الحاوي الكبيرصفحات 67-106
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الضحايا

صفحات 67-106
عن هذه الطبعة
عَلَم
الماوردي
الكتاب
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
المؤلف
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
المحقق
الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1419 هـ -1999 م
عدد الأجزاء
19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

من كتاب اختلاف الأحاديث ومن إملاء على كتاب أشهب ومن كتاب أهل المدينة وأبي حنيفة قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ وَقَالَ أنسٌ وَأَنَا أُضَحِّي أيضاً بكبشين وقال أنسٌ في غير هذا الحديث ضحى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بكبشين أملحين وذبح أبو بردة بن نيارٍ قبل أن يذبح النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يوم الأضحى فزعم أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أمره أن يعود لضحيةٍ أخرى فقال أبو بردة لا أجد إلا جذعاً فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " إن لم تجد إلا جذعاً فاذبحه " (قال الشافعي) رحمه الله: فاحتمل أمره بالإعادة أنها واجبةٌ واحتمل على معنى أنه إن أراد أن يضحي فلما قال عليه السلام " إذا دخل العشر فأراد أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعْرِهِ وبشره شيئاً " دل على أنها غير واجبةٍ وبلغنا إِنَّ أَبَا بكرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا كانا لا يضحيان كراهية أن يرى أنها واجبةٌ وعن ابن عباسٍ أنه اشترى بدرهمين لحماً فقال هذه أضحية ابن عباسٍ.
القول في مشروعية الأضحية

(فَصْلٌ:)

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَالْأَصْلُ فِي الضَّحَايَا وَالْهَدَايَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ) {الحج: 36) الْآيَةَ، إِلَى قوله: {القَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ . أَمَّا الْبُدْنُ فَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ: أَحَدُهَا: إِنَّهَا الْإِبِلُ خَاصَّةً، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ.
وَالثَّانِي: إِنَّهَا الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ، وَهُوَ قَوْلُ جَابِرٍ وَعَطَاءٍ.
وَالثَّالِثُ: إِنَّهَا النَّعَمُ كُلُّهَا مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَفِي تَسْمِيَتِهَا بُدْنًا تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: لِكِبَرِ أَبْدَانِهَا، وَهُوَ تَأْوِيلُ مَنْ جَعَلَهَا الْإِبِلَ وَالْبَقَرَ.
وَالثَّانِي: لِأَنَّهَا مُبَدَّنَةٌ بِالسِّمَنِ، وَهُوَ تَأْوِيلُ مَنْ جَعَلَهَا جَمِيعَ النَّعَمِ، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: مِنْ فُرُوضِهِ: وَهُوَ تَأْوِيلُ مَنْ أَوْجَبَ الضَّحَايَا.
وَالثَّانِي: مِنْ مَعَالِمِ دِينِهِ.

وَهُوَ تَأْوِيلُ مَنْ سَنَّ الضَّحَايَا، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَجْرٌ، قَالَهُ السُّدِّيُّ.
وَالثَّانِي: مَنْفَعَةٌ إِنِ احْتَاجَ إِلَى ظَهْرِهَا رَكِبَ وَإِنْ حَلَبَ لَبَنَهَا شَرِبَ قَالَهُ النَّخَعِيُّ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ وَهِيَ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: مَعْقُولَةٌ قَالَهُ مُجَاهِدٌ.
وَالثَّانِي: مُصْطَفَّةٌ، قَالَهُ ابْنُ عِيسَى وَقَرَأَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ " صَوَافِي " أَيْ: خَالِصَةٌ لِلَّهِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الصَّفْوَةِ، وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ " صَوَافِنْ " أَيْ مَصْفُونَةٌ، وَهُوَ أَنْ تُعْقَلَ إِحْدَى يَدَيْهَا حَتَّى تَقِفَ عَلَى ثَلَاثِ قَوَائِمَ مَأْخُوذٌ مِنْ صَفَنَ الْفَرَسُ إِذَا أَثْنَى إِحْدَى يَدَيْهِ حَتَّى قَامَ عَلَى ثَلَاثٍ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿الصَّافِنَاتُ الجِيَادُ﴾ . قَالَ الشَّاعِرُ: (أَلِفَ الصُّفُونَ فَلَا يَزَالُ كَأَنَّهُ ... مِمَّا يَقُومُ عَلَى الثَّلَاثِ كَسِيرَا)

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَيْ سَقَطَتْ جُنُوبُهَا إِلَى الْأَرْضِ.
وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: وَجَبَتِ الشَّمْسُ إِذَا سَقَطَتْ لِلْغُرُوبِ.
وَالثَّانِي: طَفَتْ جُنُوبُهَا بِخُرُوجِ الرُّوحِ، وَمِنْهُ وُجُوبُ الْمَيْتِ إِذَا خَرَجَتْ نَفْسُهُ، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا﴾ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: إِنَّ الْأَكْلَ وَالْإِطْعَامَ وَاجِبَانِ.
وَالثَّانِي: إِنَّهُمَا مُسْتَحَبَّانِ.
وَالثَّالِثُ: إِنَّ الْأَكْلَ مُسْتَحَبٌّ والإطعام واجب، وفي قوله: ﴿القَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: إِنَّ الْقَانِعَ: السَّائِلُ، وَالْمُعْتَرَّ: الَّذِي يَتَعَرَّضُ وَلَا يَسْأَلُ قَالَهُ الْحَسَنُ.
وَالثَّانِي: إِنَّ الْقَانِعَ: الَّذِي يَقْتَنِعُ وَلَا يَسْأَلُ، وَالْمُعْتَرُّ: الَّذِي يَعْتَرِي فَيَسْأَلُ قَالَهُ قَتَادَةُ وَأَنْشَدَ أَبُو عُبَيْدَةَ: (لَهُ نِحْلَةُ الْأَوْفَى إِذَا جَاءَ عَانِيًا ... وَإِنْ جَاءَ يَعْرُو لَحْمَنَا لَمْ يُؤَنَّبِ)

وَالثَّالِثُ: إِنَّ الْقَانِعَ الطَّوَّافُ وَالْمُعْتَرَّ: الصَّدِيقُ الزَّائِرُ قَالَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَقَالَ تَعَالَى: {لَنْ يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ) {الحج: 37) . وَفِيهِ تَأْوِيلَانِ:

أَحَدُهُمَا: لَنْ يَتَقَبَّلَ اللَّهُ الدِّمَاءَ، إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ التَّقْوَى.
وَالثَّانِي: لَنْ يَصْعَدَ إِلَى اللَّهِ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا، وَإِنَّمَا يَصْعَدُ إِلَيْهِ التَّقْوَى وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا نَحَرُوا بُدْنَهُمُ اسْتَقْبَلُوا الْكَعْبَةَ بِهَا وَنَضَحُوا الدِّمَاءَ عَلَيْهَا، فَأَرَادُوا أَنْ يَفْعَلُوا فِي الْإِسْلَامِ مِثْلَ ذَلِكَ، فنهوا عنه ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ﴾ فِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: ذَلَّلَهَا حَتَّى أَقْدَرَكُمْ عَلَيْهَا.
والثاني: سهلها لكم حتى تقربتم بها.
﴿لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ فِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ ذَبْحِهَا.
وَالثَّانِي: إِنَّهُ التَّكْبِيرُ عِنْدَ الْإِحْلَالِ بَدَلًا مِنَ التلبية في الإحرام ﴿وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ﴾ فِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: بِالْقَبُولِ.
وَالثَّانِي: بِالْجَنَّةِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) {الحج: 28) . أَمَّا قَوْلُهُ: {وَيَذْكُروا اسْمَ اللهِ﴾ فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَمْرُ اللَّهِ بِذَبْحِهَا فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ.
وَالثَّانِي: التَّسْمِيَةُ بِذِكْرِ اللَّهِ عِنْدَ ذَبْحِهَا فِي الْأَيَّامِ الْمَعْلُومَاتِ، وَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَيَّامُ الْعَشْرِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ.
وَالثَّانِي: إِنَّهَا أيام التشريق وقوله: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ أَيْ عَلَى نَحْرِ مَا رَزَقَهُمْ، وَفِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا مَلَّكَهُمْ.
وَالثَّانِي: مَا مَكَّنَهُمْ، وَبَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ هِيَ الْأَزْوَاجُ الثَّمَانِيَةُ وَالضَّحَايَا وَالْهَدَايَا، وَفِي البائس الفقير: تأويلان: أحدهما: إِنَّهُ الْفَقِيرُ الزَّمِنُ.
وَالثَّانِي: الَّذِي بِهِ ضُرُّ الْجُوعِ وَأَثَرُ الْبُؤْسِ.
وَالثَّالِثُ: إِنَّهُ الَّذِي يَمُدُّ يَدَهُ بِالسُّؤَالِ وَيَتَكَفَّفُ بِالطَّلَبِ.
وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) {الكوثر: 1 - 2) . وَفِي الْكَوْثَرِ ستة تأويلات:

أَحَدُهَا: إِنَّهُ النُّبُوَّةُ، قَالَهُ عِكْرِمَةُ.
وَالثَّانِي: إِنَّهُ الْقُرْآنُ، قَالَهُ الْحَسَنُ.
وَالثَّالِثُ: إِنَّهُ الْإِسْلَامُ، قَالَهُ الْمُغِيرَةُ.
وَالرَّابِعُ: إِنَّهُ الْخَيْرُ الْكَثِيرُ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَالْخَامِسُ: إِنَّهُ كَثْرَةُ أُمَّتِهِ، قَالَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ.
وَالسَّادِسُ: إِنَّهُ حَوْضٌ فِي الْجَنَّةِ يَكْثُرُ عَلَيْهِ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَهُ عَطَاءٌ وَهُوَ فَاعِلٌ مِنَ الْكَوْثَرِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿فصل لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ثلاثة تأويلات: أحدها: أنه صلاة العبد وَنَحْرُ الضَّحَايَا، قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ.
وَالثَّانِي: إِنَّهَا صَلَاةُ الْفَرْضِ وَاسْتِقْبَالُ القبل فِيهَا بِنَحْرٍ، قَالَهُ أَبُو الْأَحْوَصِ.
وَالثَّالِثُ: إِنَّ الصَّلَاةَ: الدُّعَاءُ وَالنَّحْرَ: الشُّكْرُ، قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُهَا.
فَهَذِهِ أَرْبَعُ آيَاتٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى تَدُلُّ عَلَى الْأَمْرِ بِالضَّحَايَا وَالْهَدَايَا.
وَأَمَّا السُّنَّةُ، فَمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ.
وَفِي الْأَمْلَحَيْنِ ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتٍ: أَحَدُهَا: إِنَّهُ الْأَبْيَضُ الشَّدِيدُ الْبَيَاضِ وَهَذَا قَوْلُ ثَعْلَبٍ.
وَالثَّانِي: إِنَّهُ الَّذِي يَنْظُرُ فِي سَوَادٍ وَيَأْكُلُ فِي سَوَادٍ، وَيَمْشِي فِي سَوَادٍ وَبَاقِيهِ بَيَاضٌ، وَهَذَا قَوْلُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا.
وَالثَّالِثُ: إِنَّهُ الَّذِي بَيَاضُهُ أَكْثَرُ مِنْ سَوَادِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ، وَفِي قَصْدِ أُضْحِيَّتِهِ بِالْأَمْلَحِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا لِحُسْنِ مَنْظَرِهِ.
وَالثَّانِي: لِشَحْمِهِ وَطِيبِ لَحْمِهِ، لِأَنَّهُ نَوْعٌ مُتَمَيِّزٌ عَنْ جِنْسِهِ.
وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الزُّرَقِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ضَحَّى بَكَبْشٍ أَدْغَمَ قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَالْأَدْغَمُ مِنَ الْكِبَاشِ مَا أَرْنَبَتُهُ وَمَا تَحْتَ حَنَكِهِ سوادٌ وَبَاقِيهِ بَيَاضٌ.
وَرَوَى أَبُو رَمْلَةَ عَنْ مِخْنَفِ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُولُ: عَلَى كُلِّ

مسلمٍ في كل عامٍ أضحاةٌ عتيرة "، وَالْعَتِيرَةُ ذَبِيحَةٌ كَانَتْ تُذْبَحُ فِي رَجَبٍ، كَمَا تُذْبَحُ الْأُضْحِيَّةُ فِي ذِي الْحِجَّةِ، فَنُسِخَتِ الْعَتِيرَةُ وَبَقِيَتِ الْأُضْحِيَّةُ.
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لا فرعة وَلَا عَتِيرَةَ " قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَالْفَرَعَةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَوَّلُ مَا تُنْتَجُ النَّاقَةُ، يَقُولُونَ: لَا يَمْلِكُهَا وَيَذْبَحُهَا رَجَاءَ الْبَرَكَةِ فِي لَبَنِهَا وَكَثْرَةِ نسلها.
القول في حكم الأضحية فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الضَّحَايَا مَأْمُورٌ بِهَا، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِهَا عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، إِنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ عَلَى مُقِيمٍ وَلَا مُسَافِرٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ.
وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ: إِنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى الْمُقِيمِ وَالْمُسَافِرِ وَبِهِ قَالَ رَبِيعَةُ وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - إِنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى الْمُقِيمِ دُونَ الْمُسَافِرِ احْتِجَاجًا فِي الْوُجُوبِ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) {الكوثر: 2) . وَهَذَا أَمْرٌ، وَبِحَدِيثِ أَبِي رَمْلَةَ عَنْ مِحْنَفِ بْنِ سُلَيْمٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي كُلِّ عَامٍ أضحاةٌ وعتيرةٌ " وَبِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ لَمْ يُضَحِّ فَلَا يَشْهَدْ مُصَلَّانَا " وَهَذَا وَعِيدٌ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ، وَبِرِوَايَةِ بِشْرِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ أَبَا بُرْدَةَ بْنَ نيار ذبح أضحة قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنْ يُعِيدَ، فَدَلَّ الْأَمْرُ بِالْإِعَادَةِ عَلَى الْوُجُوبِ، قَالُوا: وَلِأَنَّ حُقُوقَ الْأَمْوَالِ إِذَا اخْتُصَّتْ بِالْعِيدِ وَجَبَتْ كَالْفِطْرَةِ، قَالُوا: وَلِأَنَّ مَا وَجَبَ بِالنَّذْرِ كَانَ لَهُ أَصْلُ وُجُوبٍ فِي الشَّرْعِ كَالْعِتْقِ، وَلِأَنَّ تَوْقِيتَ زَمَانِهَا وَالنَّهْيَ عَنْ مَعِيبِهَا دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِهَا، كَالزَّكَوَاتِ، وَدَلِيلُنَا: مَا رَوَاهُ مِنْدَلٌ عَنِ ابْنِ خَبَّابٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " الْأَضَاحِيُّ عليَّ فريضةٌ وَعَلَيْكُمْ سنةٌ " وَهَذَا نص.

وَرَوَى عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " ثلاثٌ كُتِبَتْ عليَّ وَلَمْ تُكْتَبْ عَلَيْكُمْ الْوِتْرُ وَالنَّحْرُ وَالسِّوَاكُ ". وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا بَشَرِهِ شَيْئًا " فَعَلَّقَ الْأُضْحِيَّةَ بِالْإِرَادَةِ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَحَتَّمَهَا فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ: " مَنْ أَرَادَ مِنْكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ " فَلَمْ يَدُلَّ تَعْلِيقُ الْجُمُعَةِ عَلَى الْإِرَادَةِ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ، كَذَلِكَ الْأُضْحِيَّةُ، قُلْنَا إِنَّمَا عَلَّقَ بِالْإِرَادَةِ الْغُسْلَ دُونَ الْجُمُعَةِ، وَالْغُسْلُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فَكَذَلِكَ الْأُضْحِيَّةُ.
وَرُوِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مَا يَنْعَقِدُ بِهِ الْإِجْمَاعُ عَلَى سُقُوطِ الْوُجُوبِ، فَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَنَّهُمَا كَانَا لَا يُضَحِّيَانِ مَخَافَةَ أَنْ يُرَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: لَا أُضَحِّي وَأَنَا موسرٌ لِئَلَّا يُقَدِّرَ جِيرَانِي أَنَّهَا واجبةٌ عليَّ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ أَعْطَى عِكْرِمَةَ درهمين، وأمره أن يشري بِهَا لَحْمًا، وَقَالَ: مَنْ سَأَلَكَ عَنْ هَذَا فَقُلْ: هَذِهِ أُضْحِيَّةُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَإِنْ قِيلَ: فَلَعَلَّ ذَلِكَ لِعُدْمٍ، قِيلَ: قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: عِنْدِي نَفَقَةُ ثَمَانِينَ سَنَةً، كُلَّ يَوْمٍ أَلْفٌ.
وَمِنَ الْقِيَاسِ: أَنَّهُ إِرَاقَةُ دَمٍ، لَا تَجِبُ عَلَى الْمُسَافِرِ، فَلَا تَجِبُ عَلَى الْحَاضِرِ كَالْعَقِيقَةِ، وَلِأَنَّ مَنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الْعَقِيقَةُ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الْأُضْحِيَّةُ كَالْمُسَافِرِ، وَلِأَنَّهَا أُضْحِيَّةٌ لَا تَجِبُ عَلَى الْمُسَافِرِ فَلَمْ تَجِبْ عَلَى الْحَاضِرِ، كَالْوَاجِدِ لِأَقَلَّ مِنْ نِصَابٍ، وَلِأَنَّ مَا سَقَطَ وُجُوبُهُ بِفَوَاتِ وَقْتِهِ مَعَ إِمْكَانِ الْقَضَاءِ سَقَطَ وُجُوبُهُ فِي وَقْتِهِ مَعَ إِمْكَانِ الْأَدَاءِ، كَسَائِرِ السُّنَنِ طَرْدًا، وَجَمِيعِ الْفُرُوضِ عَكْسًا، وَلِأَنَّ كُلَّ ذَبِيحَةٍ حَلَّ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا ذَبْحُهَا كَالتَّطَوُّعِ طَرْدًا، وَدَمِ الْمَنَاسِكِ عَكْسًا.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ، فَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ، مِنِ اخْتِلَافِ التَّأْوِيلِ فِيهَا، ثُمَّ لَا يُمْنَعُ حَمْلُهَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، لِمَا ذَكَرْنَا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " عَلَى كُلِّ مسلمٍ فِي كُلِّ عامٍ أضحاةٌ وعتيرةٌ " فمن وجهين:

أحدهما: أن رواية أبو رَمْلَةَ عَنْ مِحْنَفِ بْنِ سُلَيْمٍ، وَهُمَا مَجْهُولَانِ عِنْدَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ جَمْعَهُ بَيْنَ الْأُضْحِيَّةِ وَالْعَتِيرَةِ دَلِيلٌ عَلَى اشْتِرَاكِهِمَا فِي الْحُكْمِ.
وَالْعَتِيرَةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، فَكَذَلِكَ الْأُضْحِيَّةُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مَنْ لَمْ يُضَحِّ، فَلَا يَشْهَدْ مُصَلَّانَا " فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ جَمَعَ فِي التَّرْكِ بَيْنَ الْأُضْحِيَّةِ، وَالتَّأَخُّرِ عَنِ الصَّلَاةِ، وَالصَّلَاةُ سُنَّةٌ، فَكَذَلِكَ الْأُضْحِيَّةُ، وَيَكُونُ مَعْنَاهُ: أَنَّ مَنْ تَرَكَ مَا أَمَرْنَاهُ مِنَ الْأُضْحِيَّةِ، فَلْيَتْرُكْ مَا أَمَرْنَاهُ مِنَ الصَّلَاةِ.
وَالثَّانِي: إِنَّ هَذَا زَجْرٌ يَتَوَجَّهُ إِلَى الِاسْتِحْبَابِ دُونَ الْوُجُوبِ، كَمَا قَالَ: " مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الْبَقْلَةِ شَيْئًا، فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا ". فَأَمَّا الْوَاجِبَاتُ، فَالْأَمْرُ بِهَا، وَإِلْزَامُ فِعْلِهَا، أَبْلَغُ فِي الْوُجُوبِ مِنْ هَذَا الزَّجْرِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي بُرْدَةَ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إِمَّا عَلَى الْإِعَادَةِ اسْتِحْبَابًا، وَإِمَّا عَلَى الْوُجُوبِ، لِأَنَّهَا كَانَتْ نَذْرًا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى زَكَاةِ الْفِطْرِ، فَهُوَ أَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ لَمَّا اسْتَوَى فِيهَا، الْحَاضِرُ وَالْمُسَافِرُ، وَلَزِمَ قَضَاؤُهَا مَعَ الْفَوَاتِ، وَخَلَفَ مِنْهَا لِأُضْحِيَّةٍ، جَازَ أَنْ تَجِبَ زَكَاةُ الْفِطْرِ، وَلَمْ تَجِبِ الْأُضْحِيَّةُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ بِأَنَّ مَا وَجَبَ بِالنَّذْرِ كَانَ لَهُ أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ فَهُوَ أَنَّ لَهُ في الشرع أصل في دماء الحج، فلم يحتج أن يكون الْأُضْحِيَّةُ لَهُ أَصْلًا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِوَقْتِهَا، وَالِامْتِنَاعِ مِنَ الْعُيُوبِ فِيهَا، فَهُوَ إِنَّ هَذَيْنِ مُعْتَبَرَانِ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ، وَإِنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ اعْتِبَارُهَا فِي حَقِّ الْحَاضِرِ لا يقتضي وجوبها عليه، والله أعلم.
القول في أخذ المضحي من شعره وبشره في عشر ذي الحجة

(مسألة:)

قال الشافعي: " وَأَمَرَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ أَنْ لَا يَمَسَّ مِنْ شَعْرِهِ شَيْئًا اتِّبَاعًا وَاخْتِيَارًا بِدَلَالَةِ السُّنَّةِ وَرَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّهَا كَانَتْ تَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ثُمَّ يُقَلِّدُهَا هُوَ بِيَدِهِ ثَمَّ يَبْعَثُ بِهَا فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ شيءٌ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ حَتَى نَحَرَ الْهَدْيَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) رَحِمَهُ اللَّهُ وَالْأُضْحِيَّةُ سُنَّةُ تطوعٍ لَا نُحِبُّ تَرْكَهَا وَإِذْ كَانَتْ غَيْرَ فرضٍ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَصْلُ هَذَا مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " إذا

دَخَلَ الْعَشْرُ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا بَشَرِهِ شَيْئًا ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْحَكَمِ الْبَصْرِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ رَأَى هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ وَأَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ " قَالَ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْعَمَلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: - وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ - أنه مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ دُونَ الْإِيجَابِ، وَأَنَّ مِنَ السُّنَّةِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ أَنْ يَمْتَنِعَ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ أَخْذِ شَعْرِهِ وَبَشَرِهِ، فَإِنْ أَخَذَ كُرِهَ لَهُ وَلَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ.
وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: هُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْوُجُوبِ وَأَخْذُهُ لِشَعْرِهِ وَبَشَرِهِ حَرَامٌ عَلَيْهِ، لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَتَشْبِيهًا بِالْمُحْرِمِ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ - لَيْسَ بِسُنَّةٍ وَلَا يُكْرَهُ أَخْذُ شَعْرِهِ وَبَشَرِهِ احْتِجَاجًا بِأَنَّهُ مُحِلٌّ، فَلَمْ يُكْرَهْ لَهُ أَخْذُ شَعْرِهِ وَبَشَرِهِ كَغَيْرِ الْمُضَحِّي، وَلِأَنَّ مَنْ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ الطِّيبُ وَاللِّبَاسُ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ حَلْقُ الشَّعْرِ كَالْمُحِلِّ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ: إِنَّهُ مَسْنُونٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيِّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: أَنَا فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِيَدَيَّ ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - شيءٌ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ حَتَى نَحَرَ الْهَدْيَ، فَكَانَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَضَحَايَاهُ، لِأَنَّهُ كَانَ بِالْمَدِينَةِ، وَأَنْفَذَهَا مِعْ أَبِي بَكْرٍ سَنَةَ تِسْعٍ، وَحُكْمُهَا أَغْلَظُ لِسَوْقِهَا إِلَى الْحَرَمِ، فَلَمَّا لَمْ يُحَرِّمْ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا كَانَ غَيْرُهُ أَوْلَى إِذَا ضَحَّى فِي غَيْرِ الْحَرَمِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْقِيَاسَيْنِ، وَاسْتِدْلَالُ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَيْنَا وَهُمَا فِي اسْتِدْلَالِ أَبِي حَنِيفَةَ بِهِمَا مَرْفُوعَانِ بِالنَّصِّ، وَوَجَبَ اسْتِعْمَالُ الْخَبَرَيْنِ، فَنَحْمِلُ الْأَمْرَ بِهِ عَلَى السُّنَّةِ وَالِاسْتِحْبَابِ دُونَ الْإِيجَابِ، بِدَلِيلِ الْخَبَرِ الْآخَرِ، فَلَا يَكُونُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا مُطَّرَحًا.

(فَصْلٌ:)

فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ سنةٌ فَفِي قَوْلِهِ: " فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا بَشَرِهِ شَيْئًا " تَأْوِيلَانِ ذَكَرَهُمَا الشَّافِعِيُّ: أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ أَرَادَ بِالشَّعْرِ شَعْرَ الرَّأْسِ، وَبِالْبَشَرَةِ شَعْرَ الْبَدَنِ، فَعَلَى هَذَا لَا يُكْرَهُ تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ.
وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي: إِنَّهُ أَرَادَ بِالشَّعْرِ شَعْرَ الرَّأْسِ وَالْبَدَنِ، وَبِالْبَشَرَةِ تَقْلِيمَ الْأَظْفَارِ،

وَتَكُونُ السُّنَّةُ فِي تَرْكِهِ لِأَخْذِ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ سَوَاءً، وَأَخْذُهُ لَهُمَا مَعًا مَكْرُوهًا، وَلَا يُكْرَهُ لَهُ الطِّيبُ وَاللِّبَاسُ، اقْتِصَارًا عَلَى مَا وَرَدَ بِهِ الْخَبَرُ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي أَوَّلِ زَمَانِ الْكَرَاهَةِ لِأَخْذِ شَعْرِهِ وَبَشَرِهِ بَعْدَ اسْتِهْلَالِ ذِي الْحِجَّةِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِذَا عَزَمَ عَلَى أَنْ يُضَحِّيَ وَلَمْ يُعَيِّنْهَا كُرِهَ لَهُ أَنْ يَمَسَّ مِنْ شِعْرِهِ وَبَشَرِهِ حَتَّى يُضَحِّيَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّهُ لَا يُكْرَهُ لَهُ حَتَّى يَشْتَرِيَهَا أَوْ يُعَيِّنَهَا مِنْ جُمْلَةِ مَوَاشِيهِ، فَيُكْرَهُ لَهُ بِالشِّرَاءِ وَالتَّعْيِينِ.
أَخْذُ شَعْرِهِ وَبَشَرِهِ وَلَا يُكْرَهُ بِالْعَزْمِ وَالنِّيَّةِ قَبْلَ التَّعْيِينِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(مَسْأَلَةٌ:) قال الشافعي: " فَإِذَا ضَحَّى الرَّجُلُ فِي بَيْتِهِ فَقَدْ وَقَعَ ثَمَّ اسْمُ أضحيةٍ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَيُقَالُ ضحيةٌ وَأُضْحِيَّةٌ وأضحاةٌ وَالضَّحَايَا، جَمْعُ ضَحِيَّةٍ، وَالْأَضَاحِيُّ: جَمْعُ أُضْحِيَّةٍ، وَالْأَضْحي جَمْعُ أضحاةٌ، وَقَصَدَ الشَّافِعِيُّ بِهَذَا بَيَانَ مَا بَيْنَ الْأَضَاحِيِّ وَالْهَدَايَا مِنْ جَمْعٍ وَفَرْقٍ فَيَجْتَمِعَانِ مِنْ وَجْهَيْنِ، وَيَفْتَرِقَانِ مِنْ وَجْهَيْنِ.
فَأَمَّا الْوَجْهَانِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا: فَهُوَ أَنَّهُمَا مَعًا مَسْنُونَتَانِ غَيْرُ وَاجِبَتَيْنِ.
وَالثَّانِي: إِنَّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا وَيَتَصَدَّقَ وَيُطْعِمَ الْأَغْنِيَاءَ وَأَمَّا الْوَجْهَانِ فِي الْفَرْقِ: فَهُوَ أَنَّ مَحَلَّ الْهَدَايَا فِي الْحَرَمِ، وَمَوْضِعَ الضَّحَايَا فِي مَوْضِعِ الْمُضَحِّي.
وَالثَّانِي: إِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ إِخْرَاجِ لُحُومِ الْهَدَايَا مِنَ الْحَرَمِ، وَإِنْ جَازَ لَهُ ادِّخَارُهُ فِيهِ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ إِخْرَاجِ لُحُومِ الضَّحَايَا عَنْ بَلَدِ الْمُضَحِّي.
فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا جَازَ لِلْمُضَحِّي أن يضحي في بيته تكتب في الوسط غير بيته سراً وجهراً، وَإِذَا ضَحَّى بِشَاةٍ أَقَامَ بِهَا السُّنَّةَ، وَإِنْ كَثُرَ أَهْلُهُ، وَلَا يُؤْمَرُ أَنْ يُضَحِّيَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ وَجَبَتْ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، لِأَنَّهُمْ مُشْتَرِكُونَ فِي أَكْلِ الْأُضْحِيَّةِ فَعَمَّتْ، وَلَيْسَ لَهُمْ فِي الزَّكَاةِ حق فخصت.
ما يجزئ في الأضحية من السن وخلاف العلماء في ذلك

(مسألة:)

قال الشافعي: " (قال) وَيَجُوزُ فِي الضَّحَايَا الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ وَالثَّنِيُّ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْمَعْزِ ولَا يَجُوزُ دُونَ هَذَا مِنَ السِّنِّ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الضَّحَايَا فَلَا تَجُوزُ إِلَّا مِنَ النَّعَمِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ) {المائدة: 1) . وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا اخْتَصَّتْ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ اخْتَصَّتِ الْأُضْحِيَّةُ، لِأَنَّهَا قُرْبَةٌ وَالنَّعَمُ هِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: هُمُ الْأَزْوَاجُ الثَّمَانِيَةُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:

{ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وِمَنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ) {الأنعام: 43) . يَعْنِي ذَكَرًا وَأُنْثَى فَاخْتَصَّ هَذِهِ الْأَزْوَاجَ الثَّمَانِيَةَ مِنَ النَّعَمِ بِثَلَاثَةِ أَحْكَامٍ: أَحَدُهَا: وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِيهَا.
وَالثَّانِي: اخْتِصَاصُ الْأَضَاحِيِّ بِهَا.
وَالثَّالِثُ: إِبَاحَتُهَا فِي الْحَرَمِ وَالْإِحْرَامِ وَفِي تَسْمِيَتِهَا نعماً وجهان: أحدهما: لنعومة وطأها إِذَا مَشَتْ حَتَّى لَا يُسْمَعَ لِأَقْدَامِهَا وَقْعٌ.
وَالثَّانِي: لِعُمُومِ النِّعْمَةِ فِيهَا فِي كَثْرَةِ الِانْتِفَاعِ بِأَلْبَانِهَا وَنِتَاجِهَا.
فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الضَّحَايَا بِالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ دُونَ مَا عَدَاهَا مِنْ جَمِيعِ الْحَيَوَانِ فَأَسْنَانُ مَا يَجُوزُ فِي الضَّحَايَا مِنْهَا مُعْتَبَرَةٌ وَلَا يُجْزِئُ دُونَهَا، وَقَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ مَا دُونَ الْجِذَاعِ مِنْ جَمِيعِهَا وَلَا يَلْزَمُ مَا فَوْقَ الثَّنَايَا مِنْ جَمِيعِهَا، وَاخْتَلَفُوا فِي الْجِذَاعِ وَالثَّنَايَا عَلَى ثَلَاثَةٍ: أَحَدُهَا: وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَالزُّهْرِيِّ إِنَّهُ لَا يُجْزِئُ مِنْهَا إِلَّا الثَّنَايَا مِنْ جَمِيعِهَا وَلَا يُجْزِئُ الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ كَمَا لَا يُجْزِئُ الْجَذَعُ مِنَ الْمَعْزِ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: - وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ إِنَّهُ يُجْزِئُ الْجَذَعُ مِنْ جَمِيعِهَا حَتَّى مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْمَعْزِ كَمَا يُجْزِئُ الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالْجُمْهُورِ مِنَ الْفُقَهَاءِ - أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْمَعْزِ إِلَّا الَّتِي دُونَ الْجَذَعِ وَيُجْزِئُ مِنَ الضَّأْنِ وَحْدَهُ الْجَذَعُ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مسنةٌ إِلَّا أَنْ تَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ ". فَدَلَّ هَذَا الْخَبَرُ عَلَى اعْتِبَارِ الْمُسِنِّ مِنْ غَيْرِ الضَّأْنِ وَالْجَذَعِ مِنَ الضَّأْنِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ شَرْطًا فِي الِاعْتِبَارِ، لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ قَالَ: " قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي أَصْحَابِهِ ضَحَايَا فَأَعْطَانِي عَنْزًا ذَا جَذَعٍ فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: إِنَّهُ جَذَعٌ فَقَالَ: " ضَحِّ بِهِ فَضَحَّيْتُ بِهِ ". وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: " سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنِ الْجَذَعِ مِنَ الضَّأْنِ فَقَالَ ضَحِّ بِهِ ". وروى ابن عباس قَالَ: جَلَبْتُ غَنَمًا جِذَاعًا إِلَى الْمَدِينَةِ

فَكَسَدَتْ عَلَيَّ فَلَقِيتُ أَبَا هُرَيْرَةَ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُولُ: " نِعْمَ الْأُضْحِيَّةُ الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ قَالَ فَانْتَهَبَهَا النَّاسُ " وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْجَذَعَ مِنَ الْمَعْزِ لَا يُجْزِئُ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنِ ابْنِ خَبَّابٍ عَنْ يَزِيدَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ خَطَبَ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَوْمَ الْعِيدِ، فَقَالَ: " إِنَّ أَوَّلَ نُسُكِ يَوْمِكُمْ هَذَا الصَّلَاةُ فَقَامَ إِلَيْهِ خَالِي أَبُو بُرْدَةَ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يَوْمًا يَشْتَهِرُ فِيهِ اللَّحْمُ، وَإِنَّا عَجَّلْنَا فَذَبَحْنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَأَبْدِلْهَا، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عِنْدَنَا مَاعِزًا جَذَعًا فَقَالَ هِيَ لَكَ وَلَيْسَتْ لأحدٍ بَعْدَكَ ". فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْجَذَعَ مِنَ الْمَعْزِ لَا يُجْزِئُ غَيْرَهُ، وَفِي تَخْصِيصِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِأَبِي بُرْدَةَ بِإِجْزَائِهَا عَنْهُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لِأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الشَّرْعِ فَاسْتثْنى.
وَالثَّانِي: إِنَّهُ عُلِمَ مِنْ صِدْقِ طَاعَتِهِ وَخُلُوصِ نِيَّتِهِ مَا مَيَّزَهُ عَمَّنْ سِوَاهُ.
وَاخْتَلَفُوا هَلْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنِ اجْتِهَادِ رَأْيِهِ أَوْ عَنْ وَحْيٍ مِنَ الله تعالى؟ على وجهين.
ما يذبح من الضَّحَايَا مِنَ النَّعَمِ

(فَصْلٌ:)

فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا فِي أَسْنَانِ الضَّحَايَا فَالثَّنِيُّ مِنَ الْإِبِلِ مَا اسْتَكْمَلَ خَمْسَ سِنِينَ، وَدَخَلَ فِي السَّادِسَةِ، وَرَوَى حَرْمَلَةُ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ مَا اسْتَكْمَلَ سِتًّا، وَدَخَلَ فِي السَّابِعَةِ، وَلَيْسَ هَذَا قَوْلًا ثَانِيًا يُخَالِفُ الْأَوَّلَ كَمَا وَهِمَ فِيهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، وَلَكِنْ مَا رَوَاهُ الْجُمْهُورُ عَنْهُ هُوَ قَوْلُ أَهْلِ اللُّغَةِ إِخْبَارًا عَنِ ابْتِدَاءِ سِنِّ الثَّنِيِّ، وَمَا رَوَاهُ حَرْمَلَةُ إِخْبَارًا عَنِ ابْتِدَاءِ سِنِّ الثَّنِيِّ، وَمَا رَوَاهُ حَرْمَلَةُ إِخْبَارًا عَنِ انتهاء سِنِّ الثَّنِيِّ، وَأَمَّا الثَّنِيُّ مِنَ الْبَقَرِ فَهُوَ مَا اسْتَكْمَلَ سَنَتَيْنِ وَدَخَلَ فِي الثَّالِثَةِ، وَرَوَى حَرْمَلَةُ مَا اسْتَكْمَلَ ثَلَاثًا، وَدَخَلَ فِي الرَّابِعَةِ، وَتَأْوِيلُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ وَأَمَّا الثَّنِيُّ مِنَ الْمَعْزِ فَهُوَ: مَا اسْتَكْمَلَ سَنَةً وَدَخَلَ فِي الثَّانِيةِ، وَرَوَى حَرْمَلَةُ مَا اسْتَكْمَلَ سَنَتَيْنِ، وَتَأْوِيلُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَمَّا الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ وَالْمَعْزِ فَهُوَ ما استكمل ستة أشهر ويدخل فِي الشَّهْرِ السَّابِعِ، وَرَوَى حَرْمَلَةُ مَا اسْتَكْمَلَ سنة وتأويله ما ذكرناه.

(مسألة:)

قال الشافعي: " وَالْإِبِلُ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُضَحَّى بِهَا مِنَ الْبَقَرِ وَالْبَقَرُ مِنَ الْغَنَمِ وَالضَّأْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْمَعْزِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَفْضَلُ الضَّحَايَا الثَّنِيُّ مِنَ الْإِبِلِ، ثُمَّ الثَّنِيُّ مِنَ الْبَقَرِ، ثُمَّ الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ، ثُمَّ الثَّنِيُّ مِنَ الْمَعْزِ.

وَقَالَ مَالِكٌ: الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ أَفْضَلُهَا، لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " أَفْضَلُ الذَّبْحِ الْجَذَعَةُ مِنَ الضَّأْنِ، وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا لَفَدَى بِهِ إِسْحَاقَ، وَلِأَنَّهَا أَطْيَبُ لَحْمًا وَأَشْهَى إِلَى النُّفُوسِ فَكَانَتْ أَفْضَلَ ". وَدَلِيلُنَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ (الحج: 36) . رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " أَكْرِمُوا الْإِبِلَ فَإِنَّ فِيهَا رَقْوَ الدَّمِ ". وَرَوَى جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً إِلَّا أَنْ تَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ "، وَلِأَنَّ الْوَاحِدَ مِنَ الْإِبِلِ عَنْ سَبْعَةٍ فَكَانَ أَفْضَلَ مِنْ جَذَعِ الضَّأْنِ الَّذِي هُوَ عَنْ وَاحِدٍ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: " أَفْضَلُ الذَّبْحِ الْجَذَعَةُ مِنَ الضَّأْنِ "، فَهُوَ أَنَّهُ أَرَادَ أَفْضَلَ مِنَ الْمَعْزِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُضَحُّونَ بِالْغَنَمِ وَيُهْدُونَ الْإِبِلَ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الثَّنِيَّ مِنَ الْإِبِلِ أَفْضَلُ فَهُوَ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْفَرِدَ بِنَحْرِهِ، فَأَمَّا إِذَا اشْتَرَكَ فِيهِ سَبْعَةٌ لِيَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُضَحِّيًا بِسُبُعِهَا كَانَتِ الْجَذَعَةُ مِنَ الضَّأْنِ أفضل من سبعها.

(مسألة:)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَالْعَفْرَاءُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ السَّوْدَاءِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، أَوَّلُ مَا يُضَحَّى بِهِ مِنْ أَلْوَانِ الْغَنَمِ الْبِيضُ، ثُمَّ الْعُفْرُ، ثُمَّ الْحُمْرُ، ثُمَّ الْبُلْقُ، ثُمَّ السَّوَادُ فَتَكُونُ الْبِيضُ وَمَا قَارَبَهَا مِنَ الْأَلْوَانِ أَفْضَلَ مِنَ السَّوَادِ لرِوَايَة يَحْيَى بْنِ أَبِي وَرَقَةَ عَنْ مَوْلَاتِهِ كَبِيرَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " أَبْرِقُوا فَإِنَّ دَمَ عَفْرَاءَ أَذْكَى عِنْدَ اللَّهِ مِنْ دَمِ سَوْدَاوَيْنِ ". وَفِي قَوْلِهِ: أَبْرِقُوا أَيْ ضَحُّوا بِالْبَرْقَاءِ وَهِيَ الشَّاةُ الَّتِي يَخْتَلِطُ بِبَيَاضِ صُوفِهَا طَاقَاتٌ سُودٌ وَالْعَفْرَاءُ الَّتِي يَضْرِبُ لَوْنُهَا إِلَى الْبَيَاضِ وَلَيْسَتْ صَافِيَةَ الْبَيَاضِ، وَمِنْهُ قِيلٌ لِلطُّنُبِ الْعُفْرُ.
وَرُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً شَكَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ لَا يُبَارَكُ لَهَا فِي غَنَمِهَا فَقَالَ: " مَا أَلْوَانُهَا قَالَتْ: سودٌ فَقَالَ لَهَا عَفِّرِي " أَيِ اخْلِطِيهَا بعفرٍ، وَلِأَنَّ لُحُومَ مَا خَالَفَ السَّوَادَ أَطْيَبُ وَأَصَحُّ.

حَكَى ابْنُ قُتَيْبَةَ: أَنَّ مُدَاوَمَةَ أَكْلِ لُحُومِ السَّوَادِ تُحْدِثُ مَوْتَ الْفُجَاءَةِ، وَقَدْ حَكَى حَرْمَلَةُ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي أَلْوَانِ الْغَنَمِ حُوًّا، وَقَهْبًا، وحلساً، وقمراً، وسفعاً، ورقشاً، وزبداً فالحو هِيَ السُّودُ الَّتِي خَالَطَهَا حُمْرَةٌ.
وَالْقَهْبَاءُ: هِيَ الْبَيْضَاءُ الَّتِي خَالَطَهَا حُمْرَةٌ.
وَالْحَلْسَاءُ: الَّتِي ظَهْرُهَا أَحْمَرُ وَعُنُقُهَا أَسْوَدُ وَالْقَمَرُ الَّتِي فِي وَجْهِهَا خطط بِيضٌ وَسُودٌ.
وَالسَّفْعَاءُ: الَّتِي نَجِدُهَا لَوْنٌ يُخَالِفُ لونها.
والرقشاء: المنطقة بِبَيَاضٍ وَسَوَادٍ وَالزَّبْدَاءُ: الَّتِي اخْتَلَطَ سَوَادُ شَعْرِهَا بِبَيَاضِهِ كَالْبَرْشَاءِ إِلَّا أَنَّ الْبَرْشَاءَ أَكْثَرُ اجْتِمَاعِ سَوَادٍ وَبَيَاضٍ، وَبَاقِي هَذِهِ الْأَلْوَانِ إِنْ ضَحَّى لَمْ يَكُنْ فِيهِ كَرَاهِيَةٌ وَإِنْ كَانَ مَا اخْتَرْنَاهُ مِنَ الْأَلْوَانِ أَفْضَلَ، فَمِنْهَا مَا كَانَ أَفْضَلَ لِحُسْنِ مَنْظَرِهِ، وَمِنْهَا مَا كَانَ أَفْضَلَ لِطِيبِ مَخْبَرِهِ؛ فَإِنِ اجْتَمَعَا كَانَ أَفْضَلَ.
وَإِنِ افْتَرَقَا كَانَ طَيِّبُ الْمَخْبَرِ أَفْضَلَ مِنْ حُسْنِ المنظر.

(مسألة:)

قال الشافعي: " وَزَعَمَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ جَلَّ ثناؤه ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهَ﴾ اسْتِسْمَانُ الْهَدْيِ وَاسْتِحْسَانُهُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمُ شَعَائِرَ اللهِ فَإنَّهَا مِنْ تَقْوَى القُلُوبِ) {الحج: 32) عَلَى ثَلَاثَةِ أَقَاوِيلَ.
أَحَدُهَا: إِنَّ شَعَائِرَ اللَّهِ دِينُ اللَّهِ كُلُّهُ، وَتَعْظِيمُهَا الْتِزَامُهَا، وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ.
وَالثَّانِي: إِنَّهَا مَنَاسِكُ الْحَجِّ، وَتَعْظِيمُهَا اسْتِيفَاؤُهَا، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ.
وَالثَّالِثُ: إِنَّهَا الْبُدْنُ الْمُشْعِرَةُ، وَتَعْظِيمُهَا اسْتِسْمَانُهَا، وَاسْتِحْسَانُهَا، وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَاخْتِيَارُ الشافعي وفي قوله {إِنَّهَا مِنْ تَقْوَى القُلُوبِ﴾ ثَلَاثُ تَأْوِيلَاتٍ.
أَحَدُهَا: إِنَّهُ إِخْلَاصُ الْقُلُوبِ.
وَالثَّانِي: إِنَّهُ قَصْدُ الثَّوَابِ.
وَالثَّالِثُ: إِنَّهُ مَا أَرْضَى اللَّهَ تَعَالَى.
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سُئِلَ عَنْ أَفْضَلَ الرِّقَابِ.
فَقَالَ: " أَغْلَاهَا ثَمَنًا وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا ". وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: " لَا تَبْتَعِ إِلَّا مُسِنَّةً وَلَا تَبْتَعْ إِلَّا سَمِينَةً فَإِنْ أَكَلْتَ أَكَلَتْ طَيِّبًا وَإِنْ أَطْعَمْتَ أَطْعَمْتَ طَيِّبًا "، فَدَلَّ مَا ذَكَرْنَا عَلَى أَنَّ أَفْضَلَ

الضَّحَايَا وَالْهَدَايَا أَسْمَنُهَا وَأَحْسَنُهَا؛ فَإِنْ كَانَتْ غَنَمًا فَأَغْلَاهَا ثَمَنًا وَأَكْثَرُهَا سِمَنًا وَحُسْنًا إِلَّا أَنْ تَكُونَ ذَاتَ لَبَنٍ يَزِيدُ ثَمَنُهَا لِكَثْرَةِ لَبَنِهَا، فَيَكُونُ مَا نَقَصَ ثَمَنُهُ إِذَا كَانَ أَزْيَدَ سِمَنًا وَلَحْمًا أَفْضَلَ، وَأَمَّا الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ، فَقَدْ يَزِيدُ ثَمَنُهَا بِالْعَمَلِ تَارَةً وَبِالسِّمَنِ أُخْرَى، فَتَكُونُ سِمَانَهَا أَفْضَلَ مِنْ عَوَامِلِهَا، وَإِنْ نَقَصَتْ عَنْ أَثْمَانِهَا، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا لُحُومُهَا فَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا أَكْثَرَ لَحْمًا وَأَقَلَّ شَحْمًا.
وَبَعْضُهَا أَكْثَرَ شَحْمًا وَأَقَلَّ لَحْمًا، فَذَاتُ اللَّحْمِ أَفْضَلُ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَحْمُهَا خَشِنًا؛ لِأَنَّ اللَّحْمَ مَقْصُودٌ وَالشَّحْمَ تَبَعٌ وَإِنْ كَانَ لَحْمُهَا خَشِنًا فَذَاتُ الشَّحْمِ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ قَلِيلَ لَحْمِهَا أَنْفَعُ مِنْ كَثِيرِ الْأُخْرَى.
الْعُيُوبُ الَّتِي تُرَدُّ بِهَا الْأُضْحِيَّةُ

(مسألة:)

قال الشافعي: " وَلَا يَجُوزُ فِي الضَّحَايَا الْعَوْرَاءُ البَّيِّنُ عَوَرُهَا وَلَا الْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ عَرَجُهَا وَلَا الْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا وَلَا الْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنَقَّى ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَصْلُ هَذَا مَا رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ فَيْرُوزٍ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سئل عن ماذا ينتفي مِنَ الضَّحَايَا، فَأَشَارَ بِيَدِهِ، وَقَالَ أَرْبَعٌ وَكَانَ الْبَرَاءُ يُشِيرُ بِيَدِهِ وَيَقُولُ يَدِي أَقْصَرُ مِنْ يَدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - العرجاء البين ضلعها، وَالْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنَقَّى فَهَذِهِ أَرْبَعٌ تَضَمَّنَهَا الْخَبَرُ منعت من جواز الأضحية.
القول في التضحية بالعرجاء منها العرجاء البين ضلعها، وَالْعَرَجُ فِيهَا مَانِعٌ مِنْ جَوَازِ الْأُضْحِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَ فِي يَدٍ، أَوْ رِجْلٍ لِلْخَبَرِ؛ وَلِأَنَّهَا تَقْصُرُ بِالْعَرَجِ عَنْ لُحُوقِ غَيْرِهَا فِي الْمَرْعَى فَتَقِلُّ لَحْمًا؛ وَلِأَنَّهُ عَيْبٌ يُوكِسُ ثَمَنَهَا، وَإِذَا لَمْ تُجْزِئِ الْعَرْجَاءُ فَالْقَطْعَاءُ أَوْلَى فَإِنْ كَانَ عَرَجُهَا يَسِيرًا نُظِرَ فِيهِ، فَإِنْ قَصَرَتْ بِهِ عَنْ لُحُوقِ الصِّحَاحِ فِي الْمَشْيِ وَالسَّعْيِ كَانَ عَرَجًا بَيِّنًا لَا يُجْزِئُ، وَإِنْ لَمْ تَقْصُرْ به عن الصحاح أجزأت.
التضحية بالعوراء

(فصل:)

ومنها العوراء البين عورها التي لَا يَجُوزُ الْأُضْحِيَّةُ بِهَا لِلنَّصِّ، وَلِأَنَّهُ قَدْ أذهب

عُضْوًا مُسْتَطَابًا مِنْ رَأْسِهَا؛ وَلِأَنَّهَا تَقْصُرُ بِالْعَوَرِ فِي الرَّعْيِ فَيَقِلُّ لَحْمُهَا، وَلِأَنَّهُ مُوكِسٌ لِثَمَنِهَا وَسَوَاءٌ لَحِقَهَا الْعَوَرُ فَأَذْهَبَ الْعَيْنَ أَوْ كَانَتْ بَاقِيَةً وَلَا تُبْصِرُ بِهَا فَإِنَّهَا الْبَيِّنُ عَوَرُهَا.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَأَقَلُّ الْعَوَرِ الْبَيَاضُ الَّذِي يُغَطِّي النَّاظِرَ فَإِنْ غَطَّى نَاظِرَهَا بِبَيَاضٍ أَذْهَبَ بَعْضَهُ وبقي بعضه نظر؛ فإن كان الذاهب عن نَاظِرِهَا أَكْثَرَ لَمْ تُجْزِئْ وَإِنْ كَانَ الذَّاهِبُ أقل أجزأت.
التضحية بالعمياء وَإِذَا لَمْ تُجْزِئِ الْعَوْرَاءُ فَالْعَمْيَاءُ أَوْلَى أَلَّا تُجزِئَ.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ: يَجُوزُ الْأُضْحِيَّةُ بِالْعَمْيَاءِ لِوُرُودِ النَّصِّ عَلَى الْعَوْرَاءِ وَهَذَا مِنْ زَلَلِ الْمُقَصِّرِينَ؛ لِأَنَّ الْعَمَى مُتَضَعِّفٌ مِنَ الْعَوَرِ فهي عوراوان، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " أَنَّهُ نَهَى عَنِ النَّجْفَاءِ وَهِيَ الْعَمْيَاءُ الَّتِي قَدِ انْتَجَفَتْ عَيْنَاهَا فَأَمَّا الْأُضْحِيَّةُ بِالْحَوْلَاءِ وَالْقَمْتَاءِ فجائز.
التضحية بالعشواء فأما الْأُضْحِيَّةُ بِالْعَشْوَاءِ الَّتِي تُبْصِرُ نَهَارًا وَلَا تُبْصِرُ لَيْلًا، فَالصَّحِيحُ أَنَّ الْأُضْحِيَّةَ بِهَا جَائِزَةٌ؛ لِأَنَّهَا تُبْصِرُ فِي زَمَانِ الرَّعْيِ وَعَيْنُهَا مَعَ الْعَشَاءِ بَاقِيَةٌ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ عَدَمُ النَّظَرِ فِي زَمَانِ الدَّعَةِ.
وَفِيهَا وَجْهٌ آخَرُ لِبَعْضِ الْبَصْرِيِّينَ: أَنَّهَا لَا تُجْزِئُ، لِأَنَّهَا فِي أَحَدِ الزَّمَانَيْنِ غَيْرُ ناظرة فكان نقصاً مؤثراً.
التضحية بالمريضة

(فَصْلٌ:)

وَمِنْهَا الْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، لِأَنَّ مَرَضَهَا مَعَ الْخَبَرِ قَدْ أَوْكَسَ ثَمَنَهَا، وَأَفْسَدَ لَحْمَهَا، وأضعف راعيتها.
وَهُوَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا ظَهَرَ مِنْ آثَارِهِ فِي اللَّحْمِ كَالْجَرَبِ، وَالْبُثُورِ، وَالْقُرُوحِ، فَقَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ سَوَاءٌ فِي الْمَنْعِ مِنَ الْأُضْحِيَّةِ، وَسَوَاءٌ كَانَ زَوَالُهُ مَرْجُوًّا أَوْ غَيْرَ مَرْجُوٍّ لِوُجُودِهِ فِي حَالِ الذَّبْحِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا لَمْ تَظْهَرْ آثَارُهُ كَالْمَرَضِ الْكَادِّي لِشِدَّةِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا مَنَعَ وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا، فَقَدْ أَشَارَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ إِلَى حَظْرِهِ، وَفِي الْجَدِيدِ إِلَى جَوَازِهِ،

فصار على قولين، فأما الهيام هو مِنْ دَاءِ الْبَهَائِمِ وَذَلِكَ أَنْ يَشْتَدَّ عَطَشُهَا حَتَّى لَا تَرْتَوِيَ مِنَ الْمَاءِ فَقَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ مانع؛ لأنه داء مؤثر في اللحم.
التضحية بالعجفاء

(فَصْلٌ:)

وَمِنْهَا الْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنَقَّى وَالْعُجْفَةُ فَرْطُ الْهُزَالِ الْمُذْهِبِ لِلَّحْمِ، وَالَّتِي لَا تُنَقَّى، وَالَّتِي لَا مُخَّ لَهَا لِلْعَجَفِ الَّذِي بِهَا، وَالنِّقَا هُوَ الْمُخُّ.
قَالَ الشَّاعِرُ: (أَذَابَ اللَّهُ نِقْيَكِ فِي السُّلَامَى ... عَلَى مَنْ بِالْحَنِينِ تُعَوِّلِينَا)

فَإِنْ كَانَ الْعَجَفُ الَّذِي بِهَا قَدْ أَذْهَبَ نِقْيَهَا لَمْ يَجُزِ الْأُضْحِيَّةُ بِهَا سَوَاءٌ كَانَ الْعَجَفُ خِلْقَةً أَوْ مُزْمِنًا، وَإِنْ لَمْ يُذْهِبْ نِقْيَهَا نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ عَجَفُهَا لِمَرَضٍ لَمْ تُجْزِئْ، وَإِنْ كَانَ خِلْقَةً أَجْزَأَتْ؛ لِأَنَّهُ فِي المرض داء وفي الخلقة غير داء.
التضحية بمعيبة الأذن

(فَصْلٌ:)

وَقَدْ رُوِيَ فِي النَّوَاهِي غَيْرُ حَدِيثِ الْبَرَاءِ، فَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمَذَانِيِّ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " لَا يُضَحّى بمقابلةٍ وَلَا مدابرةٍ وَلَا شَرَقًا وَلَا خَرَقًا ". فَأَمَّا الْمُقَابَلَةُ: فَهِيَ الَّتِي قُطِعَ مِنْ مُقَدَّمِ أُذُنِهَا شَيْءٌ.
وَأَمَّا الْمُدَابَرَةُ: فَهِيَ الَّتِي قُطِعَ مِنْ مُؤَخَّرِ أُذُنِهَا شَيْءٌ.
وَأَمَّا الشَّرْقَاءُ: فَالْمَشْقُوقَةُ الْأُذُنِ بِالطُّولِ.
وَأَمَّا الْخَرْقَاءُ: فَالَّتِي فِي أُذُنِهَا ثُقْبٌ مُسْتَدْبِرٌ، وَإِنْ كان هذا قد أذهب من الأذن شيء لَمْ يُجْزِئْ فِي الضَّحَايَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَفْسَدَ مِنْهَا عُضْوًا، وَإِنْ لَمْ يُذْهِبْ مِنْ أُذُنِهَا شيء لِاتِّصَالِ الْمَقْطُوعِ بِهَا كَرِهْتُ لِلنَّهْيِ وَإِنْ أَجْزَأَتْ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا يُجْزِئُ مَعَ اتِّصَالِ الْمَقْطُوعِ بِهَا لِأَنَّهُ بِالْقَطْعِ قَدْ فَسَدَ، وَإِنْ كَانَ مُتَّصِلًا، فَصَارَ فِي حُكْمِ الْمُنْفَصِلِ فَصَارَ نَقْصُ الْأُذُنِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: مَا مَنَعَ مِنْ جَوَازِ الْأُضْحِيَّةِ، وَهُوَ مَا أَذْهَبَ بَعْضَهَا.
وَالثَّانِي: مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْهَا، وَهُوَ مَا لَمْ يُذْهِبْ شَيْئًا مِنْهَا.
وَالثَّالِثُ: مَا اخْتُلِفَ فِيهِ، وَهُوَ مَا قَطَعَ فَاتَّصَلَ، وَلَمْ يَنْفَصِلْ.
وَقِيلَ لَا يَمْنَعُ مِنَ الْأُضْحِيَّةِ وَإِنْ قُطِعَ جَمِيعُهَا لِأَنَّ الْأُذُنَ غَيْرُ مَأْكُولٍ.

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: إِنْ قَطَعَ أَقَلَّ مِنَ النِّصْفِ أَجْزَأَتْ وَإِنْ قَطَعَ النِّصْفَ فَمَا زَادَ لَمْ تُجْزِ وَهَذَا مُخَالِفٌ لِنَصِّ الْخَبَرِ، وَقَدْ رَوَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " نَهَى عَنِ الْأُضْحِيَّةِ بِالْجَدْعَاءِ " وَهِيَ الْمَقْطُوعَةُ الْأُذُنِ، وَقَالَ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أن نستشف العين والأذن أي تكشف، وَرُوِيَ " نَسْتَشْرِفَ " أَيْ نُطَالِعُ وَنَنْظُرُ وَلِأَنَّ الْأُذُنَ عُضْوٌ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَطْعُهُ مُؤَثِّرًا إِذَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَخْلَفًا كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ فَأَمَّا الَّتِي خُلِقَتْ لَا أُذُنَ لَهَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ: لَا تَجُوزُ الْأُضْحِيَّةُ بِهَا لِأَنَّهُ نَقْصُ عُضْوٍ مِنْ خِلْقَتِهَا، وَقَدْ رَوَى حَرْمَلَةُ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي صِفَاتِ الْأُذُنِ الصَّمْعَاءِ وَالْمَصْعَاءِ وَالْعَرْقَاءِ، وَالْقَصْوَاءِ، فَالصَّمْعَاءُ، الصَّغِيرَةُ الْأُذُنِ وَالْمَصْعَاءُ الْمُمَايَلَةُ الْأُذُنِ لِكِبَرِهَا، وَالْعَرْقَاءُ الْمُرْتَفِعَةُ الْأُذُنِ إِلَى قَرْنِهَا وَالْقَصْوَاءُ الْمَقْطُوعَةُ الْأُذُنِ بِالْعَرْضِ، فَيَجُوزُ الْأُضْحِيَّةُ بِجَمِيعِهَا إِلَّا بِالْقَصْوَاءِ لِنَقْصِ الْأُذُنِ فِيهَا وَسَلَامَتِهَا فِي غَيْرِهَا.
التضحية بمقطوعة الذنب والإلية ثُمَّ هَكَذَا الْمَقْطُوعَةُ الذَّنْبِ لَا يَجُوزُ الْأُضْحِيَّةُ بِهَا لِنَقْصِ عُضْوٍ مِنْهَا وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ " نَهَى عَنِ الْأُضْحِيَّةِ بِالْبَتْرَاءِ " وَهِيَ الْمَقْطُوعَةُ الذَّنَبِ، وَهَكَذَا الْمَخْلُوقَةُ لَا ذَنَبَ لَهَا لَا تَجُوزُ الْأُضْحِيَّةُ بِهَا.
وَلَا تَجُوزُ الْأُضْحِيَّةُ بِالْمَقْطُوعَةِ الْإِلْيَةِ وَتَجُوزُ الْأُضْحِيَّةُ بِالَّتِي خُلِقَتْ مِنْ غَيْرِ إِلْيَةٍ لِأَنَّ الْمِعْزَى لَا أَلَايَا لَهَا، وَهِيَ فِي الضَّحَايَا كَالضَّأْنِ.
فَأَمَّا الَّتِي انْقَطَعَ سَاقُهَا وَأَثَّرَ فِي أَكْلِهَا وَرَعْيِهَا فَلَا تَجُوزُ الْأُضْحِيَّةُ بِهَا، وَإِنْ لَمْ يُؤَثِّرْ مَا قَطَعَ فِي أَكْلٍ وَلَا رَعْيٍ جَازَ.

(فَصْلٌ:)

رَوَى يَزِيدُ أبو حَفْصٍ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدِ السُّلَمِيِّ أَنَّ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " نَهَى عَنِ الضَّحَايَا بِالْمُصْفَرَّةِ وَالْمُسْتَأْصَلَةِ الْبَخْقَاءِ وَالْمَشِيقَةِ ". فَأَمَّا الْمُصْفَرَّةُ فَهِيَ الْهَزِيلَةُ الَّتِي قَدِ اصْفَرَّ لَوْنُهَا مِنَ الْهُزَالِ، وَأَمَّا الْمُسْتَأْصَلَةُ فَهِيَ الْمَقْطُوعَةُ الْأُذُنِ مِنْ أَصْلِهَا، وَأَمَّا الْبَخْقَاءُ فَهِيَ الْعَمْيَاءُ الَّتِي نُجِفَتْ عَيْنُهَا وَأَمَّا الْمَشِيقَةُ فَهِيَ الْمُتَأَخِّرَةُ عن الغنم لعجف، أو عرج حتى يشعبها الرَّاعِي بِضَرْبِهَا حَتَّى تَلْحَقَ.
وَالضَّحَايَا بِهَذَا كُلِّهِ لَا تَجُوزُ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ مَعْنَى الْمَنْعِ وَهُوَ وَاحِدٌ مِنْ أَمْرَيْنِ إِمَّا مَا أَفْقَدَ عُضْوًا وَإِمَّا مَا أَفْسَدَ لَحْمًا، وَلَا يُمْنَعُ مَا عَدَاهُمَا، وَإِنْ وَرَدَ فِيهِ نَهْيٌ كَانَ مَحْمُولًا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ دُونَ الْإِجْزَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

التضحية بمعيبة القرن

(مسألة:)

قال الشافعي رحمه الله: " وليس فِي الْقَرْنِ نقصٌ فَيُضَحَّى بِالْجَلْحَاءِ وَالْمَكْسُورَةِ الْقَرْنِ أَكْبَرُ مِنْهَا دَمِيَ قَرْنُهَا أَوْ لَمْ يَدْمَ وَلَا تُجْزِئُ الْجَرْبَاءُ لِأَنَّهُ مرضٌ يُفْسِدُ لَحْمَهَا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ فَقْدُ الْقَرْنِ فِي الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ لَا يَمْنَعُ مِنْ جَوَازِ الضَّحَايَا خِلْقَةً وَبِحَادِثٍ، فَتَجُوزُ الْأُضْحِيَّةُ بِالْجَلْحَاءِ وَهِيَ الْجَمَّاءُ الَّتِي خُلِقَتْ لَا قَرْنَ لَهَا وَبِالْعَضْبَاءِ، وَهِيَ الْمَكْسُورَةُ الْقَرْنِ سَوَاءٌ دَمِيَ مَوْضِعُ قَرْنِهَا بِالْكَسْرِ أَوْ لَمْ يَدْمَ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: فَقْدُ الْقَرْنِ مَانِعٌ مِنْ جَوَازِ الْأُضْحِيَّةِ خِلْقَةً وَكَسْرًا، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُضَحِّيَ بِجَلْحَاءَ وَلَا عَضْبَاءَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: تَجُوزُ الْأُضْحِيَّةُ بِالْجَلْحَاءِ، وَلَا تَجُوزُ بِالْعَضْبَاءِ إِذَا دَمِيَ مَوْضِعُ قَرْنِهَا وَاسْتَدَلَّ النَّخَعِيُّ بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ " نَهَى عَنِ الْأُضْحِيَّةِ بِالْعَضْبَاءِ ". وَدَلِيلُنَا: مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ مَعْنَى الْمَنْعِ، وَهُوَ مَا أَفْقَدَ عضواً مأكولاً، أو فسد لَحْمًا مَقْصُودًا، وَلَيْسَ فِي فَقْدِ الْقَرْنِ وَاحِدٌ مِنْ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ، فَلَمْ يَمْنَعْ فَكَانَ النَّهْيُ مَحْمُولًا عَلَى الْكَرَاهَةِ دُونَ التَّحْرِيمِ، كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ " نَهَى عَنِ الْأُضْحِيَّةِ بِالْعَقْصَاءِ " وَهِيَ الْمُلْتَوِيَةُ الْقَرْنِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الِاخْتِيَارِ دُونَ الْإِجْزَاءِ، وَإِنْ كَانَتِ الْأُضْحِيَّةُ بِالْقَرْنَاءِ، أَفْضَلُ عَلَى أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " ضَحَّى بِعَضْبَاءِ الْأُذُنِ ". وَحُكِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ الْعَضْبَاءَ إِذَا قُطِعَ مِنْهَا النِّصْفُ فما فوقه، فصار المراد به نصاً قَطْعَ الْأُذُنِ دُونَ الْقَرْنِ وَمِنْ أَعْجَبِ مَا يَقُولُهُ مَالِكٌ: أَنَّهُ يَمْنَعُ مِنَ الْأُضْحِيَّةِ بِالْمَكْسُورَةِ الْقَرْنِ وَيَجُوزُ الْأُضْحِيَّةُ بِالْمَقْطُوعَةِ الْأُذُنِ وَالْقَرْنُ غَيْرُ مَأْكُولٍ وَالْأُذُنُ مَأْكُولَةٌ.
الْقَوْلُ فِي وَقْتِ ذَبْحِ الأضحية (مسألة:) قال الشافعي: " وَلَا وَقْتَ لِلذَّبْحِ يَوْمَ الْأَضْحَى إِلَّا فِي قَدْرِ صَلَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَذَلِكَ حِينَ حَلَّتِ الصَّلَاةُ وَقَدَّرَ خُطْبَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ وَإِذَا كَانَ هَذَا الْقَدْرُ فَقَدْ حَلَّ الذَّبْحُ لِكُلِّ أحدٍ حَيْثُ كَانَ فَأَمَّا صَلَاةٌ مَنْ بَعْدَهُ فَلَيْسَ فِيهَا وقتٌ ".

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الْأُضْحِيَّةِ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ إِنَّ أَوَّلَ وَقْتِهَا فِي الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى لِلْحَاضِرِ وَالْمُسَافِرِ وَاحِدٌ، وَهُوَ مُعْتَبَرٌ بِوَقْتِ الصَّلَاةِ لَا بِفِعْلِهَا، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَارْتَفَعَتْ حَتَّى خَرَجَتْ عَنْ كَرَاهَةِ التَّنَفُّلِ بِالصَّلَاةِ وَمَضَى بَعْدَ ذَلِكَ قَدْرَ رَكْعَتَيْنِ وَخُطْبَتَيْنِ دَخَلَ وَقْتُ النَّحْرِ، وَجَازَ ذَبْحُ الْأُضْحِيَّةِ فِيهِ سَوَاءٌ صَلَّى الْإِمَامُ فِي الْمِصْرِ، أَوْ لَمْ يُصَّلِ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَقْدِيرِ زَمَانِ الرَّكْعَتَيْنِ وَالْخُطْبَتَيْنِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّ الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ صَلَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الْعِيدِ وَخُطْبَتَيْهِ فَإِنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْأَوْلَى بَعْدَ الْفَاتِحَةِ بِسُورَةِ " ق " وَفِي الثَّانِيةِ بِسُورَةٍ اقْتَرَبَتْ وَكَانَ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ يَسْتَوْفِي فِيهَا التَّحْمِيدَ وَالْمَوَاعِظَ وَبَيَانَ الْأَضَاحِيِّ وَالْوَصِيَّةِ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى، وَقِرَاءَةِ آيَةٍ، فَيَكُونُ اعْتِبَارُ وَقْتِ صَلَاتِهِ وَخُطْبَتَيْهِ هُوَ الْمَشْرُوطُ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُعْتَبَرَ بِأَقَلِّ مَا يُجْزِئُ فِي صَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ، وَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ فِي خُطْبَتَيْنِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِمَا كَانَتْ عَلَيْهِ صَلَاةُ رَسُولِ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَإِنَّهُ كَانَ يُطِيلُ مَرَّةً، وَيُخَفِّفُ أُخْرَى، وَيُقَدِّمُ تَارَةً وَيُؤَخِّرُ أُخْرَى، وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ بِتَحْدِيدٍ مَشْرُوعٍ لَا يَخْتَلِفُ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا بَعْدَ هَذَا، هَلْ كَانَ وَقْتُهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - في اعتبار قدر الصلاة يحكمها فِيمَنْ بَعْدَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: على إِنَّ الْحُكْمَ فِيهِمَا سَوَاءٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: فِي أنه عهد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مُعْتَبَرٌ بِصَلَاتِهِ، وَفِي عَهْدِ مَنْ بَعْدَهُ مُعْتَبَرٌ بقدر الصلاة، فهذه شَرْحُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ فِيهِ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ: إِنَّهُ مُعْتَبَرٌ فِي الْأَمْصَارِ بِصَلَاةِ الْأَئِمَّةِ فِيهَا، وَفِي الْقُرَى، وَالْأَسْفَارِ مُعْتَبَرٌ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ، فَإِنْ ضَحَّى أَهْلُ الْأَمْصَارِ قَبْلَ صَلَاةِ الْأَئِمَّةِ كَانَ شَاةَ لَحْمٍ وَلَمْ تكن أضحية والمذهب الثالث: هو قَوْلُ مَالِكٍ إِنَّهُ فِي الْأَمْصَارِ مُعْتَبَرٌ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ وَنَحْرِهِ وَفِي الْقُرَى، وَالْأَسْفَارِ مُعْتَبَرٌ بِصَلَاةِ الْأَئِمَّةِ فِي أَقْرَبِ الْبِلَادِ بِهِمْ، فَإِنْ ذَبَحَ أَهْلُ الْأَمْصَارِ قَبْلَ ذَبْحِ الْإِمَامِ كَانَتْ شَاةَ لَحْمٍ وَلَمْ تَكُنْ أُضْحِيَّةً.
وَالْمَذْهَبُ الرَّابِعُ: وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ إِنَّهُ فِي وَقْتِ جَمِيعِ النَّاسِ مُعْتَبَرٌ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، وَاسْتَدَلَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ بِرِوَايَةِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " لَا ذَبْحَ قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ ". وَبِرِوَايَةِ جرير بن عبد الله البجلي قَالَ: شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَعَلِمَ أَنَّ نَاسًا ذَبَحُوا قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مَنْ كَانَ مِنْكُمْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيُعِدَ

ذَبِيحَتَهُ وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ ". قَالُوا: وَتَقْدِيرُهَا بِفِعْلِ الصَّلَاةِ يَقِينٌ وَتَقْدِيرُهَا بِزَمَانِ الصَّلَاةِ اجْتِهَادٌ، فَكَانَ اعْتِبَارُ وَقْتِهَا بِالْيَقِينِ أَوْلَى مِنِ اعْتِبَارِهِ بِالِاجْتِهَادِ، وَلِأَنَّ تَقْدِيرَهَا بِالْفِعْلِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَبِالزَّمَانِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَالْأَخْذُ بِالِاتِّفَاقِ أَوْلَى مِنَ الْعَمَلِ بِالِاخْتِلَافِ.
وَدَلِيلُنَا مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَبْدِ الْمَجِيدِ، عَنْ دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَامَ يَوْمَ النَّحْرِ خَطِيبًا فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: " لَا يَذْبَحَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يُصَلِّيَ " فَقَامَ خَالِي فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا يومٌ اللَّحْمُ فِيهِ مكروهٌ وَإِنِّي ذَبَحْتُ نَسِيكَتِي فَأَطْعَمْتُ أَهْلِي وَجِيرَانِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: قَدْ فَعَلْتَ فَأَعِدْ ذَبْحًا آخَرَ قَالَ: عِنْدِي عَنَاقُ لبنٍ هِيَ خيرٌ مِنْ شَاتَيْ لحمٍ، فَقَالَ " هُوَ خَيْرُ نَسِيكَتَيْكَ لَنْ تُجْزِئَ جذعةٌ عَنْ أحدٍ بَعْدَكَ ". فَمَوْضِعُ الدَّلَالَةِ فِيهِ: أَنَّهُ عَلَّقَ التَّحْرِيمَ بِصَلَاةِ الْمُضَحِّي لَا بِصَلَاةِ الْإِمَامِ وَالْمُضَحِّي يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ الْعِيدَ مُنْفَرِدًا وَلَيْسَ يُعْتَبَرُ فِعْلُهُ لِلصَّلَاةِ اتِّفَاقًا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ وَقْتَ الصَّلَاةِ.
وَمِنَ الْقِيَاسِ: أَنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ تَعَلَّقَتْ بِالْوَقْتِ فِي حَقِّ أَهْلِ الْقُرَى تَعَلَّقَتْ بِالْوَقْتِ فِي حَقِّ أَهْلِ الْأَمْصَارِ، كَالصَّلَاةِ طَرْدًا وَالْكَفَّارَاتِ عَكْسًا، وَلِأَنَّ كُلَّ مَا كَانَ وَقْتًا لِلذَّبْحِ فِي حَقِّ أَهْلِ الْقُرَى، كَانَ وَقْتًا لِلذَّبْحِ فِي حَقِّ أَهْلِ الْأَمْصَارِ، كَمَا بَعْدَ الصَّلَاةِ طَرْدًا وَعَكْسُهُ دَلَالَةٌ عَلَيْهِمْ فِي أَهْلِ الْقُرَى أَنَّ كُلَّ مَا لَمْ يَكُنْ وَقْتًا لِذَبْحِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ لَمْ يَكُنْ وَقْتًا لِذَبْحِ أَهْلِ الْقُرَى، كَمَا قَبْلَ الْفَجْرِ؛ وَلِأَنَّ مَا تَوَقَّتَ مِنَ الْعِبَادَاتِ إِذَا تَقَدَّرَ آخِرُهُ بِالْوَقْتِ تَقَدَّرَ أَوَّلُهُ بِالْوَقْتِ كَالصَّلَاةِ طَرْدًا وَالزَّكَاةِ عَكْسًا؛ وَلِأَنَّ أَحَدَ طَرَفَيْ زَمَانِ الذَّبْحِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُقَدَّرًا بِالْوَقْتِ كَالطَّرَفِ الْأَخِيرِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: " لَا ذَبْحَ قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ " فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّ الْإِمَامَ رَسُولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَقَدْ مَضَى، فَوَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ وَقْتُ صَلَاتِهِ وَهُوَ مَا قُلْنَاهُ.
وَالثَّانِي: إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ قَبْلَ وَقْتِ الصَّلَاةِ الْإِمَامُ كَمَا قَالَ: " مَنْ أَدَّى رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشمس فقعد أَدْرَكَ الْعَصْرَ ". يُرِيدُ: مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مَنْ وَقْتِ الْعَصْرِ وَإِنَّمَا جَعَلْنَاهُ عَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ الْجَوَابَيْنِ فِي حَقِّ أَهْلِ الْمِصْرِ كَمَا عَدَلُوا بِهِ عَنْ ظَاهِرِهِ فِي حَقِّ أَهْلِ الْقُرَى، وَكَذَلِكَ الْجَوَابُ عَنِ الْحَدِيثِ الْآخَرِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ إِنَّ اعْتِبَارَهَا بِفِعْلِ الصَّلَاةِ يَقِينٌ وَبِزَمَانِهَا اجْتِهَادٌ فَهُوَ أَنَّ

اعْتِبَارَهَا بِزَمَانِ الصَّلَاةِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يَتَمَاثَلُ وَلَا يَخْتَلِفُ وَبِفِعْلِ الصَّلَاةِ يَخْتَلِفُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: إِنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَهُوَ إِنَّ دَلَائِلَ الشَّرْعِ هِيَ الْمُعْتَبَرَةُ دُونَ الْمَذَاهِبِ الْمُتَعَدِّدَةِ؛ لِحُدُوثِ الْمَذَاهِبِ عَنِ الْأَدِلَّةِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَجْعَلَ الْمَذَاهِبَ أَدِلَّةً.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَهُوَ أَنَّ فِعْلَهَا مُعْتَبَرٌ بِفَوَاتِ الْجُمُعَةِ، وَلِذَلِكَ تَعَلَّقَ بِفَوَاتِ فِعْلِهَا دُونَ وَقْتِهَا، وَلَيْسَ وَقْتُ الْأُضْحِيَّةِ بِمَثَابَتِهَا، وَعَلَى أَنَّهُمَا يَتَسَاوَيَانِ إِذَا لَمْ يُصَلِّ الْعِيدَ، وَلَمْ يُصَلِّ الْجُمُعَةَ جَازَ ذَبْحُ الْأُضْحِيَّةِ وَجَازَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ، وَلَوْ تَعَلَّقَا فِي وَقْتِهِمَا بِفِعْلِ الصَّلَاةِ لَمْ تُجْزِئْ إِذَا لَمْ تَقُمِ الصَّلَاةُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَا يُقْطَعُ مِنَ الْحَيَوَانِ عِنْدَ الذَّبْحِ

(مَسْأَلَةٌ:)

قال الشافعي: " (قال) وَالذَّكَاةُ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ وَهِيَ مَا لَا حَيَاةَ بَعْدَهُ إِذَا قُطِعَ وَكَمَالُهَا بأربعٍ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ وَالْوَدَجَيْنِ وَأَقَلُّ مَا يُجَزِئُ مِنَ الذَّكَاةِ أَنْ يَبِينَ الْحُلْقُومُ وَالْمَرِيءُ وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِفَرْيِ الْأَوْدَاجِ لِأَنَّهَا لَا تُفْرَى إِلَّا بَعْدَ قَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ وَالْوَدَجَانِ عِرْقَانِ قَدْ يَنْسَلَّانِ مِنَ الْإِنْسَانِ وَالْبَهِيمَةِ ثُمَّ يَحْيَا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الذَّكَاةُ فِي اللُّغَةِ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ فِيهَا ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: إِنَّهَا التَّطَّيْيِبُ مِنْ قَوْلِهِمْ: رَائِحَةٌ ذَكِيَّةٌ أَيْ طَيِّبَةٌ فَسمّي بِهَا ذَبْحَ الْحَيَوَانِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ تَطْيِيبِ أَكْلِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّهَا الْقَطْعُ فَسُمِّيَ بِهَا ذَبْحُ الْحَيَوَانِ لِقَطْعِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: إِنَّهَا الْقَتْلُ فَسُمِّيَ بِهَا ذَبْحُ الْحَيَوَانِ لِقَتْلِهِ، وَالذَّكَاةُ حَالَتَانِ: كَمَالٌ، وَإِجْزَاءٌ.
فَأَمَّا حَالُ الْكَمَالِ فَيَكُونُ بِقَطْعِ أَرْبَعَةٍ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ وَالْوَدَجَيْنِ، فَأَمَّا الْحُلْقُومُ فَهُوَ مَجْرَى النَّفْسِ فِي مُقَدَّمِ الرَّقَبَةِ وَأَمَّا الْمَرِيءُ فَهُوَ مَجْرَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ يَلِي الْحُلْقُومَ، وَبِهِمَا تُوجَدُ الْحَيَاةُ، وَبِفَقْدِهِمَا تُفْقَدُ الْحَيَاةُ، وَأَمَّا الْوَدَجَانِ فَهُمَا عِرْقَانِ فِي جَنْبَيِ الْعُنُقِ مِنْ مُقَدَّمِهِ، وَلَا تَفُوتُ الحياة بقواتهما.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: لِأَنَّهُمَا قَدْ يَنْسَلَّانِ مِنَ الْإِنْسَانِ وَالْبَهِيمَةِ ثُمَّ يَحْيَيَانِ، وَالْوَدَجَانِ اسْمٌ لَهُمَا فِي البهيمة ويسميان في الإنسان الوريدان، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {وَنَحْنُ أًَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ) {ق: 16) وَلَكِنْ لَمَّا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْإِنْسَانِ وَالْبَهِيمَةِ سَمَّاهُ فِيهِمَا بِاسْمٍ وَاحِدٍ إِفْهَامًا لِلْعَامَّةِ فَهَذَا حَالُ الْكَمَالِ فِي الذَّكَاةِ بِقَطْعِ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ.
وَأَمَّا حَالُ الْجَوَازِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ إِنَّ إِجْزَاءَ الذَّبْحِ بِقَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ دُونَ

الْوَدَجَيْنِ، فَإِنْ قَطَعَ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِيءَ وَاسْتَثْنَى الْوَدَجَيْنِ حَلَّ الذَّبْحُ، وَإِنْ كَانَ اسْتِبْقَاءُ الْوَدَجَيْنِ بَعْدَ قطع الحلقوم متعزراً لَا يَتَكَلَّفُ؛ لِأَنَّهُمَا يَكْتَنِفَانِ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِيءَ مِنْ جَانِبِهِمَا، فَإِنْ تَكَلَّفَ وَاسْتَبْقَاهُمَا جَازَ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ إِنَّهُ لَا يَحِلُّ الذَّبْحُ إِلَّا بِقَطْعِ الْأَرْبَعَةِ كُلِّهَا، فَإِنِ اسْتَبْقَى مِنْهَا شَيْئًا لَمْ تَحِلَّ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا تَحِلُّ الذَّبِيحَةُ إِلَّا بقطع أكثر الأربعة كلها إذا قَطَعَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَكْثَرَهُ وَتَرَكَ أَقَلَّهُ حَلَّ فَإِنْ تَرَكَ مِنْهَا وَاحِدًا لَمْ يَقْطَعْ أَكْثَرَهُ لَمْ تَحِلَّ.
وَالْمَذْهَبُ الرَّابِعُ: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ لَا تَحِلُّ إِلَّا بِقَطْعِ أَكْثَرِهَا عَدَدًا وَهُوَ الْحُلْقُومُ وَالْمَرِيءُ وَأَحَدُ الْوَدَجَيْنِ احْتِجَاجًا بِرِوَايَةِ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " مَا فَرَى الْأَوْدَاجَ فَكُلُوا مَا لَمْ يكن فرض نَابٍ أَوْ حَزَّ طَعْنٍ " فَجَعَلَ فَرْيَ الْأَوْدَاجِ شَرْطًا فِي الْإِبَاحَةِ؛ وَلِأَنَّ مَخْرَجَ الدَّمِ مِنَ الْأَوْدَاجِ، فَكَانَ قَطْعُهَا أَخَصَّ بِالذَّكَاةِ وَدَلِيلُنَا مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رَفَاعَةَ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: " قلنا: يا رسول الله إنا لاقوا العدو وغداً أَفَنُذَكِّي بِاللِّيطَةِ " فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوهُ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ سِنٍّ أَوْ ظُفْرٍ فَإِنَّ السِّنَّ عظمٌ مِنَ الْأَسْنَانِ وَالظُّفْرَ مُدَى الْحَبَشَةِ " فَاعْتَبَرَهَا بِمَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَقَطَعَ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِيءُ مَنْهَرٌ لِلدَّمِ، فَتَعَلَّقَ بِهِ الْإِجْزَاءُ، وَلِأَنَّ مَقْصُودَ الذَّكَاةِ فَوَاتُ النَّفْسِ بِأَخَفِّ أَلَمٍ؛ لِرِوَايَةِ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى كُلِّ شيءٍ الْإِحْسَانَ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَلِيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ " وَالْأَسْهَلُ فِي فَوَاتِ الرُّوحِ انْقِطَاعُ النَّفَسِ، وَهُوَ بِقَطْعِ الْحُلْقُومِ أَخَصُّ، وَبِقِطَعِ الْمَرِيءِ، لِأَنَّهُ مَسْلَكُ الْجَوْفِ، وَلَيْسَ بَعْدَ قَطْعِهِمَا حَيَاةٌ، وَالْوَدَجَانِ قَدْ يُسَلَّانِ مِنَ الْإِنْسَانِ وَالْبَهِيمَةِ فَيَعِيشَانِ، فَكَانَ اعْتِبَارُ الذَّكَاةِ بِمَا لَا تَبْقَى مَعَهُ حَيَاةٌ أَوْلَى مِنِ اعْتِبَارِهَا بِمَا تَبْقَى معه حياة.

وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: " مَا فَرَى الْأَوْدَاجَ، فَكُلُوا " فَهُوَ أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَعْمَلِ الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّ فَرْيَ الْأَوْدَاجِ مَعَ بَقَاءِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ غَيْرُ مُبِيحٍ، فَصَارَ ظَاهِرُهُ مَتْرُوكًا.
فَإِنْ قِيلَ: عَدَمُ الِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ لَا يَمْنَعُ مِنْ دُخُولِهِ فِي عُمُومِ الشَّرْطِ.
قِيلَ: يَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْكَمَالِ، وَلَا يَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْإِجْزَاءِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: إِنَّهُ خُصَّ بِمَخْرَجِ الدَّمِ، فَهُوَ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالذَّكَاةِ خُرُوجُ الرُّوحِ وَخُرُوجُهَا بِانْقِطَاعِ النَّفْسِ مِنَ الْحُلْقُومِ وَخُرُوجُ الدَّمِ تَابِعٌ.

(فَصْلٌ:)

فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ إِجْزَاءَ الذَّكَاةِ يَكُونُ بِقَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ لَمْ تَصِحَّ الذَّكَاةُ بِقَطْعِ أَحَدِهِمَا، وَوَهِمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَأَحْسَبُهُ أَبَا سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيَّ فَأَبَاحَ الذَّكَاةَ بِقَطْعِ أَحَدِهِمَا لِفَقْدِ الْحَيَاةِ بِقَطْعِهِ، وَهَذَا زَلَلٌ مِنْهُ خَالَفَ بِهِ نَصَّ الشَّافِعِيِّ، وَمَعْنَى الذَّكَاةِ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا مَا عَجَّلَ التَّوْجِيَةَ مِنْ غَيْرِ تَعْذِيبٍ وَفِي قَطْعِ أَحَدِهِمَا إِبْطَالٌ لِلتَّوْجِيَةِ وَتَعْذِيبٌ لِلنَّفْسِ فَلَمْ تَصِحَّ بِهِ الذَّكَاةُ.
وَأَمَّا إِذَا قَطَعَ بَعْضَ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ فَإِنْ قَطَعَ أَقَلَّهُمَا لَمْ تَحِلَّ الذَّكَاةُ وَإِنْ قَطَعَ أَكْثَرَهُمَا فَفِي إِحْلَالِهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهَا لَا تَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُقْتَصِرًا عَلَى أَقَلِّ الْأَرْبَعَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا تَحِلُّ؛ لِأَنَّ قَطْعَ أَكْثَرِهَا يَقُومُ فِي فَوَاتِ الْحَيَاةِ مَقَامَ جَمِيعِهَا فَأَمَّا إِنْ قَطَعَ الْوَدَجَيْنِ دُونَ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ لَمْ تَحِلَّ وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " نَهَى عَنْ شَرِيطَةِ الشَّيْطَانِ " وَهُوَ الِاقْتِصَارُ عَلَى قَطْعِ الْوَدَجَيْنِ فِي انْهِمَارِ الدَّمِ مَأْخُوذٌ مِنْ شرطه الحجام.

(مسألة:)

قال الشافعي: " وَمَوْضِعُ النَّحْرِ فِي الِاخْتِيَارِ فِي السُّنَّةِ فِي اللَّبَّةِ وَمَوْضِعُ الذَّبْحِ فِي الِاخْتِيَارِ فِي السُّنَّةِ أَسْفَلُ مَجَامِعِ اللَّحْيَيْنِ فَإِذَا نُحِرَتْ بقرةٌ أَوْ ذُبِحَ بعيرٌ فجائزٌ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ السُّنَّةَ فِي الْإِبِلِ النَّحْرُ فِي الثُّغْرَةِ، وَهُوَ عِنْدَ اللَّبَّةِ فِي مَوْضِعِ الصَّدْرِ؛ لِأَنَّهُ أَرَقُّ وأوحى، وَالسُّنَّةُ فِي الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ الذَّبْحُ فِي أَسْفَلِ مجامع اللحيين، وأعلى العنق؛ لأنه أرق وأوحى فَيَكُونُ النَّحْرُ قَطْعَ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ مِنْ أَسْفَلِ الْعُنُقِ وَالذَّبْحُ قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ مِنْ أَعْلَى الْعُنُقِ، فَصَارَ قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ مُعْتَبَرًا فِيهِمَا، وَإِنِ اخْتَلَفَ مَحَلُّ قَطْعِهِمَا بِالسُّنَّةِ وَتَعْجِيلِ التَّوْجِيَةِ، فَإِنْ خَالَفَ فَذَبَحَ مَا يُنْحَرُ مِنَ الْإِبِلِ، وَنَحَرَ مَا يُذْبَحُ مِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ أَجْزَأَ، وأساء.

وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ ذَبَحَ مَا يُنْحَرُ مِنَ الْإِبِلِ حَلَّ، وَإِنْ نَحَرَ مَا يُذْبَحُ مِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرُمَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ الْأَمْرَيْنِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {إلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ) {المائدة: 3) وَلَمْ يَخُصَّ وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " الذَّكَاةُ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ " فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ، وَلِأَنَّ الذَّبْحَ قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ مِنْ أَعْلَاهُمَا وَالنَّحْرَ قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ مِنْ أَسْفَلِهِمَا فَاسْتَوَى حُكْمُ قَطْعِهِمَا فِي الْمَحَلَّيْنِ؛ وَلِأَنَّ مَا حَلَّ بِالذَّبْحِ حَلَّ بِالنَّحْرِ كَالْإِبِلِ؛ وَلِأَنَّ مَا حَلَّتْ بِهِ الْإِبِلُ حَلَّتْ بِهِ الْبَقَرُ كَالذَّبْحِ، فَأَمَّا إِذَا قَطَعَ مَا فَوْقَ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ فِي الرَّأْسِ وَمَا دُونَ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ من الجوف لم تحل، وإن وحي فصار كقطعهما باثنين.

(مسألة:)

قال الشافعي: قَالَ عُمَرُ وَابْنُ عباسٍ الذَّكَاةُ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ وَزَادَ عُمَرُ وَلَا تُعَجِّلُوا الْأَنْفُسَ أَنْ تَزْهَقَ وَنَهَى عَنِ النَّخَعِ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ أَمَّا قَوْلُهُ: الذَّكَاةُ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ فَقَدْ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَرَوَاهُ غَيْرُهُ عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مَسْنُونًا عَنِ الرَّسُولِ، وَمَأْثُورًا عَنِ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ مَضَى حُكْمُ الذَّكَاةِ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: " لَا تُعَجِّلُوا الْأَنْفُسَ أَنْ تَزْهَقَ ". فَالزَّهَقُ: الْإِسْرَاعُ، وَالْمُرَادُ بِهِ إِسْرَاعُ خُرُوجِ النَّفْسِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ) {التوبة: 55) وَفِي الْمُرَادِ بِنَهْيِ عُمَرَ عَنْهُ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَقْطَعَ أَعْضَاءَ الذَّبِيحَةِ قَبْلَ خُرُوجِ نَفْسِهَا لِيَتَعَجَّلَ أَكْلَهَا كَالَّذِي كَانَتْ تَفْعَلُهُ الْجَاهِلِيَّةُ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُعَجِّلَ سَلْخَهَا قَبْلَ خُرُوجِ نَفْسِهَا لِيَتَعَجَّلَ أَكْلَهَا.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُمْسِكَهَا بَعْدَ الذَّبْحِ حَتَّى لَا تَضْطَرِبَ لِيَتَعَجَّلَ خُرُوجَ رُوحِهَا كَالْيَهُودِ، وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ لَا تَمْنَعُ مِنَ الْإِبَاحَةِ لِوُجُودِهَا بَعْدَ الذَّكَاةِ، وَأَغْلَظُهَا فِي الْكَرَاهَةِ قَطْعُهَا ثُمَّ سَلْخُهَا ثُمَّ إِمْسَاكُهَا، وَإِنْ لَمْ يَحْرُمِ الْأَكْلُ بِوَاحِدٍ مِنْهَا، وَأَمَّا نَهْيُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّخْعِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " لَا تَنْخَعُوا وَلَا تَفَرَّسُوا " فَأَمَّا النَّخْعُ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَسْرُ الْعُنُقِ فِي قوله الشَّافِعِيِّ.
وَالثَّانِي: كَسْرُ عَظْمِ الرَّأْسِ فِي قَوْلِ أبي هريرة.

وَالثَّالِثُ: أَنْ يُبَالِغَ فِي الْقَطْعِ حَتَّى يَصِلَ إِلَى قَطْعِ النُّخَاعِ وَهُوَ عِرْقٌ فِي الصُّلْبِ يَمْتَدُّ إِلَى الْقَفَا وَهَذَا قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ.
وَأَمَّا الْفَرَسُ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ كَسْرُ الْعَظْمِ.
وَالثَّانِي: إِنَّهُ قَطْعُ الرَّأْسِ مَأْخُوذٌ مِنِ افْتِرَاسِ السُّبُعِ وَلَيْسَ فِي النَّخْعِ وَلَا الْفَرَسِ عَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ مَانِعٌ مِنَ الْإِبَاحَةِ وَإِنْ كَانَا مَكْرُوهَيْنِ لِحُدُوثِهِمَا بَعْدَ كَمَالِ الذَّكَاةِ وَإِنْ كَانَتِ الرُّوحُ بَاقِيَةً وَأَشَدُّهُمَا كَرَاهَةً أَشَدُّهُمَا تَعْذِيبًا وألماً.

(مسألة:)

قال الشافعي: " قَالَ وَأُحِبُّ أَنْ لَا يَذْبَحَ الْمَنَاسِكَ الَّتِي يُتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا مسلمٌ فَإِنْ ذَبَحَ مشركٌ تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ أَجْزَأَ عَلَى كَرَاهِيَتِي لِمَا وَصَفْتُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْأَوْلَى بِالْمُضَحِّي وَالْمُهْدِي أَنْ يَتَوَلَّى بِنَفْسِهِ ذَبْحَ أُضْحِيَّتِهِ وَهَدْيِهِ لِرِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ساق مائة بدنة فنحر بيده منها ثلاث وَسِتِّينَ بَدَنَةً وَأَمَرَ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلَامُ فَنَحَرَ مَا بَقِيَ.
وَرَوَى نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ يَذْبَحُ أُضْحِيَّتَهُ بِالْمُصَلَّى قَالَ نَافِعٌ: وَكَانَ عُمَرُ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
وَقَالَتْ عَائِشَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهَا: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَأْمُرُ نِسَاءَهُ أَنْ يَلِينَ ذَبْحَ هَدْيَهِنَّ؛ لِأَنَّهَا قُرْبَةٌ فَكَانَ قِيَامُهُ بِهَا أَفْضَلَ مِنِ اسْتِنَابَتِهِ فِيهَا، فَإِنِ اسْتَنَابَ فِيهَا جَازَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اسْتَنَابَ عَلِيًّا فِي نَحْرِ مَا تَبَقَّى مِنْ هَدْيِهِ، وَيَخْتَارُ أَنْ يَحْضُرَ ذَبْحَهَا إِذَا اسْتَنَابَ، لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ لِامْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ قِيلَ: إِنَّهَا فَاطِمَةُ عَلَيْهَا السَّلَامُ: " احْضُرِي ذَبْحَ نَسِيكَتِكِ فَإِنَّهُ يُغْفَرُ لَكِ بِأَوَّلِ قطرةٍ " وَيَخْتَارُ إِذَا اسْتَنَابَ فِي ذَبْحِهَا أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهَا خِيَارَ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّ قِيَامَهُمْ بِالْقُرْبِ أَفْضَلُ، وَمَنِ اسْتَنَابَ فِيهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَجْزَأَ، وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا، فَإِنِ اسْتَنَابَ فِي ذَبْحِهَا كَافِرًا لَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ مِنَ الْمَجُوسِ أَوْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ فَهِيَ مَيْتَةٌ لا تؤكل.
القول في ذبيحة الكتابي للأضحية وَإِنْ كَانَ مَأْكُولُ الذَّبِيحَةِ كَالْكِتَابِيِّ حَلَّتْ وَكَانَتْ أُضْحِيَّةً وَإِنْ كَانَ قِيَامُ الْكَافِرِ بِهَا مَكْرُوهًا.
وَقَالَ مَالِكٌ: هِيَ شَاةُ لَحْمٍ يَحِلُّ أَكْلُهَا، وَلَا تَكُونُ أُضْحِيَّةً؛ احْتِجَاجًا لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " لَا يَذْبَحُ ضَحَايَاكُمْ إِلَّا طَاهِرٌ " يُرِيدُ إِلَّا مُسْلِمٌ وَلِأَنَّهُ كَافِرٌ فَأَشْبَهَ الْمَجُوسِيَّ.

وَدَلِيلُنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ) {المائدة: 5) فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ فِي الضَّحَايَا وَغَيْرِهَا؛ وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ صَحَّ أَنْ يَذْبَحَ الْأُضْحِيَّةَ كَالْمُسْلِمِ؛ وَلِأَنَّهُ ذَبْحٌ يَصِحُّ مِنَ الْمُسْلِمِ فَصَحَّ مِنَ الْكِتَابِيِّ كَالذَّكَاةِ؛ وَلِأَنَّ مَعُونَةَ الْكَافِرِ عَلَى الْقُرْبِ لَا يَمْنَعُ مِنَ الْإِجْزَاءِ كَاسْتِنَابَتِهِ فِي تَفْرِيقِ الزِّكْوَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا يَذْبَحُ ضَحَايَاكُمْ إِلَّا طَاهِرٌ " فَهُوَ أَنَّ مَعْنَاهُ إِلَّا مُطَهِّرًا لِلضَّحَايَا، وَهُوَ مَنْ تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ، فَمَنَعَ بِهِ ذَبِيحَةَ الْمَجُوسِيِّ، وَالْمَعْنَى فِي مَنْعِ الْمَجُوسِيِّ وَالْوَثَنِيِّ أَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ بِخِلَافِ أَهْلِ الْكِتَابِ.
ذَبْحُ الْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ

(مسألة:)

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ " وَذَبْحُ مَنْ أَطَاقَ الذَّبْحَ مِنَ امرأةٍ حائضٍ وصبيٍّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ ذَبْحِ النَّصْرَانِيِّ وَالْيَهُودِيِّ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا ذَبْحُ النِّسَاءِ فَجَائِزٌ لَيْسَ فِيهِ كَرَاهَةٌ كَالرِّجَالِ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " أَمَرَ نِسَاءَهُ أَنْ يَلِينَ ذَبْحَ هَدْيَهِنَّ " وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ يُحَدِّثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ كَانَ يَرْعَى غَنَمًا لَهُ بِسَفْحِ الْجَبَلِ الَّذِي عِنْدَ سُوقِ الْمَدِينَةِ تَرْعَاهَا جَارِيَةٌ لَهُ، وَكَادَتْ شَاةٌ مِنْهَا تَمُوتُ، فَأَخَذَتِ الْجَارِيَةُ حَجَرًا، فَكَسَرَتْهُ، وَذَبَحَتْ بِهِ الشَّاةَ، فَزَعَمَ كَعْبٌ أَنَّهُ اسْتَفْتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: " كُلُوا شَاتَكُمْ " فَدَلَّ هَذَا الحديث على أحكام منها: إِبَاحَةُ ذَبَائِحِ النِّسَاءِ.
وَالثَّانِي: جَوَازُ الذَّبْحِ بِالْحَجَرِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ مَا ذَبَحَهُ غَيْرُ مَالِكِهِ حَلَّ أَكْلُهُ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّ ذَكَاةَ مَا أَشَفَى عَلَى الْمَوْتِ جَائِزَةٌ إِذَا كَانَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ وَسَوَاءٌ كَانَتِ الْمَرْأَةُ طَاهِرًا أَوْ حَائِضًا غَيْرَ أَنَّ الْحَائِضَ لَا تُكْرَهُ ذَبِيحَتُهَا بِغَيْرِ الضَّحَايَا وَاخْتُلِفَ فِي كَرَاهَةِ ذَبْحِهَا لِلضَّحَايَا وَإِنْ أَجْزَأَتْ عَلَى وَجْهَيْنِ.
فَأَمَّا الصَّبِيُّ الَّذِي لَمْ يَبْلُغُ فَذَبِيحَتُهُ مَكْرُوهَةٌ فِي الضَّحَايَا وَغَيْرِهَا، وَإِنْ أَجْزَأَتْ لِصِغَرِهِ عَنْ مُبَاشَرَةِ الذَّبْحِ؛ وَلِقُصُورِهِ عَنِ التَّكَالِيفِ وَذَبِيحَتُهُ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ ذَبِيحَةِ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ يَصِحُّ مِنْهُ فِعْلُ الْعِبَادَةِ فَكَانَ أَوْلَى مِنْ كَافِرٍ لَا يَصِحُّ مِنْهُ فِعْلُ الْعِبَادَةِ وَسَوَاءٌ كَانَ الصَّبِيُّ مُرَاهِقًا أَوْ غَيْرَ مُرَاهِقٍ فِي إِبَاحَةِ ذَكَاتِهِ مَعَ الْكَرَاهَةِ إِلَّا أَنَّ الْكَرَاهَةَ فِي ذَبْحِ غَيْرِ الْمُرَاهِقِ أَقْوَى، وَوَهِمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فَخَرَّجَ فِي ذَكَاتِهِ وَجْهًا آخَرَ أَنَّهَا لَا تُؤْكَلُ مِنِ اخْتِلَافِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي قَتْلِهِ عَمْدًا هَلْ يَجْرِي مِنْهُ مَجْرَى الْخَطَأِ، فَإِنْ جَعَلَ عَمْدَهُ خَطَأً لَمْ تَحِلَّ ذَكَاتُهُ وَهَذَا زَلَلٌ، لِأَنَّ الْعَمْدَ وَالْخَطَأَ فِي إِبَاحَةِ الذَّكَاةِ سَوَاءٌ.

ذبح الأخرس والأعمى

(مسألة:)

قال الشافعي: " وَلَا بَأْسَ بِذَبِيحَةِ الْأَخْرَسِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ وَهِيَ غَيْرُ مَكْرُوهَةٍ؛ لِأَنَّهُ فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ كَالنَّاطِقِ؛ وَلِأَنَّهُ وَإِنْ عَجَزَ عَنِ التَّسْمِيَةِ فَلَيْسَتْ شَرْطًا فِي الذَّكَاةِ وَإِشَارَتُهُ بِهَا تَقُومُ مَقَامَ نُطْقِ الصَّحِيحِ، فَلَمْ يَكُنْ تَارِكًا لَهَا، وَيُجْزِئُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ أَخَذَ بِمَذْهَبِهِ فِي وُجُوبِ التَّسْمِيَةِ عَلَى الذَّبْحِ أَنْ يُبِيحَ ذَكَاتَهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَلَا يُبِيحُهَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ فِي اللُّحُومِ وَالْأَضَاحِيِّ؛ لِأَنَّ إِشَارَتَهُ بِالتَّسْمِيَةِ تَقُومُ مَقَامَ النُّطْقِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَلَا تَقُومُ مَقَامَهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ وَفِيمَا قَدْ يَنْفَرِدُ بِهِ لِأَجْلِ هَذَا الْخِلَافِ كِفَايَةٌ.
فَأَمَّا ذَبِيحَةُ الْأَعْمَى، فَمَكْرُوهَةٌ وَإِنْ حَلَّتْ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَخْطَأَ مَحَلَّ الذَّبْحِ وَلَا تُمْنَعُ مِنَ الْإِبَاحَةِ كَالْبَصِيرِ إِذَا ذَبَحَ مُغْمِضُ الْعَيْنَيْنِ أَوْ فِي ظُلْمَةٍ.
ذَبْحُ السَّكْرَانِ وَالْمَجْنُونِ (مسألة:) قال الشافعي: " وَأَكْرَهُ ذَبِيحَةَ السَّكْرَانِ وَالْمَجْنُونِ فِي حَالِ جُنُونِهِ وَلَا يَتَبَيَّنُ أَنَّهَا حَرَامٌ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَإِنَّمَا كَرِهْنَا ذَبِيحَةَ السَّكْرَانِ وَالْمَجْنُونِ لِمَا يُخَافُ مِنْ عُدُولِهِمَا عَنْ مَحَلِّ الذَّبْحِ، وَمُبَالَغَتِهِمَا فِي الْقَطْعِ إِلَى مَحَلِّ الْكَرَاهَةِ وَهِيَ مَعَ الْكَرَاهَةِ مُبَاحَةٌ؛ لِأَنَّهُمَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْقَصْدُ فِي الذَّكَاةِ غَيْرُ معتبر ومن هم مِنْ أَصْحَابِنَا فِي ذَكَاةِ الصَّبِيِّ، فَخَرَّجَ بِهَا وَجْهًا آخَرَ، وَهِيَ فِي السَّكْرَانِ وَالْمَجْنُونِ، فَخَرَّجَ فِي ذَكَاتِهِمَا وَجْهًا آخَرَ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ.
أَمَّا الْمَجْنُونُ، فَمِنْ عَمْدِهِ فِي الْقَتْلِ، وَأَمَّا السَّكْرَانُ فَمِنْ قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ: إِنَّ طَلَاقَهُ لَا يَقَعُ وَتَخْرِيجَهُ فِي الْجَمِيعِ فَاسِدٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَيَجِبُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ ذَكَاتَهُمْ تَكُونُ لَحْمًا، وَلَا تَكُونُ أُضْحِيَّةً عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِ فِي الْكَافِرِ.
ذَبَائِحُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى (مَسْأَلَةٌ:) قال الشافعي: وَلَا تَحِلُّ ذَبِيحَةُ نَصَارَى الْعَرَبِ وَهُوَ قَوْلُ عمر رضي الله عنه.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: ذَبِيحَةُ النَّصَارَى عَلَى أَقْسَامٍ، وَكَذَلِكَ اليهود.
أحدها: ما كان مباحاً، وهمو بنوا إِسْرَائِيلَ، وَمَنْ دَانَ بِدِينِهِمْ قَبْلَ التَّبْدِيلِ، وَلَمْ يعتقد في العزيز وَالْمَسِيحِ، أَنَّهُمَا ابْنَا اللَّهِ، فَتَحِلُّ ذَبَائِحُهُمْ سَوَاءٌ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لقول الله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُتُواْ الكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ) {المائدة: 5) . وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا كَانَ مُحَرَّمًا، وَمِنْهُمْ مَنْ دَخَلَ فِي الْيَهُودِيَّةِ والنصرانية بعد

التَّبْدِيلِ كَنَصَارَى الْعَرَبِ وَمَنْ جَرَى مَجْرَاهُمْ مِنَ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ، فَذَبَائِحُهُمْ حَرَامٌ لَا تَحِلُّ لِسُقُوطِ حُرْمَتِهِمْ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ، وهم بنوا إسرائيل من اليهود والنصارى، إذا قالوا في العزيز والمسيح إنهما ابنا الله ففي إباحة ذبائحهم وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا: أَحَدُهُمَا: يَحِلُّ أَكْلُ ذَبَائِحِهِمْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَبَاحَ ذَبَائِحَهُمْ مَعَ إِخْبَارِهِ بِذَلِكَ عَنْهُمْ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا تَحِلُّ ذَبَائِحُهُمْ؛ لِأَنَّهُ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ خَرَجُوا عَنْ حُكْمِ التَّوْحِيدِ إِلَى الْإِشْرَاكِ بِهِ فَتَوَجَّهَتِ الْإِبَاحَةُ إِلَى مَنْ عَدَاهُمْ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ، وَهُوَ عِنْدِي أَظْهَرُ.

(فَصْلٌ:)

فَأَمَّا ذَبِيحَةُ النَّصَارَى بِاسْمِ الْمَسِيحِ فَضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا ذَبَحُوهُ لِلَّهِ تَعَالَى، وَيَذْكُرُوا عَلَيْهِ اسْمَ الْمَسِيحِ، فَأَكْلُهُ حَلَالٌ، وَإِنْ كَرِهْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى، فَكَانَ ذِكْرُ الْمَسِيحِ فِيهِ تَبَعًا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَذْبَحُوهُ لِلْمَسِيحِ فَأَكْلُهُ حَرَامٌ كَذَبَائِحِ الْأَوْثَانِ؛ لِأَنَّهُ مَعْدُولٌ بِهِ عَنْ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ) {المائدة: 3) . حكم ذبائح الجن وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " أَنَّهُ نَهَى عَنْ ذَبَائِحَ الْجِنِّ " قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هُوَ أَنْ يَشْترِيَ الرَّجُلَ دَارًا أَوْ يَسْتَخْرِجَ عَنْهَا فَيَذْبَحُ خَوْفًا أَنَّ فِيهَا الْجِنَّ، فَهُوَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الضَّرْبَيْنِ إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، لِيَسْتَدْفِعَ بِهِ إِصَابَةَ الْجِنِّ حَلَّ أَكْلُهَا، وَإِنْ ذَبَحَهَا للجن لاستدفاعهم حرم أكلها.
استحباب توجيه الذبيحة إِلَى الْقِبْلَةِ

(مَسْأَلَةٌ:)

قَالَ الشافعي: " وَأُحِبُّ أَنْ يُوَجِّهَ الذَّبِيحَةَ إِلَى الْقِبْلَةِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَإِنَّمَا كَانَتِ السُّنَّةُ أَنَّ تُوَجَّهَ ذَبِيحَتُهُ إِلَى الْقِبْلَةِ فِي اللَّحْمِ وَالضَّحَايَا لِمَا رَوَتْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " ضَحُّوا وَطَيِّبُوا بِهَا أَنْفُسَكُمْ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ مسلمٍ يَسْتَقْبِلُ بِذَبِيحَتِهِ إِلَى الْقِبْلَةِ إِلَّا كَانَ دمها وفرثها، وصوفها حسناتٍ محضوراتٍ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ".

وَرَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: " ضَحَّى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِكَبْشَيْنِ أَقْرَنَيْنِ فَلَمَّا وَجَّهَهُمَا قَرَأَ " وَجَّهْتُ وَجْهِيَ " الْآيَتَيْنِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِي ذَبْحِهَا أَنْ يَتَوَجَّهَ بِهَا إِلَى جِهَةٍ فَكَانَتْ جِهَةُ الْقِبْلَةِ أَفْضَلَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " خَيْرُ الْمَجَالِسِ مَا اسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةُ " وَلِأَنَّهَا قُرْبَةٌ فَكَانَتِ الْقِبْلَةُ أَخَصَّ بِهَا كَالصَّلَاةِ فَإِنْ قِيلَ: فَهُوَ سَفْحُ دَمٍ، وَإِلْقَاءُ فَرْثٍ، وَهِيَ أَنْجَاسٌ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ تَنْزِيهُ الْقِبْلَةِ عَنْهَا أَوْلَى كَالْبُرُوزِ لِلْغَائِطِ وَالْبَوْلِ، قِيلَ: لَيْسَ فِي كَشْفِ الْعَوْرَةِ لِلْغَائِطِ وَالْبَوْلِ طَاعَةٌ فَكَانَ صِيَانَةُ الْقِبْلَةِ عَنْهُ أَوْلَى، وَفِي ذَبْحِ الضَّحَايَا طَاعَةٌ وَقُرْبَةٌ فَكَانَ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ بِهَا أَوْلَى، فَافْتَرَقَا، وَيَخْتَارُ أَنْ يَتَظَاهَرَ بِذَبْحِ الضَّحَايَا وَبِكُلِّ ذَبِيحَةٍ فِيهَا لِلْفُقَرَاءِ نَصِيبٌ لِيَحْضُرُوا، فَيَنَالُوا مِنْهَا وَيَسْتَسِرُّ بِذَبْحِ مَا يُخْتَصُّ بِأَكْلِهِ مِنَ اللَّحْمِ لِيَقِلَّ فِيهِ التَّحَاشُدُ.
التَّسْمِيَةُ عَلَى الذَّبِيحَةِ

(مَسْأَلَةٌ:) قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَيَقُولَ الرَّجُلُ عَلَى ذَبِيحَتِهِ بِاسْمِ اللَّهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ التَّسْمِيَةَ عِنْدَ الذَّبْحِ فِي الضَّحَايَا وَاللَّحْمِ، وَعِنْدَ إِرْسَالِ الْجَوَارِحِ عَلَى الصَّيْدِ سُنَّةٌ وَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ فَإِنْ تَرَكَهَا ذَاكِرًا أَوْ نَاسِيًا حَلَّتِ الذَّبَائِحُ وَصَيْدُ الْجَوَارِحِ.
وَقَالَ دَاوُدُ، وَأَبُو ثَوْرٍ: هِيَ وَاجِبَةٌ مَعَ الذِّكْرِ وَالنِّسْيَانِ فَإِنْ تَرَكَهَا عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا حَرُمَتْ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: هِيَ وَاجِبَةٌ مَعَ الذِّكْرِ دُونَ النِّسْيَانِ فَإِنْ تَرَكَهَا عَامِدًا حَرُمَتْ وَإِنْ تَرَكَهَا نَاسِيًا حَلَّتْ.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِمْ قَدْ مَضَى، وَمِنْهُ مَا رَوَاهُ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " الْمُسْلِمُ يَذْبَحُ عَلَى اسْمِ اللَّهِ سَمَّى أَوْ لَمْ يُسَمِّ ". وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولُ اللَّهِ إِنَّا نَذْبَحُ، وَنَنْسَى أَنْ نُسَمِّيَ اللَّهَ فَقَالَ: " اسْمُ اللَّهِ عَلَى قَلْبِ كُلِّ مسلمٍ "؛ وَلِأَنَّ مَا لَمْ يَكُنْ شَرْطًا فِي الذَّكَاةِ مَعَ الذِّكْرِ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا فِيهَا مَعَ النِّسْيَانِ كَالصَّلَاةِ على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَقَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُسْتَوْفَاةً.
وَيَخْتَارُ لَهُ فِي الضَّحَايَا خَاصَّةً أَنْ يُكَبِّرَ اللَّهَ تَعَالَى قَبْلَ التَّسْمِيَةِ وَبَعْدَهَا ثَلَاثًا، لِأَنَّهَا فِي أَيَّامِ التَّكْبِيرِ، فَيَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ خَاتِمًا بِالْحَمْدِ بَعْدَ التَّكْبِيرِ.

(مسألة:)

قال الشافعي: " وَلَا أَكْرَهُ الصَّلَاةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِأَنَّهَا إيمانٌ بِاللَّهِ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَخْبَرَنِي جِبْرِيلُ عَنِ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ أَنَّهُ قَالَ مَنْ صَلَّى عَلَيْكَ صَلَّيْتُ عَلَيْهِ ".

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عِنْدَ الذَّبْحِ، فَلَيْسَتْ وَاجِبَةً إِجْمَاعًا، وَلَا مَكْرُوهَةً عِنْدَنَا، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي اسْتِحْبَابِهَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: هُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهَا غَيْرُ مُسْتَحَبَّةٍ وَلَا مَكْرُوهَةٍ، وَكَرِهَهَا مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ احْتِجَاجًا بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " مَوْطِنَانِ لَا أَذْكُرُ فِيهِمَا عِنْدَ الذَّبِيحَةِ وَالْعُطَاسِ "؛ وَلِأَنَّهُ يَسِيرُ بِذِكْرِهِ مِمَّا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَكْرُوهًا، وَدَلِيَلُنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) {الشرح: 4) قِيلِ: مَعْنَاهُ لَا أُذْكَرُ إِلَّا ذُكِرَتْ مَعِيَ، وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ (الأحزاب: 56) الْآيَةَ فَكَانَ عِنْدَ الْقُرْبِ بِالذَّبَائِحِ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَذْكُورًا.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَخَشِيتُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْطَانُ أَدْخَلَ عَلَى بَعْضِ أَهْلِ الْجَهَالَةِ أَنْ كَرِهُوا الصَّلَاةَ عَلَيْهِ عِنْدَ الذَّبِيحَةِ لِمَوْضِعِ غَفْلَتِهِمْ أَوْ لَا يَرَى لِمَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَسَبَقَنِي، فَجِئْتُ فَرَأَيْتُهُ سَاجِدًا، فَأَقَمْتُ طَوِيلًا، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَبَضَ رُوحَكَ فِي سُجُودِكَ لَمَّا أَطَلْتَ فَقَالَ: لَمَّا فَارَقْتُكَ لَقِيَنِي جِبْرِيلُ، فَأَخْبَرَنِي عَنِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: مَنْ صَلَّى عَلَيْكَ صَلَّيْتُ عَلَيْهِ، فَسَجَدْتُ شُكْرًا لِلَّهِ " وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَكَيْفَ يَكْرَهُ، وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ رَقِيَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: آمِينَ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ قَالَ: قَالَ لِي جِبْرِيلُ: رَغِمَ أَنْفُ مَنْ ذُكِرْتَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ، فَقُلْتُ آمِينَ، ثُمَّ الثَّانِيةَ فَقَالَ: آمِينَ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: قَالَ لِي جِبْرِيلُ رَغِمَ أَنْفُ عبدٍ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَلَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ فَقُلْتُ آمِينَ، ثُمَّ رَقِيَ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: آمِينَ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: قَالَ لِي جِبْرِيلُ رَغِمَ أَنْفُ عبدٍ أَدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرُ لَهُ فَقُلْتُ آمِينَ ". وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الرَّسُولِ إِيمَانٌ بِالْمُرْسَلِ فَكَيْفَ يَكُونُ الْإِيمَانُ مَكْرُوهًا فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " مَوْطِنَانِ " لَا أَذْكُرُ فِيهِمَا فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ لَيْسَ يَنْهَى عَنْ ذِكْرِهِ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى وَجْهِ التَّنْبِيهِ عَلَى ذِكْرِهِ، كَأَنَّهُ قَالَ: لِمَ لَا أَذْكُرُ فِيهِمَا.
وَالثَّانِي: إِنَّهُ لَا يُذْكَرُ فِيهِمَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُذْكَرُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَهُ فِي الذَّبِيحَةِ أَنْ يُقْصَدَ بِهَا وَجْهَهُ فِي التَّقَرُّبِ إِلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُذْكَرَ رَسُولُهُ، وَذِكْرُهُ فِي الْعُطَاسِ حَمْدٌ لَهُ وَلَيْسَ يُحْمَدُ رَسُولُهُ عِنْدَهُ، وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ، فَلَمْ يَتَوَجَّهِ النَّهْيُ إِلَيْهَا.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ إِنَّهُ يَصِيرُ مِمَّا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، فَهُوَ أَنَّهُ يَصِيرُ بِذَبْحِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ وَلَا يَكُونُ مِمَّا أُهِلَّ بِهِ لِلَّهِ، وَمَتَى فَعَلَ هَذَا كَانَ حراماً.

فأما إذا صلى عنده وعلى رسوله الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَإِنَّهُ يَكُونُ مِمَّا أُهِلَّ بِهِ لِلَّهِ، وَلَا يَكُونُ مِمَّا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ.

(مَسْأَلَةٌ:)

قال الشافعي: " فَإِنْ قَالَ اللَّهُمَ مِنْكَ وَإِلَيْكَ فَتَقَبَّلْ مِنِّي فَلَا بَأْسَ هَذَا دعاءٌ فَلَا أَكْرَهُهُ وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مِنْ وجهٍِ لَا يَثْبُتُ أَنَّهُ ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ فَقَالَ فِي أَحَدِهِمَا بَعْدَ ذِكْرِ اللَّهِ " اللَّهُمَّ عَنْ محمدٍ وَآلِ محمدٍ " وَفِي الْآخِرِ " اللَّهُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَةِ محمدٍ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ هَذَا مُبَاحٌ وَلَيْسَ بِمَكْرُوهٍ، وَفِي اسْتِحْبَابِهِ وَجْهَانِ، وَكَرِهَهُ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهَا رِوَايَةُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ضحى بكبشٍ أقرن فأضجعه وقال: " بسم اللَّهِ اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ محمدٍ وَآلِ محمدٍ وَمِنْ أُمَّةِ محمدٍ، ثُمَّ ضَحَّى بِهِ ". وَلِأَنَّ قَوْلَهُ اللَّهُمَّ مِنْكَ وَإِلَيْكَ، فَتَقَبَّلْ مِنِّي اعْتِرَاف بالنعمة وامتثالاً للأمر ورغباً فِي الدُّعَاءِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ اللَّهُمَّ مِنْكَ اعْتِرَافٌ بِأَنَّ اللَّهَ أَعْطَاهُ وَرَزَقَهُ، وَقَوْلُهُ: " وَإِلَيْكَ " إِبَانَةٌ عَنِ التَّقَرُّبِ إِلَيْهِ بِطَاعَتِهِ وَقَوْلُهُ " فَتَقَبَّلْ مِنِّي " دُعَاءٌ يَسْأَلُ فِيهِ الْقَبُولَ، وَلَيْسَ فِي وَاحِدٍ من هذه الثلاثة مكروهاً وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ تَقَبُّلَ مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِكَ وَمُوسَى كَلِيمِكَ وَعِيسَى رُوحِكَ وَمُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ، وَهَذَا لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ إِنْ قَالَهُ، وَلَا مُسْتَحَبٍّ، لِأَنَّ قُرْبَ الْأَنْبِيَاءِ لَا يُسَاوِيهِمْ غَيْرُهُمْ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُسْتَحَبَّ، وَأَمَّا قَوْلُهُ عِنْدَ الضَّحِيَّةِ اللَّهُمَّ خُذْ هَذَا عَنْ فُلَانٍ، فَلَيْسَ بِمُسْتَحَبٍّ لِأَنَّهُ إِخْبَارٌ بِمَا قَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَبْلَ ذِكْرِهِ لَا يَتَضَمَّنُ دُعَاءً، وَلَا اعْتِرَافًا بِالنِّعْمَةِ، وَقَدْ رَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ عَقِيلٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ يَشْتَرِي كَبْشَيْنِ عَظِيمَيْنِ سَمِينَيْنِ أَمْلَحَيْنِ مُوجَئَيْنِ، فَيَذْبَحُ أَحَدَهُمَا عَنْ أُمَّتِهِ مَنْ شَهِدَ مِنْهُمْ بِالتَّوْحِيدِ، وَشَهِدَ لَهُ بِالْبَلَاغِ وَالْآخَرَ عَنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَنَقَلَ الْمُزَنِيُّ هَاهُنَا عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ هَذَا الْحَدِيثُ كَانَ قَوْلُهُ: عَنْ فُلَانٍ مَكْرُوهًا، وَإِنْ ثَبَتَ لَمْ يَكُنْ مَكْرُوهًا، وَيَكُونُ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ فِي أَحَدِهِمَا: عَنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، وَفِي الثَّانِي عَنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَإِنْ كَانَ الْكَبْشُ الْوَاحِدُ لَا يُجْزِئُ إِلَّا عَنْ وَاحِدٍ، فَمَحْمُولٌ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُهُ أَنَّهُ يُجْزِئُ عَنْهُمْ مِثْلُهُ كَمَا يُجْزِئُ عَنِّي، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَنْ يَجْعَلَ ثَوَابَهُ مِنْهُمْ كَثَوَابِهِ مِنِّي.

(فَصْلٌ:)

فَأَمَّا الْمَنْدُوبُ إِلَيْهِ مِنَ الضَّحَايَا وَالذَّبَائِحِ بَعْدَمَا ذَكَرْنَا مِنَ السُّنَنِ الْمُخْتَارَةِ وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الِاسْتِحْبَابِ وَالْكَرَاهَةِ فَسَبْعَةُ أَشْيَاءَ أَحَدُهَا: أَنْ تُسَاقَ إِلَى مَذْبَحِهَا سَوْقًا رَفِيقًا وَتُضْجَعَ لِذَبْحِهَا اضْجَاعًا قَرِيبًا وَلَا يُعَنَّفُ بِهَا فِي سَوْقٍ وَلَا اضْجَاعٍ فَيَكْرَهُهَا وَيُنَفِّرُهَا.
وَالثَّانِي: أَنْ يَعْرِضَ عَلَيْهَا الْمَاءَ قَبْلَ ذَبْحِهَا خَوْفًا مِنْ عَطَشِهَا الْمُعِينِ عَلَى تَلَفِهَا؛

وَلِيَكُونَ ذَلِكَ أَسْهَلَ عِنْدَ سَلْخِهَا وَتَقْطِيعِهَا، وَلَا يَعْرِضُ عَلَيْهَا الْعَلَفَ لِأَنَّهَا لَا تَسْتَسْمِنُ بِهِ إِلَى حِينِ الذَّبْحِ، فَيَكْثُرُ بِهِ الْفَرْثُ إِلَّا أَنْ يَتَأَخَّرَ زَمَانُ الذَّبْحِ فَيَعْرِضُ عَلَيْهَا كَالْمَاءِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُخْفِيَ عَنْهَا إِحْدَادَ الشِّفَارِ فِي وُجُوهِهَا فَرُبَّمَا نَفَّرَهَا وَقَدْ وَرَدَ الْخَبَرُ بِأَنْ لَا تُحَدَّ الشِّفَارُ فِي وُجُوهِهَا.
وَالرَّابِعُ: أَنْ لَا يَنْحَرَ بَعْضَهَا فِي وُجُوهِ بَعْضٍ فَقَدْ جاء فيه الأثر؛ ولأنه رما نفرها ذلك.
والخامس: أن يعقل بعض قوائمهما وَيُرْسِلَ بَعْضَهَا وَلَا يَعْقِلَ جَمِيعَهَا فَتُرْهَقَ، وَلَا يُرْسِلَ جَمِيعَهَا فَتَنْفِرَ.
وَالسَّادِسُ: أَنْ يَنْحَرَ الْإِبِلَ قِيَامًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ (الحج: 36) أَيْ سَقَطَتْ وَتُذْبَحُ الْبَقَرُ وَالْغَنَمُ مَضْجُوعَةً فَإِنْ خَافَ نُفُورَ الْإِبِلِ إِذَا نُحِرَتْ قِيَامًا نَحَرَهَا بَارِكَةً غَيْرَ مَضْجُوعَةٍ.
وَالسَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الذَّبْحُ بِأَمْضَى شِفَارٍ وَجَدَهَا وَيُمِرُّهَا ذَهَابًا وَعَوْدَةً فِي قُوَّةِ اعْتِمَادٍ وَسُرْعَةِ تَوْجِيَةٍ لِرِوَايَةِ ابْنِ الْأَشْعَثِ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " إن الله كتب عَلَى كُلِّ شيءٍ فَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ وَلْيُحِدَّ أَحَدَكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ " ثُمَّ هَذِهِ السَّبْعَةُ دَلَائِلُ عَلَى نَظَائِرِهَا.
الْقَوْلُ فِي قَطْعِ رَأْسِ الذَّبِيحَةِ

(مَسْأَلَةٌ:)

قَالَ الشَّافِعِيُّ: " فَإِذَا ذَبَحَهَا فَقَطَعَ رَأْسَهَا فَهِيَ ذكيةٌ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ يُكْرَهُ إِذَا قَطَعَ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِيءَ وَالْوَدَجَيْنِ أَنْ يَزِيدَ فِي الذَّبْحِ لِوُقُوعِ الذَّكَاةِ بِهَا وَإِزْهَاقُ رُوحِهِ بِمَا زَادَ عَلَيْهِ فَإِنْ زَادَ فِي الذَّبْحِ حَتَّى قَطَعَ رَأْسَهَا لَمْ تَحْرُمْ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: قَدْ حَرُمَتْ لِأَنَّهَا مَاتَتْ مِنْ مُبِيحٍ وَحَاظِرٍ وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ ذَبْحٌ وَاحِدٌ لَا يَتَمَيَّزُ فَكَانَ جَمِيعُهُ مُبِيحًا.
وَالثَّانِي: إِنَّهُ لَوْ تَمَيَّزَ وكان حاظراً طَرَأَ بَعْدَ الذَّكَاةِ فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهَا فَوَجَبَ أَنْ لَا يُغَيِّرَ حُكْمَهَا وَعَلَى أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ فِيهِ مَا يَمْنَعُ مِنْ مُخَالَفَتِهِمْ عَلَيْهِ إِذْ هُمْ عَلَى اتِّفَاقٍ فِيهِ فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ بَعِيرٍ ضُرِبَتْ عُنُقُهُ بِالسَّيْفِ فَقَالَ يُؤْكَلُ.
وَرُوِيَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ ذَبَحَ طَيْرًا فَأَبَانَ رَأْسَهُ فَقَالَ يُؤْكَلُ وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ وَلَيْسَ لَهُمْ مخالف.

الذبح من القفا

(مسألة:)

قال الشافعي: " وَلَوْ ذَبَحَهَا مِنْ قَفَاهَا فَإِنْ تَحَرَّكَتْ بَعْدَ قَطْعِ الرَّأْسِ أُكِلَتْ وَإِلَّا لَمْ تُؤْكَلْ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: ذَبُحُ الشَّاةِ مِنَ الْقَفَا مَكْرُوهٌ وَإِنَّمَا كَرِهْنَاهُ لِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا: لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْذِيبِهَا وَالثَّانِي: لِمَا يُخَافُ مِنْ مَوْتِهَا قَبْلَ الْوُصُولِ إِلَى ذَكَاتِهَا فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَخْلُ حَالُهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُعْلَمَ مَوْتُهَا بِقَطْعِ الْقَفَا قَبْلَ وُصُولِ السِّكِّينِ إِلَى قَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ فَتَكُونُ مَيْتَةً لَا تُؤْكَلُ وَكَذَلِكَ لَوْ بَقِيَتْ فِيهَا عِنْدَ وُصُولِ السِّكِّينِ إِلَى قَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ حَيَاةٌ غَيْرُ مُسْتَقِرَّةٍ لِحَيَاةِ الْمَذْبُوحِ لَمْ تُؤْكَلْ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الذَّكَاةَ لَا تُسْتَبَاحُ إِلَّا بِقَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ وَقَطْعُ قَفَاهَا يَجْرِي فِي فَوَاتِ نَفْسِهَا مَجْرَى كَسْرِ صُلْبِهَا وَبَقْرِ بَطْنِهَا وَلَا تَحْصُلُ بِهِ ذكاة وإن وحي.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: إِنْ قَطَعَ حُلْقُومُهَا وَمَرِيئَهَا فَهَذِهِ ذَكِيَّةٌ تُؤْكَلُ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ هِيَ مَيْتَةٌ لَا تُؤْكَلُ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَمْدًا لَمْ تُؤْكَلْ وَإِنْ فَعَلَهُ سَهْوًا أُكِلَتِ احْتِجَاجًا بِأَنَّ قَطْعَ الْقَفَا مُوجٍ وَالذَّكَاةَ بَعْدَ التَّوْجِيَةِ لَا تَصِحُّ كَالَّتِي أَخْرَجَ السَّبُعُ حَشَوْتَهَا.
وَدَلِيلُنَا هُوَ أَنَّ مَا كَانَتْ حَيَاتُهُ مُسْتَقِرَّةً وَإِنْ لَمْ تَدُمْ صَحَّتْ ذَكَاتُهُ كَالْمَقْطُوعَةِ الْأَطْرَافِ وَلِأَنَّهُ لَوِ انْتَهَى بِهَا النَّزْعِ إِلَى حَدِّ الْإِيَاسِ حَلَّتْ ذكاتها مع استقرار الحياة فلذلك قَطَعَ الْقَفَا وَخَالَفَ قَطْعَ الْحَشْوَةِ لِأَنَّ بَقَاءَ الْحَيَاةِ مَعَهَا مُسْتَقِرَّةً كَحَيَاةِ الْمَذْبُوحِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يُشْكِلَ حَالُهَا عِنْدَ قَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ هَلْ كَانَتْ حَيَاتُهَا مُسْتَقِرَّةً أَوْ غَيْرَ مُسْتَقِرَّةٍ فَفِي إِبَاحَةِ أَكْلِهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ إِنَّهَا غَيْرُ مَأْكُولَةٍ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْحَظْرُ حَتَّى تُعْلَمَ الْإِبَاحَةُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنَّهَا مَأْكُولَةٌ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهَا الحياة حتى يعلم فواتها.
(مسألة:) قال الشافعي: " وإذا أَوْجَبَهَا أُضْحِيَّةً وَهُوَ أَنْ يَقُولُ هَذِهِ أضحيةٌ وَلَيْسَ شِرَاؤُهَا وَالنِّيَّةُ أَنْ يُضَحِّيَ بِهَا إِيجَابًا لَهَا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا اشْتَرَى الْأُضْحِيَّةَ نَاوِيًا بِهَا أُضْحِيَّةً لَمْ تَصِرْ أُضْحِيَّةً بِالنِّيَّةِ مَعَ الشِّرَاءِ حَتَّى يُوجِبَهَا بَعْدَ الشراء.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: قَدْ صَارَتْ أُضْحِيَّةً بِالنِّيَّةِ وَالشِّرَاءِ احْتِجَاجًا بِأَنَّ ابْتِيَاعَ السِّلْعَةِ لَمَّا صَارَتْ بِالنِّيَّةِ مَعَ الشِّرَاءِ أَنَّهَا لِلتِّجَارَةِ جَارِيَةً فِي دُخُولِ الزَّكَاةِ وَلَمْ يَنْوِ كَانَتْ قِنْيَةً لَا تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ كَذَلِكَ الْأُضْحِيَّةُ إِذَا اشْتَرَاهَا إِنْ نَوَى بِهَا الْأُضْحِيَّةَ صَارَتْ أُضْحِيَّةً وَإِنْ لَمْ يَنْوِ لَمْ تَكُنْ أُضْحِيَّةً.
وَدَلِيلُنَا: هُوَ أَنَّ الشِّرَاءَ مُوجِبٌ لِلْمِلْكِ وَكَوْنَهَا أُضْحِيَّةً مُزِيلٌ لِلْمِلْكِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ مُوجِبًا لِثُبُوتِ الْمِلْكِ وَإِزَالَتِهِ فَلَمَّا أَفَادَ الشِّرَاءُ ثُبُوتَ الْمِلْكِ امْتَنَعَ أَنْ يَزُولَ بِهِ الْمِلْكُ كَمَا لَوِ اشْتَرَى عَبْدًا يَنْوِي بِهِ الْعِتْقَ أَوْ دَارًا يَنْوِي بِهَا الْوَقْفَ صَحَّ الشِّرَاءُ وَلَمْ يَصِرِ الْعَبْدُ حُرًّا وَلَا الدَّارُ وَقْفًا.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ شِرَاءِ السِّلْعَةِ بِنِيَّةِ التِّجَارَةِ فَهُوَ أَنَّ جَرَيَانَهَا فِي حَوْلِ الزَّكَاةِ مِنْ أَحْكَامِ الْمِلْكِ فَجَازَ أَنْ تَقْتَرِنَ بِاسْتِفَادَةِ الْمِلْكِ وَخَالَفَ الْأُضْحِيَّةَ الْمُزِيلَةَ لِلْمِلْكِ.

(فَصْلٌ:)

فَأَمَّا إِذَا عَلَّقَ قَبْلَ الشِّرَاءِ وُجُوبَ الْأُضْحِيَّةِ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَجْعَلَهَا بِالشِّرَاءِ أُضْحِيَّةً.
وَالثَّانِي: أَنْ يَلْتَزِمَ فِي الذِّمَّةِ أَنْ يَجْعَلَهَا بَعْدَ الشِّرَاءِ أُضْحِيَّةً.
فَأَمَّا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ: فَصُورَتُهُ: أَنْ يَقُولَ إِنِ اشْتَرَيْتَ شَاةً فَهِيَ أُضْحِيَّةٌ فَإِذَا اشْتَرَاهَا لَمْ تَصِرْ أُضْحِيَّةً لِأَنَّهُ أَوْجَبَهَا قَبْلَ الْمِلْكِ.
وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي فَصُورَتُهُ إِنْ أَطْلَقَ وَلَمْ يُعَيِّنْ أَنْ يَقُولَ: إن اشتريت شاءة فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَجْعَلَهَا أُضْحِيَّةً فَهَذَا نَذْرٌ مَضْمُونٌ فِي الذِّمَّةِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ، فَلَزِمَ وَانْعَقَدَ، فَإِذَا اشْتَرَى شَاةً وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَهَا أُضْحِيَّةً وَلَا تَصِيرُ بِالشِّرَاءِ أُضْحِيَّةً، لِأَنَّ النُّذُورَ تَلْزَمُ فِي الذِّمَّةِ قَبْلَ الْمِلْكِ.
وَإِنْ عَيَّنَ فَقَالَ: إِنِ اشْتَرَيْتُ هَذِهِ الشَّاةَ فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَجْعَلَهَا أُضْحِيَّةً فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ يَغْلِبُ حُكْمُ التَّعْيِينِ فَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَجْعَلَهَا أُضْحِيَّةً؛ لِأَنَّهُ أَوْجَبَهَا قَبْلَ الْمِلْكِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَغْلِبَ فِيهَا حُكْمُ النَّذْرِ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَجْعَلَهَا أُضْحِيَّةً لِتَعْلِيقِهِ بِالذِّمَّةِ.
(فَصْلٌ:) فَإِذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ وَأَرَادَ أَنْ يُوجِبَ الْأُضْحِيَّةَ بَعْدَ مِلْكِهَا بِشِرَاءٍ فَإِنْ أَوْجَبَهَا بِالْقَوْلِ فَقَالَ هَذِهِ أُضْحِيَّةٌ وَجَبَتْ، وَإِنْ أَوْجَبَهَا بِالنِّيَّةِ فَنَوَى أَنَّهَا أُضْحِيَّةٌ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَقَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِهِ لَا تَصِيرُ بِالنِّيَّةِ أُضْحِيَّةً حَتَّى يَقْتَرِنَ بِهَا الْقَوْلُ؛ لِأَنَّهَا إِزَالَةُ مِلْكٍ فَأَشْبَهَ الْعِتْقَ وَالْوَقْفَ.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ إِنَّهَا قَدْ صَارَتْ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ أُضْحِيَّةً لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ " مَعَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {لَنْ يَنَالَ اللهُ لُحُومِهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ) {الحج: 37) يَعْنِي إِخْلَاصَ الْقُلُوبِ بِالنِّيَّاتِ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ قَدْ وَجَبَتْ وَيُؤْخَذُ بِذَبْحِهَا، وَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ لَمْ تَجِبْ وَلَهُ بَيْعُهَا، فَإِنْ تَرَكَهَا عَلَى نِيَّتِهِ حَتَّى ضَحَّى بِهَا فَهَلْ تَصِيرُ بِالذَّبْحِ بَعْدَ النِّيَّةِ أُضْحِيَّةً أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا تَصِيرُ أُضْحِيَّةً بِالذَّبْحِ مَعَ تَقَدُّمِ النِّيَّةِ.
وَالثَّانِي: تَصِيرُ لِأَنَّ الذَّبْحَ فِعْلٌ ظَاهِرٌ، فَإِذَا اقْتَرَنَ بِالنِّيَّةِ صَارَ آكَدَ مِنَ الْقَوْلِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، فَصَارَ فِيمَا تَصِيرُ بِهِ أُضْحِيَّةً ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: بِالْقَوْلِ وَحْدَهُ.
وَالثَّانِي: بِالنِّيَّةِ وَحْدَهَا.
وَالثَّالِثُ: بِالنِّيَّةِ وَالذَّبْحِ.
فَأَمَّا الْهَدَايَا فَفِيمَا يُوجِبُهَا الشَّافِعِيُّ قَوْلَانِ، وَلِأَصْحَابِهِ وَجْهَانِ آخَرَانِ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ الْجَدِيدُ أَنَّهَا لَا تَجِبُ إِلَّا بِالْقَوْلِ، فَيَقُولُ: قَدْ جَعَلْتُ هَذِهِ الْبَدَنَةَ هَدْيًا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ الْقَدِيمُ إِنَّهَا تَصِيرُ بِالتَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ هَدْيًا، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ؛ لِأَنَّهُ علم ظاهر كالقول.
والثالث: هو أَحَدُ وَجْهَيْ أَصْحَابِنَا أَنَّهَا تَصِيرُ هَدْيًا بِالنِّيَّةِ وَإِنْ لَمْ يُقَلِّدْهَا، وَيُشْعِرْهَا كَالْأُضْحِيَّةِ.
وَالرَّابِعُ: وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي لِأَصْحَابِنَا: أَنَّهَا تَصِيرُ هدياًَ بِالذَّبْحِ مَعَ النِّيَّةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

(مَسْأَلَةٌ:)

قال الشافعي: " فَإِذَا أَوْجَبَهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُبْدِلَهَا بحالٍ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا أَوْجَبَ الْأُضْحِيَّةَ وَعَيَّنَهَا خَرَجَتْ بِالْإِيجَابِ عَنْ مِلْكِهِ، وَمَنَعَ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهَا، وَوَجَبَ عَلَيْهِ مُؤْنَتُهَا وَحِفْظُهَا إِلَى وَقْتِ نَحْرِهَا، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَمَذْهَبُ أَبِي يُوسُفَ وَأَبِي ثَوْرٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٌ: لَا تَخْرُجُ بِالْإِيجَابِ عَنْ مِلْكِهِ، وَلَا يَمْنَعُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهَا، وَيَكُونُ بِإِيجَابِهَا مُخَيَّرًا بَيْنَ ذَبْحِهَا أَوْ ذَبْحِ غَيْرِهَا؛ احْتِجَاجًا بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " أَنَّهُ أَهْدَى مِائَةَ بَدَنَةٍ عَامَ حَجِّهِ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ فَأَشْرَكَهُ فِيهَا، وَلَوْ خَرَجَتْ بِالْإِيجَابِ عَنْ مِلْكِهِ مَا جَعَلَ فِيهَا شِرْكًا لِغَيْرِهِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ عتق

عَبْدٍ فَقَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُعْتِقَهُ لَمْ يَخْرُجْ بِهَذَا الْإِيجَابِ عن مِلْكِهِ إِجْمَاعًا، وَكَذَلِكَ إِيجَابُ الْأُضْحِيَّةِ لَا يُخْرِجُهَا عَنْ مِلْكِهِ احْتِجَاجًا.
وَلِأَنَّ مَا تَعَلَّقَ بِالْأَعْيَانِ الْمَمْلُوكَةِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى تَقْتَضِي زَوَالَ الْمِلْكِ، وَلَا يَمْنَعُ مِنَ التَّصَرُّفِ كَالزَّكَاةِ إِذَا وَجَبَتْ فِي الْمَالِ.
وَلِأَنَّ الْقَصْدَ فِي إِيجَابِهَا مَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْفُقَرَاءُ مِنْ لَحْمِهَا وَانْتِفَاعِهِمْ بِلَحْمِ غَيْرِهَا كَانْتِفَاعِهِمْ بِلَحْمِهَا، فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَا.
وَلِأَنَّهَا بَعْدَ الْإِيجَابِ مَمْلُوكَةٌ فَلَمَّا لَمْ تَصِرْ مِلْكًا لِلْفُقَرَاءِ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ بَاقِيَةً عَلَى مِلْكِ الْمُضَحِّي.
وَدَلِيلُنَا: مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَوْجَبْتُ عَلَى نَفْسِي بَدَنَةً وَقَدْ طُلِبَتْ مِنِّي بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهَا، فَقَالَ انْحَرْهَا وَلَا تَبِعْهَا وَلَوْ طُلِبَتْ بِمَائَةِ بعيرٍ.
فَلَمَّا مَنَعَهُ مِنَ الْبَيْعِ مَعَ الْمُبَالَغَةِ فِي الثَّمَنِ وَأَمَرَهُ بِالنَّحْرِ دَلَّ عَلَى فَسَادِ الْبَيْعِ وَوُجُوبِ النَّحْرِ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَوْجَبَ أُضْحِيَّةً فَلَا يَسْتَبْدِلْ بِهَا، وَلَيْسَ لَهُ مَعَ انْتِشَارِ قَوْلِهِ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ.
وَلِأَنَّهُ يَتَقَرَّبُ بِالْأُضْحِيَّةِ مِنَ النَّعَمِ كَمَا يَتَقَرَّبُ بِالْعَبِيدِ فِي الْعِتْقِ ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّ الْعِتْقَ مُزِيلٌ لِلْمِلْكِ إِجْمَاعًا، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْأُضْحِيَّةُ مُزِيلَةً لِلْمِلْكِ احْتِجَاجًا.
وَلِأَنَّ كُلَّ إِيجَابٍ تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِالذِّمَّةِ أَوْجَبَ زَوَالَ الْمِلْكِ كَالْوَقْفِ وَالْعِتْقِ.
وَلِأَنَّ حُكْمَ الْأُضْحِيَّةِ يَسْرِي إِلَى وَلَدِهَا، وَكُلُّ حُكْمٍ أَوْجَبَ سِرَايَتهُ إِلَى الْوَلَدِ زَالَ بِهِ الْمِلْكُ كَالْبَيْعِ طَرْدًا وَالْإِجَارَةِ عَكْسًا.
وَلِأَنَّ الْمُضَحِّيَ يَضْمَنُ الْأُضْحِيَّةَ لَوْ أَتْلَفَهَا، وَكُلَّ مَا ضَمِنَهُ الْمُتْلِفُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ خَرَجَ بِهِ الْمَضْمُونُ عَنْ مِلْكِ ضَامِنِهِ كَالْهِبَةِ طَرْدًا وَالْعَارِيَةِ عَكْسًا وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ الرَّهْنُ؛ لِأَنَّهُ يَضْمَنُهُ فِي دَيْنِ نَفْسِهِ، وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ الْجَانِي؛ لِأَنَّهُ يَضْمَنُ جِنَايَتَهُ وَلَا يَضْمَنُ رَقَبَتَهُ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اشْتِرَاكِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْهَدْيِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: إِنَّ عَلِيًّا سَاقَ الْهَدْيَ مِنَ الْيَمَنِ فَجَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَبْلَ الْإِيجَابِ شَرِيكًا.
وَالثَّانِي: إِنَّهُ جَعَلَهُ شَرِيكًا فِي نَحْرِهَا لَا فِي التَّقَرُّبِ بِهَا؛ لِأَنَّهُ نحر بنفسه منها ثلاث وَسِتِّينَ ثُمَّ أَمَرَ عَلِيًّا بِنَحْرِ بَاقِيهَا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِإِيجَابِ عِتْقِ الْعَبْدِ فَمِنْ وجهين: أحدهما: أن العبد إذا أوجب عتق لَمْ يَصِرْ حُرًّا وَالشَّاةَ إِذَا أَوْجَبَهَا أُضْحِيَّةً صَارَتْ أُضْحِيَّةً فَافْتَرَقَا.
وَالثَّانِي: إِنَّهُ لَمَّا مَنَعَ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْعَبْدِ وَجَبَ أَنْ يَمْنَعَ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْأُضْحِيَّةِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِالزَّكَاةِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: تَعَلُّقُ الزَّكَاةِ بِالذِّمَّةِ وَتَعَلُّقُ الْأُضْحِيَّةِ بِالْعَيْنِ.
وَالثَّانِي: إِنَّ بُطْلَانَ الْبَيْعِ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ إِذَا تَعَلَّقَتْ بِالْعَيْنِ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْأُضْحِيَّةُ بِمَثَابَتِهَا لِتَعَلُّقِهَا بِالْعَيْنِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِأَنَّ لَحْمَ غَيْرِهَا لَحْمِهَا فَبُطْلَانُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى بِالْعِتْقِ إِذَا أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ فِي عَبْدٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُبَدِّلَهُ بِغَيْرِهِ.
وَالثَّانِي: حَقُّ الْآدَمِيِّينَ فِي الْبَيْعِ إِذَا بَاعَ عَبْدًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُبَدِّلَهُ بِغَيْرِهِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِأَنَّهَا لَمَّا لَمْ تَصِرْ مِلْكًا لِلْفُقَرَاءِ دَلَّ عَلَى بَقَائِهَا عَلَى مِلْكِهِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّ حَقَّ الْفُقَرَاءِ قَبْلَ الذَّبْحِ كَحَقِّهِمْ فِيهَا بَعْدَهُ فَلَمْ يَسْلَمِ الِاسْتِدْلَالُ.
وَالثَّانِي: إِنَّ بُطْلَانَهُ بِالْوَقْفِ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ وَلَمْ يَصِرْ مِلْكًا لِغَيْرِهِ.
بَيْعُ الْأُضْحِيَّةِ الْوَاجِبَةِ أَوْ شَيْءٍ مِنْهَا

(مَسْأَلَةٌ:)

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَإِنْ بَاعَهَا فَالْبَيْعُ مفسوخٌ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، لِأَنَّ إِيجَابَهَا إِذَا أَوْجَبَ زَوَالَ مِلْكِهِ عَنْهَا بَطَلَ بَيْعُهَا إِنْ بَاعَهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَهَا لِلْمَسَاكِينِ؛ لِأَنَّهُمْ فِيهَا غَيْرُ مُعَيَّنِينَ، فَإِنِ اسْتَبْقَى عَيْنَهَا وَبَاعَ نَمَاءَهَا بَطَلَ بَيْعُ النَّمَاءِ كَبُطْلَانِ بَيْعِ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ مُلْحَقٌ بِأَصْلِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ النَّمَاءُ نِتَاجًا أَوْ لَبَنًا أَوْ صُوفًا، فَإِنْ وَهَبَ النَّمَاءَ صَحَّتْ هِبَةُ اللَّبَنِ وَالصَّوْفِ وَلَمْ تَصِحَّ هِبَةُ النِّتَاجِ، لِمَا يَلْزَمُ مِنْ نَحْرِهِ وَالتَّقَرُّبِ بِإِرَاقَةِ دمه.

وَكَمَّا لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ رَهْنُهَا؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الرَّهْنِ بَيْعُهُ فِي الدَّيْنِ، فَإِنْ أَجَّرَ ظَهْرَهَا لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ معاوضة على منافعها والمنافع تبعاً لِلْأَصْلِ، وَإِنْ أَعَارَ ظَهْرَهَا جَازَ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَةَ إِرْفَاقٌ يَجُوزُ فِي لَحْمِهَا فَجَازَتْ فِي مَنَافِعِهَا.
تَلَفُ الْأُضْحِيَّةِ بِالرُّكُوبِ

(فَصْلٌ:)

فَلَوْ رَكِبَهَا الْمُسْتَعِيرُ ضَمِنَهَا دُونَ الْمُعِيرِ، وَلَا يَضْمَنُ أُجْرَتَهَا الْمُسْتَعِيرُ وَلَا الْمُعِيرُ، وَلَوْ رَكِبَهَا الْمُسْتَأْجِرُ فَتَلِفَتْ ضَمِنَ قِيمَتِهَا لِلْمُؤَجِّرِ دُونَ الْمُسْتَأْجِرِ وَضَمِنَ أُجْرَتَهَا الْمُسْتَأْجِرُ دُونَ الْمُؤَجِّرِ، وَفِي قَدْرِ مَا يَضْمَنُهُ مِنَ الْأُجْرَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَضْمَنُ أُجْرَةَ مِثْلِهَا كَضَمَانِهَا عَنْ إِجَارَةٍ فَاسِدَةٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَأَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ يَضْمَنُ أَكْثَرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ أَوِ الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّ فِيهَا حَقًّا لِلْمَسَاكِينِ قَدِ الْتَزَمَ لَهُمْ مَا سَمَّاهُ مِنَ الزِّيَادَةِ ثُمَّ فِي هَذِهِ الْأُجْرَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ يَسْلُكُ بِهَا مَسْلَكَ الضَّحَايَا كَالْأَصْلِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّهَا تُصْرَفُ إِلَى الْفُقَرَاءِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ حُقُوقَ الضَّحَايَا فِي الْأَعْيَانِ دُونَ النُّذُورِ.
فَأَمَّا إِذَا اشْتَرَى شَاةً وَأَوْجَبَهَا أُضْحِيَّةً ثُمَّ وَجَدَ بِهَا بَعْدَ الْإِيجَابِ عَيْبًا لَمْ يَرُدَّهَا لِفَوَاتِ الرَّدِّ بِالْإِيجَابِ وَرَجَعَ بِالْأَرْشِ كَالثَّوْبِ، وَفِي هَذَا الْأَرْشِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَسْلُكُ بِهِ مَسْلَكَ الضَّحَايَا.
وَالثَّانِي: إِنَّهُ لِلْمُضَحِّي خَاصَّةً لِأَنَّهُ مِنَ الثَّمَنِ الَّذِي لَمْ يَسْتَحِقَّ عليه والله أعلم بالصواب.

(مسألة:)

قال الشافعي: " وَإِنْ فَاتَتْ بِالْبَيْعِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَشْتَرِيَ بِجَمِيعِ قِيمَتِهَا مَكَانَهَا فَإِنْ بَلَغَ أُضْحِيَّتَيْنِ اشْتَرَاهُمَا لِأَنَّ ثَمَنَهَا بدلٌ مِنْهَا وَإِنْ بَلَغَ أُضْحِيَّةً وَزَادَ شَيْئًا لَا يَبْلُغُ أُخْرَى ضَحَّى بأضحيةٍ وَأُسْلِكَ الْفَضْلُ مَسْلَكَ الْأُضْحِيَّةِ وَأَحَبُّ إِلَيَ لَوْ تَصَدَّقَ بِهِ وَإِنْ نَقَصَ عَنْ أُضْحِيَّةٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَزِيدَ حَتَى يُوَفِيَهُ أضحيةٌ لِأَنَّهُ مستهلكٌ لِلضَّحِيَّةِ فَأَقَلُّ مَا يَلْزَمُهُ أضحيةٌ مِثْلُهَا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ تَلَفَ الْأُضْحِيَّةِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مَضْمُونٌ، وغير مضمون.
فأما تلفها غير مضمون فَهُوَ أَنْ تَمُوتَ عَطَبًا بِغَيْرِ عُدْوَانٍ فَلَا ضَمَانَ فِيهَا؛ كَمَا لَوْ وَقَفَ دَارًا فَاحْتَرَقَتْ أو ندر أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالٍ فَتَلِفَ لَمْ يَضْمَنْهُ كَذَلِكَ مَوْتُ الْأُضْحِيَّةِ غَيْرُ

مَضْمُونٍ، وَأَمَّا تَلَفُهَا الْمَضْمُونُ فَهُوَ مَا اقْتَرَنَ بِعُدْوَانٍ فَهُوَ الْمُوجِبُ لِلضَّمَانِ، وَلَا يَخْلُو ضَامِنُهَا مِنْ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُضَحِّيَ، أَوْ أَجْنَبِيًّا، فَإِنْ ضَمِنَهَا أَجْنَبِيٌّ غَيْرُ الْمُضَحِّي ضَمِنَهَا الْمُضَحِّي فِي حُقُوقِ أَهْلِ الضَّحَايَا لَا فِي حَقِّ نَفْسِهِ لِخُرُوجِهَا بِالْإِيجَابِ عَنْ مِلْكِهِ لِيَكُونَ الْمُضَحِّي الْمُسْتَحِقَّ لِصَرْفِ ذَلِكَ وَبَدَلِهَا، وَتَكُونُ مَضْمُونَةً عَلَى هَذَا الْمُتْلِفِ بِقِيمَتِهَا لَا غَيْرَ وَإِنْ كَانَ الضَّامِنُ هُوَ الْمُضَحِّيَ ضَمِنَهَا بِأَكْثَرَ لِأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهَا وَقْتَ التَّلَفِ أَوْ مِثْلَهَا عِنْدَ النَّحْرِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: يَضْمَنُهَا بِقِيمَتِهَا لَا غَيْرَ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّهُ لَمَّا ضَمِنَهَا الْأَجْنَبِيُّ بِقِيمَتِهَا وَجَبَ أَنْ يَضْمَنَهَا الْمُضَحِّي بِقِيمَتِهَا؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ التَّالِفِ دُونَ الْمُتْلِفِ، أَلَا تَرَاهُ يَضْمَنُ رَهْنَهُ إِذَا أَتْلَفَهُ إِذَا كَانَ غَيْرَ ذِي مَثَلٍ كَالْأَجْنَبِيِّ وَبِمَثَلِهِ إِذَا كَانَ ذَا مَثَلٍ كَالْأَجْنَبِيِّ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمُتْلِفِ؟ كَذَلِكَ الْأُضْحِيَّةُ.
وَدَلِيلُنَا: هُوَ أَنَّهُ قَدْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ الْأُضْحِيَّةَ بِإِيجَابِهَا وَإِنْ تَعَيَّنَتْ فَإِذَا ضَمِنَهَا بِالتَّلَفِ صَارَ ضَامِنًا لَهَا بِأَمْرَيْنِ وَالتَّلَفُّظُ بِالِالْتِزَامِ.
وَلِذَلِكَ ضمن أكثر الأمرين من موجب الالتزام بالمثل أو موجب التلف بالقيمة وغيره يضمنها بقيمتها بالتلف دون الالتزام، فلذلك ضمنها بالقيمة دون المثل، وفيه دليل وانفصال.

(فَصْلٌ:)

فَإِذَا ثَبَتَ ضَمَانُهَا بِالْقِيمَةِ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ بِأَكْثَرِ الْأَمْرَيْنِ مِنَ الْمِثْلِ أَوِ الْقِيمَةِ فِي حَقِّ الْمُضَحِّي وَجَبَ عَلَى الْمُضَحِّي أَنْ يَعْرِفَ الْقِيمَةَ فِي شِرَاءِ مِثْلِهَا فِي جِنْسِهَا مِنْ بَقَرٍ أَوْ غَنَمٍ، وَفِي نَوْعِهَا مِنْ ضَأْنٍ أَوْ مَعَزٍ وَفِي سِنِّهَا مِنْ جَذَعٍ أَوْ ثَنِيٍّ، فَلَوْ كَانَتِ الْأُضْحِيَّةُ ثَنِيَّةً مِنَ الْمَعْزِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْرِيَ جَذَعَة مِنَ الضَّأْنِ، وَإِنْ كَانَتْ خَيْرًا مِنْهَا لِتَعَيُّنِ حَقِّ الْمَسَاكِينِ فِي نَوْعِهَا وَسِنِّهَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُ حَالُ الْقِيمَةِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ ثَمَنًا لِمِثْلِهَا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَشْرِيَ بِهِ مِثْلَهَا، وَلَا يَلْزَمُهُ إِيجَابُهَا بَعْدَ الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ وَاجِبٍ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهَا، وَنُظِرَ فِي الشِّرَاءِ فَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهَا بِعَيْنِ الْقِيمَةِ الْمُسْتَحَقَّةِ صَارَتْ أُضْحِيَّةً بِنَفْسِ الشِّرَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِهَا الْأُضْحِيَّةَ، وَإِنِ اشْتَرَاهَا فِي الذِّمَّةِ نَوَى بِالشِّرَاءِ أَنَّهَا أُضْحِيَّةٌ لَا يَحْتَاجُ بَعْدَهُ إِلَى إِيجَابٍ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِالشِّرَاءِ أَنَّهَا أُضْحِيَّةٌ أَوْجَبَهَا بَعْدَ الشِّرَاءِ أُضْحِيَّةً لَا فِي حَقِّ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا وَلَكِنْ فِي حَقِّ أَهْلِ الضَّحَايَا؛ لِأَنَّهَا بَدَلٌ عَنْ أَصْلٍ قَدِ اسْتَحَقُّوهُ.

(فَصْلٌ:)

وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الْقِيمَةُ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَصْرِفَ الْقِيمَةَ فِي الْأَضَاحِيِّ؛ لِأَنَّهَا مُسْتَحَقَّةٌ لِأَهْلِهَا فَيَشْرِي مِنْهَا وَاحِدَةً مِثْلَهَا، وَفِيمَا يَشْتَرِيهِ بِبَاقِي الْقِيمَةِ وَجْهَانِ مُحْتَمَلَانِ:

أَحَدُهُمَا: فِي أَمْثَالِهَا، وَلَا يَعْدِلُ عَنْ مِثْلِهَا إِلَى غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ مَصْرِفَ جَمِيعِهَا وَاحِدٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّهُ يَصْرِفُهُ فِيمَا هُوَ الْأَحُظُّ لِأَهْلِ الضَّحَايَا مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ بَعْدَ حُصُولِ الْمِثْلِ كَالِابْتِدَاءِ بِالْأُضْحِيَّةِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ نُظِرَ فِي الزِّيَادَةِ فَإِنْ كَانَتْ ثَمَنًا لِلْأُضْحِيَّةِ كَامِلَةً أَوْ أُضْحِيَّتَيْنِ اشْتَرَى بِهَا مَا أَمْكَنَ مِنَ الضَّحَايَا الْكَامِلَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الضَّحَايَا، وَإِنْ نَقَصَتِ الزِّيَادَةُ عَنْ ثَمَنِ أُضْحِيَّةٍ كَامِلَةٍ قَالَ الشَّافِعِيُّ: يَسْلُكُ بِهَا مَسْلَكَ الْأُضْحِيَّةِ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي مُرَادِهِ فِيمَا يَصْنَعُ بِهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا سَهْمًا مِنْ أُضْحِيَّةٍ اعْتِبَارًا بِالْأَصْلِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَشْتَرِي بِهَا لَحْمًا لِتَعَذُّرِ الشَّرِكَةِ فِي الْحَيَوَانِ، فَعَدَلَ بِهِ إِلَى اللَّحْمِ الْمَقْصُودِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: تَصَرَّفَ زِيَادَةَ دَرَاهِمَ بِحَالِهَا؛ لِأَنَّهَا تُلَافِي التَّصَرُّفَ أَصْلًا، فَجَازَ فِيهِ مِنَ الْقِيمَةِ مَا لَمْ يجز في الأصل، كمن وجبت عليه جزعة فِي الذَّكَاةِ فَأَعْطَى قِيمَتَهَا لَمْ تَجُزْ؛ وَلَوْ أَعْطَى عَنْهَا حِقَّةً وَدَفَعَ عِشْرِينَ دِرْهَمًا عَنْ نَقْصِ الْحَقِّ أَجْزَأَ.
فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ يَصْرِفُ ذَلِكَ فِي سَهْمٍ مِنْ أُضْحِيَّةٍ كَانَ فِي ذَلِكَ السَّهْمِ كَأَهْلِ الضَّحَايَا.
وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ يَشْتَرِي بِهِ لَحْمًا أَوْ يَصْرِفُهُ وَرَقًا فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ يَسْلُكُ بِهِ مَسْلَكَ الضَّحَايَا وَيَكُونُ فِيهِ بِمَثَابَتِهِمْ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّهُ يَخْتَصُّ بِهِ الْفُقَرَاءُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُشَارِكَهُمْ فِيهِ كَمَا لَوْ عَطِبَتْ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ مِنَ الْهَدْيِ ذَبَحَهَا وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهَا شَيْئًا، وَإِنْ كَانَتْ لَوْ سَلِمَتْ جَازَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا حَسْمًا لِلتهْمَةِ كَذَلِكَ هَذِهِ الزِّيَادَةُ.

(فَصْلٌ:)

وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ الْأُضْحِيَّةِ الْمَضْمُونَةِ أَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ أُضْحِيَّتِهِ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْمُضَحِّي قَدْ ضَمِنَهَا إِمَّا مُنْفَرِدًا بِضَمَانِهَا كَمَا لَوْ أَتْلَفَهَا، وَإِمَّا مُشْتَرِكًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ كَمَا لَوْ بَاعَهَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَزِيدَ عَلَى الْقِيمَةِ، وَيَشْرِيَ بِهِ مِثْلَهَا؛ لِأَنَّا قَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّهُ يَضْمَنُهَا فِي حَقِّ نَفْسِهِ بِأَكْثَرِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهَا أَوْ مِثْلِهَا، فَإِذَا عَجَزَتِ الْقِيمَةُ ضَمِنَ الْمِثْلَ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الْقِيمَةُ قَدْ تَفَرَّدَ بِضَمَانِهَا أَجْنَبِيٌّ غَيْرُ الْمُضَحِّي مِنْ

فصول الكتاب · 30 فصل · 608 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الحاوي الكبير · 608 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كِتَابُ الْبُيُوعِ
كتاب الإقرار
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كتاب العارية
كتاب الغصب
كِتَابُ الشَّرْطِ فِي الرَّقِيقِ يَشْتَرِطُهُمُ الْمُسَاقِي
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ الْعَطَايَا وَالصَّدَقَاتِ
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب الصداق
كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع
كتاب السير
كتاب مختصر الجامع من كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب النذور
كِتَابُ الْعِتْق
كتاب عتق أمهات الأولاد من كتب
جارٍ التحميل