الحاوي الكبيرصفحات 372-411
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ الشَّرْطِ فِي الرَّقِيقِ يَشْتَرِطُهُمُ الْمُسَاقِي

صفحات 372-411
عن هذه الطبعة
عَلَم
الماوردي
الكتاب
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
المؤلف
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
المحقق
الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1419 هـ -1999 م
عدد الأجزاء
19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

مَسْأَلَةٌ

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُسَاقِي عَلَى رَبِّ النَّخْلِ غِلْمَانًا يَعْمَلُونَ مَعَهُ وَلَا يَسْتَعْمِلُهُمْ فِي غَيْرِهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْمُسَاقَاةَ كَالْقِرَاضِ فِي أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ عَلَى اخْتِصَاصِ رَبِّ الْمَالِ بِالنَّخْلِ وَاخْتِصَاصِ الْعَامِلِ بِالْعَمَلِ، فَإِذَا أُطْلِقَتِ الْمُسَاقَاةُ أَخَذَ الْعَامِلُ بِجَمِيعِ الْعَمَلِ الَّذِي تَصْلُحُ بِهِ الثَّمَرَةُ، وَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَعْمَلَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِأَعْوَانِهِ وَلَا اعْتِرَاضَ لِرَبِّ الْمَالِ عَلَيْهِ فِي رَأْيٍ وَلَا عَمَلٍ مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنِ الْعُرْفِ الْمَعْهُودِ فِي مِثْلِهَا وَالْفَرْقُ بين المضاربة حيث لم يجز أن يستغني فِيهَا بِغَيْرِهِ بَدَلًا مِنْهُ، وَبَيْنَ الْمُسَاقَاةِ فِي جَوَازِ ذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُسَاقَاةَ لَمَّا لَزِمَتْ مَلَكَ الِاسْتِنَابَةَ فِيهَا، وَالْمُضَارَبَةُ لِمَا لَمْ تَلْزَمْ لَمْ يَمْلِكِ الِاسْتِنَابَةَ فِيهَا.
وَالْفَرْقُ الثَّانِي: أَنَّ الْمَقْصُودَ فِي الْمُضَارَبَةِ هُوَ الرَّأْيُ وَالتَّدْبِيرُ الْمُخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَهْلِهِ، وَأَنَّهُ قَدْ يَخْفَى فَسَادُهُ إِلَّا بَعْدَ نُفُوذِهِ وَفَوَاتِهِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَعِينَ فِيهِ بِمَنْ رُبَّمَا قَصَّرَ عَنْ رَأْيِهِ لِفَوَاتِ اسْتِدْرَاكِهِ، وَلَيْسَتِ الْمُسَاقَاةُ كَذَلِكَ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الْعَمَلُ، وَفَسَادُهُ ظَاهِرٌ إِنْ حَصَلَ، وَاسْتِدْرَاكُهُ مُمْكِنٌ إِنْ حَدَثَ فَجَازَ أَنْ يَسْتَعِينَ بِغَيْرِهِ مِمَّنْ يَعْمَلُ بِتَدْبِيرِهِ فَإِنْ قَصَّرَ تَقْصِيرًا اسْتُدْرِكَ.

فَصْلٌ

: فَإِنْ شَرَطَ الْعَامِلُ عَلَى رَبِّ النَّخْلِ غِلْمَانًا يَعْمَلُونَ مَعَهُ جَازَ الشَّرْطُ وَصَحَّتِ الْمُسَاقَاةُ، وَهَذَا نَصُّ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَمَا عَلَيْهِ فُقَهَاءُ أَصْحَابِهِ فِي جَوَازِ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ فِي الْمُضَارَبَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا يَجُوزُ كَمَا يَجُوزُ فِي الْمُسَاقَاةِ.
وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ، وَالْفَرْقُ بينهما أنا فِي الْمُسَاقَاةِ عَمَلًا يَخْتَصُّ بِرَبِّ النَّخْلِ وَهُوَ حَفْرُ الْآبَارِ، وَكَرْيُ الْأَنْهَارِ فَجَازَ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ عَمَلَ غِلْمَانِهِ وَلَيْسَ فِي الْمُضَارَبَةِ عَمَلٌ يَخْتَصُّ بِرَبِّ الْمَالِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ عَمَلَ غِلْمَانُهُ.
فَإِنْ قِيلَ فَإِذَا جَوَّزْتُمْ دُخُولَ الْعَبِيدِ فِي الْمُسَاقَاةِ تَبَعًا، فَهَلَّا جَوَّزْتُمُ الْعَقْدَ عَلَيْهِمْ بِبَعْضِ كَسْبِهِمْ مُنْفَرِدًا؟

قِيلَ قَدْ يَجُوزُ فِي تَوَابِعِ الْعَقْدِ مَا لَا يَجُوزُ إِفْرَادُهُ بِالْعَقْدِ، أَلَا تَرَى أَنَّ شَرِكَةَ الْأَبْدَانِ يَصِحُّ أَنْ تُفْرَدَ بِالْعَقْدِ، وَلَوْ عُقِدَتْ عَلَى مَالٍ صَحَّ، وَكَانَ عَمَلُ الْبَدَنِ فِيهَا تَبَعًا لِلْعَقْدِ.
فَإِنْ قِيلَ فَإِذَا جَوَّزْتُمْ للعامل أن يشرط على رب النخل غِلْمَانِهِ فَهَلَّا جَوَّزْتُمْ أَنْ يَشْرُطَ عَلَيْهِ عَمَلَ نَفْسِهِ، قِيلَ لَا يَجُوزُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ رب المال لا يكون تبعاً لما له، وقد يكون غلمانه تبعاً لما له كَالدُّولَابِ وَالثَّوْرِ فِي الْمُسَاقَاةِ.
فَإِنْ قِيلَ فَإِنْ كَانَ الْعَمَلُ مَشْرُوطًا عَلَى غِلْمَانِ رَبِّ النَّخْلِ فَلِمَاذَا يَسْتَحِقُّ الْعَامِلُ سَهْمَهُ مِنَ الثَّمَرَةِ، قِيلَ بِالتَّدْبِيرِ وَاسْتِعْمَالِ الْعَبِيدِ، وَلِذَلِكَ لَزِمَ الْعَبِيدَ أَنْ يَعْمَلُوا بِتَدْبِيرِ الْعَامِلِ فَإِنْ شَرَطَ فِي الْعَقْدِ أَنْ يَعْمَلُوا بِتَدْبِيرِ أَنْفُسِهِمْ فَسَدَ.

فَصْلٌ

: فَإِذَا صَحَّ أَنْ يَشْرُطَ الْعَامِلُ عَلَى رَبِّ النَّخْلِ غِلْمَانًا يَعْمَلُونَ مَعَهُ فَلَا يَخْلُو حَالُهُمْ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَشْتَرِطَ غِلْمَانًا مُعَيَّنِينَ مِثْلَ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ عَمَلَ عَبْدِهِ سَالِمٍ أَوْ غَانِمٍ، فَيَصِحُّ الْعَقْدُ بِهَذَا الشَّرْطِ، وَلَا يَجُوزُ لِرَبِّ النَّخْلِ أَنْ يُبْدِلَهُمْ بِغَيْرِهِمْ لِأَنَّ عَمَلَ الْعَبِيدِ قَدْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهِمْ، وَلَا يَجُوزُ لِلْعَامِلِ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُمْ فِي غَيْرِ نَخْلِ سَيِّدِهِمْ لِأَنَّ الْأُجَرَاءَ عَلَى الْعُمَّالِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُنْقَلُوا إِلَى غَيْرِ عَمَلِهِمْ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَشْتَرِطَ غِلْمَانًا مَوْصُوفِينَ غَيْرَ مُعَيَّنِينَ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ بِاشْتِرَاطِهِمْ.
وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَصِحُّ حَتَّى يُعَيَّنُوا اعْتِبَارًا بِعُرْفِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي تَعْيِينِ الْعَبِيدِ فِي الْمُسَاقَاةِ.
وَهَذَا فَاسِدٌ لِأَنَّ الصِّفَةَ قَدْ تَقُومُ مَقَامَ الْمُشَاهِدَةِ وَالتَّعْيِينِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ عُقُودَ الْمُعَاوَضَاتِ قَدْ تَجُوزُ بِالصِّفَةِ كَمَا تَجُوزُ بِالتَّعْيِينِ وَالْمُشَاهَدَةِ وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ: (وَمَنْ يَصِفْكَ فَقَدْ سَمَّاكَ لِلْعَرَبِ)

وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا يُعِينَهُمْ وَلَا يَصِفَهُمْ فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ لِلْجَهْلِ بِهِمْ وَالْمُسَاقَاةُ فَاسِدَةٌ لِمَا اقْتُرِنَ بِهَا مِنْ جَهَالَتِهِمْ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

: وَيَجُوزُ لِرَبِّ النَّخْلِ أَنْ يَشْرُطَ عَلَى الْعَامِلِ غِلْمَانًا يَعْمَلُونَ مَعَهُ وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ لِأَنَّ الْعَمَلَ أَخَصُّ بِالْعَامِلِ مِنْ رَبِّ الْمَالِ فَلَمَّا جَازَ اشْتِرَاطُ ذَلِكَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ كَانَ اشْتِرَاطُهُ عَلَى الْعَامِلِ أَجْوَزَ وَسَوَاءٌ عُيِّنُوا أَوْ وُصِفُوا أَوْ أُطْلِقُوا بِخِلَافِ اشْتِرَاطِهِمْ عَلَى رَبِّ النَّخْلِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُمْ فِي اشْتِرَاطِهِمْ عَلَى رَبِّ النَّخْلِ مُسْتَثْنَوْنَ مِنْ عَمَلٍ وَجَبَ عَلَى الْعَامِلِ، فَوَقَعَتِ الْجَهَالَةُ بِإِطْلَاقِهِمْ، وَهُمْ فِي اشْتِرَاطِهِمْ عَلَى الْعَامِلِ دَاخِلُونَ فِي جُمْلَةِ الْعَمَلِ الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ، فَلَمْ تَقَعِ الجهالة بإطلاقهم.
والله أعلم.

مسألة

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَنَفَقَةُ الرَّقِيقِ عَلَى مَا يَتَشَارَطَانِ عَلَيْهِ وَلَيْسَ نَفَقَةُ الرَّقِيقِ بِأَكْثَرَ مِنْ أُجْرَتِهِمْ فَإِذَا جَازَ أَنْ يَعْمَلُوا لِلْمُسَاقِي بِغَيْرِ أُجْرَةٍ جَازَ أَنْ يَعْمَلُوا لَهُ بِغَيْرِ نفقةٍ ".

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ لَا يَخْلُو حَالُ نَفَقَتِهِمْ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَشْتَرِطَا مَحَلَّهَا فِي الْعَقْدِ، أَوْ يُغْفِلَاهُ، فَإِنْ شَرَطَا مَحَلَّهَا لَمْ يَخْلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ.
أَحَدُهَا: أَنْ يُشْرَطَ عَلَى الْعَامِلِ، فَهَذَا جَائِزٌ لِأَنَّ الْعَمَلَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ فَجَازَ أَنْ تَكُونَ نَفَقَةُ الْغِلْمَانِ فِي النَّخْلِ مَشْرُوطَةً عَلَيْهِ كَمَا كَانَتْ أَجُورُ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُمْ وَاجِبَةً عَلَيْهِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُشْرَطَ عَلَى رَبِّ النَّخْلِ فَهَذَا جَائِزٌ، وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ الْعَمَلَ مُسْتَحَقٌّ عَلَى غَيْرِهِ.
وَهَذَا فَاسِدٌ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ بِالشَّرْطِ أَنْ يَعْمَلُوا مَعَ الْعَامِلِ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ جَازَ أَنْ يَعْمَلُوا مَعَهُ بِغَيْرِ نَفَقَةٍ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَشْرُطَ مِنْ وَسَطِ الثَّمَرَةِ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ عَمَلُهُمْ قَبْلَ حُدُوثِ الثَّمَرَةِ فَهَذَا شَرْطٌ بَاطِلٌ لِعَدَمِ مَحَلِّهَا، وَإِنَّ مَا لَمْ يُخْلَقْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا عَلَى عَمَلٍ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَمَلُهُمْ بَعْدَ حُدُوثِ الثَّمَرَةِ فَهَذَا على ضربين: أحدهما: أن تكون نفقتهم منغير جنس الثمرة لتباع الثمرة فيصرف ثَمَنُهَا فِي نَفَقَتِهِمْ فَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ غَيْرُ مُسْتَحَقَّةٍ، وَالنَّفَقَةَ غَيْرُ ثَابِتَةٍ فِي الذِّمَّةِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ نَفَقَاتُهُمْ مِنْ نَفْسِ الثَّمَرَةِ يَأْكُلُونَهَا قُوتًا فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ جَائِزٌ لِوُجُودِ مَحَلِّهَا، وَأَنَّ الثَّمَرَةَ لِمَا كَانَتْ لهما، جاز اشْتِرَاطُ النَّفَقَةِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَازَ اشْتِرَاطُهَا فِي الثَّمَرَةِ الَّتِي هِيَ لَهُمَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِذِمَّةٍ، وَلَا مَعْلُومٍ مُسْتَحَقٍّ مِنْ عَيْنٍ، وَهَذَا أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ.

فَصْلٌ

: فَإِنْ أَغْفَلَا اشْتِرَاطَ النَّفَقَةِ، فَفِي الْمُسَاقَاةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: بَاطِلَةٌ، لِلْجَهْلِ بِمَحَلِّ النَّفَقَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: جَائِزَةٌ لِأَنَّ النَّفَقَةَ تَبَعٌ لِلْعَقْدِ، فَلَمْ يَبْطُلْ بِهَا الْعَقْدُ فَعَلَى هَذَا فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا عَلَى الْعَامِلِ، لِاسْتِحْقَاقِ الْعَمَلِ عَلَيْهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا عَلَى رَبِّ النَّخْلِ لِاشْتِرَاطِ عَمَلِهِمْ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ لَمَّا سَقَطَتْ أُجْرَتُهُمْ عَنِ الْعَامِلِ سَقَطَتْ نَفَقَتُهُمْ عَنْهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهَا مِنْ وَسَطِ الثَّمَرَةِ، لِاخْتِصَاصِ عَمَلِهِمْ بِهَا، فَعَلَى هَذَا إِنْ لَمْ تَأْتِ الثَّمَرَةُ أَخَذَ بِهَا السَّيِّدُ حَتَّى يَرْجِعَ بِهَا فِي الثمرة إذا أتت والله أعلم بالصواب.

مسائل المزني رحمه الله

قَالَ الْمُزَنِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: " وَهَذِهِ مَسَائِلُ أَجَبْتُ فِيهَا عَلَى مَعْنَى قَوْلِهِ وَقِيَاسِهِ وَبِاللَّهِ التوفيق ".

مسألة

قال المزني رحمه الله تعالى: " فَمِنْ ذَلِكَ لَوْ سَاقَاهُ عَلَى نخلٍ سِنِينَ مَعْلُومَةً عَلَى أَنْ يَعْمَلَا فِيهَا جَمِيعًا لَمْ يَجُزْ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ قِيَاسًا عَلَى شَرْطِ الْمُضَارَبَةِ يَعْمَلَانِ فِي الْمَالِ جَمِيعًا فَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ أَعَانَهُ مَعُونَةً مَجْهُولَةَ الْغَايَةِ بأجرةٍ مجهولةٍ ". قال الماوردي: وهذا صَحِيحٌ إِذَا شَرَطَ الْعَامِلُ أَنْ يَعْمَلَ مَعَهُ رَبُّ النَّخْلِ فِي الْمُسَاقَاةِ وَرَبُّ الْمَالِ فِي الْمُضَارَبَةِ بَطَلَ الْعَقْدُ فِي الْمُسَاقَاةِ وَالْمُضَارَبَةِ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي عِلَّةِ بُطْلَانِهِ، فَذَهَبَ الْمُزَنِيُّ إِلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِيهِ اشْتِرَاكُهُمَا فِي الْعَمَلِ مَعَ اخْتِلَافِهِمَا فِيهِ يُفْضِي إِلَى جَهَالَةِ مَا يُسْتَحَقُّ عَلَى الْعَامِلِ مِنْ عَمَلِهِ، وَالْعَمَلُ الْمَجْهُولُ لَا تَصِحُّ عَلَيْهِ الْمُعَاوَضَةُ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى بَطَلَتْ شَرِكَةُ الْأَبْدَانِ لِاخْتِلَافِ عَمَلِ الشَّرِيكَيْنِ.
وَهَذَا التَّعْلِيلُ مَدْخُولٌ بِاشْتِرَاطِ عَمَلِ غُلَامِ رَبِّ الْمَالِ لِأَنَّ عَمَلَهُ مُخَالِفٌ لِعَمَلِ الْعَامِلِ كَمَا يُخَالِفُ عَمَلَ سَيِّدِهِ.
وَذَهَبَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ إِلَى أَنَّ عِلَّةَ بُطْلَانِهِ أَنَّهُ إِذَا شَرَطَ عَمَلَ رَبِّ النَّخْلِ صَارَ مُسْتَحِقًّا لِلْعِوَضِ عَلَى عَمَلِهِ وَعَمَلِ غَيْرِهِ فَبَطَلَ.
وَهَذَا مَدْخُولٌ بِمِثْلِ مَا دَخَلَ بِهِ تَعْلِيلُ الْمُزَنِيِّ وَيَدْخُلُ عَلَى الْعِلَّتَيْنِ جَمِيعًا إِذَا سَاقَى رَجُلَيْنِ.
وَذَهَبَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِيهِ أَنَّ الْمُسَاقَاةَ مَا تَمَيَّزَ فِيهَا رَبُّ النَّخْلِ بِالْمَالِ وَالْعَامِلُ بِالْعَمَلِ، فَإِذَا شُرِطَ الْعَمَلُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ فَسَدَتْ، كَمَا لَوْ شُرِطَ الْمَالُ عَلَى الْعَامِلِ بَطَلَتْ، لِتَغْيِيرِ مَا أَوْجَبَهُ الْعَقْدُ مِنْ أَحْكَامِهِ فِي الْمُتَعَاقِدَيْنِ.
وَهَذَا التَّعْلِيلُ أَيْضًا مَدْخُولٌ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ عَمَلِ غِلْمَانِ رَبِّ النَّخْلِ.
وَالَّذِي أَذْهَبُ إِلَيْهِ أَنَّ تَعْلِيلَ بُطْلَانِهِ هُوَ أَنَّ اشْتِرَاطَ عَمَلِ رَبِّ النَّخْلِ فِيهَا يَقْتَضِي لُزُومَ ذَلِكَ، وَالْإِنْسَانُ لَا يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ فِي مَالِهِ فَصَارَ هَذَا الشَّرْطُ بَاطِلًا، وَأُبْطِلُ مَا شَرَطَهُ فِيهِ، وَلَيْسَ عَمَلُ غِلْمَانِهِ مُسْتَحِقًّا عَلَى بَدَنِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ حَقٌّ تَعَلَّقَ بِمَالِهِ كَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْحُقُوقِ.

فَصْلٌ

: فَعَلَى اخْتِلَافِ هَذَا التَّعْلِيلِ لَوْ شَرَطَ الْعَامِلُ عَلَى رَبِّ النَّخْلِ جِنْسًا مِنَ الْعَمَلِ فِيهَا مَعْلُومًا كَالسَّقْيِ أَوِ التَّلْقِيحِ جَازَ عَلَى تَعْلِيلِ الْمُزَنِيِّ لِانْتِفَاءِ الْجَهَالَةِ عَنْهُ، وَلَمْ يَجُزْ عَلَى تَعْلِيلِ مَنْ سِوَاهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

مسألة

قال المزني رحمه الله تعالى: " وَلَوْ سَاقَاهُ عَلَى النِّصْفِ عَلَى أَنْ يُسَاقِيَهُ فِي حائطٍ آخَرَ عَلَى الثُّلُثِ لَمْ يَجُزْ فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ كَالْبَيْعَتَيْنِ فِي بيعةٍ وَلَهُ فِي الْفَاسِدِ أَجْرُ مِثْلِهِ فِي عَمَلِهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهُمَا مَسْأَلَتَانِ إِحْدَاهُمَا أَنْ يَكُونَ لِرَبِّ النَّخْلِ حَائِطٌ شَرْقِيٌّ وَلِلْعَامِلِ حَائِطٌ غَرْبِيٌّ، فَيَقُولَ رَبُّ النَّخْلِ قَدْ سَاقَيْتُكَ عَلَى حَائِطَيِ الشَّرْقِيِّ عَلَى النِّصْفِ عَلَى أَنْ تُسَاقِيَنِي أَيُّهَا الْعَامِلُ عَلَى حَائِطِكَ الْغَرْبِيِّ عَلَى الثُّلُثِ، فَهَذَا بَاطِلٌ، وَهُوَ كَالْبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، فِي الصُّورَةِ وَالْمَعْنَى، لِأَنَّ قَوْلَهُ قَدْ سَاقَيْتُكَ عَلَى أَنْ تُسَاقِيَنِي كَقَوْلِهِ بِعْتُكَ دَارِي عَلَى أَنْ تَبِيعَنِي عَبْدَكَ.
وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ الْحَائِطَانِ مَعًا لِرَبِّ النَّخْلِ، أَحَدُهُمَا شَرْقِيٌّ وَالْآخَرُ غَرْبِيٌّ، فَيَقُولَ رَبُّ النَّخْلِ: قَدْ سَاقَيْتُكَ عَلَى حَائِطَيِ الشَّرْقِيِّ عَلَى النِّصْفِ عَلَى أَنْ أُسَاقِيَكَ عَلَى حَائِطَيِ الْغَرْبِيِّ عَلَى الثُّلُثِ، فَهَذَا بَاطِلٌ.
قَالَ الْمُزَنِيُّ وَهُوَ كَالْبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ.
فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي صِحَّةِ هَذَا التَّشْبِيهِ فِي الصُّورَةِ وَالْمَعْنَى، فَذَهَبَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ إِلَى فَسَادِ هَذَا التَّشْبِيهِ وَأَنَّهُ فِي مَعْنَى بَيْعٍ وَشَرْطٍ لَا أَنَّهُ فِي مَعْنَى بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ.
وَذَهَبَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَى أَنَّهُ تَشْبِيهٌ صَحِيحٌ، وَأَنَّهُ كَالْبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فِي الْمَعْنَى وَالصُّورَةِ، لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ أَنْ يُجْعَلَ أَحَدُ الْعَقْدَيْنِ مَشْرُوطًا فِي الْآخَرِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْبَائِعُ فِيهِمَا وَاحِدًا أَوْ مُخْتَلِفًا وَإِنَّمَا فَسَدَتِ الْمُسَاقَاةُ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ مَعَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ التَّشْبِيهِ بِالْبَيْعَتَيْنِ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ أَحَدِ الْعَقْدَيْنِ فِي الْآخَرِ يُوجِبُ اسْتِدْرَاكَ مَا حَصَلَ مِنْ زِيَادَةِ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ مَجْبُورًا بِنَقْصِ الْعَقْدِ الثَّانِي، أَوِ اسْتِدْرَاكَ نُقْصَانِ الْأَوَّلِ مَجْبُورًا بِزِيَادَةِ الثَّانِي، فَصَارَ الْعِوَضُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْعَقْدَيْنِ مُعْتَبَرًا بِالشَّرْطِ فَبَطَلَ.

فَصْلٌ

: فَأَمَّا إِنْ قَالَ رَبُّ النَّخْلِ وَالْحَائِطَانِ جَمِيعًا لَهُ: قَدْ سَاقَيْتُكَ فِي حَائِطَيِ الشَّرْقِيِّ عَلَى النِّصْفِ، وَأُسَاقِيكَ عَلَى حَائِطَيِ الْغَرْبِيِّ عَلَى الثُّلُثِ وَلَمْ يَجْعَلْ أَحَدَ الْعَقْدَيْنِ شَرْطًا فِي الْآخَرِ صَحَّ الْعَقْدُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ نَاجِزٌ وَلَمْ يَصِحَّ الثَّانِي لِأَنَّهُ مُوعَدٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

: وَإِذَا بَطَلَتِ الْمُسَاقَاةُ فِي إِحْدَى هَذِهِ الْمَسَائِلِ بِمَعْنًى مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي، وَقَدْ عَمِلَ الْعَامِلُ فِي النَّخْلِ عَمَلًا فَلَا حَقَّ لَهُ فِي الثَّمَرَةِ وَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ في العمل كالمضاربة.
مسألة قال المزني رحمه الله تعالى: " فَإِنْ سَاقَاهُ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ عَلَى النِّصْفِ وَالْآخَرُ نَصِيبَهُ عَلَى الثُّلُثِ جَازَ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا كَانَ النَّخْلُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ جَازَ أَنْ يُسَاقِيَا عَلَيْهَا رَجُلًا مُسَاقَاةً مُتَّفِقَةً وَمُخْتَلِفَةً، فَالْمُتَّفِقَةُ: أَنْ يُسَاقِيَاهُ عَلَى أَنَّ لَهُ النِّصْفَ مِنْ حِصَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَالْمُخْتَلِفَةُ: أَنْ يُسَاقِيَاهُ عَلَى أَنَّ لَهُ النِّصْفَ مِنْ حِصَّةِ أَحَدِهِمَا وَالثُّلُثَ مِنْ حِصَّةِ الْآخَرِ، وَإِنَّمَا

كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُسَاقَاةَ إِنْ أُلْحِقَتْ بِالْإِجَارَاتِ فَمِثْلُ ذَلِكَ فِي الْإِجَارَاتِ جَائِزٌ، وَإِنْ أُلْحِقَتْ بِالْبِيَاعَاتِ فَمِثْلُ ذَلِكَ فِي الْبِيَاعَاتِ جَائِزٌ.
وَخَالَفَتِ الْمُسَاقَاةُ الْكِتَابَةَ لِأَنَّ الْعَبْدَ إِذَا كَانَ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ وَأَرَادَا كِتَابَتَهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَفَاضَلَا فِي الْعِوَضِ حَتَّى يَكُونَا فِيهِ سَوَاءً.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مَالَ الْكِتَابَةِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْكَسْبِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْمِلْكِ فَلَمَّا تَسَاوَيَا فِي الْمِلْكِ وَالْكَسْبِ وَجَبَ أَنْ يَتَسَاوَيَا فِي الْعِوَضِ، وَلَيْسَ مَا يَأْخُذُهُ الْعَامِلُ مِنَ الثَّمَرَةِ مُسْتَحَقًّا بِالْمِلْكِ وَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَحَقٌّ بِالْعَمَلِ فَجَازَ أَنْ يَتَفَاضَلَا فِيهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الثَّمَرَةَ إِذَا اسْتَحَقَّهَا الشَّرِيكَانِ بِالْمِلْكِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَفَاضَلَا فِيهَا كَالْكِتَابَةِ.

فَصْلٌ

: فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ مَسَاقَاتِهَا عَلَى التَّسَاوِي وَالتَّفَاضُلِ فَإِنْ تَسَاوَيَا فِيهَا وَجَعَلَا لَهُ النِّصْفَ مِنْ حِصَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَازَ، سَوَاءٌ عَلِمَ حِصَّةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ النَّخْلِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْهُ، لِأَنَّ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ جَمِيعِ الثَّمَرَةِ مَعْلُومٌ، كَمَا لَوْ بَاعَ الْوَكِيلُ عَبْدًا مُشْتَرَكًا بِثَمْنٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يُبَيِّنْ حِصَصَ الشُّرَكَاءِ فِيهِ صَحَّ الْبَيْعُ.
وَإِنْ تَفَاضَلَا فِيهَا وَجَعَلَا لَهُ النِّصْفَ مِنْ حِصَّةِ أَحَدِهِمَا، وَالثُّلُثَ مِنْ حِصَّةِ الْآخَرِ، فَإِنْ عَلِمَ الْعَامِلُ حِصَّةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ النَّخْلِ صَحَّتِ الْمُسَاقَاةُ، وَإِنْ جَهِلَ ذَلِكَ وَلَمْ يَعْلَمْهُ بَطَلَتْ لِجَهْلِهِ بِقَدْرِ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الثَّمَرَةِ.
فَصْلٌ : وَإِذَا كانت النخل كُلُّهَا لِوَاحِدٍ فَسَاقَى عَلَيْهَا رَجُلَيْنِ جَازَ، سَوَاءٌ تساوى بَيْنَهُمَا أَوْ فَاضَلَ كَمَا جَازَ لِلرَّجُلَيْنِ مُسَاقَاةُ الواحد على مساوا عَلَيْهَا رَجُلَيْنِ جَازَ، بَلْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْعَامِلَيْنِ رُبُعُ الثَّمَرَةِ فَقَدْ سَاوَى بَيْنَهُمَا، وَإِنْ جَعَلَ لِأَحَدِهِمَا الرُّبْعَ وَلِلْآخَرِ الثُّلُثَ فَقَدْ فَاضَلَ، وَالْمُسَاقَاةِ جَائِزَةٌ، كَمَا لَوِ اسْتَأْجَرَ أَجِيرَيْنِ فِي عَمَلٍ وَاحِدٍ بِأُجْرَةٍ مُتَفَاضِلَةٍ.

مَسْأَلَةٌ

قَالَ الْمُزَنِيُّ رحمه الله تعالى: " وَلَوْ سَاقَاهُ عَلَى حائطٍ فِيهِ أصنافٌ مِنْ دَقَلٍ وعجوةٍ وَصَيْحَانِيٍّ عَلَى أَنَّ لَهُ مِنَ الدَّقَلِ النِّصْفَ وَمِنَ الْعَجْوَةِ الثُّلُثَ وَمِنَ الصَّيْحَانِيِّ الرُّبُعَ وَهُمَا يَعْرِفَانِ كُلَّ صنفٍ كَانَ كَثَلَاثَةِ حَوَائِطَ معروفةٍ وَإِنْ جَهِلَا أَوْ أَحَدُهُمَا كُلَّ صنفٍ لَمْ يَجُزْ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا جَمَعَ الْحَائِطُ أَصْنَافًا مِنَ النَّخْلِ فَسَاقَاهُ عَلَى جَمِيعِهَا عَلَى النِّصْفِ مِنْ سَائِرِ أَصْنَافِهَا جَازَ، وَلَوْ خَالَفَ بَيْنَ أَصْنَافِهَا فَسَاقَاهُ عَلَى النِّصْفِ مِنَ الْبَرْنِيِّ وَعَلَى الثُّلُثِ مِنَ الْمَعْقِلِيِّ وَعَلَى الرُّبْعِ مِنَ الْإِبْرَاهِيمِيِّ نُظِرَ فَإِنْ علما قدر كل صِنْفٍ مِنْهَا جَازَ، وَصَارَ كَثَلَاثَةِ حَوَائِطَ سَاقَاهُ مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى النِّصْفِ وَمِنَ الْآخَرِ عَلَى الثُّلُثِ وَمِنَ الْآخَرِ عَلَى الرُّبْعِ، إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَتَمَيَّزَ النَّخْلُ بِبِقَاعِهَا وَبَيْنَ أَنْ تَتَمَيَّزَ بِأَصْنَافِهَا.
وَإِنْ جَهِلَا أَوْ أَحَدُهُمَا قد ركل صِنْفٍ مِنْهَا لَمْ يَجُزْ، وَكَانَتِ الْمُسَاقَاةُ بَاطِلَةً لِلْجَهْلِ بِقَدْرِ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ ثَمَرِهَا وَصَارَ كَمَا لَوْ سَاقَاهُ مِنْ ثَلَاثَةِ حَوَائِطَ عَلَى النِّصْفِ مِنْ أَحَدِهَا وَلَمْ يُعَيِّنْهُ

وَعَلَى الثُّلُثِ مِنْ آخَرَ لَمْ يَذْكُرْهُ وَعَلَى الرُّبْعِ مِنْ آخَرَ لَمْ يُمَيِّزْهُ كَانَ الْعَمَلُ بَاطِلًا وَلِلْعَامِلِ فِي ذَلِكَ أُجْرَةُ مِثْلِهِ إِنْ عمل.

مسألة

قال المزني رحمه الله تعالى: " وَلَوْ سَاقَاةُ عَلَى أَنَّ لِلْعَامِلِ ثُلُثَ الثَّمَرَةِ وَلَمْ يَقُولَا غَيْرَ ذَلِكَ كَانَ جَائِزًا وَمَا بَعْدَ الثُّلُثِ فَهُوَ لِرَبِّ النَّخْلِ وَإِنِ اشْتَرَطَا أَنَّ لِرَبِّ النَّخْلِ ثُلُثَ الثَّمَرَةِ وَلَمْ يَقُولَا غَيْرَ ذَلِكَ كَانَ فَاسِدًا لِأَنَّ الْعَامِلَ لَمْ يَعْلَمْ نَصِيبَهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ ثَمَرَ النَّخْلِ لِرَبِّهَا إِلَّا مَا شُرِطَ مِنْهَا لِلْعَامِلِ فَلَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى الْمَسْأَلَةِ بَعْدَ نَصِيبِ الْعَامِلِ لِمَنِ الْبَاقِي وَإِذَا اشْتَرَطَ رَبُّ النَّخْلِ لِنَفْسِهِ الثُّلُثَ وَلِمَ يُبَيِّنْ نَصِيبَ الْعَامِلِ مِنَ الْبَاقِي فنصيب العامل مجهولٌ وإن جُهِلَ النَّصِيبُ فَسَدَتِ الْمُسَاقَاةُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ عَقْدَ الْمُسَاقَاةِ بَيْنَهُمَا لَا يَخْلُو مِنْ أربعة أقسام: أحدها: أن يبينا فِيهِ نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ رَبُّ النَّخْلِ عَلَيَّ أَنَّ لِي نِصْفَ الثَّمَرَةِ، وَلَكَ نِصْفُهَا أَوْ لِي ثُلُثَاهَا وَلَكَ ثلثها، فهذا وضح أَحْوَالِهِمَا فِي إِبَانَةِ نَصِيبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَأَوْكَدُ مَا يَتَعَاقَدَانِ عَلَيْهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يبين نصيب العامل ودون رَبِّ النَّخْلِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ قَدْ سَاقَيْتُكَ عَلَى أَنَّ لَكَ أَيُّهَا الْعَامِلُ ثُلُثَ الثَّمَرَةِ، فَالْمُسَاقَاةُ جَائِزَةٌ، وَيَكُونُ الْبَاقِي بَعْدَ ثُلُثِ الْعَامِلِ لِرَبِّ النَّخْلِ لِأَنَّ جَمِيعَهَا عَلَى أَصْلِ مِلْكِهِ، وَصَارَ كَالْعُمُومِ إِذَا خُصَّ بَعْضُهُ كَانَ بَاقِيهِ مَحْمُولًا عَلَى مُوجَبِ عُمُومِهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يُبَيِّنَ رَبُّ النَّخْلِ نَصِيبَ نَفْسِهِ دُونَ الْعَامِلِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ قَدْ سَاقَيْتُكَ عَلَى أَنَّ لِي ثُلُثَ الثَّمَرَةِ، فَمَذْهَبُ الْمُزَنِيِّ أَنَّ الْمُسَاقَاةَ فِي ذَلِكَ بَاطِلَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ وَأَبُو الْعَبَّاسِ ابن الْقَاصِّ: إِنَّ الْمُسَاقَاةَ جَائِزَةٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ سَاقَيْتُكَ يُوجِبُ اشْتِرَاكَهُمَا فِي الثَّمَرَةِ فَكَانَ بَيَانُهُ لِنَصِيبِ نَفْسِهِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْبَاقِيَ لِلْعَامِلِ كَمَا كَانَ بَيَانُهُ لِنَصِيبِ الْعَامِلِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْبَاقِيَ لِنَفْسِهِ وَصَارَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ) {النساء: 110) فَعُلِمَ أَنَّ الْبَاقِيَ بَعْدَ ثُلُثِ الْأُمِّ لِلْأَبِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ خَطَأٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ أَنَّ الثَّمَرَةَ لِرَبِّ النَّخْلِ، فَإِذَا بَيَّنَ سَهْمَ الْعَامِلِ مِنْهَا صار استثناء خالف حكم الأوصل فَصَارَ بَيَانًا، وَإِذَا بَيَّنَ نَصِيبَ نَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ اسْتِثْنَاءً لِأَنَّهُ وَافَقَ حُكْمَ الْأَصْلِ، إِذْ جَمِيعُ الثَّمَرَةِ لَهُ، فَلَمْ يَصِرْ بَيَانًا.
وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ اخْتِلَافُ الْمُزَنِيِّ، وَأَبِي الْعَبَّاسِ مَحْمُولًا عَلَى اخْتِلَافِ حُكْمٍ هَلْ هُوَ شَرِيكٌ أَوْ أَجِيرٌ، فَحَمَلَ الْمُزَنِيُّ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ عَلَى أَنَّ الْعَامِلَ أَجِيرٌ، وَحَمَلَ أَبُو الْعَبَّاسِ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ عَلَى أَنَّ الْعَامِلَ شَرِيكٌ.

فَلَوْ قَالَ رَبُّ النَّخْلِ قَدْ سَاقَيْتُكَ عَلَى أَنَّ لَكَ ثُلُثَ الثَّمَرَةِ وَلِي نِصْفَهَا وَأَغْفَلَ ذِكْرَ السُّدْسِ الْبَاقِي غُلِّبَ فِي ذَلِكَ بَيَانُ نَصِيبِ الْعَامِلِ إِذْ لَيْسَ لَهُ أَكْثَرُ مِنَ الْمُسَمَّى، وَصَحَّتِ الْمُسَاقَاةُ لِأَنَّهُ لَوْ بَيَّنَ نَصِيبَ الْعَامِلِ وَأَغْفَلَ ذِكْرَ الْبَاقِي كُلِّهِ صَحَّتِ الْمُسَاقَاةُ، فَإِذَا أَغْفَلَ بَعْضَهُ كَانَتِ الْمُسَاقَاةُ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ، وَكَانَ مَا سِوَى ثُلُثِ الْعَامِلِ مِنَ النِّصْفِ الْمُسَمَّى وَالسُّدْسِ الْبَاقِي لِرَبِّ النَّخْلِ.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ لَا يُبَيِّنَ نَصِيبَ نَفْسِهِ وَلَا نَصِيبَ الْعَامِلِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ " قَدْ سَاقَيْتُكَ " فَالْمُسَاقَاةُ بَاطِلَةٌ، لِأَنَّ الْمُسَاقَاةَ قَدْ تَخْتَلِفُ، فَصَارَ الِاقْتِصَارُ عَلَى هَذَا مُفْضِيًا إِلَى جَهَالَةٍ تَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الْعَقْدِ، وَلَكِنْ لَوْ قَالَ لَهُ قَدْ سَاقَيْتُكَ عَلَى أَنَّ الثَّمَرَةَ بَيْنَنَا، فَعِنْدَ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ أَنَّ الْمُسَاقَاةَ صَحِيحَةٌ، وَتَكُونُ الثَّمَرَةُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، لِأَنَّ ظَاهِرَ اشْتِرَاكِهِمَا فِي الثَّمَرَةِ يُوجِبُ تَسَاوِيَهُمَا فِيهَا.
وَذَهَبَ سَائِرُ أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّ الْمُسَاقَاةَ بَاطِلَةٌ، لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ بينهما على تساوي وَتَفَاضُلٍ فَلَمْ يَكُنْ حَمْلُهَا عَلَى التَّسَاوِي فِي الْإِطْلَاقِ بِأَوْلَى مِنْ حَمْلِهَا عَلَى التَّفَاضُلِ فَبَطَلَتْ.

مسألة

قال المزني رحمه الله تعالى: " وَلَوْ كَانَتِ النَّخْلُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَسَاقَى أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ عَلَى أَنَّ لِلْعَامِلِ ثُلُثَيِ الثَّمَرَةِ مِنْ جَمِيَعِ النَّخْلِ وَلِلْآخَرِ الثُّلُثَ كَانَ جَائِزًا لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَهُ سَاقَى شَرِيكَهُ فِي نِصْفِهِ عَلَى ثُلُثِ ثَمَرَتِهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، إِذَا كَانَتْ النَّخْلُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ فَسَاقَى أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا وَلَهُ الثُّلُثَانِ مِنْ جَمِيعِ ثَمَرِهَا فَهَذِهِ مُسَاقَاةٌ جَائِزَةٌ لِأَنَّ لَهُ مِلْكًا وَعَمَلًا فَكَانَ لَهُ النِّصْفُ بِالْمِلْكِ وَالسُّدْسُ الزَّائِدُ عَلَيْهِ بِالْعَمَلِ.
فَاخْتَصَّتِ الْمُسَاقَاةُ بِالثُّلُثِ مِنْ حَقِّ الشَّرِيكِ وَهُوَ النِّصْفُ، وَذَلِكَ سُدُسُ الْكُلِّ.
وَمِثْلُهُ فِي الْمُضَارَبَةِ أَنْ يَكُونَ أَلْفٌ بَيْنِ شَرِيكَيْنِ ضَارَبَهُ عَلَيْهَا عَلَى أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا وَحْدَهُ وَلَهُ الثُّلُثَانِ مِنَ الرِّبْحِ، فَتَكُونُ الْمُضَارَبَةُ جَائِزَةً، وَهِيَ عَلَى الثُّلُثِ مِنْ حِصَّةِ الشَّرِيكِ، لِأَنَّهُ يَأْخُذُ النِّصْفَ بِالْمِلْكِ وَالسُّدْسَ الزَّائِدَ بالعمل.
سألة قال المزني رحمه الله تعالى: " وَلَوْ سَاقَى شَرِيكَهُ عَلَى أَنَّ لِلْعَامِلِ الثُّلُثَ وَلِصَاحِبِهِ الّثُلُثَيْنِ لَمْ يَجُزْ كَرَجُلَيْنِ بَيْنَهُمَا أَلْفُ درهمٍ قَارَضَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فِي نِصْفِهِ فَمَا رَزَقَ اللَّهُ فِي الْأَلْفِ مِنْ ربحٍ فَالثُّلُثَانِ لِلْعَامِلِ وَلِصَاحِبِهِ الثُّلُثُ فَإِنَّمَا قَارَضَهُ فِي نِصْفِهِ على ثلث ربحه في نصفه ولو قارضه على أن للعامل ثلث الربح والثلثين لصاحبه لم يجز لأن معنى ذلك أن عقد له العامل أن يخدمه في نصفه بغير بدلٍ وسلم له مع خدمته من ربحٍ نصفه تمام ثلثي الجميع بغير عوضٍ فإن عمل المساقي في هذا أو المقارض فالربح بينهما نصفين ولا أجرة للعامل لأنه عمل على غير بدلٍ ".

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا سَاقَى أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ فِي النَّخْلِ صَاحِبَهُ عَلَى أَنَّ لِلْعَامِلِ الثُّلُثَ مِنْ جَمِيعِ الثَّمَرَةِ كَانَتِ الْمُسَاقَاةُ فَاسِدَةً، لِأَنَّ الْمُسَاقَاةَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ تُوجِبُ اسْتِحْقَاقَ عِوَضٍ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلٍ، فَإِذَا شَرَطَ إِسْقَاطَ الْعِوَضِ فِيهَا نَافَى مُوجِبَهَا، فَبَطَلَتْ، وَالْعَامِلُ إِذَا شَرَطَ ثُلُثَ الثَّمَرَةِ فَقَدْ أَسْقَطَ ثُلُثَ مَا يَسْتَحِقُّهُ بِالْمِلْكِ، لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ يَسْتَحِقُّ النِّصْفَ، فَاقْتَصَرَ عَلَى الثُّلُثِ، وَصَارَ بَاذِلًا لِعَمَلِهِ بِغَيْرِ بَدَلٍ.
فَإِذَا بَطَلَتِ الْمُسَاقَاةُ بِمَا ذَكَرْتُ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ الثَّمَرَةُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ بِالْمِلْكِ قَالَ الْمُزَنِيُّ: وَلَا أُجْرَةَ لِلْعَامِلِ فِي عَمَلِهِ، لِأَنَّهُ لَمَّا بَذَلَ الْعَمَلَ عَلَى غَيْرِ بَدَلٍ صَارَ مُتَطَوِّعًا بِهِ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ، وَجُمْهُورُ أَصْحَابِنَا.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ: لَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ لِأَنَّهَا مُسَاقَاةُ فَاسِدَةٌ، وَالْعَقْدُ الْفَاسِدُ يُحْمَلُ فِي وُجُوبِ الْعِوَضِ عَلَى حُكْمِ الصَّحِيحِ، وَإِنْ شَرَطَ فِيهِ إِسْقَاطَ الْبَدَلِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ ثَوْبًا بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ كَانَ ضَامِنًا لِقِيمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ قِيمَةٌ، لِأَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ مُوجِبٌ لِاسْتِحْقَاقِ الْعِوَضِ، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ بِعْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ عَلَى أَنْ لَا ثَمَنَ عَلَيْكَ كَانَ الْمُشْتَرِي ضَامِنًا لِقِيمَتِهِ، وَإِنْ شَرَطَ سُقُوطَ الْعِوَضِ، لِأَنَّ الْبَيْعَ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ وَهَكَذَا لَوْ قَالَ أَجَّرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ عَلَى أَنَّ أُجْرَةً عَلَيْكَ ضَامِنًا لِلْأُجْرَةِ اعْتِبَارًا بِحَالِ الْعَقْدِ دُونَ الشَّرْطِ، كَذَلِكَ فِي الْمُسَاقَاةِ.
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ وَجْهٌ، فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسَاقَاةِ مُمْكِنٌ، وَهُوَ أَنَّ مُشْتَرِيَ الثَّوْبِ عَلَى أَنْ لَا ثَمَنَ عَلَيْهِ وَمُسْتَأْجِرَ الدَّارِ عَلَى أَنْ لَا أُجْرَةَ عَلَيْهِ، هُمَا الْمُسْتَهْلِكَانِ مِلْكَ غَيْرِهِمَا، فَضَمِنَا الْعِوَضَ مَعَ مَا شُرِطَ مِنْ شُرُوطِ الْعِوَضِ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الْعَقْدِ، وَفِي الْمُسَاقَاةِ هُوَ الْمُسْتَهْلِكُ عَمَلَ نَفْسِهِ، فَغُلِبَ فِيهِ حُكْمُ التَّطَوُّعِ بِالشَّرْطِ عَلَى حُكْمِ الْعَقْدِ.

فَصْلٌ

: ولو ساقا أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ وَالنَّخْلُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ عَلَى أَنَّ لِلْعَامِلِ نِصْفَ الثَّمَرَةِ كَانَتِ الْمُسَاقَاةُ فَاسِدَةً لِأَنَّ عَمَلَهُ فِيهَا هَدْرٌ لَا بَدَلٌ لَهُ وَتَكُونُ الثَّمَرَةُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ بِالْمِلْكِ دُونَ الْعَقْدِ، وَلَا أُجْرَةَ لِلْعَامِلِ عَلَى قَوْلِ الْمُزَنِيِّ، وَلَهُ الْأُجْرَةُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ سُرَيْجٍ وَلَكِنْ لَوْ شَرَطَا أَنْ يَكُونَ لِلْعَامِلِ نِصْفُ الثَّمَرَةِ، وَهُوَ يَمْلِكُ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ النَّخْلِ صَحَّتِ الْمُسَاقَاةُ، لِأَنَّ مَا فَضُلَ عَنْ قُدْرَةِ مِلْكِهِ يَصِيرُ مُقَابَلَةَ عمل.

مسألة

قال المزني رحمه الله تعالى: " وَلَوُ سَاقَى أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ عَلَى نخلٍ بَيْنَهُمَا سَنَةً مَعْرُوفَةً عَلَى أَنْ يَعْمَلَا فِيهَا جَمِيعًا على أن لأحدهما الثلث والآخر الثُّلُثَيْنِ لَمْ يَكُنْ لِمُسَاقَاتِهِمَا مَعْنًى فَإِنْ عَمِلَا فَلِأَنْفُسِهِمَا عَمِلَا وَالثَّمَرُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي نَخْلٍ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ بِالسَّوِيَّةِ سَاقَى أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ عَلَى أَنْ يَعْمَلَا فِيهَا جَمِيعًا، عَلَى أَنَّ لِأَحَدِهِمَا الثُّلُثَ وَلِلْآخَرِ الثُّلُثَيْنِ فَهَذِهِ مُسَاقَاةٌ بَاطِلَةٌ لِعِلَّتَيْنِ:

إِحْدَاهُمَا: أَنَّ الْعَامِلَ فِيهَا لَا يَتَمَيَّزُ مِنْ رَبِّ الْمَالِ.
وَالْعِلَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ عَمَلَ أَحَدِهِمَا عَلَى غَيْرِ بَدَلٍ، وَإِذَا بَطَلَتِ الْمُسَاقَاةُ بِذَلِكَ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ الثَّمَرَةُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ بِالْمِلْكِ، وَفِي عَمَلِهِمَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ هَدْرٌ لَا يُرَاعَى فِيهِ التَّفَاضُلُ، وَلَا يُسْتَحَقُّ فِيهِ أُجْرَةٌ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلْمَالِ، كَالشَّرِيكَيْنِ فِي الْمَالِ يَقْتَسِمَانِ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، اعْتِبَارًا بِالْمَالِ، وَإِنْ تَفَاضَلَا فِي الْعَمَلِ لِأَنَّ عَمَلَهُمَا تَبَعٌ لِلْمَالِ، فَلَمْ يراعى فِيهِ التَّفَاضُلُ وَلَمْ يُضْمَنْ بِالْأُجْرَةِ.
وَهَذَا مُخَرَّجٌ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْعَامِلَ شَرِيكٌ، فَعَلَى هَذَا لَا أُجْرَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، وإن زاد عليه في عمله.
والوجه الثَّانِي: أَنَّ الْعَمَلَ مُعْتَبَرٌ يُرَاعَى فِيهِ التَّفَاضُلُ وَيُسْتَحَقُّ فِيهِ الْأَجْرُ.
كَالشَّرِيكَيْنِ بِأَبْدَانِهِمَا، يَقْتَسِمَانِ الْكَسْبَ عَلَى أُجُورِ أَمْثَالِهِمَا، وَبِحَسْبِ تَفَاضُلِهِمَا فِي أَعْمَالِهِمَا، وَهَذَا مُخَرَّجٌ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " إِنَّ الْعَامِلَ أَجِيرٌ " فَعَلَى هَذَا يَرْجِعُ من شرط لنفس ثُلُثَيِ الثَّمَرَةِ عَلَى صَاحِبِهِ بِنِصْفِ أُجْرَةِ مِثْلِهِ لِأَنَّهُ شَرَطَ عَلَى عَمَلِهِ بَدَلًا، وَلَمْ يَبْذُلْهُ تَطَوُّعًا فَاسْتَحَقَّ نِصْفَ الْأُجْرَةِ، وَسَقَطَ نِصْفُهَا، لِأَنَّ نِصْفَ عَمَلِهِ فِي مِلْكِ نَفْسٍ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِبَدَلِهِ وَنِصْفِهِ فِي مِلْكِ شَرِيكِهِ فَرَجَعَ بِبَدَلِهِ.
فَأَمَّا الْمُشْتَرِطُ لِنَفْسِهِ ثُلُثَ الثَّمَرَةِ، فَعَلَى مَذْهَبِ الْمُزَنِيِّ لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ مِنْ أُجْرَتِهِ تَغْلِيبًا لِلشَّرْطِ، وَعَلَى مَذْهَبِ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ يَرْجِعُ بِنِصْفِ أُجْرَتِهِ تَغْلِيبًا لِلْعَقْدِ.

مَسْأَلَةٌ

قَالَ المزني رحمه الله تعالى: " وَلَوْ سَاقَى رجلٌ رَجُلًا نَخْلًا مُسَاقَاةً صَحِيحَةً فَأَثْمَرَتْ ثُمَّ هَرَبَ الْعَامِلُ اكْتَرَى عَلَيْهِ الْحَاكِمُ فِي مَالِهِ مَنْ يَقُومُ فِي النَّخْلِ مَقَامَهُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا هَرَبَ الْعَامِلُ فِي الْمُسَاقَاةِ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ عَمَلِهِ مَا لَا صَلَاحَ لِلنَّخْلِ وَالثَّمَرَةِ إِلَّا بِهِ، وَجَبَ أَنْ يَلْتَمِسَهُ الْحَاكِمُ عِنْدَ اسْتِعْدَاءِ رَبِّ النَّخْلِ إِلَيْهِ، وَإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عِنْدَهُ بِالْعَقْدِ لِيَأْخُذَهُ بِالْبَاقِي مِنْ عَمَلِهِ، لِأَنَّ عَقْدَ الْمُسَاقَاةِ لَازِمٌ يُسْتَحَقُّ فِيهِ عَلَى الْعَامِلِ أُجْرَةُ الْعَمَلِ، وَعَلَى رَبِّ النَّخْلِ الثَّمَرُ.
فَإِنْ بَعُدَ الْعَامِلُ عَنِ الْحَاكِمِ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ اسْتَأْجَرَ فِيمَا وَجَدَ مِنْ مَالِهِ أَجِيرًا يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الْبَاقِي مِنْ عَمَلِهِ، ثُمَّ قَاسَمَ الْحَاكِمُ رَبَّ النَّخْلِ عَلَى الثَّمَرَةِ فَأَخَذَ مِنْهَا حِصَّةَ الْعَامِلِ لِيَحْفَظَهَا عَلَيْهِ، فإن لم يجد للعامل مالاً يأخذه مِنْهُ أُجْرَةَ الْأَجِيرِ النَّائِبِ عَنْهُ، اسْتَدَانَ عَلَيْهِ قَرْضًا مِنْ رَبِّ النَّخْلِ، أَوْ غَيْرِهِ أَوْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، لِيَقْضِيَ ذَلِكَ عِنْدَ حُصُولِ حِصَّةِ الْعَامِلِ مِنَ الثَّمَرَةِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَسْتَدِينُ مِنْهُ قَرْضًا نُظِرَ فِي الثَّمَرَةِ، فَإِنْ كَانَتْ بَادِيَةَ الصَّلَاحِ بِيعَ مِنْ حِصَّةِ الْعَامِلِ فِيهَا بِقَدْرِ أُجُورِ الْأُجَرَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ بَادِيَةِ الصَّلَاحِ فَالْمُعَاوَضَةُ عَلَيْهَا مُتَعَذِّرَةٌ لَا سِيَّمَا مَعَ الْإِشَاعَةِ، فَلَيْسَ يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِنَ الْعَامِلِ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ يُحْكَى عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ الْحَاكِمَ يُسَاقِي عليها لأجل

الباقي من العمل فيها رجلاً آخر يسهم مُشَاعٍ فِي الثَّمَرَةِ يَدْفَعُهُ إِلَيْهِ مِنْ حِصَّةِ العامل عند حصول الثمرة، وتناهيها، ويعز الْبَاقِي مِنْ حِصَّتِهِ - إِنْ بَقِيَ - مَحْفُوظًا لَهُ إِنْ عَادَ، وَيَأْخُذُ رَبُّ الْمَالِ حِصَّتَهُ مِنْهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدِي: أَنْ يُقَالَ لِرَبِّ النَّخْلِ: قَدْ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ مَا بَقِيَ مِنَ الْعَمَلِ عَلَى الْعَامِلِ، وَهَذَا عَيْبٌ يُوجِبُ الْخِيَارَ فِي الْمُقَامِ عَلَى الْمُسَاقَاةِ أَوِ الْفَسْخِ، فَإِنْ أَقَامَ عَلَيْهَا صَارَ مُتَطَوِّعًا بِالْبَاقِي مِنَ الْعَمَلِ وَلِلْعَامِلِ حِصَّتُهُ مِنَ الثَّمَرَةِ، وَإِنْ فَسَخَ صَارَ الْعَقْدُ مُنْفَسِخًا فِي الْبَاقِي مِنَ الْعَمَلِ.
ثُمَّ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ لُزُومُهُ فِي الْمَاضِي مِنَ الْعَمَلِ، وَتَكُونُ حِصَّةُ الْعَامِلِ مِنَ الثَّمَرَةِ مُقَسَّطَةً عَلَى الْعَمَلَيْنِ الْمَاضِي مِنْهُ وَالْبَاقِي، فَيَسْتَحِقُّ الْعَامِلُ مِنْهَا مَا قَابَلَ الْمَاضِي مِنْ عَمَلِهِ، وَيَسْتَحِقُّ رَبُّ النَّخْلِ مَا قَابَلَ الْبَاقِيَ مِنْ عَمَلِهِ مَضْمُومًا إِلَى حِصَّتِهِ.

فَصْلٌ

: فَأَمَّا إِنْ كَانَ رَبَّ النَّخْلِ عِنْدَ هَرَبِ الْعَامِلِ لَمْ يَأْتِ الْحَاكِمُ، وَاسْتَأْجَرَ مِنْ مَالِهِ مَنْ عَمِلَ بَاقِيَ الْعَمَلِ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْحَاكِمِ كَانَ مُتَطَوِّعًا بِمَا أَنْفَقَ وَالْعَامِلُ عَلَى حَقِّهِ فِي الثَّمَرَةِ، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِتَعَذُّرِ الْحَاكِمِ نُظِرَ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ الرُّجُوعَ بِمَا أَنْفَقَ أَوْ نَوَى الرُّجُوعَ وَلَمْ يَشْهَدْ فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ بِالنَّفَقَةِ لَا يَرْجِعُ بِهَا، وَالْعَامِلُ عَلَى حَقِّهِ مِنَ الثَّمَرَةِ، وَإِنْ نَوَى الرُّجُوعَ وَأَشْهَدَ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَرْجِعُ بِهَا لِلضَّرُورَةِ وَإِنَّ مَا فَعَلَهُ هُوَ غَايَةُ مَا فِي وُسْعِهِ.
وَالثَّانِي: لَا يَرْجِعُ بِهَا لِأَنَّهُ يَصِيرُ حَاكِمًا لِنَفْسِهِ عَلَى غَيْرِهِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ فِي ضَرُورَةٍ وَلَا غَيْرِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

مسألة

قال المزني رحمه الله تعالى: " إِنْ عَلِمَ مِنْهُ سَرِقَةً فِي النَّخْلِ وَفَسَادًا مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ وَتُكُورِيَ عَلَيْهِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ عَلَى الْعَامِلِ فِي الثَّمَرَةِ حَقَّيْنِ: أَحَدُهُمَا: حِفْظُهَا، وَالثَّانِي: أَدَاءُ الْأَمَانَةِ فِيهَا، فَإِنْ ظَهَرَ مِنْهُ تَقْصِيرٌ فِي الْحِفْظِ أُخِذَ بِهِ وَاسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ مَنْ يَحْفَظُهَا مِنْ مَالِهِ، وَإِنْ ظَهَرَتْ مِنْهُ خِيَانَةٌ فِي الثَّمَرَةِ وَسَرِقَةٌ لَهَا بِإِقْرَارٍ مِنْهُ أَوْ بَيِّنَةٍ قَامَتْ عَلَيْهِ، أَوْ بِيَمِينِ الْمُدَّعِي عِنْدَ نُكُولِهِ مُنِعَ مِنَ الثَّمَرَةِ وَرُفِعَتْ يَدُهُ عَنْهَا (قَالَ المزني ههنا) وَيُكَارَى عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ مَنْ يَعْمَلُ فِي الثَّمَرَةِ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ اسْتَأْجَرَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ أَمِينًا يَضُمُّهُ إِلَيْهِ لِيَقُومَ بِحِفْظِ الثَّمَرَةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلٍ مِنْهُ فِي الْحُكْمِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَرْدُودٌ إِلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ لِيَحْكُمَ بِمَا يَرَاهُ مِنْ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ، وَكِلَاهُمَا جَائِزٌ.
فَأَمَّا إِنِ ادَّعَى رَبُّ النَّخْلِ الْخِيَانَةَ وَالسَّرِقَةَ، وَالْعَامِلُ مُنْكِرٌ لَهُمَا وَلَا بَيِّنَةَ تَقُومُ بِهَا فَالْقَوْلُ فِيهَا قَوْلُ الْعَامِلِ مَعَ يَمِينِهِ، وَهُوَ عَلَى تَصَرُّفِهِ فِي الثَّمَرَةِ لَا تُرْفَعُ يَدُهُ عَنْهَا بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، فَإِنْ

أَرَادَ رَبُّ النَّخْلِ بِدَعْوَى السَّرِقَةِ الْغُرْمَ لَمْ تُسْمَعِ الدَّعْوَى مِنْهُ إِلَّا مَعْلُومَةً، وَإِنْ أَرَادَ رَفْعَ يَدِ الْعَامِلِ بِهَا عَنِ الثَّمَرَةِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: تُسْمَعُ مَجْهُولَةً لِاسْتِوَاءِ الْحُكْمِ فِي رَفْعِ يَدِهِ بِقَلِيلِ السَّرِقَةِ وَكَثِيرِهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا تُسْمَعُ إِلَّا مَعْلُومَةً، لِأَنَّ رَفْعَ يَدِهِ بِهَا فَرْعٌ عَلَى اسْتِحْقَاقِ الْغُرْمِ فِيهَا، فَصَارَ حكم الغرم أغلب.

مسألة

قال المزني رحمه الله تعالى: " فَإِنْ أَنْفَقَ رَبُّ النَّخْلِ كَانَ مُتَطَوِّعًا بِهِ وَيَسْتَوْفِي الْعَامِلُ شَرْطَهُ فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ وَإِنْ مَاتَ قَامَتْ وَرَثَتُهُ مَقَامَهُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صحيح، لأن عقد المساقاة لازم لَا يَبْطُلُ بِالْمَوْتِ فَإِنْ مَاتَ رَبُّ النَّخْلِ كَانَ الْعَامِلُ عَلَى عَمَلِهِ مِنَ الثَّمَرَةِ قَدْرَ شَرْطِهِ، وَالْبَاقِي مَقْسُومٌ بَيْنَ وَرَثَةِ رَبِّ النَّخْلِ عَلَى فَرَائِضِهِمْ، وَإِنْ مَاتَ الْعَامِلُ فَإِنْ قَامَ وارثته بِبَاقِي الْعَمَلِ أَخَذَ حِصَّةَ الْعَامِلِ فِي الثَّمَرَةِ وَإِنِ امْتَنَعَ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى الْعَمَلِ، لِأَنَّ مَا لَزِمَ الْمَيِّتَ مِنْ حَقٍّ فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِتَرِكَةٍ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِوَارِثٍ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يُعَادِي عَلَى الْعَامِلِ مِنْ تَرِكَةِ مَنْ يَقُومُ مقامه من الباقي من عمله وإن لَمْ يَكُنْ لَهُ تَرِكَةٌ لَمْ يَجُزْ أَنْ يستدان عليه بخلاف الهارب، لأن الميت لا ذمة له وَيَكُونُ حُكْمُهُ كَحُكْمِ الْهَارِبِ إِذَا تَقَرَّرَتِ الِاسْتِدَانَةُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: مسألة قال المزني رحمه الله تعالى: " وَلَوْ عَمِلَ فِيهَا الْعَامِلُ فَأَثْمَرَتْ ثُمَّ اسْتَحَقَّهَا رَبُّهَا أَخَذَهَا وَثَمَّرَهَا وَلَا حَقَّ عَلَيْهِ فِيمَا عَمِلَ فِيهَا الْعَامِلُ لِأَنَّهَا آثارٌ لَا عينٌ وَرَجَعَ الْعَامِلُ عَلَى الدَّافِعِ بِقِيمَةِ عملٍ فَإِنِ اقْتَسَمَا الثَّمَرَةَ فَأَكَلَاهَا ثُمَّ اسْتَحَقَهَا رَبُّهَا رَجَعَ عَلَى كُلِّ واحدٍ مِنْهُمَا بِمَكِيلَةِ الثَّمَرَةِ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهَا الدَّافِعُ لَهَا وَرَجَعَ الدَّافِعُ عَلَى الْعَامِلِ بِالْمَكِيلَةِ الَّتِي غَرِمَهَا وَرَجَعَ الْعَامِلُ عَلَى الَّذِي اسْتَعْمَلَهُ بِأَجْرِ مِثْلِهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ سَاقَى رَجُلًا عَلَى نَخْلٍ فِي يَدِهِ، ثُمَّ اسْتُحِقَّتِ النَّخْلُ مِنْ يَدِ الْعَامِلِ فَلَا يَخْلُو حَالُ الْعَامِلِ بَعْدَ اسْتِحْقَاقِ النَّخْلِ مِنْ يَدِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَمِلَ فِيهَا عَمَلًا أَمْ لَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ عَمِلَ فِيهَا عَمَلًا فَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى الْمُسَاقِي وَلَا عَلَى رَبِّ النَّخْلِ، وَإِنْ عَمِلَ فِيهَا عَمَلًا فَلَا يَخْلُو حَالُ النَّخْلِ مِنْ أَنْ تَكُونَ قَدْ أَثْمَرَتْ أَوْ لَمْ تُثْمِرْ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَدْ أَثْمَرَتِ اسْتَرْجَعَهَا رَبُّهَا وَلَا شَيْءَ لَهُ سِوَاهَا، وَلِلْعَامِلِ عَلَى المساقي أجرة مثل علمه، لِأَنَّهُ قَدْ فَوَّتَ عَلَيْهِ عَمَلَهُ عَلَى عِوَضٍ فَاسِدٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَرْجِعَ بِقِيمَةِ الْعَمَلِ، وَهُوَ أُجْرَةُ الْمِثْلِ.
وَإِنْ أَثْمَرَتِ النَّخْلُ فَلَا يَخْلُو حَالُ الثَّمَرَةِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَاقِيَةً بِيَدِهِ، فَيَرْجِعُ رَبُّ النَّخْلِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْعَامِلِ وَالْمُسَاقِي بِمَا حَصَلَ بِيَدِهِ مِنَ الثَّمَرَةِ، لِأَنَّ نَمَاءَ الْمَغْصُوبَ حَادِثٌ عَلَى مِلْكِ رَبِّهِ، دُونَ غَاصِبِهِ.
ثُمَّ لِلْعَامِلِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُسَاقِي بِأُجْرَةِ مِثْلِ عَمَلِهِ لِتَفْوِيتِهِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فإن

قِيلَ: فَاسْتِحْقَاقُ الثَّمَرَةِ جَارٍ مَجْرَى تَلَفِهَا، وَتَلُفُ الثَّمَرَةِ لَا يُوجِبُ عَلَيْهِ رُجُوعَ الْعَامِلِ عَلَى الْمُسَاقِي بِأُجْرَةِ عَمَلِهِ، قِيلَ: إِنَّمَا يَمْتَنِعُ رُجُوعُهُ بِالْأُجْرَةِ عِنْدَ تَلَفِ الثَّمَرَةِ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ، وَاسْتَحَقَّ الرُّجُوعَ بِالْأُجْرَةِ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِ النَّخْلِ لِفَسَادِ الْعَقْدِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدِ اسْتَهْلَكَهَا، فَلِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِنْ كَانَا قَدِ اسْتَهْلَكَاهَا بُسْرًا أَوْ رُطَبًا أَوْ تَمْرًا مَكْنُوزًا رَجَعَ بِقِيمَتِهَا، وَإِنْ كَانَا قَدِ اسْتَهْلَكَاهَا تَمْرًا بَثًّا رَجَعَ بِمِثْلِهَا لِأَنَّ لِلتَّمْرِ الْبَثِّ مِثْلًا، وَلَيْسَ لِغَيْرِ الْبَثِّ مِثْلٌ، ثُمَّ رَبُّ النَّخْلِ بالخيار بين يَرْجِعَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمِثْلِ مَا اسْتَهْلَكَهُ، وَبَيْنَ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُسَاقِي بِمِثْلِ جَمِيعِ الثَّمَرَةِ فَإِنْ رَجَعَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ منهما بمثل ما استهلكه فلا تراجع؟ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِشَيْءٍ مِنَ الثَّمَرَةِ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ الْعَامِلُ عَلَى الْمُسَاقِي بِأُجْرَةِ مِثْلِ عَمَلِهِ لِتَفْوِيتِهِ إِيَّاهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ رَجَعَ عَلَى الْمُسَاقِي بِجَمِيعِ الثَّمَرَةِ رَجَعَ الْمُسَاقِي عَلَى الْعَامِلِ بِمِثْلِ مَا اسْتَهْلَكَهُ مِنْهَا، وَرَجَعَ الْعَامِلُ عَلَى الْمُسَاقِي بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ حِصَّةُ الْمُسَاقِي بَاقِيَةً بِيَدِهِ، وَحِصَّةُ الْعَامِلِ مُسْتَهْلِكَةً فَيَرْتَجِعُ رَبُّ النَّخْلِ مَا بِيَدِ الْمُسَاقِي مِنَ الثَّمَرَةِ، ثُمَّ هُوَ فِيمَا اسْتَهْلَكَهُ الْعَامِلُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى الْعَامِلِ، وَلَا يَرْجِعُ بِهِ الْعَامِلُ عَلَى الْمُسَاقِي، وَلَكِنْ يَرْجِعُ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ، وَبَيْنَ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى الْمُسَاقِي وَيَرْجِعُ الْمُسَاقِي بِهِ عَلَى الْعَامِلِ وَيَرْجِعُ الْعَامِلُ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ عَلَى الْمُسَاقِي.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ حِصَّةُ الْمُسَاقِي مُسْتَهْلَكَةً، وَحِصَّةُ الْعَامِلِ بَاقِيَةً بِيَدِهِ فَيَرْجِعُ رَبُّ النَّخْلِ عَلَى الْعَامِلِ بِمَا بِيَدِهِ مِنَ الثَّمَرَةِ، وَيَرْجِعُ عَلَى الْمُسَاقِي بِمَا اسْتَهْلَكَهُ مِنْهَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى الْعَامِلِ، لِأَنَّ الْعَامِلَ يَضْمَنُ بِالْيَدِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا ضَمَانُ مَا حَصَلَ بِيَدِهِ، وَالْمُسَاقِي يَضْمَنُ بِالْعُدْوَانِ فَلَزِمَهُ ضَمَانُ مَا حَصَلَ بَعْدَ عُدْوَانِهِ ثُمَّ لِلْعَامِلِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُسَاقِي بأجرة مثله.

مسألة

قال المزني رحمه الله تعالى: " وَلَوْ سَاقَاهُ عَلَى أَنَّهُ سَقَاهَا بِمَاءِ سماءٍ أَوْ نهرٍ فَلَهُ الثُّلُثُ وَإِنْ سَقَاهَا بِالنَّضْحِ فَلَهُ النِّصْفُ كَانَ هَذَا فَاسِدًا لِأَنَّ عَقْدَ الْمُسَاقَاةِ كَانَ وَالنَّصِيبُ مجهولٌ وَالْعَمَلُ غَيْرُ معلومٍ كَمَا لَوْ قَارَضَهُ بمالٍ عَلَى أَنَّ مَا رَبِحَ فِي الْبَرِّ فَلَهُ الثُّلُثُ وَمَا رَبِحَ فِي الْبَحْرِ فَلَهُ النِّصْفُ فَإِنْ عَمِلَ كَانَ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ وَالتَّعْلِيلُ مُسْتَقِيمٌ، وَفَسَادُ الْعَقْدِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: جهالة العمل لتردد بَيْنَ السَّقْيِ بِمَاءِ السَّمَاءِ وَالنَّضْحِ.
وَالثَّانِي: جَهَالَةُ الْعِوَضِ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ الثُّلُثِ وَالنِّصْفِ.
مَسْأَلَةٌ قَالَ المزني رحمه الله تعالى: " فَإِنِ اشْتَرَطَ الدَّاخِلُ أَنَّ أُجْرَةَ الْأُجَرَاءِ مِنَ الثَّمَرَةِ فَسَدَتِ الْمُسَاقَاةُ ".

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ لَمَعَانٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الثَّمَرَةَ قَدْ تُحَلِّقُ وَلَا تُحَلِّقُ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَكُونَ عِوَضًا عَلَى عَمَلٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الأجرة غير ثابتة في ذمة وَلَا هِيَ اسْتِحْقَاقُ جُزْءٍ مِنْ عَيْنٍ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ قَدْ يَسْتَوْعِبُ الثَّمَرَةَ فَلَا يَحْصُلُ لِرَبِّ النَّخْلِ وَلَا لِلْعَامِلِ شَيْءٌ.

مَسْأَلَةٌ

قَالَ الْمُزَنِيُّ رحمه الله تعالى: " وَلَوْ سَاقَاهُ عَلَى وَدِيٍّ لوقتٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ لا يثمر إليه لم يجز ". أَمَّا الْوَدِيُّ فَهُوَ الْفَسِيلُ الَّذِي لَمْ يَحْمِلْ بَعْدُ، فَإِذَا سَاقَى عَلَيْهِ رَجُلًا فَلَا يَخْلُو حَالُ الْفَسِيلِ فِي الْعُرْفِ الْمَعْهُودِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُعْلَمَ فِي غَالِبِ الْعُرْفِ أَنَّهُ يَحْمِلُ فِي مُدَّةِ الْمُسَاقَاةِ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُعْلَمَ بِالْعُرْفِ أَنَّهُ يَحْمِلُ فِي جَمِيعِ سِنِي الْمُسَاقَاةِ فَالْمُسَاقَاةُ جَائِزَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَحْمِلِ الْفَسِيلُ فَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ عَلَى رَبِّهِ كَمَا لَوْ حَالَ النَّخْلُ الطَّوِيلُ فَلَمْ يَحْمِلْ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يُعْلَمَ بِالْعُرْفِ أَنَّهُ يَحْمِلُ فِي آخِرِ سِنِي الْمُسَاقَاةِ مِثْلَ أَنْ يُسَاقِيَهُ عَلَى فَسَيْلٍ خَمْسَ سِنِينَ يَعْلَمُ بِغَالِبِ الْعُرْفِ أَنَّهُ يَحْمِلُ فِي الْخَامِسَةِ وَلَا يَحْمِلُ فِيمَا قَبْلَهَا فَفِي الْمُسَاقَاةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا بَاطِلَةٌ لِتَفْوِيتِ عَمَلِهِ فِي الْأَعْوَامِ الْمُتَقَدِّمَةِ بِغَيْرِ بَدَلٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا جَائِزَةٌ.
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ، لِأَنَّ ثَمَرَةَ السَّنَةِ الْأَخِيرَةِ عِوَضٌ عَنْ عَمَلِهِ فِي السِّنِينَ الْمَاضِيَةِ، كَمَا تَكُونُ الثَّمَرَةُ فِي آخِرِ السَّنَةِ عوضاً عن عمله في أولها.
والحالة الثَّانِيَةُ: أَنْ يُعْلَمَ بِغَالِبِ الْعُرْفِ أَنَّ الْفَسِيلَ لَا يَحْمِلُ فِي مُدَّةِ الْمُسَاقَاةِ كُلِّهَا، فَالْمُسَاقَاةُ بَاطِلَةٌ لِعَدَمِ الْعِوَضِ الْمُسْتَحَقِّ عَلَى الْعَامِلِ، فَإِنْ عَمِلَ الْعَامِلُ فِيهَا عَمَلًا، فَعَلَى قَوْلِ الْمُزَنِيِّ: لَا أُجْرَةَ لَهُ، لِأَنَّهُ رَضِيَ بِأَنْ لَا يَأْخُذَ عَلَى عَمَلِهِ بَدَلًا وَعَلَى قَوْلِ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ لَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ، لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى مُسَاقَاةٍ فَاسِدَةٍ، فَلَوْ أَثْمَرَ هَذَا الْفَسِيلُ الَّذِي كَانَ الْعُرْفُ فِي مِثْلِهِ أَنَّهُ لَا يَحْمِلُ لَمْ تَصِحَّ الْمُسَاقَاةُ بَعْدَ انْعِقَادِهَا عَلَى الْفَسَادِ، وَكَانَتِ الثَّمَرَةُ، وَأُجْرَةُ الْعَامِلِ عَلَى ما مضى من الاختلاف.
والحالة الثَّالِثَةُ: أَنْ يَجُوزَ فِي غَالِبِ الْعُرْفِ أَنْ يَحْمِلَ وَيَجُوزَ أَنْ لَا يَحْمِلَ وَالْأَمْرَانِ عَلَى سَوَاءٍ فَفِي الْمُسَاقَاةِ وَجْهَانِ:

أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: إِنَّهَا باطلة لترددها بين جائز وغير جائر.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ الْمُسَاقَاةَ جَائِزَةٌ، كَمَا أَنَّ رِبْحَ الْمُضَارَبَةِ مَجُوزٌ، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ صِحَّةِ الْعَقْدِ، وَكَمَا لَوْ أُذِنَ لَهُ بِالْمَضَارَبَةِ فِي سَفَرٍ مَخُوفٍ صَحَّ الْعَقْدُ، وَإِنْ جَازَ تَلَفُ الْمَالِ كَجَوَازِ سَلَامَتِهِ.
فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: لَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ إِنْ عَمِلَ أَثْمَرَتِ النَّخْلُ أَوْ لَمْ تُثْمِرْ؛ لِأَنَّ حُدُوثَ الثَّمَرَةِ مَجُوزٌ، فَلَمْ يُفَوِّتْ عَمَلَهُ بِغَيْرِ بَدَلٍ.
وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي: إِنْ أَثْمَرَتْ كَانَ لَهُ حَقُّهُ مِنَ الثَّمَرَةِ، وَإِنْ لَمْ تُثْمِرْ فَلَا شَيْءَ لَهُ.

فَصْلٌ

: فَلَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ أَرْضًا وَسَقَاهُ عَلَى أَنْ يَغْرِسَ فِيهَا فَسَيْلًا لِيَكُونَ ثَمَرُ الْفَسِيلِ إِذَا أَثْمَرَ بَيْنَهُمَا لَمْ يَجُزْ، وَكَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا، لِأَنَّ عَقْدَ الْمُسَاقَاةِ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ عَلَى عَيْنٍ قَائِمَةٍ.

مَسْأَلَةٌ

قَالَ المزني رحمه الله تعالى: " لَوِ اخْتَلَفَا بَعْدَ أَنْ أَثْمَرَتِ النَّخْلُ عَلَى مساقاةٍ صحيحةٍ فَقَالَ رَبُّ النَّخْلِ عَلَيَّ الثُّلُثِ وَقَالَ الْعَامِلُ بَلْ عَلَيَّ النِّصْفِ تَحَالَفَا وَكَانَ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ كَانَ أَكْثَرَ مِمَّا أَقَرَّ لَهُ بِهِ رَبُّ النَّخْلِ أَوْ أَقَلَّ وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ واحدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا ادَّعَى سَقَطَتَا وَتَحَالَفَا كَذَلِكَ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، إِذَا اخْتَلَفَ رَبُّ النَّخْلِ وَالْعَامِلُ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى أَصْلِ الْعَقْدِ فِي صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ، كَالْعَرْضِ، فَيَقُولُ رَبُّ النَّخْلِ سَاقَيْتُكَ عَلَى الثُّلُثِ وَيَقُولُ الْعَامِلُ عَلَى النِّصْفِ وَاخْتَلَفَا فِي الْمُدَّةِ أَوْ فِي النَّخْلِ، فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ كَمَا يَتَحَالَفُ الْمُتَبَايِعَانِ بِكَوْنِهِمَا مُخْتَلِفَيْنِ فِي عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي صِفَتِهِ، مَا لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ بِمَا اخْتَلَفَا فِيهِ، فَإِذَا تَحَالَفَا عَلَى مَا مَضَى فِي الْبُيُوعِ فُسِخَتِ الْمُسَاقَاةُ بَيْنَهُمَا.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْعَامِلِ عَمَلٌ فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ له عمل، فله أجره مثله سواه كَانَ أَقَلَّ مِمَّا ادَّعَى أَوْ أَكْثَرَ، سَوَاءٌ أَثْمَرَتِ النَّخْلُ أَوْ لَمْ تُثْمِرْ، لِأَنَّ الْعَقْدَ إِذَا ارْتَفَعَ بِالتَّحَالُفِ بَطَلَ الْمُسَمَّى، وَاسْتُحِقَّ قِيمَةَ الْمُتْلَفِ.
فَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ قُضِيَ لِلْحَالِفِ مِنْهُمَا دُونَ النَّاكِلِ، وَإِنْ كَانَتْ بَيِّنَةٌ عُمِلَ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ تَحَالُفٍ، وَالْبَيِّنَةُ شَاهِدَانِ أَوْ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ، أَوْ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ.
فَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً فَقَدْ تَعَارَضَتَا، وفيهما قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: تَسْقُطُ الْبَيِّنَتَانِ، وَيَرْجِعَانِ إِلَى التَّحَالُفِ.
وَالثَّانِي: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فَأَيُّهُمَا قُرِعَتْ قُرْعَتُهُ حُكِمَ بِهَا، وَهَلْ يَحْلِفُ صَاحِبُهَا مَعَهَا، أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، فَأَمَّا اسْتِعْمَالُ الْبَيِّنَتَيْنِ أَوْ وُقُوفُهُمَا فَلَا يَجِيءُ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ، أَمَّا اسْتِعْمَالُهَا فَلِأَنَّ قِسْمَةَ الْعَقْدِ لَا تَصِحُّ وَأَمَّا وُقُوفُهُمَا فلأن وُقُوفَ الْعُقَدِ لَا يَجُوزُ.

مَسْأَلَةٌ

قَالَ الْمُزَنِيُّ رحمه الله تعالى: " وَلَوْ دَفَعَا نَخْلًا إِلَى رجلٍ مُسَاقَاةً فَلَمَّا أثمرت

اخْتَلَفُوا فَقَالَ الْعَامِلُ شَرَطْتُمَا لِيَ النِّصْفَ وَلَكُمَا النَّصْفُ فَصَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا وَأَنْكَرَ الْآخَرُ كَانَ لَهُ مُقَاسَمَةُ الْمُقِرِّ فِي نِصْفِهِ عَلَى مَا أَقَرَّ بِهِ وَتَحَالَفَ هُوَ وَالْمُنْكِرُ وَلِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِهِ في نصفه ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي نَخْلٍ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ سَاقَيَا عَلَيْهَا رَجُلًا وَاحِدًا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ أَثْمَرَتِ النَّخْلُ، فَادَّعَى الْعَامِلُ أَنَّهُمَا سَاقَيَاهُ عَلَى النِّصْفِ مِنْ جَمِيعِ الثَّمَرَةِ، فَإِنْ صَدَّقَاهُ سَلِمَ إِلَيْهِ النِّصْفُ، وَإِنْ كَذَّبَاهُ، وَقَالَا بَلْ سَاقَيْنَاكَ عَلَى الثُّلُثِ تَحَالَفَ الْعَامِلُ وَالشَّرِيكَانِ عَلَى مَا مَضَى ثُمَّ لَهُ عَلَيْهِمَا أُجْرَةُ مِثْلِهِ.
وَلَوْ صَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا وَكَذَّبَهُ الْآخَرُ كَانَ عَقْدُهُ مَعَ الْمُصَدِّقِ سَلِيمًا وَأَخَذَ النِّصْفَ مِنْ حِصَّتِهِ، وَكَانَ عَقْدُهُ مَعَ الْآخَرِ مُخْتَلِفًا فِيهِ، لِأَنَّهُمَا عَقْدَانِ يَتَمَيَّزُ حُكْمُهُمَا لِتَمَيُّزِ أَحْوَالِهِمَا، فَإِنْ كَانَ الشَّرِيكُ الْمُصَدِّقُ عَدْلًا جَازَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَرِيكِهِ مَعَ شَاهِدٍ آخَرَ، لِأَنَّ شَهَادَةَ الشَّرِيكِ على شريكه مَقْبُولَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ مَعَهُ غَيْرُهُ جَازَ أَنْ يَحْلِفَ مَعَهُ الْعَامِلُ، فَيُحْكَمَ لَهُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ لِأَنَّهُ مَالٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الشَّرِيكُ عَدْلًا تُحَالَفَ الْعَامِلُ وَالشَّرِيكُ الْمُكَذِّبُ، فَإِذَا حَلَفَا فُسِخَ الْعَقْدُ فِي حِصَّتِهِ، وَحُكِمَ لَهُ بِالنِّصْفِ من أجرة مثله.

مسألة

قال المزني رحمه الله تعالى: " وَلَوْ شَرَطَ مِنْ نَصِيبِ أَحَدَهِمَا بِعَيْنِهِ النَّصْفَ وَمِنْ نَصِيبِ الْآخَرِ بِعَيْنِهِ الثُّلُثَ جَازَ وَإِنْ جَهِلَا ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ وَفُسِخَ فَإِنْ عَمِلَ عَلَى ذَلِكَ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ وَالثَّمَرُ لِرَبِّهِ فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ، وَذَكَرْنَا أَنَّهُ يَجُوزُ لِلشَّرِيكَيْنِ أَنْ يُسَاقِيَا رَجُلًا عَلَى عِوَضٍ مُتَسَاوٍ وَمُتَفَاضِلٍ، غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا تَفَاضَلَ الْعِوَضَانِ فَلَا بُدَّ أَنْ يُعَيِّنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيمَا عَوَّضَ عَلَيْهِ مِنْ قَدْرٍ، فَإِنْ جُهِلَ بَطَلَ لِلْجَهَالَةِ بِمَا يَسْتَحِقُّ مِنْ حِصَّتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

مختصر من الجامع في الإجارة من ثلاثة كتبٍ في الإجارة وما دخل فيه سوى ذلك

مسألة

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ وَقَدْ يَخْتَلِفُ الرَّضَاعُ فَلَمَّا لَمْ يُوجَدْ فِيهِ إلا هذا جازت فيه الإجازة وَذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ وَعَمِلَ بِهَا بَعْضُ أَنْبِيَائِهِ فَذَكَرَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَإِجَارَتَهُ نَفْسَهُ ثَمَانِيَ حججٍ مَلَكَ بِهَا بُضْعَ امْرَأَتِهِ وَقِيلَ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى أَنْ يَرْعَى لَهُ غَنَمًا فَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى تَجْوِيزِ الْإِجَارَةِ وَمَضَتْ بِهَا السُّنَّةُ وَعَمِلَ بِهَا بَعْضُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَلَا اخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا وعوام أهل الأمصار " (قال الشافعي) رحمه الله تعالى: " فالإجارات صنفٌ من البيوع لأنها تمليك لكل واحدٍ منهما من صاحبه ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: عَقْدُ الْإِجَارَةِ عَلَى مَنَافِعِ الْأَعْيَانِ جَائِزٌ وَهُوَ قَوْلُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَحَكَى الشَّافِعِيُّ خِلَافَ بَعْضِ أَهْلِ الْكَلَامِ فِيهَا وَهُوَ مَا حُكِيَ عَنِ الْأَصَمِّ وَابْنِ عُلَيَّةَ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ.
اسْتِدْلَالًا بِنَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنِ الْغَرَرِ وَالْغَرَرُ يَدْخُلُ عَقْدَ الْإِجَارَةِ مِنْ وُجُوهٍ شَتَّى مِنْهَا أَنَّ الْمَنَافِعَ الْمُسْتَقْبَلَةَ غَيْرُ مخلوقة والعقد على ما لم يخلق الباطل.
وَمِنْهَا أَنَّ الْعَقْدَ يَتَوَجَّهُ إِلَى عَيْنٍ حَاضِرَةٍ ترى أن غَائِبَةٍ تُوصَفُ وَلَيْسَتِ الْمَنَافِعُ أَعْيَانًا حَاضِرَةً وَلَا غَائِبَةً فَلَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ عَلَيْهَا وَمِنْهَا أَنَّ مَنَافِعَ الْعَبْدِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ قَدْ تَخْتَلِفُ بِحَسْبِ اخْتِلَافِ قُوَّتِهِ وَضَعْفِهِ وَنَشَاطِهِ وَكَسَلِهِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ وهذا قول جهل من قَالَهُ وَالْإِجَارَاتُ أَصُولٌ فِي أَنْفُسِهَا بُيُوعٌ عَلَى وَجْهِهَا وَالدَّلَالَةُ عَلَى جَوَازِهَا قَوْله تَعَالَى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) {الطلاق: 6) . قَالَ الشَّافِعِيُّ (فَأَجَازَ الْإِجَارَةَ عَلَى الرِّضَاعِ) وَالرِّضَاعُ يَخْتَلِفُ بِكَثْرَةِ رِضَاعِ الْمَوْلُودِ وَقِلَّتِهِ وَكَثْرَةِ اللَّبَنِ وَقِلَّتِهِ وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ يُوجَدْ فِيهِ إِلَّا هَذَا جَازَتِ الْإِجَارَةُ عَلَيْهِ وَإِذَا جَازَتْ عَلَيْهِ جَازَتْ عَلَى مِثْلِهِ وَمَا هُوَ فِي مِثْلِهِ مَعْنَاهُ وَهَذَا اسْتِدْلَالٌ صَحِيحٌ لِأَنَّ جَهَالَةَ الرِّضَاعِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: قِلَّةُ اللَّبَنِ وَكَثْرَتُهُ.
وَالثَّانِي: قِلَّةُ شُرْبِ الصَّبِيِّ وَكَثْرَتُهُ ثُمَّ صَحَّتِ الْإِجَارَةُ فِيهِ فَكَانَتْ صِحَّتُهَا فِي غَيْرِهِ أَوْلَى وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى ذَلِكَ (بِقَوْلِهِ تَعَالَى) {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ

اسْتَأْجَرْتَ القَوِيَّ الأَمِينَ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِي حِجَجٍ) {القصص: 26 - 27) فَذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ نَبِيًّا مِنْ أَنْبِيَائِهِ آجر نفسه حججاً مسماة ملك بها بعض امْرَأَةٍ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ الْإِجَارَةِ.
وَاخْتَلَفُوا هَلْ كَانَ اسْتِئْجَارُ مُوسَى لِحِجَجٍ تُؤَدَّى أَوْ لِعَمَلٍ يُسْتَوْفَى فَقَالَ قَوْمٌ بَلْ كَانَ عَلَى حِجَجٍ اسْتِدْلَالًا بِظَاهِرِ اللَّفْظِ وَجَعَلُوا ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى جَوَازِ الْإِجَارَةِ عَلَى الْحَجِّ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانَ عَلَى عَمَلٍ وَهُوَ رَعْيُ غَنَمٍ ثَمَانِي سِنِينَ.
وَالْعَرَبُ تُسَمِّي السَّنَةَ حِجَّةً لِأَنَّهُ لَا يقع في السنة الواحدة إلى حِجَّةٌ وَاحِدَةٌ.
قَالَ الشَّاعِرُ: (كَأَنِّي وَقَدْ جَاوَزْتُ سَبْعِينَ حِجَّةً ... خَلَفْتُ بِهَا عَنْ مَنْكِبَيَّ دَائِيَا)

وَاسْتَدَلَّ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ عَلَى جَوَازِ الْإِجَارَةِ مِنَ الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي قِصَّةِ مُوسَى وَالْخَضِرِ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ: {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْراً) {الكهف: 77) . فَدَلَّ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَإِمْسَاكِ الْخَضِرِ.
عَلَى جَوَازِ الْإِجَارَةِ وَاسْتِبَاحَةِ الْأُجْرَةِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ السُّنَّةِ رِوَايَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " أَعْطُوا الْأَجِيرَ أُجْرَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ " وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَأَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: لَا يَسْتَامُ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ وَلَا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَتِهِ وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَبِيعُوا بِإِلْقَاءِ الْحَجَرِ وَمَنِ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَلْيُعْلِمْهُ أَجْرَهُ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَنْ كُنْتُ خَصْمَهُ خَصَمْتُهُ رجلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يوفه أجره.
ورجل أعطى بي صفقة يَمِينِهِ ثُمِ غَدَرَ وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ كَصَاحِبِ الْفَرْقِ وَذَكَرَ قِصَةَ ثلاثةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّ أَحَدَهُمُ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا بِفَرْقٍ مِنْ بُرٍّ فَعَمِلَ وَلَمْ يَأْخُذْ أُجْرَتَهُ فَزَرَعَهُ لَهُ حَتَّى نَمَا وَصَارَ قَدْرًا عَظِيمًا ثُمَّ عَادَ الْأَجِيرُ فَدَفَعَ إليه جميعه.

وروي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: مَثَلُكُمْ فِيمَنْ مَضَى كرجلٍ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى زَوَالِهَا بقيراطٍ الْحَدِيثَ وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَمَّا أَرَادَ الْهِجْرَةَ قَالَ: يَا عَلِيُّ أَرْبَدْ لَنَا دَلِيلًا مِنَ الْأَزْدِ فَإِنَّهُمْ أَوْفَى لِلْعَهْدِ فَاسْتَأْجَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُرَيْقِطٍ اللَّيْثِيَّ مِنَ الْأَزْدِ دَلِيلًا إِلَى الْمَدِينَةِ.
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَمَّا وُلِدَ ابْنُهُ إِبْرَاهِيمُ اسْتَأْجَرَ لَهُ ظِئْرًا (يُقَالُ لَهَا) أُمُّ سَيْفٍ امْرَأَةُ قينٍ بِالْمَدِينَةِ يُقَالُ لَهُ أَبُو يُوسُفَ وَرَوَى أَبُو أُمَامَةَ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ بِأَنِّي رجلٌ أُكْرِيَ إِبِلِي أَفَتُجْزِئُ عَنِّي مِنْ حَجَّتِي فَقَالَ: أَلَسْتَ تُلَبِّي وَتَقِفُ وَتَرْمِي قُلْتُ: بَلَى.
قَالَ ابْنُ عُمَرَ: سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - رجلٌ عِمَا سَأَلْتَنِي عَنْهُ فَلَمْ يُجِبْهُ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ) {البقرة: 198) وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَسْقِي الْمَاءَ لامرأةٍ يهوديةٍ كُلَّ دلوٍ بتمرةٍ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: نَشَأْتُ يَتِيمًا وَهَاجَرْتُ مِسْكِينًا وَكُنْتُ أَجِيرًا لِبُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ بِعُقْبَةِ رِجْلِي وَطَعَامِ بَطْنِي فَكُنْتُ أَخْدِمُ إِذَا نَزَلُوا وَأَحْدُوا إِذَا رَكِبُوا فَزَوَّجَنِيهَا اللَّهُ فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الدِّينَ قِوَامًا وَجَعَلَ أَبَا هريرة إماماً وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ إِلَى الْإِجَارَةِ دَاعِيَةٌ وَالضَّرُورَةَ إِلَيْهَا مَاسَّةٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَنْ أَرَادَ عَمَلًا قَدَرَ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ وَلَا إِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ حَسُنَ بِهِ كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَنْ أَرَادَ طَعَامًا لِمَأْكَلِهِ وَثِيَابًا لِمَلْبَسِهِ قَدَرَ عَلَى عَمَلِهِ بِنَفْسِهِ وَعَلَى إِحْدَاثِهِ وَإِنْشَائِهِ فَدَعَتِ الضَّرُورَةُ إِلَى الْإِجَارَةِ عَلَى الْمَنَافِعِ كَمَا دَعَتِ الضَّرُورَةُ إِلَى ابْتِيَاعِ الْأَعْيَانِ ثُمَّ كَانَ الْبَيْعُ جَائِزًا فَكَذَلِكَ الْإِجَارَةُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِنَهْيِهِ عَنِ الْغَرَرِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَيْسَ بِغَرَرٍ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْغَرَرِ مَا تَرَدَّدَ بَيْنَ جَوَازَيْنِ عَلَى سَوَاءٍ وَالْأَغْلَبُ فِي الْإِجَارَةِ حَالُ السَّلَامَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ غَرَرٌ خُصَّ بِالشَّرْعِ لِقِلَّتِهِ وَضَرُورَتِهِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ إِنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَا لَمْ يُخْلَقْ كَالْبَيْعِ فَهُوَ أَنَّ بَيْعَ مَا لَمْ يُخْلَقْ إِنَّمَا بَطَلَ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الْعَقْدُ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ خُلِقَ وَالْمَنَافِعُ لَمَّا لَمْ يُمْكِنِ الْعَقْدُ عَلَيْهَا بَعْدَ أَنْ خُلِقَتْ لِفَوَاتِهَا جَازَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ تُخْلَقَ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ إِنَّهَا لَيْسَتْ أَعْيَانًا حَاضِرَةً وَلَا غَائِبَةً فَهُوَ أَنَّهَا مَنَافِعُ أَعْيَانٍ حَاضِرَةٍ فَأَشْبَهَ النِّكَاحَ.

وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ إِنَّ الْمَنَافِعَ تَخْتَلِفُ مِنَ الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْتُ فَهُوَ أَنَّ الْعَقْدَ إِنْ كَانَ عَلَى مَنَافِعَ مَضْمُونَةٍ فِي الذِّمَّةِ فَهِيَ مَعْلُومَةٌ غَيْرُ مُخْتَلِفَةٍ وَإِنْ كَانَ عَلَى مُدَّةٍ فَإِنَّهُ يُسْتَوْفَى مِنَ الْعَبْدِ عَمَلُ مِثْلِهِ جَبْرًا إِنْ لَمْ يُؤَدِّهِ طَوْعًا حَتَّى تَنْقَضِيَ مدة إجازته.

فَصْلٌ

: فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا مِنْ جَوَازِ الْإِجَارَةِ فَهِيَ كَالْبَيْعِ يُعْتَبَرُ انْعِقَادُهَا بِأَرْبَعَةٍ: بِمُؤَجَّرٍ ومستأجر ومؤاجر وأجرة فأما المؤجر فهو بَاذِلُ الْمَنْفَعَةِ كَالْبَائِعِ وَهُوَ مَنْ صَحَّ بَيْعُهُ صَحَّتْ إِجَارَتُهُ وَمَنْ لَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ مِنْ مُوَلًّى عَلَيْهِ وَغَاصِبٍ لَمْ تَصِحَّ إِجَارَتُهُ وَأَمَّا الْمُسْتَأْجِرُ فَهُوَ طَالِبُ الْمَنْفَعَةِ كَالْمُشْتَرِي وَهُوَ مَنْ صَحَّ شِرَاؤُهُ صَحَّ اسْتِئْجَارُهُ وَمَنْ لَمْ يَصِحَّ شِرَاؤُهُ مِنْ مُوَلًّى عَلَيْهِ لَمْ يَصِحَّ اسْتِئْجَارُهُ وَأَمَّا الْمُؤَاجِرُ فَهُوَ كُلُّ عَيْنٍ صَحَّ الِانْتِفَاعُ بِهَا مَعَ بَقَائِهَا صَحَّتْ إِجَارَتُهَا كَالدُّورِ وَالْعَقَارِ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَقْصُودُ مِنْ مَنَافِعِهَا أَعْيَانًا كَالنَّخْلِ وَالشَّجَرِ وَمَا لَمْ يَصِحَّ الِانْتِفَاعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ لَمْ تَصِحَّ إِجَارَتُهُ كَالدَّرَاهِمِ وَالْمَأْكُولِ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الدَّرَاهِمِ بِإِزَالَتِهَا عَنِ الْمِلْكِ وَمَنْفَعَةَ الْمَأْكُولِ بِالِاسْتِهْلَاكِ.
فَإِنِ اسْتَأْجَرَهُمَا لِمَنْفَعَةٍ تُسْتَوْفَى مَعَ بَقَاءِ أَعْيَانِهِمَا كَاسْتِئْجَارِ الدَّرَاهِمِ لِلْجَمَالِ وَاسْتِئْجَارِ الطعام ليعتبر مكيال فَفِيهِ لِأَصْحَابِنَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ لِوُجُودِ الْمَعْنَى مِنْ حُصُولِ الِانْتِفَاعِ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَصِحُّ لِأَنَّ هَذَا نَادِرٌ مِنْ مَنَافِعِ ذَلِكَ وَالْأَغْلَبُ سِوَاهُ فَصَارَ حُكْمُ الْأَغْلَبِ هُوَ الْمُغَلَّبَ.
وَلِأَنَّ الْمَنَافِعَ الْمَضْمُونَةَ بِالْإِجَارَةِ هِيَ الْمَضْمُونَةُ بِالْغَصْبِ وَمَنَافِعُ الدَّرَاهِمِ وَالطَّعَامِ لَا تُضْمَنُ بِالْغَصْبِ فَلَمْ يَصِحَّ أَنْ تُضْمَنَ بِالْإِجَارَةِ وَهَكَذَا مَا كَانَتْ مَنَافِعُهُ أَعْيَانًا مِنَ النَّخْلِ وَالشَّجَرِ لِأَنَّ مَنَافِعَهُمَا ثِمَارٌ هِيَ أَعْيَانٌ يُمْكِنُ الْعَقْدُ عَلَيْهَا بَعْدَ حُدُوثِهَا فَلَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ عَلَيْهَا قَبْلَهُ وَهَكَذَا الْغَنَمُ فَإِنِ اسْتَأْجَرَ ذَلِكَ لِمَنْفَعَةٍ تُسْتَوْفَى مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ كَالِاسْتِظْلَالِ بِالشَّجَرِ أَوْ رَبْطِ مَوَاشٍ إِلَيْهَا أَوْ سُفُنٍ فَذَلِكَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ هَذَا غَالِبًا فِيهَا وَمَقْصُودًا مِنْ مَنَافِعِهَا فَتَصِحَّ الْإِجَارَةُ عَلَيْهَا.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ نَادِرًا غَيْرَ مَقْصُودٍ فِي الْعُرْفِ فَيَكُونُ عَلَى مَا مَضَى مِنَ الْوَجْهَيْنِ.
ثُمَّ الْعَقْدُ وَإِنْ تَوَجَّهَ إِلَى الْعَيْنِ فَهُوَ إِنَّمَا تَنَاوَلَ الْمَنْفَعَةَ لِأَنَّ الْأُجْرَةَ فِي مُقَابَلَتِهَا وَإِنَّمَا تَوَجَّهَ إِلَى الْعَيْنِ لِتَعْيِينِ الْمَنْفَعَةِ بِهَا وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ: الْعَقْدُ إِنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْعَيْنَ دُونَ الْمَنْفَعَةِ لِيَسْتَوْفِيَ مِنَ الْعَيْنِ مَقْصُودَهُ مِنَ الْمَنْفَعَةِ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ حِينَ الْعَقْدِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَوَجَّهَ الْعَقْدُ إِلَيْهَا وَهَذَا خَطَأٌ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ يَصِحُّ الْعَقْدُ عَلَى مَنْفَعَةٍ مَضْمُونَةٍ فِي الذِّمَّةِ غَيْرِ مُضَافَةٍ إِلَى عين كرجل استأجر من رجل عملاً مَضْمُونًا فِي ذِمَّتِهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْمَنْفَعَةُ مَعْلُومَةً كَمَا لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مَعْلُومًا فَإِنْ كَانَتْ مَجْهُولَةً لَمْ تَصِحَّ الْإِجَارَةُ كَمَا لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ مَجْهُولًا وَالْعِلْمُ بِهَا قَدْ يَكُونُ مِنْ وجهين:

أَحَدُهُمَا: تَقْدِيرُ الْعَمَلِ مَعَ الْجَهْلِ بِالْمُدَّةِ.
وَالثَّانِي: تَقْدِيرُ الْمُدَّةِ مَعَ الْجَهْلِ بِقَدْرِ الْعَمَلِ فَأَمَّا مَا يَتَقَدَّرُ فِيهِ بِالْعَمَلِ دُونَ الْمُدَّةِ فَمِثَالُهُ أن يقول قد استأجرت عَلَى أَنْ تَخِيطَ لِي هَذَا الثَّوْبَ أَوْ تَنْسِجَ لِي هَذَا الْغَزْلَ أَوْ تَصُوغَ لِي هذا الخلخال فتصير الإجازة مُقَدَّرَةً بِالْعَمَلِ فَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ الْمُدَّةِ فِيهَا فَإِنْ شَرَطَ فِيهَا الْمُدَّةَ بَطَلَتْ.
لِأَنَّهُ إِذَا قَالَ قَدِ اسْتَأْجَرَتُكَ لِتَخِيطَ لِي هَذَا الثَّوْبَ فِي يَوْمٍ فَقَدْ يَفْرَغُ مِنْهُ فِي بَعْضِهِ فَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ فِي بَاقِيهِ فَقَدْ أَخَلَّ بِمُقْتَضَى شَرْطِهِ وَإِنْ عَمِلَ فَقَدْ زَادَ عَلَى عَقْدِهِ.
وَأَمَّا مَا يُتَقَدَّرُ فِيهِ بِالْمُدَّةِ دُونَ الْعَمَلِ فَمِثَالُهُ أَنْ يَقُولَ قَدِ اسْتَأْجَرْتُكَ عَلَى أَنْ تَبْنِيَ لِي شَهْرًا فَتَصِيرَ الْإِجَارَةُ مُقَدَّرَةً بِالْمُدَّةِ فَتَصِحَّ وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيرُ الْعَمَلِ فِيهَا إِذَا كَانَ جِنْسُهُ مَعْلُومًا فَإِنْ شَرَطَ فِيهَا قَدْرَ الْعَمَلِ بَطَلَتْ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَسْتَكْمِلُ ذَلِكَ الْعَمَلَ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ فَإِنْ تَرَكَ بَاقِيهِ فَقَدْ أَخَلَّ بِمُقْتَضَى شَرْطِهِ وَإِنْ عَمِلَ فَقَدْ زَادَهُ فِي عَقْدِهِ.

فَصْلٌ

: وَأَمَّا الْأُجْرَةُ فَهْوِ الْعِوَضُ الَّذِي فِي مُقَابَلَةِ الْمَنْفَعَةِ كَالثَّمَنِ فِي مُقَابَلَةِ الْمَبِيعِ وَحُكْمُهُ كَحُكْمِهِ فِي جَوَازِهِ مُعَيَّنًا وَفِي الذِّمَّةِ فَإِنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومَ الْجِنْسِ وَالصِّفَةِ وَالْقَدْرِ فَإِنْ جُهِلَتْ بَطَلَتِ الْإِجَارَةُ.
وَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا فَهَلْ يَصِحُّ الْعَقْدُ مَعَ الْجَهَالَةِ بِقَدْرِهِ إِذَا كَانَ مُشَاهَدًا أَمْ لَا؛ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فَكَانَ بَعْضُهُمْ يُخَرِّجُهُ عَلَى قَوْلَيْنِ: كَالسَّلَمِ إِذَا كَانَ الثَّمَنُ الْمُشَاهَدُ فِيهِ جزَافًا قَدْ جُهِلَ قَدْرُهُ وَقَالَ آخَرُونَ بَلْ يَصِحُّ قَوْلًا وَاحِدًا كَالْبَيْعِ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ فِي حُكْمِ الْأَعْيَانِ الْمَقْبُوضَةِ بِخِلَافِ السَّلَمِ فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَكُلُّ مَا جَازَ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا أَوْ مُعَوَّضًا جَازَ أَنْ يَكُونَ أُجْرَةً.
فَلَوِ اسْتَأْجَرَ دَارًا بِمَنَافِعِ دَارٍ أُخْرَى أَوْ بِرَقَبَةِ دَارٍ أُخْرَى جَازَ وَقَالَ أبو حنيفة لَا يَجُوزُ وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ قَدْ أُقِيمَتْ فِي الشَّرْعِ مَقَامَ الْأَعْيَانِ.
فِي جَوَازِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا وَأَخْذِ الْعِوَضِ مِنْهَا وَوُجُوبِ بَدَلِهَا عَلَى مُتْلِفِهَا فَجَازَ أَنْ تَكُونَ ثَمَنًا وَأُجْرَةً كَمَا جَازَ أَنْ تَكُونَ مُسْتَأْجِرَةً.
فَأَمَّا إِذَا اسْتَأْجَرَ عَبْدًا بِنَفَقَتِهِ أَوْ بعيراً بعلوفته فلم يَجُزْ لِجَهَالَتِهِ وَأَجَازَهُ مَالِكٌ تَعَلُّقًا بِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَجَّرَ نَفْسَهُ بِطَعَامِ بَطْنِهِ وَعُقْبَةِ رِجْلِهِ.
وَهَذَا مُحْتَمِلٌ أَنْ يَكُونَ أَجْرُهَا بِمَا يَكْفِيهِ لِطَعَامِ بَطْنِهِ وَعُقْبَةِ رِجْلِهِ أَوْ يَكُونَ شَرَطَ ذلك مقدراً.

مسألة

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " فَالْإِجَارَاتُ صِنْفٌ مِنَ الْبُيُوعِ لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ وَهَذَا كَمَا قَالَ عَقْدُ الْإِجَارَةِ مِنَ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ لَا يَجُوزُ فسخه إلا بعيب كالمبيع.

فَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ مَوْجُودًا فِي الشَّيْءِ الْمُؤَاجِرِ كَالدَّارِ إِذَا خَرِبَتْ وَالدَّابَّةِ إِذَا مَرِضَتْ فَلِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَفْسَخَ دُونَ الْمُؤَجِّرِ كَمَا لَوْ وُجِدَ بِالْمَبِيعِ عَيْبٌ كَانَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَفْسَخَ دُونَ الْبَائِعِ.
وَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ مَوْجُودًا فِي الْأُجْرَةِ فَإِنْ كَانَتْ فِي الذِّمَّةِ أُبْدِلَ الْمَعِيبُ بِغَيْرِهِ وَلَا خِيَارَ وَإِنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً فَلِلْمُؤَجِّرِ أَنْ يَفْسَخَ دُونَ الْمُسْتَأْجِرِ كَمَا يَفْسَخُ الْبَائِعُ بِوُجُودِ الْعَيْبِ فِي الثَّمَنِ الْمُعَيَّنِ دُونَ الْمُشْتَرِي وَلَا يَجُوزُ فَسْخُ الْإِجَارَةِ بِعُذْرٍ يَطْرَأُ إِذَا لَمْ يَظْهَرْ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ عَيْبٌ.
وَقَالَ أبو حنيفة يَجُوزُ لِلْمُسْتَأْجِرِ فَسْخُ الْإِجَارَةِ بِالْأَعْذَارِ الظَّاهِرَةِ مَعَ السَّلَامَةِ مِنَ الْعُيُوبِ وَلَا يَجُوزُ لِلْمُؤَجِّرِ أَنْ يَفْسَخَ بِالْأَعْذَارِ مِثْلَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ جَمَلًا لِحَجٍّ ثُمَّ يَبْدُوَ لَهُ الْعُدُولُ مِنَ الْحَجِّ إِمَّا لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِ عُذْرٍ فَيَصِيرَ ذَلِكَ عُذْرًا فِي فَسْخِ الْإِجَارَةِ.
أَوْ يَسْتَأْجِرَ دَارًا لِيَسْكُنَهَا ثُمَّ يُرِيدُ النُّقْلَةَ عَنِ الْبَلَدِ أَوْ يَسْتَأْجِرَ حِرْزًا لِمَتَاعِهِ ثُمَّ يُرِيدُ بَيْعَهُ أَوْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَطْحَنُ لَهُ بُرًّا ثُمَّ يُرِيدَ بَذْرَهُ إِلَى مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْذَارِ فَيُجْعَلَ لَهُ بِهَا فَسْخُ الْإِجَارَةِ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ عُقُودَ الْمَنَافِعِ لَا تَلْزَمُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ كَالْوَكَالَةِ وَلِأَنَّ لِلْأَعْذَارِ مَدْخَلًا فِي فَسْخِ الْإِجَارَةِ.
أَلَا ترى أن من استؤجر لقلع ضرب فبرأ جَازَ لِلْمُسْتَأْجِرِ فَسْخُ الْإِجَارَةِ لِلْعُذْرِ الطَّارِئِ وَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَلْعِ ضِرْسِهِ وَكَذَا كُلُّ عُذْرٍ وَدَلِيلُنَا قَوْله تَعَالَى: {يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالعُقُودِ) {المائدة: 1) فَكَانَ عُمُومُ هَذَا الْأَمْرِ يُوجِبُ الْوَفَاءَ بِكُلِّ عَقْدٍ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ يُخَصِّصُهُ.
وَلِأَنَّ كُلَّ عِقْدٍ لَزِمَ الْعَاقِدَيْنِ مَعَ سَلَامَةِ الْأَحْوَالِ لَزِمَهُمَا مَا لَمْ يَحْدُثْ بِالْعِوَضَيْنِ نَقْصٌ كَالْبَيْعِ.
وَلِأَنَّ كُلَّ عَقْدٍ لَزِمَ الْعَاقِدَ عِنْدَ ارْتِفَاعِ الْعُذْرِ لَمْ يَحْدُثْ لَهُ خِيَارٌ بِحُدُوثِ عُذْرٍ كَالزَّوْجِ وَلِأَنَّ كُلَّ سَبَبٍ لَا يَمْلِكُ بِهِ الْمُؤَجِّرُ الْفَسْخَ لَمْ يَمْلِكْ بِهِ الْمُسْتَأْجِرُ الْفَسْخَ كَالْأُجْرَةِ لَا يَكُونُ حُدُوثُ الزِّيَادَةِ فِيهَا مُوجِبًا لِفَسْخِ الْمُؤَجِّرِ كَمَا لَمْ يَكُنْ حُدُوثُ النُّقْصَانِ فِيهَا مُوجِبًا لِفَسْخِ الْمُسْتَأْجِرِ لِأَنَّ نُقْصَانَهَا فِي حَقِّ الْمُسْتَأْجِرِ كَزِيَادَتِهَا فِي حَقِّ الْمُؤَجِّرِ وَلِأَنَّهُ عَقْدُ إِجَارَةٍ فَلَمْ يَجُزْ فَسْخُهُ بِعُذْرٍ كَالْمُؤَجِّرِ.
وَلِأَنَّ الْعُقُودَ نَوْعَانِ: لَازِمَةٌ فَلَا يَجُوزُ فَسْخُهَا لِعُذْرٍ كَالْبَيْعِ وَغَيْرُ لَازِمَةٍ فَيَجُوزُ فَسْخُهَا لِغَيْرِ عُذْرٍ كَالْقِرَاضِ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ عَقْدُ الْإِجَارَةِ مُلْحَقًا بِغَيْرِ اللَّازِمِ فِي جَوَازِ فَسْخِهِ بِغَيْرِ عُذْرٍ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُلْحَقًا بِاللَّازِمِ فِي إِبْطَالِ فَسْخِهِ بِعُذْرٍ.

فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِ عَلَى الْوَكَالَةِ فَهُوَ أَنَّ الْوِكَالَةَ غَيْرُ لَازِمَةٍ يَجُوزُ فَسْخُهَا بِعُذْرٍ وَغَيْرِ عُذْرٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْإِجَارَةُ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِأَنَّ لِلْأَعْذَارِ تَأْثِيرًا فِي عُقُودِ الْإِجَارَاتِ كَالضِّرْسِ المستأجر على قلعه إذا برأ فَالْجَوَابُ عَنْهُ هُوَ أَنَّ مَنْ مَلَكَ مَنْفَعَةً بِعَقْدِ إِجَارَةٍ فَقَدِ اسْتَحَقَّهَا وَلَيْسَ يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِيفَاؤُهَا، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنِ اسْتَأْجَرَ سُكْنَى دَارٍ فَلَهُ أَنْ يَسْكُنَهَا وَلَا يُجْبَرَ عَلَى سُكْنَاهَا فَإِنْ مُكِّنَ مَنْ سُكْنَاهَا فَلَمْ يَسْكُنْ فَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ هَذَا أَصْلٌ مُقَرَّرٌ فِي الْإِجَارَةِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَإِنْ كَانَ الضِّرْسُ عَلَى حَالِ مَرَضِهِ وَأَلَمِهِ فَقَلْعُهُ مُبَاحٌ وَلِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَأْخُذَ الْأَجِيرَ بِقَلْعِهِ إِنْ شَاءَ.
فَإِنْ أَبَى الْمُسْتَأْجِرُ أَنْ يَقْلَعَهُ مَعَ أَلَمِهِ لَمْ يُجْبِرْ عَلَيْهِ وَقِيلَ لَهُ قَدْ بَذَلَ لَكَ الْأَجِيرُ الْقَلْعَ وَأَنْتَ مُمْتَنِعٌ فَإِذَا مَضَتْ مُدَّةً يُمْكِنُ فِيهَا قَلْعُهُ فَقَدِ اسْتَحَقَّ أُجْرَتَهُ كَمَا لَوْ مضت مدة السكنى وإن برأ الضِّرْسُ فِي الْحَالِ قَبْلَ إِمْكَانِ الْقَلْعِ بَطَلَتِ الْإِجَارَةُ لِأَنَّ قَلْعَهُ قَدْ حَرُمَ وَعَقْدُ الْإِجَارَةُ إِنَّمَا يَتَنَاوَلُ مُبَاحًا لَا مَحْظُورًا فَصَارَ مَحَلَّ الْعَمَلِ مَعْدُومًا فَلِذَلِكَ بَطَلَتِ الْإِجَارَةُ كَمَا لَوِ اسْتَأْجَرَهُ لِخِيَاطَةِ ثَوْبٍ فَتَلِفَ إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ تَعَذُّرِ الْعَمَلِ بِالتَّلَفِ وَبَيْنَ تَعَذُّرِهِ بِالْحَظَرِ.

فَصْلٌ

: فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ عَقْدَ الْإِجَارَةِ مِنَ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ وَأَنَّ فَسْخَهُ بِالْعُذْرِ غَيْرُ جَائِزٍ فَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ الْمُثُلَاتِ فِيهِ.
وَقَالَ أبو حنيفة يَجُوزُ اشْتِرَاطُ الْخِيَارِ فِيهِ كَمَا يَجُوزُ في البيع لأنهما معاً من عقود المفاوضات.
وَدَلِيلُنَا هُوَ أَنَّ مَا لَزِمَ مِنْ عُقُودِ الْمَنَافِعِ لَمْ يَصِحَّ اشْتِرَاطُ الْخِيَارِ فِيهِ كَالنِّكَاحِ ولأن اشتراط الثلاثة يَتَضَمَّنُ إِتْلَافَ بَعْضِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فِيمَا لَيْسَ بِتَابِعٍ لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ مَعَ بَقَاءِ الْعَقْدِ فِي جَمِيعِهِ فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ شَرَطَ فِي ابْتِيَاعِ الْعَبْدَيْنِ أَنَّهُ إِنْ تَلِفَ أَحَدُهُمَا فِي يَدِ الْبَائِعِ لَمْ يَبْطُلِ الْبَيْعُ وَلِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَبْقَ جَمِيعُهُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لَمْ يَصِحَّ اشْتِرَاطُ الْخِيَارِ قِيَاسًا عَلَى بَيْعِ الطَّعَامِ الرَّطْبِ.
فَصْلٌ : فَإِذَا صَحَّ أَنَّ خِيَارَ الشَّرْطِ لَا يَدْخُلُهُ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَدْخُلُهُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ أَمْ لَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَدْخُلُهُ كَالْبَيْعِ لِكَوْنِهِمَا عَقْدَيْ مُعَاوَضَةٍ فَعَلَى هَذَا إِنْ أَجَّرَهَا الْمُؤَجِّرُ مِنْ غَيْرِ الْمُسْتَأْجِرِ فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ صَحَّتِ الْإِجَارَةُ الثَّانِيَةُ وَكَانَ ذَلِكَ فَسْخًا لِلْإِجَارَةِ الْأُولَى.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ الْأُولَى وَلَا تَصِحُّ الْإِجَارَةُ الثَّانِيَةُ حَتَّى يَتَقَدَّمَهَا الْفَسْخُ لِئَلَّا يَصِيرَ الْفِعْلُ الْوَاحِدُ فَسْخًا وَعَقْدًا لِتَنَافِيهِمَا.
وَلِهَذَا الْقَوْلِ وَجْهٌ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ هُوَ الْأَوَّلُ وَتَوْجِيهُ الْمَذْهَبِ هُوَ أَنَّ اسْتِقْرَارَ الْعَقْدِ الثَّانِي يُوجِبُ فَسْخَ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ بِالتَّأَهُّبِ لِلثَّانِي وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَوْ أَجَّرَهُ الْمُسْتَأْجِرُ كَانَتْ إِجَارَتُهُ بَاطِلَةً سَوَاءٌ قَبَضَهُ أَوْ لَمْ يَقْبِضْهُ لِأَنَّ خِيَارَ الْمُؤَجِّرِ يَمْنَعُ مِنْ إِمْضَاءِ الْمُسْتَأْجِرِ وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَوْ

افْتَرَقَا عَنْ تَرَاضٍ لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يُؤَجِّرَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ كَمَا لَيْسَ لِلْمُشْتَرِي بَيْعُ مَا لَمْ يَقْبِضْهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ خِيَارَ الْمَجْلِسِ لَا يَدْخُلُهُ وَيَصِيرُ الْعَقْدُ بِالْبَذْلِ وَالْقَبُولِ لَازِمًا لِأَنَّ خِيَارَ الْمَجْلِسِ يُفَوِّتُ بَعْضَ الْمُدَّةِ فَأَشْبَهَ خِيَارَ الشَّرْطِ فَعَلَى هَذَا لَوْ أَجَّرَهُ الْمُؤَجِّرُ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ أَوْ بَعْدَهُ لَمْ يَجُزْ وَلَوْ أَجَّرَهُ الْمُسْتَأْجِرُ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْقَبْضِ جَازَ وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ فَعَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ لِمُفَارَقَتِهِ الْبَيْعَ فِي الْخِيَارِ فَفَارَقَهُ فِي الْقَبْضِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ لِكَوْنِ الْمَنْفَعَةِ مَضْمُونَةً عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَأَشْبَهَ ضَمَانَ الْمَبِيعِ عَلَى الْبَائِعِ وَإِنْ فَارَقَ الْبَيْعَ فِي حُكْمِ الْخِيَارِ وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ فِي إِجَارَةِ مَا لَمْ يَقْتَصِرْ مِنْهُ عَلَى اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا فِي عَقْدِ الْإِجَارَةِ مِثْلَ تَنَاوُلِ الدَّارِ الْمُؤَجَّرَةِ لِاسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ مِنْهَا أَوْ تَنَاوُلِ الْمَنْفَعَةِ فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ: عَقْدُ الْإِجَارَةِ إِنَّمَا تَنَاوَلَ الدَّارَ الْمُؤَجَّرَةَ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ فَعَلَى هَذَا يَمْنَعُ مِنْ إِجَارَتِهَا قَبْلَ الْقَبْضِ كَمَا يَمْنَعُ مِنَ الْبَيْعِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ مِنْ أَصْحَابِنَا إِنَّ الْعَقْدَ إِنَّمَا تَنَاوَلَ الْمَنْفَعَةَ دُونَ الرَّقَبَةِ لِأَنَّ الْعِوَضَ فِي مُقَابَلَتِهَا وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَتَوَجَّهَ الْعَقْدُ إِلَى مَا لَمْ يُقَابِلْهُ الْعِوَضُ وَتَصِيرَ الْمَنَافِعُ بِتَسْلِيمِ الرَّقَبَةِ مَقْبُوضَةً حُكْمًا وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْقَبْضُ مُسْتَقِرًّا إِلَّا بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ فَعَلَى هَذَا تَجُوزُ إِجَارَتُهَا قَبْلَ قَبْضِهَا وَبِاللَّهِ التوفيق.

مسألة

وَلِذَلِكَ يَمْلِكُ الْمُسْتَأْجِرُ الْمَنْفَعَةَ الَّتِي فِي الْعَبْدِ وَالدَّارِ وَالدَّابَّةِ إِلَى الْمُدَّةِ الَّتِي اشْتَرَطَهَا حَتَى يَكُونَ أَحَقَّ بِهَا مِنْ مَالِكِهَا وَيَمْلِكُ بِهَا صَاحِبُهَا الْعِوَضَ فَهِيَ منفعةٌ معقولةٌ مِنْ عينٍ معلومةٍِ فَهِيَ كَالْعَيْنِ الْمَبِيعَةِ وَلَوْ كَانَ حُكْمُهَا بِخِلَافِ الْعَيْنِ كَانَتْ فِي حُكْمِ الدَّيْنِ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكْتَرِيَ بدينٍ لِأَنَّهُ حينئذٍ يَكُونُ دَيْنًا بدينٍ وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ (قَالَ) وَإِذَا دَفَعَ مَا أَكْرَى وَجَبَ لَهُ جَمِيعُ الْكِرَاءِ كَمَا إِذَا دَفَعَ جَمِيعَ مَا بَاعَ وَجَبَ لَهُ جَمِيعُ الثَّمَنِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ أَجَلًا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَيَمْلِكُ بِهَا صَاحِبُهَا الْعِوَضَ فَهِيَ مَنْفَعَةٌ مَعْقُولَةٌ مِنْ عَيْنٍ مَعْرُوفَةٍ فَهِيَ كَالْعَيْنِ الْمَبِيعَةِ وَلَوْ كَانَ حُكْمُهَا خِلَافَ حُكْمِ الْعَيْنِ لَكَانَتْ فِي حُكْمِ الدَّيْنِ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكْتَرِيَ بِدَيْنٍ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ دَيْنًا بِدَيْنٍ وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، فَإِذَا دَفَعَ مَا أَكْرَى وَجَبَ لَهُ جَمِيعُ الْكِرَاءِ كَمَا إِذَا دَفَعَ مَا بَاعَ وَجَبَ لَهُ جَمِيعُ الثَّمَنِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ أَجَلًا وَهَذَا صَحِيحٌ وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ فِي عَقْدِ الْإِجَارَةِ أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ تَمْلِيكَ مَنَافِعَ فِي مُقَابَلَةِ أُجْرَةٍ، فَأَمَّا الْمَنَافِعُ فَلَا خِلَافَ أَنَّهَا تُمْلَكُ بِالْعَقْدِ وَيَسْتَقِرُّ الْمِلْكُ بِالْقَبْضِ وَأَمَّا الأجرة فلها ثلاثة أحوال: أحدها: أن يشترط حُلُولَهَا فَتَكُونُ حَالَّةً اتِّفَاقًا.
وَالثَّانِي: أَنْ يَشْتَرِطَا تَأْجِيلَهَا أَوْ تَنْجِيمَهَا فَتَكُونُ مُؤَجَّلَةً أَوْ مُنَجِّمَةً إِجْمَاعًا.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُطْلِقَاهَا فَلَا يَشْتَرِطَا فِيهَا حُلُولًا وَلَا تَأْجِيلًا فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءَ فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِيهَا أَنَّ الْأُجْرَةَ تَكُونُ حَالَةَ تَمَلُّكٍ بِالْعَقْدِ وَتُسْتَحَقُّ بِالتَّمْكِينِ.

وَقَالَ أبو حنيفة لَا تُعَجَّلُ الْأُجْرَةُ بَلْ تَكُونُ فِي مُقَابَلَةِ الْمَنْفَعَةِ فَكُلَّمَا مَضَى مِنَ الْمَنْفَعَةِ جُزْءٌ مَلَكَ مَا فِي مُقَابَلَتِهِ مِنَ الْأُجْرَةِ لَكِنَّ لَمَّا شَقَّ أَنْ يَسْتَوْفِيَ ذَلِكَ عَلَى يَسِيرِ الْأَجْزَاءِ اسْتَحَقَّ أُجْرَةَ يَوْمٍ بِيَوْمٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ إِلَّا بِمُضِيِّ جَمِيعِ الْمُدَّةِ.
وَاسْتَدَلَّا عَلَى أَنَّ الْأُجْرَةَ لَا تَتَعَجَّلُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (الطلاق: 6) فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ بِاسْتِكْمَالِ الرِّضَاعِ تَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ.
وَبِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ " فَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ حَثًّا عَلَى تَعْجِيلِهَا فِي أَوَّلِ زَمَانِ اسْتِحْقَاقِهَا وَذَلِكَ بَعْدَ الْعَمَلِ الَّذِي تُعْرَفُ بِهِ.
وَلِأَنَّ أُصُولَ الْعُقُودِ مَوْضُوعَةٌ عَلَى تَسَاوِي الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِيمَا يَمْلِكَانِهِ بِالْعَقْدِ وَيَكُونُ مِلْكُ الْعِوَضِ تَالِيًا لِمِلْكِ الْمُعَوَّضِ كَالْبَيْعِ إِذَا مَلَكَ عَلَى الْبَائِعِ الْمَبِيعَ مَلَكَ بِهِ الثَّمَنَ وإذا سلم المبيع استحق قَبْضِ الثَّمَنِ فَلَمَّا كَانَ قَبْضُ الْمَنَافِعِ مُؤَجَّلًا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَبْضُ الْأُجْرَةِ مُؤَجَّلًا وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا أَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ اسْتِحْقَاقُ الْعِوَضِ بَعْدَ إِقْبَاضِ الْمُعَوَّضِ كَالْبَيْعِ وَلِأَنَّ مَا اسْتُحِقَّ مِنَ الْأَعْوَاضِ عَلَى الْمَنَافِعِ يَلْزَمُ أَدَاؤُهُ بَعْدَ تَسْلِيمِ الْمَنَافِعِ كَالْجَعَالَةِ وَالْقِرَاضِ وَلِأَنَّ مِلْكَ الْمُؤَجِّرِ لِلْأُجْرَةِ يَمْنَعُ مِنَ اسْتِحْقَاقِهَا عَلَيْهِ بِالْعَقْدِ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الدَّارَ الْمُؤَاجَرَةَ لَوِ انْهَدَمَتْ قَبِلَ تَقَضِّي الْمُدَّةِ اسْتَرْجَعَ مِنَ الْمُؤَجِّرِ مَا قَبَضَهُ مِنَ الْأُجْرَةِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا لِلْأُجْرَةِ.
وَدَلِيلُنَا هُوَ أَنَّ مَا لَزِمَ مِنْ عُقُودِ الْمَنَافِعِ اسْتَحَقَّ الْعِوَضَ فِيهِ حَالًّا كَالنِّكَاحِ وَلِأَنَّ كُلَّ عِوَضٍ تُعَجِّلُ بِالشَّرْطِ فَإِطْلَاقُهُ يُوجِبُ حُلُولَهُ كَالثَّمَنِ وَلِأَنَّ الْأُصُولَ مَوْضُوعَةٌ عَلَى أَنَّ تَسْلِيمَ الْمُعَوَّضِ يُوجِبُ تَسْلِيمَ الْعِوَضِ لِيَسْتَوِيَ حُكْمُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِيمَا يَمْلِكَانِهِ مِنْ عِوَضٍ وَمُعَوَّضٍ فَلَا يَكُونُ حَظُّ أَحَدِهِمَا فِيهِ أَقْوَى مِنْ حَظِّ الْآخَرِ كَالْبَيْعِ إِذَا سَلِمَ الْمَبِيعُ فِيهِ وَجَبَ تَسْلِيمُ الثَّمَنِ.
وَكَالنِّكَاحِ إِذَا حَصَلَ التَّمْكِينُ وَجَبَ تَسْلِيمُ الصَّدَاقِ كَذَلِكَ الْإِجَارَةُ إِذَا حَصَلَ تَسْلِيمُ الْمَنْفَعَةِ وَجَبَ تَسْلِيمُ الْأُجْرَةِ والمنافع ههنا بِالتَّمْكِينِ مَقْبُوضَةٌ حُكْمًا وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْقَبْضُ مُسْتَقِرًّا لِأُمُورٍ أَرْبَعَةٍ: أَحَدُهَا: مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مُؤَجَّلَةً وَبِالتَّمْكِينِ غَيْرُ مَقْبُوضَةٍ لَمَا جَازَ تَأْجِيلُ الْأُجْرَةِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ دَيْنًا بِدَيْنٍ وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ وَفِي إِجْمَاعِهِمْ عَلَى جَوَازِ تَأْجِيلِهَا دَلِيلٌ عَلَى حُصُولِ قَبْضِهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ مَقْبُوضَةً لَمَا جَازَ لِمُسْتَأْجِرِ الدَّارِ أَنْ يُؤَجِّرَهَا لِأَنَّ بَيْعَ مَا لَمْ يُقْبَضْ بَاطِلٌ وَفِي إِجْمَاعِهِمْ عَلَى جَوَازِ إِجَارَتِهَا دَلِيلٌ عَلَى حُصُولِ قَبْضِهَا.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ الزَّوْجَةَ لَا يَلْزَمُهَا التَّمْكِينُ مِنْ نَفْسِهَا إِلَّا بَعْدَ قَبْضِ صَدَاقِهَا وَلَوْ كَانَ صَدَاقُهَا سُكْنَى دَارٍ تَسَلَّمَتْهَا لَزِمَهَا تَسْلِيمُ نَفْسِهَا فَلَوْلَا حُصُولُ قَبْضِهَا لِصَدَاقِهَا مَا أُلْزِمَتْ تَسْلِيمَ نَفْسِهَا.
وَالرَّابِعُ: أَنَّ الْأُجْرَةَ لَوْ لَمْ تُمَلَّكْ بِتَسْلِيمِ الدَّارِ وَالتَّمْكِينِ مِنَ السُّكْنَى لَمَا جَازَتِ الْمُضَارَبَةُ عليها وأن يأخذ من الذَّهَبِ وَرِقًا وَعَنِ الْوَرِقِ ذَهَبًا كَمَا لَا يَجُوزُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الدُّيُونِ

الْمُؤَجَّلَةِ وَفِي جَوَازِ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِهَا وَإِذَا ثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الشَّوَاهِدِ أَنَّ الْمَنَافِعَ فِي حُكْمِ الْمَقْبُوضَةِ بِالتَّمْكِينِ لَزِمَ تَسْلِيمُ مَا فِي مُقَابَلَتِهَا مِنَ الْأُجْرَةِ فَإِنْ قِيلَ فَلِمَ جَعَلْتُمُ الْمَنَافِعَ مَقْبُوضَةً حُكْمًا وَإِنْ لَمْ يكن القبض مُسْتَقِرًّا وَجَعَلْتُمُ الْأُجْرَةَ مَقْبُوضَةً قَبْضًا مُسْتَقِرًّا قِيلَ لِأَنَّهُ لَيْسَ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْأُجْرَةُ مَقْبُوضَةً حُكْمًا فَجَعَلْنَا الْقَبْضَ فِيهَا مُسْتَقِرًّا وَلَا يُمْكِنُ فِي الْمَنَافِعِ أَنْ يَكُونَ الْقَبْضُ فِيهَا مُسْتَقِرًّا فَجَعَلْنَاهُ حُكْمًا عَلَى أَنَّهُمَا سَوَاءٌ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِنَا إِنَّ الْمَنَافِعَ مَقْبُوضَةٌ حُكْمًا لِأَنَّهُ قَدْ يَتَصَرَّفُ فِي الدَّارِ وَإِنْ جَازَ أَنْ يَزُولَ مِلْكُهُ عَنْ مَنَافِعِهَا بِالْهَدْمِ كَذَلِكَ الْأُجْرَةُ قَدْ يَتَصَرَّفُ فِيهَا الْمُؤَجِّرُ وَإِنْ جَازَ أَنْ يَزُولَ مِلْكُهُ عَنْهَا بِالْهَدْمِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْله تَعَالَى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) {الطلاق: 6) فَهُوَ أَنْ مَعْنَاهُ فَإِنْ بَذَلْنَ الرِّضَاعَ لَا أَنَّهُ أَرَادَ اسْتِكْمَالَ الرِّضَاعِ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: {حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ) {التوبة: 29) أَيْ يَبْذُلُوا.
أَلَا تَرَى إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَإنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى) {الطلاق: 6) وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ إِتْمَامِ الرِّضَاعِ مَا احْتَاجَ إِلَى إِرْضَاعِ أُخْرَى فَصَارَتِ الْآيَةُ دَلِيلًا لَنَا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَعْطُوا الْأَجِيرَ أُجْرَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ فَهُوَ أَنَّ اسْتِدْلَالَنَا مِنْهُ كَاسْتِدْلَالِهِمْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَعْرَقُ حِينَ يَعْمَلُ فَيَقْتَضِي أَنْ يَسْتَحِقَّ أَخْذُهَا قَبْلَ إِتْمَامِ الْعَمَلِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَارِدًا فِيمَنْ شَرَطَ تَأْخِيرَ أُجْرَتِهِ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِالْأُصُولِ وَاسْتِشْهَادُهُمْ بِالشَّرْعِ فَقَدْ بَيَّنَا وَجْهَ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ فَكَانَ دَلِيلًا وَانْفِصَالًا وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْجَعَالَةِ وَالْقِرَاضِ فَالْمَعْنَى فِيهِمَا إِنْ سَلِمَ القياس من النقيض بِالنِّكَاحِ أَنَّ الْعَقْدَ فِيهِمَا غَيْرُ لَازِمٍ فَلَمْ يَقَعْ فِيهِمَا إِجْبَارٌ وَالْإِجَارَةَ لَازِمَةٌ فَوَقَعَ فِيهَا إِجْبَارٌ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِأَنَّهُ لَوْ مَلَكَهَا مَا اسْتُرْجِعَتْ بِالِانْهِدَامِ فَهُوَ بَاطِلٌ بِاشْتِرَاطِ التَّعْجِيلِ وَبِالنِّكَاحِ وَبِالْبَيْعِ فِي اسْتِرْجَاعِ بَعْضِ الثَّمَنِ فِي أَرْشِ الْعَيْبِ فَبَطَلَ الِاسْتِدْلَالُ.

فَصْلٌ

: فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْأُجْرَةَ يَسْتَحِقُّهَا الْمُؤَجِّرُ حَالَّةً بِالْعَقْدِ فَمَا لَمْ يَقْبِضْهَا فَهِيَ لَهُ دَيْنٌ كَالْأَثْمَانِ فَإِنْ لَمْ يُسَلِّمْ مَا أَجَّرَهُ فَلَا مُطَالَبَةَ لَهُ بِالْأُجْرَةِ كَمَا لَا يُطَالَبُ بِثَمَنِ مَا لَمْ يَقْبِضْهُ فَإِذَا سَلَّمَ مَا أَجَّرَهُ اسْتَحَقَّ الْمُطَالَبَةَ بِأُجْرَتِهِ كَمَا يَسْتَحِقُّ الْمُطَالَبَةَ بِثَمَنِ مَا أَقْبِضُهُ فَإِذَا قَبَضَ الْأُجْرَةَ فَقَدْ مَلَكَهَا.
وَهَلْ يَكُونُ مِلْكُهُ مُسْتَقِرًّا عَلَيْهَا أَوْ مُرَاعًى فِيهِ قَوْلَانِ مَضَيَا فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ: أَحَدُهُمَا: مُرَاعًى لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ سَلَامَةِ الدَّارِ الْمُؤَجَّرَةِ فَتَسْتَقِرُّ وَبَيْنَ انْهِدَامِهَا فَيَرْتَجِعُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مُسْتَقِرٌّ وَإِنْ جَازَ أَنْ يَرْتَجِعَ بِالِانْهِدَامِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ سَلَامَةُ الْحَالِ كَمَا أَنَّ بَائِعَ السَّلَمِ مُسْتَقِرُّ الْمِلْكِ عَلَى ثَمَنِهِ.
وَإِنْ جَازَ أَنْ يَرْتَجِعَ مِنْهُ لِعَدَمِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ وَكَمَا أَنَّ الزَّوْجَةَ مُسْتَقِرَّةُ الْمِلْكِ عَلَى صَدَاقِهَا وَإِنْ جَازَ أَنْ يَرْتَجِعَ جَمِيعَهُ بِالرِّدَّةِ وَنِصْفَهُ بالطلاق قبل الدخول.

مسألة

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " فَإِذَا قَبَضَ الْعَبْدَ فَاسْتَخْدَمَهُ أَوِ الْمَسْكَنَ فَسَكَنَهُ ثُمَّ هَلَكَ الْعَبْدُ أَوِ انْهَدَمَ الْمَسْكَنُ حُسِبَ قَدْرُ مَا اسْتُخْدِمَ وَسُكِنَ فَكَانَ لَهُ وَرَدَّ بقدر ما

بَقِيَ عَلَى الْمُكْتَرِي كَمَا لَوِ اشْتَرَى سَفِينَةَ طعامٍ كُلَّ قفيزٍ بِكَذَا فَاسْتَوْفَى بَعْضًا فَاسْتَهْلَكَهُ ثُمَّ هَلَكَ الْبَاقِي كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الثَّمَنِ بِقَدْرِ مَا قَبَضَ وَرَدَّ قَدْرَ مَا بَقِيَ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ.
إِذَا اسْتَأْجَرَ عَبْدًا سَنَةً لِيَخْدِمَهُ أَوْ دَارًا سَنَةً لِيَسْكُنَهَا فَانْهَدَمَتِ الدَّارُ وَمَاتَ الْعَبْدُ فَلَا يَخْلُو ذَلِكَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ تَسْلِيمِ الْعَبْدِ وَإِقْبَاضِ الدَّارِ فَلَا خِلَافَ أَنَّ الْإِجَارَةَ قَدْ بَطَلَتْ وَالْأُجْرَةُ الْمُسَمَّاةُ فِيهَا قَدْ سَقَطَتْ فَإِنْ كَانَ الْمُؤَجِّرُ قَدْ قَبَضَهَا فَعَلَيْهِ رَدُّهَا لِأَنَّ مَا تَضَمَّنَهُ الْعَقْدُ مَضْمُونٌ عَلَى عَاقِدِهِ مَا لَمْ يُسَلِّمْهُ كَالْمَبِيعِ مَضْمُونٌ عَلَى بَائِعِهِ مَا لَمْ يُسَلِّمْهُ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ مَوْتُ الْعَبْدِ وَانْهِدَامُ الدَّارِ بَعْدَ تَقَضِّي الْمُدَّةَ وَاسْتِيفَاءِ السُّكْنَى وَالْخِدْمَةِ فَالْإِجَارَةُ قَدْ مَضَتْ سَلِيمَةً وَالْأُجْرَةُ فِيهَا مُسْتَقِرَّةٌ وَلَا تَرَاجُعَ بَيْنِهِمَا.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَعْدَ تَسْلِيمِ الْعَبْدِ وَالدَّارِ وَقَبْلَ اسْتِيفَاءِ السُّكْنَى وَالْخِدْمَةِ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْإِجَارَةَ تَبْطُلُ فِيمَا بَقِيَ مِنَ الْمُدَّةِ بِمَوْتِ الْعَبْدِ وَانْهِدَامِ الدَّارِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وأبو حنيفة وَالْفُقَهَاءُ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ الْإِجَارَةُ صَحِيحَةٌ وَالْأُجْرَةُ لِلْمُسْتَأْجِرِ لَازِمَةٌ وَالْمَنَافِعُ عَلَيْهِ مَضْمُونَةٌ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ تَسْلِيمَ الدَّارِ الْمُؤَاجَرَةِ كَتَسْلِيمِهَا لَوْ كَانَتْ مَبِيعَةً فِي اسْتِحْقَاقِ الْعِوَضِ وَتَسْلِيمِ الْمُعَوَّضِ ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ لَوْ قَبَضَهَا عَنْ بَيْعٍ فَاسِدٍ فَانْهَدَمَتْ كَانَتْ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ وَلَمْ يَنْفَسِخِ الْبَيْعُ كَذَلِكَ إِذَا قَبَضَهَا بِإِجَارَةٍ وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ مَقْبُوضَةٌ حُكْمًا فِي حَقِّ الْمُسْتَأْجِرِ لِجَوَازِ تَصَرُّفِهِ فِيهَا وَغَيْرُ مَقْبُوضَةٍ إِلَّا بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ فِي حَقِّ الْمُؤَجِّرِ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ ضَمَانِهَا وَتَسْلِيمِهَا.
وَلَيْسَ تَسْلِيمُ الدَّارِ تَسْلِيمًا لَهَا مُسْتَقِرًّا وَإِنَّمَا يَسْتَقِرُّ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ لِأَنَّ مَنَافِعَ الْمُدَّةِ الْبَاقِيَةِ لَمْ تُخْلَقْ فَلَمْ يَصِحَّ أَنْ تُقْبَضَ قَبْضَ انْبِرَامٍ وَلَا أَنْ يُمْلَكَ بِالْغَائِبِ مِنْهَا عِوَضٌ وَلِأَنَّهُ لَوِ اسْتَقَرَّ قَبْضُ الْمَنَافِعِ فِي حَالِ التَّسْلِيمِ لَوَجَبَ اسْتِرْجَاعُ الدَّارِ فِي الْحَالِ وَلَمَا انْتُظِرَ بِهَا تَقَضِّي الْمُدَّةِ لِأَجْلِ مَا اسْتَقَرَّ بِهَا مِنْ قَبْضِ الْمَنْفَعَةِ فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ اسْتِرْجَاعُهَا قَبِلَ تَقَضِّي الْمُدَّةِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ التَّرْكُ لِاسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ وَمَا بَطَلَ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ بَطَلَ الْعَقْدُ فِيهِ وَلِأَنَّ الْأُجْرَةَ لَا تَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: إِمَّا أَنْ تَكُونَ فِي مُقَابَلَةِ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ أَوْ فِي مُقَابَلَةِ تَسْلِيمِ الدَّارِ أَوْ فِي مُقَابَلَةِ التَّمْكِينِ مِنْهَا إِلَى انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَكُونَ فِي مُقَابَلَةِ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ لِأَنَّهُ لَوْ قَبَضَ وَلَمْ يَسْكُنْ لَلَزَمَتْهُ الْأُجْرَةُ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَكُونَ فِي مُقَابَلَةِ تَسْلِيمِ الدَّارِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا اسْتُرْجِعَتْ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ.
فَثَبَتَ أَنَّهَا فِي مُقَابَلَةِ التَّمْكِينِ مِنْهَا إِلَى انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلِ التَّمْكِينُ فِي جَمِيعِ الْمُدَّةِ لَمْ يَسْتَحِقَّ جَمِيعَ الْأُجْرَةِ وَخَالَفَ الْبَيْعَ لِأَنَّ الثَّمَنَ فِي مُقَابَلَةِ تَسْلِيمِ الرَّقَبَةِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَرْتَجِعْ.

فَصْلٌ : فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَالْإِجَارَةُ تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الْعَبْدِ وَانْهِدَامِ الدَّارِ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الْعَبْدِ لِفَوَاتِ مَنَافِعِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَلَا تَنْفَسِخُ بِانْهِدَامِ الدَّارِ لِإِمْكَانِ الْمَنْفَعَةِ بِالْعَرْصَةِ وَهَذَا فَاسِدٌ لِأَنَّ الْعَرْصَةَ لَيْسَتْ دَارًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَلَا مَنْفَعَتَهَا مَنْفَعَةُ دَارٍ وَإِنَّمَا هِيَ أَرْضٌ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَخْلُو حَالُ مَوْتِ الْعَبْدِ وَانْهِدَامِ الدَّارِ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي أَوَّلِ الْمُدَّةِ أَوْ بَعْدَ مُضِيِّ بَعْضِهَا فَإِنْ كَانَ فِي أَوَّلِ الْمُدَّةِ قَبْلَ مُضِيِّ شَيْءٍ مِنْهَا فَالْإِجَارَةُ فِي جَمِيعِ الْمُدَّةِ بَاطِلَةٌ وَيَسْتَرْجِعُ الْمُسْتَأْجِرُ أُجْرَتَهُ إِنْ كَانَ قَدْ أَقْبَضَهَا وَإِنْ كَانَ مَوْتُ الْعَبْدِ وَانْهِدَامُ الدَّارِ بعض مُضِيِّ بَعْضِ الْمُدَّةِ كَأَنْ مَضَى مِنْ سَنَةِ الْإِجَارَةِ نَصِفُهَا وَبَقِيَ نِصْفُهَا فَالْإِجَارَةُ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي مِنَ السَّنَةِ بَاطِلَةٌ.
فَأَمَّا النِّصْفُ الْمَاضِي مِنْهَا فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْفَسَادِ الطَّارِئِ عَلَى بَعْضِ الصَّفْقَةِ هَلْ يَكُونُ كَالْفَسَادِ الْمُقَارِنِ لِلْعَقْدِ فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا هُمَا سَوَاءٌ فَيَكُونُ بُطْلَانُ الْإِجَارَةِ فِيمَا مَضَى مِنَ الْمُدَّةِ عَلَى قَوْلَيْنِ مِنْ تَفْرِيقِ الصفقة.
وقال آخرون وإن الْفَسَادَ الطَّارِئَ عَلَى الْعَقْدِ مُخَالِفٌ لِلْفَسَادِ الْمُقَارَنِ لِلْعَقْدِ فَتَكُونُ الْإِجَارَةُ فِيمَا مَضَى مِنَ الْمُدَّةِ غَيْرَ فَاسِدَةٍ قَوْلًا وَاحِدًا فَإِنْ قِيلَ بِبُطْلَانِ الْإِجَارَةِ فِيمَا مَضَى مِنَ الْمُدَّةِ لَزِمَ الْمُسْتَأْجِرَ أُجْرَةُ الْمِثْلِ فِي الْمَاضِي دُونَ الْمُسَمَّى وَإِنْ قِيلَ بِصِحَّةِ الْإِجَارَةِ فِيمَا مَضَى فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ لَهُ الْخِيَارُ فِي فَسْخِهِ أَمْ لَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا خِيَارَ لَهُ لِفَوَاتِهِ عَلَى يَدِهِ فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَتْ أُجْرَةُ السَّنَةِ كُلِّهَا مُتَسَاوِيَةً لِتُسَاوِي الْعَمَلِ فِيهَا فَعَلَيْهِ نِصْفُ الْأُجْرَةِ الْمُسَمَّاةِ لِاسْتِيفَاءِ نِصْفِ الْعَمَلِ الْمُسْتَحِقِّ بِنِصْفِ السَّنَةِ الْمُسَمَّاةِ وَإِنْ كَانَ الْعَمَلُ فِيهَا مُخْتَلِفًا وَالْأُجْرَةُ فِيهِ مُخْتَلِفَةٌ مِثْلَ أَنْ تَكُونَ أُجْرَةُ النِّصْفِ الْمَاضِي مِنَ السَّنَةِ مِائَةَ دِرْهَمٍ وَأُجْرَةُ النِّصْفِ الْبَاقِي خَمْسِينَ دِرْهَمًا تَقَسَّطَتِ الْأُجْرَةُ عَلَى الْعَمَلِ الْمُخْتَلِفِ دُونَ الْمُدَّةِ وَكَانَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ ثُلُثَا الْأُجْرَةِ بِمُضِيِّ نِصْفِ الْمُدَّةِ لِأَنَّهَا تُقَابِلُ ثُلُثَيِ الْعَمَلِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ لَهُ الْخِيَارَ لِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُقَامِ عَلَى الْإِجَارَةِ فِيمَا مَضَى وَبَيْنَ فَسْخِهَا فِيهِ.
فَإِنْ أَقَامَ عَلَى الْمَاضِي لَزِمَهُ مِنَ الْأُجْرَةِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْحِسَابِ وَالْقِسْطِ وَكَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يُخَرِّجُ قَوْلًا آخَرَ إِنَّهُ يُقِيمُ بِجَمِيعِ الْأُجْرَةِ وَإِلَّا فَسَخَ وَهُوَ قَوْلُ مَنْ يَجْعَلُ الْفَسَادَ الطَّارِئَ كَالْفَسَادِ الْمُقَارِنِ لِلْعَقْدِ.
وَإِنْ فَسَخَ الْإِجَارَةَ فِي الْمَاضِي لَزِمَهُ فِيهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِأَنَّ الْفَسْخَ قَدْ رَفَعَ الْعِقْدَ فَسَقَطَ حُكْمُ المسمى فيه.

فصل

: فإن مرض العبد واسترمت الدَّارُ فَالْإِجَارَةُ لَا تَنْفَسِخُ لِبَقَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَلَكِنَّ الْمُسْتَأْجِرَ لِأَجْلِ الْعَيْبِ الْحَادِثِ الْمُؤَثِّرِ فِي مَنْفَعَتِهِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْمُقَامِ وَالْفَسْخِ.
وَالْخِيَارُ فِيهِ عَلَى التَّرَاخِي لَا عَلَى الْفَوْرِ بِخِلَافِ الْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ لِأَنَّهُ يَتَجَدَّدُ بِمُرُورِ الْأَوْقَاتِ لِحُدُوثِ

النَّقْصِ فِيهَا فَإِنْ كَانَ مَرَضُ الْعَبْدِ مَرَضًا لَا يُؤَثِّرُ فِي الْعَمَلِ نُظِرَ فِيمَا اسْتُؤْجِرَ لَهُ مِنَ الْعَمَلِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا تَعَافُ النَّفْسُ مَرَضَهُ فِيهِ كَالْبِنَاءِ وَرَعْيِ الْمَوَاشِي وَحَرْثِ الْأَرْضِ فَلَا خِيَارَ لِلْمُسْتَأْجِرِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا تَعَافُ النَّفْسُ مَرَضَهُ كَخِدْمَتِهِ فِي مَأْكَلِهِ وَمَشْرَبِهِ وَمَلْبَسِهِ فَلَهُ الْخِيَارُ فَإِنْ كَانَتِ الْإِجَارَةُ فِي دَارٍ خَرِبَ جِوَارُهَا أَوْ دُكَّانٍ بَطَلَتْ سُوقُهُ فَلَا خِيَارَ لَهُ لِأَنَّهُ عَيْبٌ حَدَثَ فِي غَيْرِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ.

فَصْلٌ

: فَإِذَا اسْتَأْجَرَ دَارًا فَانْهَدَمَ فِيهَا حَائِطٌ أَوْ سَقَطَ فِيهَا سَقْفٌ نُظِرَ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ سُكْنَى الدَّارِ بِانْهِدَامِ حَائِطِهَا وَسُقُوطِ سَقْفِهَا كَانَ كَمَا لَوِ انْهَدَمَ جَمِيعُهَا فِي بُطْلَانِ الْإِجَارَةِ فِيهَا وَإِنْ أَمْكَنَ سُكْنَاهَا لَمْ تَبْطُلِ الْإِجَارَةُ وَكَانَ مُخَيَّرًا فِي الْفَسْخِ لِلْعَيْبِ الْحَادِثِ وَأَمَّا إِنِ انْهَدَمَ نِصْفُهَا وَبَقِيَ نِصْفُهَا الْبَاقِي مِنْهَا يُمْكِنُ سُكْنَاهُ بَطَلَتِ الْإِجَارَةُ فِي النِّصْفِ الْمُنْهَدِمِ وَهِيَ صَحِيحَةٌ فِي النِّصْفِ السَّلِيمِ وَلِلْمُسْتَأْجِرِ الْخِيَارُ وَمَنْ جَعَلَ مِنْ أَصْحَابِنَا الْفَسَادَ الطَّارِئَ عَلَى بَعْضِ الصَّفْقَةِ كَالْفَسَادِ الْمُقَارِنِ لِلصَّفْقَةِ خَرَّجَ الْإِجَارَةَ فِيمَا سَلِمَ مِنَ الدَّارِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

فَصْلٌ

: فَإِذَا انْهَدَمَتِ الدَّارُ فَبَنَاهَا الْمُؤَجِّرُ لَمْ تَعُدِ الْإِجَارَةُ فِيهَا بَعْدَ فَسَادِهَا إِلَّا بِعَقْدٍ مُسْتَحْدَثٍ لِأَنَّ بُطْلَانَ الْعَقْدِ يَمْنَعُ مِنْ عَوْدِهِ إِلَّا بِاسْتِحْدَاثٍ عَقْدٍ وَلَكِنْ لَوِ اسْتَرَمَّتْ وَتَشَعَّثَتْ وَلَمْ يَخْتَرِ الْمُسْتَأْجِرُ الْفَسْخَ حَتَّى عَمَرَهَا الْمُؤَجِّرُ فَفِي خِيَارِ الْمُسْتَأْجِرِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: قَدْ سَقَطَ لِارْتِفَاعِ مُوجِبِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ بَاقٍ بِحَالِهِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ اسْتِحْقَاقِهِ وَلَكِنْ لَوْ رَامَ الْمُؤَجِّرُ أَنْ يَمْنَعَ الْمُسْتَأْجِرَ مِنَ الْفَسْخِ حَتَّى يَعْمُرَهَا لَهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِلْمُؤَجَّرِ وَكَانَ الْمُسْتَأْجِرُ عَلَى خِيَارِهِ.
فَصْلٌ : فَأَمَّا إِذَا اسْتَأْجَرَ دَارًا فَانْطَمَّتْ آبَارُهَا وَامْتَلَأَتْ حُشُوشُهَا فَالَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا أَنَّ تَنْقِيَةَ ذَلِكَ وَتَنْظِيفَهُ عَلَى الْمُؤَجِّرِ دُونَ الْمُسْتَأْجِرِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِ التَّمْكِينِ وَالَّذِي عندي وأراه مذهباً أن تنقية ما انظم مِنْ آبَارِهَا عَلَى الْمُؤَجِّرِ وَتَنْقِيَةَ مَا امْتَلَأَ مِنْ حُشُوشِهَا عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ لِأَنَّ امْتِلَاءَ الْحُشُوشِ مِنْ فِعْلِهِ فَصَارَ كَتَحْوِيلِ الْقُمَاشِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ انْطِمَامُ الْآبَارِ فَلَوِ امْتَنَعَ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ تَنْقِيَةِ مَا يَلْزَمُ مِنَ الْحُشُوشِ أُجْبِرَ عَلَيْهِ وَلَوِ امْتَنَعَ الْمُؤَجِّرُ مِنْ تَنْقِيَةِ مَا يَلْزَمُهُ مِنَ الْآبَارِ لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ وَكَانَ الْمُسْتَأْجِرُ بِالْخِيَارِ والله أعلم بالصواب.

مسألة

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَلَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا مَا كَانَتِ الدَّارُ قَائِمَةً وَلَيْسَ الْوَارِثُ بِأَكْثَرَ مِنَ الْمَوْرُوثِ الَّذِي عَنْهُ وَرِثُوا فَإِنْ قِيلَ فَقَدِ انْتَفَعَ الْمُكْرِي بِالثَّمَنِ قِيلَ كَمَا لَوْ أَسْلَمَ فِي رطبٍ لوقتٍ فَانْقَطَعَ رَجَعَ بِالثَّمَنِ وَقَدِ انْتَفَعَ بِهِ البائع ولو باع متاعاً غائباً ببلدٍ ودفع الثمن فهلك المبتاع رجع بالثمن وقد انتفع به البائع (قال المزني) رحمه الله وهذا تجويز بيع الغائب ونفاه في مكانٍ آخر ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ.
عَقْدُ الْإِجَارَةِ لَازِمٌ لَا يَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الْمُؤَجِّرِ وَلَا الْمُسْتَأْجِرِ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ.

وَقَالَ أبو حنيفة وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: الْإِجَارَةُ تَبْطُلُ بِمَوْتِ الْمُؤَجِّرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ عُقُودَ الْمَنَافِعِ تَبْطُلُ بِمَوْتِ الْعَاقِدِ كَالنِّكَاحِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالْوَكَالَةِ وَلِأَنَّ الْإِجَارَةَ تَفْتَقِرُ إِلَى مُؤَجِّرٍ وَمُؤَاجِرٍ فَلَمَّا بَطَلَتْ بِتَلَفِ الْمُؤَاجِرِ بَطَلَتْ بِتَلَفِ الْمُؤَجِّرِ.
وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا أَنَّهُ عَقْدُ إِجَارَةٍ يَبْطُلُ بِتَلَفِ الْمُؤَاجِرِ فَوَجَبَ أَنْ يَبْطُلَ بِتَلَفِ الْمُؤَجِّرِ قِيَاسًا عَلَيْهِ إِذَا أَجَّرَ نَفْسَهُ وَلِأَنَّ زَوَالَ مِلْكِ الْمُؤَجِّرِ عَنْ رَقَبَةِ الْمُؤَاجَرَةِ يُوجِبُ فَسْخَ الْإِجَارَةِ قِيَاسًا عَلَيْهِ إِذَا بَاعَ مَا أَجَّرَهُ بِرِضَى الْمُسْتَأْجِرِ وَلِأَنَّ مَنَافِعَ الْإِجَارَةِ إِمَّا تُسْتَوْفَى بِالْعَقْدِ وَالْمِلْكِ وَقَدْ زَالَ مِلْكُ الْمُؤَجِّرِ بِالْمَوْتِ وَإِنْ كَانَ عَاقِدًا وَالْوَارِثُ لَا عَقْدَ عَلَيْهِ وَإِنْ صَارَ مَالِكًا فَصَارَتْ مُنْتَقِلَةً عَنِ الْعَاقِدِ إِلَى مَنْ لَيْسَ بِعَاقِدٍ فَوَجَبَ أَنْ تَبْطُلَ لِتَنَافِي اجْتِمَاعِ الْعَقْدِ وَالْمِلْكِ.
وَدَلِيلُنَا هُوَ أَنَّ مَا لَزِمَ مِنْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ الْمَحْضَةِ لَمْ يَنْفَسِخْ بِمَوْتِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ كَالْبَيْعِ فَإِنْ قِيلَ يَنْتَقِضُ بِمَوْتِ مَنْ أَجَّرَ نَفْسَهُ.
لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ الْعَقْدَ إِنَّمَا يَبْطُلُ بِتَلَفِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ لَا بِمَوْتِ الْعَاقِدِ أَلَا تَرَاهُ لَوْ كَانَ حَيًّا فَمَرِضَ بَطَلَتِ الْإِجَارَةُ وَإِنْ كَانَ الْعَاقِدُ حَيًّا، لِأَنَّ السَّيِّدَ قَدْ يُعَاوِضُ عَلَى بِضْعِ أَمَتِهِ بِعَقْدِ النِّكَاحِ كَمَا يُعَاوِضُ عَلَى خِدْمَتِهَا بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ مَوْتُهُ مُبْطِلًا لِلْعَقْدِ عَلَى بِضْعِهَا لَمْ يَبْطُلْ بِالْعَقْدِ عَلَى اسْتِخْدَامِهَا.
وَيَتَحَرَّرُ مِنْ هَذَا الِاعْتِلَالِ قِيَاسَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ عَلَى مَنَافِعِ مِلْكِهِ فَلَمْ يَبْطُلْ بِمَوْتِهِ كَالنِّكَاحِ عَلَى أَمَتِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَحَدُ مَنْفَعَتَيِ الْأَمَةِ فَلَمْ يَبْطُلْ بِمَوْتِ السَّيِّدِ كَالْمَنْفَعَةِ الْأُخْرَى وَلِأَنَّ الْمَنَافِعَ قَدْ تَنْتَقِلُ بِالْمُعَاوَضَةِ كَالْأَعْيَانِ فَجَازَ أَنْ تَنْتَقِلَ بِالْإِرْثِ كَالْأَعْيَانِ وَيَتَحَرَّرُ مِنْ هَذَا الِاعْتِلَالِ قِيَاسَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَا صَحَّ أَنْ يَنْتَقِلَ بَعِوَضٍ صَحَّ أَنْ يَنْتَقِلَ إِرْثًا كَالْأَعْيَانِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَا صَحَّ أَنْ يَنْتَقِلَ بِهِ الْأَعْيَانُ فِي الْبِيَاعَاتِ صَحَّ أَنْ يَنْتَقِلَ بِهِ الْمَنَافِعُ فِي الْإِجَارَاتِ أَصْلُهُ عَقْدُ الْحَيِّ الْمُخْتَارِ.
وَلِأَنَّ بِالْمَوْتِ يَعْجَزُ عَنْ إِقْبَاضِ مَا اسْتُحِقَّ تَسْلِيمُهُ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ فَلَمْ يَبْطُلْ بِهِ الْعَقْدُ كَالْجُنُونِ وَالزَّمَانَةِ.
وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ لَا يَبْطُلُ بِالْجُنُونِ فَلَمْ يَبْطُلْ بِالْمَوْتِ كَالْبَيْعِ وَلِأَنَّ مَنَافِعَ الْأَعْيَانِ مَعَ بَقَاءِ مِلْكِهَا قَدْ تُسْتَحَقُّ بِالرَّهْنِ تَارَةً وَبِالْإِجَارَةِ أُخْرَى فَلَمَّا كَانَ مَا تُسْتَحَقُّ مَنْفَعَةُ ارْتِهَانِهِ إِذَا انْتَقَلَ مِلْكُهُ بِالْمَوْتِ لَمْ يُوجِبْ بُطْلَانَ رَهْنِهِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَا اسْتُحِقَّتْ مَنْفَعَتُهُ بِالْإِجَارَةِ إِذَا انْتَقَلَ مِلْكُهُ بِالْمَوْتِ لَمْ يُوجِبْ بُطْلَانَ إِجَارَتِهِ وَقَدِ اسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ بِهَذَا فِي الْأُمِّ وَلِأَنَّ الْوَارِثَ إِنَّمَا يَمْلِكُ بِالْإِرْثِ مَا كَانَ يَمْلِكُهُ الْمَوْرُوثُ وَالْمَوْرُوثُ إِنَّمَا كَانَ يَمْلِكُ الرَّقَبَةَ دُونَ الْمَنْفَعَةِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَصِيرَ الْوَارِثُ مَالِكًا لِلرَّقَبَةِ وَالْمَنْفَعَةِ وَلِأَنَّ إِجَارَةَ الْوَقْفِ لَا تَبْطُلُ بِمَوْتِ مُؤَجِّرِهِ.
وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا أَنَّهُ عَقْدُ إِجَارَةٍ يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ فِيهِ فَوَجَبَ أَنْ لَا تَبْطُلَ بِمَوْتِ مُؤَجِّرِهِ كَالْوَقْفِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِ عَلَى النِّكَاحِ وَالْمُضَارَبَةِ مَعَ انْتِقَاضِهِ بِالْوَقْفِ فَهُوَ أَنَّهُ إِنْ رَدَّهُ إِلَى

النِّكَاحِ فَالنِّكَاحُ لَمْ يَبْطُلْ بِالْمَوْتِ وَإِنَّمَا انْقَضَتْ مُدَّتُهُ بِالْمَوْتِ فَصَارَ كَانْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ وَإِنْ رَدَّهُ إِلَى الْمُضَارَبَةِ وَالْوَكَالَةِ فَالْمَعْنَى فِيهِمَا عَدَمُ لُزُومِهِمَا فِي حَالِ الْحَيَاةِ وَجَوَازُ فَسْخِهَا بِغَيْرِ عُذْرٍ وَلَيْسَتِ الْإِجَارَةُ كَذَلِكَ لِلُزُومِهَا فِي حَالِ الْحَيَاةِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِ عَلَى انْهِدَامِ الدَّارِ فَهُوَ أَنَّ الْمَعْنَى فِيهِ فَوَاتُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ قَبْلَ قَبْضِهِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِ عَلَى مَا إِذَا بَاعَ مَا أَجَّرَ بِرِضَى الْمُسْتَأْجِرِ فَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمِ الْأَصْلِ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ لَا تَبْطُلُ بِالْبَيْعِ عَنْ رِضَاهُ كَمَا لَا تَبْطُلُ بِالْبَيْعِ عَنْ سُخْطِهِ وَإِنَّمَا الْبَيْعُ مُخْتَلَفٌ فِي إِبْطَالِهِ ثُمَّ يَنْتَقِضُ عَلَى أَصْلِهِ بِعِتْقِ الْعَبْدِ الْمُؤَاجَرِ قَدْ زَالَ مِلْكُ سَيِّدِهِ عَنْ رَقَبَتِهِ مَعَ بَقَاءِ الْإِجَارَةِ عَلَيْهَا فَكَذَلِكَ إِذَا زَالَ مِلْكُهُ بِالْبَيْعِ وَالْمَوْتِ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِ بِأَنَّ الْمَنَافِعَ تُسْتَوْفَى بِعَقْدٍ وَمِلْكٍ وَهَذَا مُفْتَرَقٌ بِالْمَوْتِ فَهُوَ أَنَّ اجْتِمَاعَهَا يُعْتَبَرُ عِنْدَ الْعَقْدِ وَلَا يُعْتَبَرُ فِيمَا بَعْدُ كَمَا لَوْ أَعْتَقَ أَوْ بَاعَ وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُسْتَوْفَى مِنْ يَدِ الْوَارِثِ مَا لَمْ يُعَاقِدْ عَلَيْهِ كَمَا يُسْتَوْفَى مِنْهُ ثَمَنُ مَا اشْتَرَاهُ الْمَوْرُوثُ وَيَقْبِضُ مِنْهُ أَعْيَانَ مَا بَاعَهُ الْمَوْرُوثُ لِأَنَّ الْمَوْرُوثَ قَدْ مَلَّكَ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِعَقْدِهِ، فَلَمْ يَمْلِكْهُ الْوَارِثُ بِمَوْتِهِ.

فَصْلٌ

: فَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فَإِنْ قِيلَ فَقَدِ انْتَفَعَ الْمُكْرِي بِالثَّمَنِ قِيلَ كَمَا لَوْ أَسْلَمَ فِي مَتَاعٍ لِوَقْتٍ فَانْقَطَعَ ذَلِكَ أَوِ ابْتَاعَ مَتَاعًا غَائِبًا بِبَلَدٍ فَدَفَعَ الثَّمَنَ فَهَلَكَ الْمَتَاعُ رَجَعَ بِالثَّمَنِ وَقَدِ انْتَفَعَ بِهِ الْبَائِعُ فَهَذَا سُؤَالٌ أَوْرَدَهُ الشَّافِعِيُّ وَانْفَصَلَ عَنْهُ.
اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مُرَادِهِ بِهِ فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ أَرَادَ بِهِ الرَّدَّ عَلَى مَنْ أَجَّلَ الْأُجْرَةَ وَمَنَعَ مِنْ حُلُولِهَا لِئَلَّا يَنْتَفِعَ الْمُكْرِي بِالْأُجْرَةِ قَبْلَ انْتِفَاعِ الْمُكْتَرِي بِالْمَنْفَعَةِ وَقَدْ تَنْهَدِمُ الدَّارُ فَتَفُوتُ الْمَنْفَعَةُ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ مِثْلُ هَذَا لَيْسَ يَمْتَنِعُ كَمَا أَنَّ بَائِعَ السَّلَمِ قَدْ يَتَعَجَّلُ بِقَبْضِ الثَّمَنِ وَيَنْتَفِعُ بِهِ وَقَدْ يَهْلَكُ الْمُسْلِمُ فِيهِ عِنْدَ مَحَلِّهِ فَيَسْتَرْجِعُ ثَمَنَ مَا انْتَفَعَ بِهِ الْبَائِعُ دُونَ الْمُشْتَرِي.
وَكَمَا يَقْبِضُ ثَمَنَ غَائِبٍ عَنْهُ فَتَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ فَيَرُدُّ ثَمَنَهُ بَعْدَ الِانْتِفَاعِ بِهِ وَقَالَ أَبُو الْفَيَّاضِ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الرَّدَّ عَلَى مَنْ أَبْطَلَ الْإِجَارَةَ بِمَوْتِ الْمُؤَجِّرِ لِئَلَّا يَنْتَفِعَ الْمُؤَجِّرُ بِالْأُجْرَةِ وَيُلْزِمَ وَارِثَهُ تَسْلِيمَ الْمَنْفَعَةِ فَأَجَابَ عَنْهُ بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْجَوَابَيْنِ: وَقَالَ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ أَنَّ انْهِدَامَ الدَّارِ وَمَوْتَ الْعَبْدِ فِي تَضَاعِيفِ الْمُدَّةِ يُبْطِلُ الْإِجَارَةَ فِيمَا بَقِيَ وَيُوجِبُ أَنْ يَرُدَّ مِنَ الْأُجْرَةِ بِقِسْطِهَا وَإِنِ انْتَفَعَ الْمُكْرِي بِهَا وَلَمْ يَنْتَفِعِ الْمُكْتَرِي مِنَ الْمَنْفَعَةِ بِمَا قَابَلَهَا فَأَجَابَ بِمَا ذَكَرَهُ مِنَ انْتِفَاعِ الْبَائِعِ بِثَمَنِ الْمُسْلِمِ وَثَمَنِ الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ وَإِنْ رَدَّهُمَا بِتَلَفِ السلم فِيهِ وَتَلَفِ الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ.
وَقَالَ الْمُزَنِيُّ هَذَا تَجْوِيزُ بَيْعِ الْغَائِبِ وَعَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى بَيْعِ غَائِبٍ قَدْ رَآهُ.

فَصْلٌ

: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ إِجَارَةَ الْمِلْكِ لَا تَبْطُلُ بِمَوْتِ الْمُؤَجِّرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ انْتَقَلَ الْكَلَامُ إِلَى

إِجَارَةِ الْوَقْفِ فَإِنْ أَجَرَّهُ وَلَا حَقَّ لَهُ فِي غَلَّتِهِ صَحَّتْ إِجَارَتُهُ وَلَمْ تَبْطُلْ بِمَوْتِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَجِّرْ مِلْكَهُ وَإِنَّمَا نَابَ عَنْ غَيْرِهِ وَإِنْ أَجَرَّهُ مَنْ يَسْتَحِقُّ غَلَّتَهُ وَيَسْتَوْجِبُ أُجْرَتَهُ لِكَوْنِهِ وَقْفًا عَلَيْهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي بُطْلَانِ الْإِجَارَةِ بِمَوْتِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ بْنِ أَبِي هريرة إِنَّ الْإِجَارَةَ قَدْ بَطَلَتْ بِمَوْتِهِ وَانْتِقَالِ الْمَنْفَعَةِ إِلَى غَيْرِهِ وَفَرَّقَ بَيْنَ الْمِلْكِ وَالْوَقْفِ بِأَنَّ وَارِثَ الْمِلْكِ يَمْلِكُ عَنِ الْمُؤَجِّرِ فَلَمْ يَمْلِكْ مَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِ الْمُؤَجِّرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْوَقْفُ لِأَنَّ مُؤَجِّرَهُ يَمْلِكُ مَنْفَعَتَهُ مُدَّةَ حَيَّاتِهِ فَإِذَا مَاتَ فَقَدِ انْقَطَعَ مِلْكُهُ وَانْتَقَلَ إِلَى مَنْ بَعْدَهُ بِشَرْطِ الْوَقْفِ لَا بِالْإِرْثِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ الْأَظْهَرُ أَنَّ الْإِجَارَةَ لَا تَبْطُلُ لِأَنَّ مُؤَجِّرَهُ والٍ قَدْ أَجَّرَهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَحَقِّ مَنْ بَعْدَهُ بِوِلَايَتِهِ فَإِذَا انْقَضَى حَقُّهُ بِمَوْتِهِ صَحَّتْ إِجَارَتُهُ فِي حَقِّ مَنْ بَعْدَهُ بِوِلَايَتِهِ فَإِنْ كَانَ قَدِ اسْتَوْفَى الْأُجْرَةَ اسْتَرْجَعَ مِنْ تَرِكَتِهِ أُجْرَةَ مَا بَقِيَ مِنَ الْمُدَّةِ بَعْدَ مَوْتِهِ.

فَصْلٌ

: وَإِذَا اسْتَأْجَرَ رَجُلٌ مِنْ أَبِيهِ دَارًا سَنَةً وَدَفَعَ إِلَيْهِ الْأُجْرَةَ ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ الْمُؤَجِّرُ نُظِرَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُ هَذَا الِابْنِ الْمُسْتَأْجِرِ فَقَدْ سَقَطَ حُكْمُ الْإِجَارَةِ لِأَنَّهُ صَارَ مَالِكًا لِلدَّارِ وَالْمَنْفَعَةِ إِرْثًا فَامْتَنَعَ بَقَاءُ عَقْدِهِ عَلَى الْمَنْفَعَةِ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ أَمَتَهُ ثُمَّ وَرِثَهَا بَطَلَ نِكَاحُهَا.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى أَبِيهِ دَيْنٌ فَقَدْ صَارَتِ الدَّارُ مَعَ التَّرِكَةِ إِرْثًا وَإِنْ كَانَ عَلَى أَبِيهِ دَيْنٌ ضَرَبَ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِقَدْرِ الْأُجْرَةِ لِأَنَّهَا صَارَتْ بِانْفِسَاخِ الْإِجَارَةِ بِالْإِرْثِ دَيْنًا عَلَى الْأَبِ فَسَاوَى الْغُرَمَاءَ فِيهَا.
فَلَوْ كان للأب ابن آخر انفسخت الإجارة إلى نِصْفِ الدَّارِ وَهُوَ حِصَّةُ الْمُسْتَأْجِرِ وَلَزِمَتْ فِي حِصَّةِ الِابْنِ الْآخَرِ وَرَجَعَ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْهُمَا بِنِصْفِ الْأُجْرَةِ فِي تَرِكَةِ أَبِيهِ لِأَنَّهَا صَارَتْ دَيْنًا عَلَيْهِ.

فَصْلٌ

: فَإِذَا بِيعَتِ الدَّارُ الْمُسْتَأْجَرَةُ فَذَلِكَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تُبَاعَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ وَالْإِجَارَةُ بِحَالِهَا وَيَصِيرُ جَامِعًا بَيْنَ مِلْكِ الْمَنْفَعَةِ بِالْإِجَارَةِ وَالرَّقَبَةِ بِالْبَيْعِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَرِثَهَا الْمُسْتَأْجِرُ فَتَبْطُلَ الْإِجَارَةُ وَبَيْنَ أَنْ يَبْتَاعَهَا فَلَا تَبْطُلَ أَنَّهُ بِالْإِرْثِ صَارَ قَائِمًا مَقَامَ الْمُؤَجِّرِ فَلَمْ يَنْفُذْ لَهُ عَقْدٌ عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ بِالْبَيْعِ لَا يَقُومُ مَقَامَ الْبَائِعِ إِلَّا فِيمَا سُمِّيَ بِالْعَقْدِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تُبَاعَ عَلَى أَجْنَبِيٍّ غَيْرِ الْمُسْتَأْجِرِ فَفِي الْبَيْعِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ بَاطِلٌ وَالْإِجَارَةُ بِحَالِهَا لِأَنَّ يَدَ الْمُسْتَأْجِرِ مَمْنُوعَةٌ بِحَقٍّ فَصَارَتْ أَسْوَأَ حَالًا مِنَ الْمَغْصُوبِ الَّذِي يَمْنَعُ يَدَ الْمُشْتَرِي مِنْهُ بِظُلْمٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ صَحِيحٌ أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ وَالْإِجَارَةَ لَازِمَةٌ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْعَقْدِ عَلَى الْمَنْفَعَةِ لَا يَمْنَعُ مِنْ بَيْعَ الرَّقَبَةِ كَالْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي عَالِمًا بِالْإِجَارَةِ فَلَا خِيَارَ لَهُ وَالْأُجْرَةُ لِلْبَائِعِ لِأَنَّهُ قَدْ مَلَكَهَا بِعَقْدِهِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ الْمُقَامِ وَالْفَسْخِ.

فَصْلٌ

: فَإِذَا أَجَّرَ الْأَبُ أَوِ الْوَصِيُّ صَبِيًّا ثُمَّ بَلَغَ الصَّبِيُّ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ رَشِيدًا فَالْإِجَارَةُ لَازِمَةٌ لَا تَنْفَسِخُ بِبُلُوغِهِ.
وَلَوْ أَجَّرَ السَّيِّدُ أُمَّ وَلَدِهِ ثُمَّ مَاتَ عَنْهَا انْفَسَخَتِ الْإِجَارَةُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الصَّبِيَّ مَعْقُودٌ عَلَيْهِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَلَمْ يَزُلِ الْعَقْدُ بِزَوَالِ يَدِ عَاقِدِهِ وَأُمُّ الْوَلَدِ مَعْقُودٌ عَلَيْهَا فِي حَقِّ السَّيِّدِ فَزَالَ الْعَقْدُ بِزَوَالِ مِلْكِ عَاقِدِهِ.
فَصْلٌ : وَلَوْ أَجَّرَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ ثُمَّ أَعْتَقَهُ نَفَذَ الْعِتْقُ وَالْإِجَارَةُ بِحَالِهَا لَازِمَةٌ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَأُمِّ الْوَلَدِ حَيْثُ بَطَلَتِ الْإِجَارَةُ بِعِتْقِ أُمِّ الْوَلَدِ وَلَمْ تَبْطُلْ بِعِتْقِ الْعَبْدِ أَنَّ الْعَبْدَ يَمْلِكُ نَفْسَهُ بِتَمْلِيكِ السَّيِّدِ لَهُ فَاخْتَصَّ التَّمْلِيكُ بِمَا كَانَ عَلَى مِلْكِ السَّيِّدِ وَأُمُّ الْوَلَدِ تَمْلِكُ نَفْسَهَا بِمَوْتِ السَّيِّدِ مِنْ غَيْرِ تَمْلِيكِهِ فَكَانَ الْمِلْكُ عَلَى عُمُومِهِ وَصَارَتْ أُمُّ الْوَلَدِ بِمَثَابَةِ الْمُسْتَأْجِرِ إِذَا وَرِثَ مَا اسْتَأْجَرَهُ بَطَلَتِ الْإِجَارَةُ فِيهِ وَصَارَ الْعَبْدُ بِمَثَابَةِ الْمُسْتَأْجِرِ إِذَا ابْتَاعَ مَا اسْتَأْجَرَ لَمْ تَبْطُلِ الْإِجَارَةُ فيه والله أعلم.

مسألة

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِنْ تَكَارَى دَابَّةً مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَطْنِ مُرٍّ فَتَعَدَّى بِهَا إِلَى عُسْفَانَ فَعَلَيْهِ كِرَاؤُهَا إِلَى مرٍ وَكِرَاءُ مِثْلِهَا إِلَى عُسْفَانَ وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا إِلَى مَكَانٍ فَاسْتَوْفَاهُ وَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِهِ مِثْلَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى مُرٍّ فَيَرْكَبَهَا إِلَى مُرٍّ ثُمَّ يَتَعَدَّى بِرُكُوبِهَا إِلَى عُسْفَانَ فَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ الْمُسَمَّاةُ بِرُكُوبِهَا إِلَى مُرٍّ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّهَا بِالْعَقْدِ ثُمَّ صَارَ بِمُجَاوَزَةِ مُرٍّ مُتَعَدِّيًا وَلَزِمَهُ حُكْمَانِ: أَحَدُهُمَا: كِرَاءُ الْمِثْلِ مِنْ مُرٍّ إِلَى عُسْفَانَ.
وَالثَّانِي: الضَّمَانُ.
فَأَمَّا كِرَاءُ الْمِثْلِ فَقَدْ وَافَقَ عَلَيْهِ أبو حنيفة وَإِنْ كَانَ يُسْقِطُ الْكِرَاءَ عَنِ الْغَاصِبِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ رُكُوبَ الْغَاصِبِ طَرَأَ عَلَى يَدٍ ضَامِنَةٍ فَسَقَطَ عَنْهُ الْكِرَاءُ وَرُكُوبَ هَذَا الْمُجَاوِزِ مَسَافَتَهُ طَرَأَ عَلَى يَدٍ غَيْرِ ضَامِنَةٍ فَلَزِمَهُ الْكِرَاءُ.
فَصْلٌ : أَمَّا الضَّمَانُ فَلَا يَتَعَلَّقُ عَلَيْهِ فِيمَا حَدَثَ قَبْلَ مُجَاوَزَتِهِ وَتَعَدِّيهِ فَأَمَّا بَعْدَ الْمُجَاوَزَةِ وَالتَّعَدِّي فَقَدْ صَارَ مَأْخُوذًا بِهِ وَلَا يَخْلُو حَالُ الدَّابَّةِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَتْلَفَ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَنْقُصَ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ عَلَى حَالِهَا فَإِنْ تَلِفَتْ لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهَا مَعَهَا أَمْ لَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا ضَمِنَ جَمِيعَ قِيمَتِهَا بِالْيَدِ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِهَا كَالْغَاصِبِ.
وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهَا مَعَهَا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ تَلَفُهَا فِي حَالِ الرُّكُوبِ أَوْ بَعْدَ النُّزُولِ فَإِنْ كَانَ فِي حَالِ الرُّكُوبِ ضَمِنَ ضَمَانَ جِنَايَةٍ لَا ضَمَانَ غَصْبٍ لِأَنَّ يَدَ الْمَالِكِ لَمْ تَزُلْ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ تَلْزَمْهُ جَمِيعُ الْقِيمَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ جَمِيعُ الرُّكُوبِ مَحْظُورًا فلزمه بعضها.

وَفِي قَدْرِ مَا يَلْزَمُهُ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: نِصْفُ الْقِيمَةِ لِأَنَّ تَلَفَهَا كَانَ بِالْإِعْيَاءِ فِي مَسَافَتَيْنِ مُبَاحَةً غَيْرَ مَضْمُونَةٍ وَمَحْظُورَةً مَضْمُونَةً.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أن القيمة تسقط عَلَى قَدْرِ الْمَسَافَتَيْنِ فِي الطُّولِ وَالْقِصَرِ فَيَسْقُطُ عَنْهُ مِنَ الْقِيمَةِ قَدْرُ مَا قَابَلَ مَسَافَةَ الْإِجَارَةِ وَيَلْزَمُهُ مِنْهَا مَا قَابَلَ مَسَافَةَ الْعُدْوَانِ.
فَإِذَا كَانَ مِنْ مُرٍّ إِلَى مَكَّةَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مَيْلًا وَمِنْ مُرٍّ إِلَى عُسْفَانَ ثَلَاثِينَ مِيلًا لَزِمَهُ مِنْ قِيمَةِ الدَّابَّةِ ثَلَاثُونَ جُزْءًا مِنْ ثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا وَذَلِكَ خَمْسَةُ أَثْمَانِهَا وَأَصْلُ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ الْجَلَّادُ إِذَا أُمِرَ أَنْ يجلد رجلاً ثمانين سوطاً فجلده أَحَدًا وَثَمَانِينَ سَوْطًا فَمَاتَ كَانَ فِي قَدْرِ مَا يَضْمَنُهُ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: نِصْفُ الدِّيَةِ.
وَالثَّانِي: جُزْءٌ مِنْ أَحَدٍ وَثَمَانِينَ جُزْءًا مِنَ الدِّيَةِ.
فَإِنْ قِيلَ فَإِذَا كَانَ صَاحِبُهَا مُشَاهِدًا لِلرُّكُوبِ غَيْرَ مُنْكِرٍ لَهُ كَانَ ذَلِكَ بِرَضًى مِنْهُ فَوَجَبَ سُقُوطُ الضَّمَانِ قِيلَ الرِّضَا الَّذِي يُوجِبُ سُقُوطَ الضَّمَانِ مَا كَانَ إِذْنًا بِالْقَوْلِ وَلَيْسَ السُّكُوتُ إِذْنًا فِي اسْتِهْلَاكِ الْأَمْوَالِ أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلًا خَرَقَ ثَوْبًا عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ يَرَاهُ لَزِمَهُ ضَمَانُهُ وَلَمْ يَسْقُطْ بِسُكُوتِهِ وَإِنْ كَانَ تَلِفَ الدَّابَّةَ بَعْدَ نُزُولِ الرَّاكِبِ عَنْهَا وَحُصُولِهَا فِي يَدِ صَاحِبِهَا فَلَا ضَمَانَ عَلَى الرَّاكِبِ لِأَنَّهُ قَدْ بَرِئَ مِنَ الضَّمَانِ بِرَدِّهَا عَلَى الْمَالِكِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ رُكُوبُ التَّعَدِّي قَدْ نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهَا فَيَضْمَنَ قَدْرَ نَقْصِهَا.
وَإِنْ لَمْ تَتْلَفِ الدَّابَّةُ وَلَكِنْ نَقَصَتْ قِيمَتُهَا نُظِرَ فَإِنْ كَانَ نَقْصُ قِيمَتِهَا بِغَيْرِ الرُّكُوبِ لَمْ يَضْمَنْهُ الرَّاكِبُ وَإِنْ كَانَ بِالرُّكُوبِ فَمَا قَابَلَ الْمُبَاحَ مِنْهُ لَمْ يَضْمَنْهُ وَمَا قَابَلَ الْمَحْظُورَ ضَمِنَهُ وَسَوَاءٌ كَانَ صَاحِبُهَا مَعَهَا أَمْ لَا لِأَنَّهُ ضَمَانُ جِنَايَةٍ وَإِنْ كَانَتِ الدَّابَّةُ عَلَى حَالِهَا لَمْ يَضْمَنِ الرَّاكِبُ غَيْرَ الأجرة والله أعلم.

مسألة

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَلَهُ أَنْ يُؤَاجِرَ دَارَهُ وَعَبْدَهُ ثَلَاثِينَ سَنَةً ". الْإِجَارَةُ عَلَى سَنَةٍ وَاحِدَةٍ فَيَجُوزُ لِأَنَّ الْغَرَرَ يَسِيرٌ فِيهَا وَالضَّرُورَةُ دَاعِيَةٌ إِلَيْهَا فَأَمَّا مَا زَادَ عَلَى السَّنَةِ فَقَدْ حُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ جَوَّزَهَا إِلَى خَمْسِ سِنِينَ أَوْ سِتِّ سِنِينَ لَا غَيْرَ وَلِلشَّافِعِيِّ فِيمَا زَادَ عَلَى السَّنَةِ الْوَاحِدَةِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ غَرَرٌ لِأَنَّهَا عَقْدٌ عَلَى مَنَافِعَ قَدْ تُسَلَّمُ وَقَدْ لَا تُسَلَّمُ فَإِذَا قَلَّ الزَّمَانُ قَلَّ غَرَرُهَا فَجَازَ وَإِذَا طَالَ الزَّمَانُ كَثُرَ غَرَرُهَا فَبَطَلَ كَالْخِيَارِ وَالسَّنَةُ الْوَاحِدَةُ هِيَ الْمُدَّةُ الَّتِي تَكْمُلُ فِيهَا مَنَافِعُ الزِّرَاعَةِ فِي الْأَرَضِينَ وَلَا يَتَغَيَّرُ غَالِبًا فِيهَا الْحَيَوَانَاتُ وَالدُّورُ فَلِذَلِكَ تَقَدَّرَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ بِهَا وَبَطَلَتْ فِيمَا جَاوَزَهَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ هُنَا أَنَّ الْإِجَارَةَ تَجُوزُ أَكْثَرَ من سنة قال الشافعي ههنا ثَلَاثِينَ سَنَةً وَقَالَ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ مَا شَاءَ وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْلِ قَوْله تَعَالَى {قَالَ

إِنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ) {القصص: 27) فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى جَوَازِ الْإِجَارَةِ سِنِينَ وَرُوِيَ أَنَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَكَارَى أَرْضًا وَلَمْ تَزَلْ بِيَدِهِ حَتَّى مَاتَ قَالَ ابْنُهُ: مَا كُنْتُ أَرَاهَا إِلَّا لَهُ مِنْ طُولِ مَا مَكَثَتْ بِيَدِهِ حَتَّى ذَكَرَهَا عِنْدَ مَوْتِهِ وَأَمَرَنَا بِقَضَاءِ شَيْءٍ بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِرَائِهَا مِنْ ذهبٍ أَوْ ورقٍ وَلِأَنَّ الضَّرُورَةَ قَدْ تَدْعُو فِي الْإِجَارَةِ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ لَا سِيَّمَا فِي الْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ فَصَحَّتْ فِيمَا زَادَ عَلَى السَّنَةِ لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ كَمَا صَحَّتْ فِي السَّنَةِ وَلِأَنَّ الْإِجَارَةَ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ كَمَا أَنَّ الْبَيْعَ عَقْدٌ عَلَى عَيْنٍ ثُمَّ لَمَّا لَمْ تَتَقَدَّرْ بُيُوعُ الْأَعْيَانِ فَكَذَلِكَ لَا تَتَقَدَّرُ بُيُوعُ الْمَنَافِعِ.

فَصْلٌ

: فَإِذَا صَحَّ بِتَوْجِيهِ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ الْإِجَارَةَ تَجُوزُ أكثر من سنة فقد قال الشافعي ههنا تَجُوزُ ثَلَاثِينَ سَنَةً فَكَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَجْعَلُ الثَّلَاثِينَ حَدًّا عَلَى ظَاهِرِ لَفْظِهِ وَيَمْنَعُ مِمَّا زَادَ عَلَيْهَا اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ الثَّلَاثِينَ شَطْرُ الْعُمْرِ فِي الْغَالِبِ فَكَانَ مَا زَادَ عَلَيْهِ لِغَيْرِ الْعَاقِدِ وَذَهَبَ سَائِرُ أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّ الثَّلَاثِينَ لَيْسَ بِحَدٍّ وَتَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْهَا عَلَى مَا يَشَاءُ الْمُتَعَاقِدَانِ.
وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ وَلَهُمْ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ التَّكْثِيرِ لَا عَلَى طَرِيقِ التَّحْدِيدِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَالَهُ رَدًّا عَلَى قَوْمٍ جَعَلُوا مَا دُونَ الثَّلَاثِينَ حَدًّا لِلْجَوَازِ وَجَعَلُوا الثَّلَاثِينَ حَدًّا لِلْمَنْعِ وَالْفَسَادِ.

فَصْلٌ

: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهَا غَيْرُ مَحْدُودَةِ الْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ فَأَقَلُّ مُدَّتِهَا مَا أَمْكَنَ فِيهِ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا وَذَلِكَ قَدْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمُؤَاجَرِ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ دَارٌ لِلسُّكْنَى جَازَتْ إِجَارَتُهَا يَوْمًا وَاحِدًا أو أقل من ذلك تافه لم يجربه عُرْفٌ لَمْ يَصِحَّ بِهِ عَقْدٌ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَرْضًا لِلزِّرَاعَةِ فَأَقَلُّهَا مُدَّةُ زِرَاعَتِهَا.
فَأَمَّا أَكْثَرُ الْمُدَّةِ فَهُوَ مَا عُلِمَ بَقَاءُ الشَّيْءِ الْمُؤَاجَرِ فِيهَا فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَرْضًا تَأَبَّدَ بَقَاؤُهَا وَإِنْ كَانَ دَارًا رُوعِيَ فِيهَا مُدَّةً يَبْقَى فِيهَا بِنَاؤُهَا وَإِنْ كَانَ حَيَوَانًا رُوعِيَ فِيهِ الْأَغْلَبُ مِنْ مُدَّةِ حَيَاتِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ : فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَإِنْ عُقِدَتِ الْإِجَارَةُ عَلَى سَنَةٍ لَمْ يَلْزَمْ تَقْسِيطُ الْأُجْرَةِ عَلَى شُهُورِهَا لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ وَلِأَنَّ شُهُورَ السَّنَةِ الْوَاحِدَةِ فِي الْغَالِبِ إِنَّهَا مُتَسَاوِيَةٌ وَالْمُؤَاجَرَةُ فِيهَا عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَإِنْ عُقِدَتِ الْإِجَارَةُ عَلَى سِنِينَ كَثِيرَةٍ فَهَلْ يَلْزَمُ تَقْسِيطُ الْأُجْرَةِ عَلَى كُلِّ سَنَةٍ مِنْهَا أَمْ لَا عَلَى قَوْلَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: لَا يَلْزَمُ كَمَا لَا يَلْزَمُ تَقْسِيطُهَا عَلَى الشُّهُورِ وَالْأَيَّامِ وَكَمَا لَا يَلْزَمُ تَقْسِيطُ الثَّمَنِ عَلَى أَعْيَانِ الصَّفْقَةِ وَإِنْ كَثُرَتْ وَاخْتَلَفَتْ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ تَقْسِيطَهَا عَلَى سِنِيِّ الْإِجَارَةِ واجب وإن لم يجب تقسيطها على الشهور فإن لم يذكر قسط كل سنة بطلت الإجارة.
ووجه ذلك أن عقد الْإِجَارَةِ غَيْرُ مُنْبَرِمٍ بِخِلَافِ بُيُوعِ الْأَعْيَانِ الْمُنْبَرِمَةِ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ السَّلَامَةِ وَالْعَطَبِ مَا لَمْ يُذْكَرْ قِسْطُ كُلِّ سَنَةٍ مِنْهَا وَأُجُورُ السِّنِينَ قَدْ تَخْتَلِفُ فَيَتَعَذَّرُ الْعِلْمُ بِقَدْرِ مَا يَسْتَحِقُّ الرُّجُوعَ بِهِ مِنَ الْأُجْرَةِ عِنْدَ انْتِقَاضِ الْإِجَارَةِ فِي بَعْضِ الْمُدَّةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ شُهُورُ السَّنَةِ الْمُتَمَاثِلَةِ غَالِبًا.
وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ كَاخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي السَّلَمِ إِذَا جَمَعَ أَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةً أَوْ إِلَى آجَالٍ مُخْتَلِفَةٍ هَلْ يَلْزَمُ تَقْسِيطُ الثَّمَنِ عَلَى كُلِّ جِنْسٍ مِنْهَا لِأَنَّ عَقْدَ السَّلَمِ غَيْرُ مُنْبَرِمٍ كَالْإِجَارَةِ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ سَلَامَةٍ وَعَطَبٍ.
فَإِنْ قِيلَ إِنْ تَقْسِيطَ الْأُجْرَةِ عَلَى السِّنِينَ وَاجِبٌ جَازَ أَنْ يُسَاوِيَ بَيْنَ أُجُورِ السِّنِينَ وَيُفَاضِلَ فَإِنْ بَطَلَتِ الْإِجَارَةُ فِي بَعْضِ الْمُدَّةِ رَجَعَ بِالْمُسَمَّى لَهَا مِنَ الْأُجْرَةِ.
وَإِنْ قِيلَ إِنَّ تَقْسِيطَهَا على السين لَيْسَ بِوَاجِبٍ فَبَطَلَتِ الْإِجَارَةُ فِي بَعْضِ الْمُدَّةِ قُدِّرَتْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ فِيمَا مَضَى مِنَ السِّنِينَ وَأُجْرَةُ الْمِثْلِ فِيمَا بَقِيَ وَرُبَّمَا تَفَاضَلَ ذَلِكَ بِحَسَبِ الزَّمَانِ أَوْ بِتَغَيُّرِ الْمُؤَاجِرِ ثُمَّ يُقَسَّطُ الْمُسَمَّى عَلَى ذَلِكَ وَنَنْظُرُ حِصَّةَ بَاقِي الْمُدَّةِ مِنَ الْمُسَمَّى فَيَكُونُ هُوَ الْقَدْرُ الْمَرْجُوعُ بِهِ.

فَصْلٌ

: فَأَمَّا إِذَا أَجَّرَ دَارَهُ كُلَّ شَهْرٍ بِدِينَارٍ وَلَمْ يَذْكُرْ عَدَدَ الشُّهُورِ وَغَايَتَهَا لَمْ تَصِحَّ الْإِجَارَةُ فِيمَا عَدَا الشَّهْرَ الْأَوَّلَ لِلْجَهَالَةِ بِمَبْلَغِهِ فَصَارَ كَقَوْلِهِ أَجَّرْتُهَا مُدَّةً.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي صِحَّتِهَا وَلُزُومِهَا فَيَ الشَّهْرِ الْأَوَّلِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْإِجَارَةَ فِيهِ صَحِيحَةٌ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ الْأَصَحُّ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ لِكَوْنِهِ وَاحِدًا مِنْ عَدَدٍ مَجْهُولٍ فَلَمْ يَتَمَيَّزْ فِي الْحُكْمِ.
وَقَالَ أبو حنيفة الْإِجَارَةُ صَحِيحَةٌ وَلِلْمُسْتَأْجِرِ فَسْخُ الْإِجَارَةِ فِي كُلِّ شَهْرٍ قَبْلَ دُخُولِهِ فَإِذَا دَخَلَ قَبْلَ فَسْخِهِ لَزِمَهُ وَجَعَلَ إِطْلَاقَ الشُّهُورِ مَعَ تَسْمِيَةِ الْأُجْرَةِ لِكُلِّ شَهْرٍ جَارِيًا مَجْرَى بَيْعِ الصُّبْرَةِ الْمَجْهُولَةِ الْقَدْرِ إِذَا سمى ثمن كل قفيز وَهَذَا خَطَأٌ لِلْجَهَالَةِ بِمَا تَنَاوَلَهُ الْعَقْدُ مِنَ الشُّهُورِ بِخِلَافِ الصُّبْرَةِ الَّتِي قَدْ أُشِيرَ إِلَيْهَا وَيَنْحَصِرُ كَيْلُهَا وَلِأَنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ تَصِحَّ الْإِجَارَةُ فَلَا يَكُونَ لَهُ فَسْخُهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ أَوْ تَبْطُلَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهَا مَعَ الْعُذْرِ.

وَيَلْزَمُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ إِنْ سَكَنَ دُونَ الْمُسَمَّى والله أعلم.

مسألة

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَأَيُّ الْمُتَكَارِيَيْنِ هَلَكَ فَوَرَثَتُهُ تَقُومُ مَقَامَهُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْإِجَارَةَ لَا تَبْطُلُ بِمَوْتِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ هُوَ الْمُؤَجِّرَ فَإِنْ كَانَ قَدْ قَبَضَ الْأُجْرَةَ بَرِئَ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْهَا وَعَلَى الْوَارِثِ تَمْكِينُهُ مِنَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ إِلَى انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمُؤَجِّرُ قَدْ قَبَضَهَا فَلِلْوَارِثِ مُطَالَبَةُ الْمُسْتَأْجِرِ بِهَا فَإِنْ كَانَتْ مُؤَجَّلَةً أَوْ مُنَجَّمَةً فَهِيَ إِلَى أَجَلِهَا وَعَلَى نُجُومِهَا لَا تُتَعَجَّلُ بِمَوْتِ مُسْتَحِقِّهَا.
وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ هُوَ الْمُسْتَأْجِرَ فَعَلَى الْمُؤَجِّرِ تَمْكِينُ وَارِثِهِ مِنَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ فَإِنْ كَانَ قَدْ قَبَضَ الْأُجْرَةَ فَلَا مُطَالَبَةَ عَلَى الْوَارِثِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَبَضَ وَهِيَ مُؤَجَّلَةٌ أَوْ مُنَجَّمَةٌ حَلَّتْ لِأَنَّ مَوْتَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ الْمُؤَجَّلُ يُوجِبُ حُلُولَهُ وَلَا يُوجِبُهُ مَوْتُ مَنْ هُوَ لَهُ.

فَصْلٌ

: إِذَا اسْتَأْجَرَ الرَّجُلُ دَارًا ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَجِّرَهَا بَعْدَ قَبْضِهَا مَا بَقِيَ لَهُ مِنْ مُدَّةِ إِجَارَتِهِ نُظِرَ فَإِنْ أَجَّرَهَا مِنْ غَيْرِ مُؤَجِّرِهَا جَازَ سَوَاءٌ أَجَّرَهَا بِمِثْلِ الْأُجْرَةِ أَوْ بِأَقَلَّ أَوْ بِأَكْثَرَ أَحَدَثَ فِيهَا عِمَارَةً أَوْ لَمْ يُحْدِثْ وَإِنْ أَجَّرَهَا مِنْ مُؤَجِّرِهَا فَفِي جَوَازِ الْإِجَارَةِ وَجْهَانِ: فَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ: أَنَّهَا تَحْدُثُ عَلَى مِلْكِ الْمُؤَجِّرِ فَعَلَى هَذَا لَا يَصِحُّ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مَا أَجَّرَهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا تَحْدُثُ عَلَى مِلْكِ الْمُسْتَأْجِرِ فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَاجِرَ مِنَ الْمُؤَجِّرِ وَقَدْ أَشَارَ الشَّافِعِيُّ إِلَى هَذَا فِي كِتَابِ الرَّهْنِ.
وَقَالَ أبو حنيفة إِنْ أَجَّرَهَا مِنَ الْمُؤَجِّرِ بِمِثْلِ الْأُجْرَةِ أَوْ أَكْثَرَ صَحَّ وَإِنْ أَجَّرَهَا مِنْهُ بِأَقَلَّ لَمْ يَجُزْ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِيمَنِ ابْتَاعَ سِلْعَةً ثُمَّ بَاعَهَا عَلَى بَائِعِهَا بِأَقَلَّ لَمْ يَجُزْ.
قَالَ وَإِنْ أَجَّرَهَا مِنْ غَيْرِ مُؤَجِّرِهَا بِمِثْلِ الْأُجْرَةِ أَوْ بِأَقَلَّ جَازَ فَإِنْ أَجَّرَهَا بِأَكْثَرَ لَمْ يَجُزْ إِلَّا يَكُونُ الْمُسْتَأْجِرُ قَدْ أَحْدَثَ فِيهَا عِمَارَةً لِتَكُونَ الزِّيَادَةُ فِي مُقَابَلَةِ عَيْنٍ تُرَى.
وَدَلِيلُنَا هُوَ أَنَّ مَنْ مَلَكَ الْإِجَارَةَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ لَمْ تَتَقَدَّرْ عَلَيْهِ الْأُجْرَةُ كَالْمَالِكِ وَلِأَنَّ كُلَّ قَدْرٍ صَحَّ أَنْ يُؤَجِّرَ بِهِ الْمُؤَجِّرُ صَحَّ أَنْ يُؤَجِّرَ بِهِ الْمُسْتَأْجِرُ كَالْمِثْلِ وَلِأَنَّ كُلَّ حَالٍ جَازَ لَهُ الْعَقْدُ فِيهَا بِقَدْرٍ جَازَ لَهُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ أَحْدَثَ عِمَارَةً وَلِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ مَلَكَهَا بِعِوَضٍ فَصَحَّ أَنْ يُزِيلَ مِلْكَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الْعِوَضِ كَالزَّوْجِ يَجُوزُ أَنْ يُخَالِعَ بِأَكْثَرَ مِنَ الصَّدَاقِ وَلِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ عَلَى مِلْكِ نَفْسِهِ فِيمَا لَا تُرَاعَى فِيهِ الْمُمَاثَلَةُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الْعِوَضِ إِلَيْهِ كَالْبَيْعِ.

فَصْلٌ

: فَأَمَّا إِذَا أَجَّرَ الرَّجُلُ دَارَهُ أراد المؤجر قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ وَبَعْدَهَا مِنَ الزَّمَانِ فَذَلِكَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُؤَجِّرَهَا مِنْ غَيْرِ مُسْتَأْجِرِهَا فَهَذَا عَقْدٌ بَاطِلٌ وَإِجَارَةٌ فَاسِدَةٌ لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ يَدَ الْمُسْتَأْجِرِ الْأَوَّلِ حَائِلَةٌ تَمْنَعُ يَدَ الْمُسْتَأْجِرِ الثَّانِي فَبَطَلَ عَقْدُهُ لِزَوَالِ يَدِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ مُعَيَّنًا وَكَانَ قَبْضُهُ مُتَأَخِّرًا بَطَلَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ شرط

تَأْخِيرَ الْقَبْضِ فِي مُعَيَّنٍ بِعَقْدِ إِجَارَةٍ أَوْ بَيْعٍ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يُؤَجِّرَهَا مِنْ مُسْتَأْجِرِهَا مِثْلَ أَنْ يُؤَجِّرَهُ إِيَّاهَا سَنَةً ثُمَّ يُؤَجِّرَهُ سَنَةً ثَانِيَةً قَبْلَ مُضِيِّ تِلْكَ السَّنَةِ قَالَ الشَّافِعِيُّ صَحَّ الْعَقْدُ لِأَنَّ الْيَدَ لَهُ وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ يَدٌ تَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا اسْتَأْجَرَهُ وَلِأَنَّ سُكْنَاهُ فِي السَّنَتَيْنِ مُتَّصِلٌ فَصَارَ الْقَبْضُ مُعَجَّلَا كَمَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي عَقْدٍ.
وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إِلَى خِلَافِ مَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فَأَبْطَلَ الْإِجَارَةَ كَمَا لَوْ عُقِدَتْ مَعَ غَيْرِ الْمُسْتَأْجِرِ وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ فَسَادُ قَوْلِهِ وَفَرَّقَ بَيْنَ الْمُسْتَأْجِرِ وَغَيْرِهِ.

فَصْلٌ

: وَإِذَا أَجَّرَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ ثُمَّ أَعْتَقَهُ صَحَّ الْعِتْقُ وَالْإِجَارَةُ عَلَى لُزُومِهَا إِلَى انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ وَالْأُجْرَةُ لِلسَّيِّدِ دُونَ الْعَبْدِ لِأَنَّهُ قَدْ مَلَكَهَا بِعَقْدٍ، وَهَلْ لِلْعَبْدِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى سَيِّدِهِ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ بَعْدَ عِتْقِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَرْجِعُ بِهَا لِأَنَّهُ قَدْ فَوَّتَ عَلَيْهِ بِعَقْدِهِ مَا قَدْ مَلَكَهُ مِنْ مَنَافِعِ نَفْسِهِ بِالْعِتْقِ فَعَلَى هَذَا تَكُونُ نَفَقَةُ الْعَبْدِ بَعْدَ عِتْقِهِ عَلَى نَفْسِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا رُجُوعَ لَهُ لِاسْتِحْقَاقِ ذَلِكَ عَلَيْهِ قَبْلَ عِتْقِهِ.
فَعَلَى هَذَا فِي نَفَقَتِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: عَلَى سَيِّدِهِ اسْتِيفَاءٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حُكْمَيِ الْإِجَارَةِ وَالنَّفَقَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: فِي بَيْتِ الْمَالِ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَتِهَا وَلَكِنْ لَوْ أَجَّرَ دَارًا ثُمَّ وَقَفَهَا صَحَّ الْوَقْفُ وَالْإِجَارَةُ بِحَالِهَا وَلَمْ يَرْجِعْ مَنْ وُقِفَتْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ أُجْرَةِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ قَوْلًا وَاحِدًا وَاخْتَصَّ الْوَاقِفُ بِهَا إِلَى انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ لِأَنَّ الْوَقْفَ مَقْصُورُ الْحُكْمِ عَلَى شُرُوطِ وَاقِفِهِ بِخِلَافِ الْعِتْقِ.
وَأَمَّا إِذَا أَجَّرَ عَبْدَهُ ثُمَّ كَاتَبَهُ فَالْكِتَابَةُ بَاطِلَةٌ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بِهَا مَنَافِعَ نَفْسِهِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ إِجَارَتِهِ وَلَوْ كَانَ قَدِ ابْتَدَأَ بِكِتَابَتِهِ ثُمَّ أَجَّرَهُ صَحَّتِ الْكِتَابَةُ وَبَطَلَتِ الْإِجَارَةُ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يَمْلِكُ مَنَافِعَهُ بَعْدَ الْكِتَابَةِ وَلَكِنْ لَوْ أَجَّرَهُ ثُمَّ دَبَّرَهُ أَوْ دَبَّرَهُ ثُمَّ أَجَّرَهُ صَحَّ التَّدْبِيرُ وَالْإِجَارَةُ جَمِيعًا بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ لِأَنَّ السَّيِّدَ يَمْلِكُ مَنَافِعَ مُدَبِّرِهِ بِتَدْبِيرِهِ وَلَا يَمْلِكُ مَنَافِعَ مُكَاتِبِهِ.
وَلَوْ أَجَّرَ أَمَتَهُ ثُمَّ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ فَالْإِجَارَةُ بِحَالِهَا وَكَذَلِكَ لَوْ أَجَّرَهَا بَعْدَ أَنْ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ صَحَّتِ الْإِجَارَةُ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِمَنَافِعِهَا.
فَصْلٌ : وَإِذَا اسْتَأْجَرَ الرَّجُلُ دَارًا فَوَجَدَ مَاءَ بِئْرِهَا مُتَغَيِّرًا قَالَ أبو حنيفة: إِنْ أَمْكَنَ الْوُضُوءُ بِهِ فَلَا خِيَارَ لِلْمُسْتَأْجِرِ وَعِنْدَنَا أَنَّهُ إِنْ خَالَفَ مَعْهُودَ آبَارِ تِلْكَ النَّاحِيَةِ فَلَهُ الْخِيَارُ.
فَإِنْ كَانَ مَعْهُودُهُمُ الشُّرْبَ مِنْ آبَارِهِمْ فَإِذَا كَانَ تَغَيُّرُهُ يَمْنَعُ مِنْ شُرْبِهِ فَلَهُ الْخِيَارُ وَإِنْ أَمْكَنَ الْوُضُوءُ بِهِ وَإِنْ كَانَ مَعْهُودُهُمُ أَنْ لَا يَشْرَبُوا مِنْهَا فَلَا خِيَارَ إِلَّا أَنْ لَا يُسْتَطَاعَ الْوُضُوءُ مِنْهَا وَلَوْ نَقَصَ مَاءُ الْبِئْرِ فَإِنْ كَانَ مَعْهُودًا فِي وَقْتِهِ فَلَا خِيَارَ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَعْهُودٍ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَإِنْ كَانَ مَعَ نُقْصَانِهِ كَافِيًا لِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ شُرْبٍ أَوْ طَهُورٍ فَلَا خِيَارَ لَهُ وَإِنْ كَانَ مُقَصِّرًا فَلَهُ الْخِيَارُ.
فَأَمَّا رَحَى الْمَاءِ إِذَا تَغَيَّرَ مَاؤُهُ فَلَا خِيَارَ لِمُسْتَأْجِرِهِ لِأَنَّهُ لَا يُوهَنُ فِي عَمَلِهِ.
وَلَوْ نَقَصَ مَاؤُهُ فَلَهُ الْخِيَارُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْهُودًا فِي وَقْتِهِ فَلَا خِيَارَ فِيهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

باب كراء الإبل وغيرها

مسألة

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَكِرَاءُ الْإِبِلِ جائزٌ لِلْمَحَامِلِ وَالزَّوَامِلِ وَالرِّجَالِ وَكَذَلِكَ الدَّوَابُّ لِلسُّرُوجِ وَالْأَكُفِّ وَالْحَمُولَةِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: ذَكَرَ الشافعي في الإجارات ثلاثة كتب: أحدهما: إِجَارَةُ الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ وَقَدْ مَضَى.
وَالثَّانِي: إِجَارَةُ الْإِبِلِ وَالْبَهَائِمِ وَهُوَ هَذَا.
وَالثَّالِثُ: تَضْمِينُ الْأُجَرَاءِ ويأتي.
ورووا وَإِجَارَةُ الْبَهَائِمِ جَائِزَةٌ لِرِوَايَةِ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ إِنِّي رجلٌ أُكْرِي إِبِلِي أَفَتُجْزِئُ عَنِّي مِنْ حَجَّتِي فَقَالَ: أَلَسْتَ تُلَبِّي وَتَقِفُ وَتَرْمِي؟ قُلْتُ بَلَى.
قَالَ ابْنُ عُمَرَ سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عما سألتني عنه فلم يجبه حتى أنزل اللَّهُ تَعَالَى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ) {البقرة: 198) وَقَالَ تَعَالَى: {وَالْخَيْلَ وَالبِغَالَ وَالحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا) {النحل: 8) فكان عَلَى عُمُومِ الْإِبَاحَةِ فِي رُكُوبِهَا بِالْمِلْكِ وَالْإِجَارَةِ ولأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَدْ شَاهَدَ النَّاسَ عَلَى هَذَا فَأَقَرَّهُمْ عَلَيْهِ فَصَارَ شَرْعَا.
وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ قَدْ عَمِلَتِ بِهِ وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ فَصَارَ إِجْمَاعًا وَلِأَنَّ الضَّرُورَةَ دَاعِيَةٌ إِلَيْهِ وَالْحَاجَةَ بَاعِثَةٌ عَلَيْهِ فَكَانَ مُبَاحًا.
مسألة قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: " فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَالْحَيَوَانُ ضَرْبَانِ: مُنْتَفَعٌ بِهِ وَغَيْرُ مُنْتَفَعٍ بِهِ فَمَا كَانَ غَيْرَ مُنْتَفَعٍ بِهِ لَمْ تَجُزْ إِجَارَتُهُ لِعَدَمِ الْمَنْفَعَةِ الَّتِي يَتَوَجَّهُ الْعَقْدُ إِلَيْهَا وَمَا كَانَ مُنْتَفَعًا بِهِ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أحدهما: ما كانت منفعته أعياناً كالدور وَالنَّسْلِ فَإِجَارَتُهُ لَا تَجُوزُ كَمَا لَا تَجُوزُ فِي النَّخْلِ وَالشَّجَرِ لِأَنَّ الْأَعْيَانَ يُمْكِنُ الْعَقْدُ عَلَيْهَا بَعْدَ حُدُوثِهَا فَلَمْ يَجُزْ قَبْلَهُ بِخِلَافِ مَنَافِعِ الْآثَارِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا كَانَتْ مَنْفَعَتُهُ آثَارًا وَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: ظَهْرٌ وَعَمَلٌ.
فَأَمَّا الظَّهْرُ فَكَالْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَالْإِبِلِ وَبَعْضِ الْبَقَرِ فَإِجَارَةُ ظَهْرِهَا جَائِزَةٌ لِلرُّكُوبِ وَالْحَمُولَةِ عَلَى مَا سَنَصِفُهُ.
وَأَمَّا الْعَمَلُ فَكَالْحَرْثِ وَإِدَارَةِ الدَّوَالِيبِ وَالِاصْطِيَادِ فَإِجَارَةُ عَمَلِهَا جَائِزَةٌ وَسَوَاءٌ فِيهِ

الْآدَمِيُّونَ وَالْبَهَائِمُ لِإِبَاحَةِ مَنَافِعِهِمْ مَا لَمْ يَكُنْ حَيَوَانًا نَجِسًا فَإِنْ كَانَ نَجِسًا كَالْكَلْبِ يُنْتَفَعُ بِهِ فِي صَيْدٍ أَوْ حَرْثٍ أَوْ مَاشِيَةٍ فَفِي جَوَازِ إِجَارَتِهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا فِي مَنْفَعَةِ الْكَلْبِ هَلْ هِيَ مَمْلُوكَةٌ أَوْ مُسْتَبَاحَةٌ فَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ: أَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لِجَوَازِ التَّصَرُّفِ فِيهَا كَالتَّصَرُّفِ فِي مَنَافِعِ سَائِرِ الْمَمْلُوكَاتِ فَعَلَى هَذَا تَجُوزُ إِجَارَتُهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا مُسْتَبَاحَةٌ غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَصِحَّ مِلْكُ الرَّقَبَةِ وَلَا الْمُعَاوَضَةِ عَلَيْهَا لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ فِي مَنَافِعِهَا الَّتِي هِيَ تَبَعٌ لَهَا فعلى هذا لا تجوز إجارته.

مسألة

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَلَا يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ مغيبٌ حَتَّى يَرَى الراكبين وظوف المحمل والوطاء والظل إن شرطه لأن ذلك يختلف فيتباين والحمولة بوزنٍ معلومٍ أو كيلٍ معلومٍ في ظروفٍ ترى أو تكون إذا شرطت عرفت مثل غرائر جبليةٍ وما أشبه هذا وإن ذكر محملاً أو مركباً أو زاملةً بغير رؤيةٍ ولا صفةٍ فهو مفسوخٌ للجهل بذلك وإن أكراه محملاً وأراه إياه وقال معه معاليق أو قال ما يصلحه فالقياس أنه فاسدٌ ومن الناس من يقول له بقدر ما يراه الناس وسطاً ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ.
كِرَاءُ الْبَهَائِمِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا يُكْتَرَى لِلرُّكُوبِ.
والثاني: ما يكتري للمحمولة.
وَالثَّالِثُ: مَا يُكْتَرَى لِلْعَمَلِ.
فَأَمَّا مَا يُكْتَرَى لِلرُّكُوبِ فَيَحْتَاجُ إِلَى ثَلَاثَةِ شُرُوطٍ.
أَحَدُهَا: ذِكْرُ جِنْسِ الْمَرْكُوبِ مِنْ فَرَسٍ أَوْ بَغْلٍ أَوْ حِمَارٍ أَوْ بَعِيرٍ لِأَنَّ أَغْرَاضَ النَّاسِ فِيهَا مُخْتَلِفَةٌ لِمَا فِيهَا مِنَ الْجَمَالِ وَالْقُبْحِ وَلِأَنَّ وَطَاءَ ظَهْرِهَا مُتَبَايِنٌ وَسَيْرَهَا مُخْتَلِفٌ فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ جِنْسَ الْمَرْكُوبِ بَطَلَتِ الْإِجَارَةُ فَأَمَّا ذِكْرُ نَوْعِهِ وَصِفَتِهِ فَلَا يَلْزَمُ لِأَنَّ تَأْثِيرَ ذَلِكَ في القيم.
فإن أركبه خطماً أَوْ قَحْمًا أَوْ ضَرْعًا فَذَلِكَ مَعِيبٌ فَلَهُ الرَّدُّ فَأَمَّا صِفَةُ مَشْيِهِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَخْتَلِفُ مَشْيُ جِنْسِهِ كَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَالْإِبِلِ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى ذِكْرِهِ فِي الْعَقْدِ.
وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَخْتَلِفُ مَشْيُهُ كَالْخَيْلِ وُصِفَ مَشْيُ الْمَرْكُوبِ مِنْ مُهَمْلَجٍ أَوْ قَطُوفٍ فَإِنْ أَخَلَّ بذلك احتمل وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: صِحَّةُ الْإِجَارَةِ وَرَكِبَ الْأَغْلَبَ مِنْ خَيْلِ النَّاسِ.
وَالثَّانِي: بُطْلَانُهَا لِمَا فِيهِ مِنَ التباين واختلاف الأغراض وهذا فِيمَا وُصِفَ بِالْعَقْدِ وَلَمْ يُعَيَّنْ.
فَأَمَّا مَا عُيِّنَ بِالْعَقْدِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ فِيهِ فَيَصِيرُ الْمَرْكُوبُ مَعْلُومًا بِأَحَدِ وَجْهَيْنِ: إِمَّا بِالتَّعْيِينِ وَالْإِشَارَةِ وَإِمَّا بِالذِّكْرِ وَالصِّفَةِ وَيَصِحُّ الْعَقْدُ فِيهِمَا وهما فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ، وَالشَّرْطُ الثَّانِي تَعْيِينُ الرَّاكِبِ بِالْمُشَاهَدَةِ دُونَ الصِّفَةِ فَإِنْ وُصِفَ الرَّاكِبُ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ وَلَا مُشَاهَدَةٍ لَمْ يَجُزْ لِاخْتِلَافِ حَالِ الرَّاكِبِ فِي بَدَنِهِ وَحَرَكَاتِهِ الَّتِي لَا تُضْبَطُ بِالصِّفَةِ.

فصول الكتاب · 30 فصل · 608 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الحاوي الكبير · 608 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كِتَابُ الْبُيُوعِ
كتاب الإقرار
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كتاب العارية
كتاب الغصب
كِتَابُ الشَّرْطِ فِي الرَّقِيقِ يَشْتَرِطُهُمُ الْمُسَاقِي
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ الْعَطَايَا وَالصَّدَقَاتِ
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب الصداق
كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع
كتاب السير
كتاب مختصر الجامع من كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب النذور
كِتَابُ الْعِتْق
كتاب عتق أمهات الأولاد من كتب
جارٍ التحميل