كتاب السبق والرمي
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الماوردي
- الكتاب
- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
- المحقق
- الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1419 هـ -1999 م
- عدد الأجزاء
- 19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أَحَاطَ بِالْمَخْسُوقِ، وَاخْتِلَافُ الْأَسْمَاءِ يُغَيِّرُ الْأَحْكَامَ.
وَالثَّانِي: إِنَّهُ قَدْ صَارَ بَعْضُ السَّهْمِ وَاقِعًا فِي الشَّنِّ، وَبَعْضُهُ خَارِجًا مِنَ الشَّنِّ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنْ يُعْتَدَّ بِهِ خَاسِقًا لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْخَرْمَ زِيَادَةٌ عَلَى الْخَسْقِ لِأَنَّ كُلَّ خَارِمٍ خَاسِقٌ وَلَيْسَ كُلُّ خَاسِقٍ خَارِمًا.
وَالثَّانِي: إِنَّ مَقْصُودَ الْخَسْقِ مِنَ الثَّقْبِ، وَالثُّبُوتُ مَوْجُودٌ فِيهِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، فَإِنْ جُعِلَ خَاسِقًا كَانَ مُصِيبًا، وَإِنْ لَمْ يُجْعَلْ خَاسِقًا لَمْ يَكُنْ مُصِيبًا وَفِي الِاحْتِسَابِ بِهِ مُخْطِئًا وَجْهَانِ عَلَى مَا ذكرنا.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَلَوْ كَانَ الشَّنُّ مَنْصُوبًا فَمَرَقَ مِنْهُ كَانَ عِنْدِي خَاسِقًا وَمِنَ الرُّمَاةِ مَنْ لَا يَحْسَبُهُ إِذَا لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا السَّهْمُ الْمَارِقُ، فَهُوَ أَنْ يَنْفُذَ فِي الشَّنِّ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ فَوْقَ الْهَدَفِ، وَيَخْرُجَ مِنْهُ، فَيَقَعَ وَرَاءَ الْهَدَفِ، فَيُحْتَسَبَ لَهُ فِي الرِّقَاعِ.
فَأَمَّا فِي الْخَاسِقِ فَفِي الِاحْتِسَابِ بِهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُحْتَسَبُ بِهِ خَاسِقًا اعْتِبَارًا بِالْمَعْنَى، وَأَنَّهُ زَائِدٌ عَلَى الْخَسْقِ، فَيُؤْخَذُ فِيهِ مَعْنَى الْخَسْقِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: حَكَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ بَعْضِ الرُّمَاةِ أَنَّهُ لَا يُحْتَسَبُ بِهِ خاسقاً، اعتباراً بالاسم، لأنه يسمى مارقاً ولا يُسَمَّى خَاسِقًا، فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ أَثْبَتَ هَذَا الْقَوْلَ لِلشَّافِعِيِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَفَاهُ عَنْهُ، لِأَنَّهُ أَضَافَهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَلَا يَكُونُ مُخْطِئًا وَإِنْ لَمْ يُحْتَسَبْ خَاسِقًا لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ أَصْحَابُنَا.
وَأَمَّا السَّهْمُ الْمُزْدَلِفُ: فَهُوَ أَنْ يَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يِزْدَلِفُ مِنْهَا بِحَمْوَتِهِ وَحِدَّتِهِ، فَيَصِيرُ فِي الْهَدَفِ فَفِي الِاحْتِسَابِ بِهِ مُصِيبًا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُحْتَسَبُ بِهِ مُصِيبًا، لِأَنَّهُ بِحِدَّةِ الرَّمْيِ أَصَابَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَيْسَ بِمُصِيبٍ، لِخُرُوجِهِ مِنَ الرَّامِي إِلَى غَيْرِ الْهَدَفِ، وَإِنَّمَا أَعَادَتْهُ الْأَرْضُ حِينَ ازْدَلَفَ عَنْهَا فِي الْهَدَفِ.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ: وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ لَمْ يُخْرِجِ الْمُزْدَلِفَ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَحَمَلَهُ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ بِاعْتِبَارِ حَالِهِ عِنْدَ مُلَاقَاةِ الْأَرْضِ، فَإِنْ ضَعُفَتْ حَمْوَتُهُ بَعْدَ ازْدِلَافِهِ، وَلَانَتْ كَانَ مَحْسُوبًا فِي الْإِصَابَةِ، وَإِنْ قَوِيَتْ، وَصَارَ بَعْدَ ازْدِلَافِهِ أَحَدَّ لم
يُحْتَسَبْ بِهِ مُصِيبًا وَيَجُوزُ أَنْ يَتَنَاضَلَا عَلَى مُرُوقِ السَّهْمِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَنَاضَلَا عَلَى ازدلافه، لأن مروق السهم عن فِعْلِ الرَّامِي، وَازْدِلَافَهُ مِنْ تَأْثِيرِ الْأَرْضِ، فَعَلَى هَذَا فِي الِاحْتِسَابِ بِهِ مُخْطِئًا إِذَا لَمْ يُحْتَسَبْ بِهِ مُصِيبًا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَكُونُ مُخْطِئًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ سُوءِ الرَّمْيِ.
وَالثَّانِي: لَا يَكُونُ مُخْطِئًا مَا أَصَابَ، وَيَسْقُطُ الِاعْتِدَادُ بِهِ مُصِيبًا ومخطئاً، والله أعلم.
(مسألة:)
قال الشافعي: " فَإِنْ أَصَابَ بِالْقِدْحِ لَمْ يُحْسَبْ إِلَّا مَا أَصَابَ بِالنَّصْلِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا قِدْحُ السَّهْمِ فَهُوَ خَشَبَتُهُ الْمُرَيَّشَةُ، وَاخْتُلِفَ فِيمَا يُسَمَّى بِهِ مِنْهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ اسْمٌ لِجَمِيعِ الْخَشَبَةِ.
وقال آخرون: هم اسْمٌ يَخْتَصُّ بِمَوْضِعِ الْوَتَرِ مِنْهُ، فَيُسَمَّى فُوقَ السَّهْمِ، وَهُوَ الْجُزْءُ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ الْوَتَرُ.
وَأَمَّا النَّصْلُ فَهُوَ الطَّرَفُ الْآخَرُ مِنَ السَّهْمِ، وَاخْتُلِفَ فِيمَا يُسَمَّى مِنْهُ نَصْلًا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ اسْمٌ لِلْحَدِيدِ الْمُسَمَّى زَجًّا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ اسْمٌ لِطَرَفِ الْخَشَبَةِ الَّتِي يُوضَعُ فِيهَا الزَّجُّ مِنَ الْحَدِيدِ، وَالْإِصَابَةُ إِنَّمَا تَكُونُ بِالنَّصْلِ لَا بِالْقِدْحِ.
فَإِذَا أَصَابَ بِغَيْرِ النَّصْلِ لَمْ يُحْتَسَبْ بِهِ مُصِيبًا، وَنُظِرَ فِيمَا أَصَابَ بِهِ مِنَ السَّهْمِ، فَإِنْ أَصَابَ بِعُرْضِ السَّهْمِ، احْتُسِبَ بِهِ مُخْطِئًا؛ لِأَنَّهُ مَنْسُوبٌ إِلَى سُوءِ رَمْيِهِ، وَإِنْ أَصَابَ بِقِدْحِ سَهْمِهِ، فَفِي الِاحْتِسَابِ بِهِ مُخْطِئًا وَجْهَانِ تَعْلِيلًا بِمَا قَدَّمْنَاهُ.
(مَسْأَلَةٌ:)
قال الشافعي: " وَلَوْ أَرْسَلَهُ مُفَارِقًا لِلشَّنِّ فَهَبَّتْ ريحٌ فَصَرَفَتْهُ أَوْ مُقَصِّرًا فَأَسْرَعَتْ بِهِ فَأَصَابَ حُسِبَ مُصِيبًا وَلَا حُكْمَ لِلرِّيحِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ لِلرِّيحِ تَأْثِيرًا مِنْ تَغْيِيرِ السَّهْمِ عَنْ جِهَتِهِ، وَحُذَّاقُ الرُّمَاةِ يَعْرِفُونَ مَخْرَجَ السَّهْمِ عَنِ الْقَوْسِ هَلْ هُوَ مُصِيبٌ أَوْ مُخْطِئٌ، فَإِذَا خَرَجَ السَّهْمُ، فَغَيَّرَتْهُ الرِّيحُ، فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَخْرُجَ مُفَارِقًا لِلشَّنِّ، فَتَعْدِلَ بِهِ الرِّيحُ إِلَى الشَّنِّ فَيُصِيبَ أَوْ يَكُونَ مُقَصِّرًا عَنِ الْهَدَفِ، فَتُعِينَهُ الرِّيحُ حَتَّى يَنْبَعِثَ، فَيُصِيبَ، فَتُعْتَبَرَ حَالُ الرِّيحِ، فَإِنْ كَانَتْ ضَعِيفَةً كَانَ مَحْسُوبًا فِي الْإِصَابَةِ؛ لِأَنَّنَا عَلَى يَقِينٍ مِنْ تَأْثِيرِ الرَّمْيِ، وَفِي شَكٍّ مِنْ تَأْثِيرِ الرِّيحِ، وَإِنْ كَانَتِ الرِّيحُ قَوِيَّةً نُظِرَ، فَإِنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً عِنْدَ إِرْسَالِ السَّهْمِ كَانَ مَحْسُوبًا فِي الْإِصَابَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدِ اجْتَهَدَ فِي التَّحَرُّزِ مِنْ تَأْثِيرِ الريح بتحريف سهمه، فأصاب
باجتهاده ورميه، وَإِنْ حَدَثَتِ الرِّيحُ بَعْدَ إِرْسَالِ السَّهْمِ، فَفِي الِاحْتِسَابِ بِهِ وَجْهَانِ تَخْرِيجًا مِنَ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي الِاحْتِسَابِ بِإِصَابَةِ الْمُزْدَلِفِ:
أَحَدُهُمَا: يُحْتَسَبُ بِهِ مصيباً إذا احتسب إصابة الْمُزْدَلِفِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُحْتَسَبُ مُصِيبًا، وَلَا مخطئاً إِذَا لَمْ يُحْتَسَبْ بِإِصَابَةِ الْمُزْدَلِفِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَخْرُجَ السَّهْمُ مُوَافِقًا لِلْهَدَفِ، فَتَعْدِلَ بِهِ الرِّيحُ حَتَّى يَخْرُجَ عَنِ الْهَدَفِ، فَيُعْتَبَرَ حَالُ الرِّيحِ، فَإِن كَانَتْ طَارِئَةً بَعْدَ خُرُوجِ السَّهْمِ عَنِ الْقَوْسِ أُلْغِيَ السَّهْمُ، وَلَمْ يُحْتَسَبْ بِهِ فِي الْخَطَأِ؛ لِأَنَّ التَّحَرُّزَ مِنْ حُدُوثِ الرِّيحِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، فَلَمْ يُنْسَبْ إِلَى سُوءِ الرَّمْيِ، وَإِنْ كَانَتِ الرِّيحُ مَوْجُودَةً عِنْدَ خُرُوجِ السَّهْمِ نُظِرَ فِيهَا، فَإِنْ كَانَتْ قَوِيَّةً لَمْ يُحْتَسَبْ بِهِ فِي الْخَطَأِ؛ لِأَنَّهُ أَخْطَأَ فِي اجْتِهَادِهِ الَّذِي يَتَحَرَّزُ بِهِ مِنَ الرِّيحِ، وَلَمْ يُخْطِئْ مِنْ سُوءِ الرَّمْيِ، وَإِنْ كَانَتِ الرِّيحُ ضَعِيفَةً، فَفِي الِاحْتِسَابِ بِهِ مِنَ الْخَطَأِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَكُونُ خَطَأً؛ لِأَنَّنَا عَلَى يَقِينٍ مِنْ تَأْثِيرِ الرَّمْيِ، وَفِي شَكٍّ مِنْ تَأْثِيرِ الرِّيحِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَكُونُ مَحْسُوبًا فِي الْخَطَأِ؛ لِأَنَّ الرِّيحَ تُفْسِدُ صَنِيعَ الْمُحْسِنِ، وَإِنْ قَلَّتْ كَمَا تُفْسِدُهُ إِذَا كَثُرَتْ.
(فَصْلٌ:)
وَلَوْ هَبَّتِ الرِّيحُ، فَأَزَالَتِ الشَّنَّ عَنْ مَوْضِعِهِ إِلَى غَيْرِهِ لَمْ يَخْلُ حَالُ السَّهْمِ بَعْدَ زَوَالِ الشَّنِّ عَنْ مَوْضِعِهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَقَعَ فِي غَيْرِ الشَّنِّ وَفِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ الَّذِي كَانَ فِيهِ، فَيُحْتَسَبَ بِهِ مُخْطِئًا؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْإِصَابَةِ قَبْلَ الرِّيحِ وَبَعْدَهَا.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقَعَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ فِيهِ الشَّنُّ فِي الْهَدَفِ، فَيُحْتَسَبُ مُصِيبًا لِوُقُوعِهِ فِي مَحَلِّ الْإِصَابَةِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يقع في الثمن بَعْدَ زَوَالِهِ عَنْ مَوْضِعِهِ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَزُولَ الشَّنُّ عَنْ مَوْضِعِهِ بَعْدَ خُرُوجِ السَّهْمِ، فَيُحْتَسَبُ بِهِ فِي الْخَطَأِ لِوُقُوعِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْإِصَابَةِ عِنْدَ خُرُوجِ السَّهْمِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَخْرُجَ السَّهْمُ بَعْدَ زَوَالِ الشَّنِّ عَنْ مَوْضِعِهِ، وَعِلْمِ الرَّامِيِ بِزَوَالِهِ، فَيُنْظَرُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي صَارَ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ خَارِجًا مِنَ الْهَدَفِ لَمْ يُحْتَسَبْ بِهِ مُصِيبًا وَلَا مُخْطِئًا لِخُرُوجِهِ عَنْ مَحَلِّ الصَّوَابِ وَالْخَطَأِ، وَإِنْ كَانَ مُمَاثِلًا لِمَوْضِعِهِ مِنَ الْهَدَفِ احْتُسِبَ بِهِ مُصِيبًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ مَحِلًّا لِلْإِصَابَةِ.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَلَوْ كَانَ دُونَ الشَّنِّ شيءٌ فَهَتَكَهُ السَّهْمُ ثُمَّ مَرَّ بِحَمْوَتِهِ حَتَّى يُصِيبَ كَانَ مُصِيبًا وَلَوْ أَصَابَ الشَّنَّ ثُمَّ سَقَطَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ حُسِبَ وَهَذَا كَنَزْعِ إِنْسَانٍ إِيَّاهُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ إِذَا اعْتَرَضَ بَيْنَ السَّهْمِ وَالْهَدَفِ حَائِلٌ مِنْ بَهِيمَةٍ أَوْ إِنْسَانٍ، فَإِنِ امْتَنَعَ بِهِ السَّهْمُ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى الْهَدَفِ لَمْ يُحْتَسَبْ فِي صَوَابٍ وَلَا خَطَأٍ، وَإِنْ نَفَذَ فِي الْحَائِلِ حَتَّى مَرَقَ مِنْهُ، وَأَصَابَ الْهَدَفَ كَانَ مُصِيبًا، وَلَوْ نَقَضَ الْحَائِلُ السَّهْمَ حتى عدل بالنقص إِلَى الْهَدَفِ لَمْ يُحْتَسَبْ بِهِ مُصِيبًا وَلَا مُخْطِئًا؛ لِأَنَّهُ بِالنَّقْضِ أَصَابَ لَا بِالرَّمْيِ كَمَنْ رَمَى الْجَمْرَةَ بِحَصَاةٍ فَوَقَعَتْ عَلَى إِنْسَانٍ، فَنَقَضَهَا حَتَّى وَقَعَتْ فِي الْجَمْرَةِ لَمْ يُحْتَسَبْ بِهَا، ولو أصاب السهم الحائل ثم اندفع بحمومته، فَأَصَابَ فَهَذَا مُزْدَلِفٌ، وَفِي الِاحْتِسَابِ بِهِ فِي الإصابة قولان.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَلَا بَأْسَ أَنْ يُنَاضِلَ أَهْلُ النُّشَّابِ أَهْلَ الْعَرَبِيَّةِ وَأَهْلَ الْحُسْبَانِ لِأَنَّ كُلَّهَا نصلٌ، وَكَذَلِكَ الْقِسِيُّ الدُّودَانِيَّةُ وَالْهِنْدِيَّةُ وَكُلُّ قوسٍ يُرْمَى عَنْهَا بسهمٍ ذِي نصلٍ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَنْوَاعُ الْقِسِيِّ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَنْوَاعِ النَّاسِ، فَلِلْعَرَبِ قِسِيٌّ، وَسِهَامٌ وللعجم قسي وسهام، وقيل إن أول ما صَنَعَ الْقِسِيَّ الْعَرَبِيَّةَ إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه وَأَوَّلَ مَنْ صَنَعَ الْقِسِيَّ الْفَارِسِيَّةَ النُّمْرُوذُ بْنُ كَنْعَانَ، وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يُحِبُّ الْقَوْسَ الْعَرَبِيَّةَ، وَيَأْمُرُ بِهَا، وَيَكْرَهُ الْقَوْسَ الْفَارِسِيَّةَ، وَيَنْهَى عَنْهَا، وَرَأَى رَجُلًا يَحْمِلُ قَوْسًا فَارِسِيَّةً فَقَالَ: " مَلْعُونٌ حَامِلُهَا، عَلَيْكُمْ بِالْقِسِيِّ الْعَرَبِيَّةِ وَسِهَامِهَا فَإِنَّهُ سَيُفْتَحُ عَلَيْكُمْ بِهَا " وَلَيْسَ هَذَا مِنْهُ مَحْمُولًا عَلَى الْحَظْرِ الْمَانِعِ، وَفِي تَأْوِيلِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: لِيَحْفَظَ بِهِ آثَارَ الْعَرَبِ، وَلَا يَعْدِلُ النَّاسُ عَنْهَا رَغْبَةً فِي غَيْرِهِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ النَّدْبُ إِلَى تَفْضِيلِ الْقَوْسِ الْعَرَبِيَّةِ بَاقِيًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّهُ أَمَرَ بِهَا لِتَكُونَ شِعَارَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى لَا يَتَشَبَّهُوا بِأَهْلِ الْحَرْبِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَيُقْتَلُوا، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ النَّدْبُ إِلَى تَفْضِيلِهَا مُرْتَفِعًا؛ لِأَنَّهَا قَدْ فَشَتْ فِي عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ.
وَالثَّالِثُ: مَا قَالَهُ عَطَاءٌ إِنَّهُ لَعَنَ مَنْ قَاتَلَ الْمُسْلِمِينَ بِهَا، فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ ذَلِكَ نَدْبًا إِلَى تَفْضِيلِ الْعَرَبِيَّةِ عَلَيْهَا، وَيَكُونُ نَهْيًا عَنْ قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ بِهَا وَبِغَيْرِهَا، وَخَصَّهَا بِاللَّعْنِ، لِأَنَّهَا كَانَتْ أَنَكَأَ فِي الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِهَا، وَقَدْ رَضِيَ عَنْهَا الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ فِي قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ، وَإِنْ كَانَ الِاقْتِدَاءُ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي قَوْسِهِ لِمَنْ قَوِيَ رَمْيُهُ عَنْهَا أَحَبَّ إِلَيْنَا، فَإِنْ كَانَ بِالْفَارِسِيَّةِ أَرَمَى كَانَتْ بِهِ أَوْلَى، وَيَكُونُ النَّدْبُ مِنْهَا إِلَى مَا هُوَ به
أَرَمَى، فَإِذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ لَمْ يَخْلُ حَالُ الْمُتَنَاضِلَيْنِ فِي عَقْدِ نِضَالِهَا مِنْ خَمْسَةِ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَشْتَرِطَا فِيهِ الرَّمْيَ عَنِ الْقَوْسِ الْعَرَبِيَّةِ، فَعَلَيْهِمَا أَنْ يَتَنَاضَلَا بِالْعَرَبِيَّةِ، وَلَيْسَ لواحد منهما أن يعدل عنهما إِلَى الْفَارِسِيَّةِ؛ لِأَجْلِ الشَّرْطِ، فَإِنْ تَرَاضَيَا مَعًا عَلَى الْعُدُولِ عَنِ الْعَرَبِيَّةِ إِلَى الْفَارِسِيَّةِ جَازَ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ الشَّرْطِ أَنْ يَلْتَزِمَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي حَقِّ صَاحِبِهِ دُونَ غَيْرِهِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَشْتَرِطَا فِيهِ الرَّمْيَ عَنِ الْقَوْسِ الْفَارِسِيَّةِ، فَعَلَيْهِمَا أَنْ يَتَنَاضَلَا بِالْفَارِسِيَّةِ، وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَعْدِلَ عَنْهَا إِلَى الْعَرَبِيَّةِ، فَإِنْ تَرَاضَيَا مَعًا بِالْعُدُولِ إِلَيْهَا جَازَ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَشْتَرِطَا أَنْ يَرْمِيَ أَحَدُهُمَا عَنِ الْقَوْسِ الْعَرَبِيَّةِ، وَيَرْمِيَ الْآخَرُ عَنِ الْقَوْسِ الْفَارِسِيَّةِ، فَهَذَا جَائِزٌ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ قَوْسَاهُمَا؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الرَّمْيِ حَذْقُ الرَّامِيِ، وَالْآلَةُ تَبَعٌ وَمِثْلُهُ فِي السَّبَقِ إِذَا شَرَطَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَتَسَابَقَ عَلَى فَرَسٍ، والآخر على بغل ولا يَجُوزُ، وَإِنْ سَوَّى أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ بَيْنَهُمَا فِي الْجَوَازِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِي السَّبَقِ الْمَرْكُوبَانِ وَالرَّاكِبَانِ تَبَعٌ، فَلَزِمَ التَّسَاوِي فِيهِ، وَلَمْ يَلْزَمِ التَّسَاوِي فِي آلَةِ الرَّمْيِ، فَعَلَى هَذَا لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَعْدِلَ عَنِ الشَّرْطِ فِي قَوْسِهِ وَإِنْ سَاوَى فِيهِمَا صَاحِبَهُ لِأَجْلِ شَرْطِهِ، فَإِنْ رَاضَاهُ عَلَيْهَا جَازَ.
وَالْحَالُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَشْتَرِطَا أَنْ يَرْمِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَمَّا شَاءَ مِنْ قَوْسٍ عَرَبِيَّةٍ أَوْ فَارِسِيَّةٍ، فَيَجُوزَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَرْمِيَ عَنْ أَيِّ الْقَوْسَيْنِ شَاءَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الرَّمْيِ وَبَعْدَهُ، فإن أراد أحدهما منع صاحبه مع خِيَارِهِ، لَمْ يَجُزْ سَوَاءٌ تَمَاثَلَا فِيهَا أَوِ اخْتَلَفَا.
وَالْحَالُ الْخَامِسَةُ: أَنْ يُطْلِقَا الْعَقْدَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، فَإِنْ كَانَ لِلرُّمَاةِ عُرْفٌ فِي أَحَدِ الْقَوْسَيْنِ حُمِلَ عَلَيْهِ، وَجَرَى فِي الْعُرْفِ فِي الْعَقْدِ الْمُطْلَقِ مَجْرَى الشَّرْطِ فِي الْعَقْدِ الْمُقَيَّدِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلرُّمَاةِ فِيهِ عُرْفٌ مَعْهُودٌ فَهُمَا بِالْخِيَارِ فِيمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنْ أحد القوسين، إذا كان فيهما مُتَسَاوِيَيْنِ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ الْعَقْدِ يُوجِبُ التَّكَافُؤَ وَإِنِ اخْتَلَفَا لَمْ يُقْرَعْ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ فِي الْعَقْدِ، وَقِيلَ لَهُمَا: إِنِ اتَّفَقْتُمَا وَإِلَّا فُسِخَ الْعَقْدُ بَيْنَكُمَا.
فَأَمَّا الْقَوْسُ " الدُّودَانِيَّةُ " فَهِيَ الْقَوْسُ الَّتِي لَهَا مَجْرًى يَمُرُّ السَّهْمُ فِيهِ، وَمِنْهَا قَوْسُ الرَّجُلِ، وَإِنْ كَانَ أَغْلَبُهَا قَوْسَ الْيَدِ، فَيَجُوزُ أَنْ يُنَاضِلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِذَا اتَّفَقُوا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَنَاضَلَ الرَّجُلَانِ أَحَدُهُمَا قَائِمٌ، وَالْآخِرُ جَالِسٌ إِلَّا عَنْ تَرَاضٍ، فَيَلْزَمُ تَسَاوِيهِمَا فِي الْقِيَامِ وَالْجُلُوسِ، فَإِنِ اخْتَلَفَا اعْتُبِرَ فِيهِ الْأَغْلَبُ مِنْ عُرْفِ الرُّمَاةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنَاضِلَ أَهْلُ النُّشَّابِ أَصْحَابَ الْجُلَاهِقِ؛ لِاخْتِلَافِ الصِّفَةِ فِيهَا، وَأَنَّهُ لَيْسَ الْحَذْفُ بِأَحَدِهِمَا حَذْفًا بِالْآخَرِ.
مسألة قال الشافعي: " ولا يجوز أن ينتصل رَجُلَانِ وَفِي يَدِي أَحَدِهِمَا مِنَ النَّبْلِ أَكْثَرُ مِمَّا فِي يَدَيِ الْآخَرِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَنَاضَلَا عَلَى أَنْ يُصِيبَ أَحَدُهُمَا عَشَرَةً مِنْ عِشْرِينَ، وَيُصِيبَ الْآخَرُ عَشَرَةً مِنْ ثَلَاثِينَ، فَيَكُونُ رَشْقُ أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنْ رَشْقِ الْآخَرِ، وَيَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: " فِي يَدِ أَحَدِهِمَا " أَيْ فِي حَقِّ أَحَدِهِمَا، وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزِ التَّفَاضُلُ فِي عَدَدِ الرَّشْقِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ التَّمَاثُلُ؛ لِأَنَّهُ إن نضل، فللكثرة رَمْيِهِ لَا بِحَسْبَ صُنْعِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لا يتناضلا عَلَى أَنْ يُصِيبَ أَحَدُهُمَا خَمْسَةً مِنْ عِشْرِينَ، وَيُصِيبَ الْآخَرُ عَشَرَةً مِنْ عِشْرِينَ، فَلَا يَجُوزُ لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّعْلِيلِ بِالتَّفَاضُلِ فِيمَا يُوجِبُ التَّمَاثُلَ وَأَنَّهُ إِنْ نَضَلَهُ فَلِقِلَّةِ إِصَابَتِهِ لَا بِحُسْنِ صَنِيعِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: إِنَّ مِنْ عَادَةِ حُذَّاقِ الرُّمَاةِ إِذَا رَمُوا أَنْ يَأْخُذُوا فِي اليد اليمن بَيْنَ الْخِنْصَرِ وَالسَّبَّابَةِ سَهْمًا أَوْ سَهْمَيْنِ مُعَدًّا لِلرَّمْيِ، فَأَرَادَ الشَّافِعِيُّ بِهَذَا أَنْ لَا يَجُوزَ أَنْ يَتَنَاضَلَا عَلَى أَنْ يَكُونَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا إِذَا رَمَى سَهْمٌ وَاحِدٌ وَفِي يَدِ الْآخَرِ سَهْمَانِ؛ لِأَنَّ كَثْرَةَ السِّهَامِ فِي الْيَدِ مُؤَثِّرٌ فِي قِلَّةِ الْإِصَابَةِ؛ لِأَنَّهُ إِنْ نَضَلَ فَلِقِلَّةِ الْمَانِعِ مِنْ إِصَابَتِهِ لَا بِحُسْنِ صَنِيعِهِ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْيَدِ الْكَفَّ ذَاتَ الْأَصَابِعِ.
(مَسْأَلَةٌ:)
قال الشافعي: " وَلَا عَلَى أَنْ يُحْسَبَ خَاسِقُهُ خَاسِقَيْنِ وَالْآخَرُ خاسقٌ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ عَقْدَ النضال يوجب التساوي، فإذا رفع فِيهِ التَّفَاضُلُ بِأَنْ يَكُونَ خَاسِقُ أَحَدِهِمَا خَاسِقَيْنِ، وَخَاسِقُ الْآخَرِ خَاسِقًا وَاحِدًا بَطَلَ بِهِ الْعَقْدُ لدخول التفاضل فيه، وأنه نضل فلمضاعفة خَوَاسِقِهِ لَا بِحُسْنِ صَنِيعِهِ.
وَلَوْ شَرَطَا فِي الْقَرْعِ أَنْ يَكُونَ خَاسِقُ كُلِّ واحدٍ مِنْهُمَا قَارِعَيْنِ جَازَ؛ لِأَنَّهُمَا قَدْ تَسَاوَيَا فِي مُضَاعَفَةِ خواسقهما.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَلَا عَلَى أَنَّ لِأَحَدِهِمَا ثَابِتًا لَمْ يَرْمِ بِهِ وَيُحْسَبُ لَهُ مَعَ خَوَاسِقِهِ وَلَا عَلَى أن يطرح من خواسقه خاسقاً وعلى أَنَّ خَاسِقَ أَحَدِهِمَا خَاسِقَانِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّ مَنِ احْتُسِبَ لَهُ بِخَاسِقٍ لَمْ يُصِبْهُ يَصِيرُ مُفَضَّلًا بِهِ عَلَى صَاحِبِهِ؛ فَإِنْ نَضَلَ، فَلِتَفْضِيلِهِ لَا بِحُسْنِ صَنِيعِهِ، وَمَنْ أُسْقِطَ لَهُ خَاسِقٌ قَدْ أَصَابَهُ يَصِيرُ بِهِ مَفْضُولًا إِنْ نَضَلَ فَلِحَطِّ إِصَابَتِهِ لَا لِسُوءِ صَنِيعِهِ، فَيَكُونُ الْعَقْدُ بَاطِلًا عَلَى الْأَمْرَيْنِ؛ لِعَدَمِ التساوي بين المتفاضلين.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَلَا أَنَّ أَحَدَهُمَا يَرْمِي مِنْ عرضٍ وَالْآخَرُ مِنْ أَقْرَبَ مِنْهُ إِلَّا فِي عرضٍ واحدٍ وعددٍ واحدٍ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ الْعَقْدِ يَقْتَضِي التَّسَاوِي فِيهِ، فَإِنْ وَقَعَ التَّفَاضُلُ فِيهِ أَفْسَدَهُ.
وَمِنَ التَّفَاضُلِ اخْتِلَافُ الهدف في القرب والبعد، فيشرطا أَنْ يَرْمِيَ أَحَدُهُمَا مِنْ مِائَتَيْ ذِرَاعٍ، وَيَرْمِيَ الْآخَرُ مِنْ أَقَلَّ مِنْهَا، أَوْ أَكْثَرَ لَمْ يَجُزْ لِلتَّفَاضُلِ، وَلَكِنْ لَوْ كَانَتْ قَوْسُ أَحَدِهِمَا عَرَبِيَّةً، يُصِيبُ مِنْ مِائَةِ ذِرَاعٍ، وَقَوْسُ الْآخَرِ فَارِسِيَّةً يُصِيبُ مِنْ مِائَتَيْ ذِرَاعٍ، فَشَرَطَا هَذَا التَّفَاضُلَ لِاخْتِلَافِ الْقَوْسَيْنِ، لَمْ يَخْلُ حَالُهُمَا مِنْ أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَشْتَرِطَا الْخِيَارَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْقَوْسَيْنِ فَيَجُوزَ هَذَا التَّفَاضُلُ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُسَاوِيَ صَاحِبَهُ فِيهِ إِذَا عَدَلَ إِلَى قَوْسِهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَشْتَرِطَا أَحَدُهُمَا بِالْعَرَبِيَّةِ؛ وَلَا يَعْدِلُ عَنْهَا، وَيَرْمِي الْآخَرُ بِالْفَارِسِيَّةِ، وَلَا يَعْدِلُ عَنْهَا، فَيَمْنَعَ هَذَا التَّفَاضُلُ مِنْ جَوَازِ التَّنَاضُلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُسَاوِيَ صَاحِبَهُ فِيهِ.
وَمِنَ التَّفَاضُلِ الْمَانِعِ أَنْ يَكُونَ ارْتِفَاعُ الشَّنِّ فِي رَمْيِ أَحَدِهِمَا ذِرَاعًا، وَارْتِفَاعُهُ فِي رَمْيِ الْآخَرِ بَاعًا، فَلَا يَصِحُّ الْعَقْدُ.
وَمِنَ التَّفَاضُلِ الْمَانِعِ أَنْ تَكُونَ إِصَابَةُ أَحَدِهِمَا فِي الشَّنِّ وَإِصَابَةُ الْآخَرِ فِي الدَّارَةِ الَّتِي فِي الشَّنِّ، فَلَا يَصِحُّ الْعَقْدُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ الْقَوْسَيْنِ، فَعَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ خِيَارِهِمَا فِي الْأَمْرَيْنِ.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَلَا عَلَى أَنْ يَرْمِيَ بقوسٍ أَوْ نبلٍ بأعيانها إن تغيرت لم يبدلهما ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَى فَرْقُ مَا بَيْنَ السبق والرمي بأن المقصود فراهة القوسين مِنَ السَّبَقِ، وَالْمَقْصُودَ مِنَ الرَّمْيِ حَذْقُ الرَّامِيَيْنِ، فَصَارَ الْفَرَسُ فِي السَّبَقِ أَصْلًا، وَالرَّاكِبُ تَبَعًا، فَلَزِمَ تَعْيِينُ الْفَرَسِ، وَلَمْ يَلْزَمْ تَعْيِينُ الرَّاكِبِ، وَصَارَ الرَّامِي فِي النِّضَالِ أَصْلًا وَالْقَوْسُ تَبَعًا، فَلَزِمَ تَعْيِينُ الرَّامِي وَلَمْ يَلْزَمْ تَعْيِينُ الْقَوْسِ، فَإِنْ أُسْقِطَ تَعْيِينُ مَا يَلْزَمُ تَعْيِينُهُ مِنَ الْقَوْسِ فِي السَّبَقِ وَالرَّامِي فِي النِّضَالِ بَطَلَ الْعَقْدُ، وَإِنْ عُيِّنَ مَا لَمْ يَلْزَمْ تَعْيِينُهُ مِنَ الرَّاكِبِ فِي السَّبَقِ أَنْ لَا يَرْكَبَ غَيْرُهُ، وَالْقَوْسُ فِي النِّضَالِ أَنْ لَا يَرْمِيَ عَنْ غَيْرِهَا، لَمْ يَتَعَيَّنِ اعْتِبَارًا بِحُكْمِ أَصْلِهِ، وَنُظِرَ فِي التَّعْيِينِ، فَإِنْ خَرَجَ مَخْرَجَ الشَّرْطِ الَّذِي حُمِلَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ، فَقَالَ: عَلَى أَنْ لَا يَرْكَبَ إِلَّا هَذَا الْفَارِسُ، وَعَلَى أَنْ لَا يَرْمِيَ إِلَّا عَنْ هَذِهِ الْقَوْسِ بَطَلَ الْعَقْدُ فِي السَّبَقِ وَالنِّضَالِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَعْقُودًا عَلَى شَرْطٍ غَيْرِ لَازِمٍ، وَإِنْ
خَرَجَ مَخْرَجَ الْمَذْكُورِ فِي الْعَقْدِ، فَقَالَ: وَيَرْكَبُ هَذَا الْفَارِسُ، وَيَرْمِي عَنْ هَذِهِ الْقَوْسِ كَانَ الْعَقْدُ فِي السَّبَقِ وَالنِّضَالِ جَائِزًا وَلَهُ أَنْ يُبَدِّلَ الرَّاكِبَ بِغَيْرِهِ إِذَا كَانَ فِي مِثْلِ ثِقَلِهِ لِعِلَّةٍ وَلِغَيْرِ عِلَّةٍ، وَيُبَدِّلَ الْقَوْسَ بِغَيْرِهَا إِذَا كَانَتْ مِنْ جِنْسِهَا لِعِلَّةٍ وَلِغَيْرِ عِلَّةٍ.
(مسألة:)
قال الشافعي: " ومن الرماة من زعم أنها إِذَا سَمَّيَا قَرْعًا يَسْتَبِقَانِ إِلَيْهِ فَصَارَا عَلَى السَّوَاءِ أَوْ بَيْنَهُمَا زِيَادَةَ سهمٍ كَانَ لِلْمُسْبِقِ أَنْ يَزِيدَ فِي عَدَدِ الْقَرْعِ مَا شَاءَ ومنهم من زعم أنه ليس له أن يزيد في عدد الفرع ما لم يكونا سواءً ومنهم من زعم أنه ليس له أن يزيد بغير رضا المسبق (قال المزني) رحمه الله: وهذا أشبه بقوله كما لم يكن سبقهما في الخيل ولا في الرمي ولا فِي الِابْتِدَاءِ إِلَّا بِاجْتِمَاعِهِمَا عَلَى غايةٍ واحدةٍ فكذلك فِي الْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَزِيدَ إلا باجتماعهما على زيادة واحدٍ وبالله التوفيق ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا فِي لُزُومِ عَقْدِ السَّبَقِ وَالرَّمْيِ قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَازِمٌ كَالْإِجَارَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ جَائِزٌ وَلَيْسَ بِلَازِمٍ، كَالْجِعَالَةِ، وَيَتَرَتَّبُ عليها مسألتان:
أحدهما: فِي فَسْخِ الْعَقْدِ، فَإِنِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ صَحَّ، وَهَلِ الْفَسْخُ إِقَالَةُ مُرَاضَاةٍ أَوْ فَسْخُ خِيَارٍ عَلَى الْقَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَكُونُ إِقَالَةَ مُرَاضَاةٍ إِنْ قِيلَ بِلُزُومِهِ كَالْإِقَالَةِ فِي الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ.
وَالثَّانِي: فَسْخَ خِيَارٍ إِنْ قِيلَ بِجَوَازِهِ كَالْفَسْخِ فِي الْقِرَاضِ وَالْجِعَالَةِ.
وَإِنِ انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِالْفَسْخِ، فَإِنْ قِيلَ بِلُزُومِهِ كَالْإِجَارَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ التَّفَرُّدُ بالفسخ، وإن قيل بجوازه كالجعالة، فإن كان قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ جَازَ لَهُ الْفَسْخُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ وَقَبْلَ الْغَلَبَةِ، فَإِنْ كَانَ مُتَسَاوِيَيْنِ وَمُتَقَارِبَيْنِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْإِصَابَةِ أَوْ فُضِّلَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِسَهْمٍ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَنْفَرِدَ بِالْفَسْخِ، وَهُوَ فَسْخُ خِيَارٍ، وَلَيْسَ بِإِقَالَةٍ، وَإِنْ تَفَاضَلَا فِي الْإِصَابَةِ، وَظَهَرَتْ عَلَى أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ قَبْلَ تَمَامِهِمَا، فَإِنْ فَسَخَ مَنْ ظَهَرَ أَنَّهُ غَالِبٌ جَازَ، وَإِنْ فَسَخَ مَنْ ظَهَرَ أَنَّهُ مَغْلُوبٌ، فَفِي جَوَازِهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي خِيَارِ الْعَقْدِ.
وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ لِئَلَّا يُضَاعَ عَلَى الْغَالِبِ مَا يَلُوحُ مِنْ وُجُوبِ حَقِّهِ.
وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي زِيَادَةِ الشَّرْطِ، وَهُوَ أَنْ يَعْقِدَاهُ عَلَى إِصَابَةِ عَشَرَةٍ مِنْ عِشْرِينَ، فَيَجْعَلَ إِصَابَةَ خَمْسَةٍ مِنْ عِشْرِينَ أَوْ يَجْعَلَ إِصَابَةَ عَشَرَةٍ مِنْ ثلاثين أو يعقداه عَلَى أَنَّ الْعِوَضَ فِيهِ دِينَارٌ، فَيُجْعَلَ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، فَإِنْ قِيلَ بِلُزُومِهِ كَالْإِجَارَةِ، وَلَمْ يصح
ذَلِكَ مِنْ أَحَدِهِمَا حَتَّى يَجْتَمِعَا عَلَى فَسْخِ الْعَقْدِ، وَاسْتِئْنَافِ عَقْدٍ مُسْتَجَدٍّ.
وَإِنْ قِيلَ بِجَوَازِهِ كَالْجِعَالَةِ جَازَ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهِ أَحَدُهُمَا، لَكِنْ لَا يَصِيرُ الْآخِذُ دَاخِلًا فِيهِ إِلَّا أَنْ يَسْتَأْنِفَ الرِّضَا بِهِ، وَقِيلَ لِه: إِنْ شِئْتَ أَنْ تُرَامِيَهُ عَلَى هَذَا، وَإِلَّا مَلَكَ خِيَارَكَ.
فَأَمَّا مَا حَكَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنِ الرُّمَاةِ مِنْ مَذَاهِبِهِمْ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا أَرَادَ بِهِ على وجهين:
أحدهما: أراد مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنْ لُزُومِهِ وَجَوَازِهِ وَزِيَادَتِهِ، وَنُقْصَانِهِ، قَدْ قَالَهُ غَيْرُهُ وَتَقَدَّمَهُ بِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَصَحَّ مَذَاهِبِهِمْ عِنْدَهُ؛ لِيُعْلَمَ صَحِيحُهَا وَفَاسِدُهَا.
وَفِي قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: إِذَا سيما قَرْعًا يَسْتَبِقَانِ إِلَيْهِ ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتٍ:
أَحَدُهَا: إِنَّهُ أَرَادَ بِالْقَرْعِ صِحَّةَ الْإِصَابَةِ.
وَالثَّانِي: إِنَّهُ أَرَادَ بِهِ عَدَدَ الْإِصَابَةِ.
وَالثَّالِثُ: إِنَّهُ أَرَادَ بِهِ مَالَ النِّضَالِ.
وَأَمَّا الْمُزَنِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ: كَمَا لَمْ يَكُنْ سِبَاقُهُمْ فِي الْخَيْلِ، وَلَا فِي الرَّمْيِ فِي الِابْتِدَاءِ إِلَّا بِاجْتِمَاعِهِمَا عَلَى غَايَةٍ وَاحِدَةٍ، كَذَلِكَ فِي الْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَزِيدَ إِلَّا بِاجْتِمَاعِهِمَا عَلَى زِيَادَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مُرَادِ الْمُزَنِيِّ بِكَلَامِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ أَرَادَ اخْتِيَارَ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي لُزُومِ الْعَقْدِ دُونَ جَوَازِهِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مُصِيبًا فِي اخْتِيَارِهِ، مُخْطِئًا فِي تَعْلِيلِهِ؛ لِأَنَّ أَظْهَرَ الْقَوْلَيْنِ لُزُومُهُ، فَصَحَّ اخْتِيَارُهُ، وعلل بأن لما لَمْ يَنْعَقِدْ إِلَّا بِاجْتِمَاعٍ، لَمْ يَنْفَسِخْ إِلَّا بِالِاجْتِمَاعِ وَهَذَا تَعْلِيلٌ فَاسِدٌ؛ بِالْعُقُودِ الْجَائِزَةِ كُلِّهَا مِنَ الْمُضَارَبَةِ وَالْوَكَالَةِ وَالْجِعَالَةِ لَا تَنْعَقِدُ إِلَّا بِاجْتِمَاعِهِمَا وَيَجُوزُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالْفَسْخِ أَحَدُهُمَا.
وَالثَّانِي: إِنَّهُ أَرَادَ بِهِ إِذَا دَعَا أَحَدُهُمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ إِلَى زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ صَاحِبَهُ إِلَّا بِاجْتِمَاعِهِمَا عَلَيْهِ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مُخْطِئًا فِي تَأْوِيلِهِ، مُصِيبًا فِي تَعْلِيلِهِ؛ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ لَمْ يُوجِبْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَّا مَا اجْتَمَعَا عَلَى الرِّضَا بِهِ فِي الْقَوْلَيْنِ معاً.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ إِنْ أَصَبْتَ بِهَذَا السَّهْمِ فَقَدَ نَضَلْتُكَ إِلَّا أَنْ يَجْعَلَ رجلٌ لَهُ سَبَقًا إِنْ أَصَابَ بِهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي عَقْدٍ بَيْنَ مُتَنَاضِلَيْنِ عَلَى إِصَابَةٍ مَعْلُومَةٍ مِنْ رَشْقٍ مَعْلُومٍ، كَاشْتِرَاطِهِمَا إِصَابَةَ عَشَرَةٍ مِنْ عِشْرِينَ فَيَشْرَعَانِ فِي الرَّمْيِ، وَيُصِيبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِعَقْدِ إِصَابَتِهِ عَلَى تساوٍ أَوْ تُفَاضِلٍ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ، ثُمَّ يَسْتَثْقِلَانِ إِتْمَامَ الرَّمْيِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ هوذا أَرْمِي بِهَذَا السَّهْمِ فَإِنْ أَصَبْتُ بِهِ، فَقَدَ نَضَلْتُكَ وَإِنْ أَخْطَأْتُ بِهِ، فَقَدَ نَضَلْتَنِي فَهَذَا بَاطِلٌ، لَا يَصِيرُ بِهِ نَاضِلًا إِنْ أَصَابَ، ولا منضولاً إن أخطأت.
وَلِبُطْلَانِهِ عِلَّتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: إِنَّهُ جَعَلَ الْإِصَابَةَ الْوَاحِدَةَ قَائِمَةً مَقَامَ إِصَابَاتٍ، فَبَطَلَ وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَؤُولَ إِلَى أَنْ يَصِيرَ مِنْ قِلَّةِ إِصَابَتِهِ نَاضِلًا وَمِنْ كَثْرَةِ إِصَابَتِهِ مَنْضُولًا، فَإِنْ تَقَاسَمَا عَقْدَهُمَا، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ: ارْمِ بِسَهْمِكَ هَذَا، فَإِنْ أَصَبْتَ بِهِ، فَلَكَ دِرْهَمٌ، جَازَ وَاسْتَحَقَّ الدِّرْهَمَ إِنْ أَصَابَ، وَلِجَوَازِهِ عِلَّتَانِ: إِحْدَاهُمَا إِنَّهُ قَدْ أَجَابَهُ إِلَى مَا سَأَلَ، فَالْتَزَمَ لَهُ مَا بَذَلَ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَالثَّانِيَةُ: إِنَّهُ تَحْرِيضٌ فِي طَاعَةٍ فَلَزِمَ الْبَذْلُ عَلَيْهَا كَالْمُنَاضَلَةِ.
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ: وَهَذَا بَذْلُ مَالٍ عَلَى عَمَلٍ، وَلَيْسَ بِنِضَالٍ؛ لِأَنَّ النِّضَالَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَأَكْثَرَ.
(فَصْلٌ:)
فَإِذَا تَنَاضَلَ رَجُلَانِ عَلَى إِصَابَةِ عَشَرَةٍ مِنْ عِشْرِينَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ فَحَضَرَ ثَالِثٌ، فَقَالَ لِمُخْرِجِ الْمَالِ: أَنَا شَرِيكُكَ فِي الْغُنْمِ وَالْغُرْمِ، فَإِنْ نَضَلْتَ فَلِي نِصْفُ الْعَشَرَةِ، وَإِنْ نَضَلَكَ فَعَلَيَّ نِصْفُ الْعَشَرَةِ كَانَ بَاطِلًا، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا شَرِيكُكَ فِي الْغُنْمِ وَالْغُرْمِ فَهُوَ بَاطِلٌ لِعِلَّتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: إِنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي عَقْدِهِمَا، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَصِيرَ شَرِيكًا لَهُمَا.
وَالثَّانِي: إِنَّهُ يَصِيرُ آخِذًا بِغَيْرِ عَمَلٍ وَمُعْطِيًا مِنْ غَيْرِ بَذْلٍ.
(مَسْأَلَةٌ:)
قال الشافعي: " وَإِنْ قَالَ ارْمِ عَشَرَةَ ارشاقٍ فَإِنْ كَانَ صَوَابُكَ أَكْثَرَ فَلَكَ كَذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُنَاضِلَ نَفْسَهُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي صُورَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّ الْمُزَنِيَّ حَذَفَ مِنْهَا مَا قَدْ ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ " الْأُمِّ " فَقَالَ فِيهِ: وَلَوْ قَالَ لَهُ: نَاضِلْ نَفْسَكَ، وَارْمِ عَشَرَةَ أَرْشَاقٍ، فَإِنْ كَانَ صَوَابُكَ أَكْثَرَ مِنْ خَطَئِكَ فَلَكَ كَذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُنَاضِلَ نَفْسَهُ، فَحَذَفَ الْمُزَنِيُّ قَوْلَهُ: " نَاضِلْ نَفْسَكَ " وَأَوْرَدَ بَاقِيَ كَلَامِهِ وَحُكْمُهُ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا.
وَاخْتَلَفُوا فِي تَعْلِيلِهِ، فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ تَعْلِيلِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ جَعَلَهُ مُنَاضِلًا لِنَفْسِهِ، وَالنِّضَالُ لَا يَكُونُ إِلَّا بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَإِنْ كَثُرَ، فَاسْتَحَالَ نِضَالُ نَفْسِهِ فَبَطَلَ.
وقال آخرون: بل علة بطلانه أنه فاضل عَلَى خِطْئِهِ بِصَوَابِهِ بِقَوْلِهِ: إِنْ كَانَ صَوَابُكَ أكثر من خطئك، والخطأة لَا يُنَاضَلُ عَلَيْهِ، وَلَا بِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّ الْمَسْأَلَةَ مُصَوَّرَةٌ عَلَى مَا أَوْرَدَهُ الْمُزَنِيُّ هاهنا، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ نِضَالَ نَفْسِهِ، وَقَالَ لَهُ: ارْمِ عَشَرَةَ أَرْشَاقٍ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ فِي صِحَّتِهِ وَجْهَانِ مِنَ اخْتِلَافِ الْعِلَّتَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ صَحِيحٌ، وَيَسْتَحِقُّ مَا جُعِلَ لَهُ لِلتَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ؛ لأنه بذل مال عَلَى عَمَلٍ لَمْ يُنَاضِلْ فِيهِ نَفْسَهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّهُ بَاطِلٌ لِلتَّعْلِيلِ الثَّانِي أَنَّهُ مُنَاضِلٌ على خطته وصوابه، ويتفرع على هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ ثَالِثَةٌ:
وَاخْتَلَفَ فِيهَا أَصْحَابُنَا بِأَيِّهِمَا تَلْحَقُ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: نَاضِلْ وَارْمِ عَشَرَةَ أَرْشَاقٍ فَإِنْ كَانَ صَوَابُكَ أَكْثَرَ، فَلَكَ كَذَا فَتُوَافِقَ الْمَسْأَلَةَ الْأُولَى فِي قَوْلِهِ: نَاضِلْ، وَتُوَافِقَ الْمَسْأَلَةَ الثَّانِيَةَ فِي حَذْفِ قَوْلِهِ: نَاضِلْ نَفْسَكَ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ إِنَّهُمَا فِي حُكْمِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فِي الْبُطْلَانِ؛ لِأَجْلِ قَوْلِهِ: نَاضِلْ، وَالنِّضَالُ لَا يَكُونُ إِلَّا بَيْنَ اثْنَيْنِ فَصَارَ كَقَوْلِهِ: نَاضِلْ نَفْسَكَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا فِي حُكْمِ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ فِي حَمْلِ صِحَّتِهَا عَلَى وَجْهَيْنِ مِنَ اخْتِلَافِ الْعِلَّتَيْنِ إِذَا سَقَطَ قَوْلُهُ نَاضِلْ نَفْسَكَ صَارَ قَوْلُهُ: نَاضِلْ، يَعْنِي: ارْمِ عَلَى نِضَالٍ، وَالنِّضَالُ الْمَالُ، فَصَارَ كَالِابْتِدَاءِ بِقَوْلِهِ: ارْمِ عَشَرَةَ أرشاق.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَإِذَا رَمَى بسهمٍ فَانْكَسَرَ فَإِنْ أَصَابَ بِالنَّصْلِ كَانَ لَهُ خَاسِقًا وَإِنْ أَصَابَ بِالْقِدْحِ لَمْ يَكُنْ خَاسِقًا وَلَوِ انْقَطَعَ بِاثْنَيْنِ فَأَصَابَ بِهِمَا جَمِيعًا حُسِبَ الَّذِي فِيهِ النَّصْلُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ، فَإِذَا انْكَسَرَ السهم بعد خروجه عند الْقَوْسِ، فَلَهُ خَمْسَةُ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَسْقُطَ عَادِلًا عَنِ الْهَدَفِ، فَلَا يُحْتَسَبَ عَلَيْهِ فِي الْخَطَأِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ فَسَادِ السَّهْمِ، لَا مِنْ سوء الرمي.
والحال الثانية: أنه يُصِيبَ بِعُرْضِ السَّهْمِ، فَيُرَدَّ عَلَيْهِ، وَلَا يُحْتَسَبُ بِهِ مُصِيبًا وَلَا مُخْطِئًا؛ لِأَنَّهُ أَصَابَ بِغَيْرِ مَحَلِّ الْإِصَابَةِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يُصِيبَ بِكَسْرِ الْقِدْحِ دُونَ النَّصْلِ، فَيُرَدَّ، وَلَا يُحْتَسَبُ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَالْحَالُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يُصِيبَ بِكَسْرِ النَّصْلِ، فينر، فَإِنْ وَقَعَتِ الْإِصَابَةُ مِنْ كَسْرِ النَّصْلِ بِالطَّرَفِ الَّذِي فِيهِ حَدِيدَةُ النَّصْلِ، احْتُسِبَ بِهِ مُصِيبًا، لِأَنَّهُ أَصَابَ بِمَحَلِّ الْإِصَابَةِ، وَإِنْ أَصَابَ مِنْهُ بِالطَّرَفِ الْآخَرِ الْمُتَّصِلِ بِقِدْحِ الْفُوقِ لَمْ يُحْتَسَبْ بِهِ مُصِيبًا، وَلَا مُخْطِئًا، لِأَنَّهُ أَصَابَ بِغَيْرِ مَحَلِّ الْإِصَابَةِ.
وَالْحَالُ الْخَامِسَةُ: أَنْ يُصِيبَ بِالْكَسْرَيْنِ مَعًا، فَلَا يُحْتَسَبَ بِكَسْرِ الْقِدْحِ، وَيَكُونُ الِاحْتِسَابُ بِكَسْرِ النَّصْلِ مُعْتَبَرًا بِمَا ذَكَرْنَا إِنْ كَانَ بِطَرَفِ الْحَدِيدَةِ كَانَ مُصِيبًا، وَإِنْ كَانَ بِطَرَفِهِ الآخر كان مردوداً.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وإن كان في الشن نبلٌ فأصاب سهمه فُوقَ سهمٍ فِي الشَّنِّ لَمْ يُحْسَبْ وَرُدَّ عَلَيْهِ وَرُمِيَ بِهِ لِأَنَّهُ عارضٌ دُونَ الشَّنِّ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ فُوقَ السَّهْمِ هُوَ الْجُزْءُ الَّذِي فِي طَرَفِهِ لِمَوْقِعِ الْوَتَرِ، فَإِذَا ثَبَتَ سَهْمٌ فِي الشَّنِّ، ثُمَّ رَمَاهُ فَوَقَعَ سَهْمُ هَذَا عَلَى فُوقِ السَّهْمِ الَّذِي فِي الْهَدَفِ، فَلِلسَّهْمِ الثَّابِتِ فِي الْهَدَفِ حَالَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَدْخُلَ مِنْهُ فِي الْهَدَفِ قَدْرَ نَصْلِهِ، وَيَكُونَ بَاقِي طُولِهِ خَارِجًا، فَلَا يُحْتَسَبَ لِهَذَا بِسَهْمِهِ لَا مُخْطِئًا، وَلَا مُصِيبًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ كُلَّ الْهَدَفِ، فَصَارَ مُقَصِّرًا، فَلَمْ يعتد به مصيباً، ولا مخطئاً، ومنعه طائل، فَلَمْ يَصِرْ مُخْطِئًا.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ السَّهْمُ الثَّابِتُ فِي الْهَدَفِ قَدْ دَخَلَ جَمِيعُهُ فِي الْهَدَفِ حَتَّى غَاصَ، وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعُ فُوقِهِ، فَوَقَعَ عَلَيْهِ هَذَا السَّهْمُ، فَيُنْظَرُ فِي الْإِصَابَةِ: فَإِنْ كَانَتْ قَرْعًا احْتُسِبَ بِهَذَا السَّهْمِ مُصِيبًا لِوُصُولِ السَّهْمِ إِلَى مَحَلِّ الْإِصَابَةِ مِنَ الْهَدَفِ، وَإِنْ كَانَتِ الْإِصَابَةُ خَسْقًا لَمْ يُحْتَسَبْ بِهِ مُصِيبًا وَلَا مُخْطِئًا إِلَّا إِنْ ثَبَتَ نَصْلُهُ مِنْ فُوقِ ذَلِكَ السَّهْمِ، فَيُحْتَسَبُ بِهِ مُصِيبًا فِي الْخَسْقِ؛ لِأَنَّ مَا خَسَقَ الْخَشَبَ، وَثَبَتَ فِيهِ فَأَوْلَى أَنْ يَخْسَقَ الشَّنَّ، وَيَثْبُتَ فِيهِ، وَأَحْسَنُ مَا تَكُونُ الْإِصَابَةُ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
(نُصِيبُ بِبَعْضِهَا أَفْوَاقَ بعضٍ ... فلولا الكسر لاتصلت مصيبا)
(مسألة:) قال الشافعي: " وَإِذَا أَرَادَ الْمُسْتَبِقُ أَنْ يَجْلِسَ وَلَا يَرْمِيَ وَلِلْمُسْبَقِ فضلٌ أَوْ لَا فَضْلَ لَهُ فَسَوَاءٌ وقد يكون له الفضل فنيضل ويكون عليه الفضل وينضل والرماة
يختلفون في ذلك فمنهم من يجعل له أن يجلس ما لم ينضل ومنهم من يقول ليس له أن يجلس إلا من عذرٍ وأحسبه إن مرض مرضاً يضر بالرمي أو يصيب إحدى يديه علةٌ تمنعه من ذلك كان له أن يجلس ويلزمهم أن يقولوا إذا تراضيا على أصل الرمي الأول ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا جَلَسَ أَحَدُ الْمُتَنَاضِلَيْنِ عَنِ الرَّمْيِ، فَلَهُ حَالَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يُرِيدَ بِهِ تَأْخِيرَ الرَّمْيِ عَنْ وَقْتِهِ، فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَعْذُورًا أَوْ غَيْرَ مَعْذُورٍ، فَإِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ، وَطَلَبَ التَّأْخِيرَ أُخِّرَ، وَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى التَّعْجِيلِ سَوَاءٌ قِيلَ بِلُزُومِهِ كَالْإِجَارَةِ أَوْ بِجَوَازِهِ كَالْجِعَالَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَوْكَدَ مِنْ فَرْضِ الْجُمُعَةِ الَّتِي يَجُوزُ التَّأَخُّرُ عَنْهَا بِالْعُذْرِ وَأَعْذَارُهُ فِي تَأْخِيرِ الرَّمْيِ مَا أَثَّرَ فِي نَفْسِهِ مِنْ مَرَضٍ أَوْ شَدَّةِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ أَثَّرَ فِي رَمْيِهِ مِنْ شِدَّةِ رِيحٍ أَوْ مَطَرٍ أَوْ أَثَّرَ فِي أَهْلِهِ مِنْ مَوْتٍ حَلَّ أَوْ حَادِثٍ نَزَلَ أَوْ أَثَّرَ فِي مَالِهِ مِنْ جَائِحَةٍ طَرَقَتْ أَوْ خَوْفٍ طَرَأَ؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي تَأْخِيرِ الرَّمْيِ عُذْرٌ، وَالْتَمَسَ بِهِ الدَّعَةَ إِلَى وَقْتٍ آخَرَ، فَفِي إِجْبَارِهِ عَلَى التَّعْجِيلِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُجْبَرُ عَلَيْهِ، إِذَا قِيلَ بِلُزُومِهِ كَالْإِجَارَةِ.
وَالثَّانِي: لَا يُجْبَرُ عَلَى تَعْجِيلِهِ إِذَا قِيلَ بِجَوَازِهِ كَالْجِعَالَةِ.
(فَصْلٌ:)
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُرِيدَ بِالْجُلُوسِ عَنِ الرَّمْيِ فَسْخَ الْعَقْدِ، فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مَعْذُورًا فِي الْفَسْخِ أَوْ غَيْرَ مَعْذُورٍ، فَإِنْ كَانَ مَعْذُورًا فِي الْفَسْخِ، وَأَعْذَارُ الْفَسْخِ أَضْيَقُ وَأَغْلَظُ مِنْ أَعْذَارِ التَّأْخِيرِ وَهِيَ مَا اخْتَصَّتْ بِنَفْسِهِ مِنَ الْعُيُوبِ الْمَانِعَةِ مِنْ تَتِمَّةِ رَمْيِهِ، وَهِيَ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا لَا يُرْجَى زَوَالُهُ كَشَلَلِ يَدِهِ أَوْ ذَهَابِ بَصَرِهِ، فَالْفَسْخُ وَاقِعٌ بِحُدُوثِ هَذَا الْمَانِعِ، وَلَيْسَ يَحْتَاجُ إِلَى فَسْخِهِ بِالْقَوْلِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا يُرْجَى زَوَالُهُ كَمَرَضِ يَدِهِ أَوْ رَمَدِ عَيْنِهِ أَوْ علة جسده، فلا يتفسخ الْعَقْدُ بِحُدُوثِ هَذَا الْمَانِعِ، بِخِلَافِ الضَّرْبِ الْأَوَّلِ، لِإِمْكَانِ الرَّمْيِ بِإِمْكَانِ زَوَالِهِ، وَيَكُونُ الْفَسْخُ بِالْقَوْلِ، وَذَلِكَ مُعْتَبَرٌ بِحَالِ صَاحِبِهِ، فَإِنْ طَلَبَ تَعْجِيلَ الرَّمْيِ، فَلَهُ الْفَسْخُ لِتَعَذُّرِ التَّعْجِيلِ عَلَيْهِ، وَيَكُونُ اسْتِحْقَاقُ هَذَا الْفَسْخِ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِهِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُ الْعَقْدِ بِهِ، وَإِنْ أَجَابَ صَاحِبَهُ إِلَى الْإِنْظَارِ بِالرَّمْيِ إِلَى زَوَالِ الْمَرَضِ، فَهَلْ يَكُونُ عُذْرُهُ فِي الْفَسْخِ بَاقِيًا أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَكُونُ بَاقِيًا فِي اسْتِحْقَاقِ الْفَسْخِ؛ لِئَلَّا تَكُونَ ذِمَّتُهُ مُرْتَهِنَةً بِالْعَقْدِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ عُذْرَ الْفَسْخِ قَدْ زَالَ بِالِانْتِظَارِ، وَلَيْسَ لِلْمُنْظِرِ أَنْ يَرْجِعَ فِي هَذَا الْإِنْظَارِ، وَإِنْ جَازَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْإِنْظَارِ بِالدُّيُونِ؛ لِأَنَّهُ عَنْ عَيْبٍ رَضِيَ بِهِ وَجَرَى مَجْرَى الْإِنْظَارِ بِالْإِعْسَارِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِطَالِبِ الْفَسْخِ عُذْرٌ فِي الْفَسْخِ.
فَإِنْ قِيلَ بِلُزُومِ الْعَقْدِ كَالْإِجَارَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْفَسْخُ، وَأُخِذَ بِهِ جَبْرًا، فَإِنِ امْتَنَعَ مِنْهُ حُبِسَ عَلَيْهِ كَمَا يُحْبَسُ بِسَائِرِ الْحُقُوقِ إِذَا امْتَنَعَ بِهَا، فَإِنْ طَالَ بِهِ الْحَبْسُ، وَهُوَ عَلَى امْتِنَاعِهِ عُزِّرَ حَتَّى يُجِيبَ، وَإِنْ قِيلَ بِجَوَازِ الْعَقْدِ كَالْجِعَالَةِ، فَلَهُ الْفَسْخُ قَبْلَ الرَّمْيِ، وَبَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ، وَقَبْلَ ظُهُورِ الْغَلَبَةِ، فَإِنْ ظَهَرَتِ الْغَلَبَةُ لِأَحَدِهِمَا، فَإِنْ كَانَتْ لِطَالِبِ الْفَسْخِ، فَلَهُ الْفَسْخُ، وَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِهِ، فَفِي اسْتِحْقَاقِهِ لِلْفَسْخِ قَوْلَانِ مَضَيَا:
أَحَدُهُمَا: لَا يَسْتَحِقُّهُ بَعْدَ ظُهُورِهَا، لِتَفْوِيتِ الْأَغْرَاضِ الْمَقْصُودَةِ بَعْدَ ظُهُورِهَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ هاهنا، لَهُ الْفَسْخُ لِمَا عَلَّلَ بِهِ مِنْ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ الْفَضْلُ فَيَنْضُلُ وَيَكُونُ عَلَيْهِ الفضل، فينضل.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْبِقَهُ عَلَى أَنْ يُعِيدَ عَلَيْهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا قَوْلُهُ: " وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْبِقَهُ " فَفِيهِ تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَعْقِدُ مَعَهُ عَقْدَ السَّبَقِ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ.
وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي: لَا يَخْرُجُ مَالُ السَّبَقِ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " عَلَى أَنْ يُعِيدَ عَلَيْهِ "، ففيه تأويلان عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَخْطَأَ أُعِيدَ عَلَيْهِ السَّهْمُ وَلَمْ يُحْتَسَبْ بِهِ فِي الْخَطَأِ، وَيُجْعَلُ كُلُّ خَطَأَيْنِ خَطَأً وَاحِدًا.
وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي: عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَصَابَ أُعِيدَ صَوَابُهُ، فَاحْتُسِبَ بِهِ إِصَابَتَيْنِ، وَالْعَقْدُ عَلَى التَّأْوِيلَيْنِ بَاطِلٌ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: اشْتِرَاطُ تَفَاضُلِهِمَا فِيمَا يَجِبُ فِيهِ تُسَاوِيهِمَا.
وَالثَّانِي: إِنَّ مَقْصُودَ عَقْدِهِمَا مَعْرِفَةُ أَحْذَقِهِمَا، وَلَا يُعْلَمُ مَعَ مناضلة التفاضل حذق الحاذق.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَإِنْ سَبَقَهُ عَلَى أَنْ يَرْمِيَ بِالْعَرَبِيَّةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْمِيَ بِالْفَارِسِيَّةِ لِأَنَّ مَعْرُوفًا أَنَّ الصَّوَابَ عَنِ الْفَارِسِيَّةِ أَكْثَرُ مِنْهُ عَنِ الْعَرَبِيَّةِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، إِذَا كَانَ عَقْدُ نِضَالِهِمَا أَنْ يَكُونَ عَنْ قَوْسٍ عربية، فأراد أن يبذلها بِقَوْسٍ فَارِسِيَّةٍ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ الصَّوَابَ بِالْفَارِسِيَّةِ أَكْثَرُ مِنْهُ بِالْعَرَبِيَّةِ وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يُبَدِّلَهَا بقوة أُخْرَى عَرَبِيَّةٍ جَازَ؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ يَتَعَيَّنُ بِالشَّرْطِ وَلَا يَتَعَيَّنُ لَهُ وَاحِدٌ مِنَ الْجِنْسِ، وَلَوْ كَانَ عَقْدُ نِضَالِهِمَا عَلَى الْفَارِسِيَّةِ، فَأَرَادَ أَنْ يُبَدِّلَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ، لَمْ يَجُزْ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّ تَعْيِينَ الْجِنْسِ يَمْنَعُ مِنَ الْعُدُولِ عَنْهُ.
وَالثَّانِي: إِنَّ مَقْصُودَ الرَّمْيِ تَفَاضُلُهُمَا فِي الْحَذْقِ، وَقَدْ يَكُونُ بِالْعَرَبِيَّةِ أَحْذَقَ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى أنه مع التماثل أحذق.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَإِنْ سَبَقَهُ وَلَمْ يُسَمِّ الْغَرَضَ كَرِهْتُهُ فَإِنْ سَمَّيَاهُ كَرِهْتُ أَنْ يَرْفَعَهُ أَوْ يَخْفِضَهُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْغَرَضُ فِي اللُّغَةِ، فَهُوَ اسْمٌ لِلْمُرَادِ بِالْفِعْلِ الْمَقْصُودِ، وَهُوَ أَخَصُّ مِنَ الْإِرَادَةِ، لِأَنَّ الْغَرَضَ مَا اقْتَرَنَ بِالْفِعْلِ وَالْإِرَادَةُ قَدْ تَعُمُّ، فَتَكُونُ بِفِعْلٍ وَغَيْرِ فِعْلٍ، وَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِي النِّضَالِ وَلَهُ فِيهِ حَقِيقَةٌ وَمَجَازٌ، فَحَقِيقَةُ الْغَرَضِ فِي النِّضَالِ: مَحَلُّ الْإِصَابَةِ مِنَ الْهَدَفِ وَمَجَازُهُ فِي النِّضَالِ مَوْقِفُ الرَّامِي عِنْدَ رَمْيِ الْهَدَفِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَصِفَ الْغَرَضَ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ الْإِصَابَةِ وَالْغَرَضَ الَّذِي هُوَ مَوْقِفُ الرَّامِي؛ لِيَكُوَنَ حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا أُرِيدَ بِهَا مِنْهُمَا مَعْلُومًا بَعْدَ تَفْسِيرِهِمَا وَمَعْرِفَتِهِمَا.
أَمَّا الْغَرَضُ فِي الْهَدَفِ، فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْهَدَفَ هُوَ بِنَاءٌ يُنْصَبُ فِيهِ الْغَرَضُ، وَالْغَرَضُ يَشْتَمِلُ عَلَى شَنٍّ وَجَرِيدٍ وَعُري وَمَعَالِيقَ.
فَالشَّنُّ هُوَ الْجِلْدُ.
وَالْجَرِيدُ: هُوَ الْخَشَبُ الْمُحِيطُ بِالشَّنِّ، حَتَّى يَنْبَسِطَ فِيهِ كَحَلْقَةِ الْمُنْخُلِ، وَأَمَّا الْعُرْي: فهو كالحلق حول الشن.
فأما الْمَعَالِيقُ: فَهِيَ أَوْتَارٌ يُشَدُّ بِهَا عُري الشَّنِّ إِلَى أَوْتَادٍ فِي الْهَدَفِ، وَفِي الشَّنِّ دَائِرَةٌ هِيَ أَضْيَقُ مِنْهُ، وَفِي الدَّائِرَةِ هِلَالٌ هُوَ أَضْيَقُ، وَفِي الْهِلَالِ خَاتَمٌ هُوَ أَضْيَقُ مِنْهُ، فَأَحْذَقُ الرُّمَاةِ مَنْ يَشْتَرِطُ إِصَابَةَ الْخَاتَمِ، فَلَا يحتسب له بإصابة الْهِلَالِ، وَمَا زَادَ ثُمَّ يَلِيهِ مَنْ يَشْتَرِطُ إِصَابَةَ الْهِلَالِ، فَلَا يُحْتَسَبُ لَهُ بِإِصَابَةِ الدَّائِرَةِ، وَمَا زَادَ، ثُمَّ يَلِيهِ مَنْ يَشْتَرِطُ إِصَابَةَ الدَّائِرَةِ، فَلَا يُحْتَسَبُ لَهُ بِإِصَابَةِ الشَّنِّ، وَمَا زَادَ ثُمَّ يَلِيهِ مَنْ يَشْتَرِطُ إِصَابَةَ الشَّنِّ، فَلَا يُحْتَسَبُ لَهُ بِبَقِيَّةِ الْغَرَضِ، وَمَا زَادَ ثُمَّ يَلِيهِ مَنْ يَشْتَرِطُ إِصَابَةَ الْغَرَضِ، فَيُحْتَسَبُ بِإِصَابَةِ الشَّنِّ، وَالشَّنِّ وَالْعُرَى، وَفِي الِاحْتِسَابِ لَهُ بِإِصَابَةِ الْمَعَالِيقِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُحْتَسَبُ بِهَا كَالْعُرَى.
وَالثَّانِي: لَا يُحْتَسَبُ بِهَا كَالْأَوْتَادِ وَلَهُمْ فِي مَحَلِّ الْغَرَضِ مِنَ الْهَدَفِ عَادَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَرْفَعُهُ وَيُسَمُّونَهُ جَوَّانِيٌّ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْفِضُهُ وَيُسَمُّونَهُ مَيْلَانِيٌّ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَوَسَّطُ فِيهِ وَيُسَمُّونَهُ نَطْحَانِيٌّ.
وَأَمَّا الْغَرَضُ فِي مَوْقِفِ الرَّامِي، فَهُوَ مَقَامُ الرَّامِي فِي اسْتِقْبَالِ الْهَدَفِ يَرْمِيهِ مِنْ مَسَافَةٍ مُقَدَّرَةٍ تَقِلُّ الْإِصَابَةُ بِبُعْدِهَا، وَتَكْثُرُ بِقُرْبِهَا، وَيَحْتَاجُ فِي الْقَرِيبَةِ إِلَى الْقَوْسِ اللَّيِّنَةِ حَتَّى لَا يَمْرُقَ السَّهْمُ، وَفِي الْبَعِيدَةِ إِلَى الْقَوْسِ الشَّدِيدَةِ حَتَّى يَصِلَ السَّهْمُ.
(فَصْلٌ:)
وَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا أَرَادَهُ الشَّافِعِيُّ فِي هَذِهِ ال
ْمَسْأَلَةِ
بِقَوْلِهِ: " وَإِنْ سَبَقَهُ، وَلَمْ يُسَمِّ الْغَرَضَ كَرِهْتُهُ "، هَلْ أَرَادَ بِهِ غَرَضَ الْهَدَفِ أَوْ غَرَضَ الْمَوْقِفِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّهُ أَرَادَ غَرَضَ الْمَوْقِفِ أَنْ تَكُونَ مَسَافَتُهُ مُقَدَّرَةً بِالشَّرْطِ فِي الْعَقْدِ، وَإِنْ أَغْفَلَا ذِكْرَهَا، وَعُرْفُ الرُّمَاةِ فِيهِ مُخْتَلِفٌ بَطَلَ الْعَقْدُ لِلْجَهْلِ بِمَا هُوَ مَقْصُودٌ فِيهِ، وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: " كَرِهْتُهُ " أَيْ حَرَّمْتُهُ، كَمَا قَالَ: " وَأَكْرَهُ أَنْ يُدْهَنَ مِنْ عَظْمِ فِيلٍ " أَيْ أُحَرِّمُهُ، وَإِنْ كَانَ لِلرُّمَاةِ فِيهِ عرفٌ مَعْهُودٌ، فَفِي حَمْلِهِمَا عَلَيْهِ مَعَ الْإِطْلَاقِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُحْمَلَانِ فِيهِ عَلَى الْعُرْفِ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ مَعَ عَدَمِ الشَّرْطِ يَقُومُ فِي الْعُقُودِ مَقَامَ الشَّرْطِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْعَقْدُ صَحِيحًا، وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: " كَرَاهَةً " يُرِيدُ: كَرَاهَةَ اخْتِيَارٍ لَا كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ، وَإِنَّمَا كَرِهَهُ مَعَ الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ لِأَعْيَانِ الْمُتَنَاضِلَيْنِ أَغْرَاضٌ فِي مُخَالَفَةِ الْعُرْفِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّهُمَا لَا يُحْمَلَانِ فِيهِ عَلَى الْعُرْفِ، لِهَذَا التَّعْلِيلِ مِنَ اخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ فِيهِ وَأَنَّ الْقَوِيَّ فِي الْبُعْدِ أَرْغَبُ، وَالضَّعِيفَ فِي الْقُرْبِ أَرْغَبُ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْعَقْدُ بَاطِلًا، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: " كَرِهْتُهُ " أَيْ: حَرَّمْتُهُ، وَإِذَا تَقَدَّرَتْ مَسَافَةُ الْغَرَضِ إِمَّا بِالشَّرْطِ وَإِمَّا بِالْعُرْفِ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنَ الْمُتَنَاضِلَيْنِ أَنْ يَزِيدَ فِيهِ، وَلَا يَنْقُصَ مِنْهُ لِأَنَّ الْجَوَابَ مَحْمُولٌ عَلَى الْقَوْلِ بِلُزُومِهِ كَالْإِجَارَةِ، وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: " فَإِنْ سَمَّيَاهُ كَرِهْتُ أَنْ يَرْفَعَهُ أَوْ يَخَفِضَهُ " أَيْ: مَنَعْتُ أَنْ يَزِيدَ فِيهِ أَوْ يَنْقُصَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ ارْتِفَاعٌ، وَالنُّقْصَانَ انْخِفَاضٌ، فَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي مُرَادِ الشَّافِعِيِّ بِالْمَسْأَلَةِ وَجَوَابُهَا عَلَى هَذَا الْمُرَادِ فِي أَحْكَامِهَا مَعَ الذِّكْرِ وَالْإِغْفَالِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنَّ مُرَادَ الشَّافِعِيِّ بِهَذَا غَرَضُ الْهَدَفِ فِي ارْتِفَاعِهِ وَانْخِفَاضِهِ، وَتَوَسُّطِهِ، فَإِنْ سَمَّيَاهُ فِي الْعَقْدِ حُمِلَا عَلَى مَا سَمَّيَاهُ وَلَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَرْفَعَهُ إِنْ كَانَ مُنْخَفِضًا وَلَا أَنْ يَخْفِضَهُ إِذَا كَانَ مُرْتَفِعًا الْتِزَامًا بِحُكْمِ الشَّرْطِ.
وَإِنْ أَغْفَلَاهُ لَمْ يَبْطُلِ الْعَقْدُ بِإِغْفَالِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِ مَقْصُودِهِ، وَقِيلَ لَهُمَا: إِنِ اتَّفَقْتُمَا عَلَيْهِ بَعْدَ الْعَقْدِ حُمِلْتُمَا فِيهِ عَلَى اتِّفَاقِكُمَا، وَلَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْكُمَا بَعْدَ الِاتِّفَاقِ أَنْ يَرْفَعَهُ أَوْ يَخْفِضَهُ، وَإِنِ اخْتَلَفْتُمَا فِيهِ حُمِلْتُمَا عَلَى العرف، ويكون الاتفاق هاهنا مُقَدَّمًا عَلَى الْعُرْفِ؛ لِأَنَّ ارْتِفَاعَ الْغَرَضِ أَمْكَنُ لِلطَّوِيلِ، وَالرَّاكِبِ، وَانْخِفَاضَهُ أَمْكَنُ لِلْقَصِيرِ وَالنَّازِلِ.
وَإِنْ كَانَ الْعُرْفُ عِنْدَ تَقَدُّرِ الِاتِّفَاقِ، مُخْتَلِفًا رُوعِيَ فِيهِ أَوْسَطُ الْأَغْرَاضِ الْمُسَمَّى:
الْجَوَّانِيَّ؛ لِتَعْدِيلِ مَا بَيْنَ الْإِرَادَتَيْنِ، وَيَكُونُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: " كَرِهْتُ " مَحْمُولًا عَلَى كَرَاهَةِ الِاخْتِيَارِ، وَاللَّهُ أعلم.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَقَدْ أَجَازَ الرُّمَاةُ لِلْمُسْبِقِ أَنْ يُرَامِيَهُ رَشْقًا وَأَكْثَرَ فِي الْمِائَتَيْنِ وَمَنْ أَجَازَ هَذَا أَجَازَهُ فِي الرُّقْعَةِ وَفِي أَكْثَرَ مِنْ ثلاثمائةٍ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَلَامًا مُشْتَبَهًا يَشْتَمِلُ عَلَى أَسْمَاءٍ مُبْهَمَةٍ، وَأَحْكَامٍ مُخْتَلِفَةٍ فيلزم تعيين أسمائها، وبيان أحكامها.
فأما السماء، فَذَكَرَ مِنْهَا الرَّشْقَ، فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ أَنَّهُ بِفَتْحِ الرَّاءِ اسْمٌ لِلرَّمْيِ، وَبِكَسْرِهَا اسْمٌ لِعَدَدِ الرَّمْيِ، وَهُمَا عَدَدَانِ لَازِمٌ وَمُسْتَحَبٌّ.
فَأَمَّا اللَّازِمُ فِي الْعَقْدِ، فَهُوَ جُمْلَةُ عَدَدِ الرَّمْيِ الَّذِي تَعَاقَدَا عَلَيْهِ، كَاشْتِرَاطِهِمَا رَمْيَ مِائَةِ سَهْمٍ، فَالْمِائَةُ رشقٌ يَنْطَلِقُ عَلَيْهَا اسْمُ الرِّشْقِ حَقِيقَةً.
وَأَمَّا الْمُسْتَحَبُّ فِي الْعَقْدِ، فَهُوَ تَفْصِيلُ عَدَدِ الرَّمْيِ الَّذِي يَتَنَاوَبَانِ فِيهِ كَاشْتِرَاطِهِمَا أَنْ يَتَرَامَيَا خَمْسًا خَمْسًا، أَوْ عَشْرًا عَشْرًا، فَالْعَشْرُ رشقٌ، يَنْطَلِقُ عَلَيْهَا اسْمُ الرِّشْقِ، مَجَازًا؛ لِأَنَّهَا بَعْضُ الْحَقِيقَةِ، فَصَارَا رِشَقَيْنِ: رِشْقَ جُمْلَةٍ، وَرِشْقَ تَفْصِيلٍ.
وَعَادَةُ الرُّمَاةِ فِي رِشْقِ التَّفْصِيلِ مُخْتَلِفَةٌ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتَارُ أَنْ يَكُونَ خَمْسًا خَمْسًا وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتَارُ أَنْ يَكُونَ عَشْرًا عَشْرًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتَارُ أَنْ يَكُونَ اثْنَيْ عَشَرَ اثْنَيْ عَشَرَ تَبَرُّكًا بقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ يَوْمَ أُحُدٍ: ارْمِ فداك أبي وأمي، اثني عَشْرَةَ مَرَّةً، فَكَانَ حُسْنُ الْأَثَرِ فِي الرَّمْيِ مُعْتَبَرًا بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ رَمَى فِي الْإِسْلَامِ سَهْمًا، وَأَرَاقَ فِيهِ دَمًا، وَشِعْرُهُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ حَيْثُ يَقُولُ:
(أَلَا هَلْ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ أَنِّي ... حَمَيْتُ صَحَابَتِي بِصُدُورِ نبلي)
(فما تعتد رامٍ فِي عدوٍّ ... بسهمٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ قبلي)
وذلك أن دينك دين صدق وذي حق حتى أَتَيْتَ بِهِ وَعَدْلِ.
فَأَمَّا النَّدْبُ، فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ اسْمًا لِمَالِ السَّبَقِ، وَالرَّمْيِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ اسْمًا لِعَدَدِ الرَّمْيِ كَالرِّشْقِ، وَاخْتَلَفَ مَنْ قَالَ بِهَذَا، هَلْ يَنْطَلِقُ عَلَى عَدَدِ الْجُمْلَةِ أم عدد
التَّفْصِيلِ أَوْ يَخْتَصُّ بِعَدَدِ التَّفْصِيلِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَنْطَلِقُ عَلَى الْعَدَدَيْنِ كَالرِّشْقِ، وَقَالَ آخَرُونَ، يَخْتَصُّ بِعَدَدِ التَّفْصِيلِ دُونَ الْجُمْلَةِ.
وَاخْتَلَفَ مَنْ قَالَ بِهَذَا هَلْ يَخْتَصُّ بِرَمْيِ الْجُلَاهِقِ أَوْ يَعُمُّ النُّشَّابَ وَالْجُلَاهِقَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: النَّدْبُ كَالرِّشْقِ يَعُمُّ انْطِلَاقَهُمَا عَلَى عَدَدِ الرَّمْيِ فِي النِّشَابِ وَالْجُلَاهِقِ وَهُوَ الْبُنْدُقُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: الرِّشْقُ مُخْتَصٌّ بِعَدَدِ الرَّمْيِ فِي النِّشَابِ، وَالنَّدْبُ مُخْتَصٌّ بِعَدَدِ الرَّمْيِ فِي الْجُلَاهِقِ وَمِنَ الْأَسْمَاءِ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّافِعِيُّ في هذه ال
مسألة "
الرفعة " وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي رِوَايَتِهَا فَرَوَاهَا الْمُزَنِيُّ: الرُّقْعَةُ بِالْقَافِ وَضَمِّ الرَّاءِ، وَرَوَاهَا ابْنُ سُرَيْجٍ: " الرِّفعة " بِالْفَاءِ وَكَسَرِ الرَّاءِ مَأْخُوذٌ مِنَ الِارْتِفَاعِ، وَزَعَمَ أَنَّهُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ " الْأُمِّ " وَنَسَبَ الْمُزَنِيَّ إِلَى الْوَهْمِ، فَعَلَى رِوَايَةِ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ يَكُونُ هَذَا الِاسْمُ صِفَةً لِلْغَرَضِ فِي ارْتِفَاعِهِ مِنْ خَفْضٍ إِلَى عُلُوٍّ.
وَعَلَى رِوَايَةِ الْمُزَنِيِّ أَنَّهَا الرُّقْعَةُ بِالْقَافِ اخْتُلِفَ فِي المراد بها هاهنا عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: إِنَّهُ اسْمٌ لِلْغَرَضِ الَّذِي فِي الْهَدَفِ، فَيَكُونُ مُسَمًّى بِاسْمَيْنِ بِالرُّقْعَةِ وَبِالْغَرَضِ.
وَالثَّانِي: إِنَّهُ اسْمٌ يَخْتَصُّ بِهَا فِي وَسَطِ الْغَرَضِ مِنْ عَظْمٍ هُوَ أَضِيقُ مَا فِيهِ مِنْ مَوَاقِعَ الْإِصَابَةِ الَّذِي تَقَدَّمَ لَهُ سِمَةٌ بِالْخَاتَمِ، فَيُسَمَّى بِاسْمَيْنِ بِالرُّقْعَةِ وَبِالْخَاتَمِ.
وَالثَّالِثُ: إِنَّهُ اسْمٌ لِمَسَافَةِ الرَّمْيِ، فِيمَا بَيْنَ مَوْقِفِ الرَّامِي وَالْهَدَفِ وَلَئِنْ طَالَ الْكَلَامُ بِتَفْسِيرِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ، فَلَا غِنًى عَنْهَا؛ لِتَعَلُّقِ الْأَحْكَامِ بِهَا.
(فصل:)
فإذا تقرر هَذِهِ الْجُمْلَةُ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أوجه:
أحدها: أنها مُصَوَّرَةٌ فِي قَدْرِ الْمَسَافَةِ الَّتِي تَجُوزُ أَنْ يَتَنَاضَلَا إِلَيْهَا، وَحَدُّ أَقَلِّهَا مَا يَجُوزُ أَنْ يُخْطِئَ فِيهِ الرُّمَاةُ لِبُعْدِهِ، وَأَمَّا مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُخْطِئُوا فِيهِ؛ لِقُرْبِهِ، فَالنِّضَالُ عَلَيْهِ بَاطِلٌ، وَحَدُّ أَكْثَرِهَا مَا يَجُوزُ أَنْ يُصِيبَ فِيهِ الرُّمَاةُ لِقُرْبِهِ.
فَأَمَّا مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُصِيبُوا فِيهِ لِبُعْدِهِ، فَالنِّضَالُ عَلَيْهِ بَاطِلٌ، وَهَذَانِ الْحَدَّانِ فِي الْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ هُمَا حَدَّا تَحْقِيقٍ لِمَعْنَاهُمَا وَحَدُّهُمَا بِالْمَسَافَةِ حَدُّ تَقْرِيبٍ مِنْ غَيْرِ تَحْقِيقٍ، وَلِأَكثَرِ الْمَسَافَةِ عَلَى التَّقْرِيبِ مُعْتَادٌ وَنَادِرٌ فَأَمَّا حَدُّهُ الْمُعْتَادُ عَلَى التَّقْرِيبِ، فَهُوَ مِائَتَا ذِرَاعٍ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَدِمَ عَلَيْهِ مِنْ غَزَاةٍ، وَوَصَفَ لَهُ حَرْبَهُمْ فِيهَا، فَقَالَ: كُنَّا نُحَارِبُ الْعَدُوَّ، فَإِنْ كَانُوا مِنَّا عَلَى مِائَتَيْ ذِرَاعٍ رَمَيْنَاهُمْ
بِالسِّهَامِ، وَإِنْ كَانُوا دُونَهَا رَضَخْنَاهُمْ بِالْأَحْجَارِ، وَإِنْ كَانُوا أَقْرَبَ مِنْ ذَلِكَ طَعَنَّاهُمْ بِالرِّمَاحِ، وَإِنْ كَانُوا أَقْرَبَ إِلَيْنَا ضَرَبْنَاهُمْ بِالسُّيُوفِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " هَذَا هُوَ الْحَرْبُ ".
وَأَمَّا حَدُّهُ الثَّالِثُ عَلَى التَّقْرِيبِ، فَهُوَ ثَلَاثُمِائَةِ ذِرَاعٍ؛ لِأَنَّ فِي الرُّمَاةِ من يصيب منه.
وَالْإِصَابَةُ فِي الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا مُتَعَذِّرَةٌ.
وَحُكِيَ أَنَّهُ لَمْ يُرَ أَحَدٌ كَانَ يَرْمِي عَلَى أَرْبَعِ مائة ذراع، ويصيب إلا عقبة من عَامِرٍ الْجُهَنِيُّ، وَهَذَا شَاذٌّ فِي النَّادِرِ إِنْ صَحَّ، فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ، وَلَا يَصِحُّ الْعَقْدُ عليه، فإن عقد النضال على أكثر الْمَسَافَةِ الْمُعْتَادَةِ، وَهِيَ مِائَتَا ذِرَاعٍ صَحَّ الْعَقْدُ إِذَا كَانَ مِثْلُ الرَّامِيَيْنِ يُصِيبُ فِيهِمَا، وَإِنْ كَانَ مِثْلُهُمَا لَا يُصِيبُ مِنْهَا لَمْ يَصِحَّ وَإِنْ عُقِدَ عَلَى أَكْثَرَ الْمَسَافَةِ النَّادِرَةِ وَهِيَ ثَلَاثُمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَكَانَ مِثْلُهُمَا لَا يُصِيبُ مِنْهَا، لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ، وَإِنْ كَانَ مِثْلُهُمَا قَدْ يُصِيبُ مِنْهَا، فَفِي صِحَّةِ الْعَقْدِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ لِإِمْكَانِ إِصَابَتِهِمَا مِنْهَا كَالْمَسَافَةِ الْمُعْتَادَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ النَّادِرَ غَرَرٌ، وَالْغَرَرُ في العقود مردود بالنهي عنه، وحكم مَا بَيْنَ الْمُعْتَادِ وَالنَّادِرِ، فَيَلْحَقُ بِأَقْرَبِهِمَا إِلَيْهِ، فَإِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ عَلَى الْمِائَتَيْنِ، أَقَلَّ مِنْ خَمْسِينَ، فَهُوَ مِنَ الْمُعْتَادِ، وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ فَهُوَ فِي النَّادِرِ.
وَأَمَّا عَقْدُهُ عَلَى مَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِمِائَةِ، فَإِذَا كَثُرَتِ الزِّيَادَةُ بَطَلَ الْعَقْدُ عَلَى مَا زَادَ عَلَى الثلاثمائة فإن كثرت الزيادة بطل العقد بها وإن قلت الزيادة كانت حكم الثلاثمائة على الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ إِغْفَالَ ذِكْرِهِ فِي الْعَقْدِ يُبْطِلُهُ، فَصَارَ مِنْ لَوَازِمِهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ، وهو: هل الإصابة من الفرع إِلَى الْخَسْقِ، هَلْ يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى فَسْخِ العقد، واستئناف غيره، أو لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ بِغَيْرِ فَسْخٍ، إِلْحَاقًا بِمَحَلِّ الْغَرَضِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَصِحُّ إِلَّا بَعْدَ الْفَسْخِ إِلْحَاقًا بِمَحَلِّ الْإِصَابَةِ مِنَ الْغَرَضِ، فَإِنِ اعْتُبِرَ فِيهِ الْفَسْخُ، اسْتَأْنَفَا الرَّمْيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ الْفَسْخُ بَنَيَا عَلَى الرَّمْيِ الْمُتَقَدِّمِ، وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: " وَمَنْ أَجَازَ هَذَا إِجَازَةً فِي الرُّقْعَةِ " أَيْ مَنْ أجاز الزيادة في المسافة فأولى أن يجيز تَغْيِيرَ الْغَرَضِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْمَسَافَةِ أَغْلَظُ، وَاللَّهُ أعلم.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِطَا أَنْ يَرْمِيَا أَرْشَاقًا مَعْلُومَةً كُلَّ يومٍ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ فلا يفترقا حتى يفرعا منها إلا من عذرٍ أو مرضٍ أَوْ عاصفٍ مِنَ الرِّيحِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَا يَخْلُو حَالُ الرَّمْيِ مِنْ حالين:
أحدهما: أَنْ يَكُونَ مَعْقُودًا عَلَى رِشْقٍ وَاحِدٍ يُمْكِنُ رَمْيُ جَمِيعِهِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، فَهَذَا يَجِبُ أَنْ يُوَالَى رَمْيُ جَمِيعِهِ، وَلَا يُفَرَّقَ، وَلَهُمَا فيه ثلاثة أحوال:
أحدهما: أن يعقداه معجلاً، فَيَلْزَمُ رَمْيَ جَمِيعِهِ فِي يَوْمِ عَقْدِهِ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا تَأْخِيرُهُ، إِلَّا مِنْ عُذْرٍ يَمْنَعُ مِنَ الرَّمْيِ مِنْ مَرَضٍ بِالرَّامِي أَوْ مَطَرٍ أَوْ رِيحٍ يُفْسِدُ آلَةَ الرَّمْيِ، فَإِنْ أَخَّرَاهُ عَنْ يَوْمِهِمْ عَنْ تَرَاضٍ، فَهُوَ إِنْظَارٌ لَا يَفْسَدُ بِهِ الْعَقْدُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَعًا.
وَالثَّانِي: أَنْ يَعْقِدَاهُ مُؤَجَّلًا فِي يَوْمٍ مُسَمًّى جَعَلَاهُ وَقْتًا لِلرَّمْيِ، فَفِي الْعَقْدِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ عُقِدَ عَلَى عَيْنِ شَرْطٍ فِيهِ تَأْخِيرُ الْقَبْضِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: صَحِيحٌ، لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لِأَنَّ الْعَمَلَ فِيهِ مَضْمُونٌ فِي الذِّمَّةِ.
وَالثَّانِي: ِإِنَّ عَقْدَهُ أَوْسَعُ حُكْمًا مِمَّا عَدَاهُ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْأَصْلُ هُوَ الْمُسْتَحَقَّ فِيهِ الرَّمْيُ، لَا يُقَدَّمُ قَبْلَهُ، وَلَا يُؤَخَّرُ بَعْدَهُ، فَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا تَقْدِيمَهُ أَوْ تَأْخِيرَهُ، وَامْتَنَعَ مِنْهُ صَاحِبُهُ، كَانَ مَحْمُولًا عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى تَقْدِيمِهِ أَوْ تَأْخِيرِهِ مِنْ غَيْرِ فَسْخٍ جَازَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَعًا، وَلَوْ بَدَّرَ أَحَدُهُمَا، فَرَمَى قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ لَمْ يُحْتَسَبْ لَهُ بِصَوَابِهِ، وَلَمْ يُحْتَسَبْ عَلَيْهِ بِخَطَئِهِ؛ لِأَنَّهُ رَمْيٌ لِمَ يقتضيه الْعَقْدُ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَعْقِدَاهُ مُطْلَقًا لَا يَشْتَرِطَا فِيهِ حُلُولًا، وَلَا تَأْجِيلًا، فَيَقْتَضِي إِطْلَاقُهُ الْحُلُولَ؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ فِي الْعَقْدِ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِشَرْطِهِ.
(فَصْلٌ:)
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ مِنَ الْأَصْلِ: أَنْ يَكُونَ النِّضَالُ مَعْقُودًا عَلَى أرشاقٍ كَثِيرَةٍ لَا يُمْكِنُ رَمْيُ جَمِيعِهَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ لِعَقْدِهِ عَلَى مِائَةِ رِشْقٍ، فَهَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَشْتَرِطَا فِيهِ مَا يُمْكِنُ، وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَا فِي كُلِّ يَوْمٍ رَمْيَ أَرْشَاقٍ مَعْلُومَةٍ يَتَّسِعُ الْيَوْمُ لِرَمْيِهَا مِنْ غَيْرِ إِرْهَاقٍ، فَهَذَا جَائِزٌ، وَيَخْتَصُّ كُلُّ يومٍ رَمْي مَا سُمِّيَ فِيهِ، وَلَا يَلْزَمُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ، وَلَا النُّقْصَانُ مِنْهُ، وَلَيْسَ هَذَا بِتَأْجِيلٍ يَخْرُجُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَقْدِيرُ الرَّمْيِ فِي زَمَانِهِ، فَصَحَّ وَجْهًا وَاحِدًا.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَشْتَرِطَا مَا يَمْتَنِعُ، وَهُوَ رَمْيُ جَمِيعِ الْأَرْشَاقِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ يَضِيقُ عَنْ جَمِيعِهَا فَهَذَا بَاطِلٌ، لِامْتِنَاعِهِ، وَيَكُونُ الْعَقْدُ بِهِ بَاطِلًا.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْعَقْدُ مُطْلَقًا لَا يَشْتَرِطَا فِيهِ تَقْدِيرَ الرَّمْيِ، فَيَلْزَمُ فِيهِ أَنْ يَرْمِيَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مَا اتَّسَعَ لَهُ بِحَسْبِ طُولِ النَّهَارِ وَقِصَرِهِ، وَلَا يَلْزَمُ الرَّمْيُ فِي الليل
لِخُرُوجِهِ عَنْ مَعْهُودِ الْعَمَلِ إِلَى الِاسْتِرَاحَةِ، وَلَا يلزم الارتفاق في رمي في النَّهَارِ وَيَكُونُ ابْتِدَاؤُهُ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَانْتِهَاؤُهُ قَبْلَ غُرُوبِهَا، وَيُمْسِكَانِ عَنْهُ فِي أَوْقَاتِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَأَوْقَاتِ الِاسْتِرَاحَةِ الْمَعْهُودَةِ.
وَعَادَةُ الرُّمَاةِ تَخْتَلِفُ فِي مُوَاصَلَةِ الرَّمْيِ؛ لِأَنَّ فِيهِمْ مَنْ تَكْثُرُ إِصَابَتُهُ إِذَا وَاصَلَ لِقُوَّةِ بَدَنِهِ، وَشِدَّةِ سَاعَدِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَقِلُّ إِصَابَتُهُ إِذَا وَاصَلَ لِضَعْفِ بَدَنِهِ، وَلِينِ سَاعَدِهِ، فَإِذَا عَدَلَ بِهِمَا عَنِ الْمُوَاصَلَةِ وَالْفُتُورِ إِلَى حَالٍ مُعْتَدِلَةٍ اعْتَدَلَ رَمْيُهُمَا وَتَكَافَأَ فَإِنْ عَرَضَ مَا يَمْنَعُ مِنَ الرَّمْيِ إِمَّا فِي الزَّمَانِ مِنْ مَطَرٍ أَوْ رِيحٍ أَوْ فِي أَبْدَانِهِمَا مِنْ مَرَضٍ أَوْ عِلَّةٍ أُخِّرَ الرَّمْيُ فِيهِ إِلَى زَوَالِهِ.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَمَنِ اعْتَلَّتْ أَدَاتُهُ أُبْدِلَ مَكَانَ قَوْسِهِ وَنَبْلِهِ وَوَتَرِهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا قَوْلُهُ: " اعْتَلَّتْ أَدَاتُهُ " فهي كلمة مستعارة يستعلمها الرُّمَاةُ عِنْدَ فَسَادِ آلَتِهِمْ، مَأْخُوذٌ مِنْ عِلَّةِ الْمَرِيضِ، فَإِذَا انْكَسَرَ قَوْسُهُ، أَوْ لَانَ وَانْقَطَعَ وَتَرُهُ، أَوِ اسْتَرْخَى وَانْدَقَّ سَهْمُهُ أَوِ اعْوَجَّ كَانَ لَهُ أَنْ يُبَدِّلَهُ بِغَيْرِهِ صَحِيحًا؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حُكْمِ الْآلَةِ أَنَّهَا تَبَعٌ لَا تَتَعَيَّنُ فِي الْعَقْدِ، وَإِنَّمَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ الرَّامِيَانِ فَلَمْ يَجُزْ إِبْدَالُ الرَّامِي بِغَيْرِهِ إِذَا اعْتَلَّ، وَجَازِ إِبْدَالُ الْآلَةِ بِغَيْرِهَا إِذَا اعْتَلَّتْ، وَإِنْ أَرَادَ إِبْدَالَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَعْتَلَّ جَازَ لَكِنْ يَجُوزُ تَأْخِيرُ الرَّمْيِ لِإِبْدَالِهَا إِذَا اعْتَلَّتْ، وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ لِإِبْدَالِهَا إِذَا لَمْ تَعْتَلَّ.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَإِنْ طَوَّلَ أَحَدُهُمَا بَالْإِرْسَالِ الْتِمَاسَ أَنْ تَبْرُدَ يَدُ الرَّامِي أَوْ يَنْسَى حُسْنَ صَنِيعِهِ فِي السهم الذي رماه فأصاب أو أخطأ فليستعتب من طريق الخطأ فقال لم أنو هذا لم يكن ذلك له وقيل له ارم كما ترمي الناس لا معجلاً عن التثبت في مقامك وتزعك وإرسالك ولا مبطئاً لإدخال الضرر بالحبس على صاحبك ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الرَّامِيَانِ عَلَى اقْتِصَادٍ فِي التَّثَبُّتِ مِنْ غَيْرِ إِبْطَاءٍ، وَلَا إِعْجَالٍ فَإِنْ طَوَّلَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ أَنْ تَقَدَّمَ رَمْيُ صَاحِبِهِ عَلَى الِاقْتِصَادِ لِيَبْرُدَ يَدُ صَاحِبِهِ فِي السَّهْمِ الَّذِي رَمَى بِهِ، فَنَسِيَ صَنِيعَهُ إِنْ أَصَابَ، فَلَا يُسَنُّ بِصَوَابِهِ، أَوْ أَخْطَأَ فلا يزول عن سنته عن خَطَئِهِ، فَإِنْ أَمْسَكَ صَاحِبُهُ عَنِ الِاسْتِعْتَابِ تُرِكَ هَذَا الْمُتَبَاطِئُ عَلَى حَالِهِ، وَإِنِ اسْتَعْتَبَ وَشَكَا قِيلَ لِلْمُتَبَاطِئِ: لَيْسَ لَكَ أَنْ تَضُرَّ بِصَاحِبِكَ فِي الْإِبْطَاءِ كَمَا لَيْسَ لِصَاحِبِكَ أَنْ يَضُرَّ بِكَ فِي الْإِعْجَالِ وَاعْدِلْ إِلَى الْقَصْدِ فِي تَثَبُّتِكَ غَيْرَ مُتَبَاطِئٍ وَلَا مُعَجَّلٍ، فَإِنْ قَالَ: هَذِهِ عَادَتِي لَا أَقْدِرُ عَلَى فِرَاقِهَا، نُظِرَ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَعْرُوفًا مِنْهُ، قِيلَ لِصَاحِبِهِ: لَا سَبِيلَ إِلَى هَذَا مِنْ تَكْلِيفِهِ غَيْرَ عَادَتِهِ، وَهُوَ عَيْبٌ أَنْتَ لِأَجْلِهِ بِالْخِيَارِ، بَيْنَ مُنَاضَلَتِهِ أَوْ فَسْخِهِ، وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِخِلَافِ مَا ادَّعَاهُ لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ، وَأُخِذَ بِالِاعْتِدَالِ فِي قَصْدِهِ جَبْرًا مَا أَقَامَ عَلَى عَقْدِهِ.
وَفِي قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: وَيُسْتَعْتَبُ مِنْ طَرِيقِ الْخَطَأِ تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَعْنَاهُ أَنَّ إِطَالَةَ إِرْسَالِهِ خَطَأٌ مِنْهُ، فَيُعَاتَبُ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: إِنَّ خَطَأَ صَاحَبِهِ فَهُوَ لِإِطَالَةِ إِرْسَالِهِ، فَيُعَاتَبُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ خَطَؤُهُ مَحْسُوبًا عَلَيْهِ، كَمَا أَنَّ صَوَابَهُ مَحْسُوبًا له، وبالله التوفيق.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَلَوْ كَانَ الرَّامِي يُطِيلُ الْكَلَامَ وَالْحَبْسَ قِيلَ لَهُ لَا تُطِلْ وَلَا تَعْجَلْ عَمَّا يُفْهَمُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْمُرْمِي، فَهُوَ الْمُؤْتَمَنُ بَيْنَ الْمُتَنَاضِلَيْنِ وَيُسَمَّى الْمُشِيرَ، وَالْمُوَطِّنَ لَا يُشِيرُ عَلَى كل واحد منهما بمقصوده، ويخرج سهمه، وبموطن مَوْقِفَهُ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ سَهْمَهُ بَعْدَ رَمْيِهِ، وَيُخْبِرُ بِصَوَابِهِ أَوْ خَطَئِهِ، وَعَلَى هَذَا أَنْ يَعْدِلَ بين المتناضلين، ولا يميل إلى أحدهما، فيجوز، وَلَا يَمْدَحَ أَحَدَهُمَا وَيَذُمَّ الْآخَرَ، وَلْيَكُنْ إِمَّا مَادِحًا لَهُمَا أَوْ سَاكِتًا عَنْهُمَا، وَلِيُعَجِّلْ رَدَّ سهم كل واحد منهما عليه، ولا يحسبه عَنْهُ، فَيَنْسَى حُسْنَ صَنِيعِهِ، فَإِنْ خَالَفَ بِالْمَيْلِ، عَلَى أَحَدِهِمَا، مُنِعَ لِإِضْرَارِهِ بِهِ، وَإِنْ سَاوَى بَيْنَهُمَا فِي إِكْثَارِ الْكَلَامِ، وَإِطَالَتِهِ، وَحَبْسِ السَّهْمِ فِي إِعَادَتِهِ صَارَ مُضِرًّا بِهِمَا، وَتَوَجَّهَ الْمَنْعُ إِلَيْهِ فِي حَقِّهِمَا بَعْدَ أَنْ كَانَ فِي حَقِّ أَحَدِهِمَا، وَأُمِرَ بِإِقْلَالِ الْكَلَامِ، وَتَعْجِيلِ السِّهَامِ؛ لِأَنَّ كَثْرَةَ كَلَامِهِ مُدْهِشٌ، وَحَبْسَهُ لِلسِّهَامِ يُنْسِي حُسْنَ صَنِيعِهَا فَإِنْ كَفَّ وَإِلَّا اسْتُبْدِلَ بِهِ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَتَرَاضَيَانِهِ بِهِ الْمُتَنَاضِلَانِ، فَإِنِ اخْتَلَفَا، اخْتَارَ الْحَاكِمُ لَهُمَا مُؤْتَمَنًا، وَهَكَذَا لَوْ كَانَ الْكَلَامُ مِنْ أَحَدِ الْمُتَنَاضِلَيْنِ مَدْحًا لِنَفْسِهِ بِالْإِصَابَةِ، وَذَمًّا لِصَاحِبِهِ بِالْخَطَأِ كُفَّ وَمُنِعَ، فَإِنْ أَقَامَ عليه، ولم يقلع عنه غرر، وَلَمْ يُسْتَبْدَلْ بِهِ لِتَعْيِينِهِ فِي الْعَقْدِ الَّذِي لَا يَقُومُ غَيْرُهُ فِيهِ مَقَامَهُ.
(مَسْأَلَةٌ:)
قَالَ الشافعي: " وَلِلْمُبْدِئِ أَنْ يَقِفَ فِي أَيِّ مقامٍ شَاءَ ثَمَّ لِلْآخَرِ مِنَ الْغَرَضِ الْآخَرِ أَيِّ مَقَامٍ شَاءَ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: يُرِيدُ بِالْمُبْدِئِ الَّذِي قَدِ اسْتَحَقَّ أَنْ يَبْتَدِئَ بِالرَّمْيِ، إِمَّا بِالشَّرْطِ أَوْ بِقُرْعَةٍ، فَإِذَا كَانَ الرَّمْيُ بَيْنَ هَدَفَيْنِ، وَهُوَ الْمَسْنُونُ وَالْأَوْلَى بِالْمَعْهُودِ أَنْ يَرْمِيَ الْمُتَنَاضِلَانِ مِنْ أَحَدِ الْهَدَفَيْنِ إِلَى الْآخَرِ، رِشْقًا بِحَسْبِ مَا اسْتَقَرَّ بَيْنَهُمَا، مِنْ خَمْسٍ خَمْسٍ أَوْ عَشْرٍ عَشْرٍ، ثُمَّ يَمْضِيَا إِلَى الْهَدَفِ فَيَجْمَعَا سِهَامَهَا وَيَرْمِيَا مِنْهُ إِلَى الْهَدَفِ الثَّانِي رِشْقًا ثَالِثًا كَذَلِكَ أَبَدًا حَتَّى يَسْتَكْمِلَا رَمْيَ جَمِيعِ أَرْشَاقِهِمَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَلِلْمُبْتَدِئِ بِالرَّمْيِ أَنْ يَبْتَدِئَ مِنْ أَيِّ الْهَدَفَيْنِ شَاءَ، وَيَقِفَ مِنْهُ أَيَّ مَوْقِفٍ شَاءَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَحَقَّ الِابْتِدَاءَ بِالرَّمْيِ اسْتَحَقَّ الْخِيَارَ فِي مَوْقِفِ الرَّمْيِ، فَيَقِفُ حَيْثُ شَاءَ مِنَ الْهَدَفِ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ أَوْ وَسَطِهِ، فَإِذَا صَارَ إِلَى الْهَدَفِ الثَّانِي، صَارَ الْخِيَارُ فِي الْمَوْقِفِ
إِلَى الرَّامِي الثَّانِي، فَيَقِفُ فِيهِ حَيْثُ شَاءَ مِنْ يَمِينٍ أَوْ يَسَارٍ أَوْ وَسَطٍ، كَمَا كَانَ الْخِيَارُ فِي الْهَدَفِ الْأَوَّلِ إِلَى الرَّامِي الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ بَيْنَهُمَا مُسْتَحَقَّةٌ، فَلَمَّا كَانَ الْخِيَارُ فِي الْهَدَفِ الْأَوَّلِ لِلْأَوَّلِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي الْهَدَفِ الثَّانِي لِلثَّانِي، فَإِذَا عَادَ إِلَى الْهَدَفِ الثَّانِي الْأَوَّلُ عَادَ الْخِيَارُ لِلْأَوَّلِ، فَإِذَا عَادَ إِلَى الْهَدَفِ الثَّانِي صَارَ الْخِيَارُ لِلثَّانِي، وَلَا يُجْمَعُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا الْخِيَارُ فِي الْهَدَفَيْنِ، لِمَا يَنْفَرِدُ بِهِ مِنَ التَّفْضِيلِ عَلَى صَاحِبِهِ، فَإِنْ شَرَطَاهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: بَطَلَ الْعَقْدُ بِالتَّفْضِيلِ الْمَشْرُوطِ فِيهِ، فَإِنْ شَرَطَا أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا الْخِيَارُ فِي الْهَدَفَيْنِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لِصَاحِبِهِ الْخِيَارُ بَعْدَهُ فِي الْهَدَفَيْنِ جَازَ؛ لِأَنَّهُمَا قَدْ تَسَاوَيَا فِيهِ.
(فَصْلٌ:)
وَإِذَا كَانَ النِّضَالُ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ، وَقَفَ الْمُبْتَدِئُ بِالرَّمْيِ فِي الْهَدَفِ الَّذِي شَاءَ، وَوَقَفَ مِنْهُ حَيْثُ شَاءَ ثُمَّ نُظِرَ فِي الثَّانِي وَالثَّالِثِ، فَإِنِ اسْتَقَرَّ الْمُبْتَدِئُ مِنْهُمَا بِالرَّمْيِ بِشَرْطٍ أَوْ قَرَعَهُ، وإلا أقرع بينهما ووقف الرامي الثاني في الْهَدَفِ حَيْثُ شَاءَ، فَإِذَا عَادَ إِلَى الْهَدَفِ الأول وقف الرامي الثالث من حَيْثُ شَاءَ لِيَتَسَاوَى الثَّلَاثَةُ فِي اخْتِيَارِ الْمَوْقِفِ فِي هَدَفٍ بَعْدَ هَدَفٍ لِرَمْيِ رِشْقٍ سَوَاءٌ كَانَ حُكْمُ الثَّالِثِ مَعَ الثَّانِي كَحُكْمِ الثَّانِي مَعَ الْأَوَّلِ.
فَإِذَا تَرَتَّبُوا عَلَى هَذَا الِاخْتِيَارِ فِي ثَلَاثَةِ أَرْشَاقٍ صَارُوا فِي الرِّشْقِ الرَّابِعِ إِلَى حُكْمِ الرِّشْقِ الْأَوَّلِ فِي عَوْدِ الْخِيَارِ إلى الأول، والله أعلم بالصواب.
(فَصْلٌ:)
وَإِذَا قَالَ أَحَدُ الْمُتَنَاضِلَيْنِ: نَسْتَقْبِلُ الشَّمْسَ فِي رَمْيِنَا.
وَقَالَ الْآخَرُ: نَسْتَدْبِرُهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ دَعَا إِلَى اسْتِدْبَارِهَا؛ لِأَنَّ شُعَاعَ الشَّمْسِ إِذَا اسْتَقْبَلَ الرَّامِي، اخْتَلَّ عَلَيْهِ رَمْيُهُ فَإِنْ شَرَطَا فِي الْعَقْدِ اسْتِقْبَالَهَا حُمِلَا عَلَيْهِ بِالشَّرْطِ، كَمَا أَنَّ مُطْلَقَ الْعَقْدِ يَقْتَضِي الرَّمْيَ بِالنَّهَارِ، فَإِنْ شَرَطَا فِيهِ الرَّمْيَ لَيْلًا حُمِلَا عَلَيْهِ، إِمَّا فِي ضَوْءِ الْقَمَرِ أَوْ مَشَاعِلِ النَّارِ.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَإِذَا اقْتَسَمُوا ثَلَاثَةً وَثَلَاثَةً فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْتَرِعُوا وَلْيَقْسِمُوا قَسْمًا مَعْرُوفًا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: النِّضَالُ ضَرْبَانِ: أَفْرَادٌ وَأَحْزَابٌ، وَقَدْ مَضَى نِضَالُ الْأَفْرَادِ، فَأَمَّا نِضَالُ الْأَحْزَابِ، فَهُوَ أَنْ يُنَاضِلَ حِزْبَانِ يَدْخُلُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَمَاعَةٌ، يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِمْ أَحَدُهُمْ، فَيَعْقِدُ النِّضَالَ عَلَى جَمِيعِهِمْ، فَهَذَا يَصِحُّ عَلَى شُرُوطِهِ، وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ أَصْحَابِهِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ وَجُمْهُورُهُمْ.
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَأْخُذُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ، وَهَذَا فَاسِدٌ، لِأَنَّهُمْ إِذَا اشتركوا صار فعل جمعيهم وَاحِدًا فَاشْتَرَكُوا فِي مُوجِبِهِ
لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي فِعْلِهِ مَعَ وُرُودِ السُّنَّةِ عَنِ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِيهِ بِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَرَّ بِقَوْمٍ يَرْمُونَ، فَقَالَ: " ارْمُوا، وَأَنَا مَعَ بَنِي الْأَذْرَعِ "، فَأَمْسَكَ الْقَوْمُ قِسِيَّهُمْ، وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ كُنْتَ مَعَهُ غَلَبَ، فَقَالَ: " ارْمُوا، فَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ " فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا حِزْبَيْنِ مُشْتَرِكَيْنِ، وَلِأَنَّ مَقْصُودَ النِّضَالِ التَّحْرِيضُ عَلَى الِاسْتِعْدَادِ لِلْحَرْبِ، وَهُوَ فِي الْأَحْزَابِ أَشَدُّ تَحْرِيضًا وَأَكْثَرُ اجْتِهَادًا، فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُهُ فِي الْحِزْبَيْنِ، كَجَوَازِهِ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ، فَلِصِحَّتِهِ خَمْسَةُ شُرُوطٍ:
أحدهما: أَنْ يَتَسَاوَى عَدَدُ الْحِزْبَيْنِ، وَلَا يُفَضَّلَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، فَيَكُونُوا ثَلَاثَةً وَثَلَاثَةً أَوْ خَمْسَةً وَخَمْسَةً أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، فَإِنْ فُضِّلَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِرَجُلٍ بَطَلَ الْعَقْدُ، لِأَنَّ مَقْصُودَهُ مَعْرِفَةُ أَحَذَقِ الْحِزْبَيْنِ؛ فَإِذَا تَفَاضَلُوا تَغَالَبُوا بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ لَا بِحِذْقِ الرَّمْيِ.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْعَقْدُ عَلَيْهِمْ بِإِذْنِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَأْذَنُوا فِيهِ لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْإِجَارَةِ وَالْجِعَالَةِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَصِحُّ إِلَّا بِإِذْنٍ وَاخْتِيَارٍ فَإِنْ عَقَدَ عَلَيْهِمْ مَنْ لَمْ يَسْتَأْذِنْهُمْ بَطَلَ.
وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يُعَيِّنُوا عَلَى مُتَوَلِّي الْعَقْدِ مِنْهُمْ، فَيَكُونُ فِيهِ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِمْ، وَنَائِبًا عَنْهُمْ، فَإِنْ لَمْ يُعَيِّنُوا عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ، فَلَمْ يَصِحَّ إِلَّا بِالتَّعْيِينِ وَيُخْتَارُ أَنْ يَكُونَ زَعِيمُ كُلِّ حِزْبٍ أَحْذَقَهُمْ وَأَطْوَعَهُمْ، لِأَنَّ صِفَةَ الزَّعِيمِ فِي الْعُرْفِ أَنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا فِي الصِّنَاعَةِ مُطَاعًا فِي الْجَمَاعَةِ، فَإِنْ تَقَدَّمُوهُ فِي الرَّمْيِ وَأَطَاعُوهُ فِي الِاتِّبَاعِ جَازَ، وَإِنْ تَقَدَّمَهُمْ فِي الرَّمْيِ، وَلَمْ يُطِيعُوهُ فِي الِاتِّبَاعِ لَمْ يَجُزْ، فَإِنَّ غَيْرَ الْمُطَاعِ لَا تَنْفُذُ أَوَامِرُهُ.
وَالشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ زَعِيمُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْحِزْبَيْنِ غَيْرَ زَعِيمِ الْحِزْبِ الْآخَرِ لِتَصِحَّ نِيَابَتُهُ عَنْهُمْ فِي الْعَقْدِ عَلَيْهِمْ مَعَ الْحِزْبِ الْآخَرِ، فَإِنْ كَانَ زَعِيمُ الْحِزْبَيْنِ وَاحِدًا لَمْ يَصِحَّ كَمَا لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ فِي الْعَقْدِ بَائِعًا مُشْتَرِيًا.
وَالشَّرْطُ الْخَامِسُ: وَهُوَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ: أَنْ يَتَعَيَّنَ رُمَاةُ كُلِّ حِزْبٍ مِنْهَا، قَبْلَ الْعَقْدِ، بِاتِّفَاقٍ وَمُرَاضَاةٍ، فَإِنْ عَقَدَهُ الزَّعِيمَانِ عَلَيْهِمْ لِيَقْتَرِعُوا عَلَى مَنْ يَكُونُ فِي كُلِّ حِزْبٍ لَمْ يَصِحَّ.
مِثَالُهُ: أَنْ يَكُونَ الْحِزْبَانِ ثَلَاثَةً وَثَلَاثَةً، فَيَقُولَ الزَّعِيمَانِ: نَقْتَرِعُ عَلَيْهِمْ، فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتِي عَلَيْهِ كَانَ مَعِي، وَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ عَلَيْهِ كَانَ مَعَكَ، فَهَذَا لَا يَصِحُّ، لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُمْ أَصْلٌ فِي عَقْدٍ، فَلَمْ يَصِحَّ عَقْدُهُ عَلَى الْقُرْعَةِ، كَابْتِيَاعِ أَحَدِ الْعَيْنَيْنِ بِالْقُرْعَةِ.
وَالثَّانِي: إِنَّهُ رُبَّمَا أَخْرَجَتِ الْقُرْعَةُ حَذَاقَتَهُمْ لِأَحَدِ الْحِزْبَيْنِ، وَضُعَفَاءَهُمْ لِلْحِزْبِ الْآخَرِ، فَخَرَجَ عَنْ مَقْصُودِ التَّحْرِيضِ فِي التَّنَاضُلِ، فَإِنْ عَدَلُوا بَيْنَ الْحِزْبَيْنِ فِي الْحَذْقِ وَالضَّعْفِ قَبْلَ الْعَقْدِ عَلَى أَنْ يَقْتَرِعَ الزَّعِيمَانِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْحِزْبَيْنِ بعد العقد لم يصرح التعليل الأول مع كَوْنِهِمْ فِي الْعَقْدِ أَصْلًا دُونَ التَّعْلِيلِ الثَّانِي مِنَ اجْتِمَاعِ الْحُذَّاقِ فِي أَحَدِ الْحِزْبَيْنِ، لِأَنَّهُمْ قَدْ رَفَعُوهُ بِالتَّعْلِيلِ، فَإِذَا ثَبَتَ تَعْيِينُهُمْ قَبْلَ الْعَقْدِ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ تَعَيَّنُوا فِيهِ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهِمْ إِذَا حَضَرُوا، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفُوا.
وَإِمَّا بِأَسْمَائِهِمْ إِذَا عُرِفُوا، فَإِنْ تَنَازَعُوا عِنْدَ الِاخْتِيَارِ قَبْلَ الْعَقْدِ، فَعَدَلُوا إِلَى الْقُرْعَةِ فِي الْمُتَقَدِّمِ بِالِاخْتِيَارِ جَازَ، لِأَنَّهَا قُرْعَةٌ فِي الِاخْتِيَارِ، وَلَيْسَتْ بِقُرْعَةٍ فِي الْعَقْدِ، فَإِذَا قَرَعَ أَحَدُ الزَّعِيمَيْنِ اخْتَارَ مِنَ السِّتَّةِ وَاحِدًا، ثُمَّ اخْتَارَ الزَّعِيمُ الثَّانِي وَاحِدًا، ثُمَّ دُعِيَ الزَّعِيمُ الْأَوَّلُ فَاخْتَارَ ثَانِيًا، وَاخْتَارَ الزَّعِيمُ الثَّانِي ثَانِيًا، ثُمَّ عَادَ الْأَوَّلُ، فَاخْتَارَ ثَالِثًا، وَأَخَذَ الْآخَرُ الثَّالِثَ الْبَاقِيَ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَخْتَارَ الْأَوَّلُ الثَّلَاثَةَ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ، لِأَنَّهُ لَا يَخْتَارُ إلى الْأَحْذَقَ، فَيَجْتَمِعُ الْحُذَّاقُ فِي حِزْبٍ، وَالضُّعَفَاءُ فِي حِزْبٍ، فَيُعْدَمُ مَقْصُودُ التَّنَاضُلِ مِنَ التَّحْرِيضِ.
(فَصْلٌ:)
فَإِذَا تَكَامَلَتِ الشُّرُوطُ الْخَمْسَةُ فِي عَقْدِ النِّضَالِ بَيْنَ الْحِزْبَيْنِ، لَمْ يَخْلُ حَالُهُمْ فِي مَالِ السَّبَقِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُخْرِجَهَا أَحَدُ الْحِزْبَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، فَهَذَا يَصِحُّ سَوَاءٌ انْفَرَدَ زَعِيمُ الْحِزْبِ بِإِخْرَاجِهِ أَوِ اشْتَرَكُوا فِيهِ، ويكون الحزب المخرج لِلسَّبَقِ مُعْطِيًا إِنْ كَانَ مَنْضُولًا، وَغَيْرَ آخِذٍ إِنْ كَانَ نَاضِلًا، وَيَكُونُ الْحِزْبُ الْآخَرُ آخِذًا إِنْ كَانَ نَاضِلًا وَغَيْرَ معطٍ إِذَا كَانَ مَنْضُولًا - وَهَذَا يُغْنِي عَنِ الْمُحَلِّلِ، لِأَنَّهُ مُحَلِّلٌ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْحِزْبَانِ مُخْرِجَيْنِ، وَيَخْتَصُّ بِإِخْرَاجِ الْمَالِ زَعِيمُ الْحِزْبَيْنِ، فَهَذَا يَصِحُّ، وَيُغْنِي عَنْ مُحَلِّلٍ، لِأَنَّ مَدْخَلَ الْمُحَلِّلِ لِيَأْخُذَ وَلَا يُعْطِيَ، وَرِجَالُ كُلِّ حِزْبٍ يَأْخُذُونَ، وَلَا يُعْطُونَ، فَإِذَا نَضَلَ أَحَدُ الْحِزْبَيْنِ أَخَذَ زَعِيمُهُمْ مَالَ نَفْسِهِ، وَقَسَّمَ مَالَ الْحِزْبِ الْمَنْضُولِ بَيْنَ أَصْحَابٍ، فَإِنْ كَانَ الزَّعِيمُ رَامِيًا مَعَهُمْ شَارَكَهُمْ فِي مَالِ السَّبَقِ، وَإِنْ لَمْ يَرْمِ مَعَهُمْ، فَلَا حَقَّ لَهُ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَمَلَّكَ مَالَ النِّضَالِ مَنْ لَمْ يُنَاضِلْ، وَصَارَ مَعَهُمْ كَالْأَمِينِ وَالشَّاهِدِ، فَإِنْ رَضَخُوا لَهُ بِشَيْءٍ مِنْهُ عَنْ طِيبِ أَنْفُسِهِمْ، جَازَ، وَكَانَ تَطَوُّعًا، فَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَأْخُذَ مَعَهُمْ بَطَلَ الشَّرْطُ، وَلَمْ يَبْطُلْ بِهِ الْعَقْدُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَصْحَابِهِ عَقْدٌ يَبْطُلُ بِفَسَادِ شَرْطِهِ، وَإِنَّمَا الْعَقْدُ بَيْنَ الْحِزْبَيْنِ، وَلَيْسَ لِهَذَا الشَّرْطِ تَأْثِيرٌ فِيهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يُخْرِجَا الْمَالَ وَيَشْتَرِكَ أَهْلُ كُلِّ حِزْبٍ فِي إِخْرَاجِهِ، فَهَذَا لَا يَصِحُّ حَتَّى يَدْخُلَ بَيْنَ الْحِزْبَيْنِ حِزْبٌ ثَالِثٌ يَكُونُ مُحَلِّلًا يُكَافِئُ كُلَّ حِزْبٍ فِي العدد
وَالرَّمْيِ، يَأْخُذُ وَلَا يُعْطِي كَمَا يُعْتَبَرُ فِي إِخْرَاجِ الْمُتَنَاضِلَيْنِ الْمَالُ أَوْ يَدْخُلُ بَيْنَهُمَا مُحَلِّلٌ ثَالِثٌ يَأْخُذُ وَلَا يُعْطِي.
(فَصْلٌ:)
فَإِذَا انْعَقَدَ النِّضَالُ بَيْنَ الْحِزْبَيْنِ عَلَى مَا وَصَفْنَاهُ اشْتَمَلَ الْكَلَامُ بَعْدَ تَمَامِهِ بِإِبْطَالِ الْمُسَمَّى فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ فُصُولٍ:
أَحَدُهَا: فِي حُكْمِ الْمَالِ الْمُخْرَجِ فِي كُلِّ حِزْبٍ، وَلَهُمْ فِيهِ حَالَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ لَا يُسَمُّوا قِسْطَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ جَمَاعَتِهِمْ، فَيَشْتَرِكُوا فِي الْتِزَامِهِ بِالسَّوِيَّةِ عَلَى أَعْدَادِهِمْ مِنْ غَيْرِ تَفَاضُلٍ فِيهِ، لِاسْتِوَائِهِمْ فِي الْتِزَامِهِ، فَإِنْ كَانَ زَعِيمُهُمْ رَامِيًا مَعَهُمْ دَخَلَ فِي الْتِزَامِهِ كَأَحَدِهِمْ، كَمَا يَدْخُلُ فِي الْأَخْذِ مَعَهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَامِيًا لَمْ يَلْتَزِمْ مَعَهُمْ كَمَا لَا يَأْخُذُ مَعَهُمْ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُسَمُّوا قِسْطَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي الْتِزَامِ مَالِ السَّبَقِ، فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَنْ يَتَسَاوَى فِي التَّسْمِيَةِ، فَيَصِحَّ، لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِحُكْمِ الْإِطْلَاقِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَتَفَاضَلُوا فِيهِ، فَفِي جَوَازِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ لِتُسَاوِيهِمْ فِي الْعَقْدِ، فوجب أن يستاووا فِي الِالْتِزَامِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ، لِأَنَّهُ عَنِ اتِّفَاقٍ لَمْ يَتَضَمَّنْهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ عَقْدٌ، فَاعْتُبِرَ فِيهِ التَّرَاضِي، فَإِنْ شَرَطُوا أَنْ يَكُونَ الْمَالُ بَيْنَهُمْ مُقَسَّطًا عَلَى صَوَابِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَخَطَئِهِ لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّهُ عَلَى شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ مَجْهُولٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ، فَبَطَلَ، وَلَا يُؤَثِّرُ بُطْلَانُهُ فِي الْعَقْدِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيمَا بَيْنَهُمْ عَقْدٌ، وَكَانُوا مُتَسَاوِينَ فِيهِ.
(فَصْلٌ:)
وَالْفَصْلُ الثَّانِي: فِي حُكْمِ نِضَالِهِمَا، وَفِيمَا يُحْتَسَبُ بِهِ مِنَ الصَّوَابِ وَالْخَطَأِ وَالْمُعْتَبِرُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ عَدَدُ الرِّشْقِ ثَلَاثِينَ أَوْ سِتِّينَ أَوْ تِسْعِينَ أَوْ عَدَدًا يَكُونُ لَهُ ثُلُثٌ صَحِيحٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَدَدُ الرِّشْقِ خَمْسِينَ وَلَا سَبْعِينَ وَلَا مِائَةً، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ثُلُثٌ صَحِيحٌ.
وَإِنْ كَانَ عَدَدُ الْحِزْبِ أَرْبَعَةً، كَانَ عَدَدُ الرِّشْقِ أربعين أو ماله رُبْعٌ صَحِيحٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَدَدُ الرِّشْقِ مَا لَيْسَ لَهُ رُبْعٌ صَحِيحٌ، وَهَكَذَا إِنْ كَانَ عَدَدُ الْحِزْبِ خَمْسَةً وَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَدَدُ الرِّشْقِ مَا لَهُ خمسٌ صَحِيحٌ، لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَنْقَسِمْ عَدَدُ الرِّشْقِ عَلَى عَدَدِ الْحِزْبِ إِلَّا بِكَسْرٍ يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ لَمْ يَصِحَّ الْتِزَامُهُمْ لَهُ، لِأَنَّ اشْتِرَاكَهُمْ فِي رَمْيِ السَّهْمِ لَا يَصِحُّ.
فَأَمَّا عَدَدُ الْإِصَابَةِ الْمَشْرُوطَةِ، فَيَجُوزُ أَنْ لَا تَنْقَسِمَ عَلَى عَدَدِهِمْ، لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِيهَا بِإِصَابَتِهِمْ لَا بِاشْتِرَاكِهِمْ، فَإِذَا اسْتَقَرَّ هَذَا بَيْنَهُمُ احْتُسِبَ لِزَعِيمِ كُلِّ حِزْبٍ بِإِصَابَاتِ كل
وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَاحْتُسِبَ عَلَيْهِ لِخَطَأِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَوَاءٌ تَسَاوَى رِجَالُ الْحِزْبِ فِي الْإِصَابَةِ، وَهُوَ نَادِرٌ أَوْ تَفَاضَلُوا فِيهَا، وَهُوَ الْغَالِبُ، فَإِذَا جُمِعَتِ الْإِصَابَتَانِ وَالْمَشْرُوطُ فِيهَا إِصَابَةُ خَمْسِينَ مِنْ مِائَةٍ لَمْ يَخْلُ مَجْمُوعُ الْإِصَابَتَيْنِ من ثلاثة أحوال:
أحدها: أَنْ يَكُونَ الْمَجْمُوعُ مِنْ إِصَابَةِ كُلِّ حِزْبٍ خَمْسِينَ، فَصَاعِدًا، فَلَيْسَ فِيهِمَا مَنْضُولٌ وَإِنْ تَفَاضَلَا في النقصان من الخمسين.
والحال الثالثة: أَنْ يَكُونَ مَجْمُوعُ إِصَابَةِ أَحَدِهِمَا خَمْسِينَ، فَصَاعِدًا، وَمَجْمُوعُ إِصَابَةِ الْآخَرِ أَقَلُّ مِنْ خَمْسِينَ، فَمُسْتَكْمِلُ الْخَمْسِينَ هُوَ النَّاضِلُ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ فِي الْإِصَابَةِ مُقِلًّا، بِالْقَصْرِ عَنِ الْخَمْسِينَ هُوَ الْمَنْضُولُ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا فِي الْإِصَابَةِ مُكْثِرًا، فَيَصِيرُ مُقَلِّلُ الْإِصَابَةِ آخِذًا، وَمُكْثِرُهَا مُعْطِيًا، لِأَنَّ حِزْبَ الْمُقَلِّلِ نَاضِلٌ، وَحِزْبَ الْمُكْثِرِ مَنْضُولٌ.
(فَصْلٌ:)
وَالْفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي حُكْمِ الْمَالِ إِذَا اسْتَحَقَّهُ الْحِزْبُ الناضل، فيقسم بين جمعيهم فِي قِسْمَتِهِ بَيْنَهُمْ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ مَقْسُومٌ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ مَعَ تَفَاضُلِهِمْ فِي الْإِصَابَةِ لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي الْعَقْدِ الَّذِي أَوْجَبَ تَسَاوِيَهُمْ فِيهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّهُ يُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ إِصَابَاتِهِمْ، لِأَنَّهُمْ بِالْإِصَابَةِ قَدِ اسْتَحَقُّوهُ فَلَا يُكَافِئُ مُقِلُّ الْإِصَابَةِ مُكْثِرَهَا، وَخَالَفَ الْتِزَامُ الْمَنْضُولِينَ، حَيْثُ تَسَاوَوْا فِيهِ مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْخَطَأِ، لِأَنَّ الِالْتِزَامَ قَبْلَ الرَّمْيِ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ بِالْخَطَأِ، وَالِاسْتِحْقَاقُ مِنْ بَعْدِ الرَّمْيِ، فَصَارَ مُعْتَبَرًا بِالصَّوَابِ.
فَعَلَى هَذَا لَوْ أَخْطَأَ وَاحِدٌ مِنْ أَهْلِ الْحِزْبِ النَّاضِلِ فِي جَمِيعِ سِهَامِهِ، فَفِي خُرُوجِهِ مِنَ الِاسْتِحْقَاقِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَسْتَحِقُّ مَعَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يُصِبْ إِذَا قِيلَ بِالْوَجْهِ الْأَوَّلِ إِنَّهُ مَقْسُومٌ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ، لَا عَلَى قَدْرِ الْإِصَابَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّهُ يُخْزِيهِ بِالْخَطَأِ مِنَ الِاسْتِحْقَاقِ، وَيُقْسَمُ بَيْنَ مَنْ عَدَاهُ إِذَا قِيلَ بِالْوَجْهِ الثَّانِي إِنَّهُ مَقْسُومٌ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ الْإِصَابَةِ، وَيُقَابِلُ هَذَا أَنْ يَكُونَ فِي الْحِزْبِ الْمَنْضُولِ مَنْ أَصَابَ بِجَمِيعِ سِهَامِهِ، فَفِي خُرُوجِهِ مِنَ الْتِزَامِ الْمَالِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَخْرُجُ مِنَ الْتِزَامِهِ إِذَا قِيلَ بِخُرُوجِ الْمُخْطِئِ مِنَ اسْتِحْقَاقِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَخْرُجُ مِنَ الِالْتِزَامِ، وَيَكُونُ فِيهِ أُسْوَةَ مَنْ أَخْطَأَ إِذَا قِيلَ بِدُخُولِ الْمُخْطِئِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ، وَأَنَّهُ فِيهِ أُسْوَةُ مَنْ أَصَابَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ أَخْتَارُ عَلَى أَنْ أَسْبِقَ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا اجْتَمَعَ رُمَاةُ الْحِزْبَيْنِ، وَلَمْ يَتَمَيَّزُوا فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْجِهَتَيْنِ، فَقَالَ أَحَدُ الزَّعِيمَيْنِ: أَنَا أُخْرِجُ مَالَ السَّبَقِ عَلَى أَنْ أَخْتَارَ لِحِزْبِي مَنْ أَشَاءُ أن تَكُونَ أَنْتَ الْمُخْرِجَ عَلَى أَنْ تَخْتَارَ لِحِزْبِكَ مَنْ تَشَاءُ، لَمْ يَجُزْ، وَكَانَ هَذَا الشَّرْطُ فَاسِدًا، لِأَنَّ كِلَا الْأَمْرَيْنِ مِنْ إِخْرَاجِ الْمَالِ وَتَعْيِينِ الْحِزْبِ لَا يَصِحُّ إِلَّا عَنْ مُرَاضَاةٍ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مَشْرُوطًا بِالْآخَرِ لِخُرُوجِهِ عَنِ الِاخْتِيَارِ إِلَى الِالْتِزَامِ، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: إِنْ كَانَ فُلَانٌ مَعِي فَمَالُ السَّبَقِ عَلَيْكَ، وَإِنْ كَانَ مَعَكَ فَمَالُ السَّبَقِ عَلَيَّ لم يصح لما ذكرناه.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَلَا عَلَى أَنْ أَسْبِقَ وَلَا عَلَى أَنْ يَقْتَرِعَا فَأَيُّهُمَا خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ سَبَقَهُ صَاحِبُهُ لِأَنَّ هَذَا مخاطرةٌ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَفِيهَا تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقْتَرِعَ الزَّعِيمَانِ عَلَى أَنَّ أَيَّهُمَا قَرَعَ كَانَ الْمَقْرُوعُ مُخْرِجَ السَّبَقِ لَمْ يَجُزْ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْقَارِعُ مُخْرِجَ السَّبَقِ لَمْ يَجُزْ أَيْضًا، لِأَنَّهُ عَقْدُ مُرَاضَاةٍ لَا مَدْخَلَ لِلْقُرْعَةِ فِي عَرْضِهِ.
وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي: أَنْ يَتَنَاضَلَ الزَّعِيمَانِ سَهْمًا وَاحِدًا، فَإِنْ أَصَابَهُ أَحَدُهُمَا، وَأَخْطَأَهُ الْآخَرُ كَانَ الْمُخْطِئُ مُلْتَزِمَ الْمَالِ، فِي عَقْدِ النِّضَالِ الْمُسْتَقْبَلِ، فَهَذَا أَيْضًا لَا يَجُوزُ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: " لِأَنَّ هَذَا مُخَاطَرَةٌ ".
وَهَكَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ أَحَدُ الزَّعِيمَيْنِ: أَنَا أَرْمِي بِسَهْمِي هَذَا، فَإِنْ أَصَبْتُ بِهِ، كَانَ مَالُ السَّبَقِ عَلَيْكَ، وإن أخطأت به كان حال السَّبَقِ عَلَيَّ، لِأَنَّهَا مُخَاطَرَةٌ، وَجَارِيَةٌ مَجْرَى الْمُقَارَعَةِ.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَإِذَا حَضَرَ الْغَرِيبُ أَهْلَ الْغَرَضِ فَقَسَّمُوهُ فَقَالَ مَنْ مَعَهُ كُنَّا نَرَاهُ رَامِيًا أَوْ مَنْ يَرْمِي عَلَيْهِ كُنَّا نَرَاهُ غَيْرَ رامٍ وَهُوَ مِنَ الرُّمَاةِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ عَرَفُوهُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا اجْتَمَعَ الزَّعِيمَانِ لِلْعَقْدِ، وَهُوَ غَرِيبٌ لَمْ يَعْرِفُوهُ، فَأَخَذَهُ أَحَدُ الزَّعِيمَيْنِ فِي حِزْبِهِ، وَدَخَلَ فِي عَقْدِهِ، وَشَرَعُوا فِي الرَّمْيِ، فَلَهُ حَالَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ لَا يُحْسِنَ الرَّمْيَ، وَلَا يَكُونَ مِنْ أَهْلِهِ، فَالْعَقْدُ فِي حَقِّهِ بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ مَعْقُودٌ عَلَيْهِ، فِي عَمَلٍ مَعْدُومٍ مِنْهُ، فَصَارَ كَمَنِ اسْتُؤْجِرَ لِلْكِتَابَةِ، وَلَيْسَ بِكَاتِبٍ، وَلِلصِّنَاعَةِ، وَلَيْسَ بِصَانِعٍ، يَكُونُ الْعَقْدُ عَلَيْهِ بَاطِلًا، كَذَلِكَ مَنْ دَخَلَ فِي عَقْدِ الرَّمْيِ،
وَلَيْسَ برامٍ، وَإِذَا بَطَلَ فِي حَقِّهِ، فَقَدْ قَالَ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ، يَبْطُلُ الْعَقْدُ فِي واحد من الحزب لآخر، لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَتِهِ وَفِي بُطْلَانِهِ فِيمَنْ بَقِيَ مِنَ الْحِزْبَيْنِ قَوْلَانِ مِنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وَهَذَا وهمٌ مِنْهُ، لِأَنَّ مَنْ فِي مُقَابَلَتِهِ مِنَ الْحَزْبِ الْآخَرِ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ، وَلَيْسَ لِزَعِيمِهِمْ تَعْيِينُهُ فِي أَحَدِهِمْ، لِأَنَّ جَمِيعَهُمْ فِي حُكْمِ الْعَقْدِ سَوَاءٌ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمْ فِي إِبْطَالِ الْعَقْدِ فِي حقه بأولى من إثباته فيه، وليس لدخول الْقُرْعَةَ فِيهِ تَأْثِيرٌ، لِأَنَّهَا لَا تَدْخُلُ فِي إِثْبَاتِ عَقْدٍ وَلَا إِبْطَالِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْعَقْدُ فِي حُقُوقِ الْجَمَاعَةِ بَاطِلًا.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الرَّمْيِ، فَلَهُ فِيهِ ثلاثة أحوال:
أحدهما: أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا لَهُمْ فِيهِ، فَلَا مَقَالَ لِلْحِزْبَيْنِ فِيهِ، وَيَكُونُ صَوَابُهُ لِحِزْبِهِ، وَخَطَؤُهُ عَلَى حِزْبِهِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ أَرَمَى مِنْهُمْ فَيَقُولَ الْحِزْبُ الَّذِي عَلَيْهِ: كُنَّا نَظُنُّهُ مِثْلَنَا، وَقَدْ بَانَ أَنَّهُ أَرَمَى مِنَّا، فَاسْتَبْدِلُوا بِهِ غَيْرَهُ مِمَّنْ يُسَاوِينَا، فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُمْ، لِأَنَّهُ قَدْ دَخَلَ فِي عَقْدِهِمْ، فَصَارَ كَأَحَدِهِمْ، فِي لُزُومِهِ وَجَوَازِهِ، وَلَا يَجُوزُ إِفْرَادُهُ مِنْهُمْ بِفَسْخٍ وَلَا خِيَارٍ، وَيَكُونُ صَوَابُهُ وَخَطَؤُهُ لِحِزْبِهِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ دُونَهُمْ فِي الرَّمْيِ، فَيَقُولَ مَنْ مَعَهُ: كُنَّا نَظُنُّهُ رَامِيًا مِثْلَنَا، وَقَدْ بَانَ تَقْصِيرُهُ، فَنَسْتَبْدِلُ بِهِ غَيْرَهُ، مُكَافِئًا لَنَا، فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُمْ، إِلَّا أَنْ يَفْسَخُوهُ فِي حَقِّهِ دُونَهُمْ، لِمَا عَلَّلْنَا، وَيَكُونُ صَوَابُهُ وَخَطَؤُهُ لِحِزْبِهِ، وَهُوَ كَمَنْ عَرَفُوهُ، وَعَيْبُهُ عَلَيْهِمْ حِينَ لم يختبروه.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَإِذَا قَالَ لِصَاحِبِهِ اطَّرِحْ فَضْلَكَ عَلَى أَنِّي أُعْطِيكَ بِهِ شَيْئًا لَمْ يَجُزْ إِلَّا بِأَنْ يَتَفَاسَخَا ثُمَّ يَسْتَأْنِفَا سَبَقًا جَدِيدًا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ.
إِذَا زَادَتْ إِصَابَةُ أَحَدِ الْمُتَنَاضِلَيْنِ عَلَى إِصَابَةِ الْآخَرِ قَبْلَ الْغَلَبَةِ، فَقَالَ مَنْ قَلَّتْ إِصَابَتُهُ لِصَاحِبِهِ: أَسْقِطْ عَنِّي فَضْلَ إِصَابَتِكَ، وَلَكَ عَلِيَّ دِينَارٌ، لِيَسْتَكْمِلَ بَقِيَّةَ الرَّمْيِ بَعْدَ التَّسَاوِي لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّ مَالَ السَّبَقِ مُسْتَحَقٌّ بِكَثْرَةِ الْإِصَابَةِ، فَإِذَا نَضَلَ بَعْدَ إِسْقَاطِ الْفَضْلِ لَمْ يَصِرْ نَاضِلًا بِكَثْرَةِ الْإِصَابَةِ، فَبَطَلَ، وَإِنْ تَفَاسَخَا الْعَقْدَ بَعْدَ ظُهُورِ الْفَضْلِ أَوِ اسْتَأْنَفَاهُ عَلَى اتِّفَاقٍ جَازَ وَإِلَّا كَانَا عَلَى إِصَابَتِهِمَا فِي التَّفَاضُلِ حَتَّى يَفْلُجَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِاسْتِكْمَالِ الْإِصَابَةِ وَتَقْصِيرِ الْآخَرِ، فَيَكُونُ نَاضِلًا.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَلَوْ شَرَطُوا أَنْ يَكُونَ فلانٌ مُقَدَّمًا وفلانٌ مَعَهُ وفلانٌ ثانٍ كَانَ السَّبَقُ مَفْسُوخًا وَلِكُلِّ حزبٍ أن يقدموا من شاؤوا وَيُقَدِّمَ الْآخَرُونَ كَذَلِكَ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: نَبْدَأُ قَبْلَ ذِكْرِ ال
ْمَسْأَلَةِ
بِحَكَمِ نِضَالِ الْحِزْبَيْنِ، فَإِذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْحِزْبَيْنِ ثَلَاثَةً، وَاسْتَقَرَّتِ الْبِدَايَةُ بِالرَّمْيِ لِأَحَدِ الْحِزْبَيْنِ إِمَّا بِشَرْطٍ أَوْ قُرْعَةٍ، فَلَهُمَا فِي الْعَقْدِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَشْتَرِطَا فِيهِ إِذَا رَمَى وَاحِدٌ مِنْ هَذَا الْحِزْبِ رَمَى وَاحِدٌ مِنَ الْحِزْبِ الْآخَرِ، ثُمَّ إِذَا رَمَى الثَّانِي مِنَ الْحِزْبِ الْأَوَّلِ رَمَى ثانٍ مِنَ الْحِزْبِ الْآخَرِ.
وَإِذَا رَمَى ثَالِثٌ مِنَ الْحِزْبِ الْأَوَّلِ رَمَى الثَّالِثُ مِنَ الْحِزْبِ الْآخَرِ، فَهَذَا صَحِيحٌ، وَهُوَ الْأَوْلَى لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى التَّكَافُؤِ.
وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَشْتَرِطَا فِيهِ أَنْ يَتَقَدَّمَ رُمَاةُ الْحِزْبِ الْأَوَّلِ، فَيَرْمُوا جَمِيعًا ثُمَّ يَتْلُوهُمْ رُمَاةُ الْحِزْبِ الْآخَرِ، فَيَرْمُوا جَمِيعًا فَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَإِنْ تَفَاضَلُوا فِيهِ لِأَجْلِ الشَّرْطِ.
وَالْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يُطْلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، فَالْوَاجِبُ إِذَا رَمَى وَاحِدٌ مِنَ الْحِزْبِ الْأَوَّلِ أَنْ يَرْمِيَ بَعْدَهُ وَاحِدٌ مِنَ الْحِزْبِ الْآخَرِ، وَإِذَا رَمَى ثَانٍ مِنَ الْحِزْبِ الْأَوَّلِ رَمَى بَعْدَهُ ثَانٍ مِنَ الْحِزْبِ الْآخَرِ، لِيَتَقَابَلَ رُمَاةُ الْحِزْبَيْنِ، وَلَا يَتَقَدَّمُ الْجَمِيعُ عَلَى الْجَمِيعِ، لِأَنَّ مُطْلَقَ الْعَقْدِ يُوجِبُ التَّسَاوِيَ، وَإِنِ اسْتَقَرَّ فِيهِ التَّقَدُّمُ، لِأَنَّ التقدم ضرورة، وليس لاجتماع ضَرُورَةً، وَكَذَلِكَ إِذَا أَغْفَلَ ذِكْرَ التَّقَدُّمِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ، وَإِذَا أَغْفَلَ ذِكْرَ التَّرْتِيبِ فِي وَاحِدٍ بَعْدَ وَاحِدٍ لَمْ يُقْرَعْ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ لِزَعِيمِ كُلِّ حِزْبٍ أَنْ يُقَدِّمَ مَنْ شَاءَ مِنْ أَوَّلٍ وَثَانٍ وَثَالِثٍ، فَإِنْ أَطَاعَهُ أَصْحَابُهُ عَلَى تَرْتِيبِهِ حَمَلُوا عَلَيْهِ، وَلَهُ أَنْ يُعِيدَ تَرْتِيبَهُمْ في الرشق الأول أن يرتبهم فِي الرِّشْقِ الثَّانِي مِثْلَ تَرْتِيبِهِمْ فِي الْأَوَّلِ، وَعَلَى خِلَافِ الْأَوَّلِ يَحْتَسِبُ مَا يَرَاهُ، وَإِنْ خَالَفُوا زَعِيمَهُمْ فِي التَّرْتِيبِ وَالتَّقْدِيمِ نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ مُخْرِجُ الْمَالِ هُوَ الزَّعِيمَ كَانَ الْقَوْلُ فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّرْتِيبِ قَوْلَهُ دُونَهُمْ، وَإِنْ كَانُوا هُمُ الْمُخْرِجِينَ لِلْمَالِ كَانُوا بِتَرْتِيبِهِمْ فِي التَّقَدُّمِ أَحَقَّ مِنْهُ، فَإِنِ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ حُمِلُوا عَلَى اتِّفَاقِهِمْ، وَإِنْ تَنَازَعُوا فِيهِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ.
(فَصْلٌ:)
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا، فَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَشْتَرِطَا فِي الْعَقْدِ عَلَى كُلِّ زَعِيمٍ أَنْ يُقَدِّمَ مِنْ أَصْحَابِهِ فُلَانًا، ثُمَّ فُلَانًا، فَهَذَا شَرْطٌ بَاطِلٌ، وَفِي فَسَادِ الْعَقْدِ بِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: لَا يَفْسَدُ بِهِ الْعَقْدُ، لِأَنَّ سُقُوطَهُ لَا يَعُودُ بِضَرَرٍ عَلَى مُشْتَرِطِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ يَفْسَدُ بِهِ الْعَقْدُ، لِأَنَّ تَرْتِيبَهُمْ فِي التَّقَدُّمِ إِلَى زَعِيمِهِمْ إِنْ أَخْرَجَ الْمَالَ أَوْ إِلَيْهِمْ إِنْ أَخْرَجُوهُ، فَإِذَا نَافَاهُ الشَّرْطُ أَبْطَلَهُ، لِأَنَّهُ مَنَعَ مِنْ حَقٍّ لَهُمْ، وَأَوْقَعَ حَجْرًا عَلَيْهِ، وَهَكَذَا لَوْ شَرَطَ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مُرَاسَلَةُ الْحِزْبَيْنِ فِي الرَّمْيِ مُعَيَّنَةً، فَيُرَامِي هَذَا بِعَيْنِهِ لِهَذَا بِعَيْنِهِ، وَكَذَلِكَ مِنَ الْجَمَاعَةِ فَهَذَا بَاطِلٌ يَفْسَدُ بِهِ الْعَقْدُ
وَجْهًا وَاحِدًا لِعِلَّتَيْنِ إِحْدَاهُمَا: مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمُقَابَلَةَ حَقٌّ لَهُمْ، كَالتَّرْتِيبِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُمْنَعُوا مِنْ حَقٍّ بِالْحَجْرِ عَلَيْهِمْ.
وَالثَّانِيَةُ: أنه عقد واحد يجير خَطَأُ أَحَدِهِمْ بِإِصَابَةِ غَيْرِهِ، وَإِذَا عَيَّنُوا وَاحِدًا صَارَتْ عُقُودًا تَقْتَضِي أَنْ لَا يُجْبَرَ خَطَأُ واحد بإصابة غيره، فبطل.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَإِذَا كَانَ الْبَدْأَةُ لِأَحَدِ الْمُتَنَاضِلَيْنِ فَبَدَأَ الْمُبْدَأُ عَلَيْهِ فَأَصَابَ أَوْ أَخْطَأَ رد ذَلِكَ السَّهْمُ عَلَيْهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا اسْتَحَقَّ أَحَدُ الْمُتَنَاضِلَيْنِ أَنْ يَبْتَدِئَ بِالرَّمْيِ، إِمَّا بِشَرْطٍ أَوْ قُرْعَةٍ، فَبَدَأَ صَاحِبَهُ بِالرَّمْيِ، وَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ كَانَ رَمْيُهُ مَرْدُودًا عَلَيْهِ لَا يُحْتَسَبُ لَهُ بِصَوَابِهِ، وَلَا يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ بِخَطَئِهِ لِخُرُوجِ رَمْيِهِ عَنْ حُكْمِ عَقْدِهِ، فَصَارَ رَمْيًا فِي غَيْرِ عَقْدٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمُبْتَدِئُ أَنْ يَرْمِيَ رِشْقَهُ خَمْسَةَ أَسْهُمٍ، فَرَمَى عَشَرَةَ أَسْهُمٍ لَمْ يُحْتَسَبْ بِمَا زَادَ عَلَى الْخَمْسَةِ فِي صَوَابٍ وَلَا خَطَأٍ لِخُرُوجِهِ عَنْ حُكْمِ الْعَقْدِ، وَأَعَادَ رَمْيَهَا فِي نَوْبَتِهِ، وَاحْتُسِبَ فِيهَا بِمَا زَادَ مِنْ صَوَابِهِ أو خطئه.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَالصَّلَاةُ جائزةٌ فِي الْمَضْرَبَةِ وَالْأَصَابِعِ إِذَا كَانَ جِلْدُهُمَا ذَكِيًّا مِمَّا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ أَوْ مَدْبُوغًا مِنْ جِلْدِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مَا عَدَا كَلْبًا أَوْ خِنْزِيرًا فَإِنَّ ذَلَكَ لَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ غَيْرَ أَنِّي أَكْرَهُهُ لِمَعْنًى واحدٍ وَإِنِّي آمُرُهُ أَنْ يُفْضِيَ بِبُطُونِ كَفَّيْهِ إِلَى الْأَرْضِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْمَضْرَبَةُ، فَجِلْدٌ يَلْبَسُهُ الرَّامِي فِي يَدِهِ الْيُسْرَى يَقِي إِبْهَامَهُ إِذَا جَرَى السَّهْمُ عَلَيْهِ بِرِيشِهِ، يُقَالُ: مُضَّرَبَةٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الضَّادِ، وَيُقَالُ: مَضْرَبَةٌ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَسْكِينِ الضَّادِ، وَهُوَ أَفْصَحُ.
وَأَمَّا الْأَصَابِعُ فَجِلْدٌ يَلْبَسُهُ الرَّامِي فِي إِبْهَامِهِ وَسَبَّابَتِهِ مِنْ يَدِهِ الْيُمْنَى لِمَدِّ الْوَتَرِ وَتَفْوِيقِ السَّهْمِ، فَإِنْ كَانَا مِنْ جِلْدٍ نَجِسٍ مِنْ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ مَيْتَةٍ أَوْ مِنْ غَيْرِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ إِذَا لَمْ يُدْبَغْ، لَمْ تَجُزِ الصَّلَاةُ فِيهِمَا لِنَجَاسَتِهِمَا، وَإِنْ كَانَا طَاهِرَيْنِ مِنْ ذَكِيٍّ مَأْكُولٍ أَوْ مِنْ مَيْتَةٍ أَوْ مَا لَا يُؤْكَلُ إِذَا دُبِغَا، فَطَهَارَتُهُمَا لَا تَمْنَعُ مِنَ اسْتِحْقَاقِ الصَّلَاةِ إِذَا لَمْ تُسْقِطْ مِنْ فُرُوضِهَا شَيْئًا، وَيُمْنَعُ مِنْ لُبْسِ مَا أَسْقَطَ شَيْئًا مِنْ فُرُوضِهِمَا، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَلْبَسَ الْأَصَابِعَ فِي الصَّلَاةِ، وَفِي جَوَازِ لُبْسِ الْمَضْرَبَةِ، قَوْلَانِ، لِأَنَّ بُطُونَ الْأَصَابِعِ لَا يَلْزَمُ مُبَاشَرَةُ الْأَرْضِ بِهَا فِي السُّجُودِ وَفِي لُزُومِ مُبَاشَرَتِهِ الْأَرْضَ بباطن كفه في السجود قولان: إن قِيلَ بِوُجُوبِ السُّجُودِ عَلَى الْيَدَيْنِ فَكَانَتِ الْأَصَابِعُ غَيْرَ مَانِعَةٍ مِنْ فرضٍ، وَفِي مَنْعِ الْمَضْرَبَةِ من العوض قولان.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ مُتَنَكِّبَ الْقَوْسِ وَالْقَرْنِ إِلَّا أَنْ يَتَحَرَّكَا عَلَيْهِ حَرَكَةً تَشْغَلُهُ فَأَكْرَهُهُ وَتُجْزِئُهُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الصَّلَاةُ فِي السِّلَاحِ جَائِزَةٌ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَإذاَ كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ) {النساء: 102) . وَرَوَى سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أُصَلِّي، وَعَلَيَّ الْقَوْسُ وَالْقَرْنُ، فَقَالَ: " اطْرَحِ الْقَرْنَ وَصَلِّ بِالْقَوْسِ ".
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: الْقَوْسُ عَلَى الْمُصَلِّي كَالرِّدَاءِ.
فَأَبَاحَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الصَّلَاةَ بِالْقَوْسِ، وَنَهَى عَنِ الْقَرْنِ، وَهُوَ الْجُعْبَةُ الَّتِي تَجْمَعُ السِّهَامَ، فَإِنْ كَانَتْ بِغِطَاءٍ، فَهِيَ جَعْبَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ مَكْشُوفَةً فَهِيَ قَرْنٌ، وَفِي نَهْيِهِ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهِمَا تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ نَهْيُ تَحْرِيمٍ إِذَا كَانَ رِيشُ السِّهَامِ نَجِسًا، لِأَنَّهُ فِي الْأَغْلَبِ يُتَّخَذُ مِنْ رِيشِ النَّسْرِ، وَهُوَ غَيْرُ مَأْكُولٍ، وَلَوْ كَانَ الرِّيشُ طَاهِرًا لَمْ يَتَوَجَّهْ إِلَيْهِ نَهْيٌ.
وَالثَّانِي: إِنَّهُ نَهْيُ كَرَاهَةٍ إِذَا كَانَ طَاهِرًا، لِأَنَّهُ يَتَخَشْخَشُهُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ بِاصْطِكَاكِ السِّهَامِ، فَيَقْطَعُهُ عَنِ الْخُشُوعِ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنْ لَمْ يَتَخَشْخَشْ لَمْ يَتَوَجَّهْ إِلَيْهِ نَهْيٌ، فَصَارَ لِحَمْلِهِ فِي صِلَاتِهِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مُحَرَّمًا وَهُوَ إِذَا كَانَ نَجِسًا.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَكْرُوهًا، وَهُوَ إِذَا كَانَ طَاهِرًا يَقْطَعُ عَنِ الْخُشُوعِ فِيهَا.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا، وَهُوَ مَا خَلَا مِنْ هَذَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.