُعْتَبَرًا مِنْ ثُلُثِهِ مَعَ صِحَّتِهِ جَازَ لَهُ بَيْعُهُ قَبْلَ عِتْقِهِ كَالْمُوصَى بِعِتْقِهِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا رَوَوهُ عَنْ نَهْيِهِ عَنْ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ، فَهُوَ أَنَّهُ مِنَ الْمَنَاكِيرِ الَّتِي لَا تُعْرَفُ، وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ مَحْمُولًا عَلَى التَّنْزِيهِ بِدَلِيلِ مَا فَعَلَهُ مِنْ بَيْعِهِ.

وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ إِلْحَاقِهِ بِأُمِّ الْوَلَدِ فَهُوَ أَنَّهَا كَالْمُسْتَهْلَكَةِ بِالْإِحْبَالِ لِسِرَايَتِهِ إِلَى حِصَّةِ الشَّرِيكِ، وَلِأَنَّ عِتْقَ أُمِّ الْوَلَدِ لَازِمٌ لِاعْتِبَارِهِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ كَالدُّيُونِ، وَعِتْقَ التَّدْبِيرِ غَيْرُ لَازِمٍ لِاعْتِبَارِهِ مِنَ الثُّلُثِ كَالْوَصَايَا فَلِهَذَيْنِ مَا افْتَرَقَا فِي جَوَازِ الْبَيْعِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ أَنَّ انْتِقَالَ الِاسْمِ يُوجِبُ انْتِقَالَ الْحُكْمِ، فَهُوَ أَنَّهُ مُوجِبٌ لِزِيَادَةِ حُكْمٍ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ انْتِقَالِ الِاسْمِ، وَقَدْ وُجِدَتِ الزِّيَادَةُ بِعِتْقِهِ بِالْمَوْتِ، وَلَمْ يَلْزَمْ زَوَالُ أَحْكَامِهِ كَمَا لَمْ يَلْزَمْ زَوَالُ اسْتِخْدَامِهِ.
فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ بَيْعِهِ، جَازَتْ هِبَتُهُ وَجَازَ كِتَابَتُهُ، وَجَازَ تَعْجِيلُ عِتْقِهِ.
فَأَمَّا الرُّجُوعُ فِي تَدْبِيرِهِ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى مِلْكِهِ، حَتَّى لَا يُعْتَقَ بِمَوْتِهِ فَسَنَذْكُرُهُ مِنْ بَعْدُ فِي موضعه.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: (فَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِعَبْدِهِ أَنْتَ مُدَبَّرٌ أَوْ أَنْتَ عَتِيقٌ أَوْ مُحَرَّرٌ أَوْ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي أَوْ مَتَى مُتُّ أَوْ مَتَى دَخَلْتَ الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي فَدَخَلَ فَهَذَا كُلُّهُ تَدْبِيرٌ يَخْرُجُ مِنَ الثُّلُثِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَكَلَامُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَشْتَمِلُ عَلَى

فَصْلَ

يْنِ: أَحَدُهُمَا: فِيمَا يَصِيرُ بِهِ مُدَبَّرًا.
وَالثَّانِي: فِيمَا يَكُونُ فِي التَّرِكَةِ مُعْتَبَرًا.
فَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: في الألفاظ التي تكون بِهَا مُدَبَّرًا: فَأَلْفَاظُ التَّدْبِيرِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: صَرِيحٌ، وَكِنَايَةٌ، وَمُخْتَلَفٌ فِيهِ هَلْ هُوَ صَرِيحٌ، أَوْ كِنَايَةٌ.
فَأَمَّا الصَّرِيحُ: فَهُوَ قَوْلُهُ: إِذَا مِتُّ فَأَنْتَ حُرٌّ، أَوْ أَنْتَ حُرٌّ بِمَوْتِي، أَوْ أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي، لِأَنَّهَا أَلْفَاظٌ لَا احْتِمَالَ فِيهَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُعَلِّقَهُ بِالْمَوْتِ، أَوْ بَعْدَ الْمَوْتِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَوْتِ فَاصِلٌ، لِأَنَّهُ فِي الْحَالَيْنِ وَاقِعٌ بَعْدَ الْمَوْتِ.
وَأَمَّا الْكِنَايَةُ: فَهُوَ أن يقول: إذا مت فأنت حرام، أَوْ مُسَيَّبٌ أَوْ مُخْلًى، أَوْ مَالِكٌ لِنَفْسِكَ، أَوْ لَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ عَلَيْكَ إِلَى نَظَائِرِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْمُحْتَمَلَةِ.
فَإِنْ أَرَادَ بِهَا الْعِتْقَ صَارَ مُدَبَّرًا، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ بِهَا الْعِتْقَ لَمْ يَكُنْ مُدَبَّرًا، وَاعْتِبَارُ الْإِرَادَةِ أَنْ يَكُونَ مَعَ لَفْظِهِ فَإِنْ تَجَرَّدَ اللَّفْظُ عَنِ الْإِرَادَةِ ثُمَّ أَرَادَهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ اللَّفْظِ، لَمْ يَصِرْ مُدَبَّرًا، لِأَنَّ انْفِصَالَ النِّيَّةِ عَنِ الْكِنَايَةِ مُبْطِلٌ لحكم الكناية، ويكون السيد هو المسؤول عَنْ إِرَادَتِهِ.
هَلْ أَرَدْتَ بِهِ الْعِتْقَ، أَوْ لَمْ تُرِدْ، وَلَا يُسْأَلُ هَلْ أَرَدْتَ بِهِ التَّدْبِيرَ، أَوْ لَمْ تُرِدْ، لِأَنَّهُ لَمَّا عَلَّقَهُ بِالْمَوْتِ تَوَجَّهَ إِلَى التَّدْبِيرِ وَلَمْ يَتَوَجَّهْ إِلَى الْعِتْقِ النَّاجِزِ، وَلَكِنْ لَوْ أَطْلَقَ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ وَلَمْ يُعَلِّقْهَا بِالْمَوْتِ جَازَ أَنْ يُرِيدَ بِهَا الْعِتْقَ النَّاجِزَ وَجَازَ أَنْ يُرِيدَ

بِهَا التَّدْبِيرَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَجَازَ أَن لَا يُرِيدَ بِهَا وَاحِدًا مِنْهُمَا، فَيُرْجَعُ إِلَى إِرَادَتِهِ فَمَا ذَكَرَهُ فِيهَا مِنْ شَيْءٍ كَانَ قَوْلُهُ فِيهِ مَقْبُولًا فَإِنْ قَالَ السَّيِّدُ: أَرَدْتُ بِهِ التَّدْبِيرَ، وَقَالَ الْعَبْدُ: بَلْ أَرَدْتَ بِهِ الْعِتْقَ النَّاجِزَ، كَانَ لَهُ إِحْلَافُ سَيِّدِهِ.
وَلَوْ قَالَ السَّيِّدُ: لَمْ أُرِدْ بِهِ التَّدْبِيرَ، وَقَالَ الْعَبْدُ: بَلْ أَرَدْتَ بِهِ التَّدْبِيرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِحْلَافُ سَيِّدِهِ، لِأَنَّ التَّدْبِيرَ لَيْسَ بِلَازِمٍ وَالْعِتْقَ النَّاجِزَ لَازِمٌ.
وَأَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ: هَلْ هُوَ صَرِيحٌ، أَوْ كِنَايَةٌ، فَهُوَ لَفْظُ التَّدْبِير أَنْ يَقُولَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ مُدَبَّرٌ.
فَالَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ يَكُونُ صَرِيحًا لَا يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى إِرَادَتِهِ، وَيُعْتَقُ عَلَيْهِ بِمَوْتِهِ.
وَقَالَ فِي الْكِنَايَةِ: إِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ قَدْ كَاتَبْتُكَ عَلَى كَذَا لَمْ يَكُنْ صَرِيحًا فِي عِتْقِهِ بِالْأَدَاءِ، حَتَّى يَقُولَ: فَإِذَا أَدَّيْتَ إِلَيَّ آخِرَهَا فَأَنْتَ حُرٌّ.
فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي لَفْظِ التَّدْبِيرِ وَالْكِتَابَةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا وَخَرَّجَهُمَا عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمَا صَرِيحَانِ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي التَّدْبِيرِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُمَا كِنَايَتَانِ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْكِتَابَةِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: التَّدْبِيرُ صَرِيحٌ، وَالْكِنَايَةُ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ التَّدْبِيرُ صَرِيحٌ، وَالْكِتَابَةُ كِنَايَةٌ لِوُقُوعِ الْفَصْلِ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ لَفْظَ التَّدْبِيرِ مَشْهُورٌ فِي الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ، وَالْكِنَايَةَ يَعْرِفُهَا الْخَاصَّةُ دُونَ الْعَامَّةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْكِنَايَةَ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ صَرِيحِينَ مِنْ عِتْقٍ وَمُكَاتَبَةٍ.
وَالتَّدْبِيرَ لَيْسَ لَهُ صَرِيحٌ سِوَاهُ، وَإِذَا كَانَ التَّدْبِيرُ صَرِيحًا ثَبَتَ حُكْمُهُ فِي كُلِّ مَنْ تَلَفَّظَ بِهِ فِي عَبْدِهِ، سَوَاءٌ عَرَفَ حُكْمَهُ أَوْ لَمْ يَعْرِفْ كَصَرِيحِ الْعِتْقَ وَالطَّلَاقِ.
فَإِنْ عَلَّقَ تَدْبِيرَهُ بِصِفَةٍ فَقَالَ: إِنْ دَخَلْتَ الدَّارَ فَأَنْتَ مُدَبَّرٌ فَلَيْسَ بِمُدَبَّرٍ مَا لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ فَإِذَا دَخَلَهَا فِي حَيَاةِ سَيِّدِهِ صَارَ مُدَبَّرًا، يُعْتَقُ بِالْمَوْتِ، وَلَوْ دَخَلَهَا بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهِ، لَمْ يُعْتَقْ، لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّدْبِيرُ بَعْدَ الْمَوْتِ، لِفَوَاتِ الصِّفَةِ بِالْمَوْتِ.
فَإِنْ قَالَ لَهُ: إِذَا دَفَعْتَ إِلَيَّ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ فَأَنْتَ مُدَبَّرٌ صَارَ مُدَبَّرًا بِدَفْعِ جَمِيعِهَا، وَلَوْ دَفَعَهَا إِلَّا يَسِيرًا لَمْ يَصِرْ مُدَبَّرًا، وَلَوْ قَالَ: إِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَأَنْتَ مُدَبَّرٌ كَانَ تَدْبِيرُهُ مُعْتَبَرًا بِقِرَاءَةِ جَمِيعِ الْقُرْآنِ.
فَلَوْ قَرَأَهُ إِلَّا آيَةً مِنْهُ لَمْ يَصِرْ مُدَبَّرًا.
وَلَوْ قَالَ: إِذَا قَرَأَتْ قُرْآنًا صَارَ مُدَبَّرًا بِقِرَاءَةِ آيَةٍ مِنْهُ، لِأَنَّ دُخُولَ الْأَلِفِ وَاللَّامِ تُوجِبُ اسْتِيعَابَ الْجِنْسِ، وَحَذْفَهُمَا لَا يُوجِبُهُ، وَلَوْ عَلَّقَ تَدْبِيرَهُ بِصِفَتَيْنِ ثَبَتَ التَّدْبِيرُ بِوُجُودِهِمَا، وَلَمْ يَثْبُتْ بِوُجُودِ أَحَدِهِمَا، وَلَوْ عَلَّقَهُ بِعَشْرِ صِفَاتٍ لَمْ يَثْبُتْ بِوُجُودِ تِسْعٍ،

حَتَّى يَسْتَكْمِلَ الْعَشْرَ كُلَّهَا فِي حَيَاةِ سَيِّدِهِ، وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْكِتَابَةِ بِالصِّفَةِ، وَإِنْ صَحَّ تَعْلِيقُ التَّدْبِيرِ بِالصِّفَةِ، لِأَنَّ الْكِتَابَةَ مِنْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ الَّتِي لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهَا بِالصِّفَاتِ.
وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إِذَا دَخَلْتَ الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ، فَدَخَلَهَا بَعْدَ مَوْتِهِ لَمْ يُعْتَقْ لِزَوَالِ مِلْكِهِ، وَلَوْ قَالَ: إِذَا دَخَلْتَ الدَّارَ بَعْدَ مَوْتِي فَأَنْتَ حُرٌّ، عَتَقَ مَا لَمْ يَقْتَسِمْ بِهِ الْوَرَثَةُ، وَصَارَ كَالْمُوصَى بِعِتْقِهِ.

فَصْلٌ

وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي: فِيمَا يَكُونُ مُعْتَبَرًا فِي التَّرِكَةِ وَهُوَ قِيمَةُ الْمُدَبَّرِ وَقِيمَتُهُ مُعْتَبَرَةٌ فِي وَقْتِ مَوْتِ السَّيِّدِ لَا فِي وَقْتِ تَدْبِيرِهِ، لِاعْتِبَارِهَا بِالْعِتْقِ الَّذِي صَارَ بِهِ مُسْتَهْلَكًا، وَهِيَ مُعْتَبَرَةٌ مِنَ الثُّلُثِ لَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ فَإِنِ احْتَمَلَهُ الثُّلُثُ وَإِلَّا عَتَقَ مِنْهُ قَدْرَ مَا احْتَمَلَهُ الثُّلُثُ، وَرَقَّ بَاقِيهِ لِلْوَرَثَةِ، وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ وَالْفُقَهَاءِ، وَسَوَاءٌ دَبَّرَهُ فِي صِحَّتِهِ، أَوْ فِي مَرَضِهِ.
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّهُ يُعْتَقُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَلَا يَرِقُّ بَعْدَ الْعِتْقِ.
قَالَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ حَكَاهُ زَكَرِيَّا السَّاجِي عَنْهُ وَمِنَ التَّابِعِينَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمَسْرُوقٌ.
وَمِنَ الْفُقَهَاءِ: حَمَّادُ ابن أَبِي سُلَيْمَانَ، وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَدَاوُدُ اعْتِبَارًا بِعِتْقِ أُمِّ الْوَلَدِ، لِأَنَّ عِتْقَهَا وَاقِعٌ بِالْمَوْتِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الثُّلُثِ مَا رَوَاهُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: (الْمُدَبَّرُ مِنَ الثُّلُثِ) . وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ مَوْقُوفًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَلِأَنَّ عِتْقَهُ فِي الْمَرَضِ أَمْضَى، وَهُوَ مُعْتَبَرٌ مِنَ الثُّلُثِ، فَكَانَ التَّدْبِيرُ أَوْلَى أَنْ يُعْتَبَرَ مِنَ الثُّلُثِ، وَلِأَنَّ مَا لَا يَلْزَمُ قَبْلَ الْمَوْتِ كَانَ لُزُومُهُ بِالْمَوْتِ مُوجِبًا لِاعْتِبَارِهِ مِنَ الثُّلُثِ، كَالْوَصَايَا وَهَذَا خَالَفَ أُمَّ الْوَلَدِ لِلُزُومِ عِتْقِهَا قَبْلَ الْمَوْتِ.
فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ فِي الثُّلُثِ وَاحْتَمَلَهُ الثُّلُثُ، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ قِيمَتُهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَتَرَكَ لِلْوَرَثَةِ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَأَكْثَرَ، عَتَقَ بِالْمَوْتِ لِحُصُولِ مِثْلَيْ قِيمَتِهِ لِلْوَرَثَةِ وَلَوْ لَمْ يَتْرُكِ السَّيِّدُ شَيْئًا، وَكَسَبَ الْمُدَبَّرُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فِي حَيَاةِ سَيِّدِهِ، كَانَتْ مِنْ تَرِكَةِ السَّيِّدِ وَعَتَقَ بِهَا لِمَصِيرِ الْوَرَثَةِ إِلَى مِثْلَيْ قِيمَتِهِ مِيرَاثًا، وَلَوْ كَسَبَهَا بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهِ، كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَرَثَةِ مِلْكًا، لَا تُضَافُ إِلَى التَّرِكَةِ، وَلَا يَدْخُلُ بِهَا فِي عِتْقِهِ، وَيَكُونُ فِيهَا مُدَبَّرًا لَمْ يَتْرُكْ سَيِّدُهُ سِوَاهُ، فَيُعْتَقُ ثُلُثُهُ بِالْمَوْتِ وَثُلُثَاهُ مَوْقُوفٌ لِلْوَرَثَةِ إِلَّا أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ عِتْقَ بَاقِيهِ، فَيُعْتَقُ جَمِيعُهُ وَيَكُونُ فِي وَلَائِهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: لِلسَّيِّدِ إِذَا قِيلَ: إِنَّ إِجَازَتَهُمْ أَمْضَى لِوَصِيَّتِهِ.
وَالثَّانِي: يَكُونُ لِلسَّيِّدِ ثُلُثُ وَلَائِهِ، وَلَهُمْ ثُلُثَاهُ إِذَا قِيلَ إِنَّ إِجَازَتَهُمْ عَطِيَّةٌ مِنْهُمْ.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَا يُعْتَقُ فِي مَالِ غَائِبٍ حَتَّى يَحْضُرَ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا مَاتَ وَقَدْ دَبَّرَ عَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَتَرَكَ مَالًا غَائِبًا، يَخْرُجُ الْمُدَبَّرُ مِنْ ثُلُثِهِ لَمْ يَخْلُ حَالُ الْوَرَثَةِ فِي الْمَالِ الْغَائِبِ مِنْ أَنْ يَقْدِرُوا عَلَى التَّصَرُّفِ فِيهِ، أَوْ يَعْجِزُوا عَنْهُ فَإِنْ عَجَزُوا عَنْهُ كَانَ عِتْقُ الْمُدَبَّرِ مَوْقُوفًا عَلَى قُدُومِ الْغَائِبِ لِأَنَّ عِتْقَهُ وَصِيَّةٌ فِي الثُّلُثِ، وَالْوَصَايَا لَا تُمْضَى إِلَّا أَنْ يَحْصُلَ الْوَرَثَةُ مِثْلَاهَا، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَتْلَفَ الْغَائِبُ وَلَا يَصِلَ إِلَى الْوَرَثَةِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْتَلِفْ أَصْحَابُنَا أَنَّ ثُلُثَيِ الْمُدَبَّرِ مَوْقُوفٌ عَلَى قُدُومِ الْغَائِبِ، وَاخْتَلَفُوا فِي إِمْضَاءِ الْعِتْقِ فِي ثُلُثِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يُعْتَقُ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُتْرَكْ سِوَاهُ لَعَتَقَ ثُلُثُهُ، فَإِذَا تَرَكَ مَعَهُ مَالًا غَائِبًا فَأَوْلَى أَنْ يُعْتَقَ ثُلُثُهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُعْتَقُ شَيْءٌ مِنْهُ، فَيُوقَفُ جَمِيعُهُ، لِئَلَّا يَنْفُذَ فِي الْعِتْقِ مَا لَمْ يَصِلْ إِلَى الْوَرَثَةِ مِثْلَاهُ، لِأَنَّ بَاقِيَهُ مَوْقُوفٌ لَمْ يَصِلِ الْوَرَثَةُ إِلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ سِوَاهُ لِتَصَرُّفِ الْوَرَثَةِ فِي بَاقِيهِ، فَلِذَلِكَ كَانَ الْعِتْقُ مَوْقُوفًا كَمَا كَانَ حَقُّ الْوَرَثَةِ مَوْقُوفًا، وَبِهَذَا الْمَعْنَى فَرَّقْنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ لَمْ يَمْلِكْ سِوَاهُ.
وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: مِنْهُمَا قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ.
وَالثَّانِي: اخْتِيَارُ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفِرَايِينِيِّ، وَنَحْنُ نُفَرِّعُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ مَعًا.
فَإِذَا قِيلَ بِالْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ يَتَعَجَّلُ عِتْقَ ثُلُثِهِ مَلَكَ الْمُدَبَّرُ بِهِ ثُلُثَ كَسْبِهِ، وَكَانَ ثُلُثَاهُ وَثُلُثَا كَسْبِهِ مَوْقُوفًا.
فَإِنْ قَدِمَ مِنَ الْغَائِبِ خَمْسُونَ، عَتَقَ نِصْفُهُ، لِأَنَّ الْخَمْسِينَ مَعَ قِيمَتِهِ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ، وَقِيمَةُ نِصْفِهِ ثُلُثُهَا، وَلَوْ قَدِمَ مِنَ الْغَائِبِ مِائَةٌ عَتَقَ ثُلُثَاهُ، لِأَنَّ الْمِائَةَ مَعَ قِيمَتِهِ مِائَتَانِ وَثُلُثَاهُ ثُلُثُهَا فَإِنْ قَدِمَتْ مِائَةٌ ثَانِيَةٌ، عَتَقَ جَمِيعُهُ لِوُصُولِ الْوَرَثَةِ إِلَى مِثْلَيْ قِيمَتِهِ، وَإِنْ تَلِفَتْ، وَلَمْ تَصِلِ اسْتَقَرَّ الْعِتْقُ فِي ثُلُثَيْهِ وَرَقَّ لِلْوَرَثَةِ ثُلُثُهُ، فَصَارَ لَهُمْ مَعَ الْمِائَةِ الْوَاصِلَةِ مِثْلَا مَا عَتَقَ مِنْ ثُلُثَيْهِ.
وَإِنْ قِيلَ بِالْوَجْهِ الثَّانِي: إِنَّ عِتْقَ جَمِيعِهِ مَوْقُوفٌ، كَانَ جَمِيعُ كَسْبِهِ مَوْقُوفًا فَإِنْ قَدِمَ مِنَ الْغَائِبِ خَمْسُونَ، وَكَانَ بَاقِيًا مَرْجُوًّا عَتَقَ رُبْعُهُ، لِأَنَّ الْخَمْسِينَ مِثْلَا رُبْعِهِ، وَإِنْ كَانَ بَاقِيهِ تَالِفًا، عَتَقَ نِصْفُهُ لِأَنَّ الْخَمْسِينَ مَعَ رِقِّ نِصْفِهِ مِثْلَا نِصْفِهِ وَلَوْ كَانَ الْقَادِمُ مِنَ الْغَائِبِ مِائَةٌ، وَكَانَ بَاقِيهِ مَرْجُوًّا عَتَقَ نِصْفُهُ، لِأَنَّ الْمِائَةَ مِثْلَا نِصْفِهِ.
وَلَوْ كَانَ بَاقِيهِ تَالِفًا عَتَقَ ثُلُثَاهُ، لِأَنَّ الْمِائَةَ مَعَ رِقِّ ثُلُثِهِ مِثْلَا ثُلُثَيْهِ، فَإِنْ قَدِمَتْ مِائَةٌ ثَانِيَةٌ، عَتَقَ جَمِيعُهُ وَإِلَّا فَقَدِ اسْتَقَرَّ الْعِتْقُ فِي ثُلُثَيْهِ وَالرِّقُّ فِي ثُلُثِهِ، وَمَلَكَ ثُلُثَيْ كَسْبِهِ، وَلِلْوَرَثَةِ ثُلُثُ كَسْبِهِ.

فَصْلٌ

وَإِنْ قَدَرَ الْوَرَثَةُ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ قَبْلَ قُدُومِهِ، لَمْ يُعْتَبَرْ فِي عِتْقِهِ قُدُومُ الْمَالِ، وَاعْتُبِرَ فِيهِ قُدْرَتُهُمْ عَلَى التَّصَرُّفِ، فَإِذَا مَضَى زَمَانُ قُدْرَتِهِمْ عَلَى التَّصَرُّفِ

فِيهِ، عَتَقَ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَتَصَرَّفُوا، لِأَنَّهُمْ بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فِي حُكْمِ الْمُتَصَرِّفِينَ فِيهِ، إِلَّا أَنْ يَحْدُثَ عُذْرٌ يَمْنَعُ مِنَ التَّصَرُّفِ، فَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِمْ إِلَّا بَعْدَ زَوَالِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْعُذْرُ مِنْهُمْ كَالْمَرَضِ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ كَالْحَبْسِ فَإِنْ قَدَرَ عَلَى التَّصَرُّفِ فِيهِ بَعْضُهُمْ، وَعَجَزَ عَنْهُ بَعْضُهُمْ، عَتَقَتْ حِصَّةُ الْقَادِرِ، وَوُقِفَتْ حِصَّةُ الْعَاجِزِ.
وَهَكَذَا الدَّيْنُ يَكُونُ كَالْمَالِ الْغَائِبِ، لَا يُعْتَقُ فِيهِ إِلَّا بَعْدَ قَبْضِ الْوَرَثَةِ مِثْلَيْ قيمته.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ قَالَ إِنْ شِئْتَ فَأَنْتَ حُرٌّ مَتَى مُتُّ فَشَاءَ فَهُوَ مُدَبَّرٌ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا عَقْدُ تَدْبِيرٍ بِصِفَةٍ، وَهِيَ مَشِيئَةُ الْعَبْدِ وَمَشِيئَتُهُ مُعْتَبَرَةٌ عَلَى الْفَوْرِ، دُونَ التَّرَاخِي.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا: هَلْ تُعْتَبَرُ فِي فَوْرِهَا مَشِيئَةُ الْقَبُولِ فِي الشِّرَاءِ، أَوْ مَشِيئَةُ الْجَوَازِ فِي التَّخْيِيرِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يُعْتَبَرُ فِيهَا مَشِيئَةُ الْقَبُولِ فِي الشِّرَاءِ، لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ.
فَعَلَى هَذَا إِنْ شَاءَ الْعَبْدُ عَقِيبَ قَوْلِ سَيِّدِهِ، انْعَقَدَ تَدْبِيرُهُ، وَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْهُ لَمْ يَنْعَقِدْ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: تُعْتَبَرُ مَشِيئَةُ الْجَوَازِ فِي التَّخْيِيرِ، لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى فِكْرٍ، فَعَلَى هَذَا إِنْ شَاءَ الْعَبْدُ فِي الْمَجْلِسِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْرَعَ فِي غَيْرِهِ، انْعَقَدَ تَدْبِيرُهُ وَإِنْ شَرَعَ فِي غَيْرِهِ، أَوْ قَامَ عَنْ مَجْلِسِهِ لَمْ يَنْعَقِدْ.
فَلَوْ قَالَ الْعَبْدُ فِي الْمَجْلِسِ: قَدْ شِئْتُ ثُمَّ قَالَ: لست أشاء، انعقد تدبيره بالمشيئة الأولة.
وَلَمْ يَبْطُلْ بِتَرْكِهِ لَهَا.
وَلَوْ قَالَ ابْتِدَاءً: لَسْتُ أَشَاءُ ثُمَّ قَالَ: شِئْتُ بَطَلَ التَّدْبِيرُ وَلَمْ يَثْبُتْ بِالْمَشِيئَةِ الثَّانِيَةِ اعْتِبَارًا بِأَسْبَقِهِمَا مِنْهُ.

فَصْلٌ

وَلَوْ قَالَ لَهُ مَتَى شِئْتَ فَأَنْتَ حُرٌّ، إِذَا مُتُّ أَوْ مَتَى مُتُّ كَانَ مَشِيئَةُ الْعَبْدِ عَلَى التَّرَاخِي فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ بِخِلَافِ (إِنْ) و (إِذَا) ، لِأَنَّ (مَتَى) مَوْضُوعَةٌ لِلزَّمَانِ، فَاسْتَوَى فِيهَا جَمِيعُ الْأَزْمَانِ و (إِنْ) و (إِذَا) مَوْضُوعَةٌ لِلْفِعْلِ، فَاعْتُبِرَ فِيهَا زَمَانُ الْفِعْلِ فَإِنْ أَخَّرَ الْعَبْدُ الْمَشِيئَةَ، حَتَّى مَاتَ السَّيِّدُ، ثُمَّ شَاءَ لَمْ يُعْتَقْ.
وَإِنْ كَانَتْ مَشِيئَتُهُ عَلَى التَّرَاخِي، لِأَنَّهَا مَشِيئَةٌ فِي عَقْدِ التَّدْبِيرِ وَالتَّدْبِيرُ لَا يَنْعَقِدُ بَعْدَ الْمَوْتِ.
وَلَوْ قَالَ فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ: قَدْ شِئْتُ، ثُمَّ قَالَ: لَسْتُ أَشَاءُ ثَبَتَ التَّدْبِيرُ بِالْمَشِيئَةِ وَلَمْ يَبْطُلْ بِالرُّجُوعِ الْمُتَأَخِّرِ، وَلَوْ قَالَ: لَسْتُ أَشَاءُ ثُمَّ قَالَ: شِئْتُ ثَبَتَ التَّدْبِيرُ بِالْمَشِيئَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ، وَلَمْ يَبْطُلْ بِتَرْكِهَا الْمُتَقَدِّمِ بِخِلَافِ مَا تَقَدَمَ، لِأَنَّ الْمَشِيئَةَ هَاهُنَا عَلَى التَّرَاخِي.
فَرَاعَيْنَا وُجُودَهَا مُتَقَدِّمَةً وَمُتَأَخِّرَةً، وَهُنَاكَ عَلَى الْفَوْرِ فَرَاعَيْنَا مَا تَقَدَّمَ.
فَصْلٌ وَلَوْ قَالَ السَّيِّدُ: إِنْ شَاءَ زَيْدٌ فَأَنْتَ حُرٌّ إِذَا مُتٌّ، أَوْ مَتَى شَاءَ زَيْدٌ فَأَنْتَ حُرٌّ مَتَى مُتٌّ، فَمَشِيئَةُ زَيْدٍ عَلَى التَّرَاخِي قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ، وَيَسْتَوِي فِي مَشِيئَتِهِ حُكْمُ (إِنْ)

و (مَتَى) و (إِذَا) بِخِلَافِ تَعْلِيقِهِ بِمَشِيئَةِ الْعَبْدِ الَّتِي يَخْتَلِفُ فِيهَا حُكْمُ (إِنْ) و (مَتَى) وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ تَعْلِيقَهُ بِمَشِيئَةِ زِيدٍ صِفَةٌ يُعْتَبَرُ بِوُجُودِهَا فَاسْتَوَى فِيهَا قَرِيبُ الزَّمَانِ وَبَعِيدُهُ، وَتَعْلِيقُهُ بِمَشِيئَةِ الْعَبْدِ تَمْلِيكٌ وَتَخْيِيرٌ، فَافْتَرَقَ فِيهِ حُكْمُ قَرِيبِ الزَّمَانِ وَبَعِيدِهِ.
فَإِنْ أَخَّرَ زَيْدٌ الْمَشِيئَةَ حَتَّى مَاتَ السَّيِّدُ، ثُمَّ شَاءَ لَمْ يَنْعَقِدِ التَّدْبِيرُ، وَكَانَ الْعَبْدُ عَلَى رِقِّهِ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهِ، لِأَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالصِّفَةِ هُوَ شَرْطٌ يَتَقَدَّمُ عَلَى الْمَشْرُوطِ.

مَسْأَلَةٌ قَالَ الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ قَالَ إِذَا مُتُّ فَشِئْتَ فَأَنْتَ حُرٌّ أَوْ قَالَ أَنْتَ حُرٌّ إِذَا مُتُّ إِنْ شِئْتَ فَسَوَاءٌ قَدَّمَ الْمَشِيئَةَ أَوْ أَخَّرَهَا لَا يَكُونُ حُرًّا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا عِتْقٌ بِصِفَةٍ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَإِذَا قَالَ: إِذَا مُتُّ فَشِئْتَ فَأَنْتَ حُرٌّ، اعْتُبِرَتْ مَشِيئَتُهُ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا تَأْثِيرٌ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَمَشِيئَتُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ مُعْتَبَرَةٌ بِالْفَوْرِ فِي الْمَجْلِسِ الَّذِي عُلِمَ فِيهِ بِمَوْتِهِ، وَهَلْ تَكُونُ مَشِيئَةَ قَبُولٍ، أَوْ مَشِيئَةَ تَخْيِيرٍ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ، وَلَا يَكُونُ هَذَا تَدْبِيرًا، وَإِنْ كَانَ الْمَوْتُ شَرْطًا فِي عِتْقِهِ، لِأَنَّ التَّدْبِيرَ هُوَ الْعِتْقُ الْوَاقِعُ بِالْمَوْتِ، وَهَذَا عِتْقٌ يَقَعُ بِصِفَةٍ بَعْدَ الْمَوْتِ وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ إِذَا مُتُّ إِنْ شِئْتَ، كَانَ عِتْقًا بِصِفَةٍ بَعْدَ الْمَوْتِ تُعْتَبَرُ مَشِيئَةُ الْعَبْدِ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهِ عَلَى الْفَوْرِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ، فَلَوْ شَاءَ قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: مِنِ اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا فِي مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ (وَسَوَاءٌ قَدَّمَ الْمَشِيئَةَ، أَوْ أَخَّرَهَا) ، فَذَهَبَ الْبَغْدَادِيُّونَ إِلَى أَنَّهُ أَرَادَ سَوَاءٌ قَدَّمَ الْمَشِيئَةَ قَبْلَ الْمَوْتِ، أَوْ أَخَّرَهَا.
بِخِلَافِ قَوْلِهِ: إِذَا مُتُّ فَشِئْتَ، لِأَنَّ (الْفَاءَ) فِي الْمَشِيئَةِ تُوجِبُ التَّعْقِيبَ فَعَلَى هَذَا يُعْتَقُ، إِذَا شَاءَ قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهِ، وَيَكُونُ هَذَا تَدْبِيرًا وَلَوْ لَمْ يَشَأْ إِلَّا بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهِ، عَتَقَ وَكَانَ عِتْقًا بِصِفَةٍ بَعْدَ الْمَوْتِ؛ وَذَهَبَ الْبَصْرِيُّونَ إِلَى أَنَّهُ أَرَادَ، سَوَاءٌ قَدَّمَ الْمَشِيئَةَ فِي لَفْظِهِ أَوْ أَخَّرَهَا وَتَكُونُ مَشِيئَةً مُعْتَبَرَةً بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلَا تَأْثِيرَ لَهَا قَبْلَ الْمَوْتِ فَإِنْ شَاءَ بَعْدَ الْمَوْتِ عَتَقَ، وَإِلَّا رَقَّ لِلْوَرَثَةِ.
وَلَوْ قَالَ السَّيِّدُ إِذَا مُتُّ فَأَنْتَ حُرٌّ مَتَى شِئْتَ كَانَتْ مَشِيئَتُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ عَلَى التَّرَاخِي مُمْتَدَّةً، إِلَى أَنْ يَشْرَعَ الْوَرَثَةُ فِي تَنْفِيذِ الْوَصَايَا، وَقِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ، فَتَصِيرُ مَشِيئَتُهُ عَلَى الْفَوْرِ مُعْتَبَرَةً بِجَوَابِ التَّخْيِيرِ وَجْهًا وَاحِدًا، وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ فَوْرَ الْقَبُولِ.
فَمَتَى شَاءَ فِي مَجْلِسٍ تَخَيُّرِهِ، عَتَقَ وَإِلَّا رَقَّ إِنْ أَخَّرَ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْفَرْقِ بين (متى) و (وإن) .

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ قَالَ شَرِيكَانِ فِي عَبْدٍ مَتَّى مُتْنَا فَأَنْتَ حُرٌّ لَمْ يُعْتَقْ إِلَّا بِمَوْتِ الْآخَرِ مِنْهُمَا) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ التَّدْبِيرَ يَصِحُّ فِي الْعَبْدِ كُلِّهِ، وَفِي بَعْضِهِ مِنْ مَالِكِ الْكُلِّ، وَمَالِكِ الْبَعْضِ، فَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لَعَبْدٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَرِيكِهِ: إِذَا مُتُّ فَأَنْتَ حر، عتق

مِلْكُهُ مِنْهُ بِمَوْتِهِ، وَلَمْ يُقَوَّمْ عَلَيْهِ حِصَّةُ شَرِيكِهِ مُوسِرًا مَاتَ، أَوْ مُعْسِرًا.
وَلَا تَقْوِيمَ بَعْدَ الْمَوْتِ، لِأَنَّهُ بَعْدَ الْمَوْتِ غَيْرُ مَالِكٍ فَصَارَ كَالْمُعْسِرِ.
وَلَوْ قَالَ لِعَبْدٍ يَمْلِكُ جَمِيعَهُ: إِذَا مُتُّ فَنَصِفُكَ حُرٌّ انْعَقَدَ التَّدْبِيرُ فِي نِصْفِهِ، وَفِي سِرَايَةِ التَّدْبِيرِ إِلَى نِصْفِهِ الْبَاقِي قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَسْرِي إِلَيْهِ وَيَصِيرُ جَمِيعُهُ مُدَبَّرًا، لِأَنَّهُ لَمَّا سَرَى الْعِتْقُ، سَرَى السَّبَبُ الْمُفْضِي إِلَى الْعِتْقِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ، أَنَّ التَّدْبِيرَ لَا يَسْرِي وَإِنْ كَانَ الْعِتْقُ يَسْرِي لِأَنَّ التَّدْبِيرَ أَضْعَفُ مِنَ الْعِتْقِ فَضَعُفَ عَنِ السِّرَايَةِ.
فَعَلَى هَذَا يَكُونُ نِصْفُهُ مُدَبَّرًا، ونصفه رقا قنا فَإِذَا مَاتَ السَّيِّدُ عَتَقَ نِصْفُهُ بِمَوْتِهِ عَنْ تَدْبِيرِهِ وَفِي عِتْقِ نِصْفِهِ الْبَاقِي وَجْهَانِ مِنِ اخْتِلَافِ وِجْهَيْ أَصْحَابِنَا فِي سِرَايَةِ عِتْقِ الْحَيِّ إِلَى بَقِيَّةِ مِلْكِهِ.
هَلْ تَسْرِي بِلَفْظِهِ أَوْ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ عِتْقِهِ.
عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: تَسْرِي بِلَفْظِهِ، فَعَلَى هَذَا يَصِيرُ جَمِيعُ الْعَبْدِ حُرًّا، يَعْتِقُ مِنْهُ نِصْفُهُ تَدْبِيرًا، وَنِصْفُهُ سِرَايَةً، وَيَكُونُ الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يُجْعَلَ التَّدْبِيرُ فِي الْحَيَاةِ سَارِيًا، وَبَيْنَ أَنْ يُجْعَلَ الْعِتْقُ بِالْمَوْتِ سَارِيًا، يُتَصَوَّرُ تَأْثِيرُهُ إِذَا رَجَعَ فِي تَدْبِيرِ نِصْفِهِ فَإِنْ جَعَلْنَا الْعِتْقَ سَارِيًا كَانَ نِصْفُهُ الْبَاقِي مُدَبَّرًا، لِأَنَّ الرُّجُوعَ لَا يَسْرِي وَإِنْ كَانَ التَّدْبِيرُ يَسْرِي، وَإِنْ لَمْ يُجْعَلِ التَّدْبِيرُ سَارِيًا إِلَى جَمِيعِهِ، صَارَ بِالرُّجُوعِ فِي تَدْبِيرِ نِصْفِهِ عَبْدًا قِنًّا، لَا يُعْتَقُ بِمَوْتِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ عِتْقَهُ فِي الْحَيَاةِ لِبَعْضِهِ يَسْرِي إِلَى جَمِيعِهِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ عِتْقِهِ فِي بَعْضِهِ.
فَعَلَى هَذَا لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِالتَّدْبِيرِ بَعْدَ الْمَوْتِ إِلَّا نِصْفُهُ، وَيَكُونُ نِصْفُهُ الْبَاقِي مَرْقُوقًا لِوَرَثَتِهِ.
وَلَوْ كَانَ عَبْدًا بَيْنَ شَرِيكَيْنِ، فَدَبَّرَ أَحَدُهُمَا حِصَّتَهُ، ثُمَّ عَجَّلَ الْآخَرُ عِتْقَ حِصَّتِهِ، نُظِرَ فِي حِصَّةِ الْمُدَبَّرِ.
فَإِنْ رَجَعَ فِي تَدْبِيرِهِ قُوِّمَتْ عَلَى الْمُعْتِقِ حِصَّةُ الْمُدَبَّرِ، إِذَا كَانَ مُوسِرًا بِهَا وَعَتَقَ عَلَيْهِ جَمِيعُهُ لِزَوَالِ التَّدْبِيرِ بِالرُّجُوعِ عَنْهُ.
وَإِنْ كَانَ التَّدْبِيرُ عَلَى حَالِهِ بَاقِيًا فِي حِصَّةِ الْمُدَبَّرِ فَفِي تَقْوِيمِهِمَا عَلَى الْمُعْتِقِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يُعْتَقُ عَلَيْهِ، وَيُقَوَّمُ فِي حَقِّهِ، لِبَقَائِهَا عَلَى الرِّقِّ حُكْمًا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: تَكُونُ بَاقِيَةً عَلَى التَّدْبِيرِ وَلَا تُقَوَّمُ عَلَى الْمُعْتِقِ لِمَا اسْتَقَرَّ فِيهَا قَبْلَ عِتْقِهِ مِنْ عِتْقِهَا فِي حَقِّ الْمَالِكِ بِتَدْبِيرِهِ.
وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ، فَدَبَّرَ أَحَدُهُمَا حِصَّتَهُ دُونَ شَرِيكِهِ، صَحَّ التَّدْبِيرُ فِي حِصَّتِهِ، وَفِي تَقْوِيمِ حِصَّةِ شَرِيكِهِ عَلَيْهِ قَوْلَانِ:

أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ، يُقَوَّمُ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ مُوسِرًا بِهَا، لِأَنَّهُ سَبَبٌ يُفْضِي إِلَى لُزُومِ عِتْقِهِ كَامِلًا بِحِصَّتِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ، لَا تَقُومُ عَلَيْهِ حِصَّةُ الشَّرِيكِ، لِأَنَّهُ كَالْعَازِمِ عَلَى عِتْقِهِ، وَهُوَ بَعْدَ التَّدْبِيرِ بَاقٍ عَلَى أَحْكَامِ رِقِّهِ، فَإِذَا قِيلَ بِالْأَوَّلِ إنَّهُ تُقَوَّمُ عَلَيْهِ حِصَّةُ الشَّرِيكِ فَفِيهَا بَعْدَ التَّقْوِيمِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: يَكُونُ رِقًّا قِنًّا، وَلَا يَصِيرُ مُدَبَّرًا بِالسِّرَايَةِ، حَتَّى يُدَبِّرَهَا، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِي التَّقْوِيمِ إِزَالَةُ الضَّرَرِ عَنِ الشَّرِيكِ، فَعَلَى هَذَا إِذَا مَاتَ السَّيِّدُ عَتَقَتْ بِمَوْتِهِ الْحِصَّةُ الَّتِي دَبَّرَهَا، وَفِي سِرَايَةِ عِتْقِهِ إِلَى بَاقِيهِ وَجْهَانِ: وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ، إنَّهَا تَصِيرُ مُدَبَّرَةً بِسِرَايَةِ التَّدْبِيرِ إِلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِتَدْبِيرِهَا، فَيَكُونُ جَمِيعُهُ مُدَبَّرًا.
وَإِذَا قِيلَ بِالثَّانِي: إنَّهُ لَا يُقَوَّمُ عَلَى مَنْ دَبَّرَ حِصَّتَهُ مَنْ لَمْ يُدَبِّرْ، كَانَ نِصْفُهُ مُدَبَّرًا، وَنِصْفُهُ رِقًّا قِنًّا.
فَإِنْ عَجَّلَ الْمُدَبَّرُ عِتْقَ حِصَّتِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، قُوِّمَتْ عَلَيْهِ حِصَّةُ شَرِيكِهِ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ جَمِيعُهُ، وَلَوْ أَعْتَقَ غَيْرُ الْمُدَبَّرِ حِصَّتَهُ عَتَقَتْ وَفِي تَقْوِيمِ الْحِصَّةِ الْمُدَبَّرَةِ عَلَيْهِ قَوْلَانِ عَلَى مَا مَضَى.

فَصْلٌ

فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَاهُ، فَصُورَةُ ال

ْمَسْأَلَةِ

فِي عَبْدٍ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ قَالَا: إِذَا مُتْنَا فأنت حر لم يعتق حصة واحدة مِنْهُمَا إِلَّا بِمَوْتِهِمَا، سَوَاءٌ اتَّفَقَا عَلَى الْقَوْلِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ تَقَدَّمَ فِيهِ أَحَدُهَا عَلَى الْآخَرِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَّقَ عِتْقَ حِصَّتِهِ بِصِفَتَيْنِ هُمَا: مَوْتُهُ وَمَوْتُ شَرِيكِهِ، فَلَمْ يُعْتَقْ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا لِأَنَّ مَوْتَهُ إِحْدَى الصِّفَتَيْنِ فِي عِتْقِهِ، وَكَانَتْ حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَرَدِّدَةً بَيْنَ أَنْ يُعْتَقَ عَلَيْهِ عَنْ وَصِيَّتِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ إِنْ تَقَدَّمَ مَوْتُهُ، وَبَيْنَ أَنْ يُعْتَقَ عَلَيْهِ بِتَدْبِيرٍ يَقَعُ بِالْمَوْتِ إِنْ تَأَخَّرَ مَوْتُهُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُ مَوْتُهُمَا مِنْ أَنْ يَخْتَلِفَ، أَوْ يَتَّفِقَ.
فَإِنِ اتَّفَقَ مَوْتُهُمَا مَعًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ عَتَقَ عَلَيْهِمَا وَفِي حُكْمِ عِتْقِهِ عَلَيْهِمَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: عَتَقَ عَلَيْهِمَا تَدْبِيرًا، لِاتِّصَالِ عِتْقِهِ بِمَوْتِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: عَتَقَ عَلَيْهِمَا وَصِيَّةً لَا تَدْبِيرًا، لِأَنَّ التَّدْبِيرَ مَا تَفَرَّدَ عِتْقُهُ بِمَوْتِهِ، وَلَمْ يَقْتَرِنْ بِغَيْرِهِ، وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ، تَعَيَّنَ فِيهِ عِتْقُ حِصَّتِهِ بِالْوَصِيَّةِ، وَلَمْ تُعْتَقْ عَلَيْهِ بِمَوْتِهِ وَكَانَ عِتْقُهَا مَوْقُوفًا عَلَى مَوْتِ شَرِيكِهِ، وَتَعَيَّنَ الْعِتْقُ فِي الْبَاقِي مِنْهُمَا بِالتَّدْبِيرِ لِوُقُوعِهِ بِمَوْتِهِ، وَمُنِعَ وَرَثَةُ الْمُتَقَدِّمِ بِالْمَوْتِ مِنْ بَيْعِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْحُكْمِ بَاقِيًا

عَلَى رِقِّهِ، وَمَلَكُوا عَلَيْهِ أَكْسَابَ حِصَّتِهِمْ مِنْهُ، فَإِذَا مَاتَ الشَّرِيكُ الْبَاقِي عَتَقَ حِينَئِذٍ جَمِيعُهُ بِوَصِيَّةِ الْأَوَّلِ، وَتَدْبِيرِ الثَّانِي.
وَلَوْ أَرَادَ الثَّانِي بَيْعَ حِصَّتِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، جَازَ وَلَمْ يَجُزْ بَيْعُ وَرَثَةِ الْأَوَّلِ، وَيَكُونُ عِتْقُ حِصَّةِ الْأَوَّلِ مَوْقُوفَةً عَلَى مَوْتِ الْبَاقِي بَعْدَ بَيْعِهِ، فَيُعْتَقُ بِمَوْتِ الثَّانِي حِصَّةُ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي، وَلَوْ كَانَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، فَقَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا: إِذَا مُتْنَا فَأَنْتَ حُرٌّ لَمْ تُعْتَقْ حِصَّتُهُ إِلَّا بِمَوْتِهِمَا سَوَاءٌ تَقَدَّمَ مَوْتُهُ أَوْ تَأَخَّرَ، وَكَانَ عِتْقُ حِصَّتِهِ مُتَرَدِّدَةً بَيْنَ أَنْ يَعْتِقَ عَلَيْهِ بِالْوَصِيَّةِ إِنْ تَقَدَّمَ مَوْتُهُ، وَبِالتَّدْبِيرِ إِنْ تَأَخَّرَ مَوْتُهُ، وَحِصَّةُ الشَّرِيكِ الْآخَرِ بَاقِيَةٌ عَلَى الرِّقِّ فِي حَيَاتِهِ، وَبَعْدَ مَوْتِهِ سَوَاءٌ تَقَدَّمَ مَوْتُهُ، أَوْ تَأَخَّرَ.
وَفَرَّعَ الشَّافِعِيُّ عَلَى هَذَا فِي الْمَبْسُوطِ مِنْ كِتَابِ الْأُمِّ إِذَا قَالَ الشَّرِيكَانِ فِي الْعَبْدِ: أَنْتَ حَبِيسٌ عَلَى مَوْتِ الْآخَرِ مِنَّا ثُمَّ تَكُونُ حُرًّا، كَانَ الْجَوَابُ فِيهِ عَلَى مَا مَضَى مِنْ عِتْقِ حِصَّةِ الْأَوَّلِ بِالْوَصِيَّةِ، وَعِتْقِ حِصَّةِ الثَّانِي بِالتَّدْبِيرِ، وَيَخْتَصُّ هَذَا التَّفْرِيعُ بِحُكْمٍ زَائِدٍ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ كَسْبُ الْعَبْدِ بَعْدَ مَوْتِ الْأَوَّلِ، وَقَبْلَ مَوْتِ الثَّانِي مِلْكًا لِلثَّانِي وَلَا يَكُونُ لِوَرَثَةِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ لَمَّا جَعَلَهُ حَبِيسًا عَلَى مَوْتِ الثَّانِي جَعَلَهُ كَالْعَارِيَةِ فِي ذِمَّتِهِ مُدَّةَ حَيَّاتِهِ، وَلَمْ يَكُنْ وَقْفًا، لِأَنَّ الْوَقْفَ مَا كَانَ مُؤَبَّدًا وَلَمْ يَتَقَدَّرْ بِمُدَّةٍ، فَإِذَا قُدِّرَ بِهَا خَرَجَ عَنْ حُكْمِ الْوَقْفِ إِلَى الْعَوَارِي، وَلَمْ يَكُنْ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يَرْجِعُوا فِي حُكْمِ هَذِهِ الْعَارِيَةِ.
وَإِنْ جَازَ الرُّجُوعُ فِي الْعَوَارِي لِأَنَّهَا عَنْ وَصِيَّةِ مَيِّتِهِمْ، فَلَزِمَتْ بِمَوْتِهِ كَسَائِرِ الْوَصَايَا، وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَعْتَبِرُوا كَسْبَ الْعَبْدِ فِي ثُلُثِ الْمَيِّتِ، وَإِنْ كَانَ مُوصَى بِهِ لِدُخُولِ كَسْبِهِ فِي قِيمَةِ رَقَبَتَهُ الْمُعْتَبَرَةِ مِنْ ثُلُثِهِ.
فَلَوْ كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَقُتِلَ الْعَبْدُ بَعْدَ مَوْتِ الْأَوَّلِ، وَقَبْلَ مَوْتِ الثَّانِي مَاتَ بِالْقَتْلِ عَبْدًا، لِأَنَّ صِفَةَ عِتْقِهِ لَمْ تَكْمُلْ، وَكَانَتْ قِيمَتُهُ بَيْنَ الثَّانِي، وَوَرَثَةِ الْأَوَّلِ، وَكَانَ لَهُمْ أَنْ يَحْتَسِبُوا بِمَا أَخَذَهُ الثَّانِي مِنْ كَسْبِ الْعَبْدِ فِي ثُلُثِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ بِوَصِيَّتِهِ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِي قِيمَةِ رقبته.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ قَالَ سَيِّدُ الْمُدَبَّرِ قَدْ رَجَعْتُ فِي تَدْبِيرِكَ أَوِ نَقَضْتُهُ أَوْ أَبْطَلْتُهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَقْضًا لِلتَّدْبِيرِ حَتَّى يُخْرِجَهُ مِنْ مِلْكِهِ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إِنْ قَالَ إِنْ أَدَّى بَعْدَ مَوْتِي كَذَا فَهُوَ حُرٌّ أَوْ وَهَبَهُ هِبَةَ بَتَاتٍ قُبِضَ أَوْ لَمْ يُقْبَضْ وَرَجَعَ فَهَذَا رُجُوعٌ فِي التَّدْبِيرِ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) هَذَا رُجُوعٌ فِي التَّدْبِيرِ بِغَيْرِ إِخْرَاجٍ لَهُ مِنْ مِلْكِهِ وَذَلِكَ كُلُّهُ فِي الْكِتَابِ الْجَدِيدِ وَقَالَ فِي الْكِتَابِ الْقَدِيمِ لَوْ قَالَ قَدْ رَجَعْتُ فِي تَدْبِيرِكَ أَوْ فِي رُبْعِكَ أَوْ فِي نِصْفِكَ كَانَ مَا رَجَعَ عَنْهُ رُجُوعًا فِي التَّدْبِيرِ وَمَا لَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ مُدَبَّرًا بِحَالِهِ (وقَالَ الْمُزَنِيُّ) وَهَذَا أَشْبَهُ بِقَوْلِهِ بِأَصْلِهِ وأصح لقوله إذا كان المدبر وصية فلم لا يرجع في الوصية ولو جاز له أن يخالف بين ذلك فيبطل الرجوع في المدبر ولا يبطله في الوصية لمعنى اختلفا فيه جاز بذلك المعنى أن يبطل بيع المدبر ولا يبطل في الوصية فيصير إلى قول من لا يبيع المدبر ولو جاز أن يجمع بين المدبر والأيمان في هذا الموضع جاز إبطال عتق المدبر لمعنى الحنث لأن الأيمان لا يجب الحنث بها على ميت وقوله في الجديد والقديم بالرجوع فيه كالوصايا معتدل مستقيم لا يدخل عليه منه كبير تعديل) قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَصْلُ هَذَا اخْتِلَافُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي التَّدْبِيرِ هَلْ يَجْرِي مَجْرَى الْوَصَايَا، أَوْ مَجْرَى الْعِتْقِ بِالصِّفَاتِ؟ فَقَالَ فِي الْقَدِيمِ وَأَحَدُ قَوْلَيْهِ فِي الْجَدِيدِ: أَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الْوَصَايَا وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ، وَالرَّبِيعِ، لِيَكُونَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي تَدْبِيرِهِ فِعْلًا بِإِخْرَاجِهِ عَنْ مِلْكِهِ، وَقَوْلًا مَعَ بَقَائِهِ عَلَى مِلْكِهِ.
وَقَالَ فِي قَوْلِهِ الثَّانِي فِي الْجَدِيدِ: إِنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الْأَيْمَانِ وَالْعِتْقِ بِالصِّفَاتِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، لِيَكُونَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي تَدْبِيرِهِ فِعْلًا بِإِخْرَاجِهِ عَنْ مِلْكِهِ وَلَا يَكُونُ لَهُ الرُّجُوعُ فِي تَدْبِيرِهِ قَوْلًا مَعَ بَقَائِهِ عَلَى مِلْكِهِ.
فَإِذَا قِيلَ إِنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الْوَصَايَا فَوَجْهُهُ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مِنَ الْعَطَايَا النَّاجِزَةِ بِالْمَوْتِ، فَأَشْبَهَ الْوَصَايَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مُعْتَبَرٌ فِي الثُّلُثِ كَالْوَصَايَا.
وَإِذَا قِيلَ: إِنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الْأَيْمَانِ وَالْعِتْقِ بِالصِّفَاتِ، فَوَجْهُهُ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عِتْقٌ مُعَلَّقٌ بِوُجُودِ صِفَةٍ، فَأَشْبَهَ قَوْلَهُ إِذَا مَاتَ زَيْدٌ فَأَنْتَ حُرٌّ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَا لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ بَعْدَ الْمَوْتِ، مِلْكٌ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ قَبُولٌ خَرَجَ عَنِ الْوَصَايَا إِلَى الْعِتْقِ فِي الْمَرَضِ.
فَأَمَّا الْمُزَنِيُّ فَإِنَّهُ احْتَجَّ لِاخْتِيَارِهِ أَنَّهُ كَالْوَصَايَا بِثَلَاثِ مَسَائِلَ أَبَانَ بِهَا مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ التَّدْبِيرَ كَالْوَصَايَا وَاسْتِدْلَالَانِ احْتَجَّ بِهِمَا لِنُصْرَةِ اخْتِيَارِهِ.
فأما المسائل الثلاث: فأحدها: مَا حَكَاهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِمُدَبَّرهِ: إِذَا أَدَّيْتَ كَذَا بَعْدَ مَوْتِي، فَأَنْتَ حُرٌّ، عَتَقَ بِالْأَدَاءِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلَمْ يُعْتَقْ بِالْمَوْتِ، قَالَ: وَهَذَا رُجُوعٌ فِي التَّدْبِيرِ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى الْمِلْكِ.
فَيُقَالُ لِلْمُزَنِيِّ هَذَا: إِنَّمَا فَرَّعَهُ الشَّافِعِيُّ عَلَى قَوْلِهِ فِي التَّدْبِيرِ أَنَّهُ كالوصايا، فيبطل به التدبير ويثبت بعد الْعِتْقُ بِالْأَدَاءِ بَعْدَ الْمَوْتِ.
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِ: إِنَّ التَّدْبِيرَ كَالْأَيْمَانِ، وَالْعِتْقِ بِالصِّفَاتِ فَيُعْتَقُ بِالْمَوْتِ ويسقط

حُكْمُ الْأَدَاءِ بَعْدَ الْمَوْتِ، لِأَنَّهُ قَدْ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِصِفَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ، ثُمَّ عَلَّقَهُ بِصِفَةٍ مُتَأَخِّرَةٍ، فَعَتَقَ بِأَسْبَقِهِمَا وَالْمَوْتُ أَسْبَقُ، كَمَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إِنْ قَدِمَ زَيْدٌ فَأَنْتَ حُرٌّ وَإِنْ قَدِمَ عَمْرٌو فَأَنْتَ حُرٌّ.
عَتَقَ بِأَسْبَقِهِمَا قُدُومًا.
وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ مَا حَكَاهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ وَهَبَ الْمُدَبَّر هِبَةَ بَتَاتٍ قَبَضَ أَوْ لَمْ يَقْبَضْ، كَانَ رُجُوعًا.
وَالْجَوَابُ فِي حُكْمِ الْهِبَةِ أَنَّهُ إِنْ أَقْبَضَهَا صَحَّ رُجُوعُهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَعًا لِخُرُوجِهِ عَنْ مِلْكِهِ كَالْبَيْعِ، وَإِنْ لَمْ يُقْبِضْهَا كَانَ رُجُوعًا فِي التَّدْبِيرِ إِنْ أُجْرِيَ مَجْرَى الْوَصَايَا، وَفِي صِحَّةِ رُجُوعِهِ إِنْ أُجْرِيَ مَجْرَى الْعِتْقِ بِالصِّفَاتِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَكُونُ رُجُوعًا لِبَقَائِهِ عَلَى مِلْكِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَكُونُ رُجُوعًا لِشُرُوعِهِ فِي إِخْرَاجِهِ عَنْ مِلْكِهِ.
وَالْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ مَا حَكَاهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ مِنْ رُجُوعِهِ فِي تَدْبِيرِ رُبْعِهِ أَوْ نِصْفِهِ، وَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي رُجُوعِهِ فِي تَدْبِيرِ جَمِيعِهِ إِنْ قِيلَ بِأَنَّهُ كَالْوَصَايَا جَازَ، وَإِنْ قِيلَ بِأَنَّهُ كَالْعِتْقِ بِالصِّفَاتِ لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُدَبِّرَ بَعْضَ عَبْدِهِ، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُدَبِّرَ جَمِيعَهُ.
وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَدْبِيرِ بَعْضِهِ هَلْ يُعْتَقُ بِهِ جَمِيعُهُ إِذَا مَاتَ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ بِنَاءً عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الوَجْهَيْنِ فِي حُكْمِ السِّرَايَةِ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا إِذَا قَالَ: قَدْ رَجَعْتُ فِي تَدْبِيرِ رَأْسِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَكُونُ كَالتَّصْرِيحِ بِالرُّجُوعِ فِي جَمِيعِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالرَّأْسِ فَيُقَالُ: هَذَا رَأْسٌ مِنَ الرَّقِيقِ، فَيَكُونُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَكُونُ رُجُوعًا فِي شَيْءٍ مِنْهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، لِأَنَّ التَّدْبِيرَ صَرِيحٌ فِي جَمِيعِهِ، وَالرُّجُوعَ كِنَايَةٌ مُحْتَمَلَةٌ فِي بَعْضِهِ فَلَمْ يَبْطُلْ حُكْمُ الصَّرِيحِ بِالِاحْتِمَالِ، وَيُخَالِفْ حُكْمُ رُجُوعِهِ فِي رُبْعِهِ أَوْ نِصْفِهِ، لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي مُقَدَّرٍ قَابِلٍ صَرِيحًا عَامًّا.
فلم يكن في هذه المساءل الثَّلَاثَةِ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِيَارِهِ، وَإِنَّمَا هِيَ تَفْرِيعٌ عليه.
وأما استدلالاه عَلَى نُصْرَةِ اخْتِيَارِهِ فِي جَوَازِ رُجُوعِهِ: فَأَحَدُهُمَا: إِنْ قَالَ مَنْعُهُ مِنَ الرُّجُوعِ فِي تَدْبِيرِهِ مُفْضٍ إِلَى الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِهِ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ مذهبه في جواز بيعه، فلزم أن لا يَخْتَلِفَ قَوْلُهُ فِي جَوَازِ رُجُوعِهِ وَهَذَا مَنْقُوضٌ بِالْعِتْقِ بِالصِّفَةِ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِي تَعْلِيقِ عِتْقِهِ بِالصِّفَةِ، فَلَمْ يَلْزَمِ الْجَمْعُ بَيْنَ جَوَازِ الْبَيْعِ وَجَوَازِ الرُّجُوعِ.
وَالِاسْتِدْلَالُ الثَّانِي: إِنْ قَالَ الْأَيْمَانُ وَالْعِتْقُ بِالصِّفَاتِ يَبْطُلُ بِالْمَوْتِ، وعتق المدبر

يَقَعُ بِالْمَوْتِ، فَصَارَ التَّدْبِيرُ مُضَادًّا لِلْأَيْمَانِ، وَالْعِتْقِ بِالصِّفَاتِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى حُكْمِهِمَا.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ: أَنَّ الْأَيْمَانَ وَالْعِتْقَ بِالصِّفَاتِ لَمَّا لَمْ يَتَعَلَّقْ حُكْمُهُمَا بِالْمَوْتِ جَازَ أَنْ يَبْطُلَ حُكْمُهُمَا بِالْمَوْتِ، وَالتَّدْبِيرُ حُكْمُهُ يَتَعَلَّقُ بِالْمَوْتِ، فَلَمْ يَبْطُلْ بِالْمَوْتِ.

فَصْلٌ

فَإِذَا تَقَرَّرَ تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ، فَإِذَا قِيلَ إِنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الْوَصَايَا صَحَّ رُجُوعُهُ فِي التَّدْبِيرِ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى مِلْكِهِ، كَمَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ فِيهِ بِإِخْرَاجِهِ لِكُلِّ قَوْلٍ صَرِيحٍ فِي الرُّجُوعِ مِثْلَ قَوْلِهِ: قَدْ رَجَعْتُ فِي تَدْبِيرِكَ، أَوْ نَقَضْتُهُ، أَوْ أَبْطَلْتُهُ، أَوْ رَفَعْتُهُ، أَوْ فَسَخْتُهُ، أَوْ أَزَلْتُهُ، فَإِنْ لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ وَأَشَارَ إِلَيْهِ، فَالْإِشَارَةُ كِنَايَةٌ لَا تَقُومُ مَقَامَ الصَّرِيحِ فِي الرُّجُوعِ، وَلَوْ عُرِضَ لِلْبَيْعِ فَهَلْ يَكُونُ كَالتَّصْرِيحِ فِي الرُّجُوعِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَكُونُ رُجُوعًا صَرِيحًا فِي تَدْبِيرِهِ، لِأَنَّهُ شُرُوعٌ فِي إِخْرَاجِهِ مِنْ مِلْكِهِ، فَكَانَ أَقْوَى مِنَ التَّصْرِيحِ بِبَقَائِهِ عَلَى مِلْكِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَكُونُ رُجُوعًا صَرِيحًا وَتَدْبِيرُهُ بَعْدَ الْغَرَضِ بَاقٍ مَا لَمْ يَبِعْهُ، لِأَنَّ عَقْدَهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ مَعْرِفَةَ قِيمَتِهِ فَلَمْ يَصِرْ بِهَذَا الِاحْتِمَالِ رُجُوعًا صَرِيحًا فِي تَدْبِيرِهِ.
وَإِذَا قِيلَ إِنَّ التَّدْبِيرَ يَجْرِي مَجْرَى الْعِتْقِ بِالصِّفَاتِ، صَحَّ الرُّجُوعُ فِيهِ بِإِخْرَاجِهِ عَنْ مِلْكِهِ.
فَأَمَّا رُجُوعُهُ فِيهِ بِالْقَوْلِ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ غَيْرَ مُقْتَضٍ لِإِخْرَاجِهِ عَنْ مِلْكِهِ.
كَالْأَلْفَاظِ الْمُقَدَّمَةِ مِنْ صَرِيحٍ، أَوْ كِنَايَةٍ، فَلَا يَصِحُّ بِهِ الرُّجُوعُ فِي تَدْبِيرِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ غَيْرَ مُخْرِجٍ لَهُ عَنْ مِلْكِهِ فِي الْحَالِ وَيُفْضِي إِلَى إِخْرَاجِهِ عن ملكه في ثاني حال، وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَهُ عِوَضًا فِي جُعَالَةٍ، أَوْ يَتَلَفَّظَ بِهِبَتِهِ مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ فَفِي كَوْنِهِ رُجُوعًا فِي تَدْبِيرِهِ وَجْهَانِ مَضَيَا.
وَلَوْ وَقَفَهُ بَعْدَ التَّدْبِيرِ، كَانَ رُجُوعًا فِي تَدْبِيرِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ أَخْرَجَهُ بِالْوَقْفِ عَنْ مِلْكِهِ، وَلَوْ رَهَنَهُ بَعْدَ تَدْبِيرِهِ كَانَ فِي صِحَّةِ رَهْنِهِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ: أَحَدُهَا: رَهْنُهُ بَاطِلٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَعًا.
وَالثَّانِي: جَائِزٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَعًا.
وَالثَّالِثُ: جَائِزٌ إِنْ قِيلَ إِنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الْوَصَايَا، وَبَاطِلٌ إِنْ قِيلَ إِنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الْعِتْقِ بِالصِّفَاتِ فَإِنْ قِيلَ: يَجُوزُ رَهْنُهُ بَطَلَ تَدْبِيرُهُ إِنْ أُجْرِيَ مَجْرَى الْوَصَايَا، وَفِي بُطْلَانِهِ إِنْ أُجْرِيَ مَجْرَى الْعِتْقِ بِالصِّفَاتِ وَجْهَانِ، لِأَنَّ الرَّهْنَ مُفْضٍ إِلَى بَيْعِهِ، وَإِنْ قِيلَ

بِفَسَادِ رَهْنِهِ، لَمْ يَبْطُلْ تَدْبِيرُهُ إِنْ أُجْرِيَ مَجْرَى الْعِتْقِ بِالصِّفَاتِ.
وَفِي بُطْلَانِهِ إِنْ أُجْرِيَ مَجْرَى الْوَصَايَا وَجْهَانِ، لِأَنَّهُ تَعْرِيضٌ لِبَيْعِهِ، وَيَجُوزُ إِذَا دَبَّرَ جَمِيعَ عَبْدِهِ أَنْ يَرْجِعَ فِي تَدْبِيرِ بَعْضِهِ، فَيَكُونُ مَا رَجَعَ مِنْهُ مَرْقُوقًا، وَمَا لَمْ يَرْجِعْ فِيهِ مُدَبَّرا.
وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِي تَدْبِيرِ بَعْضِهِ، إِذَا قِيلَ إِنَّ تَدْبِيرَ بَعْضِهِ يَكُونُ سَارِيًا إِلَى جَمِيعِهِ.
والله أعلم.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَجِنَايَةُ الْمُدَبَّر كَجِنَايَةِ الْعَبْدِ يُبَاعُ مِنْهُ بِقَدْرِ جِنَايَتِهِ وَالْبَاقِي مُدَبَّر بِحَالِهِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: جِنَايَةُ الْمُدَبَّر ضَرْبَانِ: عَمْدٌ، وَخَطَأٌ.
فَإِنْ كَانَتْ عَمْدًا، وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ فَإِنْ كَانَ اقْتَصَّ مِنْ نَفْسِهِ مَاتَ بِالْقِصَاصِ عَبْدًا، وَإِنْ كَانَ فِي طَرَفِهِ، كَانَ بَعْدَ الْقِصَاصِ مُدَبَّرا، وَإِنْ كَانَتْ جِنَايَتُهُ خَطَأً، أَوْ عَمْدًا، عُفِيَ فِيهَا عَنِ الْقِصَاصِ تَعَلَّقَتْ بِرَقَبَتِهِ، كَالْعَبْدِ الْقِنِّ، وَكَانَ السَّيِّدُ فِيهِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ: فِدَائِهِ، أَوْ بَيْعِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَتَعَلَّقُ جِنَايَتُهُ بِرَقَبَتِهِ، وَيُؤْخَذُ السَّيِّدُ بِفِدَائِهِ كَأُمِّ الْوَلَدِ، وَبَنَاهُ عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ بَيْعَ الْمُدَبَّر لَا يَجُوزُ فَصَارَ فِي وُجُوبِ فِدَائِهِ كَأُمِّ الْوَلَدِ.
وَالشَّافِعِيُّ بَنَاهُ عَلَى أَصْلِهِ فِي جَوَازِ بَيْعِهِ، وَأَسْقَطَ بِهِ وُجُوبَ فِدَائِهِ، وَيَكُونُ السَّيِّدُ فِيهِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْبَيْعِ، أَوِ الْفِدَاءِ.
فَإِنِ اخْتَارَ فِدَاءَهُ نَظَرَ أَرْشَ جِنَايَتِهِ، فَإِنْ كَانَ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ فَمَا دون، فداه بقدر أرشها، وإن كانكثر مِنْ قِيمَتِهِ، فَفِيمَا يَفْدِيهِ بِهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَفْدِيهِ بِقَدْرِ الْقِيمَةِ، لِأَنَّهُ لَوْ بِيعَ لَمْ يَسْتَحِقَّ فِيهَا غَيْرَ الثَّمَنِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَفْدِيهِ بِجَمِيعِ جِنَايَتِهِ، وَإِلَّا مَكَّنَ مِنْ بِيعِهِ لِأَنَّهُ قَدْ يَقْطَعُ بِالْفِدَاءِ رَغْبَةَ مَنْ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ، فَمَنَعَ مِنْ قَطْعِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ الْمَظْنُونَةَ وَأَخَذَ بِجَمِيعِ الْأَرْشِ مَا أَقَامَ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِهِ، ثُمَّ يَكُونُ الْمُدَبَّر بَعْدَ الْفِدَاءِ بَاقِيًا عَلَى تَدْبِيرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَفْدِهِ وَأَرَادَ بَيْعَهُ فِي جِنَايَتِهِ، لَمْ يَكُنْ لِمُسْتَحِقِّ الْجِنَايَةِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِبَيْعِهِ، لِأَنَّهُ مَلَكَ بِالْجِنَايَةِ أَرْشَهَا دُونَ الرَّقَبَةِ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ وَكِيلًا فِي بَيْعِهِ، لِأَنَّهُ يَبِيعُهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ كَالْمُرْتَهِنِ، وَكَانَ السَّيِّدُ أَحَقَّ بِبَيْعِهِ لِبَقَائِهِ عَلَى مِلْكِهِ فَإِنْ بَاعَهُ عَنْ إِذْنِ مُسْتَحِقِّ الْجِنَايَةِ، أَوْ عَنْ إِذَنِ الْحَاكِمِ صَحَّ بَيْعُهُ، وَمُنِعَ مُشْتَرِيهِ مِنْ دَفْعِ ثَمَنِهِ إِلَى السَّيِّدِ الْبَائِعِ، حَتَّى يَجْتَمِعَ مَعَ مُسْتَحِقِّ الْجِنَايَةِ عَلَى قَبْضِهِ، لِأَنَّهُ مَبِيعٌ فِي حَقِّهِمَا، وَإِنْ تَفَرَّدَ السَّيِّدُ بِبَيْعِهِ مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ، كَانَ بَاطِلًا لِأَنَّهُ كَالْمَرْهُونِ بِجِنَايَتِهِ.
وَلَوْ كَانَ أَرْشُ الْجِنَايَةِ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ، كَانَ السَّيِّدُ فِي بَيْعِهِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَبِيعَ مِنْهُ بِقَدْرِ الْجِنَايَةِ، وَيَكُونَ بَاقِيهِ مُدَبَّرا أَوْ يَبِيعَ جَمِيعَهُ، فَيَبْطُلُ التَّدْبِيرُ فِي جَمِيعِهِ، لِأَنَّهُ لَمَّا أُجِيزَ لَهُ بَيْعُهُ مِنْ غَيْرِ جِنَايَةٍ، كَانَ فِي الْجِنَايَةِ أَجْوَزَ فَإِنْ مَلَكَهُ السَّيِّدُ بَعْدَ بَيْعِهِ بِابْتِيَاعٍ أَوْ

هِبَةٍ، أَوْ مِيرَاثٍ فَإِنْ أَجْرَي التَّدْبِيرَ مَجْرَى الْوَصَايَا لَمْ يَعُدْ تَدْبِيرُهُ بِعَوْدِهِ إِلَى مِلْكِهِ، إِلَّا أَنْ يُسْتَأْنَفَ تَدْبِيرُهُ كَالْوَصَايَا، وَإِنْ أُجْرِيَ مَجْرَى الْعِتْقِ بِالصِّفَاتِ فَفِي عَوْدِهِ إِلَى التَّدْبِيرِ إِذَا عَادَ إِلَى مِلْكِهِ قَوْلَانِ مِنِ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي الْمُطَلَّقَةِ بِصِفَةٍ تُوجَدُ فِي نِكَاحٍ ثَانٍ هَلْ تُطَلَّقُ بِهَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ.
كَذَلِكَ عَوْدُ الْعِتْقِ بِصِفَةٍ تُوجَدُ فِي مِلْكٍ ثَانٍ عَلَى قَوْلَيْنِ.
وَلَوْ مَاتَ سَيِّدُ الْمُدَبَّر قَبْلَ فِكَاكِهِ مِنْ جِنَايَتِهِ فَفِي عِتْقِهِ بِمَوْتِهِ قَوْلَانِ كَعِتْقِ الْمَرْهُونِ: أَحَدُهُمَا: يُعْتَقُ، وَيُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَةِ السَّيِّدِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ أَرْشُ جِنَايَتِهِ قَوْلًا وَاحِدًا، لِأَنَّ نَفْعَهُ قَدْ فَاتَ بِعِتْقِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يُعْتَقُ قَبْلَ فِدَائِهِ، وَيَقُومُ وَرَثَةُ السَّيِّدِ مَقَامَهُ بَيْنَ بَيْعِهِ، وَبَيْنَ فِدَائِهِ، فَإِنْ بِيعَ، بَطَلَ تَدْبِيرُهُ، وَلَا يَعُودُ إِنْ عَادَ إِلَى مِلْكِ الْوَرَثَةِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ فَدَوْهُ كَانَ فِي قَدْرِ فَدَائِهِ كَالسَّيِّدِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: بِأَرْشِ جِنَايَتِهِ، وَإِنْ زَادَتْ عَلَى قِيمَتِهِ، وَيَجْرِي عِتْقُهُ بَعْدَ فِدَائِهِ بِمَوْتِ سَيِّدِهِ.

فَصْلٌ

وَإِذَا دَبَّرَ أَمَةً حَامِلًا، فَجَنَتْ تُعَلَّقُ أَرْشُ جِنَايَتَهَا بِرَقَبَتِهَا دُونَ حَمْلِهَا، فَإِنْ فَدَاهَا السَّيِّدُ كَانَ بَاقِيًا فِيهَا وَفِي حَمْلِهَا، وَإِنْ لَمْ يَفْدِهَا وَأَرَادَ بَيْعَهَا فِي أَرْشِ الْجِنَايَةِ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ وِلَادَتِهَا كَانَ الْوَلَدُ خَارِجًا مِنْ بَيْعِهِ فِي الْأَرْشِ.
وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي الْمِلْكِ، فَتُبَاعُ مَعَ وَلَدِهَا لِئَلَّا تُوَلَّهَ وَالِدَةٌ عَلَى وَلَدِهَا، وَيَكُونُ ثَمَنُ الْأُمِّ مُسْتَحَقًّا فِي الْأَرْشِ، وَثَمَنُ الْوَلَدِ خَالِصًا لِلسَّيِّدِ، وَإِنْ كَانَتْ وَقْتَ الْبَيْعِ عَلَى حَمْلِهَا لَمْ يَلْزَمْ مُسْتَحِقَّ الْأَرْشِ أَنْ يُؤَخِّرَ بَيْعَهَا إِلَى وَقْتِ الْوِلَادَةِ، لِأَنَّ حَقَّهُ مُعَجَّلٌ، وَلَمْ يَجُزِ اسْتِثْنَاءُ حَمْلِهَا فِي الْبَيْعِ، لِأَنَّ بَيْعَ الْحَامِلِ دُونَ حَمْلِهَا بَاطِلٌ، وَبِيعَتْ حَامِلًا، وَكَانَ جَمِيعُ ثَمَنِهَا مُسْتَحَقًّا فِي الْأَرْشِ إِنْ جُعِلَ الْحَمْلُ فِي بَيْعٍ تَبَعًا.
فَأَمَّا إِنْ جَعَلَ لَهُ مِنَ الثَّمَنِ قِسْطًا فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُدْفَعُ مِنْهُ إِلَى مُسْتَحِقِّ الْأَرْشِ مَا قَابَلَ ثَمَنَ الْأُمِّ، وَيُدْفَعُ مِنْهُ إِلَى السَّيِّدِ مَا قَابَلَ ثَمَنَ الْحَمْلِ لِتَعَلُّقِ الْجِنَايَةِ بِرَقَبَةِ الْأُمِّ دُونَ الْحَمْلِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَظْهَرُ أَنَّهُ يُدْفَعُ جَمِيعُ الثَّمَنِ إِلَى مُسْتَحِقِّ الْأَرْشِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَمَيَّزَا فِي الْبَيْعِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَمَيَّزَا فِي الثَّمَنِ وَصَارَ الْحَمْلُ فِي حَقِّ السَّيِّدِ كَالْمُسْتَهْلَكِ، وَلَكِنْ لَوْ ضُرِبَ بَطْنُهَا قَبْلَ الْبَيْعِ فَأَلْقَتْهُ جَنِينًا مَيِّتًا، كَانَتْ دِيَتُهُ لِلسَّيِّدِ دُونَ مُسْتَحِقِّ الْأَرْشِ، وَيَجُوزُ لِلسَّيِّدِ تَدْبِيرُ الْحَمْلِ دُونَ أُمِّهِ، كَمَا يَجُوزُ لَهُ عِتْقُهُ دُونَ أُمِّهِ.

فَصْلٌ

: فَأَمَّا إِذَا كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَى الْمُدَبَّر، فَأَرْشُهَا لِسَيِّدِهِ دُونَهُ.
فَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَى طَرَفِهِ، كَانَ بَعْدَ الْجِنَايَةِ عَلَى تَدْبِيرِهِ، وَلَا يَكُونُ أَخْذُ أَرْشِهَا مُؤَثِّرًا فِي فَسْخِ تَدْبِيرِهِ، سَوَاءٌ أُجْرِي مَجْرَى الْوَصَايَا، أَوْ مَجْرَى الْعِتْقِ بِالصِّفَاتِ، وَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَى نَفْسِهِ مَاتَ بِالْجِنَايَةِ عَبْدًا وَمَلَكَ السَّيِّدُ قِيمَتَهُ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يَصْرِفَهَا فِي تَدْبِيرِ مِثْلِهِ، وَلَا أَنْ يعجل قِيمَتَهُ فِي التَّدْبِيرِ بِمَثَابَتِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا كَانَ قَتْلُهُ فِي التَّدْبِيرِ كَقَتْلِهِ فِي الرَّهْنِ يُجْعَلُ قِيمَتُهُ فِي التَّدْبِيرِ مُدَبَّرةً كَمَا جُعِلَتْ قِيمَتُهُ فِي الرَّهْنِ مَرْهُونَةً.
قِيلَ: لِوُقُوعِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَقْصُودَ فِي التَّدْبِيرِ عَيْنُهُ، وَفِي الرَّهْنِ قِيمَتُهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْقِيمَةَ تَجُوزُ أَنْ تُرْهَنَ فِي الِابْتِدَاءِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُدَبَّرَ فِي الِابْتِدَاءِ، فَكَذَلِكَ فِي الانتهاء.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوِ ارْتَدَّ الْمُدَبَّر أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ أَوْجَفَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ فَأَخَذَهُ سَيِّدُهُ فَهُوَ عَلَى تَدْبِيرِهِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ: إِذَا ارْتَدَّ الْمُدَبَّر، لَمْ يَزُلْ مِلْكُ سَيِّدِهِ عَنْهُ لِبَقَائِهِ عَلَى رِقِّهِ بَعْدَ الرِّدَّةِ، وَكَانَ عَلَى تَدْبِيرِهِ بَعْدَهَا يُعْتَقُ بِمَوْتِ سَيِّدِهِ كَمَا يُعْتَقُ بِمَوْتِهِ فِي إِسْلَامِهِ، فَإِنْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، أَوْ سَبَاهُ أَهْلُ الْحَرْبِ لَمْ يَمْلِكُوهُ بِالسَّبْيِ، وَوَافَقَنَا أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ الْمُدَبَّر وَلَا أُمَّ الْوَلَدِ، وَإِنْ جَعَلَهُمْ مَالِكِينَ لِغَيْرِهِمَا مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا غَنِمُوهُ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ بِحَالٍ.
فَإِنْ أَوَجَفَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَسَبَوْا هَذَا الْمُدَبَّر مِنْهَا وَهُوَ عَلَى رِدَّتِهِ، لَمْ يَمْلِكُوهُ بِالسَّبْيِ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقْسَمَ فِي الْمَغْنَمِ لِبَقَائِهِ عَلَى مِلْكِ مُسْلِمٍ وَلِسَيِّدِهِ أَخْذُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، وَبَعْدَهَا فَإِنْ قُسِمَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ قَبْلَ أَخْذِهِ، عُوِّضَ عَنْهُ مَنْ حَصَلَ فِي سَهْمِهِ بِقِيمَتِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لَا مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ أَخْذُ قِيمَتِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ نُقِضَتِ الْقِسْمَةُ وَأُخْرِجَ مِنْهَا وَاسْتُؤْنِفَ قَسْمُ مَا سِوَاهُ بَيْنَهُمْ لِخُرُوجِهِ مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَكَانَ عَلَى تَدْبِيرِهِ يُعْتَقُ مَتَى مَاتَ سَيِّدُهُ وَلَوْ كَانَ سَيِّدُهُ قَدْ مَاتَ، وَهُوَ فِي دَارِ الْحَرْبِ قَبْلَ سَبْيِهِ عَتَقَ، وَلَمْ يَمْلِكْهُ الْغَانِمُونَ إِذَا سَبَوْهُ وَإِنْ كَانَ حُرًّا لِأَنَّ عَلَيْهِ وَلَاءً لِمُسْلِمٍ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَبْطُلَ ولاؤه بالاسترقاق.
مسألة قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (وَلَوْ أَنَّ سَيِّدَهُ ارْتَدَّ فَمَاتَ كَانَ مَالُهُ فَيْئًا وَالْمُدَبَّر حُرًّا) .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَلِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَصْلٌ، وَهُوَ أَنَّ الرِّدَّةَ هَلْ يَزُولُ بِهَا مِلْكُ الْمُرْتَدِّ أَمْ لَا؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقَاوِيلَ: أَحَدُهَا: إِنَّ مِلْكَهُ لَا يَزُولُ بِرِدَّتِهِ مَا بَقِيَ حَيًّا حَتَّى يَمُوتَ، أَوْ يُقْتَلَ فَيَصِيرُ فَيْئًا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّ مِلْكَهُ قَدْ زَالَ بِالرِّدَّةِ فَإِنْ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ مَلَكَهُ مِلْكًا مُسْتَجَدًّا.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: إنَّ مِلْكَهُ مَوْقُوفٌ مُرَاعًى فَإِنْ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ عُلِمَ بَقَاؤُهُ عَلَى مِلْكِهِ، وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ عَلَى الرِّدَّةِ، عُلِمَ زَوَالُهُ عَنْ مِلْكِهِ بِالرِّدَّةِ، فَإِذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْأَقَاوِيلُ، وَدَبَّرَ الْمُسْلِمُ عَبْدًا، ثُمَّ ارْتَدَّ فَإِنْ قِيلَ إِنَّ مِلْكَهُ لَمْ يَزُلْ بِالرِّدَّةِ، كَانَ تَدْبِيرُهُ بَاقِيًا بَعْدَ الرِّدَّةِ.
فَإِنْ مَاتَ، أَوْ قُتِلَ مُرْتَدًّا، عَتَقَ بِمَوْتِهِ فَصَارَ بَاقِي مَالِهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ فَيْئًا، وَكَانَ وَلَاءُ مُدَبَّرهِ لِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّ مِلْكَهُ قَدْ زَالَ عَنْهُ بِالرِّدَّةِ فَفِي إِبْطَالِ تَدْبِيرِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: قَدْ بَطَلَ، لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى بَعْدَ زَوَالِ الْمِلْكِ تَدْبِيرٌ، فَإِنْ قِيلَ بِالرِّدَّةِ لَمْ يُعْتَقِ الْمُدَبَّر، وَكَانَ عَلَى رِقِّهِ لِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ عَادَ لِلْإِسْلَامِ عَادَ الْمُدَبَّر إِلَى مِلْكِهِ، وَفِي عَوْدِهِ إِلَى التَّدْبِيرِ مَا ذَكَرْنَاهُ إِنْ أُجْرِيَ مَجْرَى الْوَصِيَّةِ لَمْ يَعُدْ إِلَى التَّدْبِيرِ، وَإِنْ أُجْرِيَ مجرى العتق بالصفة، كان في عوده في التَّدْبِيرِ قَوْلَانِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ تَدْبِيرَهُ لَا يَبْطُلُ وَإِنْ زَالَ مِلْكُهُ بِالرِّدَّةِ، لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنْ عَقَدَ تَدْبِيرَهُ فِي مِلْكٍ يَجُوزُ فِيهِ تَصَرُّفُهُ، فَثَبَتَ حُكْمُهُ كَسَائِرِ عُقُودِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَى رِدَّتِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ صَارَ فِيهِ لِلْعَبْدِ حَقٌّ يُعْتَقُ بِهِ، فَلَمْ يَبْطُلْ عَلَيْهِ بِرِدَّةِ غَيْرِهِ.
وَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ عَلَى رِدَّتِهِ، أَوْ قُتِلَ بِهَا، عَتَقَ مُدَبَّرهُ إِنْ خَرَجَ مِنْ ثُلُثِهِ وَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ الثُّلُثُ، وَلَمْ يَمْلِكْ سِوَاهُ فَفِي عِتْقِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ - يُعْتَقُ ثُلُثُهُ، وَيَرِقُّ ثُلُثَاهُ لِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهُمْ يَقُومُونَ فِي مَالِهِ مَقَامَ وَرَثَتِهِ، فَلَمْ يُعْتَقْ فِي حَقِّهِمْ إِلَّا أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِمْ مِثْلَاهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الْبَغْدَادِيِّينَ، وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّهُ يُعْتَقُ جَمِيعُهُ، وَإِنْ لَمْ يَصِلْ إِلَى الْمُسْلِمِينَ مِثْلَاهُ، لِأَنَّ مَالَ الْمُرْتَدِّ يَنْتَقِلُ إِلَيْهِمْ فَيْئًا لَا إِرْثًا، وَالثُّلُثُ مُعْتَبَرٌ فِي الميراث دون الفيء.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ دَبَّرَهُ مُرْتَدًّا فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ أَحَدُهَا أَنَّهُ يُوقَفُ فَإِنْ رَجَعَ فَهُوَ عَلَى تَدْبِيرِهِ، وَإِنْ قُتِلَ فَالتَّدْبِيرُ بَاطِلٌ وَمَالُهُ فَيْءٌ لِأَنَّا عَلِمْنَا أَنَّ رِدَّتَهُ صَيَّرَتْ مَالَهُ فَيْئًا.
وَالثَّانِي أَنَّ التَّدْبِيرَ بَاطِلٌ لِأَنَّ مَالَهُ خَارِجٌ مِنْهُ إِلَّا بِأَنْ يَرْجِعَ وَهَذَا أَشْبَهُ الْأَقَاوِيلِ بِأَنْ يَكُونَ صَحِيحًا فَبِهِ أَقُولُ.
وَالثَّالِثُ أَنَّ التَّدْبِيرَ مَاضٍ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ عَلَيْهِ مَالَهُ إِلَّا بِمَوْتِهِ وَقَالَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ إِنَّهُ مَوْقُوفٌ فَإِنْ رَجَعَ وَجَبَتِ الزَّكَاةُ وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ وَقُتِلَ فَلَا زَكَاةَ وَقَالَ فِي كِتَابِ الْمُكَاتَبِ إِنَّهُ إِنْ كَاتَبَ الْمُرْتَدُّ عَبْدَهُ قَبْلَ أَنْ يُوقَفَ مَالُهُ فَالْكِتَابَةُ جَائِزَةٌ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) أَصَحُّهَا عِنْدِي وَأَوْلَاهَا بِهِ أَنَّهُ مَالِكٌ لماله لا يملك عليه إلا بموته لأنه أجاز كتابة عبده وأجاز أن ينفق من ماله على من يلزم المسلم نفقته فلو كان ماله خارجاً منه لخرج المدبر مع سائر ماله ولما كان لولده ولمن يلزمه نفقته حق في مال غيره مع أن مِلْكُهُ لَهُ بِإِجْمَاعٍ قَبْلَ الرِّدَّةِ فَلَا يَزُولُ ملكه إلا بإجماع وهو أن يموت) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُرْتَدَّ، إِذَا دَبَّرَ عَبْدَهُ فِي حَالِ رَدَّتِهِ، كَانَ تَدْبِيرُهُ مُعْتَبَرًا بِمَا تُوجِبُهُ الرِّدَّةُ فِي مَالِهِ، وَتَصَرُّفِهِ، فَأَمَّا مَالُهُ فِي بَقَائِهِ عَلَى مِلْكِهِ، أَوْ زَوَالِهِ عَنْهُ، فَقَدْ حَكَى الْمُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ هَاهُنَا ثَلَاثَةَ أَقَاوِيلَ: أَحَدُهَا: أَنَّ مِلْكَهُ بَعْدَ الرِّدَّةِ مَوْقُوفٌ مُرَاعًى لَا يُقْطَعُ بِزَوَالِهِ عَنْهُ فِي الْمَالِ، وَلَا بِبَقَائِهِ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ، وَيَكُونُ مُعْتَبَرًا بِآخِرِ أَمْرَيْهِ.
فَإِنْ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ عُلِمَ أَنَّ مِلْكَهُ لَمْ يَزُلْ بِالرِّدَّةِ، وَكَانَ بَاقِيًا عَلَى مَا كَانَ قَبْلَهُ فِي حَالِ إِسْلَامِهِ، وَإِنْ قُتِلَ بِالرِّدَّةِ، أَوْ مَاتَ عَلَيْهَا عُلِمَ أَنَّ مِلْكَهُ زَالَ عَنْهُ بِالرِّدَّةِ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الشَّافِعِيُّ وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِ.
وَدَلِيلُنَا مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَالَهُ مُعْتَبَرٌ بِدَمِهِ، لِأَنَّ اسْتِبَاحَةَ دَمِهِ الْمُوجِبَةُ لِمِلْكِ مَالِهِ، فَلَمَّا كَانَ دَمُهُ مَوْقُوفًا عَلَى تَوْبَتِهِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَالُهُ مَوْقُوفًا عَلَى تَوْبَتِهِ.
وَالْمَعْنَى الثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَالُهُ بَعْدَ الرِّدَّةِ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ أَنْ يُسْلِمَ فَيَبْقَى عَلَيْهِ، وَبَيْنَ أَنْ يَمُوتَ عَلَى الرِّدَّةِ، فَيَزُولُ عَنْهُ، شَابَهَ الْمَرِيضَ فِي تَصَرُّفِهِ فِي جَمِيعِ مَالِهِ لَمَّا تَرَدَّدَتْ حَالُهُ بَيْنَ الصِّحَّةِ فَتَمْضِي عَطَايَاهُ وَبَيْنَ مَوْتِهِ فَتُرَدُّ إِلَى الثُّلُثِ، وَصَارَتْ بِذَلِكَ مَوْقُوفَةً، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُرْتَدُّ بِمَثَابَتِهِ فِي الْوَقْفِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ مِلْكَهُ بَاقٍ عَلَيْهِ مَا بَقِيَ حَيًّا، فَإِنْ مَاتَ مُرْتَدًّا انْتَقَلَ بِمَوْتِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ فَيْئًا وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ انْتَقَلَ إِلَى وَرَثَتِهِ مِيرَاثًا، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ، وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَدَلِيلُهُ مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الرِّدَّةَ مُوجِبَةٌ لِاسْتِبَاحَةِ الدَّمِ، وَالِاسْتِبَاحَةُ لَا تُوجِبُ زَوَالَ الْمِلْكِ مَعَ بَقَاءِ الْحَيَاةِ، كَالْقَاتِلِ وَالزَّانِي.
وَالْمَعْنَى الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ بِالرِّدَّةِ، كَمَا يَزُولُ مِلْكُ الْحَرْبِيِّ بِالْغَنِيمَةِ، لَمَا عَادَ مِلْكُهُ إِلَيْهِ إِذَا أَسْلَمَ كَمَا لَا يَعُودُ مِلْكُ الْحَرْبِيِّ إِلَيْهِ إِذَا أَسْلَمَ وَفِي بَقَائِهِ عَلَى

الْمُرْتَدِّ بَعْدَ إِسْلَامِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَزُلْ عَنْهُ قَبْلَ إِسْلَامِهِ.
وَاسْتَدَلَّ لَهُ الْمُزَنِيُّ بِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا لَزِمَهُ فِي الرِّدَّةِ نَفَقَةُ أَوْلَادِهِ، وَأُرُوشُ جِنَايَاتِهِ، وَهَى لَا تَجِبُ عَلَى مَنْ لَا يَمْلِكُ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ مَالِكٌ.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهِ إِنْ قِيلَ: إِنَّهُ مَالِكٌ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي وُجُوبِهَا عَلَيْهِ إِذَا قِيلَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِمَالِكٍ فَذَهَبَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ وَطَائِفَةٌ إِلَى أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ، فَبَطَلَ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ.
وَذَهَبَ جُمْهُورُهُمْ إِلَى وُجُوبِهَا، وَإِنْ قِيلَ: لَيْسَ بِمَالِكٍ، لِأَنَّهُ زَالَ عَنْهُ فِيمَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَزُلْ فِيمَا وَجَبَ عَلَيْهِ، كَالْمَيِّتِ إِذَا تَعَدَّى بِحَفْرِ بِئْرٍ فَمَاتَ فِيهَا حَيَوَانٌ، وَجَبَتْ قِيمَتُهُ فِي تَرِكَتِهِ وَإِنْ زَالَ مِلْكُهُ بِمَوْتِهِ.
وَالْمَعْنَى الثَّانِي: إِنْ قَالَ: مِلْكُهُ لَهُ بِإِجْمَاعٍ قَبْلَ الرِّدَّةِ، فَلَا يَزُولُ مِلْكُهُ إِلَّا بِالْإِجْمَاعِ، وَهُوَ أَنْ يَمُوتَ، وَهَذَا اسْتِصْحَابُ حَالٍ مَعَ تَنَقُّلِ الْأَحْوَالِ، وَانْتِقَالُ الْأَحْوَالِ مُفْضٍ إِلَى انْتِقَالِ الْأَحْكَامِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُجْعَلَ دَلِيلًا عَلَى بَقَائِهَا.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ مِلْكَهُ بِالرِّدَّةِ خَارِجٌ مِنْهُ، كَمَا نَقَلَهُ الْمُزَنِيُّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مُرَادِ الشَّافِعِيِّ بِخُرُوجِهِ مِنْهُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرَادَ خُرُوجَهُ عَنْ تَصَرُّفِهِ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ خُرُوجَهُ عَنْ مِلْكِهِ، فَلَمْ يُخْرِّجُوا فِي مِلْكِهِ إِلَّا قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَوْقُوفٌ.
وَالثَّانِي: ثَابِتٌ.
وَقَالَ آخَرُونَ: أَرَادَ بِهِ خُرُوجَهُ عَنْ مِلْكِهِ، وَجَعَلُوهُ فِي الْمِلْكِ قَوْلًا ثَالِثًا.
إِنَّ مِلْكَهُ قَدْ زَالَ عَنْهُ بِالرِّدَّةِ، وَإِنْ عَادَ إِلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَدَلِيلُهُ مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا مَلَكَ الْمُسْلِمُونَ دَمَهُ بِالرِّدَّةِ، كَانَ أَوْلَى أَنْ يَمْلِكُوا بِهَا مَالَهُ، لِأَنَّ حُكْمَ الْمَالِ أَخَفُّ مِنْ حُكْمِ الدَّمِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا أَثَّرَتِ الرِّدَّةُ فِي زَوَالِ مَنَاكِحِهِ اجْتِهَادًا وَجَبَ تَأْثِيرُهَا فِي زَوَالِ مِلْكِهِ حِجَاجًا.

فَصْلٌ

وَأَمَّا تَصَرُّفُهُ فِي مَالِهِ بَعْدَ الردة، فالردة موجبة للحجز عَلَيْهِ فِي مَالِهِ لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ تَظَاهُرَهُ بِالرِّدَّةِ مَعَ إِفْضَائِهَا إِلَى تَلَفِهِ دَلِيلٌ عَلَى سَفَهِهِ، وَضَعْفِ عَقْلِهِ، وَيَكُونُ الْحَجْرُ عَلَيْهِ جَارِيًا مَجْرَى حَجْرِ السَّفَهِ.
وَالْمَعْنَى الثَّانِي: أَنَّ مَالَهُ يوجب الحجر مُفْضٍ إِلَى انْتِقَالِهِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ كَإِفْضَاءِ مَالِ الْمَرِيضِ إِلَى وَرَثَتِهِ، فَاقْتَضَى أَنْ يُوجِبَ الْحَجْرَ عَلَيْهِ جَارِيًا مَجْرَى حَجْرِ الْمَرِيضِ

فَإِذَا صَحَّ بِهَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ وُجُوبُ الْحَجْرِ عَلَيْهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا يَثْبُتُ بِهِ الْحَجْرُ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْحَجْرَ قَدْ ثَبَتَ عَلَيْهِ بِنَفْسِ الرِّدَّةِ، وَلَا يُعْتَبَرُ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ وَهَذَا مَذْهَبُ مَنْ تَأَوَّلَ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ مِلْكَهُ خَارِجٌ عَنْهُ، أَيْ عَنْ تَصَرُّفِهِ، فَأَوْقَعَ بِالرِّدَّةِ عَلَيْهِ حَجْرًا تَعْلِيلًا بِحَجْرِ الْمَرَضِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِهِمْ، أَنَّ الْحَجْرَ، لَا يَقَعُ عَلَيْهِ إِلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ تَعْلِيلًا بِحَجْرِ السَّفَهِ.

فَصْلٌ

فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَحْكَامِ مِلْكِهِ، وَأَحْكَامِ تَصَرُّفِهِ كَانَ حُكْمُ تَدْبِيرِهِ وَعُقُودُهُ مَحْمُولَةٌ عَلَيْهَا فَإِنْ فَعَلَهَا بَعْدَ ثُبُوتِ الْحَجْرِ عَلَيْهِ كَانَتْ بَاطِلَةً مَرْدُودَةً، فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ عِتْقٌ، وَلَا تَدْبِيرٌ وَلَا كِتَابَةٌ، وَلَا هِبَةٌ، وَلَا بَيْعٌ، لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ مَرْدُودٌ وَإِنْ فَعَلَهَا قَبْلَ ثُبُوتِ الْحَجْرِ عَلَيْهِ كَانَ تَصَرُّفُهُ مَحْمُولًا عَلَى الْأَقَاوِيلِ الثَّلَاثَةِ.
فَإِنْ قِيلَ بِبَقَاءِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ بَعْدَ تَصَرُّفِهِ، وَصَحَّ عِتْقُهُ، وَتَدْبِيرُهُ وَكِتَابَتُهُ، وَهِبَتُهُ، وَبَيْعُهُ، وَكَانَ فِي جَمِيعِهَا كَحَالِهِ قَبْلَ رِدَّتِهِ وَيُعْتَقُ الْمُدَبَّر بِقَتْلِهِ عَلَى الرِّدَّةِ، كَمَا يُعْتَقُ بِمَوْتِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَإِنْ قِيلَ بِزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ رُدَّ جَمِيعُ تَصَرُّفِهِ، وَأُبْطِلَ جَمِيعُهُ فِيمَا الْتَزَمَهُ بِاخْتِيَارِهِ مِنْ عِتْقٍ، وَتَدْبِيرٍ، وَكِتَابَةٍ، وَهِبَةٍ، وَبِيعٍ، وَفِي إِبْطَالِ مَا لَزِمَهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ مِنْ نَفَقَةِ أَوْلَادِهِ وَأُرُوشِ جِنَايَاتِهِ وَجْهَانِ مَضَيَا.
فَإِنْ قِيلَ بِأَنَّ مِلْكَهُ مَوْقُوفٌ مُرَاعًى كَانَ تَدْبِيرُهُ وَعِتْقُهُ مَوْقُوفًا.
فَإِنْ قُتِلَ بِالرِّدَّةِ، بَطَلَ وَإِنْ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ صَحَّ فَأَمَّا بَيْعُهُ، وَكِتَابَتُهُ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وَقْفِهَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: بَاطِلَةٌ، لِأَنَّهَا عُقُودُ مُعَاوَضَاتٍ لَا يَصِحُّ عَقْدُهَا عَلَى الْوَقْفِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: صَحِيحَةٌ، لِأَنَّهَا مَوْقُوفَةٌ عَلَى الْفَسْخِ دُونَ الْإِمْضَاءِ كَوَقْفِهَا فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ.
وَأَمَّا نَفَقَةُ الْأَوْلَادِ وَأُرُوشُ الْجِنَايَاتِ فَتَنُصُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَلَا تُوقَفُ وَجْهًا وَاحِدًا فِي النَّفَقَةِ، وَعَلَى احْتِمَالٍ فِي أَرْشِ الْجِنَايَةِ لِوُجُودِ الْأَرْشِ بِفِعْلِهِ، وَوُجُوبِ النَّفَقَةِ بِغَيْرِ فِعْلِهِ.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ مَتَى قَدِمَ فُلَانٌ فَأَنْتَ حُرٌّ فَقَدِمَ وَالسَّيِّدُ صَحِيحٌ أَوْ مَرِيضٌ عَتَقَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ - إِذَا قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ أَوْ مُدَبَّرهِ إِذَا قَدِمَ زِيدٌ فَأَنْتَ

حُرٌ أَوْ إِنْ دَخَلْتَ الدَّارَ كُلُّ ذَلِكَ عِتْقٌ بِصِفَةٍ، فَيَسْتَوِي فِيهِ الْمُدَبَّر وَالْعَبْدُ الْقِنُّ.
وَلَا يَخْلُو السَّيِّدُ فِي عَقْدِ الْعِتْقِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِنْ حَالَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَعْقِدَهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، فَإِذَا قَدِمَ زَيْدٌ، أَوْ دَخَلَ الدَّارَ فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ عَتَقَ الْعَبْدُ مِنَ الثُّلُثِ، لِأَنَّهُ لَوْ عَجَّلَ عِتْقَهُ وَقْتَ عَقْدِهِ، كَانَ مِنَ الثُّلُثِ فَكَانَ تَعْلِيقُهُ بِالصِّفَةِ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الثُّلُثِ وَإِنْ قَدِمَ زَيْدٌ أَوْ دَخَلَ الْعَبْدُ الدَّارَ بَعْدَ مَوْتِهِ لَمْ يُعْتَقَ الْعَبْدُ بِالصِّفَةِ، لِأَنَّهَا مَعْقُودَةٌ عَلَى حَيَاةِ السَّيِّدِ فَلَمْ يُعْتَقْ بَعْدَ مَوْتِهِ كَمَا لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إِنْ قَدِمَ فُلَانٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، فَقَدِمَ بَعْدَ مَوْتِهِ، لَمْ تُطَلَّقْ فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ مُدَبَّرا عَتَقَ بِمَوْتِ السَّيِّدِ عَنْ تَدْبِيرِهِ وَإِنْ كَانَ قِنًّا رَقَّ لِوَرَثَتِهِ.
وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَعْقِدَ الْعِتْقَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فِي حَالِ صِحَّتِهِ فَمَتَى قَدِمَ زَيْدٌ فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ عَتَقَ مِنْ صُلْبِ مَالِهِ لَا مِنْ ثُلُثِهِ، لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَوْ عَجَّلَ عِتْقَهُ فِي حَالِ عِتْقِهِ، كَانَ مِنْ صُلْبِ مَالِهِ فَكَذَلِكَ تَعْلِيقُهُ بِالصِّفَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ حُكْمَ الْعِتْقِ بِالْعَقْدِ مُعْتَبَرٌ بِحَالِ الْعَقْدِ، وَلَا يُعْتَبَرُ بِحَالِ الصِّفَةِ أَلَا تَرَاهُ لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ فِي صِحَّةِ عَقْلِهِ إِذَا قَدِمَ زَيْدٌ فَأَنْتَ حُرٌّ فَقَدِمَ زَيْدٌ وَقَدْ جُنَّ السَّيِّدُ عَتَقَ، وَلَوْ قَالَهُ فِي حَالِ جُنُونِهِ ثُمَّ قَدِمَ زَيْدٌ بَعْدَ إِفَاقَتِهِ، لَمْ يُعْتَقْ وَمِثْلُهُ فِي عَقْدِ الطَّلَاقِ بِالصِّفَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: أَفَلَيْسَ لَوْ وَهَبَ فِي صِحَّتِهِ وَأَقْبَضَ فِي مَرَضِهِ، أَوْ حَابَى فِي صِحَّتِهِ فِي عَقْدِ بَيْعٍ بِشَرْطِ خِيَارٍ مَاتَ فِي تَضَاعِيفِهِ كَانَتِ الْهِبَةُ وَالْمُحَابَاةُ مُعْتَبَرَتَيْنِ مِنْ ثُلُثِهِ وَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ فِي الصِّحَّةِ لِوُجُودِ الِالْتِزَامِ فِي الْمَرَضِ فَهَلَّا كَانَ كَذَلِكَ فِي عِتْقِهِ بِالصِّفَةِ؟ قِيلَ: يَفْتَرِقَانِ وَلَا تَلْزَمُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّ عَقْدَ الْهِبَةِ وَبَيْعَ الْمُحَابَاةِ قَدْ كَانَ فِيهِمَا قَادِرًا عَلَى إِبْطَالِهِمَا فِي مَرَضِهِ، فَأُجْرِيَ عَلَيْهِمَا حُكْمُ الْمَرَضِ حِينَ الْتَزَمَهُمَا فِيهِ، فَاعْتُبِرَا مِنْ ثُلُثِهِ، وَعَقْدُ الْعِتْقِ بِالصِّفَةِ لَازِمٌ فِي الصِّحَّةِ لَا يَقْدِرُ عَلَى فَسْخِهِ فِي حَالِ الْمَرَضِ فَأُجْرِيَ عَلَيْهِ حُكْمُ الصِّفَةِ فِي اعْتِبَارِهِ مِنْ صُلْبِ مَالِهِ، وَلَوْ عَلَّقَهُ فِي الصِّحَّةِ بِمَا يَقْدِرُ عَلَى إِبْطَالِ حُكْمِهِ فِي الْمَرَضِ، كَقَوْلِهِ فِي صِحَّتِهِ لِعَبْدِهِ: إِنْ دَخَلْتُ أَنَا الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ فَدَخَلَهَا فِي مَرَضِهِ عَتَقَ مِنْ ثُلُثِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ دُخُولِهَا فِي مَرَضِهِ، فَصَارَ بِدُخُولِهَا مُتَّهَمًا فِي حُقُوقِ وَرَثَتِهِ، فَصَارَ الْعِتْقُ مِنْ ثُلُثِهِ.
وَهَكَذَا لَوْ قَالَ فِي صِحَّتِهِ إِنْ قَدِمَ زَيْدٌ فِي مَرَضِي، فَعَبْدِي حُرٌّ، فَإِذَا قَدِمَ فِي مَرَضِهِ عَتَقَ مِنْ ثُلُثِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ عَقَدَهُ بِمَا صَارَ بِهِ متهما في حقوق الورثة.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَجِنَايَةُ الْمُدَبَّر جِنَايَةُ عَبْدٍ) .

فصول الكتاب · 30 فصل · 608 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الحاوي الكبير · 608 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كِتَابُ الْبُيُوعِ
كتاب الإقرار
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كتاب العارية
كتاب الغصب
كِتَابُ الشَّرْطِ فِي الرَّقِيقِ يَشْتَرِطُهُمُ الْمُسَاقِي
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ الْعَطَايَا وَالصَّدَقَاتِ
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب الصداق
كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع
كتاب السير
كتاب مختصر الجامع من كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب النذور
كِتَابُ الْعِتْق
كتاب عتق أمهات الأولاد من كتب
جارٍ التحميل