الحاوي الكبيرصفحات 355-394
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطهارة

صفحات 355-394
عن هذه الطبعة
عَلَم
الماوردي
الكتاب
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
المؤلف
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
المحقق
الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1419 هـ -1999 م
عدد الأجزاء
19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ، وَكُنْتَ امْرَءًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَأَتَيْتُكَ أَسْأَلُكَ هَلْ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - شَيْئًا فَقَالَ: نَعَمْ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَأْمُرُنَا إِذَا كُنَّا سَفْرَى أَنْ لَا نَنْزِعَ خفافنا ثلاثة أيامٍ ولياليهن إلا من جنابةٍ لَكِنْ مِنْ غائطٍ وبولٍ ونومٍ.
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ سَمِعَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يُحَدِّثُ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِي قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَالَتْ: سَلْ عَلِيًّا، فَإِنَّهُ كَانَ يَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: " كَانَ الْنَبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُولُ: " يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ لِلْمُقِيمِ وَثَلَاثَةُ أيامٍ وَلَيَالِيهِنَّ لِلْمُسَافِرِ ". وَبِمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ فَدَلَّتْ هَذِهِ الْأَخْبَارُ عَلَى تَحْدِيدِ الْمَسْحِ وَالْحَدِّ بِمَنْعِ الْمَحْدُودِ مِنْ مُشَارَكَةِ غَيْرِهِ فِي حُكْمِهِ، وَلِأَنَّ الْمَسْحَ إِذَا كَانَ عَلَى حَائِلٍ يُقَدَّرُ بِالْحَاجَةِ مِنْ غَيْرِ مُجَاوِزَةٍ كَالْجَبِيرَةِ وَحَاجَةِ الْمُقِيمِ إِلَى لُبْسِ الْخُفَّيْنِ لَا يَسْتَدِيمُ فِي الْغَالِبِ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَالْمُسَافِرُ لَا تَسْتَدِيمُ حَاجَتُهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ.
فأما حديث أبي بن عِمَارَةَ فَدَالٌّ عَلَى جَوَازِ الْمَسْحِ مَا شَاءَ، وهذا صحيح، إذا نزع خفيه كل ثلاث ولم يأمره باستدامته مَا شَاءَ.
وَأَمَّا حَدِيثُ خُزَيْمَةَ فَلَا دَلِيلَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مَا اسْتَزَادَهُ، وَلَوِ اسْتَزَادَهُ لَجَازَ أَنْ لَا يَزِيدَهُ بَلْ هُوَ ظَنٌّ يُقَابَلُ بِمِثْلِهِ، وَأَمَّا حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عُمَارَةَ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بِخِلَافِهِ، وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ الْجَوَابُ عَنْهُ مَا ذَكَرْنَا فِي حَدِيثِ أُبَيِّ بن عُمَارَةَ وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى مَسْحِ الرَّأْسِ وَالْجَبِيرَةِ، فَإِنْ كَانَتِ الْجَبِيرَةُ أَصْلًا فَقَدْ جَمَعْنَا بَيْنَهُمَا بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَا، وَإِنْ كَانَ مَسْحُ الرَّأْسِ امْتَنَعَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فَإِنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ أَصْلٌ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْحَاجَةُ الدَّاعِيَةُ إِلَيْهِ بِخِلَافِ الْخُفَّيْنِ.

(فَصْلٌ)

: فَأَمَّا الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ بَدَلًا مِنْ مَسْحِ الرَّأْسِ فَلَا يَجُوزُ عِنْدَ الْكَافَّةِ إِلَّا مَا انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فَجَوَّزَا ذَلِكَ اسْتِدْلَالًا بِمَا رَوَى رَاشِدُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سَرِيَّةً فَأَصَابَهُمُ الْبَرْدُ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أمرهم أن

يَمْسَحُوا عَلَى الْعَصَائِبِ وَالتَّسَاخِينِ، وَالتَّسَاخِينُ: الْخِفَافُ، وَالْعَصَائِبُ الْعَمَائِمُ، وَقَالَ الْفَرَزْدَقُ: (وركبٍ كَأَنَّ الرِّيحَ تَطْلُبُ منهم ... لهاترةٍ مِنْ جَذْبِهَا لِلْعَصَائِبِ)

يَعْنِي: الْعَمَائِمَ.
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَعَثَ جَيْشًا وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى الْمَشَاوِذِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ الْمَشَاوِذُ: الْعَمَائِمُ، وَأَنْشَدَ قَوْلَ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ: (إِذَا مَا شَدَدْتُ الْرأْسَ مِنِّي بِمِشْوَذٍ ... فَقَصْدُكَ مِنِّي تَغْلِبُ ابْنَةُ وائلٍ)

ودليلنا قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ فَأَوْجَبَ مَسْحَ الرَّأْسِ بِغَيْرِ حَائِلٍ، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حِينَ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ: " هَذَا وضوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إِلَّا بِهِ ". وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي مَعْقِلٍ عن أنس ابن مَالِكٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَتَوَضَّأُ وَعَلَيْهِ عمامة

ٌ فَصَلَّ

ى بِهِ فَأَدْخَلَ يَدَهُ من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه، ولم يَنْقُضِ الْعِمَامَةَ فَلَوْ جَازَ الِاقْتِصَارُ عَلَى مَسْحِ الْعِمَامَةِ لَمَا تَكَلَّفَ هَذَا، وَرَوَى ابْنُ سِيرِينَ عَنْ عَمْرِو بْنِ وَهْبٍ الثَّقَفِيِّ عَنِ الْمُغِيرَةِ بن شعبة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - تَوَضَّأَ فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعِمَامَتِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى مَسْحِ الْعِمَامَةِ لَا يُجْزِئُ، وَلِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الرَّأْسِ مُمْكِنٌ، مَعَ بَقَاءِ الْعِمَامَةِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الْمَسْحِ عَلَيْهَا لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ غَيْرُ مُمْكِنٍ مَعَ بَقَاءِ الْخُفَّيْنِ، فَجَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَيْهِ، وَلِأَنَّ الْعُدُولَ عَنِ الْغَسْلِ إِلَى الْمَسْحِ رُخْصَةٌ، وَالْعُضْوُ الْوَاحِدُ لَا يَجْتَمِعُ فِيهِ رُخْصَتَانِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْحَدِيثَيْنِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَرَادَ عَصَائِبَ الْجِرَاحِ، وَلِذَلِكَ خَاطَبَ أَهْلَ السَّرَايَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ عَنَى صِغَارَ الْعَمَائِمِ الَّتِي يَصِلُ بِالْمَسْحِ عَلَيْهَا إِلَى مَسْحِ الرَّأْسِ كَمَا رَوَاهُ الْمُغِيرَةُ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ إِنَّ مَا ذَكَرَ الْفَرَزْدَقُ مِنَ الْعَصَائِبِ فِي شِعْرِهِ فَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْأَلْوِيَةَ والْمَشَاوِذَ: هِيَ عَصَائِبُ تُلَفُّ عَلَى الرَّأْسِ فِي الحروب علامة والله أعلم.

(مسألة)

: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِذَا تَطَهَّرَ الرَّجُلُ الْمُقِيمُ بغسلٍ أَوْ وضوءٍ ثُمَّ أَدْخَلَ رِجْلَيْهِ الْخُفَّيْنِ وَهُمَا طَاهَرَتَانِ ثُمَّ أحدث فإنه يسمح عَلَيْهِمَا مِنْ وَقْتِ مَا أَحْدَثَ يَوْمًا

وَلَيْلَةً وَذَلِكَ إِلَى الْوَقْتِ الَّذِي أَحْدَثَ فِيهِ فَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا مَسَحَ ثَلَاثَةَ أيامٍ وَلَيَالِيهِنَّ إِلَى الْوَقْتِ الَذِي أَحْدَثَ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا ثَبَتَ تَحْدِيدُ الْمَسْحِ لِلْمُقِيمِ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَلِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَوَّلِ زَمَانِهِ فَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ أَوَّلُ زَمَانِهِ مِنْ وَقْتِ لِبَاسِهِ الْخُفَّيْنِ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ أَوَّلُ زَمَانِهِ مِنْ وَقْتِ مَسْحِهِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وأبو حنيفة أَوَّلُ زَمَانِهِ مَنْ وَقْتِ حَدَثِهِ بَعْدَ لِبَاسِ الْخُفَّيْنِ.
وَاسْتَدَلَّ مَنِ اعْتَبَرَ أَوَّلَ زَمَانِ حَدَثِهِ مِنْ وَقْتِ اللِّبَاسِ بِحَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَأْمُرُنَا إِذَا كُنَّا مُسَافِرِينَ أَوْ سَفَرًا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ، فَجَعَلَ الثَّلَاثَةَ مُدَّةَ اللِّبَاسِ.
وَاسْتَدَلَّ مَنِ اعْتَبَرَ أَوَّلَ زَمَانِهِ مِنْ وَقْتِ الْمَسْحِ بِحَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: يَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أيامٍ وَلَيَالِيهِنَّ فَجَعَلَ ذَلِكَ مُدَّةَ الْمَسْحِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ زَمَانِهِ مِنْ وَقْتِ الْحَدَثِ إِنَّكَ تَجْعَلُ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ حُجَّةً عَلَى الْآخَرِ، ثُمَّ تَسْتَدِلُّ بِالْمَعْنَى الدَّالِّ عَلَيْهِمَا، وَهُوَ أَنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ اعْتُبِرَ فِيهَا الْوَقْتُ فَإِنَّ ابْتِدَاءَ وَقْتِهَا مَحْسُوبٌ مِنَ الْوَقْتِ الَّذِي يُمْكِنُ فِيهِ فِعْلُهَا وَصِفَتُهَا مُعْتَبَرَةً بِوَقْتِ أَدَائِهَا كَالصَّلَاةِ إِنْ كَانَتْ ظُهْرًا فَأَوَّلُ وَقْتِهَا زَوَالُ الشَّمْسِ، وَصِفَتُهَا فِي الْقَصْرِ وَالْإِتْمَامِ بِوَقْتِ الْأَدَاءِ وَالْفِعْلِ، فَإِنْ كَانَ وَقْتَ فِعْلِهَا وَأَدَائِهَا مُسَافِرًا قَصَرَ، وَإِنْ كَانَ مُقِيمًا أَتَمَّ كَذَلِكَ الْمَسْحُ أَوَّلَ زَمَانِهِ مِنْ وَقْتِ الْحَدَثِ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْفِعْلِ وَصِفَتَهُ فِي مَسْحِ الْمُقِيمِ وَالْمُسَافِرِ مُعْتَبَرٌ بِوَقْتِ الْمَسْحِ.

(فَصْلٌ)

: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ زَمَانَ الْمَسْحِ مِنْ وَقْتِ الْحَدَثِ، فَإِذَا أَحْدَثَ بَعْدَ لِبَاسِ خُفَّيْهِ عَلَى طَهَارَةٍ مَسَحَ مِنْ وَقْتِ حَدَثِهِ إِلَى مِثْلِهِ مِنَ الْغَدِ إِنْ كَانَ مُقِيمًا، وَإِلَى مِثْلِهِ مِنَ الْيَوْمِ الرَّابِعِ إِنْ كَانَ مُسَافِرًا، وَأَكْثَرُ مَا يُمْكِنُ الْمُقِيمَ أَنْ يُصَلِّيَ بِالْمَسْحِ سِتُّ صَلَوَاتٍ مُؤَقَّتَاتٍ إِلَّا أَنْ يَجْمَعَ فَيُصَلِّيَ سَبْعًا مِثَالُهُ: أَنْ يُحْدِثَ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَقَدْ مَضَى بَعْضُ الْوَقْتِ فَيَمْسَحُ وَيُصَلِّي الظُّهْرَ، ثُمَّ الْعَصْرَ ثُمَّ الْمَغْرِبَ ثُمَّ الْعِشَاءَ ثُمَّ الصُّبْحَ ثُمَّ الظُّهْرَ، فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا ثُمَّ الْعَصْرَ يَجْمَعُهَا إِلَيْهَا، وَأَكْثَرُ مَا يُمْكِنُ الْمُسَافِرَ أَنْ يُصَلِّيَ بِالْمَسْحِ سِتَّ عَشْرَةَ صَلَاةً، إِلَّا أَنْ يَجْمَعَ فَيُصَلِّيَ سَبْعَ عَشْرَةَ مِنْهُنَّ عَشْرٌ فِي يَوْمَيْنِ، وَسَبْعٌ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ جَمْعِهِ، وَيَجُوزُ فِي زَمَانِ الْمَسْحِ أَنْ يُصَلِّيَ مَا شَاءَ مِنَ الْفَوَائِتِ وَالنَّوَافِلِ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الْمَسْحِ مُقَدَّرٌ بِالزَّمَانِ لَا بِالصَّلَوَاتِ، فَلَوْ شَكَّ فِي وَقْتِ حَدَثِهِ هَلْ كَانَ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ أَوْ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ؟ حَسِبَهُ مِنْ وَقْتِ الظُّهْرِ احْتِيَاطًا، وَقَالَ الْمُزَنِيُّ يَحْتَسِبُ من وقت العصر، لأنه متيقن حدوث حدثه،

وَشَاكٌّ فِي تَقَدُّمِهِ، وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الْمَسْحِ رُخْصَةٌ، وَالرُّخَصُ تُبْنَى عَلَى الِاحْتِيَاطِ، وَأُحْوَطُ حَالَتِهِ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى أَوَّلِ زَمَانَيْ شَكِّهِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ شَكَّ هَلْ صَلَّى بِالْمَسْحِ خَمْسًا أَوْ سِتًّا حَسِبَهَا فِي الْمَسْحِ سِتًّا احْتِيَاطًا لِلْمَسْحِ، وَفِي الْأَدَاءِ خَمْسًا احْتِيَاطًا لِلْفَرْضِ، والله أعلم.

(مسألة)

: قال الشافعي رضي الله عنه: " وإذا جاوز الوقت فقد القطع الْمَسْحُ فَإِنْ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ وَصَلَّى بَعْدَ ذَهَابِ وقت المس أعاد غسل رجليه والصلاة ". إذا أنقض الْمَسْحِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَلِّيَ بِمَا تَقَدَّمُ مِنَ الْمَسْحِ شَيْئًا، وَلَا أَنْ يَسْتَأْنِفَ بَعْدَهُ مَسْحًا، فَإِنْ كَانَ عِنْدَ تَقَضِّي زَمَانِ الْمَسْحِ فِي صَلَاةٍ، بَطُلَتْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي صَلَاةٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَأْنِفَهَا، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَ تَقَضِّي زَمَانِ الْمَسْحِ مَا شَاءَ مَا لَمْ يُحْدِثْ، وَقَالَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ يَجُوزُ أَنْ يَنْزِعَ خُفَّيْهِ، وَأَنْ يُصَلِّيَ مَا لَمْ يُحْدِثْ، وَلَا يَجُوزُ إِنْ كَانَ لَابِسَهُمَا أَنْ يُصَلِّيَ شَيْئًا، وَاسْتَدَلَّا بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الشَّرْعَ يَمْنَعُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُرُورُ الزَّمَانِ حَدَثًا اعْتِبَارًا بِسَائِرِ الطَّهَارَاتِ.
والثاني: أن مسح الخفين بدل مِنْ مَسْحِ الرِّجْلَيْنِ، وَحُكْمُ الْبَدَلِ حُكْمُ مُبْدَلِهِ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ مُرُورُ الزَّمَانِ مُؤَثِّرًا فِي غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ لَمْ يَكُنْ مُؤَثِّرًا فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَدَّرَ زَمَانَ الْمَسْحِ، وَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَجْعَلَهُ مِنَ الزَّمَانِ حَدًّا مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ إما أن يكون حداً لفعل المسح أو حداً لاستدامة حكمه فلما لم يكن حداً لأمرين بِأَنْ يَكُونَ مُرَادًا أَوْلَى مِنْ صَاحِبِهِ فَحَمَلَ عَلَيْهَا وَجَعَلَ مَأْخَذَهُ مِنَ الزَّمَانِ وَقْتًا لِفِعْلِ الْمَسْحِ، وَحُكْمِهِ جَمِيعًا، وَلَا يَصِحُّ جَمْعُهُمْ بَيْنَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَبَيْنَ سَائِرِ الطَّهَارَاتِ، وَكَذَلِكَ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ مَحْدُودُ الزَّمَانِ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ لِمُرُورِ الزَّمَانِ تَأْثِيرٌ فِي نَقْضِهِ، وَلَيْسَ لِسَائِرِ الطَّهَارَاتِ زَمَانٌ مَحْدُودٌ فَلَمْ يُؤَثِّرْ مُرُورُ الزَّمَانِ فِي نَقْضِهِ.

(فَصْلٌ)

: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ تَقَضِّيَ زَمَانِ الْمَسْحِ بِتَقَضِّي ظُهُورِ الْقَدَمَيْنِ، فَلَا يَخْلُو حَالُهُ عِنْدَ تَقَضِّيهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَلَى طُهْرٍ أَوْ حَدَثٍ، فَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا تَوَضَّأَ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ لُبْسَ خُفَّيْهِ وَالْمَسْحَ عَلَيْهِمَا إِنْ شَاءَ، وَإِنْ كَانَ مُتَوَضِّئًا فَعَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَتَوَضَّأُ.
وَالثَّانِي: يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ، بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِيمَنْ نَزَعَ خُفَّيْهِ فِي زَمَانِ الْمَسْحِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ والله أعلم.
(مسألة) : قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ مَسَحَ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ أَتَمَّ مَسْحَ مقيمٍ وَلَوْ مَسَحَ مُسَافِرًا ثُمَّ أَقَامَ مَسَحَ مَسْحَ مُقِيمٍ ".

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا إِذَا ابْتَدَأَ بِالْمَسْحِ مُسَافِرًا ثُمَّ أَقَامَ مَسَحَ مَسْحَ مُقِيمٍ يَوْمًا وَلَيْلَةً باتفاقٍ فِي الْحُكْمِ، وَإِنْ كَانَ مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْعِلَّةِ، فَالشَّافِعِيُّ يَجْعَلُ الْعِلَّةَ فِيهِ أَنَّ الْإِقَامَةَ أَغْلَظُ حَالَيْهِ وأبو حنيفة يَجْعَلُ الْعِلَّةَ فِيهِ أَنَّ الْإِقَامَةَ نِهَايَةُ حَالَيْهِ، فَأَمَّا إِذَا ابْتَدَأَ بِالْمَسْحِ مُقِيمًا ثُمَّ سَافَرَ فَقَدِ اخْتَلَفُوا لِاخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ، فَمَالَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ يَمْسَحُ مَسْحَ مُقِيمٍ؛ لِأَنَّهُ أَغْلَظُ حَالَيْهِ، وَقَالَ أبو حنيفة يَمْسَحُ مَسْحَ مُسَافِرٍ؛ لِأَنَّهَا نِهَايَةُ حَالَيْهِ، وَتَعَلُّقًا بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قال: " يمسح المسافر ثلاثة أيامٍ ولياليهن " وَهَذَا مُسَافِرٌ، وَلِأَنَّهُ مَاسِحٌ جَمَعَ بَيْنَ حَضَرٍ وَسَفَرٍ، فَوَجَبَ أَنَّهُ يَعْتَبِرُ حَالَهُ بِانْتِهَائِهَا كَالْمُسَافِرِ، إِذَا أَقَامَ.
وَدَلِيلُنَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " يَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً " وَهَذَا قَدْ كَانَ مُقِيمًا فَلَزِمَهُ حُكْمُ الْإِقَامَةِ، وَلِأَنَّهُ مَاسِحٌ جَمَعَ بَيْنَ حَضَرٍ وَسَفَرٍ فَوَجَبَ أَنْ يُغَلِّبَ حُكْمَ الْحَضَرِ عَلَى حُكْمِ السَّفَرِ، كَالْمُسَافِرِ إِذَا أَقَامَ، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَخْتَلِفُ بِالْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَوَجَبَ إِذَا أَنْشَأَهَا فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ أَنْ يُغَلِّبَ حُكْمَ الْحَضَرِ كَالصَّلَاةِ إِذَا افْتَتَحَهَا مُقِيمًا ثُمَّ سَافَرَ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنَ الدَّلَائِلِ انْفِصَالٌ عَنْ دَلَائِلِهِمْ.

(فَصْلٌ)

: فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا فَلَا يَخْلُو حَالُ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُقِيمًا فَيُسَافِرَ أَوْ يَكُونَ مُسَافِرًا فَيُقِيمَ فَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُقِيمًا ثُمَّ يُسَافِرُ فَلَهُ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُسَافِرَ بَعْدَ لُبْسِ خُفَّيْهِ، وَقَبْلَ حَدَثِهِ فَلَهُ أَنْ يَمْسَحَ ثَلَاثًا مَسْحَ مُسَافِرٍ لَا يَخْتَلِفُ الْمَسْحُ فِيهِ، لِأَنَّ مُجَرَّدَ اللُّبْسِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُسَافِرَ بَعْدَ لُبْسِ خُفَّيْهِ، وَبَعْدَ حَدَثِهِ، وَقَبْلَ مَسْحِهِ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ يَمْسَحُ ثَلَاثًا مَسْحَ مُسَافِرٍ، وَأَوَّلُ زَمَانِ مَسْحِهِ مِنْ وَقْتِ حَدَثِهِ فِي الْحَضَرِ، وَقَالَ الْمُزَنِيُّ يَمْسَحُ يَوْمًا وَلَيْلَةً مَسْحَ مُقِيمٍ، لِأَنَّ ابْتِدَاءَ مُدَّةِ مَسْحِهِ، مَوْجُودَةٌ فِي الْحَضَرِ وَالْحَدَثُ كَالْمَسْحِ فِي اعْتِبَارِهِ مِنْ زَمَانِ الْمَسْحِ أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّهُ مَرَّ عَلَيْهِ بَعْدَ حَدَثِهِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَلَمْ يَمْسَحْ، فَقَدِ انْقَضَتِ الْمُدَّةُ كَمَا لَوْ مَسَحَ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ خَطَأٌ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ صِفَةَ الْعِبَادَةِ مُعْتَبَرَةٌ بِزَمَانِ الْفِعْلِ، لَا بِوَقْتِ الْعِبَادَةِ كَالصَّلَاةِ فِي الْقَصْرِ وَالْإِتْمَامِ مُعْتَبَرَةٌ بِوَقْتِ فِعْلِهِ لَا وَقْتِ وُجُوبِهَا، وَكَذَا الْمَسْحُ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا يَخْلُو سَفَرُهُ بَعْدَ الْحَدَثِ، وَقَبْلَ الْمَسْحِ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ مُضِيِّ وَقْتِ صَلَاةٍ أَوْ بَعْدَ مُضِيِّ وَقْتِ صَلَاةٍ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ مُضِيِّ وقت صلاة

مَسَحَ ثَلَاثًا مَسْحَ مُسَافِرٍ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ مُضِيِّ وَقْتِ صَلَاةٍ فَفِيهِ لِأَصْحَابِنَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُ يَمْسَحُ يوماً وليلة مسح مقيم؛ لأن يَقْضِيَ وَقْتَ الصَّلَاةِ فِي الْحَضَرِ فِي حُكْمِ فِعْلِهَا فِي الْحَضَرِ، فِي وُجُوبِ الْإِتْمَامِ، كَذَلِكَ فِي الْمَسْحِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ يَمْسَحُ ثَلَاثًا مَسْحَ مُسَافِرٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْتَدِئْ بِالْمَسْحِ إِلَّا وَهُوَ مُسَافِرٌ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يُسَافِرَ بَعْدَ أَنْ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ فَيَمْسَحُ يَوْمًا وَلَيْلَةً مَسْحَ مُقِيمٍ وَقَدْ مَضَى خِلَافُ أبي حنيفة فِيهَا، فَلَوْ كَانَ قَدْ أَكْمَلَ مَسْحَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي الْحَضَرِ، قَبْلَ سَفَرِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ بَعْدُ فِي سَفَرِهِ شَيْئًا لِاسْتِيفَاءِ مَسْحِ الْإِقَامَةِ إِلَّا أَنْ يَسْتَأْنِفَ مسحاً مبتدئاً.
والحالة الرَّابِعَةُ: أَنْ يُسَافِرَ وَيَشُكَّ هَلْ مَسَحَ قَبْلَ سَفَرِهِ أَمْ لَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَعْمَلَ عَلَى أَغْلَظِ حَالَيْهِ، وَإِنِ ابْتَدَأَ بِالْمَسْحِ مُسَافِرًا، ثُمَّ أَقَامَ بِالْمَسْحِ قَبْلَ سَفَرِهِ فَيَمْسَحُ يَوْمًا وَلَيْلَةً، مسح مقيم؛ فإن خالفه وَمَسَحَ ثَلَاثًا مَسْحَ مُسَافِرٍ أَعَادَ مَا صَلَّى بِالْمَسْحِ فِي الْيَوْمَيْنِ الْآخَرَيْنِ، لِأَنَّهُ صَلَّى وَهُوَ شَاكٌّ فِي صِحَّةِ طَهَارَتِهِ، فَلَوْ صَلَّى بِالْمَسْحِ يَوْمَيْنِ، وَهُوَ عَلَى شَكِّهِ ثُمَّ تَيَقَّنَ فِي الثالثة أنه مسافر قَبْلَ مَسْحِهِ جَازَ لَهُ الْمَسْحُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَيَسْتَوْفِي مُدَّةَ الْمَسْحِ فِي السَّفَرِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ مَا صَلَّى بِالْمَسْحِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ حِينَ صَلَّى كَانَ شَاكًّا فِي طَهَارَتِهِ، فَصَلَّى كَمَنْ صَلَّى عَلَى شَكٍّ مِنْ وُضُوئِهِ ثُمَّ تَيَقَّنَ بَعْدَ فَرَاغِهِ أَنَّهُ كَانَ مُتَوَضِّئًا أَعَادَ.

(فَصْلٌ)

: وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُسَافِرًا ثُمَّ يُقِيمُ، فَلَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ مَسَحَ فِي سَفَرِهِ شَيْئًا أَمْ لَا، فَإِنْ لَمْ يَمْسَحْ فِي سَفَرِهِ حَتَّى أَقَامَ مَسَحَ يَوْمًا وَلَيْلَةً مَسْحَ مُقِيمٍ، وَإِنْ مَسَحَ فِي سَفَرِهِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَوْفَى مَسْحَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَمْ لَا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَوْفِ مَسْحَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَتَمَّ بَعْدَ إِقَامَةٍ مَسْحَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَإِنِ اسْتَوْفَى فِي السَّفَرِ مَسْحَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لَمْ يَجُزْ إِذَا أَقَامَ أَنْ يَمْسَحَ شَيْئًا، وَلَوْ كَانَ قَدْ نَوَى الْمُقَامَ وَهُوَ فِي تَضَاعِيفِ صَلَاةٍ بَطُلَتْ لِتَقَضِّي مَسْحِهِ بِالْإِقَامَةِ عِنْدَ مُجَاوَزَةِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، فَلَوْ نَوَى الْمُسَافِرُ مُقَامَ ثَلَاثَةٍ أَتَمَّ مَسْحَ خُفَّيْهِ ثَلَاثًا مَسْحَ مُسَافِرٍ لِبَقَائِهِ عَلَى حُكْمِ السَّفَرِ وَلَوْ نَوَى إِقَامَةَ أَرْبَعٍ اخْتَصَرَ عَلَى يَوْمٍ وليلة مسح مقيم؛ لأنه صار مقيماً والله أعلم.
(فَصْلٌ) : وَإِذَا سَافَرَ فِي مَعْصِيَةٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَمْسَحَ ثَلَاثًا، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَمْسَحَ يَوْمًا وَلَيْلَةً؟ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مُقِيمًا عَلَى مَعْصِيَةٍ فَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لَا يُجَوِّزُ أَنْ يَمْسَحَ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ رُخْصَةٌ وَالْعَاصِي لَا يَتَرَخَّصُ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَمْسَحُ يَوْمًا وَلَيْلَةً مُسَافِرًا كَانَ أَوْ مُقِيمًا، وَإِنْ كَانَ عَاصِيًا؛ لِأَنَّ مَسْحَ

الْخُفَّيْنِ مُلْحَقٌ بِطَهَارَةِ الْأَعْضَاءِ الَّتِي هِيَ عِبَادَاتٌ مفعولة فاستوى فيها المطيع والعاصي بالصلاة، وأن يُتْرَكَ فَتَمْنَعُ مِنْهُ الْمَعْصِيَةَ كَالْفِطْرِ وَالْقَصْرِ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ.

(مَسْأَلَةٌ)

: قَالَ الشافعي: " وإذا توضأ فغسل إِحْدَى رِجْلَيْهِ ثُمَّ أَدْخَلَهَا الْخُفَّ ثُمَّ غَسَلَ الأخرى ثم أدخلها الخف لم يجزئه إذا أحدث أن يمسح حتى يكون طاهراً بكامله قبل لباسه أحد خفيه فإن نزع الخف الأول الملبوس قبل تمام طهارته ثم لبسه جاز له أن يمسح لأن لباسه مع الذي قبله بعد كمال الطهارة (قال المزني) كَيْفَمَا صَحَّ لُبْسُ خُفَّيْهِ عَلَى طهرٍ جَازَ لَهُ الْمَسْحُ عِنْدِي ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَلْبَسَ خُفَّيْهِ لِلْمَسْحِ عَلَيْهِمَا إِلَّا عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ فَإِنْ لَبِسَهُمَا مُحَدِثًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا فَإِنْ غَسَلَ إِحْدَى رِجْلَيْهِ فَأَدْخَلَهَا الْخُفَّ، ثُمَّ غَسَلَ الْأُخْرَى وَأَدْخَلَهَا الْخُفَّ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا، حَتَّى يَنْزِعَ الْخُفَّ الَّذِي لَبِسَهُ أَوَّلًا قَبْلَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ، وَيُعِيدُ لُبْسَهُ قَبْلَ حَدَثِهِ فَيَصِيرُ لَابِسًا لَهُمَا بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا حَتَّى يَنْزِعَهُمَا مَعًا، ثُمَّ يَلْبَسُهُمَا قَبْلَ حَدَثِهِ وَقَالَ أبو حنيفة وَالْمُزَنِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ: يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا وَإِنْ لَمْ يَنْزِعْ وَاحِدًا مِنْهُمَا، وَلَا فَائِدَةَ فِي نَزْعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لُبْسِهُ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ " وَلَمْ يُفَرِّقْ، وَلِأَنَّهُ حَدَثٌ طَرَأَ عَلَى طَهَارَةٍ وَلُبْسٍ فَجَازَ لَهُ الْمَسْحُ قِيَاسًا عَلَيْهِ إِذَا لَبِسَهُمَا بَعْدَ كَمَالِ الْغَسْلِ، قَالُوا وَلِأَنَّ نَزْعَ الْخُفَّيْنِ مُؤَثِّرٌ فِي الْمَنْعِ مِنَ الْمَسْحِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا فِي جَوَازِ الْمَسْحِ قَالُوا: وَلِأَنَّ اسْتِدَامَةَ اللُّبْسِ تَجْرِي مَجْرَى ابْتِدَائِهِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ خُفًّا هُوَ لَابِسُهُ حَنِثَ كَمَا لَوِ ابْتَدَأَ لُبْسَهُ فَصَارَ اسْتِدَامَةُ لُبْسِهِ فِي حُكْمِ مَنِ ابْتَدَأَ لُبْسَهُ فِي جَوَازِ مَسْحِهِ.
وَدَلِيلُنَا مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ يُونُسَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عُرْوَةَ ابن الْمُغِيرَةِ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: قُلْتُ يا رسول الله أنمسح على الخفين قال: " نَعَمْ إِنْ أَدْخَلْتَهُمَا، وَهُمَا طَاهِرَتَانِ " فَجَعَلَ اللُّبْسِ بَعْدَ طُهْرِهِمَا شَرْطًا فِي جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَيْهِمَا، ولأنه ليس قَبْلَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَمْنَعَ مِنْ جَوَازِ الْمَسْحِ قِيَاسًا عَلَى لُبْسِهِ قَبْلَ غَسْلِ قَدَمَيْهِ، وَلِأَنَّ لُبْسَ الْخُفَّيْنِ يَفْتَقِرُ إِلَى الطَّهَارَةِ، وَمَا كَانَ إِلَى الطَّهَارَةِ مُفْتَقِرًا كَانَ تَقْدِيمُهَا عَلَى جَمِيعِهِ، لَازِمًا كَالصَّلَاةِ يَلْزَمُ تَقْدِيمُ الطَّهَارَةِ عَلَى جَمِيعِ الرَّكَعَاتِ، وَلِأَنَّ الْمُسْتَبَاحَ بِسَبَبٍ لَا يجوز تقديمه على سببه، كالإفطار لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَى السَّفَرِ وَالْمَرَضِ، وَلِأَنَّ الْمَسْحَ مُسْتَبَاحٌ لِشَرْطَيْنِ: اللُّبْسُ وَالْحَدَثُ، فَمَا لَزِمَ تَقْدِيمُ الطَّهَارَةِ عَلَى الْحَدَثِ لَزِمَ تَقْدِيمُهَا عَلَى اللُّبْسِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَرْطٌ فِي جَوَازِ الْمَسْحِ، وَلِأَنَّ حُكْمَ أَحَدِ الْخُفَّيْنِ مُرْتَبِطٌ بِالْآخَرِ، أَلَا تَرَى

أَنَّهُ لَوْ نَزَعَ أَحَدَ الْخُفَّيْنِ انْتَقَضَ مَسْحُهُ، كَمَا لَوْ نَزَعَ جَمِيعَ الْخُفَّيْنِ فَوَجَبَ إِذَا لَبِسَ أَحَدَ الْخُفَّيْنِ قَبْلَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ أَنْ لَا يَكُونَ حُكْمُهُ حُكْمَ مَنْ لَبِسَ جَمِيعَ الْخُفَّيْنِ.
فَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِعُمُومِ الْخَبَرِ فَمَحْمُولٌ عَلَى نَصِّ الْخَبَرِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ.
وَأَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى مَا بَعْدَ الْغَسْلِ، فَالْمَعْنَى فِيهِ لُبْسُهُ بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِأَنَّ نَزْعَ الْخُفَّيْنِ مُؤَثِّرٌ فِي الْمَنْعِ مِنَ الْمَسْحِ، فَغَيْرُ صَحِيحٍ، بَلْ قَدْ يَكُونُ مُؤَثِّرًا فِي جَوَازِ الْمَسْحِ أَيْضًا، وَهُوَ عِنْدَ تَقَضِّي زَمَانِ الْمَسْحِ، فَكَذَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
فَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِأَنَّ اسْتِدَامَةَ اللُّبْسِ تَجْرِي مَجْرَى ابْتِدَائِهِ فَصَحِيحٌ فِي الْإِتْمَامِ، وَبَاطِلٌ فِي الْمَسْحِ، أَلَا تَرَى لَوْ أَحْدَثَ، وَكَانَ لَابِسًا جَازَ أَنْ يَمْسَحَ، وَلَوِ ابْتَدَأَ اللُّبْسَ بَعْدَ حَدَثِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَمْسَحَ فَبَانَ أَنَّ ابْتِدَاءَ اللُّبْسِ فِي الْمَسْحِ مُخَالِفٌ لِاسْتِدَامَتِهِ.

(فَصْلٌ)

: فَلَوْ لَبِسَ خُفَّيْهِ قَبْلَ غَسْلِ رِجْلَيْهِ، وَأَدْخَلَهُمَا الْخُفَّ ثُمَّ أَحْدَثَ وَقَدَمُهُ فِي سَاقِ الْخُفِّ لَمْ تَسْتَقِرَّ فِي مَوْضِعِ الْقَدَمِ لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَقْتَ حَدَثِهِ لَابِسًا لِخُفِّهِ لُبْسًا كَامِلًا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(مسألة)

: قال الشافعي رضي الله عنه: " وإن تَخَرَّقَ مِنْ مُقَدَّمِ الْخُفِّ شيءٌ بَانَ مِنْهُ بَعْضُ الرِّجْلِ وَإِنْ قَلَّ لَمْ يُجْزِهِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى خُفٍّ غَيْرِ ساترٍ لِجَمِيعِ الْقَدَمِ وَإِنْ كَانَ خَرْقُهُ مِنْ فَوْقِ الْكَعْبَيْنِ لَمْ يَضُرُّهُ ذَلِكَ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ خَرْقَ الْخُفِّ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ الْقَدَمِ، أَوْ فِي غَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ الْخَرْقُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْقَدَمِ وَهُوَ أَنْ يكون من فوق الكعبين في ساق الخف، فَجَائِزٌ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِ مَعَ هَذَا الْخَرْقِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَبِسَ خُفًّا لَا سَاقَ لَهُ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ سَاتِرًا لِجَمِيعِ الْقَدَمِ، رَوَى أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ شَهِدَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ يَسْأَلُ بِلَالًا عَنْ وضوء رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، فَقَالَ كَانَ يَخْرُجُ يَقْضِي حَاجَتَهُ فَآتِيهِ بِالْمَاءِ، فَيَتَوَضَّأُ وَيَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ وَمُوقَيْهِ، وَالْمُوقَانِ: خُفَّانِ قَصِيرَانِ لَيْسَ لَهُمَا سَاقٌ، فَإِنْ كَانَ الْخَرْقُ فِي مَوْضِعِ الْقَدَمِ فَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَيْهِ، فَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ لَمْ يَتَفَاحَشِ الْخَرْقُ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَفَاحَشَ لَمْ يَجُزْ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ يَمْسَحُ مَا أَمْكَنَ الْمَشْيُ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ لَمْ يَجُزْ، وَقَالَ أبو حنيفة يَمْسَحُ إِنْ كَانَ الْخَرْقُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ أَصَابِعَ، فَإِنْ كَانَ ثَلَاثَ أَصَابِعَ فَأَكْثَرَ لَمْ يَجُزْ وَقَالَ أبو يوسف: سَأَلْتُ أبا حنيفة عَنِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فَقَالَ: لِأَنَّ الثَّلَاثَ أَكْثَرُ الْأَصَابِعِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ: لَا

يَمْسَحُ عَلَيْهِ إِذَا ظَهَرَ مِنَ الْخَرْقِ شَيْءٌ مِنَ الْقَدَمِ، وَإِنْ قَلَّ، وَاسْتَدَلَّ مَنْ أَجَازَ الْمَسْحَ عَلَيْهِ مَعَ خَرْقِهِ بِحَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " إِذَا تَطَهَّرَ فَلَبِسَ خُفَّيْهِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا "، فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ فِيمَا أَطْلَقَ اسْمَ الْخُفِّ عَلَيْهِ، قَالُوا: وَلِأَنَّهُ خَرْقٌ لَا يُبِيحُ لُبْسَهُ فِي الْإِحْرَامِ، فَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَيْهِ فِي الْوُضُوءِ، قِيَاسًا عَلَى خُرُوقِ الْخَرَزِ، وَلِأَنَّ إِبَاحَةَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، رِفْقٌ وَتَرْفِيهٌ، لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى لُبْسِهِ وَالْمَشَقَّةَ لَاحِقَةٌ فِي نَزْعِهِ، فَلَوْ كَانَتْ خُرُوقُ الْخُفِّ تَمْنَعُ مِنْ لُبْسِهِ وَتَدْعُو إِلَى نَزْعِهِ وَهُوَ الْغَالِبُ مِنْ أَنْوَاعِ الْخِفَافِ لَزَالَ مَعْنَى الرِّفْقِ، بِالتَّغْلِيظِ وَالتَّرْفِيهِ بِالْمَشَقَّةِ.
وَدَلِيلُنَا عُمُومُ قَوْلِهِ عَزَّ وجل: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنَ) {المائدة: 6) فَكَانَ عُمُومُهَا يُوجِبُ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ إِلَّا مَا قَامَ دليله من المسح على خفين صَحِيحَيْنِ، وَلِأَنَّ ظُهُورَ الْأَصَابِعِ يَمْنَعُ مِنْ جَوَازِ الْمَسْحِ كَمَا لَوْ نَزَعَ أَحَدَ الْخُفَّيْنِ، وَلِأَنَّ كُلَّ حُكْمٍ تَعَلَّقَ بِجَمِيعِ الْقَدَمِ تَعَلَّقَ بِبَعْضِ الْقَدَمِ قِيَاسًا عَلَى غَسْلِهِمَا عِنْدَ ظُهُورِهِمَا، وَلِأَنَّ مَا يُبْطِلُ حُكْمَ الْمَسْحِ يَسْتَوِي حُكْمُ وُجُودِهِ فِي بَعْضِ الْقَدَمَيْنِ وَفِي جَمِيعِ الْقَدَمَيْنِ أَصْلُهُ: انْقِضَاءُ مُدَّةِ الْمَسْحِ عِنْدَ غَسْلِ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ، وَلِأَنَّ جَوَازَ الْمَسْحِ يَتَعَلَّقُ بِالطَّهَارَةِ وَبِاسْتِتَارِ الرِّجْلَيْنِ فِي الْخُفَّيْنِ، فَلَمَّا كَانَ تَرْكُ بَعْضِ أَعْضَاءِ الطَّهَارَةِ مَانِعًا مِنْ جَوَازِ الْمَسْحِ كَانَ تَرْكُ بَعْضِ الْمُسْتَرِ مَانِعًا مِنْ جَوَازِ الْمَسْحِ وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا أَنَّهُ أَحَدُ شَرْطَيِ الْمَسْحِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ تَرْكُ بَعْضِهِ كَتَرْكِ جَمِيعِهِ فِي الْمَنْعِ مِنَ الْمَسْحِ كَالطَّهَارَةِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ ظُهُورُ أَحَدِ الرِّجْلَيْنِ مَانِعًا مِنْ جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الأخرى تغليباً لحكم الغسل كان طهور بَعْضِ الرِّجْلِ بِالْمَنْعِ مِنْ مَسْحِ الْبَاقِي مِنْهُمَا أَوْلَى، فَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِالْخَبَرِ فَمَخْصُوصٌ.
وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى خُرُوقِ الْخَرَزِ فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ خُرُوقَ الْخَرَزِ لَا يُرَى مِنْهَا خف، وليس كذلك ما سواه.
والثاني: أنه خرق الخرز يسند بِمَا يَدْخُلُهَا مِثْلَ الْخُيُوطِ فَلَا يَظْهَرُ مِنْهَا شَيْءٌ مِنَ الْقَدَمِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَا سِوَاهُ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِالْحَاجَةِ إِلَى لُبْسِهَا وَالْمَشَقَّةِ فِي نَزْعِهَا فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ الْخُفَّ إِذَا تَخَرَقَ امْتُنِعَ فِي الْغَالِبِ مِنْ لِبَاسِهِ، وَإِنَّمَا يُلْبَسُ مِنَ الْخِفَافِ غَالِبًا مَا كَانَ صَحِيحًا مِنْهَا.

(فَصْلٌ)

: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ خَرْقَ الْخُفِّ يَمْنَعُ مِنَ الْمَسْحِ عَلَيْهِ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي مُقَدَّمِهِ أَوْ مُؤَخَّرِهِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - خَرْقَ الْمُقَدَّمِ، لِأَنَّهُ الْغَالِبُ مِنْ خَرْقِ الْخُفِّ، لَا أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالْمَنْعِ مِنَ الْمَسْحِ هَذَا إِذَا كَانَ فِي ظِهَارَةِ الْخُفِّ وَبِطَانَتِهِ.

فَأَمَّا إِنْ كَانَ فِي الْبِطَانَةِ دُونَ الظِّهَارَةِ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَبِسَ خُفًّا بِلَا بِطَانَةٍ جَازَ لَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ وَلَكِنْ لَوْ كَانَ الْخَرْقُ فِي ظِهَارَةِ الْخُفِّ دُونَ بِطَانَتِهِ، فَإِنْ كَانَتِ الْبِطَانَةُ جلوداً جاز مسحه عليه، وإن كانت خَرْقًا لَمْ يَجُزْ فَلَوْ لَبِسَ الْخُفَّ مُخَرَّقًا ثُمَّ لَبِسَ فَوْقَهُ خُفًّا صَحِيحًا جَازَ لَهُ الْمَسْحُ عَلَى الْأَعْلَى وَحْدَهُ، وَكَانَ الْأَسْفَلُ كَاللِّفَافَةِ وَلَوْ لَبِسَ خُفًّا صَحِيحًا ثُمَّ لَبِسَ فَوْقَهُ مُخَرَّقًا مَسْحَ عَلَى الْأَسْفَلِ وَحْدَهُ دُونَ الْأَعْلَى.

(فَصْلٌ)

: وَلَوْ لَبِسَ خُفًّا بِشَرَجٍ فَإِنْ كَانَ الشَرَجُ فَوْقَ الْقَدَمِ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كانت فوقه تُشَدُّ بِالتَّشْرِيجِ أَمْ لَا؟ وَإِنْ كَانَ الشَّرَجُ فِي الْقَدَمِ، فَإِنْ كَانَتْ فُتُوقُهُ إِذَا شَرَجَ لَمْ تُسَدَّ وَلَمْ يَتَغَطَّ الْقَدَمَانِ لَمْ يَجُزِ المسح عليه، وإن كانت فتوحه تُسَدُّ، وَيَتَغَطَّى الْقَدَمَانِ أَجَزَأَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، وَحَكَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ فِي الشَّرْحِ نَصًّا عَنِ الشافعي.

(مسألة)

: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَا يَمْسَحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْجَوْرَبَانِ مُجَلَّدِي الْقَدَمَيْنِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ حَتَى يَقُومَا مَقَامَ الْخُفَّيْنِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْجَوْرَبَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مُجَلَّدَ الْقَدَمِ فَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، وَقَالَ أبو حنيفة لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ مَا لَا يَنْطَلِقُ اسْمُ الْخُفِّ عَلَيْهِ لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، كَالنَّعْلِ.
وَدَلِيلُنَا رِوَايَةُ أَبِي قَيْسٍ الْأَوْدِيِّ عَنْ هُذَيلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شعبة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ وَلِأَنَّ مَا أَمْكَنَ الْمَشْيُ عَلَيْهِ إِذَا اسْتَتَرَ بِهِ مَحَلُّ الْفَرْضِ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، كَالْخُفِّ، وَلِأَنَّ كُلَّ حُكْمٍ تَعَلَّقَ بِلِبَاسِ الْخُفِّ تَعَلَّقَ بِلِبَاسِ الْجَوْرَبِ المجلد كالفدية على الحرم فَأَمَّا النَّعْلُ فَلَا يَسْتُرُ الْقَدَمَ فَلَمْ يَجُزِ المسح عليها.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْجَوْرَبُ غَيْرَ مُجَلَّدٍ الْقَدَمَ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْجَوْرَبُ غَيْرَ مُنَعَّلٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، اسْتِدْلَالًا بِالْخَبَرِ أَنَّهُ مَسْحٌ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ، وَقِيَاسًا عَلَى الْمُجَلَّدَيْنِ.
وَدَلِيلُنَا هُوَ أَنَّهُ وَارَى قَدَمَيْهِ بِمَا لَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ فَلَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ عَلَيْهِ

كَاللَّفَائِفِ وَالْخِرَقِ، وَالْخَبَرُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْمُجَلَّدَيْنِ وَالْمَعْنَى فِي الْمُجَلَّدَيْنِ أَنَّ مُتَابَعَةَ المشي عليهما ممكن.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُنَعَّلَ الْأَسْفَلِ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَشِفُّ وَيَصِلُ بَلَلُ الْمَسْحِ عَلَيْهِ إِلَى الْقَدَمِ، فَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا يَشِفُّ وَيَمْنَعُ صِفَاقُهُ مِنْ وُصُولِ بَلَلِ الْمَسْحِ إِلَى قَدَمَيْهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ وَهُوَ رِوَايَةُ الْمُزَنِيِّ، وَالثَّانِي: يَجُوزُ، وَهِيَ رواية الربيع.

(مسألة: شرائط المسح)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَمَا لَبِسَ مِنْ خُفٍّ خَشَبٍ أَوْ مَا قَامَ مَقَامَهُ أَجْزَأَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.
وَجُمْلَتُهُ أَنَّ كُلَّ خُفٍّ اجْتَمَعَتْ فِيهِ ثَلَاثُ شَرَائِطَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، وَرَابِعٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، مِنْ جُلُودٍ أَوْ لُبُودٍ أَوْ حَدِيدٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ جَوْرَبٍ.
أَحَدُ الشَّرَائِطِ الثَّلَاثَةِ أَنْ يَكُونَ سَاتِرًا لِجَمِيعِ الْقَدَمِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ حَتَّى لَا يَظْهَرَ شَيْءٌ لَا مِنْ أَعْلَى الْخُفِّ وَسَاقِهِ، وَلَا مِنْ خَرْقٍ فِي وَسَطِهِ أَوْ أَسْفَلِهِ، فَإِنْ ظَهَرَ شَيْءٌ مِنَ الْقَدَمِ مِنْ أَيِّ جِهَةِ ظَهَرَ، لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَصِلَ بَلَلُ الْمَسْحِ إِلَى الْقَدَمِ، فَإِنْ وَصَلَ إِمَّا لِخِفَّةِ نَسْجٍ أَوْ رِقَّةِ حَجْمٍ لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ عَلَيْهِ.
وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يُمْكِنَ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ لِقُوَّتِهِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ لِضِعْفِهِ، أَوْ ثِقَلِهِ لَمْ يجز المسح عليه.
والشرط الرابع: مختلف فِيهِ: أَنْ يَكْونَ مُبَاحَ اللُّبْسِ، فَلَا يَكُونُ مسروقاً، ولا مغصوباً لأنه لا يُتَرَخَّصُ فِي مَعْصِيَةٍ فَإِنْ كَانَ مَسْرُوقًا أَوْ مَغْصُوبًا فَفِي جَوَازِ مَسْحِهِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ، وَكَذَا لَوْ لَبِسَ خُفًّا مِنْ ذَهَبٍ، كَانَ حَرَامَ اللُّبْسِ كَالْمَغْصُوبِ، فَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ أَنَّ الْمَسْحَ عَلَيْهِ بَاطِلٌ، لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ تَمْنَعُ مِنَ الرُّخْصَةِ.

وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَسْحَ عَلَيْهِ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ لَا يُؤَثِّرُ فِيهَا مُقَارَنَةُ الْغَصْبِ كَالصَّلَاةِ فِي الدار المغصوبة، والثوب المغصوب.

(مسألة)

: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَا يَمْسَحُ عَلَى جُرْمُوقَيْنِ قَالَ فِي الْقَدِيمِ يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا (قَالَ الْمُزَنِيُّ) قُلْتُ أَنَا وَلَا أَعْلَمُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا وَقَوْلُهُ مَعَهُمْ أَوْلَى بِهِ مِنِ انْفِرَادِهِ عَنْهُمْ وَزَعَمَ إِنَّمَا أُرِيدُ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ الْمِرْفَقُ فَكَذَلِكَ الْجُرْمُوقَانِ مِرْفَقٌ وَهُوَ بِالْخُفِّ شَبِيهٌ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَمَّا الْجُرْمُوقُ فَهُوَ خُفٌّ يُلْبَسُ عَلَى خُفٍّ، فَإِنْ لَبِسَهُ دُونَ الْخُفِّ الَّذِي تَحْتَهُ، جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَبِسَهُمَا، فَإِنْ كَانَا مَخِيطَيْنِ قد حرز أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، كَالْخُفِّ الْمُبَطَّنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا مَخِيطَيْنِ جَازَ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْأَسْفَلِ مِنْهُمَا، وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْأَعْلَى أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: قَالَهُ فِي الْقَدِيمِ وَالْإِمْلَاءِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أبي حنيفة وَاخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ أَنَّ الْمَسْحَ عَلَيْهِ جَائِزٌ، لعموم قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " يَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً " وَلِأَنَّ مَا جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَحْتَهُ مَلْبُوسٌ - جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ مَلْبُوسٌ كَالْخُفِّ إِذَا لُبِسَ عَلَى جَوْرَبٍ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ الْمَسْحُ عَلَى الْأَعْلَى إِذَا كَانَ مَخِيطًا بِالْأَسْفَلِ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مُنْفَصِلًا عَنِ الْأَسْفَلِ كَالْمَلْبُوسِ عَلَى خُفٍّ مُخَرَّقٍ، وَلِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ مُرْفَقٌ لِلُحُوقِ الْمَشَقَّةِ فِي نَزْعِهِ، فَكَذَا الْجُرْمُوقُ؛ لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ لَاحِقَةٌ فِي نَزْعِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: قَالَهُ فِي الْجَدِيدِ أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْجُرْمُوقِ الْأَعْلَى لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ مَا جُعِلَ بَدَلًا فِي الطَّهَارَةِ لَمْ يَجْعَلْهُ لَهُ بَدَلًا آخَرَ كَالتَّيَمُّمِ، وَلِأَنَّهُ مِمَّا لَا يُعْلَمُ لُبْسُهُ فَلَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، كَالْقُفَّازَيْنِ، وَلِأَنَّهُ سَاتِرٌ لِمَمْسُوحٍ فَلَمْ يَقُمْ فِي إِسْقَاطِ الْفَرْضِ مَقَامَ الْمَمْسُوحِ كَالْعِمَامَةِ، وَلِأَنَّ مَا لَمْ يُؤَثِّرْ نَزْعُهُ فِي نَقْضِ طَهَارَتِهِ، لَمْ يُؤَثِّرْ لُبْسُهُ فِي جَوَازِ مَسْحِهِ كَاللَّفَائِفِ فَوْقَ الْخُفِّ.

(فَصْلٌ)

: فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْقَوْلَيْنِ فَإِنْ قُلْنَا: بِقَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ إِنَّ الْمَسْحَ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ فَإِنْ أَرَادَ الْمَسْحَ انْتَزَعَ الْأَعْلَى، وَمَسَحَ عَلَى الْأَسْفَلِ، سَوَاءٌ كَانَ الْأَسْفَلُ مِنْهُمَا هُوَ الْخُفُّ، أَوِ الْجُرْمُوقُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَسْفَلُ قَدْ تَخَرَّقَ أَوِ انْفَتَقَ فَيَجُوزُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْأَعْلَى فِي الْقَوْلَيْنِ مَعًا فَإِنْ كَانَ الْأَعْلَى مُخَرَّقًا فَلَا يَمْسَحُ عَلَيْهِ، وَيَمْسَحُ عَلَى الْأَسْفَلِ فِي الْقَوْلَيْنِ مَعًا، فَإِنْ أَرَادَ الْمَسْحَ عَلَى الْأَسْفَلِ نَزَعَ الْأَعْلَى أَوَّلًا ثُمَّ مَسَحَ عَلَى الْأَسْفَلِ، فَإِنْ مَسَحَ

عَلَى الْأَسْفَلِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْزِعَ الْأَعْلَى، فقد كان أبو حامد الاسفرايني يَمْنَعُ مِنْ جَوَازِهِ، وَيُفَرِّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَسْحِ الرَّأْسِ مِنْ تَحْتِ الْعِمَامَةِ فَإِنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ أَصْلٌ بِذَاتِهِ، فَكَيْفَ مَا وَصَلَ إِلَيْهِ مَسْحُهُ أَجْزَأَهُ، وَمَسْحُ الْخُفِّ بَدَلٌ فَاخْتَصَّ بِأَكْمَلِ صِفَاتِ الْمَسْحِ، وَالصَّحِيحُ الَّذِي يَذْهَبُ إِلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا جَوَازُ هَذَا الْمَسْحِ كَجَوَازِ مَسْحِ الرَّأْسِ مِنْ تَحْتِ الْعِمَامَةِ، وَلَيْسَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْفَرْقِ فِي مَعْنَى الْمَسْحِ تَأْثِيرٌ.

(فَصْلٌ)

: وَإِنْ قُلْنَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْأَعْلَى فَلَيْسَ لَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَلْبَسَ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلَ عَلَى طَهَارَةٍ، فَإِنْ لَبِسَ الْأَسْفَلَ عَلَى طَهَارَةٍ، وَالْأَعْلَى عَلَى حَدَثٍ لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، حَتَّى يَلْبَسَهُمَا عَلَى طَهَارَةٍ، فَيَمْسَحُ حِينَئِذٍ عَلَى الْأَعْلَى، فَلَوْ مَسَحَ عَلَى الْأَعْلَى عَلَى مَا وَصَفْنَاهُ، ثُمَّ نَزَعَهُ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي صِحَّةِ طَهَارَتِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ طَهَارَتَهُ صَحِيحَةٌ كَمَنْ مَسَحَ عَلَى خُفٍّ مُبَطَّنٍ، ثُمَّ كَشَطَ أَعْلَاهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ طَهَارَتَهُ قَدْ فَسَدَتْ بِنَزْعِهِ، لِاخْتِصَاصِهِ بِحُكْمِهِ، وَصَارَ كَمَنْ نَزَعَ خُفَّهُ مِنْ رِجْلِهِ فَيَكُونُ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَسْتَأْنِفُ الْوُضُوءَ وَالْمَسْحَ عَلَى الْخُفِّ الْأَسْفَلِ.
وَالثَّانِي: يَقْتَصِرُ عَلَى مَسْحِ الْخُفِّ الْأَسْفَلِ وَحْدَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(مَسْأَلَةٌ)

: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِنْ نَزَعَ خُفَّيْهِ بَعْدَ مَسْحِهِمَا غَسَلَ قَدَمَيْهِ وَفِي الْقَدِيمِ وَكِتَابُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى يَتَوَضَّأُ (قال المزني) قلت أنا وَالَّذِي قَبْلَ هَذَا أَوْلَى لِأَنَّ غَسْلَ الْأَعْضَاءِ لَا يَنْتَقِضُ فِي السُّنَّةِ إِلَّا بِالْحَدَثِ وَإِنَّمَا انْتَقَضَ طُهْرُ الْقَدَمَيْنِ لِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَيْهِمَا كَانَ لِعَدَمِ ظُهُورِهِمَا كَمَسْحِ الْتَيَمُّمِ لِعَدَمِ الْمَاءِ فَلَمَّا كَانَ وُجُودُ الْمَعْدُومِ مِنَ الْمَاءِ بَعْدَ الْمَسْحِ يُبْطِلُ الْمَسْحَ وَيُوجِبُ الْغَسْلَ كَانَ كَذَلِكَ ظُهُورُ الْقَدَمَيْنِ بَعْدَ الْمَسْحِ يُبْطِلُ الْمَسْحَ وَيُوجِبُ الْغَسْلَ وَسَائِرُ الْأَعْضَاءِ سِوَى الْقَدَمَيْنِ مغسولٌ وَلَا غَسْلَ عليهما ثانيةً إلا بحدثٍ ثانٍ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ نَزَعَ خُفَّهُ فِي مُدَّةِ الْمَسْحِ أَوْ بَعْدَ تقضيها لم يحل حَالُهُ عِنْدَ نَزْعِهِ أَنْ يَكُونَ مُحْدِثًا أَوْ مُتَوَضِّئًا، فَإِنْ كَانَ مُحَدِثًا تَوَضَّأَ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مُتَوَضِّئًا فَعَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ عَلَيْهِ اسْتِئْنَافُ الْوُضُوءِ وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ ابْنُ عُمَرَ، وَمِنَ التَّابِعِينَ الزُّهْرِيُّ وَالشَّعْبِيُّ، وَمِنَ الْفُقَهَاءِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَوَجْهُهُ أَنَّ مَا مَنَعَ مِنَ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ بِحُكْمِ الْحَدَثِ أَوْجَبَ اسْتِئْنَافَ الطَّهَارَةِ كَالْحَدَثِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: عَلَيْهِ غَسْلُ رِجْلَيْهِ لَا غَيْرُ، وَبِهِ قَالَ مِنَ التَّابِعِينَ الْأَسْوَدُ وَعَلْقَمَةُ وَعَطَاءٌ، وَمِنَ الْفُقَهَاءِ الليث وأبو حنيفة، ووجهه أنه بُدِّلَ زَالَ حُكْمِهِ بِظُهُورِ مُبْدَلِهِ، فَوَجَبَ أَنْ لا يلزمه

إِلَّا غَسْلُ مَا كَانَ بَدَلًا عَنْهُ، كَالتَّيَمُّمِ لَمَّا كَانَ بَدَلًا مِنْ غَسْلِ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ كَانَ انْتِقَاضُهُ يُوجِبُ غَسْلَ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ، وَمَسْحِ الْخُفَّيْنِ لَمَّا كَانَ بَدَلًا مِنْ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ كَانَ انْتِقَاضُهُ يُوجِبُ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ.

(فَصْلٌ) : فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا يُوجِبُهُ الْقَوْلَانِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْأَصْلِ الَّذِي بُنِيَ عَلَيْهِ.
فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجُمْهُورُ الْبَغْدَادِيِّينَ: هُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ: فِي تَفْرِيقِ الْوُضُوءِ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا الْبَصْرِيُّونَ: بَلْ هُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلِهِ فِي طَهَارَةِ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ إِذَا انْتَقَضَتْ هَلْ يَنْتَقِضُ بِهَا طَهَارَةُ جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ أَمْ لَا؟ لِأَنَّ طُهْرَ الْقَدَمَيْنِ انْتَقَضَ بِظُهُورِهِمَا.
(فَصْلٌ) : إِذَا أَخْرَجَ رِجْلَهُ مِنْ قَدَمِ الْخُفِّ إِلَى سَاقِهِ، فَقَدْ رَوَى الرَّبِيعُ عَنِ الشَّافِعِيِّ صِحَّةَ طَهَارَتِهِ، وَبِهِ قَالَ أبو حامد الاسفرايني، اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ قَدَمَيْهِ لَمْ تَظْهَرْ فَلَمْ يَنْتَقِضْ طُهْرُهُمَا، كَمَا لَوْ كَانَ مُسْتَقَرُّهُ فِي مَوْضِعِ الْقَدَمِ مِنَ الْخُفِّ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا الْبَصْرِيُّونَ: قَدِ انْتَقَضَ طُهْرُ قَدَمِهِ؛ لِزَوَالِهَا عَنْ مَحَلِّ الْمَسْحِ كَمَا لَوْ ظَهَرَتْ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ حَدَثُهُ بَعْدَ إِدْخَالِ قَدَمِهِ فِي سَاقِ الْخُفِّ، وَقَبْلَ اسْتِقْرَارِهِ فِي مَحَلِّ الْقَدَمِ كَمَنْ أَحْدَثَ وَهُوَ طَاهِرُ الرِّجْلَيْنِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ إِخْرَاجُهُمَا إِلَى ساق الخف كظهور الرجلين.

(فصل)

: إذا لبس المتيمم ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ لِبُطْلَانِ تَيَمُّمِهِ بِوُجُودِ الْمَاءِ، فَصَارَ كَمَنْ لَبِسَ خُفًّا عَلَى حَدَثٍ.
(فَصْلٌ) : إِذَا لَبِسَتِ الْمُسْتَحَاضَةُ بَعْدَ وُضُوئِهَا خُفًّا ثُمَّ أَحْدَثَتْ قَبْلَ أَنْ صَلَّتْ بِوُضُوئِهَا شَيْئًا جَازَ، إِذَا تَوَضَّأَتْ أَنْ تَمْسَحَ عَلَى خُفِّهَا لِفَرْضٍ وَاحِدٍ وَمَا شَاءَتْ مِنَ النَّوَافِلِ، وَلَوْ كَانَتْ قَدْ صَلَّتْ قُبَلَ حَدَثِهَا فَرْضًا وَاحِدًا لَمْ يَجُزْ إِذَا أَحْدَثَتْ أَنْ تَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ لِصَلَاةِ الْفَرْضِ، وَجَازَ أَنْ تَمْسَحَ لِصَلَاةِ التَّطَوُّعِ، وَجَمَعَ أبو حنيفة بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَأَجَازَ الْمَسْحَ فِيهِمَا عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ وُضُوءَ الْمُسْتَحَاضَةِ يَرْفَعُ حَدَثَهَا لِفَرْضٍ وَاحِدٍ، وَلِسَائِرِ التَّطَوُّعِ، فَإِذَا أَحْدَثَتْ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَرْضِ صَارَتْ كَلَابِسِ خُفٍّ عَلَى طَهَارَةٍ فَجَازَ لَهَا الْمَسْحُ وَإِذَا أَحْدَثَتْ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَرْضِ كَانَتْ كَلَابِسِ خُفٍّ عَلَى حَدَثٍ فَلَمْ يَجُزْ لَهَا الْمَسْحُ.
(فَصْلٌ) : إِذَا ارْتَفَعَ دَمُ الْمُسْتَحَاضَةِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَرْضِ لَمْ يَجُزْ لَهَا الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ؛ لِأَنَّ انْقِطَاعَ دَمِهَا يَرُدُّهَا إِلَى الْحَدَثِ الْأَوَّلِ فَصَارَتْ كَلَابِسِ خُفٍّ عَلَى حَدَثٍ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(باب كيف المسح على الخفين)

قال الشافعي: " أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي يَحْيَى عَنْ ثورٍ بْنِ يزيدٍ عن رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة عن المغيرة بن شعبة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مسح أعلى الخف وأسفله واحتج بأثر ابن عمر أنه كان يمسح أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلَهُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.
وَقَالَ أبو حنيفة: السُّنَّةُ أَنْ يَمْسَحَ أَعْلَاهُ دُونَ أَسْفَلِهِ اسْتِدْلَالًا بِرِوَايَةِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَمْسَحُ أَعْلَى خُفَّيْهِ؛ قَالَ: وَلِأَنَّهُ مَوْضِعٌ لَا يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى مَسْحِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَسْحُهُ غَيْرَ مَسْنُونٍ كَالسَّاقِ.
وَدَلِيلُنَا حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ يَمْسَحُ أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلَهُ، وَلِأَنَّهُ مَوْضِعٌ يَلْزَمُ سَتْرُهُ بِالْخُفِّ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَسْحُهُ مَسْنُونًا عَلَى الْقَدَمِ، وَلِأَنَّهُ مَحَلٌّ مَمْسُوحٌ، فَكَانَ مِنَ السُّنَّةِ اسْتِيعَابُ مَسْحِهِ كَالرَّأْسِ فَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَعْلَى الْخُفِّ أَوْلَى مِنْ أَسْفَلِهِ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَأَمَّا الْخِلَافُ هَلْ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَضُمَّ مَسْحَ أَعْلَاهُ إِلَى مَسْحِ أَسْفَلِهِ أَمْ لَا؟ وَأَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى السَّاقِ، فَالْمَعْنَى فِيهِ إِنْ سَلِمَ الْوَصْفُ لَهُ أَنَّ السَّاقَ لَا يَلْزَمُ سَتْرُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(مَسْأَلَةٌ)

: قَالَ الشافعي رضي الله عنه: " وَأُحِبُّ أَنْ يَغْمِسَ يَدَيْهِ فِي الْمَاءِ ثُمَّ يَضَعُ كَفَّهُ الْيُسْرَى تَحْتَ عَقِبِ الْخُفِّ وَكَفِّهِ الْيُمْنَى عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ ثُمَّ يُمِرُّ الْيُمْنَى إِلَى سَاقِهِ وَالْيُسْرَى إِلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ ".

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَإِنَّمَا خَصَّ الْيُمْنَى بِالْأَعْلَى وَالْيُسْرَى بِالْأَسْفَلِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ عَائِشَةَ رَوَتْ، وَقَالَتْ كَانَتْ يُمْنَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِمَا عَلَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ يُسْرَاهُ لِمَا سَفُلَ.
وَالثَّانِي: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ هَكَذَا كَانَ يَمْسَحُ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ مِنَ السُّنَّةِ مَعَ مَسْحِ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلِ أَنْ يَمْسَحَ حَوْلَ الْعَقِبِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ ظَاهِرُ مَا رَوَاهُ الْمُزَنِيُّ هَاهُنَا أَنَّ مَسْحَهُ لَيْسَ بِمَسْنُونٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ لِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى أَنَّ مَسْحَهُ مَسْنُونٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، لِأَنَّهُ مِنْ بَقَايَا مَحَلِّ الْفَرْضِ، فَلَوْ مَسَحَ الْأَعْلَى بِالْيُسْرَى وَالْأَسْفَلَ بِالْيُمْنَى لَكَانَ مُخَالِفًا لِلْأَدَبِ فِي الْفِعْلِ وَمُؤَدِّيًا لسنة المسح.

(مسألة)

: قال الشافعي رضي الله عنه: " فَإِنْ مَسَحَ عَلَى بَاطِنِ الْخُفِّ وَتَرَكَ الظَّاهِرَ أَعَادَ وَإِنْ مَسَحَ عَلَى الظَّاهِرِ وَتَرَكَ الْبَاطِنَ أَجْزَأَهُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ لِلْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَرْبَعَةَ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: حَالُ كَمَالٍ وَهُوَ أَنْ يَمْسَحَ أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلَهُ عَلَى مَا مَضَى.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: حَالُ إِجْزَاءٍ، وَهُوَ أَنْ يَمْسَحَ أَعْلَى الْخُفِّ دُونَ أَسْفَلِهِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: حَالٌ لَا كَمَالَ فِيهَا وَلَا إِجْزَاءَ وَهُوَ أَنْ يُمْسَحَ مَا فَوْقَ الْكَعْبَيْنِ مِنْ سَاقِ الْخُفِّ.
وَالْحَالُ الرَّابِعَةُ: مُخْتَلَفٌ فِيهَا، وَهُوَ أَنْ يَمْسَحَ أَسْفَلَ الْخُفِّ دُونَ أَعْلَاهُ فَالَّذِي نَقَلَهُ الْمُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فَكَانَ أَبُو الْعَبَّاسِ، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ هُوَ الْمَذْهَبُ، وَأَنَّ مَسْحَهُ لَا يُجْزِئُ وَكَانَ أَبُو إِسْحَاقَ يَذْهَبُ إِلَى جَوَازِهِ، وَيَزْعُمُ أَنَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَنَّ الْمُزَنِيَّ لَمْ يَحْكِهِ نَصًّا، وَإِنَّمَا أَخَذَهُ مِنْ دَلِيلِ كَلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: وَلَوْ مَسَحَ عَلَى الظَّاهِرِ، وَتَرَكَ الْبَاطِنَ، أَجْزَأَهُ، فَظَنَّ بِدَلِيلِ كَلَامِهِ أَنَّ مَسْحَ بَاطِنِهِ دُونَ ظَاهِرِهِ لَا يُجْزِئُ فَكَانَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ يُخْرِجُهُ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يُجْزِئُ وَهُوَ قَوْلُ أبي حنيفة وَاخْتِيَارُ أَبِي الْعَبَّاسِ بِقَوْلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ.
وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يمسح على ظاهر خفه، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: " لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ " لِأَنَّهُ يُلَاقِي الْأَنْجَاسَ، فَكَانَ مَسْحُهُ لِإِزَالَةِ مَا لَاقَى مِنَ النَّجَاسَةِ أَوْلَى، لَكِنَّ الرَّأْيَ مَتْرُوكٌ بِالنَّصِّ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يُجْزِئُ مَسْحُهُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ؛ لِأَنَّهُ يُقَابِلُ مَسْحَ الفرض

كَالْأَعْلَى، وَأَمَّا مَسْحُ الْعَقِبِ وَحْدَهُ فَإِنْ قِيلَ بِأَنَّهُ سُنَّةٌ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ قِيلَ: لَيْسَ بِسُنَّةٍ فَفِي إِجْزَائِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يُجْزِئُ قِيَاسًا عَلَى السَّاقِ.
وَالثَّانِي: يُجْزِئُ؛ لِأَنَّهُ يُقَابِلُ مَحَلَّ الْفَرْضِ كَالْقَدَمِ الْأَعْلَى.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(مَسْأَلَةٌ)

: قَالَ الشافعي رضي الله عنه: " وكيفما أتى بالمسح على طهر الْقَدَمِ بِكُلِّ الْيَدِ أَوْ بَعْضِهِ أَجْزَأَهُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ الْوَاجِبُ مِنْ مَسْحِ الْخُفِّ مَسْحُ بَعْضِهِ، وَإِنْ قَلَّ بِكُلِّ الْيَدِ أو بعضها، وقال أبو حنيفة: الواجب مسح ثلاثة أَصَابِعَ اسْتِدْلَالًا بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ الْخُفَّيْنِ خُطُوطًا بِالْأَصَابِعِ، قَالَ: وَأَقَلُّ الْأَصَابِعِ ثَلَاثٌ، قَالَ: وَلِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ الْمَسْحُ، دُونَ الْمَسِّ، وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ يَكُونُ مَسًّا وَلَا يَكُونُ مَسْحًا؛ لِأَنَّ الْمَسَّ الْمُلَاقَاةُ، وَالْمَسْحُ أَنْ يَنْضَمَّ إِلَى الْمُلَاقَاةِ إِمْرَارٌ.
ودليلنا قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " يَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً " فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ فِيمَا انْطَلَقَ اسْمُ الْمَسْحِ عَلَيْهِ مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، وَلِأَنَّهُ أَتَى فِي مَحَلِّ الْمَسْحِ بِمَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَسْحِ فَوَجَبَ أَنْ يُجْزِئَهُ، كَمَا لَوْ مَسَحَ ثَلَاثَ أَصَابِعَ، وَلِأَنَّ التَّقْدِيرَ ثَلَاثٌ إِمَّا بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ، وَلَيْسَ فِي تَقْدِيرِهِ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَلَمْ يَصِحَّ التَّقْدِيرُ، وَلِأَنَّ الْأَصَابِعَ مُخْتَلِفَةٌ فِي الطُّولِ وَالْعَرْضِ فَصَارَتْ مَجْهُولَةً، وَالْمَقَادِيرُ لَا تَثْبُتُ بِمَجْهُولٍ فَأَمَّا الْخَبَرُ فَمَجْهُولٌ، وَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَلَوْ صَحَّ مُسْنَدًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى مَا دَونَهُ لَا يُجْزِئُ كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ مَسَحَ أَعْلَى الْخُفِّ وأسفله، ولم يدل على أنه مَسْحَ الْأَسْفَلِ وَحْدَهُ لَا يُجْزِئُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ مِنْ أَنَّ هَذَا مَسٌّ لَا مَسْحٌ حَتَّى يَنْضَمَّ إِلَيْهِ إِمْرَارٌ فَهُوَ أَنَّهَا دَعْوَى قَدِ اجْتَمَعْنَا عَلَى إِبْطَالِهَا؛ لِاتِّفَاقِنَا أَنَّ الْإِمْرَارَ لَيْسَ بِشَرْطٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَضَعَ عَلَيْهِ ثَلَاثَ أَصَابِعَ مِنْ غَيْرِ إِمْرَارٍ أَجْزَأَ، ونحن نقول: مثله فِيمَا قَالَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(باب الغسل للجمعة والأعياد)

قال الشافعي: " وَالِاخْتِيَارُ فِي السُّنَّةِ لِكُلِّ مَنْ أَرَادَ صَلَاةَ الجمعة الاغتسال لها لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: " الغسل واجبٌ على كل محتلمٍ " يريد وجوب الاختيار لأنه قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مَنْ تَوَضَّأَ فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أفضل " وقال عمر لعثمان رضي الله عنهما حين راح والوضوء أيضاً؟ وقد عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كان يأمر بالغسل ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: غُسْلُ الْجُمُعَةِ سُنَّةٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَقَالَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ، وَرَوَى قَوْلَهُ عَنْ مَالِكٍ اسْتِدْلَالًا بِرِوَايَةِ مَالِكٍ عَنْ صَفْوَانَ بن سليم عن عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " غُسْلُ الْجُمُعَةِ واجبٌ عَلَى كُلِّ محتلمٍ " وَبِرِوَايَةِ بُكَيْرٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ حَفْصَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ عَلَى كُلِّ محتلمٍ رَاحَ إِلَى الْجُمُعَةِ، ومن رَاحَ إِلَى الْجُمُعَةِ الْغُسْلُ، وَبِرِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: " سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُولُ: " مَنْ جَاءَ إِلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ ". وَدَلِيلُنَا رِوَايَةُ هَمَّامٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " من توضأ فيها ونعمت ومن اغتسل فهو فضلٌ ". وَرَوَى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " كَانَ النَّاسُ مُهَّانُ أَنْفُسِهِمْ فَيَرُوحُونَ إِلَى الْجُمُعَةِ بِهَيْئَتِهِمْ وَقِيلَ لَهُمْ لَوِ اغْتَسَلْتُمْ ". وَرَوَى عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ نَاسًا مِنَ الْعِرَاقِ جَاءُوا فَقَالُوا: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ؛ أَتَرَى الْغُسْلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبًا فَقَالَ: لَا؛ وَلَكِنَّهُ طهرٌ وخيرٌ لِمَنِ اغْتَسَلَ، وَمَنْ لَمْ يَغْتَسِلْ فَلَيْسَ بواجبٍ، وَسَأُخْبِرُكُمْ كَيْفَ بدأ الْغُسْلِ كَانَ النَّاسُ مَجْهُودِينَ يَلْبَسُونَ الصُّوفَ وَيَحْمِلُونَ

عَلَى ظُهُورِهِمْ، وَكَانَ مَسْجِدُهُمْ ضَيِّقًا مُقَارِبَ السَّقْفِ إِنَمَا هُوَ عريشٌ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي يومٍ حارٍ، وَعَرِقَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ الصُّوفِ حَتَى ثَارَتْ مِنْهُمْ رِيَاحٌ آذَى بِذَلِكَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَلَمَّا وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - تِلْكَ الرِّيحَ، فَقَالَ أَيُّهَا الْنَاسُ إِذَا كَانَ هَذَا الْيَوْمُ فَاغْتَسِلُوا، وَلِيَمَسَّ أَحَدُكُمْ أَفْضَلَ مَا يَجِدُ مِنْ دُهْنِهِ وَطِيبِهِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ثم جاء الله بالخبر وَلَبِسُوا غَيْرَ الصُّوفِ وَكُفُوا الْعَمَلَ وَوَسِعَ مَسْجِدُهُمْ وَذَهَبَ بَعْضُ الَّذِي كَانَ يُؤْذِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنَ الْعَرَقِ ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: دَخَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَخْطُبُ فَقَالَ عُمَرُ: أَيُّ سَاعَةٍ هَذِهِ؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ انْقَلَبْتُ مِنَ السُّوقِ فَسَمِعْتُ النِّدَاءَ فَمَا زِدْتُ عَلَى أَنْ تَوَضَّأْتُ وَأَقْبَلْتُ فَقَالَ عُمَرُ: الْوُضُوءَ أَيْضًا، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كان يأمر بالغسل.

(مسألة)

: قال الشافعي رضي الله عنه: " ولو علمنا وُجُوبَهُ لَرَجَعَ عُثْمَانُ وَمَا تَرَكَهُ عُمَرُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَلِأَنَّهُ غُسْلٌ لِسَبَبٍ مُسْتَقْبَلٍ فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ سُنَّةً كَالْغُسْلِ لِدُخُولِ مَكَّةَ، وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَعَكْسُهُ غُسْلُ الْجَنَابَةِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ أَخْبَارِهِمْ فَهُوَ: أَنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى وُجُوبِ الِاخْتِيَارِ وَالِاسْتِحْبَابِ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَخْبَارِ.

(فَصْلٌ)

: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ مَسْنُونٌ فَهُوَ سُنَّةٌ لِمَنْ لَزِمَهُ حُضُورُ الْجُمُعَةِ، فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَلْزَمْهُ حُضُورُ الْجُمُعَةِ فَلَيْسَ الْغُسْلُ سُنَّةً لَهُ، فَأَمَّا مَنْ كَانَ مَنْ أَهِلِهَا، وَهُوَ مَمْنُوعٌ بِعُذْرٍ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَكُونُ الْغُسْلُ مسنوناً له ومأموراً بِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا لَيْسَ بِسُنَّةٍ لَهُ، لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَعْذُورًا بِتَرْكِ الْجُمُعَةِ كَانَ مَعْذُورًا بِتَرْكِ الْغُسْلِ لَهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْغُسْلَ سُنَّةٌ؛ لِأَنَّ زَوَالَ عُذْرِهِ يَجُوزُ وَلُزُومَ الْجُمُعَةِ لَهُ مُمْكِنٌ.
فَأَمَّا غُسْلُ الْعِيدِ فَسُنَّةٌ لِمَنْ أَرَادَ حُضُورَ الْعِيدِ أَوْ لَمْ يُرِدْهُ وَجْهًا وَاحِدًا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غُسْلِ الْجُمُعَةِ أَنَّ غُسْلَ الْعِيدِ مَأْمُورٌ بِهِ لِأَخْذِ الزِّينَةِ فَاسْتَوَى فِيهِ مَنْ حَضَرَ الْعِيدَ، وَمَنْ لَمْ يَحْضُرْ كَاللِّبَاسِ، وَغُسْلُ الْجُمُعَةَ مَأْمُورٌ بِهِ لِقَطْعِ الرَّائِحَةِ، لأن لا يُؤْذِيَ بِهَا مَنْ جَاوَرَهُ، فَإِذَا لَمْ يَحْضُرُ زال معناه.
والله أعلم.
(مسألة) : قال الشافعي رضي الله عنه: " وَيُجْزِيهِ غُسْلُهُ لَهَا إِذَا كَانَ بَعْدَ الْفَجْرِ ".

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ لِلْمُغْتَسِلِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَغْتَسِلَ لَهَا بَعْدَ الزَّوَالِ وَقَبْلَ الصَّلَاةِ فَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ غُسْلَهُ لَهَا مُجْزِئٌ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَغْتَسِلَ لَهَا قَبْلَ الزَّوَالِ وَبَعْدَ الْفَجْرِ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وأبي حنيفة أَنْ غُسْلَهُ مُجْزِئٌ لَهَا، وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُجْزِئُهُ؛ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مَنْ رَاحَ إِلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ " وَاسْمُ الرَّوَاحِ إِنَّمَا يَنْطَلِقُ عَلَى مَا بَعْدَ الزَّوَالِ قَالَ: وَلِأَنَّ مَشْرُوعَاتِ الْجُمُعَةِ لَا يَجُوزُ فِعْلُهَا قَبْلَ وَقْتِ الْجُمُعَةِ، كَالْأَذَانِ وَكَالْغُسْلِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ.
ودليلنا رواية أبي الأشعث عن أواس بْنِ أَوْسٍ الثَّقَفِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُولُ: " مَنْ غَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ ثُمَّ بَكَّرَ وَابْتَكَرَ وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ وَدَنَا مِنَ الْإِمَامَ وَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ كَانَ لَهُ بِكُلِ خطوةٍ عَمَلُ سنةٍ أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا " فَجَعَلَ الْغُسْلَ فِي الْبُكُورِ أَفْضَلَ، وَرَوَى أَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً " وَلِأَنَّ هَيْئَاتِ الْجُمُعَةِ يَجُوزُ فِعْلُهَا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ قَبْلَ وَقْتِ الْجُمُعَةِ كَالطِّيبِ وَاللِّبَاسِ، وَلِأَنَّ فِي الْمَنْعِ مِنَ الْغُسْلِ لَهَا إِلَّا بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا مَشَقَّةً لَاحِقَةً وَذَرِيعَةً إِلَى الْفَوَاتِ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ تُعَجَّلُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا فَلَا تَنْفَكُّ مِنْ فَوَاتِ الْغُسْلِ أَوِ الصَّلَاةِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ " مَنْ رَاحَ إِلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ " فَهُوَ أَنَّ الرَّوَاحَ الِانْصِرَافُ إِلَى الشَّيْءِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَبَعْدَهُ أَلَا تَرَى قَوْلَهُ وَمَنْ رَاحَ إِلَى الْجُمُعَةِ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ: (أَمِنْ آلِ نعمٍ أَنْتَ غادٍ مُبَكِّرُ ... غَدَاةَ غدٍ أَمْ رائحٌ فَمُهَجِّرُ)

وَالتَّهْجِيرُ قَبْلَ الزَّوَالِ وَجَعَلَهُ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَجَعَلَهُ بَعْدَ الرَّوَاحِ، وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِالْأَذَانِ فَفَاسِدٌ لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الطِّيبِ وَاللِّبَاسِ، عَلَى أَنَّ الْأَذَانَ مِنْ مَشْرُوعَاتِ الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَجُزْ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، وَهَذَا مِنْ مَسْنُونَاتِ الْيَوْمِ فَجَازَ قبل دخول وقت الصلاة.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَغْتَسِلَ لَهَا قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا يُجْزِئُهُ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ تَبَعٌ لِيَوْمِهَا، وَقِيَاسًا عَلَى غُسْلَ الْعِيدِ لَمَّا جَازَ قَبْلَ الْفَجْرِ جَازَ بَعْدَ الْفَجْرِ.
ودليلنا قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ واجبٌ عَلَى كُلِّ محتلمٍ " فَأَضَافَهُ إِلَى الْيَوْمِ فَلَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ، ولأنه إِيقَاعَ الْغُسْلِ قَبْلَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ يَمْنَعُهُ لِإِجْزَائِهِ لِلْجُمُعَةِ كَالْغُسْلِ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ، فَأَمَّا قَوْلُهُ إِنَّ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ تَبَعٌ لِيَوْمِهِ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ لِاخْتِلَافِ أَحْكَامِهَا، وَأَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى غُسْلِ يَوْمِ الْعِيدِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي جَوَازِهِ قَبْلَ الْفَجْرِ عَلَى وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ فَسَقَطَ السُّؤَالُ.
وَالثَّانِي: يَجُوزُ، فَعَلَى هَذَا الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ ضِيقُ وَقْتِ الْغُسْلِ فِي الْعِيدِ بَعْدَ الْفَجْرِ لِتَقْدِيمِ الصَّلَاةِ لَهَا فِي أَوَّلِ الْيَوْمِ فَدَعَتِ الضَّرُورَةُ إِلَى التَّوْسِعَةِ فِي تَقْدِيمِ الْغُسْلِ وَالطِّيبِ قَبْلَ الفجر وها هنا بخلافه والله أعلم.

(مسألة)

: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِنْ كَانَ جُنُبًا فَاغْتَسَلَ لَهُمَا جَمِيعًا أَجْزَأَهُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ أَصْبَحَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ جُنُبًا فَعَلَيْهِ غُسْلَانِ: وَاجِبٌ: وَهُوَ الْجَنَابَةُ وَمَسْنُونٌ: وَهُوَ الْجُمُعَةُ، فَإِنِ اغْتَسَلَ لَهُمَا غُسْلَيْنِ كَانَ أَفْضَلَ وَيُقَدِّمُ غُسْلَ الْجَنَابَةِ، وَإِنِ اغْتَسَلَ لَهُمَا غُسْلًا وَاحِدًا يَنْوِيهِمَا مَعًا أَجْزَأَهُ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُجْزِئُ لِاخْتِلَافِ مُوجِبَيْهِمَا، وَسَائِرِ أَحْكَامِهِمَا وَهَذَا أَغْلَظُ؛ لِأَنَّ الْغُسْلَ إِذَا تَرَادَفَ تَدَاخَلَ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ.
وَلِأَنَّهُ لَمَّا نَابَ غُسْلُ الْجَنَابَةِ عَنِ الْغُسْلِ الْمَفْرُوضِ كَانَ أَوْلَى أَنْ يَنُوبَ عَنِ الْمَسْنُونِ وَلَيْسَ لِاخْتِلَافِ أَحْكَامِهِمَا وَجْهٌ فِي الِامْتِنَاعِ مِنْ تَدَاخُلِهِمَا كَالْحَيْضِ وَالْجَنَابَةِ وَاللَّهُ أعلم.
(مسألة) : قال الشافعي رضي الله عنه: " وإن نوى بالغسل الجمعة والعيد لَمْ يُجْزِهِ مِنَ الْجَنَابَةِ حَتَّى يَنْوِيَ مِنَ الْجَنَابَةِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا: فِيمَنِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ غُسْلُ الْجَنَابَةِ وَالْجُمُعَةِ، فَاغْتَسَلَ أَحَدُ الْغُسْلَيْنِ فَلَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ إِمَّا أَنْ يَنْوِيَ الْجَنَابَةَ وَحْدَهَا، دُونَ الْجُمُعَةِ، أَوْ يَنْوِيَ الْجُمُعَةَ وَحْدَهَا، دُونَ الْجَنَابَةِ، وَإِنْ نَوَى بِغُسْلِهِ الْجَنَابَةَ دُونَ الْجُمُعَةِ أَجْزَأَهُ غُسْلُ الْجُمُعَةِ، وَفِي إِجْزَائِهِ غُسْلَ الْجُمُعَةِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: رَوَاهُ الْمُزَنِيُّ فِي جَامِعِهِ الْكَبِيرِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ عَنِ الْجُمُعَةِ بِنِيَةِ الْجَنَابَةِ كَمَا يُجْزِئُ إذا نوى في أحد الأحداث لجمعها.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: رَوَاهُ الرَّبِيعُ فِي الْإِمْلَاءِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ عَنِ الْجُمُعَةِ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَهَا لِاخْتِلَافِ سَبَبَيْهِمَا فِي كَوْنِ أَحَدِهِمَا لماضٍ، وَالْآخَرِ لِمُسْتَقْبَلٍ، فَمَنَعَ مِنْ أَنْ يُجْزِئَ نِيَّةُ أَحَدِهِمَا عن الآخر.

(فصل)

: وإن نوى غسل الْجُمُعَةِ دُونَ الْجَنَابَةِ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَمَّا الْجَنَابَةِ فَإِنَّهُ لَمْ يَنْوِهَا، وَأَمَّا الْجُمُعَةِ فَلِوُجُوبِ مَا هُوَ أَمْكَنُ مِنْهَا.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُجْزِئُهُ عَنِ الْجُمُعَةِ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَنْ يَجْعَلُ الطَّهَارَةَ الْمَنْدُوبَ إِلَيْهَا قَائِمَةً مَقَامَ الطَّهَارَةِ الْوَاجِبَةِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُجْزِئَهُ عَنِ الْجُمُعَةِ الَّتِي نَوَاهَا دُونَ الْجَنَابَةِ الَّتِي لَمْ يَنْوِهَا، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي إِسْحَاقَ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِنَا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " وَإِنَّمَا لِكُلِ امرئٍ مَا نَوَى ".

(فَصْلٌ)

: وَإِذَا اغْتَسَلَ الرَّجُلُ غُسْلَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ اجْتَنَبَ بَعْدَهُ عَمْدًا أَوْ غَيْرَ عَمْدٍ اغْتَسَلَ لِلْجَنَابَةِ، وَلَمْ يُعِدْ غُسْلَ الْجُمُعَةِ وَهُوَ قَوْلُ الْكَافَّةِ، وَخَالَفَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَقَالَ: يُعِيدُ غُسْلَ الْجُمُعَةِ، وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ تَنْظِيفٌ فَإِذَا تَعَقَّبَهُ غُسْلُ الْجَنَابَةِ زَادَهُ تَنْظِيفًا وَلَمْ يُعِدْهُ.

(مَسْأَلَةٌ)

: قَالَ الشافعي رضي الله عنه: " وأحب الغسل من غسل الميت، وكذلك الغسل للأعياد سنةٌ اختياراً وإن ترك الغسل للجمعة والعيد أجزأته الصلاة وإن نوى الغسل للجمعة والعيد لم يجزه من الجنابة حتى ينوى الجنابة وَأَوْلَى الْغُسْلِ أَنْ يَجِبَ عِنْدِي بَعْدَ غُسْلِ الْجَنَابَةِ الْغُسْلُ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ وَالْوُضُوءُ مِنْ مَسِّهِ مُفْضِيًا إِلَيْهِ وَلَوْ ثَبَتَ الْحَدِيثُ بِذَلِكَ عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قلت به ثم غسل الجمعة ولا نرخص في تركه ولا نوجبه إِيجَابًا لَا يُجْزِئُ غَيْرُهُ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) إِذَا لم يثبت فَقَدْ ثَبَتَ تَأْكِيدُ غُسْلِ الْجُمُعَةِ فَهُوَ أَوْلَى وَأَجْمَعُوا أَنَّ مَسَّ خِنْزِيرًا أَوْ مَسَّ مَيْتَةً أَنَّهُ لَا غُسْلَ وَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ إِلَّا غُسْلَ مَا أَصَابَهُ فَكَيْفَ يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ فِي أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ؟ ! ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا غُسْلُ الْمَيِّتِ فَوَاجِبٌ، وَأَمَّا الْغُسْلُ مَنْ غُسْلِهِ وَالْوُضُوءُ من مسه فقد روى صالح مولى التَّوْأَمَةِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " مَنْ غَسَّلَ مَيْتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ مَسَّهُ مفضياً إليه فليتوضأ ". قال الشافعي رضي الله عنه: إِنْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ قُلْتُ بِهِ، فَلَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفًا، فَالْغُسْلُ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ، وَالْوُضُوءُ مِنْ مَسِّهِ سُنَّةٌ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ وَإِنَّمَا كَانَ سُنَّةً مَعَ ضَعْفِ الْحَدِيثِ؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَعَلَهُ، وَكَذَلِكَ صَحَابَتُهُ، رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْ أربعٍ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَيَوْمِ الْجُمُعَةِ وَمِنَ الْحِجَامَةِ وَمِنْ

غُسْلِ الْمَيِّتِ وَإِنْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ وَثَبَتَ فَإِنَّ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ مَنْ أَخْرَجَ لِصِحَّتِهِ مِائَةً وَعِشْرِينَ طَرِيقًا فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وُجُوبِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَكُونُ وَاجِبًا؛ لِثُبُوتِ الْأَمْرِ بِهِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ.
وَالثَّانِي: يَكُونُ مَعَ ثُبُوتِ الْأَمْرِ بِهِ اسْتِحْبَابًا لِاحْتِمَالِهِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ.

(فَصْلٌ) : فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ اسْتِحْبَابًا وَإِمَّا وَاجِبًا، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ هَلْ هُوَ مَعْقُولُ الْمَعْنَى أَمْ لَا؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ هُوَ بِمَعْقُولِ الْمَعْنَى، وَإِنَّمَا فَعَلَ اسْتِسْلَامًا لِلشَّرْعِ، وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هُوَ مَعْقُولُ الْمَعْنَى، فَمَنْ قَالَ بِهَذَا اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الطِّيِّبِ بْنِ سَلَمَةَ، وَأَبِي الْعَبَّاسِ أن المعنى فيه نَجَاسَةِ الْمَيِّتِ، وَالْغُسْلُ مِنَ الْأَنْجَاسِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ إِنْ كَانَ يَابِسًا وَوَاجِبٌ إِنْ كَانَ رَطْبًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ وَابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ الْمَعْنَى فِيهِ حُرْمَةُ الْمَيِّتِ كما تلزم الطهارة لملامسة النساء الأحياء لحرمتين لِيُصَلَّى عَلَى الْمَيِّتِ عَلَى أَكْمَلِ طَهَارَةٍ.
(فَصْلٌ) : فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا فَإِنْ قِيلَ بِوُجُوبِهِ، فَهُوَ لَا مَحَالَةَ مُقَدَّمٌ عَلَى غُسْلِ الْجُمُعَةِ، وَإِنْ قِيلَ بِاسْتِحْبَابِهِ فَفِي تَأْكِيدِهِ عَلَى غُسْلِ الْجُمُعَةِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ أَنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ أَوْكَدُ سُنَّةً؛ لِثُبُوتِ الْخَبَرِ فِيهِ وَاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي وُجُوبِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: قَالَهُ فِي الْجَدِيدِ أَنَّهُ أَوْكَدُ مِنْ غُسْلِ الْجُمُعَةِ، لِوُقُوفِ الْخَبَرِ عَلَى الصِّحَّةِ وَتَرَدُّدِهِ بَيْنَ الواجب والسنة.

(فصل)

: فأما المزني فإنه أنكره وَمَنَعَ مِنْ ثُبُوتِ حُكْمِهِ حَتْمًا أَوْ نَدْبًا تَعَلُّقًا بِأَنَّ مَنْ مَسَّ كَلْبًا أَوْ خِنْزِيرًا لَمْ يَتَوَضَّأْ فَكَيْفَ يَتَوَضَّأُ مِنْ أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ، وَهَذَا خَطَأٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ جَمَعَ مَا فَرَّقَتِ السُّنَّةُ بَيْنَهُمَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ اسْتِدْلَالٌ يَرْفُضُ الْأُصُولَ، لِأَنَّ مَنْ مَسَّ امْرَأَةً مُؤْمِنَةً تَوَضَّأَ، وَمَنْ مَسَّ مَيْتَةً أَوْ خِنْزِيرًا لَمْ يَتَوَضَّأْ، وَمَنْ مَسَّ ذَكَرَ مُؤْمِنٍ تَوَضَّأَ وَلَوْ مَسَّ بَوْلًا أَوْ عَذِرَةً لَمْ يَتَوَضَّأْ فَكَيْفَ يمنع من تسليم أَنْ يَكُونَ الشَّرْعُ وَارِدًا بِالْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الْمَيْتَةِ دُونَ الْخِنْزِيرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(بَابُ حَيْضِ الْمَرْأَةِ وَطُهْرِهَا وَاسْتِحَاضَتِهَا)

(مَسْأَلَةٌ)

: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: " قَالَ اللَهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيض وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) {قَالَ الشَّافِعِيُّ) " مِنَ الْمَحِيضِ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ " (قَالَ الشَّافِعِيُّ) تَطَهَّرْنَ بِالْمَاءِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْحَيْضَ هُوَ مَا يُرْخِيهِ الرَّحِمُ مِنَ الدَّمِ إِذَا كَانَ عَلَى وَصْفٍ وَقَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ لَهُ بِسِتَّةِ أَسْمَاءٍ بَعْضُهَا فِي اللِّسَانِ مَذْكُورٌ وَبَعْضُهَا فِي اللُّغَةِ مَشْهُورٌ.
أَحَدُهَا: وَهُوَ أَشْهَرُهَا عِنْدَ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ الْحَيْضُ، وَفِي تَكَلُّفِ الشَّاهِدِ عَلَيْهِ فِي شَرْعٍ أَوْ لُغَةٍ عَنَاءٌ مُسْتَهْجَنٌ وَسُمِّيَ حَيْضًا لِسَيَلَانِهِ مِنْ رَحِمِ الْمَرْأَةِ، مأخوذ من قوله: حاض السبيل، وَفَاضَ إِذَا سَالَ وَمِنْهُ قَوْلُ عِمَارَةَ بْنِ عقيل: (أجالت حصاهن الدواري وحيضت ... عليهن حيضات السيول الطواحم)

السيول الجواري الَّتِي تُدِيرُ التُّرَابَ، وَكَذَلِكَ الذَّارِيَاتُ والْهَوَاجِمُ السُّيُولُ الْعَالِيَةُ وَحَيَّضَتْ أَيْ سَيَّلَتْ، وَحَيْضَاتُ السُّيُولِ مَا سَالَ مِنْهَا فَسُمِّيَ بِهِ دَمُ الْحَيْضِ حَيْضًا لِسَيَلَانِهِ.
وَالثَّانِي: الطَّمْثُ وَالْمَرْأَةُ طَامِثٌ، قَالَ الْفَرَّاءُ: الطَّمْثُ الدَّمُ، وَكَذَلِكَ قِيلَ إِذَا افْتَضَّ الرَّجُلُ الْبِكْرَ قَدْ طَمَثَهَا أَيْ أَدْمَاهَا قَالَ اللَّهُ تعالى: {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَم يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَانٌّ) {الرحمن: 56) . وَقَالَ الشَّاعِرُ وَهُوَ الْفَرَزْدَقُ: (دُفِعْنَ إِلَيَّ لَمْ يُطْمَثْنَ قَبْلِي ... وَهُنَّ أصَحُّ مِنْ بَيْضِ النَّعَامِ)

وَالثَّالِثُ: الْعَرْكُ، وَالْمَرْأَةُ عَارِكٌ وَالنِّسَاءُ عَوَارِكُ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: إِذَا عَرَكَتِ الْمَرْأَةُ فَلَا يَحِلُّ أَنْ يُنْظُرَ إِلَى شَيْءٍ مِنْهَا إِلَّا إِلَى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا وَيُرْوَى إِذَا عَارَكَتْ يَعْنِي: إِذَا حَاضَتْ مَأْخُوذٌ مِنْ عَرَاكِ الرِّجَالِ وَقَالَ الشَّاعِرُ: (أَفِي السِّلْمِ أَعْيَارُ أجفاءٍ وغلظةٍ ... وَفِي الْحَرْبِ أَشْبَاهُ النساء العوارك)

وَالرَّابِعُ: الضَّحِكُ وَالْمَرْأَةُ ضَاحِكٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ وَقَالَ مُجَاهِدٌ حَاضَتْ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: (وَضَحِكُ الْأَرَانِبِ فَوْقَ الصَّفَا ... كَمِثْلِ دَمِ الْحَرْقِ يَوْمَ اللِّقَا)

وَالْخَامِسُ: الْإِكْبَارُ، وَالْمَرْأَةُ مُكْبَرٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ) {يوسف: 31) . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَعْنَاهُ حِضْنَ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ قَالَ الشَّاعِرُ: (نَأْتِي النِّسَاءَ عَلَى أطهَارِهِنَّ وَلَا ... نَأتِي النِّسَاءَ إِذَا أُكْبِرْنَ إِكْبَارًا)

وَالسَّادِسُ: الْإِعْصَارُ، وَالْمَرْأَةُ مُعْصِرٌ وَقَالَ الشَّاعِرُ: (جاريةٌُ قَدْ أَعْصَرَتْ ... أَوْ قَدْ دَنَا إِعْصَارُهَا)

وَمِنْهُ اشْتُقَّ لِلسَّحَابِ اسْمُ الْإِعْصَارِ لِخُرُوجِ الْمَطَرِ مِنْهُ كَخُرُوجِ الدَّمِ مِنَ الرَّحِمِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ المُعْصِرَاتٍ مَاءً ثَجَّاجاً) {النبأ: 14) . وَقَالَ عُمَرُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ: (فَكَانَ مِجَنِّي دُونَ مَنْ كُنْتُ أَتَّقِي ... ثَلَاثُ شُخُوصٍ كَاعِبَانِ وَمَعْصَرُ)

أَيْ: حَائِضٌ، فَالْحَيْضُ فِي النساء خلقة فطهرهن اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهَا وَقَدْ ذَكَرَ الْجَاحِظُ فِي كِتَابِ الْحَيَوَانِ أَنَّ الَّذِي يَحِيضُ مِنَ الْحَيَوَانِ أَرْبَعَةٌ، الْمَرْأَةُ، وَالضَّبْعُ وَالْأَرْنَبُ وَالْخُفَّاشُ وَحَيْضُ الضَّبْعِ وَالْأَرْنَبِ مَشْهُورٌ فِي أَشْعَارِ الْعَرَبِ قَالَ الشَّاعِرُ فِي حَيْضِ الضَّبْعِ: (تَضْحَكُ الضَّبْعُ لِقَتْلَى هذيلٍ ... وترى الذئب بها يستهل)

يعني تحيض.

(فصل)

: وَرَوَى يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ لَمَّا أَكَلَ آدَمُ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي نَهَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا آدَمُ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ قَالَ: زَيَّنَتْهُ لِي حَوَّاءُ قَالَ: إِنِّي عَاقَبْتُهَا أَلَّا تَحْمِلَ إِلَّا كُرْهًا وَلَا تَضَعَ إِلَّا كُرْهًا وَدَمَيْتُهَا فِي الشَّهْرِ مَرَّتَيْنِ، قَالَ: فَرَأَيْتُ حَوَّاءَ عِنْدَ ذَلِكَ فَقَالَ: عَلَيْكِ الرِّثَّةُ وَعَلَى بَنَاتِكِ.
(فَصْلٌ) : وَكَانَ السَّبَبُ فِي بَيَانِ حُكْمِ الْحَيْضِ وَمَا يَلْزَمُ اجْتِنَابُهُ مِنَ الْحَائِضِ مَا رُوِيَ أَنَّ

أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ وَعَبَّادَ بْنَ بِشْرٍ وَثَابِتَ بْنَ الدَّحْدَاحِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عن حكم الحيض والحائض، واختلف في سبب سُؤَالِهِمْ، فَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ سَبَبُ سُؤَالِهِمْ أَنَّ الْعَرَبَ، وَمَنْ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ يَجْتَنِبُونَ مُسَاكَنَةَ الْحَائِضِ وَمُوَاكَلَتَهَا وَمُشَارَبَتَهَا فَسَأَلُوا عَنْهُ لِيَعْلَمُوا حُكْمَ الشَّرْعِ فِيهِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: بَلْ كَانُوا يَعْتَزِلُونَ وَطْأَهُنَّ فِي الْفَرْجِ وَيَأْتُوهُنَّ فِي أَدْبَارِهِنَّ مُدَّةَ حَيْضِهِنَّ فَسَأَلُوا لِيَعْلَمُوا حُكْمَهُ فِيهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) {البقرة: 222) . فَبَدَأَ بِتَفْسِيرِ الْآيَةِ.
فَأَمَّا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ) {البقرة: 222) فَالْمَحِيضُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عِبَارَةً عَنْ دَمِ الْحَيْضِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ العلم، وقوله هو أذىً فَالْأَذَى هُوَ مَا يُؤْذِي فَسَمَّى دَمَ الْحَيْضِ أذى؛ لأنه له لوناً ورائحة منتة وَنَجَاسَةٌ مُؤْذِيَةٌ مَعَ مَنْعِهِ مِنْ عِبَادَاتٍ وَتَغَيُّرِ أَحْكَامٍ، وَقَوْلُهُ {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ) {البقرة: 222) فِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: اعْتِزَالُ جَمِيعِ بَدَنِهَا أَنْ يُبَاشِرَهُ بِشَيْءٍ مِنْ بَدَنِهِ وَهَذَا قَوْلُ عُبَيْدَةَ السَّلْمَانِيِّ اسْتِعْمَالًا لِعُمُومِ اللَّفْظِ.
وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ اعْتِزَالُ وَطْئِهَا دُونَ غَيْرِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ لِرِوَايَةِ حَمَّادٍ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ الْيَهُودَ كَانَتْ إِذَا حَاضَتْ مِنْهُنَّ المرأة أخرجوها من البيت ولم يواكلوها، وَلَمْ يُشَارِبُوهَا وَلَمْ يُجَامِعُوهَا فِي الْبَيْتِ، فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنْ ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً) {البقرة: 222) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَقَالَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - جَامِعُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ وَاصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ، فَقَالَتِ الْيَهُودُ مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِنَا إِلَّا خَالَفَنَا فِيهِ وَرَوَتْ صَفِيَّةُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَضَعُ رَأْسَهُ فِي حِجْرِي فَيَقْرَأُ وَأَنَا حائضٌ وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ إِنِّي لَأَدْنُو إِلَى الْحَائِضِ، وَمَالِي إليها ضرورة أي: ميل إِلَيْهَا لِحَاجَةٍ وَقَوْلُهُ فِي الْمَحِيضِ فِي هَذَا الْمَحِيضِ الثَّانِي ثَلَاثُ تَأْوِيلَاتٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ دَمُ الْحَيْضِ كَالْحَيْضِ الْأَوَّلِ.
وَالثَّانِي: زَمَانُ الْحَيْضِ لِيَعُمَّ زَمَانَ جَرَيَانِ الدَّمِ وَمَا يَتَخَلَّلُهُ مِنْ أَوْقَاتِ انقطاعه.

وَالثَّالِثُ: مَكَانُ الْحَيْضِ وَهُوَ الْفَرْجُ كَمَا يُقَالُ: مبيت ومقيل لمكان البيتوتة، ومكان القيولة، وَهُوَ قَوْلُ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَجُمْهُورِ الْمُفَسِّرِينَ.
وَقَوْلُهُ {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ) {البقرة: 222) فِيهِ قراءتان: إحداهما: أنه تأكيد لقوله " فاعتزلوا " بِالتَّخْفِيفِ وَضَمِّ الْهَاءِ، وَمَعْنَاهُ: انْقِطَاعُ الدَّمِ وَهُوَ قول مجاهد وعكرمة.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ تَحْدِيدٌ لِآخِرِ زَمَانِ التَّحْرِيمِ وَقَوْلُهُ " حتى يطهرن " فيه قراءتان.
وَالثَّانِيَةُ: بِالتَّشْدِيدِ وَفَتْحِ الْهَاءِ.
وَمَعْنَاهُ: حَتَّى يَغْتَسِلْنَ.
وقوله {فَإِذَا تَطَهرْنَّ) {البقرة: 222) فيه قولان: أَحَدُهُمَا: تَطَهَّرْنَ مِنَ الدَّمِ بِانْقِطَاعِهِ وَهُوَ قَوْلُ أبي حنيفة.
وَالثَّانِي: يَطْهُرْنَ بِالْمَاءِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ الطَّهَارَةَ إِلَى فِعْلِهِنَّ وَلَيْسَ انْقِطَاعُ الدَّمِ مِنْ فِعْلِهِنَّ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا وَفِي صِفَةِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ لِأَهْلِ التَّأْوِيلِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ: أَحَدُهَا: غَسْلُ الْفَرْجِ وَهَذَا قَوْلُ دَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ.
وَالثَّانِي: الوضوء وهو قول طاووس وَمُجَاهِدٍ.
وَالثَّالِثُ: الْغُسْلُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ وَالْحَسَنِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ.
وَقَوْلُهُ: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) {البقرة: 222) فِيهِ تأويلان: أَحَدُهَا: الْقُبُلُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ فِي حَالِ الْحَيْضِ دُونَ الدُّبُرِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ.
وَالثَّانِي: مِنْ قِبَلِ طُهْرِهِنَّ لَا مِنْ قِبَلِ حَيْضِهِنَّ، وَهَذَا قَوْلُ عِكْرِمَةَ وقَتَادَةَ.
وَالثَّالِثُ: فَأْتُوهُنَّ مِنْ قِبَلِ النِّكَاحِ لَا مِنْ قِبَلِ الْفُجُورِ وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ.
وَقَوْلُهُ {إنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَابِينَ) {البقرة: 222) ويحب المتطهرين فيه ثلاث تَأْوِيلَاتٍ: أَحَدُهَا: الْمُتَطَهِّرِينَ بِالْمَاءِ وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ.
وَالثَّانِي: الْمُتَطَهِّرِينَ مِنْ أَدْبَارِ النِّسَاءِ أَنْ يَأْتُوهَا، وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ.
وَالثَّالِثُ: الْمُتَطَهِّرِينَ مِنَ الذُّنُوبِ أن يعودوا فيها بَعْدَ التَّوْبَةِ مِنْهَا وَهَذَا مَحْكِيٌّ عَنْ مُجَاهِدٍ أيضاً.

فَهَذَا مَا جَاءَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ حُكْمِ الْحَيْضِ، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَدَارُ الْحَيْضِ فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ: أَحَدُهَا: حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ فِي الْمُعْتَادَةِ.
وَالثَّانِي: حَدِيثُ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ فِي الْمُمَيِّزَةِ.
وَالثَّالِثُ: حَدِيثُ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ.
فَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ فَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَهْرَاقُ الدَّمَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ لِتَنْظُرْ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالأيَامِ الَّتِي كَانَتْ تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أَصَابَهَا فَلْتَتْرُكِ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهْرِ فَإِذَا خَلَفَتْ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ ثُمَّ لِتَسْتَنْقِ بثوبٍ ثَمَّ لِتُصَلِّيَ.
وَأَمَا حَدِيثُ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حبيش فرواه ابن شهاب عن عروة ابن الزُّبَيْرِ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ أَنَّهَا كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: إِذَا كَانَ دَمُ الْحَيْضَةِ فَإِنَهُ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلَاةِ وَإِذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي، فَإِنَّمَا هُوَ عرقٌ.
وَأَمَّا حَدِيثُ حَمْنَةُ بِنْتِ جَحْشٍ فَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ بْنِ طَلْحَةَ عَنْ عَمِّهِ عِمْرَانَ بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أُمِّهِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَتْ كُنْتُ أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً فَجِئْتُ إِلَى النَبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَوَجَدْتُهُ فِي بَيْتِ أُخْتِي زَيْنَبَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً وَإِنَّهُ لحديثٌ مَا بُدٌّ مِنْهُ وإني لأستحي منه فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَمَا هُوَ يَا هَنْتَاهُ فَقَالَتْ إِنِي أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً فَمَا

تَرَى قَدْ مَنَعَتْنِي الصَّلَاةَ وَالصَوْمَ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وأنا منها فَإِنِي أَبْعَثُ لَكِ الْكُرْسُفَ فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الدَّمَ قَالَتْ هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ قَالَ فَالتَجِمِي قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ قَالَ فَاتَّخِذِي ثَوْبًا قَالَتْ هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا أَثُجُّ ثَجًّا فَقَالَ النَّبِيُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سَآمُرُكِ بِأَمْرَيْنِ أَيَّهُمَا فَعَلْتِ أَجَزَاكِ عَنِ الْآخَرِ فَإِنْ قَوِيتِ عَلَيْهِمَا فَأَنْتِ أَعْلَمُ قَالَ إِنَّمَا هِيَ ركضةٌ مِنْ رَكْضَاتِ الشَّيْطَانِ فَتَحَيَّضِي سِتَةَ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فِي عِلْمٍ اللَهِ ثُمَّ اغْتَسِلِي حَتَى إِذَا رَأَيْتِ أَنَّكِ قَدْ طَهُرْتِ واستنقأت فصلي أربعاً وعشرين ليلةً وأيامها أو ثلاثة وعشرين ليلة وأيامها وصومي فإنه يجزيك وَكَذَا افْعَلِي فِي كُلِّ شهرٍ كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ وَكَمَا يَطْهُرْنَ مِيقَاتَ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ فَإِنْ قَوِيتِ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِي الْعَصْرَ فتغتسلين ثُمَ تُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا ثُمَّ تُؤَخِّرِينَ الْمَغْرِبَ ثمَ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فَافْعَلِي وَتَغْتَسِلِينَ عِنْدَ الْفَجْرِ ثُمَّ تُصَلِّينَ الصُّبْحَ وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي وَصُومِي إِنْ قَوِيتِ عَلَى ذَلِكَ قال وهذا أحب لاأمرين إليّ.

(فصل)

: فإذا أوضح حُكْمُ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَحَيْضُ الْمَرْأَةِ يَتَعَلَّقُ بِهِ سَبْعَةُ أَحْكَامٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَمْنَعُ مِنَ الصَّلَاةِ وَيُسْقِطُ الْقَضَاءَ أَمَّا تَرْكُ الصَّلَاةِ؛ فَلِرِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَمِيرَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ حَمْنَةَ بِنْتَ جَحْشٍ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ فَسَأَلَتِ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنْ ذَلِكَ فَأَمَرَهَا أَنْ تَدَعَ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا وَأَمَّا سُقُوطُ الْقَضَاءِ فَلِرِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ مُعَاذَةَ الْعَدَوِيَّةِ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ عَائِشَةَ أَتَقْضِي الْحَائِضُ الصَّلَاةَ فَقَالَتْ أحروريةٌ أَنْتِ قَدْ كُنَّا نَحِيضُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَلَا نَقْضِي الصَّلَاةَ وَلَا نُؤمَرُ بِقَضَائِهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَمْنَعُ مِنَ الصِّيَامِ وَيُوجِبُ الْقَضَاءَ لِرِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تَقُولُ: " إِنْ كَانَ لَيَكونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ فِي رَمَضَانَ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ حَتَّى يَأْتِيَ شَعْبَانُ " يَعْنِي: صَوْمَ مَا أَفْطَرَتْ بِالْحَيْضِ، ثُمَّ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الْقَضَاءِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصَّلَاةِ فِي الْقَضَاءِ وَالصَّوْمِ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ لُحَوْقُ الْمَشَقَّةِ فِي قضائها للصلاة دون الصيام فزادت المشقة فِي قَضَائِهَا وَقَلِيلَةُ الصِّيَامِ وَعَدَمُ الْمَشَقَّةِ فِي قَضَائِهِ.
وَالثَّالِثُ: الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ لِرِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ

أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حائضٌ وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ: افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي.
وَالرَّابِعُ: دُخُولُ الْمَسْجِدِ لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " أَمَّا الْمَسْجِدُ فَلَا أُحِلُّهُ لجنبٍ وَلَا لحائضٍ " وَلِأَنَّ حَدَثَ الْحَيْضِ أَغْلَظُ مِنْ حَدَثِ الْجَنَابَةِ، ثُمَّ كَانَ نَصُّ الْكِتَابِ يَمْنَعُ الْجُنُبَ مِنَ الَمَقَامِ فِيهِ فَكَانَتِ الْحَائِضُ مَعَ مَا يُخَافُ تَنْجِيسُ الْمَسْجِدِ بِدَمِهَا أَحَقَّ بِالْمَنْعِ وَإِذَا مُنِعَتْ مِنَ الْمَسْجِدِ فَهِيَ مَمْنُوعَةٌ مِنَ الِاعْتِكَافِ لَا مَحَالَةَ.
وَالْخَامِسُ: مَسُّ الْمُصْحَفِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لاَ يَمَسّهُ إِلاَّ المُطَهِّرُونَ) {الواقعة: 79) . والسادسة: قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَإِنْ خَالَفَ فِيهِ مَالِكٌ وَلِمَا دَلَّلْنَا عَلَيْهِ مِنْ نَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْجُنُبَ وَالْحَائِضَ أَنْ يَقْرَءَا شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ.
وَالسَّابِعُ: الْوَطْءُ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَوْله تَعَالَى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) {البقرة: 222) فَأَمَّا الِاسْتِمْتَاعُ بِمَا فَوْقَ الْإِزَارِ وَهُوَ مَا عَلَا عَنِ السُّرَّةِ وَانْحَدَرَ عَنِ الرُّكْبَةِ فَمُبَاحٌ لِرِوَايَةِ حَبِيبٍ عَنْ مَيْمُونَةٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ يُبَاشِرُ الْمَرْأَةَ مِنْ نِسَائِهِ وَهِيَ حائضٌ إِذَا كَانَ عَلَيْهَا إزارٌ إِلَى أَنْصَافِ الْفَخِذَيْنِ أَوِ الرُّكْبَتَيْنِ تَحْتَجِرُ بِهِ وَرَوَى إِبْرَاهِيمُ عَنِ الأسود عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَأْمُرُ إِحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا أَنْ تَتَّزِرَ ثُمَّ يُضَاجِعَهَا.
فَأَمَّا الِاسْتِمْتَاعُ بِمَا دُونَ الْإِزَارِ وَهُوَ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ إِذَا عَدَلَ عَنِ الْفَرْجِ فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُنَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ مَحْظُورٌ وَبِهِ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَبُو الْعَبَّاسِ وعلي بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمِنَ الْفُقَهَاءِ أبو حنيفة وأبو يوسف لِرِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سُئِلَ عَمَّا يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ مِنَ الْمَرْأَةِ وَهِيَ حائضٌ قَالَ: مَا تَحْتَ الْإِزَارِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ مُبَاحٌ وَبِهِ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ خَيْرَانَ وَأَبُو إِسْحَاقَ وَمِنَ الْفُقَهَاءِ مَالِكٌ ومحمد بن الحسن لِمَا رُوِيَ أَنَّ ثَلَاثَةَ رَهْطٍ سَأَلُوا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَمَّا يَحِلُّ مِنَ الْحَائِضِ فقال: ما أحسم الحجرين، ولأن الْفَرْجَ هُوَ الْمَخْصُوصُ بِالتَّحْرِيمِ دُونَ مَا حَوْلَهُ كَالدُّبُرِ، وَتَأَوَّلُوا قَوْلَهُ مَا تَحْتَ الْإِزَارِ أَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنِ الْفَرْجِ وَهُوَ مَشْهُورٌ أَنَّهُمْ يُكَنُّونَ عَنِ الْفَرْجِ بِالْإِزَارِ قَالَ الْأَخْطَلُ:

(قومٌ إِذَا حَارَبُوا شَدُّوا مَآزِرَهُمْ ... دُونَ النِّسَاءِ ولو باتت بِأَطْهَارِ)

وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْفَيَّاضِ: إِنَّهُ إِنْ كَانَ يَضْبُطُ نَفْسَهُ عَنْ إِصَابَةِ الْفَرْجِ إِمَّا لِضَعْفِ شَهْوَتِهِ أَوْ لِقُوَّةٍ تُخْرِجُهُ جَازَ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَإِنْ لَمْ يَضْبُطْ نَفْسَهُ عَنْ ذَلِكَ لِقُوَّةِ شَهْوَتِهِ وَقِلَّةٍ تُخْرِجُهُ لَمْ يَجُزْ فَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يأمرنا في فَوْرَ حَيْضَتِنَا أَنْ نَتَّزِرَ ثُمَّ يُبَاشِرُنَا وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَمْلِكُ إِرْبَهُ.

(فَصْلٌ)

: فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا مِنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ السَّبْعَةِ فَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِكُلِّ حَيْضٍ وُجِدَ فِي كُلِّ امْرَأَةٍ وَقَدْ يَتَعَلَّقُ به حكمان يختصان ببعض النِّسَاءِ وَهُمَا: الْبُلُوغُ وَالْعِدَّةُ بِالْأَقْرَاءِ فَصَارَتْ مَعَ هَذَيْنِ تِسْعَةَ أَحْكَامٍ فَإِنْ خَالَفَتِ الْمَرْأَةُ فِي حَالِ حَيْضِهَا مِنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ فَهِيَ عَاصِيَةٌ بِارْتِكَابِهَا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا فِيمَا سِوَى الْوَطْءِ، وَأَمَّا الْوَطْءُ فَإِنْ كَانَ فِيمَا سِوَى الْفَرْجِ مِمَّا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي تَحْرِيمِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا فِيهِ وَلَا عَلَى الْوَاطِئِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْفَرْجِ فَقَدْ رَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ سفيان بن أبي أمية عن مقسم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَرْفَعُهُ قَالَ: مَنْ أَتَى امْرَأَةً وَهِيَ حائضٌ إِنْ كَانَ الدَّمُ غَبِيطًا تَصَدَّقَ بدينارٍ وَإِنْ كَانَ أَحْمَرَ تَصَدَّقَ بِنِصْفِ دينارٍ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ قُلْتُ به لأنه كان واقعاً فِيهِ فَكَانَ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ وَجُمْهُورُ الْبَغْدَادِيِّينَ يجعلونه قولاً في القديم ومذهبنا وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَكَانَ أَبُو حَامِدٍ الْمَرْوَزِيُّ وَجُمْهُورُ الْبَصْرِيِّينَ لَا يُخْرِجُونَهُ فِي الْقَدِيمِ قَوْلًا وَلَا يَجْعَلُونَهُ مَذْهَبًا؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْحُكْمَ فِيهِ مَوْقُوفًا عَلَى صِحَّةِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ وَكَانَ أَبُو الْعَبَّاسِ يَقُولُ: لَوْ صح الحديث لكان حَمْلُهُ عَلَى الْقَدِيمِ اسْتِحْبَابًا لَا وَاجِبًا؛ لِاحْتِمَالِ الْمُتَعَلِّقِ بِهِ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ وَمَا صَحَّ فِي سَائِرِ كُتُبِهِ: أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى الْوَاطِئِ فِي الْحَيْضِ وَلَا الْمَوْطُوءَةِ الْحَائِضِ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ، وَلِأَنَّ الْوَطْءَ إِذَا حُرِّمَ لِأَجْلِ الْأَذَى لَمْ يُوجِبِ الْكَفَّارَةَ كَالْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: رَأَيْتُ فِي مَنَامِي كَأَنِّي أَبُولُ دَمًا قَالَ: يُوشِكُ أَنْ تَطَأَ امْرَأَتَكَ وَهِيَ حائضٌ قَالَ نَعَمْ قَالَ: اسْتَغْفِرِ اللَّهَ وَلَا تَعُدْ وَلَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ كَفَّارَةً.

(فَصْلٌ)

: فَإِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ التِّسْعَةِ فِي تَعَلُّقِهَا بِالْحَيْضِ كَانَ دَمُ حَيْضِهَا بَاقِيًا فَالْأَحْكَامُ بِحَالِهَا وَالتَّحْرِيمُ ثَابِتٌ.
وَإِنِ انْقَطَعَ دَمُهَا وَاغْتَسَلَتْ حَلَّ جَمِيعُ ذَلِكَ لَهَا لِارْتِفَاعِ حَيْضِهَا، وَعَوْدِهَا إِلَى حَالِ الطُّهْرِ.
فَأَمَّا بَعْدَ انْقِطَاعِ دَمِهَا وَقَبْلَ الْغُسْلِ فَتُقَسَّمُ هَذِهِ التِّسْعَةُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ يَجُوزُ لَهَا فِعْلُهُ قَبْلَ الْغُسْلِ: وَهُوَ الصَّوْمُ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى طَهَارَةٍ فَجَازَ لَهَا الدُّخُولُ فِيهِ قَبْلَهَا.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا لَا يَجُوزُ لَهَا فِعْلُهُ قَبْلَ الْغُسْلِ وَهُوَ الصَّلَاةُ، وَالطَّوَافُ، وَمَسُّ الْمُصْحَفِ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، وَفِي دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَجْهَانِ؛ إِلَّا أَنَّ فَرْضَ الصَّلَاةِ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهَا بِانْقِطَاعِ الدَّمِ وَإِنْ لَمْ تَغْتَسِلْ وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُصَلِّيَ إِلَّا بَعْدَ الْغُسْلِ.
فَإِذَا اغْتَسَلَتْ قَضَتْ مَا تَرَكَتْ مِنَ الصَّلَاةِ بَعْدَ انْقِطَاعِ دَمِهَا وَقَبْلَ الْغُسْلِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فَاغْتَسِلِي وَصَلَّي ".

(فَصْلٌ)

: وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ وَهُوَ الْوَطْءُ.
فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى بَقَائِهِ عَلَى التَّحْرِيمِ حَتَّى تَغْتَسِلَ.
وَقَالَ أبو حنيفة: إِنِ انْقَطَعَ انْقَطَعَ دَمُهَا لِأَكْثَرِ الْحَيْضِ وَهُوَ عِنْدَهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ جَازَ وَطْؤُهَا قَبْلَ الْغُسْلِ، وَإِنِ انْقَطَعَ لِأَقَلَّ مِنَ الْعَشَرَةِ لَمْ يَجُزْ وَطْؤُهَا إِلَّا أَنْ تَغْتَسِلَ أَوْ يَمُرَّ عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {ولاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) {البقرة: 222) فَجَعَلَ انْقِطَاعَ الدَّمِ غَايَةً.
وَالْحُكْمُ بَعْدَ الْغَايَةِ مُخَالِفٌ لِمَا قَبْلَهَا قَالَ: وَلِأَنَّهَا أَمِنَتْ مُعَاوَدَةَ الدَّمِ فَجَازَ وَطْؤُهَا كَالْمُغْتَسِلَةِ.
قَالَ: وَلِأَنَّهَا اسْتَبَاحَتْ فِعْلَ الصَّوْمِ فَجَازَ وَطْؤُهَا كَالْمُتَيَمِّمِ.
قَالَ: ولأن حُكْمٌ وَجَبَ بِعِلَّةٍ زَالَ بِزَوَالِهَا، وَعِلَّةُ التَّحْرِيمِ: حُدُوثُ الدَّمِ.
فَوَجَبَ أَنْ يَزُولَ بِانْقِطَاعِ الدَّمِ قَالَ: وَلِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ إِلَّا وُجُوبُ الْغُسْلِ وَبَقَاءُ الْغُسْلِ لَا يَمْنَعُ من استباحة وطئها كالجنب.
ودليلنا قوله سبحانه وتعالى: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ) {البقرة: 222) وَالِاسْتِدْلَالُ بِهَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ فِي الْآيَةِ قِرَاءَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا: بِالتَّخْفِيفِ وَضَمِّ الْهَاءِ.
وَمَعْنَاهَا: انْقِطَاعُ الدَّمِ.
وَالْأُخْرَى بِالتَّشْدِيدِ وَفَتْحِ الْهَاءِ مَعْنَاهَا الْغُسْلُ.
وَاخْتِلَافُ الْقِرَاءَتَيْنِ كَالْآيَتَيْنِ فَيُسْتَعْمَلَانِ مَعًا.
وَيَكُونُ تَقْدِيرُ ذَلِكَ: فَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَنْقَطِعَ دَمُهُنَّ وَيَغْتَسِلْنَ.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذاَ تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ فَجَعَلَ بَعْدَ الْغَايَةِ شَرْطًا هُوَ الْغُسْلُ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِضَافَةُ الْفِعْلِ إِلَيْهِنَّ وَلَيْسَ انْقِطَاعُ الدَّمِ مِنْ فِعْلِهِنَّ وَإِنَّمَا يَفْعَلْنَ الطَّهَارَةَ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَثْنَى عَلَيْهِنَّ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَابِينَ وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ) {البقرة: 222) وَالثَّنَاءُ يُسْتَحِقُّ بِالْأَفْعَالِ الصَّادِرَةِ مِنْ جِهَةِ مَنْ تَوَجَّهَ الثَّنَاءُ إِلَيْهِ.
فَأَمَّا فِعْلُ غَيْرِهِ فَلَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ مَدْحًا وَلَا ذَمًّا وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَكُلُّ حُكْمٍ تَعَلَّقَ بِغَايَةٍ وَشَرْطٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُسْتَبَاحَ بِوُجُودِ الْغَايَةِ مَعَ عَدَمِ الشَّرْطِ.
وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا الْنِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) {النساء: 6) فَجَعَلَ بَعْدَ الْغَايَةِ الَّتِي هِيَ الْبُلُوغُ لِلنِّكَاحِ شَرْطًا هُوَ إِينَاسُ الشَّرْطِ.
فَلَمْ يَجُزْ دَفْعُ أَمْوَالِهِمْ إِلَيْهِمْ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَقَبْلَ الرُّشْدِ.
وَالْمَعْنَى هُوَ أَنَّ كُلَّ مَمْنُوعَةٍ مِنَ الصَّلَاةِ بِحَدَثِ الْحَيْضِ فَوَطْؤُهَا حَرَامٌ.
قِيَاسًا عَلَى زَمَانِ الْحَيْضِ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَا حَرَّمَ الْوَطْءَ وَغَيْرَهُ لَمْ يَحِلَّ الْوَطْءُ مَعَ بَقَاءِ شَيْءٍ حَرَّمَهُ مَعَهُ كَالْحَجِّ، وَلِأَنَّ مَحْظُورَاتِ الْحَيْضِ يَسْتَوِي حَالُهَا عِنْدَ ارْتِفَاعِ الْحَيْضِ بَيْنَ انْقِطَاعِهِ لِأَكْثَرِهِ وَأَقَلِّهِ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَعْنًى شُرِطَ فِي إِبَاحَتِهِ الطَّهَارَةُ لَمْ يُسْتَبَحْ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ كَالصَّلَاةِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ فَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِهَا.
وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْمُغْتَسِلَةِ بِعِلَّةِ أَنَّهَا أَمِنَتْ مُعَاوَدَةَ الدَّمِ فَلَا تَأْثِيرَ لِهَذَا الْوَصْفِ.
لِأَنَّهَا لَوِ اغْتَسَلَتْ قَبْلَ أَنْ أَمِنَتْ مُعَاوَدَةَ الدَّمِ فَلَهُ وَطْؤُهَا.
ثُمَّ الْمَعْنَى فِي الْمُغْتَسِلَةِ اسْتِبَاحَتُهَا لِلصَّلَاةِ، وَكَذَا قِيَاسُهُ عَلَى الْمُتَيَمِّمَةِ عَلَى أَنَّهُ مُنْتَقِضٌ بِالَّتِي انْقَطَعَ دَمُهَا لِدُونِ الْعَشَرَةِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَاسْتَبَاحَتِ الدُّخُولَ فِي الصَّوْمِ وَلَمْ تَسْتَبِحِ الْوَطْءَ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِ بِأَنَّ ارْتِفَاعَ الْعِلَّةِ وَقْتٌ لِارْتِفَاعِ حُكْمِهَا: فَهُوَ أَنَّ لِأَصْحَابِنَا فِيهِ خِلَافًا.
وَلَوْ سَلِمَ لَهُ ذَلِكَ لَكَانَ كَذَلِكَ مَا لَمْ يُخْلِفْ تِلْكَ الْعِلَّةَ عِلَّةً أُخْرَى وَقَدْ خَلَفَتْهَا عِلَّةٌ وَهِيَ الْمَنْعُ مِنَ الصَّلَاةِ لَحَدَثِ الْحَيْضِ.
وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى بَقَاءِ الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ فَالْفَرْقُ فِي الْمَعْنَى يَمْنَعُ صِحَّةَ الْجَمْعِ وَهُوَ أَنَّ الْجَنَابَةَ لَمَّا لَمْ تَمْنَعْ مِنَ الْوَطْءِ لَمْ يَكُنْ بَقَاءُ الْغُسْلِ عَلَيْهَا مَانِعًا.
وَلَمَّا مَنَعَ الْحَيْضُ مِنَ الْوَطْءِ كَانَ بَقَاءُ الْغُسْلِ فِيهِ مَانِعًا.

(فَصْلٌ)

: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ وَطْأَهَا قَبْلَ الْغُسْلِ حَرَامٌ فَمَتَى كَانْتْ قَادِرَةً عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فَعَلَيْهَا اسْتِعْمَالُهُ وَالِاغْتِسَالُ بِهِ.
وَإِنْ كَانَتْ عَادِمَةً لِلْمَاءِ قَامَ التَّيَمُّمُ فِي اسْتِبَاحَةِ الْوَطْءِ مَقَامَ الْغُسْلِ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ مِنْهُ عِنْدَ عَدَمِهِ.
فَلَوْ أَحْدَثَتْ بَعْدَ التَّيَمُّمِ مُنِعَتْ مِنَ الصَّلَاةِ حَتَّى تَتَيَمَّمَ لِأَنَّ حَدَثَ الْحَيْضِ قَدِ ارْتَفَعَ وَطَرَأَ حَدَثُ غَيْرِهِ فَلَا يَمْنَعُ مِنْ الْوَطْءِ.
وَلَكِنْ لَوْ رَأَتِ الْمَاءَ بَعْدَ التَّيَمُّمِ حَرُمَ وَطْؤُهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ، لِأَنَّهَا بِوُجُودِ الْمَاءِ قَدْ عَادَتْ إِلَى حَدَثِ الْحَيْضِ الْمَانِعِ مِنْ

الْوَطْءِ.
فَلَوْ عَدِمَتِ الْمَاءَ وَالتُّرَابَ حَلَّتْ لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ وَلَمْ يَجُزْ وَطْؤُهَا لِعَدَمِ الطَّهَارَةِ.
فَإِذَا تَيَمَّمَتْ فَوَطَأَهَا ثُمَّ أَرَادَ وَطْأَهَا ثَانِيَةً فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي جَوَازِهِ بِالتَّيَمُّمِ الْأَوَّلِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ أَنْ يَطَأَهَا ثَانِيَةً حَتَّى تُعِيدَ التَّيَمُّمَ ثَانِيَةً.
كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ تُصَلِّيَ فَرِيضَةً ثَانِيَةً إِلَّا بِتَيَمُّمٍ ثَانٍ.
وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي الْعَبَّاسِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ لِارْتِفَاعِ حَدَثِ الْحَيْضِ بِالتَّيَمُّمِ الْمُتَقَدِّمِ.
فَأَمَّا إِذَا تَيَمَّمَتِ الْحَائِضُ وَدَخَلَ عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ أُخْرَى.
فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَجُوزُ وَطْؤُهَا بِالتَّيَمُّمِ الْمُتَقَدِّمِ فِي الْوَقْتِ الْمَاضِي أَمْ لَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ: قَدْ بَطُلَ تَيَمُّمُهَا بِخُرُوجِ الْوَقْتِ فَلَا يَجُوزُ وَطْؤُهَا فِي الْوَقْتِ الثَّانِي إِلَّا بِاسْتِئْنَافِ تَيَمُّمٍ ثَانٍ.
لِأَنَّ التَّيَمُّمَ أَضْعَفُ حَالًا مِنَ الْغُسْلِ فَقَصُرَ حُكْمُهُ عَنْ حُكْمِ الْغُسْلِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَصَحُّ عِنْدِي يَجُوزُ وَطْؤُهَا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ الثَّانِي مِنْ غَيْرِ إِحْدَاثِ تَيَمُّمٍ ثَانٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ خُرُوجُ الْوَقْتِ بِأَغْلَظَ مِنَ الْحَدَثِ.
فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ طُرُوءُ الْحَدَثِ عَلَى التَّيَمُّمِ فَخُرُوجُ الْوَقْتِ وَدُخُولُ غَيْرِهِ أَوْلَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(مسألة)

: قال الشافعي: " وَإِذَا اتَّصَلَ بِالْمَرْأَةِ الدَمُ نَظَرَتْ فَإِنْ كَانَ دَمُهَا ثَخِينًا مُحْتَدِمًا يَضْرِبُ إِلَى السَّوَادِ لَهُ رَائِحَةٌ فَتِلْكَ الْحَيْضَةُ نَفْسُهَا فَلْتَدَعِ الصَّلَاةَ فَإِذَا ذهب ذلك الدم وجاءها الدم الأحمر الرقيق الْمُشْرِقُ فَهُوَ عرقٌ وَلَيْسَتِ الْحَيْضَةُ وَهُوَ الطُّهْرُ وعليها أن تغتسل كما وصفت وتصلي ويأتيها زوجها ". قال الماوردي: اعلم أن للحيض مقدمات ثلاث لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِهَا لِتَكُونَ الْمَسَائِلُ مَبْنِيَّةً عَلَيْهَا.
فَالْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى فِي زَمَانِ الْحَيْضِ.
وَالْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ فِي قَدْرِ الْحَيْضِ.
وَالْمُقَدِّمَةُ الثَّالِثَةُ فِي صِفَةِ الْحَيْضِ.

(فَصْلٌ)

: فَأَمَّا زَمَانُ الْحَيْضِ فَأَقَلُّ زَمَانٍ تَحِيضُ فِيهِ النِّسَاءُ تِسْعُ سِنِينَ وَأَكْثَرُهُ غَيْرُ مَحْدُودٍ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ الْحَدُّ فِيهِ مُعْتَبَرًا وَلَمْ يَكُنْ فِي الشَّرْعِ مَحْدُودًا كَانَ الرُّجُوعُ فِي حَدِّهِ إِلَى مَا وُجِدَ مِنَ الْعَادَاتِ الْجَارِيَةِ وَلَمْ يُوجَدْ فِي جَارِي الْعَادَةِ حُدُوثُ الْحَيْضِ لِأَقَلِّ مِنْ تِسْعِ سِنِينَ.
قَالَ

الشَّافِعِيُّ: وَأَعْجَلُ مَنْ سَمِعْتُ مِنَ النِّسَاءِ تَحِيضُ نِسَاءُ تِهَامَةَ يَحِضْنَ لِتِسْعِ سِنِينَ وَقَدْ رَأَيْتُ جدة لها إحدى وعشرين سَنَةً.
وَقَدْ يُمْكِنُ عَلَى مَذْهَبِهِ أَنْ يَكُونَ لها تسعة عَشْرَةَ سَنَةً وَشَيْءٌ غَيْرَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ أَخْبَرَنَا بِمَا وَجَدَ لَا بِمَا يُمْكِنُ فَكَانَ أَوَّلُ زَمَانِ الْحَيْضِ بَعْدَ اعْتِبَارِ أَقَلِّ الْعَادَاتِ تِسْعَ سِنِينَ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلِ التِّسْعُ حَدُّ تَحْقِيقٍ أَوْ حَدُّ تَقْرِيبٍ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: حَدُّ تَحْقِيقٍ مُتَغَيِّرُ الْحُكْمِ فِيهِ بِزِيَادَةِ يَوْمٍ وَنُقْصَانِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ حَدُّ تَقْرِيبٍ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ نُقْصَانُ الْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ.
وَهَذَا كَاخْتِلَافِهِمْ فِي تَحْدِيدِ الْقُلَّتَيْنِ.
فَأَمَّا أَكْثَرُ زَمَانِ حَيْضِهِنَّ فَلَمْ يَنْحَصِرْ بِحَدٍّ لِاخْتِلَافِهِ وَتَبَايُنِهِ، وَهُوَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبِلَادِ لِحَرِّهَا وَبَرْدِهَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَإِنْ رَأَتِ الدَّمَ قَبْلَ اسْتِكْمَالِ تِسْعِ سِنِينَ فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ لَا يُقَالُ لَهُ حَيْضٌ وَلَا اسْتِحَاضَةٌ لِأَنَّ الِاسْتِحَاضَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا عَلَى أَثَرِ حَيْضٍ.
وَأَمَّا قَدْرُ الْحَيْضِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ وَمِمَّا لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ مِنَ الطُّهْرِ خَمْسَةُ فُصُولٍ:

(فَصْلٌ)

: فِي أَقَلِّ الْحَيْضِ وَهُوَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَسَيَأْتِي الْخِلَافُ فِيهِ وَالْحِجَاجُ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: فِي أَكْثَرِ الْحَيْضِ وَهُوَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
وَالثَّالِثُ: فِي أَوْسَطِهِ وَهُوَ سِتَّةُ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةُ أَيَّامٍ فَهُوَ كَالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ لِحَدِيثِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ.
وَالرَّابِعُ: فِي أَقَلِّ الطُّهْرِ مِنَ الْحَيْضَتَيْنِ وَهُوَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَالْوِفَاقُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنَ الْخِلَافِ فِيهِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ.
وَالْخَامِسُ: فِي أَكْثَرِ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ وَهُوَ غَيْرُ مَحْدُودٍ.
فَلَوْ رَأَتِ الدَّمَ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ كَانَ دَمَ فَسَادٍ وَلَمْ يَكُنْ حَيْضًا وَلَا اسْتِحَاضَةً.
وَلَوْ تَجَاوَزَ خمسة عشر يوماً ففيه حيض واستحاضة.

(فَصْلٌ)

: فَأَمَّا صِفَةُ الْحَيْضِ فَدَمُ الْحَيْضِ فِي الغالب أسود ثخين محتدم مريج وَالْمُحْتَدِمُ: هُوَ الْحَارُّ الْمُحْتَرِقُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ يَوْمٌ مُحْتَدِمٌ إِذَا كَانَ شَدِيدَ الْحَرِّ سَاكِنَ الرِّيحِ.
وَأَمَّا دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ فِي الْغَالِبِ فَهُوَ أَحْمَرُ رَقِيقٌ مُشْرِقٌ وَرُبَّمَا تَغَيَّرَ دَمُ الْحَيْضِ إِلَى الْحُمْرَةِ وَدَمُ الِاسْتِحَاضَةِ إِلَى السَّوَادِ.
وَإِمَّا لِمَرَضٍ طَرَأَ أَوْ غِذَاءٍ اخْتَلَفَ أَوْ زَمَانٍ تَقَلَّبَ أَوْ بُلْدَانٍ اخْتَلَفَتْ فَيُعْرَفُ إِذَا تَغَيَّرَ وَلَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ مَعَ السَّلَامَةِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ دَمِ الْحَيْضِ وَدَمِ الِاسْتِحَاضَةِ مَعَ افْتِرَاقِهِمَا فِي الصِّفَةِ: أَنَّ دَمَ الْحَيْضِ يَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ الرَّحِمِ وَدَمَ الِاسْتِحَاضَةِ يَسِيلُ مِنَ الْعَادِلِ: وَهُوَ عِرْقٌ يَسِيلُ دَمُهُ فِي أَدْنَى الرَّحِمِ دُونَ قَعْرِهِ حَكَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ فِي دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ إِنَّمَا هُوَ عرقٌ.

(فَصْلٌ)

: فَإِذَا تَمَهَّدَ مَا وَصَفْنَا مِنْ مُقَدِّمَاتِ الْحَيْضِ فَالنِّسَاءُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرَبٍ: طَاهِرٌ، وَحَائِضٌ، وَمُسْتَحَاضَةٌ، وَذَاتُ فَسَادٍ.
فَأَمَّا الطَّاهِرُ فَهِيَ الَّتِي تَرَى النَّقَاءَ وَمَعْنَاهُ أَنْ تَسْتَدْخِلَ الْقُطْنَ فَيَخْرُجُ نَقِيًّا.
وَأَمَّا الْحَائِضُ: فَهِيَ الَّتِي تَرَى الدَّمَ فِي زَمَانٍ يَكُونُ حَيْضًا وَأَمَّا الْمُسْتَحَاضَةُ: فَهِيَ الَّتِي تَرَى الدَّمَ فِي أَثَرِ الْحَيْضِ عَلَى صِفَةٍ لَا تَكُونُ حَيْضًا.
وَأَمَّا ذَاتُ الْفَسَادِ: فَهِيَ الَّتِي تَبْتَدِئُ بِدَمٍ لَا يَكُونُ حَيْضًا.
وَإِذَا كَانَ النِّسَاءُ بِهَذِهِ الْأَحْوَالِ فَالطَّاهِرُ مِنْهُنَّ يَتَعَلَّقُ عَلَيْهَا حُكْمُ الطُّهْرِ، وَالْحَائِضُ يَتَعَلَّقُ عَلَيْهَا حُكْمُ الْحَيْضِ.
وَأَمَّا الْمُسْتَحَاضَةُ فَيَنْقَسِمُ حَالُهَا أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ مُمَيِّزَةً.
وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ مُعْتَادَةً.
وَالثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ صَاحِبَةَ تَمْيِيزٍ وَعَادَةٍ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ لَا يَكُونَ لَهَا تَمْيِيزٌ وَلَا عَادَةٌ.

(فَصْلٌ)

: فَأَمَّا الْمُمَيِّزَةُ فَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ وَصُورَتُهَا فِي امْرَأَةٍ تَصِلُ بِهَا الدَّمَ حَتَّى تُجَاوِزَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَبَعْضُهُ أَسْوَدُ ثَخِينٌ، وَبَعْضُهُ أَحْمَرُ رَقِيقٌ، فَهَذِهِ هِيَ الْمُمَيِّزَةُ.
فتميز من دمها كَانَ أَسْوَدَ ثَخِينًا فَيَكُونُ حَيْضُهَا وَمَا كَانَ مِنْهُ أَحْمَرَ رَقِيقًا فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ.
وَقَالَ أبو حنيفة: لَا اعْتِبَارَ بِالتَّمْيِيزِ وَتُرَدُّ إِلَى عَادَتِهَا اسْتِدْلَالًا بِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " لِتَنْظُرْ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أَصَابَهَا فَلْتَتْرُكِ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ الشَّهْرِ " قَالَ: وَلِأَنَّ الدَّمَ قَدْ يُوجَدُ فَيَكُونُ حَيْضًا وَقَدْ يُوجَدُ فَلَا يَكُونُ حَيْضًا مَعَ كَوْنِهِ مُتَمَيِّزًا أَوْ أَيَّامَ الْعَادَةِ إِذَا قَارَبَهَا الدَّمُ لَا يَكُونُ إِلَّا حَيْضًا، وَدَلِيلُنَا حَدِيثُ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ لَهَا: " إِذَا كَانَ دَمُ الْحَيْضِ فَإِنَّهُ أَسْوَدُ يُعْرَفُ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلَاةِ " فَرَدَّهَا إِلَى تَمْيِيزِهَا وَاعْتِبَارِ لَوْنِهِ وَرَوَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ لِلْحَائِضِ دَفْعَاتٍ وَلِدَمِ الْحَيْضِ ريحٌ لَيْسَ لِغَيْرِهِ فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُ الْحَيْضِ فَلْتَغْتَسِلْ وَلِأَنَّ الْحَيْضَ مُتَعَلِّقٌ بِدَمٍ وَأَيَّامٍ فَوَجَبَ أَنْ يُقَدَّمَ الدَّمُ عَلَى الْأَيَّامِ كَالْعِدَّةِ تُقَدَّمُ الْأَقْرَاءُ عَلَى الشُّهُورِ.
وَلِأَنَّ مَا خَرَجَ مِنْ مَخْرَجٍ وَاحِدٍ إِذَا الْتَبَسَ وَأَمْكَنَ تَمْيِيزُهُ بِصِفَاتِهِ كَانَ التَّمْيِيزُ بِصِفَاتِهِ أَوْلَى كَالْمَنِيِّ وَالْمِذِيِّ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ فَهُوَ أَنَّهُ وَارِدٌ فِي الْمُعْتَادَةِ دُونَ الْمُمَيِّزَةِ.
وَحَدِيثُ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ وَارِدٌ فِي الْمُمَيِّزَةِ دُونَ الْمُعْتَادَةِ فَتَسْتَعْمِلُ الْخَبَرَيْنِ فِيمَا وَرَدَا فِيهِ وَلَا يَسْقُطُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ أَيَّامِ الْعَادَةِ أَنَّهَا لَا تَكُونُ إِلَّا حَيْضًا فَكَانَ أَوْلَى مِنَ اعْتِبَارِ الدَّمِ فَهُوَ أَنَّهُ اسْتِدْلَالٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ أَيَّامَ الْعَادَةِ قَدْ تُوجَدُ خَالِيَةً مِنَ الدَّمِ فَلَا يَكُونُ حَيْضًا فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ

يَجْعَلَ حُكْمَ الْأَيَّامِ أَقْوَى مِنْ حُكْمِ الدَّمِ وَالدَّمُ قَدْ يَكُونُ حَيْضًا فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْعَادَةِ.

(فَصْلٌ)

: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ التَّمْيِيزَ مُعْتَبَرٌ فَاعْتِبَارُهُ يَكُونُ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الدَّمُ مُخْتَلِفًا بَعْضُهُ أَسْوَدُ ثَخِينٌ وَبَعْضُهُ أَحْمَرُ رَقِيقٌ.
فَإِنْ كَانَ لَوْنًا وَاحِدًا فَلَا تَمْيِيزَ وَيُنْظَرُ فِيهِ: فَإِنْ كَانَ أَسْوَدَ فَكُلُّهُ حَيْضٌ إِنْ بَلَغَ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَلَمْ يَزِدْ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا مُبْتَدَأَةً كَانَتْ أَوْ ذَاتَ حَيْضٍ.
وَإِنْ نَقَصَ عَنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ.
وَإِنْ زَادَ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ فَتُرَدُّ إِلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.
وَإِنْ كَانَ الدَّمُ أَحْمَرَ رَقِيقًا فَلَهَا حَالَتَانِ: مُبْتَدَأَةٌ، وَذَاتُ حَيْضٍ فَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ حَيْضٍ فَهُوَ كَالسَّوَادِ إِذَا انْفَرَدَ يَكُونُ حَيْضًا إِنْ بَلَغَ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَلَمْ يَتَجَاوَزْ خَمْسَةَ عَشَرَ.
وَاسْتِحَاضَةً إِنْ تَجَاوَزَ ذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّهَا كَذَاتِ الْحَيْضِ فِي أَنَّهُ حَيْضٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ دَمُ فَسَادٍ وَلَيْسَ بِحَيْضٍ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ مَشْرُوحًا فِي مَوْضِعِهِ.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ سَوَادُ الدَّمِ قَدْرًا يَكُونُ حَيْضًا وَهُوَ أَنْ يَبْلُغَ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَلَا يَتَجَاوَزَ خَمْسَةَ عَشَرَ.
فَإِنْ قَصُرَ عَنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَوْ تَجَاوَزَ خَمْسَةَ عَشَرَ فَلَا تَمْيِيزَ وَكَانَ حُكْمُ الْكُلِّ وَاحِدًا فِي كَوْنِهِ دَمَ فَسَادٍ إِنْ نَقُصَ عَنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَوِ اسْتِحَاضَةً دَخَلَتْ فِي حَيْضٍ إِنْ تَجَاوَزَ خَمْسَةَ عَشَرَ.
وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَتَجَاوَزَ الدَّمُ الْأَحْمَرُ خَمْسَةَ عَشَرَ لِيَدْخُلَ الِاسْتِحَاضَةُ فِي الْحَيْضِ فَإِنِ انْقَطَعَ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَكِلَا الدَّمَيْنِ سَوَادُهُ وَحُمْرَتُهُ حَيْضٌ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.

(فَصْلٌ)

: فَإِذَا اسْتَكْمَلَتْ هَذِهِ الشُّرُوطَ الثَّلَاثَةَ حُكِمَ لَهَا بِالتَّمْيِيزِ وَلَزِمَهَا اعْتِبَارُهُ فِي حَيْضِهَا فَحِينَئِذٍ لَا يَخْلُو دَمُهَا مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَتَقَدَّمَ السَّوَادُ وَتَتَأَخَّرَ الْحُمْرَةُ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَتَقَدَّمَ الْحُمْرَةُ وَيَتَعَقَّبَهَا السَّوَادُ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ السَّوَادُ فِي الطَّرَفَيْنِ وَالْحُمْرَةُ فِي الْوَسَطِ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ الْحُمْرَةُ فِي الطَّرَفَيْنِ وَالسَّوَادُ فِي الْوَسَطِ.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنْ يَتَقَدَّمَ السَّوَادُ وَتَتَعَقَّبَهُ الْحُمْرَةُ وَصُورَتُهُ أَنْ تَرَى خَمْسَةَ أَيَّامٍ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ دَمًا أَسْوَدَ وَبَاقِيَ الشَّهْرِ دَمًا أَحْمَرَ فَحَيْضُهَا الْخَمْسَةُ السَّوَادُ تَدَعُ فِيهَا الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ.
وَأَيَّامُ الدَّمِ الْأَحْمَرِ فِيمَا بَقِيَ مِنَ الشَّهْرِ اسْتِحَاضَةٌ يَلْزَمُهَا فِيهِ الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ، لِأَنَّ التَّمْيِيزَ فَاصِلٌ بَيْنَ دَمِ الْحَيْضِ وَدَمِ الِاسْتِحَاضَةِ لَكِنْ إِنْ كَانَ هَذَا الشَّهْرُ أَوَّلَ شُهُورِ اسْتِحَاضَتِهَا لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ بِانْتِقَالِهَا مِنَ السَّوَادِ إِلَى الْحُمْرَةِ لِجَوَازِ انْقِطَاعِهِ فِي الْخَمْسَةَ عَشَرَ فَيَكُونُ حَيْضًا وَهُوَ ظَاهِرُ حاله.
حتى

إِذَا تَجَاوَزَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا تَتَعَقَّبُ اسْتِحَاضَتَهَا فَقَضَتْ مَا تَرَكَتْ مِنَ الصَّلَاةِ فِيمَا تَقَدَّمَ من الحمرة واستقبلتها فيهما تَعْقُبُ.
فَإِذَا دَخَلَ الشَّهْرُ الثَّانِي فَقَدْ ثَبَتَتِ استحاضتها.
فتصلي وتصوم حتى ينتقل مِنَ السَّوَادِ إِلَى الْحُمْرَةِ، لِأَنَّهُ لِاعْتِبَارِ حَالِهَا في الشهر الماضي قد صَارَ فِي الْأَغْلَبِ اسْتِحَاضَةً، وَإِنْ جَازَ لِانْقِطَاعِهِ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَنْ يَكُونَ حَيْضًا.
وكذلك لَوْ رَأَتْ خَمْسَةَ أَيَّامٍ دَمًا أَحْمَرَ وَبَاقِي الشَّهْرِ دَمًا أَصْفَرَ كَانَ الْخَمْسَةُ الْحُمْرَةُ حَيْضًا تَقُومُ مَقَامَ السَّوَادِ عِنْدَ عُدَّتِهِ وَكَانَ الصُّفْرَةُ اسْتِحَاضَةً تَقُومُ مَقَامَ الْحُمْرَةِ عِنْدَ تَقَدُّمِهَا.
فَلَوْ رَأَتْ فِي ابْتِدَاءِ الشَّهْرِ الثَّانِي عَشَرَةَ أَيَّامٍ دَمًا أَسْوَدَ وَبَاقِي الشَّهْرِ دَمًا أَحْمَرَ كَانَ حَيْضُهَا الْعَشَرَةَ السَّوَادَ، وَإِنْ زَادَ عَلَى حَيْضِهَا فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالتَّمْيِيزِ، وَلِكُلِّ حَيْضَةٍ حُكْمٌ، وَهَكَذَا لَوْ رَأَتْ فِي أَوَّلِ الثَّالِثِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ دَمًا أَسْوَدَ وَبَاقِي الشَّهْرِ أَحْمَرَ أَوْ أَصْفَرَ كَانَ حَيْضُهَا سَبْعًا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَسْتَدِيمَ الْحُمْرَةُ بَعْدَ السَّوَادِ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ فِي بَقِيَّةِ الشَّهْرِ كُلِّهِ وَبَيْنَ أَنْ تَبْلُغَ قَدْرًا يَزِيدُ مَعَ السَّوَادِ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ فِي أَنَّهَا تَكُونُ مُسْتَحَاضَةٌ.
فَإِنْ لَمْ يَزِدْ فَلَيْسَتْ مُسْتَحَاضَةٌ.
مِثَالُهُ أَنْ تَرَى خَمْسَةَ أَيَّامٍ دَمًا أَسْوَدَ فَإِنِ اتَّصَلَ الدَّمُ الْأَحْمَرُ بَعْدَهُ أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا فَصَاعِدًا كَانَتْ مُسْتَحَاضَةً.
وَإِنِ انْقَطَعَ الْعَشَرَةَ فَمَا دُونُ كَانَتْ حَائِضًا وَكَانَ الزَّمَانُ حَيْضًا.
وَإِنِ اخْتَلَفَا فَلَوْ رَأَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا دَمًا أَسْوَدَ ثُمَّ رَأَتْ بَعْدَهُ دَمًا أَحْمَرَ أَوْ أَصْفَرَ كَانَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ السَّوَادُ حَيْضًا.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا بَعْدَهُ مِنَ الصُّفْرَةِ هَلْ تَكُونُ اسْتِحَاضَةً أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ لَا يَكُونُ اسْتِحَاضَةً وَيَكُونُ دَمَ فَسَادٍ وَجُعِلَتِ الِاسْتِحَاضَةُ مَا دَخَلَتْ عَلَى إِثْرِ الْحَيْضِ فَيَ زَمَانٍ ثُمَّ تَجَاوَزَتْ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وهو قول أبي إسحاق يكون اسْتِحَاضَةً وَسَوَّى بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فِيمَا دَخَلَ عَلَى زَمَانِ الْحَيْضِ وَمَا لَمْ يَدْخُلْ.

(فَصْلٌ)

: وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ تَتَقَدَّمَ الْحُمْرَةُ ثُمَّ يتعقبها السَّوَادُ فَهَذَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَنْقُصَ الْحُمْرَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ عَنْ قَدْرِ الْحَيْضِ، وَيَبْلُغُ السَّوَادُ الْمُتَعَقِّبُ قَدْرَ الْحَيْضِ، مِثَالُهُ أَنْ تَرَى الْحُمْرَةَ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ.
وَتَرَى السَّوَادَ بَعْدَهُ مَا بَيْنَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلَى خَمْسَةَ عَشَرَ.
فَالْحُمْرَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ دَمُ فَسَادٍ وَالْحَيْضُ مَا بَعْدَهُ مِنَ السَّوَادِ وَلَيْسَ لَهَا اسْتِحَاضَةً وَلِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَحَقَّ التَّمْيِيزَ بِاخْتِلَافِ الدَّمَيْنِ وَكَانَ الْأَوَّلُ مُخَالِفًا لِدَمِ الْحَيْضِ صَارَ الثَّانِي بِانْفِرَادِهِ حَيْضًا.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ تَبْلُغَ الْحُمْرَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ قَدْرَ الْحَيْضِ وَيَنْقُصَ السَّوَادُ الْمُتَعَقِّبُ عَنْ

قَدْرِ الْحَيْضِ.
مِثَالُهُ أَنْ تَرَى مَا بَيْنَ يوم وليلة إلى خمسة عشر دماً أحمراً وَأَصْفَرَ فَإِنَّ الصُّفْرَةَ تَقُومُ مَقَامَ الْحُمْرَةِ وَتَرَى أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ دَمًا أَسْوَدَ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا لَا يتجاوزان قدر أكثر الحيض مثل ما تَرَى عَشَرَةَ أَيَّامٍ دَمًا أَحْمَرَ وَأَصْفَرَ أَوْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَتَرَى أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ دَمًا أَسْوَدَ فَكِلَا الدَّمَيْنِ يَكُونُ حَيْضًا فِي غَيْرِ الْمُبْتَدَأَةِ وَفِي الْمُبْتَدَأَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ: وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَتَجَاوَزَ جَمِيعًا قَدْرَ أَكْثَرِ الْحَيْضِ مِثْلَ أَنْ تَرَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا دَمًا أَحْمَرَ أَوْ أَصْفَرَ وَتَرَى بَعْدَهُ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ دَمًا أَسْوَدَ.
فَحَيْضُهَا مَا تَقَدَّمَ مِنَ الدَّمِ الْأَحْمَرِ وَالْأَصْفَرِ إِنْ كَانَتْ ذَاتَ حَيْضٍ غَيْرَ مُبْتَدَأَةٍ وَفِي الْمُبْتَدَأَةِ وَجْهَانِ.
وَمَا يَتَعَقَّبُهُ مِنَ الدَّمِ الْأَسْوَدِ اسْتِحَاضَةٌ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ التَّمْيِيزِ لِمُجَاوَزَةِ أَكْثَرِ الْحَيْضِ وَنَقْصِ السَّوَادِ عَنْ قَدْرِ الْحَيْضِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ تَنْقُصَ الْحُمْرَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ عَنْ قَدْرِ الْحَيْضِ وَيَنْقُصَ السَّوَادُ الْمُتَعَقِّبُ عَنْ قَدْرِ الْحَيْضِ أَيْضًا.
مِثَالُهُ أَنْ تَرَى أقل من يوم وليلة دماً أحمر أو أصفر وترى أقل من يوم وليلة بعده دماً أسود فهذا وَإِنْ خَرَجَ عَنْ أَقْسَامِ الْمُسْتَحَاضَةِ لِمَا ذَكَرْنَا فِي شُرُوطِهَا أَنْ يَتَجَاوَزَ دَمُهَا خَمْسَةَ عَشَرَ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي أَقْسَامِ الْمُمَيِّزَةِ فَكَذَلِكَ مَا أَوْرَدْنَاهُ فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ ذَاتَ حَيْضٍ فَكِلَا الدَّمَيْنِ حَيْضٌ فَإِنْ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ تَبْلُغَ الْحُمْرَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ قَدْرَ الْحَيْضِ وَيَبْلُغَ السَّوَادُ الْمُتَعَقِّبُ أَيْضًا قَدْرَ الْحَيْضِ فهذا على ضربين: أحدهما: أن يتجاوزا جَمِيعًا قَدْرَ أَكْثَرِ الْحَيْضِ مِثَالُهُ أَنْ تَرَى عَشَرَةَ أَيَّامٍ دَمًا أَحْمَرَ أَوْ أَصْفَرَ ثُمَّ تَرَى بَعْدَهُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ دَمًا أَسْوَدَ.
فَإِنْ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً فَحَيْضُهَا الْعَشَرَةُ السَّوَادُ الْمُتَأَخِّرَةُ دُونَ الصُّفْرَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ لَا يَخْتَلِفُ أَصْحَابُنَا فِيهِ لِأَنَّ السواد قد وجد بصفة الحيض بخلاف الصفرة وكذا الزمانين عَلَى سَوَاءٍ فِي الْإِمْكَانِ وَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ حَيْضٍ فَعَلَى وَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِنَا: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أبي العباس وأبي علي أَنَّ حَيْضَهَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ عَشَرَةِ الْحُمْرَةِ أَوِ الصُّفْرَةِ دُونَ مَا تَعَقُّبٍ مِنَ الْعَشَرَةِ السَّوَادِ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: لِأَنَّ الِاسْتِحَاضَةَ تَدْخُلُ عَلَى الْحَيْضِ وَالْحَيْضُ لَا يَدْخُلُ عَلَى الِاسْتِحَاضَةِ فَلَمَّا كَانَتِ الْعَشَرَةُ الْأَيَّامِ الصُّفْرَةُ أَوِ الْحُمْرَةُ لَوِ انْفَرَدَتْ كَانَتْ حَيْضًا اقْتَضَى أَنْ يَكُونَ مَا دَخَلَ عَلَيْهَا مِنَ السَّوَادِ اسْتِحَاضَةً لِتَمَيُّزِ الدمين وامتناع كونهما حيضاً.
والوجه الثاني: وهو قول أبي العباس وَجُمْهُورِ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ حَيْضَهَا مَا تَأَخَّرَ مِنْ

عَشَرَةِ السَّوَادِ دُونَ مَا تَقَدُّمٍ مِنْ عَشَرَةِ الصُّفْرَةِ لِاخْتِصَاصِهِ بِصِفَةِ الْحَيْضِ مَعَ تَسَاوِي الزَّمَانَيْنِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تُوجَدَ صِفَةُ الْحَيْضِ فِي دَمٍ مُمْكِنٍ فَيُجْعَلُ الْحَيْضُ فِيمَا سِوَاهُ وَلِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْحَيْضِ أَنْ يَبْدُوَ قَوِيًّا أَسْوَدَ ثُمَّ يَرِقُّ وَيَصْفُو وَلَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَبْدُوَ رَقِيقًا صَافِيًا ثُمَّ يَقْوَى وَيَسْوَدُّ.
وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ الْحَيْضَةَ تَبْدُو فَتَكُونُ دَمًا خَاثِرًا ثُمَّ يَرِقُّ الدَّمُ وَيَصْفُو ثُمَّ يَكُونُ صُفْرَةً فَإِذَا رَأَتِ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ فَهُوَ الطُّهْرُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَتَجَاوَزَ الزَّمَانُ قَدْرَ أَكْثَرِ الْحَيْضِ.
مِثَالُهُ أَنْ تَرَى عَشَرَةَ أَيَّامٍ دَمًا أَصْفَرَ ثُمَّ تَرَى بَعْدَهَا خَمْسَةَ أَيَّامٍ دَمًا أَسْوَدَ فَمَنْ جَعَلَ الصفرة هناك حيضاً جعل كلا الزمانين ها هنا حَيْضًا وَمَنْ جَعَلَ السَّوَادَ هُنَاكَ حَيْضًا جَعَلَ السواد الخمسة ها هنا حَيْضًا فَهَذَا حُكْمُ الْمُمَيِّزَةِ إِذَا رَأَتْ صُفْرَةَ الدَّمِ وَحُمْرَتَهُ مِثْلَ سَوَادِهِ وَهُوَ الثَّانِي مِنْ أَقْسَامِهَا.

(فَصْلٌ)

: وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ السَّوَادُ فِي الطَّرَفَيْنِ وَالْحُمْرَةُ أَوِ الصُّفْرَةُ فِي الْوَسَطِ فَهَذَا عَلَى ثَمَانِيَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أن يبلغ كل واحد من الدماء الثلاثة قَدْرًا يَكُونُ حَيْضًا وَلَا يَتَجَاوَزُ جَمِيعُهُ قَدْرَ أَكْثَرِ الْحَيْضِ مِثَالُهُ أَنْ تَرَى خَمْسَةَ أَيَّامٍ دَمًا أَسْوَدَ وَخَمْسَةَ أَيَّامٍ أَحْمَرَ أَوْ أَصْفَرَ وَخَمْسَةَ أَيَّامٍ دَمًا أَسْوَدَ.
فَفِي الصُّفْرَةِ الْمُتَوَسِّطَةِ بَيْنَ الدَّمَيْنِ الْأَسْوَدَيْنِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ حَيْضٌ وهو قول أبي العباس.
والثاني: استحاضة في حُكْمِ الطُّهْرَيْنِ الدَّمَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ.
فَعَلَى هَذَا يَكُونُ عَلَى قَوْلَيْنِ مِنَ التَّلْفِيقِ: أَحَدُهُمَا: يَكُونُ فِي حُكْمِ الْحَيْضِ.
وَالثَّانِي: فِي حُكْمِ الطُّهْرِ وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْمُبْتَدَأَةُ وَذَاتُ الْحَيْضِ لِأَنَّ الْمُبْتَدَأَةَ بِمَا تُقَدِّمُ مِنَ السَّوَادِ قَدْ صَارَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْحَيْضِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أن يبلغ كل واحد من الدماء الثلاثة قَدْرًا يَكُونُ حَيْضًا وَيَتَجَاوَزُ جَمِيعُهُ قَدْرَ أَكْثَرِ الْحَيْضِ.
مِثَالُهُ: أَنْ تَرَى سَبْعَةَ أَيَّامٍ دَمًا أَحْمَرَ أَوْ أَصْفَرَ وَسَبْعَةَ أَيَّامٍ دَمًا أَسْوَدَ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي الْعَبَّاسِ يَكُونُ حَيْضُهَا السَّبْعُ السَّوَادُ وَالسَّبْعُ الصُّفْرَةُ وَمَا تَعَقَّبَهُ مِنَ السَّوَادِ اسْتِحَاضَةٌ.
وَعَلَى قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ يَكُونُ حَيْضُهَا السَّبْعَةَ السَّوَادَ الْأُولَى وَالسَّبْعَةَ السَّوَادَ الْأَخِيرَةَ وَتَكُونُ السَّبْعَةُ الصُّفْرَةُ اسْتِحَاضَةً.
وَلَا يَكُونُ عَلَى قَوْلَيِ التَّلْفِيقِ لِمُجَاوَزَةِ قَدْرِ الْحَيْضِ فَلَوْ رَأَتْ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ دَمًا أَسْوَدَ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ دَمًا أَصْفَرَ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ دَمًا أَسْوَدَ كَانَ حَيْضُهَا الثَّمَانِيَةُ السَّوَادُ الْأُولَى وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الدَّمَيْنِ اسْتِحَاضَةً عَلَى الْمَذْهَبَيْنِ مَعًا لِأَنَّكَ إِذَا ضَمَمْتَ إِلَى السَّوَادِ الْأَوَّلِ وَاحِدًا مِنَ الدَّمَيْنِ تَجَاوَزَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ فَلَمْ يُضَمَّ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَنْقُصَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الدِّمَاءِ الثَّلَاثَةِ عَنْ قَدْرِ الْحَيْضِ وَلَا يَبْلُغُ

فصول الكتاب · 30 فصل · 608 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الحاوي الكبير · 608 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كِتَابُ الْبُيُوعِ
كتاب الإقرار
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كتاب العارية
كتاب الغصب
كِتَابُ الشَّرْطِ فِي الرَّقِيقِ يَشْتَرِطُهُمُ الْمُسَاقِي
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ الْعَطَايَا وَالصَّدَقَاتِ
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب الصداق
كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع
كتاب السير
كتاب مختصر الجامع من كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب النذور
كِتَابُ الْعِتْق
كتاب عتق أمهات الأولاد من كتب
جارٍ التحميل