الحاوي الكبيرصفحات 385-424
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصداق

صفحات 385-424
عن هذه الطبعة
عَلَم
الماوردي
الكتاب
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
المؤلف
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
المحقق
الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1419 هـ -1999 م
عدد الأجزاء
19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَوَّلُ الْمُدَّةِ من وقت الإيلاء بناءاً عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ الرَّجْعِيَّةَ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ، وَنَحْنُ نَبْنِي عَلَى أَصْلِنَا فِي أَنَّ الرَّجْعِيَّةَ مُحَرَّمَةٌ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مُدَّةَ الْإِيلَاءِ مَضْرُوبَةٌ فِي نِكَاحٍ كَامِلٍ فَيُقْصَدُ بِهَا رَفْعُ الضَّرَرِ الدَّاخِلِ عَلَيْهَا وَقَدْ دَخَلَ الضَّرَرُ عَلَيْهَا بِالطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ حَتَّى مُنِعَتْ بِهَا النِّكَاحَ، فَخَرَجَ هَذَا الْإِيلَاءُ قَبْلَ الرَّجْعَةِ أَنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِالضَّرَرِ فَلَمْ يُحْتَسَبْ فِي الْمُدَّةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مُدَّةَ الْإِيلَاءِ مَضْرُوبَةٌ لِيَأْخُذَ بِالْإِصَابَةِ عِنْدَ انْقِضَائِهَا، وَانْقِضَاءُ الْمُدَّةِ فِي الْعِدَّةِ يَمْنَعُ مِنْ أَخْذِهِ بِالْإِصَابَةِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ مَحْسُوبًا مِنَ الْمُدَّةِ.

(فَصْلٌ:)

وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فَهُوَ أَنْ يُولِيَ مِنْ مُعْتَدَّةٍ فِي طَلَاقٍ بَائِنٍ، إِمَّا لِأَنَّهُ ثَلَاثٌ، وَإِمَّا لِأَنَّهُ دُونَهَا بِعِوَضٍ فَلَا يَنْعَقِدُ الْإِيلَاءُ مِنْهَا كَالْأَجْنَبِيَّةِ فَلَوْ نَكَحَهَا بَعْدَ ذَلِكَ بِعَقْدٍ لَمْ يَصِرْ مُولِيًا، وَكَانَ حَالِفًا لَا تَلْزَمُهُ الْمُطَالَبَةُ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَكُونُ بِإِيلَائِهِ مِنْهَا فِي الْعِدَّةِ الْبَائِنِ مُولِيًا إِذَا نَكَحَهَا وَكَذَلِكَ لَوْ آلَى مِنْهَا وَهِيَ أَجْنَبِيَّةٌ ثُمَّ نَكَحَهَا كَانَ مُولِيًا، وَهَكَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى قَوْلِهِ فِي عَقْدِ الطَّلَاقِ قَبْلَ النِّكَاحِ.
وَفِيمَا تَقَدَّمَ مَعَهُ مِنَ الدَّلِيِلِ فِي الطَّلَاقِ كَافٍ فِي الْإِيلَاءِ مَعَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: 226] وليست هذه من نسائه.

(مسألة:)

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَالْإِيلَاءُ مِنْ كُلِّ زَوْجَةٍ حُرَّةٍ وَأَمَةٍ وَمُسْلِمَةٍ وَذِمِّيَةٍ سِوَاءٌ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: 226] وَلَمْ يُفَرِّقْ؛ وَلِأَنَّ مِنْ مَلَكَ الطَّلَاقَ مَلَكَ الْإِيلَاءَ وَالظِّهَارَ كَالْحُرِّ الْمُسْلِمِ مَعَ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ؛ وَلِأَنَّهُنَّ فِي أَحْكَامِ الزَّوْجِيَّةِ سَوَاءٌ، فَوَجَبَ أَنْ يكون في الإيلاء سواء والله أعلم.

(الوقف من كتاب الإيلاء ومن الإملاء)

(على مسائل ابن القاسم والإملاء على مسائل مالك)

(مسألة:)

قال الشافعي رحمه الله تعالى: (إِذَا مَضَتِ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ لِلْمُولِي وُقِفَ وَقِيلَ لَهُ إِنْ فِئْتَ وَإِلَّا فَطَلِّقْ وَالْفَيْئَةُ الْجِمَاعُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ فَيَفِيءُ بِاللِّسَانِ مَا كَانَ الْعُذْرُ قَائِمًا فَيَخْرُجُ بِذَلِكَ مِنَ الضِّرَارِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا مُطَالَبَةَ عَلَى الْمُولِي قَبْلَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ وَهِيَ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَإِذَا انْقَضَتْ كَانَ الْخِيَارُ إِلَيْهَا فِي مُطَالَبَتِهِ وَتَرْكِهِ فَإِنْ طَالَبَتْ كَانَ الزَّوْجُ مُخَيَّرًا بَيْنَ الْفَيْئَةِ أَوِ الطَّلَاقِ كَمَا قَالَ تعالى ﴿فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 226] فَأَيَّهُمَا فَعَلَ لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجَةِ مُطَالَبَتُهُ بِالْآخَرِ فَإِنْ طَلَّقَ فَلَمْ يَكُنْ لَهَا مُطَالَبَتُهُ بِالْفَيْئَةِ، وَإِنْ فَاءَ لَمْ يَكُنْ لَهَا مُطَالَبَتُهُ بِالطَّلَاقِ.

(فَصْلٌ:)

فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِيهِمَا فَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي صِفَةِ الطَّلَاقِ، وَأَنَّهُ رَجْعِيٌّ، فَإِنْ زَادَ عَلَى الْوَاحِدَةِ كَانَ مُتَطَوِّعًا بِهَا.
وَأَمَّا الْفَيْئَةُ فَهِيَ الْجِمَاعُ لِأَنَّ الْفَيْءَ فِي اللُّغَةِ الرُّجُوعُ إِلَى مَا فَارَقَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: 9] أَيْ تَرْجِعَ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَهُوَ بِالْإِيلَاءِ مُمْتَنِعٌ مِنَ الْجِمَاعِ فَكَانَتِ الْفَيْئَةُ الرُّجُوعَ إِلَيْهِ، وَإِذَا كَانَتِ الْفَيْئَةُ الرُّجُوعَ إِلَى الْجِمَاعِ فَلَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَيْهِ أَوْ عَاجِزًا عَنْهُ فَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ فَايِئًا إِلَّا بِجِمَاعٍ، وَأَقَلُّهُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ، وَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْهُ لِعُذْرٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ لَزِمَهُ أَنْ يَفِيءَ فَيْءَ مَعْذُورٍ بِلِسَانِهِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ لَسْتُ أَقْدِرَ عَلَى الْوَطْءِ وَلَوْ قَدَرْتُ عَلَيْهِ لَفَعَلْتُهُ، وَإِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهِ فَعَلْتُهُ فَيَقُومُ فَيْئُهُ بِلِسَانِهِ فِي حَالِ عُذْرِهِ فِي إِسْقَاطِ الْمُطَالَبَةِ مَقَامَ فَيْئَتِهِ بِوَطْئِهِ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: لَا يَلْزَمُهُ الْفَيْئَةُ بِاللِّسَانِ حَتَّى يَقْدِرَ عَلَيْهَا بِالْوَطْءِ، وَيُؤَخِّرُ الْمُطَالَبَةَ إِلَى زَوَالِ الْعُذْرِ اسْتِدْلَالًا بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَوْ لَزِمَهُ فِي حَالِ الْعُذْرِ أَنْ يَفِيءَ بِلِسَانِهِ لَمَا لَزَمَهُ الْفَيْئَةُ بِالْوَطْءِ بَعْدَ زَوَالِ عُذْرِهِ لِسُقُوطِ الْحَقِّ بما تقدم.

وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ قَامَ مَقَامَ الْوَطْءِ فِي سُقُوطِ الْمُطَالَبَةِ لَقَامَ مَقَامَهُ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ.
وَدَلِيلُنَا: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 226] وَالْفَيْئَةُ الرُّجُوعُ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ رُجُوعٍ بِالْقَوْلِ أَوْ رُجُوعٍ بِالْفِعْلِ؛ وَلِأَنَّ الْفَيْئَةَ تُرَادُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ بِالْإِيلَاءِ وَسُكُونِ النَّفْسِ إِلَى زَوَالِهِ بِهَا وَقَدْ يَرْتَفِعُ الضَّرَرُ وَتَسْكُنُ النَّفْسُ بِقَوْلِ الْعَاجِزِ كَمَا يَرْتَفِعُ بِفِعْلِ الْقَادِرِ وَلِأَنَّ الْفَيْئَةَ تَرْفَعُ الضَّرَرَ كَالشُّفْعَةِ ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّ الْمُطَالَبَةَ بِهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى أَحَدِهِمَا يَكُونُ بِالْفِعْلِ وَهُوَ دَفْعُ الثَّمَنِ وَانْتِزَاعُ الْمَبِيعِ فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا كَانَتِ الْمُطَالَبَةُ فِيهَا بِالْقَوْلِ وَهُوَ الْإِشْهَادُ عَلَى نَفْسِهِ بِالطَّلَبِ كَذَلِكَ الْفَيْئَةُ فِي الْإِيلَاءِ.
فَأَمَّا اسْتِدْلَالُ أَبِي ثَوْرٍ بِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ لَوْ سَقَطَتْ بِفَيْءِ اللِّسَانِ لَمَا وَجَبَتْ لِزَوَالِ الْعُذْرِ، فَفَاسِدٌ بِالْمُطَالَبَةِ بِالشُّفْعَةِ تَكُونُ بِالْقَوْلِ مَعَ الْعَجْزِ وَلَا يَسْقُطُ حَقُّ الطَّلَبِ بِالْفِعْلِ عِنْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ وَنَحْنُ أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ أَنْ يُصَلِّيَ، وَلَا تَسْقُطُ الصَّلَاةُ إِذَا قَدَرَ عَلَى الْمَاءِ إِحْدَى الطِّهَارَتَيْنِ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ تَجِبْ بِهِ الْكَفَّارَةُ لَمْ تَسْقُطْ بِهِ الْمُطَالَبَةُ فَفَاسِدٌ، لِأَنَّ الْفَيْئَةَ غيره مُعْتَبَرَةٍ بِوُجُوبٍ بِالْكَفَّارَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَجْنُونَ يَفِيءُ فَتَسْقُطُ الْمُطَالَبَةُ وَتَصِحُّ الْفَيْئَةُ وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ.

(فَصْلٌ:)

فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْفَيْئَةَ بِاللِّسَانِ تُسْقِطُ الْمُطَالَبَةَ فِي حَالِ الْعُذْرِ، فَإِذَا زَالَ الْعُذْرُ سَقَطَ حُكْمُ الْفَيْئَةِ بِاللِّسَانِ وَلَزِمَهُ أَنْ يَفِيءَ بِالْجِمَاعِ كَالشَّفِيعِ إِذَا أَشْهَدَ بِالطَّلَبِ فِي الْغَيْبَةِ ثُمَّ حَضَرَ جَدَّدَ الْمُطَالَبَةَ بِدَفْعِ الثَّمَنِ وَانْتِزَاعِ الْمَبِيعِ وَيَصِيرُ كَالْمُبْتَدِئِ بِالْعِلْمِ فِي الْحُضُورِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَفِيءَ بِالْوَطْءِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ بَعْدَ أَنْ فَاءَ بِلِسَانِهِ فِي حَالِ الْعَجْزِ: لِأَنَّ مَا كَانَ فَيْئَةً فِي الْإِيلَاءِ لَمْ يَلْزَمْهُ إِعَادَةُ فَيْئَةِ كالوطء.
دليلنا مَعَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الشُّفْعَةِ هُوَ أَنَّ الْوَطْءَ حَقٌّ ثَبَتَ لَهَا مَعَ الْقُدْرَةِ فَلَمْ يَسْقُطْ بِالْعَجْزِ حُكْمُ الْقُدْرَةِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ؛ وَلِأَنَّ مَا لَمْ يَحْنَثْ بِهِ فِي الْإِيلَاءِ لَمْ يَسْقُطْ بِهِ الْوَطْءُ الْمُسْتَحَقُّ فِي الْإِيلَاءِ كَالْقُبْلَةِ؛ وَلِأَنَّ فَيْئَةَ اللِّسَانِ لَا تَتِمُّ إِلَّا أَنْ يَعِدَ فِيهَا بِالْوَطْءِ مَعَ الْقُدْرَةِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْقُطَ بِهَا فَوَجَبَ وَعْدُهُ عِنْدَ الْقُدْرَةِ والله أعلم.

(مسألة:)

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ جَامَعَ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ خَرَجَ مِنْ حُكْمِ الْإِيلَاءِ وَكَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا إِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ عَلَى أَقَلَّ مِنْ أربعة اشهر فليس بمول ومتى

وطء وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينِهِ لَا يُخْتَلَفُ، سَوَاءٌ كَانَتْ بِاللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِغَيْرِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَهُوَ مُولٍ، فَإِنْ فَاءَ فِيهَا بِالْوَطْءِ نُظِرَ فِي يَمِينِهِ، فَإِنْ كَانَتْ بِعِتْقٍ أَوْ طَلَاقٍ عَلَّقَهُمَا بِوَطْئِهِ، فَوَطْؤُهُ مُوجِبٌ لِلْحِنْثِ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ، وَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ بِاللَّهِ تَعَالَى فَفِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ أَشَارَ إِلَيْهِ فِي مَوْضِعٍ مِنْهُ أنه لا كفارة عليه؛ لأن الله تَعَالَى جَعَلَ لِلْإِيلَاءِ حُكْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْفَيْئَةُ أَوِ الطَّلَاقُ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُضَمَّ إِلَيْهِمَا ثَالِثٌ هُوَ الْكَفَّارَةُ لِمَا فِي إِيجَابِهَا مِنْ زِيَادَةِ حُكْمٍ عَلَى النَّصِّ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَ الفيئة بالغفران فقال تعالى ﴿فإن فاؤوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 226] وَمَا غُفِرَ لَنْ يُكَفَّرَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: 225] فَلَمْ يُكَفَّرْ لَغْوُ الْيَمِينِ لِلْعَفْوِ عَنْهُ وَلِأَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْفَيْئَةِ أَوِ الطَّلَاقِ، فَلَمَّا لَمْ يَجِبْ بِالطَّلَاقِ تَكْفِيرٌ لَمْ يَجِبْ بِالْفَيْئَةِ تَكْفِيرٌ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: قَالَهُ فِي الْجَدِيدِ وَهُوَ الصَّحِيحُ أَنَّ الْكَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَاجِبَةٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: 89] فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ فِي الْإِيلَاءِ وَغَيْرِهِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ (مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ) وَفَيْئَةُ الْمُولِي فِي الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرِ خَيْرٌ مِنْهَا بَعْدَهَا وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ التَّكْفِيرِ، وَلِأَنَّ يَمِينَ الْمُولِي أَغْلَظُ مِنْ يَمِينِ غَيْرِ الْمُولِي ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا بِيَمِينِهِ لَكَفَّرَ بِحِنْثِهِ، فَإِذَا كَانَ مُولِيًا فَأَوْلَى أَنْ يُكَفِّرَ؛ وَلِأَنَّ يَمِينَهُ بِاللَّهِ تَعَالَى أَغْلَظُ مَأْثَمًا مِنْ يَمِينِهِ بِالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ، فَلَمَّا لَزِمَهُ الْعِتْقُ وَالطَّلَاقُ إِذَا حَنِثَ بِهِمَا فَأَوْلَى أَنْ تَلْزَمَهُ الْكَفَّارَةُ إِذَا حَنِثَ بِاللَّهِ تَعَالَى.
فَإِذَا تَقَرَّرَ تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مَحَلِّ الْقَوْلَيْنِ: فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهَا مِنْ عُمُومِ الْفَيْئَةِ قَبْلَ الْمُدَّةِ وَبَعْدَهَا فِي أَنَّ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ بِهَا عَلَى قَوْلَيْنِ: وَذَهَبَ آخَرُونَ مِنْهُمْ إِلَى أَنَّ الْقَوْلَيْنِ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بَعْدَ الْمُدَّةِ، فَأَمَّا الْفَيْئَةُ قَبْلَ الْمُدَّةِ فَمُوجِبَةٌ لِلْكَفَّارَةِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَفَرَّقُوا بَيْنَ الْمَوْضُوعَيْنِ بِأَنَّهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ فَأَوْجَبَتِ الْكَفَّارَةَ قَوْلًا وَاحِدًا وَبَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ وَاجِبَةٌ فَجَازَ أَنْ تَسْقُطَ الْكَفَّارَةُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ كَالْحَلْقِ فِي الْإِحْرَامِ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ إِذَا لَمْ تَجِبْ وَلَا يُوجِبُهَا إِذَا وَجَبَ، وَهَذَا الْفَرْقُ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ أَوْلَى، أَلَا تَرَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ تَجِبُ فِي حِنْثِ الطَّاعَةِ كَوُجُوبِهَا فِي حِنْثِ الْمَعْصِيَةِ فَأَمَّا حَلْقُ الْمُحْرمِ فَلَا شَبَهَ فِيهِ لِلْإِيلَاءِ، لِأَنَّ الْحَلْقَ فِي وَقْفِهِ نُسُكٍ فَلَمْ يُكَفَّرْ فِي غَيْرِ وَقْفِهٍ فَلَيْسَ بِنُسُكٍ ثُمَّ يَسْتَوِي حُكْمُهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ

نُسُكًا بَيْنَ مُبَاحَةٍ لِلْحَاجَةِ وَمَحْظُورَةٍ عِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِيهَا كَذَلِكَ الْفَيْئَةُ والله أعلم.

(مسألة:)

قال الشافعي رضي الله عنه: (ولو قال أجلني في الجماع لم أوجله أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ فَإِنْ جَامَعَ خَرَجَ مِنْ حُكْمِ الْإِيلَاءِ وَعَلَيْهِ الْحِنْثُ فِي يَمِينِهِ وَلَا يبين أن أوجله ثَلَاثًا وَلَوْ قَالَهُ قَائِلٌ كَانَ مَذْهَبًا فَإِنْ طَلَّقَ وَإِلَّا طَلَّقَ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ وَاحِدَةً (قَالَ المزني) رحمه الله تعالى قد قطع بأنه يجبر مكانه فإما أن يفيء وإما أن يطلق وهذا بالقياس أولى والتأقيت لا يجب إلا بخبر لازم وكذا قال في استتابة المرتد مكانه فإن تاب وإلا قتل فكان أصح من قوله ثلاثا) . قال الماوردي: أما إِذَا سَأَلَ الْإِنْظَارَ بِالْفَيْئَةِ لِعَجْزِهِ عَنْهَا بِالْمَرَضِ فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ أَنْ يَفِيءَ بِلِسَانِهِ فَيْءَ مَعْذُورٍ عَلَى مَا مَضَى، فَإِذَا سَأَلَ الْإِنْظَارَ بِهَا بِغَيْرِ مَرَضٍ فَالْمُدَّةُ تَنْقَسِمُ فِي إِنْظَارِهِ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ، قِسْمٌ يُجَابُ إِلَيْهِ، وَقِسْمٌ لَا يُجَابُ إِلَيْهِ، وَقِسْمٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الَّذِي يُجَابُ إِلَيْهِ فَهُوَ أَنْ يَسْأَلَ إِنْظَارَ يَوْمِهِ أَوْ إِنْظَارَ لَيْلَتِهِ فَهَذَا يُجَابُ إِلَى مَا سَأَلَ مِنْ إِنْظَارِ يَوْمِهِ أَوْ لَيْلَتِهِ؛ وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ جَائِعًا فَأُمْهِلَ لِأَكْلِهِ أَوْ شَبِعًا فَأُمْهِلَ لِهَضْمِهِ، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا فَيُنْظَرُ لَهُ لِيَهْدَأَ بَدَنُهُ إِلَى وَقْتٍ يُعْرَفُ أَنَّهُ زَالَ ذَلِكَ الْعَارِضُ الَّذِي يَضْطَرِبُ الْبَدَنُ لَهُ لِأَنَّ الْجِمَاعَ يَكُونُ بِأَسْبَابِ مُحَرِّكَةٍ تَخْتَلِفُ النَّاسَ فِيهَا فَأُمْهِلَ لَهَا.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: الَّذِي لَا يُجَابُ إِلَيْهِ فَهُوَ أَنْ يَسْأَلَ الْإِنْظَارَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَلَا يُجَابُ إِلَى ذَلِكَ لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ فِي حَدِّهِ الْكَثْرَةُ وَلِأَنَّهُ لَوْ أُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ لَزَادَتْ مُدَّةُ التَّرَبُّصِ عَلَى النَّصِّ، وَصَارَ بِاسْتِنْظَارِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ كَالْمُمْتَنِعِ مِنَ الْفَيْئَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يُحْبَسُ حَتَّى يَفِيءَ أَوْ يُطَلِّقَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يُطَلِّقُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ، فَهُوَ إِذَا سَأَلَ إِنْظَارَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَفِي إِجَابَتِهِ إِلَيْهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يُجَابُ إِلَيْهَا لِمَا فِيهَا مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَى مُدَّةِ النَّصِّ وَلِأَنَّهَا تَقْتَضِي تَأْخِيرَ حَقٍّ بَعْدَ الْوُجُوبِ كَالدُّيُونِ الَّتِي لَا يَلْزَمُ الْإِنْظَارُ بِهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يُجَابُ إِلَى إِنْظَارِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِأَنَّهَا حَدٌّ بَيْنَ الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ، فَهِيَ حَدٌّ لِأَكْثَرِ الْقَلِيلِ وَأَقَلِّ الْكَثِيرِ، فَلَمَّا نُظِرَ بِالْقَلِيلِ جَازَ أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى غَايَةِ حَدِّهِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَوْعَدَ بِعَذَابٍ قَرِيبٍ أَنْظَرَ فِيهِ ثَلَاثًا فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلا تَمَسُّوهَا بسوء

فيأخذكم عذاب قريب فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} [هود: 64 - 65] فَكَانَ هَذَا الْإِنْظَارُ فِي الْأَحْكَامِ أَوْلَى مِنْهُ فِي الْعَذَابِ الْمَحْتُومِ، وَهَكَذَا إِذَا اسْتَنْظَرَ الْعِنِّينُ ثَلَاثًا بَعْدَ السَّنَةِ كَانَ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ، وَأَصْلُ الْقَوْلَيْنِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إِنْظَارُ الْمُرْتَدِّ ثَلَاثًا وَفِيهِ قَوْلَانِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي إِنْظَارِ الزَّوْجِ ثَلَاثًا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَوِ اسْتِحْبَابٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ وَاجِبٌ كَإِنْظَارِ الْمُرْتَدِّ بِهَا فَعَلَى هَذَا يُنْظَرُ بِهَا سَوَاءٌ اسْتَنْظَرَهَا أَمْ لَا كَالْمُرْتَدِّ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَاخْتَارَهُ الدَّارَكِيُّ أَنَّهَا اسْتِحْبَابٌ يُنْظَرُ بِهَا إِنِ اسْتَنْظَرَهَا وَلَا يُنْظَرُ بِهَا إِنْ لَمْ يَسْتَنْظِرْ وَيُؤْخَذُ بِتَعْجِيلِ الْفَيْئَةِ أَوِ الطَّلَاقِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَالْمُرْتَدِّ، أَنَّ إِنْظَارَ الْمُرْتَدِّ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَمْ يَقِفْ عَلَى اسْتِنْظَارِهِ، وَإِنْظَارَ هَذَا فِي حَقِّهِ، فَوَقَفَ عَلَى اسْتِنْظَارِهِ.

(فَصْلٌ:)

فَأَمَّا الْمُزَنِيُّ فَإِنَّهُ مَنَعَ مِنْ إِنْظَارِ الثَّلَاثِ احْتِجَاجًا بِالْمُرْتَدِّ، وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ يُنْظَرُ ثَلَاثًا فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فَاسْتَوَيَا، بَلِ الْقَوْلَانِ فِي الْمُرْتَدِّ أَظْهَرُ مِنْهُمَا فِي الزَّوْجِ، ثُمَّ احْتَجَّ عَلَى إِبْطَالِ الْإِنْظَارِ بِالثَّلَاثِ بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنْ قَالَ هُوَ بِالْقِيَاسِ أَوْلَى، وَلَيْسَ هَكَذَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ قِيَاسُ الثَّلَاثِ عَلَى مَا زَادَ عَلَيْهَا بِأَوْلَى مِنْ قِيَاسِهَا عَلَى ما نقص عنها.
والثاني: إن قال التأقيت لَا يَجِبُ إِلَّا بِخَبَرٍ لَازِمٍ، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَرَى هَذَا، وَالشَّافِعِيُّ ثَبَّتَ التَّوْقِيتَ بِالنَّصِّ وَالْمَعْنَى عَلَى أَنَّ فِي الثَّلَاثِ نَصًّا.

(مسألة:)

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَإِنَّمَا قُلْتُ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يُطَلِّقَ عَلَيْهِ وَاحِدَةً لِأَنَّهُ كَانَ عَلَى الْمُولِي أَنْ يَفِيءَ أَوْ يطلق إذا كان لا يقدر على الفيئة إلا به فإذا امتنع قدر على الطلاق عنه ولزمه حكم الطلاق كما يأخذ منه كل شيء وجب عليه إذا امتنع من أن يعطيه (وقال في القديم) فيها قولان أحدهما وهو أحبهما إليه والثاني يضيق عليه بالحبس حتى يفيء أو يطلق لأن الطلاق لا يكون إلا منه (قال المزني) رحمه الله تعالى ليس الثاني بشيء وما علمت أحدا قاله) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ إِذَا امْتَنَعَ بَعْدَ الْمُدَّةِ مِنَ الْفَيْئَةِ أَوِ الطَّلَاقِ، هَلْ يُطَلَّقُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ أَمْ لَا عَلَى قَوْلَيْنِ أَصَحُّهُمَا تُطَلَّقُ عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ هَكَذَا: فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ هُوَ الْمُطَلِّقَ كَانَ مُخَيَّرًا فِي عَدَدِ الطَّلَاقِ وَأَقَلُّهُ وَاحِدَةٌ يَمْلِكُ فِيهَا الرَّجْعَةَ فَإِنْ طَلَّقَ اثْنَتَيْنِ فَإِنَّ

الرَّجْعَةَ بَعْدَهَا، وَإِنْ طَلَّقَ ثَلَاثًا بَانَتْ وَطَلَاقُهُ وَاقِعٌ فِي أَيِّ زَمَانٍ أَوْقَعَهُ قَبْلَ الْمُدَّةِ وَبَعْدَهَا، إِلَّا أَنَّهُ قَبْلَ الْمُدَّةِ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ وَبَعْدَ الْمُدَّةِ مُسْتَحَقَّةٌ.
وَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ هُوَ المطلق، فطلاقه معتبر بثلاث شروط: أحدهما: أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ مُمْتَنِعًا مِنْهُ فَإِنْ كَانَ غير ممتنع منه فطلق الحاكم عليه ولم يَقَعْ طَلَاقُهُ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَقْصُورًا عَلَى الْعَدَدِ الْمُسْتَحَقِّ وَهُوَ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِنْ طَلَّقَ أَكْثَرَ مِنْهَا وَقَعَتِ الْوَاحِدَةُ وَلَمْ يَقَعِ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الزَّوْجِ: أَنَّ الْحَاكِمَ مُوقِعٌ مَا وَجَبَ وَالزَّوْجَ يُوقِعُ مَا مَلَكَ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُوقِعَ الطَّلَاقَ فِي زَمَانِ الْوُجُوبِ، وَذَلِكَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، فَإِنْ طَلَّقَ قَبْلَ انْقِضَائِهَا لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ مَا يَسْتَوْفِيهِ، وَإِنْ طَلَّقَ بَعْدَ انْقِضَائِهَا، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الثَّلَاثِ أَوْ بَعْدَهَا، فَإِنْ طَلَّقَ بَعْدَ الثَّلَاثِ وَقَعَ طَلَاقُهُ، وَإِنْ طَلَّقَ قَبْلَ الثَّلَاثِ فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْقَوْلَيْنِ فِي إِنْظَارِ الْمُولِي بِالْفَيْئَةِ ثَلَاثًا، فَإِنْ قُلْنَا إِنَّهُ لَا يُنْظَرُ بِهَا وَقَعَ طَلَاقُ الْحَاكِمِ قَبْلَهَا، وَإِنْ قُلْنَا إِنَّهُ يُنْظَرُ بِهَا فَفِي وُقُوعِ طَلَاقِهِ قَبْلَهَا وجهان بناءاً عَلَى اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ فِي الثَّلَاثِ، هَلْ يَجِبُ شَرْعًا أَوِ اسْتِنْظَارًا فَإِنْ قِيلَ يَجِبُ اسْتِنْظَارًا وَقَعَ طَلَاقٌ، وَإِنْ قِيلَ يَجِبُ شَرْعًا لَمْ يَقَعْ طَلَاقٌ، هَذَا إِنْ كَانَ الْحَاكِمُ يَرَى إِنْظَارَ الثَّلَاثِ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ لَا يَرَاهَا وَقَعَ طَلَاقُهُ وَجْهًا وَاحِدًا لِأَنَّهُ عَنِ اجْتِهَادٍ سَائِغٍ.

(فَصْلٌ:)

فَأَمَّا إِنْ طَلَّقَ الْحَاكِمُ وَالزَّوْجُ جميعاً فهذا على ثلاثة أقسام: أحدهما: أَنْ يُطَلِّقَ الزَّوْجُ ثُمَّ يُطَلِّقَ الْحَاكِمُ بَعْدَهُ فَطَلَاقُ الزَّوْجِ وَاقِعٌ وَطَلَاقُ الْحَاكِمِ غَيْرُ وَاقِعٍ لِأَنَّهُ غَيْرُ وَاجِدٍ وَسَوَاءٌ عَلِمَ الْحَاكِمُ بِطَلَاقِ الزَّوْجِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يُطَلِّقَ الْحَاكِمُ ثُمَّ يُطَلِّقَ الزَّوْجُ بَعْدَهُ فَنَنْظُرُ، فَإِنْ عِلْمَ الزَّوْجُ بِطَلَاقِ الْحَاكِمِ وَقَعَ طَلَاقُ الزَّوْجِ وَطَلَاقُ الْحَاكِمِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ الزَّوْجُ بِطَلَاقِ الْحَاكِمِ فَفِي وُقُوعِ طَلَاقِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَقَعُ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ قَدْ سَبَقَ الْحُكْمُ بِاسْتِيفَائِهِ مِنْهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَقَعُ طَلَاقُهُ، لِأَنَّهُ يَمْلِكُ مَا وَجَبَ وَمَا لَمْ يَجِبْ، فَإِذَا اسْتَوْفَى الْحَاكِمُ الْوَاجِبَ وَلَمْ يَسْتَكْشِفِ الزَّوْجُ عَنْهُ وَقَعَ طَلَاقُهُ غَيْرَ وَاجِبٍ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يُطَلِّقَ الزَّوْجُ وَالْحَاكِمُ مَعًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ فَطَلَاقُ الزَّوْجِ وَاقِعٌ وَفِي وُقُوعِ طَلَاقِ الْحَاكِمِ وجهان:

أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَقَعُ طَلَاقُهُ أَيْضًا، لِأَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْهُ الزَّوْجُ بِالطَّلَاقِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَقَعُ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْبِقِ الزوج بالطلاق والله أعلم.

(مسألة:)

قال الشافعي رحمه الله تعالى: (وَيُقَالُ لِلَّذِيَ فَاءَ بِلِسَانِهِ مِنْ عُذْرٍ إِذَا أَمْكَنَكَ أَنْ تُصِيبَهَا وَقَفْنَاكَ فَإِنْ أَصَبْتَهَا وَإِلَّا فَرَّقْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا مِمَّا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي فَيْئَةِ اللِّسَانِ بِالْعُذْرِ، فَإِذَا زَالَ عُذْرُهُ زَالَ حُكْمُ فَيْئَتِهِ بِلِسَانِهِ وَطُولِبَ بِالْإِصَابَةِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مِنْ حُكْمِ فَيْئَتِهِ بِلِسَانِهِ أَنْ يَعِدَ بِالْإِصَابَةِ عِنْدَ إِمْكَانِهِ فَلِذَلِكَ كَانَ مَأْخُوذًا بِهَا لِأَجْلِ وَعْدِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْإِنْظَارَ إِذَا كَانَ بِعُذْرٍ زَالَ حُكْمُهُ بِزَوَالِ الْعُذْرِ كَإِنْظَارِ الْمُعْسِرِ وَكَإِنْظَارِ الْغَائِبِ بِالشُّفْعَةِ إِذَا حضر.
(مسألة:) قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ كَانَتْ حَائِضًا أَوْ أَحْرَمَتْ مَكَانَهَا بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَلَمْ يَأْمُرْهَا بِإِحْلَالٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَبِيلٌ حَتَّى يُمْكِنَ جِمَاعُهَا أَوْ تَحِلَّ إِصَابَتُهَا) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، وَالْأَسْبَابُ الْمَانِعَةُ مِنَ الْوَطْءِ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجَةِ.
وَالثَّانِي: مَا كَانَ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ.
فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ فَالْوَقْفُ الْمَأْخُوذُ فِيهِ وَقْفَانِ، وَقْفٌ لِلزَّوْجِ وَوَقْفٌ لِلزَّوْجَةِ فَأَمَّا وَقْفُ الزَّوْجِ فَهُوَ مُدَّةُ التَّرَبُّصِ الَّتِي ضَرَبَهَا اللَّهُ تَعَالَى لِلْمُولِي، وَهِيَ الْأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَأَمَّا وَقْفُ الزَّوْجَةِ فَهُوَ زَمَانُ الْمُطَالَبَةِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ تَخْلُ الْأَسْبَابُ الْمَانِعَةُ مِنَ الْوَطْءِ إِذَا كَانَتْ حَادِثَةً مِنْ جِهَةِ الزَّوْجَةِ مِنْ أَنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً فِي مُدَّةِ التَّرَبُّصِ أَوْ فِي مُدَّةِ الْمُطَالَبَةِ، فَإِنْ كَانَتْ فِي مُدَّةِ الْمُطَالَبَةِ فَجَمِيعُهَا مَانِعَةٌ مِنَ الْمُطَالَبَةِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَانِعُ الْمُضَافُ إِلَيْهَا لِعَجْزٍ أَوْ شَرْعٍ فَالْمَانِعُ لِعَجْزٍ كَالضَّنَا وَالْمَرَضِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ مَعَهُ إِصَابَتُهَا، وَكَالْجُنُونِ الَّذِي يُخَافُ مِنْهُ وَالْإِغْمَاءِ الَّذِي لَا تَمْيِزَ مَعَهُ وَالْحَبْسِ بِظُلْمٍ أَوْ بِحَقٍّ.
وَأَمَّا الْمَانِعُ بِالشَّرْعِ مَعَ الْمُكْنَةِ مِنَ الْوَطْءِ فَالْإِحْرَامُ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، سَوَاءٌ كَانَ بِإِذْنِ الزَّوْجِ أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ اسْتَحَقَّ فَسْخَهُ عَلَيْهَا أَوْ لَمْ يَسْتَحِقَّ؛ لِأَنَّهَا لَا تَقْدِرُ بِنَفْسِهَا عَلَى الْخُرُوجِ مِنْهُ، وَالصَّوْمُ الْمَفْرُوضُ سَوَاءٌ تَعَيَّنَ زَمَانُهُ أَوْ لَمْ يَتَعَيَّنْ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لها

الْخُرُوجُ مِنْ صَوْمِ الْمَفْرُوضِ وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ، فَأَمَّا صَوْمُ التَّطَوُّعِ فَمُخَالِفٌ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا الْخُرُوجُ مِنْهُ، وَمِنْ ذَلِكَ الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ يَمْنَعَانِ الْوَطْءَ بِالشَّرْعِ، فَأَمَّا الِاسْتِحَاضَةُ فَلَا تَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَمِنْ ذَلِكَ الرِّدَّةُ عَنِ الْإِسْلَامِ يحرم فيها الوطء، فإن وُجِدَ فِي زَمَانِ الْمُطَالَبَةِ وَهُوَ الْوَقْفُ الثَّانِي هَذِهِ الْأَسْبَابُ الْمَانِعَةُ مِنَ الْوَطْءِ مِنْ جِهَتِهَا مَنَعَهَا ذَلِكَ مِنَ الْمُطَالَبَةِ بِحَقِّهَا مِنَ الْإِيلَاءِ سَوَاءٌ كَانَ مَنْعَ عَجْزٍ أَوْ مَنْعَ شَرْعٍ؛ لِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ بِالْفَيْئَةِ يَكُونُ مَعَ اسْتِحْقَاقِهَا وَهِيَ تَسْتَحِقُّهَا إِذَا قَدَرَتْ عَلَى التَّمْكِينِ مِنْهَا وَهِيَ غَيْرُ قَادِرَةٍ عَلَى التَّمْكِينِ فَسَقَطَ الِاسْتِحْقَاقُ، وَإِذَا سَقَطَ الِاسْتِحْقَاقُ سَقَطَتِ الْمُطَالَبَةُ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ التَّقْسِيمِ في المسطور والله أعلم.

(مسألة:)

قال الشافعي رضي الله عنه: (إِذَا كَانَ الْمَنْعُ لَيْسَ مِنْ قِبَلِهِ مِثْلُ أَنْ تَكُونَ صَبِيَّةً أَوْ مُضْنَاةً لَا يَقْدِرُ عَلَى جِمَاعِهَا، فَإِذَا صَارَتْ فِي حَدِّ مَنْ تُجَامَعُ اسْتُؤْنِفَتْ بِهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا وُجِدَتْ هَذِهِ الْمَوَانِعُ الَّتِي مِنْ جِهَتِهَا فِي مُدَّةِ التَّرَبُّصِ وَهُوَ الْوَقْفُ الْأَوَّلُ فَجَمِيعُهَا غَيْرُ مَحْسُوبٍ عَلَى الزَّوْجِ لِمَنْعِهَا مِنَ الْإِصَابَةِ إِلَّا الْحَيْضَ وَحْدَهُ فَإِنَّ زَمَانَهُ مَحْسُوبٌ عَلَى الزَّوْجِ وَإِنْ كَانَ مَانِعًا وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنَ الْمَوَانِعِ أَنَّ الْحَيْضَ حلته وَانْقِطَاعُهُ فِي مُدَّةِ التَّرَبُّصِ غَيْرُ مَعْهُودٍ، وَخُلُوُّ الْمُدَّةِ مِنْهُ فِي الْغَالِبِ غَيْرُ مَوْجُودٍ، فَصَارَ زَمَانُهُ مَحْسُوبًا فَلَيْسَ كَغَيْرِهِ مِنَ الْمَوَانِعِ الَّتِي تَخْلُو مُدَّةُ التَّرَبُّصِ مِنْهَا فِي الْأَغْلَبِ، فَإِنْ طَرَأَتْ فِيهَا كَانَتْ نَادِرَةً فَلِذَلِكَ كَانَ زَمَانُهَا غَيْرَ مَحْسُوبٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ وُجُودَ الْحَيْضِ فِي صَوْمِ الشَّهْرَيْنِ الْمُتَتَابِعَيْنِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ لَا يَبْطُلُ تَتَابُعُهُ بِالْحَيْضِ لِتَعَذُّرِ خُلُوِّهِ مِنْهُ، ويبطل تتابعه بفطر ما سوى الحيض لإمكانه خُلُوِّهِ مِنْهُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ وُجُودِ الْحَيْضِ فِي زَمَانِ الْمُطَالَبَةِ فَيَمْنَعُ مِنْهَا كَغَيْرِهِ مِنَ الْمَوَانِعِ، وَبَيْنَ وُجُودِهِ فِي مُدَّةِ التَّرَبُّصِ فَيُحْتَسَبُ بِزَمَانِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنَ الْمَوَانِعِ، هُوَ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَخْلُوَ مِنْهُ زَمَانُ الْمُطَالَبَةِ فِي الْأَغْلَبِ فَسَاوَى غَيْرَهُ مِنَ الْمَوَانِعِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَخْلُوَ مِنْهُ زَمَانُ التَّرَبُّصِ فِي الْأَغْلَبِ فَخَالَفَ غَيْرَهُ مِنَ الْمَوَانِعِ وَجَرَى وُجُودُهُ فِي زَمَانِ الْمُطَالَبَةِ مَجْرَى وُجُودِهِ فِي صَوْمِ الثَّلَاثِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ يَبْطُلُ تَتَابُعُهَا لِإِمْكَانِ خُلُوِّهَا مِنْهُ.
وَجَرَى وُجُودُهُ فِي مُدَّةِ التَّرَبُّصِ مَجْرَى وُجُودِهِ فِي صَوْمِ الشَّهْرَيْنِ الْمُتَتَابِعَيْنِ لَا يَبْطُلُ تَتَابُعُهُمَا لِتَعَذُّرِ خُلُوِّهَا مِنْهُ.
فَأَمَّا النِّفَاسُ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ غَيْرُ قَاطِعٍ لِمُدَّةِ التَّرَبُّصِ وَمَحْسُوبٌ فِيهِ؛ لِأَنَّ أَحْكَامَ الْحَيْضِ عَلَيْهِ جَارِيَةٌ فَأَشْبَهَ الْحَيْضَ.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ قَاطِعٌ مُدَّةَ التَّرَبُّصِ وَغَيْرُ مَحْسُوبٍ فِيهَا بِخِلَافِ الْحَيْضِ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ غَالِبٌ وَالنِّفَاسَ نَادِرٌ فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْمَوَانِعِ.
فَأَمَّا الصِّغَرُ: فَإِنْ لَمْ يَمْنَعْ مِنَ الِافْتِضَاضِ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ كَانَ زَمَانُهُ مَحْسُوبًا، وَإِنْ كَانَ مَانِعًا مِنَ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ لَمْ يُحْتَسَبْ عَلَيْهِ فِي مُدَّةِ التَّرَبُّصِ حَتَّى يَصِيرَ عَلَى حَالٍ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ مِنْهَا فَيُسْتَأْنَفَ لَهُ التَّرَبُّصُ.
وَأَمَّا الْمَرَضُ فَإِنْ أَمْكَنَ مَعَهُ إِصَابَتُهَا بِتَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ فِي فَرْجِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْرَبَهَا كَانَ زَمَانُهُ مَحْسُوبًا فِي مُدَّةِ التَّرَبُّصِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُمْكِنُ مَعَهُ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ إِلَّا بِضَرَرٍ يَلْحَقُهَا كَانَ زَمَانُهُ غَيْرَ مَحْسُوبٍ فِي مُدَّةِ التَّرَبُّصِ حَتَّى يَصِيرَ إِلَى مَا لَا يَلْحَقُهَا مِنْ ذَلِكَ ضَرَرٌ فَتُحْتَسَبُ فِي مُدَّةِ التَّرَبُّصِ.

(فَصْلٌ:)

فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا مِنَ المواضع الَّتِي لَا يُحْتَسَبُ بِزَمَانِهَا فِي مُدَّةِ التَّرَبُّصِ، فإذا زالت استؤنفت مدة لتربص وَلَا شَيْءَ عَلَى مَا مَضَى مِنْهَا قَبْلَ الموانع وبطل الماضي من مدة التربص بالمواقع الطَّارِئَةِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْظَرَهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَاقْتَضَى إِطْلَاقُهَا التَّتَابُعَ فِي حَالِ الِاضْطِرَارِ كَمَا اقْتَضَاهُ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ فَصَارَ كَصَوْمِ الشَّهْرَيْنِ الْمُتَتَابِعَيْنِ يَبْطُلُ مَا تَقَدَّمَهُ بِتَرْكِ التَّتَابُعِ فِي الِاخْتِيَارِ وَغَيْرِ الِاخْتِيَارِ، وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَخَالَفَ فِيهِ نَصَّ الشَّافِعِيِّ إِلَى تَلْفِيقِ التَّرَبُّصِ وَالْبِنَاءِ عَلَى مَا مَضَى قَبْلَ الْمَوَانِعِ، قَالَ: لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ حُدُوثُ الْمَوَانِعِ فِي زَمَانِ الْمُطَالَبَةِ لَا يُسْقِطُ مَا مَضَى مِنْ مُدَّةِ التَّرَبُّصِ كَذَلِكَ حُدُوثُهَا فِي مُدَّةِ التَّرَبُّصِ لَا يُسْقِطُ مَا تَقَدَّمَهُ مِنْهَا وَهَذَا فَاسِدٌ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أنَّ مُوَالَاةَ الْمُدَّةِ بِحُدُوثِهِ بَعْدَهَا مَوْجُودٌ وَمُوَالَاتَهَا بِحُدُوثِهِ فِي تَضَاعِيفِهَا مَعْدُومٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَدِ اسْتَوْفَى الزَّوْجُ حَقَّهُ بِحُدُوثِهِ بَعْدَهَا وَمَا اسْتَوْفَاهُ بِحُدُوثِهِ فِي تَضَاعِيفِهَا.

(مَسْأَلَةٌ:)

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَإِذَا كَانَ الْمَنْعُ مِنْ قِبَلِهِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَفِيءَ فَيْءَ جِمَاعٍ أَوْ فَيْءَ مَعْذُورٍ وَفَيْءَ الْحَبْسِ بِاللِّسَانِ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إِذَا آلَى فَحُبِسَ اسْتُوقِفَتْ بِهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ متتابعة (قال المزني رحمه الله) الحبس والمرض عندي سواء لأنه ممنوع بهما فإذا حسبت عليه في المرض وكان يعجز عن الجماع بكل حال أجل المولى كان المحبوس الذي يمكنه أن تأتيه في حبسه فيصيبها بذلك أولى) .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا كَانَتِ الْمَوَانِعُ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ فَزَمَانُ جَمِيعِهَا مَحْسُوبٌ عَلَيْهِ مِنْ مُدَّةِ التَّرَبُّصِ إِلَّا اثْنَتَيْنِ: زَمَانَ رِدَّتِهِ وَزَمَانَ عِدَّتِهَا مِنْ طَلَاقِهِ فَإِنَّهُمَا غَيْرُ مَحْسُوبَتَيْنِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ جِهَتِهِ لِأَنَّهُمَا مُوجِبَانِ مِنَ التَّحْرِيمِ فِي حَقِّهَا مِثْلَ مَا يُوجِبَانِهِ فِي حَقِّهِ وَلَيْسَ كَإِحْرَامٍ وَصِيَامٍ لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ التَّحْرِيمَ فِي حَقِّهَا، وَإِنَّمَا يُوجِبُهُ فِي حَقِّهِ دُونَهَا فافترقا، وإذ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُ حَالُ هَذِهِ الْمَوَانِعِ الْمَحْسُوبَةِ مِنْ أَنْ تُوجَدَ فِي الْوَقْتِ الْأَوَّلِ وَهُوَ مُدَّةُ التَّرَبُّصِ أَوْ فِي الْوَقْتِ الثَّانِي وَهُوَ زَمَانُ الْمُطَالَبَةِ، فَإِنْ وُجِدَتْ فِي الْأَوَّلِ كَانَتْ مَحْسُوبَةً عَلَيْهِ فَيُحْسَبُ عَلَيْهِ زَمَانُ إِحْرَامٍ وَزَمَانُ صِيَامٍ وَزَمَانُ مَرَضٍ وَزَمَانُ سَفَرٍ سَوَاءٌ سَافَرَ فِي مُبَاحٍ أَوْ فِي وَاجِبٍ وَزَمَانُ حَبْسِهِ سَوَاءٌ حُبِسِ بِحَقٍّ أَوْ بِغَيْرِ حَقٍّ، قَالَ الْمُزَنِيُّ: وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَلَوْ آلَى فَحُبِسَ اسْتُؤْنِفَتْ لَهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، فَلَمْ يُحْتَسَبْ بِزَمَانِ الْحَبْسِ عَلَيْهِ فَكَانَ أَبُو حَفْصِ بْن الْوَكِيلِ يُخْرِجُ هَذَا قَوْلًا ثَانِيًا فِي الْحَبْسِ كَمَا تَوَهَّمَهُ الْمُزَنِيُّ أَنَّهُ لَا يُحْتَسَبُ بِزَمَانٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَنْسُوبٍ إِلَيْهِ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ فَاسِدٌ بِالْمَرَضِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ وَزَمَانِهِ مَحْسُوبٌ عَلَيْهِ لِوُجُودِهِ فِي حَبْسِهِ.
وَذَهَبَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِقَوْلٍ ثَانٍ وَأَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ لَمْ يَخْتَلِفْ فِي أَنَّ زَمَانَ الْحَبْسِ مَحْسُوبٌ عَلَيْهِ، لِمَا عَلَّلَ بِهِ الْمُزَنِيُّ فِي أَنَّ زَمَانَ الْمَرَضِ لَمَّا كَانَ مَحْسُوبًا عَلَيْهِ وَحَالُهُ فِيهِ أَغْلَظَ، كَانَ زَمَانُ حَبْسِهِ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ تَأْتِيَهُ فِي الْحَبْسِ فَيُصِيبَهَا أَوْلَى بِالِاحْتِسَابِ، وَنَسَبُوا الْمُزَنِيَّ إِلَى الْخَطَأِ فِي نَقْلِهِ؛ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ فَلَوْ آلَى فَحُبِسَتِ اسْتُؤْنِفَتْ لَهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ لِأَنَّ الْحَبْسَ مِنْ جِهَتِهَا فَوَهِمَ الْمُزَنِيُّ فِي نَقْلِهِ، وَلَوْ آلَى فَحُبِسَ فَأَضَافَ الْحَبْسَ إِلَيْهِ دُونَهَا.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: الْمُزَنِيُّ مُصِيبٌ فِي نَقْلِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ كَمَا وَهِمَ فِيهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ، فَفِي الْمَوْضِعِ الَّذِي احْتُسِبَ زَمَانُ حَبْسِهِ عَلَيْهِ إِذَا حُبِسَ بِحَقٍّ، وَالْمَوْضِعِ الَّذِي لَمْ يُحْتَسَبْ بِزَمَانِ حَبْسِهِ عَلَيْهِ إِذَا حُبِسَ بِظَالِمٍ وَهَذَا التَّفْصِيلُ يَبْطُلُ بِالْمَرَضِ كَمَا يَبْطُلُ بِهِ أَصْلُ التَّعْلِيلِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(فَصْلٌ:)

وَإِنْ وُجِدَتْ هَذِهِ الْمَوَانِعُ فِي الْوَقْتِ الثَّانِي وَهُوَ زَمَانُ الْمُطَالَبَةِ لَمْ يَسْقُطْ بِهَا حُكْمُ الْمُطَالَبَةِ بِالْفَيْئَةِ، لِأَنَّهُ لَمَّا وَقَعَ الِاحْتِسَابُ بِهَا كَانَتْ زَمَانًا لِلْفَيْئَةِ فَلَمْ تَمْنَعْ مِنَ الْمُطَالَبَةِ بِهَا وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَإِنْ كَانَ الْمَانِعُ مَرَضًا فَإِنْ قَدَرَ مَعَهُ عَلَى تَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ طُولِبَ أَنْ يَفِيءَ بِالْجِمَاعِ وَإِنْ عَجَزَ عَنْ تَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ طُولِبَ أَنْ يَفِيءَ بِلِسَانِهِ فَيْءَ مَعْذُورٍ عَلَى مَا مَضَى، وَإِنْ كَانَ الْمَانِعُ حَبْسًا فَإِنْ قَدَرَ عَلَى إِدْخَالِهَا إِلَى حَبْسِهِ طُولِبَ أَنْ يَفِيءَ بِالْجِمَاعِ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى إِدْخَالِهَا إِلَى حَبْسِهِ طُولِبَ أَنْ يَفِيءَ بِلِسَانِهِ فَيْءَ مَعْذُورٍ مَا كَانَ فِي حَبْسِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمَانِعُ إِحْرَامًا أَوْ صِيَامًا، قِيلَ لَا يَسْقُطُ فَيْئَةُ الْجِمَاعِ لِقُدْرَتِكَ عَلَيْهِ، وَلَا يُؤْمَرُ بِهِ لِتَحْرِيمِهِ عَلَيْكَ، وَلَا يُقْنِعُ مِنْكَ أَنْ تَفِيءَ بِلِسَانِكَ فَيْءَ مَعْذُورٍ لِأَنَّكَ قَادِرٌ عَلَى فَيْءِ غَيْرِ مَعْذُورٍ، فَإِنْ أَقْدَمْتَ عَلَى الْفَيْئَةِ بِالْجِمَاعِ خَرَجْتَ مِنْ

حَقِّ الْإِيلَاءِ وَعَصَيْتَ بِالْوَطْءِ فِي الْإِحْرَامِ أَوِ الصيام وإن لم يطأ لم يتوجه عليك مآثم التحريم، وإن توجهت عليك الْمُطَالَبَةُ بِالْفَيْئَةِ أَوِ الطَّلَاقِ فَإِنْ أَقَمْتَ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْهَا فَعَلَى مَا مَضَى مِنَ الْقَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يُحْبَسُ حَتَّى يَفْعَلَ أَحَدَهُمَا.
وَالثَّانِي: يُطَلِّقُ الْقَاضِي عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(مَسْأَلَةٌ:)

قَالَ الْمُزَنِيُّ رضي الله عنه: (وقال في موضعين - يعني الشافعي - وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مَسِيرَةَ أَشْهُرٍ وَطَلَبَهُ وَكِيلُهَا بِمَا يَلْزَمُهُ لَهَا أَمَرْنَاهُ أَنْ يَفِيءَ بِلِسَانِهِ وَالْمَسِيرِ إِلَيْهَا كَمَا يُمْكِنُهُ فَإِنْ فَعَلَ وَإِلَّا طَلَّقَ عَلَيْهِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا سَافَرَ الْمُولِي عَنْ زَوْجَةٍ فِي مُدَّةِ التَّرَبُّصِ كَانَ زَمَانُ سَفَرِهِ مَحْسُوبًا عَلَيْهِ مِنْ مُدَّةِ وَقْفِهِ لِأَنَّهُ مَانِعٌ مِنْ جِهَتِهِ وَكَذَلِكَ لَوْ آلَى مُبْتَدِئًا فِي سَفَرِهِ كَانَ مَا جَاوَزَ قَدْرَ (الْمُسَافِرِ) مِنْ أَيَّامِ سَفَرِهِ مَحْسُوبًا عَلَيْهِ وَفِي احْتِسَابِ قَدْرِ الْمَسَافَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ فِيهِ عَلَى الْإِصَابَةِ لَوْ أَرَادَهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ الصَّحِيحُ تُحْتَسَبُ عَلَيْهِ كَغَيْرِهَا مِنْ أَيَّامِ السَّفَرِ، وَلَيْسَ تَعَذُّرُ الْإِصَابَةِ لَوْ أَرَادَهَا بِمَانِعٍ مِنَ احْتِسَابِ الْمُدَّةِ عَلَيْهِ كَالْمَرَضِ.

(فَصْلٌ:)

فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ مُدَّةَ السَّفَرِ مَحْسُوبَةٌ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ فِي وَقْتِ الْمُطَالَبَةِ حَاضِرًا طُولِبَ بِالْإِصَابَةِ أَوِ الطَّلَاقِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْبَتِهِ وَكَّلَتْ مَنْ يُطَالِبُهُ بِحَقِّهَا حَتَّى يُرَافِعَ وَكِيلُهَا إِلَى حَاكِمِ الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ غَائِبٌ فِيهِ فَيُطَالِبَهُ بِالْفَيْئَةِ أَوِ الطَّلَاقِ فَإِنْ طَلَّقَ فَحُكْمُ طَلَاقِهِ فِي غَيْبَتِهِ كَحُكْمِ طَلَاقِهِ فِي حَضَرِهِ، وَقَدْ سَقَطَ بِالطَّلَاقِ حَقُّهَا حَتَّى إِذَا قَدِمَ فَلَا مُطَالَبَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، وَإِنْ أَرَادَ الْفَيْئَةَ فَيَكْفِيهِ فِي الْفَيْئَةِ شَرْطَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَفِيءَ بِلِسَانِهِ فَيْءَ مَعْذُورٍ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَأْخُذَ فِي الِاجْتِمَاعِ لِلْإِصَابَةِ، إِمَّا بِأَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهَا، وَإِمَّا بِأَنْ يَسْتَقْدِمَهَا عَلَيْهِ، وَالْخِيَارُ فِيهِمَا إِلَيْهِ، فَإِنْ فَعَلَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ خَرَجَ مِنْ حُكْمِ الْفَيْئَةِ قَبْلَ الِاجْتِمَاعِ، فَإِذَا اجْتَمَعَ لَمْ يَجُزْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ فَيْئَةِ اللِّسَانِ حَتَّى يَفِيءَ بِالْإِصَابَةِ فَلَوْ أَنَّهُ فِي غَيْبَتِهِ أَخَذَ فِي الْقُدُومِ أَوِ الِاسْتِقْدَامِ ولم يفيء بِلِسَانِهِ فَيْءَ مَعْذُورٍ لَمْ يَكُنْ فَايِئًا وَطَلَّقَ عَلَيْهِ حَاكِمُ ذَلِكَ الْبَلَدِ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ، فَإِنْ فَاءَ بِلِسَانِهِ فَيْءَ مَعْذُورٍ لَمْ يُأْخَذْ فِي الِاجْتِمَاعِ إِمَّا بِقُدُومٍ أَوِ الِاسْتِقْدَامِ لَمْ تَتِمَّ الْفَيْئَةُ وَطَلَّقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْحَاكِمُ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْذُورًا بِخَوْفِ الطريق المانع أَوْ لِمَرَضٍ مُعْجِزٍ فَالْفَيْئَةُ بِلِسَانِهِ كَافِيَةٌ إِلَى أَنْ يَزُولَ عُذْرُهُ فَيُؤْخَذَ

بِالْقُدُومِ أَوِ الِاسْتِقْدَامِ فَلَوِ اسْتَقْدَمَهَا فَامْتَنَعَتْ إِلَّا أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهَا صَارَتْ نَاشِزًا وَسَقَطَ حَقُّهَا من المطالبة والله أعلم.

(مسألة:)

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ غُلِبَ عَلَى عَقْلِهِ لَمْ يُوقَفْ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِ عَقْلُهُ فَإِنْ عَقِلَ بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ وقف مكانه فَإِمَّا أَنْ يَفِيءَ وَإِمَّا أَنْ يُطَلِّقَ (قَالَ المزني رحمه الله) هذا يؤكد أن يحسب عليه مدة حبسه ومنع تأخره يوماً) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا غُلِبَ عَلَى عَقْلِ الْمُولِي بِجُنُونٍ أَوْ إِغْمَاءٍ كَانَ زَمَانُ جُنُونِهِ وَإِغْمَائِهِ مَحْسُوبًا عَلَيْهِ فِي وَقْفِهِ وَمُدَّةِ تَرَبُّصِهِ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ جِهَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِهِ كَالْمَرَضِ، فَإِذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ التَّرَبُّصِ وَهُوَ عَلَى جُنُونِهِ وَإِغْمَائِهِ لَمْ يَتَوَجَّهْ عَلَيْهِ مُطَالَبَةٌ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمْ يُوقَفْ، يَعْنِي الْوَقْفَ الثَّانِيَ الَّذِي هُوَ زَمَانُ الْمُطَالَبَةِ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الْوَقْفَ الْأَوَّلَ الَّذِي هُوَ مُدَّةُ التَّرَبُّصِ، فإذا أفاق من جنونه أو إغمائه استحق حِينَئِذٍ مُطَالَبَتُهُ بِالْفَيْئَةِ أَوِ الطَّلَاقِ.

(فَصْلٌ:)

قَالَ الْمُزَنِيُّ هَذَا يُؤَكِّدُ أَنْ يُحْتَسَبَ مُدَّةُ حَبْسِهِ وَمُنِعَ تَأْخِيرُهُ يَوْمًا أَوْ ثَلَاثَةً.
أَرَادَ الْمُزَنِيُّ بِذَلِكَ أَمْرَيْنِ: أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ: أَنْ يَجْعَلَ الِاحْتِسَابَ بِزَمَانِ الْجُنُونِ دَلِيلًا عَلَى الِاحْتِسَابِ بِزَمَانِ الْحَبْسِ، وَهَذَا صَحِيحٌ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَجْعَلَ مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ منع تأخيره يَوْمًا أَوْ ثَلَاثَةً دَلِيلًا عَلَى إِبْطَالِ إِنْظَارِهِ ثَلَاثًا فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ، وَلَا دَلِيلَ فِيهِ وَعَمَّا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ الله عنه - من منع تأخيره يوما أو ثَلَاثَةً جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَمْنَعُهُ ذَلِكَ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ: وَهُوَ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي غَيْرُ مَمْنُوعٍ.
وَالْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّ الْمَنْعَ مِنَ الْإِنْظَارِ فِي ابْتِدَاءِ الْمُطَالَبَةِ، وَالْقَوْلَانِ فِي الْإِنْظَارِ فِي الْإِجَابَةِ إِلَى الْفَيْئَةِ، لِأَنَّهُ لَوْ أَجَابَ إِلَى الطَّلَاقِ وَسَأَلَ الْإِنْظَارَ بِهِ لَمْ يُنْظَرْ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنَّمَا الْقَوْلَانِ فِي الْإِنْظَارِ بِالْفَيْئَةِ.
(مَسْأَلَةٌ:) قال الشافعي رحمه الله تعالى: (وَلَوْ أَحْرَمَ قِيلَ لَهُ إِنْ وَطِئْتَ فَسَدَ إِحْرَامُكَ وَإِنْ لَمْ تَفِئْ طُلِّقَ عَلَيْكَ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُولِيَ إِذَا أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ كَانَ زَمَانُ إِحْرَامِهِ مَحْسُوبًا عَلَيْهِ، فَإِنْ أَحَلَّ قَبْلَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ التَّرَبُّصِ كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ الْفَيْئَةِ أَوِ الطَّلَاقِ، وَإِنْ كَانَ بَاقِيًا عَلَى إِحْرَامِهِ إِلَى انْقِضَاءِ مُدَّةِ التَّرَبُّصِ، قِيلَ لَهُ إِحْرَامُكَ قَدْ حَظَرَ عَلَيْكَ الْوَطْءَ وَالْإِيلَاءُ يُوجِبُهُ، وَلَا يَمْنَعُ تَحْرِيمُهُ عَلَيْكَ مِنْ مُطَالَبَتِكَ فِي حَقِّ الزَّوْجَةِ بِالْوَطْءِ أَوِ الطلاق

لِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ بِالْوَطْءِ هِيَ أَقْوَى الْحَقَّيْنِ، لِأَنَّ الْوَطْءَ أَصْلٌ مَقْصُودٌ وَالطَّلَاقَ بَذْلٌ عَلَى وَجْهِ التخيير، فإذا طولب وطلق خرج مِنْ حُكْمِ الْإِيلَاءِ وَلَا يَأْثَمُ فِي إِفْسَادِ إِحْرَامِهِ، فَإِذَا فَاءَ فَقَدْ عَصَى بِوَطْئِهِ فِي الْإِحْرَامِ وَأَفْسَدَ بِهِ الْحَجَّ وَوَجَبَتْ فِيهِ الْكَفَّارَةُ وَخَرَجَ مِنْ حُكْمِ الْإِيلَاءِ، وَوَجَبَتْ بِهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، فَإِنِ امْتَنَعَ أَنْ يَفْعَلَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ طُلِّقَ عَلَيْهِ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ: فَإِنْ قِيلَ فهلا اقتنع مِنْهُ بِفَيْءِ مَعْذُورٍ بِلِسَانِهِ كَالْمَرِيضِ؟ قِيلَ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ الْإِحْرَامَ الْمَانِعَ عَلَى نَفْسِهِ بِخِلَافِ الْمَرَضِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ دُخُولُهُ عَلَيْهِ مِنْ فِعْلِهِ، فَكَانَ بِالْإِحْرَامِ غَيْرَ مَعْذُورٍ وَبِالْمَرَضِ مَعْذُورًا وَاللَّهُ أعلم.

(مسألة:)

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ آلَى ثُمَّ تَظَاهَرَ أَوْ تَظَاهَرَ ثُمَّ آلَى وَهُوَ يَجِدُ الْكَفَّارَةَ قِيلَ أَنْتَ أَدْخَلْتَ الْمَنْعَ عَلَى نَفْسِكَ فَإِنْ فِئْتَ فَأَنْتَ عَاصٍ وَإِنْ لَمْ تَفِئْ طُلِّقَ عَلَيْكَ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّهُ إِذَا جَمَعَ بَيْنَ الْإِيلَاءِ وَالظِّهَارِ فِي امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فَآلَى مِنْهَا ثُمَّ ظَاهَرَ أَوْ ظَاهَرَ ثُمَّ آلَى كَانَ زَمَانُ الظِّهَارِ مَحْسُوبًا عَلَيْهِ فِي مُدَّةِ التَّرَبُّصِ فَإِذَا انْقَضَتِ الْمُدَّةُ وَاسْتُحِقَّتِ الْمُطَالَبَةُ وَهُوَ عَلَى ظِهَارٍ لَمْ يُكَفِّرْ مِنْهُ فَقَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ فِي الْوَطْءِ حَقَّانِ مُتَنَافِيَانِ: أَحَدُهُمَا: يُحَرِّمُ الْوَطْءَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يُكَفِّرَ وَهُوَ الظِّهَارُ.
وَالثَّانِي: يُوجِبُ الْوَطْءَ فِي حَقِّ الزَّوْجَةِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ وَهُوَ الْإِيلَاءُ، فَإِنْ عَجَّلَ الْكَفَّارَةَ فِي الظِّهَارِ وَوَطِئَ فِي الْإِيلَاءِ خَرَجَ مِنْ تَحْرِيمِ الظِّهَارِ بِالْكَفَّارَةِ وَمَنْ حَقِّ الْإِيلَاءِ بِالْوَطْءِ، وَإِنْ طَلَّقَ خَرَجَ بِالطَّلَاقِ مِنْ حَقِّ الْإِيلَاءِ، وَخَرَجَ مِنْ مَأْثَمِ الظِّهَارِ بِتَرْكِ الْوَطْءِ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَحَدَ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ وَوَطِئَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ فِي الظِّهَارِ كَانَ عَاصِيًا بِالْوَطْءِ فِي حُكْمِ الظِّهَارِ، وَخَارِجًا بِهِ فِي الْإِيلَاءِ مِنْ حَقِّ الزَّوْجَةِ، فَإِنْ سَأَلَ الْإِنْظَارَ فِي الْوَطْءِ حَتَّى يُكَفِّرَ بِالظِّهَارِ نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُكَفِّرُ بِالصِّيَامِ لَمْ يُنْظَرْ، لِأَنَّهُ صَوْمُ شَهْرَيْنِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُكَفِّرُ بِالْعِتْقِ، فَإِنْ كَانَ مَالِكًا لِلرَّقَبَةِ لَمْ يُنْظَرْ فِي عِتْقِهَا كَمَا لَا يُنْظَرُ فِي الطَّلَاقِ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى تَعْجِيلِهَا مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا لِلرَّقَبَةِ أُنْظِرَ لِابْتِيَاعِهَا يَوْمًا، وَهَلْ يَبْلُغُ بِإِنْظَارِهِ ثَلَاثًا، عَلَى مَا مَضَى مِنَ الْقَوْلَيْنِ.
وَلَوِ امْتَنَعَ مِنْ أَنْ يُطَلِّقَ أَوْ يَطَأَ طَلَّقَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ، وَلَوْ أَرَادَ وَطْأَهَا فَمَنَعَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا لِتَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهَا بِخِلَافِ الْوَطْءِ فِي الرِّدَّةِ وَالْحَيْضِ لِأَنَّ تَحْرِيمَهُ بِالرِّدَّةِ وَالْحَيْضِ فِي حَقِّهِمَا وَتَحْرِيمَهُ بِالظِّهَارِ فِي حَقِّهِ

وَحْدَهُ، وَيَسْقُطُ حَقُّهَا مِنَ الْمُطَالَبَةِ بِهَذَا الِامْتِنَاعِ لِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ مَمْنُوعٌ مِنَ الْمُطَالَبَةِ كَالدُّيُونِ الْمَبْذُولَةِ والله أعلم.

(مسألة:)

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ قَالَتْ لَمْ يُصِبْنِي وَقَالَ أَصَبْتُهَا فَإِنْ كانت ثيباً فالقول قوله مع يمينه لأنها تدعي ما به الفرقة التي هي إليه وإن كانت بكراً أريها النساء فإن قلن هي بكر فالقول قولها مع يمينها (قال المزني) رحمه الله تعالى إِنَّمَا أَحْلَفَهَا لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لَمْ يبالغ فرجعت العذرة بحالها) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا ادَّعَى الْمُولِي إِصَابَتَهَا لِيُسْقِطَ مُطَالَبَتَهَا وَأَنْكَرَتْ أَنْ يَكُونَ أَصَابَهَا وَادَّعَتْ أَنَّهَا عَلَى حَقِّهَا مِنَ الْمُطَالَبَةِ لَمْ يَخْلُ حَالُهَا مِنْ أَنْ تَكُونَ بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا، فَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ فِي الْإِصَابَةِ مَعَ يَمِينِهِ بِاللَّهِ لَقَدْ أَصَابَهَا لِأَنَّ الْوَطْءَ يستسر بِهِ وَلَا يُمْكِنُ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ فَقِيلَ فِيهِ قَوْلُ مُدَّعِيهِ كَالْحَيْضِ وَالطُّهْرِ، وَلِأَنَّ بَقَاءَ النِّكَاحِ وَدَوَامَ صِحَّتِهِ أَصِلٌ قَدِ اسْتَصْحَبَهُ الزَّوْجُ بِدَعْوَى الْإِصَابَةِ وَالزَّوْجَةُ تَدَّعِي مَا يُخَالِفُ الْأَصْلَ مِنْ وُجُوبِ الْفُرْقَةِ بِإِنْكَارِ الْإِصَابَةِ فَكَانَ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلَ الزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ لِاسْتِصْحَابِهِ حُكْمَ الْأَصْلِ، فَإِنْ قِيلَ فَالْأَصْلُ أَنْ لَا إِصَابَةَ كَمَا أَنَّ الْأَصْلَ فِي النِّكَاحِ الصِّحَّةُ، فَلِمَ اسْتَصْحَبْتُمُ الْأَصْلَ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ؟ وَلَمْ تَسْتَصْحِبُوا الْأَصْلَ فِي عَدَمِ الْإِصَابَةِ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ صِحَّةَ النِّكَاحِ أَصْلٌ مُتَيَقَّنٌ، وَعَدَمَ الْإِصَابَةِ أَصْلٌ مَظْنُونٌ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ، فَكَانَ اسْتِصْحَابُ الْأَصْلِ الْمُتَيَقَّنِ أَوْلَى مِنَ اسْتِصْحَابِ الْأَصْلِ الْمَظْنُونِ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ لِجَوَازِ كَذِبِهِ، فَإِذَا حَلَفَ حُكِمَ بِسُقُوطِ حَقِّهَا مِنَ الْإِيلَاءِ، وَإِنْ نَكَلَ رُدَّتِ الْيَمِينِ عَلَيْهَا، فَإِنْ حَلَفَتْ كَانَتْ عَلَى حَقِّهَا مِنَ الْإِيلَاءِ وَأُخِذَ بِالْفَيْئَةِ أَوِ الطَّلَاقِ وَلَمْ يُحْكَمْ بِقَوْلِ الزَّوْجِ فِي ثُبُوتِ الْإِصَابَةِ.

(فَصْلٌ:)

وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا أَنَّهُ لم يصيبها؛ لِأَنَّ الْبَكَارَةَ مِنْ شَوَاهِدِ صِدْقِهَا فِي عَدَمِ الْإِصَابَةِ، فَصَارَ قَوْلُهَا أَقْوَى مِنْ قَوْلِ الزَّوْجِ، فَلِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا قَالَ الْمُزَنِيُّ: إِنَّمَا أَحْلَفَهَا لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لَمْ يُبَالِغْ فَرَجَعَتِ الْعُذْرَةُ بِحَالِهَا فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ إِنَّمَا يُحَلِّفُهَا إِنِ ادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّهُ لَمْ يُبَالِغْ فِي الْإِصَابَةِ فَعَادَتِ الْعَذْرَةُ فَأَمَّا إِنْ لَمْ يَدَّعِ لم يحلفها.
قال البغداديون بل يلحفها بِكُلِّ حَالٍ سَوَاءٌ ادَّعَى الزَّوْجُ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَدَّعِيهِ، لِأَنَّ دَعْوَاهُ الْإِصَابَةَ مَعَ الْبَكَارَةِ مُفْضٍ إِلَى ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ فِي الدَّعْوَى، فَإِنْ حَلَفَتِ الزَّوْجَةُ كَانَتْ عَلَى حَقِّهَا مِنَ الْمُطَالَبَةِ بِالْفَيْئَةِ أَوِ الطَّلَاقِ، وَإِنْ نَكَلَتْ رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَى الزَّوْجِ، وَإِنْ حَلَفَ سَقَطَ حَقُّهَا مِنَ الْإِيلَاءِ وَإِنْ نَكَلَ حُكِمَ بِقَوْلِ الزَّوْجَةِ فِي بَقَاءِ حَقِّهَا مِنَ الْمُطَالَبَةِ فَعَلَى هَذَا لَوِ اخْتَلَفَ فِي الْبَكَارَةِ فَادَّعَتْهَا الزَّوْجَةُ لِيَكُونَ قَوْلُهَا مَقْبُولًا فِي عَدَمِ

الْإِصَابَةِ وَأَنْكَرَهَا الزَّوْجُ لِيَكُونَ قَوْلُهُ مَقْبُولًا فِي وُجُودِ الْإِصَابَةِ لَمْ يُرْجَعْ فِيهَا إِلَى قَوْلِ أَحَدِهِمَا لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُشَاهِدَ ذَلِكَ النِّسَاءُ الثِّقَاتُ فَإِذَا شَهِدَ أَرْبَعٌ مِنْهُنَّ بِأَنَّهَا بِكْرٌ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا فِي إِنْكَارِ الْإِصَابَةِ، وَإِنْ شَهِدْنَ بِأَنَّهَا ثَيِّبٌ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي ثبوت الإصابة.

(مسألة:)

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوِ ارْتَدَّا أَوْ أَحَدُهُمَا فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ أَوْ خَالَعَهَا ثُمَّ رَاجَعَهَا أَوْ رَجَعَ مَنِ ارْتَدَّ مِنْهُمَا فِي الْعِدَّةِ اسْتَأْنَفَ فِي هَذِهِ الْحَالَاتِ كُلِّهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ حَلَّ له الفرج ولا يشبه هذا الباب الأول لأنها في هذا الباب كانت محرمة كالأجنبية الشعر والنظر والجس وفي تلك الأحوال لم تكن محرمة بشيء غير الجماع (قال المزني) القياس عندي أن ما حل له بالعقد الأول فحكمه حكم امرأته والإيلاء يلزمه بمعناه وأما من لم تحل له بعقده الأول حتى يحدث نكاحاً جديداً فحكمه مثل الأيم تزوج فلا حكم للإيلاء في معناه المشبه لأصله) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الرِّدَّةَ تُسْقِطُ الْوَقْفَ الْأَوَّلَ فِي مُدَّةِ التَّرَبُّصِ وَتُسْقِطُ الْوَقْفُ الثَّانِي اسْتِحْقَاقَ الْمُطَالَبَةِ وَزَمَانُهَا غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَتِ الرِّدَّةُ مِنْ جِهَتِهِ أَوْ مِنْ جِهَتِهَا، فَإِنْ لَمْ يَعُدِ الْمُرْتَدُّ مِنْهُمَا إِلَى الإسلام إلى بَعْدِ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَقَدْ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بِالرِّدَّةِ، وَسَقَطَ بِهَا حُكْمُ الْإِيلَاءِ، وَهَذِهِ الْفُرْقَةُ فَسْخٌ، فَإِنْ عَادَ فَنَكَحَهَا فَهَلْ يَعُودُ الْإِيلَاءُ فِي النِّكَاحِ الثَّانِي أَمْ لَا؟ يَنْبَنِي عَلَى اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا فِي الْفُرْقَةِ بِالْفَسْخِ، هَلْ تَجْرِي مَجْرَى فُرْقَةِ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ، أَوْ مَجْرَى مَا دُونَهَا، عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا جَارِيَةٌ مَجْرَى الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَعُودُ الْإِيلَاءُ عَلَى قوله في الجديد كله وأحد قوليه في الْقَدِيمِ، وَيَعُودُ الْإِيلَاءُ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي فِي الْقَدِيمِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى مَا دُونَ الثَّلَاثِ، فَعَلَى هَذَا يَعُودُ الْإِيلَاءُ عَلَى قوله فِي الْقَدِيمِ كُلِّهِ وَأَحَدُ قَوْلَيْهِ فِي الْجَدِيدِ وَلَا يَعُودُ الْإِيلَاءُ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي فِي الْجَدِيدِ، فَأَمَّا إِذَا عَادَ الْمُرْتَدُّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ إِلَى الْإِسْلَامِ كَانَا عَلَى النِّكَاحِ وَاسْتُوقِفَ لَهُ الْوَقْفُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ مُدَّةُ التَّرَبُّصِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ لَا يَبْنِي عَلَى ما مضى منها فإن انقضت طولب بالفيئة أو الطلاق إلى أَنْ تَكُونَ الرِّدَّةُ فِي الْوَقْفِ الثَّانِي وَهُوَ زَمَانُ الْمُطَالَبَةِ فَلَا يُعَادُ الْوَقْفُ بَعْدَ انْقِضَائِهِ كاملاً قبل الردة فإن قبل فَهَلَّا اسْتُؤْنِفَ الْوَقْفُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ كَمَا يُسْتَأْنَفُ الْوَقْفُ بَعْدَ الرَّجْعَةِ، قِيلَ لِأَنَّهُ قَدْ وَفَّاهَا حَقَّهَا بِالطَّلَاقِ وَلَمْ يُوفِّهَا حَقَّهَا بِالرِّدَّةِ، فَلِذَلِكَ سَقَطَ بِالطَّلَاقِ حُكْمُ الْوَقْفِ الْأَوَّلِ وَاسْتُؤْنِفَ لَهُ وَقْفٌ بَعْدَ الرَّجْعَةِ وَلَمْ يَسْقُطْ بِالرِّدَّةِ حُكْمُ الْوَقْفِ الْأَوَّلِ، فَلَمْ يُسْتَأْنَفْ لَهُ الْوَقْفُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(فَصْلٌ:)

فَأَمَّا إِذَا خَالَعَ الْمُولِي زَوْجَتَهُ فَقَدْ بَانَتْ مِنْهُ بِالْخُلْعِ وَسَقَطَ حُكْمُ الْإِيلَاءِ فِي النِّكَاحِ، فَإِنْ عَادَ فَتَزَوَّجَهَا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ كَانَ عَوْدُ الْإِيلَاءِ مُعْتَبَرًا بِفُرْقَةِ الْخُلْعِ وَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ فَعَلَى هَذَا يَعُودُ الْخُلْعُ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ كُلِّهِ وَأَحَدُ قَوْلَيْهِ فِي الْجَدِيدِ وَلَا يَعُودُ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي فِي الْجَدِيدِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: فِي الْخُلْعِ أَنَّهُ فَسْخٌ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي الْفَسْخِ هَلْ يَجْرِي مَجْرَى الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ أَوْ مَا دُونَهَا عَلَى مَا مَضَى، فَأَمَّا الْمُزَنِيُّ فَقَدْ تَكَرَّرَ مِنْ كَلَامِهِ مَا تَقَدَّمَ الجواب عنه.

(مسألة:)

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَأَقَلُّ مَا يَكُونُ بِهِ الْمُولِي فَائِتًا فِي الثيب أن يغيب الحشفة وفي البكر ذهاب العذرة) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَالْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ بِهِمَا لِأَنَّ جَمِيعَ أَحْكَامِ الْوَطْءِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ مِنْ وُجُوبِ الْغُسْلِ وَالْحَدِّ وَالْمَهْرِ وَالْعِدَّةِ وَلُحُوقِ النَّسَبِ وَتَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ وَثُبُوتِ الْإِحْصَانِ وَالْإِحْلَالِ لِلْأَوَّلِ وَفَسَادِ الْعِبَادَاتِ، كَذَلِكَ الْخُرُوجُ مِنْ حُكْمِ الْإِيلَاءِ.
وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا قَالَ الشَّافِعِيُّ فَبِذَهَابِ الْعُذْرَةِ لِأَنَّ الْتِقَاءَ الْخِتَانَيْنِ يُذْهِبُ الْعُذْرَةَ لَا أَنَّ ذَهَابَ الْعُذْرَةِ هِيَ الشَّرْطُ الْمُعْتَبَرُ، فَأَمَّا الْوَطْءُ فِي الدُّبُرِ أَوْ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ فَلَا يُسْقِطُ حُكْمَ الإيلاء والعنة.
(مسألة:) قال الشافعي رضي الله عنه: (فَإِنْ قَالَ لَا أَقْدِرُ عَلَى افْتِضَاضِهَا أُجِّلَ أَجَلَ الْعِنِّينِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا ادَّعَى الْمُولِي الْعُنَّةَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ فَلَا يَخْلُو حَالُهُ فِي هَذِهِ الدَّعْوَى مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَصَابَهَا فِي هَذَا النِّكَاحِ قَبْلَ الْإِيلَاءِ أَوْ لَمْ يُصِبْهَا، فَإِنْ كَانَ قَدْ أَصَابَهَا فِيهِ فَدَعَوَاهُ مَرْدُودَةٌ، لِأَنَّ حُكْمَ الْعُنَّةِ لَا يَثْبُتُ فِي نِكَاحٍ قَدْ وَقَعَتْ فِيهِ إِصَابَةٌ، وَصَارَ بِهَذِهِ الدَّعْوَى كَالْمُمْتَنِعِ مِنَ الْإِصَابَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، فَإِنْ أَصَابَ أَوْ طَلَّقَ وَإِلَّا طَلَّقَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ أَصَابَهَا فِيهِ وَهِيَ عَلَى بَكَارَتِهَا أَوْ كَانَتْ ثَيِّبًا قَبْلَ النِّكَاحِ نُظِرَ.
فَإِنْ كَانَتْ عُنَّتُهُ قَدْ ثَبَتَتْ قَبْلَ الْإِيلَاءِ وَأَجَّلَ لَهَا وَرَضِيَتْ بِالْمُقَامِ مَعَهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ أَجَلِهَا كَانَ مَقْبُولَ الْقَوْلِ فِي الْعُنَّةِ وَلَا يَسْقُطُ بِهِ حُكْمُ الْفَيْئَةِ لَكِنْ يَفِيءُ بِلِسَانِهِ فَيْءَ مَعْذُورٍ وَيُخَيَّرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّلَاقِ، فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُ الْعُنَّةِ قَبْلَ الْإِيلَاءِ وَلَمْ يَدَّعِهَا إِلَّا بَعْدَهُ، فَهَلْ تُقْبَلُ دَعْوَاهُ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَشَارَ إِلَيْهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ قَوْلَهُ

مَقْبُولٌ؛ لِأَنَّ الْعُنَّةَ مِنَ الْعُيُوبِ الْبَاطِنَةِ الَّتِي لَا تُعْرَفُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ فَكَانَ مَقْبُولَ الْقَوْلِ فِيهَا لَكِنْ مَعَ يَمِينِهِ لِإِمْكَانِ كَذِبِهِ، فَعَلَى هَذَا إِذَا حَلَفَ قِيلَ لَهُ عَلَيْكَ أَنْ تَفِيءَ بِلِسَانِكَ فَيْءَ مَعْذُورٍ، فَإِذَا فَاءَ بِلِسَانِهِ أُجِّلَ لِلْعُنَّةِ سَنَةً فَإِنْ أَصَابَ فِيهَا سَقَطَ بِهَا حُكْمُ الْإِيلَاءِ وَالْعُنَّةِ جَمِيعًا، وَإِنْ لَمْ يُصِبْ فِيهَا ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الْعُنَّةِ وَكَانَ لَهَا الْخِيَارُ بَيْنَ الْمُقَامِ أَوِ الْفَسْخِ، فَإِنْ أَقَامَتْ سَقَطَ حَقُّهَا مِنَ الْعُنَّةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا الرُّجُوعُ فِيهِ فَيَسْقُطُ حَقُّهَا مِنَ الْإِيلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا الرُّجُوعُ أَيْضًا لِأَنَّهُ قَدْ فَاءَ لَهَا فَيْءَ مَعْذُورٍ، وَإِنْ لَمْ تَخْتَرِ الْمُقَامَ مَعَهُ فَلِلْحَاكِمِ أَنْ يَقَعَ الْفُرْقَةَ بَيْنَهُمْ قَوْلًا وَاحِدًا بِالْعُنَّةِ وَقَدِ اسْتَوْفَتْ حَقَّهَا مِنَ الْإِيلَاءِ وَالْعُنَّةِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ فَسْخًا فِي الْعُنَّةِ لَا طَلَاقًا فِي الْإِيلَاءِ وَحُكْمُ الْفَسْخِ أَغْلَظُ مِنْ حُكْمِ الطَّلَاقِ، فَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ دَعْوَى الْعُنَّةِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مَتْهُومًا بِدَعْوَاهَا لِيُقْتَنَعَ مِنْهُ بِفَيْءِ الْمَعْذُورِ وَيُنْظَرَ سَنَةً بَعْدَ مُدَّةِ التَّرَبُّصِ فَرُدَّ قَوْلُهُ بِهَذِهِ التُّهْمَةِ وَإِذَا صَارَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مَرْدُودَ الْقَوْلِ قِيلَ لَا يَسْقُطُ عَنْكَ الْمُطَالَبَةُ إِلَّا بِفَيْئَةِ الْجِمَاعِ وَأَنْتَ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الطَّلَاقِ، فَإِنْ فَعَلَ أَحَدَهُمَا وَإِلَّا طَلَّقَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(مَسْأَلَةٌ:)

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ جَامَعَهَا مُحْرِمَةً أَوْ حَائِضًا أَوْ هُوَ مُحْرِمٌ أَوْ صَائِمٌ خَرَجَ مِنْ حُكْمِ الْإِيلَاءِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا وَطِئَهَا الْمُولِي وَطْئًا مَحْظُورًا فِي إِحْرَامٍ، أَوْ صِيَامٍ، أَوْ ظِهَارٍ، أَوْ حَيْضٍ كَانَ فِي سُقُوطِ حَقِّهَا مِنَ الْإِيلَاءِ فِي حُكْمِ الْوَطْءِ الْمُبَاحِ لِثَلَاثَةِ مَعَانٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ جَمِيعَ أَحْكَامِ الْوَطْءِ الْمُبَاحِ يَتَعَلَّقُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مَحْظُورًا فَكَذَلِكَ فِي الإيلاء.
والثاني: أنه قَدْ وَصَلَتْ إِلَى حَقِّهَا مِنْهُ وَإِنْ كَانَ مَحْظُورًا كَوُصُولِهَا إِلَيْهِ إِذَا كَانَ مُبَاحًا.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ الْحِنْثِ بِمَحْظُورِ الْوَطْءِ مَا يَلْزَمُ بِمُبَاحِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ سُقُوطُ الْإِيلَاءِ بِمَثَابَتِهِ، وَخَالَفَ هَذَا قَضَاءَ الدَّيْنِ بِالْمَالِ الْمَغْصُوبِ لِأَنَّهُ يَقَعُ مَوْقِعَ الْحَلَالِ فِي الْمِلْكِ، فَلَمْ يَقَعْ مَوْقِعَهُ فِي الِاسْتِيفَاءِ وَلَوْ وَطِئَهَا وَهِيَ نَائِمَةٌ سَقَطَ حَقُّهَا مِنَ الْإِيلَاءِ لِمَا ذَكَرْنَا، وَلَوِ اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرَهُ وَهُوَ نَائِمٌ، فَفِي سُقُوطِ حَقِّهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: قَدْ سَقَطَ حَقُّهَا لِوُصُولِهَا إِلَى الْإِصَابَةِ وَأَنَّ ذَلِكَ قَدَّرَ عَلَيْهِ الْغُسْلَ وتحريم المصاهرة.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَسْقُطُ حَقُّهَا مِنَ الْإِيلَاءِ؛ لِأَنَّ حَقَّهَا فِي فِعْلِهِ لَا فِي فِعْلِهَا؛ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَحْنَثْ بِذَلِكَ فَلَمْ يَسْقُطْ بِهِ الإيلاء والله أعلم.

(مسألة:)

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ آلَى ثُمَّ جُنَّ فَأَصَابَهَا فِي جُنُونِهِ أَوْ جُنُونِهَا خَرَجَ مِنَ الْإِيلَاءِ وَكَفَّرَ إِذَا أَصَابَهَا وَهُوَ صَحِيحٌ وَلَمْ يُكَفِّرْ إِذَا أَصَابَهَا وهو مجنون لأن القلم عنه مرفوع فِي تِلْكَ الْحَالِ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) رَحِمَهُ اللَّهُ جعل فعل المجنون في جنونه كالصحيح في خروجه من الإيلاء (قال المزني) رحمه الله إذا خرج من الإيلاء في جنونه بالإصابة فكيف لا يلزمه الكفارة ولو لم يلزمه الكفارة ما كان حانثاً وإذا لم يكن حانثاً لم يخرج من الإيلاء) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُولِيَ إِذَا جُنَّ كَانَ زَمَانُ جُنُونِهِ عَلَيْهِ مَحْسُوبًا، لَكِنْ لَا مُطَالَبَةَ عَلَيْهِ حَتَّى يُفِيقَ فَلَا يَبْطُلُ الْوَقْفُ الْأَوَّلُ بِالْجُنُونِ وَيَبْطُلُ بِهِ الْوَقْفُ الثَّانِي، فَإِنْ وَطِئَ فِي جُنُونِهِ لَمْ يَحْنَثْ وَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ بِارْتِفَاعِ الْقَلَمِ عَنْهُ، وَأَنَّ أَفْعَالَهُ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى عَفْوٌ، وَهَلْ يَسْقُطُ بِهَذَا الْوَطْءِ حَقُّهَا مِنَ الْإِيلَاءِ أَمْ لَا، عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَسْقُطُ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهَا قَدْ وَصَلَتْ إِلَى حَقِّهَا مِنَ الْإِصَابَةِ فَإِنْ كَانَ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ كَالْوَاطِئِ نَاسِيًا لَا يَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَيَسْقُطُ بِهِ حُكْمُ الْإِيلَاءِ قَوْلًا وَاحِدًا وَكَالْمُولِي مِنْ إِحْدَى زَوْجَتَيْهِ إِذَا قَصَدَ وطء غير المولى منهما فَخَفِيَتْ عَلَيْهِ وَوَطِئَ الْمُولِي عَنْهَا سَقَطَ حَقُّهَا وإن لم يقصد وطئها، فَتَعَلَّقَ بِهَذَا الْوَطْءِ حَقَّانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يُرَاعَى الْقَصْدُ فِيهِ لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ كَالْمُسْلِمِ إِذَا حَاضَتْ زَوْجَتُهُ الذِّمِّيَّةُ أَجْبَرَهَا عَلَى الْغُسْلِ، وَإِنْ لَمْ يُنْوَ لِأَنَّ فِي غُسْلِهَا حَقَّيْنِ.
أَحَدُهُمَا: لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَصِحُّ إِلَّا بِالنِّيَّةِ وَالْآخَرُ لَهُ وَيَصِحُّ بِغَيْرِ نِيَّةٍ وَهُوَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ لَا فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَلِذَلِكَ أُجْزِئَ بِغَيْرِ نِيَّةٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُزَنِيِّ وَطَائِفَةٍ أَنَّهَا عَلَى حَقِّهَا مِنَ الْفَيْئَةِ وَاسْتِحْقَاقِ الْمُطَالَبَةِ، وَلَا يَسْقُطُ بِهَذِهِ الْإِصَابَةِ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَحْنَثْ بِهَا وَيَلْزَمِ الْكَفَّارَةَ، وَكَانَ وَطْؤُهُ مِنْ بَعْدُ مُوجَبًا بِالْكَفَّارَةِ كَانَ حُكْمُ الْإِيلَاءِ بَاقِيًا.
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْوَجْهَيْنِ، فَإِذَا قُلْنَا بِالْوَجْهِ الْأَوَّلِ إِنَّ حُكْمَ الْإِيلَاءِ قَدْ سَقَطَ فَلَا مُطَالَبَةَ لَهَا وَيَمِينُهُ بَاقِيَةٌ مَتَى وَطِئَهَا حَنِثَ كَمَنْ آلَى مِنْ أَجْنَبِيَّةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا لَمْ يَكُنْ مُولِيًا وَكَانَ حَالِفًا مَتَى وَطِئَهَا حَنِثَ، وَإِذَا قُلْنَا بِالْوَجْهِ الثَّانِي إَِنَّهُ يَكُونُ عَلَى إِيلَائِهِ وَيَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ الْمُطَالَبَةَ بَعْدَ إِقَامَتِهِ فَهَلْ يُجْزِيهِ الْوَقْفُ الْأَوَّلُ أَوْ يُسْتَأْنَفُ لَهُ وَقْفٌ ثَانٍ بَعْدَ الْإِصَابَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: يَجْرِي لَهُ الْوَقْفُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْإِصَابَةَ لَا حُكْمَ لَهَا فَصَارَ وُجُودُهَا كَعَدَمِهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: قَدْ سَقَطَ حُكْمُ الْوَقْفِ الْأَوَّلِ بِهَذِهِ الْإِصَابَةِ وَإِنْ لَمْ يَسْقُطْ بِهَا أَصْلُ الْإِيلَاءِ كَالرَّجْعَةِ بَعْدَ الطَّلَاقِ فَوَجَبَ اسْتِئْنَافُ الْوَقْفِ لِأَنَّهَا قَدِ اسْتَوْفَتْ بِالطَّلَاقِ مَا اسْتَحَقَّتْهُ بِالْوَقْفِ الْأَوَّلِ كَذَلِكَ هَاهُنَا، لِأَنَّهُ وَقْفٌ فِي حَقِّ الْجُنُونِ، قَدِ اسْتَوْفَتْ بِالْإِصَابَةِ، وَإِنْ لَمْ يَحْنَثْ لَهَا مَا اسْتَحَقَّتْهُ بِالْوَقْفِ الْأَوَّلِ فَوَجَبَ إِبْقَاءُ الْإِيلَاءِ أَوْ يُسْتَأْنَفُ لَهُ وَقْفٌ ثَانٍ بَعْدَ الْإِصَابَةِ.

(فَصْلٌ:)

فَأَمَّا إِنْ جُنَّتِ الْمَرْأَةُ الْمُولَى مِنْهَا فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى إِصَابَتِهَا فِي الْجُنُونِ لِهَرَبٍ أَوْ بَطْشٍ لَمْ يُحْسَبْ عَلَيْهَا زَمَانُ جُنُونِهَا، لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ جِهَتِهَا فَإِذَا أَفَاقَتْ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ اسْتُؤْنِفَ الْوَقْفُ، وَإِنْ أَفَاقَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ وَبَعْدَ جُنُونِهَا اسْتَقَرَّ حُكْمُ الْوَقْفِ وَكَانَ لَهَا الْمُطَالَبَةُ مَعَ الْإِفَاقَةِ فَأَمَّا إِذَا أَمْكَنَ الزَّوْجَ إِصَابَتُهَا فِي حَالِ الْجُنُونِ كَانَ زَمَانُ الْجُنُونِ مَحْسُوبًا مِنَ الْوَقْفِ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى الْإِصَابَةِ مِنْ غَيْرِ مَانِعٍ فَإِذَا انْقَضَتِ الْمُدَّةُ لَمْ تَسْتَحِقَّ عَلَيْهَا الْمُطَالَبَةُ مَا كَانَتْ بَاقِيَةً فِي جُنُونِهَا لِأَنَّهُ مُوقَفٌ عَلَى اخْتِيَارِهَا مِنْ شَهْوَتِهَا، فَإِنْ أَصَابَهَا فِي حَالِ الْجُنُونِ سَقَطَ حَقُّهَا مِنَ الْإِيلَاءِ وَوَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ عَلَى الزَّوْجِ بِالْإِصَابَةِ، وَإِنْ لَمْ يُصِبْ لَمْ يُطَالَبْ لَكِنْ يُقَالُ اسْتِحْبَابًا يَنْبَغِي أَنْ تَتَّقِيَ اللَّهَ تَعَالَى فِيهَا فَيَفِيءُ أَوْ يُطَلِّقُ، وَإِنْ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى فَيْئَةٍ أَوْ طَلَاقٍ.

(مسألة:)

قال الشافعي رحمه الله تعالى: (وَالذِّمِّيُّ كَالْمُسْلِمِ فِيمَا يَلْزَمُهُ مِنَ الْإِيلَاءِ إِذَا حَاكَمَ إِلَيْنَا وَحُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ وَاحِدٌ (وَقَالَ) فِي كِتَابِ الْجِزْيَةِ لَوْ جَاءَتِ امْرَأَةٌ تَسْتَعْدِي بِأَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا أَوْ آلَى مِنْهَا أَوْ تَظَاهَرَ حَكَمْتُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ حكمي على المسلمين ولو جاء رجل منهم يطلب حقاً كان على الإمام أن يحكم على المطلوب وإن لم يرض بحكمه (قال المزني) رحمه الله هذا أشبه القولين به لأن تأويل قول الله عز وجل عنده ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ أن تجري عليهم أحكام الإسلام.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَى حُكْمُ الذِّمِّيَّيْنِ إِذَا تَحَاكَمَا إِلَيْنَا، هَلْ يَجِبُ عَلَى حَاكِمِنَا الْحُكْمُ عَلَيْهِمَا جَبْرًا أَوْ يَكُونُ فِي الْحُكْمِ مُخَيَّرًا، عَلَى الْقَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْحُكْمِ وَالتَّرْكِ، وَهُمْ مُخَيَّرُونَ بَيْنَ الِالْتِزَامِ وَالْإِسْقَاطِ لِقَوْلِ الله تعالى ﴿فإن جاؤوك فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: 42] . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ بَيْنَهُمْ وَيَجِبُ عَلَيْهِمُ الْتِزَامُ حُكْمَهُ، لِقَوْلِ اللَّهِ

تَعَالَى ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29] وَالصَّغَارُ أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ فَأَمَّا إِنْ تَحَاكَمَ إِلَيْنَا ذِمِّيَّانِ مِنْ دِينَيْنِ يَهُودِيٍّ وَنَصْرَانِيٍّ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا قَوْلًا وَاحِدًا، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَعْتَقِدُ بُطْلَانَ دِينِ صَاحِبِهِ فَلَزِمَ الْعُدُولُ بِهِمَا إِلَى دِينِ الْحَقِّ الْإِسْلَامِ وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا بَلْ هُوَ عَلَى قَوْلَيْنِ كَمَا لَوْ كَانَا عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ لِأَنَّ الْكُفْرَ كُلَّهُ عِنْدَنَا مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ.

(فَصْلٌ:)

فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا وَتَرَافَعَ إِلَيْنَا مِنْهُمْ زَوْجَانِ فِي طَلَاقٍ أَوْ ظِهَارٍ أَوْ إِيلَاءٍ حُكِمَ بَيْنَهُمَا فِيهِ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: 49] فَإِنْ طَلَّقَ صَحَّ طَلَاقُهُ وَأَلْزَمَهُ حكمه، وإن ظاهر فيأتي حكم ظاهره، وَإِنَّ الْأَصَحَّ إِيلَاؤُهُ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ، وَمَالِكٌ: رَحِمَهُمُ اللَّهُ - لَا يَصِحُّ إِيلَاؤُهُ، لِقَوْلِ اللَّهِ تعالى في آية الإيلاء ﴿فإن فاؤوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 226] ، وَالْغُفْرَانُ وَالرَّحْمَةُ لَا يَسْتَحِقَّانِ مَعَ الْكُفْرِ فَلَمْ يَتَوَجَّهْ بِهِ الإيلاء لا إِلَى الْمُسْلِمِ.
وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ مَنْ صَحَّ إِيلَاؤُهُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى صَحَّ إِيلَاؤُهُ بِاللَّهِ كَالْمُسْلِمِ وَلِأَنَّ مَا صَحَّ بِهِ إِيلَاءُ الْمُسْلِمِ صَحَّ بِهِ إِيلَاءُ غَيْرِ الْمُسْلِمِ كَالْإِيلَاءِ بِغَيْرِ اللَّهِ فَأَمَّا آيَةُ الْإِيلَاءِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ عُمُومَ نَصِّهَا تَنَاوَلَ الْمُسْلِمَ دُونَ الْكَافِرِ لِمَا تَضَمَّنَهُ آخِرُهَا من قوله ﴿فإن فاؤوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 226] ثُمَّ قِيسَ مَنْ آلَى مِنَ الْكُفَّارِ، عَلَى الْمُسْلِمِينَ لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي مَعْنَى الْإِيلَاءِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: 49] فَقِيسَ عَلَى ذَلِكَ طَلَاقُ الذِّمِّيَّاتِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ عُمُومَ نَصِّهَا تَنَاوَلَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارَ، فَعَلَى هَذَا لِأَصْحَابِنَا في قوله في آخرها: ﴿فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم﴾ [البقرة: 226] . أَحَدُهُمَا: أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: 226] عَامٌّ فِي الْمُسْلِمِينَ والكفار، وقوله تعالى ﴿فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم﴾ خَاصٌّ فِي الْمُسْلِمِينَ دُونَ الْكُفَّارِ، فَيَكُونُ أَوَّلُ الْآيَةِ عَامًّا وَآخِرُهَا خَاصًّا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ جَمِيعَهَا عَامٌّ فِي الْمُسْلِمِينَ، وَقَوْلَهُ {فَإِنَّ اللَّهَ غفور

رَحِيمٌ} [البقرة: 226] خَاصٌّ فِي غُفْرَانِ مَأْثَمِ الْإِيلَاءِ وَالْكُفَّارُ قَدْ يُغْفَرُ لَهُمْ مَأْثَمُ الْمَظَالِمِ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ وَلَا يُغْفَرُ لَهُمْ مَأْثَمُ الْأَدْيَانِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى.

(فَصْلٌ:)

فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ يَكُونُ مُولِيًا حُكِمَ بَيْنَهُمْ بِحُكْمِ اللَّهِ فِي الْمُولِي الْمُسْلِمِ مِنْ تَرَبُّصِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ثُمَّ مُطَالَبَتِهِ بَعْدَهَا بِالْفَيْئَةِ أَوِ الطَّلَاقِ فَإِنْ فَعَلَ أَحَدَهُمَا وَإِلَّا طَلَّقَ عَلَيْهِ فِي أَصَحِّ القولين والله أعلم.

(مسألة:)

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَإِذَا كَانَ الْعَرَبِيُّ يَتَكَلَّمُ بِأَلْسِنَةِ الْعَجَمِ وَآلَى بِأَيِّ لِسَانٍ كَانَ مِنْهَا فَهُوَ مُولٍ فِي الْحُكْمِ وَإِنْ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِأَعْجَمِيَّةٍ فَقَالَ مَا عَرَفْتُ مَا قُلْتُ وَمَا أَرَدْتُ إيْلَاءً فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا آلَى الْعَرَبِيُّ بِالْأَعْجَمِيَّةِ لَمْ يَخْلُ حَالُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَعْرِفَ الْأَعْجَمِيَّةَ وَيَتَكَلَّمَ بِهَا فَهَذَا يَكُونُ مُولِيًا بِهَا كَمَا يَكُونُ مُولِيًا بِالْعَرَبِيَّةِ لِأَنَّ الْإِيلَاءَ لَا يَخْتَصُّ بِلِسَانٍ دُونَ لِسَانٍ وَلَيْسَ مَا يَقِفُ على العربية إلا بالقرآن، وَمَا سِوَاهُ فَيَجُوزُ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْهُ بِكُلِّ لسان، فلو قال قتله وما أرادت بِهِ الْإِيلَاءَ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ فِي هَذَا الظاهر، ولم يدين فِي الْبَاطِنِ كَمَا لَوِ ادَّعَى ذَلِكَ فِي اللَّفْظِ الْعَرَبِيِّ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَعْرِفَ الْأَعْجَمِيَّةَ لَكِنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ فَيَكُونُ مُولِيًا بِهَا، فَإِنْ قال ما أرادت الْإِيلَاءَ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ فِي الظَّاهِرِ وَدِينَ فِي الْبَاطِنِ، لِأَنَّ تَرْكَهُ الْكَلَامَ بِهَا يَحْتَمِلُ مَا قَالَهُ فَلِأَجْلِ ذَلِكَ دِينَ فِيهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَعْرِفَ الْعَجَمِيَّةَ فَيُسْأَلُ عَنْ ذلك، فإن قال أرادت بِهِ الْإِيلَاءَ كَانَ مُولِيًا بِإِقْرَارِهِ وَإِنْ قَالَ مَا عَرَفْتُهُ وَلَا أَرَدْتُ بِهِ الْإِيلَاءَ قُبِلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ لِاحْتِمَالِ كَذِبِهِ وَلَا نَجْعَلُهُ مُولِيًا فِي الظَّاهِرِ وَلَا فِي الْبَاطِنِ وَإِنْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ رُدَّتْ عَلَى الْمَرْأَةِ، فَإِذَا حَلَفَتْ حُكِمَ عليه الإيلاء، وَإِنْ نَكَلَتْ فَلَا إِيلَاءَ عَلَيْهِ، وَهَكَذَا الْأَعْجَمِيُّ إِذَا آلَى بِالْعَرَبِيَّةِ كَانَ عَلَى هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ الثلاثة والله أعلم.
(مسألة:) قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ آلَى ثُمَّ آلَى فَإِنْ حَنِثَ فِي الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ لَمْ يَعُدْ عَلَيْهِ الْإِيلَاءُ وَإِنْ أَرَادَ بِالْيَمِينِ الثَّانِيَةِ الْأُولَى فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ وَإِنْ أَرَادَ غَيْرَهَا فَأُحِبُّ كَفَّارَتَيْنِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا آلَى مَرَّةً ثُمَّ آلَى ثَانِيَةً انْقَسَمَ حَالُهُ فِيهَا أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْيَمِينَانِ مِنْ جِنْسَيْنِ وَعَلَى زَمَانَيْنِ كَقَوْلِهِ: وَاللَّهِ لَا أَطَؤُكِ سَنَةً

فَإِذَا مَضَتْ فَإِنْ وَطِئْتُكِ بَعْدَهَا فَعَبْدِي حُرٌّ فَهُمَا إِيلَاءَانِ لَا يَكُونُ الْحِنْثُ فِي أَحَدِهِمَا حِنْثًا فِي الْآخَرِ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسَيْنِ وَالزَّمَانَيْنِ وَلَا الْوَاجِبُ فِي أَحَدِهِمَا وَاجِبٌ فِي الْآخَرِ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسَيْنِ فَإِذَا وَطِئَ بَعْدَهَا فِي السَّنَةِ الْأُولَى حَنِثَ بِاللَّهِ تَعَالَى وَلَزِمَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَإِذَا وَطِئَ بَعْدَهَا حَنِثَ بِالْعِتْقِ وَعُتِقَ عَلَيْهِ عَبْدُهُ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَا مِنْ جِنْسَيْنِ وَعَلَى زَمَانٍ وَاحِدٍ كَقَوْلِهِ: إِنْ وَطِئْتُكِ سَنَةً فَمَالِي صَدَقَةٌ ثُمَّ يَقُولُ: إِنْ وَطِئْتُكِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَهُوَ إِيلَاءٌ وَاحِدٌ بِيَمِينَيْنِ يكون الحنث فيه واحد لِأَنَّ الزَّمَانَ وَاحِدٌ وَالْوَاجِبُ فِيهِ شَيْئَيْنِ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ فَتُطَلَّقُ عَلَيْهِ بِالْحِنْثِ وَيَكُونُ فِي الصَّدَقَةِ فماله مخيراً بين الصدقة وبي 5 ن كَفَّارَةِ يَمِينٍ لِأَنَّهُ نَذْرُ لَجَاجٍ خَرَجَ مَخْرَجَ الْيَمِينِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَعَلَى زَمَانَيْنِ كَقَوْلِهِ: وَاللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ خمسة أَشْهُرٍ فَإِذَا مَضَتْ فَوَاللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ سَنَةً فَهُوَ إِيلَاءَانِ لَا يَكُونُ الْحِنْثُ فِي أَحَدِهِمَا حِنْثًا فِي الْآخَرِ لِاخْتِلَافِ الزَّمَانَيْنِ وَالْوَاجِبُ فِي أَحَدِهِمَا مِثْلُ الْوَاجِبِ فِي الْآخَرِ لِتَمَاثُلِ الْيَمِينَيْنِ فَإِذَا حَنِثَ فِي الْأَوَّلِ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَإِذَا حَنِثَ فِي الثَّانِي فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَعَلَى زَمَانٍ وَاحِدٍ كَقَوْلِهِ وَاللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ سَنَةً ثُمَّ يَقُولُ لَا وَطِئْتُكِ سَنَةً وَيُرِيدُ بِهِمَا سَنَةً وَاحِدَةً فَهُوَ إِيلَاءٌ وَاحِدٌ بِيَمِينَيْنِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فَيَكُونُ الْحِنْثُ فِيهِمَا وَاحِدًا كَانَ الزَّمَانُ وَاحِدًا أَمْ لَا، وَلَا يَخْلُ حَالُهُ فِي الْيَمِينَيْنِ الْمُتَمَاثِلَيْنِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُرِيدَ بِالثَّانِيَةِ تَأْكِيدَ الْأُولَى فَلَا يَلْزَمُهُ إِلَّا دَاخِلٌ فِي حُكْمِ الْمُؤَكَّدِ كَمَا لَوْ كَرَّرَ الطَّلَاقَ تَأْكِيدًا لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا طَلَاقٌ وَاحِدٌ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يُرِيدَ بِالْيَمِينِ الثَّانِيَةِ الِاسْتِئْنَافَ فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ هَاهُنَا لِأَنَّهُ قَالَ فَأُوجِبُ كَفَّارَتَيْنِ، فَجَعَلَ الثَّانِيَةَ مُسْتَحَبَّةً لَا وَاجِبَةً، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْيَمِينَ الثَّانِيَةَ لَمْ تُفِدْ غَيْرَ مَا أَفَادَتِ الْأُولَى فَلَمْ تُوجِبْ غَيْرَ مُوجَبِ الْأُولَى، وَلِأَنَّ الْحُرْمَتَيْنِ إِذَا اتَّفَقَتَا فِي الْمُوجِبِ تَدَاخَلَتَا كَالْمُحْرِمِ إِذَا قَتَلَ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ لَزِمَهُ جَزَاءٌ وَاحِدٌ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: عَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ.
وَوَجْهُهُ: إِنَّ حُرْمَةَ الْيَمِينِ الثَّانِيَةِ كَحُرْمَةِ الْيَمِينِ الْأُولَى فَوَجَبَ أَنْ يُوجِبَ مِثْلَ حُكْمِ الْأُولَى، وَلِأَنَّهُمَا يَمِينَانِ مَقْصُودَتَانِ فَلَمْ يَتَدَاخَلْ مُوجِبُهُمَا كَالْجِنْسَيْنِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يُطْلِقَ الْيَمِينَ الثَّانِيَةَ فَلَا يُرِيدُ بِهَا التَّأْكِيدَ كَالْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَلَا يُرِيدُ بِهَا الِاسْتِئْنَافَ كَالْقِسْمِ الثَّانِي، فَإِنْ قِيلَ لَوْ أَرَادَ الِاسْتِئْنَافَ لَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ فَفِي

الْإِطْلَاقِ أَوْلَى أَنْ يَلْزَمَهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِنْ قِيلَ لَوْ أَرَادَ الِاسْتِئْنَافَ لَزِمَتْهُ كَفَّارَتَانِ فَفِيهِ إِذَا أُطْلِقَ قَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلِهِ فِيمَنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ وَلَمْ يُرِدْ تَأْكِيدًا وَلَا اسْتِئْنَافًا، فَأَحَدُ قَوْلَيْهِ يَلْزَمُهُ طَلْقَتَانِ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا يَلْزَمُهُ كَفَّارَتَانِ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي يَلْزَمُهُ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ وَكَذَلِكَ هَاهُنَا يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ واحدة.

(مسألة:)

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَقَدْ زَعَمَ مَنْ خَالَفَنَا فِي الْوَقْفِ أَنَّ الْفَيْئَةَ فِعْلٌ يُحْدِثُهُ بَعْدَ الْيَمِينِ فِي الْأَرْبَعَةِ الأشهر إما بجماع أو فيء معذور بلسانه وزعم أن عزيمة الطلاق انقضاء أربعة أشهر بغير فعل يحدثه وقد ذكرهما الله تعالى بلا فصل بينهما فقلت له أرأيت أن لَوْ عَزَمَ أَنْ لَا يَفِيءَ فِي الْأَرْبَعَةِ الأشهر أيكون طلاقاً؟ قال لا حتى يطلق قلت فكيف يكون انقضاء الأربعة الأشهر طلاقاً بغير عزم ولا إحداث شيء لم يكن؟) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا فَصْلٌ قَصَدَ الشَّافِعِيُّ فِيهِ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ انْقِضَاءُ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ مُوجِبًا لِلطَّلَاقِ فَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِشَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنْ قَالَ لما كان لو عزم أن لا يفي فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ لَمْ يَكُنْ طَلَاقًا حَتَّى يُطَلِّقَ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ تَرْكُ الْعَزْمِ بِمُضِيِّ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ طَلَاقًا حَتَّى يُطَلِّقَ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ فَحْوَى كَلَامِهِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ الْفَيْئَةِ وَالطَّلَاقِ ثُمَّ لَمْ تَكُنِ الْفَيْئَةُ إِلَّا مِنْ فِعْلِهِ فَكَذَلِكَ الطَّلَاقُ، وَقَدْ مَضَى ذِكْرُ الْحِجَاجِ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ مُسْتَوْفًى وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

(باب إيلاء الخصي غير المجبوب والمجبوب)

(مِنْ كِتَابِ الْإِيلَاءِ وَكِتَابِ النِّكَاحِ وَإِمْلَاءٌ عَلَى مسائل مالك)

(مسألة:)

قال الشافعي رحمه الله تعالى: (وَإِذَا آلَى الْخَصِيُّ مِنِ امْرَأَتِهِ فَهُوَ كَغَيْرِ الْخَصِيِّ إِذَا بَقِيَ مِنْ ذَكَرِهِ مَا يَنَالُ بِهِ مِنَ الْمَرْأَةِ مَا يَبْلُغُ الرَّجُلُ حَتَّى يُغَيِّبَ الْحَشَفَةَ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْخَصِيُّ فَهُوَ الْمَسْلُولُ الْأُنْثَيَيْنِ السَّلِيمُ الذَّكَرِ، فَإِيلَاؤُهُ صَحِيحٌ كَإِيلَاءِ الْفَحْلِ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى الْإِصَابَةِ كَقُدْرَتِهِ بَلْ رُبَّمَا كَانَ جِمَاعُهُ أَقْوَى وَأَمَدَّ لِعَدَمِ إِنْزَالِهِ، وقيل أنه قد ينزل ماءاً رَقِيقًا أَصْفَرَ، وَلِذَلِكَ أُلْحِقَ بِهِ الْوَلَدُ فَيُوقَفُ ثُمَّ يُطَالَبُ بِالْفَيْئَةِ أَوْ بِالطَّلَاقِ وَفَيْئَتُهُ بِالْجِمَاعِ دُونَ اللِّسَانِ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْإِصَابَةِ، فَإِنِ ادَّعَى الْعُنَّةَ كَانَ كَالْفَحْلِ إِذَا ادَّعَاهَا وَهَكَذَا إِنْ آلَى قَبْلَ الْخَصْيِ ثُمَّ خُصِيَ كَانَ عَلَى إِيلَائِهِ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْخَصْيُ، لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُؤَثِّرْ فِي الِابْتِدَاءِ فَأَوْلَى أَنْ لَا يؤثر في الاستدامة.
(مسألة:) قال الشافعي رضي الله عنه: (وإن كان مجبوباً قيل له فيء بِلِسَانِكَ لَا شَيْءَ عَلَيْكَ غَيْرَهُ لِأَنَّهُ مِمَّنْ لَا يُجَامِعُ مِثْلُهُ (وَقَالَ فِي الْإِمْلَاءِ) وَلَا إِيلَاءَ عَلَى الْمَجْبُوبِ لِأَنَّهُ لَا يُطِيقُ الْجِمَاعَ أبداً (قال المزني) رحمه الله تعالى إذا لم نجعل ليمينه معنى يمكن إن يحنث به سقط الإيلاء فهذا بقوله أولى عندي) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَالَ الْمُزَنِيُّ أَمَّا الْمَجْبُوبُ: فَهُوَ الْمَقْطُوعُ الذَّكَرِ السَّلِيمُ الْأُنْثَيَيْنِ.
وَالْمَمْسُوحُ هُوَ الْمَقْطُوعُ (الذَّكَرِ) السَّلِيمُ الْأُنْثَيَيْنِ وَهُمَا فِي حُكْمِ الْإِيلَاءِ سَوَاءٌ، وَلَهُ فِي قَطْعِ الذَّكَرِ حَالَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنْ يُقْطَعَ بَعْضُهُ وَيَبْقَى مَا يُولِجُ بِهِ فإيلائه صَحِيحٌ كَإِيلَاءِ الْفَحْلِ (السَّلِيمِ) وَفَيْئَتُهُ بِإِيلَاجِ الْبَاقِي مِنْ ذَكَرِهِ إِنْ كَانَ يَقْدُرُ الْحَشَفَةَ مِثْلَ الْمُسْتَحَقِّ مِنْ إِيلَاجِ السَّلِيمِ، وَيَجْرِي الْبَاقِي مِنْهُ مَجْرَى الذَّكَرِ الصَّغِيرِ، فَإِنْ كَانَ الْبَاقِي مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ حَشَفَةِ السَّلِيمِ، فَفِي قَدْرِ مَا يَلْزَمُهُ إِيلَاجُهُ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: جَمِيعُهُ.
وَالثَّانِي: قدر الحشفة.

والحالة الثانية: أن يقطع جميعه ففيه قولان لَا إِيلَاءَ عَلَيْهِ قَالَهُ فِي الْإِمْلَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْخِلْ بِيَمِينِهِ ضَرَرًا عَلَى زَوْجَتِهِ، فَعَلَى هَذَا لَا وَقْفَ وَلَا مُطَالَبَةَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: قَالَهُ هَاهُنَا، وَفِي كِتَابِ (الْأُمِّ) يَكُونُ مُولِيًا، لِأَنَّهُ قَصَدَ الْإِضْرَارَ بِقَوْلِهِ فَإِنْ كَانَ عَاجِزًا فَصَارَ كَقَصْدِهِ الْإِضْرَارَ بِفِعْلِهِ كَالْمَرِيضِ، فَعَلَى هَذَا يُوقَفُ لَهَا مُدَّةَ التَّرَبُّصِ ثُمَّ يُطَالَبُ بَعْدَهَا بِالْفَيْئَةِ أَوِ الطَّلَاقِ، إِلَّا أَنَّهَا فَيْئَةُ مَعْذُورٍ بِاللِّسَانِ فَيَقُولُ لَسْتُ أَقْدِرُ عَلَى الْوَطْءِ وَلَوْ أَقْدَرَنِي اللَّهُ عَلَيْهِ لَوَطِئْتُ فَيَسْقُطُ بِهَذِهِ الْفَيْئَةِ حُكْمُ الْإِيلَاءِ وَلَمْ تَجِبْ بِهَا الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّهُ لم يحنث.

(مسألة:)

قال الشافعي رحمه الله تعالى: (وَلَوْ آلَى صَحِيحًا ثُمَّ جُبَّ ذَكَرُهُ كَانَ لَهَا الْخِيَارُ مَكَانَهَا فِي الْمُقَامِ مَعَهُ أَوْ فِرَاقَهُ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا إِذَا آلَى الْفَحْلُ ثم خصي فهو على إيلائه لأنه الْخَصْيَ لَمَّا لَمْ يَمْنَعِ ابْتِدَاءَ الْإِيلَاءِ فَأَوْلَى أَنْ لَا يَمْنَعَ مِنِ اسْتَدَامَتِهِ، فَأَمَّا إِذَا آلَى ثُمَّ جُبَّ ذَكَرُهُ فَلَهَا خِيَارُ الْفَسْخِ فِي الْجَبِّ مِنْ وَقْتِهِ، لِأَنَّهُ أَحَدُ عُيُوبِ الْأَزْوَاجِ الْمُوجِبَةِ لِاسْتِحْقَاقِ الْفَسْخِ وَسَوَاءٌ كَانَ قَدْ أصابها قبل الجب أو لم يصيبها فَإِنَّهَا تَسْتَحِقُّ بِهِ الْفَسْخَ بِخِلَافِ الْعِنِّينِ إِذَا أَصَابَ قَبْلَ الْعُنَّةِ حَيْثُ لَمْ يَجِبْ لَهَا الفسخ لأن إصابة العنيين تَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ عُنَّتِهِ وَإِصَابَةَ الْمَجْبُوبِ لَا تَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ جَبِّهِ، وَإِنْ فَسَخَتْ بِالْجَبِّ سَقَطَ حُكْمُ الْإِيلَاءِ، وَإِنْ لَمْ تَفْسَخْ بِالْجَبِّ فَفِي سُقُوطِ الْإِيلَاءِ بِهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: قَدْ سقط إيلاءه بِحُدُوثِ الْجَبِّ إِذَا قِيلَ إِنَّهُ يَسْقُطُ إِذَا تَقَدَّمَ الْجَبُّ، فَعَلَى هَذَا يَسْقُطُ الْبَاقِي مِنْ مُدَّةِ التَّرَبُّصِ وَلَا يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ الْمُطَالَبَةُ بِفَيْئَةٍ وَلَا طَلَاقٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ إِيلَاءَهُ لَا يَسْقُطُ إِذَا تَقَدَّمَ الْجَبَّ، فَعَلَى هَذَا يُسْتَكْمَلُ الْوَقْفُ ثُمَّ يُطَالَبُ بَعْدَهُ بِالْفَيْئَةِ أَوِ الطَّلَاقِ، وَفَيْئَتُهُ فَيْئَةُ مَعْذُورٍ بِاللِّسَانِ، فَإِنِ امْتَنَعَ مِنْهُمَا طلق عليه الحكم فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ كَالْفَحْلِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

(كِتَابُ الظِّهَارِ)

(بَابُ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الظِّهَارُ ومن لا يجب عليه)

(مِنْ كِتَابَيْ ظِهَارٍ قَدِيمٍ وَجَدِيدٍ)

(مَسْأَلَةٌ:)

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: (قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: 3] الْآيَةَ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الظِّهَارُ فَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الظَّهْرِ لِأَنَّهُ يَقُولُ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي أَيْ ظَهْرُكِ مُحَرَّمٌ عَلَيَّ كَتَحْرِيمِ ظَهْرِهَا وَخُصَّ الظَّهْرُ لِاخْتِصَاصِهِ بِالرُّكُوبِ وَقَدْ كَانَ الظِّهَارُ طَلَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا رَجْعَةَ بَعْدَهُ وَكَذَلِكَ الْإِيلَاءُ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ عُمِلَ بِهِ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ نُزُولِ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ حُكْمُهُ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُمِلَ بِهِ ثُمَّ نُسِخَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: لم يعمل به حتى تبين.
وَالسَّبَبُ فِي نُزُولِ حُكْمِ الظِّهَارِ مَا رَوَاهُ قَتَادَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ أَوْسَ بْنَ الصَّامِتِ ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ فَشَكَتْ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَقَالَتْ: ظَاهَرَ مِنِّي حِينَ كَبِرَتْ سِنِّي وَرَقَّ عظمي.
وفي رواية بعد أن نثلث لَهُ كِنَانَتِي وَقَدُمَتْ مَعَهُ صُحْبَتِي وَابْنُهُ صِبْيَةٌ إن ضمهم إلي جاعا وإن ضمهم إليه ضاعا إِلَى اللَّهِ أَشْكُو عَجْزِي وَقَحْرِي - أَيْ هُمُومِي وَأَحْزَانِي -. قَالَ أَنَسٌ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى آيَةَ الظِّهَارِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لأوس أعتق رقبة فقال: مالي بِذَلِكَ يَدَانِ فَقَالَ: صُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فَقَالَ: أَمَا إِنِّي إِذَا أَخْطَأَنِي أَنْ آكُلَ فِي الْيَوْمِ يَكِلُّ بَصَرِي.
قَالَ: فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا قَالَ: مَا أَجِدُ إِلَّا أَنْ تُعِينَنِي مِنْكَ بِعَوْنٍ وَصِلَةٍ قَالَ: فَأَعَانَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِخَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا حَتَّى جَمَعَ الْآيَةَ اللَّهُ له (والله غفور رحيم) . وَرَوَى هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ ظَاهَرَ فِي الْإِسْلَامِ زَوْجُ خَوْلَةَ فَأَتَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: مَا أَتَانِي فِي هذا شيء فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نَالَ مِنِّي وَجَعَلَتْ تَشْكُو إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَبَيْنَمَا هُمَا كَذَلِكَ إِذْ نَزَلَ الْقُرْآنُ ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة: 1] إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فتحرير

رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} [المجادلة: 3] ثُمَّ حُبِسَ الْوَحْيُ فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إليها فتلى عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: مَا نَجِدُ رَقَبَةً فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - هُوَ ذَلِكَ فَبَيْنَمَا هِيَ كَذَلِكَ إِذْ نَزَلَ الْوَحْيُ ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 4] ثُمَّ حُبِسَ الْوَحْيُ فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فتلى الْوَحْيَ عَلَيْهَا فَقَالَتْ: مَا نَسْتَطِيعُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - هُوَ ذَلِكَ فَبَيْنَمَا هِيَ كَذَلِكَ إِذْ نَزَلَ الْوَحْيُ ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: 4] فَانْصَرَفَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَتَلَاهَا عَلَيْهَا فقَالَتَ: مَا نَجِدُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: إِنَّا سَنُعِينُهُ) . قَالَ أَصْحَابُنَا: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ الثَّلَاثُ.
فَالْأُولَى: فِي قِصَّتِهَا.
وَالثَّانِيَةُ: فِي قِصَّتِهِ.
وَالثَّالِثَةُ: فِي بَيَانِ حُكْمِ كُلِّ مُظَاهِرٍ لِكَوْنِهَا عَامَّةً هَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي نُزُولِ آيِ الظِّهَارِ وَبَيَانِ حُكْمِهِ.
ثُمَّ حَدَثَتْ قِصَّةٌ أُخْرَى بَعْدَ اسْتِقْرَارِ حُكْمِ الظِّهَارِ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ قَالَ: كُنْتُ امْرَأً يُصِيبُ مِنَ النِّسَاءِ مَا لَا يُصِيبُهُ غَيْرِي فَلَمَّا أَظَلَّنِي شَهْرُ رَمَضَانَ خَشِيتُ أَنْ لَا أَنْزَعَ عَنْهَا إِلَى أَنْ يُدْرِكَنِيَ الْفَجْرُ فَتَظَاهَرْتُ مِنْهَا فَخَدَمَتْنِي فِي لَيْلَةٍ قمراً فَرَأَيْتُ سَاقَهَا فَلَمْ أَلْبَثْ أَنْ وَثَبْتُ إِلَيْهَا فَجَامَعْتُهَا ثُمَّ انْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: أَعْتِقْ رَقَبَةً، فَقُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيًّا مَا أَمْلِكُ رَقَبَةً غَيْرَ هَذِهِ وَضَرَبْتُ بِيَدِي إِلَى رَقَبَتِي فَقَالَ: صُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فَقُلْتُ: وَهَلْ أَصَابَنِي مَا أَصَابَنِي إِلَّا مِنَ الصَّوْمِ فَقَالَ: أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: لَقَدْ بِتْنَا ليلتنا هذه ومالنا طَعَامٌ نَأْكُلُهُ فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَى صَدَقَةِ بَنِي زُرَيْقٍ فَخُذْهَا وَأَطْعِمْ مِنْهَا سِتِّينَ مِسْكِينًا وَكُلْ أَنْتَ وَأَهْلُكَ الْبَاقِي.
فَخَبَرُ خَوْلَةَ مَعَ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ سَبَبٌ لِبَيَانِ حُكْمِ الظِّهَارِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ وَخَبَرُ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ مَعَ امْرَأَتِهِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ حُكْمِهِ وَظُهُورِ مَا نزل فيه والله أعلم.

(مسألة:)

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَكُلُّ زَوْجٍ جَازَ طَلَاقُهُ وَجَرَى عَلَيْهِ الْحُكْمُ مِنْ بَالِغٍ جَرَى عَلَيْهِ الظِّهَارُ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا أَوْ ذِمِّيًّا) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ يَصِحُّ ظِهَارُ الذِّمِّيِّ كَمَا يَصِحُّ ظِهَارُ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَصِحُّ ظهار العبد.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَصِحُّ ظِهَارُ الْكَافِرِ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: 2] وَلَيْسَ الْكَافِرُ مِنَّا فَخَرَجَ مِنْ حُكْمِ الظِّهَارِ وَالْعَبْدُ وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا فَهُوَ غَيْرُ دَاخِلٍ فِيمَا قُصِدَ بِهِ التَّمَيُّزُ وَالتَّشْرِيفُ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: 2] فَجَعَلَهُ بِالظِّهَارِ قَائِلًا مُنْكَرًا وَزُورًا وَالْكَافِرُ قَائِلٌ بِالشِّرْكِ وَجَحْدِ النُّبُوَّةِ وَهُوَ أَعْظَمُ وَأَغْلَظُ ثُمَّ قَالَ ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [المجادلة: 2] وَالْكَافِرُ لَا يَتَوَجَّهُ مِثْلُ هَذَا الْخِطَابِ إِلَيْهِ ثُمَّ أَمَرَ الْمُظَاهِرَ بِالْكَفَّارَةِ وَهِيَ عِتْقُ رَقَبَةٍ وَهِيَ لَا تَصِحُّ مِنَ الْعَبْدِ لِأَنَّهُ عِنْدَكُمْ لَا يَمْلِكُ وَلَا مِنَ الْكَافِرِ لِأَنَّ الرَّقَبَةَ الَّتِي يُعْتِقُهَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مُؤْمِنَةً وَالْكَافِرُ لَا يَمْلِكُ عَبْدًا مُسْلِمًا ثُمَّ قَالَ ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: 4] وَالصَّوْمُ لَا يَصِحُّ مِنَ الْكَافِرِ فَدَلَّتْ هَاتَانِ الْآيَتَانِ عَلَى خُرُوجِ الْعَبْدِ مِنْهَا عِنْدَ مَالِكٍ وَعَلَى خُرُوجِ الْكَافِرِ مِنْهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ثُمَّ بَنَى أَبُو حَنِيفَةَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ التَّكْفِيرَ لَا يَصِحُّ مِنْهُ فَلَا يَصِحُّ الظِّهَارُ.
وَاسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّكْفِيرَ لَا يَصِحُّ مِنْهُ مَعَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الْآيَةِ بِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ فَلَمْ تَصِحَّ مِنَ الْكَافِرِ كَالزَّكَاةِ، وَلِأَنَّ التَّكْفِيرَ تَغْطِيَةٌ لِلذَّنْبِ وَإِسْقَاطٌ لِلْمَأْثَمِ وَهَذَا لَا يَصِحُّ مِنَ الْكَافِرِ.
وَاسْتَدَلَّ عَلَى هَذَا: بِأَنَّ مَنْ لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ التكفير لم يصح منه الظهار كالمجنون.
دليلنا: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 3] وَمِنَ الْآيَةِ دَلِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: عُمُومُهَا الْمُنْطَلِقُ عَلَى الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ.
وَالثَّانِي: قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [المجادلة: 4] وَتَوَجُّهُ ذَلِكَ إِلَى الْكَافِرِ فِي ابْتِدَاءِ الْإِيمَانِ أَخَصُّ مِنْ تَوَجُّهِهِ إِلَى الْمُسْلِمِ فِي اسْتِدَامَةِ الْإِيمَانِ فَكَانَ أَسْوَأُ الْأَحْوَالِ أَنْ يَكُونَا فِيهَا سَوَاءً، فَإِنْ قَالُوا: هَذِهِ الْآيَةُ وَإِنْ جَازَ أَنْ تَكُونَ عَامَّةً فِي الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ فَالْآيَةُ الَّتِي قَبْلَهَا فِي الْمُسْلِمِ دُونَ الْكَافِرِ وَمِنْ مَذْهَبِكُمْ حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ فَلَزِمَكُمْ أَنْ تَحْمِلُوا عُمُومَ الثَّانِيَةِ عَلَى خُصُوصِ الْأُولَى.
قِيلَ: إِنَّمَا يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ إِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْأُولَى خَاصَّةً إِذَا كَانَ الْحُكْمُ فِيهِمَا وَاحِدًا فَأَمَّا فِي الْحُكْمَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ فَلَا يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَالْحُكْمُ فِي الِاثْنَيْنِ مُخْتَلِفٌ لِأَنَّ الْآيَةَ الْأُولَى فِي تَحْرِيمِ الظِّهَارِ وَالْآيَةَ الثَّانِيَةَ فِي حُكْمِ الظِّهَارِ فَإِنْ قَالُوا: فَالثَّانِيَةُ عَطْفٌ عَلَى الْأُولَى وَحُكْمُ الْعَطْفِ حُكْمُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ قُلْنَا: هَذَا فِيمَا لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ فَإِنِ اسْتَقَلَّ لَمْ يُشَارِكِ الْمَعْطُوفَ عَلَيْهِ فِي حُكْمِهِ.
أَلَا تَرَاهُ لَوْ قَالَ: اضْرِبْ زَيْدًا وَعَمْرًا كَانَ عَمْرًا مَعْطُوفًا عَلَى زَيْدٍ فِي الضَّرْبِ لِأَنَّ ذِكْرَ زَيْدٍ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ، وَلَوْ قَالَ: اضْرِبْ زَيْدًا وَأَكْرِمْ عَمْرًا لَمْ يَصِرْ عَطْفًا عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ لِاسْتِقْلَالِهِ وَإِنْ كَانَ عَطْفًا عَلَيْهِ فِي الذِّكْرِ.
وَلِأَنَّ الظِّهَارَ طَلَاقٌ نُقِلَ إِلَى غَيْرِهِ فَصَحَّ مِنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ كَالْإِيلَاءِ، وَلِأَنَّ مَنْ صَحَّ

طَلَاقُهُ صَحَّ ظِهَارُهُ كَالْمُسْلِمِ؛ وَلِأَنَّ مَا صَحَّ مِنَ الْمُسْلِمِ فِي زَوْجَتِهِ صَحَّ مِنَ الْكَافِرِ كَالطَّلَاقِ، وَلِأَنَّ الْأَحْكَامَ الْمُخْتَصَّةَ بِالنِّكَاحِ خَمْسَةٌ: الطَّلَاقُ وَالظِّهَارُ وَالْإِيلَاءُ وَالْعِدَّةُ وَالنَّسَبُ فَلَمَّا تَسَاوَى الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ فِي سَائِرِهَا وَجَبَ أَنْ يُسَاوِيَهُ فِي الظِّهَارِ.
. فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يظاهرون منكم من نسائهم﴾ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهَا وَارِدَةٌ فِي التَّحْرِيمِ وَهُوَ يَخُصُّ الْمُسْلِمَ وَالَّتِي بَعْدَهَا فِي الْحُكْمِ وَهُوَ يَعُمُّ الْمُسْلِمَ وَالْكَافِرَ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا وَإِنْ خَصَّتِ الْمُسْلِمَ نُطْقًا فَقَدْ عَمَّتِ الْمُسْلِمَ وَالْكَافِرَ حُكْمًا إِمَّا تَنْبِيهًا وَإِمَّا قِيَاسًا كَمَا قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: 49] فَكَانَ الْكَافِرُ كَذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ الله لعفو غفور﴾ . فهذا القول بالكافر أخص وليس إذا قال بالكفر منكراً وزوراً لم يقل بالظهار منكرا وزوراً.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا يَقُولُهُ بِالْكُفْرِ مِنَ الْمُنْكَرِ وَالزُّورِ أَعْظَمُ ثُمَّ لَا يَلْزَمُ بِهِ الْكَفَّارَةُ فَبِأَنْ لَا يَلْزَمُهُ بِالظِّهَارِ أَوْلَى قِيلَ: إِذَا لَمْ تَجِبِ الْكَفَّارَةُ بِأَغْلَظِ الْمُنْكَرَيْنَ لَمْ تَجِبْ بِأَخَفِّهِمَا، أَلَا تَرَى أَنَّ رِدَّةَ الْمُسْلِمِ إِذَا تَابَ مِنْهَا أَعْظَمُ مِنْ ظِهَارِهِ وَلَا يَدُلُّ سُقُوطُ الْكَفَّارَةِ عَنْهُ فِي رِدَّتِهِ عَلَى سُقُوطِهَا عَنْهُ فِي ظِهَارِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لعفو غفور﴾ فَفِيهِ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: عَفُوٌ عَنِ الْكَفَّارَةِ بِقَبُولِهَا إِذَا أُدِّيَتْ وَالثَّانِي: عَفُوٌ إِنْ أَسْلَمَ.
وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ الْكَفَّارَةُ لِأَنَّهَا عِتْقُ مُسْلِمٍ عِنْدَكُمْ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ مُسْلِمًا فَهُمْ يَقُولُونَ إِنَّهُ يُجْزِئُ عِتْقُ كَافِرٍ وَهُوَ يَمْلِكُ كَافِرًا، عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَصِحُّ مِنْهُ عِتْقُ مُسْلِمٍ إِذَا وَرِثَ عَبْدًا مُسْلِمًا وَإِمَّا بِأَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ كَافِرًا فِي يَدِهِ فَيُسْلِمُ فِي مِلْكِهِ، وَإِمَّا بِأَنْ يَقُولَ لِلْمُسْلِمِ أَعْتِقْ عَنِّي عَبْدَكَ هَذَا الْمُسْلِمَ فَيُجْزِئُ، وَقَوْلُهُمْ: لَا يَصِحُّ مِنْهُ الصَّوْمُ فِيهَا لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ وَلَيْسَ إِذَا لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ الصَّوْمُ فِي الْكَفَّارَةِ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ كَالْمُرْتَدِّ وَالْكَفَّارَةِ فِي الْقَتْلِ.
وَقِيَاسُهُمْ عَلَى الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ: فَالْمَعْنَى فِي الْأَصْلِ أَنَّهَا عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ وَفِي الْكَفَّارَةِ مَعَ التَّعَبُّدِ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ.
وَقَوْلُهُمْ: (إِنَّهَا تَغْطِيَةٌ لِلذَّنْبِ وَتَكْفِيرٌ لِلْمَأْثَمِ) فَهِيَ كَذَلِكَ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ وَعُقُوبَةٌ فِي حَقِّ الْكَافِرِ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (الْحُدُودُ كَفَّارَاتٌ لِأَهْلِهَا) . فَكَانَتْ كَذَلِكَ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ وَعُقُوبَةٌ فِي حَقِّ الْكَافِرِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ بِنَاءِ الظِّهَارِ عَلَى التَّكْفِيرِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أحدهما: انتفاضه بِالْمُرْتَدِّ يَصِحُّ مِنْهُ الظِّهَارُ وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ التَّكْفِيرُ.
إِذَا لَمْ يَعُدْ فِيهِ فَلَمْ يُعْتَبَرْ بِهِ لِجَوَازِ خُلُوِّهِ عَنْهُ عَلَى أَنَّ التَّكْفِيرَ يَصِحُّ مِنْهُ بِغَيْرِ الصَّوْمِ وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ

عَلَى الْمَجْنُونِ، فَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ طَلَاقُهُ فَكَذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ ظِهَارُهُ وَالْكَافِرُ يَصِحُّ طَلَاقُهُ فَصَحَّ ظِهَارُهُ.

(فَصْلٌ:)

فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ ظِهَارَ الْعَبْدِ وَالْكَافِرِ صَحِيحٌ فَكُلُّ زَوْجٍ عَاقِلٍ بَالِغٍ ظَاهَرَ صَحَّ ظِهَارُهُ فَتَكُونُ صِحَّتُهُ مُعْتَبَرَةً بِشَرْطَيْنِ هُمَا: الْبُلُوغُ، وَالْعَقْلُ كَالطَّلَاقِ، وَأَمَّا الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ فَلَا يَصِحُّ ظِهَارُهُمَا كَمَا لَا يَصِحُّ طلاقهما لارتفاع القلم عنهما.

(مسألة:)

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَفِي امْرَأَتِهِ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ يَقْدِرُ عَلَى جِمَاعِهَا أَوْ لَا يَقْدِرُ بِأَنْ تَكُونَ حَائِضًا أَوْ مُحْرِمَةً أَوْ رَتْقَاءَ أَوْ صَغِيرَةً) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَمَّا الزَّوْجَةُ الَّتِي يَصِحُّ الظِّهَارُ مِنْهَا فَهِيَ الَّتِي يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا وَذَلِكَ بِأَنْ تَكُونَ زَوْجَةً سَوَاءً كَانَتْ مُسْلِمَةً أَوْ كَافِرَةً حُرَّةً أَوْ أَمَةً صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً عَاقِلَةً أَوْ مَجْنُونَةً لِأَنَّنَا نَعْتَبِرُ الْبُلُوغَ وَالْعَقْلَ فِي الزَّوْجِ وَلَا نَعْتَبِرُهُمَا فِي الزَّوْجَةِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ - (دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ) رَدًّا عَلَى قَوْمٍ زَعَمُوا أَنَّ الظِّهَارَ لَا يَصِحُّ إِلَّا مِنْ مَدْخُولٍ بِهَا وَهَذَا قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْعَوْدَ فِي الظِّهَارِ هُوَ الْعَوْدُ إِلَى الْوَطْءِ ثَانِيَةً بَعْدَ أُولَى فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا عِنْدَ ظِهَارِهِ فَوَطِئَهَا لَمْ يَكُنْ عَوْدًا؛ لِأَنَّهُ الْوَطْءُ الْأَوَّلُ فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ فِيهَا الْعَوْدُ لَمْ يَصِحَّ مِنْهَا الظِّهَارُ.
وَالْكَلَامُ مَعَهُمْ يَأْتِي فِي الْعَوْدِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مُظَاهِرٍ عَائِدًا فَجَازَ أَنْ يَصِحَّ الظِّهَارُ مِمَّنْ لَا يُوجَدُ مِنْهُ الْعَوْدُ، ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ يَقْدِرُ عَلَى جِمَاعِهَا أَوْ لَا يَقْدِرُ بِأَنْ تَكُونَ حَائِضًا أَوْ مُحْرِمَةً أَوْ رَتْقَاءَ أَوْ صَغِيرَةً وَهَذَا قَالَهُ رَدًّا عَلَى آخَرِينَ زَعَمُوا أَنَّ الظِّهَارَ لَا يَصِحُّ إِلَّا على من يمكن جماعها لصغير أَوْ رَتَقٍ، أَوْ لَا تَحِلُّ لِإِحْرَامٍ أَوْ حَيْضٍ لِأَنَّهُ حَرَّمَ بِالظِّهَارِ مَا لَمْ يَكُنْ لِتَحْرِيمِ الظِّهَارِ فِيهِ تَأْثِيرٌ.
وَهَذَا فَاسِدٌ لِأَنَّ الظِّهَارَ كَانَ لَفْظًا نُقِلَ حُكْمُهُ مَعَ بَقَاءِ مَحَلِّهِ وَالطَّلَاقُ يَقَعُ عَلَيْهِنَّ فَصَحَّ الظِّهَارُ مِنْهُنَّ.
(مسألة:) قال الشافعي رضي الله عنه: (أَوْ فِي عِدَّةٍ يَمْلِكُ رَجْعَتَهَا فَذَلِكَ كُلُّهُ سواء (قَالَ الْمُزَنِيُّ) رَحِمَهُ اللَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الَّتِي يَمْلِكُ رَجْعَتَهَا أَنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ إِنْ رَاجَعَهَا لِأَنَّهُ يَقُولُ لَوْ تَظَاهَرَ مِنْهَا ثُمَّ أَتْبَعَ التَّظْهِيرَ طَلَاقًا مَلَكَ فِيهِ الرَّجْعَةَ فَلَا حُكْمَ للإيلاء حتى يرتجع فإذا ارتجع رجع حكم الإيلاء وقد جمع الشافعي رحمه الله بينهما حيث يلزمان وحيث يسقطان وفي هذا لما وصفت بيان) . قال الماوردي: إن ظَاهَرَ مِنَ الْمُطَلَّقَةِ لَمْ يَخْلُ طَلَاقُهَا مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ بَائِنًا أَوْ رَجْعِيًّا فَإِنْ كَانَ بَائِنًا لَمْ يَصِحَّ الظِّهَارُ مِنْهَا لِأَنَّهَا لَا يَقَعُ عَلَيْهَا لِخُرُوجِهَا مِنْ

حُكْمِ الزَّوْجَاتِ، وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا فَإِنْ صَادَقَ ظِهَارَهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا مِنْهُ لَمْ يَصِحَّ الظِّهَارُ لِأَنَّهَا قَدْ بَانَتْ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَإِنْ كَانَ فِي الْعِدَّةِ صَحَّ الظِّهَارُ لِأَنَّهُ لَمَّا وَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا فِي الْعِدَّةِ صَحَّ الظِّهَارُ مِنْهَا فِي الْعِدَّةِ كَالزَّوْجَةِ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَكُونُ عَائِدًا مَعَ صِحَّةِ الظِّهَارِ مَا لَمْ يُرَاجِعْ لِأَنَّ الْعَوْدَ أَنْ يُمْسِكَهَا بَعْدَ الظِّهَارِ زَوْجَةً مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ يُوجِبُ لِلْفُرْقَةِ وَهَذِهِ فِي تَحْرِيمِ فُرْقَةٍ فَلَمْ يَصِرْ بِظِهَارِهِ عَائِدًا، وَلِأَنَّهُ لَوْ ظَاهَرَ مِنْهَا قَبْلَ الطَّلَاقِ ثُمَّ اتَّبَعَهُ بِطَلَاقٍ رَجْعِيٍّ لَمْ يَكُنْ عَائِدًا فَكَذَلِكَ إِذَا ظَاهَرَ مِنْهَا فِي طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ وَإِذَا صَحَّ أَنَّهُ لَا يَكُونُ عَائِدًا وَإِنْ صَحَّ ظِهَارُهُ مَا لَمْ يُرَاجِعْ فَالْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ تَجِبُ بِالْعَوْدِ بَعْدَ الظِّهَارِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(فَصْلٌ:)

فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ ظِهَارَهُ فِي الْعِدَّةِ صَحِيحٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَائِدًا فَلَهُ حَالَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنْ يُرَاجِعَهَا فِي الْعِدَّةِ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ لَا يُرَاجِعَهَا.
فَإِنْ رَاجَعَهَا فِي الْعِدَّةِ عَادَتْ إِلَى النِّكَاحِ الَّذِي ظَاهَرَهَا فِيهِ وَعَادَ الظِّهَارُ فِيهِ وَصَارَ عَائِدًا، وَبِمَاذَا يَصِيرُ عَائِدًا فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: قَالَ فِي الْأُمِّ يَصِيرُ عَائِدًا بِنَفْسِ الرَّجْعَةِ لِأَنَّ الرَّجْعَةَ أَوْكَدُ مِنْ إِمْسَاكِهَا زَوْجَةً بَعْدَ الظِّهَارِ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي التَّمَسُّكِ بِعِصْمَتِهَا مِنِ اسْتِدَامَةِ إِمْسَاكِهَا فَكَانَ بِأَنْ يَصِيرَ عَائِدًا أَوْلَى.
فَعَلَى هَذَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الرَّجْعَةِ الَّتِي صَارَ بِهَا عَائِدًا، فَلَوِ اتَّبَعَ الرَّجْعَةَ طَلَاقًا لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الْكَفَّارَةُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: قَالَهُ فِي (الْإِمْلَاءِ) إِنَّهُ لَا يَكُونُ عَائِدًا بِنَفْسِ الرَّجْعَةِ حَتَّى يَمْضِيَ عَلَيْهَا بَعْدَهَا زَمَانُ الْعَوْدِ وَهُوَ إِمْسَاكُهَا بَعْدَ الرجعة حتى يمضي زمان التحريم بالفرقة وإنما لم يصر عائداً إلى بالإمساك بَعْدَ الرَّجْعَةِ؛ لِأَنَّ الْعَوْدَ أَنْ يُمْسِكَهَا زَوْجَةً غَيْرَ مُحَرَّمَةٍ وَلَيْسَ يُمْسِكُهَا زَوْجَةً إِلَّا بَعْدَ الرَّجْعَةِ فَعَلَى هَذَا لَوِ اتَّبَعَ الرَّجْعَةَ طَلَاقًا لَمْ يَصِرْ عَائِدًا وَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَلَوْ أَمْهَلَهَا بَعْدَ الرَّجْعَةِ حَتَّى مَضَى عَلَيْهِ زَمَانُ التَّحْرِيمِ صَارَ حِينَئِذٍ عَائِدًا وَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الكفارة.
أما الحالة الثَّانِيَةُ: وَهُوَ أَنْ لَا يُرَاجِعَهَا حَتَّى تَمْضِيَ الْعِدَّةُ فَقَدْ بَانَتْ فَإِنْ لَمْ يَسْتَأْنِفْ نِكَاحَهَا سَقَطَ حُكْمُ الظِّهَارِ، وَإِنِ اسْتَأْنَفَ نِكَاحَهَا فَهَلْ يَعُودُ ظِهَارُهُ فِيهِ أَمْ لَا عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ كُلِّهِ وَأَحَدُ قَوْلَيْهِ فِي الْجَدِيدِ أَنَّ ظِهَارَهُ فِي النِّكَاحِ الْأَوَّلِ يَعُودُ فِي النِّكَاحِ الثَّانِي.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: فِي الْجَدِيدِ لَا يَعُودُ وَقَدْ مَضَى تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ فَإِذَا قِيلَ إِنَّ ظِهَارَهُ لَا يَعُودُ فَقَدْ بَطَلَ حُكْمُهُ وَحَلَّ لَهُ إِصَابَتُهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَعُدْ فَلَمْ يَحْرُمْ وَإِذَا قِيلَ إِنَّ ظهاره يعود

صَارَ عَائِدًا وَبِمَاذَا يَصِيرُ عَائِدًا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ مُخَرَّجَيْنِ مِنَ الْقَوْلَيْنِ فِي الرَّجْعَةِ: أَحَدُهُمَا: يَصِيرُ عَائِدًا بِنَفْسِ النِّكَاحِ وَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَكُونُ عَائِدًا إِلَّا بِأَنْ يَمْضِيَ بَعْدَ النِّكَاحِ زَمَانُ الْعَوْدِ فَلَوِ اتَّبَعَ النِّكَاحَ طَلَاقًا لَمْ يَعُدْ وَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ.

(فَصْلٌ:)

فَأَمَّا الْمُزَنِيُّ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مُرَادِهِ بِكَلَامِهِ فَقَالَ الْبَغْدَادِيُّونَ: أَرَادَ بِهِ أَنَّ الظِّهَارَ فِي عِدَّةِ الرَّجْعَةِ لَا يَكُونُ ظِهَارًا إِلَّا بَعْدَ الرَّجْعَةِ فَيَكُونُ مُخَالِفًا لِلشَّافِعِيِّ فِي مَذْهَبِهِ وَمُحْتَجًّا بِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ عَائِدًا إِلَّا بَعْدَ الرَّجْعَةِ، كَذَلِكَ لَا يَكُونُ مُظَاهِرًا إِلَّا بَعْدَ الرَّجْعَةِ، وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ شَرْطَ الظِّهَارِ أَنْ يُصَادِفَهَا فِي الزَّوْجِيَّةِ وَهَذِهِ جَارِيَةٌ فِي أَحْكَامِ الزَّوْجِيَّةِ فَصَحَّ ظِهَارُهُ مِنْهَا لِوُجُودِ شَرْطِهِ وَشَرْطُ الْعَوْدِ أَنْ يُمْسِكَهَا غَيْرَ مُحَرَّمَةٍ وَهَذِهِ مُحَرَّمَةٌ فَلَمْ يَصِرْ عَائِدًا لِعَدَمِ شَرْطِهِ فَافْتَرَقَا.
وَقَالَ الْبَصْرِيُّونَ: بَلْ تَوَهَّمَ الْمُزَنِيُّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ حِينَ جَعَلَهُ مُظَاهِرًا فِي الْعِدَّةِ جَعَلَهُ عَائِدًا فِيهَا فَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ وَهَذَا وَهْمٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ وَلَيْسَ بِمُخَالَفَةٍ لَهُ فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ وَإِنْ جَعَلَهُ مُظَاهِرًا قَبْلَ الرَّجْعَةِ لَمْ يَجْعَلْهُ عَائِدًا إِلَّا بَعْدَهَا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(مَسْأَلَةٌ:)

قَالَ الشافعي رحمه الله تعالى: (وَلَوْ تَظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ وَهِيَ أَمَةٌ ثُمَّ اشْتَرَاهَا فَسَدَ النِّكَاحُ وَالظِّهَارُ بِحَالِهِ لَا يَقْرَبُهَا حَتَّى يُكَفِّرَ لِأَنَّهَا لَزِمَتْهُ وَهِيَ زَوْجَةٌ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ ظَاهَرَ مِنْ زَوْجَتِهِ وَهِيَ أَمَةٌ فَظِهَارُهُ مِنْهَا صَحِيحٌ كَمَا أَنَّ طَلَاقَهُ عَلَيْهَا وَاقِعٌ فَإِذَا اشْتَرَاهَا بَعْدَ ظِهَارِهِ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الشِّرَاءُ بَعْدَ مُضِيِّ زَمَانِ الْعَوْدِ وَوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فَيَبْطُلُ النِّكَاحُ بِالْمِلْكِ، وَلَا تَسْقُطُ الْكَفَّارَةُ بِالشِّرَاءِ لِوُجُوبِهَا قَبْلَهُ وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ بَعْدَ الشِّرَاءِ وَالْمِلْكِ حَتَّى يُكَفِّرَ كَمَا كَانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ قَبْلَ الشِّرَاءِ كَالْمُلَاعَنَةِ إِذَا اشْتَرَاهَا كَانَ تَحْرِيمُهَا بَعْدَ الشِّرَاءِ كَتَحْرِيمِهَا قَبْلَهُ وَكَالْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا إِذَا اشْتَرَاهَا، فَعَلَى هَذَا لَوْ أَعْتَقَهَا فِي كَفَّارَتِهِ أَجْزَأَتْهُ وَإِنْ كَانَتْ سَبَبًا فِي وُجُوبِهَا عَلَيْهِ كَمَا لَوْ نَذَرَ إِنْ مَلَكَ أَمَةً أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً فَمَلَكَ أَمَةً جَازَ أَنْ يُعْتِقَهَا عَنْ نَذْرِهِ وَإِنْ كَانَتْ سَبَبًا لِوُجُوبِ نَذْرِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَشْتَرِيَهَا قَبْلَ الْعَوْدِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَشْتَرِيَهَا عُقَيْبَ ظِهَارِهِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ فَفِي عَوْدِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ هَاهُنَا أَنَّهُ يَصِيرُ عَائِدًا بِالشِّرَاءِ لِأَنَّ الْعَوْدَ أَنْ يُمْسِكَهَا بَعْدَ الظِّهَارِ فَلَا يُحَرِّمُهَا وَلَيْسَ الشِّرَاءُ تَحْرِيمًا لَهَا بَلِ اسْتِبَاحَتُهَا بِالْمِلْكِ أَقْوَى مِنِ اسْتِبَاحَتِهَا بِالنِّكَاحِ فَعَلَى هَذَا قَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ الْعَوْدِ وَحَرُمَ عَلَيْهِ إِصَابَتُهَا حَتَّى يُكَفِّرَ، وَلَوِ اتَّبَعَ الشِّرَاءَ عِتْقَهَا لَمْ تَسْقُطْ عنه الكفارة.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّهُ لَا يَكُونُ بِالشِّرَاءِ عَائِدًا وَلَا بَعْدَهُ وَقَدْ سَقَطَ حُكْمُ الْعَوْدِ بِثُبُوتِ الْمِلْكِ لِأَنَّ الْعَوْدَ أَنْ يُمْسِكَهَا زَوْجَةً وَهَذِهِ بِالشِّرَاءِ عُقَيْبَ الظِّهَارِ خَارِجَةٌ مِنَ الزَّوْجِيَّةِ، وَلِأَنَّ الشِّرَاءَ أَرْفَعُ لِلزَّوْجِيَّةِ مِنَ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ، وَلِأَنَّ الْعَوْدَ تَابِعٌ لِلظِّهَارِ فَلَمَّا لَمْ يَصِحَّ الظِّهَارُ إِلَّا فِي حَالِ الزَّوْجِيَّةِ لَمْ يَصِحَّ الْعَوْدُ إِلَّا فِي حَالِ الزَّوْجِيَّةِ.
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ لِأَنَّ تَعْلِيلَهُ بِأَنَّهَا لَزِمَتْهُ وَهِيَ زَوْجَتُهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ حَرَّمَهَا عَلَيْهِ لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ وَهِيَ زَوْجَةٌ فَعَلَى هَذَا لَا يَصِيرُ عَائِدًا بِالشِّرَاءِ وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَتَحِلُّ لَهُ كَالْأَمَةِ الَّتِي لَمْ يَتَقَدَّمْ ظِهَارُهَا، وَوَجَدْتُ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا وَجْهًا ثَالِثًا وَهُوَ أَنْ قَالَ: إِنْ كَانَ الشِّرَاءُ عُقَيْبَ الظِّهَارِ بِأَنِ ابْتَدَأَ الزَّوْجُ بِالطَّلَبِ فَقَالَ لِلْمَالِكِ: بِعْنِي فَقَالَ: قَدْ بِعْتُ لَمْ يَكُنْ عَائِدًا لِأَنَّهُ شَرَعَ عُقَيْبَ ظِهَارِهِ فِيمَا يَرْفَعُ الزَّوْجِيَّةَ فَلَمْ يَكُنْ عَائِدًا كَمَا لَوْ شَرَعَ فِي الطَّلَاقِ، وَإِنِ ابْتَدَأَ الْمَالِكُ عُقَيْبَ ظِهَارِهِ بِالْبَذْلِ فَقَالَ: [قَدْ] بِعْتُكَ فَقَالَ الزَّوْجُ: قَدْ قَبِلْتُ صَارَ عَائِدًا لِأَنَّ بَذْلَ الْمَالِكِ غَيْرُ مَنْسُوبٍ إِلَى فِعْلِ الزَّوْجِ فَصَارَ الزَّوْجُ فِي زَمَانِ الْبَذْلِ مُمْسِكًا عَنْ رَفْعِ الزَّوْجِيَّةِ وَمَا يَعْقُبُ الْبَذْلَ مِنْ قَبُولِهِ الرَّافِعِ لِلزَّوْجِيَّةِ كَانَ بَعْدَ مُضِيِّ زَمَانِ الْعَوْدِ فَلِذَلِكَ صَارَ عَائِدًا وَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ فَامْتَنَعَ مِنْهَا حَتَّى يُكَفِّرَ وَلِهَذَا الْوَجْهِ وَجْهٌ بَيِّنٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(مَسْأَلَةٌ:)

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَا يَلْزَمُ الْمَغْلُوبَ عَلَى عَقْلِهِ إِلَّا مِنْ سكر (وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ) فِي ظِهَارِ السَّكْرَانِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا يَلْزَمُهُ وَالْآخَرُ لَا يَلْزَمُهُ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) رحمه الله تعالى يَلْزَمُهُ أَوْلَى وَأَشْبَهُ بِأَقَاوِيلِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ أَشْبَهُ بالحق عندي إذا كان لا يميز (قال المزني) رحمه الله وعلة جواز الطلاق عنده إِرَادَةِ الْمُطَلِّقِ وَلَا طَلَاقَ عِنْدَهُ عَلَى مُكْرَهٍ لِارْتِفَاعِ إِرَادَتِهِ وَالسَّكْرَانُ الَّذِي لَا يَعْقِلُ مَعْنَى ما يقول لا إرادة له كالنائم فَإِنْ قِيلَ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ قِيلَ أَوَلَيْسَ وَإِنْ أَدْخَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَهُوَ في معنى ما أدخله على غيره من ذهاب عقله وارتفاع إرادته وَلَوِ افْتَرَقَ حُكْمُهُمَا فِي الْمَعْنَى الْوَاحِدِ لِاخْتِلَافِ نسبته من نفسه ومن غيره لَاخْتَلَفَ حُكْمُ مَنْ جُنَّ بِسَبَبِ نَفْسِهِ وَحُكْمُ مَنْ جُنَّ بِسَبَبِ غَيْرِهِ فَيَجُوزُ بِذَلِكَ طَلَاقُ بعض المجانين فَإِنْ قِيلَ فَفَرْضُ الصَّلَاةِ يَلْزَمُ السَّكْرَانَ وَلَا يلزم المجنون قيل وكذلك فَرْضُ الصَّلَاةِ يَلْزَمُ النَّائِمَ وَلَا يَلْزَمُ الْمَجْنُونَ فهل يجيز طلاق النوم لوجوب فرض الصلاة عليهم فإن قيل لا يجوز لأنه لا يعقل قيل وكذلك طلاق السكران لأنه لا يعقل قال الله تعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تقولون﴾ فَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَلَاةٌ حَتَّى يَعْلَمَهَا وَيُرِيدَهَا وكذلك لَا طَلَاقَ لَهُ وَلَا ظهار حتى يعلمه ويريده وهو قول عثمان بن عفان وابن عباس وعمر بن عبد العزيز ويحيى بن سعيد والليث بن سعد وغيرهم وقد قال الشافعي رحمه الله تعالى إذا ارتد سكران لم يستتب في سكره ولم يقتل فيه (قال المزني) رحمه الله وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ أَنْ لَا حُكْمَ لِقَوْلِهِ لا أتوب لِأَنَّهُ لَا يَعْقِلُ مَا يَقُولُ فَكَذَلِكَ هُوَ فِي الطَّلَاقِ وَالظِّهَارِ لَا يَعْقِلُ مَا يَقُولُ فهو أحد قوليه في القديم) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْمَجْنُونَ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالنَّائِمَ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُمْ وَلَا يَصِحُّ ظِهَارُهُمْ فَأَمَّا السَّكْرَانُ فَلَهُ حَالَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَ سُكْرُهُ مِنْ غَيْرِ مَعْصِيَةٍ كَمَنْ شَرِبَ شَرَابًا ظَنَّهُ غَيْرَ مُسْكِرٍ فَكَانَ مُسْكِرًا أَوْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِ الْمُسْكِرِ أَوْ شَرِبَ دَوَاءً فَأَسْكَرَهُ فَهَذَا كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ فِي أَنْ لَا يَقَعَ طَلَاقُهُ وَلَا يَصِحَّ ظِهَارُهُ.
والحالة الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ سُكْرُهُ بِمَعْصِيَةٍ وَهُوَ أَنْ يَقْصِدَ شُرْبَ الْمُسْكِرِ فَيَسْكَرُ.
فَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي طَلَاقِهِ وَظِهَارِهِ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ وَالْقَدِيمِ وَمَا ظَهَرَ فِي جَمِيعِ كُتُبِهِ وَنَقَلَهُ عَنْهُ سَائِرُ أَصْحَابِهِ غَيْرُ الْمُزَنِيِّ أَنَّ طَلَاقَهُ وَظِهَارَهُ وَاقِعٌ كَالصَّاحِي وَنَقَلَ الْمُزَنِيُّ عَنْهُ قَوْلًا ثَانِيًا فِي الْقَدِيمِ أَنَّ طَلَاقَهُ وَظِهَارَهُ لَا يَقَعُ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ فَأَثْبَتَهُ بَعْضُهُمْ قَوْلًا ثَانِيًا لِثِقَةِ الْمُزَنِيِّ فِي رِوَايَتِهِ وَضَبْطِهِ لِنَقْلِهِ وَنَفَاهُ الْأَكْثَرُونَ وَامْتَنَعُوا مِنْ تَخْرِيجِهِ قَوْلًا ثَانِيًا لِأَنَّ الْمُزَنِيَّ وَإِنْ كَانَ ثِقَةً ضَابِطًا فَلَيْسَ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي الْقَدِيمِ، وَمَذْهَبُهُ فِي الْقَدِيمِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا مِنْ كُتُبِهِ الْقَدِيمَةِ وَلَيْسَ فِيهَا هَذَا الْقَوْلُ وَإِمَّا أن يكون منقولاً من أَصْحَابِ الْقَدِيمِ وَهُمُ الزَّعْفَرَانِيُّ وَالْكَرَابِيسِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالْحَارِثُ وَابْنُ سُرَيْجٍ، وَالْقَفَّالُ وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشَّافِعِيُّ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ هَذَا الْقَوْلُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُضَافَ إِلَيْهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَهُ مِنْ بَعْضِ أَصْحَابِ الْقَدِيمِ مَذْهَبًا لَهُ فَوَهِمَ وَنَسَبَهُ إِلَى الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ أَبَا ثَوْرٍ يَرَى ذَلِكَ مَذْهَبًا لِنَفْسِهِ، فَصَارَ مَذْهَبَهُ قَوْلًا وَاحِدًا فِي الْجَدِيدِ وَالْقَدِيمِ أَنَّ طَلَاقَ السَّكْرَانِ وَظِهَارَهُ وَاقِعٌ وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ جَمِيعِهِمْ وَمِنَ التَّابِعِينَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَمِنَ الْفُقَهَاءِ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ فِي أَكْثَرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْأوْزَاعِيُّ فِي أَكْثَرِ أَهْلِ الشَّامِ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِرَاقِ.
وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: طَلَاقُ السَّكْرَانِ وَظِهَارُهُ لَا يَقَعُ وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمِنَ التَّابِعِينَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
وَمِنَ الْفُقَهَاءِ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَعُثْمَانُ الْبَتِّيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَاسْتَدَلُّوا

عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَأْخُوذٍ بِطَلَاقِهِ وَظِهَارِهِ كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ بِأَنَّ مَاعِزًا أَقَرَّ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِالزِّنَا فَقَالَ: (لَعَلَّكَ لَمَسْتَ لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ) قَالَ: لَا قَالَ: أَبِهِ جِنَّةٌ قِيلَ: لَا قَالَ: (اسْتَنْكِهُوهُ) لِيَعْلَمَ بِذَلِكَ حَالَ سُكْرِهِ مِنْ صَحْوِهِ فَلَوْلَا افْتِرَاقُ حُكْمِهِ بِالسُّكْرِ وَالصَّحْوِ لَمَا كَانَ لأمره بذلك تأثيره.
وَاسْتَدَلَّ الْمُزَنِيُّ بِمَا سَنَذْكُرُهُ.
. وَالدَّلِيلُ عَلَى وُقُوعِ طَلَاقِهِ وَظِهَارِهِ مَعَ عُمُومِ الْقُرْآنِ فِيهِمَا وَمَا اجْتَمَعَتِ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ حِينَ قَالَ لَهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَرَى النَّاسَ قَدْ تَتَابَعُوا فِي شُرْبِ الْخَمْرِ وَاسْتَهَانُوا بِحَدِّهِ فماذا ترون فقال علي ابن أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَرَى أَنْ يُحَدَّ ثَمَانِينَ حَدَّ الْمُفْتَرِي؛ لِأَنَّهُ إِذَا شَرِبَ سَكِرَ وَإِذَا سَكِرَ هَذَى وَإِذَا هَذَى افْتَرَى فَوَافَقُوهُ جَمِيعًا عَلَى قَوْلِهِ وَحَدَّهُ عُمَرُ ثَمَانِينَ بعد كان حده أربعين، فكانت الزيادة إما تعزيزاً أَوْ حَدًّا عِنْدَ غَيْرِنَا، وَأَيُّهُمَا كَانَ فَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى إِثْبَاتِ افْتِرَائِهِ فِي سُكْرِهِ، وَثُبُوتِهِ لِإِجْرَاءِ حُكْمِ الصَّاحِي عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ فِي طَلَاقِهِ وَظِهَارِهِ، وَلِأَنَّ وُقُوعَ طَلَاقِهِ وَظِهَارِهِ تَغْلِيظٌ وَسُقُوطَهُمَا تَخْفِيفٌ وَالسَّكْرَانُ عَاصٍ فَكَانَ بِالتَّغْلِيظِ أَوْلَى وَأَحَقُّ مِنَ التَّخْفِيفِ، وَلِأَنَّ السَّكْرَانَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَصْلَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: الصَّاحِي، وَالْآخَرُ: الْمَجْنُونُ فَكَانَ إِلْحَاقُهُ بِالصَّاحِي لتكليفة ووجوب العبادات عليه وفسقه وحده ومؤخذاته بِرِدَّتِهِ وَقَذْفِهِ أَوْلَى مِنْ إِلْحَاقِهِ بِالْمَجْنُونِ الَّذِي لا تجري عليه هذه الْأَحْكَامُ فَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا أَمَرَ بِهِ مِنِ اسْتِنْكَاهِ مَاعِزٍ فَهُوَ لِيَجْعَلَ سُكْرَهُ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْحَدِّ عَنْهُ لِأَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ وَإِنْ كَانَ لِقَوْلِهِ حُكْمٌ.

(فَصْلٌ:)

فَإِذَا صَحَّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ وُقُوعِ طَلَاقِهِ وَظِهَارِهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِوُقُوعِ طَلَاقِهِ وظهاره على ثلاثة أوجه: أحدهما: أَنَّ الْعِلَّةَ فِيهِ عَدَمُ عُذْرِهِ بِزَوَالِ عَقْلِهِ فِي سُكْرِهِ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ، فَجَرَى عَلَيْهِ حُكْمُ الصَّاحِي فِي جَمِيعِ مَا يَضُرُّهُ كَالطَّلَاقِ وَالظِّهَارِ وَالْعِتْقِ وَفِي جَمِيعِ مَا يَنْفَعُهُ كَالرَّجْعَةِ وَطَلَبِ الشُّفْعَةِ وَسَائِرِ الْعُقُودِ وَيَكُونُ مُؤَاخَذًا بِذَلِكَ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ وَفِي الْبَاطِنِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَقَعُ الْفَرْقُ فِي وُجُودِ ذَلِكَ مِنْهُ بَيْنَ حَالِ الْإِصْحَاءِ وَحَالِ السُّكْرِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْعِلَّةَ فِيهِ التَّغْلِيظُ عَلَيْهِ لِأَجْلِ الْمَعْصِيَةِ لِسُكْرِهِ فَعَلَى هَذَا تَنْقَسِمُ أَفْعَالُهُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ هُوَ عَلَيْهِ كَالطَّلَاقِ وَالظِّهَارِ وَالْعِتْقِ يَصِحُّ مِنْهُ وَيُؤْخَذُ بِهِ كَالصَّاحِي تَغْلِيظًا.
وَقِسْمٌ هُوَ لَهُ كَالرَّجْعَةِ وَطَلَبِ الشُّفْعَةِ فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ لِأَنَّ صِحَّتَهُ مِنْهُ تَخْفِيفٌ عَلَيْهِ كَمَا أَنَّ

إِبْطَالَ طَلَاقِهِ وَظِهَارِهِ تَخْفِيفٌ عَلَيْهِ وَإِبْطَالُ ذَلِكَ تَغْلِيظٌ عَلَيْهِ كَمَا أَنَّ إِيقَاعَ طَلَاقِهِ وَظِهَارِهِ تَغْلِيظٌ عَلَيْهِ.
وَقِسْمٌ ثَالِثٌ: يَكُونُ لَهُ وَعَلَيْهِ وَهُوَ عُقُودُ بِيَاعَاتِهِ وَإِجَارَاتِهِ وَمَنَاكِحِهِ فَإِنْ كَانَ مَطْلُوبًا بِهَا كَانَ تَصْحِيحُهَا مِنْهُ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ فَصَحَّتْ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ مُطَالَبًا بِهَا كَانَ تَصْحِيحُهَا مِنْهُ تَخْفِيفًا عَلَيْهِ فَأُبْطِلَتْ عَلَيْهِ.
قَالَ أبو حامد المروروزي كُنْتُ أَذْهَبُ إِلَى هَذَا حَتَّى وَجَدْتُ لِلشَّافِعِيِّ فِي كِتَابِ الرَّجْعَةِ أَنَّ رَجْعَتَهُ صَحِيحَةٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْعِلَّةَ فِيهِ وُجُودُ التُّهْمَةِ تَكْفِيهِ فِيمَا أَظْهَرَ مِنْ سُكْرِهِ فَعَلَى هَذَا يَصِحُّ جَمِيعُ ذَلِكَ مِنْهُ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ فِيمَا لَهُ وَعَلَيْهِ وَيَكُونُ فِي الْبَاطِنِ مُذْنِبًا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَعَلَى هَذَا إِنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِمَا تَلَفَّظَ بِهِ مِنْ طَلَاقِهِ وَظِهَارِهِ وَعِتْقِهِ جَازَ لَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَطْءُ زَوْجَتِهِ إِذَا قَدَرَ عَلَيْهَا وَبِيعُ عَبْدِهِ إِذَا أَمْكَنَهُ وَلَوْ جَازَ أَنْ يُخْبِرَنَا الصَّادِقُ بِصِحَّةِ سُكْرِهِ لَمَا لَزِمَهُ ذَلِكَ فِي الظَّاهِرِ كَمَا لَا يَلْزَمُهُ فِي الْبَاطِنِ.

(فَصْلٌ:)

فَأَمَّا الْمُزَنِيُّ فَإِنَّهُ احْتَجَّ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنْ رَدِّ أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ وإبطال طلاقه وظهاره بأربعة أشياء: أحدهما: علة جواز الطلاق عنده إِرَادَةِ الْمُطَلِّقِ وَلَا طَلَاقَ عِنْدَهُ عَلَى مُكْرَهٍ لِارْتِفَاعِ إِرَادَتِهِ وَالسَّكْرَانُ الَّذِي لَا يَعْقِلُ مَعْنَى مَا يَقُولُ لَا إِرَادَةَ لَهُ كَالنَّائِمِ فَلَمْ يَصِحَّ طَلَاقُهُ.
وَعَنْ هَذَا ثَلَاثَةُ أَجْوِبَةٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ عِلَّةَ طَلَاقِهِ مَا قَدَّمْنَاهُ عَلَى اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا فَكَانَ مَا ادَّعَاهُ مَمْنُوعًا.
وَالْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّ مَا ادَّعَاهُ مِنْ أَنَّ عِلَّةَ الطَّلَاقِ إِرَادَةُ الْمُطَلَّقِ خَطَأٌ فَاسِدٌ لِأَنَّ إِرَادَةَ الْمُطَلِّقِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فِي الصَّاحِي بِاتِّفَاقٍ وَلَوْ طَلَّقَ غَيْرَ مُرِيدٍ وَقَعَ طَلَاقُهُ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَكُونَ الْإِرَادَةُ عِلَّةً لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُوقَعْ طَلَاقُ الْمُكْرَهِ وَالنَّائِمِ وَالْمَجْنُونِ لِأَنَّ مَعَهُمْ عَلَمًا ظَاهِرًا هُمْ يُعْذَرُونَ فِيهِ يَدُلُّ عَلَى خُرُوجِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْإِرَادَةِ وَلَيْسَ مَعَ السَّكْرَانِ عَلَمٌ ظَاهِرٌ هُوَ مَعْذُورٌ فِيهِ يَدُلُّ عَلَى خُرُوجِهِ مِنْ أَهْلِ الْإِرَادَةِ.
وَالْجَوَابُ الثَّالِثُ: أَنَّ إِرَادَةَ الْمُطَلِّقِ جَعَلَهَا عِلَّةً لِإِثْبَاتِ الطَّلَاقِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَصِيرَ عِلَّةً لِإِسْقَاطِهِ؛ لِأَنَّ عِلَّةَ الْإِثْبَاتِ ضِدُّ عِلَّةِ الْإِسْقَاطِ، وَجَمْعُهُ بَيْنَ السَّكْرَانِ وَالنَّائِمِ لَا يَصِحُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ النَّوْمَ طَبْعٌ فِي الْخِلْقَةِ لَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ السُّكْرُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْعِلْمَ بِالنَّوْمِ مَرْفُوعٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ السكر.

وَالثَّالِثُ: أَنَّ النَّوْمَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَأْثَمٌ وَيُفِيقُ [وَلَيْسَ] كَذَلِكَ السُّكْرُ.

(فَصْلٌ:)

وَالسُّؤَالُ الثَّانِي: قَالَ الْمُزَنِيُّ: فَإِنْ قِيلَ: لِأَنَّهُ أَدْخَلَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ قِيلَ: أَوَلَيْسَ وَإِنْ أَدْخَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَهُوَ كَمَا فِي مَعْنَى مَا أَدْخَلَهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنْ ذَهَابِ عَقْلِهِ وَارْتِفَاعِ إِرَادَتِهِ.
وَهَذَا الْجَمْعُ خَطَأٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَعْذُورٌ بِمَا أَدْخَلَهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَلَيْسَ بِمَعْذُورٍ بِمَا أَدْخَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ حُكْمِ الْمَعْذُورِ وَغَيْرِ الْمَعْذُورِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَأْثَمُ بِمَا أَدْخَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَلَا يَأْثَمُ بِمَا أَدْخَلَهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْإِثْمِ وَغَيْرِ الْإِثْمِ.
ثُمَّ قَالَ الْمُزَنِيُّ: وَلَوِ افْتَرَقَ حُكْمُهُمَا فِي الْمَعْنَى الْوَاحِدِ لِاخْتِلَافِ سَبَبِهِ مِنْ نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ لَاخْتَلَفَ حُكْمُ مَنْ جُنَّ بِسَبَبِ نَفْسِهِ وَحُكْمُ مَنْ جُنَّ بِسَبَبِ غَيْرِهِ فَيَجُوزُ بِذَلِكَ طَلَاقُ بَعْضِ الْمَجَانِينِ.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ: أَنَّنَا كَذَلِكَ نَقُولُ فِي الْجُنُونِ وَالسُّكْرِ لِأَنَّهُ إِنْ زَالَ عَقْلُهُ بِشُرْبِ سُمٍّ أَوْ دَوَاءٍ لَا يَخْلُو حَالُهُ فِيهِ مِنْ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِهِ أَوْ غَيْرَ عَالِمٍ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ بِأَنَّهُ يُسْكِرُ لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ فَقَدِ اسْتَوَيَا فِي أَنَّ طَلَاقَهُمَا مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِحَالِهِمَا لَا يَقَعُ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ مَا يَتَنَاوَلُهُ مِنَ الدَّوَاءِ يُسْكِرُ كَمَا يَعْلَمُ أَنَّ الشَّرَابَ الَّذِي يَتَنَاوَلُهُ يُسْكِرُ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَدْعُوَهُ الضَّرُورَةُ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا دَوَاءَ لَهُ غَيْرُهُ فَلَا يَكُونُ بِسُكْرِ هَذَا الدَّوَاءِ مُؤَاخَذًا وَلَا يَقَعُ طَلَاقُهُ فِيهِ وَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ فِي شُرْبِ الْمُسْكِرِ شُرْبُهُ لِدَوَاءٍ اتَّفَقَ الطِّبُّ عَلَى أَنَّهُ لَا دَوَاءَ لَهُ غَيْرُهُ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي إِبَاحَةِ شُرْبِهِ لَهُ عِنْدَ هَذِهِ الضَّرُورَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَصِيرُ مُبَاحًا لَهُ كَغَيْرِهِ مِنَ الْأَدْوِيَةِ الْمُسْكِرَةِ مِنَ الْبِنْجِ وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ فَعَلَى هَذَا لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ كَمَا لَا يَقَعُ طَلَاقُ مَنْ سَكِرَ بِغَيْرِهِ مِنَ الْأَدْوِيَةِ الَّتِي لَا يَجِدُ مِنْهَا بُدًّا فَقَدِ اسْتَوَيَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُبَاحًا وَإِنْ كَانَ لَهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: (مَا جُعِلَ شِفَاءُ أُمَّتِي فِيمَا حُرِّمَ عَلَيْهَا) فَعَلَى هَذَا يَقَعُ طَلَاقُهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ سُكْرِ الشَّرَابِ الْمُسْكِرِ وَبَيْنَ سُكْرِ الدَّوَاءِ الْمُسْكِرِ مَعَ اشْتِرَاكِهِمَا فِي التَّدَاوِي بِهِمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ شُرْبَ الْمُسْكِرِ فِي التَّدَاوِي يَدْعُو إِلَى شُرْبِهِ فِي غَيْرِ التَّدَاوِي لِمَيْلِ النَّفْسِ إِلَيْهِ، وَلَيْسَ شُرْبُ الدَّوَاءِ فِي التَّدَاوِي بِدَاعٍ إِلَى شُرْبِهِ فِي غَيْرِ التَّدَاوِي لِنُفُورِ النَّفْسِ عَنْهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَعَ سُكْرِ الشَّرَابِ لَذَّةً مُطْرِبَةً وَلَيْسَ مَعَ سُكْرِ الدَّوَاءِ هَذِهِ اللَّذَّةُ الْمُطْرِبَةُ فَافْتَرَقَ السَّكْرَانُ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ:

وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَشْرَبَ الدَّوَاءَ الْمُسْكِرَ قَصْدَ السُّكْرِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ دَاعِيَةٍ إِلَى شُرْبِهِ ففي سكره فيه وجهان: أحدهما: [أنه] كَسُكْرِهِ مِنَ الشَّرَابِ يَقَعُ طَلَاقُهُ فِيهِ وَظِهَارُهُ فَعَلَى هَذَا قَدِ اسْتَوَيَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ بِخِلَافِ سُكْرِ الشَّرَابِ وَإِنِ اشْتَرَكَ فِي الْمَعْصِيَةِ لِلْفَرْقَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ فِي سُكْرِ الشَّرَابِ لَذَّةً مُطْرِبَةً تَدْعُو إِلَى ارْتِكَابِ الْمَحْظُورَاتِ وَإِثَارَةِ الْعَدَاوَاتِ وَهَذَا الْمَعْنَى مَعْدُومٌ فِي سُكْرِ الدَّوَاءِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ لِلنَّفْسِ مَيْلًا يَدْعُو إِلَى سُكْرِ الشَّرَابِ فَيَبْعَثُ قَلِيلُهُ عَلَى كَثِيرِهِ وَفِي النَّفْسِ نُفُورٌ مِنْ سُكْرِ الدَّوَاءِ يَبْعَثُ عَلَى مُجَانَبَتِهِ وَلِهَذَيْنِ الْفَرْقَيْنِ أَوْجَبْنَا الْحَدَّ فِي سُكْرِ الشَّرَابِ وَلَمْ نُوجِبْهُ فِي سُكْرِ الدَّوَاءِ فَلِذَلِكَ أَوْقَعْنَا الطَّلَاقَ فِي سُكْرِ الشَّرَابِ، وَلَمْ نُوقِعْهُ فِي سُكْرِ الدَّوَاءِ وَجَعَلْنَا سُكْرَ الدَّوَاءِ كَالْجُنُونِ وَلَمْ نَجْعَلْ سُكْرَ الشَّرَابِ كَالْجُنُونِ، وَهَكَذَا الْجُنُونُ إِنْ أَدْخَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَهُوَ كَالدَّاخِلِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ فِعْلِهِ وَإِنْ أَدْخَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِقَصْدِهِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَكُونُ مُؤَاخَذًا بِأَحْكَامِهِ وَبِطَلَاقِهِ وَبِظِهَارِهِ لِمَعْصِيَتِهِ كَالسَّكْرَانِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُؤَاخَذًا بِالْأَحْكَامِ وَلَا يَقَعُ طَلَاقُهُ وَظِهَارُهُ بِخِلَافِ السَّكْرَانِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَقَدْ ذَكَرَ الْمُزَنِيُّ فِي مَسَائِلِهِ الْمَنْثُورَةِ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ رَجُلًا لَوْ نَطَحَ رَجُلًا فَانْقَلَبَ دِمَاغُ النَّاطِحِ وَالْمَنْطُوحِ ثُمَّ طَلَّقَا امْرَأَتَيْهِمَا أَنَّ طَلَاقَهُمَا لَا يَقَعُ يُسَوِّي بَيْنَ النَّاطِحِ وَالْمَنْطُوحِ فِي إِبْطَالِ طَلَاقِهِمَا وَإِنْ كَانَ النَّاطِحُ عَاصِيًا وَالْمَنْطُوحُ غَيْرَ عَاصٍ.

(فَصْلٌ:)

وَالسُّؤَالُ الثَّالِثُ: قَالَ الْمُزَنِيُّ فَإِنْ قِيلَ: فَفَرْضُ الصَّلَاةِ يَلْزَمُ السَّكْرَانَ وَلَا يَلْزَمُ الْمَجْنُونَ فَلِذَلِكَ فَرْضُ الصَّلَاةِ يَلْزَمُ النَّائِمَ وَلَا يَلْزَمُ الْمَجْنُونَ فَهَلْ يُجِيزُ طَلَاقَ السَّكْرَانِ لِأَنَّهُ لَا يَعْقِلُ مَا يَقُولُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: 43] فَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَلَاةٌ حَتَّى يَعْلَمَهَا وَيُرِيدَهَا كَذَلِكَ لَا طَلَاقَ لَهُ وَلَا ظِهَارَ حَتَّى يَعْلَمَهُ وَيُرِيدَهُ.
وَذَكَرَ الْمُزَنِيُّ فِي هَذَا السُّؤَالِ ثَلَاثَةَ فُصُولٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ قَالَ لَوْ لَزِمَ طَلَاقُ السَّكْرَانِ لِأَنَّ فَرْضَ الصَّلَاةِ يَلْزَمُهُ وَلَا يَلْزَمُ الْمَجْنُونَ لَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَ طَلَاقُ النَّائِمِ وَطَلَاقُهُ لَا يَلْزَمُ وَإِنْ لَزِمَهُ الْفَرْضُ كَذَلِكَ السَّكْرَانُ.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ: أَنَّنَا لَسْنَا نُوقِعُ طَلَاقَهُ لِلُزُومِ فَرْضِ الصَّلَاةِ لَهُ فَنُوجِبُ إِلْحَاقَهُ بِالنَّائِمِ وَإِنَّمَا نُوقِعُهُ لِإِحْدَى الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ: إِمَّا لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْذُورٍ وَالنَّائِمُ مَعْذُورٌ وَإِمَّا لِأَنَّهُ عَاصٍ

يَسْتَحِقُّ التَّغْلِيظَ وَالنَّائِمُ لَيْسَ بِعَاصٍ وَغَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لِلتَّغْلِيظِ، وَإِمَّا لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ بِإِظْهَارِ سُكْرِهِ كَذِبًا وَالنَّائِمُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ.
وَالثَّانِي: إِنْ قَالَ إِنْ كَانَ النَّائِمُ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ لِأَنَّهُ لَا يَعْقِلُ فَالسَّكْرَانُ لَا يَعْقِلُ.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ: أَنَّهُ لَيْسَ حَدُّ السُّكْرِ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يَعْقِلُ فَيَصِيرُ مُلْحَقًا بِالنَّائِمِ وَقَدْ حَدَّهُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: السَّكْرَانُ مَنْ عَزَبَ عَنْهُ بَعْضُ عَقْلِهِ فَكَانَ مَرَّةً يَعْقِلُ وَمَرَّةً لَا يَعْقِلُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: السَّكْرَانُ مَنْ لَا يَعْرِفُ اللَّيْلَ مِنَ النَّهَارِ وَالسَّمَاءَ مِنَ الْأَرْضِ وَهَذَا بِعِيدٌ أَنْ يُوجَدَ فِي السُّكْرِ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: هُوَ مَنْ لَا يُمَيِّزُ رِدَاءَهُ مِنْ أَرْدِيَّةِ الْحَيِّ.
قَالَ آخَرُونَ: هُوَ مَنْ يَخْلِطُ فِي كَلَامِهِ، وَإِذَا كَانَتِ الْمَذَاهِبُ مُخْتَلِفَةً فِي حَدِّ السَّكْرَانِ وَكَانَ الْمُزَنِيُّ مُخَالِفًا فِيهَا لَمْ يَكُنْ خِلَافُهُ حُجَّةً لَهُ وَإِنْ سَلَّمَ الْحَدَّ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ بِأَنَّ بِهِ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّائِمِ.
وَالثَّالِثُ: أَنِ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تقولون﴾ [النساء: 43] فلم يكن [لَهُ] صَلَاةٌ حَتَّى يَعْلَمَهَا وَيُرِيدَهَا كَذَلِكَ لَا طَلَاقَ لَهُ وَلَا ظِهَارَ حَتَّى يَعْلَمَهُ وَيُرِيدَهُ.
وَعَنْهُ جَوَابَانِ أَحَدُهُمَا: فَسَادُ الِاسْتِدْلَالِ بِهَا لِأَنَّهُ جَعَلَ وُقُوعَ الطَّلَاقِ مُعْتَبَرًا بِصِحَّةِ الصَّلَاةِ وَالشَّرْطُ فِيهِمَا [مُخْتَلِفٌ] فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُعْتَبَرًا بِالْآخَرِ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَصِحُّ إِلَّا بِكَمَالِ جَمِيعِ الْعَقْلِ وَالتَّمْيِيزِ وَالطَّلَاقُ لَا يَسْقُطُ إِلَّا بِزَوَالِ جَمِيعِ الْعَقْلِ وَالتَّمْيِيزِ، وَالسَّكْرَانُ خَارِجٌ ممن كمل (جميع) عَقْلُهُ وَتَمْيِيزِهِ فَلِذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ وَخَارِجٌ مِمَّنْ زَالَ جَمِيعُ عَقْلِهِ وَتَمْيِيزِهِ فَلِذَلِكَ وَقَعَ طَلَاقُهُ.
وَالْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّنَا نَجْعَلُهَا دَلِيلًا عَلَيْهِ فِي وُقُوعِ طَلَاقِهِ لِأَنَّهُ خَاطَبَهُ بِالصَّلَاةِ أَمْرًا بها إذا علم ونهياً عنها إذا جعل عَنْهَا وَالْخِطَابُ عَلَى وَجْهَيْنِ: خِطَابُ مُوَاجَهَةٍ مُخْتَصٌّ بِالْعَقْلِ وَخِطَابُ إِلْزَامٍ يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ الْأَصَاغِرِ وَالْمَجَانِينِ، وَلَا يَخْلُو هَذَا الْخِطَابُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي حَالِ السُّكْرِ فَهُوَ مُوَاجَهَةٌ وَإِمَّا فِي غَيْرِ حَالِ السُّكْرِ فَهُوَ إِلْزَامٌ وَعَلَى أَيِّهِمَا كَانَ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ لِسُكْرِهِ.

(فَصْلٌ:)

وَالسُّؤَالُ الرَّابِعُ: قَالَ الْمُزَنِيُّ: وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِذَا ارْتَدَّ السَّكْرَانُ لَمْ نَسْتَتِبْهُ فِي سُكْرِهِ وَلَمْ نَقْتُلْهُ فِيهِ.
قَالَ الْمُزَنِيُّ: وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ أَنْ لَا حُكْمَ لِقَوْلِهِ لِأَنَّهُ لَا يَعْقِلُ مَا يَقُولُ فَكَذَلِكَ هُوَ فِي الطَّلَاقِ وَالظِّهَارِ لَا يَعْقِلُ مَا يَقُولُ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْهِ فِي الظِّهَارِ.
وَهَذَا مِنْ أوهى

فصول الكتاب · 30 فصل · 608 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الحاوي الكبير · 608 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كِتَابُ الْبُيُوعِ
كتاب الإقرار
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كتاب العارية
كتاب الغصب
كِتَابُ الشَّرْطِ فِي الرَّقِيقِ يَشْتَرِطُهُمُ الْمُسَاقِي
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ الْعَطَايَا وَالصَّدَقَاتِ
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب الصداق
كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع
كتاب السير
كتاب مختصر الجامع من كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب النذور
كِتَابُ الْعِتْق
كتاب عتق أمهات الأولاد من كتب
جارٍ التحميل