كتاب الصداق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الماوردي
- الكتاب
- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
- المحقق
- الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1419 هـ -1999 م
- عدد الأجزاء
- 19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وَإِمَّا أَنْ يُخَلِّفَ غَيْرَهُ أَقَلَّ مِنْ مِائَةِ دِرْهَمٍ، فَإِنْ لَمْ يُخَلِّفْ غَيْرَ النِّصْفِ الْبَاقِي مِنَ الْعَبْدِ كَانَ لِلزَّوْجِ ثُلُثُهُ وَهُوَ السُّدُسُ مِنْ جَمِيعِهِ يُضَافُ إِلَى النِّصْفِ الَّذِي أَخَذَهُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ فَيَصِيرُ لَهُ ثُلُثَا الْعَبْدِ نِصْفُهُ عِوَضًا وَسُدُسُهُ وَصِيَّةً، وَلَهُ الْخِيَارُ لِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فِيهِ، فَإِنْ فَسَخَ رَجَعَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، فَإِنْ قَالَ آخُذُ السُّدُسَ وَصِيَّةً وَأَفْسَخُ فِي النِّصْفِ لَا رَجْعَ فِي بَدَلِهِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ.
قِيلَ: ليس لك ذلك لِأَنَّهَا مُحَابَاةٌ فِي مُعَارَضَةٍ لَا تُسْتَحَقُّ إِلَّا مَعَهَا كَالْمُحَابَاةِ فِي الْبَيْعِ وَإِنْ تَرَكَتِ الزَّوْجَةُ مَعَ نِصْفِ الْعَبْدِ أَقَلَّ مِنْ مِائَةِ دِرْهَمٍ ضُمَّ إِلَى نِصْفِ الْعَبْدِ، وَأُمْضِيَ لِلزَّوْجِ مِنَ الْعَبْدِ مَا احْتَمَلَهُ ثُلُثُ الْجَمِيعِ.
مِثَالُهُ: أَنْ تَكُونَ قَدْ خَلَّفَتْ مَعَ الْبَاقِي مِنْ نِصْفِ الْعَبْدِ خَمْسِينَ دِرْهَمًا، فَإِذَا ضُمَّتْ إِلَى قِيمَةِ النِّصْفِ صَارَتْ مِائَةَ دِرْهَمٍ، فَيَكُونُ لِلزَّوْجِ ثُلُثُهَا ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ دِرْهَمًا وَثُلُثُ دِرْهَمٍ فَيَأْخُذُ بِهَا ثُلُثَيِ النِّصْفِ الْبَاقِي مِنَ الْعَبْدِ، وَهُوَ ثُلُثُ الْجَمِيعِ فَيَصِيرُ لِلزَّوْجِ خَمْسَةُ أَسْدَاسِهِ بِالْعِوَضِ وَالْوَصِيَّةِ فَيَكُونُ الزَّوْجُ لِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ بِالسُّدُسِ مُخَيَّرًا بَيْنَ الْمُقَامِ عَلَيْهِ، أَوِ الْفَسْخِ وَالرُّجُوعِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَحْدَهُ، وَلَوْ كَانَتْ خَلَّفَتْ غَيْرَ النِّصْفِ مِنَ الْعَبْدِ
خَمْسَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا ضُمَّتْ إِلَى النِّصْفِ فَصَارَتْ تَرِكَتُهَا خَمْسَةً وَسَبْعِينَ دِرْهَمًا لِلزَّوْجِ ثُلُثُهَا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا، يَأْخُذُ بِهَا نِصْفَ الْبَاقِي مِنَ الْعَبْدِ وَهُوَ رُبُعُ جَمِيعِهِ فَيَحْصُلُ لَهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ بِالْعِوَضِ وَالْوَصِيَّةِ، وَهُوَ لِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ بِرُبُعِهِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْمُقَامِ أَوِ الْفَسْخِ وَالرُّجُوعِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ.
(فَصْلٌ:)
فَأَمَّا الْمُزَنِيُّ فَإِنَّهُ اعْتَرَضَ عَلَى الشَّافِعِيِّ اعْتِرَاضًا تَعْلِيلُهُ فِيهِ صَحِيحٌ وَوَهْمُهُ فِي تَأْوِيلِهِ فَسْخٌ، وَهُوَ أَنَّهُ نَقَلَ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِذَا خَالَعَهَا عَلَى عَبْدٍ يُسَاوِي مِائَةَ دِرْهَمٍ لَا مَالَ لَهَا غَيْرُهُ، وَمَهْرُ مِثْلِهَا خَمْسُونَ أَنَّ لَهُ نِصْفَ الْعَبْدِ وَنِصْفَ مَهْرِ مِثْلِهَا وهُوَ رُبُعُ الْعَبْدِ فَيَكُونُ لَهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعَبْدِ فَقَالَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهُ ثُلُثُ مَهْرِ مِثْلِهَا وَهُوَ سُدُسُ الْعَبْدِ فَيَصِيرُ لِلزَّوْجِ ثُلُثَا الْعَبْدِ: وَهَذَا صَحِيحٌ فِي التَّعْلِيلِ وَلِمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ تَأْوِيلٌ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ: لَهُ نِصْفُ الْعَبْدِ وَنَصِفُهُ مَهْرُ مِثْلِهَا تَعْلِيلًا لِلنِّصْفِ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ الزَّوْجُ؛ لِأَنَّهُ مَهْرُ مِثْلِهَا، وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الشَّافِعِيُّ لِمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ نِصْفِهِ الْبَاقِي بِالْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ ثُلُثٌ لَا إِشْكَالَ فِيهِ، فَحَذَفَ الْكَاتِبُ الْهَاءَ مِنْ نِصْفُهُ، وَنَقَلَ لَهُ نِصْفُ الْعَبْدِ وَنِصْفُ مَهْرِ مِثْلِهَا، وَلِحَذْفِ الْهَاءِ مَا تَوَجَّهَ اعْتِرَاضُ الْمُزَنِيِّ.
وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي: أَنَّ مَسْأَلَةَ الشَّافِعِيِّ مُصَوَّرَةٌ عَلَى أَنَّهَا خَلَّفَتْ مَعَ الْعَبْدِ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا فَصَارَتْ تَرِكَتُهَا مَعَ نِصْفِ الْعَبْدِ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ لِلزَّوْجِ ثُلُثُهَا وَهُوَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا، يَدْخُلُ بِهَا نِصْفُ النِّصْفِ الْبَاقِي مِنَ الْعَبْدِ، وَهُوَ نِصْفُ مَهْرِ مِثْلِهَا وَقَدْ
نَقَلَهَا الرَّبِيعُ فِي كِتَابِ الْأُمِّ، إِذَا خَالَعَهَا عَلَى دَارٍ قِيمَتُهَا مِائَةُ دِرْهَمٍ، وَتَرَكَتْ مَعَهَا خَمْسَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَكَانَ مَهْرُ مِثْلِهَا خَمْسِينَ دِرْهَمًا، فَلَهُ نِصْفُ الدَّارِ، وَنِصْفُ مَهْرِ مِثْلِهَا فَجُعِلَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الدَّارِ، فَنَقَلَ الْمُزَنِيُّ خُلْعَ الدَّارِ إِلَى الْعَبْدِ، وَغَفَلَ عَنْ نَقْلِ مَا خَلَّفَتْهُ مَعَهُ وَهُوَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا، وَنَقَلَ الْجَوَابَ عَلَى حَالِهِ فَتَوَجَّهَ لَهُ الِاعْتِرَاضُ الَّذِي ذَكَرَهُ لِسِعَتِهِ فِي النَّقْلِ وَوَهْمِهِ فِي التَّأْوِيلِ.
وَالتَّأْوِيلُ الثَّالِثُ: أَنَّ مَسْأَلَةَ الشَّافِعِيِّ مُصَوَّرَةٌ فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَتَهُ عَلَى مَهْرٍ فَاسِدٍ، فَوَجَبَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ، ثُمَّ خَالَعَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا فِي مَرَضِهَا عَلَى عَبْدٍ قِيمَتُهُ مائة درهم لا مال لها غيره، ومهر مِثْلِهَا خَمْسُونَ دِرْهَمًا، فَلَهُ نِصْفُ الْعَبْدِ بِالْخُلْعِ عِوَضًا، وَنِصْفُ مَهْرِ مِثْلِهَا بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَذَكَرَ مَا مَلَكَهُ بِالْخُلْعِ وَمَا مَلَكَهُ بِالطَّلَاقِ وَلَمْ يَعْرِضْ لِمَا مَلَكَهُ بِالْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَبَرٌ مِنَ الثُّلُثِ، وَقَدْ أَفْصَحَ الشَّافِعِيُّ بِهَذَا فِي بَعْضِ كُتُبِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(باب خلع المشركين من كتاب نشوز الرجل على المرأة)
(مسألة:)
قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: (إِنِ اخْتَلَعَتِ الذِّمِّيَّةُ بِخَمْرٍ أَوْ بِخَنْزِيرٍ فَدَفَعَتْهُ ثُمَّ تَرَافَعَا إِلَيْنَا أَجَزْنَا الْخُلْعَ وَالْقَبْضَ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ دَفَعَتْهُ جَعَلْنَا لَهُ عَلَيْهَا مَهْرَ مِثْلِهَا) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهُوَ كَمَا قَالَ خُلْعُ الْمُشْرِكِينَ جَائِزٌ كَالْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ كَالْبَيْعِ، وَلِأَنَّهُ حِلُّ نِكَاحٍ كَالطَّلَاقِ، وَلَا يَخْلُو حَالُ الْعِوَضِ فِيهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ حَلَالًا أَوْ حَرَامًا، فَإِنْ كَانَ حَلَالًا يَجُوزُ أَنْ يَخْتَلِعَ بِهِ الزَّوْجَانِ الْمُسْلِمَانِ مِنَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، وَمَا كَانَ مَعْلُومًا مِنَ الْعُرُوضِ وَالسِّلَعِ صَحَّ خُلْعُهُمَا بِهِ، فَإِنْ تَرَافَعَا إِلَيْنَا أَمْضَيْنَاهُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ، وَإِنْ كَانَ حَرَامًا مِنْ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ، فَإِنْ لَمْ يَتَرَافَعَا إِلَيْنَا فِيهِ أُقِر عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ اعْتِرَاضٍ عَلَيْهِمَا لِاسْتِهْلَاكِهِمَا ذَلِكَ فِي شِرْكِهِمَا، فَكَانَ عفواً قال الله تعالى: ﴿يأيها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ من الربا﴾ [البقرة: 278] فعفى عَمَّا مَضَى، وَحَرَّمَ مَا بَقِيَ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ لَزِمَهُ الطَّلَاقُ بَائِنًا وَبَرِئَتْ مِنَ الْعِوَضِ بِالْقَبْضِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَتَرَافَعَا إِلَيْنَا قَبْلَ قَبْضِهِ، فَلَا يَجُوزُ لِحَاكِمِنَا أَنْ يَحْكُمَ فِي خُلْعِهِمَا بِإِقْبَاضِ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تتبع أهواءهم﴾ [الشورى: 15] وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ أُوقِعُ الطَّلَاقُ بَائِنًا، وَأُبْطِلَ الْخَمْرُ وَالْخِنْزِيرُ، وَحُكِمَ عَلَيْهَا لِلزَّوْجِ بِمَهْرِ مِثْلِهَا، لِأَنَّ فَسَادَ الْخُلْعِ بِالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ يُوجِبُ الطَّلَاقَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَتَرَافَعَا إِلَيْنَا بَعْدَ أَنْ تَقَابَضَا بَعْضَهُ، وَبَقِيَ بَعْضُهُ، فَالطَّلَاقُ وَاقِعٌ بَائِنًا، وَيَمْضِي مِنَ الْخُلْعِ مَا تَقَابَضَاهُ، وَيَبْطُلُ مِنْهُ مَا بَقِيَ، وَيُحْكَمُ فِيهِ بِقِسْطِهِ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ، كَأَنَّهُ خَالَعَهَا عَلَى عَشَرَةِ خَنَازِيرَ، فَأَقْبَضَتْهُ مِنْهَا خَمْسَةً، وَبَقِيَ مِنْهَا خَمْسَةٌ، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْ نِصْفِ الْبَدَلِ، وَبَقِيَ عَلَيْهَا نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلِ، فَلَوْ كَانَ قَدْ خَالَعَهَا عَلَى عَشَرَةِ خَنَازِيرَ وَعِشْرِينَ زِقًّا مِنْ خَمْرٍ، وَتَقَابَضَا الْخَنَازِيرَ وَبَقِيَ الْخَمْرُ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَمْيِيزِ الْجِنْسَيْنِ وَتَسَاوِيهِمَا عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أنهما يتميزان في الحكم لتميزها فِي الْجِنْسِ، فَعَلَى هَذَا يَغْلِبُ اعْتِبَارُ
الْجِنْسَيْنِ، وَيَتَقَسَّطُ الْمَهْرُ عَلَيْهِمَا فَتَكُونُ الْخَنَازِيرُ فِي مُقَابَلَةِ النِّصْفِ، فَتَبْرَأُ مِنْ نِصْفِ مَهْرِ الْمِثْلِ وَتَكُونُ الْخَمْرُ فِي مُقَابَلَةِ النِّصْفِ فَيَلْزَمُهَا نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْجِنْسَيْنِ لَا يَتَمَيَّزَانِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي التَّحْرِيمِ، وَيَتَقَسَّطُ مَهْرُ الْمِثْلِ عَلَى أَعْدَادِهِمَا وَهُمَا ثَلَاثُونَ فَتَكُونُ الْعَشَرَةُ خَنَازِيرَ فِي مُقَابَلَةِ ثُلُثِ مَهْرِ الْمِثْلِ فَيَبْرَأُ مِنْ ثُلُثِهِ، وَتَبْقَى الْعِشْرُونَ زِقًّا فِي مُقَابَلَةِ ثُلُثَيِ الْمَهْرِ، فَيَلْزَمُهَا ثُلُثَانِ.
فَلَوْ تَقَابَضَا قَبْلَ التَّرَافُعِ إِلَيْنَا خَمْسَةَ خَنَازِيرَ، وَخَمْسَةَ أَزْقَاقِ خَمْرٍ، فَإِنْ قُلْنَا: بِاعْتِبَارِ الْجِنْسَيْنِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ بَرِئَتْ مِنْ ثَلَاثَةِ أَثْمَانِ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَبَقِيَ عَلَيْهَا خَمْسَةُ أَثْمَانِهِ؛ لِأَنَّ الْخَمْسَةَ خَنَازِيرَ مِنَ الْعَشْرَةِ فِي مُقَابَلَةِ الرُّبُعِ، وَالْخَمْسَةَ الْأَزْقَاقِ مِنَ الْعِشْرِينَ فِي مُقَابَلَةِ الثُّمُنِ، فَصَارَتْ ثَلَاثَةُ أَثْمَانٍ، وَإِنْ قُلْنَا بِاعْتِبَارِ الْعَدَدَيْنِ دُونَ الْجِنْسَيْنِ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي بَرِئَتْ مِنْ ثُلُثِ مَهْرِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهَا أَقَبَضَتْهُ عَشَرَةً مِنْ ثَلَاثِينَ وَيَبْقَى عَلَيْهَا ثُلُثَا مَهْرِ الْمِثْلِ، وَهُوَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي كتاب الصداق سواء.
(مسألة:)
قال الشافعي: (وَهَكَذَا أَهْلُ الْحَرْبِ إِلَّا أَنَّا لَا نَحْكُمُ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَجْتَمِعُوا عَلَى الرِّضَا وَنَحْكُمُ عَلَى الذِّمِّيَّيْنِ إِذَا جَاءَانَا أَوْ أَحَدُهُمَا) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَا فَرْقَ بَيْنَ خُلْعِ الذِّمِّيَّيْنِ وَخُلْعِ الْمُعَاهَدَيْنِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ إِذَا تَرَافَعَا إِلَيْنَا، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ فِي الْتِزَامِ أَحْكَامِنَا فَإِنْ كَانَا مُعَاهَدَيْنِ لَمْ يُؤْخذَا بِالْتِزَامِ أَحْكَامِنَا وَلَا يَلْزَمُنَا الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ دَارٍ لَا تَجْرِي عَلَيْهَا أَحْكَامُنَا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فِيهِمْ ﴿فَإِنْ جاؤوك فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: 42] فَخَيَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْحُكْمِ بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّ أَحْكَامَهُ لَا تَلْزَمُهُمْ، وَإِنْ كَانَا ذِمِّيَّيْنِ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَا عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ كَيَهُودِيَّيْن أَوْ نَصْرَانِيَّيْنِ فَفِي وُجُوبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِمْ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ مَضَتْ:
أَحَدُهَا: يَجِبُ عَلَى حَاكِمِنَا أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ، وَعَلَيْهِمْ إِذَا حَكَمَ أَنْ يَلْتَزِمُوا حكمه لقوله اللَّهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29] وَالصَّغَارُ أَنْ تَجْرِيَ عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ وَلِأَنَّهُمْ فِي دَارٍ تَنْفُذُ فِيهَا أَحْكَامُنَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ حَاكِمَنَا بِالْخِيَارِ فِي الْحُكْمِ بَيْنَهُمْ وَهُمْ إِذَا حَكَمَ بَيْنَهُمْ بِالْخِيَارِ فِي الْتِزَامِ حُكْمِهِ كَأَهْلِ الْعَهْدِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْكُفْرِ، وَإِقْرَارِنَا لَهُمَا جَمِيعًا عَلَيْهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثِ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ فِي حَقٍّ لِآدَمِيٍّ لَزِمَنَا أَنْ نَحْكُمَ بَيْنَهُمْ، وَأُخِذُوا جَبْرًا بِالْتِزَامِهِ، لِأَنَّ دَارَنَا تَمْنَعُ مِنَ التَّظَالُمِ، وَإِنْ كَانَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَانَ حَاكِمُنَا مُخَيَّرًا فِي الْحُكْمِ بَيْنَهُمْ، وَكَانُوا مُخَيَّرِينَ فِي الْتِزَامِ حُكْمِهِ لِأَنَّ حَقَّ اللَّهِ فِي كُفْرِهِمْ أَعْظَمُ، وَقَدْ أُقِرُّوا عَلَيْهِ فَكَانَ مَا سِوَاهُ أَوْلَى، وَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَحَقُّ الْخُلْعِ مِنَ الْحُقُوقِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ
حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِي التَّحْرِيمِ بِالطَّلَاقِ، وَبَيْنَ حَقِّ الْآدَمِيِّينَ فِي اسْتِحْقَاقِ الْعِوَضِ، فَيَكُونُ فِي وجوب الحكم بينهما والتزمهما قَوْلَانِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَا عَلَى دِينَيْنِ أَحَدُهُمَا يَهُودِيٌّ، وَالْآخَرُ نَصْرَانِيٌّ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّ يَكُونَ كَالدِّينِ الْوَاحِدِ، لِأَنَّ الْكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ، فَيَكُونُ لُزُومُ الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا مَضَى مِنَ الْأَقَاوِيلِ الثلاثة.
والوجه الثاني: أنهما يتميزا بِاخْتِلَافِ الدِّينَيْنِ عَنِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُمَا فِي التَّسَاوِي مُتَّفِقَانِ عَلَى حُكْمِ دِينِهِمَا، فَأُقِرَّا عَلَيْهِ، وَفَى الِاخْتِلَافِ غَيْرُ مُتَّفِقَيْنِ فَوَجَبَ الْعُدُولُ بِهِمَا إِلَى دِينِ الْحَقِّ وَهُوَ الْإِسْلَامُ، قَطْعًا لِلتَّنَازُعِ في الباطل، فعلى هذا يجب على الحاكم أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا وَيُؤْخَذ جَبْرًا بِالْتِزَامِ حُكْمِهِ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْحُكْمُ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَبَيْنَ ذِمِّيَّةٍ أَوْ مُعَاهَدٍ فَوَاجِبٌ عَلَى حَاكِمِنَا أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا وَيَأْخُذَهَا جَبْرًا بِالْتِزَامِ حُكْمِهِ سَوَاءٌ كَانَ الْمُسْلِمُ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى) وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا) فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْصُرُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ أَنْصُرُهُ ظَالِمًا قَالَ (تَرُدُّهُ عَنْ ظُلْمِهِ) .
(فَصْلٌ:)
لَا يَجُوزُ لِوَلِيِّ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ مِنْ أَبٍ وَلَا غَيْرِهِ أَنْ يُطَلِّقَ عَنْهُ، وَلَا يُخَالِعَ فَإِنْ طَلَّقَ لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ، وَلَمْ يَصِحَّ خُلْعُهُ.
وقال الحسن وعطاء: يجوز أن يطلق بعوض وبغير عِوَضٍ، لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ لِوَلِيِّهِ أَنْ يُمَلِّكَهُ لِلْبُضْعِ بِالنِّكَاحِ جَازَ لَهُ أَنْ يُزِيلَ مِلْكَهُ عَنْهُ بِالطَّلَاقِ كَالْمَالِ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَمَالِكٌ: يَجُوزُ أَنْ يُطَلِّقَ عَنْهُ بِعِوَضٍ، وَلَا يَجُوزَ أَنْ يُطَلِّقَ عَنْهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ؛ لِأَنَّ طَلَاقَهُ بِعِوَضٍ كَالْبَيْعِ بِغَيْرِ عِوَضٍ كَالْهِبَةِ، وَلِوَلِيِّهِ أَنْ يَبِيعَ مَالَهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَهَبَهُ.
وَدَلِيلُنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ) مَعْنَاهُ إِنَّمَا يَمْلِكُ الطَّلَاقَ مَنْ مَلَكَ الْأَخْذَ بِالسَّاقِ، يَعْنِي الْبُضْعَ، وَالْوَلِيُّ لَا يَمْلِكُ الْبُضْعَ، فَلَمْ يَمْلِكِ الطَّلَاقَ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ لَمْ يَمْلِكِ الْبُضْعَ لَمْ يَمْلِكْ بِنَفْسِهِ الطَّلَاقَ كَالْأَجْنَبِيِّ وَالْوَكِيل فِي الطَّلَاقِ لَا يَمْلِكُ بِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يَمْلِكُ إِيقَاعَهُ مُوَكِّلُهُ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ بِالنِّكَاحِ فَهُوَ أَنَّ النِّكَاحَ تَمْلِيكٌ فَصَحَّ مِنَ الْوَلِيِّ، كَمَا يَصِحُّ مِنْهُ قَبُولُ الْهِبَةِ، وَالطَّلَاقُ إِزَالَةُ مِلْكٍ فَلَمْ يَصِحَّ مِنَ الْوَلِيِّ كَمَا لَا يَصِحُّ مِنْهُ بَذْلُ الْهِبَةِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِ الزُّهْرِيِّ وَمَالِكٍ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ فَهُوَ أَنَّ الْمُغَلَّبَ فِي الْخُلْعِ حُكْمُ الطَّلَاقِ دُونَ الْعِوَضِ، وَالطَّلَاقُ لَا يَمْلِكُهُ الْوَلِيُّ مُنْفَرِدًا كَالْأَجْنَبِيِّ فَكَذَلِكَ لَا يَمْلِكُهُ مَعَ غَيْرِهِ كَالْأَجْنَبِيِّ.
(فَصْلٌ:)
إِذَا خَالَعَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ عَلَى أَلْفٍ وَأَعْطَاهَا عَبْدًا فَقَدْ صَارَ بَائِعًا لِلْعَبْدِ وَمُخَالِعًا عَنِ الْبُضْعِ بِأَلْفٍ فَصَارَ عَقْدُهُ قَدْ جَمَعَ بَيْعًا وَخُلْعًا فَكَانَ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ بَاطِلٌ فِيهِمَا وَيَقَعُ طَلَاقُهُ بَائِنًا، وَيَكُونُ لَهُ عَلَيْهَا مَهْرُ مِثْلِهَا، وَيَرُدُّ الْأَلْفَ عَلَيْهَا، وَتَرُدُّ الْعَبْدَ عَلَيْهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ جَائِزٌ فِيهِمَا، وَيَكُونُ مَا قَابَلَ الْعَبْدَ مِنَ الْأَلْفِ ثَمَنًا، وَمَا قَابَلَ الْبُضْعَ مِنَ الْأَلْفِ خُلْعًا، فَيُقَالُ: كَمْ قِيمَةُ الْعَبْدِ؟ ، فَإِذَا قِيلَ: أَلْفٌ.
قِيلَ: وَكَمْ مَهْرُ الْمِثْلِ؟
فَإِذَا قِيلَ: خَمْسُمِائَةٍ كَانَ ثُلُثَا الْأَلْفِ ثَمَنًا وَثُلُثُهَا خُلْعًا، فَإِذَا رَدَّتِ الْعَبْدَ بِعَيْبٍ رَجَعَتْ عَلَيْهِ بِثُلُثَيِ الْأَلْفِ سِتِّمِائَةٍ وَسِتَّةٍ وَسِتِّينَ دِرْهَمًا وَثُلُثَيْ دِرْهَمٍ.
وَلَوْ خَالَعَهَا عَلَى عَبْدٍ وَأَعْطَاهَا أَلْفًا صَارَ مُتَمَلِّكًا لِلْعَبْدِ بِبُضْعِهَا وَبِأَلْفٍ فَيَكُونُ مَا قَابَلَ الْأَلْفَ مِنَ الْعَبْدِ مَبِيعًا، وَمَا قَابَلَ مَهْرَ الْمِثْلِ مِنَ الْعَبْدِ خُلْعًا، فَيُقَالُ: كَمْ مَهْرُ الْمِثْلِ، فَإِذَا قِيلَ: أَلْفٌ ضُمَّتْ إِلَى الْأَلْفِ الَّتِي بَذَلَهَا الزَّوْجُ فَصَارَتْ أَلْفَيْنِ فِي مُقَابَلَةِ الْعَبْدِ، فَيَكُونُ نِصْفُ الْعَبْدِ مَبِيعًا بِأَلْفٍ، وَنِصْفُهُ عِوَضًا عَنِ الْبُضْعِ، فَإِنْ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَأَرَادَ رَدَّ جَمِيعِهِ فِي الْبَيْعِ وَالْخُلْعِ جَازَ وَرَجَعَ عَلَيْهَا بِمَهْرِ الْمِثْلِ الَّذِي هُوَ أَلْفٌ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَرُدَّ مِنْهُ الْمَبِيعَ دُونَ الْخُلْعِ أَوِ الْخُلْعَ دُونَ الْمَبِيعِ فَفِي جَوَازِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهَا.
وَقِيلَ: إِمَّا أَنْ يَرُدَّ جَمِيعَهُ، أَوْ يُمْسِكَ جَمِيعَهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُمَا عَقْدَانِ يَنْفَرِدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِحُكْمِهِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ رَدَّ الْمَبِيعَ مِنْهُ رَجَعَ بِالْأَلْفِ وَإِنْ رَدَّ الْخُلْعَ مِنْهُ رَجَعَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(كِتَابُ الطَّلَاقِ)
(بَابُ إِبَاحَةِ الطَّلَاقِ وَوَجْهِهِ وَتَفْرِيَعِهِ
(مِنَ الْجَامِعِ مِنْ كِتَابِ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ وَمِنْ إِبَاحَةِ الطَّلَاقِ وَمِنْ جِمَاعِ عِشْرَةِ النِّسَاءِ وَغَيْرِ ذلك)
(مسألة:)
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ وَقَدْ قُرِئَتْ لِقَبْلِ عِدَّتِهِنَّ (قَالَ) وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْأَصْلُ فِي إِبَاحَةِ الطَّلَاقِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ.
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] وَهَذَا وَإِنْ كَانَ خِطَابًا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَهُوَ عَامُّ الْحُكْمِ فِيهِ وَفِي جَمِيعِ أُمَّتِهِ.
فَهُوَ مِنَ الْخَاصِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْعُمُومُ.
فَرَوَى قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ طَلَّقَ رَسُولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حَفْصَةَ فَأَتَتْ أَهْلَهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فطلقوهن﴾ فَقِيلَ لَهُ: رَاجِعْهَا فَإِنَّهَا صَوَّامَةٌ قَوَّامَةٌ وَهِيَ مِنْ أَزْوَاجِكَ فِي الْجَنَّةِ.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أَيْ فِي طُهْرِهِنَّ إِذَا لَمْ يُجَامَعْنَ فِيهِ.
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ يَقْرَأُ فَطَلِّقُوهُنَ لِقَبْلِ عِدَّتِهِنَّ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] وَفِي قَوْلِهِ ﴿الطلاق مرتان﴾ تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ بَيَانٌ لِعَدَدِ الطَّلَاقِ وَتَقْدِيرِهِ بِالثَّلَاثِ وَأَنَّهُ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ فِي الِاثْنَتَيْنِ وَلَا يَمْلِكُهَا فِي الثَّالِثَةِ، وَهُوَ قَوْلُ عُرْوَةَ وَقَتَادَةَ.
رَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يُطَلِّقُ مَا شَاءَ، ثُمَّ إِنْ رَاجَعَ امْرَأَتَهُ قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا كَانَتْ زَوْجَتَهُ، فَغَضِبَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ عَلَى امْرَأَتِهِ فَقَالَ لَهَا: لَا أَقْرَبُكِ وَلَا تَخْلُصِينَ مِنِّي، قَالَتْ لَهُ: وَكَيْفَ؟ قَالَ أُطَلِّقُكِ فَإِذَا دَنَا أَجَلُكِ رَاجَعْتُكِ.
ثُمَّ أُطَلِّقُكِ فَإِذَا دَنَا أَجَلُكِ رَاجَعْتُكِ.
قَالَ: فَشَكَتْ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، فأنزل الله تعالى ﴿الطلاق مرتان﴾ الْآيَةَ.
فَقَدَّرَهُ بِالثَّلَاثِ، وَلِذَلِكَ قَالَ عُرْوَةُ نَزَلَ الطَّلَاقُ مُوَافِقًا لِطَلَاقِ الْأَعْشَى فِي تَقْدِيرِهِ بِالثَّلَاثِ حين يقول.
(أجارتنا بيني فإنك طالقه ... وموقومة مَا أَنْتِ فِينَا وَوَامِقَهْ)
(أَجَارَتَنَا بِينِي فَإِنَّكِ طَالِقَةْ ... كَذَاكَ أُمُورُ النَّاسِ تَغْدُو وَطَارِقَهْ)
(وَبِينِي فَإِنَّ الْبَيْنَ خَيْرٌ مِنَ الْعَصَا ... وإَلَّا تَزَالي فَوْقَ رَأْسِكِ بَارِقَهْ)
وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي: أَنَّهُ بَيَانٌ لِسُنَّةِ الطَّلَاقِ أَنْ يُوقِعَ فِي كُلِّ قُرْءٍ واحدة وأن لا يَجْمَعَ بَيْنَهُنَّ فِي قُرْءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الَإِمْسَاكَ بِالْمَعْرُوفِ الرَّجْعَةُ بعد الثانية والتسريح بالإحسان الطلقة الثالثة.
وروى سُفْيَانُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سُمَيْعٍ عَنْ أَبِي رَزِينٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فقال: الطلاق مرتان فأين الثالثة؟ قال: إِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ.
وَهُوَ قَوْلُ عطاء ومجاهد.
والتأويل الثاني: فإمساك بمعروف الرجعة بعد الثانية أو تسريح بإحسان هُوَ الْإِمْسَاكُ عَنْ رَجْعَتِهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا.
وَهَذَا قَوْلُ السُّدِّيِّ وَالضَّحَّاكِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تنكح زوجاً غيره﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: 236] الْآيَةَ.
فَأَمَّا السُّنَّةُ: فَرَوَى حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُولُ أَحَدُكُمْ لِامْرَأَتِهِ قَدْ طَلَّقْتُكِ قَدْ رَاجَعْتُكِ لَيْسَ هَذَا طَلَاقُ الْمُسْلِمِينَ.
تُطَلَّقُ الْمَرْأَةُ فِي قبل عدتها.
وَرَوَى مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ.
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: ثَلَاثٌ جَدُّهُنَّ جَدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جَدٌّ: النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْعِتَاقُ.
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - طَلَّقَ حَفْصَةَ وَاحِدَةً ثُمَّ رَاجَعَهَا.
وَرُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ تَزَوَّجَ الْعَالِيَةَ بِنْتَ ظِبْيَانَ فَمَكَثَتْ عِنْدَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا.
فَإِذَا ثَبَتَ إِبَاحَةُ الطَّلَاقِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمَا تَعَقَّبَهُمَا مِنْ إِجْمَاعِ الْأُمَّةِ فَالطَّلَاقُ فِي اللُّغَةِ هُوَ التَّخْلِيَةُ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ نَعْجَةٌ طَالِقٌ إِذَا خُلِّيَتْ مهملة بغير راع.
ومنه قول النابعة.
(تَنَاذَرَهَا الرَّاقُونَ مِنْ سُوءِ سَمِّهَا ... تُطَلَّقُ طَوْرًا وَطَوْرًا تُرَاجَعُ)
(فَصْلٌ:)
وَالطَّلَاقُ لَا يَصِحُّ إِلَّا مِنْ زَوْجٍ وَلَا يَقَعُ إِلَّا عَلَى زَوْجَةٍ.
فيختص الزوج بالطلاق وإن اشتركا الزَّوْجَانِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ، وَهُوَ أَحَدُ التَّأْوِيلَاتِ فِي قَوْله تَعَالَى:
﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: 228] أَنَّ الرَّجُلَ يَمْلِكُ الطَّلَاقَ وَلَا تَمْلِكُهُ الزَّوْجَةُ.
فَإِنْ قِيلَ فَلِمَ اشْتَرَكَ الزَّوْجَانِ فِي النِّكَاحِ وَتَفَرَّدَ الزَّوْجُ بِالطَّلَاقِ.
قِيلَ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا اشْتَرَكَ الزَّوْجَانِ فِي الِاسْتِمْتَاعِ جَازَ أَنْ يَشْتَرِكَا فِي عَقْدِ النِّكَاحِ، وَلَمَّا اخْتُصَّ الزَّوْجُ بِالْتِزَامِ الْمَؤُونَةِ جَازَ أَنْ يُخْتَصَّ الزَّوْجُ بِإِيقَاعِ الْفُرْقَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَرْأَةَ لَمْ يُجْعَلِ الطَّلَاقُ إِلَيْهَا، لِأَنَّ شَهْوَتَهَا تَغْلِبُهَا فَلَمْ تُؤْمَنْ مِنْهَا مُعَاجَلَةُ الطَّلَاقِ عِنْدَ التَّنَافُرِ وَالرَّجُلُ أَغْلَبُ لِشَهْوَتِهِ مِنْهَا.
وَأَنَّهُ يُؤْمَنُ منه معاجلة الطلاق عند التنافر.
(مسألة)
قال الشافعي: (وَطَلَّقَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا امْرَأَتَهُ وهي حائض في زمان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال عمر فسألت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عن ذلك فقال (مرة فليراجعها ثم ليمسكها حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ إن شاء أمسكها بعد وإن شاء طلق فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لها النساء) (قال) وقد روى هذا الحديث سالم بن عبد الله ويونس بن جبير عن ابن عمر يخالفون نافعاً في شيء منه قالوا كلهم عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال (مره فليراجعها ثم ليمسكها حَتَّى تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ إِنْ شَاءَ أمسك وإن شاء طلق) ولم يقولوا ثم تحيض ثم تطهر (قال) وفي ذلك دليل على أن الطلاق يقع على الحائض لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لم يأمر بالمراجعة إلا من لزمه الطلاق) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الطَّلَاقُ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: طَلَاقُ سُنَّةٍ، وَطَلَاقُ بِدْعَةٍ، وَطَلَاقٌ لَا سُنَّةَ فِيهِ ولا بدعة.
[القسم الأول في طلاق السنة]
فَأَمَّا طَلَاقُ السُّنَّةِ فَهُوَ: طَلَاقُ الْمَدْخُولِ بِهَا في طهر لم تجامع فيه.
[القسم الثاني وهو طلاق البدعة]
وَأَمَّا طَلَاقُ الْبِدْعَةِ فَطَلَاقُ اثْنَتَيْنِ الْحَائِضِ وَالطَّاهِرِ الَّتِي قَدْ جُومِعَتْ فِي طُهْرِهَا أَمَّا الْحَائِضُ فَكَانَ طَلَاقُهَا بِدْعَةً؛ لِأَنَّهَا طُلِّقَتْ فِي زَمَانٍ لَا يُحْتَسَبُ بِهِ مِنْ عِدَّتِهَا وَأَمَّا الْمُجَامَعَةُ فِي طُهْرِهَا.
فَلِإِشْكَالِ أَمْرِهَا هَلْ عَلَقَتْ مِنْهُ فَلَا يُعْتَبَرُ بِالطُّهْرِ وَتَعْتَدُّ بِوَضْعِ الْحَمْلِ.
أَوْ لم تعلق منه فتعتد بالطهر.
[القسم الثالث في الطلاق الذي ليس فيه سنة ولا بدعة]
وَأَمَّا الَّتِي لَا سُنَّةَ فِي طَلَاقِهَا وَلَا بِدْعَةَ فَخَمْسٌ: الصَّغِيرَةُ وَالْمُويِسَةُ وَالْحَامِلُ وَغَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا وَالْمُخْتَلِعَةُ.
أَمَّا الصَّغِيرَةُ وَالْمُويِسَةُ فَلِاعْتِدَادِهِمَا بِالشُّهُورِ الَّتِي لَا تَخْتَلِفُ بِحَيْضٍ وَلَا طُهْرٍ.
وَأَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا فَلِأَنَّهُ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا فَيُؤَثِّرُ فِيهَا حَيْضٌ أَوْ طُهْرٌ.
وَأَمَّا الْمُخْتَلِعَةُ فَلِأَنَّ خَوْفَهُمَا مِنْ أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ يَقْتَضِي تَعْجِيلَ الطَّلَاقِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ سُنَّةٍ وَلَا بِدْعَةٍ.
وَإِذَا انْقَسَمَ الطَّلَاقُ عَلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ فَقِسْمَانِ مِنْهُمَا يُجْمَعُ عَلَى وُقُوعِ الطَّلَاقِ فِيهِمَا:
أَحَدُهُمَا: طَلَاقُ السُّنَّةِ، مُجْمَعٌ عَلَى وُقُوعِهِ.
وَالثَّانِي: مَا لَا سُنَّةَ فِيهِ وَلَا بِدْعَةَ مُجْمَعٌ عَلَى وُقُوعِهِ.
وَالثَّالِثُ: مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَهُوَ طَلَاقُ الْبِدْعَةِ فِي حَيْضٍ أَوْ فِي طُهْرٍ مُجَامَعٍ فِيهِ.
فَهُوَ مَحْظُورٌ مُحَرَّمٌ بِوِفَاقٍ.
وَاخْتُلِفَ فِي وُقُوعِهِ مَعَ تَحْرِيمِهِ.
فَمَذْهَبُنَا إِنَّهُ وَاقِعٌ وَإِنْ كَانَ مُحَرَّمًا.
وَهُوَ قَوْلُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.
وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ وَالسَّبْعَةِ وَبَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ أَنَّهُ غَيْرُ وَاقِعٍ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق 1] فَاقْتَضَى ذَلِكَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَأْمُورِ بِهِ وَالْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي الْوُقُوعِ كَمَا اقْتَضَى الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي التَّحْرِيمِ.
وَبِمَا روى أن ابن جريج عَنْ أَبَى الزُّبَيْرِ: قَالَ: سَأَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَيْمَنَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَأَبُو الزُّبَيْرِ يَسْمَعُ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ طَلَّقْتُ زَوْجَتِي وَهِيَ حَائِضٌ فَسَأَلَ عُمَرُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنْ ذَلِكَ فَرَدَّهَا عَلَيَّ وَلَمْ يَرَهُ شَيْئًا وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّهُ لَا يَقَعُ.
وَلَوْ وَقَعَ لَرَآهُ شَيْئًا.
وَلِأَنَّ النِّكَاحَ قَدْ يَحْرُمُ فِي وَقْتٍ وَهُوَ فِي الْعِدَّةِ وَالْإِحْرَامِ كَمَا يَحْرُمُ الطَّلَاقُ فِي وَقْتٍ وَهُوَ الْحَيْضُ وَالطُّهْرُ الْمُجَامَعُ فِيهِ.
ثُمَّ كَانَ عَقْدُ النِّكَاحِ فِي وَقْتِ تَحْرِيمِهِ بَاطِلًا.
وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ بِمَثَابَةِ إِذَا وَقَعَ فِي وَقْتِ تَحْرِيمِهِ.
وَلِأَنَّهُ لَوْ وَكَّلَ وَكِيلًا فِي طَلَاقِ زَوْجَتِهِ فِي الطُّهْرِ وَطَلَّقَهَا فِي الْحَيْضِ لَمْ تُطَلَّقْ؛ لِأَجْلِ مُخَالَفَتِهِ وَإِيقَاعُ الطَّلَاقِ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ مخالفة الله تَعَالَى فِي وَقْتِ الطَّلَاقِ أَوْلَى أَنْ لَا تَقَعَ بِهَا طَلَاقٌ، وَهَذَا خَطَأٌ.
وَدَلِيلُنَا مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
أنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ يُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ.
فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ.
فَمَوْضِعُ الدليل منه انه أَمْرَهُ بِالرَّجْعَةِ مُوجِبٌ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ، لِأَنَّ الرَّجْعَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا بَعْدَ الطَّلَاقِ.
فَإِنْ قِيلَ أَمْرُهُ بِالرَّجْعَةِ إِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ بِرَدِّهَا إِلَيْهِ.
قُلْنَا: هَذَا تَأْوِيلٌ فَاسِدٌ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أِنَّ الرَّجْعَةَ بَعْدَ ذِكْرِ الطَّلَاقِ تَنْصَرِفُ إِلَى رَجْعَةِ الطَّلَاقِ.
وَالثَّانِي: أِنَّهُ مَا ذَكَرَ إِخْرَاجَهَا فَيُؤْمَرُ بِرَدِّهَا، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الطَّلَاقَ وَكَانَ مُنْصَرِفًا إِلَى رَجْعَتِهَا.
وَالثَّالِثُ: أِنَّ الْمُسْلِمِينَ جَعَلُوا طَلَاقَ ابْنِ عُمَرَ هَذَا أَصْلًا فِي طَلَاقِ الرَّجْعَةِ وَحُكْمِ الْعِدَّةِ وَوُقُوعِ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ وَلَمْ يَتَأَوَّلُوا هَذَا التَّأْوِيلَ فَبَطَلَ بِالْإِجْمَاعِ.
وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: طَلَّقْتُ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ طَلْقَةً وَأَرَدْتُ أَنْ أُتْبِعَهَا طَلْقَتَيْنِ فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: رَاجِعْهَا.
قُلْتُ أَرَأَيْتَ لَوْ طَلَّقْتُهَا ثَلَاثًا قَالَ كُنْتَ قَدْ أَبَنْتَ زَوْجَتَكَ وَعَصَيْتَ رَبَّكَ.
وَهَذَا نَصٌّ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ لَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ ذَلِكَ التَّأْوِيلُ الْمَعْلُولُ وَمِنَ الْقِيَاسِ أِنَّهُ طَلَاقُ مُكَلَّفٍ صَادَفَ مِلْكًا فَوَجَبَ أَنْ يَنْعَقِدَ كَالطَّاهِرِ.
وَلِأَنَّ رَفْعَ الطَّلَاقِ تَخْفِيفٌ وَوُقُوعَهُ تَغْلِيظٌ، لِأَنَّ طَلَاقَ الْمَجْنُونِ لَا يَقَعُ تَخْفِيفًا وَطَلَاقَ السَّكْرَانِ يَقَعُ تَغْلِيظًا؛ لِأَنَّ الْمَجْنُونَ لَيْسَ بِعَاصٍ وَالسَّكْرَانَ عَاصٍ.
فَكَانَ الْمُطَلِّقُ فِي الْحَيْضِ أَوْلَى بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ تَغْلِيظًا مِنْ رَفْعِهِ عَنْهُ تَخْفِيفًا، وَلِأَنَّ النَّهْيَ إِذَا كَانَ لِمَعْنًى وَلَا يَعُودُ إِلَى الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لَمْ يَكُنِ النَّهْيُ مُوجِبًا لِفَسَادِ مَا نُهِيَ عَنْهُ، كَالنَّهْيِ عَنِ الْبَيْعِ عِنْدَ نِدَاءِ الْجُمُعَةِ لَا يُوجِبُ فَسَادَ الْبَيْعِ.
كَذَلِكَ النَّهْيُ عَنِ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ، إِنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ لَا لِأَجْلِ الْحَيْضِ، فَلَمْ يَمْنَعِ النَّهْيُ عَنْهُ مِنْ وُقُوعِ الطَّلَاقِ فِيهِ.
فَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِالْآيَةِ فَنَصُّهَا يُوجِبُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ فِي الْعِدَّةِ، وَدَلِيلُهَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يَقَعَ فِي الْعِدَّةِ، لَكِنْ إِذَا عَارَضَ دَلِيلٌ دَلِيلٌ الْخِطَابَ بَعْدَ صَرْفِهِ عَنْ مُوجِبِهِ، وَقَدْ عَارَضَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَا يُوجِبُ صَرَفَهُ عَنْ مُوجِبِهِ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ فَرَدَّهَا عَلَيَّ وَلَمْ يَرَهُ شَيْئًا فَضَعِيفٌ لِتَفَرُّدِ أَبِي الزُّبَيْرِ بِهِ وَمُخَالَفَةِ جَمِيعِ الرُّوَاةِ فِيهِ مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ لَمْ يَرَهُ شَيْئًا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ إِثْمًا، وَلَمْ يَرَهُ شَيْئًا لَا يَقْدِرُ عَلَى اسْتِدْرَاكِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ بَيَّنَ أَنَّهُ يُسْتَدْرَكُ بِالرَّجْعَةِ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِالنِّكَاحِ، فَالْفَرْقُ بَيْنَ النِّكَاحِ حَيْثُ بَطَلَ بِعَقْدِهِ فِي حَالِ التَّحْرِيمِ وَبَيْنَ الطَّلَاقِ حَيْثُ أَمَرَهُ بِإِيقَاعِهِ فِي حَالِ التَّحْرِيمِ، أَنَّ الطَّلَاقَ أَوْسَعُ حُكْمًا وَأَقْوَى نُفُوذًا مِنَ النِّكَاحِ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ مُبَاشَرَةً وَسَرَايَةً، وَمُعَجَّلًا وَمُؤَجَّلًا.
وَعَلَى غَرَرٍ لَا يَصِحُّ النِّكَاحُ عَلَى مِثْلِهِ، فَجَازَ أَنْ يَقَعَ فِي وَقْتِ تَحْرِيمِهِ وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ عَقْدُ النِّكَاحِ فِي وَقْتِ تَحْرِيمِهِ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِالْوَكِيلِ فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ الْوَكِيلَ إِذَا خَالَفَ الْإِذْنَ زَالَتْ وَكَالَتُهُ وَلَيْسَ يَرْجِعُ بَعْدَ زَوَالِهَا إِلَى مِلْكٍ فَرُدَّ تَصَرُّفُهُ.
وَالزَّوْجُ إِذَا خَالَفَ رَجَعَ بَعْدَ الْمُخَالَفَةِ إِلَى مِلْكٍ فَجَازَ تَصَرُّفُهُ.
(مَسْأَلَةٌ:)
قَالَ الشافعي: (وَأُحِبُّ أَنْ يُطَلِّقَ وَاحِدَةً لِتَكُونَ لَهُ الرَّجْعَةُ لِلْمَدْخُولِ بِهَا وَخَاطِبًا لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا وَلَا يحرم عليه أن يطلقها ثلاثا لأن الله تعالى أباح الطلاق فليس بمحظور وعلم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ابن عمر موضع الطلاق فلو كان في عدده محظور ومباح لعلمه إياه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إن شاء الله.
وطلق العجلاني بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ثلاثا فلم ينكره عليه وسأل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ركانة لما طلق امرأته ألبتة ما أردت؟ ولم ينهه أن يزيد اكثر من واحدة) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ لَا يَمْلِكُ مِنْ عَدَدِ الطَّلَاقِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ، لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أو تسريح بإحسان﴾ .
فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَ ثَلَاثًا فَالْأَوْلَى وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُفَرِّقَهَا فِي ثَلَاثَةِ أَطْهَارٍ، فَيُطَلِّقَ فِي كُلِّ طُهْرٍ وَاحِدَةً.
وَلَا يَجْمَعُهُنَّ فِي طُهْرٍ لِيَخْرُجَ بِذَلِكَ مِنَ الْخِلَافِ وَلِيَأْمَنَ بِهِ مَا يخافه
مِنْ نَدَمِهِ فَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَقَعَتِ الثَّلَاثُ وَلَمْ تَكُنْ مُحَرَّمَةً وَلَا بِدْعَةً وَالسُّنَّةُ وَالْبِدْعَةُ فِي زَمَانِ الطَّلَاقِ لَا فِي عَدَدِهِ.
وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ.
وَمِنَ التَّابِعِينَ ابْنُ سِيرِينَ وَمِنَ الْفُقَهَاءِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ.
وَحُكِيَ عَنِ السَّبْعَةِ وَعَنْ دَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ وَطَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ أَنَّ طَلَاقَ الثلث لَا يَقَعُ.
فَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهَذَا هَلْ يَكُونُ وَاحِدَةً أَمْ لَا؟ فَقَالَ الْمَغْرِبِيُّ: تَكُونُ وَاحِدَةً، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يَقَعُ مِنْهُنَّ شَيْءٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاقِعٌ لَكِنَّهُ حَرَامٌ مُبْتَدَعٌ.
وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَمِنَ الْفُقَهَاءِ مَالِكٌ وَالْعِرَاقِيُّونَ.
وَاسْتَدَلَّ مَنْ مَنَعَ مِنْ وُقُوعِ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَّقَ طَلَاقَ الثَّلَاثِ بِقَوْلِهِ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان﴾ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَجْمَعَ مَا أُمِرَ بِتَفْرِيقِهِ؛ لِأَنَّهُ ارْتِكَابُ مَا نُهِيَ عَنْهُ.
وَمَا حَرُمَ مِنَ الطَّلَاقِ لَا يَقَعُ كَالْمُرَاجَعَةِ.
وَبِمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَيَّامِ أَبِي بَكْرٍ.
وَصَدْرٍ مِنْ أَيَّامِ عُمَرَ وَاحِدَةً.
فَقَالَ عُمَرُ: قَدِ اسْتَعْجَلْتُمْ فِي أَمْرٍ كَانَ لَكُمْ فِيهِ أَنَاةٌ.
وَجَعَلَهُ ثَلَاثًا.
فَلَا يَجُوزُ لِعُمَرَ أَنْ يُخَالِفَ شَرْعًا ثَبَتَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. وَقَدِ ارْتَفَعَ النَّسْخُ بِمَوْتِهِ.
وَبِمَا رَوَوْهُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فِي الْحَيْضِ فَاسْتَفْتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَأَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا.
فَإِذَا طَهُرَتْ فَلْيَسْتَقْبِلْ بِهَا الْعِدَّةَ إِنْ شَاءَ طَلَّقَ وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ.
وَهَذَا نَصٌّ.
(فَصْلٌ:)
وَاسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَنَّ طَلَاقَ الثَّلَاثِ مُحَرَّمٌ وَإِنْ كَانَ وَاقِعًا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق: 1] . فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةُ تَفْرِيقَ الطَّلَاقِ فِي الْأَطْهَارِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: قوله تعالى: ﴿وأحصوا العدة﴾ وَإِحْصَاؤُهَا إِنَّمَا يَكُونُ انْتِظَارًا لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ فِيهَا.
وَالثَّانِي: قَوْله تَعَالَى فِيهَا ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بعد ذلك أمراً﴾ يُرِيدُ بِهِ الرَّجْعَةَ وَالرَّجْعَةُ لَا تَكُونُ فِي الثَّلَاثِ.
وَإِنَّمَا تَكُونُ فِيمَا دُونَ الثَّلَاثِ.
وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229] . فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مَرَّةً.
وَبِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: طَلَّقْتُ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - هَكَذَا أَمَرَكَ رَبُّكَ إِنَّمَا السُّنَّةُ أَنْ تَسْتَقْبِلَ بِهَا الطُّهْرَ ثُمَّ تُطَلِّقَهَا فِي كُلِّ قُرْءٍ طَلْقَةً.
وَبِمَا رَوَاهُ الْحَسَنُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: طَلَّقْتُ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ طَلْقَةً وَأَرَدْتُ أَنْ أُتْبِعَهَا طَلْقَتَيْنِ فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: رَاجِعْهَا فَقُلْتُ أَرَأَيْتَ لَوْ طَلَّقْتُهَا ثَلَاثًا فَقَالَ: كُنْتَ قَدْ أَبَنْتَ زَوْجَتَكَ وَعَصَيْتَ رَبَّكَ.
فَلَوْلَا أَنَّ جَمْعَ الثَّلَاثِ مُحَرَّمٌ مَا كَانَ بِهِ عَاصِيًا.
وَبِمَا رَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ قَالَ طَلَّقَ بَعْضُ آبَائِي امْرَأَتَهُ أَلْفًا.
فَانْطَلَقَ بَنُوهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالُوا إِنَّ أَبَانَا طَلَّقَ أُمَّنَا أَلْفًا فَهَلْ لَهُ مِنْ مَخْرَجٍ؟ فَقَالَ: إِنَّ أَبَاكُمْ لَمْ يتق الله فيما فَعَلَ؛ فَيَجْعَلَ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ مَخْرَجًا بَانَتْ مِنْهُ بِثَلَاثٍ عَلَى غَيْرِ السُّنَّةِ وَتِسْعُمِائَةٍ وَسَبْعَةٌ وَتِسْعُونَ إِثْمٌ فِي عُنُقِهِ.
قَالَ: وَلِأَنَّهُ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ.
رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابَ كَانَ إِذَا أُتِيَ بِرَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا أَوْجَعَ ظَهْرَهُ.
وَإِنَّ رَجُلًا أَتَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنَّ عَمِّي طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّ عَمَّكَ عَصَى اللَّهَ فَأَنْدَمَهُ.
وَأَطَاعَ الشَّيْطَانَ فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَإِنَّ عَلِيًّا وَابْنَ عَبَّاسٍ أَنْكَرَاهُ فَكَانَ إِجْمَاعًا، لِعَدَمِ الْمُخَالِفِ فِيهِ.
وَلِأَنَّهُ عَدَدٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْبَيْنُونَةُ فَوَجَبَ أَنْ يَتَكَرَّرَ كَاللِّعَانِ.
وَدَلِيلُنَا عَلَى الْفَرِيقَيْنِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تفرضوا لهن فريضة﴾ [236] .
فَكَانَ رَفْعُ الْجُنَاحِ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزٍ لِعَدَدٍ يُوجِبُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْأَعْدَادِ.
وَرَوَى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَمَّا لَاعَنَ بَيْنَ عُوَيْمِرٍ الْعَجْلَانِيِّ وَامْرَأَتِهِ قَالَ: كَذَبْتَ عَلَيْهَا إِنْ أَمْسَكْتَهَا، هِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا.
فَلَوْ كَانَ الْجَمْعُ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالثَّلَاثِ مُحَرَّمًا لأبانه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَنْكَرَهُ، لِأَنَّهُ لَا يُقِرُّ عَلَى مُنْكَرٍ.
وَرُوِيَ أَنَّ رُكَانَةَ بْنَ عَبْدِ يَزِيدَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ الْبَتَّةَ.
فَأَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِذَلِكَ فَقَالَ: مَا أَرَدْتَ بِالْبَتَّةِ قَالَ وَاحِدَةً فَأَحْلَفَهُ أَنَّهُ مَا أَرَادَ أَكْثَرَ مِنْهَا فَدَلَّ عَلَى وُقُوعِ الثَّلَاثِ لَوْ أَرَادَهَا مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ.
وَرَوَى سَلَمَةُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ حَفْصَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْمُغِيرَةِ طَلَّقَ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ ثَلَاثًا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ.
فَلَمْ يُنْكِرْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -.
وَإِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ طَلَّقَ تُمَاضِرَ بِنْتَ الْإِصْبَغِ الْكَلْبِيَّةَ ثَلَاثًا فِي مَرَضِهِ فَلَمْ يُنْكِرْهُ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ، وَتُمَاضِرُ هِيَ أُمُّ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَدَلَّ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَمِنَ الصَّحَابَةِ بَعْدَهُ عَلَى إِبَاحَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الثَّلَاثِ، وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ أَنَّ امْرَأَتَهُ عَائِشَةَ الْخَثْعَمِيَّةَ قَالَتْ لَهُ بَعْدَ قَتْلِ أَبِيهِ: لِتَهْنِكَ الْخِلَافَةُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ لها: أو يقتل أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَتَشْمَتِينَ اذْهَبِي فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَاكَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فَدَلَّ عَلَى إِبَاحَتِهِ عِنْدَهُمْ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ مِائَةَ طَلْقَةٍ فَقَالَ: ثَلَاثَةٌ لَهَا وَأَقْسَمَ الْبَاقِي عَلَى نِسَائِهَا.
وَمِنَ الْقِيَاسِ أنَّهُ طَلَاقٌ وَقَعَ فِي طُهْرٍ لَمْ يُجَامِعْهَا فِيهِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا كَالطَّلْقَةِ الْأُولَى، وَلِأَنَّ كُلَّ طَلَاقٍ جَازَ تَفْرِيقُهُ جَازَ جَمْعُهُ.
أَصْلُهُ طَلَاقُ الزَّوْجَاتِ يَجُوزُ أَنْ يَجْمَعَهُنَّ فِي الطَّلَاقِ وَأَنْ يُفَرِّقَهُنَّ.
وَلِأَنَّ كُلَّ طَلَاقٍ جَازَ تَفْرِيقُهُ فِي الْأَطْهَارِ جَازَ إِيقَاعُهُ فِي طُهْرٍ.
أَصْلُهُ إِذَا طَلَّقَ فِي طُهْرٍ ثُمَّ رَاجَعَ فِيهِ ثُمَّ طَلَّقَهَا فيه ثم راجع وثم طَلَّقَهَا فِيهِ ثُمَّ رَاجَعَ.
وَلِأَنَّ الثَّلَاثَ لَفْظٌ يَقْطَعُ الرَّجْعَةَ فَجَازَ إِيقَاعُهُ في طهر لاجماع فِيهِ كَالْوَاحِدَةِ بَعْدَ اثْنَتَيْنِ أَوْ كَالْخُلْعِ.
فَأَمَّا الجواب عن قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ عَدَدُ الطَّلَاقِ، وَإِنَّهُ ثَلَاثٌ وَإِنَّهُ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ بَعْدَ اثْنَتَيْنِ وَلَا يَمْلِكُهَا بَعْدَ الثَّالِثَةِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ تَفْرِيقَ الطَّلَاقِ أَوْ جَمْعَهُ.
وَالثَّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ يَقْتَضِي فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ لَا فِي وَقْتَيْنِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: 31] يَعْنِي أَجْرَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ.
لَا فِي وَقْتَيْنِ.
وَهُمْ يُحَرِّمُونَ وُقُوعَ الطَّلْقَتَيْنِ فِي وَقْتٍ كَمَا يُحَرِّمُونَ وُقُوعَ الثَّلَاثِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الِاسْتِدْلَالِ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ.
فَهُوَ أنَّهُ لَمْ يُطَلِّقْ إِلَّا وَاحِدَةً فِي الْحَيْضِ وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَوْ طَلَّقْتَهَا ثَلَاثًا كُنْتَ قَدْ أَبَنْتَ امْرَأَتَكَ وَعَصَيْتَ رَبَّكَ.
يَعْنِي بِإِيقَاعِهِنَّ فِي الْحَيْضِ لَا بِالْجَمْعِ بَيْنَهُنَّ.
وَأَمَّا أَمْرُهُ لَهُ فِي الْخَبَرِ الثَّانِي أَنْ يُطَلِّقَ فِي كُلِّ طُهْرٍ وَاحِدَةً فَعَلَى طَرِيقِ الِاسْتِحْبَابِ وَالنَّدْبِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أنَّ الدَّارَقُطْنِيَّ رَوَاهُ وَذَكَرَ أَنَّهُ ضَعِيفٌ مَجْهُولُ الرَّاوِي.
وَالثَّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: طَلَّقَهَا عَلَى غَيْرِ السُّنَّةِ؛ لِأَنَّهُ طَلَّقَهَا أَلْفًا وَهُوَ لَا يَمْلِكُ إِلَّا ثَلَاثًا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِالْإِجْمَاعِ فَهُوَ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ بِمَنْ ذَكَرْنَا خِلَافَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَنَّ رَجُلًا أَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي طَلَّقْتُ امْرَأَتِي أَلْفًا فَقَالَ: أَمَّا ثَلَاثٌ فَتَحْرُمُ عَلَيْكَ امْرَأَتُكَ، وَبَقِيَّتُهُنَّ وِزْرًا اتَّخَذْتَ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى اللِّعَانِ فَمِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أنَّ الْفُرْقَةَ لَا تَقَعُ عَلَى قَوْلِهِمْ بِاللِّعَانِ حَتَّى يُوقِعَهَا الْحَاكِمُ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ أَصْلًا لِمَا يُوقِعُ الْفُرْقَةَ.
وَالثَّانِي: أنَّ عَدَدَ اللِّعَانِ لَا يَصِحُّ مَجْمُوعُهُ فَوَجَبَ تَفْرِيقُهُ.
وَالطَّلَاقُ يَصِحُّ مَجْمُوعُهُ فَلَمْ يَجِبْ تَفْرِيقُهُ.
وَالثَّالِثُ: أِنَّهُ لَمَّا جَازَ عَدَدُ اللِّعَانِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ اقْتَضَى أَنْ يَجُوزَ عَدَدُ الطَّلَاقِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُ مَنْ أَنْكَرَ وُقُوعَ الثَّلَاثِ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ: فَهُوَ ضَعِيفٌ لَا يَعْرِفُهُ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ.
وَلَوْ سَلَّمْنَاهُ لَاحْتَمَلَ قَوْلُهُ.
كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ
الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَيَّامِ أَبِي بَكْرٍ وَصَدْرٍ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ وَاحِدَةً فَقَالَ عُمَرُ: قَدِ اسْتَعْجَلْتُمْ فِي أَمْرٍ كَانَ لَكُمْ فِيهِ أَنَاةٌ.
وَجَعَلَهُ ثَلَاثًا.
فَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ فَإِنَّهُ إِنْ أَرَادَ بِالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ طُلِّقَتْ وَاحِدَةً.
وَإِنْ أَرَادَ الِاسْتِئْنَافَ طُلِّقَتْ ثَلَاثًا.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِرَادَةٌ فَعَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: قَالَهُ فِي الْإِمْلَاءِ تُطَلَّقُ وَاحِدَةً.
وَالثَّانِي: قَالَهُ فِي (الْأُمِّ) تُطَلَّقُ ثَلَاثًا.
فَعَلِمَ عُمَرُ أَنَّهُمْ كَانُوا يُرِيدُونَ بِهِ التَّأْكِيدَ فَتَكُونُ وَاحِدَةً، ثُمَّ صَارُوا يُرِيدُونَ بِهِ التَّأْكِيدَ فَجَعَلَهَا ثَلَاثًا.
وَإِنَّمَا حَمَلْنَاهُ عَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ مَعَ بُعْدِهِ؛ لِأَنَّ عُمَرَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخَالِفَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي شَيْءٍ عَمِلَهُ مِنْ دِينِهِ.
وَلَوْ خَالَفَهُ لَمَا أَقَرَّتْهُ الصَّحَابَةُ عَلَى خِلَافِهِ.
أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ؛ لَا تُغَالُوا فِي صَدُقَاتِ النِّسَاءِ فَلَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً لَكَانَ أَوْلَاكُمْ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، فَقَامَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يُعْطِينَا اللَّهُ وَتَمْنَعُنَا يابن الْخَطَّابِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: 20] فَقَالَ عُمَرُ: كُلُّ النَّاسِ أَفْقَهُ مِنْ عُمَرَ حَتَّى امْرَأَةٌ لِيَفْعَلِ الرَّجُلُ بِمَالِهِ مَا شَاءَ.
وَهَمَّ أَنْ يُخَالِفَ بَيْنَ دِيَاتِ الْأَصَابِعِ حَتَّى ذُكِرَ لَهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قال: في اليدين الدية وفي أحدهما نِصْفُ الدِّيَةِ وَفِي كُلِّ إِصْبَعٍ مِمَّا هُنَالِكَ عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ.
فَرَجَعَ عَمَّا هَمَّ بِهِ وَسَوَّى بَيْنِ دِيَاتِهَا.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِمَا رَوَوْهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، فأمره النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِمُرَاجَعَتِهَا فَلَا يَعْرِفُهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ.
وَإِنَّمَا الْخَبَرُ أَنَّهُ قَالَ أَرَأَيْتَ لَوْ طَلَّقْتُهَا ثَلَاثًا فَقَالَ كُنْتَ قَدْ أَبَنْتَ امْرَأَتَكَ وَعَصَيْتَ رَبَّكَ.
وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ مَحْمُولًا عَلَى أَنَّهُ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فِي ثَلَاثَةِ أَوْقَاتٍ.
فَأَمَرَهُ بِالرَّجْعَةِ فِي إِحْدَاهُنَّ بَلْ قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَانِيَةً عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَالِثَةً فِي زَمَنِ عُمَرَ.
فَضَبَطَ الرُّوَاةُ طَلَاقَهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ رِوَايَةُ مَنْ أَطْلَقَ مَحْمُولَةً عَلَى هَذَا البيان والله أعلم بالصواب.
(مسألة:)
قال الشافعي رحمه الله: (ولو طلقها ظاهرا بَعْدَ جِمَاعٍ أَحْبَبْتُ أَنْ يَرْتَجِعَهَا ثُمَّ يُمْهَلَ لِيُطَلِّقَ كَمَا أُمِرَ وَإِنْ كَانَتْ فِي طُهْرٍ بَعْدَ جِمَاعٍ فَإِنَّهَا تَعْتَدُّ بِهِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: فقد ذَكَرْنَا أَنَّ طَلَاقَ الْبِدْعَةِ طَلَاقَانِ: أَحَدُهُمَا: الطَّلَاقُ في الحيض.
وَالثَّانِي: الطَّلَاقُ فِي طُهْرٍ قَدْ جُومِعَتْ فِيهِ.
أَمَّا طَلَاقُ الْحَيْضِ فَلِتَحْرِيمِهِ عِلَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ أَنَّ بَقِيَّةَ حَيْضِهَا غَيْرُ مُحْتَسَبٍ بِهِ مِنْ عِدَّتِهَا عِنْدَ مَنْ جَعَلَ الْأَقْرَاءَ الْأَطْهَارَ، وَعِنْدَ مَنْ جَعَلَهَا الْحَيْضَ، فَصَارَتْ بِالطَّلَاقِ فِيهِ غَيْرَ زَوْجَةٍ وَلَا مُعْتَدَّةٍ.
وَأَمَّا الْمُطَلَّقَةُ فِي الطُّهْرِ المجامع فيه فلتحريمه علتان.
أحدهما: أِنَّهَا رُبَّمَا عَلَقَتْ مِنْ وَطْئِهِ فَصَارَتْ لَهُ أُمَّ وَلَدٍ فَلَحِقَهُ نَدَمٌ مِنْ طَلَاقِ أُمِّ وَلَدِهِ.
وَالثَّانِيَةُ: أِنَّهَا تَصِيرُ مُرْتَابَةً فِي عِدَّتِهَا هَلْ عَلَقَتْ مِنْ وَطْئِهِ فَتَكُونَ عِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ؟ أَوْ لَمْ تَعْلَقْ فَتَكُونَ بِالْأَقْرَاءِ؟ لَكِنَّهَا تَعْتَدُّ بِبَقِيَّةِ طُهْرِهَا قُرْءًا فَإِذَا طَلَّقَ إِحْدَى هَاتَيْنِ إِمَّا فِي حَالِ الْحَيْضِ أَوْ فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ فَقَدْ طَلَّقَهَا طَلَاقًا بِدْعِيًّا مُحَرَّمًا.
وَاسْتَحْبَبْنَا لَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا؛ لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ابْنَ عُمَرَ حِينَ طَلَّقَ فِي الْحَيْضِ أَنْ يُرَاجِعَ، وَاسْتِدْرَاكًا لِمُوَاقَعَةِ الْمَحْظُورِ بِالْإِقْلَاعِ عَنْهُ وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ الرَّجْعَةُ.
وَأَوْجَبَهَا مَالِكٌ فِي طَلَاقِ الْحَائِضِ اسْتِدْلَالًا بِهَذَيْنِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الرَّجْعَةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ وَإِنِ اسْتُحِبَّتْ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ فَخَيَّرَهُ بَيْنَ الرَّجْعَةِ وَالتَّرْكِ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا﴾ [البقرة: 228] فَدَلَّتْ عَلَى أَنَّ الرَّجْعَةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أِنَّهُ جَعَلَهَا حَقًّا لِلْأَزْوَاجِ لَا عَلَيْهِمْ.
وَالثَّانِي: أِنَّهُ قَرَنَهَا بِإِرَادَةِ الْإِصْلَاحِ.
وَلِأَنَّ الرَّجْعَةَ إِمَّا أَنْ تُرَادَ لِاسْتِدَامَةِ الْعَقْدِ أَوْ إِعَادَتِهِ.
فَإِنْ أُرِيدَتْ لِإِعَادَتِهِ لَمْ تَجِبْ، لِأَنَّ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ لَا يَجِبُ، فَإِنْ أُرِيدَتْ لِاسْتِدَامَتِهِ لَمْ تَجِبْ؛ لِأَنَّ لَهُ رَفْعَهُ بِالطَّلَاقِ، وَلِأَنَّ تَحْرِيمَ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ كَتَحْرِيمِهِ فِي طُهْرٍ مُجَامَعٍ فِيهِ، ثُمَّ لَمْ تَجِبِ الرَّجْعَةُ فِي طُهْرِ الْجِمَاعِ كَذَلِكَ فِي الْحَيْضِ.
فَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مُرْهُ فَلَيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ فَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ بَعْدُ وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ.
فَعَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أِنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِنَفْسِهِ وَجَعَلَ عُمَرَ هُوَ الْآمِرَ لَهُ بِقَوْلِهِ: مُرْهُ فَلَيُرَاجِعْهَا دَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ مَعْدُولٌ بِهِ عَنِ الْوُجُوبِ إِلَى الِاسْتِحْبَابِ، لِأَنَّهُ عَدَلَ بِهِ عَمَّنْ تَجِبُ أَوَامِرُهُ إِلَى مَنْ لَا تَجِبُ أَوَامِرُهُ.
وَالثَّانِي إِنَّ قَوْلَهُ: ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَ وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ ترجع المشيئة إلى جمع الْمَذْكُورِ مِنَ الرَّجْعَةِ وَالطَّلَاقِ.
وَمَا رُدَّ إِلَى مَشِيئَةِ فَاعِلِهِ لَمْ يَجِبْ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِأَنَّ فِيهِ اسْتِدْرَاكًا لِمُوَاقَعَةِ الْمَحْظُورِ.
فَالْمَحْظُورُ هُوَ وُقُوعُ الطَّلَاقِ.
وَالطَّلَاقُ الْوَاقِعُ لَا يُسْتَدْرَكُ بِالرَّجْعَةِ وَإِنَّمَا يَقْطَعُ تَحْرِيمَهُ.
(فَصْلٌ:)
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الرَّجْعَةَ مُسْتَحَبَّةٌ غَيْرُ وَاجِبَةٍ فَهِيَ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا إِذَا طُلِّقَتْ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ، لِأَنَّ غَيْرَ الْمَدْخُولِ بِهَا لَا رَجْعَةَ لَهَا وَالثَّلَاثُ لَا رَجْعَةَ مَعَهَا فَتَكُونُ الرَّجْعَةُ مَعَ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ.
ثُمَّ الزَّمَانُ الَّذِي يُسْتَحَقُّ فِيهِ الرَّجْعَةُ مُقَدَّرٌ، وَإِنْ كَانَ الشَّافِعِيُّ قَدْ أَطْلَقَهُ.
فَإِنْ طُلِّقَتْ فِي الْحَيْضِ كَانَ الْأَمْرُ بِارْتِجَاعِهَا مَا كَانَ حَيْضُهَا بَاقِيًا، فَإِنْ طَهُرَتْ مِنْ تِلْكَ الْحَيْضَةِ الَّتِي طُلِّقَتْ فِيهَا سَقَطَ اسْتِحْبَابُ الرَّجْعَةِ وَكَانَتْ إِلَى خِيَارِهِ، لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ فِي طُهْرٍ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ طَلَاقُهَا فِيهِ فَلَمْ يُؤْمَرْ بِارْتِجَاعِهَا فِيهِ.
وَإِنْ طُلِّقَتْ فِي طُهْرٍ قَدْ جُومِعَتْ فِيهِ كَانَ مَأْمُورًا بِارْتِجَاعِهَا فِي بَقِيَّةِ طُهْرِهَا وَفِي الْحَيْضَةِ الَّتِي بَعْدَ طُهْرِهَا، فَإِنْ رَاجَعَهَا فِي هَذَا الْحَالِ فَقَدْ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ وَنُدِبَ إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُرَاجِعْهَا حَتَّى دَخَلَتْ فِي الطُّهْرِ الثَّانِي الَّذِي لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ طَلَاقُهَا فِيهِ سَقَطَ مَا كَانَ مَنْدُوبًا إِلَيْهِ مِنَ الرَّجْعَةِ وَكَانَتْ إِلَى خِيَارِهِ.
(فَصْلٌ:)
فَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَقَدْ رَوَاهُ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: مُرْهُ فَلَيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ فَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ بَعْدُ وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُطْلَّقَ لها الله النِّسَاءُ.
وَرَوَاهُ سَالِمٌ وَيُونُسُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ مُرْهُ فَلَيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَ بَعْدُ وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يطلق لها الله النِّسَاءُ.
فَخَالَفَ نَافِعٌ لِسَالِمٍ وَلِيُونُسَ فِي زِيَادَةِ طُهْرٍ؛ لِأَنَّ رِوَايَةَ سَالِمٍ حَتَّى تَحِيضَ ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَ فَأَذِنَ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَ فِي الطُّهْرِ الْأَوَّلِ بَعْدَ الْحَيْضَةِ الَّتِي طَلَّقَ فِيهَا وَهَذَا صَحِيحٌ.
وَفِي رِوَايَةِ نَافِعٍ.
حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَ.
فَأَذِنَ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَ فِي الطُّهْرِ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ.
وَالطَّلَاقُ فِي الطُّهْرِ الْأَوَّلِ كَالطَّلَاقِ فِي الطُّهْرِ الثَّانِي فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي أَيِّ الرِّوَايَتَيْنِ أَثْبَتُ وَأَصَحُّ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْأَصَحُّ رِوَايَةُ سَالِمٍ وَيُونُسَ.
فَأَمَّا نَافِعٌ فَوَهِمَ فِي زِيَادَةِ الطُّهْرِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ حُكْمَ الطَّلَاقِ فِي الطُّهْرِ الْأَوَّلِ كَحُكْمِ الطَّلَاقِ فِي الطُّهْرِ الثاني.
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا: إِنَّ رِوَايَةَ نَافِعٍ أَصَحُّ وَأَثْبَتُ، وَإِنَّمَا حَذَفَ سَالِمٌ وَيُونُسُ ذِكْرَ الطُّهْرِ الثَّانِي اخْتِصَارًا.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَتْ رِوَايَةُ نَافِعٍ أَصَحَّ فَلِمَ أَذِنَ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَ فِي الطُّهْرِ الثَّانِي وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَ فِي الطُّهْرِ الْأَوَّلِ وَهُمَا فِي الْحُكْمِ سَوَاءٌ.
قِيلَ: قَدْ أَجَابَ أَصْحَابُنَا عَنْ هذا بأربعة أجوبة:
الأول: أِنَّهُ لَمَّا كَانَ طَلَاقُ ابْنِ عُمَرَ فِي الْحَيْضِ مُوجِبًا لِتَطْوِيلِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا قَابَلَهُ رَسُولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَلَى طَرِيقِ الْعُقُوبَةِ لَهُ بِتَطْوِيلِ الرَّجْعَةِ إِلَى الطُّهْرِ الثَّانِي وَإِنْ جَازَتْ فِي الطُّهْرِ الْأَوَّلِ.
وَالْجَوَابُ الثَّانِي: أِنَّهُ لَمَّا أَوْقَعَ ابْنُ عُمَرَ الطَّلَاقَ فِي غَيْرِ زَمَانِهِ قَابَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِاسْتِدَامَةِ الرَّجْعَةِ بَعْدَ زَمَانِهَا.
وَالْجَوَابُ الثَّالِثُ: أِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَحَبَّ أَنْ تَتَحَقَّقَ رَجْعَتُهُ وَيَقْوَى حُكْمُهَا بِالْوَطْءِ فِيهَا.
وَزَمَانُ الْوَطْءِ بَعْدَهَا هُوَ الطُّهْرُ الْأَوَّلُ.
فَإِذَا وَطِئَ فِيهِ خَرَجَ إِيقَاعُ الطَّلَاقِ فِيهِ.
وَكَانَ طَلَاقَ بِدْعَةٍ فَلِذَلِكَ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَ فِيهِ، وَأَذِنَ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَ فِي الطُّهْرِ الثَّانِي.
وَالْجَوَابُ الرَّابِعُ: أِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَحَبَّ أَنْ يَكْمُلَ الِاسْتِبْرَاءُ بَعْدَ الرَّجْعَةِ وَكَمَالُهُ يكون بطهر بعد حيضة كاملة.
وَالطُّهْرُ الْأَوَّلُ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ حَيْضَةٍ كَامِلَةٍ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ كَانَ فِي بُضَاعَتِهَا وَإِنَّمَا الطُّهْرُ الثَّانِي بَعْدَ حَيْضَةٍ كَامِلَةٍ فَلِذَلِكَ جَعَلَ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَ فِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(مَسْأَلَةٌ:)
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَلَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا أَوْ دَخَلَ بِهَا وَكَانَتْ حَامِلًا أَوْ لَا تَحِيضُ مِنْ صِغَرٍ أَوْ كِبَرٍ فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ أَوِ الْبِدْعَةِ طُلِّقَتْ مَكَانَهَا لِأَنَّهَا لَا سُنَّةَ فِي طَلَاقِهَا وَلَا بِدْعَةَ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ النِّسَاءَ ضَرْبَانِ:
ضَرْبٌ لَا سُنَّةَ فِي طَلَاقِهِنَّ وَلَا بِدْعَةَ وَضَرْبٌ يَتَعَلَّقُ بِطَلَاقِهِنَّ حُكْمُ السُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ.
فَأَمَّا اللَّاتِي لَا سُنَّةَ فِي طَلَاقِهِنَّ وَلَا بِدْعَةَ فَأَرْبَعٌ.
إِحْدَاهُنَّ: الصَّغِيرَةُ الَّتِي لَمْ تَحِضْ.
وَالثَّانِيَةُ الَّتِي قَدْ يَئِسَتْ مِنَ الْحَيْضِ.
وَالثَّالِثَةُ الْحَامِلُ.
وَالرَّابِعَةُ غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْمَعْنَى فِي أَنْ لَا سُنَّةَ فِي طَلَاقِهِنَّ وَلَا بِدْعَةَ مَعَ الْمُخْتَلِعَةِ الَّتِي وَإِنْ كَانَتْ بِالْحَيْضِ وَالطُّهْرِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ، فَقَدْ صَرَفَ الْخُلْعُ طَلَاقَهَا عَنْ أَنْ تَكُونَ لِسُنَّةٍ أَوْ بدعة.
وأما التي يتعلق بحكمها بطلاقها حُكْمُ السُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ فَهِيَ الْمَدْخُولُ بِهَا إِذَا كَانَتْ حَامِلًا مِنْ ذَوَاتِ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ، فَتَصِيرُ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ فِي الطَّلَاقِ بِاجْتِمَاعِ ثَلَاثَةِ شُرُوطٍ.
أَنْ تَكُونَ مَدْخُولًا بِهَا.
وَأَنْ تَكُونَ حَائِلًا.
وَأَنْ تَكُونَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ بِالْحَيْضِ وَالطُّهْرِ.
(فَصْلٌ:)
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُصَوَّرَةٌ عَلَى طَلَاقِ مَنْ لَا سُنَّةَ فِي طَلَاقِهَا وَلَا بِدْعَةَ مِنَ النِّسَاءِ الْأَرْبَعِ.
الصَّغِيرَةِ، وَالْمُؤَيَّسَةِ، وَالْحَامِلِ، وَغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا فَإِذَا قَالَ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ وَلَمْ يَكُنْ طَلَاقَ سُنَّةٍ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ فَيُرَاعَى ذَلِكَ فِيهَا وَهَكَذَا لَوْ قَالَ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ وَلَمْ يَكُنْ طَلَاقَ بِدْعَةٍ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الْبِدْعَةِ حَتَّى يُرَاعَى ذَلِكَ فِيهَا.
فَإِنْ قِيلَ فَهَلَّا انْتُظِرَ بِهَا حَتَّى تَصِيرَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ فَتُطَلَّقَ لِلسُّنَّةِ أَوِ الْبِدْعَةِ.
كَمَا انْتُظِرَ بِالْحَائِضِ إِذَا قِيلَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ أَنْ تَطْهُرَ فَتَصِيرَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ قِيلَ: لِأَنَّ ذَاتَ الْحَيْضِ فِي الطُّهْرِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ، فَانْتُظِرَ بِطَلَاقِهَا أَنْ تَكُونَ لِلسُّنَّةِ أَوِ الْبِدْعَةِ.
وَهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعُ لَسْنَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ فَلَمْ يُنْتَظَرْ بِطَلَاقِهِنَّ مَا لَا يَتَّصِفْنَ بِهِ مِنْ سُنَّةٍ وَلَا بِدْعَةٍ كَمَا أن الأجنبية لما لَمْ تَكُنْ مِنْ أَهْلِ الطَّلَاقِ لَمْ يُنْتَظَرْ بِهَا عَقْدُ النِّكَاحِ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ.
(فَصْلٌ:)
فَلَوْ قَالَ لِإِحْدَى الْأَرْبَعِ أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ إِذَا صِرْتِ فِي الطَّلَاقِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ رُوعِيَ ذَلِكَ فِيمَنْ أَمْكَنَ مُرَاعَاتُهُ فِيهَا، وَانْتُظِرَ بِهَا أَنْ تَصِيرَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ؛ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ مُقَيَّدٌ بِشَرْطٍ فَلَمْ يَقَعْ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ أَنَّ هَذَا شَرْطٌ لِلطَّلَاقِ فَانْتُظِرَ.
وَذَلِكَ صِفَةٌ لِلطَّلَاقِ فَلَمْ يُنْتَظَرْ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً انْتُظِرَ بِهَا أَنْ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ فَتُطَلَّقَ، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا انْتُظِرَ بِهَا أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا وَيَنْقَضِيَ نِفَاسُهَا وَتَطْهُرَ فَتُطَلَّقَ وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا انْتُظِرَ بِهَا أَنْ يُجَامِعَهَا.
وَيَنْقَضِيَ طُهْرُ الْمُجَامَعَةِ وَالْحَيْضُ الَّذِي بَعْدَهُ ثُمَّ تَطْهُرَ فَتُطَلَّقَ.
فَأَمَّا الْمُؤَيَّسَةُ فَلَا يُنْتَظَرُ بِهَا ذَلِكَ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ فِيهَا، فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ لِإِحْدَى هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعِ أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ، إِذَا صِرْتِ فِي الطَّلَاقِ مِنْ أَهْلِ الْبِدْعَةِ رُوعِيَ ذَلِكَ.
فَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً انْتَظَرَ بِهَا أَنْ تَحِيضَ فَتُطَلَّقَ وَإِنْ كانت غير مدخول بها انتظر بها أن يُجَامِعَهَا فَتُطَلَّقَ سَوَاءٌ جَامَعَهَا فِي طُهْرٍ أَوْ حَيْضٍ، لِأَنَّهَا تَصِيرُ بَعْدَ جِمَاعِهِ مِنْ أَهْلِ الْبِدْعَةِ فِي الْحَالَيْنِ.
وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا انْتَظَرَ بِهَا أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا ثُمَّ تُطَلَّقُ فِي أول
نِفَاسِهَا.
فَإِنْ لَمْ تَرَ بَعْدَ وِلَادَتِهَا دَمَ نِفَاسٍ لَمْ تُطَلَّقْ حَتَّى يُجَامِعَهَا فِي طُهْرِهَا، سواء قبل بِوُجُوبِ الْغُسْلِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ أَوْ بِسُقُوطِهِ عَنْهَا فِي الْوَجْهِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْغُسْلَ إِنْ وَجَبَ فَلِوَضْعِ الْحَمْلِ الْجَارِي مَجْرَى الْإِنْزَالِ لَا إِنَّهُ لِأَجْلِ النِّفَاسِ.
(فَصْلٌ:)
فَلَوْ قَالَ لِإِحْدَى هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعِ أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ، وَقَالَ: أَرَدْتُ بِنِيَّتِي أَنَّهَا تُطَلَّقُ إِذَا صَارَتْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ، وَلَزِمَهُ الطَّلَاقُ مُعَجَّلًا لِغَيْرِ السُّنَّةِ، وَدِينَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا نَوَى.
فَلَمْ يُلْزِمْهُ الطَّلَاقُ أَنْ تَصِيرَ فِيهِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَجَرَى ذَلِكَ فِي مَجْرَى قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَقَالَ: أَرَدْتُ بِذَلِكَ إِنْ دَخَلَتِ الدَّارَ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ، وَدِينَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْبَاطِنِ، فَلَمْ تُطَلَّقْ إِلَّا بِدُخُولِ الدَّارِ.
وَهَكَذَا لَوْ قَالَ لِإِحْدَاهُنَّ أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ وَقَالَ: أَرَدْتُ بِنِيَّتِي أَنَّهَا تُطَلَّقُ إِذَا صَارَتْ مِنْ أَهْلِ الْبِدْعَةِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ وَأُلْزِمَ تَعْجِيلَ الطَّلَاقِ.
وَدِينَ فِي الْبَاطِنِ وَلَمْ يُلْزِمْهُ الطَّلَاقُ إِلَّا أَنْ تَصِيرَ إِلَى تِلْكَ الْحَالِ.
وَلَوْ قَالَ لِإِحْدَى هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعِ أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ إِنْ كَانَ يَقَعُ طَلَاقُ السُّنَّةِ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ مَعَ الشَّكِّ فِي حَالِهَا؛ لِأَنَّهُ شَكٌّ فِي الصَّغِيرَةِ هَلْ حَاضَتْ أَوْ لَمْ تَحِضْ؟ أَوْ شَكٌّ فِي الْحَمْلِ هَلْ هُوَ حَمْلٌ أَوْ غَلَطٌ أَوْ شَكٌّ فِي الْمُؤَيَّسَةِ هَلِ انْقَطَعَ حَيْضُهَا أَوْ تَأَخَّرَ أَوْ شَكٌّ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا هَلْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ؟
فَلَا طَلَاقَ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ وَلَا إِذَا صَارَتْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي ثَانِي حَالٍ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ ذَلِكَ بِوُجُودِ الشَّرْطِ فِي الْحَالِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ وَهُوَ عَلَى يَقِينٍ أَنَّهَا لَيْسَتْ فِي الطَّلَاقِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أِنَّهُ شَرْطٌ مَلْغِيٌّ لِاسْتِحَالَتِهِ وَيَقَعُ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أِنَّهُ مُعْتَبَرٌ مَعَ اسْتِحَالَتِهِ فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ وَلَا إِنْ صَارَتْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي ثَانِي حَالٍ كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ صَعِدْتِ السَّمَاءَ لَمْ تُطَلَّقْ وَإِنْ عُلِّقَ بِشَرْطٍ مُسْتَحِيلٍ وَهَكَذَا لَوْ قَالَ لِإِحْدَاهُنَّ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ إِنْ كَانَ يَقَعُ عَلَيْكِ طَلَاقُ الْبِدْعَةِ، فَإِنْ كَانَ مَعَ الشَّكِّ فِيهِنَّ لَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ، وَإِنْ كَانَ مَعَ الْيَقِينِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
(فَصْلٌ:)
وَلَوْ قَالَ لِإِحْدَى هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعِ أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ صِفَتَيْنِ مُتَضَادَّتَيْنِ يَسْتَحِيلُ اجْتِمَاعُهُمَا فِي النِّسَاءِ عُمُومًا وَانْفِرَادُهُمَا فِي هَؤُلَاءِ خُصُوصًا فَأُلْغِيَتِ الصِّفَتَانِ وَعُجِّلَ وُقُوعُ الطَّلَاقِ.
وَلَوْ قَالَ لِإِحْدَاهُنَّ: أَنْتِ طالق لا
لِلسُّنَّةِ وَلَا لِلْبِدْعَةِ طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ وَهِيَ مُنْصَفَةٌ بِهَذَا الْحُكْمِ لِأَنَّهُ لَا سُنَّةَ فِي طَلَاقِهَا وَلَا بِدْعَةَ.
(فَصْلٌ:)
وَإِذَا رَأَتِ الْحَامِلُ دَمًا يُضَارِعُ الْحَيْضَ صِفَةً وَقَدْرًا.
فَقَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ أَوْ قَالَ: لِلْبِدْعَةِ.
فَهُوَ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي الدَّمِ عَلَى الْحَمْلِ.
هَلْ يَكُونُ حَيْضًا أَمْ لَا؟ فَعَلَى قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ، لَا يَكُونُ حَيْضًا وَيَكُونُ دَمَ فَسَاٍدٍ.
فَعَلَى هَذَا يَكُونُ كَطَلَاقِ الْحَامِلِ ذَاتِ النَّقَاءِ، إِنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ، طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي حَالِ الدَّمِ أَوْ فِي وَقْتِ انْقِطَاعِهِ، وَلَمْ يَكُنْ طَلَاقَ سُنَّةٍ.
وَإِنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ وَلَمْ يَكُنْ طَلَاقَ بدعة.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْجَدِيدِ: إِنَّ دَمَ الْحَامِلِ إِذَا ضَارَعَ الْحَيْضَ فِي الصِّفَةِ وَالْقَدْرِ كَانَ حَيْضًا.
فَعَلَى هَذَا إِنْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ انْقِطَاعِ حَيْضِهَا طُلِّقَتْ، وَإِنْ كَانَ فِي وَقْتِ حَيْضِهَا فَفِي وُقُوعِ طَلَاقِهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: أنها لا تُطَلَّقُ فِيهِ لِكَوْنِهِ حَيْضًا فَصَارَ كَحَيْضِ الْحَائِلِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا: أِنَّهَا تُطَلَّقُ فِيهِ بِخِلَافِ حَيْضِ الْحَائِلِ؛ لِأَنَّ الْحَائِلَ تَعْتَدُّ بِالطُّهْرِ دُونَ الْحَيْضِ فَلِذَلِكَ صَارَ طَلَاقُهَا فِي الْحَيْضِ بِدْعَةً.
وَالْحَامِلُ تَعْتَدُّ بِوَضْعِ الْحَمْلِ دُونَ الطُّهْرِ وَالْحَيْضِ فَلَمْ يَكُنْ طَلَاقُهَا فِي الْحَيْضِ بِدْعَةً، وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ لَهَا وَهِيَ تَحِيضُ عَلَى الْحَمْلِ أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ.
فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي حَالِ حَيْضِهَا طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ وَإِنْ كَانَ فِي حَالِ طُهْرِهَا فَعَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أِنَّهَا تُطَلَّقُ فِي الْحَالِ إِذَا قِيلَ: إِنَّ طَلَاقَهَا في الحيض ليس ببدعة.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أنَّهَا لَا تُطَلَّقُ إِلَّا فِي الْحَيْضِ، إِذَا قِيلَ: إِنَّ طَلَاقَهَا فِي الْحَيْضِ بِدْعَةٌ فَعَلَى هَذَا لَوْ لَمْ تَرَ بَعْدَ طَلَاقِهِ حَيْضًا حَتَّى وَلَدَتْ.
طُلِّقَتْ فِي نِفَاسِهَا بَعْدَ الْوِلَادَةِ.
لِأَنَّنَا قَدْ أَثْبَتْنَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ حُكْمَ هَذِهِ الصِّفَةِ فَلِذَلِكَ وَجَبَ انْتِظَارُهَا، وَلَكِنْ لَا يَخْتَلِفُ أَصْحَابُنَا إِنْ وَطِئَهَا فِي طُهْرِهَا عَلَى الْحَمْلِ لَا يَكُونُ الطَّلَاقُ فِيهِ طَلَاقَ بِدْعَةٍ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ طَلَاقُهَا فِي الْحَيْضِ لَا يَكُونُ طَلَاقَ بِدْعَةٍ.
(فَصْلٌ:)
وَإِذَا تَزَوَّجَ حَامِلًا مِنْ زِنًا صَحَّ نِكَاحُهَا عِنْدَنَا، وَجَازَ لَهُ وَطْؤُهَا فِي حَمْلِهَا وَإِنْ خَالَفَنَا فِيهِ مَالِكٌ فَإِنَّ طَلَاقَهَا لِلسُّنَّةِ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ دَخَلَ بِهَا تَعَجَّلَ طَلَاقَهَا؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمَدْخُولِ بِهَا لَا سُنَّةَ فِي طَلَاقِهَا وَلَا بِدْعَةَ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا لَمْ يَتَعَجَّلْ طَلَاقَهَا وَانْتَظَرَ بِهَا أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا وَيَنْقَضِيَ نِفَاسُهَا، فَتُطَلَّقَ فِي أَوَّلِ طُهْرِهَا بَعْدَ النِّفَاسِ، بِخِلَافِ الْحَامِلِ مِنْهُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحَامِلِ مِنْهُ وَبَيْنَ الْحَامِلِ مِنْ زِنًا حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فِي طَلَاقِ الْحَامِلِ سُنَّةٌ وَلَا بِدْعَةٌ وَكَانَ فِي طَلَاقِ الْحَامِلِ مِنْ زِنًا سُنَّةٌ وَبِدْعَةٌ لِأَنَّهُ إِذَا طَلَّقَ الْحَامِلَ مِنْهُ اعْتَدَّتْ بِوَضْعِهِ فَارْتَفَعَتِ السُّنَّةُ وَالْبِدْعَةُ فِي طَلَاقِهَا.
وَإِذَا طَلَّقَ الْحَامِلَ مِنْ زِنًا لم تعتد من بوضعه واعتد بالأقراء فتثبت السُّنَّةُ وَالْبِدْعَةُ فِي طَلَاقِهَا.
فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَتْ تَحِيضُ عَلَى الْحَمْلِ، فَإِنْ لَمْ نَجْعَلْهُ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ حَيْضًا لَمْ نَعْتَبِرْهُ.
وَإِنْ جَعَلْنَاهُ حَيْضًا عَلَى قَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ اعْتَبَرْنَاهُ، فَإِذَا طَهُرَتْ مِنْهُ عَلَى الْحَمْلِ طُلِّقَتْ لِلسُّنَّةِ.
وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ، وَقَدْ جَامَعَهَا عَلَى حَمْلِهَا، وَقَعَ عَلَيْهَا فِي الْحَالِ طَلَاقُ الْبِدْعَةِ، لِأَنَّ حُكْمَ هَذَا الْحَمْلِ مُلْغًى.
وَهُوَ طُهْرٌ قَدْ جُومِعَتْ فِيهِ، فَكَانَ الطَّلَاقُ فِيهِ طَلَاقَ بِدْعَةٍ.
وَلَوْ حَاضَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ جِمَاعِهِ، وَجَعَلْنَاهُ حَيْضًا، وَطَهُرَتْ مِنْهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا لِلْبِدْعَةِ لَمْ تُطَلَّقْ إِلَّا أَنْ تَحِيضَ عَلَى الْحَمْلِ فَتُطَلَّقَ أَوْ يَطَأَهَا فِي هَذَا الطُّهْرِ فَتُطَلَّقُ، أَوْ تَضَعُ حَمْلَهَا وَتَصِيرُ فِي نِفَاسِهَا فَتُطَلَّقُ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ فِي الْحَيْضِ بِدْعَةٌ، وَفِي طُهْرِ الْجِمَاعِ بِدْعَةٌ، وَفِي النِّفَاسِ بِدْعَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(فَصْلٌ:)
وَلَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ وَهِيَ حَامِلٌ مِنْهُ إِذَا وَلَدْتِ وَلَدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ فَلَا طَلَاقَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْوِلَادَةِ، فَإِذَا وَلَدَتْ لَمْ تُطَلَّقْ حَتَّى يَنْقَضِيَ نِفَاسُهَا، لِأَنَّهُ جَعَلَهُ بِالْوِلَادَةِ وَاقِعًا لِلسُّنَّةِ فَلِذَلِكَ رُوعِيَ انْقِضَاءُ نِفَاسِهَا، فَلَوْ كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ بحالها فولدت ولدين طلقت بعد لأول وَقَبْلَ وَضْعِ الثَّانِي، لِأَنَّهَا بِوَضْعِ الْأَوَّلِ قَدْ وُجِدَ شَرْطُ طَلَاقِهَا، وَصَارَتْ مَعَ بَقَاءِ الثَّانِي حَامِلًا، وَالْحَامِلُ إِذَا طُلِّقَتْ لِلسُّنَّةِ وَقَعَ طَلَاقُهَا فِي الْحَالِ، لِأَنَّهُ لَا سُنَّةَ فِي طَلَاقِهَا ولا بدعة.
(مسألة:)
قال الشافعي: (وَإِنْ كَانَتْ تَحِيضُ فَقَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ فَإِنْ كَانَتْ طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ طُلِّقَتْ ثَلَاثًا مَعًا وَإِنْ كَانَتْ مُجَامَعَةً أَوْ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ وَقَعَ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ حِينَ تَطْهُرُ مِنَ الْحَيْضِ أَوِ النِّفَاسِ وَحِينَ تَطْهُرُ الْمُجَامَعَةُ مِنْ أَوَّلِ حَيْضٍ بَعْدَ قَوْلِهِ وقبل الغسل وإن قال نويت أن تقع في كل طهر طلقة وقعن معاً في الحكم وعلى ما نوى فيما بينه وبين الله) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَإِذَا قَدْ مَضَى طَلَاقُ مَنْ لا سنة في طلاقها، لا بِدْعَةَ، فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَقْصُورَةٌ عَلَى طَلَاقِ ذَاتِ السُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ مِنْ ذَوَاتِ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ، وَهُوَ الضَّرْبُ الثَّانِي مِنَ النِّسَاءِ وَهُوَ أَنْ يَجْتَمِعَ فِيهَا مَا قَدَّمْنَا مِنَ الشُّرُوطِ الثَّلَاثَةِ.
أَنْ تَكُونَ مَدْخُولًا بِهَا، وَأَنْ تَكُونَ حَائِلًا، وَأَنْ تَكُونَ مِنْ ذَوَاتِ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ.
فَإِذَا قَالَ لِهَذِهِ الَّتِي قَدْ تَكَامَلَ فِيهَا شُرُوطُ السُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ لَمْ يخل حالها من ثلاثة أقسام:
أحدهما: أَنْ تَكُونَ فِي طُهْرٍ لَمْ تُجَامَعْ فِيهِ، فَيَقَعُ طَلَاقُهَا فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ لِلسُّنَّةِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ حَائِضًا فَلَا طَلَاقَ عَلَيْهَا فِي حَالِ الْحَيْضِ فَإِذَا انْقَضَى بَقِيَّةُ حَيْضِهَا طُلِّقَتْ بِدُخُولِهَا فِي أَوَّلِ الطُّهْرِ قَبْلَ الغسل، سوء انْقَطَعَ الْحَيْضُ لِأَقَلِّهِ أَوْ لِأَكْثَرِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِنِ انْقَطَعَ حَيْضُهَا لِأَكْثَرِهِ طُلِّقَتْ قَبْلَ الْغُسْلِ، وَإِنِ انْقَطَعَ حَيْضُهَا لِأَقَلِّهِ لَمْ تُطَلَّقْ إِلَّا بَعْدَ الْغُسْلِ، وَهَذَا خَطَأٌ، لِأَنَّ مَا وَقَعَ فِيهِ طَلَاقُ السُّنَّةِ بَعْدَ الْغُسْلِ وَقَعَ فِيهِ طَلَاقُ السُّنَّةِ قَبْلَ الْغُسْلِ قِيَاسًا عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ نُفَسَاءَ لَمْ تُطَلَّقْ فِي نِفَاسِهَا، لِأَنَّ النِّفَاسَ فِي حُكْمِ الْحَيْضِ.
فَإِذَا طَهُرَتْ مِنْهُ طُلِّقَتْ قَبْلَ الْغُسْلِ مِثْلَ الْحَيْضِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ فِي طُهْرٍ قَدْ جَامَعَهَا فِيهِ فَلَا طَلَاقَ عَلَيْهَا فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي الطَّلَاقِ، فَإِذَا انْقَضَى بَقِيَّةُ طُهْرِهَا الَّذِي جَامَعَهَا فِيهِ وَحَاضَتْ بَعْدَهُ حَيْضَةً كَامِلَةً وَدَخَلَتْ فِي أَوَّلِ الطُّهْرِ الثَّانِي طُلِّقَتْ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ طَلَاقُ السُّنَّةِ إِلَّا أَنْ يُجَامِعَهَا فِي آخِرِ الْحَيْضِ وَأَوَّلِ الطُّهْرِ فَلَا تُطَلَّقُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ بَدَأَهَا وَهِيَ مُجَامَعَةٌ وَصَارَ طُهْرًا جَامَعَهَا فِيهِ لَا يَقَعُ فِيهِ طَلَاقُ السُّنَّةِ، وَهَكَذَا لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ مَعَ أَوَّلِ كُلِّ طُهْرٍ لَمْ تُطَلَّقْ.
(فَصْلٌ:)
وَإِذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ لَمْ يَخْلُ حَالُهَا مِنَ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ:
أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ حَائِضًا فَتُطَلَّقَ فِي الْحَالِ، لِأَنَّ الْحَيْضَ زَمَانُ الْبِدْعَةِ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ نُفَسَاءَ طُلِّقَتْ؛ لِأَنَّ النِّفَاسَ كَالْحَيْضِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ فَتُطَلَّقَ، لِأَنَّ طُهْرَ الْمُجَامَعَةِ زَمَانُ الْبِدْعَةِ وَسَوَاءٌ أَنْزَلَ مِنْ جِمَاعِهِ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ إِذَا الْتَقَى خِتَانَاهُمَا؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ يَسْتَقِرُّ بِهِ الدُّخُولُ وَيَكْمُلُ بِهِ الْمَهْرُ وَتَجِبُ بِهِ الْعِدَّةُ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ فِي طُهْرٍ لَمْ يُجَامِعْهَا فِيهِ فَلَا طَلَاقَ حَتَّى تَحِيضَ فَتُطَلَّقَ، لِأَنَّ الْحَيْضَ زَمَانُ الْبِدْعَةِ، أَوْ يُجَامِعُهَا فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ فَتُطَلَّقُ؛ لِأَنَّ طُهْرَ الْمُجَامَعَةِ زَمَانٌ لِطَلَاقِ الْبِدْعَةِ ثُمَّ يُعْتَبَرُ حَالُ جِمَاعِهِ فِيهِ، فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ حِينَ أَوْلَجَ ذَكَرَهُ نَزَعَ وَأَقْلَعَ فَقَدْ طُلِّقَتْ بِالْإِيلَاجِ وَلَمْ يَلْزَمْهُ بَعْدَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ مَهْرًا بِالْإِخْرَاجِ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ قَدْ نَزَعَ بَعْدَ إِيلَاجِهِ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الْإِيلَاجَ بَعْدَهُ، فَعَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا بِالْإِيلَاجِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهَا طُلِّقَتْ بِالْإِيلَاجِ الْأَوَّلِ فَصَارَ مُسْتَأْنِفًا لِلْإِيلَاجِ الثَّانِي بَعْدَ طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ فَلَزِمَهُ فِيهِ مَهْرُ الْمِثْلِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ حِينَ أَوْلَجَ اسْتَدَامَ الْإِيلَاجَ وَلَمْ يَنْزَعْ حَتَّى أَنْهَى جِمَاعَهُ فَفِي وُجُوبِ مَهْرِ الْمِثْلِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا مَهْرَ عَلَيْهِ اعْتِبَارًا بِأَوَّلِهِ فَإِنَّهُ كَانَ وَهِيَ زَوْجَةٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي عَلَيْهِ مَهْرُ الْمِثْلِ اعْتِبَارًا بِآخِرِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ وَهِيَ مُطَلَّقَةٌ.
(فَصْلٌ:)
وَإِذَا قَدْ مَضَى مَا يقع به الطلاق السُّنَّةُ فِي زَمَانِهِ.
وَمَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقُ الْبِدْعَةِ فِي زَمَانِهِ.
فَقَدِ اسْتَقَرَّ لَكَ زَمَانُ الطَّلَاقَيْنِ فَاعْتَبِرْهُمَا فِيمَا تَفَرَّعَ مِنْهُمَا.
فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَا لِلسُّنَّةِ كَانَتْ طَالِقًا لِلْبِدْعَةِ، لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَخْلُ هَذَا الطَّلَاقُ مِنْ هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ كَانَ نَفْيُ إِحْدَاهُمَا إِثْبَاتًا لِلْأُخْرَى.
وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَا لِلْبِدْعَةِ، كانت طالقاً للسنة؛ لأن نَفْيِ الْبِدْعَةِ إِثْبَاتًا لِضِدِّهَا وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ أَوِ الْبِدْعَةِ.
رَجَعَ إِلَى خِيَارِهِ لِيُوقِعَ مَا شَاءَ مِنْ طَلَاقِ السُّنَّةِ أَوِ الْبِدْعَةِ؛ لِأَنَّ لَفْظَةَ أَوْ مَوْضُوعَةٌ لِلتَّخْيِيرِ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ لِتَعَارُضِ الصِّفَتَيْنِ وَتَنَافِي اجْتِمَاعِهِمَا فَأُلْغِيَتَا: ثُمَّ يُنْظَرُ فِي الْحَالِ: فَإِنْ كَانَ زَمَانَ الْبِدْعَةِ كَانَ طَلَاقَ بِدْعَةٍ، وَإِنْ كَانَ زَمَانَ السُّنَّةِ كَانَ طَلَاقَ سُنَّةٍ، وَهَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَا لِلسُّنَّةِ وَلَا لِلْبِدْعَةِ طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ، لِأَنَّهُ قَدْ جَمَعَ فِي النَّفْيِ بَيْنَ صِفَتَيْنِ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ إِحْدَاهَا فَسَقَطَ حُكْمُ نَفْيِهِ وَتَعَجَّلَ وُقُوعُ الطَّلَاقِ فَإِنْ كَانَ زَمَانَ السُّنَّةِ كَانَ طَلَاقَ سُنَّةٍ، وَإِنْ كَانَ زَمَانَ الْبِدْعَةِ كَانَ طَلَاقَ بِدْعَةٍ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي السُّنَّةِ وَأَنْتِ طَالِقٌ بِالسُّنَّةِ كَانَ كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ، فَيَقَعُ عَلَيْهَا طَلَاقَ السُّنَّةِ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ بِالْبِدْعَةِ أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ فِي الْبِدْعَةِ كَانَ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ فَيَقَعُ عَلَيْهَا طَلَاقُ الْبِدْعَةِ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقَ الْحَرَجِ فَقَدْ حَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ طَلَاقُ الثَّلَاثِ.
وَلَيْسَ لِلشَّافِعِيِّ فِيهِ نَصٌّ، لَكِنْ قِيَاسُ مَذْهَبِهِ أَنْ يَكُونَ طَلَاقَ بِدْعَةٍ.
فَيَقَعُ عَلَيْهَا طَلَاقُ الْبِدْعَةِ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسَّاعَةِ وَقَعَ عَلَيْهَا طَلَاقُ السُّنَّةِ.
(فَصْلٌ:)
وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا لِلسُّنَّةِ وَالْأُخْرَى لِلْبِدْعَةِ، وَقَعَتْ إِحْدَى الطَّلْقَتَيْنِ فِي الْحَالِ، لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ حَالَ سُنَّةٍ أَوْ بِدْعَةٍ.
فإن كانت حال سنية كَانَتِ الْأُولَى سُنِّيَّةً فَوَقَعَتِ الثَّانِيَةُ فِي زَمَانِ الْبِدْعَةِ، وَإِنْ كَانَتْ حَالَ بِدْعَةٍ كَانَتِ الْأُولَى بِدْعِيَّةً فَوَقَعَتِ الثَّانِيَةُ فِي زَمَانِ السُّنَّةِ.
وَلَوْ قَالَ؛ أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَانِ لِلسُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُجْعَلَ إِحْدَاهُمَا لِلسُّنَّةِ وَالْأُخْرَى لِلْبِدْعَةِ إِثْبَاتًا لِحُكْمِ الصِّفَتَيْنِ، لِأَنَّهُ إِذَا أَمْكَنَ اجْتِمَاعُهُمَا لَمْ يَسْقُطَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ تُلْغَى الصِّفَتَانِ وَيُعَجَّلَ إِيقَاعُ الطَّلْقَتَيْنِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنَ الصِّفَتَيْنِ عَوْدُهُمَا إِلَى جَمِيعِ الطَّلْقَتَيْنِ، فَلَمْ يجز أن يفيد الْمُطْلَقُ كَمَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُطْلَقَ الْمُقَيَّدُ.
(فَصْلٌ:)
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ فَهِيَ مَسْطُورُ الْمَسْأَلَةِ فَتَقَعُ الثَّلَاثُ مَعًا فِي زَمَانِ السُّنَّةِ وَلَا يَتَفَرَّقْنَ فِي ثَلَاثَةِ أَطْهَارٍ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ وَالْبِدْعَةَ عِنْدَنَا فِي زَمَانِ الطَّلَاقِ لَا فِي عَدَدِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: يَتَفَرُّقُ الثَّلَاثُ فِي ثَلَاثَةِ أَطْهَارٍ، وَلَا يَقَعْنَ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّ السُّنَّةَ وَالْبِدْعَةَ عِنْدَهُمَا فِي الطَّلَاقِ وَفِي عَدَدِهِ وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهُمَا) .
فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: أَرَدْتُ أَنْ يَتَفَرَّقْنَ فِي ثَلَاثَةِ أَطْهَارٍ فَيَقَعُ فِي كُلِّ طُهْرٍ وَاحِدَةٌ لِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ، فَهَذَا مُحْتَمَلٌ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلظَّاهِرِ، فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ وَيُقْبَلُ مِنْهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَيَدِينُ فِيهِ فَلَا يَقَعُ فِي بَاطِنِ الْحُكْمِ إِلَّا عَلَى مَا نَوَى، وَإِنْ وَقَعَ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ مُعَجَّلًا، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتُ لِلسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانَتِ الْحَالُ وَقْتًا لِطَلَاقِ السُّنَّةِ طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ.
فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ وَبَاطِنِهِ، وَإِنْ كَانَتِ الْحَالُ وَقْتًا لِطَلَاقِ الْبِدْعَةِ.
فَقَدْ ذَكَرَ مُحْتَمَلًا يُخَالِفُ ظَاهِرَ الْإِطْلَاقِ، فَيَقَعُ الطَّلَاقُ مُعَجَّلًا فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ اعْتِبَارًا بِظَاهِرِ الطَّلَاقِ، وَلَا يَقَعُ فِي بَاطِنِ الْحُكْمِ وَفِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا عَلَى مَا نَوَى مِنْ طَلَاقِ السُّنَّةِ إِذَا جَاءَ زَمَانُ السُّنَّةِ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ ثُمَّ قَالَ سَبَقَ لِسَانِي بِقَوْلِ السُّنَّةِ وَإِنَّمَا أَرَدْتُ طَلَاقَ الثَّلَاثِ عَلَى الإطلاق قبل منه وقع الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ سَوَاءٌ كَانَ لِلسُّنَّةِ أَوْ لِلْبِدْعَةِ، لِأَنَّهُ وَإِنْ خَالَفَ ظَاهِرَ لَفْظِهِ فَهُوَ أَغْلَظُ عليه وأضربه.
وَمَنْ يُبَيِّنُ الْأَخَفَّ بِالْأَغْلَظِ قُبِلَ مِنْهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَمَنْ بَيَّنَ الْأَغْلَظَ بِالْأَخَفِّ لَمْ يُقْبَلْ منه الظَّاهِرِ.
وَإِنْ قُبِلَ مِنْهُ فِي الْبَاطِنِ إِذَا كان محتملاً.
(مسألة:)
قال الشافعي: (وَلَوْ كَانَ قَالَ فِي كُلِّ قُرْءٍ وَاحِدَةٌ فَإِنْ كَانَتْ طَاهِرًا حُبْلَى وَقَعَتِ الْأُولَى وَلَمْ تَقَعِ الثِّنْتَانِ إِنْ كَانَتْ تَحِيضُ عَلَى الْحَبَلِ أو لا تحيض حَتَّى تَلِدَ ثُمَّ تَطْهُرَ فَإِنْ لَمْ يَحْدُثْ لَهَا رَجْعَةٌ حَتَّى تَلِدَ بَانَتْ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَلَمْ يَقَعْ عَلَيْهَا غَيْرُ الْأُولَى) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فِي كُلِّ قُرْءٍ وَاحِدَةٌ فَقَدْ صَرَّحَ بِتَفْرِيقِ الثَّلَاثِ فِي ثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ، فَلَا يَقَعْنَ إِلَّا هَكَذَا، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَخْلُو حَالُ الْمَرْأَةِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ.
إِمَّا أَنْ تَكُونَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ، أَوْ لَا تَكُونُ مِنْهُنَّ.
فَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ فَلَا يَخْلُو حَالُهَا مِنْ أَنْ تَكُونَ حَائِضًا أَوْ طَاهِرًا، فَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا لَمْ تُطَلَّقْ فِي حَالِ حَيْضِهَا حَتَّى إِذَا طَهُرَتْ طُلِّقَتْ فِي أَوَّلِ طُهْرِهَا؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ زَمَانِ السُّنَّةِ.
فَإِذَا حَاضَتِ الْحَيْضَةَ الثَّانِيَةَ وَدَخَلَتْ فِي أَوَّلِ الطُّهْرِ الثَّانِي طُلِّقَتْ طَلْقَةً ثَانِيَةً، سَوَاءٌ رَاجَعَ بَعْدَ الْأُولَى أَوْ لَمْ يُرَاجِعْ.
فَإِذَا حَاضَتِ الْحَيْضَةَ الثَّالِثَةَ وَدَخَلَتْ فِي أَوَّلِ الطُّهْرِ الثَّالِثِ، طُلِّقَتْ طَلْقَةً ثَالِثَةً، سَوَاءٌ رَاجَعَ بَعْدَ الثَّانِيَةِ أَوْ لَمْ يُرَاجِعْ.
فَأَمَّا الْعِدَّةُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ رَاجَعَهَا بَنَتْ عَلَى عِدَّةِ الطَّلْقَةِ الْأُولَى، فَإِذَا انْقَضَى الطُّهْرُ الثَّالِثُ بِدُخُولِ الْحَيْضَةِ الرَّابِعَةِ فَقَدِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَحَلَّتْ لِلْأَزْوَاجِ، وَإِنْ رَاجَعَهَا لَمْ يَخْلُ حَالُهُ بعد الرجعة من أن يطأها فَإِنْ وَطِئَهَا اسْتَأْنَفَتِ الْعِدَّةَ بَعْدَ الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ الَّتِي بَعْدَ رَجْعَتِهِ وَوَطْئِهِ وَيَكُونُ ذَلِكَ الطُّهْرُ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ الطَّلْقَةُ الثَّالِثَةُ قُرْءًا وَاحِدًا فتأتي بعده بقرأين، وَإِنْ لَمْ يَطَأْهَا بَعْدَ رَجْعَتِهِ، فَهَلْ تَبْنِي عَلَى الْعِدَّةِ أَوْ تَسْتَأْنِفُهَا عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أِنَّهَا تَبْنِي عَلَى عِدَّةِ الطَّلْقَةِ الْأُولَى، لِأَنَّ الرجعة قد بطلت بما تعقبهما مِنَ الطَّلَاقِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أِنَّهَا تَسْتَأْنِفُ الْعِدَّةَ مِنَ الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ؛ لِأَنَّ الرَّجْعَةَ قَدْ أَبْطَلَتْ مَا تَقَدَّمَهَا مِنَ الطَّلَاقِ.
فَأَمَّا إِذَا كَانَتْ عِنْدَ الطَّلَاقِ طَاهِرًا طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ وَاحِدَةً، لِأَنَّ بَقِيَّةَ هَذَا الطُّهْرِ قُرْءٌ.
وَسَوَاءٌ كَانَ قَدْ وَطِئَهَا فِي هَذَا الطُّهْرِ أَمْ لَا، لِأَنَّ طُهْرَ الْجِمَاعِ قُرْءٌ يَقَعُ بِهِ الِاعْتِدَادُ كَمَا تَعْتَدُّ بِطُهْرٍ لَيْسَ فِيهِ جِمَاعٌ.
إِلَّا أَنَّ الطَّلْقَةَ فِي طُهْرِ الْجِمَاعِ تَكُونُ بِدْعِيَّةً.
وَفِي طُهْرِ غَيْرِ الْجِمَاعِ تَكُونُ سُنِّيَّةً، وَهُوَ إِنَّمَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِالْقُرْءِ لَا بِالسُّنَّةِ فَلِذَلِكَ رُوعِيَ مَا يَكُونُ قُرْءًا وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الطَّلَاقُ فِيهِ لِلسُّنَّةِ، فَإِذَا وَقَعَتِ الطَّلْقَةُ الْأُولَى فِي الطُّهْرِ الْأَوَّلِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ جِمَاعُهَا إِنْ لَمْ يُرَاجِعْهَا وَإِنْ رَاجَعَهَا فِيهِ حَلَّ له جماعها فهي بَقِيَّةِ طُهْرِهَا فَإِذَا حَاضَتْ حَرُمَ عَلَيْهِ جِمَاعُهَا فِي الْحَيْضِ، فَإِذَا دَخَلَتْ فِي أَوَّلِ الطُّهْرِ الثَّانِي طَلْقَةٌ ثَانِيَةٌ وَحَرُمَ عَلَيْهِ جِمَاعُهَا فِيهِ إِنْ لَمْ يُرَاجِعْهَا، وَإِنْ رَاجَعَهَا فِيهِ حَلَّ لَهُ جِمَاعُهَا فِي بَقِيَّتِهِ فَإِذَا حَاضَتِ الْحَيْضَةَ الثَّانِيَةَ، حَرُمَ عَلَيْهِ جِمَاعُهَا فِي حَيْضِهَا، فَإِذَا دَخَلَتْ فِي الطُّهْرِ الثَّانِي طُلِّقَتْ ثَالِثَةً وَحَرُمَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ.
فَأَمَّا الْعِدَّةُ فَعَلَى مَا ذَكَرْنَا.
فَإِنْ لَمْ تُرَاجَعْ بَنَتْ عَلَى عِدَّةِ الطَّلْقَةِ الْأُولَى وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِانْقِضَاءِ الطُّهْرِ الثَّالِثِ.
وَإِنْ رَاجَعَهَا فَإِنْ جَامَعَهَا بَعْدَ الرَّجْعَةِ اسْتَأْنَفَ الْعِدَّةَ مِنْ وَقْتِ الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ، وَإِنْ لَمْ يُجَامِعْهَا فَعَلَى مَا مَضَى مِنَ الْقَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَبْنِي عَلَى عِدَّةِ الطَّلْقَةِ الْأُولَى وَالْقَوْلُ الثَّانِي يَسْتَأْنِفُ الْعِدَّةَ مِنْ وَقْتِ الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ.
فَلَوْ قَالَ لَهَا فِي آخِرِ طُهْرِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ فِي كُلِّ قُرْءٍ وَاحِدَةٌ ثُمَّ حَاضَتْ قَبْلَ تَمَامِ كَلَامِهِ أَوْ مَعَ تَمَامِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُتَصَوَّرَ فِيهِمَا طُهْرٌ مُنْفَصِلٌ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ: تُطَلَّقُ فِيهِ وَتَعْتَدُّ بِهِ قُرْءًا لِوُجُودِ الطَّلَاقِ فِيهِ، وَهَذَا خَطَأٌ، بَلْ لَا يَقَعُ فِيهِ طلاق ولاي يَقَعُ بِهِ اعْتِدَادٌ؛ لِأَنَّ وُقُوعَ الطَّلَاقِ بِالْكَلَامِ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ تَمَامِ الْكَلَامِ لَا بِأَوَّلِهِ ألا تراه لو قيده بقيمة كَلَامِهِ بِشَرْطٍ كَانَ الطَّلَاقُ مَحْمُولًا عَلَى ذَلِكَ الشَّرْطِ وَلَوْ وَقَعَ بِأَوَّلِهِ مَا حُمِلَ عَلَى شَرْطِ آخِرِهِ، وَلَمْ يَجِدْ بَعْدَ تَمَامِ كَلَامِهِ طُهْرًا يَكُونُ قُرْءًا، فَيَكُونُ شَرْطًا لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ وَلِذَلِكَ لَمْ تُطَلَّقْ.
(فَصْلٌ:)
وَأَمَّا الْحَالُ الثَّانِيَةُ وَهُوَ أَنْ تَكُونَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ وَذَلِكَ بِأَنْ تَكُونَ وَاحِدَةً مِنْ أَرْبَعٍ:
إِحْدَاهُنَّ: أَنْ تَكُونَ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا فَتُطَلَّقَ وَاحِدَةً فِي الْحَالِ طَاهِرًا كَانَتْ أَوْ حَائِضًا.
وَقَدْ بَانَتْ بِهَا لِأَنَّهُ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا وَمَنْ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا فَلَا قُرْءَ لَهَا فَتَجْرِي مَجْرَى طَلَاقِهَا لِلسُّنَّةِ فَيَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا في الحال.
وإن لم تكون لِلسُّنَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَتَزَوَّجْهَا حَتَّى مَضَى لَهَا بَعْدَ الطَّلْقَةِ الْأُولَى طُهْرَانِ انْحَلَّ طَلَاقُهُ فِيمَا بَقِيَ مِنَ الطَّلْقَتَيْنِ، وَإِنْ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ مُضِيِ الطهرين فعود طَلَاقُهُ عَلَى قَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ طَلَاقٍ فِي نِكَاحٍ وُجِدَ شَرْطُهُ فِي غَيْرِهِ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ تَكُونَ حَامِلًا فَتَقَعَ عَلَيْهَا فِي الْحَالِ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ، لِأَنَّ الْحَمْلَ قُرْءٌ مُعْتَدٌّ بِهِ وَتَكُونُ طَلْقَةً لَا سُنَّةَ فِيهَا وَلَا بِدْعَةَ، فَلَوْ كَانَتْ تَحِيضُ عَلَى حَمْلِهَا لَمْ تُطَلَّقْ فِي الْأَطْهَارِ الَّتِي بَيْنَ حَيْضِهَا سِوَى الطَّلْقَةِ الَّتِي وَقَعَتْ بِحَمْلِهَا، سَوَاءٌ حُكِمَ لَهُ بِحُكْمِ الْحَيْضِ أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ حَيْضًا فَلَيْسَتْ أَطْهَارُهُ أَقْرَاءً يُعْتَدُّ بِهَا، وَإِذَا لَمْ تُطَلَّقْ إِلَّا وَاحِدَةً بِالْحَمْلِ فَإِنْ لَمْ يُرَاجِعْهَا حَتَّى وَضَعَتْ فَقَدِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَبَانَتْ، فَإِنِ اسْتَأْنَفَ نِكَاحَهَا بَعْدَ مُضِيِ طُهْرَيْنِ مِنْ حَمْلِهَا لَمْ يَعُدْ عَلَيْهَا طَلَاقٌ، وَإِنِ اسْتَأْنَفَهُ قَبْلَ مُضِيِ الطُّهْرَيْنِ فَفِي عَوْدِ طَلَاقِهِ قَوْلَانِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
وَإِنْ رَاجَعَهَا قَبْلَ وَضْعِهَا فَإِذَا طَهُرَتْ بَعْدَ نِفَاسِهَا طُلِّقَتْ ثَانِيَةً، فَإِذَا حَاضَتْ وَدَخَلَتْ فِي الطُّهْرِ الثَّانِي طُلِّقَتْ ثَالِثَةً، فَإِنْ لَمْ يُرَاجِعِ اعْتَدَّتْ مِنَ الطَّلْقَةِ الثَّانِيَةِ، وَإِنْ رَاجَعَ وَوَطِئَ اعْتَدَّتْ مِنَ الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ، وَإِنَّ رَاجَعَ وَلَمْ يَطَأْ فَعَلَى مَا مَضَى مِنَ الْقَوْلَيْنِ.
وَالثَّالِثَةُ: أَنْ تَكُونَ صَغِيرَةً قَدْ دَخَلَ بِهَا فَتُطَلَّقُ فِي الْحَالِ وَاحِدَةً، فَإِنْ لَمْ يُرَاجِعْهَا حَتَّى مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَقَدْ بَانَتْ بِهَا، وَإِنْ رَاجَعَ قَبْلَ مُضِيِّ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ حَلَّتْ وَلَمْ تُطَلَّقْ بَعْدَ رَجْعَتِهِ مَا لَمْ تَحِضْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَقَعَ طَلَاقُهَا فِيهِ، فَإِذَا حَاضَتْ ثُمَّ طَهُرَتْ طُلِّقَتْ ثَانِيَةً، فَإِذَا حَاضَتْ وَدَخَلَتْ في الطهر الثاني طَلْقَةً ثَالِثَةً وَحَرُمَتْ عَلَيْهِ إِلَّا بَعْدَ زَوْجٍ.
وَالْكَلَامُ فِي الْعِدَّةِ عَلَيْهَا مَضَى.
وَالرَّابِعَةُ: أَنْ تَكُونَ مُؤَيَّسَةً فَتُطَلَّقَ فِي الْحَالِ وَاحِدَةً كَالصَّغِيرَةِ، فَإِنْ لَمْ يُرَاجِعْهَا حَتَّى مَضَتْ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ فَقَدِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَبَانَتْ، وَلَوْ تَزَوَّجَهَا لَمْ يَعُدِ الطَّلَاقُ قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهَا فِي طُهْرٍ قَدْ وَقَعَ طَلَاقُهَا فِيهِ، وَإِنْ رَاجَعَهَا كَانَا عَلَى النِّكَاحِ وَلَا تُطَلَّقُ بِالطُّهْرِ بَعْدَ الرَّجْعَةِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الطُّهْرُ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الطَّلَاقُ الْأَوَّلُ وَلَا يُتَصَوَّرُ مَعَ الْإِيَاسِ أَنْ تَحِيضَ، فَإِنْ حَاضَتْ فَهِيَ غَيْرُ مُؤَيَّسَةٍ فَتُطَلَّقُ إِذَا طَهُرَتْ مِنْ حَيْضِهَا طَلْقَةً ثَانِيَةً، ثُمَّ تُطَلَّقُ ثَالِثَةً فِي طُهْرٍ إِنْ كَانَ لَهَا بَعْدُ حَيْضَةٌ أُخْرَى.
(فَصْلٌ فِي تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِالطُّهْرِ)
وَإِذَا قَالَ لَهَا وَهِيَ حَائِضٌ: إِذَا طَهُرْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ طُلِّقَتْ بَعْدَ انْقِطَاعِ دَمِهَا بِدُخُولِهَا فِي أَوَّلِ الطُّهْرِ، سَوَاءٌ انْقَطَعَ دَمُهَا لِأَقَلِّ الْحَيْضِ أَوْ لِأَكْثَرِهِ، وَسَوَاءٌ اغْتَسَلَتْ أَوْ لَمْ تَغْتَسِلْ، وَيَكُونُ طَلَاقَ سُنَّةٍ، وَلَوْ قَالَ لَهَا وَهِيَ طَاهِرٌ إِذَا طَهُرْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، لَمْ تُطَلَّقْ فِي هَذَا الطُّهْرِ حَتَّى تَدْخُلَ فِي طُهْرٍ مُسْتَقْبَلٍ، وَذَلِكَ بِأَنْ تَحِيضَ بَعْدَ الطُّهْرِ ثُمَّ تَطْهُرَ فَتُطَلَّقَ بِدُخُولِهَا فِي أَوَّلِ الطُّهْرِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ لَفْظَةَ إِذَا مَوْضُوعَةٌ لِلْمُسْتَقْبَلِ.
أَلَا تَرَاهُ لَوْ قَالَ يَا زَيْدُ إِذَا جِئْتَنِي فَلَكَ دِينَارٌ وَهُوَ عِنْدَهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ الدِّينَارَ حَتَّى يَسْتَأْنِفَ الْمَجِيءَ إِلَيْهِ بَعْدَ هَذَا الْقَوْلِ، ولكن لو قال لها إن كانت طَاهِرًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَإِنْ كَانَتْ فِي الْحَالِ طَاهِرًا طُلِّقَتْ، وَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا لَمْ تُطَلَّقْ فِي الْحَالِ إِلَّا إِذَا طَهُرَتْ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ وُجُودَ طُهْرِهَا فِي الْحَالِ شَرْطًا فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ أَلَا تَرَاهُ لَوْ قَالَ لَهَا: إِنْ كُنْتِ فِي الدَّارِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَكَانَتْ فِي غَيْرِ الدَّارِ لَمْ تُطَلَّقْ بِدُخُولِ الدَّارِ، وَلَوْ قَالَ لَهَا: إِذَا طَهُرْتِ طُهْرًا فَأَنْتِ طَالِقٌ فَإِنْ كَانَتْ فِي الْحَالِ حَائِضًا، فَإِذَا مَضَى عَلَيْهَا بَعْدَ هَذَا الْحَيْضِ طُهْرٌ كَامِلٌ وَدَخَلَتْ فِي أَوَّلِ الْحَيْضَةِ الثَّانِيَةِ طُلِّقَتْ وَكَانَ طَلَاقَ بِدْعَةٍ لِوُقُوعِهِ فِي الْحَيْضِ.
وَإِنْ كَانَتْ فِي الْحَالِ طَاهِرًا فَإِذَا مَضَى بَقِيَّةُ طُهْرِهَا وَحَيْضَةٌ بَعْدَهَا ثُمَّ طُهْرٌ كَامِلٌ وَدَخَلَتْ فِي أَوَّلِ الْحَيْضَةِ الثَّانِيَةِ طُلِّقَتْ وَكَانَ طَلَاقَ بِدْعَةٍ.
وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ قَوْلَهُ إِذَا طَهُرْتِ طُهْرًا يَقْتَضِي كَمَالَ طُهْرٍ مُسْتَقْبَلٍ، وَلَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ فِي طُهْرِكِ، فَإِنْ كَانَتْ فِي تِلْكَ الْحَالِ طَاهِرًا طُلِّقَتْ، وَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا طُلِّقَتْ إِذَا طَهُرَتْ فَيَقَعُ الطَّلَاقُ فِي هَذَا بِالطُّهْرِ فِي الْحَالِ
وَبِالطُّهْرِ الْمُسْتَقْبَلِ وَإِذَا وَقَعَ الطَّلَاقُ بِالطُّهْرِ فِي الْحَالِ لَمْ يَقَعْ بِالطُّهْرِ الْمُسْتَقْبَلِ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الشَّرْطِ قَدِ اسْتَوْفَى حُكْمَهُ.
(فَصْلٌ: فِي تَعْلِيقِ الطلاق بالحيض)
وإذا قال لها وإذ هي طَاهِرٌ إِذَا حِضْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ طُلِّقَتْ بِدُخُولِهَا فِي أَوَّلِ الْحَيْضِ وَيَكُونُ طَلَاقَ بِدْعَةٍ، فَإِذَا رَأَتِ الدَّمَ فِي زَمَانِ الْعَادَةِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَوَّلُ الْحَيْضِ فَيُحْكَمُ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ، فَإِنِ اسْتَدَامَ يَوْمًا وَلَيْلَةً تَحَقَّقَ وُقُوعُهُ، وَإِنِ انْقَطَعَ لِأَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بَانَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حَيْضًا وَأَنَّ الطَّلَاقَ لَمْ يَقَعْ، وَإِنْ رَأَتِ الدَّمَ قَبْلَ وَقْتِ الْعَادَةِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَيْضٍ، وَأَنَّ الطَّلَاقَ لَمْ يَقَعْ، وَإِنِ اسْتَدَامَ يَوْمًا وَلَيْلَةً بَانَ أَنَّهُ كَانَ حَيْضًا وَأَنَّ الطَّلَاقَ وَقَعَ بِأَوَّلِ الدَّمِ، وَلَوْ قَالَ لَهَا وَهِيَ حَائِضٌ: إِذَا حِضْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، لَمْ تُطَلَّقْ فِي بَقِيَّةِ حَيْضِهَا حَتَّى تَطْهُرَ مِنْهَا ثُمَّ تَحِيضَ بَعْدَ طُهْرِهَا فَتُطَلَّقُ كَمَا ذَكَرْنَا في الطهر، ويكون طلاق بدعة، لو قَالَ لَهَا: إِذَا حِضْتِ حَيْضَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَإِنْ كَانَتْ طَاهِرًا: فَإِذَا مَضَى بَقِيَّةُ طُهْرِهَا ثُمَّ حَيْضَةٌ كَامِلَةٌ بَعْدَهَا ثُمَّ دَخَلَتْ فِي أول الطهر الثاني طلقة وَكَانَ طَلَاقَ سُنَّةٍ.
وَلَوْ كَانَتْ حَائِضًا فَإِذَا مَضَى بَقِيَّةُ حَيْضِهَا ثُمَّ طُهْرٌ كَامِلٌ ثُمَّ حَيْضَةٌ كَامِلَةٌ ثُمَّ دَخَلَتْ فِي أَوَّلِ الطُّهْرِ الثَّانِي طُلِّقَتْ، وَكَانَ طَلَاقَ سُنَّةٍ.
وَلَوْ قَالَ لَهَا: إِنْ كُنْتِ حَائِضًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَكَانَتْ طَاهِرًا لَمْ تُطَلَّقْ فِي الْحَالِ وَلَا إِذَا حَاضَتْ فِي ثَانِي حَالٍ.
وَلَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ فِي حَيْضِكِ طُلِّقَتْ بِالْحَيْضِ فِي الحال.
فإن لم تكن فبالحيض المستقبل كما قُلْنَا فِي الطُّهْرِ، فَلَوْ قَالَ: كُلَّمَا حِضْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ طُلِّقَتْ بِدُخُولِهَا فِي الْحَيْضَةِ الْأُولَى طَلْقَةً وَاحِدَةً، وَبِدُخُولِهَا فِي الْحَيْضَةِ الثَّانِيَةِ طَلْقَةً ثَانِيَةً، وَبِدُخُولِهَا فِي الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ طَلْقَةً ثَالِثَةً، لِأَنَّ لَفْظَ كُلَّمَا مَوْضُوعٌ لِلتَّكْرَارِ، وَيَكُونُ الثَّلَاثُ كُلُّهُنَّ طَلَاقَ بِدْعَةٍ وَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِدُخُولِهَا فِي الْحَيْضَةِ الرَّابِعَةِ، لِأَنَّ لَهَا فِي الثَّلَاثِ حِيَضٍ طُهْرَيْنِ فَتَأْتِي بِالطُّهْرِ الثَّالِثِ وَانْقِضَاؤُهُ يَكُونُ بِدُخُولِهَا فِي الْحَيْضَةِ الرَّابِعَةِ، وَلَوْ كَانَ قَالَ لَهَا كُلَّمَا حِضْتِ حَيْضَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ، طُلِّقَتْ ثَلَاثًا بِدُخُولِهَا فِي الطُّهْرِ الثَّالِثِ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِدُخُولِهَا فِي الْحَيْضَةِ الرَّابِعَةِ، وَيَكُونُ هَذَا طَلَاقَ سُنَّةٍ، لِأَنَّهُ يَقَعُ فِي أَوَّلِ كُلِّ طُهْرٍ.
(فَصْلٌ آخَرُ مِنْهُ:)
وَإِذَا قَالَ لَهَا: إِذَا حِضْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَقَالَتْ: قَدْ حِضْتُ فَإِنْ صَدَّقَهَا فِيهِ طُلِّقَتْ، وَإِنْ أَكْذَبَهَا فَقَوْلُهَا فِيهِ مَقْبُولٌ عَلَى نَفْسِهَا، وَلَهُ إِحْلَافُهَا، وَقَدْ طُلِّقَتْ.
وَلَوْ قَالَ لَهَا: قَدْ حِضْتِ؟ فَقَالَتْ: لَمْ أَحِضْ طُلِّقَتْ بِإِقْرَارِهِ.
وَلَوْ قَالَ لَهَا: إِذَا حِضْتِ فَضَرَّتُكِ عَمْرَةُ طَالِقٌ، فَقَالَتْ: قَدْ حِضْتُ.
فَإِنْ صَدَّقَهَا طُلِّقَتْ ضَرَّتُهَا، وَإِنْ أَكْذَبَهَا لَمْ تُطَلَّقْ ضَرَّتُهَا، لِأَنَّ قَوْلَهَا فِي حَيْضِهَا وَإِنْ كَانَ مَقْبُولًا عَلَى نَفْسِهَا، مَعَ تَكْذِيبِ الزَّوْجِ فَهُوَ غَيْرُ مَقْبُولٍ عَلَى غَيْرِهَا إِلَّا بِتَصْدِيقِ الزَّوْجِ.
كَالْمُودِعِ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْوَدِيعَةِ
عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي رَدِّهَا عَلَى غَيْرِهِ.
فَلَوْ قَالَ لَهَا: إِذَا حِضْتِ فَأَنْتِ وَضَرَّتُكِ طَالِقَتَانِ فَقَالَتْ قَدْ حِضْتُ فَإِنْ صَدَّقَهَا طُلِّقَتْ هِيَ وَضَرَّتُهَا، وَإِنْ أَكْذَبَهَا طُلِّقَتْ هِيَ، وَلَمْ تُطَلَّقْ ضَرَّتُهَا لِأَنَّ قَوْلَهَا على نفسها مقبولاً وَعَلَى ضَرَّتِهَا غَيْرُ مَقْبُولٍ، فَإِنْ صَدَّقَتْهَا الضَّرَّةُ عَلَى الْحَيْضِ لَمْ يُؤَثِّرْ تَصْدِيقُهَا، لَكِنْ لَهَا إِحْلَافُ الزَّوْجِ عَلَى تَكْذِيبِهَا، وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي يَمِينِهِ بَيْنَ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّ تِلْكَ لَمْ تَحِضْ أَوْ يَحْلِفَ أَنَّ الضَّرَّةَ لَمْ تُطَلَّقْ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْحَيْضِ وُقُوعُ الطَّلَاقِ فِي أَنْ تَكُونَ الْيَمِينُ مَعْقُودَةً عَلَيْهِ.
(فَصْلٌ آخَرُ مِنْهُ:)
وَلَوْ قَالَ وَلَهُ زَوْجَتَانِ: إِذَا حِضْتُمَا فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ، فَإِنْ حَاضَتْ إِحْدَاهُمَا لَمْ تُطَلَّقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا، وَإِنْ حَاضَتَا طُلِّقَتَا.
فَلَوْ قَالَتَا قَدْ حِضْنَا، فَإِنْ صَدَّقَهُمَا طُلِّقَتَا، وَإِنْ أَكْذَبَهُمَا لَمْ يُطَلَّقَا؛ لِأَنَّ طَلَاقَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِحَيْضِهَا فَحَيْضِ ضَرَّتِهَا، وَقَوْلُهَا وَإِنْ كَانَ مَقْبُولًا عَلَى نَفْسِهَا فَقَوْلُ ضَرَّتِهَا غَيْرُ مَقْبُولٍ عَلَيْهَا، فَلَوْ صَدَّقَ إِحْدَاهُمَا وَكَذَّبَ الْأُخْرَى، طُلِّقَتِ الْمُكَذَّبَةُ دُونَ الْمُصَدَّقَةُ؛ لِأَنَّ الْمُكَذَّبَةَ قَوْلُهَا مَقْبُولٌ عَلَى نَفْسِهَا، وَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهَا ضَرَّتَهَا فَطُلِّقَتْ، فَضَرَّةُ الْمُصَدَّقَةِ مُكَذَّبَةٌ عَلَيْهَا فَلَمْ تُطَلَّقْ.
فَلَوْ قَالَ وَهُنَّ ثَلَاثٌ إِذَا حِضْتُنَّ فَأَنْتُنَّ طَوَالِقُ، فَإِذَا حَاضَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ أَوِ اثْنَتَانِ لَمْ تُطَلَّقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ.
فَإِذَا حِضْنَ مَعًا طُلِّقْنَ كُلُّهُنَّ، فَلَوْ قُلْنَ: قَدْ حِضْنَ فَإِنْ صَدَّقَهُنَّ طُلِّقْنَ وَإِنْ كَذَّبَهُنَّ لَمْ يُطَلَّقْنَ، وَإِنْ صَدَّقَ وَاحِدَةً وَكَذَّبَ اثْنَتَيْنِ لَمْ تُطَلَّقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ؛ لِأَنَّ فِي طَلَاقِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ 7 مُكَذَّبَةً عَلَيْهَا.
وَلَوْ صَدَّقَ اثْنَتَيْنِ وَكَذَّبَ وَاحِدَةً طُلِّقَتِ الْمُكَذَّبَةُ وَحْدَهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَدَّقَ ضَرَّتَيْهَا عَلَيْهَا، وَلَا تُطَلَّقُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمُصَدَّقَتَيْنِ؛ لِأَنَّ فِي إِحْدَى ضَرَّتَيْهَا مُكَذَّبَةً.
وَلَوْ كُنَّ أَرْبَعًا فَقَالَ: إِذَا حِضْتُنَّ فَأَنْتُنَّ طَوَالِقُ فَقُلْنَ: قَدْ حِضْنَا فَإِنْ صَدَّقَهُنَّ طُلِّقْنَ وَإِنْ كَذَّبَهُنَّ لَمْ يُطَلَّقْنَ، وَإِنْ صَدَّقَ وَاحِدَةً وَكَذَّبَ ثَلَاثًا لَمْ يُطَلَّقْنَ، وَكَذَلِكَ لَوْ صَدَّقَ اثْنَتَيْنِ وَكَذَّبَ اثْنَتَيْنِ لَمْ تُطَلَّقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ؛ لِأَنَّ طَلَاقَ كُلِّ وَاحِدَةٍ يَكُونُ بِحَيْضِهَا وَحَيْضِ ضَرَائِرِهَا الثَّلَاثِ وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمُصَدَّقَتَيْنِ قَدْ كَذَّبَ عَلَيْهَا ضَرَّتَيْنِ، وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمُكَذَّبَتَيْنِ قَدْ كَذَّبَ عَلَيْهَا ضَرَّةً، فَلَوْ صَدَّقَ ثَلَاثًا وَكَذَّبَ وَاحِدَةً طُلِّقَتِ الْمُكَذَّبَةُ وَحْدَهَا دُونَ الْمُصَدَّقَاتِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْمُكَذَّبَةِ مَقْبُولٌ عَلَى نَفْسِهَا وَقَدْ صَدَّقَ ضَرَائِرَهَا عَلَيْهَا فَطُلِّقَتْ.
وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمُصَدَّقَاتِ قَدْ كَذَّبَ عَلَيْهَا وَاحِدَةً مِنْ ضَرَائِرِهَا فَلَمْ تُطَلَّقْ.
(فَصْلٌ آخَرُ مِنْهُ:)
وَإِذَا كَانَ لَهُ أَرْبَعُ زَوْجَاتٍ فَقَالَ: أَيَّتُكُنَّ حَاضَتْ فَضَرَائِرُهَا طَوَالِقُ فَإِنْ حَاضَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ لَمْ تُطَلَّقْ، وَطَلَّقَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ ضَرَائِرِهَا وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ حَيْضَ كُلِّ وَاحِدَةٍ شَرْطٌ فِي طَلَاقِ غَيْرِهَا.
فَإِنْ حَاضَتْ ثَانِيَةً لَمْ تُطَلَّقْ هِيَ، وَطُلِّقَتِ الْحَائِضُ الْأُولَى وَاحِدَةً، وَطُلِّقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ فِي الْحَيْضَةِ الثَّانِيَةِ ثَانِيَةً ثَانِيَةً، فَإِنْ حاضت ثالثة
طُلِّقَتْ بِهَا الْأُولَى طَلْقَةً ثَانِيَةً وَطُلِّقَتِ الثَّانِيَةُ طلقة ثانية وطلقت بها والرابعة طَلْقَةً ثَالِثَةً، فَإِنْ حَاضَتِ الرَّابِعَةُ طُلِّقَتْ بِهَا الْأُولَى طَلْقَةً ثَالِثَةً، وَطُلِّقَتْ بِهَا الثَّانِيَةُ طَلْقَةً ثَانِيَةً، وَطُلِّقَتْ بِهَا الثَّالِثَةُ طَلْقَةً ثَالِثَةً، فَيُطَلَّقْنَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، فَلَوْ قُلْنَ: قَدْ حِضْنَا فَإِنْ كَذَّبَهُنَّ لَمْ تُطَلَّقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ، لِأَنَّ طَلَاقَهَا بِحَيْضِ ضَرَائِرِهَا لَا بِحَيْضِهَا، وَإِنْ صَدَّقَ وَاحِدَةً منهن وكذبت الْبَاقِيَاتِ طُلِّقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمُكَذَّبَاتِ الثَّلَاثِ واحدة واحدة؛ لأن قَدْ صَدَّقَ عَلَيْهَا وَاحِدَةً، وَلَا تُطَلَّقُ الْمُصَدَّقَةُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ ضَرَائِرِهَا مُكَذَّبَةٌ.
وَلَوْ صَدَّقَ اثْنَتَيْنِ وَكَذَّبَ اثْنَتَيْنِ طُلِّقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمُكَذَّبَتَيْنِ طَلْقَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَدَّقَ عَلَيْهَا ضَرَّتَيْنِ وَطُلِّقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمُصَدَّقَتَيْنِ طَلْقَةً وَاحِدَةً، لِأَنَّهُ قَدْ صَدَّقَ عَلَيْهَا ضَرَّةً وَاحِدَةً، وَلَوْ صَدَّقَ ثَلَاثًا وَكَذَّبَ وَاحِدَةً طُلِّقَتِ الْمُكَذَّبَةُ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَدَّقَ عَلَيْهَا ثَلَاثَ ضَرَائِرَ وَطُلِّقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمُصَدَّقَاتِ طَلْقَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَدَّقَ عَلَيْهَا ضَرَّتَيْنِ، وَلَوْ صَدَّقَ الْأَرْبَعَ كُلَّهُنَّ طُلِّقَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَدَّقَ عَلَيْهَا ثَلَاثَ ضَرَائِرَ.
(فَصْلٌ:)
وَإِذَا قَالَ لَهَا: إِذَا حِضْتِ حَيْضَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، فَإِذَا حِضْتِ حَيْضَتَيْنِ فَأَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ.
فَحَاضَتْ حَيْضَتَيْنِ طُلِّقَتْ ثَلَاثًا، بِالْأُولَى مِنْهُمَا طَلْقَةٌ؛ لِأَنَّهَا قَدْ حَاضَتْ حَيْضَةً، وَبِالثَّانِيَةِ مِنْهُمَا طَلْقَتَيْنِ: لِأَنَّهَا حَاضَتْ حَيْضَتَيْنِ.
وَمِثَالُهُ أَنْ يَقُولَ: إِنْ كَلَّمْتِ رَجُلًا فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، وَإِنْ كَلَّمْتِ شَيْخًا فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَإِنْ كَلَّمْتِ زَيْدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً فَكَلَّمَتْ زَيْدًا وَكَانَ شَيْخًا طُلِّقَتْ ثَلَاثًا، وَاحِدَةً بِأَنَّهُ رَجُلٌ وَثَانِيَةً بِأَنَّهُ شَيْخٌ وَثَالِثَةً بِأَنَّهُ زَيْدٌ، وَلَوْ كَلَّمَتْ عَمْرًا وَإِنْ كَانَ شَابًّا لَمْ تُطَلَّقْ إِلَّا وَاحِدَةً بِأَنَّهُ رجل.
ولو كان شيخاً لم تطلق الاثنتين وَاحِدَةً بِأَنَّهُ رَجُلٌ وَثَانِيَةً بِأَنَّهُ شَيْخٌ، وَلَكِنْ لَوْ قَالَ لَهَا: إِذَا حِضْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، ثُمَّ إِذَا حِضْتِ حَيْضَتَيْنِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ لَمْ تُطَلَّقْ ثَلَاثًا إِلَّا بِثَلَاثِ حِيَضٍ لِأَجْلِ قَوْلِهِ.
فَيَقَعُ مِنْهُمَا بِالْحَيْضَةِ الْأُولَى طَلْقَةٌ وَلَا تُطَلَّقُ بِالْحَيْضَةِ الثَّانِيَةِ شَيْئًا، فَإِذَا حَاضَتِ الْحَيْضَةَ الثَّالِثَةَ صَارَتْ مَعَ الْحَيْضَةِ الثَّانِيَةِ صِفَةً لِوُقُوعِ الطَّلْقَتَيْنِ فَتُطَلَّقُ حِينَئِذٍ ثَلَاثًا، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ ثُمَّ تُوجِبُ التَّرَاخِيَ وَالْفَصْلَ، وَالْوَاوَ تودب الاشتراك والجمع، فلذلك فافترقا فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ.
(فَصْلٌ آخَرُ:)
إِذَا قَالَ وَلَهُ امْرَأَتَانِ: إِذَا حِضْتُمَا حَيْضَةً فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ فَفِيهِ لِأَصْحَابِنَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أِنَّهُ عَلَّقَ طَلَاقَهُمَا بِحَيْضَةٍ مِنْهُمَا وَمُسْتَحِيلٌ أَنْ يَشْتَرِكَا فِي حَيْضَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَا بِحَيْضِ إِحْدَاهُمَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ الْحَيْضَةُ مِنْهُمَا فَصَارَ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ بِهَا لَغْوًا فلم تقع.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أِنَّ الشَّرْطَ صَحِيحٌ وَتَعْلِيقَ الطَّلَاقِ بِهِ جَائِزٌ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: إِذَا حِضْتُمَا حَيْضَةً أَيْ إِذَا حَاضَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا حَيْضَةً فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ، وَالْكَلَامُ إِذَا كَانَ مَفْهُومَ الْمَعْنَى وأمكن حمله على الصحة.
وإن كان وَجْهِ الْمَجَازِ لَمْ يَجُزْ حَمْلُهُ عَلَى الْإِلْغَاءِ وَالْفَسَادِ، فَإِذَا حَاضَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ حَيْضَةً كَامِلَةً طُلِّقَتْ طَلَاقَ السُّنَّةِ لِوُقُوعِهِ فِي أَوَّلِ الطُّهْرِ وَإِنْ حَاضَتْ إِحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى لَمْ تُطَلَّقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا.
وَأَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: اخْتِلَافُ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ إِذَا وَلَدْتُمَا وَلَدًا فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ، فَذَهَبَ الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ مِنْ أَصْحَابِنَا.
وَأَبُو يُوسُفَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُمَا لَا يَلْحَقُهُمَا بِالْوِلَادَةِ طَلَاقٌ؛ لِأَنَّهُ إِنْ وَلَدَتْ إِحْدَاهُمَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْهُمَا وَإِنْ وَلَدَتَا مَعًا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ وَلَدًا، فَلِذَلِكَ لَمْ تُطَلَّقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا بِوِلَادَتِهَا وَلَا بِوِلَادَتِهِمَا.
وَذَهَبَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ الْمُزَنِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ إِلَى أَنَّ تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ بِهِمَا صَحِيحٌ وَالْمُرَادُ بِهِ وِلَادَةُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، فَإِذَا وَلَدَتْ إِحْدَاهُمَا لَمْ تُطَلَّقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا، وَإِنْ وَلَدَتَا مَعًا طُلِّقَتَا.
(مسألة:)
قال الشافعي: (وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا بَعْضُهُنَّ لِلسُّنَّةِ وَبَعْضُهُنَّ لِلْبِدْعَةِ وَقَعَتِ اثْنَتَانِ فِي أَيِّ الْحَالَيْنِ كَانَتْ وَالْأُخْرَى إِذَا صَارَتْ فِي الْحَالِ الأخرى قلت أنا أَشْبَهُ بِمَذْهَبِهِ عِنْدِي أَنَّ قَوْلَهُ بَعْضُهُنَّ يَحْتَمِلُ وَاحِدَةً فَلَا يَقَعُ غَيْرُهَا أَوِ اثْنَتَيْنِ فَلَا يَقَعُ غَيْرُهُمَا أَوْ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ فَيَقَعُ بِذَلِكَ ثَلَاثٌ فَلَمَّا كَانَ الشَكُّ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ مَا أَرَادَ بِبَعْضِهِنَّ فِي الْحَالِ الْأُولَى إِلَّا وَاحِدَةً وَبَعْضُهُنَّ الْبَاقِي فِي الْحَالِ الثَّانِيَةِ فَالْأَقَلُّ يَقِينٌ وَمَا زَادَ شَكٌّ وَهُوَ لَا يَسْتَعْمِلُ الْحُكْمَ بِالشَكِّ فِي الطَّلَاقِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ؛ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا بَعْضُهُنَّ لِلسُّنَّةِ وَبَعْضُهُنَّ لِلْبِدْعَةِ، فَالْبَعْضُ اسْمٌ مُبْهَمٌ يَجُوزُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَى أَقَلِّ الثَّلَاثِ وَعَلَى أَكْثَرِهَا، وَعَلَى الْعَدَدِ الصَّحِيحِ مِنْهَا وَالْمَكْسُورِ.
فَإِذَا جَعَلَ بَعْضَ الثَّلَاثِ لِلسُّنَّةِ وَبَعْضَهَا لِلْبِدْعَةِ لَمْ يَخْلُ حَالُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أن يقدر بلفظه.
والثالث: أن يقدر بِنِيَّتِهِ، فَإِنْ أَطْلَقَ وَلَمْ يُقَدِّرْ بِلَفْظِهِ وَلَا بِنِيَّتِهِ اقْتَضَى إِطْلَاقَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْبَعْضِ وَأَنْ لَا يُفَضِّلَ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِدَارٍ لِرَجُلَيْنِ كَانَتْ بَيْنَهُمَا مِنْ غَيْرِ تَفْضِيلٍ، لِأَنَّهُ لَيْسَ تَفْضِيلُ أَحَدِهِمَا بِالزِّيَادَةِ بِأَوْلَى مِنْ تَفْضِيلِ الْآخَرِ.
فَلِذَلِكَ وَجَبَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا.
وَأَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْبَعْضَيْنِ طَلْقَةً وَنِصْفًا، فَيُجْعَلُ الْبَعْضُ الْوَاقِعُ فِي الْحَالِ طَلْقَةً وَنِصْفًا.
وَالطَّلَاقُ لَا يَتَبَعَّضُ بَلْ يَكْمُلُ فَوَجَبَ أَنْ يَقَعَ فِي الْحَالِ طَلْقَتَانِ، فَإِنْ كَانَتِ الْحَالُ الْأُولَى حَالَ السُّنَّةِ، كَانَتِ الطَّلْقَتَانِ لِلسُّنَّةِ، ووقعت
الثَّالِثَةُ لِلْبِدْعَةِ.
وَإِنْ كَانَتِ الْحَالُ الْأُولَى حَالَ الْبِدْعَةِ كَانَتِ الطَّلْقَتَانِ لِلْبِدْعَةِ، وَالطَّلْقَةُ الثَّالِثَةُ لِلسُّنَّةِ.
وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: إِطْلَاقُ التَّبْعِيضِ يَقْتَضِي تَعْجِيلَ أَقَلِّهِمَا، فَلَا يَقَعُ فِي الْحَالِ الْأُولَى إِلَّا وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَقِينٌ وَالزِّيَادَةُ شَكٌّ.
وَإِذَا اقْتَرَنَ بِيَقِينِ الطَّلَاقِ شَكٌّ لَمْ يَعْمَلْ إِلَّا عَلَى الْيَقِينِ دُونَ الشَّكِّ وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْبَعْضَيْنِ فِي الْإِطْلَاقِ أَوْلَى مِنَ التَّفْضِيلِ لِمَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ قَدَّرَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْبَعْضَيْنِ بِلَفْظٍ، حُمِلَ عَلَى مَا قَدَّرَهُ بِلَفْظِهِ، سَوَاءٌ عَجَّلَ الْأَكْثَرَ فَأَوْقَعَ فِي الْحَالِ الْأُولَى طَلْقَتَيْنِ، وَفِي الْحَالِ الْأُخْرَى طَلْقَةً أَوْ عَجَّلَ الْأَقَلَّ فَأَوْقَعَ فِي الْحَالِ الْأُولَى طَلْقَةً وَفِي الْحَالِ الْأُخْرَى طَلْقَتَيْنِ أَوْ سَوَّى بَيْنَ الْحَالَيْنِ فَأَوْقَعَ فِي الْأُولَى طَلْقَتَيْنِ وَفِي الْأُخْرَى طَلْقَةً؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ مَلْفُوظٌ بِهِ كَالطَّلَاقِ فَوَجَبَ أَنْ يُعْمَلَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَدَّرَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْبَعْضَيْنِ بِنِيَّتِهِ نُظِرَ فَإِنْ نَوَى بِأَعْجَلِ الْبَعْضَيْنِ أَكْثَرَهُمَا أَوِ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا عُمِلَ عَلَى نِيَّتِهِ فَوَقَعَ فِي الْحَالِ الْأُولَى طَلْقَتَانِ، وَفِي الْحَالِ الثَّانِيَةِ طَلْقَةٌ.
وَإِنْ نَوَى بِأَعْجَلِ الْبَعْضَيْنِ أَقَلَّهُمَا، وَهُوَ أَنْ يَقَعَ فِي الْحَالِ الْأُولَى وَاحِدَةٌ وَفِي الْحَالِ الثَّانِيَةِ طَلْقَتَانِ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أن يُقْبَلُ مِنْهُ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ.
وَلَا يَقَعُ فِي الْحَالِ الْأُولَى إِلَّا وَاحِدَةٌ وَيَقَعُ فِي الْحَالِ الْأُخْرَى طَلْقَتَانِ كَمَا لَوْ قَدَّرَهُ بِلَفْظِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا: أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ فِي الظَّاهِرِ وَيَلْزَمُهُ فِي الْحَالِ طَلْقَتَانِ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ وَيَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ قَالَ بِوَقْتٍ إِلَى شَهْرٍ وَهَذَا خَطَأٌ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْبَعْضَ حَقِيقَةٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِطْلَاقُ الطَّلَاقِ، إِذَا نَوَى أَنْ يَكُونَ إِلَى شَهْرٍ؛ لِأَنَّ حَقِيقَتَهُ تَعْجِيلُ الطَّلَاقِ فَجَازَ أَنْ لَا يُحْمَلَ فِي الظَّاهِرِ عَلَى نيته، والله أعلم.
(مسألة:)
قال الشافعي: (وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَعْدَلَ أَوْ أَحْسَنَ أَوْ أَكْمَلَ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ سَأَلْتُهُ عَنْ نِيَّتِهِ فَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا وَقَعَ الطَّلَاقُ لِلسُّنَّةِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَعْدَلَ الطَّلَاقِ أَوْ أَكْمَلَ الطَّلَاقِ أَوْ أَفْضَلَ الطَّلَاقِ أَوْ أَحْسَنَ الطَّلَاقِ أَوْ أَهْنَأَهُ أَوْ أَسْرَاهُ أَوْ أَسْوَأَهُ أَوْ أَنْهَاهُ أَوْ قَالَ: شِبْهَ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْحَمْدِ لَمْ يَخْلُ حَالُهُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ فِيهِ نِيَّةٌ أَوْ لَا نِيَّةَ لَهُ فِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ نِيَّةٌ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى طَلَاقِ السُّنَّةِ، لِأَنَّهُ الْأَعْدَلُ الْأَفْضَلُ الْأَجْمَلُ الْأَكْمَلُ سَوَاءٌ تَغَلَّظَ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِالتَّعْجِيلِ أَوْ تَخَفَّفَ بِالتَّأْجِيلِ، وَإِنْ كَانَتْ طَاهِرًا طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ طَلَاقَ السُّنَّةِ.
وَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا لَمْ تُطَلَّقْ حَتَّى إِذَا طَهُرَتْ طُلِّقَتْ حِينَئِذٍ لِلسُّنَّةِ وَإِنْ كَانَتْ لَهُ نِيَّةٌ فَعَلَى ضربين:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ نِيَّتُهُ مُوَافِقَةً لِظَاهِرِ لَفْظِهِ وَهُوَ أَنْ يَنْوِيَ طَلَاقَ السُّنَّةِ فَيُحْمَلُ عَلَى مَا نَوَى مِنْ طَلَاقِ السُّنَّةِ وَتَكُونُ النِّيَّةُ تَأْكِيدًا لِلظَّاهِرِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا حُمِلَ عَلَى طَلَاقِ السُّنَّةِ فِي غَيْرِ نِيَّةٍ كَانَ أَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ مَعَ النِّيَّةِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ نِيَّتُهُ مُخَالِفَةً لِظَاهِرِ لَفْظِهِ، وَهُوَ أَنْ يُرِيدَ بِهِ طَلَاقَ الْبِدْعَةِ لِأَنَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّ الْأَعْدَلَ مَعَ قُبْحِ طَرِيقِهَا، وَالْأَجْمَلَ بِسُوءِ خُلُقِهَا، أَنْ يُطَلِّقَ لِلْبِدْعَةِ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أَغْلَظَ حَالَيْهِ بِأَنْ تَكُونَ حَائِضًا أَوْ مُجَامَعَةً فَيُحْمَلُ عَلَى طَلَاقِ الْبِدْعَةِ، وَيَقَعُ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ أَغْلَظُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أَخَفَّ حَالَيْهِ بِأَنْ تَكُونَ فِي الْحَالِ طَاهِرًا غَيْرَ مُجَامَعَةٍ، دِينَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَهَلْ تُقْبَلُ مِنْهُ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يُقْبَلُ مِنْهُ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ، وَلَا يَلْزَمُهُ وُقُوعُ الطَّلَاقَ إِلَّا إِذَا صارت إلى حال البدعة، لأن ما ذكر مِنَ التَّأْوِيلِ قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يُعْدَلَ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ إِلَيْهِ ثُمَّ لَا يَلْزَمُهُ فِي ذَلِكَ إِلَّا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ مَا لَمْ يُرِدْ أَكْثَرَ مِنْهَا.
فَإِنْ قِيلَ فَهَلَّا إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَكْمَلَ الطَّلَاقِ يَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ لِأَنَّهَا أَكْمَلُ الطَّلَاقِ قِيلَ: الثَّلَاثُ هِيَ أَكْمَلُ الطَّلَاقِ عَدَدًا وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ أَكْمَلَ الطَّلَاقِ صِفَةً وَحُكْمًا، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى كَمَالِ العدد دون الصفة إلى بِنِيَّةٍ؛ لِأَنَّ الثَّلَاثَ زِيَادَةٌ فَلَمْ تَقَعْ إِلَّا بِالْيَمِينِ وَلَكِنْ لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَكْثَرَ الطَّلَاقِ وَقَعَ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّ الْكَثْرَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي الْعَدَدِ، دُونَ الصِّفَةِ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَكْثَرَ الطَّلَاقِ كَانَ وَاحِدَةً وَلَمْ يَكُنْ ثَلَاثًا إِلَّا بِالنِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ الْأَكْثَرُ قَدْ يَعُودُ إِلَى الصِّفَةِ كَمَا يَعُودُ إِلَى الْعَدَدِ، والله أعلم بالصواب.
(مسألة:)
قال الشافعي: (وَلَوْ قَالَ أَقْبَحَ أَوْ أَسْمَجَ أَوْ أَفْحَشَ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ سَأَلْتُهُ عَنْ نِيَّتِهِ فَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا وَقَعَ لِلْبِدْعَةِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وهذا نَصُّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ صِفَةِ الطَّلَاقِ بِصِفَاتِ الْحَمْدِ فَإِذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ أَقْبَحَ الطَّلَاقِ أَوْ أَسْمَجَ الطَّلَاقِ أَوْ أَفْحَشَ الطَّلَاقِ أَوْ أَرْدَأَهُ أَوْ أَنْدَاهُ أَوْ أَضَرَّهُ أَوْ أَنْكَرَهُ أَوْ أَمَرَّهُ.
أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الذَّمِّ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ حُمِلَ عَلَى طَلَاقِ الْبِدْعَةِ، لِأَنَّهُ الْأَسْمَجُ، الْأَقْبَحُ الْأَضَرُّ الْأَمَرُّ.
وَإِنْ كَانَتْ لَهُ نِيَّةٌ نُظِرَ فِيهَا فَإِنْ وَافَقَتْ ظَاهِرَ لَفْظِهِ، أَنْ يُرِيدَ بِهِ طَلَاقَ الْبِدْعَةِ حُمِلَ عَلَيْهَا، وَكَانَ عِشْرَتُهَا هُوَ الْأَسْمَجَ الْأَقْبَحَ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أغلظ حاليه وأعجلهما عمل عليه وقل قَوْلُهُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ أَخَفَّ حَالَيْهِ وَأَبْعَدَهُمَا دِينَ فِيهِ، وَفِي قَبُولِهِ مِنْهُ فِي الْحُكْمِ وجهان:
أَحَدُهُمَا: لَا يُقْبَلُ مِنْهُ اعْتِبَارًا بِظَاهِرِ اللَّفْظِ.
وَالثَّانِي: يُقْبَلُ مِنْهُ لِاحْتِمَالِ مَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّأْوِيلِ.
(فَصْلٌ:)
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَشَدَّ الطَّلَاقِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةِ سُنَّةٍ وَلَا بِدْعَةٍ، لِأَنَّ أَشَدَّ الطَّلَاقِ تَعْجِيلُهُ وَتَكُونُ رَجْعِيَّةً، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَطْوَلَ الطَّلَاقِ أَوْ أَعْرَضَ الطَّلَاقِ أَوْ أَقْصَرَ الطَّلَاقِ كَانَتْ وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا طُولَ لَهُ وَلَا عَرْضَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَكْبَرَ الطَّلَاقِ أَوْ أَطْوَلَ الطَّلَاقِ أَوْ أَعْرَضَ الطَّلَاقِ أَوْ أَشَدَّ الطَّلَاقِ طُلِّقَتْ طَلْقَةً وَاحِدَةً بَائِنَةً.
وَوَافَقَ فِي الْأَقْصَرِ وَالْأَصْغَرِ أَنَّهَا تَكُونُ رَجْعِيَّةً.
وَعِنْدَنَا لَا تَكُونُ الْوَاحِدَةُ بَائِنَةً بِحَالٍ إِلَّا فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا.
وَالْكَلَامُ معه يأتي.
(مسألة:)
قال الشافعي: (وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً حَسَنَةً قَبِيحَةً أَوْ جَمِيلَةً فَاحِشَةً طُلِّقَتْ حِينَ تَكَلَّمَ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ.
إِذَا قَصَدَ الطَّلَاقَ بِصِفَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً حَسَنَةً قَبِيحَةً، أَوْ جَمِيلَةً فَاحِشَةً، أَوْ ضَارَّةً نَافِعَةً، أَوْ سُنِّيَّةً بِدْعِيَّةً وَقَعَ طَلَاقُهَا فِي الْحَالِ، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي حَالِ السُّنَّةِ أَوْ فِي حَالِ الْبِدْعَةِ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَعْلِيلِ ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ تَعْلِيلِ الشَّافِعِيِّ أنه وصفها بصفتين أحدهما صِفَةُ طَلَاقِ السُّنَّةِ وَالْأُخْرَى صِفَةُ طَلَاقِ الْبِدْعَةِ، وهي في أحد الحالتين، فوقع الطلاق عليهما بِوُجُودِ إِحْدَى الصِّفَتَيْنِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الْعِلَّةُ فِيهِ أَنَّ تَقَابُلَ الصِّفَتَيْنِ أَوْجَبَ سُقُوطَهُمَا، لِأَجْلِ الْمُضَادَّةِ فِيهِمَا فَصَارَتِ الطَّلْقَةُ بِسُقُوطِ الصِّفَتَيْنِ مُطْلَقَةً، فَوَقَعَ الطَّلَاقُ بِهَا فِي الْحَالِ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقَ الْحَرَجِ وَالسِّرِّ، وَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا فِي الْحَالِ، لِأَنَّ طَلَاقَ الْحَرَجِ هُوَ طَلَاقُ الْبِدْعَةِ فَصَارَ وَاصِفًا لَهَا بِصِفَتَيْنِ مُتَضَادَّتَيْنِ فَيَقَعُ بِهَا الطَّلَاقُ مُعَجَّلًا عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنِ اخْتِلَافِ الْعِلَّتَيْنِ فَلَوْ قَالَ: أَرَدْتُ بِالْحَرَجِ طَلَاقَ الثَّلَاثِ وَبِالسُّنَّةِ أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ طُهْرٍ وَاحِدَةٌ، فَهَذَا يَحْتَمِلُ ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَيْضًا.
وَهُوَ أَغْلَظُ عَلَيْهِ مِنَ الْوَاحِدَةِ الْمُعَجَّلَةِ فَتَقَعُ ظاهراً وباطناً على ما نوى.
ولو قال: أنت طالق ملئ مكة أو ملئ الحجاز أو ملئ الدُّنْيَا، طُلِّقَتْ وَاحِدَةً لَمْ يُرِدْ أَكْثَرَ مِنْهَا.
لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَشْمَلُ مَحَلًّا، فَيَقَعُ فِي مكان دون مكان.
ويكون معنى قوله: ملئ الدُّنْيَا أَيْ يَظْهَرُ ذِكْرُهَا فِي الدُّنْيَا، وَقَدْ ظَهَرَ فِيهَا ذِكْرُ الْوَاحِدَةِ كَظُهُورِ الثَّلَاثِ.
(مسألة:)
قال الشافعي: (وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إِذَا قَدِمَ فُلَانٌ لِلسُنَّةِ فَقَدِمَ فُلَانٌ فَهِيَ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ) .
قَالَ الماوردي: لأنه علق بطلاقها بشرط وصفة، فَالشَّرْطُ قُدُومُ زَيْدٍ وَالصِّفَةُ أَنْ يَكُونَ طَلَاقَ السُّنَّةِ فَوَجَبَ أَنْ تُعْتَبَرَ الصِّفَةُ بَعْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ فَلَا طَلَاقَ قَبْلَ قُدُومِ زَيْدٍ، فَإِذَا قَدِمَ فَقَدْ وُجِدَ الشَّرْطُ فَوَجَبَ مُرَاعَاةُ الصِّفَةِ فَإِنْ كَانَتْ عِنْدَ قُدُومِ زَيْدٍ فِي طُهْرٍ لَمْ تُجَامَعْ فِيهِ، طُلِّقَتْ حَالَ قُدُومِهِ لِوُجُودِ الشَّرْطِ وَالصِّفَةِ مَعًا، وَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا أَوْ فِي طُهْرٍ قَدْ جُومِعَتْ فِيهِ، لَمْ تُطَلَّقْ بِوُجُودِ الشَّرْطِ لِعَدَمِ الصِّفَةِ حَتَّى إِذَا صَارَتْ فِي طُهْرٍ لَا جِمَاعَ فِيهِ، طُلِّقَتْ بِحُدُوثِ الصِّفَةِ بَعْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ وَلَا يُعْتَبَرُ اجْتِمَاعُ الصِّفَةِ وَالشَّرْطِ.
وَلَكِنْ لَوْ قَالَ: إِذَا قَدِمَ فُلَانٌ وَأَنْتِ مِنْ ذَوَاتِ السُّنَّةِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، لَمْ تُطَلَّقْ إِلَّا بِقُدُومِ فُلَانٍ وَهِيَ فِي ظهر لَا جِمَاعَ فِيهِ، لِأَنَّهُ قَدْ جَعَلَ الصِّفَةَ شَرْطًا، وَجَعَلَ طَلَاقَهَا مُعَلَّقًا بِاجْتِمَاعِ شَرْطَيْنِ، فَلَمْ تُطَلَّقْ بِوُجُودِ أَحَدِهِمَا وَلَا بِانْفِرَادِهِمَا.
وَلَوْ قَالَ: إِذَا قَدِمَ زَيْدٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَلَمْ يُعَلِّقْهُ بِسُنَّةٍ وَلَا بِدْعَةٍ، طُلِّقَتْ بِقُدُومِهِ طَاهِرًا كَانَتْ أَوْ حَائِضًا.
لَكِنْ إِنْ كَانَتْ طَاهِرًا فَهُوَ طَلَاقُ سُنَّةٍ، وَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا فَهُوَ طَلَاقُ بِدْعَةٍ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَأْثَمُ بِهِ، لِأَنَّهُ لم يقصده.
ألا ترى أن متعمد وطئ الشُّبْهَةِ آثِمٌ، وَمَنْ لَمْ يَتَعَمَّدْهُ غَيْرُ آثِمٍ، وَإِذَا لَمْ يَأْثَمْ لَمْ يُنْدَبْ إِلَى الرَّجْعَةِ كَالْإِثْمِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالرَّجْعَةِ قَطْعُ الْإِثْمِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إِذَا قَدِمَ زَيْدٌ وَبَيْنَ قَوْلِهِ إِنْ قَدِمَ زَيْدٌ، إِنَّهَا لَا تُطَلَّقُ إِلَّا بِقُدُومِ زَيْدٍ، لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا حَرْفَا شَرْطٍ.
وَلَكِنْ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِذَا قَدِمَ زَيْدٌ، وَأَنْتِ طَالِقٌ أَنْ قَدِمَ بِفَتْحِ الْأَلِفِ طُلِّقَتْ مَكَانَهَا، لِأَنَّهُمَا حَرْفَا جَزَاءٍ عَنْ مَاضٍ سَوَاءٌ كَانَ زَيْدٌ قَدْ قَدِمَ أَمْ لَا؟ لِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَقْدُمْ بَطَلَ الْجَزَاءُ وَثَبَتَ الْحُكْمُ.
(فَصْلٌ:)
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طالق للسنة إذ جَاءَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فَيَوْمُ الْجُمُعَةِ شَرْطٌ وَطَلَاقُ السُّنَّةِ صِفَةٌ فَإِنْ جَاءَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَهِيَ فِي طُهْرٍ لَا جِمَاعَ فِيهِ طُلِّقَتْ، وَإِنْ كَانَتْ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ حَائِضًا فَإِذَا طَهُرَتْ طُلِّقَتْ، وَلَوْ كَانَ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَإِنْ كَانَتْ فِيهِ طَاهِرًا طُلِّقَتْ، وَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا فِيهِ لَمْ تُطَلَّقْ إِذَا طَهُرَتْ، لِأَنَّهُ جَعَلَ وُقُوعَ طَلَاقِهَا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ شَرْطًا، فَلَمْ يَقَعْ فِي غَيْرِهِ.
وَلَمْ يَجْعَلْهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى شَرْطًا فَجَازَ أَنْ يَقَعَ فِي غَيْرِهِ فَلِذَلِكَ افْتَرَقَا.
(فَصْلٌ:)
وَلَوْ قَالَ لِصَغِيرَةٍ أَوْ حَامِلٍ أَوْ غَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا: إِذَا قَدِمَ زَيْدٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ.
فَإِنْ قَدِمَ زيد قبل بلوغ لصغيرة وَوَضْعِ الْحَامِلِ، وَوَطْءِ غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا
طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ، لِأَنَّهُ لَا سُنَّةَ فِي طَلَاقِهِنَّ وَلَا بِدْعَةَ.
وَإِنْ قَدِمَ زَيْدٌ بَعْدَ حيض الصغيرة، ووضع الحامل، ووطئ غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا، رُوعِيَ فِيهِنَّ طَلَاقُ السُّنَّةِ اعْتِبَارًا بِحَالِ الشَّرْطِ لَا وَقْتَ الْعَقْدِ، فَإِنْ كُنَّ فِي طُهْرٍ طُلِّقْنَ، وَإِنْ كُنَّ فِي حَيْضٍ لَمْ يُطَلَّقْنَ فِيهِ حَتَّى إِذَا طَهُرْنَ طلقن والله أعلم.
(مسألة:)
قال الشافعي: (ولو قال أنت طالق لفلان طُلِّقَتْ مَكَانَهُ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لِفُلَانٍ فَهِيَ طَالِقٌ فِي الْحَالِ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ لِأَجْلِ فُلَانٍ، وَأَمَّا إِذَا قَالَ: أنت طالق لرضى فلان، فقد ذهب قوم إلى أن رضى فُلَانٍ شَرْطٌ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ، وَهَذَا خَطَأٌ بَلِ الطَّلَاقُ وَاقِعٌ فِي الْحَالِ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ أنك طالق لرضى فلان كقوله لعبده: أنت حر لرضى اللَّهِ، أَوْ لِوَجْهِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يُعْتَقُ وَلَا يكون شرطاً، لأن معناه لرضى الله، فإن قال: أردت بقولي لرضى فُلَانٍ الشَّرْطَ وَأَنَّ مَعْنَاهُ أن رَضِيَ فُلَانٌ فَلَا تُطَلَّقُ إِنْ لَمْ يَرْضَ فُلَانٌ دِينَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَمْ يَقَعْ إِلَّا أَنْ يَرْضَى فُلَانٌ.
فَأَمَّا الظَّاهِرُ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي الظَّاهِرِ مُعَجَّلًا اعْتِبَارًا بِحُكْمِ الظَّاهِرِ فِي الْجَزَاءِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَقَعُ فِي الظَّاهِرِ إِلَّا عَلَى مَا نَوَى، إِذَا رَضِيَ فُلَانٌ اعْتِبَارًا بِاحْتِمَالِ الْكَلَامِ فِي كَوْنِهِ شَرْطًا.
(فَصْلٌ:)
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ رَضِيَ زَيْدٌ وَإِذَا رَضِيَ زَيْدٌ، صار الرضى شرطاً في وقوع الطلاق، لأن إذا وإن مِنْ حُرُوفِ الشَّرْطِ الْمُسْتَقْبَلَةِ، فَإِنْ رَضِيَ زَيْدٌ وَقَعَ الطَّلَاقُ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ لَمْ يَقَعْ، لكن الرضى فِي قَوْلِهِ: إِنْ رَضِيَ عَلَى الْفَوْرِ فَإِنْ تراخى الرضى لَمْ يَصِحَّ، وَفِي قَوْلِهِ إِذَا رَضِيَ عَلَى التَّرَاخِي، فَلَوْ رَضِيَ وَلَوْ بَعْدَ طُولِ زَمَانٍ صَحَّ، لِمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَ إن وإذا.
وأما رضى زَيْدٍ فَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِقَوْلِهِ قَدْ رَضِيتُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْتَبَرَ أَمَارَاتُ فِعْلِهِ كَالْمَشِيئَةِ، لَكِنْ إِنْ كَانَ زَيْدٌ صَادِقًا فِي رِضَاهُ وَقَعَ الطَّلَاقُ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ.
وَهَلْ يَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى وَجْهَيْنِ:
أحدهما: يدين اعتباراً بحقيقة الرضى بِهِ بِالْقَلْبِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَدِينُ اعْتِبَارًا بِالْقَوْلِ الَّذِي لَا يَتَحَقَّقُ مَا سِوَاهُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ زَيْدٌ فَقَالَ زَيْدٌ: قَدْ شِئْتُ كَاذِبًا كَانَ الطَّلَاقُ وَاقِعًا فِي الْحُكْمِ.
وَهَلْ يَدِينُ فِيهِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، فَأَمَّا إِذَا قَالَ: أَنْتِ طالق إذا رضي زيداً وَأَنْ رَضِيَ زَيْدٌ بِفَتْحِ الْأَلِفِ طُلِّقَتْ مِنْ غير اعتبار الرضى لِأَنَّهُمَا حَرْفَا جَزَاءٍ عَنْ مَاضٍ.
(فَصْلٌ:)
وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ رَضِيَ زَيْدٌ وَكَانَ زَيْدٌ صَغِيرًا فَرَضِيَ فِي صِغَرِهِ فَفِيهِ وجهان: