كتاب السبق والرمي
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الماوردي
- الكتاب
- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
- المحقق
- الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1419 هـ -1999 م
- عدد الأجزاء
- 19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ نَافِعِ بْنِ أَبِي نافعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " لَا سَبْقَ إِلَّا فِي نصلٍ أَوْ خفٍّ أَوْ حافرٍ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْأَصْلُ فِي إِبَاحَةِ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) {الأنفال: 60) فَرَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ أَلَا وَإِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ ثَلَاثًا.
وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " ارْتَبِطُوا الْخَيْلَ، فَإِنَّ ظُهُورَهَا لَكُمْ عزٌّ وَأَجْوَافَهَا لَكُمْ كنزٌ " فَمَوْضِعُ الدَّلِيلِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ أنما لَمَّا أَمَرَ بِإِعْدَادِ الرَّمْيِ وَالْخَيْلِ لِلْعَدُوِّ فِي حَرْبِهِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالتَّعْلِيمِ وَالثِّقَةِ بِالسَّبْقِ وَالْإِصَابَةِ، فَدَلَّ عَلَى إِبَاحَةِ مَا دَعَا إِلَيْهِمَا.
وَقَالَ تَعَالَى فِيمَا حَكَاهُ عَنْ إِخْوَةِ يوسف ﴿قَالُواْ يَأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ وفي قوله ﴿نَسْتَبِقُ﴾ تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: نَنْتَضِلُ مِنَ السِّبَاقِ فِي الرَّمْيِ.
قاله الزجاج.
والثاني: أنه أَرَادُوا السَّبْقَ بِالسَّعْيِ عَلَى الْأَقْدَامِ.
وَمَوْضِعُ الدَّلِيلِ فِي هَذَا هُوَ: أَنَّهُمْ أَخْبَرُوا بِذَلِكَ نَبِيًّا لَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِمْ، فَدَلَّ عَلَى إِبَاحَتِهِ فِي شَرْعِهِ، وَمَا تَقَدَّمَ بِهِ شَرْعٌ لَمْ يَتَعَقَّبْهُ نسخ كان مَعْمُولًا بِهِ.
وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى) {الأنفال: 17) وَفِي هَذَا الرَّمْيِ تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا رَوَاهُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَبَضَ يَوْمَ أحدٍ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ رَمَاهُمْ بِهَا، وَقَالَ " شَاهَتِ الْوُجُوهُ " أَيْ: قَبُحَتْ، فَأَلْقَى اللَّهُ تَعَالَى الْقَبْضَةَ فِي أَبْصَارِهِمْ حَتَّى شَغَلَتْهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ، وَأَظْفَرَ الْمُسْلِمِينَ بِهِمْ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَرَادَ فِي أَصْحَابِهِ بِالسِّهَامِ، فَأَضَافَ رميهم إليه؛ لأنهم رموا عنه، ومن قوله: {وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى) {الأنفال: 17) تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا مَعْنَاهُ: وَمَا ظَفِرْتُمْ إِذْ رَمَيْتُ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَظْفَرَكُمْ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَرَادَ مَا أَرْسَلَهُ مِنَ الرِّيحِ الْمُعَيَّنَةِ لِسِهَامِهِمْ، حَتَّى أَصَابَتْ، فَلَمَّا أَعَانَهُمُ اللَّهُ عَلَى الرَّمْيِ كَانَ كُلُّ عَوْنِ عَلَيْهِ مَنْدُوبًا إِلَيْهِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مِنَ السُّنَّةِ مَعَ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي صَدْرِ الْبَابِ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَتْ نَاقَةً لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - تُسَمَّى " الْعَضْبَاءَ " فَكَانَتْ لَا تُسْبَقُ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى قَعُودٍ لَهُ، فَسَبَقَهَا، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، سُبِقَتِ الْعَضْبَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " حقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يَرْفَعَ النَّاسُ شَيْئًا إِلَّا وَضَعَهُ اللَّهُ ".
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي قَدْ أُضْمِرَتْ مِنَ الْحَفْيَاءِ، وَكَانَ أَمَدُهَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ، وَسَابَقَ بَيْنَ الخيل التي لم تضمر منه الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ، وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فِيمَنْ سَابَقَ لَهَا وَقِيلَ: إِنَّ مِنَ الْحَفْيَاءِ إِلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ خَمْسَةَ أَمْيَالٍ، وَمِنْ ثَنْيَةِ الْوَدَاعِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ ثَلَاثَةَ أَمْيَالٍ.
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَ: " سَابَقَنِي رَسُولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَسَبَقْتُهُ، فَلَمَّا حَمَلْتُ اللَّحْمَ سَابَقَنِي، فَسَبَقَنِي، فَقَالَ لِي: يَا عَائِشَةُ هَذِهِ بِتِلْكِ ".
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ شَبِيبِ بْنِ غَرْقَدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُولُ: " الْخَيْلُ معقودٌ بِنَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ".
وَرَوَى أَبُو سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَهُمْ يَرْمُونَ، فَقَالَ: " ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ؛ فَإِنَّ أَبَاكُمِ كَانَ رَامِيًا، ارْمُوا وَأَنَا مَعَ ابْنِ الْأَذْرَعِ، فَأَمْسَكَ الْقَوْمُ، قِسِيَّهُمْ، وَقَالُوا: مَنْ كُنْتَ مَعَهُ غَلَبَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: ارْمُوا وَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ ".
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ يَوْمَ أحد: " ارم فداك أبي وأمي "، اثنتي عشرة مَرَّةً وَدَعَا لَهُ، فَقَالَ: " اللَّهُمَّ أَجِبْ دَعْوَتَهُ، وَسَدِّدْ رَمْيَتَهُ " وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " احْضُرُوا الْهَدَفَ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَحْضُرُهُ، وَإِنَّ بَيْنَ الْهَدَفَيْنِ لَرَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ ".
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِجَمَاعَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ: تَمَعْدَدُوا واخشوشنوا؛ واحتفوا، واركبوا وارموا، ولأن تَرْمُوا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا وَرُبَّمَا أُسْنِدَ هَذَا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -.
وَفِي قَوْلِهِ " تَمَعْدَدُوا " تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: انْتَسَبُوا إِلَى معدٍّ وَعَدْنَانَ.
وَالثَّانِي: تَكَلَّمُوا بِلِسَانِ مَعَدٍّ وَعَدْنَانَ.
وفي قول: " وَاخْشَوْشِنُوا " تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: كُونُوا فِي أُمُورِكُمْ خُشُنًا أَجْلَادًا.
وَالثَّانِي: الْبَسُوا أَخْشَنَ الثِّيَابِ.
وَفِي قَوْلِهِ: " وَاحْتَفُوا " تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: امْشُوا حُفَاةً.
وَالثَّانِي: حُفُّوا شَوَارِبَكُمْ.
(فَصْلٌ:)
فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ، فهم مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ إِنْ قُصِدَ بِهِ أُهْبَةُ الْجِهَادِ، ومباح إن قصد به غير؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ عُدَّةً لِلْجِهَادِ، وَيَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ فِي الْمُسَابَقَةِ وَالْمُنَاضَلَةِ، مِنْهُمْ وَمِنَ السُّلْطَانِ عَلَى مَا سَنَصِفُهُ.
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ مَنَعَ مِنَ أَخْذِ الْعِوَضِ عَلَيْهِ بِكُلِّ حَالٍ، فَمِنْ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِهِ مَنْ أَنْكَرَهُ مِنْ مَذْهَبِهِ، وَجَعَلَهُ مُوَافِقًا.
وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ أَخْرَجَهُ السُّلْطَانُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ جَازَ، وَإِنْ أَخْرَجَهُ الْمُتَسَابِقُونَ الْمُتَنَاضِلُونَ لَمْ يَجُزِ اسْتِدْلَالًا بِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَخْذُ عِوَضٍ عَلَى لَعِبٍ، فَأَشْبَهَ أَخْذَهُ عَلَى اللَّهْوِ وَالصِّرَاعِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَخْذُ مَالٍ عَلَى غَيْرِ بَدَلٍ، فَأَشْبَهَ الْقِمَارَ.
وَدَلِيلُنَا: قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا سَبْقَ إِلَّا فِي خُفٍّ أَوْ حافرٍ أَوْ نصلٍ " فَلَمَّا اسْتَثْنَاهُ فِي الْإِبَاحَةِ دَلَّ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِالْعِوَضِ، وَلَوْلَا الْعِوَضُ لَمَا احْتَاجَ إِلَى الِاسْتِثْنَاءِ لِجَوَازِ جَمِيعِ الِاسْتِبَاقِ بِغَيْرِ عِوَضٍ.
وَرُوِيَ أَنَّهُ سُئِلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " أَكُنْتُمْ تُرَاهِنُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ
الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -؟ قَالَ: نَعَمْ، رَهَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَلَى فرسٍ لَهُ، فَجَاءَتْ سَابِقَةً، فَلَهَشَّ لِذَلِكَ، وَأَعْجَبَهُ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الرَّهْنَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى عِوَضٍ، وَلِأَنَّ فِي بَذْلِ الْعِوَضِ عَلَيْهِ تَحْرِيضًا عَلَى الْجِهَادِ، وَبَعْثًا عَلَى الِاسْتِعْدَادِ، وَامْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: {وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ) {الأنفال: 60) وَمَا أَفْضَى إِلَى هَذِهِ الْمَصَالِحِ، فَأَقَلُّ حَالَيْهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ، بِأَنَّهُ لَعِبٌ، فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَا فِيهِ مِنْ وُجُوهِ الْمَصَالِحِ يُخْرِجُهُ عَنْ حُكْمِ اللَّعِبِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَدِ اسْتَثْنَاهُ، فَقَالَ: " كُلُّ اللَّعِبِ حرامٌ إِلَّا لَعِبَ الرَّجُلِ بِفَرَسِهِ وَلَعِبَهُ بِقَوْسِهِ، وَلَعِبَهُ مَعَ زَوْجَتِهِ ".
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِأَنَّهُ قِمَارٌ، فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ السَّبْقَ خَارِجٌ عَنِ الْقِمَارِ؛ لِأَنَّ الْقِمَارَ مَا لَمْ يَخْلُ صَاحِبُهُ من أخذ أو إعطاء، وقد يخلو المسابق مِنْ أَخْذٍ وَإِعْطَاءٍ؛ لِأَنَّ بَيْنَهُمَا مُحَلِّلًا.
وَالثَّانِي: أَنَّ تَحْرِيمَ الْقِمَارِ بِالشَّرْعِ، وَإِبَاحَةِ السَّبَقِ بِالشَّرْعِ، فَلَوْ جَازَ إِلْحَاقُ السَّبَقِ بِالْقِمَارِ مِنَ التَّحْرِيمِ لِجَازَ لِأَحَدٍ أَنْ يُلْحِقَ الْقِمَارَ بِالسَّبْقِ فِي التَّحْلِيلِ، فَلَمَّا كَانَ هَذَا فِي إِبَاحَةِ الْقِمَارِ فَاسِدًا، أَوْجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي تَحْرِيمِ السَّبْقِ فَاسِدًا، وَلَزِمَ الْوُقُوفُ عَلَى مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ فِيهِمَا.
(فَصْلٌ:)
فَإِذَا صَحَّ جَوَازُ السَّبْقِ بِعِوَضٍ وَغَيْرِ عِوَضٍ، فَهُوَ بِغَيْرِ عِوَضٍ مِنَ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ، دُونَ اللَّازِمَةِ، وَإِنْ كَانَ مَعْقُودًا عَلَى عِوَضٍ، فَفِي لُزُومِهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مِنَ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ كَالْإِجَارَةِ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُهُ بَعْدَ تَمَامِهِ إِلَّا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا بِقِسْمَةٍ وَلَا يَدْخُلُهُ خِيَارُ الثَّلَاثِ، وَفِي دُخُولِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ فِيهِ وَجْهَانِ.
كَالْإِجَارَةِ، فَإِنْ شَرَعَا فِي السَّبَقِ وَالرَّمْيِ يَسْقُطُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ فِيهِ؛ لِأَنَّ الشُّرُوعَ فِي الْعَمَلِ رِضًى بِالْإِمْضَاءِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إنَّهُ مِنَ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ دُونَ اللَّازِمَةِ، كَالْجُعَالَةِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُسَابِقِينَ قَبْلَ الشُّرُوعِ مِنَ السَّبْقِ، وَبَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ مَا لَمْ يَسْتَقِرَّ السَّبْقُ، وينبرم بالخيار.
فَإِنْ شُرِطَ فِيهِ اللُّزُومُ بَطَلَ، فَإِنْ قِيلَ بِلُزُومِهِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، فَدَلِيلُهُ شَيْئَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَقْدٌ وَمِنْ شَرْطِ صِحَّتِهِ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومَ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَازِمًا كَالْإِجَارَةِ طَرْدًا وَالْجُعَالَةِ عَكْسًا.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَا أَفْضَى إِلَى إِبْطَالِ الْمَعْقُودِ بِالْعَقْدِ كَانَ مَمْنُوعًا مِنْهُ فِي الْعَقْدِ، وَبَقَاءُ خِيَارِهِ فِيهِ مُفْضٍ إِلَى إِبْطَالِهِ الْمَقْصُودِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا تَوَجَّهَ السبق على أحدهما فسخ لم يُتَوَصَّلْ إِلَى سَبْقٍ، وَلَمْ يُسْتَحَقَّ فِيهِ عِوَضٌ، وَالْعَقْدُ مَوْضُوعٌ لِاسْتِقْرَارِهِ وَاسْتِحْقَاقِهِ، فَنَافَاهُ الْخِيَارُ وَضَاهَاهُ اللُّزُومُ.
فَإِنْ قِيلَ: بِجَوَازِهِ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي، فَدَلِيلُهُ شَيْئَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَا صَحَّ مِنْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ إِذَا قَابَلَ غَيْرَ مَوْثُوقٍ بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِهِ كَانَ مِنَ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ دُونَ اللَّازِمَةِ كَالْجُعَالَةِ طَرْدًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَثِقُ بِالْغَلَبَةِ فِي السَّبْقِ وَالرَّمْيِ كَمَا لَا يَثِقُ بِوُجُودِ الضَّالَّةِ فِي الْجُعَالَةِ وَعَكْسُهُ الْإِجَارَةُ مَتَى لَمْ يَثِقْ بِصِحَّةِ الْعَمَلِ مِنْهُ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَا كَانَ إِطْلَاقُ الْعِوَضِ فِيهِ مُوجِبًا لِتَعْجِيلِ اسْتِحْقَاقِهِ كَانَ جَائِزًا كَالْجُعَالَةِ وَإِطْلَاقُ الْعِوَضِ فِي السَّبْقِ وَالرَّمْيِ لَا يُوجِبُ التَّعْجِيلَ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ جَائِزًا وَلَا يَكُونُ لازماً، والله أعلم.
(مسألة:)
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " الْخُفُّ الْإِبِلُ وَالْحَافِرُ الْخَيْلُ وَالنَّصْلُ كُلُّ نصلٍ مِنْ سهمٍ أَوْ نشابةٍ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا سَبْقَ إِلَّا مِنْ خفٍّ أَوْ حافرٍ أَوْ نصلٍ " مُبَيِّنٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخُفِّ الْإِبِلُ، لِأَنَّهَا ذَوَاتُ أَخْفَافٍ تُعَدُّ لِلطِّرَادِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَافِرِ الْخَيْلُ؛ لِأَنَّهَا ذَوَاتُ حَوَافِرَ لِلْكَرِّ وَالْفَرِّ.
وقال في موضع إِنَّ الْحَافِرَ الْخَيْلُ وَالْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ؛ لِأَنَّهَا تُرْكَبُ إِلَى الْجِيَادِ كَالْإِبِلِ وَيُلْقَى عَلَيْهَا العدوُّ كَالْخَيْلِ قَدْ شَهِدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حَرْبَ هَوَازِنَ عَلَى بَغْلَتِهِ الشَّهْبَاءِ، فَصَارَ فِي الْحَافِرِ قَوْلَانِ:
فَأَمَّا النَّصْلُ، فَالْمُرَادُ بِهِ السَّهْمُ الْمَرْمِيُّ بِهِ عَنْ قَوْسٍ، وَإِنْ كَانَ النَّصْلُ اسْمًا لِحَدِيدَةِ السَّهْمِ فَالْمُرَادُ بِهِ جَمِيعُ السَّهْمِ، فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ هِيَ الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي جَوَازِ السَّبْقِ بِهَا، فَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فيها، فقال: يحتمل مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا رُخْصَةٌ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ جُمْلَةٍ مَحْظُورَةٍ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَ بِاسْتِثْنَائِهِ مَا خَالَفَ حُكْمَ أَصْلِهِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَاسَ عَلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ غَيْرُهَا، وَيَكُونُ السَّبْقُ
مَقْصُورًا عَلَى الَّتِي تَضَمَّنَهَا الْخَبَرُ، وَهِيَ الْخُفُّ وَالْخُفُّ الْإِبِلُ وَحْدَهَا، وَالْحَافِرُ وَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: الْخَيْلُ وَحْدَهَا.
وَالثَّانِي: الْخَيْلُ وَالْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ، وَالنَّصْلُ وَهُوَ السِّهَامُ، وَيَكُونُ السَّبْقُ بِمَا عَدَاهَا مَحْظُورًا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: فِي الْمَعْنَيَيْنِ إنَّ النَّصْلَ عَلَى الثَّلَاثَةِ أَصْلٌ، فَهَذَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِبَيَانِهِ وَلَيْسَ بِمُسْتَثْنًى، وَإِنْ خَرَجَ مَخْرَجَ الِاسْتِثْنَاءِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ التَّوْكِيدُ دُونَ الِاسْتِثْنَاءِ فَعَلَى هَذَا يُقَاسُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهَا كَمَا قِيسَ عَلَى السِّتَّةِ فِي الرِّبَا مَا وَافَقَ مَعْنَاهَا، وَعَلَيْهِ يَكُونُ التَّفْرِيعُ، فَيُقَاسُ عَلَى الْخُفِّ السَّبْقُ بِالْفِيَلَةِ؛ لِأَنَّهَا ذَوَاتُ أَخْفَافٍ كَالْإِبِلِ، وَهِيَ فِي مُلَاقَاةِ الْعَدُوِّ أَنَكَأُ مِنَ الْإِبِلِ، وَهَلْ يُقَاسُ عَلَيْهَا السَّبْقُ بِالسُّفُنِ والطيارات وَالشَّدَّاتِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ يَجُوزُ السَّبْقُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا مُعَدَّةٌ لِجِهَادِ الْعَدُوِّ فِي الْبَحْرِ وَحَمْلِ ثُقْلِهِ، كَالْإِبِلِ فِي الْبَرِّ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ السَّبْقُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ سَبْقَهَا بِقُوَّةِ مَلَّاحِهَا دُونَ الْمُقَاتِلِ فِيهَا، فَأَمَّا السَّبْقُ بِالزَّوَارِقِ الْكِبَارِ وَالْمَرَاكِبِ الثِّقَالِ الَّتِي لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ فِي لِقَاءِ الْعَدُوِّ بِمِثْلِهَا فَغَيْرُ جَائِزٍ عَلَى الْوَجْهَيْنِ مَعًا.
(فَصْلٌ:)
فَأَمَّا الْحَافِرُ بِالْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ نَصًّا فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لَا نَقْلًا مِنِ اسْمِ الْحَافِرِ عَلَيْهَا، وَقِيَاسًا فِي الْقَوْلِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهَا ذَوَاتُ حَوَافِرَ كَالْخَيْلِ وَفِي مَعْنَاهَا.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يُقَاسُ عَلَيْهَا السَّبْقُ بِالْأَقْدَامِ؟ أَمْ لَا عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، تَجُوزُ الْمُسَابَقَةُ بِالْأَقْدَامِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اسْتَبَقَ هُوَ وَعَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَلَى أَقْدَامِهِمَا؛ وَلِأَنَّ السَّعْيَ مِنْ قِتَالِ الرَّجَّالَةِ كَالْخَيْلِ فِي قِتَالِ الْفُرْسَانِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُسَابَقَةَ بِالْأَقْدَامِ لَا تَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ سَبْقٌ عَلَى فِعْلِهَا مِنْ غَيْرِ آلَةٍ فَأَشْبَهَ الطَّفْرَةَ وَالْوَثْبَةَ؛ وَلِأَنَّ السَّبْقَ عَلَى مَا يُسْتَفَادُ بِالتَّعْلِيمِ لِيَكُونَ بَاعِثًا عَلَى مُعَاطَاتِهِ، وَالسَّعْيُ لَا يُسْتَفَادُ بِالتَّعْلِيمِ فَعَلَى هَذَا إِنْ قِيلَ: إِنَّ الْمُسَابَقَةَ بِالْأَقْدَامِ لَا تَجُوزُ، فَالْمُسَابَقَةُ بِالسِّبَاحَةِ أَوْلَى أَنْ لَا تَجُوزَ وَإِنْ قِيلَ: بِجَوَازِهَا عَلَى الْأَقْدَامِ، فَفِي جَوَازِهَا بِالسِّبَاحَةِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: تَجُوزُ كَالْأَقْدَامِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهَا عَلَى الْأَرْضِ، وَالْآخِرَ فِي الْمَاءِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا لَا تَجُوزُ بِالسِّبَاحَةِ، وَإِنْ جَازَتْ بِالْأَقْدَامِ، لِأَنَّ الْمَاءَ مُؤَثِّرٌ فِي السَّبَّاحَةِ وَالْأَرْضَ غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ فِي السعي.
ومنها اخْتِلَافُ أَصْحَابِنَا فِي السَّبْقِ بِالصِّرَاعِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ جَائِزٌ، لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى الْأَبْطَحِ، فَرَأَى يَزِيدَ بْنَ رُكَانَةَ يَرْعَى أَعْنُزًا لَهُ، فَقَالَ: يَزِيدُ: يَا مُحَمَّدُ هَلْ لَكَ مِنْ أَنْ تُصَارِعَنِي؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مَا تَسْتَبِقُ لِي؟ فَقَالَ: شَاةً، فَصَارَعَهُ فَصَرَعَهُ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ يَزِيدُ: هَلْ لَكَ الْعَوْدُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: مَا تَسْتَبِقُ لِي؟ فَقَالَ: شَاةً، فَصَارَعَهُ، فَصَرَعَهُ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ يَزِيدُ: يَا مُحَمَّدُ اعْرِضْ عَلَيَّ الْإِسْلَامَ، فَمَا أحدٌ وَضَعَ جَنْبِي عَلَى الْأَرْضِ غَيْرُكَ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ فَأَسْلَمَ، وَرَّدَ عَلَيْهِ غَنَمَهُ " فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ السَّبْقِ عَلَى الصِّرَاعِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ السَّبْقُ عَلَى الصِّرَاعِ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْمَعْنَيَيْنِ مِنَ السَّبْقِ بِالْأَقْدَامِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ قِيلَ: إِنَّ السَّبْقَ عَلَى الصِّرَاعِ لَا يَجُوزُ، فَالسَّبْقُ عَلَى الْمُشَابَكَةِ بِالْأَيْدِي لَا يَجُوزُ وَإِنْ قِيلَ: بِجَوَازِهِ فِي الصِّرَاعِ فَفِي جَوَازِهِ بِالْمُشَابَكَةِ وَجْهَانِ كَالسِّبَاحَةِ.
وَمِنْهَا اخْتِلَافُ أَصْحَابِنَا فِي السَّبْقِ بِالْحَمَامِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ؛ لِأَنَّهَا بِالْهِدَايَةِ تُؤَدِّي أَخْبَارَ الْمُجَاهِدِينَ بِسُرْعَةٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهَا لَا تُؤَثِّرُ فِي جِهَادِ الْعَدُوِّ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَسْعَى بِحَمَامَةٍ، فَقَالَ: " شيطانٌ مع شيطانةٍ ".
فأما السبق بالكلام وَبِنِطَاحِ الْكِبَاشِ وَنُقَارِ الدِّيَكَةِ، فَهُوَ أَسْفَهُ، وَالسَّبْقُ فِيهِ بَاطِلٌ لَا يَخْتَلِفُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(فَصْلٌ:)
وَأَمَّا النَّصْلُ، وَهُوَ السِّهَامُ، فَقِيَاسُهُ كُلُّ سِلَاحٍ فَارَقَ يَدَ صَاحِبِهِ مِنَ الْحِرَابِ، وَمَقَالِيعِ الْأَحْجَارِ وَقَسِّ الْبُنْدُقِ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا، فِيمَا لَا يُفَارِقُ يَدَ صَاحِبِهِ مِنَ السُّيُوفِ وَالرِّمَاحِ وَالْأَعْمِدَةِ، هَلْ يَجُوزُ السَّبْقُ بِهَا أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ كَالْمُفَارِقِ لِيَدِهِ؛ لِأَنَّ جِهَادَ الْعَدُوِّ بِهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ بِذَلِكَ مُحَارِبًا، لَا مُسَابِقًا.
فَأَمَّا السَّبْقُ بِالْمَدَاحِي وَكُرَةِ الصَّوْلَجَانِ فَلَا؛ لِأَنَّ الْجِهَادَ لَا يكون بهما.
فَأَمَّا الدَّحْوُ بِالْحَجَرِ الثَّقِيلِ أَوْ رَفْعُهُ مِنَ الْأَرْضِ، لِاخْتِبَارِ الْقُوَّةِ، وَالِارْتِيَاضِ بِهَا، فَالسَّبْقُ عَلَيْهِ كَالسَّبْقِ عَلَى الصِّرَاعِ، فَيَكُونُ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ:)
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا يَجُوزُ السَّبْقُ بِهِ عَلَى الْأَعْوَاضِ الْمَبْذُولَةِ، فَلِصِحَّةِ الْعَقْدِ عَلَيْهِ خَمْسَةُ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: التَّكَافُؤُ فِيمَا يَسْتَبِقَانِ عَلَيْهِ، وَفِيمَا يَتَكَافَآنِ بِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَمَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ أَنَّ التَّكَافُؤَ بِالتَّجَانُسِ، فَيُسَابِقُ بَيْنَ فَرَسَيْنِ أَوْ بَغْلَيْنِ أَوْ حِمَارَيْنِ أَوْ بَعِيرَيْنِ، لِيُعْلَمَ بَعْدَ التَّجَانُسِ فَضْلُ السَّابِقِ، وَلَا يَجُوزَ أَنْ يُسَابَقَ بَيْنَ فَرَسٍ وَبَغْلٍ وَلَا بَيْنَ حِمَارٍ وَبَعِيرٍ؛ لِأَنَّ تُفَاضُلَ الْأَجْنَاسِ مَعْلُومٌ وَأَنَّهُ لَا يَجْرِي الْبَغْلُ فِي شَوْطِ الْفَرَسِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: (إن المذرع لا تغني ضؤولته ... كَالْبَغْلِ يَعْجِزُ عَنْ شَوْطِ الْمَحَاضِيرِ)
لَكِنْ يَجُوزُ السَّبْقُ بَيْنَ عِتَاقِ الْخَيْلِ، وَهِجَانِهَا؛ لِأَنَّ جَمِيعَهَا جِنْسٌ، وَالْعَتِيقُ فِي أَوَّلِ شَوْطَيْهِ أَحَدُّ وَفِي آخِرِهِ أَلْيَنُ، وَالْهَجِينُ فِي أَوَّلِ شَوْطَيْهِ أَلْيَنُ وَفِي آخِرِهَا أحدٌ فَرُبَّمَا صَارَا عِنْدَ الْغَايَةِ مُتَكَافِئَيْنِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ إنَّ التَّكَافُؤَ فِي الِاسْتِبَاقِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ بِالتَّجَانُسِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُعْتَبَرٌ بِأَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُسْتَبِقَيْنِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَابِقًا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا، فَإِنْ جُوِّزَ ذَلِكَ بَيْنَ فَرَسٍ وَبَغْلٍ أَوْ بَيْنَ بَعِيرٍ وَحِمَارٍ جَازَ السَّبْقُ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ عُلِمَ يَقِينًا أَنَّ أَحَدَهُمَا يَسْبِقُ الْآخَرَ قَبْلَ الِاخْتِبَارِ لَمْ يَجُزِ السَّبْقُ بَيْنَهُمَا وَلَوْ عُلِمَ ذَلِكَ بَيْنَ فَرَسَيْنِ عَتِيقٍ وَهَجِينٍ أَوْ بَيْنَ بَعِيرَيْنِ عَرَبِيٍّ وَبَخْتِيٍّ لم يجز السبق بينهما، وكذلك لو اتفقت الْفَرَسَانِ فِي الْجِنْسِ، وَاخْتَلَفَا فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، فَيُمْنَعُ مِنَ الِاسْتِبَاقِ بَيْنَهُمَا، وَهُمَا مِنْ جِنْسٍ واحد، ونجوزه بينهما، وهما من جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ اعْتِبَارًا بِالْجَوَاهِرِ دُونَ التَّجَانُسِ.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: الِاسْتِبَاقُ عَلَيْهَا مَرْكُوبَةً لِتَنْتَهِيَ إِلَى غَايَتِهَا، بِتَدْبِيرِ رَاكِبِهَا، فَإِنْ شُرِطَ إِرْسَالُهَا لِتَجْرِيَ مُسَابَقَةً بِأَنْفُسِهَا لَمْ يَجُزْ، وَبَطَلَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا تتنافر
بِالْإِرْسَالِ وَلَا تَقِفُ عَلَى غَايَةِ السَّبْقِ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ ذَلِكَ فِي الِاسْتِبَاقِ بِالطُّيُورِ إِذَا قِيلَ: بِجَوَازِ الِاسْتِبَاقِ عَلَيْهَا لِمَا فِيهَا مِنَ الْهِدَايَةِ إِلَى قَصْدِ الْغَايَةِ، وَأَنَّهَا لَا تَتَنَافَرُ فِي طَيَرَانِهَا.
وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ الْغَايَةُ مَعْلُومَةً؛ لِأَنَّهَا مُسْتَحَقَّةٌ فِي عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ، فَإِنْ وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى إِجْرَاءِ الْفَرَسَيْنِ حَتَّى يَسْبِقَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ لَمْ يَجُزْ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: جَهَالَةُ الْغَايَةِ.
وَالثَّانِي: لِأَنَّهُ يُفْضِي ذَلِكَ لِإِجْرَائِهِمَا حَتَّى يَعْطَبَا.
وَالشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ الْغَايَةُ الَّتِي يَمْتَدُّ شَرْطُهَا إِلَيْهَا يَحْتَمِلُهَا الْفَرَسَانِ، وَلَا يَنْقَطِعَانِ فِيهَا، فَإِنْ طَالَتْ عَنِ انْتِهَاءِ الْفَرَسَيْنِ إِلَيْهَا إِلَّا عَنِ انْقِطَاعٍ وَعَطَبٍ بَطَلَ الْعَقْدُ، لِتَحْرِيمِ مَا أَفْضَى إِلَى ذَلِكَ.
وَالشَّرْطُ الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ فِيهِ مَعْلُومًا، كَالْأُجُورِ وَالْأَثْمَانِ، فَإِنْ أَخْرَجَهُ غَيْرُ الْمُتَسَابِقَيْنَ جَازَ أَنْ يَتَسَاوَيَا فِيهِ، وَيَتَفَاضَلَا؛ لِأَنَّ الْبَاذِلَ لِلسَّبَقِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ مُخَيَّرًا بَيْنَ التَّسَاوِي فِي التَّفْضِيلِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَمَاثَلَ جِنْسُ الْعِوَضَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَخْتَلِفْ.
(فَصْلٌ:)
فَأَمَّا الرَّمْيُ، فَيُعْتَبَرُ فِي صِحَّةِ عَقْدِهِ خَمْسَةُ شُرُوطٍ أَيْضًا:
أَحَدُهَا: أَنْ يكون الرامي مجانسة فَيَتَنَاضَلَانِ بِالنُّشَّابِ أَوْ بِالْحِرَابِ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَنْضِلُ بِالنُّشَّابِ، وَالْآخِرُ بِالْحِرَابِ، لَمْ يَجُزْ لِتَنَافِيهِمَا، لَكِنْ يَجُوزُ أَحَدُهُمَا مُنَاضِلًا بِالنُّشَّابِ وَالْآخِرُ بِالنَّبْلِ؛ لِأَنَّ كِلَيْهِمَا سَهْمٌ يَخْرُجُ عَنْ قَوْسٍ.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمُتَنَاضِلَيْنَ مُقَارَبَةٌ فِي الرَّمْيِ وَالْإِصَابَةِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَاضِلًا وَمَنْضُولًا، لِيُعْلَمَ بِالنِّضَالِ أَحْذَقُهُمَا، فَإِنْ تَفَاوَتَ مَا بَيْنَهُمَا، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرُ سِهَامِهِ صَائِبَةٌ، وَالْآخِرُ أَكْثَرُ سِهَامِهِ خَاطِئَةٌ، فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: لَا يَجُوزُ؛ وَيَكُونُ الْعَقْدُ بَيْنَهُمَا بَاطِلًا؛ لِأَنَّ حِذْقَهُ مَعْلُومٌ بِغَيْرِ نِضَالٍ، فَصَارَ كَالْمُسْتَحِقِّ لِلْمَالِ بِغَيْرِ نِضَالٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ وَيَكُونُ الْعَقْدُ بَيْنَهُمَا صَحِيحًا؛ لِأَنَّ الْمَالَ إِذَا اسْتُحِقَّ بَعَثَ عَلَى مُعَاطَاةِ الْحِذْقِ.
وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَتَنَاضَلَا عَلَى جراح النفوس بالسهام والسلاح، وليكن قَصْدُهُمَا إِصَابَةُ غَيْرِ ذَاتِ الْأَرْوَاحِ، لِتَحْرِيمِ عَقْرِهَا، فَإِنْ شُرِطَ فِيهِ جِرَاحَةُ النُّفُوسِ بَطَلَ لِحَظْرِهِ.
وَالشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ مَعْلُومًا مِنْ أَعْيَانٍ مَوْجُودَةٍ، أَوْ مَالٍ فِي الذِّمَّةِ مَوْصُوفًا.
وَالشَّرْطُ الْخَامِسُ: أَنْ يُحْفَظَ مِنْ دُخُولِ الْجَهَالَةِ فِي النِّضَالِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَالْأَسْبَاقُ ثلاثةٌ سبقٌ يُعْطِيهِ الْوَالِي أَوْ غَيْرُ الْوَالِي مِنْ مَالِهِ وَذَلِكَ أَنْ يَسْبِقَ بَيْنَ الْخَيْلِ إِلَى غايةٍ فَيَجْعَلَ لِلسَّابِقِ شَيْئًا مَعْلُومًا وَإِنْ شَاءَ جَعَلَ لِلْمُصَلِّي وَالثَّالِثِ وَالرَّابِعِ فَهَذَا حلالٌ لِمَنْ جُعِلَ لَهُ لَيْسَتْ فِيهِ علةٌ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا السَّبْقُ، فَيُذْكَرُ تَارَةً بِتَسْكِينِ الْبَاءِ، وَتَارَةً بِفَتْحِهَا، وَهُوَ بِتَسْكِينِ الْبَاءِ فِعْلُ سَبَقَ مِنَ الْمُسَابَقَةِ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْبَاءِ الْعِوَضُ الْمُخْرَجُ فِي الْمُسَابَقَةِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: " وَالْأَسْبَاقُ ثَلَاثَةٌ " يُرِيدُ بِهِ الْعِوَضَ فِي الْأَسْبَاقِ ثَلَاثَةٌ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُخْرِجَهُ غَيْرُ الْمُتَسَابِقَيْنِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُخْرِجَهُ الْمُتَسَابِقَانِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُخْرِجَهُ أَحَدُهُمَا.
فَأَمَّا السَّبَقُ الْأَوَّلُ الَّذِي يَرَاهُ الشَّافِعِيُّ؛ وَهُوَ الَّذِي يُخْرِجُهُ غَيْرُ الْمُتَسَابِقَيْنِ , فَيَجُوزُ سَوَاءٌ أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ أَخْرَجَهُ غَيْرُ الْإِمَامِ مِنْ مَالِهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ جَازَ , وَإِنْ أَخْرَجَهُ غَيْرُهُ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَسْبَابِ الْجِهَادِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْأَئِمَّةِ , وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّ مَا فِيهِ مَعُونَةٌ عَلَى الْجِهَادِ جَازَ أَنْ يَفْعَلَهُ غَيْرُ الْأَئِمَّةِ , كَارْتِبَاطِ الْخَيْلِ وَإِعْدَادِ السِّلَاحِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَا جَازَ أَنْ يُخْرِجَهُ الْإِمَامُ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ جَازَ أَنْ يَتَطَوَّعَ بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ المسلمين لبناء المساجد والقناطر.
فضل: فَإِذَا صَحَّ جَوَازُهُ مِنْ كُلِّ بَاذِلٍ لَمْ يَخْلُ التَّبَدُّلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يختص به السابق وحدة دون غيره , كقول: إِذَا كَانَ الْمُتَسَابِقُونَ عَشَرَةً , فَقَدْ جَعَلْتُ لِلسَّابِقِ مِنْكُمْ عَشَرَةً , وَهَذَا جَائِزٌ , فَأَيُّهُمْ جَاءَ سابقاُ لجماعتهم استحق العشرة كلها , ولا شئ لِمَنْ بَعْدَهُ , وَإِنْ كَانُوا مُتَفَاضِلِينَ فِي السَّبَقِ , فَلَوْ سَبَقَ اثْنَانِ مِنَ الْجَمَاعَةِ , فَجَاءَا معاُ , وَتَأَخَّرَ الْبَاقُونَ , اشْتَرَكَ الِاثْنَانِ فِي الْعَشَرَةِ , لِتَسَاوِيهِمَا فِي السَّبَقِ , فَاسْتَوَيَا فِي الْأَخْذِ , وَلَوْ سَبَقَ خَمْسَةٌ اشْتَرَكُوا فِي الْأَخْذِ كَذَلِكَ , وَلَوْ سَبَقَ تِسْعَةٌ وَتَأَخَّرَ وَاحِدٌ اشْتَرَكُوا فِي الْعَشَرَةِ دُونَ المتأخر منهم , ولو جاؤوا مجيئاُ واحداُ لما يتأخر عنهم واحد منهم , فلا شئ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمْ سَابِقٌ , وَلَا مَسْبُوقٌ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَبْذُلَهُ لِجَمَاعَةٍ مِنْهُمْ , وَلَا يَبْذُلَهُ لِجَمِيعِهِمْ، كَأَنَّهُ بَذَلَ لِلْأَوَّلِ عوضاُ وَلِلثَّانِي عوضاُ , وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ إِذَا تَقَدَّمَ عَلَى غَيْرِهِ خَاصٌّ يُقَالُ لِلسَّابِقِ الْأَوَّلِ: الْمُجَلِّي , وَالثَّانِي: الْمُصَلِّي , وَالثَّالِثُ: التَّالِي , وَالرَّابِعُ: البارع , والخامس: المرتاح , والسادس: الحظي , وَالسَّابِعُ: الْعَاطِفُ , وَالثَّامِنُ: الْمُؤَمِّلُ , وَالتَّاسِعُ: اللَّطِيمُ , وَالْعَاشِرُ: السُّكِّيتُ , وَلَيْسَ لِمَا بَعْدَ الْعَاشِرِ اسْمٌ إِلَّا الَّذِي يَجِيءُ آخِرَ الْخَيْلِ , كُلِّهَا , يُقَالُ لَهُ: الْفُسْكُلُ , فَإِذَا بَذَلَ لِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ , فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُفَاضِلَ بَيْنَ السَّابِقِ وَالْمَسْبُوقِ , فَيَجْعَلَ لِلْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ الْمُجَلِّي عَشَرَةً , وَيَجْعَلَ لِلثَّانِي الَّذِي هُوَ الْمُصَلِّي تِسْعَةً , وَالثَّالِثَ الَّذِي هُوَ التَّالِي خَمْسَةً وَالرَّابِعَ الَّذِي هُوَ الْبَارِعُ أَرْبَعَةً , وَالْخَامِسَ الَّذِي هُوَ الْمُرْتَاحُ ثَلَاثَةً , وَلَا يَجْعَلُ لِمَنْ بَعْدَهُمْ شيئاُ فَإِنَّ هَذَا جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَنَعَ الْمَسْبُوقِينَ وَنَاضَلَ بَيْنَ السَّابِقِينَ , فَحَصَلَ التَّحْرِيضُ فِي طَلَبِ التَّفَاضُلِ , وَخَشْيَةِ الْمَنْعِ.
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا أَنْ يُجْعَلَ لِلسَّابِقِ عَشَرَةٌ , وَلِلْمُصَلِّي خَمْسَةٌ , وَلَا يُجْعَلَ لِمَنْ بَعْدَهُمْ شيئاُ , فيكون السابق خمسة والمصلي واحداً , فَيَقْسِمُ الْخَمْسَةَ السَّابِقِينَ بِالْعَشَرَةِ لِكُلِّ وَاحِدٍ دِرْهَمَانِ , وَيَنْفَرِدُ الْوَاحِدُ الْمُصَلِّي بِالْخَمْسَةِ , وَإِنْ صَارَ بِهِمَا أَفْضَلَ مِنَ السَّابِقِينَ , لِأَنَّهُ أَخَذَ الزِّيَادَةَ لِتَفَرُّدِهِ بِدَرَجَتِهِ , وَلَمْ يَأْخُذْهَا لِتَفْضِيلِ أَصْلِ دَرَجَتِهِ وَقَدْ كَانَ يَجُوزُ أَنْ يُشَارِكَهُ غَيْرُهُ فِي دَرَجَتِهِ , فَيَقِلَّ سَهْمُهُ عَنْ سَهْمِ مَنْ بَعْدَهُ , ثُمَّ عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ إِذَا جَعَلَ لِلتَّالِي شَيْئًا ثَالِثًا , فَحَصَلَ مِنْ كُلِّ دَرَجَةٍ انْفِرَادٌ أَوِ اشْتِرَاكٌ، وَجَبَ أَنْ يَخْتَصَّ الْمُنْفَرِدُ بِسَبَقِ دَرَجَتِهِ، وَيَشْتَرِكَ الْمُشْتَرِكُونَ بِسَبَقِ دَرَجَتِهِمْ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يُسَوِّي فِيهِمْ بَيْنَ سَابِقٍ وَمَسْبُوقٍ كَأَنَّهُ جَعَلَ لِلسَّابِقِ عَشَرَةً وَلِلْمُصَلِّي عَشَرَةً، وَفَاضَلَ بَيْنَ بَقِيَّةِ الْخَمْسَةِ، وَهَذَا غَيْرُ جَائِزٍ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى التَّحْرِيضِ، أَنْ يُفَاضِلَ بَيْنَ السَّابِقِ وَالْمَسْبُوقِ فَإِذَا تَسَاوَيَا فِيهِ بَطَلَ مَقْصُودُهُ فَلَمْ يَجُزْ وَكَانَ السَّبَقُ مِنْ حَقِّ الْمُصَلِّي الَّذِي سَوَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَابِقِهِ بَاطِلًا وَلَمْ يَبْطُلْ فِي حَقِّ الْأَوَّلِ، وَفِي بُطْلَانِهِ فِي حَقِّ مَنْ عَدَاهُ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ فِي الَّذِي بَطَلَ السَّبَقُ فِي حَقِّهِ، هَلْ يَسْتَحِقُّ عَلَى الْبَاذِلِ أُجْرَةَ مِثْلِهِ أَمْ لَا عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ إِنَّهُ لَا أُجْرَةَ لَهُ عَلَى الْبَاذِلِ لِأَنَّ مَنْعَهُ عَائِدٌ عَلَيْهِ، لَا عَلَى الْبَاذِلِ.
فَعَلَى هَذَا يَكُونُ السَّبَقُ فِي حَقِّ مَنْ بَعْدَهُ، بَاطِلًا؛ لِأَنَّهُ يجوز أن يفضلوا به عن من سَبَقَهُمْ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ إنَّ لَهُ عَلَى الْبَاذِلِ أُجْرَةَ مِثْلِهِ، لأن من
اسْتَحَقَّ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ الصَّحِيحِ اسْتَحَقَّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ اعْتِبَارًا بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ عَقْدَيِ الْإِجَارَةِ وَالْجُعَالَةِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ السَّبَقُ فِي حَقِّ مَنْ بَعْدَهُ صَحِيحًا، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا سُمِّيَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ مِثْلِ مَنْ بَطَلَ السَّبَقُ فِي حَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُفَضَّلُوا عَلَيْهِ إِذَا كَانَ مُسْتَحِقًّا بِالْعَقْدِ، وَهَذَا مُسْتَحَقٌّ بِغَيْرِهِ.
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا إِذَا جُعِلَ لِلْأَوَّلِ عَشَرَةٌ، وَلَمْ يُجْعَلْ لِلثَّانِي شَيْئًا، وَجُعِلَ لِلثَّالِثِ خَمْسَةٌ وَلِلرَّابِعِ ثَلَاثَةٌ، وَلَمْ يُجْعَلْ لِمَنْ بَعْدَهُمْ شَيْئًا، فَالثَّانِي خَارِجٌ مِنَ السَّبَقِ لِخُرُوجِهِ مِنَ الْبَدَلِ وَمِنْ قِيَامِ مَنْ بَعْدَهُ مَقَامَهُ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَقُومُ الثَّالِثُ مَقَامَ الثَّانِي، وَيَقُومُ الرَّابِعُ مَقَامَ الثَّالِثِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ وُجُودُهُ بِالْخُرُوجِ مِنَ السَّبْقِ كَعَدَمِهِ، فَعَلَى هَذَا يَصِحُّ السَّبْقُ فِيهَا، بِالْمُسَمَّى لَهُمَا بَعْدَ الْأَوَّلِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُمْ يَتَرَتَّبُونَ عَلَى التَّسْمِيَةِ وَلَا يَكُونُ خُرُوجُ الثَّانِي مِنْهُمْ بِالْحُكْمِ مُخْرِجًا لَهُ مِنَ الثَّالِثِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ السَّبْقُ فِيهَا بَاطِلًا، لِتَفْضِيلِهَا عَلَى السَّابِقِ لَهُمَا، وَهَلْ يَكُونُ لَهُمَا أُجْرَةُ مِثْلِهَا أَمْ لَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْوَجْهَيْنِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يُبْذَلَ الْعِوَضُ لِجَمَاعَتِهِمْ، وَلَا يُخَلَّى آخِرُهُمْ مِنْ عِوَضٍ، فَيُنْظَرَ، فَإِنْ سَوَّى فِيهِمْ بَيْنَ سَابِقٍ وَمَسْبُوقٍ كَانَ السَّبَقُ بَاطِلًا، وَكَانَ الْحُكْمُ فِيهِ عَلَى مَا قَدَّمْنَا، وَإِنْ لَمْ يُسَاوِ بَيْنَ السَّابِقِ وَالْمَسْبُوقِ، وَفَضَّلَ كُلَّ سَابِقٍ عَلَى كُلِّ مَسْبُوقٍ، حَتَّى يَجْعَلَ مُسْتَأْخِرَهُمْ أَقَلَّهُمْ سَهْمًا، فَفِي السَّبَقِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ جَائِزٌ اعْتِبَارًا بِالتَّفَاضُلِ فِي السَّبَقِ، فَعَلَى هَذَا يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا سُمِّيَ لَهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ السَّبَقَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ تكافؤوا فِي الْأَخْذِ، وَإِنْ تَفَاضَلُوا فِيهِ، فَعَلَى هَذَا هَلْ يَكُونُ بَاطِلًا فِي حَقِّ الْآخَرِ وَحْدَهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ بَاطِلٌ فِي حَقِّهِ وحده؛ لأن بِالتَّسْمِيَةِ لَهُ فَسَدَ السَّبَقُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَكُونُ بَاطِلًا فِي حُقُوقِ جَمَاعَتِهِمْ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ الْعَقْدِ مُرْتَبِطٌ بِآخِرِهِ، وَهَلْ يَسْتَحِقُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أُجْرَةَ مِثْلِهِ أَمْ لَا عَلَى الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، فَهَذَا حُكْمُ السَّبَقِ الْأَوَّلِ.
(مَسْأَلَةٌ:)
قَالَ الشافعي: " وَالثَّانِي يَجْمَعُ وَجْهَيْنِ وَذَلِكَ مِثْلُ الرَّجُلَيْنِ يُرِيدَانِ أن يستبقا بفرسيهما ولا يريد كل واحدٍ منهما أن يسبق صاحبه ويخرجان سبقين فلا يجوز إلا بالمحلل وهو أن يجعل بينهما فرساً ولا يجوز حتى يكون فرساً كفؤاً للفرسين لا يأمنان أن يسبقهما ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا هُوَ السَّبْقُ الثَّانِي مِنَ الْأَسْبَاقِ الثَّلَاثَةِ وَهُوَ: أَنْ يَسْتَبِقَ الرَّجُلَانِ، وَيُخْرِجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَبَقًا مِنْ مَالِهِ يَأْخُذُهُ السَّابِقُ مِنْهُمَا، وَهَذَا لَا يَصِحُّ، حَتَّى يُوَكِّلَا بَيْنَهُمَا مُحَلِّلًا، لَا يُخْرِجُ شَيْئًا، وَيَأْخُذُ إِنْ سَبَقَ وَلَا يُعْطَى إِنْ سُبِقَ لِنَصٍّ وَمَعْنًى.
أَمَّا النَّصُّ، فَمَا رَوَاهُ سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَهُوَ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ، فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَمَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَهُوَ يُؤْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ، فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ الْقِمَارُ ".
وَأَمَّا الْمَعْنَى، فَهُوَ أَنَّ إِبَاحَةَ السَّبَقِ مُعْتَبِرَةٌ، بِمَا خَرَجَ عَنْ مَعْنَى الْقِمَارِ هُوَ الَّذِي لَا يَخْلُو الدَّاخِلُ فِيهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ غَانِمًا إِنْ أَخَذَ أَوْ غَارِمًا إِنْ أَعْطَى، فَإِذَا لَمْ يَدْخُلْ بَيْنَهُمَا مُحَلِّلٌ كَانَتْ هَذِهِ حَالَهَا، فَكَانَ قِمَارًا، وَإِذَا دَخَلَ بَيْنَهُمَا مُحَلِّلٌ غَيْرُ مُخْرِجٍ يأخذان سَبَقَ وَلَا يُعْطَى إِنْ سُبِقَ خَرَجَ عَنْ مَعْنَى الْقِمَارِ فَحَلَّ.
وَهَذَا الدَّاخِلُ يُسَمَّى مُحَلِّلًا؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ صَحَّ بِهِ، فَصَارَ حَلَالًا وَيُسَمِّيهِ أَهْلُ السَّبَقِ، مَيْسِرًا، وَيَصِحُّ الْعَقْدُ بِهِ بِأَرْبَعَةِ شُرُوطٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ فَرَسُهُ كُفُؤًا لِفَرَسَيْهِمَا، أو أكفأ منهما، لا يَأْمَنَانِ أَنْ يَسْبِقَهُمَا، فَإِنْ كَانَ فَرَسُهُ أَدْوَنَ مِنْ فَرَسَيْهِمَا، وَهُمَا يَأْمَنَانِ أَنْ يَسْبِقَهُمَا لَمْ يَصِحَّ لِلنَّصِّ، وَلِأَنَّ دُخُولَهُ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَا يَسْبِقُ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ مِنْ أَخْذِ السَّبَقِ.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمُحَلِّلُ غَيْرَ مُخْرِجٍ لِشَيْءٍ وَإِنْ قَلَّ، فَإِنْ أَخْرَجَ شَيْئًا خَرَجَ عن حكم المحلل، مصار فِي حُكْمِ الْمُسْتَبِقِ.
وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَأْخُذَ إِنْ سَبَقَ، فَإِنْ شُرِطَ أَنْ لَا يَأْخُذَ لَمْ يَصِحَّ.
وَالشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ فَرَسُهُ مُعَيَّنًا عِنْدَ الْعَقْدِ، لِدُخُولِهِ فِيهِ كَمَا يَلْزَمُ تَعْيِينُ فُرْسِ الْمُسْتَبِقَيْنِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُعَيَّنِ بَطَلَ.
(فَصْلٌ:)
فَإِذَا صَحَّ الْعَقْدُ بِالْمُحَلِّلِ عَلَى اسْتِكْمَالِ شُرُوطِهِ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَمَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ أَنَّ الْمُحَلِّلَ دَخَلَ لِيُحَلِّلَ الْعَقْدَ وَيُحَلِّلَ الْأَخْذَ، فَيَأْخُذَ إِنْ سَبَقَ، وَيُؤْخَذَ بِهِ إِنْ سُبِقَ.
وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ خَيْرَانَ مِنْ أَصْحَابِهِ إِنَّ الْمُحَلِّلَ دَخَلَ لِتَحَلُّلِ الْعَقْدُ وَيَأْخُذُ وَلَا يُؤْخَذُ بِهِ وَهَذَا خَطَأٌ، لِأَنَّ التَّحْرِيضَ الْمَقْصُودَ بِاسْتِفْرَاهِ الْخَيْلِ، وَمُعَاطَاةِ الْفُرُوسِيَّةِ غَيْرُ مَوْجُودٍ وَإِذَا لَمْ يُؤْخَذْ بِالسَّبَقِ شَيْءٌ فَيَصِيرُ مَانِعًا مِنَ السَّبَقِ، وَإِذَا أُخِذَ بِهِ صَارَ بَاعِثًا عَلَيْهِ وَهَذَا يَتَّضِحُ فِي التَّفْرِيعِ الَّذِي نَذْكُرُهُ من بعد.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَيُخْرِجُ كُلُّ واحدٍ مِنْهُمَا مَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ يَتَوَاضَعَانِهِ عَلَى يَدَيْ رجلٍ يَثِقَانِ بِهِ أَوْ يَضْمَنَانِهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَلِصِحَّةِ الْعَقْدِ بَيْنَهُمَا مَعَ دُخُولِ الْمُحَلِّلِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ وَهُوَ السَّبَقُ الَّذِي بَذَلَاهُ مَعْلُومًا إِمَّا مُعَيَّنًا أَوْ مَوْصُوفًا، فَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّ الْأَعْوَاضَ فِي الْعُقُودِ لَا تَصِحُّ إِلَّا مَعْلُومَةً.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَتَسَاوَيَا فِي جِنْسِهِ وَنَوْعِهِ وَقَدْرِهِ، فَإِنِ اخْتَلَفَا فِيهِ أَوْ تَفَاضَلَا لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّهُمَا لَمَّا تَسَاوَيَا فِي الْعَقْدِ وَجَبَ أَنْ يَتَسَاوَيَا فِي بَذْلِهِ.
وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ فَرَسُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُعَيَّنًا، فَإِنْ أُبْهِمَ وَلَمْ يُعَيَّنْ بَطَلَ.
وَالشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ مَدَى سَبْقِهِمَا مَعْلُومًا، وَالْعِلْمُ له أَنْ يَكُونَ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ إِمَّا بِتَعْيِينِ الِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ، وَمَعْلُومًا بِالتَّعْيِينِ دُونَ الْمَسَافَةِ كَالْإِجَارَةِ الْمُعَيَّنَةِ، وَإِمَّا لِمَسَافَةٍ يَتَّفِقَانِ عَلَيْهَا مَذْرُوعَةٍ بِذِرَاعٍ مَشْهُورٍ كَالْإِجَارَةِ الْمَضْمُونَةِ، فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى مَوْضِعٍ مِنَ الْأَرْضِ ذَرَعَا تِلْكَ الْمَسَافَةَ حَتَّى يُعْرَفَ ابْتِدَاؤُهَا وَانْتِهَاؤُهَا، فَإِنْ أَغْفَلَا ذِكْرَ الْأَرْضِ وَإِنْ كَانَتِ الَّتِي عَقَدَا فِيهَا السَّبْقَ يُمْكِنُ إِجْرَاءُ الْخَيْلِ فِيهَا: فَهِيَ أَخَصُّ الْمَوَاضِعِ بِالسَّبْقِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِجْرَاءُ الْخَيْلِ فِيهَا لِحُزُونَتِهَا وَأَحْجَارِهَا فَأَقْرَبُ الْمَوَاضِعِ إِلَيْهَا مِنَ الْأَرْضِ السَّهْلَةِ.
(فَصْلٌ:)
فَإِذَا صَحَّ الْعَقْدُ بَيْنَهُمَا عَلَى شُرُوطِهِ الْمُعْتَبَرَةِ فِيهَا، وَفِي الْمُحَلِّلِ الدَّاخِلِ بَيْنَهُمَا لَمْ يَخْلُ حَالُهُمَا فِي حَالِ السَّبْقِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى تَرْكِهِ فِي أَيْدِيهِمَا وَيَثِقُ كُلُّ واحدٍ مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ فَيُحْمَلَانِ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يَلْزَمُ إِخْرَاجُ مَالِ السَّبَقِ مِنْ يَدِ أَحَدِهِمَا إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَصِيرَ مَسْبُوقًا، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ بِاسْتِحْقَاقِهِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيةُ: أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى أَمِينٍ قَدْ تَرَاضَيَا بِهِ، فَيُؤْخَذُ مَالُ السَّبَقِ مِنْهُمَا وَيُوضَعُ عَلَى يَدِهِ، وَيَعْزِلُ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَتِهِ، وَلَا يَخْلِطُهُ، فَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا سُلِّمَ إِلَيْهِ مَالُهُ، وَمَالُ الْمَسْبُوقِ، فَإِنْ سَبَقَ الْمُحَلِّلُ سُلِّمَ إِلَيْهِ مَالُ السَّبَقَيْنِ وَلَمْ يَكُنْ لِلْأَمِينِ أجرةٌ عَلَى السَّابِقِ، وَلَا عَلَى الْمَسْبُوقِ إِلَّا عَنْ شَرْطٍ فَإِنْ كَانَتْ لَهُ أُجْرَةٌ فِي عُرْفِ الْمُتَسَابِقَيْنِ، فَمَنْ حَمَلَهُ عَلَى عُرْفِهِمْ فِيهِ مَعَ عَدَمِ الشَّرْطِ وَجْهَانِ مِنِ اخْتِلَافِهِمْ فِيمَنِ اسْتَعْمَلَ خَيَّاطًا أَوْ قَصَّارًا، فَعَمِلَا بِغَيْرِ شَرْطٍ هَلْ يَسْتَحِقُّ مِثْلَهُ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ: أَنَّ الْأَمِينَ يَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ مِثْلِهِ إِذَا حُكِمَ لِلصَّانِعِ بِالْأُجْرَةِ، وَتَكُونُ عَلَى الْمُسْتَبِقَيْنِ لَا يَخْتَصُّ بِهَا السابق منهما، لأنهما أُجُرَةٌ عَلَى حِفْظِ الْمَالَيْنِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا أُجْرَةَ لَهُ وَإِنْ جَرَى بِهَا الْعُرْفُ إِذَا لَمْ يُحْكَمَ لِلصَّانِعِ بالأجرة.
والحالة الثَّالِثَةُ: أَنْ يَخْتَلِفَا فَاخْتِلَافُهُمَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَخْتَلِفَا فِي اخْتِيَارِ الْأَمِينِ مَعَ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى إِخْرَاجِهِ مِنْ أَيْدِيهِمَا، فَيَخْتَارُ الْحَاكِمُ لَهُمَا أَمِينًا يَقْطَعُ بِهِ تَنَازُعَهُمَا، وَهَلْ يَكُونُ إِجْبَارُهُ مَقْصُورًا عَلَى مَنْ تَنَازَعَا فِيهِ، أَوْ يَكُونُ عَلَى الْعُمُومِ فِي النَّاسِ كُلِّهِمْ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
- أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَقْصُورًا عَلَى اخْتِيَارِ أَحَدِ الْأَمِينَيْنِ اللَّذَيْنِ وَقَعَ التَّنَازُعُ فِيهِمَا، لِانْصِرَافِ الْمُتَسَابِقَيْنِ عَنِ اخْتِيَارِ غَيْرِهِمَا.
- وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَامًّا فِي اخْتِيَارِ مَنْ رَآهُ مِنْ جَمِيعِ الْأُمَنَاءِ، لِأَنَّ تَنَازُعَهُمَا قَدْ رَفَعَ حُكْمَ اخْتِيَارِهِمَا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَخْتَلِفَا فِي إِخْرَاجِهِ مِنْ أَيْدِيهِمَا، فَيَقُولَ أَحَدُهُمَا: يَكُونُ مَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا فِي يَدِهِ.
وَيَقُولَ الْآخَرُ: بَلْ يَكُونُ مَوْضُوعًا عَلَى يَدِ أَمِينَيْنِ، وَعَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ يُعْتَبَرُ مَالُ السَّبَقِ فَإِنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ، فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ مَنْ دَعَا إِلَى إِقْرَارِهِ مَعَهُ، لِأَنَّ الْعَقْدَ عَلَى الذِّمَّةِ، وَلَا يُؤْخَذُ إِلَّا بِاسْتِحْقَاقٍ وَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا، فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ مَنْ دَعَا إِلَى وَضْعِهِ عَلَى يَدِ أَمِينٍ لِتَعْيِينِ الْحَقِّ فِيهِ، وَأَنَّهُ لَا يُوصَلُ إليه من غيره.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَيَجْرِي بَيْنَهُمَا الْمُحَلِّلِ فَإِنْ سَبَقَهُمَا كَانَ السَّبَقَانِ لَهُ وَإِنْ سَبَقَ أَحَدَهُمَا الْمُحَلِّلُ أَحْرَزَ السَّابِقُ مَالَهُ وَأَخَذَ سَبَقَ صَاحِبِهِ وَإِنْ أَتَيَا مُسْتَوِيَيْنِ لَمْ يَأْخُذْ أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ شَيْئًا ".
قَالَ الماوردي: وهذه صَحِيحٌ: يَجِبُ أَنْ يُجْرِيَ الْمُحَلِّلُ فَرَسَهُ بَيْنَ فَرَسِ الْمُتَسَابِقَيْنِ، لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ بَيْنَهُمَا لِلتَّحْلِيلِ دَخَلَ بَيْنَهُمَا فِي الْجَرْيِ.
وَالثَّانِي: لِأَنَّهُمَا بِإِخْرَاجِ السَّبَقِ مُتَنَافِرَانِ فَدَخَلَ بَيْنَهُمَا لِيَقْطَعَ تَنَافُرَهُمَا، فَإِنْ لَمْ يَتَوَسَّطْهُمَا، وَعَدَلَ إِلَى يَمِينٍ أَوْ يَسَارٍ جَازَ وَإِنْ أَسَاءَ إِذَا تَرَاضَيَا بِهِ الْمُسْتَبِقَانِ، فَإِنْ لَمْ يَتَرَاضَيَا إِلَّا بِأَنْ يجري فرسه بينهما منع من العدول عن تَوَسُّطِهِمَا إِلَى يَمِينٍ أَوْ يَسَارٍ، لِأَنَّهُ تبعٌ لهما، فَكَانَ أَمْرُهُمَا عَلَيْهِ أَمْضَى، فَإِنْ رَضِيَ أَحَدُهُمَا بِعُدُولِهِ عَنِ التَّوَسُّطِ وَلَمْ يَرْضَ بِهِ الْآخَرُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ دَعَا إِلَى التَّوَسُّطِ دُونَ الِانْحِرَافِ، لِأَنَّهُ أَعْدَلُ بَيْنَهُمَا وَأَمْنَعُ مِنْ تَنَافُرِهِمَا، فَإِنْ رَضِيَا بِانْحِرَافِهِ عَنِ التَّوَسُّطِ بَيْنَهُمَا، وَدَعَا أَحَدَهُمَا إِلَى أَنْ يَكُونَ
مُتَيَامِنًا، وَدَعَا الْآخَرُ إِلَى أَنْ يَكُونَ مُتَيَاسِرًا لَمْ يُعْمَلْ عَلَى قَوْلِ واحدٍ مِنْهُمَا، وَجُعِلَ وَسَطًا بَيْنَهُمَا، لِأَنَّهُ الْعَدْلُ الْمَقْصُودُ وَالْعُرْفُ الْمَعْهُودُ، وَهَذَا حُكْمُ مَوْضِعِ الْمُحَلِّلِ.
فَأَمَّا الْمُسْتَبِقَانِ فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى الْمُتَيَامِنِ مِنْهُمَا وَالْمُتَيَاسِرِ حُمِلَا عَلَى اتِّفَاقِهِمَا وَإِنِ اخْتَلَفَا فِيهِ يقُرِعَ بَيْنَهُمَا وَأُوقِفَ كل واحدٍ منهما في وضع قرعته مع يَمِينٍ أَوْ شِمَالٍ.
(فَصْلٌ:)
وَإِذَا اسْتَقَرَّتْ بَيْنَهُمَا مَعَ الْمُحَلِّلِ فِي الْجَرْيِ، فَيُخْتَارُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَنْتَهِي إِلَيْهِ السَّبْقُ، وَهُوَ غَايَةُ الْمَدَى قَصَبٌ قَدْ غُرِزَتْ فِي الْأَرْضِ تُسَمِّيهَا الْعَرَبُ قَصَبَ السَّبْقِ، لِيَحُوزَهَا السَّابِقُ مِنْهُمْ، فَيَقْلَعَهَا حَتَّى يَعْلَمَ بِسَبْقِهِ الدَّانِي وَالْقَاصِي، فَيَسْقُطَ بِهِ الِاخْتِلَافُ، وَرُبَّمَا كَرَّ بِهَا رَاجِعًا يَسْتَقْبِلُ بِهَا الْمَسْبُوقِينَ إِذَا كَانَ مُفَضَّلًا فِي السَّبْقِ مُتَبَاهِيًا فِي الْفُرُوسِيَّةِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلِلْمُتَسَابِقِينَ وَالْمُحَلِّلِ سَبْعَةُ أَحْوَالٍ:
إِحْدَاهَا: أَنْ يَنْتَهُوا إِلَى الْغَايَةِ عَلَى سَوَاءٍ لَا يَتَقَدَّمُهُمْ أَحَدُهُمْ: فَلَيْسَ فيهم سابق ولا مسبوق، فيجوز كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَسَابِقِينَ سَبَقَ نَفْسِهِ، وَلَا يُعْطِي وَلَا يَأْخُذُ، وَلَا شَيْءَ لِلْمُحَلِّلِ لِأَنَّهُ لم يسبق.
والحالة الثَّانِيةُ: أَنْ يَسْبِقَ الْمُخْرِجَانِ، فَيَصِلَا مَعًا عَلَى سواء، ويتأخر المحلل عنهما، فيجوز كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُخْرِجَيْنِ سَبَقَ نَفْسِهِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي السَّبَقِ وَلَا شَيْءَ لِلْمُحَلِّلِ، لِأَنَّهُ مَسْبُوقٌ.
والحالة الثَّالِثَةُ: أَنْ يَسْبِقَ الْمُحَلِّلُ، وَيَأْتِيَ الْمُخْرِجَانِ بِهِ بَعْدَهُ عَلَى سَوَاءٍ أَوْ تَفَاضُلٍ، فَيَسْتَحِقَّ الْمُحَلِّلُ سَبَقَيِ الْمُخْرِجَيْنِ لِسَبْقِهِ لَهُمَا.
وَهَذِهِ الْأَحْوَالُ الثَّلَاثُ ليس يختلف فيها المذهب.
والحالة الرَّابِعَةُ: أَنْ يَسْبِقَ أَحَدُ الْمُخْرِجَيْنِ ثُمَّ يَأْتِيَ بعده المحلل والمخرج الآخر على سواء، فيجوز السَّابِقُ سَبَقَ نَفْسِهِ، فَأَمَّا سَبْقُ الْمَسْبُوقِ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَكُونُ لِلسَّابِقِ الْمُخْرِجِ، لِأَنَّ دُخُولَ الْمُحَلِّلِ عَلَى مَذْهَبِهِ لِتَحْلِيلِ الْأَخْذِ بِهِ، فَيَأْخُذُ إِنْ كَانَ سَابِقًا، وَيُؤْخَذُ بِهِ إِنْ كَانَ مَسْبُوقًا، وَقَدْ حَصَلَ السَّبَقُ لِغَيْرِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَحَقَّ بِأَخْذِهِ، فَيَكُونَ جَمِيعُهُ لِلْمُخْرِجِ السَّابِقِ.
وَعَلَى مَذْهَبِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ خَيْرَانَ أَنْ دخول المحلل ليأخذ ولا يؤخذ به، يكون سِبَقُ الْمُتَأَخِّرِ مِنَ الْمُخْرِجَيْنِ مُقِرًّا عَلَيْهِ، لَا يَسْتَحِقُّهُ السَّابِقُ مِنَ الْمُخْرِجَيْنِ لِأَنَّهُ يُعْطِي وَلَا يَأْخُذُ، وَلَا يَسْتَحِقُّهُ الْمُحَلِّلُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ.
وَالْحَالُ الْخَامِسَةُ: أَنْ يَسْبِقَ الْمُحَلِّلُ وَأَحَدُ الْمُخْرِجَيْنِ على سواء، يجوز السَّابِقُ مِنَ الْمُخْرِجَيْنِ سَبَقَ نَفْسِهِ، وَيَكُونُ مَالُ الْمُخْرِجِ الْمَسْبُوقِ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ بَيْنَ
الْمُخْرِجِ السَّابِقِ وَالْمُحَلِّلِ، وَعَلَى مَذْهَبِ ابْنِ خَيْرَانِ يكون جميعه للمحلل دون المخرج السابق.
والحالة السَّادِسَةُ: أَنْ يَسْبِقَ أَحَدُ الْمُخْرِجَيْنِ ثُمَّ الْمُحَلِّلُ بَعْدَهُ ثُمَّ الْمُخْرِجُ الْآخَرُ بَعْدَ الْمُحَلِّلِ، فَعَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ يَكُونُ مَالُ الْمَسْبُوقِ لِلْمُخْرِجِ الْأَوَّلِ لِسَبْقِهِ، وَعَلَى مَذْهَبِ ابْنِ خَيْرَانِ لِلْمُحَلِّلِ دُونَ السابق.
والحالة السابعة: يَسْبِقُ أَحَدُ الْمُخْرِجَيْنِ ثُمَّ يَتْلُوهُ الْمُخْرِجُ الثَّانِي، وَيَتَأَخَّرُ عَنْهَا الْمُحَلِّلُ: فَعَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ: يَسْتَحِقُّ السَّابِقُ مَالَ الْمَسْبُوقِ، وَعَلَى مَذْهَبِ ابْنِ خَيْرَانِ لَا يَسْتَحِقُّهُ السَّابِقُ، لِأَنَّهُ لَا يَأْخُذُ، وَلَا يَسْتَحِقُّهُ الْمُحَلِّلُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ، وَيَكُونُ مُقِرًّا عَلَى الْمَسْبُوقِ، ثُمَّ عَلَى قِيَاسِ هَذَا فِي اعتبار المذهبين.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَالسَّبْقُ أَنْ يَسْبِقَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ وَأَقَلُّ السَّبْقِ أَنْ يَسْبِقَ بِالْهَادِي أَوْ بَعْضِهِ أَوْ بِالْكَتَدِ أَوْ بَعْضِهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَالسَّبْقُ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا بِأَقْدَامٍ مَشْرُوطَةٍ كَاشْتِرَاطِهِمَا السَّبْقَ بِعَشَرَةِ أَقْدَامٍ، وَلَا يَتِمُّ السَّبَقُ إِلَّا بِهَا، وَلَوْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا بِتِسْعَةِ أَقْدَامٍ لَمْ يَكُنْ سَابِقًا فِي اسْتِحْقَاقِ الْبَدَلِ، وَإِنْ كَانَ سَابِقًا فِي الْعَمَلِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُطْلَقًا بِغَيْرِ شَرْطٍ فَيَكُونُ سَابِقًا بِكُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: " أَوَّلُ السَّبْقُ أَنْ يَسْبِقَ بِالْهَادِي أَوْ بَعْضِهِ أَوْ كَالْكَتَدِ أَوْ بَعْضِهِ ".
فَأَمَّا الْهَادِي فَهُوَ الْعُنُقُ، وَأَمَّا الْكَتَدُ يُقَالُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِهَا وَالْفَتْحُ أَشْهَرُ وَفِيهِ تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ الْكَتِفُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَا بَيْنَ أَصْلِ الْعُنُقُ وَالظَّهْرِ، وَهُوَ مُجْتَمَعُ الْكَتِفَيْنِ فِي مَوْضِعِ السَّنَامِ مِنَ الْإِبِلِ، فَجَعَلَ الشَّافِعِيُّ أَقَلَّ السَّبْقِ بِالْهَادِي وَالْكَتَدِ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: أَقَلُّ السَّبْقِ بِالرَّأْسِ، وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: أَقَلُّ السَّبَقِ بِالْأُذُنِ اسْتِدْلَالًا بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " بُعِثْتُ وَالسَّاعَةَ كَفَرَسَيْ رهانٍ كَادَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَسْبِقَ الْآخَرَ بِأُذُنِهِ ". وَالْمَقْصُودُ بِهَذَا الْخَبَرِ ضَرْبُ الْمَثَلِ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالَغَةِ، وَلَيْسَ بِحَدٍّ لِسَبْقِ الرِّهَانِ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " من بنى لله بيتاً ولو كمفحص قطاةٍ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ " وَإِنْ كَانَ بَيْتٌ لَا يُبْنَى كَمِفْحَصِ الْقَطَاةِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُعْتَبَرْ بِالْأُذُنِ كَمَا قَالَ الْمُزَنِيُّ، وَلَا بِالرَّأْسِ كَمَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، لِأَنَّ مِنَ الْخَيْلِ مَا يُزْجِى أُذُنَهُ، وَرَأْسَهُ، فَيَطُولُ وَمِنْهَا مَا
يَرْفَعُهُ، فَتَقْصُرُ فَلَمْ يَدُلُّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى التَّقْدِيمِ، وَإِذَا سَقَطَ اعْتِبَارُهَا ثَبَتَ اعْتِبَارُ الْهَادِي وَالْكَتَدِ، وَلَوِ اعْتُبِرَ السَّبْقُ بِأَيْدِيهِمَا، فَأَيُّهُمَا تَقَدَّمَتْ يَدَاهُ وَهُوَ السَّابِقُ كَانَ عِنْدِي أَصَحُّ، لِأَنَّ السَّعْيَ بِهِمَا وَالْجَرْيَ عَلَيْهِمَا، لَكِنَّ الشَّافِعِيَّ اعْتَبَرَهُ بِالْهَادِي وَالْكَتَدِ.
فَأَمَّا السَّبْقُ بِالْكَتَدِ فَمُتَحَقِّقٌ، سَوَاءٌ اتَّفَقَ الْفَرَسَانِ فِي الطُّولِ وَالْقِصَرِ أَوْ تَفَاضَلَا.
وَأَمَّا السَّبْقُ بِالْهَادِي، وَهُوَ الْعُنُقُ، فَلَا يَخْلُو حَالُ الْفَرَسَيْنِ أَنْ يَتَسَاوَيَا فِيهِ أَوْ يَتَفَاضَلَا، فَإِنْ تَسَاوَيَا فِي طُولِهِ أَوْ قِصَرِهِ، فَأَيُّهُمَا سَبَقَ بِالْعُنُقِ كَانَ سَابِقًا، وَإِنْ تَفَاضَلَا فِي طُولِهِ أَوْ قِصَرِهِ، فَإِنْ سَبَقَ بِالْعُنُقِ أَقْصَرُهُمَا عُنُقًا كَانَ سَابِقًا، وَإِنْ سَبَقَ بِالْعُنُقِ أَطْوَلُهُمَا عُنُقًا لَمْ يَكُنْ سَابِقًا إِلَّا أَنْ يَنْضَافَ لِسَبْقٍ بِكَتَدِهِ، لِأَنَّهُ سَبَقَهُ بِعُنُقِهِ إِنَّمَا كَانَ لِطُولِهِ لَا لِزِيَادَةِ جَرْيِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كان السبق بالكتد صحيحاً م اخْتِلَافِ الْخِلْقَةِ، فَلِمَ اعْتُبِرَ بِالْعُنُقِ الَّذِي يَخْتَلِفُ حُكْمُهَا بِاخْتِلَافِ الْخِلْقَةِ.
قِيلَ: لِأَنَّ السَّبْقَ بِالْكَتَدِ يَتَحَقَّقُ لِلْقَرِيبِ دُونَ الْبَعِيدِ، وَالسَّبْقُ بِالْعُنُقِ يُشَاهِدُهُ، وَيَتَحَقَّقُهُ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ، وَرُبَّمَا دَعَتِ الضَّرُورَةُ إِلَيْهِ لِيُشَاهِدَهُ شُهُودُ السَّبْقِ فَشَهِدُوا بِهِ لِلسَّابِقِ شُهُودًا يُسْتَوْقَفُونَ عِنْدَ الْغَايَةِ لِيَشْهَدُوا لِلسَّابِقِ عَلَى الْمَسْبُوقِ، فلو سبق أحدهما عند الغاية بهادي أَوْ كَتَدِهِ ثُمَّ جَرَيَا بَعْدَ الْغَايَةِ، فَتَقَدَّمَ المسبوق بعدها على السابق بهاديه أَوْ كَتَدِهِ كَانَ السَّبْقُ لِمَنْ سَبَقَ عِنْدَ الْغَايَةِ دُونَ مَنْ سَبَقَ بَعْدَهَا، لِأَنَّ مَا يُجَاوِزُ الْغَايَةَ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْعَقْدِ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ، وَهَكَذَا لَوْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْغَايَةِ ثُمَّ سَبَقَ الْآخَرُ عِنْدَ الْغَايَةِ كَانَ السَّبْقُ لِمَنْ سَبَقَ عِنْدَ الْغَايَةِ دُونَ مَنْ سَبَقَ قَبْلَهَا لِاسْتِقْرَارِ الْعَقْدِ عَلَى السَّبْقِ إِلَيْهَا.
(مَسْأَلَةٌ:)
قال الشافعي: " وسواءٌ لَوْ كَانُوا مِائَةً وَأَدْخَلُوا بَيْنَهُمْ مُحَلِّلًا فَكَذَلِكَ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، لِأَنَّ كَثْرَةَ الْمُتَسَابِقِينَ لَا يُوجِبُ كَثْرَةَ الْمُحَلِّلِينَ، لِأَنَّ دُخُولَ الْمُحَلِّلِ لِيَكُونَ فِيهِمْ مَنْ يَأْخُذُ وَلَا يُعْطِي حَتَّى يَصِيرَ خَارِجًا مِنْ ذِكْرِ الْقِمَارِ، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي دُخُولِ الْوَاحِدِ بَيْنَ مِائَةِ مُتَسَابِقٍ، وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَكْثُرَ الْمُحَلِّلُونَ إِذَا كَثُرَ الْمُتَسَابِقُونَ، لِيَكُونَ مِنَ الْقِمَارِ أَبْعَدَ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْ حُكْمِ الْقِمَارِ بِالْوَاحِدِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ دَخَلَ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ مُحَلِّلَانِ فَأَكْثَرُ كَانَ جَائِزًا وَإِنْ عُقِدَ السَّبَقُ بِالْمُحَلِّلِ عَلَى شرطٍ فاسدٍ أَوْجَبَ سُقُوطَ الْمُسَمَّى فِيهِ ثُمَّ سَبَقَ أَحَدُهُمَا نُظِرَ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُحَلِّلُ، اسْتَحَقَّ أُجْرَةَ مِثْلِهِ عَلَى الْمُتَسَابِقَيْنِ تَكُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ يَسْتَوِي فِي الْتِزَامِهَا مَنْ تَقْدَمُ مِنْهُمَا، وَمَنْ تَأَخَّرَ وَيَسْتَحِقُّهَا وَجْهًا وَاحِدًا لِأَنَّهُ مَعَهُمَا كَالْأَجِيرِ وَإِنْ سَبَقَ أَحَدُ الْمُخْرِجَيْنِ فَلَا شَيْءَ لِلْمُحَلِّلِ، وَهَلْ يَسْتَحِقُّ السَّابِقُ عَلَى الْمُتَأَخِّرِ أُجْرَةَ مِثْلِهِ أَمْ لَا؟ عَلَى مَا قَدَّمْنَا مِنَ الوجهين.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَالثَّالِثُ أَنْ يَسْبِقَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَإِنْ سَبَقَهُ صَاحِبُهُ أَخَذَ السَّبَقَ وَإِنْ سَبَقَ صَاحِبُهُ أَحْرَزَ سَبَقَهُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا هُوَ السَّبْقُ الثَّالِثُ مِنَ الْأَسْبَاقِ الثَّلَاثَةِ، وَهُوَ أَنْ يَسْتَبِقَ الرَّجُلَانِ عَلَى أَنْ يُخْرِجَ أَحَدُهُمَا مَالَ السَّبَقِ دُونَ الْآخَرِ، فَإِنْ سَبَقَ مُخْرِجُ الْمَالِ أَحْرَزَ مَالَ نَفْسِهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمَسْبُوقِ، فَإِنْ سَبَقَ غَيْرُ الْمُخْرِجِ أَخَذَ مَالَ الْمُخْرِجِ، وَهَذَا سَبْقٌ جَائِزٌ لِأَنَّهُ يَصِيرُ غَيْرُ الْمُخْرِجِ مِنْهُمَا مُحَلِّلًا، فَصَارَ بِهِ خَارِجًا مِنْ حُكْمِ الْقِمَارِ.
وَهَكَذَا لَوْ كَانُوا ثَلَاثَةً، وَأَخْرَجَ مَالَ السَّبَقِ، مِنْهُمْ، اثْنَانِ أَوْ عَشَرَةٌ، فَأَخْرَجَ مَالَ السَّبَقِ مِنْهُمْ تسعةٌ صَحَّ وَكَانَ غَيْرُ الْمُخْرِجِ كَالْمُحَلِّلِ.
فَإِنْ تَسَابَقَ الرَّجُلَانِ يُخْرِجُ أَحَدُهُمَا الْمَالَ دُونَ الْآخَرِ عَلَى شرطٍ فَسَدَ بِهِ الْعَقْدُ بَيْنَهُمَا ثُمَّ سَبَقَ أَحَدُهُمَا نُظِرَ.
فَإِنْ كَانَ السَّابِقُ مُخْرِجَ الْمَالِ، فَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى الْمَسْبُوقِ لِدُخُولِهِ فِي الْعَقْدِ عَلَى غَيْرِ بَدَلٍ، وَإِنْ سَبَقَ غير المخرج نفس استحقاقه أجرة مثله على المسبوق المخرج وجهان مضيا.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَلَا يَجُوزُ السَّبْقُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْغَايَةُ الَّتِي يَخْرُجَانِ مِنْهَا وَيَنْتَهِيَانَ إِلَيْهَا وَاحِدَةً ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ: لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ السَّبْقِ مِنْ مَسَافَةِ السِّبَاقِ ثَلَاثَةَ شُرُوطٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ مَسَافَةُ السَّبْقِ مَعْلُومَةَ الِانْتِهَاءِ فَيَشْتَرِطَانِ، الْجَرْيَ مِنِ ابتداءٍ مَعْلُومٍ إِلَى غَايَةٍ مَعْلُومَةٍ، لأنه من عقود المعاوضات المحروسة بالابتداء من الجهالة، فإن استسقا عَلَى غَيْرِ غَايَةٍ عَلَى أَنَّ أَيَّهُمَا سَبَقَ صَاحِبَهُ كَانَ سَابِقًا مِنْ قَرِيبِ الْمَدَى وَبِعِيدِهِ لَمْ يَجُزْ لِعِلَّتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنَّ مِنَ الْخَيْلِ مَنْ يَشْتَدُّ جَرْيُهُ فِي الِابْتِدَاءِ، وَيَضْعُفُ فِي الِانْتِهَاءِ وَهُوَ عِتَاقُهَا، وَمِنْهَا مَا يَضْعُفُ فِي الِابْتِدَاءِ وَيَشْتَدُّ فِي الِانْتِهَاءِ، وَهُوَ هِجَانُهَا، وَلَا يَتَحَقَّقُ السَّابِقُ مِنْهُمَا مَعَ جَهَالَةِ الْمَدَى.
وَالثَّانِي: أَنْ يُفْضِيَ ذَلِكَ مِنْهُمَا إِلَى إِجْرَاءِ الْخَيْلِ حَتَّى تَنْقَطِعَ، وَتَهْلِكَ طَلَبًا لِلسَّبْقِ فَمُنِعَ مِنْهُ، فأما الرمي إذا عقد بين المترامين على أن أَيَّهُمَا أَبْعَدُ سَهْمًا، فَهُوَ فَاضِلٌ فَفِي صِحَّتِهِ وجهان:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ كَالسَّبْقِ بِالْخَيْلِ حَتَّى يَعْقِدَ عَلَى عَدَدِ الْإِصَابَةِ دُونَ بُعْدِ الْمَدَى.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَصِحُّ أَنْ يُعْقَدَ عَلَى بُعْدِ المدى كما يصح أن يعقد على عَدَدُ الْإِصَابَةِ، لِأَنَّ كُلَّ واحدٍ مِنْ بُعْدِ الْمَدَى، وَمِنَ الْإِصَابَةِ مُؤَثِّرٌ فِي الْعَقْدِ، فَصَحَّ الْعَقْدُ عَلَيْهِمَا، وَلَا يُؤَثِّرُ فِي الْعَقْدِ الْإِفْرَاهُ الْخَيْلَ بِالسَّبْقِ إِلَى غَايَةٍ فَافْتَرَقَا.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الْمَسَافَةُ الْمَشْرُوطَةُ مُسَمَّاةً يُمْكِنُ أَنْ يَنْتَهِيَ شَوْطُ الْفَرَسِ إِلَيْهَا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ فِي الْعُرْفِ، فَإِنْ زَادَتْ حَتَّى لَا يَنْتَهِيَ شَوْطُهُ إِلَيْهَا إِلَّا مُنْقَطِعًا لَمْ تَجُزْ لِتَحْرِيمِ ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِهِمَا وَأَنَّ الِانْتِهَاءَ إِلَيْهَا مُمْتَنِعٌ، فَإِنْ كَانَتْ مَسَافَةُ السَّبْقِ تَنْتَهِي إِلَيْهَا هِجَانُ الْخَيْلِ الشَّدِيدَةِ دُونَ عِتَاقِهَا الضَّعِيفَةِ جَازَ الِاسْتِبَاقُ إِلَيْهَا بِالْهِجَانِ دُونَ الْعِتَاقِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ مَسَافَةً يَنْتَهِي إِلَيْهَا شَوْطُ الْإِبِلِ دُونَ الْخَيْلِ جَازَ الِاسْتِبَاقُ إِلَيْهَا بِالْإِبِلِ دُونَ الْخَيْلِ.
وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَتَسَاوَيَا فِي ابْتِدَاءِ الْجَرْيِ وَانْتِهَائِهِ لِيَكُونَا فِي الْغَايَةِ مُتَسَاوِيَيْنِ، وَلَا يَفْضُلُ أَحَدُهُمَا بِشَيْءٍ فِي الِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ، وَإِنْ فَضَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بِشَيْءٍ، وَإِنْ قَلَّ فَسَدَ السَّبْقُ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالسَّبْقِ الْعِلْمُ بِأَفْرَهِ الْفَرَسَيْنِ وَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ مَعَ التَّفْضِيلِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
(فَصْلٌ:)
وَإِذَا عَثَرَ أَحَدُ الْفَرَسَيْنِ أَوْ سَاخَتْ قَوَائِمُهُ فِي الْأَرْضِ، فسَبْقِ الْآخَرِ لَمْ يُحْتَسَبْ لَهُ بِالسَّبْقِ، لِأَنَّ الْعَثْرَةَ أَخَّرَتْهُ، وَلَوْ كَانَ الْعَاثِرُ هُوَ السَّابِقَ احْتُسِبَ سَبْقُهُ، لِأَنَّهُ إِذَا سَبَقَ مَعَ الْعَثْرَةِ كَانَ بَعْدَهَا أَسْبَقَ، وَلَوْ وَقَفَ أَحَدُ الْفَرَسَيْنِ بَعْدَ الْجَرْيِ حَتَّى وَصَلَ الْآخَرُ إِلَى غَايَتِهِ كَانَ مَسْبُوقًا إِنْ وَقَفَ لِغَيْرِ مَرَضٍ، وَلَا يَكُونُ مَسْبُوقًا إِنْ وَقَفَ لِمَرَضٍ فَأَمَّا إِنْ وَقَفَ قَبْلَ الْجَرْيِ لَمْ يَكُنْ مَسْبُوقًا سَوَاءٌ وَقَفَ لِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِ مَرَضٍ، لِأَنَّهُ بَعْدَ الجري مشارك - والله أعلم -.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَالنِّضَالُ فِيمَا بَيْنَ الرُّمَاةِ كَذَلِكَ فِي السَّبْقِ وَالْعِلَلِ يَجُوزُ فِي كُلِّ واحدٍ مِنْهُمَا مَا يَجُوزُ فِي الْآخَرِ ثُمَّ يَتَفَرَّعَانِ فَإِذَا اخْتَلَفَتْ عِلَلُهُمَا اخْتَلَفَا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا السِّبَاقُ فَاسْمٌ يَشْتَمِلُ عَلَى الْمُسَابَقَةِ بِالْخَيْلِ حَقِيقَةً وَعَلَى الْمُسَابَقَةِ بِالرَّمْيِ مَجَازًا، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا اسْمٌ خَاصٌّ: فَتَخْتَصُّ الْخَيْلُ بِالرِّهَانِ، وَيَخْتَصُّ الرَّمْيُ بِالنِّضَالِ.
- فَأَمَّا قَوْلُهُمْ: سَبَّقَ فُلَانٌ بِتَشْدِيدِ الْبَاءِ فَمِنْ أَسْمَاءِ الْأَضْدَادِ يُسَمَّى بِهِ مَنْ أَخْرَجَ مَالَ السَّبَقِ، وَيُسَمَّى بِهِ مَنْ أَحْرَزَ مَالَ السَّبَقِ، وَقَدْ مَضَى حُكْمُ السِّبَاقِ بِالْخَيْلِ.
- فَأَمَّا السِّبَاقُ بِالنِّضَالِ فَهُمَا مِنَ الْإِبَاحَةِ سَوَاءٌ، وَالْخِلَافُ فِيهِمَا وَاحِدٌ، وقد تقدم
الدَّلِيلُ عَلَيْهِمَا، وَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ هَاهُنَا كَلَامًا اشْتَمَلَ عَلَى أَرْبَعَةِ فُصُولٍ: أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ: " وَالنِّضَالُ فِيمَا بَيْنَ الرُّمَاةِ كَذَلِكَ فِي السَّبْقِ وَالْعِلَلِ " يُرِيدُ بِهَذَا الْفَصْلِ أَمْرَيْنِ:
- أَحَدُهُمَا: جَوَازُ النِّضَالِ بِالرَّمْيِ كَجَوَازِ السِّبَاقِ بِالْخَيْلِ.
وَالثَّانِي: اشْتِرَاكُهُمَا فِي التَّعْلِيلِ لِإِرْهَابِ الْعَدُوِّ بِهِمَا، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (الأنفال: 60) . وَالْفَصْلُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: " يَجُوزُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يَجُوزُ فِي الْآخَرِ " يُرِيدُ بِهَذَا أَنَّ الْأَسْبَاقَ فِي النِّضَالِ ثَلَاثَةٌ كَمَا كَانَتِ الْأَسْبَاقُ فِي الْخَيْلِ ثَلَاثَةً: أَحَدُهَا: أَنْ يُخْرِجَ الْوَالِي مَالَ السَّبَقِ فَيَجُوزَ كَجَوَازِهِ فِي الْخَيْلِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُخْرِجَهُ الْمُتَنَاضِلَانِ، فَلَا يَجُوزَ حَتَّى يَدْخُلَ بَيْنَهُمَا مُحَلِّلٌ يَكُونُ رَمْيُهُ كَرَمْيِهِمَا أَوْ أَرَمَى مِنْهُمَا، كَمَا لَا يَجُوزُ فِي الْخَيْلِ إِلَّا مُحَلِّلٌ يَكُونُ فَرَسُهُ كُفُؤًا لِفَرَسَيْهِمَا أَوْ أَكْفَأَ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُخْرِجَهُ أَحَدُ الْمُتنَاضِلَيْنِ، فَيَجُوزُ كَمَا يَجُوزُ فِي الْخَيْلِ إِذَا أَخْرَجَهُ أَحَدُ الْمُتَسَابِقَيْنِ.
وَالْفَصْلُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ: " ثُمَّ يَتَفَرَّعَانِ " يُرِيدُ بِهِ أَمْرَيْنِ: - أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْأَصْلَ فِي سِبَاقِ الْخَيْلِ الْفَرَسُ وَالرَّاكِبُ تَبَعٌ، وَالْأَصْلَ فِي النِّضَالِ الرَّامِي، وَالْآلَةُ تَبَعٌ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِي سِبَاقِ الْخَيْلِ فَرَاهَةُ الْفَرَسِ، وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يُبْدِلَهُ بِغَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ وَيَجُوزُ أَنْ يُبْدِلَ الرَّاكِبَ بِغَيْرِهِ.
وَالْمَقْصُودُ فِي النِّضَالِ حِذْقُ الرَّامِي، وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يُسْتَبْدَلَ بِغَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ، وَيَجُوزُ أَنْ يُبَدِّلَ آلَتَهُ بِغَيْرِهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ فِي النِّضَالِ مِنْ تَفْرِيعِ الْمَرْمَى بِالْمُبَادَرَةِ وَالْمُخَاطَبَةِ مَا لَا يَتَفَرَّعُ فِي سِبَاقِ الْخَيْلِ.
وَالْفَصْلُ الرَّابِعُ: قَوْلُهُ: " فَإِذَا اخْتَلَفَتْ عِلَلُهُمَا اخْتَلَفَا " يُرِيدُ بِهِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ فِي سِبَاقِ الْخَيْلِ الْفَرَسَ دُونَ الرَّاكِبِ لَزِمَ تَعْيِينُ الْفَرَسِ، وَلَمْ يَلْزَمْ تَعْيِينُ الرَّاكِبِ، وَمَتَى مَاتَ الْفَرَسُ بَطَلَ السَّبْقُ وَلَا يَبْطُلُ بِمَوْتِ الرَّاكِبِ إِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ الْعَاقِدُ، وَفِي بُطْلَانِهِ بِمَوْتِ الْعَاقِدِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَبْطُلُ بِمَوْتِهِ إِذَا قِيلَ: إِنَّهُ كَالْإِجَارَةِ.
وَالثَّانِي: يَبْطُلُ بِمَوْتِهِ إِذَا قِيلَ: إِنَّهُ كَالْجِعَالَةِ وَلَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ فِي النِّضَالِ الرَّامِي دُونَ الْآلَةِ لَزِمَ تَعْيِينُ الرَّامِي، وَلَمْ يَلْزَمْ تَعْيِينُ الْآلَةِ، وَبَطَلَ النِّضَالُ إِذَا مَاتَ الرَّامِي، وَلَمْ يَبْطُلْ إِذَا انْكَسَرَ الْقَوْسُ، فَقَدِ اخْتَلَفَ حُكْمُهُمَا كما اختلفت عللهما.
(مسألة:)
قال الشافعي: " فَإِذَا سَبَقَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ وَجَعَلَا بَيْنَهُمَا قَرَعًا مَعْلُومًا فجائزٌ أَنْ يَشْتَرِطَا مُحَاطَّةً أَوْ مُبَادَرَةً ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ عَقْدَ الرَّامِي مُعْتَبَرٌ بعشرة شروط: أحدها: أن يكون الراميين مُتَعَيِّنَيْنِ، لِأَنَّ الْعَقْدَ عَلَيْهِمَا وَالْمَقْصُودَ بِهِ حِذْقُهُمَا، فَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنَا بَطَلَ الْعَقْدُ سَوَاءٌ وُصِفَا أو لو يُوصَفَا كَمَا لَوْ أُطْلِقَ فِي السَّبَقِ الْفَرَسَانِ، فَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنَا كَانَ بَاطِلًا، وَلَا يَلْزَمُ تَعْيِينُ الْآلَةِ، وَلِكُلِّ واحدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَرْمِيَ عَنْ أَيِّ قَوْسٍ شَاءَ وَبِأَيِّ سَهْمٍ أَحَبَّ، فَإِنْ عُيِّنَتِ الْآلَةُ لَمْ يَتَعَيَّنْ وَبَطَلَتْ فِي التَّعْيِينِ، فإِنْ قِيلَ: فَيَرْمِي عَنْ هَذَيْنِ الْقَوْسَيْنِ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي الْعَقْدِ جَازَ لَهُمَا الرَّمْيُ عَنْهُمَا، وَبِغَيْرِهِمَا، وَإِنْ قِيلَ: عَلَى أَنْ لَا يَرْمِيَ عَنْ هَذَيْنِ الْقَوْسَيْنِ كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا، لِأَنَّهُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ صِفَةٌ، وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي شَرْطٌ.
(فَصْلٌ:)
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَدَدُ الرَّمْيِ مَعْلُومًا، لِأَنَّ الْعَمَلُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ لِيَكُونَ غَايَةُ رَمْيِهِمَا فِيهِ مُنْتَهِيًا إِلَيْهِ، وَيُسَمَّى الرَّشْقَ: يُقَالُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَبِكَسْرِهَا، فَالرَّشْقُ بِفَتْحِ الرَّاءِ هُوَ الرَّمْيُ، وَالرِّشْقُ بِكَسْرِ الرَّاءِ عَدَدُ الرَّمْيِ، وَعُرْفُ الرُّمَاةِ فِي الرَّمْيِ أَنْ يَكُونَ مِنْ عِشْرِينَ إِلَى ثَلَاثِينَ فَإِنْ عُقِدَ لَهُ عَلَى أَقَلَّ مِنْهَا أَوْ أَكْثَرَ جَازَ.
(فَصْلٌ:)
وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ عَدَدُ الْإِصَابَةِ مِنَ الرَّشْقِ مَعْلُومًا لِيُعْرَفَ بِهِ النَّاضِلُ مِنَ الْمَنْضُولِ، وَأَكْثَرُ مَا يَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَطَ فِيهِ الْإِصَابَةُ، فَأُنْقِصَ مِنْ عَدَدِ الرَّشْقِ الْمَشْرُوطِ بِشَيْءٍ وَإِنْ قَلَّ لِيَكُونَ مُتَلَافِيًا لِلْخَطَأِ الَّذِي يَتَعَذَّرُ أَنْ يَسْلَمَ مِنْهُ الْمُتَنَاضِلَانِ، فَقَدْ قِيلَ: إِنَّ أَحْذَقَ الرُّمَاةِ فِي الْعُرْفِ مَنْ أَصَابَ مِنَ الْعَشَرَةِ ثَمَانِيَةً، فَإِنْ شُرِطَ إِصَابَةُ الْكُلِّ مِنَ الْكُلِّ بَطَلَ، لِتَعَذُّرِهِ فِي الْأَغْلَبِ، وَإِنْ شُرِطَا إِصَابَةُ ثَمَانِيَةٍ مِنَ الْعَشَرَةِ جَازَ، فَإِنْ شُرِطَا إِصَابَةُ تِسْعَةٍ مِنَ الْعَشَرَةِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ لِبَقَاءِ سَهْمِ الْخَطَأِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ لِأَنَّ إِصَابَتَهُ نَادِرَةٌ.
فَأَمَّا أَقَلُّ مَا يُشْتَرَطُ فِي الْإِصَابَةِ فَهُوَ مَا يَحْصُلُ فِيهِ الْقَاصْدُ، وَهُوَ مَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدِ، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأُمِّ عَلَى مَسْأَلَةٍ، فَقَالَ: " فَلَوْ تَنَاضَلَا عَلَى أَنَّ الرَّشْقَ عَشَرَةٌ وَالْإِصَابَةَ مِنْ تِسْعَةٍ لَمْ يَجُزْ " وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَأْوِيلِهَا عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: تَأْوِيلُهَا أَنْ يُشْتَرَطَ إِصَابَةُ تِسْعَةٍ مِنْ عَشَرَةٍ فَيَبْطُلَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
وَالثَّانِي: تَأْوِيلُهَا أَنْ يُشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَ الرشق عشرة، والإصابة محتسبة في تسعة ودون الْعَاشِرِ فَيَبْطُلَ وَجْهًا وَاحِدًا لِاسْتِحْقَاقِ الْإِصَابَةِ فِي جَمِيعِ الرَّشْقِ بِهِ، فَإِنْ أَغْفَلَا عَدَدَ الْإِصَابَةِ وَعَقَدَاهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ النَّاضِلُ مِنْهُمَا أَكْثَرَهُمَا إصابة، ففيه وجهان:
أحدهما: من التعليلين في اشتراط فعله في سباق الخيل إِذَا عَقَدَاهُ إِلَى غَيْرِ غَايَةٍ لِيَكُونَ السَّابِقُ مَنْ تَقَدَّمَ فِي أَيِّ غَايَةٍ كَانَتْ، وَهُوَ بَاطِلٌ فِي الْخَيْلِ لِعِلَّتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: إنَّ مِنَ الْخَيْلِ مَا يَقْوَى جَرْيُهُ فِي ابْتِدَائِهِ، وَتَضْعُفُ فِي انْتِهَائِهِ وَمِنْهَا مَا هُوَ بِضِدِّهِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ النِّضَالُ عَلَى كَثْرَةِ الْإِصَابَةِ بَاطِلًا، لِأَنَّ مِنَ الرُّمَاةِ مَنْ تَكْثُرُ إِصَابَتُهُ فِي الِابْتِدَاءِ وَتَقِلُّ فِي الِانْتِهَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ بِضِدِّهِ.
وَالتَّعْلِيلُ الثَّانِي: أَنَّ إِجْرَاءَ الْخَيْلِ إِلَى غَيْرِ غَايَةٍ مفضٍ إِلَى انْقِطَاعِهَا، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ النِّضَالُ عَلَى كَثْرَةِ الْإِصَابَةِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مفضٍ إِلَى انْقِطَاعِ الرُّمَاةِ.
(فَصْلٌ:)
وَالشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ مَسَافَةُ مَا بَيْنَ مَوْقِفِ الرَّامِي وَالْهَدَفِ مَعْلُومَةً، لِأَنَّ الْإِصَابَةَ تَكْثُرُ مَعَ قُرْبِ الْمَسَافَةِ، وَتَقِلُّ مَعَ بُعْدِهَا، فَلَزِمَ الْعَمَلُ بِهَا، وَأَبْعَدُهَا فِي الْعُرْفِ ثَلَاثُمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَأَقَلُّهَا مَا يَحْتَمِلُ أَنْ يُصَابَ وَأَنْ لَا يُصَابَ، فَإِنْ أَغْفَلَا مَسَافَةَ الرَّمْيِ، فَلَهَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ:
إِحْدَاهَا: أَنْ لَا يَكُونَ لِلرُّمَاةِ هَدَفٌ مَنْصُوبٌ، وَلَا لَهُمْ عُرْفٌ مَعْهُودٌ، فَيَكُونُ الْعَقْدُ بَاطِلًا لِلْجَهْلِ بِمَا تَضَمَّنَهُ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةِ: أَنْ يَكُونَ لِلرُّمَاةِ الْحَاضِرِينَ هَدَفٌ مَنْصُوبٌ، وَلِلرُّمَاةِ فِيهِ مَوْقِفٌ مَعْرُوفٌ، فَيَصِحَّ الْعَقْدُ وَيَكُونَ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْهَدَفِ الْحَاضِرِ مِنَ الْمَوْقِفِ الْمُشَاهَدِ، وَالرُّمَاةُ يُسَمُّونَ مَوْقِفَ الرَّامِي الْوَجْهَ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ لَا يَكُونَ لَهُمْ هَدَفٌ مَنْصُوبٌ وَلَكِنْ لَهُمْ فِيهِ عُرْفٌ مَعْهُودٌ، فَفِيهِ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: يَصِحُّ الْعَقْدُ مَعَ الْإِطْلَاقِ، وَيُحْمَلَانَ فِيهِ عَلَى الْعُرْفِ الْمَعْهُودِ كَمَا يُحْمَلُ إِطْلَاقُ الْأَثْمَانِ عَلَى غَالِبِ النَّقْدِ الْمَعْهُودِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْعَقْدَ بَاطِلٌ، لِأَنَّ حَذْفَ الرُّمَاةِ يَخْتَلِفُ، فَاخْتَلَفَ لِأَجْلِهِ حُكْمُ الْهَدَفِ فَلَمْ يَصِحَّ حتى يوصف.
(فَصْلٌ:)
وَالشَّرْطُ الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ الْغَرَضُ مِنَ الْهَدَفِ مَعْلُومًا، لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ بِالْإِصَابَةِ.
أَمَّا الْهَدَفُ فَهُوَ تُرَابٌ يُجْمَعُ أَوْ حَائِطٌ يُبْنَى، وَأَمَّا الْغَرَضُ فَهُوَ جِلْدٌ أَوْ شَيْءٌ بالٍ يُنْصَبُ فِي الْهَدَفِ، وَيُخْتَصُّ بِالْإِصَابَةِ، وَرُبَّمَا جُعِلَ فِي الْغَرَضِ دَارَةٌ كَالْهِلَالِ تُخْتَصُّ بِالْإِصَابَةِ مِنْ جُمْلَةِ الْغَرَضِ، وَهِيَ الْغَايَةُ فِي الْمَقْصُودِ مِنْ حِذْقَ الرُّمَاةِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَالْعِلْمُ بِالْغَرَضِ يَكُونُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: مَوْضِعُهُ مِنَ الْهَدَفِ فِي ارْتِفَاعِهِ وَانْخِفَاضِهِ، لِأَنَّ الْإِصَابَةَ فِي الْمُنْخَفِضِ أَكْثَرُ مِنْهَا فِي الْمُرْتَفِعِ.
وَالثَّانِي: قَدْرُ الْغَرَضِ فِي ضِيقِهِ وَسَعَتِهِ، لِأَنَّ الْإِصَابَةَ فِي الْوَاسِعِ أَكْثَرُ مِنْهَا فِي الضَّيِّقِ، وَأَوْسَعُ الْأَغْرَاضِ فِي عرف الرماة ذراع، وأقله أربع أَصَابِعَ.
وَالثَّالِثُ: قَدْرُ الدَّارَةِ مِنَ الْغَرَضِ إِنْ شُرِطَتِ الْإِصَابَةُ بِهَا.
(فَصْلٌ:)
وَالشَّرْطُ السَّادِسُ: أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ الْإِصَابَةِ مَعْلُومًا هَلْ هُوَ فِي الْهَدَفِ أَوْ فِي الْغَرَضِ أَوْ فِي الدَّارَةِ؟ لِأَنَّ الْإِصَابَةَ فِي الْهَدَفِ أَوْسَعُ، وَفِي الْغَرَضِ أَوْسَطُ، وَفِي الدَّارَةِ أَضْيَقُ، وَإِنْ أُغْفِلَ ذَلِكَ كَانَ جَمِيعُ الْغَرَضِ مَحَللًّا لِلْإِصَابَةِ، لِأَنَّ مَا دُونَهُ تَخْصِيصٌ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ فَهُوَ بِالْغَرَضِ مَخْصُوصٌ.
فَإِنْ كَانَتِ الْإِصَابَةُ مَشْرُوطَةً فِي الْهَدَفِ سَقَطَ اعْتِبَارُ الْغَرَضِ، وَلَزِمَ وَصْفُ الْهَدَفِ فِي طُولِهِ وَعَرْضِهِ، وَإِنْ شُرِطَتِ الْإِصَابَةُ فِي الْغَرَضِ سَقَطَ اعْتِبَارُ الْهَدَفِ، وَلَزِمَ وَصْفُ الْغَرَضِ وَإِنْ شُرِطَتِ الْإِصَابَةُ فِي الدَّارَةِ سَقَطَ اعْتِبَارُ الْغَرَضِ وَلَزِمَ وَصْفُ الدَّارَةِ.
(فَصْلٌ:)
وَالشَّرْطُ السَّابِعُ أَنْ تَكُونَ الْإِصَابَةُ مَوْصُوفَةً بِقَرْعٍ أَوْ خَزْقٍ أَوْ خَسْقٍ.
- فَالْقَارِعُ: مَا أَصَابَ الْغَرَضَ، وَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ.
- وَالْخَازِقُ: مَا ثَقَبَ الْغَرَضَ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ.
- وَالْخَاسِقُ: مَا ثَبَتَ مِنَ الْغَرَضِ بَعْدَ أَنْ ثَقَبَ.
وَلَا يُحْتَسَبُ بِالْقَارِعِ فِي الْخَزْقِ وَالْخَسْقِ، وَيُحْتَسَبُ بِالْخَاسِقِ فِي الْقَرْعِ، وَلَا يُحْتَسَبُ بِهِ فِي الْخَسْقِ، وَيُحْتَسَبُ بِالْخَازِقِ فِي الْقَرْعِ وَالْخَزْقِ، وَيَنْطَلِقُ عَلَى جَمِيعِ هَذِهِ الْإِصَابَاتِ اسْمُ الْخَوَاصِلِ وَهُوَ جَمْعُ خِصَالٍ، فَإِنْ أُغْفِلَ هَذَا الشَّرْطُ كَانَتِ الْإِصَابَةُ مَحْمُولَةً عَلَى الْقَرْعِ، لِأَنَّ مَا عَدَاهُ زِيَادَةٌ.
(فَصْلٌ:) وَالشَّرْطُ الثَّامِنُ: أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْإِصَابَةِ مَعْلُومًا هَلْ هُوَ مُبَادَرَةٌ أَوْ مُحَاطَّةٌ لِأَنَّ حُكْمَ كُلِّ واحدٍ مِنْهُمَا مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الْآخَرِ، وَالْمُبَادَرَةُ أَنْ يُبَادِرَ أَحَدُهُمَا إلى
اسْتِكْمَالِ إِصَابَتِهِ فِي أَقَلِّ الْعَدَدَيْنِ عَلَى مَا سَنَصِفُهُ.
- وَالْمُحَاطَّةُ أَنْ يُحَطَّ أَقَلُّ الْإِصَابَتَيْنِ مِنْ أَكْثَرِهِمَا، وَيَكُونَ الْبَاقِي بَعْدَهَا هُوَ الْعَدَدَ الْمَشْرُوطَ عَلَى مَا سَنَشْرَحُهُ، فَإِنْ أَغْفَلَا ذَلِكَ وَمَا يَشْتَرِطَاهُ فَسَدَ الْعَقْدُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلرُّمَاةِ عُرْفٌ مَعْهُودٌ بِأَحَدِهِمَا، وَفِي فَسَادِهِ إِنْ كَانَ لَهُمْ عُرْفٌ مَعْهُودٌ وَجْهَانِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
(فَصْلٌ:)
وَالشَّرْطُ التَّاسِعُ: أَنْ يَكُونَ الْمَالُ الْمُخْرَجُ فِي النِّضَالِ مَعْلُومًا، لِأَنَّهُ عِوَضٌ فِي عَقْدٍ، وَيُسَمَّى هَذَا الْمَالُ الْمُخْرَجُ السَّبَقَ بِفَتْحِ الْبَاءِ، وَيُسَمَّى الْخَطَرَ، وَيُسَمَّى النَّدَبَ، وَيُسَمَّى الْوَجَبَ: وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ أَسْمَائِهِ، فَإِنْ أُغْفِلَ ذِكْرُ الْغَرَضِ كَانَ بَاطِلًا، وَلَا شَيْءَ لِلنَّاضِلِ إِذَا نَضَلَ، وَإِنْ جُهِلَ الْغَرَضُ كَانَ الْعَقْدُ بَاطِلًا، وَفِي اسْتِحْقَاقِهِ لِأُجْرَةِ مِثْلِهِ إِذَا نَضَلَ وَجْهَانِ:
(فَصْلٌ:)
وَالشَّرْطُ الْعَاشِرُ: أَنْ يُذْكَرَ الْمُبْتَدِئُ مِنْهُمَا بِالرَّمْيِ، وَكَيْفِيَّةُ الرَّمْيِ هَلْ يَتَرَامَيَانِ سَهْمًا وَسَهْمًا أَوْ خَمْسًا وَخَمْسًا، لِيَزُولَ التَّنَازُعُ وَيَعْمَلَ كُلُّ وَاحِدٍ منهما على شرطه، فإن أغفل ذكر المبتدئ مِنْهُمَا بِالرَّمْيِ، فَفِي الْعَقْدِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: بَاطِلٌ.
وَالثَّانِي: جَائِزٌ.
وَفِي الْمُبْتَدِئِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: مُخْرِجُ الْمَالِ.
وَالثَّانِي: مَنْ قَرَعَ.
وَإِنْ أُغْفِلَ عَدَدُ مَا يَرْمِيهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي بَدْئِهِ فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ، وَيَحْمِلَانِهِ عَلَى عُرْفِ الرُّمَاةِ إِنْ لَمْ يَخْتَلِفْ، فَإِنِ اخْتَلَفَ عُرْفُهُمْ رَمَيَا سَهْمًا، فَهَذِهِ عَشَرَةُ شُرُوطٍ يُعْتَبَرُ بِهَا عَقْدُ الْمُنَاضَلَةِ.
فَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ
(ال
ْمَسْأَلَةِ:)
" وكذلك لو سَبَقَ أَحَدُهُمَا قَرَعًا مَعْلُومًا "، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مُرَادِهِ بِالْقَرَعِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْمَالَ وَيَكُونُ مِنْ أَسْمَائِهِ كَالْوَجَبِ وَالنَّدَبِ وَالْخَطَرِ - ذَكَرَهُ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفِرَايِينِيُّ، وَحَكَاهُ عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي قَوْلِ أَصْحَابِنَا إِنَّهُ أَرَادَ صِفَةَ الْإِصَابَةِ أَنَّهَا قَرْعٌ لَا خَزْقٌ وَلَا خَسْقٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ أَرَادَ بِالْقَرَعِ الرَّشْقَ فِي عَدَدِ الرَّمْيِ، وَلَهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ حُكْمٌ بَيَّنَّاهُ - وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ -.
(مسألة:)
قال الشافعي: " فَإِنِ اشْتَرَطَا مُحَاطَّةً فَكُلَّمَا أَصَابَ أَحَدُهُمَا وَأَصَابَ الْآخَرُ بِمِثْلِهِ أَسْقَطَا الْعَدَدَيْنِ وَلَا شيءٍ لواحدٍ مِنْهُمَا وَيَسْتَأْنِفَانِ وَإِنْ أَصَابَ أَقَلَّ مِنْ صَاحِبِهِ حَطَّ مِثْلَهُ حَتَّى يَخْلُصَ لَهُ فَضْلُ الْعَدَدِ الَّذِي شَرَطَ فَيَنْضُلَهُ بِهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ النِّضَالَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مُحَاطَّةٌ وَمُبَادَرَةٌ، فبدأ الشَّافِعِيُّ بِذِكْرِ الْمُحَاطَّةِ، لِأَنَّهَا كَانَتْ غَالِبَ الرَّمْيِ فِي زَمَانِهِ، وَقِيلَ إِنَّهُ كَانَ رَامِيًا يُصِيبُ مِنَ الْعَشَرَةِ ثَمَانِيَةً فِي الْغَالِبِ وَهِيَ عَادَةُ حُذَّاقِ الرُّمَاةِ.
فَإِذَا عَقَدَا سَبَقَ النِّضَالِ عَلَى إِصَابَةِ خَمْسَةٍ مِنْ عِشْرِينَ مُحَاطَّةً وَرِمَايَةً وَجَبَ أَنْ تُحَطَّ أَقَلُّ الْإِصَابَتَيْنِ فِي أَكْثَرِهِمَا وَيُنْظَرَ فِي الْبَاقِي بَعْدَ الْحَطِّ، فَإِنْ كَانَ خَمْسَةً، فَهُوَ الْقَدْرُ الْمَشْرُوطُ فَيَصِيرُ صَاحِبُهُ بِهِ نَاضِلًا.
وَإِنْ كَانَ الْبَاقِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ لَمْ يَنْضُلْ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ أَصَابَةً لِنُقْصَانِهِ مِنَ الْعَدَدِ الْمَشْرُوطِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُ حَالُهُمَا بَعْدَ الرَّمْيِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَتَسَاوَيَا فِي الْإِصَابَةِ أَوْ يَتَفَاضَلَا.
- فَإِنْ تَسَاوَيَا فِي الْإِصَابَةِ، فَأَصَابَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَشْرًا عَشْرًا أَوْ خَمْسًا خَمْسًا، قَالَ الشَّافِعِيُّ: " فَلَا شَيْءَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَليَسْتَأْنِفَانِ "، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في مراده بقوله: " وليستأنفان " عَلَى وَجْهَيْنِ حَكَاهُمَا ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ:
أَحَدُهُمَا: يَسْتَأْنِفَانِ الرَّمْيَ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّ عَقْدَ الْمُحَاطَّةِ مَا أَوْجَبَ حَطَّ الْأَقَلِّ مَن الْأَكْثَرِ وَلَيْسَ مَعَ التَّسَاوِي عَقْدُ حَطٍّ، فَخَرَجَ مِنْ عَقْدِ الْمُحَاطَّةِ، فَلِذَلِكَ اسْتَأْنَفَا الرَّمْيَ لِيَصِيرَ مَا يَسْتَأْنِفَانِهِ فِي عُقُودِ الْمُحَاطَّةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ أَرَادَ بِهِمَا يَسْتَأْنِفَانِ عَقْدًا مُسْتَجَدًّا إِنْ أَحَبَّا، لِأَنَّ الْعَقْدَ الْوَاحِدَ لَا يَلْزَمُ فِيهِ إِعَادَةُ الرَّمْيِ مَعَ التَّكَافُؤِ كَمَا لَا يَلْزَمُ فِي الْخَيْلِ إِعَادَةُ الْجَرْيِ مَعَ التَّكَافُؤِ وَالَّذِي أَرَاهُ - وَهُوَ عِنْدِي الْأَصَحُّ - أَنْ يُنْظَرَ.
فَإِنْ تَسَاوَيَا فِي الْإِصَابَةِ قَبْلَ الرَّشْقِ اسْتَأْنَفَا الرَّمْيَ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ.
وَإِنْ تَسَاوَيَا فِيهِ بَعْدَ اسْتِكْمَالِ الرَّشْقِ اسْتَأْنَفَاهُ بعقد مستجد إن أحيا، لِأَنَّهُمَا قَبْلَ اسْتِكْمَالِ الرَّشْقِ فِي بَقَايَا أَحْكَامِ الْعَقْدِ وَبَعْدَ اسْتِكْمَالِهِ قَدْ نُقِضَتْ جَمِيعُ أَحْكَامِهِ.
(فَصْلٌ:)
فَإِنْ تَفَاضَلَا فِي الْإِصَابَةِ لَمْ يَخْلُ تَفَاضُلُهُمَا فِيهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَفْضُلَ، وَلَا يَنْضُلَ بِمَا فَضَلَ، وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِطَا إِصَابَةَ خَمْسَةٍ مِنْ عِشْرِينَ مُحَاطَّةً، فَيُصِيبَ أَحَدُهُمَا عَشَرَةَ أَسْهُمٍ، وَيُصِيبَ الْآخَرُ سِتَّةَ أَسْهُمٍ فَتُحَطَّ السِّتَّةُ مِنَ الْعَشَرَةِ، فَيَكُونُ الْبَاقِي مِنْهَا أَرْبَعَةً فَلَا يَنْضُلُ، لِأَنَّ شَرْطَ الْإِصَابَةِ خَمْسَةٌ، وَهَكَذَا لَوْ أَصَابَ أَحَدُهُمَا خَمْسَةَ عَشَرَ، وَأَصَابَ الْآخَرُ أَحَدَ عَشَرَ لَمْ يَنْضُلِ الْفَاضِلُ، لِأَنَّ الباقي له
بعد الخط أَرْبَعَةٌ ثُمَّ عَلَى هَذِهِ الْعِبْرَةِ إِذَا كَانَ الْبَاقِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَنْضُلَ بِمَا فَضَلَ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الرَّشْقِ، وَهُوَ أَنْ يُصِيبَ أَحَدُهُمَا خَمْسَةَ عَشَرَ مِنْ عِشْرِينَ، وَيُصِيبَ الْآخَرُ عَشَرَةً مِنْ عِشْرِينَ، فَيَنْضُلَ الْفَاضِلُ، لِأَنَّهَا إِذَا أُسْقِطَتْ مِنْ إِصَابَتِهِ عَشَرَةٌ كَانَ الْبَاقِي بَعْدَهَا خَمْسَةً، وَهُوَ عَدَدُ النَّضْلِ، وَهَكَذَا لَوْ أَصَابَ أَحَدُهُمَا عَشَرَةً، وَأَصَابَ الْآخَرُ خَمْسَةً كَانَ الْفَاضِلُ نَاضِلًا، لِأَنَّهُ إِذَا أُسْقِطَتِ الْخَمْسَةُ مِنْ إِصَابَتِهِ كَانَ الْبَاقِي بَعْدَهَا خَمْسَةً، وَهُوَ عَدَدُ النَّضْلِ، وَهَكَذَا لَوْ كَانَ الْبَاقِي بَعْدَ الْحَطِّ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةٍ، ثُمَّ عَلَى هَذِهِ الْعِبْرَةِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَنْضُلَ بِمَا فَضَلَ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الرَّشْقِ، وَهُوَ أَنْ يُصِيبَ أَحَدُهُمَا عشرة من خمسة عشرة، ويصيب الآخر خمسة من خمسة عشرة، وَيَكُونُ الْبَاقِي مِنَ الْأَكْثَرِ خَمْسَةً هِيَ عَدَدُ النضل فهو يَسْتَقِرُّ النِّضَالُ بِهَذَا قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الرَّشْقِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَسْتَقِرُّ النَّضْلُ وَيَسْقُطُ بَاقِي الرَّشْقِ، لِأَنَّ مَقْصُودَهُ مَعْرِفَةُ الْأَحْذَقِ، وَقَدْ عُرِفَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: - وَهُوَ الْأَظْهَرُ - أَنَّهُ لَا يَسْتَقِرُّ النَّضْلُ بِهَذِهِ الْمُبَادَرَةِ إِلَى الْعَدَدِ حَتَّى يَرْمِيَا بَقِيَّةَ الرَّشْقِ، لِأَنَّ الْعَقْدَ قَدْ تَضَمَّنَهَا، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُصِيبَ الْمَفْضُولُ جَمِيعَهَا أَوْ أَكْثَرَهَا وَيُخْطِئَ الْفَاضِلُ جَمِيعَهَا أَوْ أَكْثَرَهَا.
وَعَلَى هَذَا يَكُونُ التَّفْرِيعُ، فَإِذَا رَمَيَا بَقِيَّةَ الرَّشْقِ، وَهُوَ الْخَمْسَةُ الْبَاقِيَةُ فَإِنْ أَصَابَ الْمَفْضُولُ جَمِيعَهَا أو أخطأ الفاضل جمعيها، فَقَدِ اسْتَوَيَا وَلَمْ يَنْضُلْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لِأَنَّ إِصَابَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَشَرَةٌ وَإِنْ أَصَابَ الْفَاضِلُ، وَأَخْطَأَ الْمَفْضُولُ جَمِيعَهَا اسْتَقَرَّ فَضْلُ الْفَاضِلِ، لِأَنَّهُ أَصَابَ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنْ عِشْرِينَ، وَأَصَابَ الْمَفْضُولُ خَمْسَةً مِنْ عِشْرِينَ فَكَانَ الْبَاقِي بَعْدَ الْحَطِّ عَشَرَةً هِيَ أَكْثَرُ مِنْ شَرْطِهِ، فَلَوْ أَصَابَ الْفَاضِلُ مِنَ الْخَمْسَةِ الْبَاقِيَةِ سَهْمًا، وَأَصَابَ الْمَفْضُولُ سَهْمَيْنِ لَمْ يَفْضُلِ الْفَاضِلُ، لِأَنَّ عَدَدَ إِصَابَتِهِ أَحَدَ عَشَرَ سَهْمًا، وَعَدَدَ إِصَابَةِ الْمَفْضُولِ سَبْعَةٌ إِذَا حُطَّتْ مِنْ تِلْكَ الْإِصَابَةِ كَانَ الْبَاقِي أَرْبَعَةً وَالشَّرْطُ أَنْ تَكُونَ خَمْسَةً فَلِذَلِكَ لَمْ يَنْضُلْ وَإِنْ فَضَلَ، فَلَوْ أَصَابَ الْفَاضِلُ سَهْمَيْنِ، وَالْمَفْضُولُ سَهْمَيْنِ صَارَ الْفَاضِلُ نَاضِلًا، لِأَنَّهُ أَصَابَ اثْنَيْ عَشَرَة، وَأَصَابَ الْمَفْضُولُ سَبْعَةً لِيَبْقَى لِلْفَاضِلِ بَعْدَ الْحَطِّ خَمْسَةٌ.
وَلَوْ أَصَابَ أَحَدُهُمَا سَبْعَةً مِنْ عَشَرَةٍ وَأَصَابَ الْآخَرُ سَهْمَيْنِ مِنْ عَشَرَةٍ، فَإِذَا رَمَيَا بَقِيَّةَ السِّهَامِ فَإِنْ أَصَابَ الْمَفْضُولُ جَمِيعَهَا، وَأَخْطَأَ الْفَاضِلُ جَمِيعَهَا صَارَ الْأَوَّلُ نَاضِلًا وَالثَّانِي مَنْضُولًا لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَهُ سَبْعَةٌ وَالثَّانِيَ لَهُ اثْنَا عَشَرَ يَبْقَى لَهُ بَعْدَ الْحَطِّ خَمْسَةٌ وَلَوْ أَصَابَ الْأَوَّلُ جَمِيعَهَا، وَأَصَابَ الثَّانِي جَمِيعَهَا كَانَ الْأَوَّلُ نَاضِلًا لِأَنَّ إِصَابَتَهُ سبعة عشر
وَإِصَابَةَ الثَّانِي اثْنَا عَشَرَ، فَإِنْ أَخْطَأَ الْأَوَّلُ فِي سَهْمٍ مِنْ بَقِيَّةِ الرَّشْقِ لَمْ يَفْضُلْ وَلَمْ يَنْضُلْ، وَلَوْ أَصَابَ اثْنَيْ عَشَرَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَأَصَابَ الْآخَرُ سَهْمَيْنِ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ اسْتَقَرَّ النَّضْلُ، وَسَقَطَ بَقِيَّةُ الرَّشْقِ وَجْهًا وَاحِدًا، لِأَنَّ الْمَفْضُولَ لَوْ أَصَابَ جَمِيعَ الْخَمْسَةِ الْبَاقِيَةِ فِي الرَّشْقِ حَتَّى اسْتَكْمَلَ بِمَا تَقَدَّمَ سَبْعَةً كَانَ مَنْضُولًا، لِأَنَّ الْبَاقِيَ لِلْفَاضِلِ بَعْدَ حَطِّهَا خَمْسَةٌ، فَلَمْ يَسْتَفِدْ بِبَقِيَّةِ الرَّمْيِ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ النَّضْلَ، فَسَقَطَ ثَمَّ عَلَى هذه العبرة.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَيَسْتَحِقُّ سَبَقَهُ يَكُونُ مِلْكًا لَهُ يُقْضي بِهِ عليه كالدين يلزمه إن شاء أطعم أصحابه وإن شاء تموله ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا نَضَلَ الرَّامِي مَلَكَ مَالَ النِّضَالِ، وَكَذَلِكَ فِي السَّبَقِ، وَصَارَ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ، فَإِنْ كَانَ عَيْنًا اسْتَحَقَّ أَخْذَهَا وَإِنْ كَانَ دَيْنًا اسْتَوْجَبَ قَبْضَهُ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يُطْعِمَهُ أَصْحَابَهُ مِنْ أَهْلِ النِّضَالِ وَالسِّبَاقِ.
وَحَكَى الشَّافِعِيُّ عَنْ بَعْضِ فُقَهَاءِ الرُّمَاةِ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُطْعِمَهُ أَصْحَابَهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ، وَهَذَا فَاسِدٌ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ كَمَالِ الْإِجَارَةِ أَوْ مَالِ الْجِعَالَةِ، لِأَنَّ عَقْدَهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ هَذَيْنِ الْعَقْدَيْنِ، وَالْعِوَضُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسْتَحَقٌّ يَتَمَلَّكُهُ مُسْتَحِقُّهُ وَلَا تَلْزَمُهُ مُشَارَكَةُ غَيْرِهِ، فَبَطَلَ مَا قَالَهُ الْمُخَالِفُ فِيهِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ مَطَلَ بِهِ الْمَنْضُولُ قَضَى بِهِ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ، وَحَبَسَهُ فِيهِ، وَبَاعَ عَلَيْهِ مِلْكَهُ، وَإِنْ مَاتَ أَوْ أَفْلَسَ ضُرِبَ بِهِ مَعَ غُرَمَائِهِ وَيُقَدَّمُ بِهِ عَلَى ورثته.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَإِنْ أَخَذَ بِهِ رَهْنًا أَوْ ضَمِينًا فجائزٌ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ مَالَ النِّضَالِ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا أَوْ فِي الذِّمَّةِ، فَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا لَمْ يَجُزْ أَخْذُ الرَّهْنِ مِنْهُ، وَلَا الضَّمِينِ لِأَنَّ الْأَعْيَانَ لَا تُسْتَوْفَى مِنْ رَهِينٍ وَلَا ضَامِنٍ، فَلَمْ يَصِحَّ فِيهَا رَهْنٌ وَلَا ضَمَانٌ، وَإِنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ، فَإِنِ اسْتَقَرَّ الْمَالُ بِالْفَلْجِ جَازَ أَخْذُ الرَّهْنِ فِيهِ، وَالضَّمِينِ لِاسْتِقْرَارِهِ فِي الذِّمَّةِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَقِرَّ بِالْفَلْجِ كَانَ أَخْذُ الرَّهْنِ فِيهِ وَالضَّمِينِ مُعْتَبَرًا بِحُكْمِ الْعَقْدِ فِي اللُّزُومِ وَالْجَوَازِ، فَإِنْ قِيلَ بِلُزُومِهِ كَالْإِجَارَةِ جَازَ أَخْذُ الرَّهْنِ فِيهِ، وَالضَّمِينِ كَالْأُجْرَةِ، وَإِنْ قِيلَ بِجَوَازِهِ كَالْجِعَالَةِ، فَفِي جَوَازِ أَخْذِ الرَّهْنِ وَالضَّمِينِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: لَا يَجُوزُ أَخْذُهُمَا مِنْهُ لِأَنَّ الْعِوَضَ فِيهِ غَيْرُ لَازِمٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ فِيهِ لِأَنَّهُ مُفْضٍ إِلَى اللُّزُومِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ فِيهِ الضَّمِينُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ فِيهِ الرَّهْنُ، لِأَنَّ حُكْمَ الضَّمَانِ أَوْسَعُ مِنْ حُكْمِ الرَّهْنِ، كَمَا يَجُوزُ ضَمَانُ الدَّرَكِ، وَلَا يجوز أخذ الرهن فيه.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَلَا يَجُوزُ السَّبَقُ إِلَّا مَعْلُومًا كَمَا لَا يَجُوزُ فِي الْبُيُوعِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ يُرِيدُ بِالسَّبَقِ الْمَالَ الْمُخْرَجَ فِي الْعَقْدِ، فَلَا يَصِحُّ مَعَهُ الْعَقْدُ حَتَّى يَكُونَ مَعْلُومًا مِنْ وَجْهَيْنِ، إِمَّا بِالتَّعْيِينِ كَاسْتِبَاقِهِمَا عَلَى عَيْنٍ شَاهِدٍ، وَإِمَّا بِالصِّفَةِ كَاسْتِبَاقِهِمَا عَلَى مالٍ فِي الذِّمَّةِ، لِأَنَّهُ مِنْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ، فَإِنْ تَسَابَقَا عَلَى مَا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى مَا يَحْكُمُ بِهِ زَيْدٌ كَانَ بَاطِلًا لِلْجَهَالَةِ بِهِ عِنْدَ الْعَقْدِ.
وَلَوْ تَسَابَقَا وَتَنَاضَلَا عَلَى مِثْلِ مَا يُسَابِقُ أَوْ يُنَاضِلُ بِهِ زَيْدٌ وَعَمْرٌو.
فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ عِلْمِهِمَا بِقَدْرِهِ صَحَّ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ عِلْمِهِمَا بِقَدْرِهِ بَطَلَ، وَلَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا فِي ذِمَّةِ الْآخَرِ قَفِيزٌ مِنْ حِنْطَةٍ، فَتَنَاضَلَا عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ الْقَفِيزُ مُسْتَحَقًّا مِنْ سَلَمٍ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ الْمُعَاوَضَةَ عَلَى السَّلَمِ قَبْلَ قَبْضِهِ لَا تَصِحُّ، وَإِنْ كَانَ عَنْ غَصْبٍ صَحَّ، لِأَنَّ الْمُعَاوَضَةَ عَلَيْهِ قَبْلَ قَبْضِهِ تَصِحُّ، وَإِنْ كَانَ مِنْ قَرْضٍ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ مِنَ الْوَجْهَيْنِ فِي صِحَّةِ الْمُعَاوَضَةِ عَلَيْهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَلَوْ تَنَاضَلَا عَلَى دِينَارٍ إِلَّا دَانِقًا صَحَّ، وَلَوْ تَنَاضَلَا عَلَى دِينَارٍ إلا درهماً لم يصح، لأن يكون بالاستثناء مِنْ جِنْسِهِ مَعْلُومًا، وَبِالِاسْتِثْنَاءِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ مَجْهُولًا، وَلَوْ تَنَاضَلَا عَلَى دِينَارٍ مُعَجَّلٍ وَقَفِيزِ حِنْطَةٍ مُؤَجَّلٍ صَحَّ، لِأَنَّهُ عَلَى عِوَضَيْنِ حالٍ وَمُؤَجَّلٍ، وَلَوْ تَنَاضَلَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ النَّاضِلُ دِينَارًا وَيُعْطِيَ دِرْهَمًا لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ النَّاضِلَ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَأْخُذَ وَلَا يُعْطِيَ، وَلَوْ تَنَاضَلَا عَلَى دِينَارٍ بَذَلَهُ أَحَدُهُمَا فَإِنْ نُضِلَ دَفَعَهُ، وَلَمْ يَرْمِ أَبَدًا أَوْ شَهْرًا كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا لِأَنَّهُ قَدْ شَرَطَ فِيهِ الِامْتِنَاعَ، وَهُوَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، فَبَطَلَ وَإِذَا تَنَاضَلَا وَقَدْ فَسَدَ الْعَقْدُ بِمَا ذَكَرْنَا، فَنَضَلَ أَحَدُهُمَا، فَإِنْ كَانَ النَّاضِلُ بَاذِلَ الْمَالِ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمَنْضُولِ، وَإِنْ كَانَ النَّاضِلُ غَيْرَ الْبَاذِلِ فَفِي استحقاقه الأجرة مِثْلِهِ عَلَى الْبَاذِلِ وَجْهَانِ عَلَى مَا مَضَى.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَلَوِ اشْتَرَطَ أَنْ يُطْعِمَ أَصْحَابَهُ كَانَ فَاسِدًا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَالَ السَّبَقِ يملكه الناضل، ويلزمه أَنْ يُطْعِمَهُ أَصْحَابَهُ، فَإِنْ شُرِطَ عَلَيْهِ فِي الْعَقْدِ أَنْ يُطْعِمَهُ أَصْحَابَهُ، وَلَا يَمْلِكَهُ كَانَ الشَّرْطُ فَاسِدًا لِأَنَّهُ يُنَافِي مُوجَبَ الْعَقْدِ، وَفِي فَسَادِ الْعَقْدِ بِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْعَقْدَ يَفْسُدُ بِفَسَادِ الشَّرْطِ كَالْبَيْعِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ لَا يَفْسُدُ بِفَسَادِ هَذَا الشَّرْطِ، لِأَنَّ نَفْعَهُ لَا يَعُودُ عَلَى مُشْتَرِطه وَكَانَ وجوده كعدمه.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَقَدْ رَأَيْتُ مِنَ الرُّمَاةِ مَنْ يَقُولُ صَاحِبُ السَّبَقِ أَوْلَى أَنْ يَبْدَأَ وَالْمُسَبِّقُ لَهُمَا يُبْدِئُ أَيَّهُمَا شَاءَ وَلَا يَجُوزُ فِي الْقِيَاسِ عِنْدِي إِلَّا أَنْ يَتَشَارَطَا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا اشْتِرَاطُ الِابْتِدَاءِ فَهُوَ مُعْتَبَرٌ فِي الرَّمْيِ دُونَ السَّبَقِ لِأَنَّهُمَا فِي السَّبَقِ يَتَسَاوَيَانِ فِي الْجَرْيِ مَعًا لَا يَتَقَدَّمُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ.
وَأَمَّا الرَّمْيُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَبْتَدِئَ بِهِ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ وَلَا يَرْمِيَانِ مَعًا لِاخْتِلَاطِ رَمْيِهِمَا، وَلِمَا يُخَافُ مِنْ تَنَافُرِهِمَا، فَإِنْ شَرَطَا فِي الْعَقْدِ الْبَادِئَ مِنْهُمَا بِالرَّمْيِ كَانَ أَحَقَّهُمَا بِالِابْتِدَاءِ سَوَاءٌ كَانَ الْمُبْتَدِئُ مُخْرِجَ الْمَالِ أَوْ غَيْرَ مُخْرِجِهِ فَإِنْ أَرَادَ بَعْدَ اسْتِحْقَاقِهِ التَّقَدُّمَ أَنْ يَتَأَخَّرَ لَمْ يُمْنَعْ لِأَنَّ التَّقَدُّمَ حَقٌّ لَهُ، وَلَيْسَ يحق عَلَيْهِ وَإِنْ أُغْفِلَ فِي الْعَقْدِ اشْتِرَاطُ الْبَادِئِ بِالرَّمْيِ، فَفِي الْعَقْدِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ الْعَقْدَ بَاطِلٌ لِأَنَّ لِلْبِدَايَةِ تَأْثِيرًا فِي قُوَّةِ النَّفْسِ، وَكَثْرَةِ الْإِصَابَةِ، فَصَارَتْ مَقْصُودَةً، فَبَطَلَ الْعَقْدُ بِإِغْفَالِهَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ، وَإِنْ غُفِلَتْ فِيهِ الْبِدَايَةُ.
وَقَدْ حَكَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ بَعْضِ فُقَهَاءِ الرُّمَاةِ لِأَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِ الرَّمْيِ الَّذِي يُمْكِنُ تَلَافِيهِ بِمَا تَزُولُ التُّهْمَةُ فِيهِ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى عُرْفٍ أَوْ قُرْعَةٍ فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَ مُخْرِجُ الْمَالِ أَحَدَهُمَا كَانَ هُوَ الْبَادِئَ بِالرَّمْيِ اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا وَإِنْ كَانَ بَاذِلُ الْمَالِ غَيْرَهُمَا كَانَ لِمُخْرِجِ الْمَالِ أَنْ يُقَدِّمَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ: أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ كَانَا مُخْرِجَيْنِ لِلْمَالِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا لِتَكَافُئِهُمَا، وَهَلْ يَدْخُلُ الْمُحَلِّلُ فِي قُرْعَتِهِمَا أَوْ يَتَأَخَّرُ عَنْهُمَا عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَتَأَخَّرُ وَلَا يَدْخُلُ فِي الْقُرْعَةِ إِذَا قِيلَ: إِنَّ مُخْرِجَ الْمَالِ يَسْتَحِقُّ التَّقَدُّمَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَدْخُلُ فِي الْقُرْعَةِ وَلَا يَتَأَخَّرُ إِذَا قِيلَ: إِنَّ مُخْرِجَ الْمَالِ لَا يَتَقَدَّمُ إِلَّا بِالْقُرْعَةِ.
(فَصْلٌ:)
قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: " وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ الرُّمَاةِ أَنْ يَكُونَ الرَّامِي الثَّانِي يَتَقَدَّمُ عَلَى الْأَوَّلِ بِخُطْوَةٍ أَوْ خُطْوَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ ". وَهَذَا مُعْتَبَرٌ بِعُرْفِ الرُّمَاةِ وَعَادَتِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً فِيهِ يَفْعَلُونَهُ تَارَةً، وَيُسْقِطُونَهُ أُخْرَى سَقَطَ اعْتِبَارُهُ وَوَجَبَ التَّسَاوِي فِيهِ، وَإِنْ كَانَتْ عَادَتُهُمْ جَارِيَةً لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهَا، فَفِي لُزُومِ اعْتِبَارِهِ بَيْنَهُمَا وجهان: أحدهما: لا يعتبر لوجوب تَكَافُئِهِمَا فِي الْعَقْدِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُصِيبًا بتقدمه لا بحذفه.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِيهِمَا لِأَنَّ الْعُرْفَ فِي الْعُقُودِ كَإِطْلَاقِ الْأَيْمَانِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ لَمْ يَخْتَلِفْ عُرْفُهُمْ فِي عَدَدِ الْأَقْدَامِ حُمِلَا عَلَى الْعُرْفِ فِي عَدَدِهَا لِيَكُونَ الْقُرْبُ بِالْأَقْدَامِ فِي مُقَابَلَةِ قُوَّةِ النَّفْسِ بِالتَّقَدُّمِ.
وَإِنِ اخْتَلَفَ الْعُرْفُ فِي عَدَدِ الْأَقْدَامِ اعْتُبِرَ أَقَلُّ الْعُرْفِ دُونَ أَكْثَرِهِ فَإِنْ تَقَدَّمَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِمَا لَا يَسْتَحِقُّ فَلَمْ يُحْتَسَبْ لَهُ بِصَوَابِهِ، واحتسب عليه بخطئه.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَأيُّهُمَا بَدَأَ مِنْ وجهٍ بَدَأَ صَاحِبُهُ مِنَ الْآخَرِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: عَادَةُ الرُّمَاةِ فِي الْهَدَفِ مُخْتَلِفَةٌ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَكِلَاهُمَا جَائِزٌ.
فَمِنْهُمْ مَنْ يَرْمِي هَدَفَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ، فَيَقِفُ أَحَدُ الْحِزْبَيْنِ فِي هَدَفٍ يَرْمِي مِنْهُ إِلَى الْهَدَفِ الْآخَرِ، وَيَقِفُ الْحِزْبُ الْآخَرُ فِي الْهَدَفِ الْمُقَابِلِ، فَيَرْمِي مِنْهُ إِلَى الْهَدَفِ الْآخَرِ، وَهَذَا أَحَبُّهُمَا إِلَيْنَا مَعَ جَوَازِهِمَا - لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " بَيْنَ الْهَدَفَيْنِ روضةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ " وَلِأَنَّهُ أَقْطَعُ لِلْمُتَنَافِرِ، وَأَقَلُّ لِلتَّعَبِ، فَإِنْ رَمَيَا إِلَى هَدَفَيْنِ كَانَ لِلْمُبْتَدِئِ بِالرَّمْيِ أَنْ يَقِفَ فِي أَيِّ الْهَدَفَيْنِ شَاءَ، وَيَرْمِيَ الْآخَرَ وَيَقِفَ الثَّانِي فِي الْهَدَفِ الثَّانِي، وَيَصِيرُ ذَلِكَ مُسْتَقِرًّا بَيْنَهُمَا إِلَى آخِرِ رَمْيِهِمَا، وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مَنْهُمَا أَنْ يَدْفَعَ الْآخَرَ عَنْ هَدَفِهِ، وَإِنْ كَانَ الْهَدَفُ وَاحِدًا وَقَفَ الْمُبْتَدِئُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ فِي مُقَابَلَتِهِ، وَيَقِفُ الثَّانِي حَيْثُ شَاءَ مِنْ يَمِينِ الْأَوَّلِ أَوْ يَسَارِهِ، فَإِنْ لَمْ يَرْضَ إِلَّا أَنْ يَقِفَ فِي مَوْقِفِ الْأَوَّلِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهَما: لَهُ أَنْ يَقِفَ فِي مَوْقِفٍ لِيُسَاوِيَهُ فِيهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْأَوَّلَ إِذَا زَالَ عَنْ مَوْقِفِهِ بِشَيْءٍ حسن صنيعه - والله أعلم -.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَيَرْمِي الْبَادِئُ بسهمٍ ثَمَّ الْآخَرُ بسهمٍ حَتَّى يُنْفِدَا نَبْلَهُمَا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا فِيمَا يَخْتَصُّ بِالرَّمْيِ دُونَ السَّبَقِ لِاخْتِصَاصِ الرَّمْيِ بِالْمُبْتَدِئِ، فَاخْتَصَّ بِمَا يُوَالِيهِ مِنْ عَدَدِ مَا يَرْمِي، فَإِنْ شَرَطَاهُ فِي الْعَقْدِ حَمَلَا فِيهِ عَلَى مُوجَبِ الشَّرْطِ، وَكَانَ الشَّرْطُ أَحَقَّ مِنَ الْعُرْفِ، فَإِنْ شَرَطَا أَنْ يَرْمِيَا سَهْمًا وَسَهْمًا، أَوْ شَرَطَا أَنْ يَرْمِيَا خَمْسًا وَخَمْسًا، أَوْ شَرَطَا أَنْ يُوَاصِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَمْيَ جَمِيعِ رَشْقِهِ رَمَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَدَدَ مَا أَوْجَبَ الشَّرْطُ، فَإِنْ زَادَ عَلَيْهِ لَمْ يُحْتَسَبْ بِهِ مُصِيبًا وَلَا مُخْطِئًا لِخُرُوجِهِ عَنْ مُوجَبِ الْعَقْدِ، وَإِنْ أُغْفِلَ وَلَمْ يُشْتَرَطْ فِي الْعَقْدِ لَمْ يَبْطُلِ الْعَقْدُ بِإِغْفَالِهِ لِإِحْكَامِهِ التَّكَافُؤَ فِيهِ وَاعْتُبِرَ فِيهِمَا عُرْفُ الرُّمَاةِ، لِأَنَّهُ يَجْرِي بَعْدَ الشَّرْطِ مَجْرَى الشَّرْطِ، فَإِنْ كَانَ عُرْفُ الرُّمَاةِ جَارِيًا حَدَّ الثَّلَاثَةِ الْمُجَوَّزَةِ فِي الشَّرْطِ صَارَ كَالْمُسْتَحَقِّ بِالشَّرْطِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلرُّمَاةِ عُرْفٌ لِاخْتِلَافِهِ بَيْنَهُمْ رَمَيَا سَهْمًا وَسَهْمًا، وَلَمْ يَزِدْ كُلُّ
واحد منهما على سهم واحد حتى يستنفذا جَمِيعَ الرَّشْقِ، لِأَنَّ قُرْبَ الْمُعَاوَدَةِ إِلَى الرَّمْيِ أَحْفَظُ لِحُسْنِ الصَّنِيعِ.
فَإِنْ رَمَى أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ مِنْ سَهْمٍ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ هَذَا التَّرْتِيبِ كَانَ مُحْتَسَبًا بِهِ مُصِيبًا وَمُخْطِئًا وَإِنْ كَانَ بَعْدَ اسْتِقْرَارِهِ لَمْ يُحْتَسَبْ بِهِ مُصِيبًا وَلَا مُخْطِئًا لِأَنَّهُ قَبْلَ الِاسْتِقْرَارِ مُجَوَّزٌ وَبَعْدَ الاستقرار ممنوع.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَإِذَا غَرَّقَ أَحَدُهُمَا وَخَرَجَ السَّهْمُ مِنْ يَدَيْهِ فَلَمْ يَبْلُغِ الْغَرَضَ كَانَ لَهُ أَنْ يَعُودَ بِهِ مِنْ قِبَلِ الْعَارِضِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا إِغْرَاقُ السَّهْمِ: فَهُوَ أَنْ يَزِيدَ فِي مَدِّ الْقَوْسِ لِفَضْلِ قُوَّتِهِ حَتَّى يَسْتَغْرِقَ السَّهْمَ، فَيَخْرُجَ مِنْ جَانِبِ الْوَتَرِ الْمَعْهُودِ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ، فإن من أجناس القسي والسهم مَا يَكُونُ مَخْرَجُ السَّهْمِ مِنْهَا عَنْ يَمِينِ الرَّامِي جَارِيًا عَلَى إِبْهَامِهِ، فَيَكُونُ إِغْرَاقُهُ أَنْ يَخْرُجَ السَّهْمُ بِاسْتِيفَاءِ الْمَدِّ إِلَى يَسَارِهِ جَارِيًا عَلَى سَبَّابَتِهِ.
وَمِنْهَا مَا يَكُونُ مَخْرَجُهُ بِالضِّدِّ على يساره الرَّامِي جَارِيًا عَلَى سَبَّابَتِهِ.
فَيَكُونُ إِغْرَاقُهُ أَنْ يَخْرُجَ عَلَى يَمِينِهِ جَارِيًا عَلَى إِبْهَامِهِ، فَإِذَا أَغْرَقَ السَّهْمَ قَالَ الشَّافِعِيُّ: " لَمْ يَكُنْ إِغْرَاقُهُ مِنْ سُوءِ الرَّمْيِ، وَإِنَّمَا هُوَ الْعَارِضُ فَلَا يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ إِنْ أَخْطَأَ بِهِ " وَهُوَ عِنْدِي نَظَرٌ، لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَمُدَّ الْقَوْسَ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ حَتَّى زَادَ فِيهِ، فَأَغْرَقَ أَوْ نَقَصَ فَقَصَّرَ كَانَ بِسُوءِ الرَّمْيِ أَشْبَهَ.
فَإِذَا أَخْطَأَ بِالسَّهْمِ الْمُغَرَّقِ لَمْ يُحْتَسَبْ عَلَيْهِ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَإِنْ أَصَابَ احْتُسِبَ لَهُ، لِأَنَّ الْإِصَابَةَ بِهِ مَعَ الْخَلَلِ أَدُلُّ عَلَى حِذْقِ الرَّامِي في الإصابة مع الاستقامة.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَكَذَلِكَ لَوِ انْقَطَعَ وَتَرُهُ أَوِ انْكَسَرَتْ قَوْسُهُ فَلَمْ يَبْلُغِ الْغَرَضَ أَوْ عَرَضَ دُونَهُ دابةٌ أَوْ إنسانٌ فَأَصَابَهُ أَوْ عَرَضَ لَهُ فِي يَدَيْهِ مَا لَا يَمُرُّ السَّهْمُ مَعَهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَعُودُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، إِذَا انْقَطَعَ وَتَرُهُ، أَوِ انْكَسَرَ قَوْسُهُ، فَقَصَرَ وَقْعُ السَّهْمِ، وَأَخْطَأَ لَمْ يُحْتَسَبْ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُخْطِئْ لِسُوءِ رَمْيِهِ، وَلَكِنْ لِنَقْصِ آلَتِهِ، وَلَوْ أَصَابَ بِهِ كَانَ مَحْسُوبًا مِنْ إِصَابَتِهِ، لِأَنَّهُ أَدَلُّ عَلَى حِذْقِهِ، وَهَكَذَا لَوْ عَرَضَ دُونَ الْهَدَفِ عَارِضٌ مِنْ بَهِيمَةٍ أَوْ إِنْسَانٍ وَقَعَ السَّهْمُ فِيهِ، وَمَنَعَ مِنْ وُصُولِهِ إِلَى الْهَدَفِ لَمْ يُحْتَسَبْ عَلَيْهِ، وَأُعِيدَ السَّهْمُ إِلَيْهِ، فَإِنْ خَرَقَ السَّهْمُ الْحَائِلَ وَنَفَذَ فِيهِ حَتَّى وَصَلَ إِلَى الْهَدَفِ، فَأَصَابَ كَانَ مَحْسُوبًا مِنْ إِصَابَتِهِ، لِأَنَّهُ بِالْإِصَابَةِ مِعِ هَذَا الْعَارِضِ أَشَدُّ وَأَرْمَى وَيُسَمَّى هَذَا السَّهْمُ خَارِقًا وَقَدْ كَانَ الْكُسَعِيُّ فِي الْعَرَبِ رَامِيًا، فَخَرَجَ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَرَأَى ظَبْيًا فَرَمَاهُ فَأَنْفَذَهُ وَخَرَجَ السَّهْمُ مِنْهُ، فَأَصَابَ حَجَرًا فَقَدَحَ مِنْهُ نَارًا فَرَأَى ضَوْءَ النَّارِ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ
فظن أنه أخطأ الظبي فقال: مثلي يُخْطِئُ؟ ! ... فَكَسَرَ قَوْسَهُ، وَأَخْرَجَ خِنْجَرَهُ، وَقَطَعَ إِبْهَامَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ وَرَأَى الظَّبْيَ صَرِيعًا قَدْ نَفَذَ السَّهْمُ فِيهِ نَدِمَ، فَضَرَبَتْ بِهِ الْعَرَبُ مَثَلًا، فَقَالَ الشَّاعِرُ: (نَدِمْتُ نَدَامَةَ الْكُسَعِيِّ لَمَّا ... رَأَتْ عَيْنَاهُ مَا عَمِلَتْ يَدَاهُ)
وَهَكَذَا لَوْ عَرَضَ لِلرَّامِي عِلَّةٌ فِي يَدِهِ أَوْ أَخَذَتْهُ رِيحٌ فِي يَدَيْهِ ضَعُفَ بِهَا عَنْ مَدِّ قَوْسِهِ لَمْ يُحْتَسَبْ عَلَيْهِ إِنْ قَصَّرَ أَوْ أَخْطَأَ لِأَنَّهُ لِعَارِضٍ مَنَعَ وَلَيْسَ مِنْ سُوءِ رَمْيٍ وقلة حذق.
(مسألة:)
قال الشافعي: " فَأَمَّا إِنْ جَازَ السَّهْمُ أَوْ أَجَازَ مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ فَهَذَا سُوءُ رَمْيٍ لَيْسَ بعارضٍ غُلِبَ عَلَيْهِ فَلَا يُرَدُّ إِلَيْهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: يُقَالُ: جَازَ السَّهْمُ إِذَا مَرَّ فِي إِحْدَى جَانِبَيِ الْهَدَفِ، وَيُسَمَّى " خَاصِرٌ " وَجَمْعُهُ خَوَاصِرُ لِأَنَّهُ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْخَاصِرَةِ، لِأَنَّهَا فِي جَانِبَيِ الْإِنْسَانِ، وَيُقَالُ: أَجَازَ السَّهْمُ إِذَا سَقَطَ وَرَاءَ الْهَدَفِ.
فَإِذَا أَجَازَ السَّهْمُ، وَوَقَعَ فِي جَانِبِ الْهَدَفِ، أَوْ أَجَازَ وَوَقَعَ وَرَاءَ الهدف كان محسوباً منه خطأه لِأَنَّهُ مَنْسُوبٌ إِلَى سُوءِ رَمْيِهِ، وَلَيْسَ بِمَنْسُوبٍ إِلَى عَارِضٍ فِي بَدَنِهِ أَوِ الْيَدِ.
وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: الْجَائِزُ أَنْ يَقَعَ فِي الْهَدَفِ عَنْ أَحَدِ جَانِبَيِ الشَّنِّ فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَتِ الْإِصَابَةُ مَشْرُوطَةً فِي الشَّنِّ كَانَ الْجَائِزُ مُخْطِئًا وَإِنْ كَانَتْ مَشْرُوطَةً فِي الْهَدَفِ كَانَ الْجَائِزُ مُصِيبًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَا أَنْ تَكُونَ إِصَابَةُ سِهَامِهِمَا جَائِزَةً، فَيُحْتَسَبَ بِالْجَائِزِ وَلَا يُحْتَسَبُ بِغَيْرِ الْجَائِزِ.
وَيُقَالُ: " سَهْمٌ " طَامِحٌ، وَفِيهِ تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الطَّامِحَ هُوَ الَّذِي قَارَبَ الْإِصَابَةَ، وَلَمْ يُصِبْ، وَيَكُونُ مُخْطِئًا.
وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي: ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ الْوَاقِعُ بَيْنَ الشَّنِّ وَرَأْسِ الْهَدَفِ، فَيَكُونُ مُخْطِئًا إِنْ شُرِطَ الْإِصَابَةُ فِي الشَّنِّ، وَمُصِيبًا إِنْ شُرِطَ فِي الْهَدَفِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَطَ فِي الْإِصَابَةِ فَلَا يُحْتَسَبُ لَهُ مُصِيبًا إِلَّا بِسَهْمٍ طَامِحٍ كَالْجَائِزِ.
وَيُقَالُ: سَهْمٌ " عَاصِدٌ "، وَهُوَ الْوَاقِعُ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ، فَيَكُونُ كَالْجَائِزِ فِي تَأْوِيلِ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَيُقَالُ: سَهْمٌ " طَائِشٌ " وَهُوَ الَّذِي يُجَاوِزُ الْهَدَفَ كَالْجَائِزِ إِلَّا أَنَّ الْجَائِزَ مَا عُرِفَ مَكَانُ وُقُوعِهِ، وَالطَّائِشُ مَا لَمْ يُعْرَفْ مَكَانُ وُقُوعِهِ، وَالطَّائِشُ مَحْسُوبٌ عَلَيْهِ فِي الخطأ كالجائز.
وَيُقَالُ: سَهْمٌ " غَائِرٌ " وَهُوَ الْمُصِيبُ الَّذِي لَا يُعْرَفُ رَامِيهِ، فَلَا يُحْتَسَبُ بِهِ لواحدٍ مِنَ الرَّامِيَيْنِ لِلْجَهْلِ بِهِ.
وَيُقَالُ: سَهْمٌ " خَاطِفٌ " وَهُوَ الْمُرْتَفِعُ فِي الْهَوَاءِ ثُمَّ يُخْطَفُ نَازِلًا، فَإِنْ أَخْطَأَ بِهِ كَانَ مَحْسُوبًا عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مِنْ سُوءِ رَمْيِهِ، وَإِنْ أَصَابَ بِهِ، فَفِي الِاحْتِسَابِ بِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُحْتَسَبُ بِهِ مِنْ إِصَابَتِهِ لِحُصُولِهِ بِرَمْيِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُحْتَسَبُ بِهِ مِنَ الْإِصَابَةِ لِأَنَّ تَأْثِيرَ الرَّمْيِ فِي إِيقَاعِ السَّهْمِ، فَأَمَّا سُقُوطُهُ، فَلِثِقَلِهِ، فَصَارَ مُصِيبًا بِغَيْرِ فِعْلِهِ، فَعَلَى هَذَا هَلْ يُحْتَسَبُ مِنْ خَطَئِهِ أم لا؟ على وجهين:
أحدها: يُحْتَسَبُ بِهِ مِنْ خَطَئِهِ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُصِيبًا كَانَ مُخْطِئًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُحْتَسَبُ بِهِ مِنَ الْخَطَأِ، لِأَنَّهُ مَا أَخْطَأَ، وَأَسْوَأُ أَحْوَالِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُصِيبًا أَنْ لَا يَكُونَ مُخْطِئًا.
وَالصَّحِيحُ عِنْدِي مِنْ ذَلِكَ: أَنْ يَنْظُرَ نُزُولَ السَّهْمِ خَطَأً بَعْدَ ارْتِفَاعِهِ، فَإِنِ انْحَطَّ فَاتِرًا لِحِدَّةٍ لَا يَقْطَعُ مَسَافَةً احْتُسِبَ عَلَيْهِ خَاطِئًا، وَإِنْ نَزَلَ فِي بَقِيَّةِ حِدَّتِهِ جَارِيًا فِي قَطْعِ مَسَافَتِهِ احْتُسِبَ لَهُ صَائِبًا، لِأَنَّ الرَّمْيَ بِالْفُتُورِ مُنْقَطِعٌ وَبِالْحِدَّةِ مُنْدَفِعٌ.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَإِذَا كَانَ رَمْيُهُمَا مُبَادَرَةً فَبَلَغَ تِسْعَةَ عَشَرَ مِنْ عِشْرِينَ رَمَى صَاحِبُهُ بِالسَّهْمِ الَّذِي يُرَاسِلُهُ ثم رمى البادئ فإن أصاب سهمه ذلك فلج عليه وإن لم يرم الآخر بالسهم لأن المبادرة أن يفوت أحدهما الآخر وليس كالمحاطة (قال المزني) رحمه الله: هذا عندي لا ينضله حتى يرمي صاحبه بمثله ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الرَّمْيَ ضَرْبَانِ: محاطة، ومبادرة.
وقد مضت المحاطة، وهذه الْمُبَادَرَةُ، وَصُورَتُهَا: أَنْ يَتَنَاضَلَا عَلَى إِصَابَةِ عَشَرَةٍ مِنْ ثَلَاثِينَ مُبَادَرَةً، فَيَكُونُ الرَّشْقُ ثَلَاثِينَ سَهْمًا، وَالْإِصَابَةُ الْمَشْرُوطَةُ مِنْهَا عَشَرَةُ أَسْهُمٍ، فَأَيُّهُمَا بَدَرَ إِلَى إِصَابَتِهَا فِي أَقَلِّ الْعَدَدَيْنِ فِيهِ فَضَلَ، وَسَقَطَ رَمْيُ الرَّشْقِ وَإِنْ تَكَافَآ فِي الْإِصَابَةِ مِنْ عددٍ متساوٍ سَقَطَ رَمْيُ الثَّانِي وَلَيْسَ مِنْهُمَا فَاضِلٌ.
وَبَيَانُهُ أَنْ يُصِيبَ أَحَدُهُمَا عَشَرَةً مِنْ عِشْرِينَ، وَيُصِيبَ الْآخَرُ تِسْعَةً مِنْ عِشْرِينَ فَيَكُونُ الْأَوَّلُ نَاضِلًا، لِأَنَّهُ اسْتَكْمَلَ إِصَابَةَ عَشَرَةٍ مِنْ عِشْرِينَ، وَقَدْ رَمَاهَا الثَّانِي فَنَقَصَ مِنْهَا، وَلَا يَرْمِيَانِ بَقِيَّةَ الرَّشْقِ لِحُصُولِ النَّضْلِ، فَلَوْ أَصَابَ كُلُّ واحدٍ مِنْهُمَا عَشَرَةً مِنْ عِشْرِينَ لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا نَاضِلٌ وَلَا مَنْضُولٌ، وَسَقَطَ رَمْيُ الْبَاقِي مِنَ الرَّشْقِ، لِأَنَّ زِيَادَةَ الْإِصَابَةِ فِيهِ مُقَيِّدَةٌ لِنَضْلٍ، وَلَوْ أَصَابَ أَحَدُهُمَا خَمْسَةً مِنْ عِشْرِينَ وَأَصَابَ الْآخَرُ تِسْعَةً مِنْ عِشْرِينَ، فَالنِّضَالُ بِحَالِهِ، لِأَنَّ عَدَدَ الْإِصَابَةِ لَمْ يُسْتَوْفَ فَيَرْمِيَانِ مِنْ بَقِيَّةِ الرَّشْقِ مَا
يَكْمُلُ بِهِ إِصَابَةُ أَحَدِهِمَا عَشَرَةً، فَإِنْ رَمَى الْأَوَّلُ سَهْمًا فَأَصَابَ فَقَدْ فَلَجَ عَلَى الثَّانِي، وَنَضَلَ وَسَقَطَ رَمْيُ الثَّانِي، وَلَوْ رَمَى الْأَوَّلُ خَمْسَةً، فَأَخْطَأَ فِي جَمِيعِهَا، وَرَمَى الثَّانِي خَمْسَةً فَأَصَابَ فِي جَمِيعِهَا صَارَ الثَّانِي نَاضِلًا وَسَقَطَ رَمْيُ الثَّانِي فِي الرَّشْقِ لِأَنَّ الْأَوَّلَ أَصَابَ تسعة من خمس وَعِشْرِينَ وَأَصَابَ الثَّانِي عَشَرَةً مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ ثُمَّ عَلَى هَذِهِ الْعِبْرَةِ.
فَأَمَّا
مَسْأَلَةُ
الْكِتَابِ فَصُورَتُهَا أَنْ يَتَنَاضَلَا عَلَى إِصَابَةِ عَشَرَةٍ مِنْ ثلاثين مبادرة، فيصيب البادئ منهما تسعة من تِسْعَةَ عَشَرَ، وَيُصِيبُ الْآخَرُ الْمُبْدَأُ ثَمَانِيَةً مِنْ تسعة عشر، ثم رمى الْبَادِئُ سَهْمًا آخَرَ يَسْتَكْمِلُ بِهِ الْعِشْرِينَ فَيُصِيبُ، فَيَصِيرُ بِهِ نَاضِلًا، وَيُمْنَعُ الْآخَرُ الْمُبْدَأُ مِنْ رَمْيِ السَّهْمِ الْآخَرِ الَّذِي رَمَاهُ الثَّانِي، لِأَنَّهُ لَا يَسْتَفِيدُ بِهِ نِضَالًا وَلَا مُسَاوَاةً لِأَنَّ الْبَاقِيَ لَهُ مِنَ الْعِشْرِينَ سَهْمٌ وَاحِدٌ وَعَلَيْهِ إِصَابَتَانِ، وَلَوْ رَمَى فَأَصَابَهُ بَقِيَتْ عَلَيْهِ إِصَابَةٌ يَكُونُ بِهَا مَنْضُولًا، فَلَمْ يَكُنْ لِرَمْيِهِ مَعْنًى يَسْتَحِقُّهُ بِالْعَقْدِ، فَلِذَلِكَ مُنِعَ مِنْهُ، وَلَوْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ أَصَابَ تِسْعَةً مِنْ تِسْعَةَ عَشَرَ ثُمَّ رَمَى الْبَادِئُ وَأَصَابَ، كَانَ لِلْمُبْدَأُ أَنْ يَرْمِيَ لِجَوَازِ أَنْ يُصِيبَ فَيُكَافَئَ.
فَأَمَّا الْمُزَنِيُّ فَظَنَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ مَنَعَ الْمُبْدَأَ أَنْ يَرْمِيَ بِالسَّهْمِ الْبَاقِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ، بَلْ أَرَادَ مَنْعَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ لِلتَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ.
(فَصْلٌ:)
فأما الحواب فَهُوَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الرَّمْيِ، وَهِمَ فِيهِ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفِرَايِينِيُّ، فَجَعَلَهُ صِفَةً مِنْ صِفَاتِ السَّهْمِ، وَسَمَّاهُ حَوَابِيَ بِإِثْبَاتِ الْبَاءِ فِيهِ، وَفَسَّرَهُ بِأَنَّهُ السَّهْمُ الْوَاقِعُ دُونَ الْهَدَفِ ثُمَّ يَحْبُو إِلَيْهِ حَتَّى يَتَّصِلَ بِهِ مَأْخُوذٌ مِنْ حَبْوِ الصَّبِيِّ، وَهَذَا نَوْعٌ مِنَ الرَّمْيِ الْمُزْدَلِفِ يَفْتَرِقَانِ في الاسم لأن المزدلف أحدٌ والجابي أَضْعَفُ، وَيَسْتَوِيَانِ فِي الْحُكْمِ عَلَى مَا سَيَأْتِي، وَالَّذِي قَالَهُ سَائِرُ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْحَوَابَ نَوْعٌ مِنَ الرَّمْيِ وَأَنَّ أَنْوَاعَ الرَّمْيِ ثَلَاثَةٌ:
الْمَحَاطَّةُ - وَالْمُبَادَرَةُ - وَالْحَوَابُ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْمُحَاطَّةَ وَالْمُبَادَرَةَ.
فَأَمَّا الْحَوَابُ فَهُوَ أَنْ يُحْتَسَبَ بِالْإِصَابَةِ فِي الشَّنِّ وَالْهَدَفِ وَيُسْقِطَ الْأَقْرَبُ إِلَى الشَّنِّ مَا هُوَ أَبْعَدُ مِنَ الشَّنِّ وَإِنْ أَصَابَ أَحَدُهُمَا الْهَدَفَ عَلَى شِبْرٍ مِنَ الشَّنِّ فَاحْتُسِبَ لَهُ ثُمَّ أَصَابَ الْآخَرُ الْهَدَفَ عَلَى فَتْرٍ مِنَ الشَّنِّ احْتُسِبَ لَهُ وَأُسْقِطَ إِصَابَةُ الشَّنِّ لِأَنَّهَا أَبْعَدُ، ولو أصاب أحدها خَارِجَ الشَّنِّ وَاحْتُسِبَ بِهِ، وَأَصَابَ الْآخَرُ فِي الشَّنِّ احْتُسِبَ بِهِ، وَأُسْقِطَ إِصَابَةُ خَارِجِ الشَّنِّ.
وَلَوْ أَصَابَ أَحَدُهُمَا الشَّنَّ فَاحْتُسِبَ بِهِ، وَأَصَابَ الْآخَرُ الدَّارَةَ الَّتِي فِي الشَّنِّ احْتُسِبَ بِهِ وَأُسْقِطَ إِصَابَةُ الشَّنِّ، وَلَوْ أَصَابَ أَحَدُهُمَا الدَّارَةَ الَّتِي فِي الشَّنِّ فَاحْتُسِبَ بِهِ وَأَصَابَ الْآخَرُ الْعَظْمَ الَّذِي فِي دَارَةِ الشَّنِّ احْتُسِبَ وَأُسْقِطَ إِصَابَةُ الدَّارَةِ فَيَكُونُ كُلُّ
قَرِيبٍ مُسْقِطًا لِمَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ، فَهَذَا نَوْعٌ مِنَ الرَّمْيِ ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأُمِّ، وَذَكَرَ مَذَاهِبَ الرُّمَاةِ فِيهِ، وَفَرَّعَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُزَنِيُّ، إِمَّا لِاخْتِصَارِهِ، وَإِمَّا لِأَنَّهُ غَيْرُ مُوَافِقٍ لِرَأْيِهِ لِضِيقِهِ وَكَثْرَةِ خَطَرِهِ، لِأَنَّهُ يُسْقِطُ الْإِصَابَةَ بَعْدَ إِثْبَاتِهَا، وَالْمَذْهَبُ جَوَازُهُ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ نَوْعٌ مَعْهُودٌ فِي الرَّمْيِ، فَأَشْبَهَ الْمُحَاطَّةَ وَالْمُبَادَرَةَ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَبْعَثُ عَلَى مُعَاطَاةِ الْحِذْقِ فَصَحَّ.
وَذَلِكَ فِي جَوَازِ النِّضَالِ عَلَى إصابة الجواب، وَكَانَ عَقْدُهُمَا عَلَى إِصَابَةِ خَمْسَةٍ مِنْ عِشْرِينَ فَلَهُمَا إِذَا تَنَاضَلَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَقْصُرَا عَلَى عَدَدِ الْإِصَابَةِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَسْتَوْفِيَا عدد الإصابة.
والثالث: أن يستوفيها أحدهما، ويقصر عنها الآخر.
فأما الحال الأول: وَهُوَ أَنْ يَقْصُرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَدَدِ الْإِصَابَةِ فَيُصِيبَ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ، فَقَدِ ارْتَفَعَ حُكْمُ الْعَقْدِ بِنُقْصَانِ الْإِصَابَةِ مِنَ الْعَدَدِ الْمَشْرُوطِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِيهَا نَاضِلٌ وَلَا مَنْضُولٌ، وَلَا اعْتِبَارَ بِالْقُرْبِ وَالْبُعْدِ مَعَ نُقْصَانِ الْعَدَدِ.
وَأَمَّا الْحَالُ الثَّانِيَةُ: وَهِيَ أَنْ يَسْتَوْفِيَا مَعًا عَدَدَ الْإِصَابَةِ، فَيُصِيبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسَةً فَصَاعِدًا، فَيُعْتَبَرَ حِينَئِذٍ حَالُ الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ، فَإِنَّهُمَا لَا يَخْلُوَانِ فِيهِمَا مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ الْإِصَابَاتُ فِي الْهَدَفِ، وَقَدْ تَسَاوَتْ فِي الْقُرْبِ مِنَ الشَّنِّ، وَلَيْسَتْ بَعْضُهَا بِأَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنْ بَعْضٍ، فَقَدْ تَكَافَآ وَلَيْسَ فِيهِمَا نَاضِلٌ وَلَا مَنْضُولٌ، وَهَكَذَا لَوْ تَقَدَّمَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَهْمٌ كَانَ أَقْرَبَ إِلَى الشَّنِّ مِنْ بَاقِي سِهَامِهِ، وَتَسَاوَى السَّهْمَانِ الْمُتَقَدِّمَانِ فِي الْقُرْبِ مِنَ الشَّنِّ كَانَا سَوَاءً لَا نَاضَلَ فِيهِمَا وَلَا مَنْضُولَ، فَإِنْ تَقَدَّمَ لِأَحَدِهِمَا سَهْمٌ وَلِلْآخَرِ سَهْمَانِ وَتَسَاوَتِ السِّهَامُ الثَّلَاثَةُ فِي قُرْبِهَا مِنَ الشَّنِّ، فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّه المتقرب بسهمين ناضل للمتقرب بِسَهْمٍ، لِفَضْلِهِ فِي الْعَدَدِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُمَا سَوَاءٌ لَا نَاضَلَ فِيهِمَا وَلَا مَنْضُولَ، لِأَنَّ نِضَالَ الجواب مَوْضُوعٌ عَلَى الْقُرْبِ دُونَ زِيَادَةِ الْعَدَدِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ سِهَامُ أَحَدِهِمَا أَقْرَبَ إِلَى الشَّنِّ مِنْ سِهَامِ الْآخَرِ، فَأَقْرَبُهُمَا إِلَى الشَّنِّ هُوَ النَّاضِلُ، وَأَبْعَدُهُمَا مِنَ الشَّنِّ هُوَ الْمَنْضُولُ.
وَهَكَذَا لَوْ تَقَدَّمَ
لِأَحَدِهِمَا سَهْمٌ وَاحِدٌ، فَكَانَ أَقْرَبَ إِلَى الشَّنِّ مِنْ جَمِيعِ سِهَامِ الْآخَرِ أُسْقِطَتْ بِهِ سِهَامُ صَاحِبِهِ، وَلَمْ يَسْقُطْ بِهِ سِهَامُ نَفْسِهِ، وَكَانَ هُوَ النَّاضِلَ بِسَهْمِهِ الْأَقْرَبِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ سِهَامُ أَحَدِهِمَا فِي الْهَدَفِ، وَسِهَامُ الْآخَرِ في الشن، فيصيب الْمُصِيبُ فِي الشَّنِّ هُوَ النَّاضِلَ، وَالْمُصِيبُ فِي الهدف منضول.
وَهَكَذَا لَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا سَهْمٌ وَاحِدٌ فِي الشَّنِّ وَجَمِيعُ سِهَامِ الْآخَرِ خَارِجَة الشَّنِّ كَانَ الْمُصِيبُ فِي الشَّنِّ هُوَ النَّاضِلَ بِسَهْمِهِ الْوَاحِدِ وَقَدْ أُسْقِطَ بِهِ سِهَامُ صَاحِبِهِ، وَلَمْ يُسْقِطْ لَهُ سِهَامَ نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَتْ أَبْعَدَ إِلَى الشَّنِّ مِنْ سِهَامِ صَاحِبِهِ.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ سِهَامُهُمَا جَمِيعًا صَائِبَةً فِي الشَّنِّ لَكِنَّ سِهَامَ أَحَدِهِمَا أَوْ بَعْضِهِمَا فِي الشَّنِّ الدَّارَةِ، وَسِهَامَ الْآخَرِ خَارِجَ الدَّارَةِ، وَإِنْ كَانَتْ جَمِيعُهَا فِي الشَّنِّ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَقَدْ حَكَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ بَعْضِ الرُّمَاةِ أَنَّ الْمُصِيبَ فِي الدَّارَةِ نَاضِلٌ، وَالْمُصِيبَ خَارِجَ الدَّارَةِ مَنْضُولٌ، لِأَنَّهُ قُطْبُ الْإِصَابَةَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّافِعِيُّ فِي اخْتِيَارِهِ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ، وَلَيْسَ مِنْهُمَا نَاضِلٌ وَلَا مَنْضُولٌ، لِأَنَّ جَمِيعَ الشَّنِّ مَحَلُّ الْإِصَابَةِ.
وَأَمَّا الْحَالُ الثَّالِثَةُ: وَهُوَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ أَحَدُهُمَا إِصَابَةَ الْخَمْسِ وَيُقَصِّرَ الْآخَرُ عَنْهُمَا، فَهَذَا عَلَى ضرين:
أَحَدُهَمَا: أَنْ يَكُونَ مُسْتَوْفِي الْإِصَابَةِ أَقْرَبَ سِهَامًا إِلَى الشَّنِّ أَوْ مُسَاوِيًا صَاحِبَهُ، فَيَكُونُ نَاضِلًا، وَالْمُقَصِّرُ مَنْضُولًا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمُقَصِّرُ فِي الْإِصَابَةِ أَقْرَبَ سِهَامًا مِنَ الْمُسْتَوْفِي لَهَا، فَلَيْسَ فِيهَا نَاضِلٌ وَلَا مَنْضُولٌ، لِأَنَّ الْمُسْتَوْفِيَ قَدْ سَقَطَتْ سِهَامُهُ لِبُعْدِهَا، وَالْمُقَصِّرَ قَدْ سَقَطَتْ سهامه بنقصانها - والله أعلم -.
(مسألة:)
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَإِذَا تَشَارَطَا الْخَوَاسِقَ لَمْ يُحْسَبْ خَاسِقًا حَتَّى يَخْزِقَ الْجِلْدَ بِنَصْلِهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنْوَاعَ الرَّمْيِ مِنْ قَارَعٍ، وَخَازِقٍ، وَخَاسِقٍ، وَأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى جَمِيعِهَا اسْمُ الْخَوَاصِلِ.
فَالْقَارِعُ مَا أَصَابَ الشَّنَّ وَلَمْ يؤثر فيه، والخارق مَا أَثَّرَ فِيهِ وَلَمْ يَثْبُتْ، وَالْخَاسِقُ مَا ثَقَبَ الشَّنَّ وَثَبَتَ فِيهِ.
وَيَحْمِلَانِ فِي الْإِصَابَةِ عَلَى مَا شَرَطَاهَا فَإِذَا شَرَطَا فِيهِمَا الْخَوَاسِقَ، فَإِذَا خَرَقَ الشَّنَّ
وَثَبَتَ فِيهِ كَانَ خَاسِقًا مَحْسُوبًا، وَسَوَاءٌ طَالَ ثُبُوتُهُ أَوْ قَصُرَ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِوُجُودِ الثُّبُوتِ لَا بِدَوَامِهِ، وَإِنْ ثَقَبَ وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ، فَالْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ أَنَّهُ غَيْرُ مَحْسُوبٍ، لِأَنَّ اسْمَ الْخَسْقِ، لَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ لِعَدَمِ صِفَتِهِ فِيهِ، وَخَرَّجَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِيهِ قَوْلًا آخَرَ: أَنَّهُ مَحْسُوبٌ لَهُ، لِأَنَّ سُقُوطَهُ بَعْدَ الثَّقْبِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِضَعْفِ الشَّنِّ أَوْ لِسَعَةِ الثَّقْبِ، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ مَحْسُوبًا لِوُجُودِ الثَّقْبِ الَّذِي هُوَ أَلْزَمُ الصِّفَتَيْنِ، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأَنَّهُ يُصَيِّرُ الْخَاسِقَ مُسَاوِيًا لِلْخَازِقِ وَاخْتِلَافُ اسْمِهِمَا يوجب اختلاف حكمهما.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَلَوْ تَشَارَطَا الْمُصِيبَ فَمَنْ أَصَابَ الشَّنَّ وَلَمْ يَخْرِقْهُ حُسِبَ لَهُ لِأَنَّهُ مصيبٌ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا تَشَارَطَا الْإِصَابَةَ احْتُسِبَ كُلُّ مُصِيبٍ مِنْ قَارِعٍ، وَخَازِقٍ، وَخَاسِقٍ، لِأَنَّ جَمِيعَهَا تُصِيبُ، وَهَكَذَا لَوْ تَشَارَطَا الْإِصَابَةَ قَرْعًا احْتُسِبَ بِالْقَارِعِ وَبِالْخَازِقِ وَبِالْخَاسِقِ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى الْقَرْعِ وَلَوْ تَشَارَطَا الْخَوَاصَلَ احْتُسِبَ بِكُلِّ مُصِيبٍ، لِأَنَّ إِصَابَةَ الْخَوَاصِلِ تَشْتَمِلُ عَلَى كُلِّ مُصِيبٍ مِنْ قَارِعٍ، وَخَارِقٍ، وَخَاسِقٍ.
فَأَمَّا الْخَوَاصِلُ فَهُوَ مَا أَصَابَ جَانِبَ الشَّنِّ، فَإِنْ شَرَطَاهُ فِي الرَّمْيِ لَمْ يُحْتَسَبِ الْآنَ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطَاهُ احْتُسِبَ لَهُ مَعَ كُلِّ مُصِيبٍ فِي الشَّنِّ إِذَا كَانَتِ الْإِصَابَةُ مَشْرُوطَةً فِي الشَّنِّ.
(فَصْلٌ:)
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَنَاضَلَا عَلَى أَنْ تَكُونَ إِصَابَةُ أَحَدِهِمَا قَرْعًا، وَإِصَابَةُ الْآخَرِ خَسْقًا حَتَّى يَتَكَافَآ فِي الْإِصَابَةِ قَرْعًا أَوْ خَسْقًا، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْعَقْدِ مَعْرِفَةُ أَحْذَقِهِمَا بِالرَّمْيِ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَنَاضَلَا عَلَى أَنْ تَكُونَ إِصَابَةُ أَحَدِهِمَا خَمْسَةً مِنْ عِشْرِينَ، وَإِصَابَةُ الْآخَرِ عَشَرَةً مِنْ عِشْرِينَ، لِمَا فِيهِ مِنَ التَّنَاضُلِ الَّذِي لَا يُعْلَمُ بِهِ الْأَحْذَقُ.
(فَصْلٌ:)
وَلَوْ تَشَارَطَا الْإِصَابَةَ قَرْعًا عَلَى أَنْ يُحْتَسَبَ بِخَاسْقِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَارْعَيْنِ وَيُعْتَدَّ بِهِ إِصَابَتَيْنِ كَانَ هَذَا جَائِزًا لِتَكَافُئِهِمَا فِيهِ، لِتَكُونَ زِيَادَةُ الصِّفَةِ مُقَابِلًا لِزِيَادَةِ الْعَدَدِ.
فَعَلَى هَذَا لَوْ شَرَطَا إِصَابَةَ عَشَرَةٍ مِنْ عِشْرِينَ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ، فَأَصَابَ أَحَدُهُمَا تِسْعَةً قَرْعًا وَأَصَابَ الْآخَرُ قَارْعَيْنِ، وَأَرْبَعَةَ خَوَاسِقَ، فَقَدْ نَضَلَ مَعَ قِلَّةِ إِصَابَتِهِ، لِأَنَّهُ قَدِ اسْتَكْمَلَ بِمُضَاعَفَةِ الْخَوَاسِقِ الْأَرْبَعَةِ مَعَ الْقَارْعَيْنِ إِصَابَةَ عَشَرَةٍ نَقَصَ الْآخَرُ عَنْهُمَا بِإِصَابَةِ واحد فصار بها منضولاً.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَإِذَا اشْتَرَطَا الْخَوَاسِقَ وَالشَّنُّ ملصقٌ بِالْهَدَفِ فَأَصَابَ ثَمَّ رَجَعَ فَزَعَمَ الرَّامِي أَنَّهُ خَسَقَ ثَمَّ رَجَعَ لغلظٍ لَقِيَهُ مِنْ حَصَاةٍ وَغَيْرِهَا وَزَعَمَ الْمُصَابُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَخْسَقْ وَأَنَّهُ إِنَّمَا قَرَعَ ثَمَّ رَجَعَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ إِلَّا أَنْ تَقُومَ بينةٌ فَيُؤْخَذَ بِهَا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اشْتِرَاطُ الْخَسْقِ إِنَّمَا يَكُونُ فِي إِصَابَةِ الشَّنِّ دُونَ الْهَدَفِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الشَّنَّ هُوَ جِلْدٌ يُنْصَبُ فِي الْهَدَفِ تُمَدُّ أَطْرَافُهُ بِأَوْتَارٍ أَوْ خُيُوطٍ تُشَدُّ فِي أَوْتَادٍ مَنْصُوبَةٍ فِي الْهَدَفِ الْمَبْنِيِّ، وَرُبَّمَا كَانَ مُلْصَقًا بِحَائِطِ الْهَدَفِ، وَرُبَّمَا كَانَ بَعِيدًا مِنْهُ بِنَحْوٍ مِنْ شِبْرٍ أَوْ ذِرَاعٍ، وَهُوَ أَبْعَدُ مَا يُنْصَبُ، وَخَسْقُ الشَّنِّ إِذَا كَانَ بَعِيدًا مِنَ الْهَدَفِ أَوْضَحُ مِنْهُ إِذَا كَانَ مُلْصَقًا بِهِ.
فَإِذَا رَمَى وَالشَّنُّ مُلْصَقٌ بِالْهَدَفِ، فَأَصَابَ الشَّنَّ ثُمَّ سَقَطَ بِالْإِصَابَةِ خَسَقَ، فَزَعَمَ الرَّامِي أَنَّهَا خَسَقَ وَلَقِيَ غِلَظًا فِي الْهَدَفِ مِنْ حَصَاةٍ أَوْ نَوَاةٍ، فَرَجَعَ وَهُوَ خَاسِقٌ وَزَعَمَ الْمَرْمِيُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَرَعَ فَسَقَطَ، وَلَمْ يَخْسِقْ، فَلَهُمَا ثلاثة أحوال:
أحدهما: أَنْ يُعْلَمَ صِدْقُ الرَّامِي فِي قَوْلِهِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُعْرَفَ مَوْضِعُ خَسْقِهِ، وَيُرَى الْغِلَظُ مِنْ ورائه، فيكون القول قول مَعَ يَمِينٍ، لِأَنَّ الْحَالَ شَاهِدَةٌ بِصِدْقِهِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُعْلَمَ صِدْقُ الْمَرْمِيِّ عَلَيْهِ فِي إِنْكَارِهِ إِمَّا بِأَنْ لَا يَرَى فِي الشَّنِّ خَسْقًا، وَإِمَّا بِأَنْ لَا يَرَى فِي الْهَدَفِ غِلَظًا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْحَالَ شَاهِدَةٌ بِصِدْقِهِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَحْتَمِلَ صِدْقَ الْمُدَّعِي وَصِدْقَ الْمُنْكِرِ، لِأَنَّ فِي الشَّنِّ خواسق وفي الهدف غلط وَقَدْ أَشْكَلَتِ الْإِصَابَةُ هَلْ كَانَتْ فِي مُقَابَلَةِ الْغِلَظِ أَمْ لَا؟ فَإِنْ كَانَتْ بَيِّنَةٌ حُمِلَ عَلَيْهَا، وَإِنْ عُدِمَتِ الْبَيِّنَةُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَا يُحْتَسَبُ بِهِ مُصِيبًا وَفِي الِاحْتِسَابِ بِهِ مُخْطِئًا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُحْتَسَبُ بِهِ فِي الْخَطَأِ إِذَا لَمْ يُحْتَسَبْ بِهِ فِي الْإِصَابَةِ لِوُقُوفِ الرَّامِي بَيْنَ صَوَابٍ وَخَطَأٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُحْتَسَبُ بِهِ فِي الْإِصَابَةِ، لِأَنَّ الْإِصَابَةَ لَا يُحْتَسَبُ بِهَا إِلَّا مَعَ الْيَقِينِ، وَكَذَلِكَ لَا يُحْتَسَبُ بِالْخَطَأِ إِلَّا مَعَ الْيَقِينِ، فَإِنْ نَكَلَ الْمُنْكِرُ عَنِ الْيَمِينِ أَحْلَفَ الرَّامِي الْمُدَّعِيَ، فَإِذَا حَلَفَ احْتُسِبَ بِإِصَابَتِهِ.
(مَسْأَلَةٌ:)
قَال الشافعي: " وإن كان الشن بَالِيًا فَأَصَابَ مَوْضِعَ الْخَرْقِ فَغَابَ فِي الْهَدَفِ فَهُوَ مصيبٌ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا مُعْتَبِرٌ بِالشَّنِّ والهدف، ولهما ثلاثة أحوال:
أحدهما: أَنْ يَكُونَ الْهَدَفُ أَشَدَّ مِنَ الشَّنِّ، لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ قَدْ قَوِيَ وَاشْتَدَّ، فَإِذَا وَصَلَ السَّهْمُ إِلَيْهِ مِنْ ثَقْبٍ فِي الشَّنِّ ثَبَتَ فِي الْهَدَفِ الَّذِي هُوَ أَقْوَى مِنَ الشَّنِّ كَانَ ثُبُوتُهُ فِي الشَّنِّ الْأَضْعَفِ أَجْدَرَ وَهُوَ الَّذِي أَرَادَهُ الشَّافِعِيُّ، فَيُحْتَسَبُ بِهِ خَاسِقًا.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ الشَّنُّ أَقْوَى مِنَ الْهَدَفِ وَأَشَدَّ، لِأَنَّهُ جِلْدٌ مَتِينٌ،
وَالْهَدَفُ تُرَابٌ ثَائِرٌ أَوْ طِينٌ لَيِّنٌ، فَلَا يُحْتَسَبُ بِهِ مُصِيبًا، وَلَا مُخْطِئًا، أَمَّا الْإِصَابَةُ فَلِجَوَازِ أَنْ لَا يَخْسِقَ الشَّنَّ، وَأَمَّا الْخَطَأُ فَلِعَدَمِ مَا خَسَقَ مَعَ بِلَى الشَّنِّ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَتَسَاوَى الشَّنُّ وَالْهَدَفُ فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، فَلَا يُحْتَسَبَ بِهِ مُخْطِئًا، وَفِي الِاحْتِسَابِ بِهِ مُصِيبًا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُحْتَسَبُ مِنْ إِصَابَةِ الْخَسْقِ، لِأَنَّ ثُبُوتَهُ فِي الْهَدَفِ قَائِمٌ مُقَامَ ثُبُوتِهِ فِي الشَّنِّ عِنْدَ تَسَاوِيهِمَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُحْتَسَبُ فِي إِصَابَةِ الْخَسْقِ، وَيُحْتَسَبُ فِي إِصَابَةِ الْقَرْعِ عَلَى الْأَحْوَالِ كُلِّهَا.
(مَسْأَلَةٌ:)
قَالَ الشافعي: " وَإِنْ أَصَابَ طَرَفَ الشَّنِّ فَخَرَقَهُ فَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يُحْسَبُ لَهُ خَاسِقًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ الشَّنِّ طعنةٌ أَوْ خيطٌ أَوْ جلدٌ أَوْ شيءٌ مِنَ الشَّنِّ يُحِيطُ بِالسَّهْمِ وَيُسَمَّى بِذَلِكَ خَاسِقًا وَقَلِيلٌ ثبوته وكثيره سواءُ (قال) ولا يعرف الناس إذا وجهوا بأن يقال خاسقٌ إلا ما أحاط به المخسوق فيه ويقال للآخر خارمٌ لا خاسقٌ والقول الآخر أن يكون الخاسق قد يقع بالاسم على ما أوهن الصحيح فخرقه فإذا خرق منه شيئاً قل أو كثر ببعض النصل سمي خاسقاً لأن الخسق الثقب وهذا قد ثقب وإن خرق قال: وإذا وقع في خرق وثبت في الهدف كان خاسقاً والشن أضعف من الهدف ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا خَرَمَ السَّهْمُ الشَّنَّ فِي إِصَابَةِ الْخَوَاسِقِ، وَالْخَارِمُ هُوَ أَنْ يَقَعَ فِي حَاشِيَةِ الشَّنِّ فَيَخْرِمَهَا وَيَثْبُتَ، فَإِنْ بَقِيَ مِنْ تَوَابِعِ الشَّنِّ مَا يُحِيطُ بِدَائِرِ السَّهْمِ مِنْ طُفْيَةٍ أَوْ خَيْطٍ، وَالطُّفْيَةُ خُوصُ الْمُقْلِ يُدَارُ فِي حَاشِيَةِ الشَّنِّ بِالْحِجَازِ، فَإِنْ كَانَتِ الطُّفْيَةُ بَاقِيَةً بِخَيْطٍ بِدَائِرِ السَّهْمِ الْخَارِمِ كَانَ خَاسِقًا، لِأَنَّ الطُّفْيَةَ فِيهِ مِنْ جُمْلَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَتَبَقَّ مَعَ الْخَرْمِ شيءٌ مِنْ حَاشِيَةِ الشَّنِّ، وَحَصَلَ مَا خَرَجَ مِنْ دَائِرِ السَّهْمِ مَكْشُوفًا فَلَا يَخْلُو مَوْضِعُ السَّهْمِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ غَيْرَ خَارِجٍ عَنْ دَائِرِ الشَّنِّ وَحَاشِيَتِهِ، وَإِنَّمَا سَقَطَ حَاشِيَةُ الشَّنِّ بِضَعْفِهِ، فَهَذَا يُحْتَسَبُ بِهِ خَاسِقًا، وَإِنْ خَرَمَ، لِأَنَّ خَرْمَهُ لِضَعْفِ الشَّنِّ لَا لِمَوْقِعِ السَّهْمِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ خُرُوجُهُ لِوُقُوعِ السَّهْمِ فِي الْحَاشِيَةِ، وَيَدْخُلُ بَعْضُ دَائِرِ السَّهْمِ فِي الشَّنِّ، وَيَخْرُجُ بَعْضُ دَائِرِهِ فِي الشَّنِّ، فَفِي الِاعْتِدَادِ بِهِ خَاسِقًا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يُعْتَدُّ بِهِ خَاسِقًا لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّ اخْتِصَاصَهُ بِاسْمِ الْخَرْمِ قَدْ زَالَ عِنْدَ حُكْمِ الْخَسْقِ، لِأَنَّ الْخَسْقَ مَا