كتاب الطهارة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الماوردي
- الكتاب
- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
- المحقق
- الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1419 هـ -1999 م
- عدد الأجزاء
- 19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
صِفَةَ الْأَدَاءِ وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ كَالْمَرَضِ، وَأَمَّا تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ.
فَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِآيَةِ الْخَوْفِ فَلَوْ قَدَرَ عَلَى اسْتِقْبَالِهَا رَاكِبًا وَعَلَى اسْتِدْبَارِهَا نَازِلًا لَاسْتَقْبَلَهَا رَاكِبًا لِأَنَّ فَرْضَ الِاسْتِقْبَالِ أَوْكَدُ من فرض القيام.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ صَلَّى عَلَى فَرَسِهِ فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ رَكْعَةً ثُمَّ أَمِنَ نَزَلَ فَصَلَّى أُخْرَى مُوَاجِهَةَ القبلة وإن صلى ركعة آمنا ثم سار إلى شدة الخوف فركب.
ابتدأ لأن عمل النزول خفيف والركوب أكثر من النزول (قال المزني) قلت أنا قد يكون الفارس أخف ركوبا وأقل شغلا لفروسيته من نزول ثقيل غير فارس ".
قال الماوردي: وإذ ابتدأ الصلاة خائفا على فرسه فصلى بعضا إِلَى الْقِبْلَةِ وَإِلَى غَيْرِ قِبْلَةٍ ثُمَّ أَمِنَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَنْزِلَ وَيَبْنِيَ عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ كَالْمَرِيضِ الَّذِي يُصَلِّي جَالِسًا لِعَجْزِهِ ثُمَّ يَصِحُّ فَأَمَّا إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ آمِنًا مستقبلا للقبلة وأظله العدو فخاف فركب فرسه.
قال الشافعي: ها هنا اسْتِئْنَافُ الصَّلَاةِ، وَعَلَّلَ بِأَنْ قَالَ الرُّكُوبُ عَمَلٌ كَثِيرٌ، وَقَالَ فِي كِتَابِ الْأُمِّ: بَنَى عَلَى صَلَاتِهِ.
وَكَانَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ وَأَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا يَحْمِلُونَ ذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ فَالْمَوْضِعُ الَّذِي أَبْطَلَ صَلَاتَهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ اسْتِئْنَافُهَا إِذَا رَكِبَ مُخْتَارًا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ دَاعِيَةٍ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي لَمْ يُبْطِلْهَا وَأَجَازَ لَهُ الْبِنَاءَ عَلَيْهَا إِذَا دَعَتْهُ الضَّرُورَةُ إِلَى الرُّكُوبِ وَشِدَّةُ الْخَوْفِ وَهُجُومُ الْعَدُوِّ، فَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، فَأَمَّا الْمُزَنِيُّ فَإِنَّهُ اعْتَرَضَ عَلَى تَعْلِيلِ الشَّافِعِيِّ لِيُفْسِدَهُ.
فَقَالَ: " قَدْ يَكُونُ رُكُوبُ الْفَارِسِ السَّرِيعِ النَّهْضَةِ أَخَفَّ مِنْ نُزُولِ غَيْرِهِ ".
وَهَذَا الِاعْتِرَاضُ يَفْسُدُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الشَّافِعِيَّ لَمْ يَعْتَبِرْ رُكُوبَ وَاحِدٍ وَنُزُولَ غَيْرِهِ وإنما اعتبر ركوبه بنزوله ومن حق رُكُوبُهُ كَانَ نُزُولُهُ أَخَفَّ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَصَدَ بِتَعْلِيلِهِ غَالِبَ أَحْوَالِ النَّاسِ دُونَ مَنْ شذ منهم وَنَدَرَ وَغَالِبُ أَحْوَالِهِمْ ثِقَلُ رُكُوبِهِمْ وَخِفَّةُ نُزُولِهِمْ فَصَحَّ تَعْلِيلُ الشَّافِعِيِّ وَبَطَلَ اعْتِرَاضُ الْمُزَنِيِّ.
(مَسْأَلَةٌ)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " ولا بأس أَنْ يَضْرِبَ فِي الصَّلَاةِ الضَّرْبَةَ وَيَطْعَنَ الطَّعْنَةَ فأما إن تابع الضرب أو ردد الطَّعْنَةَ فِي الْمَطْعُونِ أَوْ عَمِلَ مَا يَطُولُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا إِذَا ضَرَبَ ضَرْبَةً أَوْ ضَرْبَتَيْنِ أَوْ طَعْنَةً أَوْ طَعْنَتَيْنِ دَافِعًا عَنْ نَفْسِهِ وَنَاكِيًا فِي عَدُوِّهِ فَصَلَاتُهُ جَائِزَةٌ لِأَنَّهُ يَسِيرٌ يَجُوزُ مِثْلُهُ فِي غَيْرِ صَلَاةِ الْخَوْفِ فَكَانَ جَوَازُهُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ أولى فأما إن تابع الضَّرْبَ وَكَرَّرَ الطَّعْنَ حَتَّى طَالَ وَكَثُرَ فَعَلَى قول أبي عباس
وَأَبِي إِسْحَاقَ إِنْ فَعَلَهُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ فَعَلَهُ لِضَرُورَةٍ لَمْ تَبْطُلْ عَلَى مَعْنَى قَوْلِهِمَا فِي مَسْأَلَةِ الرُّكُوبِ، وَحَمَلَا جَوَابَ الشَّافِعِيِّ عَلَى فِعْلِهِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، لِأَنَّ صَلَاةَ الخوف مفارقة ل " صلاة الْأَمْنِ " مِنَ الضَّرُورَةِ أَلَا تَرَى إِلَى جَوَازِ اسْتِدْبَارِ الْقِبْلَةِ فِيهَا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَإِنْ لَمْ يَجُزِ اسْتِدْبَارُهَا فِي صَلَاةِ الْأَمْنِ مَعَ الضَّرُورَةِ.
وَقَالَ غَيْرُهُمَا مِنْ أَصْحَابِنَا: قَدْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ مع الضرورة والاختيار اعتبارا بظاهر نصه وأخذ بِمُوجَبِ تَعْلِيلِهِ عَلَى مَعْنَى قَوْلِهِمْ فِي مَسْأَلَةِ الرُّكُوبِ وَأَمَّا إِذَا تَكَلَّمَ فِي صَلَاتِهِ مَهِيبًا أَوْ مُسْتَنْجِدًا أَوْ مُحَذِّرًا أَوْ مُخْتَارًا أَوْ مُضْطَرًّا فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ عَلَى الْمَذْهَبَيْنِ مَعًا لِأَنَّ يَسِيرَ الْعَمَلِ مُبَاحٌ وَيَسِيرَ الْكَلَامِ غَيْرُ مُبَاحٍ.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ رَأَوْا سَوَادًا أَوْ جَمَاعَةً أَوْ إِبِلًا فظنوهم عدوا فصلوا صلاة شدة الخوف يؤمنون إيماء ثم بان لهم أنه ليس عدو أَوْ شَكُّوا أَعَادُوا وَقَالَ فِي الْإِمْلَاءِ لَا يُعِيْدُونَ لِأَنَّهُمْ صَلَّوْا وَالْعِلَّةُ مَوْجُودَةٌ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) قلت أنا أَشْبَهُ بِقَوْلِهِ عِنْدِي أَنْ يُعِيدُوا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وأصل هذا أن صلاة الْخَوْفِ بِالْإِيمَاءِ رُخْصَةٌ لِلضَّرُورَةِ وَالْعَجْزِ، فَإِذَا كَانُوا فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ فَرَأَوْا سَوَادًا مُقْبِلًا أَوْ إِبِلًا سَائِرَةً فَظَنُّوا أَنَّ الْعَدُوَّ قَدْ أَظَلَّهُمْ فَصَلَّوْا صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ إِيمَاءً إِلَى قِبْلَةٍ وَإِلَى غَيْرِهَا ثُمَّ بَانَ لَهُمْ خِلَافُ مَا ظَنُّوا فَفِي وُجُوبِ الْإِعَادَةِ عَلَيْهِمْ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْإِمْلَاءِ لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِمْ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ هَذِهِ الصَّلَاةَ عِنْدَ وُجُودِ الْخَوْفِ لَا عِنْدَ وُجُودِ الْعَدُوِّ وَقَدْ كَانَ الْخَوْفُ الْمُبِيحُ مَوْجُودًا وَإِنْ كَانَ الْعَدُوُّ مَعْدُومًا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: قَالَهُ فِي الْأُمِّ: عَلَيْهِمُ الْإِعَادَةُ وَهُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ مَا كَانَ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَشَرَائِطِهَا فَتَرْكُهُ عَلَى وَجْهِ السَّهْوِ وَالْخَطَأِ كَتَرْكِهِ عَمْدًا فِي الْإِيجَابِ وَقَدْ تَرَكَ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ وَاسْتِيفَاءَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ خَاطِئًا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لِلصَّلَاةِ قَاضِيًا.
قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَوْ كان ببلاد الإسلام قرأوا سَوَادًا فَظَنُّوا عَدُوًّا فَصَلَّوْا صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ ثُمَّ بَانَ لَهُمْ أَنَّهُ غَيْرُ عَدُوٍّ فَعَلَيْهِمُ الْإِعَادَةُ قَوْلًا وَاحِدًا لِأَنَّ ظَنَّهُمْ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ أَقْوَى مِنْ ظَنِّهِمْ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ فَهَذَا قَوْلُهُمْ وَلَمْ أَرَ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ خالف ولا وجه للشافعي يُعَضِّدُهُ أَوْ يُعَارِضُهُ إِلَّا الْحُجَّاجَ وَأَنَّهُ يَقْتَضِي تَسْوِيَةَ الْحُكْمِ فِي الْحَالَيْنِ.
فَلَوْ غَشِيَهُمُ الْعَدُوُّ فَظَنُّوا أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْهُ فَصَلَّوْا صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ ثُمَّ بَانَ لَهُمْ أَنَّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْعَدُوِّ نَهْرًا أَوْ جَيْشًا حَائِلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَانِعًا فَفِي وُجُوبِ الْإِعَادَةِ عَلَيْهِمْ قَوْلَانِ، ولكن
لو صلوا كصلاة ذات الرقاع أوعسفان أَوْ بَطْنِ النَّخْلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَسْأَلَةِ الْكِتَابِ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِمْ قَوْلًا وَاحِدًا لِأَنَّهُمْ لَمْ يُسْقِطُوا فَرْضًا وَلَا غَيَّرُوا رُكْنًا.
(مَسْأَلَةٌ)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِنْ كَانَ الْعَدُوُّ قَلِيلًا مِنْ نَاحِيَةِ الْقِبْلَةِ والمسلمون كثيرا يأمنونهم في مستوى لَا يَسْتُرُهُمْ شَيْءٌ إِنْ حَمَلُوا عَلَيْهِمْ رَأَوْهُمْ صلى الإمام بهم جميعا وركع وسجد بهم جميعا إلا صفا يليه أو بعض صف ينظرون العدو فإذا قاموا بعد السجدتين سجد الذين حرسوه أولا إلا صفا أو بعض صف يحرسه منهم فإذا سجدوا سجدتين وجلسوا سجد الذين حرسوهم ثم يتشهدون ثم يسلم بهم جميعا معا وهذا نحو صلاة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يوم عسفان ولو تأخر الصف الذي حرسه إلى الصف الثاني وتقدم الثاني فحرسه فلا بأس ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذِهِ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِ (عُسْفَانَ) رَوَاهَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ وَعِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ بِعُسْفَانَ وَكَانَ الْعَدُوُّ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ وَالْمُسْلِمُونَ أَكْثَرَ مِنْهُمْ عَلَى مُسْتَوًى مِنَ الْأَرْضِ، فصلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِهِمُ الظُّهْرَ فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ قَدْ أَصَبْنَا مِنْهُمْ غرة قد أصبنا منهم غفلة نهجهم عَلَيْهِمْ وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّهُ تَأْتِيهِمْ صَلَاةٌ هِيَ أَعَزُّ عَلَيْهُمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ يُرِيدُونَ الْعَصْرَ فَنَزَلَ الْوَحْيُّ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَلَمَّا صَلَّى الْعَصْرَ صَفَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ وَأَحْرَمَ بهم، وركع فركعوا ورفع فرفعوا وسجد فسجدوا إلا الصف الذي يليه فإنهم لم يسجدوا لِحِرَاسَتِهِمْ فَلَمَّا رَفَعَ سَجَدُوا وَتَأَخَّرُوا وَتَقَدَّمَ الصَّفُّ الْأَخِيرُ، فَرَكَعَ بِهِمْ وَرَفَعَ وَسَجَدَ بِهِمْ إِلَّا الصَّفَّ الَّذِي يَلِيهِ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَسْجِدُوا لِحِرَاسَةِ النَّاسِ، فَلَمَّا رَفَعَ سَجَدُوا وَلَحِقُوهُ فَهَذِهِ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِعُسْفَانَ.
فَأَمَّا إِنْ أَرَادَ الْإِمَامُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْحَرْبِ بِأَصْحَابِهِ مِثْلَهَا احْتَاجَ إِلَى ثَلَاثَةِ شَرَائِطَ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُونَ أَكْثَرَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ:
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْعَدُوُّ مِنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْعَدُوُّ عَلَى مُسْتَوًى الْأَرْضِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا مَا يَمْنَعُ مِنَ الْمُشَاهَدَةِ، فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ مَوْجُودَةً صَلَّى حِينَئِذٍ عَلَى وَصْفِنَا فَإِنْ حَرَسَ الصَّفُّ الْأَوَّلُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَمِيعًا وَلَمْ يَتَأَخَّرُوا قَالَ الشَّافِعِيُّ كَانَ حَسَنًا، وَإِنْ حَرَسَ الصَّفُّ الثَّانِي فِي الرَّكْعَتَيْنِ مَعًا جَازَ وَحِرَاسَةُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ أَوْلَى لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْعَدُوِّ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ أقدر على حراسة الجميع.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ صَلَّى فِي الْخَوْفِ بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سلم ثم صَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ فَهَكَذَا صلاة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ببطن نخل (قال المزني) وهذا عندي يدل على جواز فريضة خلف من يصلي نافلة لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - صلى بالطائفة الثانية فريضة لهم ونافلة له - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهُوَ صَحِيحٌ رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - خَرَجَ لِيُصْلِحَ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ مِنَ الْعَرَبِ فَخَافَ فَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ الْعَصْرَ فَقَسَمَهُمْ فِرْقَتَيْنِ، فَصَلَّى بِفِرْقَةٍ رَكْعَتَيْنِ وَسَلَّمَ وَبِفِرْقَةٍ رَكْعَتَيْنِ وَسَلَّمَ فَكَانَ لَهُ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ وَلَهُمْ رَكْعَتَانِ وَصَلَّى بِهِمُ الْمَغْرِبَ كَذَلِكَ لَهُ سِتٌّ وَلَهُمْ ثَلَاثٌ فَإِذَا أَرَادَ الْإِمَامُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْخَوْفِ كَصَلَاةِ رَسُولِ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِبَطْنِ النَّخْلِ وَكَانَ الْعَدُوُّ فِي غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ فَعَلَ كَفِعْلِهِ فَصَلَّى بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ جَمِيعَ الصَّلَاةِ وَسَلَّمَ.
(فَصْلٌ)
: فَإِنْ صَلَّى الْإِمَامُ بِأَصْحَابِهِ فِي الْأَمْنِ كَصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الْخَوْفِ فَإِنْ كَانَتْ كَصَلَاةِ بَطْنِ النَّخْلِ، فَصَلَاةُ جَمِيعِهِمْ جَائِزَةٌ وَإِنْ كَانَتْ كَصَلَاةِ عُسْفَانَ، فَصَلَاةُ الْإِمَامِ وَمَنْ لَمْ يَحْرُسْ مِنَ الْمَأْمُومِينَ جَائِزَةٌ وَفِي صَلَاةِ مَنِ انْتَظَرَ مِنْهُمْ رَفْعَ الْإِمَامِ وَجْهَانِ:
أَصَحُّهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِنَا: صَلَاتُهُمْ جَائِزَةٌ، لِأَنَّهُمْ تَأَخَّرُوا عَنِ الْإِمَامِ بِرُكْنٍ وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّلَاةِ، وَإِنْ كَانَتْ كَصَلَاةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ فَفِي صَلَاةِ الْإِمَامِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: بَاطِلَةٌ لِطُولِ انْتِظَارِهِمْ.
وَالثَّانِي: جَائِزَةٌ، لِأَنَّ انْتِظَارَهُ، قَدْ تَضَمَّنَ ذِكْرًا فَلَمْ يَقْدَحْ فِي صَلَاةٍ.
فَإِذَا قِيلَ بِبُطْلَانِ صَلَاةِ الْإِمَامِ، فَصَلَاةُ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ بَاطِلَةٌ إِنْ عَلِمُوا بِحَالِهِ، لِأَنَّهُمُ ائْتَمُّوا بِهِ بَعْدَ بُطْلَانِ صَلَاتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا بِحَالِهِ فَصَلَاتُهُمْ جَائِزَةٌ.
فَأَمَّا الطائفة الأولى ففي صلاتهم قولان مبينان عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِيمَنْ أَخْرَجَ نَفْسَهُ مِنْ صَلَاةِ إِمَامِهِ غَيْرَ مَعْذُورٍ أَحَدُهُمَا: بَاطِلَةٌ.
وَالثَّانِي: جَائِزَةٌ.
وَإِذَا قِيلَ بِجَوَازِ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَفِي صَلَاةِ الطَّائِفَةِ الْأُولَى قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: بَاطِلَةٌ.
وَالثَّانِي: جَائِزَةٌ.
فَأَمَّا الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ فَصَلَاتُهُمْ بَاطِلَةٌ، لِأَنَّهُمْ أَقَامُوا عَلَى الِائْتِمَامِ بِمَنْ خَالَفُوهُ فِي أَفْعَالِهِ، وَفِيهَا وَجْهٌ آخَرُ أَنَّ صَلَاتَهُمْ جَائِزَةٌ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ خَيْرَانَ قَالَ: لَا تَلْزَمُ الطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ سَهْوُ إِمَامِهِمْ.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ الْخَوْفِ فِي طَلَبِ الْعَدُوِّ لِأَنَّهُ أَمِنَ وَطَلَبُهُمُ تَطَوُّعٌ وَالصَّلَاةُ فَرْضٌ وَلَا يُصَلِّيهَا كَذَلِكَ إِلَّا خَائِفًا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ صَلَاةُ الْخَوْفِ مُبَاحَةٌ مَعَ وُجُودِ الْخَوْفِ وَالطَّالِبُ أَمِنَ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ الْخَوْفِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِقُرْبِ الْعَدُوِّ، أَوْ فِي أَرْضِهِ يَخَافُونَ هُجُومَ الْعَدُوِّ عَلَيْهِمْ إِنِ اشْتَغَلُوا بِالصَّلَاةِ قَالَ الشافعي فلهم أَنْ يُصَلُّوا صَلَاةَ الْخَوْفِ.
(بَابُ مَنْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ شِدَّةِ الخوف)
(مسألة)
: قال الشافعي رحمه الله تعالى: " كُلُّ قِتَالٍ كَانَ فَرْضًا أَوْ مُبَاحًا لِأَهْلِ الْكُفْرِ وَالْبَغْيِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَمَنْ أَرَادَ دَمَ مُسْلِمٍ أَوْ مَالَهُ أَوْ حَرِيمَهُ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ فَلِمَنْ قَاتَلَهُمْ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ الْخَوْفِ وَمَنْ قَاتَلَ عَلَى مَا لَا يَحِلُّ لَهُ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ فَإِنْ فَعَلَ أَعَادَ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ.
الْقِتَالُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ: وَاجِبٌ، وَطَاعَةٌ، وَمُبَاحٌ، وَمَعْصِيَةٌ.
فَأَمَّا الْوَاجِبُ فَقِتَالُ الْمُشْرِكِينَ وَالْبُغَّاءِ.
فَلِلْمُقَاتِلِ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِمَا صَلَاةَ الْخَوْفِ وَأَمَّا الْمُبَاحُ: فَقِتَالُ الرَّجُلِ عَنْ مَالِهِ وَحَرِيمِهِ.
وَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ صَلَاةَ الْخَوْفِ، وَأَمَّا الطَّاعَةُ: فَقِتَالُ الْإِمَامِ اللُّصُوصَ وَقُطَّاعَ الطَّرِيقِ.
وَتَجُوزُ فِيهِ صَلَاةُ الْخَوْفِ، وَإِنَّمَا جَازَتْ صَلَاةُ الْخَوْفِ فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ: لِأَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ رُخْصَةٌ، وَالرُّخَصُ تُسْتَبَاحُ فِي الْمُبَاحِ كَاسْتِبَاحِهَا فِي والواجب قِيَاسًا عَلَى الْقَصْرِ فِي السَّفَرِ فَأَمَّا الْمَعْصِيَةُ كَاللُّصُوصِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ إِذَا طُلِبُوا فَخَافُوا فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا صَلَاةَ الْخَوْفِ، لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ تَمْنَعُ مِنَ الرُّخَصِ، فَإِذَا صَلَّوْا صَلَاةَ الْخَوْفِ كَانُوا كَالْآمِنِينَ إِذَا صَلَّوْا صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ أَعَادُوا، وَإِنْ صَلَّوْا غَيْرَهَا مِنْ صَلَوَاتِ الْخَوْفِ كَانَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَمْنِ.
(مَسْأَلَةٌ)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " لو كَانُوا مُوَلِّينَ لِلْمُشْرِكِينَ أَدْبَارَهُمْ غَيْرَ مُتَحَرِّفِينَ لِقِتَالٍ وَلَا مُتَحَيِّزِينَ إِلَى فِئَةٍ وَكَانُوا يُومِئُونَ أَعَادُوا لِأَنَّهُمْ حِينَئِذٍ عَاصُونَ وَالرُّخْصَةُ لَا تَكُونُ لِعَاصٍ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، وَأَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ قَدْ أَوْجَبَ فِي أول الإسلام على كل رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُقَاتِلَ عَشَرَةً مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الذين كفروا﴾ كلما كَثُرَ الْمُسْلِمُونَ نَسَخَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ وَخَفَّفَهُ عَنْهُمْ وَأَوْجَبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يقاتل اثنين
مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنفال: 66)
وَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ فِي وَجْهِ الْعَدُوِّ فَانْهَزَمُوا مِنْ أَكْثَرَ مِنْ مِثْلَيْهِمْ جَازَ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا صَلَاةَ الْخَوْفِ، وَإِنِ انْهَزَمُوا مِنْ مِثْلِهِمْ فَمَا دُونَ نُظِرَ فِي حَالِهِمْ، فَإِنِ انْهَزَمُوا لِيَتَحَرَّفُوا لِقِتَالٍ أَوْ يَتَحَيَّزُوا إِلَى فِئَةٍ جَازَ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ، وَإِنِ انْهَزَمُوا غَيْرَ مُتَحَرِّفِينَ لِقِتَالٍ وَلَا مُتَحَيِّزِينَ إِلَى فِئَةٍ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا صَلَاةَ الْخَوْفِ لِأَنَّهُمْ عَاصُونَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (الأنفال: 14) وَلَا فَرْقَ فِي الْفِئَةِ الَّتِي تَنْحَازُ إِلَيْهَا بَيْنَ أَنْ تَكُونَ بَعِيدَةً أَوْ قَرِيبَةً فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ حِينَ انْهَزَمُوا مِنَ الْعِرَاقِ أَنَا فِئَةُ كُلِّ مُسْلِمٍ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي حُكْمِهِمْ إِذَا لَمْ يُطِيقُوا قِتَالَ مِثْلَيْهِمْ، هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُوَلُّوا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَحَرَّفُوا لِقِتَالٍ أَوْ يَتَحَيَّزُوا إِلَى فِئَةٍ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا) {البقرة: 286) .
وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ لِأَنَّ لَهُمْ طَرِيقًا إِلَى مَا لَا يَجُوزُ، إِذْ لَا يُعْدَمُ الِانْحِيَازُ إِلَى فِئَةٍ قَرُبَتْ أَمْ بَعُدَتْ وَاعْتَمَدَ الشَّافِعِيُّ عَلَى نَصِّ الْقُرْآنِ فِي ذَلِكَ وَقَالَ أبو حنيفة: كَانَ هَذَانِ الْحُكْمَانِ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ ثُمَّ نُسِخَا مَعًا وَعَلَيْهِمْ أن يقاتلوا ما أمكن.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ غَشِيَهُمْ سَيْلٌ وَلَا يَجِدُونَ نَجْوَةً صَلَّوْا يومئون عدوا عَلَى أَقْدَامِهِمْ وَرِكَابِهِمْ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا غَشِيَهُمْ سَيْلٌ أَوْ ظَلَّهُمْ سَبُعٌ أَوْ ضال عَلَيْهِمْ فَحْلٌ أَوْ أَظَلَّهُمْ حَرِيقٌ وَلَمْ يَجِدُوا نَجْوَةً عَالِيَةً وَلَا جَبَلًا مَنِيعًا وَخَافُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ أَوْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ دُونَ أَنْفُسِهِمْ فسعوا لصلاحهم فَلَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ فَإِنْ غَشِيَهُمْ غَرَقٌ إِذَا تَنَحَّوْا عَنْ سَنَنِهِ أَوْ هَدْمٌ إِنْ تَنَحَّوْا عَنْ مَسْقَطِهِ أَوْ حَرِيقٌ فِي صَحْرَاءَ إِذَا تَنَحَّوْا عَنْ سَنَنِ الرِّيحِ سَلِمُوا لَمْ تُجْزِهِمْ إِلَّا صَلَاةٌ لَوْ كَانَتْ في غير الخوف أجزأتهم.
(باب في كراهية اللباس والمبارزة)
قال الشافعي: رضي الله عنه: " وَأَكْرَهُ لُبْسَ الدِّيْبَاجِ وَالدِّرْعِ الْمَنْسُوجَةِ بِالذَّهَبِ وَالْقَبَاءِ بِأَزْرَارِ الذَّهَبِ فَإِنْ فَاجَأَتْهُ الْحَرْبُ فَلَا بَأْسَ ".
قال الماوردي: وهذا كما قال: ليس الْحَرِيرِ مُحَرَّمٌ عَلَى الرِّجَالِ مُبَاحٌ عَلَى النِّسَاءِ لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - خَرَجَ وَفِي إِحْدَى يَدَيْهِ حَرِيرٌ وَفِي الْأُخْرَى ذَهَبٌ فَقَالَ: " هَذَانِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حَلَالٌ لِإِنَاثِهَا ".
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: رَأَى حُلَّةً تُبَاعُ فِي السُّوقِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اشْتَرَيْتَهَا فَلَبِسْتَهَا لِلْجُمْعَةِ وَالْوُفُودِ، فَقَالَ: " هَذَا لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ " وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ " مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ " فَإِذَا ثَبَتَ تَحْرِيمُهُ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ لُبْسِهِ وَافْتِرَاشِهِ.
وَحُكِيَ عَنْ أبي حنيفة جَوَازُ افْتِرَاشِهِ لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْ لُبْسِهِ.
وَهَذَا غَلَطٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " هَذَانِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حَلَالٌ لِإِنَاثِهَا " وَلِأَنَّ فِي افْتِرَاشِهِ مِنَ الْإِسْرَافِ فِي الْخُيَلَاءِ أَكْثَرَ مِمَّا فِي لُبْسِهِ، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ بِالنَّهْيِ أَوْلَى.
(فَصْلٌ)
: فَأَمَّا الثَّوْبُ الْمَنْسُوجُ مِنْ إِبْرَيْسِمٍ وَقُطْنٍ فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْإِبْرَيْسِمُ أَكْثَرَ وَأَغْلَبَ فَلَا يَجُوزُ لُبْسُهُ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْقُطْنُ أَكْثَرَ فَيَجُوزُ لُبْسُهُ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ سَوَاءً فَمَذْهَبُ الْبَغْدَادِيِّينَ مِنْ أصحابنا جواز لبسه مغليا لِحُكْمِ الْإِبَاحَةِ وَمَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ مِنْهُمْ تَحْرِيمُ لُبْسِهِ تعليقا لحكم الحظر وهذا الأصح لأن الإباحة والخطر إذا استويا غلب حكم الخطر فَأَمَّا الْجُبَّةُ الْمَحْشُوَّةُ بِالْخَزِّ وَالْإِبْرَيْسِمِ فَلَا بَأْسَ يَلْبَسُهَا وَلَكِنْ لَوْ كَانَ أَحَدُ جَانِبَيْهَا حَرِيرًا وَالْآخَرُ قُطْنًا لَمْ يَجُزْ لُبْسُهُ سَوَاءٌ كَانَ الحرير ظاهره أو باطنه لأن لَابِسٌ لَهُ.
(فَصْلٌ)
: فَأَمَّا لُبْسُ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ لِمُفَاجَأَةِ الْحَرْبِ أَوْ لِعِلَّةٍ دَاعِيَةٍ إِلَى لُبْسِهِ فَلَا بَأْسَ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أرخص للزبير ابن الْعَوَّامِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي لُبْسِ ذَلِكَ لِعِلَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا.
(فَصْلٌ)
: فَأَمَّا الذَّهَبُ فَمُحَرَّمٌ عَلَى الرِّجَالِ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ خَالِصًا مُنْفَرِدًا أَوْ مَشُوبًا مُخْتَلِطًا بِخِلَافِ الْحَرِيرِ الَّذِيِ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ يَسِيرِهِ إِذَا كَانَ مُسْتَهْلَكًا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الذَّهَبَ يَظْهَرُ قَلِيلُهُ كَظُهُورِ كَثِيرِهِ يَغْلِبُ لَوْنُهُ عَلَى لَوْنِ مَا اخْتَلَطَ بِهِ وَالْإِبْرَيْسِمُ بِخِلَافِهِ فَإِنْ طُلِيَ الذَّهَبُ بِغَيْرِهِ حَتَّى لَمْ يَظْهَرْ أَوْ صَدِيَ حَتَّى خَفِيَ لَوْنُهُ جَازَ لُبْسُهُ كَالْقَزِّ إِذَا كَانَ حَشْوَ الْجُبَّةِ.
فَإِنِ اسْتُعْمِلَ الذَّهَبُ لِضَرُورَةٍ دَاعِيَةٍ جَازَ وَلَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ، لِرِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن طرفة أن عرفجة بن أسعد أُصِيبَتْ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكُلَابِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ وَرِقٍ فَأَنْتَنَ عَلَيْهِ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنْ يَتَّخِذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ وَرُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ شَدَّ أَسْنَانَهُ بِالذَّهَبِ قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَا أَكْرَهُ اللُّؤْلُؤَ إِلَّا لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ الْأَدَبِ وَأَنَّهُ مِنْ زِيِّ النِّسَاءِ وَلَا أَكْرَهُ الْيَاقُوتَ وَالزَّبَرْجَدَ.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَا أَكْرَهُ لِمَنْ كَانَ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ فِي الْحَرْبِ بَلَاءً أَنْ يُعَلَّمَ وَلَا أَنْ يَرْكَبَ الْأَبْلَقَ قَدْ أَعْلَمَ حَمْزَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ بَدْرٍ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ وَلَا بَأْسَ بِمَنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ بَأْسًا وَإِقْدَامًا أَنْ يُشْهِرَ نَفْسَهُ
بِالْأَعْلَامِ وَرُكُوبِ الْأَبْلَقِ، لِمَا رُوِّينَا أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَعْلَمَ بِرِيشِ نَعَامَةٍ يَوْمَ بَدْرٍ غَرَزَهَا فِي صَدْرِهِ، وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا دُجَانَةَ كَانَ يُعَلَّمُ بِعِصَابَةٍ حَمْرَاءَ.
وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا مِحْجَنٍ كَانَ يَرْكَبُ الْأَبْلَقَ، وَرُوِيَ أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كان يعلم بذاؤبة مُلَوَّنَةٍ، فَأَمَّا مَنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ الْإِحْجَامَ عَنْ لِقَاءِ عَدُّوِهِ فَيُكْرَهُ لَهُ الْأَعْلَامُ خَوْفًا من هزيمة المسلمين.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَا أَكْرَهُ الْبِرَازَ قَدْ بَارَزَ عُبَيْدَةُ وَحَمْزَةُ وعلي بأمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ أَمَّا إِذَا اسْتَدْعَى الْمُشْرِكُ الْبِرَازَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُبَارِزَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ قُوَّةً عَلَيْهِ قَدْ بَرَزَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ الْجُمَحِيُّ يَوْمَ أُحُدٍ وَقَالَ: لِيَبْرُزْ إِلَيَّ مُحَمَّدٌ فَإِنِّي قَدْ حَلَفْتُ أَنْ أَقْتُلَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " بَلْ أَنَا أَقْتُلُكَ " وَبَرَزَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إليه فرماه بحرية فِي صَدْرِهِ فَخَدَشَهُ بِهَا فَمَاتَ مِنْهَا، فَقِيلَ لَهُ وَهُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ أَيَقْتُلُكَ بِمِثْلِ هَذَا الْخَدْشِ فَقَالَ - وَاللَّهِ لَوْ تَفَلَ عَلَيَّ لَقَتَلَنِي.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى) {الأنفال: 17) وَرُوِيَ أَنَّ عُتْبَةَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ وَشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ اسْتَدْعَيَا الْبِرَازَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَبَرَزَ إِلَيْهِمْ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتُمْ، فَقَالُوا: الْأَنْصَارُ قَالُوا: مَا نُعْدِيكُمْ، لِيَقُمْ إِلَيْنَا أَكْفَاؤُنَا، فَبَرَزَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِلَى عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ فَقَتَلَهُ، وَبَرَزَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ فَقَتَلَهُ.
وبرز عبيد بْنُ الْحَارِثِ إِلَى شَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ فَقَتَلَهُ، وَقَطَعَ شَيْبَةُ رِجْلَ عُبَيْدَةَ وَخَلَصَ حَيَّا فَمَاتَ بِالصَّفْرَاءِ بَيْنَ بَدْرٍ وَالْمَدِينَةِ وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ بَارَزَ عَمْرَو بْنَ وُدٍّ الْعَامِرِيَّ بِيَوْمِ الْأَحْزَابِ فَقَتَلَهُ وَقَدْ كَانَ أَكْثَرُ قِتَالِ الْأَنْصَارِ فُرْسَانًا وَرَجَّالَةً وأما إذا بدا الرجل
الْمُسْلِمُ فَاسْتَدْعَى الْبِرَازَ فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قال لا تبرزن محمدا ولا تَدْعُوَنَّ إِلَى الْبِرَازِ، فَإِنْ دُعِيتَ فَأَجِبْ فَإِنَّ الداعي باغ والباغي بمصروع.
وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَكْرَهْهُ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنْ يَكُونَ مُعَرِّضًا نَفْسَهُ لِلشَّهَادَةِ، وَذَلِكَ مُبَاحٌ، قَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حَثَّ عَلَى الْقِتَالِ يَوْمًا وَشَوَّقَ إِلَى الْجَنَّةِ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَنَا خَرَجْتُ فَقَاتَلْتُ حَتَّى أُقْتَلَ صَابِرًا مُحْتَسِبًا أَيَحْجِزُنِي عَنِ الْجَنَّةِ شَيْءٌ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَا إِلَّا الدَّيْنَ قَالَ: فَخَرَجَ فَانْغَمَسَ فِي الْعَدُوِّ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ.
وَحُكِيَ عَنْ أبي حنيفة: أَنَّهُ كَرِهَ الْبِرَازَ دَاعِيًا وَمُجِيبًا.
(مَسْأَلَةٌ)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " ويلبس فَرَسَهُ وَأَدَاتَهُ جِلْدَ مَا سِوَى الْكَلْبِ وَالْخَنْزِيرِ من جلد قرد وقيل وأسد ونحو ذلك لأنه جنة للفرس ولا تعبد على الفرس ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْجُلُودُ الطَّاهِرَةُ الذَّكِيَّةُ وَالْمَدْبُوغَةُ فَلَا بَأْسَ بِلُبْسِهَا، وَالصَّلَاةِ فِيهَا وَعَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ لُبْسُ غَيْرِ الْجُلُودِ أَوْلَى، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَدْ أَمَرَ بِنَزْعِ الْخِفَافِ وَالْفِرَاءِ عَنْ شُهَدَاءِ أُحُدٍ فَأَمَّا الْجُلُودُ النَّجِسَةُ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ الطَّاهِرَةِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَجْعَلَهَا جُنَّةً لِفَرَسِهِ، وَآلَةً لِسِلَاحِهِ، لِأَنَّهُ لَا تَعَبُّدَ عَلَى فَرَسٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَلْبَسَهَا، لَكِنْ لَا يُصَلِّي فِيهَا.
لِأَنَّ تَوَقِّيَ النَّجَاسَةِ إِنَّمَا يَجِبُ لِلصَّلَاةِ، فَأَمَّا جِلْدُ مَا كَانَ نَجِسًا فِي حَيَاتِهِ كَالْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَمَا تَوَلَّدَ بَيْنَهُمَا فَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ بِحَالٍ لَا فِي آلَةِ السِّلَاحِ وَلَا فِي جُنَّةِ فَرَسٍ، لِأَنَّ الْكَلْبَ وَالْخِنْزِيرَ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِمَا بِحَالٍ، إِلَّا مَا خُصَّ بِهِ الْكَلْبُ مِنْ جَوَازِ الِانْتِفَاعِ حَيًّا فِي الصَّيْدِ، وَالْمَاشِيَةِ، فَكَانَ بَاقِي الِانْتِفَاعِ بِهِ عَلَى جُمْلَةِ التَّحْرِيمِ ".
(باب صلاة العيدين)
قال الشافعي رضي الله عنه: " ومن وجب عليه حضور الجمعة وجب عليه حُضُورُ الْعِيدَيْنِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْأَصْلُ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ قَوْله تَعَالَى
: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (الكوثر: 25) قِيلَ فِي التَّفْسِيرِ إِنَّهَا صَلَاةُ الْعِيدِ، رَوَى حَمَّادٌ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قدم المدينة وللأنصار يوما يَلْعَبُونَ فِيهِمَا فَقَالَ مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ فَقَالُوا يَوْمَانِ كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا الْعِيْدَيْنِ الْفِطْرَ وَالْأَضْحَى " وَرُوِيَ أَنَّ أَوَّلَ عِيدٍ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - صَلَاةُ الْعِيدِ يَوْمَ الْفِطْرِ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ وَفِيهَا فُرِضَتْ زَكَاةُ الْفِطْرِ، وَسُمِّيَ عِيدًا لِأَنَّهُ يَعُودُ فِي كُلِّ سَنَةٍ، وَقِيلَ بَلْ سُمِّيَ عِيدًا لِأَنَّ السُّرُورَ يَعُودُ فِيهِ إليهم.
(فَصْلٌ)
: لَا يَخْتَلِفُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَسَائِرِ أَصْحَابِهِ أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ لَيْسَتْ مِنْ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ، وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا هَلْ هِيَ سُنَّةٌ أَوْ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ.
فَذَهَبَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ إِلَى أنها مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، لِأَنَّهَا مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ، فَاقْتَضَى أَنْ تَكُونَ فَرْضًا عَلَى الْكِفَايَةِ ك (الجهاد) فَعَلَى هَذَا لَوِ اجْتَمَعَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِهَا قَاتَلَهُمُ الْإِمَامُ حَتَّى يُقِيمَهَا مَنْ يَسْقُطُ الْفَرْضُ بِإِقَامَتِهِ.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَهُوَ أَشْبَهُ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، إِنَّهَا سُنَّةٌ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " لَا فَرْضَ إِلَّا الْخَمْسَ " فَعَلَى هَذَا لَوِ اجْتَمَعَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِهَا، لَمْ يَجُزْ قِتَالُهُمْ وَعُنِّفُوا عَلَى تَرْكِهَا تَعْنِيفًا بَلِيغًا، وَقِيلَ بَلْ يُقَاتِلُهُمْ، لِاسْتِخْفَافِهِمْ بِالدِّينِ.
فَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ " ومن وجب عليه حضور الجمعة وجب عليه حُضُورُ الْعِيدَيْنِ " هَذَا نَقْلُ الْمُزَنِيِّ فِي الْقَدِيمِ فِي كِتَابِ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ، وَفِيهِ لِأَصْحَابِنَا تَأْوِيلَانِ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي الصَّلَاةِ:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق، من وَجَبَ عَلَيْهِ حُضُورُ الْجُمْعَةِ فَرْضًا وَجَبَ عَلَيْهِ حُضُورُ الْعِيدَيْنِ نَدْبًا.
وَالثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حُضُورُ الْجُمْعَةِ فِي عَيْنِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ حُضُورُ الْعِيدَيْنِ فِي جُمْلَةِ غَيْرِهِ.
(فَصْلٌ)
: لَا يَخْتَلِفُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ كُلَّ مَنْ لَزِمَتْهُ الْجُمْعَةُ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ، إِمَّا نَدْبًا أَوْ عَلَى الْكِفَايَةِ، فَأَمَّا مَنْ لَا تَلْزَمُهُ الْجُمْعَةُ مِنَ الْعَبِيدِ وَالنِّسَاءِ وَالْمُسَافِرِينَ وَالْمَعْذُورِينَ فَهَلْ هُمْ مَأْمُورُونَ بِصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْقَدِيمِ فِي كِتَابِ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ، أَنَّهُمْ غَيْرُ مَأْمُورِينَ بِهَا، وَكُلُّ مَوْضِعٍ تُصَلَّى فِيهِ الْجُمْعَةُ يُصَلَّى فِيهِ الْعِيدَانِ، وَمَا لَا تُصَلَّى فِيهِ الْجُمْعَةُ لَا يُصَلَّى فِيهِ الْعِيدَانِ، لِأَنَّ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ثُمَّ الْأَئِمَّةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - بَعْدَهُ حَضَرُوا منى فلم يروا أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ صَلَّى الْعِيدَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الْجُمْعَةِ فِي سُقُوطِهَا عَنِ الْمُسَافِرِ وَالْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ وَالْمُنْفَرِدِ، وَإِنَّ مَنْ أَحَبَّ مِنْهُمْ أَنْ يَتَطَوَّعَ مُنْفَرِدًا صَلَّاهَا كَسَائِرِ النَّوَافِلِ بِلَا تَكْبِيرٍ زَائِدٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: نَصَّ عَلَيْهِ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ مِنَ الْجَدِيدِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، أَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِهَا، لِعُمُومِ أَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَلِذَلِكَ مَا ارْتَادَ لَهَا مَكَانًا وَاسِعًا، لِأَنَّهَا يَحْضُرُهَا مَنْ لَا يَحْضُرُ الْجُمْعَةَ، فَمَنْ صَلَّى مِنْهُمْ مُنْفَرِدًا صَلَّى كَصَلَاةِ الْإِمَامِ بِتَكْبِيرٍ زَائِدٍ، فأما تركه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ذَلِكَ بِمِنًى فَلِانْعِكَافِهِ عَلَى الْحَجِّ وَاشْتِغَالِهِ بِهِ لا لكونه مسافرا.
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَأُحِبُّ الْغُسْلَ بَعْدَ الْفَجْرِ لِلْغُدُوِّ إِلَى الْمُصَلَّى فَإِنْ تَرَكَ الْغُسْلَ تَارِكٌ أَجْزَأَهُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا غُسْلُ الْعِيدَيْنِ فَسُنَّةٌ مُخْتَارَةٌ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي جُمْعَةٍ مِنَ الْجُمَعِ " إِنَّ هَذَا يَوْمٌ جعله الله تعالى عيدا فَاغْتَسِلُوا " فَنَبَّهَ عَلَى غُسْلِ الْعِيدِ لِتَشْبِيهِهِ بِهِ وَيُخْتَارُ أَنْ يَغْتَسِلَ بَعْدَ الْفَجْرِ الثَّانِي، فَإِنِ اغْتَسَلَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ لا يجزئه كَالْجُمْعَةِ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ يُجْزِئُهُ بِخِلَافِ الْجُمْعَةِ.
لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْبُكُورِ بَعْدَ الْغُسْلِ، وَلَا يُمْكِنُ الْبُكُورُ غَالِبًا عَلَى هَذِهِ الْحَالِ إِلَّا بِتَقَدُّمِ الْغُسْلِ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَلِأَنَّ وَقْتَ الْعِيدِ يَضِيقُ عَلَى الْمُتَأَهِّبِ لِلصَّلَاةِ بَعْدَ الفجر، فجاز تقدمه قبله.
(باب القول في تكبير العيدين وإظهاره)
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَأُحِبُّ إِظْهَارَ التَّكْبِيرِ جَمَاعَةً وَفُرَادَى فِي لَيْلَةِ الفطر وليلة النحر مقيمين وسفرا في منازلهم ومساجدهم وأسواقهم ويغدون إذا صلوا الصبح ليأخذوا مجالسهم وينتظرون الصلاة ويكبرون بعد الغدو حتى يخرج الإمام إلى الصلاة وقال في غير هذا الكتاب حتى يفتتح الإمام الصلاة (قال المزني) هذا أقيس لأن من لم يكن في صلاة ولم يحرم إمامه ولم يخطب فجائز أن يتكلم واحتج بقول الله تعالى في شهر رمضان ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ وعن ابن المسيب وعروة وأبي سلمة وأبي بكر يكبرون ليلة الفطر في المسجد يجهرون بالتكبير وشبه ليلة النحر بها إلا من كان حاجا فذكره التلبية} .
قال المارودي: وَهَذَا كَمَا قَالَ أَمَّا التَّكْبِيرُ فِي لَيْلَةِ النَّحْرِ فَسُنَّةٌ إِجْمَاعًا، فَأَمَّا فِي لَيْلَةِ الْفِطْرِ، وَيَوْمِ الْفِطْرِ، فَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ سُنَّةٌ أَيْضًا، وَحُكِيَ عَنْ أُبَيٍّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ كَبَّرَ يَوْمَ الْفِطْرِ، فَقَالَ كَبَّرَ إِمَامُهُ قِيلَ لَا، قَالَ ذَاكَ رَجُلٌ أَحْمَقُ وَحُكِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ التَّكْبِيرُ يَوْمَ الْعِيدِ مِنْ عمل الحركة.
وَالدَّلَالَةُ عَلَى ذَلِكَ رِوَايَةُ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى دَافِعًا صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ، فَإِذَا صَحَّ أَنَّ التَّكْبِيرَ يَوْمَ الْفِطْرِ سُنَّةٌ فَابْتِدَاؤُهُ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَةِ شَوَّالٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ يَبْتَدِي بِالتَّكْبِيرِ يَوْمَ الْعِيدِ.
وَالدَّلَالَةُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَاهُ، قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: 185] فَأَمَرَ بِالتَّكْبِيرِ بَعْدَ إِكْمَالِ الصَّوْمِ، وَذَلِكَ لِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَةِ شَوَّالٍ، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أَوَّلَ زَمَانِ التَّكْبِيرِ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ سُنَّةٌ فِي الْعِيدَيْنِ من غروب
الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَتِهِمَا فَقَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ أَيُّ الْعِيدَيْنِ أَوْكَدُ فِي التَّكْبِيرِ، فَقَالَ فِي الْقَدِيمِ: لَيْلَةُ النَّحْرِ أَوْكَدُ، لِإِجْمَاعِ السَّلَفِ عَلَيْهَا، وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ: لَيْلَةُ الْفِطْرِ أَوْكَدُ لِوُرُودِ النَّصِّ فِيهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: 185] .
(فَصْلٌ)
: فأما هذا التكبير، فقد قال الشافعي ها هنا فِي الْأُمِّ إِلَى أَنْ يَخْرُجَ الْإِمَامُ، وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ إِلَى انْصِرَافِ الْإِمَامِ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إِلَى أَنْ يَفْتَتِحَ الْإِمَامُ الصَّلَاةَ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فَكَانَ بَعْضُهُمْ يُخَرِّجُ ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقَاوِيلَ:
أَحَدُهَا: إِلَى أَنْ يَخْرُجَ الْإِمَامُ، لِأَنَّهُ زَمَانُ التَّأَهُّبِ لِلصَّلَاةِ.
وَالثَّانِي: إِلَى إِحْرَامِ الْإِمَامِ، لِأَنَّ الْكَلَامَ لَا يَحْرُمُ قَبْلَ إِحْرَامِهِ، فَكَانَ الِاشْتِغَالُ بِالتَّكْبِيرِ أَوْلَى.
وَالثَّالِثُ: إِلَى انْصِرَافِ الْإِمَامِ، لِأَنَّ حُكْمَ الْعِيدِ يَنْقَضِي بِفَرَاغِهِ مِنَ الصَّلَاةِ وَقَالَ آخَرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا: إِنَّ كُلَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ وَلَيْسَ بِاخْتِلَافِ أَقَاوِيلَ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ أَنَّهُمْ يُكَبِّرُونَ مَا لَمْ يَتَعَلَّقُوا بِالصَّلَاةِ، فَتَارَةً عَبَّرَ عَنْهُ بِالْإِحْرَامِ، وَتَارَةً عَبَّرَ عَنْهُ بِخُرُوجِ الْإِمَامِ لِأَنَّ خُرُوجَهُ يُوجِبُ الْإِحْرَامَ وَتَارَةً عَبَّرَ عَنْهُ بِانْصِرَافِ الْإِمَامِ، لِأَنَّ انْصِرَافَهُ يَتَعَقَّبُ الْإِحْرَامَ.
(فَصْلٌ)
: التَّكْبِيرُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مُطْلَقٌ وَمُقَيَّدٌ.
فَالْمُقَيَّدُ: مَا انْتُظِرَ بِهِ أَدْبَارُ الصَّلَوَاتِ.
وَالْمُطْلَقُ: مَا لَمْ يُنْتَظَرْ بِهِ حَالٌ دُونَ حَالٍ، فَالتَّكْبِيرُ الْمُقَيَّدُ بِالصَّلَوَاتِ مَسْنُونٌ فِي عِيدِ الْأَضْحَى وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ عَلَى مَا سَيَأْتِي، وَتَكْبِيرُ لَيْلَةِ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى مُطْلَقٌ غَيْرُ مُقَيَّدٍ، فَيُكَبِّرُ فِي الْأَحْوَالِ قَائِمًا وَقَاعِدًا أَوْ مَاشِيًا وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ تَكْبِيرَ لَيْلَتَيِ الْعِيدَيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِالزَّمَانِ، فَلَمْ يُخْتَصَّ بِهِ بَعْضُهُ دُونَ بَعْضٍ، وَتَكْبِيرُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ مُتَعَلِّقٌ بِالصَّلَوَاتِ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ لِغَيْرِهَا، فَإِنْ كَبَّرَ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ تَكْبِيرًا مُطْلَقًا جَازَ، وَإِنْ كَبَّرَ فِي لَيْلَتَيِ الْعِيدَيْنِ تَكْبِيرًا مُقَيَّدًا، فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أحدهما: أن يكون مضيا لِلسُّنَّةِ قِيَاسًا عَلَى يَوْمِ النَّحْرِ، وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ مُمْتَثِلًا لِمَا أمر به من سنة التكبير.
(فصل: القول في رفع الصوت بالتكبير)
وَيُخْتَارُ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ كَمَا يَرْفَعُ الْحَاجُّ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ، وَيُخْتَارُ لَهُ الْإِكْثَارُ مِنَ الْقُرَبِ وَأَعْمَالِ الْبِرِّ لَيْلَتَيِ الْعِيدَيْنِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ إِمَّا مُسْنَدًا أَوْ مَوْقُوفًا، أنه قال:
" مَنْ قَامَ لَيْلَتَيِ الْعِيدَيْنِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ حِينَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ " وَرُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ عَصَى اللَّهَ فِي لَيْلَةِ عِيدٍ فَكَأَنَّمَا عَصَاهُ فِي لَيْلَةِ الْوَعِيدِ وَمَنْ عَصَاهُ وَهُوَ يَضْحَكُ دَخَلَ النَّارَ وَهُوَ يَبْكِي " وَيُخْتَارُ لَهُ الْبُكُورُ إِلَى الْمُصَلَّى لِيَحُوزَ فَضِيلَةَ السَّبْقِ، وَلِيَرْتَادَ أَشْرَفَ الْبِقَاعِ، وَأَقْرَبَهَا إِلَى الْإِمَامِ.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَأُحِبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِمْ حَيْثُ هُوَ أَرْفَقُ بِهِمْ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ لِأَنَّ الْإِمَامَ رَاعٍ عَلَيْهِمْ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ العيد به فِي أَرْفَقِ الْمَوَاضِعِ بِهِمْ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَخْلُو حَالُ الْبَلَدِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ.
إِمَّا أَنْ يَكُونَ وَاسِعَ الْمَسْجِدِ يَسَعُ جَمِيعَ أَهْلِهِ وَالصَّلَاةَ فِيهِ، مِثْلَ مَكَّةَ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ فَالْأَوْلَى أَنْ يُصَلِّيَ الْإِمَامُ بِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ، لِأَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَإِلَى الْيَوْمِ يُصَلُّونَ الْعِيدَ فِي مَسْجِدِهِمْ، وَلِأَنَّ الْمَسْجِدَ أَفْضَلُ مِنَ الصَّحْرَاءِ وَلِذَلِكَ أُمِرَ بِتَحِيَّتِهِ، وَلِأَنَّهُ أَصْوَنُ مِنَ الْأَنْجَاسِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي مِنَ البلاد ما اتسعت وضاق سجاها عَنْ سَعَةِ جَمِيعِهِمْ، فَهَذَا الْأَوْلَى بِالْإِمَامِ أَنْ يصلي بهم العيد في جنايه وَمُصَلَّاهُ، وَيَسْتَخْلِفُ فِي الْمَسْجِدِ مَنْ يُصَلِّي بِضَعَفَةِ النَّاسِ، وَقَدْ رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ يُصَلِّي الْفِطْرَ وَالْأَضْحَى فِي الصَّحْرَاءِ طَلَبًا لِلسِّعَةِ وَقَدْ صَارَ مُصَلَّى الْمَدِينَةِ الْيَوْمَ دَاخِلَ البلد، لأن العمارة زادت واتصلت حتى غيرت الْجِبَالَ فَصَارَ مُصَلَّاهُمُ الْيَوْمَ فِي وَسَطِهِ عِنْدَ رَحْبَةِ دَارِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَإِنْ لَمْ يَقْدِرِ الْإِمَامُ عَلَى الْخُرُوجِ إِلَى الْمُصَلَّى لِعُذْرٍ مِنْ مَطَرٍ أَوْ ربح صَلَّى بِالنَّاسِ فِي الْمَسْجِدِ، رُوِيَ أَنَّ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَلَّى الْفِطْرَ فِي مَسْجِدٍ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ حَدِّثِ النَّاسَ بِمَا حَدَّثْتَنِي بِهِ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: صَلَّى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْفِطْرَ فِي الْمَسْجِدِ في يوم مطير.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَأَنْ يَمْشِيَ إِلَى الْمُصَلَّى وَيَلْبَسَ عِمَامَةً وَيَمْشِي
النَّاسُ وَيَلْبَسُونَ الْعَمَائِمَ وَيَمَسُّونَ مِنْ طِيبِهِمْ قَبْلَ أن يغدوا وَرَوَى الزُّهْرِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَا رَكِبَ فِي عِيدٍ وَلَا جِنَازَةٍ قَطُّ (قال الشافعي) وأحب ذلك إلا أن يضعف فيركب ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ قَصَدَ الْمُصَلَّى لِصَلَاةِ الْعِيدِ، أَنْ يَكُونَ مَاشِيًا لَا رَاكِبًا، لِرِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ قَالَ مَا رَكِبَ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - في عيد ولا جنازة قط، ولأنه إذا مشى قصرت خطاه فكثر ثوابه، ولأن لا يُؤْذِيَ بِرُكُوبِهِ مَنْ جَاوَرَهُ أَوْ خَالَطَهُ، إِلَّا أَنْ يَضْعُفَ عَنِ الْمَشْيِ لِمَرَضِهِ أَوْ لِطُولِ طَرِيقِهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَرْكَبَ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْبَلَدُ ثَغْرًا لِأَهْلِ الْجِهَادِ يَقْرُبُ مِنْ بَلَدِ الْعَدُوِّ فَرُكُوبُهُمْ وَإِظْهَارُ زِيِّهِمْ وَسِلَاحِهِمْ أَوْلَى، لِمَا فِيهِ مِنْ إِعْزَازِ الدِّينِ وَتَحْصِينِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَمَّا الرَّاجِعُ إِلَى مَنْزِلِهِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الصَّلَاةِ فَإِنْ شَاءَ رَكِبَ وَإِنْ شَاءَ مَشَى.
(فَصْلٌ)
: الْمُخْتَارُ لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْيَوْمِ مِنَ الزِّينَةِ، وَحُسْنِ الْهَيْئَةِ وَلُبْسِ الْعَمَائِمِ، وَاسْتِعْمَالِ الطِّيبِ وَتَنْظِيفِ الْجَسَدِ، وَأَخْذِ الشَّعْرِ وَاسْتِحْسَانِ الثِّيَابِ، وَلُبْسِ الْبَيَاضِ مَا يَخْتَارُهُ فِي يَوْمِ الْجُمْعَةِ وَأَفْضَلُ، لِأَنَّهُ يَوْمُ زِينَةٍ، وَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ فِي جُمْعَةٍ مِنَ الْجُمَعِ " إِنَّ هَذَا يَوْمٌ جَعَلَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عِيدًا لَكُمْ فَاغْتَسِلُوا " فَلَمَّا أُمِرَ بِذَلِكَ فِي الْجُمْعَةِ تَشْبِيهًا بِالْعِيدِ كَانَ فِعْلُهُ فِي الْعِيدِ أَوْلَى.
(مَسْأَلَةٌ: الْقَوْلُ في وقت العيد)
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَأُحِبُّ أَنْ يَكُونَ خُرُوجُ الْإِمَامِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُوَافِي فِيهِ الصَّلَاةَ وَذَلِكَ حِينَ تَبْرُزُ الشَّمْسُ وَيُؤَخَّرُ الْخُرُوجُ فِي الْفِطْرِ عَنْ ذَلِكَ قليلا وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَتَبَ إِلَى عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ " أَنْ عَجِّلِ الأضحى وأخر الفطر وذكر الناس " وروي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كان يلبس برد حبرة ويعتم في كل عيد ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ أَدَاءُ صَلَاةِ الْعِيدِ هُوَ إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَتَمَامُ طُلُوعِهَا فَذَلِكَ أَوَّلُ وَقْتِهَا، وَآخِرُهُ إِلَى زَوَالِ الشَّمْسِ، وَمَا بَعْدَ الزَّوَالِ لَيْسَ بِوَقْتٍ لَهَا، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ يُصَلِّي الْعِيدَ وَالشَّمْسُ عَلَى أَطْرَافِ الْجِبَالِ كَالْعَمَائِمِ عَلَى رُءُوسِ الرِّجَالِ.
وَرُوِيَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - صَلَّاهَا وَالشَّمْسُ قِيدَ رُمْحٍ وَرُوِيَ قِيدَ رُمْحَيْنِ فَإِنْ صَلَّاهَا مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ سَوَاءً لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّهُ وَقْتٌ نُهِيَ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَأَمَّا الْوَقْتُ الَّذِي يُخْتَارُ فِيهِ
الْبُكُورُ إِلَى الْمُصَلَّى فَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الصُّبْحِ إِلَى أَنْ يَكُونَ إِمَامًا، فَيَأْتِي الْمُصَلَّى فِي الْوَقْتِ الَّذِي تُقَامُ فِيهِ الصَّلَاةُ.
(فَصْلٌ)
: يُخْتَارُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُعَجِّلَ صَلَاةَ الْأَضْحَى وَيُؤَخِّرَ صَلَاةَ الْفِطْرِ عَنْهَا قَلِيلًا، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَتَبَ إِلَى عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ " أَنْ عَجِّلِ الْأَضْحَى وَأَخِّرِ الْفِطْرَ وَذَكِّرِ النَّاسَ "، وَلِأَنَّ النَّاسَ فِي الْفِطْرِ قَدْ أُمِرُوا بِتَفْرِيقِ زَكَاتِهِمْ قَبْلَ صَلَاتِهِمْ فَوَسَّعَ لَهُمْ فِي زَمَانِهَا لِاشْتِغَالِهِمْ وَأُمِرُوا فِي الْأَضْحَى بِالْمُبَادَرَةِ إِلَى نَحْرِ أَضَاحِيِّهِمْ فَقَدَّمَ فعلها لإعجالهم.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " ويطعم يوم الفطر قبل الغدو وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه كان يطعم قبل الخروج إلى الجبان يوم الفطر ويأمر به وعن ابن المسيب قال كان المسلمون يأكلون يوم الفطر قبل الصلاة ولا يفعلون ذلك يوم النحر وروي عن أبن عمر أنه كان يغدو إلى المصلى في يوم الفطر إذا طلعت الشمس فيكبر حتى يأتي المصلى فيكبر بالمصلى حتى إذا جلس الإمام على المنبر ترك التكبير وعن عروة وأبي سلمة أنهما كانا يجهران بالتكبير حين يغدوان إلى المصلى (قال) وأحب أن يلبس أحسن مَا يَجِدُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَطْعَمَ النَّاسُ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ صَلَاتِهِمْ، وَلَا يَطْعَمُونَ فِي الْأَضْحَى إِلَّا بَعْدَ فَرَاغِهِمْ، لِرِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ يَطْعَمُ فِي الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَفِي الْأَضْحَى إِذَا انْصَرَفَ مِنَ الصَّلَاةِ وَرَوَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كان يأكل الْفِطْرِ قَبْلَ خُرُوجِهِ إِلَى الصَّلَاةِ تَمَرَاتٍ ثَلَاثًا خَمْسًا سَبْعًا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْأَكْلَ قَبْلَ يَوْمِ الْفِطْرِ كَانَ مُحَرَّمًا فَاسْتُحِبَّ الْأَكْلُ فِيهِ قَبْلَ الصَّلَاةِ لِيُعْلَمَ زَوَالُ التَّحْرِيمِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي الْأَضْحَى.
الثاني: أَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ تَفْرِقَةُ الْأَضْحَى بَعْدَ الصَّلَاةِ كَانَتْ السُّنَّةُ فِي الْأَكْلِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَلَمَّا كَانَتْ تَفْرِقَةُ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ كَانَتِ السُّنَّةُ فِي الْأَكْلِ قَبْلَ الصَّلَاةِ لِيُسَاوِيَ الْفُقَرَاءَ فِي أَكْلِهِمْ مِمَّا وَصَلَ إِلَيْهِمْ فِي يَوْمِهِمْ.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " فَإِذَا بَلَغَ الْإِمَامُ الْمُصَلَّى نُودِيَ الصَّلَاةَ جَامِعَةً بِلَا أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ لَيْسَ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يُؤَذَّنَ لِصَلَاةِ الْعِيدِ، وَلَا أَنْ يُقَامَ لَهَا وَإِنَّمَا يُنَادَى لَهَا الصَّلَاةَ جَامِعَةً أَوْ الصَّلَاةَ رَحِمَكُمُ اللَّهُ، لِرِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ يُصَلِّي صَلَاةَ الْعِيدِ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ وَكَذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَرَوَى الزُّهْرِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كان يأمر أن ينادى للعبد وَالِاسْتِسْقَاءِ الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الْوُلَاةِ أَحْدَثَ الْأَذَانَ لِصَلَاةِ الْعِيدِ، فَرَوَى أَبُو قِلَابَةَ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ أَذَّنَ لَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ أَذَّنَ لَهَا مُعَاوِيَةُ، وَخَطَبَ لَهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ وَكَانَ مَرْوَانُ مِنْ قِبَلِهِ عَلَى الْمَدِينَةِ فَقَامَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ إِلَى مَرْوَانَ وَقَالَ لَقَدْ أَدْرَكْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يُصَلُّونَ الْعِيدَ بِلَا أَذَانٍ، وَلَا إِقَامَةٍ وَيَخْطُبُونَ بَعْدَ الصَّلَاةِ، قَالَ تِلْكَ سُنَّةٌ مَتْرُوكَةٌ، فَقَامَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ فَقَالَ: أَمَّا هَذَا فَقَدَ أَدَّى مَا عَلَيْهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُولُ: أَنْكِرِ الْمُنْكَرَ بِيَدِكَ فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِكَ فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِكَ وَذَلِكَ لَضَعْفُ الْإِيْمَانِ ثُمَّ جَرَى عَلَيْهِ بَنُو أُمَيَّةَ أَيَّامَ مُلْكِهِمْ إِلَى أَنْ وَلِيَ بَنُو الْعَبَّاسِ، وَرَدُّوا الْأَمْرَ إِلَى حَالِهِ، وَهُوَ الْيَوْمَ سِيرَةُ الْأَنْدَلُسِ وَبِلَادِ الْمَغْرِبِ مِنْ أَعْمَالِ بَنِي أُمَيَّةَ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ فَإِنْ قَالَ هَلُمُّوا إِلَى الصَّلَاةِ، أَوْ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، أَوْ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ كرهنا ذلك وأجزأه.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " ثم يحرم بِالتَّكْبِيرِ، فَيَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ ثُمَّ يُكَبِّرُ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ، سِوَى تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا صَلَاةُ الْعِيدِ فَرَكْعَتَانِ إِجْمَاعًا، وَيَتَضَمَّنُ تَكْبِيرًا زَائِدًا قَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي عَدَدِهِ فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ التَّكْبِيرَ الزَّائِدَ فِيهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ تَكْبِيرَةً، سَبْعٌ فِي الْأُولَى سِوَى الْإِحْرَامِ وَخَمْسٌ فِي الثَّانِيَةِ سِوَى الْإِحْرَامِ وَكُلُّ التَّكْبِيرِ مِنْ قَبْلِ الْقِرَاءَةِ وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: التَّكْبِيرُ الزَّائِدُ إِحْدَى عَشْرَةَ سِتٌّ فِي الْأُولَى وَخَمْسٌ فِي الثَّانِيَةِ.
وَقَالَ أبو حنيفة: يُزَادُ فِي الْأُولَى ثَلَاثُ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ وَيُزَادُ فِي الثَّانِيَةِ ثَلَاثًا بَعْدَ الْقِرَاءَةِ اسْتِدْلَالًا بِخَبَرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَا رُوِيَ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ سَأَلَ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ وَأَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ تَكْبِيرِ الْعِيدَيْنِ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى كَبَّرَ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الْعِيْدِ أَرْبَعًا، كَتَكْبِيرِ الْجِنَازَةِ، وَوَالَى بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ، وَكَبَّرَ أَرْبَعًا بِالْبَصْرَةِ حَيْثُ كُنْتُ بِهَا، فَقَالَ حُذَيْفَةُ صَدَقَ.
وَالْخَبَرُ الثَّانِي: مَا رَوَاهُ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَبَّرَ فِي الْعِيدِ أَرْبَعًا وَالْتَفَتَ وَقَالَ أَبْلِغْ كَتَكْبِيرٍ الْجِنَازَةِ.
وَالدَّلَالَةُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ يَقُولُ سَمِعْتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ يَقُولُ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ كَبَّرَ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ، فِي الْأُولَى سَبْعًا سِوَى تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا سِوَى تَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ، وَهَذَا أَصَحُّ إِسْنَادًا وَأَوْثَقُ رِجَالًا، وَأَثْبَتُ لَفْظًا لِأَنَّهُ جَاءَ بِقَوْلِهِ سَمِعْتُ، وَرَوَى الزُّهْرِيِّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ يُكَبِّرُ فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى فِي الْأُولَى سَبْعًا وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مُسْنَدًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: التَّكْبِيرُ فِي الْأُولَى فِي الْفِطْرِ سَبْعًا وَفِي الْآخِرَةِ خَمْسًا كِلْتَاهُمَا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ وَهَذَا نَصٌّ قَدْ رُوِيَ قَوْلًا، وَرَوَى نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَبَّرَ فِي الْأُولَى سَبْعًا وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا، وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَأَنَسٌ وَأَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مِثْلَهُ فَكَانَ مَا رَوَيْنَاهُ أَوْلَى مِنْ وَجْهَيْنِ:
أحدهما: زيادة تكبير.
والثاني: كثرة رواته.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " ويرفع كُلَّمَا كَبَّرَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ وَيَقِفُ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ بِقَدْرِ قِرَاءَةِ آيَةٍ لَا طَوِيلَةٍ وَلَا قَصِيرَةٍ يُهَلِّلُ اللَّهَ وَيُكَبِّرُهُ وَيَحْمَدُهُ وَيُمَجِّدُهُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا أَحْرَمَ لِصَلَاةِ الْعِيدِ نَوَاهَا مَعَ إِحْرَامِهِ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ قَالَ قَبْلَ التَّكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدِ، وجهت وجهي للذي فطر السموات وَالْأَرْضَ ثُمَّ يُكَبِّرُ بَعْدَ ذَلِكَ سَبْعًا ثُمَّ يَتَعَوَّذُ ثُمَّ يَقْرَأُ، وَقَالَ محمد بن الحسن يَأْتِي بِالتَّوَجُّهِ بَعْدَ التَّكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدِ مَعَ الِاسْتِعَاذَةِ، وَقَالَ أبو يوسف يَتَعَوَّذُ قَبْلَ التَّكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدِ مَعَ التَّوَجُّهِ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَقْدِيمِ التَّوَجُّهِ وَتَأْخِيرِ الِاسْتِعَاذَةِ أَوْلَى، لِأَنَّ التَّوَجُّهَ يَتَعَقَّبُ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ وَالتَّعَوُّذَ يَتَعَقَّبُهُ الْقِرَاءَةُ.
(فَصْلٌ)
: وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي التَّكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَقَالَ مَالِكٌ يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ الْإِحْرَامِ وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ الزَّوَائِدِ وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ.
وَدَلِيلُنَا هُوَ أَنَّهَا تَتْبَعُ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ وَيَسْتَوْفِي فِي حَالِ الْقِيَامِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِنْ سُنَنِهَا رَفْعُ الْيَدَيْنِ كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ.
(فَصْلٌ)
: وَيَقِفُ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ بِقَدْرِ قِرَاءَةِ آيَةٍ وَسَطًا، يُهَلِّلُ اللَّهَ تَعَالَى وَيُكَبِّرُهُ وَيُمَجِّدُهُ وَلِيَنْتَهِيَ تَكْبِيرُهُ إِلَى آخِرِ الصُّفُوفِ، وَقَالَ أبو حنيفة، يُكَبِّرُ تِسْعًا مُتَوَالِيَاتٍ، وَقَالَ مَالِكٌ يَقِفُ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ سَاكِنًا، وما ذهبنا إِلَيْهِ أَوْلَى، لِأَنَّهَا تَكْبِيرَاتٌ فِي حَالِ الْقِيَامِ فَوَجَبَ أَنْ يَتَخَلَّلَهَا الذِّكْرُ كَتَكْبِيرَاتِ الْجِنَازَةِ، وَيَضَعَ يُمْنَى يَدَيْهِ عَلَى الْيُسْرَى بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " فَإِذَا فَرَغَ مِنْ سَبْعِ تَكْبِيرَاتٍ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ثُمَّ يَقْرَأُ بِ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ ويجهر بقراءته ثم يركع ويسجد فإذا قام في الثانية كبر خمس تكبيرات سوى تكبيرة القيام من الجلوس ويقف بين كل تكبيرتين كقدر قراءة آية لا طويلة ولا قصيرة كما وصفت فإذا فرغ من خمس تكبيرات قرأ بأم القرآن وب ﴿اقتربت الساعة وانشق القمر﴾ ثم يركع ويسجد ويتشهد ويسلم ولا يقرأ من خلفه وَاحْتَجَّ بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وأبا بكر وعمر كبروا في العيدين سبعا وخمسا وصلوا قبل الخطبة وجهروا بالقراءة وروي أ، النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كان يقرأ في الأضحى والفطر ب ﴿ق والقرآن المجيد﴾ و ﴿اقتربت الساعة وانشق القمر﴾ .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا فَرَغَ مِنَ التَّكْبِيرَاتِ السَّبْعِ اسْتَعَاذَ وَقَرَأَ الْفَاتِحَةَ مُبْتَدِئًا " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " ثُمَّ قَرَأَ بَعْدَهَا سُورَةَ ﴿قَافْ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ فَإِذَا رَكَعَ وَسَجَدَ قام
إلى الثانية فكبر خمسا، وقرأ الفاتحة ﴿واقتربت السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: 1] وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا لَهُ الْقِرَاءَةَ بِهَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَأَلَ أَبَا وَاقِدٍ اللَّيْثِيَّ بِمَاذَا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي صَلَاةِ الْعِيدِ؟ فَقَالَ فِي الْأُولَى بِ ﴿قاف﴾ وفي الثانية ب ﴿اقتربت الساعة﴾ فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: صَدَقْتَ فَلَوْ قرأ في الأولى بسبح وفي الثانية بالغاشية، أَوِ اقْتَصَرَ فِيهِمَا عَلَى الْفَاتِحَةِ أَجْزَأَهُ، وَلَا سُجُودَ لِلسَّهْوِ عَلَيْهِ، وَيَجْهَرُ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ، لِمَا روي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ صَلَاةُ النَّهَارِ عَجْمَاءُ إِلَّا الْجُمُعَةَ وَالْعِيدَيْنِ، فَإِنْ أَسَرَّ فَقَدْ خَالَفَ السُّنَّةَ وَأَجْزَاهُ، وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَعَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يُنْصِتُ مُسْتَمِعًا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ.
(فَصْلٌ)
: فَإِنْ نَسِيَ الْإِمَامُ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدَيْنِ حَتَّى أَخَذَ فِي الْقِرَاءَةِ فَهَلْ يَعُودُ إِلَى التَّكْبِيرِ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْقَدِيمُ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ يَعُودُ فَيُكَبِّرُ، لِأَنَّ الْقِيَامَ مَحَلٌّ لِلتَّكْبِيرِ، فَإِذَا ذَكَرَهُ فِي مَحَلِّهِ فَعَلَيْهِ الْإِتْيَانُ بِهِ فَعَلَى هَذَا إِنْ ذَكَرَ ذَلِكَ قَبْلَ فَرَاغِهِ مِنَ الفاتحة فعاد إِلَى التَّكْبِيرِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْنِفَ الْفَاتِحَةَ بَعْدَ التَّكْبِيرِ وَلَيْسَ لَهُ الْبِنَاءُ عَلَى مَا مَضَى، لِقَطْعِهِ ذَلِكَ بِأَخْذِهِ فِي التَّكْبِيرِ، وَإِنْ ذَكَرَ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُعِيدَ الْقِرَاءَةَ بَعْدَ التَّكْبِيرِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَجَزْأَهُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ الْجَدِيدُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حنيفة يَمْضِي فِي الْقِرَاءَةِ وَلَا يَعُودُ إِلَى التَّكْبِيرِ، لِأَنَّهُ هَيْئَةٌ وَالْهَيْئَاتُ لَا تُقْضَى بَعْدَ فَوَاتِهَا وَلَا سُجُودَ لِلسَّهْوِ فِيهَا.
(فَصْلٌ)
: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَإِذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ وَقَدْ فَاتَهُ بَعْضُ التَّكْبِيرِ كَبَّرَ مَعَهُ مَا بَقِيَ، وَلَمْ يَأْتِ بِمَا فَاتَ، لِأَنَّ اتِّبَاعَ الْإِمَامِ فَرْضٌ وَالتَّكْبِيرَ هَيْئَةٌ مَسْنُونَةٌ، وَالْفَرْضُ لَا يُتْرَكُ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ كَبَّرَ مَعَهُ خَمْسًا، وَإِنْ كَانَتْ أَوَّلِيَّةً لِأَنَّهُ تابع الإمام كَبَّرَ خَمْسًا، فَإِذَا قَامَ لِيَقْضِيَ الرَّكْعَةَ الْفَائِتَةَ كبر خمسا، لأنها ثانية والركعة الثانية من صلاة العيد مضمنة خمس تكبيرات.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " ثُمَّ يَخْطُبُ فَإِذَا ظَهَرَ عَلَى الْمِنْبَرِ يُسَلِّمُ ويرد الناس عَلَيْهِ لِأَنَّ هَذَا يُرْوَى غَالِبًا وَيُنْصِتُونَ وَيَسْتَمِعُونَ مِنْهُ وَيَخْطُبُ قَائِمًا خُطْبَتَيْنِ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا جِلْسَةً خفيفة وأحب أن يعتمد على شيء وأن يثبت يديه وجميع بدنه فإن كان انفطر أمرهم بطاعة الله وحضهم على الصدقة والتقرب إلى الله جل وثناؤه والكف عن معصيته ثم ينزل فينصرف ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ الْخُطَبُ الْمَشْرُوعَةُ عَشْرُ خُطَبٍ: خُطْبَةُ الْجُمْعَةِ، وَالْعِيدَيْنِ، وَالْخُسُوفِ، وَالْكُسُوفِ، وَالِاسْتِسْقَاءِ، وَأَرْبَعُ خُطَبٍ فِي الْحَجِّ يَوْمَ السَّابِعِ، وَيَوْمَ الْعَاشِرِ، وَالثَّانِيَ عَشَرَ، وَهُوَ النَّفْرُ الْأَوَّلُ، ثُمَّ هِيَ نَوْعَانِ نَوْعٌ مِنْهَا يَتَقَدَّمُ الصَّلَاةَ، وَنَوْعٌ يَتَعَقَّبُ الصَّلَاةَ، فَأَمَّا الَّذِي يَتَقَدَّمُ الصَّلَاةَ، فخطبتان الجمعة وعرفة، وأما التي تنعقب الصَّلَاةَ فَالثَّمَانِي الْبَاقِيَةُ، وَمَا يَتَقَدَّمُ الصَّلَاةَ وَاجِبٌ، وَمَا يَتَعَقَّبُهَا سُنَّةٌ، فَإِذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ فَخُطَبُ الْعِيدَيْنِ سُنَّةٌ تُفْعَلُ بَعْدَ الصَّلَاةِ، لِرِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - خَطَبَ لِلْعِيدِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَإِذَا أَرَادَ الْإِمَامُ أَنْ يَخْطُبَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الصَّلَاةِ تَوَجَّهَ إلى منبره فرقأ عَلَيْهِ بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ، فَإِذَا انْتَهَى إِلَى مَوْقِفِهِ اسْتَقْبَلَ النَّاسَ بِوَجْهِهِ وَسَلَّمَ قَائِمًا، قَالَ الشَّافِعِيُّ لِأَنَّ هَذَا يُرْوَى غَالِبًا يَعْنِي السَّلَامَ وَفِيهِ تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَرَادَ غَالِبًا فِي الصَّحَابَةِ منتشرا فيهم.
والثاني: يريد فعل السلام ويروى غَالِبًا عَلَى الْمِنْبَرِ، فَإِذَا سَلَّمَ فَهَلْ يَجْلِسُ جِلْسَةً خَفِيفَةً لِلِاسْتِرَاحَةِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ يَجْلِسُ بَعْدَ سَلَامِهِ ثُمَّ يَقُومُ إِلَى خُطْبَتِهِ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ لَيْسَ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَجْلِسَ، لِأَنَّهُ فِي الْجُمْعَةِ يَجْلِسُ انْتِظَارًا لِلْأَذَانِ، وَلَيْسَ لِلْعِيدِ أَذَانٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجْلِسُ لِلِاسْتِرَاحَةِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ أَسْكَنَ لِجَسَدِهِ وَأَمْضَى لِخَاطِرِهِ ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ قَائِمًا خُطْبَتَيْنِ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - خَطَبَ قَائِمًا، فَإِنْ خَطَبَ جَالِسًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ أَجْزَاهُ بِخِلَافِ الْجُمْعَةِ لِأَنَّ خُطْبَةَ الْجُمْعَةِ فَرْضٌ كَالصَّلَاةِ، فلم يجز أَنْ يَفْعَلَهَا جَالِسًا، وَخُطْبَةُ الْعِيدَيْنِ سُنَّةٌ كَالصَّلَاةِ فَجَازَ أَنْ يَفْعَلَهَا جَالِسًا، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْطُبَ ابْتَدَأَ الْخُطْبَةَ الْأُولَى فَكَبَّرَ تِسْعًا تِسْعًا، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا جَلَسَ جِلْسَةً خَفِيفَةً، ثُمَّ قَامَ إِلَى الثانية فكبر سبعا لرواية عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ " مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يُكَبِّرَ فِي الْأُولَى تِسْعًا وَفِي الثَّانِيَةِ سَبْعًا " وَقَوْلُهُ مِنَ السُّنَّةِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، أَوْ سُنَّةَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَأَيُّهُمَا كَانَ فَالِاقْتِدَاءُ بِهِ حَسَنٌ، وَلِأَنَّ الْخُطْبَتَيْنِ أُقِيمَتَا مَقَامَ رَكْعَتَيْنِ، فَالْأُولَى تَتَضَمَّنُ تِسْعَ تَكْبِيرَاتٍ مَعَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَالرُّكُوعِ، وَالثَّانِيَةُ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ مَعَ تَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ، فَكَذَلِكَ فِي الْخُطْبَتَيْنِ، قَالَ الشافعي وَلَا أُحِبُّ أَنْ يُدْخِلَ بَيْنَ ظَهَرَانَيِ
التَّكْبِيرِ التَّحْمِيدَ وَالثَّنَاءَ، فَإِنْ فَعَلَ فَهُوَ حَسَنٌ، وَتَرْكُهُ أَوْلَى، وَيُخْتَارُ أَنْ يَعْتَمِدَ فِي خُطْبَتِهِ عَلَى شَيْءٍ، لِيَكُونَ أَسْكَنَ لِجَسَدِهِ، فَإِنْ أَسْدَلَ يَدَيْهِ أَوْ تَرَكَهُمَا تَحْتَ صَدْرِهِ جَازَ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَ فِي خُطْبَتِهِ الْأُولَى بَعْدَ وَاجِبَاتِهَا بِأَمَانَةٍ مَا يَلِيقُ بِزَمَانِهِ، فَإِنْ كَانَ الْعِيدُ فِطْرًا بَيِّنَ حُكْمَ زَكَاةِ الْفِطْرِ، وَأَنَّهَا وَاجِبَةٌ، عَلَى مَنْ وَجَدَهَا فَاضِلَةً عَنْ قُوتِهِ، وَيُبَيِّنُ لَهُمْ زَمَانَ وُجُوبِهَا، وَالْحُبُوبَ الَّتِي يَجُوزُ إِخْرَاجُ الزَّكَاةِ مِنْهَا، وَقَدْرَ الصَّاعِ الْمُؤَدَّى، وَمَنْ يَسْتَحِقُّ أَخْذَهُ وَمَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ الْعِيدُ أَضْحَى بَيَّنَ لَهُمْ حُكْمَ الضَّحَايَا، وَأَنَّهَا سُنَّةٌ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، وَبَيَّنَ لَهُمْ أَوَّلَ زَمَانِ النَّحْرِ وَآخِرَهُ، وَالْعُيُوبَ الْمَانِعَةَ وَالْأَسْنَانَ الْمُعْتَبَرَةَ، وَقَدْرَ مَا يَأْكُلُ وَيَتَصَدَّقُ، وَحُكْمَ التَّكْبِيرِ فِي يَوْمِ النَّحْرِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَإِنْ كَانَ فَقِيهًا ذَكَرَ خِلَافَ الْفُقَهَاءِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالضَّحَايَا وَزَكَاةِ الْفِطْرِ، لِيَعْلَمَ بِبَيَانِهِ الْعَالِمُ وَالْجَاهِلُ فَيَعْلَمَ الجاهل ويتذكر العالم.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَنَفَّلَ الْمَأْمُومُ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ وَبَعْدَهَا فِي بَيْتِهِ وَالْمَسْجِدِ وَطَرِيقِهِ، وَحَيْثُ أَمْكَنَهُ كَمَا يُصَلِّي قَبْلَ الْجُمُعَةِ وَبَعْدَهَا وَرُوِيَ أَنَّ سَهْلَ بْنَ السَّاعِدِيِّ وَرَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ كَانَا يُصَلِّيَانِ قَبْلَ الْعِيدِ وَبَعْدَهُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْإِمَامُ فَلَا يُخْتَارُ لَهُ أَنْ يَتَنَفَّلَ بَعْدَ خُرُوجِهِ، لَا قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ، وَلَا بَعْدَهَا، لِأَنَّهُ قَبْلَ الصَّلَاةِ مُنْتَظَرٌ وَبَعْدَهَا خَاطِبٌ، فَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَنَفَّلَ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَبَعْدَهَا إِذَا فَرَغَ مِنَ اسْتِمَاعِ الْخُطْبَةِ، وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ وَرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَنَفَّلَ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَبَعْدَهَا كَالْإِمَامِ.
وَقَالَ أبو حنيفة يُكْرَهُ لَهُ التَّنَفُّلُ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَلَا يُكْرَهُ لَهُ بَعْدَهَا.
وَدَلِيلُنَا عُمُومُ قَوْله تَعَالَى: {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) {العنكبوت: 45) وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " الصَّلَاةُ خَيْرٌ مَوْضُوعٌ " وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ أَنَّ الْإِمَامَ مُتَّبَعٌ فِي أَفْعَالِهِ، فَلَوْ جَوَّزْنَا لَهُ التَّنَفُّلَ لَتَبِعَهُ النَّاسُ فِيهِ وَصَارَ ذَلِكَ مسنونا، وليس كذلك المأموم.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " ويصلي العيدين الْمُنْفَرِدُ فِي بَيْتِهِ، وَالْمَسَافِرُ وَالْمَرْأَةُ وَالْعَبْدُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَ الصَّلَاةِ، وَحُكْمَ مَنْ يُؤْمَرُ بِهَا وَمَنْ لَا تَلْزَمُهُ الْجُمْعَةُ هَلْ يُؤْمَرُ بِصَلَاةِ الْعِيدِ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:
قَالَ فِي الْقَدِيمِ: لَا يُؤْمَرُ بِهَا.
وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ وَهُوَ أَصَحُّ: يُؤْمَرُ بِهَا وَذَكَرْنَا تَوْجِيهَ الْقَوْلَيْنِ فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
(مَسْأَلَةٌ)
: قَالَ الشافعي رضي الله عنه: " وَأُحِبُّ حُضُورَ الْعَجَائِزِ غَيْرِ ذَاتِ الْهَيْئَةِ الْعِيدَيْنِ
وَأُحِبُّ إِذَا حَضَرَ النَّسَاءُ الْعِيدَيْنِ أَنْ يَتَنَظَّفْنَ بالماء ولا يلبسن شهرة مِنَ الثِّيَابِ وَتُزَيَّنُ الصِّبْيَانُ بِالصَّبْغِ وَالْحُلِيِّ " قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: هَذَا صَحِيحٌ يُسْتَحَبُّ لِلْعَجَائِزِ الْمُسِنَّاتِ غَيْرِ ذَوَاتِ الْهَيْئَاتِ أَنْ يَحْضُرْنَ صَلَاةَ الْعِيدِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " لا تحرموا إماء الله مساجد الله ولتخرجن تَفِلَاتٍ ". وَرَوَى جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَمَّا فَرَغَ مِنْ خُطْبَتِهِ جَاءَ إِلَى النِّسَاءِ ماشيا متكئا على قوس فَوَقَفَ عَلَيْهِنَّ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ اللَّهَ تَعَالَى، وَحَثَّهُنَّ عَلَى الصَّدَقَةِ، قَالَ جَابِرٌ فَتَصَدَّقَتْ هَذِهِ بِثَوْبِهَا وَهَذِهِ بِبَعْضِ حُلِيِّهَا وَهَذِهِ بِبَعْضِ مَا سَنَحَ لَهَا فَأَمَّا حُضُورُ النِّسَاءِ الشَّبَابِ فَقَدِ اسْتَحَبَّهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْبَغْدَادِيِّينَ تَعَلُّقًا بِحَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَمَرَ بِإِخْرَاجِ الْمُخَدَّرَاتِ إِلَى الْمُصَلَّى فَقِيلَ إِنَّهُنَّ يَحِضْنَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِيَشْهَدْنَ الدُّعَاءَ وَالْخَيْرَ وَهَذَا غَلَطٌ، بَلْ خُرُوجُهُنَّ مَكْرُوهٌ، لِمَا يُخَافُ مِنَ افْتِتَانِهِنَّ بِالرِّجَالِ، وَافْتِتَانِ الرِّجَالِ بِهِنَّ، وَحَدِيثُ أُمِّ عَطِيَّةَ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِنِسَائِهِ هِيَ هَذِهِ ثُمَّ على طهر، قَالَتْ عَائِشَةُ لَوْ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ بَعْدَهُ لَمَنَعَهُنَّ أَشَدَّ الْمَنْعِ وَمَنِ اخْتَرْنَا حُضُورَهُ مِنَ النِّسَاءِ فَيُكْرَهُ لَهُنَّ الطيب والزينة، ولبس الشهوة مِنَ الثِّيَابِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلَاتٍ.
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا الصِّبْيَانُ فَيُسْتَحَبُّ إِخْرَاجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا، وَيُخْتَارُ زِينَتُهُمْ بِالثِّيَابِ وَالْحُلِيِّ، وَهَلْ يَحْرُمُ عَلَى ذُكُورِهِمْ لُبْسُ الْحَرِيرِ وَالْحُلِيِّ مِنَ الذَّهَبِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَحْرُمُ لِإِطْلَاقِ النَّهْيِ بتحريمهما عَلَى ذُكُورِ الْأُمَّةِ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصِ صَغِيرٍ مِنْ كَبِيرٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ، لِأَنَّ النَّهْيَ وَرَدَ فِيمَنْ يَصِحُّ تَكْلِيفُهُ وَتَتَوَجَّهُ الْعِبَادَةُ نَحْوَهُ.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ كَانَ يَغْدُو مِنْ طَرِيقٍ وَيَرْجِعُ مِنْ أُخْرَى وَأُحِبُّ ذَلِكَ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ ".
قال الماوردي: وهذا كما قَالَ وَقَدْ رَوَى نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ إِلَى الْعِيدِ مِنْ طَرِيقِ الشَّجَرَةِ، وَيَدْخُلُ مِنْ طَرِيقِ الْمُعَرَّسِ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: فَيَحْتَمِلُ فِعْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وُجُوهًا مِنْهَا أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، لِيُسَاوِيَ فِي مُحَرَّفِهِ وَمَمَرِّهِ بَيْنَ الْقَبِيلَتَيْنِ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَفَاخَرُونَ بِذَلِكَ فِي مَحَالِّهِمْ، فَيَقُولُونَ مَرَّ بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي أَصْحَابِهِ، فَكَانَ إِذَا مَضَى إِلَى الْمُصَلَّى فِي أَحَدِ الْحَيَّيْنِ رَجَعَ فِي الْحَيِّ الْآخَرِ لِيُسَاوِيَ بَيْنَهُمَا، وَمِنْهَا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ يَتَصَدَّقُ عَلَى مَسَاكِينِ الطَّرِيقِ، فَأَحَبَّ أَنْ يَرْجِعَ مِنْ غَيْرِهِ لِيَتَصَدَّقَ عَلَى مَسَاكِينِهِ، وَمِنْهَا أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ يَقْصِدُهُ الْفُقَرَاءُ بِالسُّؤَالِ وَلَا يَحْضُرُهُ مَا يُغْنِيهِمْ، فَكَانَ يَرْجِعُ فِي طَرِيقٍ آخَرَ تَوَقِّيًا لمسئلتهم، ومنها أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ سُئِلَ فِي طَرِيقِهِ عَنْ مَعَالِمِ الدِّينِ وَأَحْكَامِ الشَّرْعِ فَأَحَبَّ أَنْ يَعُودَ فِي آخَرَ لِيُعَلِّمَ أَهْلَ الطَّرِيقَيْنِ، وَمِنْهَا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِلَسَّعَةِ وَقِلَّةِ الزِّحَامِ، وَقِيلَ بَلْ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَنْتَشِرَ الْمُسْلِمُونَ فِي الطَّرِيقِ لِيَزْدَادَ غَيْظًا لِلْيَهُودِ، وَقِيلَ بَلْ فَعَلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ذَلِكَ تَجَنُّبًا لِمَكْرِ الْمُنَافِقِينَ، وَإِبْطَالًا لِكَيْدِهِمْ، لِأَنَّهُمْ رُبَّمَا تَرَصَّدُوا لَهُ بِالْمَكْرِ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي ذَهَبَ فِيهِ، وَقِيلَ بَلْ لِتَشْهَدَ الْبِقَاعُ، فَقَدْ جَاءَ فِي الْخَبَرِ مَنْ مَشَى فِي خَيْرٍ وَبِرٍّ شَهِدَتْ لَهُ الْبِقَاعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَقِيلَ فِي شَهَادَةِ الْبِقَاعِ تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُنْطِقُهَا فَتَشْهَدُ بِذَلِكَ، كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ أَنَّهُ يَشْهَدُ لَهُ مَلَائِكَةُ الْمَوْضِعِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَشْهَدُ لَهُ سُكَّانُ الْمَوْضِعِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ) {الدخان: 29) يَعْنِي سُكَّانَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَقَدْ قِيلَ فِيهِ مَا يَكْثُرُ تَعْدَادُهُ وَيَطُولُ ذِكْرُهُ، فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْمَعَانِي، فَقَدْ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَعَلَهُ لِمَعْنًى يَخْتَصُّ بِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِمَعْنًى يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، فَإِنْ عَلِمْنَا أَنَّهُ لِمَعْنًى يَخْتَصُّ بِهِ لَمْ يُسْتَحَبَّ ذَلِكَ لِمَنْ بَعْدَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَالْمَأْمُومِينَ، وَإِنْ عَلِمْنَا أَنَّهُ لمعنى يشاركه فيه غيره استحببناه لِمَنْ بَعْدَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَالْمَأْمُومِينَ، وَإِنْ شَكَكْنَا هَلْ فَعَلَهُ لِمَعْنًى يَخْتَصُّ بِهِ أَوْ يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ كَانَ الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُفْعَلَ مِثْلُ فعله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اقتداء به، وقال أبو علي ابن أَبِي هُرَيْرَةَ سَوَاءٌ فَعَلَهُ لِمَعْنًى يَخْتَصُّ بِهِ أَوْ يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، فَالْمُسْتَحَبُّ لِلنَّاسِ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَدْ يَفْعَلُ الشَّيْءَ لِمَعْنًى يَخْتَصُّ بِهِ ثُمَّ يَصِيرُ ذَلِكَ سُنَّةً لِمَنْ بَعْدَهُ، كَالِاضْطِبَاعِ وَالرَّمَلِ، إِلَّا أَنَّ أَبَا إِسْحَاقَ وَأَبَا عَلِيٍّ قَدِ اتَّفَقَا أَنَّ ذَلِكَ يُسْتَحَبُّ فِي وَقْتِنَا.
وَإِنَّمَا اخْتَلَفَا إِذَا عُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ لِمَعْنًى يختص به هل يكون مستحبا وفي وَقْتِنَا أَمْ لَا؟ فَعِنْدَ أَبِي إِسْحَاقَ لَا يستحب، وعند أبي علي يستحب لقول الله تعالى.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِذَا كَانَ الْعُذْرُ مِنْ مَطَرٍ أَوْ غَيْرِهِ أمرته أن يصلي في المساجد وروي أن عمر صلى بالناس في يوم مطير في المسجد في يوم الفطر (قال) ولا أرى بأسا أن يأمر الإمام من يصلي بضعفه الناس في موضع من المصر ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا حَالَ الْبِلَادِ، وَأَنَّ مَا كَانَ وَاسِعَ الْجَامِعِ لَا يَضِيقُ بِأَهْلِهِ أُقِيمَتْ فِيهِ الصَّلَاةُ لِلْعِيدِ، وَمَا كَانَ مِنْهَا ضَيِّقَ الْمَسْجِدِ لَا يَكْفِي جَمِيعَ أَهْلِهِ أُقِيمَتْ صَلَاةُ الْعِيدِ فِي مُصَلَّاهُ، فَإِنْ بَعُدَتْ أَقْطَارُ الْبَلَدِ وَأَطْرَافُهُ وَشَقَّ عَلَى ضَعَفَةِ أَهْلِهِ الْخُرُوجُ إِلَى مُصَلَّاهُ اسْتَخْلَفَ فِي جَامِعِهِ مَنْ يُصَلِّي بِالْعَجَزَةِ وَمَنْ لَا نَهْضَةَ فِيهِ وَلَا حَرَكَةَ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرِ الْإِمَامُ عَلَى الْخُرُوجِ إِلَى الْمُصَلَّى لِعُذْرٍ مِنْ مَطَرٍ أَوْ خَوْفٍ صَلَّى بِالنَّاسِ فِي الْجَامِعِ، فَإِنْ ضَاقَ بِالنَّاسِ اسْتَخْلَفَ فِي بَعْضِ الْمَسَاجِدِ مَنْ يُصَلِّي بِبَاقِيهِمْ وَاللَّهُ سبحانه أعلم.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " ومن جاء والإمام يخطب جلس حتى يفرغ فَإِذَا فَرَغَ قَضَى مَكَانَهُ أَوْ فِي بَيْتِهِ (قال) وإذا كان العيد أضحى علمهم الإمام كيف ينحرون وأن على من نحر من قبل أن يجب وقت نحر الإمام أن يعيد ويخبرهم بما يجوز من الأضاحي وما لا يجوز ويسن ما يجوز من الإبل والبقر والغنم وأنهم يضحون يوم النحر وأيام التشريق كلها (قال) وكذلك قال الحسن وعطاء ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي رَجُلٍ تَوَجَّهَ لِصَلَاةِ الْعِيدِ فَأَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الْخُطْبَةِ بعد فراغه من الصلاة، فلا تخلو حَالُ الْإِمَامِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي الْمُصَلَّى، فَإِنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَمِعَ الْخُطْبَةَ، وَلَا يُصَلِّي حَتَّى إِذَا فَرَغَ الْإِمَامُ مِنْ خُطْبَتِهِ صَلَّى حِينَئِذٍ إِنْ شَاءَ فِي مَوْضِعِهِ بِالْمُصَلَّى، وَإِنْ شَاءَ فِي مَنْزِلِهِ، لِأَنَّ وَقْتَهَا بَاقٍ إِلَى زَوَالِ الشَّمْسِ، وَلَيْسَ بَعْضُ الْمَوَاضِعِ أَحَقَّ بِهَا فِي الِانْفِرَادِ مِنْ بَعْضٍ، فَإِنْ خَافَ فَوَاتَ الْوَقْتِ صَلَّى وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ فِي الْخُطْبَةِ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِهَا مَعَ إِمْكَانِ أَدَائِهَا وَتَعَذُّرِ قَضَائِهَا بَعْدَ الْوَقْتِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَإِنْ كَانَ الإمام في المسجد فينبغي لَهُ أَنْ يَشْتَغِلَ بِالصَّلَاةِ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهَا اسْتَمَعَ بَاقِيَ الْخُطْبَةِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الدَّاخِلَ إِلَى الْمَسْجِدِ مَأْمُورٌ بِالصَّلَاةِ فِيهِ تَحِيَّةً لَهُ وَكَذَلِكَ أَمْرُ الدَّاخِلِ يَوْمَ الْجُمْعَةِ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ بِالرُّكُوعِ قَبْلَ الِاسْتِمَاعِ تَحِيَّةً لَهُ، وَلَيْسَ كذلك المصلي، فإذا ثبت أنه يصلي وإن كَانَ الْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يُصَلِّي صَلَاةَ الْعِيدِ أَوْ تَحِيَّةَ
الْمَسْجِدِ؟ فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ: يُصَلِّي صَلَاةَ الْعِيدِ بِتَكْبِيرٍ زَائِدٍ وَيَنُوبُ عَنْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، كَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَأَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي صَلَاةِ فَرِيضَةٍ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي مَعَهُ، وَيَنُوبُ عَنْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ.
وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: يُصَلِّي تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ ثُمَّ يَجْلِسُ لِسَمَاعِ الْخُطْبَةِ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ الْإِمَامُ صَلَّى الْعِيدَ، لِأَنَّ الْمَأْمُومَ تَبَعٌ لِإِمَامِهِ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَقْضِيَ مَا فَاتَهُ مِنَ الصَّلَاةِ إِلَّا بَعْدَ اتِّبَاعِهِ فِيمَا بَقِيَ مِنَ الْخُطْبَةِ، كَمَا لَوْ أَدْرَكَهُ فِي صَلَاةِ فَرِيضَةٍ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " ثُمَّ لَا يَزَالُ يُكَبِّرُ خَلْفَ كُلِّ صَلَاةِ فَرِيضَةٍ مِنَ الظُّهْرِ مِنَ النَّحْرِ إِلَى أَنْ يُصُلِّيَ الصُّبْحَ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَيُكَبِّرُ بَعْدَ الصُّبْحِ ثُمَّ يَقْطَعُ وَبَلَغَنَا نَحْوُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ وَالصُّبْحُ آخِرُ صَلَاةٍ بِمِنًى وَالنَّاسُ لَهُمْ تَبَعٌ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ تَكْبِيرَ الْعِيدَيْنِ عَلَى ضَرْبَيْنِ مُطْلَقٍ وَمُقَيَّدٍ، فَالْمُطْلَقُ مَا تَعَلَّقَ بِالزَّمَانِ وَتَشْرِيفِهِ وَعَظِيمِ حُرْمَتِهِ، وَهَذَا يَشْتَرِكُ فِيهِ الْأَضْحَى وَالْفِطْرُ، وَلَا يَخْتَصُّ بِهِ صَلَاةٌ مِنْ غَيْرِهَا، وَقَدْ مَضَى تَفْصِيلُهُ، وَإِنَّ أَوَّلَ زَمَانِهِ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وآخره إلى عِنْدِ ظُهُورِ الْإِمَامِ، فَأَمَّا الْمُقَيَّدُ فَهُوَ مَا تَعَلَّقَ بِالصَّلَوَاتِ وَأَتَى بِهِ فِي أَعْقَابِهَا، فَهَذَا يَخْتَصُّ بِهِ الْأَضْحَى دُونَ الْفِطْرِ، لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ حُرْمَةِ الْحَجِّ، وَيَتَّصِلُ بِهِ مِنْ أَحْكَامِ النَّحْرِ، فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالْأَضْحَى، فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ أَنَّهُ يَبْتَدِئُ بِالتَّكْبِيرِ مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، يَقْطَعُهُ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ آخر أيام التشريق، فيكبر عقيب خمس عشر صَلَاةً وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَمِنَ التَّابِعِينَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالزُّهْرِيُّ، وَمِنَ الْفُقَهَاءِ مَالِكٌ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إِنَّهُ يَبْتَدِئُ بِالتَّكْبِيرِ مِنْ بَعْدِ الْمَغْرِبِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ إِلَى بَعْدِ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَتَكُونُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ صَلَاةً، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ حَكَاهُ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ إِنَّهُ كَانَ يَبْتَدِئُ بِالتَّكْبِيرِ مِنْ بَعْدِ الصُّبْحِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى بَعْدِ الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَتَكُونُ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ صَلَاةً ثُمَّ قَالَ وَأَسْتَخِيرُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ فِي ذَلِكَ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ فَكَانَ بَعْضُهُمْ يُخَرِّجُ ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقَاوِيلَ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يُكَبِّرُ مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ إِلَى بَعْدِ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ النَّاسَ فِي التَّكْبِيرِ تَبَعٌ لِلْحَاجِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج: 28] فَخَاطَبَ الْحَاجَّ بِذَلِكَ، وَقِيلَ أَرَادَ بِالْمَنَافِعِ شُهُودَ عَرَفَةَ، وَقِيلَ أراد به النحر، والحاج يبتدؤن بِالتَّكْبِيرِ عِنْدَ قَطْعِ التَّلْبِيَةِ، وَذَلِكَ فِي يَوْمِ النحر.
والقول الثاني: يبتدؤن بِالتَّكْبِيرِ مِنْ بَعْدِ الْمَغْرِبِ مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ إِلَى بَعْدِ الصُّبْحِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَوَجْهُهُ أَنْ يُقَالَ لِأَنَّهَا لَيْلَةُ عِيدٍ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ التَّكْبِيرُ فِيهَا مَسْنُونًا كَالتَّكْبِيرِ الْمُطْلَقِ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: إِنَّهُ يِبْتَدِئُ بِالتَّكْبِيرِ مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ إِلَى بَعْدِ صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ التَّشْرِيقِ، وَوَجْهُهُ أَنْ يُقَالَ: لِأَنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ يُخْتَصُّ بِرُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ التَّكْبِيرُ فِيهِ مَسْنُونًا كَيَوْمِ النَّحْرِ.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ، وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَيْسَتِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَقَاوِيلَ، وَإِنَّمَا هُوَ مَذْهَبُهُ أَنَّهُ يَبْتَدِئُ بِالتَّكْبِيرِ مِنْ بَعْدِ الظُّهْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ إِلَى بَعْدِ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَقَوْلُهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إِنَّهُ يَبْتَدِئُ مِنْ بَعْدِ الْمَغْرِبِ مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ، فَإِنَّمَا أَرَادَ التَّكْبِيرَ الْمُطْلَقَ وَقَوْلُهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَإِنَّمَا قَالَهُ حِكَايَةً عَنْ مَذْهَبِ غيره، والله تعالى أعلم.
(باب التكبير)
قال الشافعي: رضي الله عنه: " والتكبير كَمَا كَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - في الصلوات (قال) فأجب أَنْ يَبْدَأَ الْإِمَامُ فَيَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ ثَلَاثًا نَسَقًا وَمَا زَادَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ فَحَسَنٌ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ السُّنَّةُ الْمَأْثُورَةُ عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ أَنَّهُ يُكَبِّرُ ثَلَاثًا نَسَقًا فَيَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِشَيْءٍ، فَإِنَّ زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرَا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كثيرا، وسبحان الله بكرا وَأَصِيلًا، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، ونصر عبده، وسبحان الله وَحْدَهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ كَانَ حَسَنًا، وَمَا زَادَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فَحَسَنٌ.
وَقَالَ أبو حنيفة يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، وَبِهِ قَالَ عُمَرُ وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَعَلَيْهِ عَمَلُ الناس في وقتنا، وما ذكرنا مِنَ الثَّلَاثِ النَّسَقِ أَوْلَى، لِأَنَّنَا رُوِّيْنَا عَنِ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ عَلَى الصَّفَا مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الزِّيَادَةِ، وَلِأَنَّهَا تَكْبِيرَاتٌ زِيدَتْ شِعَارًا لِلْعِيدِ فَكَانَتْ وِتْرًا كَتَكْبِيرَاتِ الصَّلَاةِ، وَكَيْفَ كَبَّرَ جَازَ.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَمَنْ فَاتَهُ شِيْءٌ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ قَضَى ثُمَّ كَبَّرَ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: يُكَبِّرُ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ يَقْضِي مَا فَاتَهُ اتِّبَاعًا لِإِمَامِهِ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَمَكْحُولٍ وَمَا ذَكَرْنَاهُ أَصَحُّ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ اتِّبَاعُ إِمَامِهِ فِي أَفْعَالِ صَلَاتِهِ وَلَيْسَ التَّكْبِيرُ مِنْهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ بِسَلَامِ الْإِمَامِ قد خرج من إمامته فلم يلزم الِاقْتِدَاءُ بِهِ، فَإِنْ كَبَّرَ مَعَ الْإِمَامِ بَعْدَ قَضَاءِ مَا فَاتَهُ فَصَلَاتُهُ جَائِزَةٌ مَا لَمْ يَقْصِدْ مُنَافَاةَ الصَّلَاةِ بِاتِّبَاعِ الْإِمَامِ، لِأَنَّ التَّكْبِيرَ مزاده كارها.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " ويكبر خلف الفرائض والنوافل، قال المزني الذي قبل هذا عندي أَوْلَى بِهِ لَا يُكَبِّرُ إِلَّا خَلْفَ الْفَرَائِضِ ".
قال الماوردي: وهذا صحيح أما التكبير فسن لِلْمُقِيمِ وَالْمُسَافِرِ، وَالرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ.
وَقَالَ أبو حنيفة التَّكْبِيرُ سُنَّةٌ لِلرَّجُلِ الْمُقِيمِ دُونَ الْمَرْأَةِ، وَالْمُسَافِرِ وَمَا ذَكَرْنَا أَوْلَى، لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا الله على ما هداكم﴾ [البقرة: 185] .
وإذا صَحَّ أَنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ لِلْكَافَّةِ فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ يُكَبِّرُ خَلْفَ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ خَلْفَ الْفَرَائِضِ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فَكَانَ الْمُزَنِيُّ مَعَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا يُخَرِّجُونَ الْمَسْأَلَةَ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يُكَبِّرُ خَلْفَ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يُكَبِّرُ خَلْفَ الْفَرَائِضِ دُونَ النَّوَافِلِ، وَقَالَ آخَرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا: مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ يُكَبِّرُ خَلْفَ الْفَرَائِضِ دُونَ النَّوَافِلِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَبِهِ جَرَى الْعَمَلُ تَوَارُثًا فِي الْأَمْصَارِ بين الأئمة، فمن قال تمهيدا لهم عما نَقْلِهِ الْمُزَنِيَّ مِنْ تَكْبِيرِهِ خَلْفَ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ جَوَابَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ غَلِطَ فِي النَّقْلِ مِنَ التَّنْبِيهِ إِلَى التَّكْبِيرِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ غَلِطَ فِي الْمَعْنَى دُونَ الرِّوَايَةِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِالتَّكْبِيرِ خَلْفَ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ مَا تَعَلَّقَ بِالزَّمَانِ فِي لَيْلَتَيِ الْعِيدَيْنِ، دُونَ مَا تَعَلَّقَ بِالصَّلَوَاتِ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ، وَقَالَ آخَرُونَ، بَلِ النَّوَافِلُ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَا سُنَّ مُنْفَرِدًا فَلَا يُكَبَّرُ خَلْفَهُ.
وَالثَّانِي: مَا سُنَّ فِي جَمَاعَةٍ كَالِاسْتِسْقَاءِ وَالْخَسُوفَيْنِ فَهَذَا يُكَبَّرُ خَلْفَهُ، وَلَهُ أَرَادَ الشَّافِعِيُّ تَشْبِيهًا بِالْفَرَائِضِ، فَمَنْ قَالَ بِهَذَا اخْتَلَفُوا هَلْ يُكَبَّرُ خَل
ْفَ صَلَ
اةِ الْجِنَازَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يُكَبَّرُ لِفِعْلِهِ فِي جَمَاعَةٍ.
وَالثَّانِي: لَا يُكَبَّرُ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ صَلَاةً شَرْعِيَّةً ذَاتَ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ، وَإِنَّمَا هِيَ دُعَاءٌ وَتَرَحُّمٌ فَلَوْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَقَضَاهَا بَعْدَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لَمْ يُكَبِّرْ خَلْفَهَا، وَلَوْ ذَكَرَ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ صَلَّاهَا فَائِتَةً قَضَاهَا، وَكَبَّرَ خَلْفَهَا، لِأَنَّ التَّكْبِيرَ من سنة الوقت.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ شَهِدَ عَدْلَانِ فِي الْفِطْرِ بِأَنَّ الْهِلَالَ كَانَ بِالْأَمْسِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الزَّوَالِ صَلَّى بِالنَّاسِ الْعِيدَ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الزَّوَالِ لم يصلوا لأنه
عمل في وقت وإذا جاوزه لم يعمل في غيره كعرفة وقال في كتاب الصيام وأحب إن ذكر فيه شيئا وإن لم يكن ثابتا أن يعمل من الغد ومن بعد الغد (قال المزني) قوله الأول أولى به لأنه احتج فقال لو جاز أن يقضي كان بعد الظهر أجوز وإلى وقته أقرب (قال المزني) وهذا من قوله على صواب أحد قوليه عندي دليل وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ عِنْدَ الْإِمَامِ يَوْمَ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ وَقَدْ أَصْبَحُوا صِيَامًا عَلَى الشَّكِّ فِي رُؤْيَةِ الْهِلَالِ بِأَنَّهُمَا رَأَيَا الْهِلَالَ مِنَ اللَّيْلِ، فَإِنْ صَحَّتْ عَدَالَتُهُمَا قَبْلَ الزَّوَالِ أَفْطَرَ وَصَلَّى بِالنَّاسِ، لأن ذلك وقت للصلاة، ما لم تزول الشَّمْسُ، فَأَمَّا إِذَا لَمْ تَصِحَّ عَدَالَتُهُمَا إِلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ فَإِنَّهُ يُفْطِرُ وَيَأْمُرُ النَّاسَ بِهِ، وَفِي إِعَادَةِ الصَّلَاةِ مِنَ الْغَدِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أبي حنيفة وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ لَا تُعَادُ، لِأَنَّهَا صَلَاةُ نَافِلَةٍ سُنَّ لَهَا الْجَمَاعَةُ فَوَجَبَ أَنْ تَسْقُطَ بِالْفَوَاتِ كَصَلَاةِ الْخُسُوفِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا تُعَادُ مِنَ الْغَدِ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ دائبة فَوَجَبَ أَنْ لَا تَسْقُطَ بِفَوَاتِ وَقْتِهَا كَالْفَرَائِضِ، وَقَدْ رَوَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَمَرَ بِقَضَائِهَا مِنَ الْغَدِ، إِلَّا أَنَّ فِي الحديث اضطراب وَلَوْلَا اضْطِرَابُهُ لَأُعِيدَتِ الصَّلَاةُ مِنَ الْغَدِ قَوْلًا وَاحِدًا.
فَعَلَى هَذَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي عِلَّةِ تَأْخِيرِهَا إِلَى الْغَدِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قوله أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي تَأْخِيرِهَا تَعَذُّرُ اجْتِمَاعِ النَّاسِ لِتَفَرُّقِهِمْ وَعَدَمِ عِلْمِهِمْ، فَعَلَى هَذَا إِذَا كَانَ الْبَلَدُ لَطِيفًا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُ أَهْلِهِ بَعْدَ الزَّوَالِ مِنْ يَوْمِهِمْ صُلِّيَتْ فِي الْيَوْمِ، لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى وَقْتِهَا الْغَالِبِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي تَأْخِيرِهَا إِلَى الْغَدِ، أَنْ يُؤْتَى بِهَا فِي وَقْتِهَا الْمَسْنُونَةِ فِيهِ، وَذَلِكَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الزَّوَالِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ قَضَاؤُهَا فِي الْيَوْمِ بِحَالٍ.
(فَصْلٌ)
: إِذَا كَانَ الْعِيدُ فِي يَوْمِ الْجُمْعَةِ فَعَلَى أَهْلِ الْمِصْرِ أَنْ يُصَلُّوا الْجُمْعَةَ، وَلَا يَجُوزُ لَهُمْ تَرْكُهَا، كَمَا قَالَ بِهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا وَالْفُقَهَاءُ كَافَّةً، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ قَدْ سَقَطَ عَنْهُمْ فَرْضُ الْجُمْعَةِ، وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " الْجُمُعَةُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ " وَلِأَنَّ الْعِيدَ سُنَّةٌ وَالْجُمْعَةَ فَرْضٌ، وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الْفَرْضِ بِالسُّنَّةِ، فَأَمَّا أَهْلُ السَّوَادِ فَفِي سُقُوطِ الْجُمْعَةِ عَنْهُمْ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِمْ كَأَهْلِ الْمِصْرِ.
والوجه الثاني: وهو نص الشافعي أنه سَقَطَتْ عَنْهُمْ، لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قال لأهل العوالي: " وفي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ قَدِ اجْتَمَعَ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ، فَمَنْ شَاءَ أَنْ يَنْصَرِفَ فَلَيَنْصَرِفْ فإنا مُجَمِّعُونَ " وَالْفَرْقُ بَيْنَ أَهْلِ الْمِصْرِ وَالسَّوَادِ: أَنَّ أَهْلَ السَّوَادِ إِذَا انْصَرَفُوا بَعْدَ صَلَاةِ الْعِيدِ شَقَّ عَلَيْهِمُ الْعَوْدُ، لِبُعْدِ دَارِهِمْ وَلَا يَشُقُّ عَلَى أَهْلِ الْمِصْرِ لِقُرْبِ دَارِهِمْ.
(باب صلاة خسوف الشمس والقمر)
قال الشافعي رضي الله عنه: " فِي أَيِ وَقْتٍ خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي نِصْفِ النَّهَارِ أَوْ بَعْدَ الْعَصْرِ فَسَوَاءٌ وَيَتَوَجَّهُ الْإِمَامُ حَيْثُ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ فَيَأْمُرُ بِالصَّلَاةِ جَامِعَةً ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ أَمَّا الْأَصْلُ فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ والشمس والقمر تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾
[فصل
ت: 37] فَاحْتَمَلَ ذَلِكَ أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ وَرَدَ فِي الْمَنْعِ مِنَ السُّجُودِ لِغَيْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ أَمْرًا وَرَدَ بِالسُّجُودِ عِنْدَ حدوث معنى هاتين الآيتين، فأحتج إِلَى بَيَانٍ، فَبَيَّنَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِصَلَاتِهِ عِنْدَ خُسُوفِهَا دُونَ سَائِرِ الْآيَاتِ، وَرَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي اليوم الذي مات فيه إِبْرَاهِيمَ ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ خَسَفَتْ بِمَوْتِهِ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ثُمَّ خَطَبَ وَقَالَ " إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَر آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَافْرَغُوا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَالصَّلَاةِ " فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَأَيُّ وَقْتٍ خَسَفَتْ فِيهِ الشَّمْسُ مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ أَوْ بَعْدَ الْعَصْرِ صَلَّى فِيهِ، لِأَنَّهَا صَلَاةٌ لَهَا سَبَبٌ تُصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ حَيْثُ تُصَلَّى الْجُمْعَةُ، لَا حَيْثُ تُصَلَّى الْأَعْيَادُ، وَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - صَلَّى فِي مَسْجِدِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مِنْ فَوَاتِ الصَّلَاةِ بِتَجَلِّي الْخُسُوفِ إِذَا خَرَجَ، فَإِذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ نَادَى " الصَّلَاةَ جَامِعَةً " بِلَا أَذَانٍ ولا إقامة والله تعالى أعلم.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " ثم يكبروا وَيَقْرَأُ فِي الْقِيَامِ الْأَوَّلِ بَعْدَ أُمِّ الْقُرْآنِ بسورة البقرة إن كان يحفظها أو قدرها من القرآن إن كان لا يحفظها ثم يركع فيطيل ويجعل ركوعه قدر قراءة مائة آية من سورة البقرة ثُمَّ يَرْفَعُ فَيَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ربنا لك الحمد ثم يقرأ بأم القرآن وقدر مِائَتَيْ آيَةٍ مِنَ الْبَقَرَةِ ثُمَّ يَرْكَعُ بِقَدْرِ ما يلي ركوعه الأول ثم يرفع فيسجد
سجدتين ثم يقوم في الركعة الثانية فيقرأ بأم القرآن وقد مِائَةٍ وَخَمْسِينَ آيَةً مِنَ الْبَقَرَةِ ثُمَّ يَرْكَعُ بقدر سبعين آية من البقرة ثم يرفع فيقرأ بأم القرآن وقدر مِائَةَ آيَةٍ مِنَ الْبَقَرَةِ ثُمَّ يَرْكَعُ بِقَدْرِ خمسين آية من البقرة ثم يرفع ثم يسجد وإن جاوز هذا أو قصر عنه فإذ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ أَجْزَأَه "
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ صَلَاةُ الْخُسُوفِ رَكْعَتَانِ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْهُمَا رُكُوعَانِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَإِسْحَاقُ.
وَقَالَ أبو حنيفة: رَكْعَتَانِ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ مِنْ غير ركوع زائد استدلالا براوية الحسن عن أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - صَلَّى صَلَاةَ الْخُسُوفِ رَكْعَتَيْنِ كَصَلَاتِكُمْ هَذِهِ وَبِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ صَلَّى هَذِهِ الصَّلَاةَ كَأَحَدِ صَلَاةٍ صَلَّيْتُمُوهَا قَالَ وَلِأَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا، وَعَلَى كِلَا الْحَالَيْنِ لَيْسَ لَهَا نَظِيرٌ فِيهِمَا بِرُكُوعٍ زَائِدٍ قَالَ: وَلِأَنَّ الصَّلَوَاتِ تَخْتَلِفُ فِي أَعْدَادِ رَكَعَاتِهَا وَلَا تَخْتَلِفُ فِي زِيَادَةِ أَرْكَانِهَا، فَكَانَ مَذْهَبُكُمْ مُخَالِفًا لِلْأُصُولِ الْمُقَرَّرَةِ فِيهَا.
وِالدَّلَالَةُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ رِوَايَةُ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَالنَّاسُ مَعَهُ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا قَدْرَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ثُمَّ رَفَعَ وقام قياما طويلا وهو دون الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونُ الركوع الأول ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونُ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونُ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَفَعَ ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ قَامَ إِلَى الثَّانِيَةِ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا دُونَ قِيَامِهِ الْأَوَّلِ ثُمَّ سَاقَ الْخَبَرَ إِلَى آخِرِهِ وَرَوَتْ عَمْرَةُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - صَلَّى الْخُسُوفَ رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَيْنِ وروي مثل ذلك جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَسُمْرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةُ نَفْلٍ يُسَنُّ فِيهَا اجْتِمَاعُ الْكَافَّةِ فَوَجَبَ أَنْ تَخْتَصَّ بِمَعْنًى تُبَايِنُ بِهِ غَيْرَهَا مِنَ النَّوَافِلِ كَالْعِيدِ وَالِاسْتِسْقَاءِ الْمُخْتَصِّ بِزِيَادَةِ التَّكْبِيرَاتِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ رِوَايَتِهِمْ فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: تَرْجِيحٌ.
وَالثَّانِي: اسْتِعْمَالٌ فَأَمَّا التَّرْجِيحُ فَمِنْ ثَلَاثَةِ أوجه.
أحدهما: أَنَّ أَخْبَارَنَا أَكْثَرُ رُوَاةً وَأَصَحُّ إِسْنَادًا.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا أَزْيَدُ وَأَكْثَرُ عَمَلًا.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ عَمَلُ الْأَئِمَّةِ وَفِعْلُ أَهْلِ الْأَمْصَارِ، قَدْ عَمِلَ بِهِ عُمَرُ وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بِالْمَدِينَةِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ بِالْبَصْرَةِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ بِالْمَدِينَةِ، فَكَانَ الْعَمَلُ بِأَخْبَارِنَا أَوْلَى لِمَا تَضَمَّنَهَا مِنَ التَّرْجِيحِ، وَأَمَّا الاستعمال فمن ثلاثة أوجه:
أحدهما: اسْتِعْمَالُ لَفْظِ الرَّاوِي وَقَوْلِهِ كَصَلَاتِكُمْ هَذِهِ أَيْ: يَتَضَمَّنُهَا رُكُوعٌ وَسُجُودٌ بِخِلَافِ الْجِنَازَةِ، وَقَوْلِهِ فِي الْخَبَرِ الْآخَرِ " كَأَحَدِ صَلَاةٍ صَلَّيْتُمُوهَا " يَعْنِي: مِنْ صَلَاةِ الْخُسُوفِ.
وَالثَّانِي: تَسْلِيمُ الرِّوَايَةِ عَلَى ظَاهِرِهَا وَحَمْلُهَا عَلَى الْجَوَازِ، وَحَمْلُ مَا رُوِّينَاهُ عَلَى الْأَفْضَلِ وَالْمَسْنُونِ، كَمَا تَوَضَّأَ مَرَّةً لِيَدُلَّ عَلَى الْجَوَازِ، وَثَلَاثًا لِيَدُلَّ عَلَى الْأَفْضَلِ.
وَالثَّالِثُ: حَمْلُ رِوَايَتِهِمْ عَلَى أَنَّ الْخُسُوفَ تَجَلَّى سَرِيعًا وَلَمْ يَطُلْ، فَرَكَعَ رُكُوعًا وَاحِدًا، وَحَمْلُ رِوَايَتِنَا عَلَى أَنَّهُ أَطَالَ فَرَكَعَ رُكُوعَيْنِ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ فَإِنْ قِيلَ إِنَّهُ رَكَعَ رُكُوعًا وَاحِدًا ليدل على الجواز، والسنة، فالأولى أن يركع ركوعين في تطويل الخسوف وتجليه فالسنة في طويل الخسوف ركوعان وَفِي قَصِيرِهِ رُكُوعٌ وَاحِدٌ، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ كُلُّ ذَلِكَ مِنَ الِاخْتِلَافِ الْمُبَاحِ، لَيْسَ بَعْضُهُ بِأَوْلَى مِنْ بَعْضٍ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ إِنَّ الْخُسُوفَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا، وَلَيْسَ فِي أَحَدِهِمَا رُكُوعٌ زَائِدٌ، فَيُقَالُ الصَّلَوَاتُ قَدْ تَخْتَلِفُ فِي هَيْئَاتِهَا وأركانا، وَلِكُلِّ صَلَاةٍ هَيْئَةٌ تَخْتَصُّ بِهَا، فَلِصَلَاةِ الْعِيدِ هَيْئَةٌ، وَلِصَلَاةِ الْخُسُوفِ هَيْئَةٌ، وَلَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ هَذَا مُبْطِلًا لِمَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ تَغْيِيرُ هَيْئَاتِهَا، لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُبْطِلًا لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ لِتَغْيِيرِ هَيْئَاتِهَا وَاخْتِلَافِ أَوْصَافِهَا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ إِنَّ الصَّلَاةَ تَخْتَلِفُ فِي أَعْدَادِ رَكَعَاتِهَا، إِلَّا فِي زِيَادَةِ أَرْكَانِهَا فَوَاضِحُ الْفَسَادِ؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ أَعْدَادِهَا تُوجِبُ زِيَادَةَ أَرْكَانِهَا، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ زِيَادَةُ مَعْنَى يَقْتَضِي الِانْفِصَالَ عَنْهُ.
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا صِفَةُ الصَّلَاةِ وَكَيْفِيَّتُهَا، فَهُوَ أَنْ يَبْتَدِئَ بِالْإِحْرَامِ نَاوِيًا صَلَاةَ الْخُسُوفِ، ثُمَّ يَتَوَجَّهَ وَيَسْتَعِيذَ، وَيَقْرَأَ الْفَاتِحَةَ يَبْتَدِئُهَا بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَيَقْرَأُ بَعْدَهَا بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ إِنْ كَانَ يُحْسِنُهَا، أَوْ بِقَدْرِهَا مِنْ غَيْرِهَا عَلَى مَا قَرَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي رِوَايَتِهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَطَالَ الْقِيَامَ الْأَوَّلَ بِنَحْوٍ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ بِقَدْرِ مِائَةِ آيَةٍ، يُسَبِّحُ
فِي رُكُوعِهِ وَلَا يَقْرَأُ، ثُمَّ يَرْفَعُ فَيَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ يَبْتَدِئُهَا بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَهَلْ يَسْتَعِيذُ قَبْلَهَا أَمْ لَا، عَلَى وَجْهَيْنِ ثُمَّ يَقْرَأُ بِقَدْرِ مِائَتَيْ آيَةٍ مِنَ الْبَقَرَةِ، ثُمَّ يَرْكَعُ بِقَدْرِ ثَمَانِينَ آيَةً دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ يَرْفَعُ فَيَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَيَكُونُ فِي رَفْعِ رَأْسِهِ مِنَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ مُكَبِّرًا، وَفِي الثَّانِي قَائِلًا سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَيْهِ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ لَا يُطِيلُ فِيهِمَا، ثُمَّ يَقُومُ إِلَى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَيَسْتَعِيذُ، ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ يَبْتَدِئُهَا بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ثُمَّ يَقْرَأُ بِقَدْرِ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ آيَةً مِنَ الْبَقَرَةِ، ثُمَّ يَرْكَعُ بِقَدْرِ سَبْعِينَ آيَةً، ثُمَّ يَرْفَعُ مُكَبِّرًا، وَهَلْ يَسْتَعِيذُ أَمْ لَا عَلَى وَجْهَيْنِ؟ ثُمَّ يَقْرَأُ مِائَةَ آيَةٍ مِنَ الْبَقَرَةِ، ثُمَّ يَرْكَعُ بِقَدْرِ خَمْسِينَ آيَةً يُسَبِّحُ، ثُمَّ يَرْفَعُ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ لَا يُطِيلُ فِيهِمَا، ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ، هَكَذَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، وَقَدْ حَكَى الْبُوَيْطِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ صَلَّى بِالْبَصْرَةِ لِخُسُوفِ الْقَمَرِ، وَقَرَأَ فِي الْقِيَامِ الْأَوَّلِ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَفِي الثَّانِي بِسُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، وَفِي الثَّالِثِ بِسُورَةِ النِّسَاءِ، وَفِي الرَّابِعِ بِسُورَةِ الْمَائِدَةِ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْأَوَّلِ، وَكَيْفَ قَرَأَ أَجَزْأَهُ، وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى الْفَاتِحَةِ جَازَ، وَلَوْ نَسِيَ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْقِيَامِ الثَّانِي مِنَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى حَتَّى سَجَدَ عَادَ فَانْتَصَبَ قَائِمًا وَقَرَأَ وَرَكَعَ وَسَجَدَ ثُمَّ قَامَ إلى الثانية، وسجد للسهو، فلو أدركه مؤتمر فِي الرُّكُوعِ الثَّانِي لَمْ يُعْتَدَّ لَهُ بِهَذِهِ الرَّكْعَةِ، لِأَنَّ مَا فَاتَهُ مِنْهَا أَكْثَرُهَا، فَصَارَ بِخِلَافِ مَنْ أَدْرَكَهُ رَاكِعًا فِي فَرْضٍ، فَلَوْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَسَائِرِ النَّوَافِلِ مِنْ غَيْرِ رُكُوعٍ زَائِدٍ، فَإِنْ تَأَوَّلَ مَذْهَبَ أبي حنيفة فَلَيْسَ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ، وَإِنْ سهَا وَكَانَ شَافِعِيًّا فَعَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ.
(فَصْلٌ)
: فَإِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى مَا وَصَفْنَا خَطَبَ خُطْبَتَيْنِ:
وَقَالَ مَالِكٌ، وأبو يوسف، لَيْسَ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَخْطُبَ لَهَا.
وَدَلِيلُنَا رِوَايَةُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَسُمُرَةَ بْنُ جُنْدَبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - صَلَّى الْخُسُوفَ ثُمَّ خَطَبَ وَلِأَنَّهَا صَلَاةُ نَفْلٍ سُنَّ لَهَا اجْتِمَاعُ الْكَافَّةِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ من شرطها الخطبة كالعيدين.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَيُسَرُّ فِي خُسُوفِ الشَّمْسِ بِالْقِرَاءَةِ لِأَنَّهَا مِنْ صلاة النهار واحتج بأن ابن عباس قال خسفت الشمس فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - والناس معه فقام قياما طويلا قال نحوا من سُورَةِ الْبَقَرَةِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ثُمَّ رفع فقام قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونُ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا
وَهُوَ دُونُ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طويلا وهو دون الركوع الأول ثم رفع فقام قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونُ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول ثم سجد ثم انصرف وقد تجلت الشمس فقال " إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله " ووصف عن ابن عباس أنه قال كنت إِلَى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فما سمعت منه حرفا لأنه أسر ولو سمعه ما قدر قراءته وروي أن ابن عباس صلى في خسوف القمر ركعتين في كل ركعة ركعتين ثم ركب فخطبنا فقال إنما صليت كما رأيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يصلي قال وبلغنا عن عثمان أنه صلى في ركعة ركعتين ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا صَلَاةُ كُسُوفِ الْقَمَرِ فَالْجَهْرُ فِيهَا مَسْنُونٌ إِجْمَاعًا لِأَنَّهَا مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ، فَأَمَّا صَلَاةُ خُسُوفِ الشَّمْسِ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يُسَرُّ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ.
وَقَالَ أبو يوسف ومحمد وَإِسْحَاقُ: يُجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ.
اسْتِدْلَالًا بِرِوَايَةِ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - صَلَّى لِخُسُوفِ الشَّمْسِ فَجَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةُ نَفْلٍ كَالْعِيدَيْنِ.
وَدَلِيلُنَا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ رَسُولِ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - صَلَاةَ خُسُوفِ الشَّمْسِ فَلَمْ أَسْمَعْ مِنْهُ وَلَا حَرْفًا، وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةُ نَهَارٍ يُفْعَلُ مِثْلُهَا فِي اللَّيْلِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِنْ صِفَتِهَا الْإِسْرَارُ كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ لِخُسُوفِ أَحَدِ النَّيِّرَيْنِ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ سُنَّتُهَا كَسُنَّةِ الصَّلَوَاتِ الرَّاتِبَةِ فِي وَقْتِهَا.
أَصْلُهُ: خُسُوفُ الْقَمَرِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَقَدْ رُوِّينَا عَنْهَا خِلَافَهُ، عَلَى أَنَّنَا نَحْمِلُ قَوْلَهَا جَهَرَ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ:
إِمَّا عَلَى أَنَّهُ جَهَرَ بِالْآيَةِ وَالْآيَتَيْنِ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ أَسْمَعَ نَفْسَهُ وَذَلِكَ يُسَمَّى جَهْرًا، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَا أَسَرَّ مَنْ أَسْمَعَ نَفْسَهُ، وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ فَمُعَارَضٌ بِقِيَاسِنَا وَهُوَ أولى لشهادة الأصول له.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِنِ اجْتَمَعَ عِيدٌ وَخُسُوفٌ وَاسْتِسْقَاءٌ وَجِنَازَةٌ بُدِئَ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَضَرَ الإمام أمر من يقوم به وَبُدِئَ بِالْخُسُوفِ ثُمَّ يُصَلّي الْعِيد ثُمَّ أُخِّرَ الاستسقاء إلى يوم آخر وإن خاف فوت العيد صلاها وخفف ثم خرج منها إلى صلاة الخسوف ثم يخطب للعيد وللخسوف ولا يضره أن يخطب بعد الزوال لهما
وإن كان في وقت الجمعة بدأ بصلاة الخسوف وخفف فقرأ في كل ركعة بأم القرآن وقل هو الله أحد وما أشبهها ثم يخطب للجمعة ويذكر فيها الخسوف ثم يصلي الجمعة ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَنْ يَجْتَمِعَ عِيدٌ وَخُسُوفٌ، وَاسْتِسْقَاءٌ، وَجِنَازَةٌ، فَالْأَوْلَى تَأْخِيرُ الِاسْتِسْقَاءِ، لِإِمْكَانِ فِعْلِهِ فِي كُلِّ زَمَانٍ، ثُمَّ يَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ إِنْ حَضَرَتْ، لِتَأْكِيدِهَا، وَلِمَا أُمِرَ بِهِ مِنَ الْمُبَادَرَةِ بِهَا، مَعَ مَا يُخَافُ مِنْ تَغْيِيرِ الْمَيِّتِ وَالتَّأَذِّي بِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي الْخُسُوفَ، ثُمَّ الْعِيدَ بَعْدَهُ، لِأَنَّ بَقَاءَ وقت للعيد مُتَيَقَّنٌ إِلَى زَوَالِ الشَّمْسِ، وَبَقَاءَ الْخُسُوفِ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ، وَرُبَّمَا أَسْرَعَ تَجَلِّيهِ، فَإِنْ ضَاقَ وَقْتُ الْعِيدِ وَعَلِمَ أَنَّهُ إِنِ اشْتَغَلَ بِصَلَاةِ الْخُسُوفِ لَمْ يُدْرِكْ صَلَاةَ الْعِيدِ بَدَأَ بِصَلَاةِ الْعِيدِ أَوَّلًا، ثُمَّ صَلَّى الْخُسُوفَ بَعْدَهَا، لِأَنَّ فَوَاتَ الْعِيدِ مُتَيَقَّنٌ وَبَقَاءَ الْخُسُوفِ مُجَوِّزٌ، فَكَانَتِ الْبِدَايَةُ بِمَا يُتَيَقَّنُ فَوَاتُهُ أَوْلَى، فَإِذَا صَلَّى الْعِيدَ لَمْ يَخْطُبْ، وَصَلَّى لِلْخُسُوفِ، ثُمَّ خَطَبَ لَهُمَا بَعْدَ الزَّوَالِ، لِأَنَّ خُطْبَةَ الْعِيدِ سُنَّةٌ، فَجَازَ فِعْلُهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ خُطْبَةُ الْجُمْعَةِ، لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ، فَلَمْ يَجُزْ فِعْلُهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا.
فَإِنْ قِيلَ: تَصَوُّرُ الشَّافِعِيِّ اجْتِمَاعَ الْخُسُوفِ وَالْعِيدِ مُحَالٌ، لِأَنَّ الْعِيدَ إِمَّا أَنْ يكون في أول للشهر إِنْ كَانَ فِطْرًا، أَوْ فِي الْعَاشِرِ إِنْ كَانَ نَحْرًا، وَالْخُسُوفَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ إِنْ كَانَ لِلشَّمْسِ، وَفِي الرَّابِعَ عَشَرَ إِنْ كَانَ لِلْقَمَرِ، فَاسْتَحَالَ اجْتِمَاعُ الْخُسُوفِ والعيد.
قيل عن هذا أجوبة.
أحدهما: أَنَّ الشَّافِعِيَّ لَمْ يَكُنْ غَرَضُهُ فِي هَذَا تَصْحِيحَ وُقُوعِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ غَرَضُهُ الْكَشْفَ عَنْ مَعَانِي الْأَحْكَامِ بِإِيقَاعِ التَّفْرِيعِ فِي الْمَسَائِلِ لِيَتَّضِحَ الْمَعْنَى، وَيَتَّسِعَ الْفَهْمُ، وَبِذَلِكَ جَرَتْ عَادَةُ الْعُلَمَاءِ فِي تَفْرِيِعِ الْمَسَائِلِ، حَتَّى قَالُوا فِي الْفَرَائِضِ مِائَةُ جَدَّةٍ وَخَمْسُونَ أُخْتًا، وَإِنْ كَانَ وُجُودُ ذَلِكَ مُسْتَحِيلًا.
جَوَابٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ تكلم على ما يقتضيه قَوْلُ أَهْلِ النُّجُومِ الَّذِي لَا يُسَوِّغُ قَبُولَ قَوْلِهِمْ، وَقَدْ نَقَلَ الْوَاقِدِيُّ وَأَهْلُ السِّيَرِ أَنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ فِي الْيَوْمِ الذي مات فيه إبراهيم بن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، وَكَانَ الْيَوْمَ الْعَاشِرَ مِنَ الشَّهْرِ، وَرَوَى ذَلِكَ عَلْقَمَةُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَقِيلَ كَانَ الْيَوْمَ الْعَاشِرَ مِنْ رَمَضَانَ، وَقِيلَ الْعَاشِرَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَقِيلَ الشَّمْسُ خَسَفَتْ يَوْمَ مَاتَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكَانَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ.
جَوَابٌ ثَالِثٌ: أَنَّهُ وَإِنْ كَانَتِ الْعَادَةُ فيما ذكروا فقد ينقص عِنْدَ قِيَامِ السَّاعَةِ وَوُجُودِ أَشْرَاطِهَا، فَبَيَّنَ الْحُكْمَ فِيهَا قَبْلَ وُجُودِهَا، فَلَوِ اجْتَمَعَ عِيدٌ وَخُسُوفٌ وَجُمْعَةٌ وَضَاقَ وَقْتُ الْجَمِيعِ بَدَأَ بِالْعِيدِ أَوَّلًا، لِتَعْجِيلِ فَوَاتِهِ، ثُمَّ الْجُمْعَةِ، لِأَنَّهَا مِنْ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ، ثُمَّ الْخُسُوفِ،
فَلَوْ تَعَجَّلَ وَقْتَ الْخُسُوفِ بَدَأَ بِالصَّلَاةِ لَهُ وَلَمْ يَخْطُبْ، ثُمَّ صَلَّى الْعِيدَ، ثُمَّ خَطَبَ لِلْجُمْعَةِ وَذَكَرَ فِيهَا الْخُسُوفَ وَالْعِيدَ، ثُمَّ صَلَّى الْعِيدَ، ثُمَّ خَطَبَ لِلْجُمْعَةِ وَذَكَرَ فِيهَا الْخُسُوفَ والعيد، ثم صلى الجمعة.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِنْ خَسَفَ الْقَمَرُ صَلَّى كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ لِأَنَّهَا صَلَاةُ اللَّيْلِ فَإِنْ خَسَفَ بِهِ فِي وَقْتِ قُنُوتٍ بَدَأَ بِالْخُسُوفِ قَبْلَ الوتر وقبل ركعتي الفجر وإن فاتتا لأنهما صَلَاةُ انْفِرَادٍ وَيَخْطُبُ بَعْدَ صَلَاةِ الْخُسُوفِ لَيْلًا وَنَهَارًا وَيَحُضُّ النَّاسَ عَلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُهُمْ بِالتَّوْبَةِ والتقرب إلى الله عز وجل ويصلي حيث يصلي الجمعة لا حيث يصلي الْأَعْيَادَ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، السُّنَّةُ فِي كُسُوفِ الْقَمَرِ أَنْ يُصَلِّي لَهَا جَمَاعَةً كَخُسُوفِ الشَّمْسِ.
وَقَالَ مَالِكٌ وأبو حنيفة يُصَلِّي النَّاسُ أَفْرَادًا، لِأَنَّهَا مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ.
وَدَلِيلُنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - صَلَى لِخُسُوفِ الشَّمْسِ جَمَاعَةً، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ فَرَاغِهِ: " إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَافْرَغُوا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَإِلَى الصَّلَاةِ " وَأَشَارَ إِلَى الصَّلَاةِ الَّتِي فَعَلَهَا فِي جَمَاعَةٍ، وَكَانَتْ بَيَانًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ) {فصلت: 37) .
وَرَوَى الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ صَلَّى بِالْبَصْرَةِ لِكُسُوفِ الْقَمَرِ في جماعة، ثم ركب بعيره وخطب، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ لَمْ أَبْتَدِعْ هَذِهِ الصَّلَاةَ بِدَعَةً، وَإِنَّمَا فَعَلْتُ كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَفْعَلُ، وَلِأَنَّهُ خُسُوفٌ سُنَّ لَهُ الصَّلَاةُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِنْ سُنَّتِهَا الْجَمَاعَةُ كَخُسُوفِ الشَّمْسِ، ولأنهما صلاتان يتجانسان، فَإِذَا سُنَّ الْإِجْمَاعُ لِأَحَدِهِمَا سُنَّ لِلْأُخْرَى كَالْعِيدَيْنِ، وَيُجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ لِأَنَّهَا مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَيُخْطَبُ بَعْدَ الصَّلَاةِ كَمَا يُخْطَبُ فِي خُسُوفِ الشَّمْسِ.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " فإن لم يصل حتى تغيب كَاسِفَةً أَوْ مُنْجَلِيَةً أَوْ خَسَفَ الْقَمَرُ فَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى تَجَلَّى أَوْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ لَمْ يُصَلِّ لِلْخُسُوفِ فَإِنْ غَابَ خَاسِفًا صَلَّى لِلْخُسُوفِ بعد الصبح ما لم تطلع الشمس ويخفف للفراغ قبل طلوع الشَّمْسُ فَإِنْ طَلَعَتْ أَوْ أَحْرَمَ فَتَجَلَّتْ أَتَمُّوهَا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا لَمْ يُصَلِّ لِخُسُوفِ الشَّمْسِ حَتَّى غَرَبَتْ لَمْ يُصَلِّ لَهَا لِفَقْدِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لَهَا بِذَهَابِ زَمَانِ الشَّمْسِ وَسُلْطَانِهَا، فَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ زَمَانُهَا لَكِنْ لم يصل