كتاب السير
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الماوردي
- الكتاب
- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
- المحقق
- الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1419 هـ -1999 م
- عدد الأجزاء
- 19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
من خمسة كتب: الجزية، والحكم في أهل الكتاب، وإملاء على كتاب الواقدي وإملاء على غزوة بدر، وإملاء على كتاب اختلاف أبي حنيفة والأوزاعي)
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى اخْتَارَ لِرِسَالَتِهِ، وَاصْطَفَى لِنُبُوَّتِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قَصِيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ فَبَعَثَهُ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، حِينَ وَهَتِ الْأَدْيَانُ، وَعُبِدَتِ الْأَوْثَانُ، وَغَلَبَ الْبَاطِلُ عَلَى الْحَقِّ، وَعَمَّ الْفَسَادُ فِي الْخَلْقِ؛ لِيَخْتِمَ بِهِ رُسُلَهُ، وَيُوَضِّحَ بِهِ سُبُلَهُ، وَيَسْتَكْمِلَ بِهِ دِينَهُ، وَيَحْسِمَ بِهِ مِنَ الْفَسَادِ، مَا عَمَّ، وَمِنَ الْبَاطِلِ مَا تم، فاختاره من بيت اشتهر فِيهِمْ مَبَادِئُ طَاعَتِهِ، وَقَوَاعِدُ عِبَادَتِهِ، بِالْبَيْتِ الَّذِي جَعَلَهُ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا، وَالْحَجِّ الَّذِي جَعَلَهُ فِي أُصُولِ الدِّينِ رُكْنًا، لِيَكُونُوا مُسْتَأْنِسِينَ بِتَدَيُّنٍ سَهْلٍ تَسْهُلُ بِهِ إِجَابَتُهُمْ، وَلَا يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ مَلِكٍ قَدِ اسْتَحْكَمَ مُعْتَقَدَهُمْ، فَتَصْعُبَ إِجَابَتُهُمْ لُطْفًا، تَسْهُلُ بِهِ الْمَبَادِئُ، وَأَحْكَمَ بِهِ الْعَوَاقِبَ، فَكَانَ مِنْ أَوَائِلِ التَّأْسِيسِ لِنُبُوَّتِهِ أَنْ كَثَّرَ اللَّهُ قُرَيْشًا بَعْدَ الْقِلَّةِ، وَأَعَزَّهُمْ بَعْدَ الذِّلَّةِ، وَجَعَلَهُمْ دَيَّانِينَ الْعَرَبِ، وَوُلَاةَ الْحَرَمِ، فَكَانَ أَوَّلَ من هجس في نفسه بظهور النُّبُوَّةِ مِنْهُمْ " كَعْبُ بْنُ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ " فَكَانَ يَجْمَعُ النَّاسَ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ، وَهُوَ سَمَّاهُ لِجَمْعِ النَّاسِ فِيهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَكَانَ يُسَمَّى عُرُوبَةَ، وَكَانَ يَخْطُبُ فِيهِ عَلَى قُرَيْشٍ، وَيَقُولُ بَعْدَ خُطْبَتِهِ حَرَمُكُمْ عَظِّمُوهُ، وَتَمَسَّكُوا بِهِ، فَسَيَأْتِي لَهُ بِنَاءٌ عَظِيمٌ، وَسَيَخْرُجُ بِهِ نَبِيٌّ كَرِيمٌ، وَاللَّهِ لَوْ كُنْتُ فِيهِ ذَا سَمْعٍ، وبصر، ويد، ورجل، لتنصبت تنصب الجمل، ول رقلت إِرْقَالَ الْفَحْلِ، ثُمَّ يَقُولُ:
(يَا لَيْتَنِي شَاهِدٌ فحواء دعوته ... إذا قريش تبقي الحق خذلانا)
وَهَذَا مِنْ فِطَرِ الْإِلْهَامِ، وَمَخَائِلِ الْعُقُولِ.
ثُمَّ انْتَقَلَتِ الرِّئَاسَةُ بَعْدَهُ إِلَى " قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ " فَجَدَّدَ بِنَاءَ الْكَعْبَةِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ بَنَاهَا بعد إبراهيم، وإسماعيل، وبن دَارَ النَّدْوَةِ لِلتَّحَاكُمِ، وَالتَّشَاجُرِ، وَالتَّشَاوُرِ، وَعَقْدِ الْأَلْوِيَةِ، وَهِيَ أَوَّلُ دَارٍ بُنِيَتْ بِمَكَّةَ، وَكَانُوا يُخَيِّمُونَ فِي جِبَالِهَا ثُمَّ بَنَى الْقَوْمُ دُورَهُمْ بِهَا
فَزَادَتِ الرِّئَاسَةُ، وَقَوِيَ تَأْسِيسُ النُّبُوَّةِ، ثُمَّ أُمِّرَتْ قُرَيْشٌ وَكَثُرَتْ حَتَّى قَصَدَهُمْ صَاحِبُ الْفِيلِ، لِهَتْكِ الْحَرَمِ، وَهَدْمِ الْكَعْبَةِ، وَسَبْيِ قُرَيْشٍ، فَأَخَذَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بِحَلْقَةِ الْبَابِ وَقَالَ: (يَا رَبِّ لَا نَرْجُو لَهُمْ سِوَاكَا ... )
(يَا رَبِّ فَامْنَعْ مِنْهُمْ حِمَاكَا ... )
(إِنَّ عَدُوَّ الْبَيْتِ مَنْ عَادَاكَا ... )
(امْنَعْهُمْ أَنْ يُخَرِّبُوا قُرَاكَا ... )
فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِمَا حكاه في كتابه العزيز ﴿طيرا أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصف مأكول﴾ فَهَلَكُوا جَمِيعًا فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: (أَنْتِ مَنَعْتَ الحبش والأقيالا ... )
(وَقَدْ رَعَوْا بِمَكَّةَ الْأَجْبَالَا ... )
(وَقَدْ خَشِينَا مِنْهُمُ الْقَتَالَا ... )
(وَكُلَّ أَمْرٍ لَهُمْ مِعْضَالَا ... ) 0
- (حَمْدًا وَشُكْرًا، لك ذا الجلالا ... )
قد شهد بِذَلِكَ تَأْسِيسُ النُّبُوَّةِ فِيهِمْ، وَبَقِيَ تَعْيِينُهَا فِي الْمَخْصُوصِ بِهَا مِنْهُمْ.
(فَصْلٌ)
: وَكَانَ مِنْ مَبَادِئِ أَمَارَاتِ النُّبُوَّةِ فِي رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِجَابَةُ دَعْوَةِ جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، حَتَّى هَلَكَ أَصْحَابُ الْفِيلِ، تَخْصِيصًا لَهُ بِالْكَرَامَةِ حِينَ خُصَّ بِالنُّبُوَّةِ، فِي وَلَدِهِ، ثُمَّ ظَهَرَ نُورُ النُّبُوَّةِ فِي وَجْهِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ، حَتَّى مَرَّ بِكَاهِنَةٍ مَنْ كَوَاهِنِ الْعَرَبِ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبٍ " فَرَأَتِ الْكَاهِنَةُ نُورَ النُّبُوَّةِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَقَالَتْ لَهُ: هَلْ لَكَ أَنْ تَقَعَ عَلَيَّ، وَلَكَ مِائَةُ نَاقَةٍ مِنَ الْإِبِلِ فَقَالَ: (أَمَّا الْحَرَامُ فَالْمَمَاتُ دُونَهُ ... وَالْحِلُّ لَا حِلَّ فَاسْتَبِينُهُ)
(فَكَيْفَ بِالْأَمْرِ الَّذِي تَبْغِينَهُ ... يَحْمِي الْكَرِيمُ عِرْضَهُ وَدِينَهْ)
وَمَضَى لِشَأْنِهِ، وَنَكَحَ آمِنَةَ، فَعَلَقَتْ مِنْهُ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَعَادَ فَمَرَّ بِالْكَاهِنَةِ فَعَرَضَ لَهَا، فَلَمْ تَرَ ذَلِكَ النُّورَ، فَقَالَتْ: قَدْ كَانَ هَذَا مَرَّةً فَالْيَوْمَ لَا، فَأُرْسِلَتْ مَثَلًا قَالَ: ثُمَّ وُلِدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَامَ الْفِيلِ، عَلَى مَا رَوَاهُ أَكْثَرُ النَّاسِ فِي شِعْبِ بَنِي هَاشِمٍ، فِي جِوَاءِ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَتَرَكُوا عَلَيْهِ لَيْلَةَ وِلَادَتِهِ، جَفْنَةً كَبِيرَةً، فَانْفَلَقَتْ عَنْهُ فَلْقَتَيْنِ
فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ مَبَادِئِ أَمَارَاتِ النُّبُوَّةِ، فِي نَفْسِهِ، ثُمَّ مَاتَ أَبُوهُ عَبْدُ اللَّهِ وَأُمُّهُ حَامِلٌ بِهِ فَكَفَلَهُ جَدُّهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، فَكَانَ يَرَى مِنْ شَأْنِهِ مَا يَسُرُّهُ، وَمَاتَ بَعْدَ ثَمَانِي سِنِينَ مِنْ وِلَادَتِهِ، فَوَصَّى بِهِ إِلَى عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَخَا عَبْدِ اللَّهِ لِأُمِّهِ، فَخَرَجَ بِهِ أَبُو طَالِبٍ إِلَى الشَّامِ بِتِجَارَةٍ له، وَهُوَ ابْنُ تِسْعِ سِنِينَ؛ فَنَزَلَ تَحْتَ صَوْمَعَةٍ بِالشَّامِ عِنْدَ بُصْرَى وَكَانَ في الصومعة راهب يقال له " بحيرا " قَدْ قَرَأَ كُتُبَ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَعَرَفَ مَا فيها من الأنباء والإمارات، فرأى بحيرا مِنْ صَوْمَعَتِهِ غَمَامَةً قَدْ أَظَلَّتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مِنَ الشَّمْسِ فَنَزَلَ إِلَيْهِ وَجَعَلَ يَتَفَقَّدُ جَسَدَهُ، حَتَّى رَأَى خَاتَمَ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَسَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ فِي مَنَامِهِ، وَيَقَظَتِهِ فَأَخْبَرَهُ، بِهَا، فَوَافَقَتْ مَا عِنْدَهُ فِي الْكُتُبِ وَسَأَلَ أَبَا طَالِبٍ عَنْهُ فَقَالَ: ابْنِي فَقَالَ: كَلَّا، قَالَ ابْنُ أَخِي: مَاتَ أَبُوهُ، وَهُوَ حَمْلٌ قَالَ: صَدَقْتَ، وَعَمِلَ لَهُمْ، وَلِمَنْ مَعَهُمْ مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ طَعَامًا لَمْ يَكُنْ يَعْمَلُهُ لَهُمْ مِنْ قَبْلُ، وَقَالَ: احْفَظُوا هَذَا مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَإِنَّهُ سَيِّدُ الْعَالَمِينَ، وَسَيُبْعَثُ إِلَيْنَا وَإِلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، فَإِنْ عَرَفُوهُ مَعَكُمْ قَتَلُوهُ فَقَالُوا كَيْفَ عَرَفْتَ هَذَا قَالَ بِالسَّحَابَةِ الَّتِي أَظَلَّتْهُ، وَرَأَيْتُ خَاتَمَ النُّبُوَّةِ أَسْفَلَ مِنْ غُضْرُوفِ كَتِفِهِ، مِثْلَ التُّفَّاحَةِ عَلَى النَّعْتِ الْمَذْكُورِ، فَكَانَتْ هَذِهِ أَوَّلَ بُشْرَى نُبُوَّتِهِ، وَهُوَ لِصِغَرِهِ غَيْرُ دَاعٍ إِلَيْهَا وَلَا مُتَأَهِّبٌ لَهَا
(فَصْلٌ)
ثُمَّ نَشَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي قُرَيْشٍ عَلَى أَحْسَنِ هَدْيٍ وَطَرِيقَةٍ وَأَشْرَفِ خُلُقٍ وَطَبِيعَةٍ وَأَصْدَقِ لِسَانٍ وَلَهْجَةٍ وَكَانَتْ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ ذَاتَ شَرَفٍ وَيَسَارٍ وَكَانَتْ لَهَا مَتَاجِرُ وَمُضَارِبَاتٌ فَلَمَّا عَرَفَتْ أَمَانَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَصِدْقَ لَهْجَتِهِ أَبَضْعَتْهُ مَالًا يَتَّجِرُ لَهَا بِهِ إِلَى الشَّامِ مُضَارِبًا وَأَنْفَذَتْ مَعَهُ مَوْلَاهَا " مَيْسَرَةَ " لِيَخْدِمَهُ فِي طَرِيقِهِ، فَنَزَلَ ذَاتَ يَوْمٍ تَحْتَ صَوْمَعَةِ رَاهِبٍ، فَرَأَى الرَّاهِبُ مِنْ ظُهُورِ كَرَامَاتِ اللَّهِ مَا عَلِمَ، أَنَّهَا لَا تَكُونُ إِلَّا لِنَبِيٍّ مُنْزَلٍ، وَقَالَ لِمَيْسَرَةَ مَنْ هَذَا الرَّجُلُ؟ فقال الرجل: مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ فَقَالَ: إِنَّهُ نَبِيٌّ: وَكَانَ مَيْسَرَةُ يَرَاهُ إِذَا رَكِبَ تُظِلُّهُ غَمَامَةٌ تَقِيهِ حَرَّ الشَّمْسِ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى " خَدِيجَةَ " قَصَّ مَيْسَرَةُ عَلَيْهَا حَدِيثَ الرَّاهِبِ، وَمَا شَاهَدَهُ مِنْ ظِلِّ الْغَمَامَةِ وَتَضَاعَفَ لَهَا رِبْحُ التجارة، فكانت هذه بشرى ثانية بِنُبُوَّتِهِ، فَرَغِبَتْ خَدِيجَةُ فِي نِكَاحِهِ وَكَانَ قَدْ خَطَبَهَا أَشْرَافُ قُرَيْشٍ، فَامْتَنَعَتْ، وَسَفَرَ بَيْنَهُمَا فِي النكاح " ميسرة " وقيل مولاة مولدة [من مولدات مكة] وَخَافَتِ امْتِنَاعَ أَبِيهَا عَلَيْهِ؛ لِفَقْرِهِ، فَعَقَرَتْ لَهُ ذبيحة وألبسته حبرة، بطيب وعقير، وَعَقِيرٍ وَسَقَتْهُ خَمْرًا، حَتَّى سَكِرَ، وَحَضَرَ رَسُولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَمَعَهُ عَمُّهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَاخْتُلِفَ فِي حُضُورِ أَبِي طَالِبٍ مَعَهُ وَخَطَبَهَا مِنْ أَبِيهَا فَأَجَابَهُ، وَزَوَّجَهُ بِهَا، وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَخَدِيجَةُ ابْنَةُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَدَخَلَ بِهَا مِنْ لَيْلَتِهِ فَلَمَّا أَصْبَحَ خُوَيْلِدٌ وَصَحَا، رَأَى آثَارَ مَا عَلَيْهِ فَقَالَ: مَا هَذَا الْعَقِيرُ، وَالْعَبِيرُ، وَالْحَبِيرُ؟ قِيلَ لَهُ: زَوَّجْتَ خَدِيجَةَ بِمُحَمَّدٍ قَالَ: مَا فَعَلْتُ: قِيلَ لَهُ قَبُحَ بِكَ هَذَا وَقَدْ دَخَلَ بِهَا، فَرَضِيَ، وَلِأَجْلِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بعد ظهور
الْإِسْلَامِ " لَا يُرْفَعُ إِلَيَّ نِكَاحُ نَشْوَانَ إِلَّا أَجَزْتُهُ ثُمَّ إِنَّ خَدِيجَةَ كَفَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أُمُورَ دُنْيَاهُ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ اللُّطْفِ، وَوَلَدَتْ لَهُ جَمِيعَ أَوْلَادِهِ إِلَّا " إِبْرَاهِيمَ " فَكَانَ لَهُ مِنْهَا مِنَ الْبَنِينَ " الْقَاسِمُ " وَبِهِ كَانَ يُكْنَى، وَالظَّاهِرُ، وَالطَّيِّبُ، وَمِنَ الْبَنَاتِ " زَيْنَبُ " وَ " رُقَيَّةُ " وَ " أُمُّ كُلْثُومٍ " وَ " فَاطِمَةُ "، فَمَاتَ الْبَنُونَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وَعَاشَ الْبَنَاتُ بَعْدَهَا، ثُمَّ إِنَّ قُرَيْشًا تَشَاوَرَتْ فِي هَدْمِ الْكَعْبَةِ، وَبِنَائِهَا، لِقِصَرِ سُمْكِهَا وَكَانَ فَوْقَ الْقَامَةِ، وَسِعَةِ حِيطَانِهَا وَأَرَادُوا تَعْلِيَتَهَا وَخَافُوا مِنَ الْإِقْدَامِ عَلَى هَدْمِهَا وَكَانَ يَظْهَرُ فِيهَا حَيَّةٌ يَخَافُ النَّاسُ مِنْهَا، فَعَلَتْ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى جِدَارِ الْكَعْبَةِ؛ فَسَقَطَ طائر فاختطفها فقالت قريش: إنا لنرجوا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ رَضِيَ مَا أَرَدْنَا وَكَانَ الْبَحْرُ قَدْ أَلْقَى سَفِينَةً عَلَى سَاحِلِ " جُدَّةَ " لِرَجُلٍ مِنْ تُجَّارِ الرُّومِ، فَهَدَمُوا الْكَعْبَةَ، وَبَنَوْهَا وَأَسْقَفُوهَا بِخَشَبِ السَّفِينَةِ، وَذَلِكَ بَعْدَ عَامِ الْفُجَّارِ بِخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ابْنُ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، فَلَمَّا أَرَادُوا وَضْعَ الْحَجَرَ فِي الرُّكْنِ، تَنَازَعَتْ فِيهِ قَبَائِلُ قُرَيْشٍ وَطَلَبَتْ كُلُّ قَبِيلَةٍ أَنْ تَتَوَلَّى وَضْعَهُ فَقَالَ أَبُو أُمَيَّةَ بْنُ الْمُغِيرَةِ: وَكَانَ أَسَنَّ قُرَيْشٍ كُلِّهَا حِينَ خَافَ أَنْ يَقْتَتِلُوا عَلَيْهِ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ تَقَاضُوا إِلَى أَوَّلِ مَنْ يَدْخُلُ مِنْ بَابِ هَذَا الْمَسْجِدِ فَكَانَ أَوَّلَ دَاخِلٍ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالُوا: هَذَا " مُحَمَّدٌ " وَهُوَ الْأَمِينُ وَكَانَ يُسَمَّى قَبْلَ النُّبُوَّةِ " الْأَمِينَ " لِأَمَانَتِهِ وَعِفَّتِهِ، وَصِدْقِهِ، وَقَالُوا: قَدْ رَضِينَا بِهِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِمْ أَخْبَرُوهُ فَقَالَ: ائْتُونِي ثَوْبًا فَأَتَوْهُ بِثَوْبٍ فَأَخَذَ الْحَجَرَ وَوَضَعَهُ فِيهِ بِيَدِهِ، وَقَالَ: لِتَأْخُذْ كُلُّ قَبِيلَةٍ بِنَاحِيَةٍ مِنَ الثَّوْبِ وَارْفَعُوهُ جَمِيعًا فَفَعَلُوا فَلَمَّا بَلَغَ الْحَجَرُ إِلَى مَوْضِعِهِ وَضَعَهُ فِيهِ بِيَدِهِ، فَكَانَ هَذَا الْفِعْلُ مِنْهُمْ وَوُقُوعُ الِاخْتِيَارِ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِهِمْ مِنَ الْأَمَارَاتِ مَا يُحَدِّدُهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ دِينِهِ وَشَوَاهِدَ مَا يُؤْتِيهِ مِنْ نُبُوَّتِهِ
(فَصْلٌ)
: ثُمَّ لَمَّا تَقَارَبَ زَمَانُ نُبُوَّتِهِ انْتَشَرَ فِي الْأُمَمِ أَنَّ اللَّهَ سَيَبْعَثُ نبيا في هذا الزمان، أن ظُهُورَهُ قَدْ آنَ فَكَانَتْ كُلُّ أُمَّةٍ لَهَا كِتَابٌ تَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْ كِتَابِهَا، وَكُلُّ أُمَّةٍ لَا كِتَابَ لَهَا تَرَى مِنَ الْآيَاتِ الْمُنْذِرَةِ مَا تَسْتَدِلُّ عَلَيْهِ بِعُقُولِهَا.
فَحُكِيَ أَنَّهُ كَانَ لِقُرَيْشٍ عِيدٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَنْفَرِدُ فِيهِ النِّسَاءُ عَنِ الرِّجَالِ فَاجْتَمَعْنَ فِيهِ فَوَقَفَ عَلَيْهِنَّ يَهُودِيٌّ وَفِيهِنَّ " خَدِيجَةُ " فَقَالَ لَهُنَّ: يَا مَعْشَرَ نِسَاءِ قُرَيْشٍ يُوشِكُ أَنْ يُبْعَثَ فِيكُنَّ نَبِيٌّ، فَأَيَّتُكُنَّ اسْتَطَاعَتْ أَنْ تَكُونَ لَهُ أَرْضًا فَلْتَفْعَلْ.
فَوَقَرَ ذَلِكَ فِي نَفْسِ خَدِيجَةَ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ وَثَنٍ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقَدْ ذَبَحَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ عِجْلًا، وَنَحْنُ نَنْظُرُ إِلَيْهِ لِيُقَسِّمَ لَنَا مِنْهُ إِذْ سَمِعْتُ مِنْ جَوْفِ الْعِجْلِ صَوْتًا، مَا سَمِعْتُ صَوْتًا قَطُّ أَنْفَذَ مِنْهُ، وذلك قبل الإسلام بشهر، وشيعه، يَقُولُ: يَا آلَ ذَرِيحٍ، أَمْرٌ نَجِيحٌ؛ وَرَجُلٌ يَصِيحُ، يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
وَرُوِيَ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ صَنَمٍ قَبْلَ أَنْ يَبْعَثْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِشَهْرٍ فَنَحَرْنَا جَزُورًا فَسَمِعْنَا صَائِحًا يَصِيحُ: اسْمَعُوا إِلَى الْعَجَبِ ذَهَبَ اسْتِرَاقُ الْوَحْيِ لِنَبِيٍّ بِمَكَّةَ اسْمُهُ " أَحْمَدُ " مُهَاجِرٌ إِلَى يَثْرِبَ.
وَمِثْلُ ذَلِكَ كَثِيرٌ يَطُولُ بِهِ الْكِتَابُ فَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتِ الْخَارِجَةَ عَنِ الْعَادَاتِ تَوْطِئَةً لِلنُّبُوَّةِ، وَقَبُولِ رِسَالَتِهِ
(فَصْلٌ)
: وَلَمَّا دَنَا مَبْعَثُ رَسُولِ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَحُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلْوَةُ فِي غَارِ حِرَاءٍ فَكَانَ يُؤْتَى بِطَعَامِهِ وَشَرَابِهِ فَيَأْكُلُ مِنْهُ، وَيُطْعِمُ الْمَسَاكِينَ، حَتَّى ظَهَرَتْ عَلَامَاتُ نُبُوَّتِهِ وَاخْتُلِفَ فِيهَا، فَحُكِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَدَاوُدَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَرَنَ إِسْرَافِيلَ بِنُبُوَّةِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ثَلَاثَةَ سِنِينَ يَسْمَعُ حِسَّهُ وَلَا يَرَى شَخْصَهُ، وَيُعَلِّمُهُ الشَّيْءَ بَعْدَ الشَّيْءِ، وَلَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ فَلَمَّا مَضَتْ ثَلَاثَةُ سِنِينَ، قَرَنَ لِنُبُوَّتِهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَنَزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَرَوَى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنْ أَوَّلِ نُبُوَّتِهِ فَقَالَ " يَا أَبَا ذَرٍّ أَتَانِي مَلَكَانِ وَأَنَا بِبَطْحَاءِ مَكَّةَ فَوَقَعَ أَحَدُهُمَا فِي الْأَرْضِ وَالْآخَرُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لَصَاحِبِهِ أَهْوَ هُوَ؟ قَالَ هُوَ هُوَ، قَالَ: فَزِنْهُ بِرَجُلٍ مِنْ أُمَّتِهِ فَوُزِنْتُ بِرَجُلٍ فَرَجَحْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِعَشَرَةٍ فَوُزِنْتُ بِعَشَرَةٍ فَوَزَنْتُهُمْ، ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِمِائَةٍ، فَوَزَنَنِي بِمِائَةِ فَرَجَحْتُهُمْ، ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِأَلْفٍ فَوَزَنَنِي فَرُجَحَتْهُمْ، فَجَعَلُوا يَنْتَشِرُونَ عَلَيَّ مِنْ كِفَّةِ الْمِيزَانِ قَالَ: فَقَالَ: أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: لَوْ وَزَنْتَهُ بِأُمَّتِهِ لَرَجَحَهَا، ثُمَّ قَالَ: أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ شُقَّ بَطْنَهُ، فَشَقَّ بَطْنِي، ثُمَّ قَالَ: شُقَّ قَلْبَهُ فَشَقَّ قَلْبِي، فَأَخْرَجَ مِنْهُ مَغْمَزَ الشَّيْطَانِ، وَعَلَقَ الدَّمِ، ثُمَّ قَالَ: اغْسِلْ بَطْنَهُ غَسْلَ الْإِنَاءِ، وَاغْسِلْ قَلْبَهُ غسل الملاءة ثم دعى بِالسَّكِينَةِ كَأَنَّهَا وَجْهُ هِرَّةٍ فَأُدْخِلَتْ قَلْبِي ثُمَّ قَالَ: خِط بَطْنَهُ، فَخَاطَا بَطْنِي وَجَعْلَا الْخَاتَمَ بَيْنَ كَتِفَيَّ فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ وَلَيَّا عَنِّي، فَكَأَنَّمَا أُعَايِنُ الْأَمْرَ مُعَايَنَةً " فَكَانَ هَذَا مُقَدِّمَةَ نُبُوَّتِهِ وَهَذَا قَوْلٌ ثَانٍ وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: " أَوَّلُ مَا ابْتُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ تَجِيءُ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ " حَتَّى نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ
فَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حِينَ نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ أَنَّهُ قَالَ فَغَتَّنِي غَتَّةً وَقَالَ: اقْرَأْ قُلْتُ وَمَا أَقْرَأُ؟ قَالَ فَغَتَّنِي ثَانِيَةً، وَقَالَ: اقْرَأْ قُلْتُ: وَمَا أَقْرَأُ؟ قَالَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خلق﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1، 2]
وَهَذَا قَوْلٌ ثَالِثٌ، وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ الثَّلَاثِ تَعَارُضٌ يَمْنَعُ بَعْضَهَا عَنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ فِي اجْتِمَاعٍ وَانْفِرَادٍ
وَلَمَّا عَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مِنْ حِرَاءٍ، وَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ وَحَدَّثَهَا مَا كَانَ، وَقَالَ لَهَا: إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَرَضَ لِي فَقَالَتْ: كَلَّا مَا كَانَ رَبُّكَ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِكَ، وَأَتَتْ خَدِيجَةُ إِلَى " وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ " وَكَانَ ابْنَ عَمِّهَا، وَخَرَجَ فِي طَلَبِ الدِّينِ وَتَنَصَّرَ وَقَرَأَ التَّوْرَاةَ، وَالْإِنْجِيلَ، وَسَمِعَ مَا فِي الْكُتُبِ فَأَخْبَرَتْهُ بِمَا كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ هَذَا هُوَ النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى موسى ولئن كنت صادقة فإن زوجك محمد نَبِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَلَيَلْقَيَنَّ مِنْ أُمَّتِهِ شِدَّةً فَإِنَّهُ مَا بُعِثَ نَبِيٌّ، إِلَّا عُودِيَ، وَلَئِنْ عِشْتُ لَهُ لَأُؤْمِنَنَّ بِهِ وَلَأَنْصُرَنَّهُ نَصْرًا مُؤَزَّرًا
فَكَانَتْ هَذِهِ الْحَالَ الثَّانِيَةَ مِنْ أَحْوَالِ نُبُوَّتِهِ، وَلَمْ يُؤْمَرْ فِيهَا بِإِنْذَارٍ، وَلَا رِسَالَةٍ
ثُمَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَمَّا عَادَ إِلَى مَنْزِلِهِ قَالَ لِخَدِيجَةَ: دَثِّرُونِي وصبوا علي ماء بارد، فَدَثَّرُوهُ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَا جِبْرِيلُ وأنزل عليه: ﴿يا أيها المدثر قم فأنذر﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر] فَكَانَتْ هَذِهِ الْحَالَ الثَّالِثَةَ الَّتِي تَمَّتْ بِهَا نُبُوَّتُهُ، وَتَحَقَّقَتْ بِهَا رِسَالَتُهُ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ سَنَةً في قول الأكثرين، وفي قول فريق ابْنُ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ.
قَالَ هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدٍ: أَوَّلُ مَا تَلَقَّاهُ جِبْرِيلُ لَيْلَةَ السَّبْتِ وَلَيْلَةَ الْأَحَدِ ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ بِرِسَالَةِ اللَّهِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ
وَرَوَى أَبُو قَتَادَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: " سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ فَقَالَ: " ذَلِكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ وَأُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ النُّبُوَّةُ "
وَاخْتَلَفُوا فِي أَيِّ اثْنَيْنٍ كَانَ، مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ
فَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ: كَانَ فِي الثَّانِي عَشَرَ من شهر رمضان، وقال أبو الخلد: كَانَ فِي الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْهُ
ثُمَّ أَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - خَدِيجَةَ بِمَا نَزَلَ عَلَيْهِ فَقَالَتْ: لَهُ يَا ابْنَ عَمِّ هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُخْبِرَنِي بِصَاحِبِكَ هَذَا الَّذِي أَتَاكَ إِذَا جَاءَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قالت: فأخبرني به وإذا جاءك؛ فجاء لها جِبْرِيلُ فَقَالَ لَهَا: يَا خَدِيجَةُ هَذَا جِبْرِيلُ قَدْ جَاءَنِي قَالَتْ: قُمْ فَاجْلِسْ عَلَى فَخْذِي الْيُسْرَى، فَجَلَسَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: هَلْ تَرَاهُ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَتْ: تَحَوَّلْ إِلَى فَخْذِي الْيُمْنَى فَتَحَوَّلَ إِلَيْهَا فَقَالَتْ: هَلْ تَرَاهُ قَالَ: نَعَمْ قَالَتْ: فَتَحَوَّلْ فِي حِجْرِي فَتَحَوَّلَ فِي حِجْرِهَا فَقَالَتْ: هَلْ تَرَاهُ، قَالَ: نَعَمْ فَتَحَسَّرَتْ وَأَلْقَتْ خِمَارَهَا وَهُوَ جَالِسٌ فِي حِجْرِهَا فَقَالَتْ هَلْ تَرَاهُ؟ قَالَ لَا فَقَالَتْ: يَا ابْنَ عَمِّ اثْبُتْ، وَأَبْشِرْ فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَلَكٌ، وَمَا هُوَ بِشَيْطَانٍ، وَآمَنَتْ بِهِ، فَكَانَتْ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ
(فَصْلٌ)
: ثُمَّ رُوِيَ أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ وَهُوَ بِأَعْلَى مَكَّةَ فَهَمَزَ لَهُ بِعَقِبِهِ فِي نَاحِيَةِ الْوَادِي، فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ عَيْنٌ فَتَوَضَّأَ جِبْرِيلُ مِنْهَا لِيُرِيَهُ كَيْفَ الطُّهُورُ فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مِثْلَ مَا تَوَضَّأَ ثُمَّ قَامَ جِبْرِيلُ فَصَلَّى، وَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِصَلَاتِهِ، فَكَانَتْ هَذِهِ أَوَّلَ عِبَادَةٍ فُرِضَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ انْصَرَفَ جِبْرِيلُ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلَى خَدِيجَةَ فَتَوَضَّأَ لَهَا حَتَّى تَوَضَّأَتْ وَصَلَّى بِهَا كَمَا صَلَّى بِهِ جِبْرِيلُ، فَكَانَتْ أَوَّلَ مَنْ تَوَضَّأَ، وَصَلَّى بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَاسْتَسَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِالْإِنْذَارِ مَنْ يَأْمَنُهُ فَاخْتُلِفَ فِي أَوَّلِ مَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ خَدِيجَةَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقَاوِيلَ: أَحَدُهَا: إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الذُّكُورِ وَصَلَّى، وَهُوَ ابْنُ تِسْعِ سِنِينَ وَقِيلَ: ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ، وَهَذَا قَوْلُ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إنَّ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ أَوَّلِ النَّاسِ إِسْلَامًا فَقَالَ: أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ: (إِذَا تَذَكَّرْتَ شَجْوًا مِنْ أَخِي ثِقَةٍ ... فَاذْكُرْ أَخَاكَ أَبَا بَكْرٍ بِمَا فَعَلَا)
(خَيْرَ الْبَرِيَّةِ أَتْقَاهَا، وَأَعْدَلَهَا ... بعد النبي، وأوفاها بما حلا)
(الثاني اثنين المحمود مَشْهَدُهُ ... وَأَوَّلَ النَاسِ مِنْهُمْ صَدَّقَ الرُسُلَا)
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: إنَّ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ وَهُوَ قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه يدعوا إِلَى الْإِسْلَامِ مَنْ وَثِقَ بِهِ، لِأَنَّهُ كَانَ تاجرا ذا خلق معروف وَكَانَ أَنْسَبَ قُرَيْشٍ لِقُرَيْشٍ، وَأَعْلَمَهُمْ بِمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ حَسَنَ التَّآلُفِ لَهُمْ، وَكَانُوا يُكْثِرُونَ غِشْيَانَهُ، فَأَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ عُثْمَانُ بن عفان
وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عوف، وطلحة بن عبد اللَّهِ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فَجَاءَ بِهِمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حَتَّى اسْتَجَابُوا لَهُ بِالْإِسْلَامِ، وَصَلَّوْا، فَصَارُوا مَعَ مَنْ تَقَدَّمَ ثَمَانِيَةً أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَصَلَّى، ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ فِي الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(فَصْلٌ)
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَلَى الِاسْتِسْرَارِ بِدُعَائِهِ مُدَّةَ ثَلَاثِ سِنِينَ مِنْ مَبْعَثِهِ وَقَدِ انْتَشَرَتْ دَعْوَتُهُ فِي قُرَيْشٍ، إِلَى أَنْ أُمِرَ بِالدُّعَاءِ جَهْرًا، وَنَزَلَ عَلَيْهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: 94] فَلَزِمَهُ الْجَهْرُ بِالدُّعَاءِ، وَأُمِرَ أَنْ يَبْدَأَ بِإِنْذَارِ عَشِيرَتِهِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: 214، 215] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الصَّفَا فَهَتَفَ: يَا صَاحِبَاهُ يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ حَتَّى ذَكَرَ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ مِنْ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ وَقَالُوا: مَا لَكَ؟ فَقَالَ أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا تَخْرُجُ بِسَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ أَمَا كُنْتُمْ تُصَدِّقُونِي؟ قَالُوا: بَلَى: مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ، أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟ ثُمَّ قَامَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: 1] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَلَمْ يَكُنْ مِنْ قُرَيْشٍ فِي دُعَائِهِ لَهُمْ مُبَاعَدَةٌ لَهُ وَلَكِنْ رَدُّوا عَلَيْهِ بَعْضَ الرَّدِّ، حَتَّى ذَكَرَ آلِهَتَهُمْ وَعَابَهَا، وَسَفَّهَ أَحْلَامَهُمْ فِي عِبَادَتِهَا، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى خِلَافِهِ، وَتَظَاهَرُوا بِعَدَاوَتِهِ إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ مِنْهُمْ بِالْإِسْلَامِ وَهُمْ قَلِيلٌ مُسْتَخْفُونَ وَحَدَبَ عَلَيْهِ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ فَمَنَعَ مِنْهُ وَقَامَ دُونَهُ وَإِنْ كَانَ عَلَى رَأْيِهِمْ فَلَمَّا طَالَ هَذَا عَلَيْهِمُ، اجْتَمَعَتْ مَشْيَخَةُ قُرَيْشٍ إِلَى أَبِي طَالِبٍ وَقَالُوا: إِنَّ ابْنَ أَخِيكَ قَدْ عَابَ عَلَيْنَا دِينَنَا وَسَبَّ آلِهَتَنَا، وَسَفَّهَ أَحْلَامَنَا، وَضَلَّلَ آبَاءَنَا فَإِمَّا أَنْ تَكُفَّهُ عَنَّا وَإِمَّا أَنْ تُخَلِّيَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، فَإِنَّكَ عَلَى مِثْلِ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ مِنْ خِلَافِهِ، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو طَالِبٍ قَوْلًا رَفِيقًا، وَرَدَّهُمْ رَدَّا جَمِيلًا وَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَلَى دُعَائِهِ فَلَمَّا كَبُرَ ذَلِكَ عَلَى قُرَيْشٍ، وَاشْتَدَّ بِهِمْ عَادُوا إِلَى أَبِي طَالِبٍ ثَانِيَةً، وَقَالُوا: قَدِ اسْتَنْهَيْنَاكَ ابْنَ أَخِيكَ، وَلَمْ تَنْهَهُ وَاسْتَكْفَفْنَاكَ فَلَمْ تَكُفَّهُ، وَأَنْتَ كَبِيرُنَا فَأَنْصِفْنَا مِنْهُ، وَمُرْهُ أَنْ يَكُفَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِنَا، حَتَّى نَدَعَهُ وَإِلَهَهُ الَّذِي يَعْبُدُهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ أَبُو طَالِبٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ لَهُ: يَا ابْنَ أَخِي هَؤُلَاءِ مَشْيَخَةُ قَوْمِكَ، وَقَدْ سَأَلُوكَ النِّصْفَ أَنْ تَكُفَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِهِمْ، وَيَدَعُوكَ وَإِلَهَكَ فَقَالَ: أَو عَمِّ أَوَلَا أَدْعُوهُمْ إِلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُمْ مِنْهَا؟ قَالَ وَإِلَى مَا تَدْعُوهُمْ قَالَ: أَدْعُوهُمْ إِلَى كَلِمَةٍ تَدِينُ لَهُمْ بِهَا الْعَرَبُ وَيَمْلِكُونَ بِهَا الْعَجَمَ قَالَ أَبُو جَهْلٍ: مَا هِيَ وأبيك
لَنُعْطِيَنَّكَهَا، وَعَشْرَ أَمْثَالِهَا، قَالَ: تَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَنَفَرُوا وَقَالُوا: لَا سَلْنَا غَيْرَ هَذِهِ فَقَالَ: لَوْ جِئْتُمُونِي بِالشَّمْسِ حَتَّى تَضَعُوهَا فِي يَدَيَّ مَا سَأَلْتُكُمْ غَيْرَهَا فَغَضِبُوا وَقَالُوا: أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عجاب ثُمَّ قَالُوا وَاللَّهِ لَنَشْتُمَنَّكَ وَإِلَهَكَ الَّذِي يَأْمُرُكَ بِهَذَا ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ [ص: 6: 7]
(فصل: [الهجرة إلى الحبشة] )
وَلَمَّا رَأَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَا يَنَالُ أَصْحَابُهُ مِنَ الْبَلَاءِ وَمَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْعَافِيَةِ بِمَا يَسَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ دِفَاعِ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ لِأَصْحَابِهِ: " لَوْ خَرَجْتُمْ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ فَإِنَّ بِهَا مَلِكًا عَادِلًا إِلَى أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَكُمْ فَرَجَا " فَهَاجَرَ إِلَيْهَا مَنْ خَافَ عَلَى دِينِهِ، وَهِيَ أَوَّلُ هِجْرَةٍ هَاجَرَ إِلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ، فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ خَرَجَ مِنْهُمْ وَذَلِكَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الْمَبْعَثِ أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا، وَأَرْبَعَ نِسْوَةٍ مِنْهُمْ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَامْرَأَتُهُ " رُقَيَّةُ " بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، ثُمَّ خَرَجَ فِي أَثَرِهِمْ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي جَمَاعَةٍ صَارُوا مَعَ الْمُتَقَدِّمِينَ اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ نَفْسًا، وَصَادَفُوا مِنَ النَّجَاشِيِّ مَا حَمِدُوهُ وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ قَبْلَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَجَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِالْقُرْآنِ فِي صَلَاتِهِ حِينَ أَسْلَمَ حَمْزَةُ، وَلَمْ يَكُنْ يَجْهَرُ قَبْلَ إِسْلَامِهِ وَقَوِيَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ، وقرأ عبد الله ين مَسْعُودٍ سُورَةَ الرَّحْمَنِ عَلَى الْمَقَامِ جَهْرًا حَتَّى سَمِعَتْهَا قُرَيْشٌ، فَنَالُوهُ بِالْأَيْدِي، فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ مَنْ يَدْخُلُ مِنْهُمْ فِي الْإِسْلَامِ وَعَدُوا رَسُولَ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنْ يُعْطُوهُ مَالًا، وَيُزَوِّجُوهُ مَنْ شَاءَ مِنْ نِسَائِهِمْ، وَيَكُونُوا تَحْتَ عَقِبِهِ وَيَكُفَّ عَنْ ذِكْرِ آلهتهم قالوا: فإنا لَمْ يَفْعَلْ فَإِنَّا نَعْرِضُ عَلَيْكَ خَصْلَةً وَاحِدَةً لَنَا وَلَكَ فِيهَا صَلَاحٌ، أَنْ تَعْبُدَ آلِهَتَنَا سَنَةً، وَنَعْبُدَ إِلَهَكَ سَنَةً فَقَالَ: " حَتَّى أَنْظُرَ مَا يَأْتِينِي بِهِ رَبِّي " فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: 1 - 3] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ فَكَفَّ عَنْ ذَلِكَ
وَكَانَ يَتَمَنَّى مِنْ رَبِّهِ أَنْ يُقَارِبَ قَوْمَهُ، وَيَحْرِصُ عَلَى صَلَاحِهِمْ، بِمَا وَجَدَ إِلَيْهِ السَّبِيلَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ سُورَةَ " النَّجْمِ " فَقَرَأَهَا عَلَى قُرَيْشٍ حَتَّى بَلَغَ إِلَى قَوْلِهِ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللات والعزى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم: 1، 2] أَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِهِ: تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى، وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجَى وَانْتَهَى إِلَى السَّجْدَةِ فَسَجَدَ فِيهَا وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ اتِّبَاعًا لِأَمْرِهِ، وَسَجَدَ مَنْ فِي الْمَسْجِدِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ لِمَا سَمِعُوهُ مِنْ مَدْحِ آلِهَتِهِمْ، وَكَانَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ شَيْخًا كَبِيرًا لَا يستطيع السجود فأخذ بيده
حَفْنَةً مِنَ الْبَطْحَاءِ، فَسَجَدَ عَلَيْهَا وَتَفَرَّقَ النَّاسُ مِنَ الْمَسْجِدِ مُتَقَارِبِينَ قَدْ سَرَّ الْمُشْرِكُونَ وَسَكَنَ الْمُسْلِمُونَ، وَبَلَغَتِ السَّجْدَةُ، مَنْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَقَالُوا: أَسْلَمَتْ قُرَيْشٌ فَنَهَضَ مِنْهُمْ رِجَالٌ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَتَأَخَّرَ آخَرُونَ، وَأَتَى جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَسُولَ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَاذَا صَنَعْتَ؟ لَقَدْ تَلَوْتَ عَلَى النَّاسِ مَا لَمْ آتِكَ بِهِ، فَحَزِنَ حزنا شديدا، وخاف من الله خوفا كثيرا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ مَا عَذَرَهُ فِيهِ فَقَالَ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج: 52] وَنَسَخَ مَا أَلْقَاهُ الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِهِ بقوله: ﴿ألكم الذكر وله الأنثى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم: 22] فَقَالَتْ قُرَيْشٌ حِينَ سَمِعُوا النَّسْخَ: نَدِمَ مُحَمَّدٌ عَلَى مَا ذَكَرَ مِنْ مَدْحِ آلِهَتِنَا وَجَاءَ بِغَيْرِهِ فَازْدَادُوا شَرًّا وَشِدَّةً عَلَى مَنْ أَسْلَمَ، وَقَدِمَ مَنْ عَادَ مَنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَعَرَفُوا قَبْلَ دُخُولِ مَكَّةَ مَا نُسِخَ مِنْ إِلْقَاءِ الشَّيْطَانِ فَمِنْهُمْ مَنْ رَجَعَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ مِنْ طَرِيقِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ مُسْتَخْفِيًا، وَمِنْهُمْ مَنْ دَخَلَهَا فِي جِوَارٍ، فَدَخَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَزَوْجَتُهُ رُقَيَّةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي جِوَارِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَدَخَلَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ فِي جِوَارِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَدَخَلَ جَعْفَرِ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ سِرًّا وَكَانَ جَمِيعُهُمْ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ نَفْسًا، ثُمَّ عَادُوا وَغَيْرُهُمْ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ إِلَّا عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَإِنَّهُ أَقَامَ حَتَّى هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَهَذِهِ هِيَ الْهِجْرَةُ الثَّانِيَةُ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ
(فَصْلٌ)
: وَلَمَّا اسْتَقَرَّ نُفُورُ قُرَيْشٍ بَعْدَ سُورَةِ النَّجْمِ عَادَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وأصحابه بأمرين: أحدهما: مراسلة النجاشي في من هاجر إليه
وَالثَّانِي: تَحَالُفُهُمْ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ فِيمَنْ بَقِيَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
فَأَمَّا مُرَاسَلَةُ النَّجَاشِيِّ فَأَنْفَذُوا فِيهَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، وَعُمَارَةَ بْنَ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ مَعَ هَدَايَا لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ لِيُعْلِمُوهُ أَنَّ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ أَفْسَدُوا الْأَدْيَانَ وَرُبَّمَا أَفْسَدُوا دِينَكَ وَدِينَ قَوْمِكَ وَكَانَ نَصْرَانِيًّا فَجَمَعَ بَيْنَهُمْ وَفَلَحَتْ حُجَّةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَظْفَرُوا بِطَائِلٍ وَعَادَ عَمْرٌو وَهَلَكَ عُمَارَةُ
وَأَمَّا تَحَالُفُهُمْ عَلَى النَّاسِ فَإِنَّ قُرَيْشًا أَجْمَعَتْ رَأْيَهَا، وَتَعَاقَدَتْ عَلَى مُقَاطَعَةِ بَنِي هَاشِمٍ وَأَنْ لَا يُنَاكِحُوهُمْ، وَلَا يُبَايِعُوهُمْ، وَلَا يُسَاعِدُوهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِهِمْ حِينَ أَقَامَ أَبُو طَالِبٍ عَلَى نُصْرَةِ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَكَتَبُوا مَا تَعَاقَدُوا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ فِي صَحِيفَةٍ وَعَلَّقُوهَا فِي سَقْفِ الْكَعْبَةِ، فَجَمَعَ أَبُو طَالِبٍ جَمِيعَ بَنِي هَاشِمٍ، وَبَنِي الْمُطَّلِبِ مُسْلِمَهُمْ وَكَافِرَهُمْ وَعَاهَدَهُمْ عَلَى إِجْمَاعِ الْكَلِمَةِ، وَدُخُولِ الشِّعْبِ، فَأَجَابُوا إِلَّا أَبَا لَهَبٍ وَوَلَدُهُ فَإِنَّهُمُ انْحَازُوا عَنْهُمْ إِلَى قُرَيْشٍ، وَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الشِّعْبِ مَعَ أَبِي طَالِبٍ وَسَائِرِ بَنِي هاشم وبني المطلب مدة ثلاثة سِنِينَ لَا يَصِلُ إِلَيْهِمُ الطَّعَامُ إِلَّا سِرًّا وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ إِلَّا مُسْتَخْفِيًا إِلَى أَنْ بَدَأَ مِنْ قُرَيْشٍ هِشَامُ بْنُ عَمْرٍو فَكَلَمَّ زُهَيْرَ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ ثُمَّ كَلَّمَ الْمُطْعِمَ بْنَ عَدِيٍّ، ثُمَّ كَلَّمَ أَبَا الْبَخْتَرِيِّ يُقَبِّحُ لِكُلٍّ مِنْهُمْ قَبِيحَ مَا ارْتَكَبُوهُ مِنْ قَطِيعَةِ الْأَرْحَامِ فِي بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ، فَوَافَقُوهُ وَاجْتَمَعُوا مِنْ غَدٍ فِي نَادِي قُرَيْشٍ عَلَى نَقْضِ الصَّحِيفَةِ وَبَدَأَ بِالْكَلَامِ هِشَامُ بْنُ عَمْرٍو، فَرَدَّ عَلَيْهِ أَبُو جَهْلٍ: فَتَكَلَّمَ زُهَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ وَأَبُو الْبَخْتَرِيِّ بِمِثْلِ كَلَامِ هُشَامٍ.
فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَذَا أَمْرٌ أُبْرِمَ بِلَيْلٍ، وَأُحْضِرَتِ الصَّحِيفَةُ مِنْ سَقْفِ الْكَعْبَةِ، وَقَدْ أَكَلَتْهَا الْأَرَضَةُ إِلَّا قَوْلَهُمْ: " بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ " فَإِنَّهُ بَقِيَ وَشُلَّتْ يَدُ كَاتِبِهَا، وَهُوَ مَنْصُورُ بْنُ عِكْرِمَةَ وَخَرَجَ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلَى مَكَّةَ مُنْتَشِرِينَ فِيهَا كَمَا كَانُوا.
(فَصْلٌ)
: ثُمَّ لَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الشِّعْبِ عَلَى حَالِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا لَا يَصِلُ إِلَيْهِ مَكْرُوهٌ حَتَّى مَاتَ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ، وَمَاتَتْ خَدِيجَةُ فِي عَامٍ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ هِجْرَتِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ، فَنَالَهُ الْأَذَى بَعْدَ ذَلِكَ، حَتَّى نَثَرَ بَعْضُ سُفَهَاءِ قُرَيْشٍ التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ، فَدَخَلَ بَيْتَهُ فَرَأَتْ إِحْدَى بَنَاتِهِ التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ، فَبَكَتْ فَقَالَ: " لَا تَبْكِي فَإِنَّ اللَّهَ يَمْنَعُ أَبَاكِ " وَخَرَجَ إِلَى الطَّائِفِ لِيَمْتَنِعَ، وَيَسْتَنْصِرَ ثقيف، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهَا عَمَدَ إِلَى سَادَاتِهَا وَهُمْ ثَلَاثَةُ أُخْوَةٍ عَبْدُ يَالِيلَ، وَمَسْعُودٌ وَحَبِيبٌ بَنُو عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ فَكَلَّمَهُمْ وَدَعَاهُمْ إِلَى
الْإِسْلَامِ وَإِلَى نُصْرَتِهِ فَرَدُّوهُ رَدًّا قَبِيحًا، وَأَغْرَوْا بِهِ عَبِيدَهُمْ، وَسُفَهَاءَهُمْ فَاتَّبَعُوهُ يَرْمُونَهُ بِالْأَحْجَارِ، حَتَّى دَمِيَتْ قَدَمَاهُ فَرَجَعُوا عَنْهُ وَمَالَ إِلَى حَائِطٍ لِعُتْبَةَ وَشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ فَاسْتَنَدَ إِلَيْهِ، لِيَسْتَرْوِحَ مِمَّا نَالَهُ، فَرَآهُ عُتْبَةُ، وَشَيْبَةُ، فَرَقَّا لَهُ بِالرَّحِمِ مِمَّا لَقِيَ، وَأَنْفَذَا إِلَيْهِ طَبَقَ عِنَبٍ مَعَ غُلَامٍ لَهُمَا نَصْرَانِيٍّ، يُقَالُ لَهُ " عَدَّاسٌ " فَلَمَّا مَدَّ يَدَهُ لِيَأْكُلَ مِنْهُ سَمَّى اللَّهَ فَاسْتَخْبَرَهُ " عَدَّاسٌ " عَنْ أَمْرِهِ فَأَخْبَرَهُ وَعَرَفَ نُبُوَّتَهُ، فَقَبَّلَ يَدَيْهِ، وَقَدَمَيْهِ، فَلَمَّا عَادَ " عَدَّاسٌ " إِلَى عُتْبَةَ، وَشَيْبَةَ، فَقَالَا لَهُ: رَأَيْنَاكَ فَعَلْتَ مَعَهُ مَا لَمْ تَفْعَلْهُ مَعَنَا، قَالَ: لِأَنَّهُ نَبِيٌّ، فَقَالَا: فَتَنَكَ عَنْ دِينِكَ ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يُرِيدُ مَكَّةَ حَتَّى إِذَا صَارَ بِنَخْلَةِ الْيَمَامَةِ فَقَامَ فِي اللَّيْلِ يُصَلِّي، وَيَقْرَأُ، فَمَرَّ بِهِ سَبْعَةُ نَفَرٍ مِنَ الْجِنِّ قِيلَ: إِنَّهُمْ مِنْ جِنِّ نَصِيبِينَ الْيَمَنِ فَاسْتَمَعُوا لَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صِلَاتِهِ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، قَدْ آمَنُوا وَأَجَابُوا إِلَى مَا سَمِعُوا، فَكَانَ مَا قَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ [الأحقاف: 29] . وَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَكَّةَ وَقُرَيْشٌ عَلَى أَشَدِّ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ خِلَافِهِ، وَفِرَاقِ دِينِهِ وَقِيلَ: إِنَّهُ دَخَلَ فِي جِوَارِ الْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيٍّ
(فَصْلٌ)
: فَلَمَّا اشْتَدَّ الْأَذَى بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَعْدَ مَوْتِ أَبِي طَالِبٍ عَادَ مِنَ الطَّائِفِ غَيْرَ ظَافِرٍ مِنْهُمْ بِإِجَابَةٍ عَرَضَ نَفْسَهُ فِي الْمَوَاسِمِ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ، فَبَدَأَ بِكِنْدَةَ فَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَعَرَضَ نَفْسَهُ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَقْبَلُوهُ، ثُمَّ أَتَى كَلْبًا، فَعَرَضَ نَفْسَهُ عَلَى بَنِي عَبْدِ اللَّهِ مِنْهُمْ، فَلَمْ يَقْبَلُوهُ، ثُمَّ عَرَضَ نَفْسَهُ عَلَى بَنِي حَنِيفَةَ، فَكَانُوا أَقْبَحَ الْعَرَبِ رَدًّا لَهُ ثُمَّ عَرَضَ نَفْسَهُ عَلَى بَنِي عَامِرٍ، فَقَالَ زَعِيمُهُمْ: إِنْ شَارَكَتْنَا فِي هَذَا الْأَمْرِ قَبِلْنَاكَ فَتَرَكَهُمْ، وَقَالَ: " الْأَمْرُ لِلَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ " ثُمَّ حَضَرَ الْمَوْسِمَ سِتَّةُ نَفَرٍ مِنَ الْخَزْرَجِ، وَهُمْ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَعَوْفُ بْنُ الْحَارِثِ وَرَافِعُ بْنُ مَالِكٍ، وَقُطْبَةُ بْنُ عَامِرٍ فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَجَابُوا إِلَيْهِ وَكَانُوا قَدْ سَمِعُوا يَهُودَ الْمَدِينَةِ يَقُولُونَ، إِذَا قَاتَلُوهُمْ: لَنَا نَبِيٌّ يُبْعَثُ، وَنَحْنُ نَنْتَصِرُ بِهِ عَلَيْكُمْ فَوَقَرَ ذَلِكَ فِي نُفُوسِهِمْ لِمَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى، بِهِمْ مِنَ الْخَيْرِ، فَلِذَلِكَ سَارَعُوا إِلَى الْإِجَابَةِ في دُعَائِهِ، وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، فَقَالُوا: نَقْدَمُ عَلَى قَوْمِنَا، وَنُخْبِرُهُمْ بِمَا دَخَلْنَا فِيهِ فَلَمَّا عَادُوا وَذَكَرُوا لَهُمْ مَا دَخَلُوا فِيهِ مِنَ الْإِسْلَامِ، فَلَمْ تَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إِلَّا وَفِيهَا ذِكْرُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ وَافَى إِلَى الْمَوْسِمِ مِنَ الْأَنْصَارِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مِنْهُمْ تسعة من الخزرج، وهو أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ
وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، وَعَوْفٌ وَمُعَاذٌ، ابْنَا عَفْرَاءَ، وَرَافِعُ بْنُ مَالِكٍ، وَذَكْوَانُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ وَيَزِيدُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ، وَقُطْبَةُ بْنُ عَامِرٍ وَثَلَاثَةٌ مِنَ الْأَوْسِ وَهُمْ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ، وَعُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ، وَالْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ فَلَقَوْا رَسُولَ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الْعَقَبَةِ الْأُولَى وَكَانَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعَلِيٌّ، فَبَايَعُوهُ عَلَى الْإِسْلَامِ بَيْعَةَ النِّسَاءِ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الْحَرْبُ، قَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ وَذَلِكَ عَلَى أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا نَسْرِقَ، وَلَا نَزْنِيَ، وَلَا نَقْتُلَ، أولادنا، ولا نأتي بهتان، نَفْتَرِيهِ بَيْنَ أَيْدِينَا، وَأَرْجُلِنَا وَلَا نَعْصِيهِ فِي مَعْرُوفٍ، فَإِنْ وَفَّيْتُمْ فَلَكُمُ الْجَنَّةُ، وَإِنْ غَشَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَأُخِذْتُمْ بَعْدَهُ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَإِنْ سَتَرْتُمْ عَلَيْهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَأَمْرُكُمْ إِلَى اللَّهِ فَلَمَّا انْصَرَفُوا بَعَثَ مَعَهُمْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُقْرِئَهُمُ الْقُرْآنَ وَيُعَلِّمَهُمُ الْإِسْلَامَ، وَيُفَقِّهَهُمْ فِي الدِّينِ، فَقَدِمَ مَعَهُمْ وَنَزَلَ عَلَى أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ وَدَعَا الْأَنْصَارَ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَكَانَ يُسْلِمُ عَلَى يَدِهِ قَوْمٌ بَعْدَ قَوْمٍ، وَكَانَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَهُمَّا سَيِّدَا قَوْمِهِمَا بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ أَنْكَرَا ذَلِكَ حَتَّى قَرَأَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ عَلَيْهِمَا سُورَةَ الزُّخْرُفِ فَلَمَّا سَمِعَاهَا أَسْلَمَا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَجَمِيعُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَكَانُوا أَوَّلَ قَوْمٍ أَسْلَمَ جَمِيعُهُمْ، وَصَلَّى مُصْعَبٌ بِالنَّاسِ الْجُمُعَةَ فِي حَرَّةِ بَنِي بَيَاضَةَ وَهِيَ أَوَّلُ جُمُعَةٍ صُلِّيَتْ فِي الْإِسْلَامِ، وَعَادَ مُصْعَبٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَهُوَ بِمَكَّةَ فَذَكَرَ لَهُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَسَرَّهُ وَحَكَى أَبُو عِيسَى قَالَ: سَمِعَتْ قُرَيْشٌ فِي اللَّيْلِ قَائِلًا عَلَى أَبِي قبيس يقول: (فإن يُسْلِمِ السَّعْدَانِ يُصْبِحُ مُحَمَّدٌ ... بِمَكَّةَ لَا يَخْشَى خِلَافَ الْمُخَالِفِ)
فَلَمَّا أَصْبَحُوا قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: مَنِ السَعْدَانِ؟ سَعْدُ بَكْرٍ، وَسَعْدُ تَمِيمٍ.
فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ سَمِعُوهُ يَقُولُ:
(أَيَا سَعْدَ الْأَوْسِ كُنْ أَنْتَ نَاصِرًا ... وَيَا سَعْدُ سَعْدَ الْخَزْرَجِينَ الْغَطَارِفِ)
(أَجِيبَا عَلَى دَاعِي الْهُدَى، وَتَمَنَّيَا ... عَلَى اللَّهِ فِي الْفِرْدَوْسِ مُنْيَةَ عَارِفِ)
(فَإِنَّ ثَوَابَ اللَّهِ لِلطَالِبِ الْهُدَى ... جِنَانٌ مِنَ الفردوس ذات رفارف)
فلما أصبحوا قال سُفْيَانُ: هُمَا وَاللَّهِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَسَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ
(فَصْلٌ)
: وَلَمَّا كَانَ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ حَجَّ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ سَبْعُونَ رَجُلًا، وَكَانَ فِيهِمُ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ فَصَلَّى إِلَى الْكَعْبَةِ حِينَ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَقَالَ: لَا أَتْرُكُهَا وَرَاءَ ظَهْرِي.
ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْهَا فَقَالَ لَهُ: قَدْ كُنْتَ عَلَى قِبْلَةٍ لَوْ صَبَرْتَ عَلَيْهَا فَعَادَ وَاسْتَقْبَلَ
بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَقْبَلَ الْكَعْبَةَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ، وَوَاعَدُوا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - العقبة في أوسط أيام التشريق فيأتوا تِلْكَ اللَّيْلَةَ فِي رِحَالِهِمْ، ثُمَّ خَرَجُوا مِنْهَا بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، لِمَوْعِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَحَضَرُوا شِعْبَ الْعَقَبَةِ وَوَافَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَمَعَهُ عَمُّهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعَلِيٌّ فَأَوْقَفَ الْعَبَّاسَ عَلَى فَمِ الشِّعْبِ عَيْنًا لَهُ، وَأَوْقَفَ أَبَا بَكْرٍ عَلَى فَمِ الطَّرِيقِ الْآخَرِ عَيْنًا لَهُ، وَتَلَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْقُرْآنَ وَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْإِسْلَامَ فَأَسْلَمُوا جَمِيعًا، وَقَدْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ أَسْلَمَ ثُمَّ قَالَ لِلْعَبَّاسِ وَهُوَ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ: " خُذْ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ " وَكَانُوا أَخْوَالَهُ، لِأَنَّ أُمَّ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ كَانَتْ سَلْمَى بِنْتَ عَمْرٍو مِنْ بَنِي النَّجَّارِ مِنَ الْخَزْرَجِ فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ إِنَّ مُحَمَّدًا مِنَّا فِي عِزٍّ مِنْ قَوْمِهِ، وَمَنَعَةٍ فِي بَلَدِهِ وَقَدْ أَبَى إِلَّا الِانْقِطَاعَ إِلَيْكُمْ، وَاللُّحُوقَ بِكُمْ، فَإِنْ مَنَعْتُمُوهُ مِمَّا تَمْنَعُوا مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ، وَإِلَّا فَدَعُوهُ بَيْنَ قَوْمِهِ، وَفِي بَلَدِهِ، فَقَالَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ بَلْ نَمْنَعُهُ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أَنْفُسَنَا وَأَبْنَاءَنَا، فَقَالَ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ النَّاسِ حِبَالًا يَعْنِي الْيَهُودَ وَإِنَّا قَاطُعُوهَا فَهَلْ عَسَيْتَ إِنْ نَحْنُ فَعَلْنَا ذَلِكَ، ثُمَّ أَظْهَرَكَ اللَّهُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى قَوْمِكَ وَتَدَعَنَا؟ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ثم قال: " بَلِ الدَّمَ الدَّمَ، وَالْهَدْمَ الْهَدْمَ أَنْتُمْ مِنِّي، وَأَنَا مِنْكُمْ أُحَارِبُ مَنْ حَارَبْتُمْ وَأُسَالِمُ مَنْ سَالَمْتُمْ "
فَأَقْبَلَ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ عَلَى الْأَنْصَارِ، وَقَالَ: يَا قَوْمِ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حَقًّا وَأَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَصَادِقٌ وَإِنَّهُ الْيَوْمَ لَفِي حَرَمِ اللَّهِ، وَبَيْنَ عَشِيرَتِهِ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِنْ تُخْرِجُوهُ إِلَيْكُمْ تَرْمِيكُمُ الْعَرَبُ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ أَنْفُسُكُمْ قَدْ طَابَتْ بِالْقِتَالِ وَذَهَابِ الْأَمْوَالِ، وَالْأَوْلَادِ فَادْعُوهُ وَإِلَّا فَمِنَ الْآنَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ اشْتَرِطْ عَلَيْنَا لِرَبِّكَ، وَلِنَفْسِكَ مَا تُرِيدُ: فَقَالَ: " أَشْتَرِطُ لِرَبِّي أَنْ تَعْبُدُوهُ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَأَشْتَرِطُ لِنَفْسِي أَنْ تَمْنَعُونِي عَمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ " فَأَجَابُوهُ وَأَحْسَنُوا فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدِ اشْتَرَطْتَ لِرَبِّكِ، وَلِنَفْسِكَ، فَمَاذَا لَنَا إِذَا أَوْفَيْنَا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، فَقَالَ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " لَكُمْ عَلَى اللَّهِ الْوَفَاءُ بِالْجَنَّةِ " فَقَالَ ابْنُ رَوَاحَةَ قَدْ قَبِلْنَا مِنَ اللَّهِ مَا أَعْطَانَا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " اخْتَارُوا مِنْكُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا كَمَا اخْتَارَ مُوسَى مِنْ قَوْمِهِ، وَقَالَ لِلنُّقَبَاءِ: أَنْتُمْ عَلَى قومكم بما فيهم كفلاء، ككفالة الحواريين، يعني ابْنَ مَرْيَمَ " قَالُوا نَعَمْ: فَبَايَعُوهُ عَلَى هَذَا وَكَانَ أَصْغَرَ مَنْ حَضَرَ سِنًّا أَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي أَوَّلِ مَنْ بَايَعَهُ، فَقَالَ قَوْمٌ: أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ
وَقَالَ آخَرُونَ: الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ
وَقَالَ آخَرُونَ: أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ وَكَانَتْ هَذِهِ البيعة على حرب الأحمر والأسود والبيعة الأولة، بَيْعَةُ النِّسَاءِ عَلَى غَيْرِ حَرْبٍ، وَعَادُوا إِلَى الْمَدِينَةِ عَلَى هَذَا
(فَصْلٌ)
: وَلَمَّا عَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مِنْ بَيْعَةِ الْأَنْصَارِ فِي الْعَقَبَةِ إِلَى مَكَّةَ، وَذَلِكَ فِي ذِي الْحِجَّةِ عَادَتِ الْفِتْنَةُ أَشَدَّ مِمَّا كَانَتْ فِي فِتْنَةِ الْهِجْرَةِ إِلَى الْحَبَشَةِ، وَاشْتَدَّ الْأَذَى بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِأَصْحَابِهِ: " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ لَكُمْ إِخْوَانًا وَدَارًا تَأْمَنُونَ فِيهَا " فَخَرَجُوا أَرْسَالًا، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهَا بَعْدَ بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيُّ، وَبَعْدَهُ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ، ثُمَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ، ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ أَرْسَالًا وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مُقِيمٌ بِمَكَّةَ يَنْتَظِرُ إِذْنَ رَبِّهِ، وَاسْتَأْذَنَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي الْهِجْرَةِ فَاسْتَوْقَفَهُ وَأُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بَيْنَ بَيْعَتَيِ الْأَنْصَارِ فِي الْعَقَبَةِ قَالَ الزُّهْرِيُّ قَبْلَ هِجْرَتِهِ بِسَنَةٍ فَأَصْبَحَ وَقَصَّ ذَلِكَ عَلَى قُرَيْشٍ وَذَكَرَ لَهُمْ حَدِيثَ الْمِعْرَاجِ فَازْدَادَ الْمُشْرِكُونَ تَكْذِيبًا وَأَسْرَعُوا إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَقَالُوا لَهُ: إِنَّ صَاحِبَكَ يَزْعُمُ أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَعَادَ مِنْ لَيْلَتِهِ، فَقَالَ: إِنْ قَالَ ذَلِكَ فَهُوَ صَادِقٌ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ الصِّدِّيقُ وَوَصَفَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَا رَأَى فِي طَرِيقِهِ فَكَانَ عَلَى مَا وَصَفَهُ وَاخْتُلِفَ فِي إِسْرَائِهِ هَلْ كَانَ بِجِسْمِهِ، أَوْ بِرُوحِهِ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أُسْرِيَ بِجِسْمِهِ وَقَالَتْ عَائِشَةُ: أُسْرِيَ بِرُوحِهِ وَمَا زَالَ جِسْمُهُ عِنْدِي، وَلَمَّا صَارَتِ الْمَدِينَةُ دَارَ هِجْرَةٍ وَصَارَ مَنْ بِهَا مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ أَنْصَارًا امْتَنَعَتْ قُرَيْشٌ أَنْ يَنْصُرُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عليهم فاجتمعوا في دار الندوة ليتشاوروا فِي أَمْرِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَسُمِّيَ ذَلِكَ الْيَوْمُ لِكَثْرَةِ زِحَامِهِمْ فِيهِ يَوْمُ " الزَّحْمَةِ " فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: احْبِسُوهُ فِي الْحَدِيدِ وَأَغْلِقُوا عَلَيْهِ بَابًا، وَتَرَبَّصُوا بِهِ وَقَالَ آخَرُ: أَخْرِجُوهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ، وَلَا عَلَيْكُمْ مَا أَصَابَهُ بَعْدَكُمْ وَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: لَسْتُ أَرَى مَا ذَكَرْتُمْ رَأْيَ كَرِيمٍ، وَلَكِنْ أَرَى أَنْ تَأْخُذُوا مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ فَتًى شَابًّا، نَسِيبًا ويجتمعون عليه بأسيافهم، فيضربوه ضربة رجل واحد، فيقتلوه وَيَتَفَرَّقُ دَمُهُ فِي قَبَائِلِهِمْ فَلَا يَقْدِرُ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ عَلَى حَرْبِ جَمِيعِهِمْ، وَيَرْضَوْا بِالْعَقْلِ فَنَعْقِلُهُ لَهُمْ فَأَجْمَعُوا عَلَى هَذَا الرَّأْيِ، وَتَفَرَّقُوا عَنْهُ لِيُثْبِتُوهُ مِنْ لَيْلَتِهِ، وَتَفَرَّقُوا لِيَجْتَمِعُوا عَلَى قَتْلِهِ فَنَزَلَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ، وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: 30] فَعَلِمَ رَسُولُ
الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِذَلِكَ فَأَعْلَمَ أَبَا بَكْرٍ بِالْهِجْرَةِ وَقَدْ كَانَ أَعَدَّ لِلْهِجْرَةِ رَاحِلَتَيْنِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلِيًّا فِي مَنَامِهِ، وَأَنْ يَتَّشِحَ بِبُرْدِهِ الْحَضْرَمِيِّ الْأَخْضَرِ، لِأَنَّ قُرَيْشًا تَرَى مَنَامَهُ فِيهِ، وَأَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَرُدَّ وَدَائِعَ النَّاسِ عَلَيْهِمْ، وَخَرَجَ فِي الظَّلَامِ مَعَ أَبِي بَكْرٍ إِلَى غَارِ ثَوْرٍ، وَخَرَجَ مَعَهُمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ لِخِدْمَتِهِمَا وَلِيَرُوحَ عَلَيْهِمَا بِغَنَمٍ يَرْعَاهَا لِأَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ يَأْتِي كُلَّ يَوْمٍ بِمَا يَتَجَدَّدُ مِنْ أَخْبَارِ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ، وَتَأْتِي أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ بِطَعَامٍ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِعَامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ: " ارْتَدْ لَنَا دَلِيلًا مِنَ الْأَزْدِ فَإِنَّهُمْ أَوْفَى بِالْعَهْدِ " فَاسْتَأْجَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُرَيْقِطٍ اللَّيْثِيَّ، وَكَانَ مُشْرِكًا وَأَقَامَا فِي الْغَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَكَانَ خُرُوجُهُمَا فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ، فِي صَفَرٍ وَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ فِي طَلَبِهِ وَجَعَلُوا لِمَنْ جَاءَهُمْ بِهِ مِائَةَ نَاقَةٍ حَمْرَاءَ فَفَاتَهُمْ وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَمَّا خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ بَكَى وَقَالَ: " اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَخْرَجْتَنِي مِنْ أَحَبِّ الْبِلَادِ إِلَيَّ، فَأَسْكِنِّي أَحَبَّ الْبِلَادِ إِلَيْكَ " وَقَدِمُوا الْمَدِينَةَ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ الثَّانِي عَشَرَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: وُلِدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَبُعِثَ نَبِيًّا يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَهَاجَرَ مِنْ مَكَّةَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَمَاتَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَكَانَ قُدُومُهُ قَبْلَ قِيَامِ الظَّهِيرَةِ، فَنَزَلَ بِقُبَاءَ عَلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فِي دَارِ كُلْثُومِ بْنِ الْهِدْمِ وَقِيلَ فِي دَارِ سَعْدِ بْنِ خَيْثَمَةَ فَأَقَامَ بَقِيَّةَ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، وَيَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، وَبَنَى مَسْجِدَ قُبَاءَ، وَخَرَجَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فِي بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ فِي بَطْنِ وَادٍ لَهُمْ، فَصَلَّى بِهِمُ الْجُمُعَةَ، وَهِيَ أَوَّلُ جُمُعَةٍ صَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَلَمَّا دَخَلَ الْمَدِينَةَ، أَرْخَى زِمَامَ نَاقَتِهِ، فَجَعَلَ لَا يَمُرُّ بِدَارٍ إِلَّا سَأَلَهُ أَهْلُهَا النُّزُولَ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ يَقُولُ: " خَلُّوا زِمَامَهَا، فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ " حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَوْضِعِ الْمَسْجِدِ الْيَوْمَ فَبَرَكَتْ على باب مسجده وهي يومئذ مريد لِيَتِيمَيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ سَهْلٍ وَسُهَيْلٍ ابْنَيْ عَمْرٍو وَكَانَا فِي حِجْرِ مُعَاذِ بْنِ عَفْرَاءَ فَنَزَلَ عَنْهَا وَاحْتَمَلَ أَبُو أَيُّوبَ رَحْلَهُ فَوَضَعَهُ فِي بَيْتِهِ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ وَقَالَ: " الْمَرْءُ مَعَ رَحْلِهِ " وَقَالَ لِلْأَنْصَارِ: ثَامِنُونِي بِهَذَا الْمِرْبَدِ؟ فَقَالُوا: لَا نَأْخُذُ لَهُ ثَمَنًا فَبَنَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِنَفْسِهِ وَبِأَصْحَابِهِ مَسْجِدًا وَهُوَ يَقُولُ: (اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَة ... فَارْحَمِ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَة)
وَأَقَامَ عِنْدَ أَبِي أَيُّوبَ، حَتَّى فَرَغَ مِنْ بِنَائِهِ، وَهَاجَرَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، قَامَ فِيهَا بِرَدِّ الْوَدَائِعِ عَلَى أَهْلِهَا، وَكَانَ آخِرَ مَنْ قَدِمَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ
سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِي عَشَرَةٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَبَنَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بَعْدَ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ فِي شَوَّالٍ، وَكَانَ قَدْ تزوجها بمكة قبل الهجرة بثلاثة سِنِينَ فِي شَوَّالٍ بَعْدَ وَفَاةِ خَدِيجَةَ، وَهِيَ ابْنَةُ سِتِّ سِنِينَ وَقِيلَ: ابْنَةُ سَبْعٍ وَكَانَ قَدْ تَزَوَّجَ قَبْلَهَا بَعْدَ خَدِيجَةَ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ، وَقَدِمَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ هِجْرَتِهِ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ النَّقْلِ فِي مُدَّةِ مَقَامَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بمكة بعد النبوة فقال الأكثرون: ثلاث عشر سنة وقال آخرون عشرة سِنِينَ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ قُرِنَ بِإِسْرَافِيلَ ثَلَاثَ سِنِينَ، ثُمَّ قُرِنَ بِجِبْرِيلَ حَتَّى نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ
(فَصْلٌ)
: وَلَمَّا اسْتَقَرَّتْ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - دَارُ هِجْرَتِهِ وَنَزَلَ الْمُهَاجِرُونَ عَلَى الْأَنْصَارِ آخَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَيْنَ أَصْحَابِهِ، لِيَزِيدَهُمْ أُلْفَةً، وَتَنَاصُرًا، ثُمَّ وَادَعَ مَنْ حَوْلَهُ مِنَ الْيَهُودِ لِتَسْتَقِرَّ بِهِمُ الدَّارُ، وإنهم أهل كتاب يرجوا مِنْهُمْ أَنْ يُؤَدُّوا الْأَمَانَةَ بِإِظْهَارِ مَا فِيهِ مِنْ ذِكْرِ نُبُوَّتِهِ، فَخَانُوا الْأَمَانَةَ وَجَحَدُوا الصِّفَةَ، وَظَهَرَ الْمُنَافِقُونَ بِالْمَدِينَةِ، يُعْلِنُونَ الْإِسْلَامَ وَيُبْطِنُونَ الْكُفْرَ، وَيُوَافِقُونَ الْيَهُودَ فِي السِّرِّ عَلَى التَّكْذِيبِ، وَكَانَ النِّفَاقُ فِي الشُّيُوخِ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَحْدَاثِ إِلَّا وَاحِدٌ وَكَانَ رَأْسَ الْمُنَافِقِينَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ فَصَارَ فِيهِمْ رَسُولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِقَبُولِ الظَّاهِرِ مِنْ إِسْلَامِهِمْ، وَإِنْكَارِ الْبَاطِنِ مِنْ نِفَاقِهِمْ، وَقَصَدَتْهُ الْيَهُودُ بِالْمَكْرِ، فَحَرَّضُوا بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَذَكَّرُوهُمْ تُرَاثَ الْجَاهِلِيَّةِ لِيَخْتَلِفُوا فَيُنْقَضُ بِهِمْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ، وَقَطَعَ اخْتِلَافَهُمْ وَعَادَتْ أُلْفَتُهُمْ وَهُوَ مع ذلك يدعوا إِلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى أُذِنَ لَهُ فِي الْقِتَالِ، فَكَانَ أَوَّلُ لِوَاءٍ عَقَدَهُ فِي سَنَةِ مَقْدَمِهِ لِحَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِي ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فِي شَهْرِ رَمَضَانَ بَعْدَ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ هِجْرَتِهِ لِيَعْتَرِضَ عِيرًا لِقُرَيْشٍ فِيهَا أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ فَبَلَغُوا سَيْفَ الْبَحْرِ وَاصْطَفَّوْا لِلْقِتَالِ، حَتَّى حَجَرَ بَيْنَهُمْ، مَجْدِيُّ بْنُ عَمْرٍو الْجُهَنِيُّ فَافْتَرَقُوا وَعَادَ حَمْزَةُ وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا.
ثُمَّ سَرِيَّةُ عُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَقَدَ لَهُ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِوَاءً فِي شَوَّالٍ، وَهُوَ الشَّهْرُ الثَّامِنُ مِنْ هِجْرَتِهِ عَلَى سِتِّينَ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، لِيَعْتَرِضَ عِيرًا لِقُرَيْشٍ فِيهَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ فِي مِائَتَيْ رَجُلٍ عَلَى عَشَرَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْجُحْفَةِ فَتَنَاوَشُوا، وَلَمْ يُسِلُّوا السُّيُوفَ
وَرَمَى سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ بِسَهْمٍ فَكَانَ أَوَّلَ سَهْمٍ رُمِيَ فِي الْإِسْلَامِ، وَعَادَ وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا.
ثُمَّ سَرِيَّةُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ بَعْدَ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ مَنْ هِجْرَتِهِ عَقَدَ لَهُ لِوَاءً عَلَى عِشْرِينَ رَجُلًا، لِيَعْتَرِضَ عِيرًا لِقُرَيْشٍ، فَفَاتَتْهُ فَكَانَتْ لَهُ فِي السَّنَةِ الأولة من هجرته هذه السرايا الثلاث
(فصل: [غزوة الابواء] )
ثُمَّ دَخَلَتِ السَّنَةُ الثَّانِيَةُ فَغَزَا فِيهَا أَوَّلَ غَزْوَةٍ خَرَجَ فِيهَا بِنَفْسِهِ غَزْوَةَ الْأَبْوَاءِ، وَيُقَالُ وَدَّانُ وَبَيْنَهُمَا سِتَّةُ أَمْيَالٍ فِي صَفَرٍ لِيَعْتَرِضَ عِيرًا لِقُرَيْشٍ وَحَمَلَ لِوَاءَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.
وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، وَكَانَ لِوَاؤُهُ أَبْيَضَ، وَعَادَ إِلَى الْمَدِينَةِ بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا.
وَفِي هَذَا الشَّهْرِ، وَهُوَ صَفَرٌ لِلَيَالٍ بَقِينَ مِنْهُ، زَوَّجَ عَلِيًّا بِفَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَامُ بَعْدَ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ هِجْرَتِهِ.
[غَزْوَةُ بُوَاطٍ]
ثُمَّ غَزَا الثَّانِيَةَ فِي رَبِيعٍ، وَهِيَ غَزْوَةُ بُوَاطٍ خَرَجَ بِنَفْسِهِ فِي مِائَتَيْ رَجُلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ لِيَعْتَرِضَ عِيرًا لِقُرَيْشٍ فِيهَا أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَمَعَهُ أَلْفَانِ وَخَمْسُمِائَةِ بَعِيرٍ، وَحَمَلَ لِوَاءَهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، فَعَادَ، وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا.
( [غَزْوَةُ كُرْزِينٍ] )
ثُمَّ غَزَا غَزْوَتَهُ الثَّالِثَةَ فِي هَذَا الشَّهْرِ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، لِطَلَبِ كُرْزِينِ بْنِ جَابِرٍ الْفِهْرِيِّ وَكَانَ قَدِ اسْتَاقَ سَرْحَ الْمَدِينَةِ فَطَلَبَهُ حَتَّى بَلَغَ بَدْرًا فَلَمْ يَلْقَهُ وَهِيَ بَدْرٌ الْأُولَى وَحَمَلَ لِوَاءَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ ( [غَزْوَةُ ذَاتِ الْعُشَيْرَةِ] )
وَغَزَا غَزْوَتَهُ الرَّابِعَةَ إِلَى ذَاتِ الْعُشَيْرَةِ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ فِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ رجلا يعتقبون ثلاثون بَعِيرًا، لِيَعْتَرِضَ عِيرًا لِقُرَيْشٍ مُتَوَجِّهَةً إِلَى الشَّامِ فَبَلَغَ يَنْبُعَ وَقَدْ فَاتَتْهُ وَهِيَ الْعِيرُ الَّتِي عَادَتْ مِنَ الشَّامِ، فَخَرَجَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلَى بَدْرٍ، وَكَانَتْ فِيهَا وَقْعَةُ بَدْرٍ
الْكُبْرَى، وَحَمَلَ لِوَاءَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْأَسَدِ، وَفِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ كَنَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَلِيًّا أَبَا تُرَابٍ مَرَّ بِهِ وَقَدْ نَامَ وَسَفَّتِ الرِّيحُ عَلَيْهِ التُّرَابُ فَقَالَ: " قُمْ يَا أَبَا تُرَابٍ أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَشْقَى النَاسِ أُحَيْمِرِ ثَمُودَ عَاقِرِ النَّاقَةِ وَالَّذِي يَضْرِبُكَ عَلَى هَذَا فَخَضَبَ هَذِهِ يَعْنِي عَلَى رَأْسِكَ فَيَخْضِبُ لِحْيَتَهُ " ( [سَرِيَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ] )
ثُمَّ سَرِيَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ أَنْفَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - في جمادى الآخرة في اثني عشرة رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَكَتَبَ مَعَهُ كِتَابًا، وَأَمَرَهُ أن لا يقرأه إلا ببطن مكة وتعمل بِمَا فِيهِ فَلَمَّا حَصَلَ بِالْمَكَانِ قَرَأَهُ، وَإِذَا فِيهِ سِرْ إِلَى نَخْلَةٍ بَيْنَ الطَّائِفِ وَمَكَّةَ وَأَرْضٍ لِقُرَيْشٍ لِتَعْرِفَ أَخْبَارَهُمْ، وَتَأْتِيَنَا بِهَا وَلَا تَسْتَكْرِهَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ، فَلَمَّا عَلِمُوا أَطَاعُوا وَرَضِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَسَارُوا، وَأَضَلَّ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ بَعِيرًا لَهُمَا فَعَدَلَا فِي طَلَبِهِ، حَتَّى بَلَغَا بَنِي سُلَيْمٍ وَمَرَّتْ عِيرٌ لِقُرَيْشٍ فِيهَا ابْنُ الْحَضْرَمِيِّ عَائِدَةً مِنَ الطَّائِفِ تَحْمِلُ خَمْرًا وَأُدُمًا، وَزَبِيبًا، وَمَعَهُ فِيهَا عَدَدٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَوَقَعَ فِي نُفُوسِهِمْ أَخْذُ الْعِيرِ وَكَانَ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ رَجَبٍ وَهُمْ فِيهِ عَلَى شَكٍّ، ثُمَّ أَقْدَمُوا عَلَيْهَا، فَرَمَى وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَمْرَو بْنَ الْحَضْرَمِيِّ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ وَأُسِرَ عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَالْحَكَمُ بْنُ كَيْسَانَ وَغَنِمُوا الْعِيرَ، وَكَانَتْ أَوَّلَ غَنِيمَةٍ غَنِمَهَا الْمُسْلِمُونَ فَقِيلَ إِنَّهُمُ اقْتَسَمُوهَا، وَعَزَلُوا خُمْسَهَا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِيَسْأَلُوا عَنْهَا وَقِيلَ: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَمَنْ بِمَكَّةَ مِنْ قُرَيْشٍ أَنْكَرُوا فِعْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، وَمَا فَعَلَهُ مِنْ قَتْلٍ وَغَنِيمَةٍ فِي رَجَبٍ وَهُوَ مِنَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَقَالَتْ قُرَيْشٌ: قَدِ اسْتَحَلَّ مُحَمَّدٌ الشَّهْرَ الْحَرَامَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: 217] . وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْكَعْبَةَ وَتَحَوَّلَ عَنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَاخْتُلِفَ فِي وَقْتِ تَحْوِيلِهَا فَحَكَى الْوَاقِدِيُّ أَنَّهَا حُوِّلَتْ إِلَى الْكَعْبَةِ فِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ، النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ بَعْدَ مَقْدَمِهِ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا صَلَّى فِيهَا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَقَالَ قَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ: حُوِّلَتْ لِسِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا فِي رَجَبٍ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ فُرِضَ صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي شَعْبَانَ، وَكَانُوا يَصُومُونَ عَاشُورَاءَ وَفِي هَذِهِ السنة فرضت زكاة االفطر.
وَخَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، وَفِيهَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلَى الْمُصَلَّى، فَصَلَّى بِالنَّاسِ صَلَاةَ الْعِيدِ، وَهُوَ أَوَّلُ عِيدٍ صَلَّى فِيهِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ، لأنها كانت ركعتين فجعلت أربعا.
(فصل)
(غزوة بدر الكبرى)
ثُمَّ غَزَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - غزوة بد ر الْكُبْرَى
وَسَبَبُهَا: أَنَّ عِيرَ قُرَيْشٍ الَّتِي خَرَجَ بسببها إِلَى ذِي الْعُشَيْرَةِ فَفَاتَتْهُ، أَقْبَلَتْ عَائِدَةً مِنَ الشَّامِ، فِيهَا أَمْوَالُ قُرَيْشٍ وَعَلَيْهَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، فَأَنْفَذَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ وسعيد بن زيد، ليعودوا بخبرها، فلما تأخر عَنْهُ، خَرَجَ بَعْدَهَا بِعَشَرَةِ أَيَّامٍ فِي يَوْمِ السَّبْتِ الثَّانِي عَشَرَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ بَعْدَ تِسْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا مَنْ هِجْرَتِهِ، وَعَسْكَرَ فِي بِئْرِ أَبِي عُتْبَةَ عَلَى مِيلٍ مِنَ الْمَدِينَةِ حَتَّى عَرَضَ أَصْحَابَهُ، وَكَانُوا فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ ثَلَاثَمِائَةِ رَجُلٍ، وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا عِدَّةَ أَصْحَابِ طَالُوتَ حِينَ عَبَرَ النَّهْرَ لِقِتَالِ جَالُوتَ
وَفِي رِوَايَةِ الْوَاقِدِيِّ ثَلَاثُمِائَةٍ وَخَمْسَةُ رِجَالٍ ضَمَّ إِلَيْهِمْ فِي الْقَسْمِ ثَمَانِيَةً لَمْ يَشْهَدُوا بَدْرًا، فَصَارَتِ الرِّوَايَتَانِ مُتَّفِقَتَيْنِ، لِأَنَّ ابْنَ إِسْحَاقَ عَدَّ الثَّمَانِيَةَ فِيهِمْ، وَالْوَاقِدِيَّ لَمْ يَعُدَّهَا فِيهِمْ، وَمِنَ الثَّمَانِيَةِ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ.
أَقَامَ لِمَرَضِ زَوْجَتِهِ رُقَيَّةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، حَتَّى قُبِضَتْ قَبْلَ مَقْدَمِهِ مِنْ بَدْرٍ، وَطَلْحَةُ، وَسَعِيدٌ، أَنْفَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِاسْتِعْلَامِ حَالِ الْعِيرِ، وَخَمْسَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَهُمْ أَبُو لُبَابَةَ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ خَلَّفَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَعَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ خَلَّفَهُ عَلَى أَهْلِ الْعَالِيَةِ وَالْحَارِثُ بْنُ حَاطِبٍ رَدَّهُ مِنَ الرَّوْحَاءِ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِشَيْءٍ بَلَغَهُ عنهم، والحارث بْنُ الصِّمَّةِ أُسِرَ بِالرَّوْحَاءِ، وَخَوَّاتُ بْنُ جُبَيْرٍ كُسِرَ
وَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حِينَ اسْتَعْرَضَ أَصْحَابَهُ خَمْسَةً لِصِغَرِهِمْ، وَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وَأُسَيْدُ بْنُ ظُهَيْرٍ، وَكَانَ عِدَّةُ الْمُهَاجِرِينَ سَبْعَةً وَسَبْعِينَ رَجُلًا وعدة الأنصار مائتين وستة وثلاثين رجلا، ومنهم من
الْأَوْسِ أَحَدٌ وَسِتُّونَ رَجُلًا وَالْبَاقُونَ مَنِ الْخَزْرَجِ، وَكَانَتْ أَوَّلَ غَزْوَةٍ غَزَا فِيهَا الْأَنْصَارُ وَكَانَتْ إِبِلُهُمْ سَبْعِينَ بَعِيرًا، يَتَعَقَّبُ الثَّلَاثَةُ عَلَى الْبَعِيرِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَأَبُو لُبَابَةَ، عَلَى بَعِيرٍ وَكَانَتِ الْخَيْلُ فَرَسَيْنِ: أَحَدُهُمَا لِلْمِقْدَادِ بْنِ عَمْرٍو وَالْآخَرُ لِمَرْثَدِ بْنِ أَبِي مَرْثَدٍ، وَكَانَ صَاحِبَ رَايَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَصَاحِبَ رَايَةِ الْأَنْصَارِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَعَرَفَ أَبُو سُفْيَانَ خُرُوجَ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِأَخْذِ الْعِيرِ فَاسْتَنْفَرَ قُرَيْشًا لِحِمَايَةِ الْعِيرِ فَخَرَجَتْ قَبَائِلُ قُرَيْشٍ كُلُّهَا إِلَّا بَنِي عَدِيٍّ، فَلَمْ يَخْرُجْ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَبَنُو زُهْرَةَ حُرِّضُوا فَلَمَّا نَجَتِ الْعِيرُ عَادُوا مَعَ الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، وَكَانُوا مِائَةَ رَجُلٍ، فَلَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا مِنْ هَاتَيْنِ الْقَبِيلَتَيْنِ أَحَدٌ، وَلَمَّا فَاتَتِ الْعِيرُ، وَكَانَ خروج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِأَجْلِهَا، لَا لِلْقِتَالِ لِيَقْوَى الْمُسْلِمُونَ بِمَالِهَا عَلَى الجهاد، ودعا رسول الله حِينَ خَرَجَ بِهِمْ فَقَالَ: " اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ حُفَاةٌ فَاحْمِلْهُمْ اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ عُرَاةٌ، فَاكْسُهُمْ، اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ جِيَاعٌ فَأَشْبِعْهُمْ " فَسَمِعَ اللَّهُ دَعَوْتَهُ، فَمَا رَجَعَ مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا بِحِمْلٍ، أَوْ حِمْلَيْنِ وَاكْتَسَوْا، وَشَبِعُوا وَلَمْ يَكُنِ الْمُسْلِمُونَ قَدْ تَأَهَّبُوا لِلِقَاءِ الْعَدُوِّ، وَعَادَ مَنْ كَانَ عَيْنًا عَلَيْهِمْ فَأَخْبَرَ بِمَنْ فِيهِمْ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ، وَكَانُوا تِسْعَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ رَجُلًا فِيهِمْ مِائَةُ فَارِسٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِأَصْحَابِهِ: " هَذِهِ مَكَةُ قَدْ أَلْقَتْ إِلَيْكُمْ أَفْلَاذَ كَبِدِهَا فَمَاذَا تَرَوْنَ؟ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَرَانِي مَصَارِعَ الْقَوْمِ فَقَالَ لَهُ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو يَا رَسُولَ اللَّهَ امْضِ لِمَا أَمَرَكَ اللَّهُ فَنَحْنُ مَعَكَ، وَاللَّهِ لَا نَقُولُ كَمَا قَالَ بنو إسرائيل لموسى ﴿اذهب أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: 24] وَلَكِنِ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا، إِنَّا مَعَكُمْ مُقَاتِلُونَ فَأَعَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الِاسْتِشَارَةَ فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّكَ تُرِيدُ الْأَنْصَارَ قَالَ: أَجَلْ قَالَ: قَدْ آمَنَّا بِكَ فَصَدَّقْنَاكَ، وَبَايَعْنَاكَ، عَلَى السَمْعِ وَالطَاعَةِ، فامضي لِمَ أَرَدْتَ فَوَاللَّهِ لَوِ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا الْبَحْرَ وَخُضْتَهُ لَخُضْنَاهُ فَسِرْ بِنَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ، فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حَتَّى لَقِيَ قُرَيْشًا بِبَدْرٍ فَأَظْفَرَهُ اللَّهُ بِهِمْ " وَذَلِكَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَقِيلَ: فَيَ الثَّامِنَ عَشَرَ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا، فِيهِمْ أَشْرَافُهُمْ، وَأَسَرَ مِنْهُمْ سَبْعِينَ رَجُلًا، وَغُنِمَتْ أَمْوَالُهُمْ، وَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْهُمْ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَمِنَ الْأَنْصَارِ ثَمَانِيَةٌ، وَأُحِيزَتِ الْغَنَائِمُ فَاخْتَلَفُوا فِيهَا، فَجَعَلَهَا الله تعالى
خَالِصَةً لِرَسُولِهِ وَفِيهَا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: 1] . قَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ: فِينَا أَصْحَابَ بَدْرٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ حِينَ اخْتَلَفْنَا فِي النَّفْلِ وَسَاءَتْ فِيهِ أَخْلَاقُنَا، فَنَزَعَهُ اللَّهُ مِنَّا، وَجَعَلَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَسَمَهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى سَوَاءٍ، وَنَفَلَ بِالنَّفْلِ حَتَّى خَرَجَ مِنْ مَضِيقٍ، وَنَزَلَ عَلَى سِيرٍ فَقَسَمَهُ بِهَا، وَأُنْفِلَ فِيهَا سَيْفَهُ ذَا الْفَقَارِ وَكَانَ لِمُنَبِّهِ بْنِ الْحَجَّاجِ، وَجَمَلَ أَبِي جَهْلٍ، وَكَانَ مُهْرِيًّا، يَغْزُو عَلَيْهِ، وَقُتِلَ بِهَا مِنَ الْأَسْرَى النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ قَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَلَمَّا بَلَغَ عِرْقَ الظَّبْيَةِ، أَمَرَ بِقَتْلِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ فَقَالَ: مَنْ لِلصِّبْيَةِ يَا مُحَمَّدُ قَالَ: النَّارُ، فَقَتَلَهُ عَاصِمُ بن ثابت بن أبي الافقلح، وَسَارَ بِالْأَسْرَى، حَتَّى وَصَلَ الْمَدِينَةَ فَخَرَجَ أَهْلُهَا يُهَنِّئُونَهُ بِقُدُومِهِ وَدَخَلَ مِنْ ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فَتَلَقَّاهُ الْوَلَائِدُ بِالدُّفُوفِ وَهُنَّ يَقُلْنَ: (طَلَعَ الْبَدْرُ عَلَيْنَا مِنْ ثَنِيَّاتِ الْوَدَاعِ ... وَجَبَ الشُكْرُ عَلَيْنَا مَا دَعَا لِلَّهِ دَاعِ)
وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ:: " اسْتَوْصُوا بِالْأُسَارَى خَيْرًا " ثُمَّ اسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ فِيهِمْ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هُمْ أَهْلُكَ، وَعَشِيرَتُكَ، فَاسْتَبْقِهِمْ، وَخُذِ الْفِدَاءَ مِنْهُمْ قُوَّةً، فَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَهُمْ فَيَكُونُوا عَضُدًا، وَقَالَ عُمَرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَذَّبُوكَ وَأَخْرَجُوكَ، وَهُمْ قَادَتُهُمْ، وَصَنَادِيدُهُمْ قَدِّمْهُمْ فَاضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ حَتَّى يَعْلَمَ اللَّهُ أَنْ لَيْسَ فِي قُلُوبِنَا هَوَادَةٌ لِلْكُفَّارِ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَدَخَلَ فَقَالَ أُنَاسٌ يَأْخُذُ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، وَقَالَ أُنَاسٌ يَأْخُذُ بِقَوْلِ عُمَرَ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: " إِنَّ اللَّهَ لَيُلِينُ قُلُوبَ الرِّجَالِ، حتى تكون ألين من اللين، وَلَيُشَدِّدُ قُلُوبَ رِجَالٍ، حَتَّى تَكُونَ أَشَدَّ مِنَ الْحِجَارَةِ، وَإِنَّ مِثْلَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ مِثْلُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي، وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: 36] وَمِثْلَكَ مِثْلُ عِيسَى، قَالَ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: 118] وَمِثْلَكَ يَا عُمَرُ، مِثْلُ نُوحٍ، قَالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: 26] وَمِثْلَكَ مِثْلُ مُوسَى، قَالَ: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [يونس: 88] ثُمَّ قَالَ: أَنْتُمُ الْيَوْمَ عَالَةٌ فَخُذُوا الْفِدَاءَ، فَفُودِيَ كُلُّ أَسِيرٍ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ إِلَى ثَلَاثَةِ آلَافٍ، إِلَى أَلْفَيْنِ، إِلَى أَلْفٍ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، وَكَانَ يُحْسِنُ الْكِتَابَةَ لِأَنَّ الْخَطَّ كَانَ فِي أَهْلِ مَكَّةَ، وَلَمْ يَكُنْ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ كَانَ فِدَاؤُهُ أَنْ يُعَلِّمَ عَشَرَةً مِنْ غِلْمَانِ الْمَدِينَةِ الْخَطَّ وَكَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِيمَنْ عُلِّمَ، وَمَنَّ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، وَفِيهِمْ أَبُو عَزَّةَ الْجُمَحِيُّ فَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَعُودَ لِحَرْبِهِ أَبَدًا، وَكَانَ فِي الْأَسْرَى الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " افْدِ نَفْسَكَ وَابْنَيْ أَخِيكَ نَوْفَلًا وَعَقِيلًا فَقَالَ: إِنِّي مُسْلِمٌ وَأُخْرِجْتُ كَرْهًا، وَلَا
مَالَ لِي، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ مُسْلِمًا فَأَجْرُكَ عَلَى اللَّهِ، وَمَالُكَ عِنْدَ أُمِّ الْفَضْلِ دَفَعْتَهُ لَهَا يَوْمَ خُرُوجِكَ، وَوَصَّيْتَ بِهِ لِأَوْلَادِكَ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُنَا بِكَ بَيَانًا " وَفَدَا نَفْسَهُ وَابْنَيْ أَخِيهِ بِمِائَةٍ وَثَلَاثِينَ أُوقِيَّةً وَرِقًا، وَكَانَ فِي الْأَسْرَى أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ زَوْجُ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَكَانَ ابْنَ أُخْتِ خَدِيجَةَ فَلِذَلِكَ تَزَوَّجَهَا، وَكَانَتْ رُقَيَّةُ زَوْجَةَ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ فَقَالَتْ قُرَيْشٌ لَهُمَا: انْزِلَا عَنِ ابْنَتَيْ مُحَمَّدٍ نُزَوِّجْكُمَا بِمَنْ أَحْبَبْتُمَا مِنْ نِسَاءِ قُرَيْشٍ فَنَزَلَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي لَهَبٍ عَنْ رُقَيَّةَ وَتَزَوَّجَتْ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَامْتَنَعَ أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ مِنَ النُّزُولِ عَنْ زَيْنَبَ، فَلَمَّا أُسِرَ أَنْفَذَتْ زَيْنَبُ فِي فِدَائِهِ قِلَادَةً لَهَا جَهَّزَتْهَا خَدِيجَةُ بِهَا فَرَآهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَعَرَفَهَا فَرَقَّ لَهَا، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: " إِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تَمُنُّوا عَلَى أَسِيرِهَا فَمُنُّوا عَلَيْهِ " وَشَرَطَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَهَا، وَأَنْفَذَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ إِلَى مَكَّةَ حَتَّى حَمَلَهَا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَسْلَمَ أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ زَيْنَبَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ بَعْدَ سِتِّ سِنِينَ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ، فَلَمْ يُحْدِثْ شَيْئًا، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ إِنْ صَحَّتْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ كَانَ الْإِسْلَامُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: " بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ " أَيْ لِأَجْلِ النِّكَاحِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ لَوْلَاهُ لَعَدَلَ إِلَى غَيْرِهِ مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ وَقَوْلُهُ: " وَلَمْ يُحْدِثْ شَيْئًا " أَيْ لَمْ يُحْدِثْ، صَدَاقًا زَائِدًا فَلَمَّا أَخَذَ الْمُسْلِمُونَ فِدَاءَ أَسْرَى بَدْرٍ عَاتَبَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ، عَلَيْهِ فَقَالَ: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يثخن في الأرض﴾ [الآية الأنفال: 67] وَمَاتَ أَبُو لَهَبٍ بِمَكَّةَ، لِأَنَّهُ تَأَخَّرَ عَنْ بَدْرٍ بَعْدَ سَبْعِ لَيَالٍ مِنْ نَعْيِ أَهْلِ بَدْرٍ بِالْغَرْسَةِ وَتُرِكَ لَيْلَتَيْنِ حَتَّى أُنْتِنَ هَرَبًا مَنْ عَدُوَّاهَا، وَخَضَعَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بعد بدر جميع المنافقين واليهود.
(فصل: [غزوة بني قينقاع] )
وغزا غَزْوَةَ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَكَانَ سَبَبُهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ وَادَعَهُمْ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فِي جُمْلَةِ مَنْ وَادَعَهُ مِنَ الْيَهُودِ، فَكَانُوا أَوَّلَ مَنْ نَقَضَ عَهْدَهُ، وَنَبَذُوهُ، وَأَظْهَرُوا الْبُغْضَ، وَالْحَسَدَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: 58] فَصَارَ إِلَيْهِمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي يَوْمِ السَّبْتِ النِّصْفِ فِي شَوَّالٍ بَعْدَ بَدْرٍ بِبِضْعٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَا لُبَابَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِرِ، وَحَمَلَ لِوَاءَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ
وَسَارَ إِلَيْهِمْ فَتَحَصَّنُوا مِنْهُ، وَكَانُوا أَشْجَعَ الْيَهُودِ، فَحَاصَرَهُمْ أَشَدَّ الْحِصَارِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، حَتَّى قَذَفَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَعَلَى أَنَّ لَهُ أَمْوَالَهُمْ وَلَهُمُ النِّسَاءَ وَالذُّرِّيَّةَ، فَكُتِّفُوا وَهُوَ يُرِيدُ قَتْلَهُمْ، فَكَلَّمَهُ عَبْدُ اللَّهِ بن أبي بن سَلُولَ وَكَانُوا حُلَفَاءَ الْخَزْرَجِ، وَقَالَ: أَحْسِنْ فِيهِمْ.
فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَرَاجَعَهُ، وَقَالَ: هَؤُلَاءِ مَوَالِيَّ أَرْبَعُمِائَةِ حاسرا، وَثَلَاثُمِائَةِ دَارِعٍ، قَدْ مَنَعُونِي مِنَ الْأَحْمَرِ، وَمِنَ الْأُسُودِ نَحْصُدُهُمْ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا آمَنُ وَأَخَافُ الدَّوَائِرَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - خَلُّوهُمْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَعَنَهُ مَعَهُمْ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ وسلاحهم، وكانوا صاغة ولم يكن لهم حرب وَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِمْ إِلَى " أَذَرِعَاتِ " الشَّامِ فَسَارَ بِهِمْ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، حَتَّى بَلَغَ " دِبَابَ " وَأَخَذَ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - خُمْسَ غَنَائِمِهِمْ وَصَفِيَّةَ، وَسَهْمَهُ وَقَسَّمَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهِ بَيْنَ أَصْحَابِهِ، فَكَانَتْ أَوَّلَ غَنِيمَةٍ خَمَّسَهَا رَسُولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بعد بدر.
(فصل: [غزوة السويق] )
ثُمَّ غَزَا غَزْوَةَ السَّوِيقِ، وَسَبَبُهَا: أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ، حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ، لِمَصْرَعِ بَدْرٍ الرَّهْنَ وَالنِّسَاءَ، حَتَّى يَثْأَرَ بِمُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ وَخَرَجَ فِي مِائَةِ رَجُلٍ، وَقَالَ شِعْرًا يُحَرِّضُ فِيهِ قُرَيْشًا (كُرُّوا عَلَى يَثْرِبَ وَجَمْعِهِمْ ... فَإِنَّ مَا جَمَعُوا لَكُمْ نَفَلُ ... ) (إِنْ يَكُ يَوْمُ الْقَلِيبِ كَانَ لَهُمْ ... فَإِنَّ مَا بَعْدَهُ لَكُمْ دُوَلُ ... ) (آلَيْتُ لَا أَقْرَبُ النِّسَاءَ وَلَا ... يَمَسُّ رَأْسِي وَجِسْمِيَ الْغُسُلُ ... ) (حَتَّى تُبِيرُوا قَبَائِلَ الْأَوْسِ وَالْ ... خَزْرَجِ إِنَّ الْفُؤَادَ مُشْتَعِلُ ... ) وَسَارَ بِهِمْ حَتَّى جَاءَ إِلَى بَنِي النَّضِيرِ لَيْلًا لِيَسْأَلَهُمْ عَنْ أَخْبَارِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَلَمْ يَفْتَحْ لَهُ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وَفَتَحَ لَهُ سَلَّامُ بْنُ مِشْكَمٍ، وَكَانَ سَيِّدَهُمْ فَفَتَحَ لَهُمْ فَقَرَاهُمْ وَسَقَاهُمْ خَمْرًا، وَعَرَّفَهُمْ مِنْ أَخْبَارِ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَا سَأَلُوهُ، وَسَارَ أَبُو سُفْيَانَ فِي السَّحَرِ وَمَرَّ بِالْعُرَيْضِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ، فَقَتَلَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ وَأَجِيرًا لَهُ وَرَأَى أَنَّ يَمِينَهُ قَدْ حُلَّتْ، وَعَادَ هَارِبًا، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَخَرَجَ فِي طَلَبِهِ يَوْمَ الْأَحَدِ الْخَامِسِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ فِي مِائَتَيْ رَجُلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَا لُبَابَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِرِ، فَفَاتَهُ أَبُو سُفْيَانَ، وَأَصْحَابُهُ، وَوَجَدُوهُمْ قَدْ أَلْقَوْا جُرَبَ السَّوِيقِ
طَلَبًا لِلْخِفَّةِ، وَكَانَتْ أَزْوَادَهُمْ، فَسُمِّيَتْ " غَزْوَةُ السَّوِيقِ " وعاد رسول لاله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي أَصْحَابِهِ بَعْدَ خَمْسَةِ أَيَّامٍ مِنْ مَخْرَجِهِ، فَصَلَّى عِيدَ الْأَضْحَى وَخَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى وَضَحَّى بِشَاةٍ وَقِيلَ: بِشَاتَيْنِ، وَضَحَّى مَعَهُ ذَوُو الْيَسَارِ
قَالَ جَابِرٌ: ضَحَّيْنَا فِي بَنِي سَلِمَةَ بِسَبْعَ عَشْرَةَ أُضْحِيَّةً، وَهُوَ أَوَّلُ عِيدٍ ضَحَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَخَرَجَ فِيهِ إِلَى الْمُصَلَّى لِلصَّلَاةِ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كُتُبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْمَعَاقِلَ، وَالدِّيَاتِ، فَكَانَ مُعَلِّقًا بِسَيْفِهِ وَسُمِّيَتْ هَذِهِ السَّنَةُ عَامَ بَدْرٍ؛ لِأَنَّهَا أَعْظَمُ وَقَائِعِهَا فَكَانَتْ غزوات الرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فيها بنفسه سبعا وأسرى سرية واحدة
(فصل: [غزوة قرقرة الكدر] )
ثُمَّ دَخَلَتِ السَّنَةُ الثَّالِثَةُ مِنَ الْهِجْرَةِ، فَغَزَا فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - غَزْوَةَ " قَرْقَرَةِ الْكُدْرِ " خَرَجَ فِيهَا إِلَى بَنِي سُلَيْمٍ، وَغَطَفَانَ، لِيَجْمَعَهُمْ هُنَاكَ، فَصَارَ إِلَيْهِمْ فِي النِّصْفِ مِنَ الْمُحَرَّمِ، وَحَمَلَ لِوَاءَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَلَمْ يَرَهُمْ، وَظَفَرَ بِنَعَمِهِمْ، فَسَاقَهَا، كَانَتْ خَمْسَمِائَةِ بَعِيرٍ، فَأَخَذَ خُمُسَهَا وَقَسَمَهَا بَيْنَ أَصْحَابِهِ بِضِرَارَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَكَانُوا مِائَتَيْ رَجُلٍ فَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَعِيرَيْنِ، وَحَصَلَ فِي سَهْمِهِ يَسَارٌ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي النَّعَمِ فَأَعْتَقَهُ؛ لِأَنَّهُ رَآهُ يُصَلِّي وَعَادَ بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ( [مَقْتَلُ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ] )
ثُمَّ أَسْرَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي قَتْلِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ الْيَهُودِيِّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ فِي خَمْسَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْهُمْ أَبُو نَائِلَةَ، وَكَانَ أَخَا كَعْبٍ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأَبُو عَبْسٍ وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ وَالْحَارِثُ بْنُ أَوْسٍ بَعْدَ مَشُورَةِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، وَخَرَجَ يشيعهم إلى بقيع الغرقد وقال: امضوا على بَرَكَةِ اللَّهِ فِي لَيْلَةِ الْأَرْبَعَ عَشْرَةَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فَخَدَعُوهُ، حَتَّى أَخْرَجُوهُ، وَقَتَلُوهُ، فِي شِعْبِ الْعَجُوزِ وَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِرَأْسِهِ، وَسَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّهُ كَانَ يُؤَلِّبُ قُرَيْشًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَيَهْجُوهُ بِشِعْرِهِ، وَتَشَبَّبَ بِنِسَاءِ أَهْلِهِ.
وَفِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ تَزَوَّجَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَدَخَلَ بِهَا فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ.
( [غَزْوَةُ ذِي أَمَّرَّ] )
ثُمَّ غَزَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - غَزْوَةَ ذِي أَمَرَّ إِلَى بَنِي أَنْمَارٍ حِينَ بَلَغَهُ جَمْعُ بَنِي ثَعْلَبَةَ وَمُحَارِبٍ، فَخَرَجَ فِي الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فِي أَرْبَعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ رَجُلًا وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ عُثْمَانَ بن عفان، فهربوا منه على رؤوس الْجِبَالِ فَعَادَ وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا بَعْدَ أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا، وَفِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - دُعْثُورُ بْنُ الْحَارِثِ
وَهُوَ مُضْطَجِعٌ وَحْدَهُ، فَسَلَّ سَيْفَهُ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقَالَ: " اللَّهُ " فَسَقَطَ السَّيْفُ فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فقال لَهُ: " مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي " قَالَ: لَا أَحَدَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَعَادَ إِلَى قَوْمِهِ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَفِيهِ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ [المائدة: 11] . ( [غَزْوَةُ بَنِي سُلَيْمٍ] )
وَفِي السَّادِسِ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى غَزَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَنِي سُلَيْمٍ وَهُمْ فِي نَاحِيَةِ بَحْرَانَ قَرِيبًا مِنَ الْفَرْعِ فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَلَمَّا عَلِمُوا بِمَسِيرِهِ تَفَرَّقُوا، فَعَادَ وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا بَعْدَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ ( [سَرِيَّةُ قَرْدَةَ] )
ثُمَّ سَيَّرَ سَرِيَّةَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ إِلَى قَرْدَةَ وَهِيَ بَيْنَ الرَّبَذَةِ وَغَمْرَةَ، نَاحِيَةَ ذَاتِ عِرْقٍ أَنْفَذَهُ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلَيْهَا فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ سَنَةِ ثَلَاثٍ وَهِيَ أَوَّلُ سَرِيَّةٍ خَرَجَ زَيْدٌ فِيهَا أَمِيرًا؛ لِيَعْتَرِضَ عِيرًا لِقُرَيْشٍ فِيهَا صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ فَغَنِمَهَا وَهَرَبَ مَنْ فِيهَا، وَقَدِمَ بِهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَأَخَذَ خُمُسَهَا قِيمَةَ عِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَقَسَمَ بَاقِيَهَا عَلَى أَهْلِ السَّرِيَّةِ.
وَفِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَفِي النِّصْفِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ وُلِدَ الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام.
(فصل: [غزوة أحد وحمراء الأسد] )
ثُمَّ غَزْوَةُ أُحُدٍ، وَسَبَبُهَا أَنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ لَمَّا عَادُوا مِنْ بَدْرٍ إِلَى مَكَّةَ، وَجَدُوا العير التي قَدِمَ أَبُو سُفْيَانَ بِهَا مِنَ الشَّامِ، بِأَمْوَالِهِمْ، مَوْقُوفَةٌ فِي دَارِ النَّدْوَةِ، فَمَشَى أَشْرَافُهُمْ إِلَى أَبِي سُفْيَانَ وَقَالُوا لَهُ قَدْ طَابَتْ أَنْفُسُنَا أَنْ نُجَهِّزَ بِرِبْحِ هَذِهِ الْعِيرِ جَيْشًا إِلَى مُحَمَّدٍ؛ لِنَثْأَرَ مِنْهُ بِقَتْلَانَا فَقَالَ: أَنَا وَبَنِي عَبْدِ مَنَافٍ أَوَّلُ مَنْ يُجِيبُ إِلَى هَذَا، وَكَانَتْ أَلْفَ بَعِيرٍ، وَالْمَالُ خَمْسُونَ أَلْفَ دِينَارٍ وَكَانُوا يَرْبَحُونَ لِلدِّينَارِ دِينَارًا، فَأَخْرَجُوا مِنْهَا
أَرْبَاحَهُمْ، وَأَنْفَذُوا رُسُلَهُمْ؛ يَسْتَنْفِرُونَ قَبَائِلَ الْعَرَبِ لِنُصْرَتِهِمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَصْحَابِهِ وَأَجْمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى إِخْرَاجِ الظُّعُنِ مِنْ نِسَائِهِمْ مَعَهُمْ؛ لِتَحْرِيضِهِمْ لَهُمْ وَتَذْكِيرِهِمْ، بِمَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ، وَكَانَ أَبُو عَامِرٍ الرَّاهِبُ قَدْ مَضَى إِلَى مَكَّةَ فِي خَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ مُنَافِقِي قَوْمِهِ، فَحَرَّضَ قُرَيْشًا، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ الْأَنْصَارَ إِذَا رَأَوْهُ أَطَاعُوهُ، فَكَتَبَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بخبرهم، وَسَارَ أَبُو سُفْيَانَ بِهِمْ، وَهُمْ ثَلَاثَةُ آلَافِ رَجُلٍ، وَظُعُنُهُمْ خَمْسَ عَشْرَةَ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ أَشْرَافِهِمْ، وَفِيهِمْ سَبْعُمِائَةِ دِرْعٍ، وَمِائَةُ رَامٍ، وَمِائَتَا فَرَسٍ، وَثَلَاثَةُ آلَافِ بَعِيرٍ، حَتَّى نَزَلَ بِأُحُدٍ وَكَانَ وَحْشِيٌّ غُلَامًا حَبَشِيًّا لِجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، يقذف بحربة له قذف الحبشة، قلما يخطىء؛ فَأَخْرَجَهُ مَعَ النَّاسِ وَقَالَ؛ إِنْ قَتَلْتَ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمَّ مُحَمَّدٍ بِعَمِّي طُعَيْمَةَ بْنِ عَدِيٍّ فَأَنْتَ عَتِيقٌ وَجَعَلَتْ لَهُ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ فِي قَتْلِهِ مَا اقْتَرَحَ وَكَانَ إِذَا مَرَّ بِهَا قَالَتْ إِيهٍ أَبَا دَسْمَةَ اشْفِ وَاشْتَفِ، وَكَانَ يُكْنَى أَبَا دَسْمَةَ، وَلَمَّا نَزَلَتْ قُرَيْشٌ بِأُحُدٍ ذَلِكَ فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ الرَّابِعِ مِنْ شَوَّالٍ، اسْتَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَصْحَابَهُ وَكَانَ رَأْيُهُ أَلَّا يَخْرُجَ إِلَيْهِمْ، وَيُقِيمَ بِالْمَدِينَةِ حَتَّى يُقَاتِلَهُمْ فِيهَا، وَوَافَقَهُ عَلَى رَأْيِهِ شُيُوخُ الْأَنْصَارِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا قَاتَلْنَا وَدَخَلَ الْمَدِينَةِ عَلَيْنَا أَحَدٌ إِلَّا ظَفِرْنَا بِهِ، وَلَا خَرَجْنَا إِلَيْهِ إِلَّا ظَفِرَ بِنَا، وَكَانَ رَأْيُ أَحْدَاثِ الْأَنْصَارِ الْخُرُوجَ إِلَيْهِمْ؛ لِتَأَخُّرِهِمْ عَنْ بَدْرٍ فَغَلَبَ رَأْيُ مَنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ، وَأَقَامَتْ قُرَيْشٌ بِأُحُدٍ بَقِيَّةَ يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْجُمُعَةَ بِالْمَدِينَةِ، ثُمَّ الْعَصْرَ، ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ، فَلَبِسَ لَأْمَةَ سِلَاحِهِ، وَظَاهَرَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ، فَلَمَّا رَآهُ النَّاسُ نَدِمُوا عَلَى مَا أَشَارُوا عَلَيْهِ مِنَ الْخُرُوجِ وَقَالَ لَهُمْ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: أَكْرَهْتُمُوهُ عَلَى الْخُرُوجِ، وَالْوَحْيُ ينزل عليه، فقالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اصْنَعْ مَا شِئْتَ.
فَقَالَ: " مَا كَانَ لِنَبِيٍّ لَبِسَ لَأْمَةَ سِلَاحِهِ أَنْ يَنْزِعَهَا، حَتَّى يُقَاتِلَ " وَسَارَ فِي أَلْفِ رَجُلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فِيهِمْ مِائَةُ دَارِعٍ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ إِلَّا فَرَسَانِ: أَحَدُهُمَا: لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَالْآَخرُ لِأَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَدَفَعَ لِوَاءَ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.
وَقِيلَ: إِلَى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَدَفَعَ لِوَاءَ الْأَوْسِ إِلَى أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ وَلِوَاءَ الْخَزْرَجِ إلى خباب بْنِ الْمُنْذِرِ.
وَقِيلَ إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَنَزَلَ بِالشَّيْخَيْنِ وَهُمَا أُطُمَانِ، كَانَ يَهُودِيٌّ، وَيَهُودِيَّة أعميان يَقُومَانِ عَلَيْهِمَا، فَيَتَحَدَّثَانِ فَنُسِبَا إِلَيْهِمَا وَهُمَا فِي طَرَفِ الْمَدِينَةِ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثُمَّ اسْتَعْرَضَ أَصْحَابَهُ، فَرَدَّ مِنْهُمْ لِصِغَرِهِ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَالْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ، وَأَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، وَأُسَيْدَ بْنَ ظُهَيْرٍ، وَعَرَابَةَ بْنَ أَوْسٍ وَهُوَ الَّذِي قَالَ فِيهِ الشَّمَّاخُ.
(رَأَيْتُ عَرَابَةَ الْأَوْسِيَّ يَنْمِي ... إِلَى الْخَيْرَاتِ مُنْقَطِعَ القرين)
ورد نافع بْنَ خَدِيجٍ، وَسَمُرَةَ بْنَ جُنْدُبٍ، ثُمَّ أَجَازَهُمَا، وَأَقَامَ بِمَكَانِهِ أَكْثَرَ اللَّيْلِ ثُمَّ سَارَ إِلَى أُحُدٍ، فَانْخَذَلَ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ مَعَ ثَلَاثِمِائَةٍ مِنْ قَوْمِهِ، وَمَنْ تَابَعَهُ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَعَادَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَقَالَ: عَلَامَ نَقْتُلُ أَنْفُسَنَا؟ وَبَقِيَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سَبْعُمِائَةِ رَجُلٍ، فَسَارَ حَتَّى نَزَلَ صَبِيحَةَ يَوْمِ السَّبْتِ السَّابِعِ مِنْ شَوَّالٍ، بِالشِّعْبِ مِنْ أُحُدٍ وَأَمَرَ الرُّمَاةَ وَهُمْ خَمْسُونَ رَجُلًا أَنْ يَقِفُوا عِنْدَ الْجَبَلِ، وَجَعَلَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ وَأَنْ يَرْمُوا الْجَبَلَ مِنْ وَرَائِهِمْ، وَقَالَ لَهُمْ: " لَا تَبْرَحُوا مِنْ مَكَانِكُمْ إِنْ كَانَتْ لَنَا أَوْ عَلَيْنَا "، وَجَعَلَ عَلَى الْخَيْلِ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ، وَصَافُّوا الْعَدُوَّ، وَتَقَدَّمَ أَبُو عَامِرٍ الرَّاهِبُ فِي الْأَحَابِيشِ، وَالْعَبِيدِ وَنَادَى الْأَوْسَ فَقَالُوا: لَا مَرْحَبًا بِكَ، وَلَا أَهْلًا، وَصَدَقُوا الْقِتَالَ: فَانْهَزَمَتْ قُرَيْشٌ، وَتَشَاغَلَ الْمُسْلِمُونَ بِالْغَنِيمَةِ، وَزَالَ الرُّمَاةُ عَنْ مَوَاقِعِهِمْ، طَلَبًا، لِلْغَنِيمَةِ فَبَدَرَ النِّسَاءُ يَضْرِبْنَ بِالدُّفُوفِ، وَيُحَرِّضْنَ الرِّجَالَ وَيَعُلْنَ: (نَحْنُ بَنَاتُ طَارِقْ ... نَمْشِي عَلَى النَمَارِقْ)
(إِنْ تُقْبِلُوا نُعَانِقْ ... أَوْ تُدْبِرُوا نُفَارِقْ)
(فِرَاقَ غَيْرِ وَامِقْ ... )
فَعَادَتْ قُرَيْشٌ، وَعَطَفَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي الْجَبَلِ إِلَى مَوْقِفِ الرُّمَاةِ مِنْ وَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، فَانْهَزَمُوا وَوَضَعَ فِيهِمُ السَّيْفَ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا عِدَّةَ مَنْ قُتِلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، فِيهِمْ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَتَلَهُ وَحْشِيٌّ، وَمَثَّلَ بِهِ وَبَقَرَتْ هِنْدٌ بَطْنَهُ، وَأَخَذَتْ كَبِدَهُ، فَلَاكَتْهَا بِفَمِهَا، ثُمَّ لَفَظَتْهَا وَمُثِّلَ بِجَمَاعَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وكسرت رباعية رسول لله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَصَابَهَا عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَشَجَّهُ فِي جَبْهَتِهِ وَضَرَبَهُ ابْنُ قَمِيئَةَ بِالسَّيْفِ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ فَاتَّقَاهُ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَشُلَّتْ أُصْبُعُهُ وَادَّعَى أَنَّهُ قَتَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَشَاعَ الْخَبَرُ بِهِ فِي الْمُسْلِمِينَ، وَالْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضِرِ: يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ قَدْ قُتِلَ، فَإِنَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ لَمْ يُقْتَلْ، وَلَمْ يَبْقَ مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ إِلَّا أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا سَبْعَةٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ، وَعَلِيٌّ، وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ، وَسَبْعَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ بَعْدَ أَنْ قُتِلَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ نَحْوُ ثَلَاثِينَ رَجُلًا كُلُّهُمْ يَتَقَدَّمُ بَيْنَ يَدَيْهِ.
وَيَقُولُ: وَجْهِي لِوَجْهِكَ الْوَفَاءُ وَنَفْسِي لِنَفْسِكَ الْفِدَاءُ وَعَلَيْكَ سَلَامُ اللَّهِ، غَيْرَ مودع وقتل من المشركين أربعة وعشرين رَجُلًا مَنْهُمْ أَصْحَابُ اللِّوَاءِ، مِنْ بَنِي عَبْدِ الدار
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَدْ رَأَى فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ في مَنَامِهِ كَأَنَّهُ فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ، وَكَأَنَّ سَيْفَهُ ذَا الْفَقَارِ، قَدِ انْثَلَمَ وَكَأَنَّ بَقَرًا تُذْبَحُ وَكَأَنَّهُ مُرْدِفٌ كَبْشًا، فَأَخْبَرَ بِهَا أَصْحَابَهُ، وَتَأَوَّلَهَا أَنَّ الدِّرْعَ الْحَصِينَةَ هِيَ الْمَدِينَةُ، وَأَنَّ انْثِلَامِ سَيْفِهِ هِيَ مُصِيبَةٌ فِي نَفْسِهِ، وَأَنَّ ذَبْحَ الْبَقَرِ هُوَ قَتْلٌ فِي أَصْحَابِهِ، وَأَنَّ إِرْدَافَ الْكَبْشِ هُوَ كَبْشٌ الْكَتِيبَةِ، يَقْتُلُهُ اللَّهُ، فَصَحَّ تَأْوِيلُهَا، وَكَانَ الْكَبْشُ قِيلَ طَلْحَةَ بْنَ أَبِي طَلْحَةَ صَاحِبَ لِوَاءِ الْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ إِخْوَتَهَ بعده يَأْخُذُونَ اللواء فيقتلون وكان أبي بن خلف الجمحي بَرَزَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - على فرس له بأحد حلف أن يقتل عَلَيْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " أنا يقتله عليها إن شاء الله، وبرز إليه فرماه بحربة كسر بها أحد أضلاعه بجرح كالخدش، فَاحْتَمَلَ، وَهُوَ يَخُورُ كَالثَّوْرِ، وَيَقُولُ: وَاللَّهِ لَوْ تَفَلَ عَلَيَّ لَقَتَلَنِي، وَمَاتَ بِسَرِفَ، ثُمَّ بَرَزَ أَبُو سُفْيَانَ بَعْدَ انْجِلَاءِ الْحَرْبِ فَنَادَى: أَيْنَ مُحَمَّدٌ؟ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ،؟ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ فَقَالَ: أَيْنَ ابْنُ الْخَطَّابِ؟ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ فَقَالَ: أَيْنَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ؟ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ.
فَقَالَ: الْآنَ قُتِلَ مُحَمَّدٌ.
وَلَوْ كَانَ حَيًّا لَأُجِبْتُ فَقَالَ عُمَرُ: كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَسْمَعُ كَلَامَكَ فَقَالَ: أَبُو سُفْيَانَ: أَلَا إِنَّ الْأَيَّامَ دُوَلٌ، وَالْحَرْبَ سِجَالٌ، يَوْمُ أُحُدٍ بِيَوْمِ بَدْرٍ وَحَنْظَلَةُ بِحَنْظَلَةَ، يَعْنِي حَنْظَلَةَ بْنَ الرَّاهِبِ الْمُقْتُولَ بِأُحُدٍ بِحَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الْمُقْتُولِ بِبَدْرٍ، فَقَالَ عُمَرُ: لَا سَوَاءَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ، وَقَتْلَاكُمْ فِي النَّارِ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ اعْلُ هُبَلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِعُمَرَ قُلْ لَهُ: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ، فَقَالَ أبو سفيان: لنا عزى، ولا عزى لكم؛ فقال النبي
لِعُمَرَ: قُلْ لَهُ: " اللَّهُ مَوْلَانَا، وَلَا مَوْلَى لَكُمْ ".
فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَانَتْ فِيكُمْ مُثْلَةٌ مَا أَمَرْتُ بِهَا، وَلَا نَهَيْتُ عَنْهَا، وَلَا سَرَّتْنِي، وَلَا سَاءَتْنِي، ثُمَّ وَلَّى وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْمَدِينَةَ فِي آخِرِ يَوْمِهِ، وَهُوَ يَوْمُ السَّبْتِ، وَلَمْ يُغَسِّلْ قَتْلَى أُحُدٍ، وَاخْتُلِفَ فِي صَلَاتِهِ عَلَيْهِمْ، وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ فِي مَصَارِعِهِمْ، فَدُفِنُوا فِيهَا إِلَّا مَنْ سَبَقَ حَمْلُهُ، وَدَفْنُهُ فِي الْمَدِينَةِ، وَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ وَهُوَ يَوْمُ الْأَحَدِ الثَّامِنِ مِنْ شَوَّالٍ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الصُّبْحَ، وَأَمَرَ بِلَالًا فَنَادَى فِي النَّاسِ بِالْخُرُوجِ لِطَلَبِ عَدُوِّهِمْ، وَأَنْ لَا يَخْرُجَ مَعَهُ إِلَّا مَنْ شَهِدَ أُحُدًا وَسَارَ وَدَفَعَ لِوَاءَهُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، وَقِيلَ: إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَاسْتَخَلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَسَارَ وَهُوَ مَكْلُومٌ إِرْهَابًا لِقُرَيْشٍ، حَتَّى بَلَغَ حَمْرَاءَ الْأَسَدِ، وَبِهَا قُرَيْشٌ يَتَآمَرُونَ فِي الرُّجُوعِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ يَنْهَاهُمْ إِلَى أَنْ سَارُوا إِلَى مَكَّةَ، وَعَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلَى الْمَدِينَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ بَعْدَ خَمْسَةِ أَيَّامٍ لَمْ يَلْقَ كَيْدًا، وَسُمِّيَتْ هَذِهِ السَّنَةُ عَامَ أُحُدٍ؛ لِأَنَّهَا أَعْظَمُ وَقَائِعِهَا، وَكَانَ فِيهَا خَمْسُ غزوات، وسرية واحدة
(فصل: [سرية قطن] )
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ فَأَسْرَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي غَزْوَةِ الْمُحَرَّمِ وَأَسْرَى أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيَّ إِلَى " قَطَنٍ " وَهُوَ جَبَلٌ بِنَاحِيَةِ فَيْدٍ فِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ رَجُلًا مِنَ
الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ لِيَلْقَى بَنِي أَسَدٍ؛ لِأَنَّهُمْ هَمُّوا بِحَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَتَفَرَّقُوا عِنْدَ وُرُودِهِ عَلَيْهِمْ وَسَاقَ نَعَمَهُمْ، وَقَدِمَ بها المدينة، ولم يقاتل أحداً
(فصل: [سرية عرنة] ) .
ثُمَّ أَنْفَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسٍ سَرِيَّةً إِلَى سُفْيَانَ بن نبيح الهذلي بعرنة فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ الْخَامِسِ مِنَ الْمُحَرَّمِ وَكَانَ يَجْمَعُ الْجُمُوعَ لِمُحَارَبَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فسار إليه وقتلهغيلة، واحتز رأسه وأتى رسول الله
فِي يَوْمِ الْجَمْعِ بَعْدَ ثَمَانِيَةَ عَشْرَ يَوْمًا، وَكَانَ فِي الْمَسْجِدِ فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: " أَفْلَحَ الْوَجْهُ مَا صَنَعْتَ قَالَ: قَتَلْتُهُ وَهَذَا رَأْسُهُ.
قَالَ: فَدَفَعَ إِلَيَّ عَصًا وَقَالَ تَحَصَّنْ بِهَذِهِ فِي الْجَنَّةِ " فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُدْرِجُوهَا فِي كَفَنِهِ؛ فَفَعَلُوا.
( [ذِكْرُ خَبَرِ بِئْرِ مَعُونَةَ] )
ثُمَّ سَرِيَّتُهُ إِلَى بِئْرِ مَعُونَةَ في صفر أخرج فيها الْمُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو السَّاعِدِيَّ فِي سَبْعِينَ رَجُلًا مِنَ الْقُرَّاءِ خَرَجُوا فِي جِوَارِ مُلَاعِبِ الْأَسِنَّةِ لِيَدْعُوا قَوْمَهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَجَمَعَ عَلَيْهِمْ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ قَبَائِلَ بَنِي سُلَيْمٍ وَقَتَلَ جَمِيعَهُمْ، إِلَّا عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ فَإِنَّهُ أَعْتَقَهُ عن أُمِّهِ فَعَادَ وَحْدَهُ، وَلَقِيَ فِي طَرِيقِهِ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي كِلَابٍ، لَهُمَا أَمَانٌ مِنْ رَسُولِ للاه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فقتلهما وهو لا يعلم بأمانه لهما فَوَدَاهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حِينَ أَخْبَرَهُ وَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَجْدًا عَظِيمًا، وَكَان فِيهِمْ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ فَقَالَ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ وَارَتْ جُثَّتَهُ، وَأُنْزِلَ عِلِّيِّينَ، ونزل فيهم قرآن قرىء ثُمَّ نُسِخَ أَوْ نُسِيَ " بَلِّغُوا عَنَّا قَوْمَنَا، أَنَّا لَقِينَا رَبَّنَا، فَرَضِيَ عَنَا وَرَضِينَا عَنْهُ " وَقَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - شَهْرًا فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ يَدْعُو عَلَى رَعْلٍ وَذَكْوَانَ، وَعَصِيَّةَ وَبَنِي لَحْيَانَ وَقَالَ: " اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي
يُوسُفَ " إِلَى أَنْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: 128] فَتَرَكَ.
( [غَزْوَةُ الرَّجِيعِ] )
ثُمَّ سَرِيَّةُ الرَّجِيعِ فِي صَفَرٍ وَسَبَبُهَا أَنَّ رَهْطًا مِنْ عَضَلَ، وَالْقَارَّةِ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَقَالُوا إِنَّ فِينَا إِسْلَامًا، فَابْعَثْ مَعَنَا نَفَرًا يقرؤوننا الْقُرْآنَ، وَيُفَقِّهُونَنَا فِي الدِّينِ، فَأَنْفَذَ مَعَهُمْ عَشَرَةً، أَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ، وَقِيلَ: مَرْثَدَ بْنَ أَبِي مَرْثَدٍ
وَالرَّجِيعُ.
مَاءٌ بِالْهَدَاةِ عَلَى سَبْعَةِ أَمْيَالٍ مِنْ عُسْفَانَ، فَغَدَرُوا بِالْقَوْمِ، وَقَتَلُوا بَعْضَهُمْ وَبَاعُوا بَعْضَهُمْ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ حَتَّى قتلوا بقتلاهم.
فقتلوا جميعا
(فصل: [غزوة بني النضير] )
ثُمَّ غَزَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - غَزْوَةَ بَنِي النَّضِيرِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَسَبَبُهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - خَرَجَ إِلَيْهِمْ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ لِلْعَهْدِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ يَسْتَعِينُ بهم في الديتين على القتيلين الذين قَتَلَهُمَا عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ فَهَمُّوا بِقَتْلِ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِإِلْقَاءِ حَجَرٍ عَلَيْهِ، فَعَلِمَ بِهِ، وَعَادِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَتَبِعَهُ أَصْحَابُهُ، وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ سَبَبَ عَوْدِهِ وَرَاسَلَ بَنِي النَّضِيرِ أَنْ يَخْرُجُوا عَنْ بِلَادِهِ، فَهَمُّوا بِذَلِكَ، حَتَّى رَاسَلَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ أَنَّهُ يَنْصُرُهُمْ فِي أَلْفَيْ رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ، وَمِنْ خُلَطَائِهِ، فَقَوِيَتْ بِهِ نُفُوسُهُمْ، وَامْتَنَعُوا عَنِ الْخُرُوجِ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِأَصْحَابِهِ فَصَلَّى الْعَصْرَ بِفِنَاءِ بَنِي النَّضِيرِ، وَحَمَلَ رَايَتَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَحَاصَرَهُمْ فِي حُصُونِهِمْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَقَطَعَ عَلَيْهِمْ نخلهم بالنويرة فَقَالُوا: نَحْنُ نَخْرُجُ عَنْ بِلَادِكَ فَقَالَ: لَا أَقْبَلُهُ الْيَوْمَ مِنْكُمْ، وَخَذَلَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ثُمَّ أَجْلَاهُمْ عَنْهَا عَلَى أَنَّ لَهُمْ دمائهم، وَمَا حَمَلَتْهُ الْإِبِلُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، إِلَّا الْحَلْقَةَ يَعْنِي السِّلَاحَ وَوَلَّى مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ، إِخْرَاجَهُمْ فَخَرَجُوا بِنِسَائِهِمْ، وَصِبْيَانِهِمْ، وَتَحَمَّلُوا سِتَّمِائَةِ بَعِيرٍ حَتَّى نَزَلُوا خَيْبَرَ وَقَبَضَ الْأَرْضِينَ وَالْحَلْقَةَ فَوَجَدَ فِيهَا خمس وَخَمْسِينَ بَيْضَةً وَثَلَاثَمِائَةٍ وَأَرْبَعِينَ سَيْفًا، وَاصْطَفَى أَمْوَالَهُمْ خَالِصَةً لَهُ؛ حَبْسًا لِنَوَائِبِهِ وَلَمْ يُخَمِّسْهَا لِأَنَّهَا مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَوَسَّعَ فِي النَّاسِ، فَأَعْطَى مِنْهَا أُنَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ، فَأَعْطَى أَبَا بَكْرٍ بِئْرَ حَجَرٍ، وَأَعْطَى عُمَرَ بِئْرَ خُمٍّ وأعطى عبد
الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ سُؤَالَهُ وَأَعْطَى صُهَيْبَ بْنَ سنان السراطة، وَأَعْطَى الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ وَأَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْأَسَدِ الْبُوَيْرَةَ.
وَأَعْطَى سَهْلَ بْنَ حَنِيفٍ وَأَبَا دُجَانَةَ مَالَ ابْنِ خَرَشَةَ
( [غَزْوَةُ بَدْرٍ الصغرى] ) .
ثُمَّ غَزَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - غَزْوَةَ بَدْرٍ الصُّغْرَى لِمَوْعِدِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ يَوْمَ أُحُدٍ: يَا مُحَمَّدُ الْمَوْعِدُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ " بَدْرٌ " وَكَانَتْ بَدْرٌ سُوقًا لِلْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، يَجْتَمِعُونَ فِيهَا فِي هِلَالِ ذِي الْقَعْدَةِ إِلَى الثَّامِنِ مِنْهُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلَيْهَا عَلَى مَوْعِدِ أَبِي سُفْيَانَ فِي هِلَالِ ذِي الْقَعْدَةِ فِي أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فِيهِمْ عَشَرَةُ أَفْرَاسٍ وَحَمَلَ لِوَاءَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ، وَخَرَجُوا بِبَضَائِعَ لَهُمْ وَتِجَارَاتٍ فَقَدِمُوا سُوقَ بَدْرٍ، وَهِيَ الصَّفْرَاءُ لَيْلَةَ ذِي الْقَعْدَةِ، وَخَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ مِنْ مَكَّةَ فِي أَلْفَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ، وَحُلَفَائِهِمْ حَتَّى بَلَغَ مَرَّ الظَّهْرَانِ، وَهُوَ نَادِمٌ عَلَى الْمَوْعِدِ، ثُمَّ رَجَعَ لِجَدْبِ الْعَامِ فَعَادُوا لِيَتَأَهَّبُوا لِغَزْوَةِ الْخَنْدَقِ وَرَبِحَ الْمُسْلِمُونَ فِي تِجَارَاتِهِمْ، لِلدِّرْهَمِ دِرْهَمًا، فَنَزَلَ فِيهِمْ قَوْلُ الله تعالى ﴿فانقلبوا بنعمة من الله لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران: 174] .
وَفِي هَذِهِ السنة ولد الحسن بْنُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ شَعْبَانَ.
وَفِي جُمَادَى الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ مِنْ رُقَيَّةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَهُوَ ابْنُ سِتِّ سِنِينَ.
وَفِيهَا: تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أُمَّ سَلَمَةَ بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ فِي شَوَّالٍ، وَدَخَلَ بِهَا.
وَفِيهَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ أَنْ يَتَعَلَّمَ كِتَابَ الْيَهُودِ، وَقَالَ: لَا آمَنُ أَنْ يُبَدِّلُوا كِتَابِي.
وَسُمِّيَتْ هَذِهِ السَّنَةُ عَامَ بَنِي النَّضِيرِ؛ لِأَنَّهُ أَعَمُّ مَا كَانَ فِيهَا، فَكَانَ لَهُ فِيهَا غَزْوَتَانِ وأربع سرايا.
(فصل: [غزوة ذات الرقاع] )
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ فَغَزَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِيهَا غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ.
وَسَبَبُهَا: أَنَّ
الْخَبَرَ وَرَدَ إِلَى الْمَدِينَةِ بِأَنَّ بَنِي أَنْمَارٍ وَبَنِي ثَعْلَبَةَ قَدْ تَجَمَّعُوا لِحَرْبِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي لَيْلَةِ السَّبْتِ الْعَاشِرِ مِنَ الْمُحَرَّمِ فِي أَرْبَعِمِائَةِ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقِيلَ: فِي سَبْعِمِائَةٍ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَسَارَ حَتَّى بَلَغَ ذَاتَ الرِّقَاعِ وَهُوَ جَبَلٌ فِيهِ حُمْرَةٌ، وَسَوَادٌ، وَبَيَاضٌ، سُمِّيَ بِهِ ذَاتُ الرِّقَاعِ فَوَجَدَ الْقَوْمَ قَدْ تَفَرَّقُوا فِي الْجِبَالِ، وَظَفِرَ بِنِسْوَةٍ أَخَذَهُنَّ، وَصَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ الْخَوْفِ وَهِيَ أَوَّلُ صَلَاةٍ صَلَّاهَا فِي الْخَوْفِ، وَعَادَ، وَابْتَاعَ مِنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ جَمَلَهُ بِأُوقِيَّةٍ وَشَرَطَ لَهُ ظَهْرَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ وَعَادَ إِلَى الْمَدِينَةِ بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ( [غَزْوَةُ دَوْمَةِ الجندل] )
ثُمَّ غَزَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - غَزْوَةَ دَوْمَةِ الْجَنْدَلِ، وَهِيَ مِنْ أَطْرَافِ الشَّامِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ دِمَشْقَ خَمْسُ لَيَالٍ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً.
وَسَبَبُهَا وُرُودُ الْخَبَرِ أَنَّهُ يُجْمَعُ بِهَا جَمْعٌ كَبِيرٌ يُرِيدُونَ طُرُقَ الْمَدِينَةِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فِي أَلْفِ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، يَسِيرُ اللَّيْلَ وَيَكْمُنُ النَّهَارَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ سِبَاعَ بْنَ عُرْفُطَةَ الْغِفَارِيَّ، وَوَصَلَ إِلَيْهَا وَقَدْ هَرَبَ الْقَوْمُ، عَنْهَا وَاسْتَاقَ بَعْضَ نَعَمِهِمْ، وَأَقَامَ فِيهَا أَيَّامًا يَبُثُّ السَّرَايَا، فَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا فَعَادَ وَوَادَعَ فِي طَرِيقِهِ عُيَيْنَةَ بْنَ حُصَيْنٍ، وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ.
( [غَزْوَةُ المريسيع] )
ثُمَّ غَزَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - غَزْوَةَ الْمُرَيْسِيعِ إِلَى بَنِي الْمُصْطَلَقِ مِنْ خُزَاعَةَ وَالْمُرَيْسِيعُ مَا كَانُوا نُزُولًا عَلَيْهِ.
وَسَبَبُهَا وُرُودُ الْخَبَرِ أَنَّ سَيِّدَهُمُ الْحَارِثَ بْنَ أَبِي ضِرَارٍ يَجْمَعُ قَوْمَهُ، وَمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ مِنَ الْعَرَبِ، لِقَصْدِ الْمَدِينَةِ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - في يوم الإثنين الثاني في شَعْبَانَ فِي نَاسٍ كَثِيرٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَالْأَنْصَارِ، وَخَرَجَ مَعَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ لَمْ يَخْرُجُوا فِي غَزَاةٍ قَبْلَهَا، وَكَانَ مَعَهُمْ ثَلَاثُونَ فَرَسًا عَشرة مِنْهَا لِلْمُهَاجِرِينَ، وَعِشْرُونَ لِلْأَنْصَارِ وَدَفَعَ رَايَةَ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَرَايَةَ الْأَنْصَارِ إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، وَوَصَلَ إِلَى الْمُرَيْسِيعِ وَظَفِرَ بِالْقَوْمِ، قِيلَ: إِنَّهُ شَنَّ الْغَارَةَ عَلَيْهِمْ بَيَاتًا
وَقِيلَ: بِقِتَالٍ وَمُحَارَبَةٍ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ عَشَرَةً وَأَسَرَ بِاقِيَهُمْ، فَلَمْ يُفْلَتْ مِنْهُمْ أَحَدٌ وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ، وَكَانُوا مِائَتَيْ ثَيِّبٍ، وَاسْتَاقَ نَعَمَهُمْ فَكَانَتِ الْإِبِلُ أَلْفَيْ بعير والشاة خمسة آلَافِ شَاةٍ، فَجَعَلَ الْبَعِيرَ بِعَشْرِ شِيَاهٍ، وَقَسَمَهُمْ بَعْدَ أَخْذِ الْخُمُسِ، وَأَسْهَمَ فِيهَا لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ، سَهْمًا لَهُ وَسَهْمَيْنِ لِفَرَسِهِ، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمًا وَاحِدًا وَكَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فرسان: لزاز والظرب فلم يرو أَنَّهُ أَخَذَ إِلَّا سَهْمَ فَرَسٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ فِي السَّبْيِ جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ وَحَصَلَتْ فِي سَهْمِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بن شماس أو لابن هم لَهُ، فَكَاتَبَاهَا عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ ذَهَبًا فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي كِتَابَتِهَا فَأَدَّاهَا عَنْهَا وَتَزَوَّجَهَا، وَجَعَلَ صَدَاقَهَا عِتْقَ كُلِّ أَسِيرٍ مِنْ قَوْمِهَا
وَقِيلَ: عَتَقَ أَرْبَعِينَ مِنْهُمْ، وَمَنَّ عَلَى أَكْثَرِ السَّبْيِ، وَقَدِمَ بِبَاقِيهِمُ الْمَدِينَةَ، فَفَدَاهُمْ أَهْلُوهُمْ حَتَّى خَلَصُوا جَمِيعًا وَفِيهَا تَنَازَعَ جَهْجَاهُ بْنُ سَعِيدٍ الْغِفَارِيُّ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَسِنَانُ بْنُ وَبْرٍ مِنَ الْأَنْصَارِ عَلَى مَاءٍ، فَضَرَبَهُ جَهْجَاهُ فَتَنَافَرَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ وَشَهَرُوا السِّلَاحَ، ثُمَّ اصْطَلَحُوا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، إِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ، فَذَكَرَ ذَلِكَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَسَارَ لِوَقْتِهِ، وَوَقَفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ عَلَى طَرِيقِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لِأَبِيهِ: لَا أُفَارِقُكَ حَتَّى تَزْعُمَ أَنَّكَ الذَّلِيلُ وَمُحَمَّدٌ الْعَزِيزُ، فَمَرَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ: " دَعْهُ، فَلْنُحْسِنْ صُحْبَتَهُ مَا دَامَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا ".
وَفِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ ضَاعَ عِقْدٌ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَأَقَامَ النَّاسُ عَلَى طَلَبِهِ حَتَّى أَصْبَحُوا عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى آيَةَ التَّيَمُّمِ، فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ لَيْسَتْ هَذِهِ أَوَّلَ بَرَكَاتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ؛ فَإِنَّهُ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ فِيهِ مَخْرَجًا وَلِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ خَيْرًا.
وَفِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ كَانَ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي الْإِفْكِ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ مَا أَنْزَلَ وَعَادَ إِلَى الْمَدِينَةِ فِي هِلَالِ شهر رمضان بعد اثنين وعشرين يوما.
(فصل: [غزوة الخندق] )
ثُمَّ غَزَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - غَزْوَةَ الْخَنْدَقِ، وَهِيَ غَزْوَةُ الْأَحْزَابِ.
وَسَبَبُهَا: أَنَّ بَنِي النَّضِيرِ لَمَّا أُجْلُوا إِلَى خَيْبَرَ فَقَصَدَ أَشْرَافُهُمْ مَكَّةَ، وَحَرَّضُوا قُرَيْشًا عَلَى حَرْبِ رَسُولِ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَعَاهَدُوهُمْ، فَاجْتَمَعُوا فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ، فِيهِمْ ثَلَاثُمِائَةِ فَرَسٍ وَأَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةِ بَعِيرٍ، عَلَيْهِمْ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَاسْتَعْدَوُا الْعَرَبَ، فَجَاءَهُمُ الْأَحْزَابُ مِنَ الْقَبَائِلِ حَتَّى اسْتَكْمَلُوا عَشَرَةَ آلَافٍ، وَبَلَغَ رَسُولَ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - خُرُوجُهُمْ مِنْ مَكَّةَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَشَاوَرَهُمْ فِيهِ، فَأَشَارَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ فَأَجْمَعَتِ الْمُسْلِمُونَ، وَحَفَرُوهُ، وَعَمِلَ مَعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِنَفْسِهِ، وَكَانَ الْأَنْصَارُ يَقُولُونَ، وَهُمْ يَحْفِرُونَ الْخَنْدَقَ:
(نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا ... عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدَا)
قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُولُ: (اللَّهُمَّ إِنَّ الْخَيْرَ خَيْرُ الْآخِرَهْ ... فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ)
وَرَوَى الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَنْقُلُ مَعَنَا التُّرَابَ، وَقَدْ وَارَى التُّرَابُ بَيَاضَ بَطْنِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: (اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا ... وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا)
(فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا ... وَثَبِّتِ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا)
(إِنَّ الْأُولَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا ... إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا)
وَفَرَغُوا مِنَ الْخَنْدَقِ بَعْدَ سِتَّةِ أَيَّامٍ، وَجَعَلُوا النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ فِي الْآطَامِ، وَنَزَلَتْ قُرَيْشٌ وَالْأَحْزَابُ، وَعَلَى جَمِيعِهِمْ أَبُو سُفْيَانَ، وَعَسْكَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِسَفْحِ " سَلَعٍ " وَجَعَلَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، وَمَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةُ آلَافِ رَجُلٍ هُمْ عَلَى أَشَدِّ خَوْفٍ وَوَجَلٍ، وَدَفَعَ لِوَاءَ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَلِوَاءَ الْأَنْصَارِ
إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ بأن أبدى أُمِّ مَكْتُومٍ، وَدَعَا أَبُو سُفْيَانَ بَنِي قُرَيْظَةَ إِلَى نَقْضِ عَهْدِهِمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَأَجَابُوهُ بَعْدَ الِامْتِنَاعِ، فَلَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ قَالَ: " حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ "؛ لِأَنَّهُ خَافَهُمُ عَلَى الذَّرَارِيِّ، وَكَانُوا مِنْ وَرَائِهِمْ، وَنَزَلَ فِيهِ قَوْلُ الله تعالى: ﴿إذ جاؤوكم مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأبصار وبلغت القلوب الحناجر﴾ [الآية - الأحزاب: 10] وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَتَنَاوَبُونَ الْقِتَالَ، فَيُقَاتِلُ أَبُو سُفْيَانَ فِي أَصْحَابِهِ يَوْمًا، وَيُقَاتِلُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ يَوْمًا، وَيُقَاتِلُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ يَوْمًا وَيُقَاتِلُ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ يَوْمًا وَيُقَاتِلُ هُبَيْرَةُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ يَوْمًا وَالْخَنْدَقُ: حَاجِزٌ، وَالْمُسْلِمُونَ يَحْفَظُونَ أَقْطَارَهُ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: هَذِهِ مَكِيدَةٌ مَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَصْنَعُهَا فَأَنَّى لَهُمْ هَذَا فَقِيلَ لَهُمْ: إِنَّ مَعَهُمْ رَجُلًا فَارِسِيًّا أَشَارَ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَاجْتَمَعُوا بِأَسْرِهِمْ، وَقَصَدُوا أَضْيَقَ مَوْضِعٍ فِي الْخَنْدَقِ أَغْفَلَهُ الْمُسْلِمُونَ فَعَبَرَ مِنْهُ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَنَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَهُبَيْرَةُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ، وعمرو بن عبدود، وطلب عمرو بن البزار وَكَانَ ابْنَ تِسْعِينَ سَنَةً فَبَرَزَ إِلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَتَلَهُ، وَقَتَلَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ نَوْفَلَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بِالسَّيْفِ، فَقَطَعَهُ اثْنَيْنِ، وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ، وَقَصَدَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْجِهَةَ الَّتِي فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَتَشَاغَلَ بِحَرْبِهِ حَتَّى أَخَّرَ صَلَاةَ الظُّهْرِ، وَالْعَصْرِ، والمغرب، وعشاء الآخرة حتى انكفأوا رَاجِعِينَ مُتَوَاعِدِينَ لِلْغَدِ، فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ لِلظَّهْرِ، وَأَقَامَ لِكُلِّ صَلَاةٍ بَعْدَهَا وَلَمْ يُؤَذِّنْ، وَقَالَ: " شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى مَلَأَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ، وَقُبُورَهُمْ نَارًا " وَصَلَّاهَا جَمِيعُ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلِ وَالْمُشْرِكُونَ عَلَى تَرْتِيبِ قِتَالِهِمْ مِنَ الْغَدِ سَعَى بَيْنَهُمْ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ فَخَذَّلَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ حَتَّى اخْتَلَفُوا وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي مَسْجِدِ الْأَحْزَابِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ يَقُولُ: " اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ سَرِيعَ الْحِسَابِ اهْزِمِ الْأَحْزَابَ وَزَلْزِلْهُمْ " فَعَصَفَتِ بِهِمُ الرِّيحُ حَتَّى زَلْزَلَتْهُمْ، فَانْهَزَمُوا وَتَفَرَّقَ جَمْعُهُمْ، وَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَمْسَةٌ مِنْهُمْ: سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ رَمَاهُ ابْنُ الْعَرِقَةِ بِسَهْمٍ فِي أَكْحَلِهِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَدْ بَذَلَ لِعُيَيْنَةَ الثُّلُثَ مِنْ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ؛ لِيَرْجِعَ عَنِ الْأَحْزَابِ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ غَطَفَانَ فَامْتَنَعَ، أَنْ يَأْخُذَ إِلَّا الشَّطْرَ، فَشَاوَرَ رَسُولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ وَسَعْدَ بْنَ عِبَادَةٍ، فَقَالَا: إِنْ كُنْتَ قَدْ أُمِرْتَ بِشَيْءٍ فَافْعَلْ، وَإِنْ لَمْ تُؤْمَرْ فَمَا تُعْطِيهِمْ إِلَّا السَّيْفَ، فَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ شَاوَرْتُكُمَا فِيهِ ثُمَّ هَزَمَ اللَّهُ الْأَحْزَابَ صَبِيحَةَ اخْتِلَافِهِمْ بَعْدَ حِصَارِ الْمَدِينَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَعَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلَى الْمَدِينَةِ مَسْرُورًا فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ الثَّالِثِ والعشرين من ذي القعدة
(فصل: [غزوة بني قريظة] )
ثُمَّ غَزَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَنِي قُرَيْظَةَ؛ لِنَقْضِهِمُ الْعَهْدَ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، وَطَاعَتِهِمْ لِأَبِي سُفْيَانَ؛ ذَلِكَ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَمَّا عَادَ مِنَ الْخَنْدَقِ بَعْدَ انْهِزَامِ الْأَحْزَابِ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ حِينَ دَخَلَ مَنْزِلَ عَائِشَةَ يُؤْمَرُ بِالْمَسِيرِ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، فَدَفَعَ لِوَاءَهُ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَنَادَى فِي النَّاسِ: " لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الظُّهْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ " وَكَانَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ الثَّالِثَ وَالْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ الَّذِي انْهَزَمَتْ فِيهِ الْأَحْزَابُ فَتَخَوَّفَ قَوْمٌ فَوَاتَ الصَّلَاةِ، فَصَلَّوْا، وَقَالَ قَوْمٌ: لَا نُصَلِّي إِلَّا حَيْثُ أُمِرْنَا وَإِنْ فَاتَ الْوَقْتُ، فَمَا عَنَّفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَاحِدًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ وَسَارَ إِلَيْهِمْ وَهُوَ رَاكِبٌ عَلَى حِمَارٍ، وَغَزَا وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ، وَهُمْ ثَلَاثَةُ آلَافٍ، وَالْخَيْلُ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ فَرَسًا، وَحَاصَرَهُمْ فِي حُصُونِهِمْ أَشَدَّ الْحِصَارِ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَكَانُوا سَأَلُوا إِنْفَاذَ أَبِي لُبَابَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ إِلَيْهِمْ، فلما تقدم شاوروه فِي أَمْرِهِمْ، فَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى حَلْقِهِ أَنَّهُ الذَّبْحُ، ثُمَّ نَدِمَ فَاسْتَرْجَعَ، وَقَالَ: حَنِثَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَانْصَرَفَ وَارْتَبَطَ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَمْ يَأْتِ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حتى أنزل الله توبته ثُمَّ نَزَلُوا عَلَى حُكْمَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَأَمَرَ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ فَكُتِّفُوا، وَعُزِلُوا عَنِ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ، وَغَنَمَ مَا فِي حُصُونِهِمْ فَوَجَدَ فِيهَا أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةِ سَيْفٍ، وَثَلَاثَمِائَةِ دِرْعٍ وَأَلْفَيْ رُمْحٍ وَأَلْفًا وَخَمْسَمِائَةِ تُرْسٍ فَخَمَّسَ وَوَجَدَ خَمْرًا فَأُهْرِيقَ، وَلَمْ يُخَمّسْ وَوَجَدَ لَهُمْ مَوَاشِيَ كَثِيرَةً وَبِيعَتِ الْأَمْتِعَةُ فِيمَنْ يُرِيدُ وَقُسِّمَتِ الْغَنِيمَةُ بَعْدَ إِخْرَاجِ خُمُسِهَا عَلَى ثَلَاثَةِ آلَافٍ وَاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ سَهْمًا لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمًا وَاحِدًا، وَقَسَمَ السَّبْيَ، وَاصْطَفَى مِنْهُ رَيْحَانَةَ بِنْتَ عَمْرٍو لِنَفْسِهِ، وَاجْتَمَعَ الْأَوْسُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَسْأَلُونَهُ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ لِحِلْفٍ كَانَ بَيْنَهُمْ فَحَكَّمَ فِيهِمْ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، وَكَانَ بِهِ الْجُرْحُ الَّذِي رَمَاهُ ابْنُ الْعَرِقَةِ فَحَكَمَ سَعْدٌ أن مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمَوَاسِي قُتِلَ، وَمَنْ لَمْ تجر عَلَيْهِ الْمَوَاسِي اسْتُرِقَّ، وَتُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ، وَتُغْنَمُ أَمْوَالُهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " هَذَا حُكْمُ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ " يعني: سبع سموات، وَحَكَى حُمَيْدٌ أَنَّ مُعَاذًا حَكَمَ أَنْ يَكُونَ الدِّيَارُ لِلْمُهَاجِرِينَ دُونَ الْأَنْصَارِ فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: إِخْوَانُنَا كُنَّا مَعَهُمْ، فَقَالَ: إِنِّي أَحْبَبْتُ أَنْ يَسْتَغْنَوْا عَنْكُمْ، فَلَمَّا حَكَمَ
سَعْدٌ بِمَا حَكَمَ، وَكَانَ قَدْ رَمَاهُ ابْنُ الْعَرِقَةِ فِي أَكْحَلِهِ دَعَا أَنْ لَا يَمُوتَ حَتَّى يَشْفِيَهُ اللَّهُ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، فَمُرَّ بِهِ بَعْدَ حُكْمِهِ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ فَأَصَابَتِ الْجُرْحَ بِظِلْفِهَا فَمَا رَقَأَ حَتَّى مَاتَ وَانْصَرَفَ رَسُولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إلى المدينة في يوم الخميس كسابع مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ فَأُدْخِلُوا المدينة، وحفر لهم أخدود فِي السُّوقِ وَجَلَسَ عَلَيْهِ مَعَ أَصْحَابِهِ، وَأُحْضِرُوا إليه رَسَلًا فَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمْ، وَكَانُوا مَا بَيْنَ سِتِّمِائَةٍ إِلَى سَبْعِمِائَةٍ، وَسُمِّيَتْ هَذِهِ السَّنَةُ عَامَ الْخَنْدَقِ؛ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ مَا كَانَ فِيهَا.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ حِينَ نَزَلَ عَنْهَا زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَنَزَلَ فِيهَا مِنَ الْقُرْآنِ مَا نزل، وكانت غزواته فيها خمسا.
(فصل: [ذكر أحداث سنة ست من الهجرة سرية ابن مسلمة] )
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ فَابْتَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِيهَا بِسَرِيَّةِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فِي ثَلَاثِينَ رَاكِبًا إِلَى الْقَرْطَاءِ فِي الْعَاشِرِ مِنَ الْمُحَرَّمِ، فَقَتَلَ نَفَرًا مِنْهُمْ، وَهَرَبَ بَاقُوهُمْ وَاسْتَاقَ نَعَمَهُمْ، وَلَمْ يَعْرِضْ لِلسَّبْيِ، وَقَدِمَ إِلَى الْمَدِينَةِ بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ بَعِيرًا وَبِأَلْفِ شَاةٍ بَعْدَ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا ( [غَزْوَةُ بَنِي لِحْيَانَ] )
ثُمَّ غَزَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - غَزْوَةَ بَنِي لِحْيَانَ بِنَاحِيَةِ عُسْفَانَ لِأَجْلِ مَنْ قُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي بِئْرِ مَعُونَةَ، وَخَرَجَ في هلال شهر ربيع الأول مِائَتَيْ رَجُلٍ وَمَعَهُمْ عِشْرُونَ فَرَسًا وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَسَارَ إِلَيْهِمْ، فَهَرَبُوا في رؤوس الْجِبَالِ، وَنَزَلَ عُسْفَانَ، وَبَثَّ مِنْهَا السَّرَايَا، فَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا، وَصَلَّى بِهِمْ بِهَا صَلَاةَ الْخَوْفِ.
وَخَرَّ رَاكِعًا وَهُوَ يَقُولُ: " آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ، وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ "
وَعَادَ إِلَى الْمَدِينَةِ بَعْدَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
( [غَزْوَةُ الْغَابَةِ] )
ثُمَّ غَزَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - غَزْوَةَ الْغَابَةِ وَهِيَ طَرِيقُ الشَّامِ عَلَى بَرِيدٍ مِنَ الْمَدِينَةِ وَسَبَبُهَا: أَنَّ عِشْرِينَ لِقْحَةً كَانَتْ لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِالْغَابَةِ فِيهَا أَبُو ذَرٍّ أَغَارَ عَلَيْهَا عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ فِي أَرْبَعِينَ فَارِسًا، وَقَتَلُوا ابْنَ أَبِي ذَرٍّ، وَجَاءَ الصَّرِيخُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، فَنُودِيَ: يَا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي، فَكَانَ أَوَّلَ مَا نُودِيَ بِهَا، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي وَقْتِهِ مِنْ يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ مُقَنَّعًا بِالْحَدِيدِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ أَقْبَلَ إِلَيْهِ الْمِقْدَادُ بْنُ عمرو، فعقد
لَهُ اللِّوَاءَ فِي رُمْحِهِ، وَقَدَّمَهُ أَمَامَهُ، فَتَلْحَقُهُ الْخُيُولُ، وَسَارَ فِي أَثَرِهِ بِخَمْسِمِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَتَسَرَّعَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ رَاجِلًا، فَبَكَى، وَأَبْلَى وَهُوَ يَقُولُ: (أَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ ... وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ)
وَاسْتَرْجَعُوا مِنْهُمْ عَشْرَ لَقَائِحَ، وَهَرَبُوا بِعَشْرٍ بَعْدَ أَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ عَدَدٌ، وَقَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِكُلِّ مِائَةٍ جَزُورًا يَنْحَرُونَهَا، وَقَالَ: " خَيْرُ فُرْسَانِنَا الْيَوْمَ أَبُو قَتَادَةَ، وَخَيْرُ رَجَّالَتِنَا سَلَمَةُ " وَنَزَلَ بِذِي قَرَدٍ، فَأَقَامَ بِهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَصَلَّى فِيهِ صَلَاةَ الْخَوْفِ، وَعَادَ إِلَى الْمَدِينَةِ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ بَعْدَ خَمْسَةِ أَيَّامٍ، وَأَرْدَفَ سَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ فِي طَرِيقِهِ ( [سَرِيَّةُ عُكَّاشَةَ بْنِ محصن] )
تم سَرِيَّةُ عُكَّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ إِلَى الْغَمْرِ عَلَى لَيْلَتَيْنِ مِنْ فَيْدَ أَنْفَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فِي أَرْبَعِينَ رَجُلًا إِلَى بَنِي أَسَدٍ، فَهَرَبُوا وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا، وَاسْتَاقَ مِنْهُمْ مِائَتَيْ بَعِيرٍ وَقَدِمَ بِهَا الْمَدِينَةَ ( [سَرِيَّةُ ذِي الْقَصَّةِ] )
ثُمَّ أَنْفَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ سَرِيَّة إِلَى ذِي الْقَصَّةِ إِلَى بَنِي ثَعْلَبَةَ وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ مِيلًا طَرِيقَ الرَّبَذَةِ، وَبَعَثَ مَعَهُ عَشَرَةَ نَفَرٍ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَأَحَاطَ الْقَوْمُ بِهِمْ وَكَانُوا مِائَةً فَقَتَلُوهُمْ
وَوَقَعَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ صَرِيعًا بَيْنَهُمْ، فَضُرِبَ كَعْبُهُ فَلَمْ يَتَحَرَّكْ، وَجَرَّدُوهُمْ مِنَ الثِّيَابِ، وَمَرَّ بِمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، فَحَمَلَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَنْفَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ إِلَى ذِي الْقَصَّةِ لِطَلَبِ الْقَوْمِ فِي أَرْبَعِينَ، فَهَرَبُوا فِي الْجِبَالِ وَاسْتَاقَ مِنْ نَعَمِهِمْ، وَقَدِمَ بِهِ الْمَدِينَةَ، فَخَمَّسَهُ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَقَسَمَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهِ فِيهِمْ.
( [سَرِيَّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ إِلَى الْعِيصِ] )
ثُمَّ بَعَثَ سَرِيَّةَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ فِي جُمَادَى الْأُولَى فِي مِائَةٍ وَسَبْعِينَ رَاكِبًا؛ لِيَعْتَرِضُوا عِيرًا لِقُرَيْشٍ وَرَدَتْ مِنَ الشَّامِ فِيهَا فِضَّةٌ كَثِيرَةٌ لِصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَأَمْوَالٌ، فَظَفِرَ بِهَا وَأَسَرَ نَاسًا فِيهَا مِنْهُمْ: أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ، وَقَدِمَ بِهِ الْمَدِينَةَ فَاسْتَجَارَ بِزَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَكَانَتْ زَوْجَتَهُ، فَخَرَجَتْ بَعْدَ إِجَارَتِهِ، وَنَادَتْ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ: إِنِّي قَدْ أَجَرْتُ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مَا عَلِمْتُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا، وَقَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ "، وَرَدَّ عَلَيْهِ مَا أُخِذَ مِنْهُ، وَعَادَ إِلَى مَكَّةَ حَتَّى رَدَّ عَلَى النَّاسِ أَمْوَالَهُمْ، وَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ مُسْلِمًا