كِتَابُ الْبُيُوعِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الماوردي
- الكتاب
- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
- المحقق
- الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1419 هـ -1999 م
- عدد الأجزاء
- 19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
اشْتَرَيْتُهُ بِهَا، فَيَصِحُّ الشِّرَاءُ؛ لِأَنَّ الْقَبُولَ قَدْ تَضَمَّنَ مَا تَنَاوَلَهُ الْبَذْلُ مِنَ الثَّمَنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي - حِينَ قَالَ الْبَائِعُ: قَدْ بِعْتُكَ عَبْدِي بِأَلْفٍ -: قَدْ قَبِلْتُ هَذَا الْبَيْعَ، صَحَّ الْبَيْعُ، وَلَزِمَ فِيهِ الْأَلْفُ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحِ الْمُشْتَرِي بِهَا فِي قَبُولِهِ؛ لِأَنَّ بَذْلَ الْبَائِعِ قَدْ تَنَاوَلَهَا، وَقَبُولُ الْمُشْتَرِي تَوَجَّهَ إِلَيْهَا.
فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ لَوْ قَالَ الْوَلِيُّ فِي النِّكَاحِ: قَدْ زَوَّجْتُكَ بِنْتِي عَلَى صَدَاقِ أَلْفٍ، فَقَالَ الزَّوْجُ: قَدْ قَبِلْتُ تَزْوِيجَهَا؟ أَوْ قَالَ: قَدْ تَزَوَّجْتُهَا، وَلَمْ يَقُلْ: عَلَى هَذَا الصَّدَاقِ، صَحَّ النِّكَاحُ، وَلَمْ يَلْزَمِ الصَّدَاقُ حَتَّى يُصَرِّحَ بِهِ فِي قَبُولِهِ؟ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْعِ؟ .
قِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِثَمَنٍ فَإِذَا حَصَلَ فِيهِ الْقَبُولُ، تَضَمَّنَ مَا يَتَنَاوَلَهُ الْبَذْلُ مِنَ الثَّمَنِ، وَالنِّكَاحُ قَدْ يَصِحُّ مَعَ خُلُوِّهِ مِنَ الصَّدَاقِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ فِيهِ الصَّدَاقُ إِلَّا أَنْ يُصَرِّحَ بِهِ فِي قَبُولِهِ.
وَلَوْ قَالَ الْبَائِعُ: قَدْ بِعْتُكَ عَبْدِي بِأَلْفٍ إِنْ قَبِلْتَ الشِّرَاءَ مِنِّي، فقال: نعم، صح البيع وتم.
وكذا لو كَانَ بَيْنَهُمَا مُتَوَسِّطٌ فِي الْعَقْدِ، فَقَالَ لِلْبَائِعِ: بِعْتَهُ عَبْدَكَ بِأَلْفٍ، فَقَالَ: نَعَمْ، وَقَالَ لِلْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتَهُ بِهَا، فَقَالَ: نَعَمْ، صَحَّ الْبَيْعُ وَتَمَّ.
وَكَذَا لَوِ ابْتَدَأَ الْمُتَوَسِّطُ بِالْمُشْتَرِي فَقَالَ: اشْتَرَيْتَ هَذَا الْعَبْدَ مِنْ فُلَانٍ بِأَلْفٍ، فَقَالَ: نَعَمْ، وَقَالَ لِلْبَائِعِ: بِعَتَهُ عَلَيْهِ بِالْأَلْفِ، فَقَالَ: نَعَمْ، صَحَّ الْبَيْعُ وَتَمَّ.
وَيُفَارِقُ النِّكَاحُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ بِمَا نَذْكُرُهُ هُنَاكَ مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا.
وَلَكِنْ لَوْ قَالَ الْبَائِعُ: قَدْ بِعْتُكَ عَبْدِي هَذَا بِأَلْفٍ، فَقَالَ الْمُشْتَرِي: قَدِ ابْتَعْتُهُ بِخَمْسمِائَةٍ، لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ.
وَهَكَذَا لَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي: قَدْ قَبِلْتُهُ بِأَلْفَيْنِ، لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَجْتَمِعَا فِي الْبَذْلِ وَالْقَبُولِ عَلَى ثَمَنٍ وَاحِدٍ، وَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ، حَتَّى يَكُونَ الثَّمَنُ مَعْلُومًا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أبو حنيفة: يَصِحُّ الْبَيْعُ بِالْأَلْفِ؛ لِاجْتِمَاعِهِمَا عَلَيْهَا، وَالْأَلْفُ الْأُخْرَى زِيَادَةٌ، إِنْ شَاءَ الْبَائِعُ قَبِلَهَا، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا.
قَالَ: وَلَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي: بِعْنِي هَذَا الْعَبْدَ بِأَلْفٍ، فَقَالَ الْبَائِعُ: قَدْ بِعْتُكَ بِخَمْسمِائَةٍ، صَحَّ الْبَيْعُ بِخَمْسِمِائَةٍ، وَقَدْ حَطَّهُ خَمْسَمِائَةٍ، وَحَلَّ ذَلِكَ حَطًّا؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ مُخْتَلِفٌ فِي حَالِ الْعَقْدِ لَمْ يُجْتَمَعْ عَلَيْهِ فِي الْبَذْلِ وَالْقَبُولِ سَوَاءٌ عَادَ الْبَائِعُ، فَقَبِلَ الزِّيَادَةَ، أَوِ الْمُشْتَرِي فَقَبِلَ الْحَطِيطَةَ أَمْ لَا؟ .
وَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ إِلَّا بِاسْتِئْنَافِ الْعَقْدِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
فَهَذَا حُكْمُ العقد.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا الِافْتِرَاقُ: فَهُوَ مَوْضُوعٌ لِقَطْعِ الْخِيَارِ، وَلُزُومِ الْبَيْعِ، لِأَنَّ الْخِيَارَ ثَابِتٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْدَ الْعَقْدِ فِي الْفَسْخِ وَالْإِمْضَاءِ، وَقَطْعُ هَذَا الْخِيَارِ يَكُونُ بِأَحَدِ وَجْهَيْنِ:
إِمَّا بِالِافْتِرَاقِ.
وَإِمَّا بِالتَّخْيِيرِ الْقَائِمِ فِي قَطْعِ الْخِيَارِ مَقَامَ الِافْتِرَاقِ.
فَأَمَّا حَدُّ الِافْتِرَاقِ، فَقَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ مُطْلَقًا، وَمَا أَطْلَقَهُ الشَّرْعُ وَلَمْ يَكُنْ مَحْدُودًا فِي اللُّغَةِ كَانَ الرُّجُوعُ فِي حَدِّهِ إِلَى الْعُرْفِ كَالْقَبْضِ فِي الْمَبِيعَاتِ، وَالْإِحْرَازِ فِي الْمَسْرُوقَاتِ، فَإِذَا فَارَقَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ إِلَى حَيْثُ يُنْسَبُ فِي الْعُرْفِ أَنَّهُ مُفَارِقٌ لَهُ، انْقَطَعَ الْخِيَارُ وَلَزِمَ الْبَيْعُ، مِثَالُ ذَلِكَ إِنْ تَبَايَعَا فِي دَارٍ فَيَخْرُجُ أَحَدُهُمَا مِنْهَا، فَيَكُونُ هَذَا افْتِرَاقًا سَوَاءٌ صَغُرَتِ الدَّارُ أَوْ كَبُرَتْ، بَعُدَ الْخَارِجُ مِنْهَا أَمْ قَرُبَ.
فَأَمَّا إِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا، وَلَكِنْ قَامَ مِنْ أَحَدِ جَانِبَيْهَا الَّذِي تَبَايَعَا فِيهِ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ، نُظِرَ: فَإِنْ كَانَتِ الدَّارُ وَاسِعَةً، كَانَ ذَلِكَ تَفَرُّقًا، وَإِنْ كَانَتِ الدَّارُ صَغِيرَةً، لَمْ يَقَعِ التَّفَرُّقُ إِلَّا بِالْخُرُوجِ مِنْهَا أَوِ الصُّعُودِ إِلَى عُلُوِّهَا.
وَكَذَا السَّفِينَةُ إِذَا تَبَايَعَا فِيهَا؛ فَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً، لَمْ يَقَعِ التَّفَرُّقُ إِلَّا بِخُرُوجِ أَحَدِهِمَا مِنْهَا إِلَى الْأَرْضِ، أَوْ إِلَى سَفِينَةٍ غَيْرِهَا، أَوْ إِلَى الْمَاءِ.
وَإِنْ كَانَتِ السَّفِينَةُ كَبِيرَةً وَقَعَ الِافْتِرَاقُ بِقِيَامِ أَحَدِهِمَا مِنْ أَحَدِ جَانِبَيْهَا الَّذِي تَبَايَعَا فِيهِ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ، كَأَنَّهُمَا تَبَايَعَا فِي الصَّدْرِ، ثُمَّ قَامَ أَحَدُهُمَا إِلَى الْمُؤَخَّرِ، أَوْ تَبَايَعَا فِي الْمُؤَخَّرِ ثُمَّ قَامَ أَحَدُهُمَا إِلَى الصَّدْرِ.
فَأَمَّا إِنْ تَبَايَعَا فِي سُوقٍ كَبِيرَةٍ، فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَالتَّفَرُّقُ: أَنْ يُوَلِّيَ أَحَدُهُمَا ظَهْرَهُ، قَالَ أَصْحَابُنَا: أَرَادَ بِذَلِكَ أَنْ يُوَلِّيَ ظَهْرَهُ وَيَمْشِيَ قَلِيلًا حَتَّى يُزَايِلَ مَوْضِعَ الْعَقْدِ فِي الْعُرْفِ، كَمَا كَانَ يَفْعَلُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فِي بُيُوعِهِ.
فَأَمَّا إِذَا كَانَا فِي مَوْضِعِ تَبَايُعِهِمَا وَمَجْلِسِ عَقْدِهِمَا، فَبُنِيَ بَيْنَهُمَا حَائِطٌ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَفَرُّقًا، لِأَنَّ الْحَائِطَ الْمَبْنِيَّ حَائِلٌ، وَالْحَائِلُ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا، كَمَا لَوْ حَالَ بَيْنَهُمَا رَجُلٌ بِوُقُوفِهِ.
فَأَمَّا إِذَا قَامَا جَمِيعًا عَنْ مَجْلِسِ تَبَايُعِهِمَا، وَمَشَيَا مُجْتَمِعَيْنِ، وَلَمْ يَفْتَرِقَا بِأَبْدَانِهِمَا، فَهُمَا عَلَى خِيَارِهِمَا وَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ وَبَعُدَ.
وَحُكِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيِّ: أَنَّ خِيَارَهُمَا قَدِ انْقَطَعَ بِمُفَارَقَةِ مَجْلِسِهِمَا.
وَحَدِيثُ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ حَيْثُ أَثْبَتَ الْخِيَارَ لِلْمُتَبَايِعَيْنِ وَقَدْ غَدَوْا عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ لَهُمَا: مَا أَرَاكُمَا تَفَرَّقْتُمَا عَنْ رِضًا مِنْكُمَا بِبَيْعٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ قَدْ عَقَلَ مَعْنَى الِافْتِرَاقِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. فَهَذَا الْكَلَامُ فِي افْتِرَاقِ الْمُتَبَايِعَيْنِ.
فَصْلٌ:
فَأَمَّا حُكْمُ الِافْتِرَاقِ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ إِذَا تَمَّ بِوَاحِدٍ، وَهُوَ الْأَبُ إِذَا ابْتَاعَ مِنِ ابْنِهِ الصَّغِيرِ لِنَفْسِهِ، أَوْ بَاعَ عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ بِنَفْسِهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ يُحْكَى عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ فِيمَا عُلِّقَ عَنْهُ: أَنَّ حَدَّ الِافْتِرَاقِ فِي بَيْعِهِ أَنْ يُفَارِقَ مَجْلِسَ بَيْعِهِ الَّذِي ابْتَاعَ فِيهِ مِنِ ابْنِهِ إِلَى حَيْثُ لَا يُنْسَبُ فِي الْعُرْفِ إِلَيْهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ تَفَرُّقًا يَلْزَمُ بِهِ الْبَيْعُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا: إِنَّ الْخِيَارَ بَاقٍ وَإِنْ فَارَقَ مَجْلِسَهُ، لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُفَارِقًا لِنَفْسِهِ وَيَكُونُ الْخِيَارُ بَاقِيًا إِلَى بُلُوغِ ابْنِهِ، أَوْ يُخَيِّرُ الْأَبُ نَفْسَهُ عَنِ ابْنِهِ، فَيَخْتَارُ لِنَفْسِهِ وَعَنِ ابْنِهِ إِمْضَاءَ الْبَيْعِ وَقَطْعَ الْخِيَارِ، فَيَلْزَمُ حِينَئِذٍ الْبَيْعُ.
فَأَمَّا إِذَا مَاتَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ، فَانْتَقَلَ الْخِيَارُ إِلَى وَارِثِهِ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا، فَلَهُ الْخِيَارُ فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي بَلَغَهُ حَيْثُ كَانَ، فَإِنْ زَالَ عَنِ الْمَوْضِعِ، سَقَطَ خِيَارُهُ.
وَإِنِ اخْتَارَ أَحَدُهُمَا الْفَسْخَ وَالْآخَرُ الْإِمْضَاءَ، غَلَبَ الْفَسْخُ عَلَى الْإِمْضَاءِ؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَ الْخِيَارِ الْفَسْخُ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَفْتَرِقَ الْمُتَبَايِعَانِ عَنْ قَصْدٍ لِقَطْعِ الْخِيَارِ وَلُزُومِ الْبَيْعِ، أو غير قصد ناسين، فَهَذَا الْكَلَامُ فِي حَدِّ الِافْتِرَاقِ وَحُكْمِهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ عَلَيْهِ مِنْ فُرُوعِهِ.
فَصْلٌ:
فَأَمَّا التَّخْيِيرُ الْقَائِمُ فِي قَطْعِ الْخِيَارِ وَلُزُومِ الْبَيْعِ مَقَامَ الِافْتِرَاقِ:
فَهُوَ أَنْ يُخَيِّرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ فَيَخْتَارُ الْإِمْضَاءَ، فَيَنْقَطِعُ بِذَلِكَ الْخِيَارُ، وَيَلْزَمُ مَعَهُ الْعَقْدُ وَإِنْ كَانَا فِي مَجْلِسِ بَيْعِهِمَا لَمْ يَتَفَرَّقَا.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لَا حُكْمَ لِلتَّخْيِيرِ فِي لُزُومِ الْبَيْعِ، وَهُمَا عَلَى خِيَارِهِمَا مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا ".
وَالدَّلَالَةُ عَلَيْهِ: الْخَبَرُ الْمَرْوِيُّ فِي كِتَابِنَا رَابِعًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: " كل بيعين فلا بيع بينهما حتى يَفْتَرِقَا أَوْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: اخْتَرْ ". وَرُوِيَ أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ابْتَاعَ مِنْ أَعْرَابِيٍّ فَرَسًا فَقَالَ لَهُ: " اخْتَرْ " فَقَالَ: عَمَّرَكَ اللَّهُ مِمَّنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " امْرُؤٌ مِنْ قُرَيْشٍ ".
وَلِأَنَّ الْخِيَارَ خِيَارَانِ: خِيَارُ شَرْطٍ، وَخِيَارُ عَقْدٍ.
ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّ خِيَارَ الشَّرْطِ يَنْقَطِعُ بِالتَّخْيِيرِ، فَكَذَلِكَ خِيَارُ الْعَقْدِ يَجِبُ أَنْ يَنْقَطِعَ بِالتَّخْيِيرِ.
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ التَّخْيِيرَ يَقُومُ مَقَامَ الِافْتِرَاقِ فِي قَطْعِ الْخِيَارِ وَلُزُومِ الْبَيْعِ، فَخَيَّرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ:
فَإِنِ اخْتَارَا جَمِيعًا الْإِمْضَاءَ، انْقَطَعَ الْخِيَارُ وَلَزِمَ الْبَيْعُ.
وَإِنِ اخْتَارَا جَمِيعًا الْفَسْخَ، انْفَسَخَ الْبَيْعُ وَإِنِ اخْتَارَ أَحَدُهُمَا الفسخ والآخر الإمضاء غلبا الْفَسْخَ عَلَى الْإِمْضَاءِ، وَفُسِخَ الْبَيْعُ، لِأَنَّ مَوْضُوعَ الخيار الفسخ.
فصل:
وقد يكون صَرِيحًا: بِأَنْ يَقُولَ: فَسَخْتُ.
وَقَدْ يَكُونُ بِمَا يقوم مقام قَوْله: قَدْ فَسَخْتُ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الْبَائِعُ فِي الْمَجْلِسِ وَالثَّمَنُ مُؤَجَّلٌ: لَسْتُ أُمْضِي الْبَيْعَ إِلَّا بِتَعْجِيلِ الثَّمَنِ، وَيَقُولُ الْمُشْتَرِي: لَسْتُ أُعَجِّلُ الثَّمَنَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ فَسْخًا لِلْعَقْدِ وَيَقُومُ مَقَامَ قَوْلِهِ: قَدْ فَسَخْتُ، وَكَذَلِكَ نَظَائِرُ ذَلِكَ وَأَشْبَاهُهُ.
فَلَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي وَالثَّمَنُ أَلْفُ دِرْهَمٍ صِحَاحٍ: لَسْتُ أَخْتَارُهُ إِلَّا بِأَلْفِ غُلة، فَقَالَ الْبَائِعُ: لَسْتُ أُمْضِيهِ بالغُلة، كَانَ فَسْخًا، وَإِنْ لَمْ يَفْتَرِقَا وَأَمْضَاهُ الْبَائِعُ بِالْأَلْفِ الغُلة كَانَ ذَلِكَ اسْتِئْنَافَ عَقْدٍ غَيْرِ الْأَوَّلِ وَكَانَ لَهُمَا الْخِيَارُ ما لم يفترقا، أو يختارا الإمضاء.
ومما يَكُونُ لِلْبَيْعِ وَيَقُومُ مَقَامَ قَوْلِهِ: قَدْ فَسَخْتُ، أَنْ يَتْلَفَ الْمَبِيعُ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ، فَيَكُونُ فَسْخًا لِلْعَقْدِ لِتَلَفِهِ قَبْلَ انْبِرَامِ الْعَقْدِ.
فَلَوْ قَبَضَ الْمُشْتَرِي السِّلْعَةَ، ثُمَّ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ، بَطَلَ الْعَقْدُ، وَكَانَتِ السِّلْعَةُ مَضْمُونَةً عَلَى الْمُشْتَرِي بِالْقِيمَةِ دُونَ الثَّمَنِ، لِفَسَادِ الْعَقْدِ بِالتَّلَفِ، وَوُجُوبِ الضَّمَانِ بِالْيَدِ.
وَلَوْ قَبَضَهَا الْمُشْتَرِي، ثُمَّ أَوْدَعَهَا الْبَائِعَ فِي الْمَجْلِسِ، ثُمَّ تَلِفَتْ فِي يَدِ الْبَائِعِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ، بَطَلَ الْبَيْعُ، وَكَانَتْ مَضْمُونَةً عَلَى الْمُشْتَرِي بِالْقِيمَةِ، وَلَا تَكُونُ مَضْمُونَةً عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي يَدِهِ وَدِيعَةً لِلْمُشْتَرِي.
وَمِمَّا يَكُونُ فَسْخًا لِلْبَيْعِ أَنْ يُؤَجِّرَهُ أَوْ يُوصِيَ بِهِ، أَوْ يَعْرِضَهُ عَلَى الْبَيْعِ مِنْ غَيْرِهِ أَوْ يَقِفَهُ، أَوْ يَكُونُ عَبْدًا فَيَعْتِقُهُ، أَوْ ثَوْبًا فَيَلْبَسُهُ، إِلَى أَشْبَاهِ ذَلِكَ.
فَلَوِ اخْتَلَفَا بَعْدَ الِافْتِرَاقِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: افْتَرَقْنَا عَنْ فَسْخٍ، وَقَالَ الْآخَرُ: افْتَرَقْنَا عَنْ تَرَاضٍ: ففيه لأصحابنا وجهان:
أحدهما: أن قَوْلُ مَنِ ادَّعَى الِافْتِرَاقَ عَنْ تَرَاضٍ؛ لِأَنَّ دَعْوَاهُ تَتَضَمَّنُ إِنْفَاذَ الْبَيْعِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مَنْ حَالِ الْعَقْدِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مَنِ ادَّعَى الِافْتِرَاقَ عَنْ فَسْخٍ؛ لِأَنَّ دَعْوَاهُ تَتَضَمَّنُ فَسْخَ الْبَيْعِ.
وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي إِثْبَاتِ الْعَقْدِ وَإِنْكَارِهِ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مُنْكِرِهِ دُونَ مُثْبِتِهِ، فَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي إنفاذه وفسخه.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " فَإِنِ اشْتَرَى جَارِيَةً، فَأَعْتَقَهَا الْمُشْتَرِي قَبْلَ التَّفَرُّقِ أَوِ الْخِيَارِ، وَاخْتَارَ الْبَائِعُ نَقْضَ الْبَيْعِ، كَانَ لَهُ، وَكَانَ عِتْقُ الْمُشْتَرِي بَاطِلًا، لِأَنَّهُ أَعْتَقَ مَا لَمْ يَتمَّ مِلْكُهُ، فَإِنْ أَعْتَقَهَا الْبَائِعُ كان جائزا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، وَلِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُقَدِّمَةٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْجَوَابُ وَهِيَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مَتَى يَمْلِكُ الْمَبِيعَ فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَخِيَارِ الثَّلَاثِ؟
فَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: نَصَّ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ زَكَاةِ الْفِطْرِ: أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَمْلِكُ الْمَبِيعَ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، وَيَسْتَقِرُّ مِلْكُهُ بِقَطْعِ الْخِيَارِ، فَيَكُونُ الْمِلْكُ حَاصِلًا بِالْعَقْدِ وَحْدَهُ، وَاسْتِقْرَارُ الْمِلْكِ يَكُونُ بِقَطْعِ الْخِيَارِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: نَصَّ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْأُمِّ: أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَمْلِكُ الْمَبِيعَ إِلَّا بِالْعَقْدِ وَقَطْعِ الْخِيَارِ، فَلَا يَحْصُلُ الْمِلْكُ مُسْتَقِرًّا، إِلَّا بِالْعَقْدِ وَقَطْعِ الْخِيَارِ جَمِيعًا.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ مِلْكَ الْمُشْتَرِي لِلْمَبِيعِ مَوْقُوفٌ مُرَاعى، فَإِنِ انْقَطَعَ الْخِيَارُ بَعْدَ الْعَقْدِ عَنْ تراض منهما به، بان أن الْمُشْتَرِيَ كَانَ مَالِكًا لِلْمَبِيعِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، وَإِنْ نقض الخيار عن فسخ، بأن أنّ الْمَبِيعَ، لَمْ يَزُلْ عَنْ مِلْكِ الْبَائِعِ، وَأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا لَهُ.
وَقَالَ أبو حنيفة: إِذَا كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا أَوْ لِلْبَائِعِ وَحْدَهُ، كَانَ الْمَبِيعُ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، فَإِذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الْخِيَارِ، مَلَكَهُ الْمُشْتَرِي حِينَئِذٍ بِالْعَقْدِ الْمُتَقَدَّمِ، وَإِنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي وَحْدَهُ، فَالْمَبِيعُ قَدْ زَالَ عَنْ مِلْكِ الْبَائِعِ بِالْعَقْدِ، وَلَا يَمْلِكُهُ الْمُشْتَرِي إِلَّا بَعْدَ تَقَضِّي مُدَّةِ الْخِيَارِ، فَإِذَا انْقَضَتْ مَلَكَهُ حِينَئِذٍ بِالْعَقْدِ الْمُتَقَدِّمِ.
وَهَذَا الْمَذْهَبُ مُخَالِفٌ لِمَذَاهِبِنَا الثَّلَاثَةِ، وَفِي تَوْجِيهِهَا دَلِيلٌ عَلَيْهِ.
فَأَمَّا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ قَدْ مَلَكَ بِنَفْسِ الْعَقْدِ - وَهُوَ أَصَحُّ الْأَقَاوِيلِ - فَوَجْهُهُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ:
أَحَدُهَا: حَدِيثُ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " الْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا ".
فَسَمَّاهُمَا مُتَبَايِعَيْنِ، فَدَلَّ عَلَى حُصُولِ الْبَيْعِ، وَمُوجَبُ الْبَيْعِ حُصُولُ الْمِلْكِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْخِيَارَ نَوْعَانِ: خِيَارُ عَقْدٍ، وَخِيَارُ عَيْبٍ.
فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ خِيَارُ الْعَيْبِ مَانِعًا مِنْ حُصُولِ الْمِلْكِ، لَمْ يَكُنْ خِيَارُ الْعَقْدِ مَانِعًا مِنْ حُصُولِ الْمِلْكِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْأَمْلَاكَ تُسْتَفَادُ بِأَحَدِ وَجْهَيْنِ: بِقَوْلٍ، وَبِفِعْلٍ.
فَلَمَّا كَانَ مَا يُمْلَكُ بِالْفِعْلِ كَالِاصْطِيَادِ وَالِاحْتِشَاشِ، لَا يَكُونُ مُرُورُ الزَّمَانِ مُؤَثِّرًا فِي تَمَلُّكِهِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَا يُمْلَكُ بِالْقَوْلِ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ لَا يَكُونُ مُرُورُ الزَّمَانِ أَيْضًا مُؤَثِّرًا فِي تَمَلُّكِهِ.
وَأَمَّا الْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَمْلِكُ الْمَبِيعَ إِلَّا بِالْعَقْدِ وَقَطْعِ الْخِيَارِ، فَوَجْهُهُ شَيْئَانِ:
أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: " كل بيعين فلا بيع بينهما، حتى يَتَفَرَّقَا أَوْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: اخْتَرْ " فَنَفَى الْبَيْعَ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ يَحْصُلُ بِالِافْتِرَاقِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ حُصُولَ الْمِلْكِ يَقْتَضِي ثُبُوتَ مُوجَبِهِ، وَمُوجَبُ الْمِلْكِ جَوَازُ التَّصَرُّفِ، فَلَمَّا كَانَ الْمُشْتَرِي مَمْنُوعًا مِنَ التَّصَرُّفِ، دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ غَيْرُ مُنْتَقَلٍ.
وَأَمَّا الْقَوْلُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنَّ الْمِلْكَ مَوْقُوفٌ مُرَاعًى، فَوَجْهُهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ: وَهُوَ أَنَّ الْعَقْدَ يُثْبِتُ الْمِلْكَ، وَالْخِيَارَ يَنْفِي الْمِلْكَ وَأَمْرُهَا مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَنْ يَغْلِبَ حُكْمُ الْعَقْدِ فِي إِثْبَاتِ الْمِلْكِ بِقَطْعِ الْخِيَارِ عَنْ تَرَاضٍ، وَبَيْنَ أَنْ يَغْلِبَ حُكْمُ الْخِيَارِ فِي نَفْيِ الْمِلْكِ بِالْفَسْخِ قَبْلَ تَقَضِّي الْخِيَارِ، فَصَارَ كَالْقَبْضِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ وَيَقِفُ تَصْحِيحُهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَقْبَضَهُ بَانَ صِحَّةُ الْعَقْدِ، وَإِنْ تَلِفَ بَانَ فَسَادُ الْعَقْدِ، فَكَذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حَالُ الْخِيَارِ، فَإِنْ تَقَضَّى عَنْ تَرَاضٍ، بَانَ صِحَّةُ الْعَقْدِ وَانْتِقَالُ الْمِلْكِ، وَإِنْ تَقَضَّى عَنْ فَسْخٍ بَانَ بُطْلَانُ الْعَقْدِ، وَأَنَّ الْمِلْكَ لِمَ يَنْتَقِلْ بِهِ.
فَصْلٌ:
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَوْجِيهِ الْأَقْوَالِ:
فَالْجَوَابُ عَنْ عِتْقِ الْمُشْتَرِي فِي زَمَانِ الْخِيَارِ، مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ:
وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو حَالُ الْبَائِعِ بَعْدَ عِتْقِ الْمُشْتَرِي مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ:
إِمَّا أَنْ يُمْضِيَ الْبَيْعَ.
أَوْ يَفْسَخَهُ.
فَإِنْ أَمْضَى الْبَائِعُ الْبَيْعَ نَفَذَ عِتْقُ الْمُشْتَرِي عَلَى قَوْلَيْنِ مِنْ ثَلَاثَةٍ، وَهُوَ عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي يَزْعُمُ إِنَّ الْمِلْكَ قَدِ انْتَقَلَ إِلَى الْمُشْتَرِي بِنَفْسِ الْعَقْدِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّ الْمِلْكَ مَوْقُوفٌ مُرَاعًى؛ لِأَنَّ عِتْقَ الْمُشْتَرِي صَادَفَ مِلْكًا تَامًّا.
فَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الثَّالِثِ، وَهُوَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَمْلِكُ، إِلَّا بِالْعَقْدِ وَالتَّفَرُّقِ، فَعِتْقُ الْمُشْتَرِي، بَاطِلٌ غَيْرُ نَافِذٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَلَفَّظَ بِالْعِتْقِ قَبْلَ مِلْكِهِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا عِتْقَ قَبْلَ مِلْكٍ ".
ثُمَّ الْمُشْتَرِي عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَسْتَأْنِفَ عِتْقَهُ، وَبَيْنَ أَنْ يَسْتَدِيمَ رِقَّهُ.
وَإِنْ فَسَخَ الْبَائِعُ الْبَيْعَ، بَطَلَ عِتْقُ الْمُشْتَرِي عَلَى قَوْلَيْنِ مِنْ ثلاثة:
وَهُوَ إِذَا قِيلَ: إِنَّهُ لَا يَمْلِكُ بِالْعَقْدِ وَالِافْتِرَاقِ، أَوْ أَنَّ الْمِلْكَ مَوْقُوفٌ مُرَاعًى؛ لِأَنَّهُ تَلَفَّظَ بِعِتْقِ مَا لَا يَمْلِكُ.
فَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الثَّالِثِ: وَهُوَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَمْلِكُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، فَلَا يَخْلُو حَالُ الْمُشْتَرِي الْمُعْتِقِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ:
إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُوسِرًا، أَوْ مُعْسِرًا: فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي مُعْسِرًا، فَعِتْقُهُ بَاطِلٌ بِوِفَاقِ أَصْحَابِنَا كَافَّةً، لِأَنَّ لِلْبَائِعِ فَسْخَ الْبَيْعِ؛ لِحِفْظِ الرَّقَبَةِ، وَطَلَبِ الْحَظِّ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُبْطِلَ الْمُشْتَرِي بِعِتْقِهِ مَا يَسْتَحِقُّهُ الْبَائِعُ بِالْفَسْخِ.
وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي مُوسِرًا، فَقَدْ كَانَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ يُخَرِّجُ نُفُوذَ عِتْقِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ مِنِ اخْتِلَافِ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ فِي عِتْقِ الرَّاهِنِ لِعَبْدِهِ الْمَرْهُونِ:
أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ: أَنَّ عِتْقَهُ بَاطِلٌ؛ لِحَجْرِ الْبَائِعِ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ عِتْقَهُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَمَّا سَرَى إِلَى غَيْرِ الْمِلْكِ فِي حِصَّةِ الشَّرِيكِ، كَانَ وُقُوعُهُ فِي الْمِلْكِ وَرَفْعُهُ لِحَجْرِ الْبَائِعِ أَوْلَى.
وَكَانَ أَبُو الطَّيِّبِ بْنُ سَلَمَةَ، وَأَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ، وَأَبُو علي ابن أَبِي هُرَيْرَةَ، يُنْكِرُونَ تَخْرِيجَ أَبِي الْعَبَّاسِ، وَيُبْطِلُونَ الْعِتْقَ وَجْهًا وَاحِدًا، لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ وَإِنْ كَانَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مَالِكًا، فَخِيَارُ الْبَائِعِ يُوَقِعُ عَلَيْهِ حَجْرًا وَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ لَا يَنْفُذُ عِتْقُهُ كَالسَّفِيهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الرَّاهِنِ حَيْثُ يَنْفُذُ عِتْقُهُ فِي عَبْدِهِ الْمَرْهُونِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ حَجْرٌ لِلْمُرْتَهِنِ، أَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنَ مُتَعَلِّقٌ بِذِمَّةِ الرَّاهِنِ، وَالرَّهْنُ وَثِيقَةٌ فِيهِ، فَضَعُفَ حَجْرُهُ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْبَائِعُ.
فَإِنْ قِيلَ: بِبُطْلَانِ عِتْقِ الْمُشْتَرِي - وَهُوَ الصَّحِيحُ - اسْتَرْجَعَ الْبَائِعُ عَبْدَهُ بِالْفَسْخِ، وَلَمْ يَلْزَمِ الْمُشْتَرِيَ قِيمَةٌ وَلَا ثَمَنٌ، لِبُطْلَانِ الْعِتْقِ.
وَإِنْ قِيلَ: بِنُفُوذِ عِتْقِ الْمُشْتَرِي، فَلَا بُدَّ لِلْبَائِعِ عَلَى الْعَبْدِ، لِنُفُوذِ عِتْقِهِ، وَصِحَّةِ حُرِّيَّتِهِ.
وَعَلَى الْمُشْتَرِي ضَمَانُهُ لِلْبَائِعِ، وَفِيمَا يُضَمِّنُهُ بِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُضَمِّنُهُ بِالثَّمَنِ الْمُسَمَّى، وَيَصِيرُ عِتْقُ الْمُشْتَرِي مُبْطِلًا لِفَسْخِ الْبَائِعِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: - وَهُوَ أَصَحُّ - يُضَمِّنُهُ بِالْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ الْخِيَارِ، يُثْبِتُ فَسْخَ الْبَائِعِ، وَفَسْخَ الْبَائِعِ يُوجِبُ رَفْعَ الْعَقْدِ وَالثَّمَنِ الْمُسَمَّى فِيهِ، وَإِذَا بَطَلَ الْعَقْدُ، صَارَ الْمُشْتَرِي مُسْتَهْلِكًا لِلْعَبْدِ بِغَيْرِ عَقْدٍ، فَوَجَبَ أَنْ يُضَمِّنَهُ بِقِيمَتِهِ كَسَائِرِ الْمُتْلَفَاتِ.
فَهَذَا حُكْمُ عِتْقِ الْمُشْتَرِي.
فَصْلٌ:
فَأَمَّا إِذَا فَعَلَ الْمُشْتَرِي بِالْمَبِيعِ فِي وَقْتِ الْخِيَارِ تَصَرُّفًا غَيْرَ الْعِتْقِ، فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: مَا يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْعِتْقِ عَلَى مَا مَضَى مِنْ إِمْضَاءِ الْبَائِعِ دُونَ فَسْخِهِ، وَذَلِكَ: الْوَقْفُ، وَالتَّدْبِيرُ، وَالْوَصِيَّةُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا كَانَ مَرْدُودًا بَاطِلًا عَلَى الْأَحْوَالِ كُلِّهَا، سَوَاءٌ انْفَسَخَ الْبَيْعُ أَوْ تَمَّ، وَذَلِكَ: الْبَيْعُ، وَالْإِجَارَةُ، وَالرَّهْنُ، وَالْهِبَةُ.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: مَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ، وَذَلِكَ: الْكِتَابَةُ، فَفِيهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: كَالضَّرْبِ الْأَوَّلِ، فَتَكُونُ كَالْعِتْقِ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَيْهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ كَالضَّرْبِ الثَّانِي، فَيَكُونُ بَاطِلًا؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ كَالْبَيْعِ.
وَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ بِعِتْقٍ كَانَ أَوْ غَيْرِهِ إِذَا كَانَ بِغَيْرِ أَمْرِ الْبَائِعِ.
فَأَمَّا إِذَا كَانَ بِأَمْرِ الْبَائِعِ وَعَنْ إِذْنِهِ، فَجَمِيعُهُ نَافِذٌ مَاضٍ، وَيكَوْن تَصَرُّف الْمُشْتَرِي بِذَلِكَ عَنْ إِذْنِ الْبَائِعِ اخْتِيَارًا مِنْهُمَا لِإِمْضَاءِ الْبَيْعِ وَقَطْعِ الْخِيَارِ.
فَإِنْ قِيلَ: أَفَيَكُونُ تَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْعِتْقِ وَغَيْرِهِ عَنْ غَيْرِ أَمْرِ الْبَائِعِ رِضًا مِنْهُ لِإِمْضَاءِ الْبَيْعِ وَقَطْعِ الْخِيَارِ مِنْ جِهَتِهِ؟
قِيلَ: لَا يَخْلُو حَالُ تَصَرُّفِهِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي خِيَارِ الثَّلَاثِ.
أَوْ فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ.
فَإِنْ كَانَ تَصَرُّفُهُ بِمَا ذَكَرْنَا فِي خِيَارِ الثَّلَاثِ، كَانَ ذَلِكَ رِضًا مِنْهُ لِإِمْضَاءِ الْبَيْعِ وَقَطْعِ الْخِيَارِ، وَيَكُونُ خِيَارُ الْبَائِعِ بَاقِيًا؛ لِأَنَّ خِيَارَ الثَّلَاثِ لَا يَمْتَنِعُ ثُبُوتُهُ لِأَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، وَكَذَا لَوِ اخْتَارَ إِمْضَاءَ الْبَيْعِ بِصَرِيحِ الْقَوْلِ، فَقَالَ: قَدِ اخْتَرْتُ الْإِمْضَاءَ، انْقَطَعَ خِيَارُهُ، ويكون خيار البائع باقيا له بحاله.
وَإِنْ كَانَ تَصَرُّفُهُ بِمَا ذَكَرْنَا فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ، أَوْ قَالَ: قَدِ اخْتَرْتُ إِمْضَاءَ الْبَيْعِ: فَإِنْ قَابَلَهُ الْبَائِعُ بِالْإِمْضَاءِ عَلَى الْفَوْرِ كَانَ ذَلِكَ قَطْعًا لِخِيَارِهِمَا:
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَبِالتَّصَرُّفِ الدَّالِّ عَلَى الرِّضَا مِنْ جِهَتِهِ، أَوْ بِصَرِيحِ اخْتِيَارِهِ.
وَأَمَّا الثَّانِي: فَبِمُقَابَلَتِهِ لَهُ عَلَى إِجَازَةِ تَصَرُّفِهِ.
وَإِنْ لَمْ يُقَابِلْهُ الْبَائِعُ بِالْإِمْضَاءِ عَلَى الْفَوْرِ، بَلْ أَمْسَكَ عَنِ الرِّضَا، وَلَمْ يُصَرِّحْ فِي تَصَرُّفِهِ بِالِاخْتِيَارِ.
فَلَا يَخْلُو تَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَلْزَمُهُ حُكْمُهُ فِي الْحَالِ كَالْعِتْقِ وَالْوَقْفِ وَالتَّدْبِيرِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ قَطْعًا لِخِيَارِهِ وَرِضًا لِلْإِمْضَاءِ مِنْ جِهَتِهِ وَيَكُونُ خِيَارُ الْبَائِعِ بَاقِيًا.
وَإِنَّمَا بَطَلَ خِيَارُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ بَقَاءَ خِيَارِهِ يَمْنَعُ مِنْ لُزُومِ حُكْمِ تَصَرُّفِهِ، فَلَمَّا كَانَ حُكْمُ
تَصَرُّفِهِ لَازِمًا لَهُ، أَوْجَبَ سُقُوطَ خِيَارِهِ، وَإِنْ كَانَ تَصَرُّفُهُ مِمَّا لَا يَلْزَمُ حُكْمُهُ فِي الْحَالِ كَالْبَيْعِ، وَالْإِجَارَةِ لِافْتِقَارِهِمَا إِلَى صَرِيحِ الِاخْتِيَارِ.
فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ الْبَغْدَادِيِّينَ: أَنَّهُ يَكُونُ قَطْعًا لِخِيَارِهِ، وَإِنْ كَانَ خِيَارُ الْبَائِعِ بَاقِيًا، كَمَا لَوِ اخْتَارَ قَطْعَ ذَلِكَ فِي خِيَارِ الثَّلَاثِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ وَهُوَ الصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا يَكُونُ ذَلِكَ قَطْعًا لِخِيَارِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ مِنْ حُكْمِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ أَنْ يَثْبُتَ لِلْمُتَبَايِعَيْنِ مَعًا، وَلَا يَثْبُتُ لِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، فَلَمَّا كَانَ الْخِيَارُ بَاقِيًا لِلْبَائِعِ وَإِنْ حَدَثَ مِنْ تَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي وَقَوْلُهُ مَا حَدَثَ، اقْتَضَى أَنْ يَكُونَ الْخِيَارُ بَاقِيًا لِلْمُشْتَرِي وَإِنْ حَدَثَ مِنْ تَصَرُّفِهِ وَقَوْلِهِ مَا حَدَثَ؛ لِيَكُونَا سَوَاءً فِيمَا أَوْجَبَ الْعَقْدُ تَسَاوِيَهُمَا فِيهِ.
وَبِهَذَا الْمَعْنَى فَارَقَ خِيَارَ الثَّلَاثِ حَيْثُ كَانَ هَذَا التَّصَرُّفُ مِنَ الْمُشْتَرِي قَاطِعًا لِخِيَارِهِ وَإِنْ بَقِيَ خِيَارُ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ خِيَارَ الثَّلَاثِ يَجُوزُ ثُبُوتُهُ لِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ.
فَهَذَا الْكَلَامُ فِي عِتْقِ الْمُشْتَرِي وَتَصَرُّفِهِ.
فَصْلٌ:
فَأَمَّا عِتْقُ الْبَائِعِ لِلْعَبْدِ الْمَبِيعِ فِي زَمَانِ الْخِيَارِ، فَنَافِذٌ عَلَى الْأَقَاوِيلِ كُلِّهَا، وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي اعْتِرَاضٌ وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ قَدْ مَلَكَ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ عِتْقِ الْبَائِعِ - حَيْثُ نَفَذَ عَلَى الْأَقَاوِيلِ كُلِّهَا - وَبَيْنَ عِتْقِ الْمُشْتَرِي:
أَنَّ عِتْقَ الْبَائِعِ، فَسْخٌ، وَعِتْقَ الْمُشْتَرِي، إِمْضَاءٌ.
وَفَسَخُ الْبَائِعِ مُقَدَّمٌ عَلَى إِمْضَاءِ الْمُشْتَرِي، فَلِذَلِكَ نَفَذَ عِتْقُهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُ الْمُشْتَرِي.
وَكَذَلِكَ تَصَرّفُ الْبَائِعِ بِغَيْرِ الْعِتْقِ مَاضٍ، وَيَكُونُ فَسْخًا، كَمَا لَوْ آجَرَ، أَوْ رَهَنَ، أَوْ وَهَبَ، أَوْ وَصَّى، أَوْ وَقَفَ، أَوْ دَبَّرَ، كَانَ جَمِيعُهُ مَاضِيًا، وَكَانَ لِلْعَقْدِ فَاسِخًا.
وَسَوَاءٌ كَانَ الْبَائِعُ قَدْ أَقْبَضَ الْمَبِيعَ فِي زَمَانِ الْخِيَارِ، أَوْ لَمْ يَحْصُلِ الْقَبْضُ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ: فَلَوْ كَانَ الْبَائِعُ بَعْدَ أَنْ تَقَابَضَا الْعَبْدَ الْمَبِيعَ، وَهَبَهُ لِلْمُشْتَرِي فِي زَمَانِ الْخِيَارِ، جَازَتِ الْهِبَةُ، وَانْفَسَخَ الْبَيْعُ، وَاحْتَاجَ الْمُشْتَرِي إِلَى تَجْدِيدِ قَبْضِ الْهِبَةِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَقْبُوضًا فِي يَدِهِ بِالْبَيْعِ لَا بِالْهِبَةِ.
فَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ قَبْلَ تَجْدِيدِ الْقَبْضِ، مَاتَ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ الْوَاهِبِ، لِأَنَّ الْهِبَةَ لَمْ تَتِمَّ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَكَانَ مَضْمُونًا عَلَى الْمُشْتَرِي بِالْقِيمَةِ دُونَ الثَّمَنِ، لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ بِالْفَسْخِ، وَالْهِبَةُ لَمْ تَتِمَّ بِالْقَبْضِ، فَلَمْ يَسْقُطِ الضَّمَانُ.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَانٍ، لَمْ يَحْكِهِ أَبُو الْعَبَّاسِ: أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا كَانَ فِي قَبْضِ الْمَوْهُوبِ لَهُ، لَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَجْدِيدِ قَبْضٍ، وَإِنَّمَا تصح الهبة بالعقد وأن يمضي بعده زمان القبض.
فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ الْعَبْدُ تَالِفًا مِنْ مِلْكِ الْمُشْتَرِي، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، لِصِحَّةِ الْهِبَةِ.
فصل:
إذا قَالَ الْمُشْتَرِي فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ لِلْعَبْدِ الْمَبِيعِ: إِنْ تَمَّ الْعَقْدُ بَيْنَنَا وَانْبَرَمَ فَأَنْتَ حُرٌّ.
فَهَذَا الْقَوْلُ لَا يَمْنَعُهُ مِنِ اخْتِيَارِ الْفَسْخِ، بِخِلَافِ مَا مَضَى مِنْ تَعْجِيلِ عِتْقِهِ.
ثُمَّ يَنْظُرُ: فَإِنِ انْفَسَخَ الْبَيْعُ بِفَسْخِ الْبَائِعِ، أَوْ بِفَسْخِ الْمُشْتَرِي، رَجَعَ الْعَبْدُ إِلَى الْبَائِعِ، وَلَمْ يُعْتَقْ، فَإِنْ تَمَّ الْبَيْعُ وَصَحَّ، عتقَ عَلَى الْمُشْتَرِي، إِنْ قِيلَ: إِنَّهُ قَدْ مَلَكَ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، أَوْ قِيلَ: إِنَّهُ مَوْقُوفٌ مُرَاعًى، لِوُجُودِ الصِّفَةِ، وَتَقَدُّمِ الْقَوْلِ فِي مِلْكِهِ.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ لَا يَمْلِكُ إِلَّا بِالْعَقْدِ وَالِافْتِرَاقِ، لَمْ يُعْتَقْ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وَإِنْ وُجِدَتْ صِفَةُ عِتْقِهِ بِتَمَامِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ قَوْلَهُ بِالْعِتْقِ فِي زَمَانٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِلْكٌ، فَجَرَى مَجْرَى قَوْلِهِ لَعَبْدِ غَيْرِهِ: إِنْ مَلَكْتُكَ فَأَنْتَ حُرٌّ، فَمَلَكَهُ، لَمْ يُعْتَقْ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " لَا عِتْقَ قَبْلَ مِلْكٍ ".
فَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَالَ: إِنِ انْفَسَخَ الْبَيْعُ بَيْنَنَا فَأَنْتَ حُرٌّ، لَمْ يُعْتَقْ عَلَيْهِ، وَإِنْ حَصَلَ الْفَسْخُ، لِأَنَّهُ بِالْفَسْخِ قَدْ صَارَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، وَإِنْ تَمَّ الْبَيْعُ فَأَحْرَى أَنْ لَا يُعْتَقَ، لِأَنَّ تَمَامَ الْبَيْعِ لَيْسَ صِفَةً لِعِتْقِهِ.
فَلَوْ كَانَ الْبَائِعُ، قَدْ قَالَ فِي زَمَانِ الْخِيَارِ لِلْعَبْدِ الْمَبِيعِ: إِنِ انْفَسَخَ الْبَيْعُ، فَأَنْتَ حُرٌّ، فَانْفَسَخَ الْبَيْعُ إِمَّا بِفَسْخِهِ أَوْ بِفَسْخِ الْمُشْتَرِي، عَتَقَ عَلَى الْبَائِعِ عَلَى الْأَقَاوِيلِ كُلِّهَا، لِأَنَّهُ كَانَ عِنْدَ عَقْدِ الصَّفْقَةِ بِعِتْقِهِ مِمَّنْ يَصِحُّ مِنْهُ تَعْجِيلُ عِتْقِهِ، وَقَدْ وُجِدَتِ الصِّفَةُ فِي مِلْكِهِ.
فَلَوْ كَانَ الْبَائِعُ قَالَ: إِنْ تَمَّ الْبَيْعُ فَأَنْتَ حُرٌّ، فَتَمَّ الْبَيْعُ، لَمْ يُعْتَقْ عَلَيْهِ، لوجود الصفة في غير ملكه.
فَصْلٌ:
إِذَا اشْتَرَى مَنْ يُعْتِقُ عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ مِنْ وَالِدٍ أَوْ وَلَدٍ، جَازَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ خِيَارٍ، فَيَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ بِالْعَقْدِ وَلَا يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الثَّلَاثِ لِفَقْدِ الشَّرْطِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ مُقَيَّدًا بِشَرْطِ خِيَارِ الثَّلَاثِ، فَيَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ بالعقد، وخيار الثلاثاء بِالشَّرْطِ، فَإِنْ أَرَادَ الْبَائِعُ فَسْخَ الْبَيْعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، فَذَلِكَ لَهُ عَلَى الْأَقَاوِيلِ كُلِّهَا، سَوَاءٌ كَانَ فِي مُدَّةِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ أَوْ خِيَارِ الثَّلَاثِ.
وَيُفَارِقُ اسْتِئْنَافُ الْمُشْتَرِي عِتْقَ الْأَمَةِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، حَيْثُ كَانَ مَانِعًا مِنْ فَسْخِ الْبَائعِ فِي تَخْرِيجِ أَبِي الْعَبَّاسِ عَلَى أَحَدِ الْأَقَاوِيلِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ إِنَّمَا يَقَعُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ حُكْمًا لِمُوجَبِ الْبَيْعِ وَيَثْبُتُ بِالْعَقْدِ الَّذِي يَجْتَمِعَانِ عَلَيْهِ، وَعِتْقُ الْمُشْتَرِي إِذَا انْفَرَدَ بِهِ جَرَى مَجْرَى الْإِتْلَافِ.
فَأَمَّا إِنْ أَرَادَ الْمُشْتَرِي فَسْخَ الْبَيْعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ:
فَإِنْ كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا جَمِيعًا، جَازَ لِلْمُشْتَرِي فَسْخُ الْبَيْعِ عَلَى الْأَقَاوِيلِ كُلِّهَا، لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّعْلِيلِ، وَهُوَ أَنَّهُ يُعْتَقُ حُكْمًا بِالْعَقْدِ الَّذِي يجتمعان عليه.
وَإِنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي وَحْدَهُ، جَازَ أَنْ يفسخ إذا قِيلَ: إِنَّهُ لَا يَمْلِكُ إِلَّا بِالْعَقْدِ وَالِافْتِرَاقِ، أَوْ إِنَّهُ مُرَاعًى، لِأَنَّهُ يَفْسَخُ قَبْلَ تَمَامِ مِلْكِهِ.
فَأَمَّا إِذَا قِيلَ: إِنَّهُ قَدْ يَمْلِكُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَهُ الْفَسْخُ، وَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَمْضِ زَمَانُ خِيَارِهِ؛ لِأَنَّ خِيَارَ الْفَسْخِ مِنْ مُوجِبَاتِ الْعَقْدِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَثْبُتَ الْعَقْدُ مَعَ انْتِفَاءِ مُوجِبِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ الصَّحِيحُ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ، وَقَدْ عُتِقَ عَلَيْهِ وَسَقَطَ حُكْمُ خِيَارِهِ، لِأَنَّ الْخِيَارَ مَوْضُوعٌ لِطَلَبِ الْحَظِّ، وَتَوْفِيرِ الرِّبْحِ فِيمَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَفْقُودٌ فِيمَنْ يُعْتَقُ بِالْمِلْكِ، فَلَمْ يَكُنْ لِثُبُوتِ الخيار في ابتياعه وجه.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَلَوْ عَجَّلَ الْمُشْتَرِي فَوَطِئَهَا فَأَحْبَلَهَا قَبْلَ التَّفَرُّقِ فِي غَفْلَةٍ مِنَ الْبَائِعِ، وَاخْتَارَ الْبَائِعُ فَسْخَ الْبَيْعِ، كَانَ عَلَى الْمُشْتَرِي مَهْرُ مِثْلِهَا، وَقِيمَةُ وَلَدِهِ مِنْهَا يَوْمَ تَلِدُهُ، وَلَحِقَهُ بِالشُّبْهَةِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا وَطِئَ الْمُشْتَرِي الْجَارِيَةَ الْمَبِيعَةَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ وَطْؤُهُ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ، فَلَا مَهْرَ فِيهِ سَوَاءٌ تَمَّ الْبَيْعُ أَوِ انْفَسَخَ.
وَهَلْ يُوجِبُ ذَلِكَ تَحْرِيمَ الْمُصَاهَرَةِ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَطَأَ في الفرج، هذا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا أَنْ تَحْبَلَ بِوَطْئِهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ لَا تَحْبَلَ.
فَإِنْ لَمْ تَحْبَلْ بِوَطْئِهِ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ فِيهِ عَلَى الْأَقَاوِيلِ كُلِّهَا، لِشُبْهَةِ الْمِلْكِ.
فَأَمَّا الْمَهْرُ، فَمُعْتَبَرٌ بِتَمَامِ الْبَيْعِ وَفَسْخِهِ:
فَإِنْ تَمَّ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا، فَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ إِنْ قِيلَ: إِنَّهُ قَدْ مَلَكَ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، أَوْ قِيلَ: إِنَّهُ مُرَاعًى، لِأَنَّ وَطْأَهُ: صَادَفَ مِلْكَهُ.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ لَا يَمْلِكُ إِلَّا بِالْعَقْدِ وَالِافْتِرَاقِ، فَفِي وُجُوبِ الْمَهْرِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَالشَّرْطِ، هَلْ يَجْرِي مَجْرَى خِيَارِ الْعَيْبِ أَوْ مَجْرَى خِيَارِ الْبَذْلِ وَالْقَبُولِ؟
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى خِيَارِ الْعَيْبِ فَعَلَى هَذَا لَا مَهْرَ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى خِيَارِ الْبَذْلِ وَالْقَبُولِ، فَعَلَى هَذَا عَلَيْهِ الْمَهْرُ.
وَإِنِ انْفَسَخَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا، فَعَلَيْهِ الْمَهْرُ إِنْ قِيلَ: لَا يَمْلِكُ إِلَّا بِالْعَقْدِ وَالِافْتِرَاقِ، أَوْ قِيلَ: إنه مراعى.
فَأَمَّا إِنْ قِيلَ: إِنَّهُ قَدْ مَلَكَ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، فَفِي وُجُوبِ الْمَهْرِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ عَلَى مَا مَضَى.
فَصْلٌ:
وَإِنْ أَحْبَلَهَا بِوَطْئِهِ، فَالْوَلَدُ حُرٌّ يَلْحَقُ بِهِ: وَيَتَعَلَّقُ عَلَى ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَحْكَامٍ:
أَحَدُهَا: فِي الْمَهْرِ، وَهُوَ عَلَى مَا مَضَى سَوَاءٌ.
وَالثَّانِي: فِي قِيمَةِ الْوَلَدِ، وَهُوَ كَالْمَهْرِ.
إِنْ تَمَّ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا، فَلَا قِيمَةَ لِلْوَلَدِ عَلَيْهِ، إِنْ قِيلَ: إِنَّهُ قَدْ مَلَكَ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، أَوْ قِيلَ: إِنَّهُ مُرَاعًى.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ لَا يَمْلِكُ إِلَّا بِالْعَقْدِ وَالِافْتِرَاقِ، فَفِي وُجُوبِ قِيمَتِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: عَلَيْهِ الْقِيمَةُ، لِأَنَّهَا حَمَلَتْ بِهِ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ.
وَالثَّانِي: لَا قِيمَةَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا تَضَعُهُ فِي مِلْكِهِ.
وَإِنِ انْفَسَخَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا، فَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْوَلَدِ إِنْ قِيلَ: لَا يَمْلِكُ إِلَّا بِالْعَقْدِ وَالِافْتِرَاقِ، أَوْ قِيلَ: إِنَّهُ مُرَاعًى.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ قَدْ مَلَكَ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، فَفِي وُجُوبِ قِيمَتِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَيْسَ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ، لِأَنَّهَا عَلِقَتْ بِهِ فِي مِلْكِهِ.
وَالثَّانِي: عَلَيْهِ قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّهَا تَضَعُهُ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ.
وَالْحُكْمُ الثَّالِثُ: فِي كَوْنِهَا أُمَّ وَلَدٍ أَمْ لَا؟ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ نَذْكُرُهُ، ثُمَّ نَبْنِي جَوَابَ الْمَسْأَلَةِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو وَلَدُ الْأَمَةِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: إِنْ تَعَلَّقَ بِمَمْلُوكٍ، إِمَّا مِنْ زَوَاجٍ أَوْ زِنًا، فَلَا تَصِيرُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ لِلْوَاطِئِ فِي الْحَالِ وَلَا فِي ثَانِي حَالٍ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: إِنْ تَعَلَّقَ بِحُرٍّ فِي مِلْكٍ كَالسَّيِّدِ يَطَأُ أَمَتَهُ، فَتَعَلَّقَ مِنْهُ، فَقَدْ صَارَتْ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ فِي الْحَالِ.
فَلَوْ كَانَ قَدْ تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهَا حَقُّ الْغَيْرِ فَبِيعَتْ فِيهِ كَالْمُرْتَهِنِ إِذَا بِيعَتْ فِي حَقِّهِ، ثُمَّ مَلَكَهَا مِنْ بَعْدُ، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ قَوْلًا وَاحِدًا.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: إِنْ تَعَلَّقَ بِحُرٍّ فِي غَيْرِ مِلْكٍ كَوَطْءِ الشُّبْهَةِ، فَلَا تَصِيرُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ فِي الْحَالِ.
وَهَلْ تَصِيرُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ إِذَا مَلَكَهَا فِي ثَانِي حَالٍ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا الْأَصْلُ، فَلَا يَخْلُو حَالُ الْعَقْدِ عَلَيْهَا مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ:
إِمَّا أَنْ يَتِمَّ بَيْنَهُمَا، أَوْ يَنْفَسِخَ.
فَإِنْ تَمَّ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، إِذَا قِيلَ: إِنَّهُ قَدْ مَلَكَ بِنَفْسِ الْعَقْدِ أَوْ قِيلَ: إِنَّهُ مُرَاعًى؛ لِأَنَّهَا عَلِقَتْ مِنْهُ بِحُرٍّ فِي مِلْكٍ.
فَأَمَّا إِنْ قِيلَ: إِنَّهُ لَا يَمْلِكُ إِلَّا بِالْعَقْدِ وَالِافْتِرَاقِ، فَهَلْ تَصِيرُ لَهُ أُمَّ وَلَدٍ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، لِأَنَّهَا قَدْ كَانَتْ عَلِقَتْ مِنْهُ بِحُرٍّ فِي غَيْرِ مِلْكٍ.
وَإِنِ انْفَسَخَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا، صَحَّ الْفَسْخُ وَكَانَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهَا بَعْدَ الْفَسْخِ كَيْفَ شَاءَ مِنْ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ؟ لِأَنَّ تَعَلُّقَ حَقِّهِ بِرَقَبَتِهَا مُقَدَّمٌ عَلَى حُرِّيَّةِ وَلَدِهَا، كَحَقِّ الْمُرْتَهِنِ، إِذَا صَارَتِ الْأَمَةُ الْمَرْهُونَةُ أُمَّ وَلَدٍ لِلرَّاهِنِ.
وَإِنْ مَلَكَهَا الْمُشْتَرِي فِيمَا بَعْدُ، فَإِنْ قِيلَ: إنه قد كان مَلَكَهَا بِنَفْسِ الْعَقْدِ، صَارَتْ لَهُ أُمَّ وَلَدٍ، لِأَنَّهَا قَدْ كَانَتْ عَلِقَتْ مِنْهُ بِحُرٍّ فِي مِلْكِهِ.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا إِلَّا بِالْعَقْدِ وَالِافْتِرَاقِ، أَوْ قِيلَ: إِنَّ الْمِلْكَ مُرَاعًى، فَهَلْ تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: لِأَنَّهَا قَدْ كَانَتْ عَلِقَتْ مِنْهُ بِحُرٍّ فِي غَيْرِ مِلْكٍ.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: وَلَوْ عَجَّلَ الْمُشْتَرِي، فَوَطِئَهَا، فَأَحْبَلَهَا قَبْلَ التَّفَرُّقِ.
فَقَدْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ قَوْمٌ، وَقَالُوا: إِحْبَالُهَا قَبْلَ التَّفَرُّقِ مُسْتَحِيلٌ.
وَعَنْهُ جَوَابَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ.
وَلَوْ عَجَّلَ الْمُشْتَرِي فَوَطِئَهَا قَبْلَ التَّفَرُّقِ فِي غَفْلَةٍ مِنَ الْبَائِعِ فَأَحْبَلَهَا، وَهَذَا مُسْتَقِيمٌ، فَقَدَّمَ لَفْظَ الْإِحْبَالِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْمَعْنَى مُؤَخَّرًا.
وَالْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّ الْكَلَامَ عَلَى حَالِهِ لَا تَقْدِيمَ فِيهِ وَلَا تَأْخِيرَ، وَمَعْنَاهُ مُسْتَقِيمٌ؛ لِأَنَّ الْإِحْبَالَ يَقَعُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ؛ لِأَنَّهُ حَادِثٌ عَنِ الْوَطْءِ، وَإِنَّمَا يَتَأَخَّرُ ظُهُورُهُ، وَلَيْسَ تَأَخُّرُ ظُهُورِهِ بِمَانِعٍ مِنْ حُصُولِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: فِي غَفْلَةٍ مِنَ الْبَائِعِ: فَفِيهِ تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ شَرْطٌ فِي بَقَاءِ الْخِيَارِ لِلْبَائِعِ، وَلَوْ رَآهُ الْبَائِعُ يَطَأُ كَانَ رِضًا مِنْهُ لِإِمْضَاءِ الْبَيْعِ وَقَطْعًا لِخِيَارِهِ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ، لِأَنَّ الْبَائِعَ يَسْتَحِقُّ بِخِيَارِهِ مَنْعَ الْمُشْتَرِي مِنَ التَّصَرُّفِ، فَإِذَا رَآهُ يَتَصَرَّفُ، فَأَمْسَكَ عَنْ مَنْعِهِ، كَانَ رَاضِيًا بِهِ، فَبَطَلَ خِيَارُهُ.
وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي: أَنَّهُ قال ذلك لتحقيق صورة ال
مسألة،
إذ بعيد فِي الْعَادَةِ أَنْ يَطَأَ النَّاسُ بِحَضْرَةِ النَّاسِ، فَأَحَبَّ أَنْ يُصَوِّرَهَا عَلَى مَا يَصِحُّ وُجُودُهَا فِي الْعُرْفِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ شَرْطًا فِي خِيَارِ الْبَائِعِ، وَلَا تَكُونُ رُؤْيَةُ الْبَائِعِ وَعَدَمُ إِنْكَارِهِ قَطْعًا لِخِيَارِهِ، لِأَنَّ الرِّضَا لَا يَكُونُ مَأْخُوذًا مِنْ فِعْلِ الْغَيْرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ:
فَأَمَّا وَطْءُ الْمُشْتَرِي، فَهَلْ يَكُونُ قَاطِعًا لِخِيَارِهِ وَرِضًا مِنْهُ لِإِمْضَاءِ الْبَيْعِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ: يَكُونُ قَاطِعًا لِخِيَارِهِ كَوَطْءِ الْبَائِعِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: إِنَّ وَطْءَ الْمُشْتَرِي لَا يَكُونُ رِضًا لِإِمْضَاءِ الْبَيْعِ، وَإِنْ كَانَ وَطْءُ الْبَائِعِ رِضًا لِلْفَسْخِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْبَيْعَ لَمَّا لَمْ يَصِحَّ إِلَّا بِالْقَوْلِ، لَمْ يَصِحَّ إِمْسَاكُهُ وَالرِّضَا بِهِ إِلَّا بِالْقَوْلِ.
وَلَمَّا كَانَ الْمِلْكُ قَدْ يَحْصُلُ بِالْفِعْلِ كَالِاصْطِيَادِ وَالِاحْتِشَاشِ، جَازَ أَنْ يَكُونَ الرَّدُّ إِلَى الْمِلْكِ بِالْفِعْلِ يَفْسَخُ الْبَيْعَ فَيَصِحُّ بِالْفِعْلِ.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِنْ وَطِئَهَا الْبَائِعُ، فَهِيَ أَمَتُهُ وَالْوَطْءُ اخْتِيَارٌ لفسخ البيع ".
قال الماوردي: وهذا صحيح، وإذا وَطِئَ الْبَائِعُ الْجَارِيَةَ الْمَبِيعَةَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، كَانَ فَسْخًا لِلْبَيْعِ عَلَى الْأَقَاوِيلِ كُلِّهَا، لِمَا ذَكَرْنَا: مِنْ أَنَّ الْمِلْكَ لَمَّا حَصَلَ بِالْفِعْلِ، جَازَ أَنْ يَكُونَ الرَّدُّ إِلَيْهِ يَحْصُلُ بِالْفِعْلِ، وَبِهَذَا الْمَعْنَى يَقَعُ الْفَرْقُ بَيْنَ فَسْخِ الْبَيْعِ حَيْثُ كَانَ بِالْوَطْءِ، وَبَيْنَ رَجْعَةِ الْمُطَلَّقَةِ، حَيْثُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ بِالْوَطْءِ:
لِأَنَّ النِّكَاحَ لَمَّا لَمْ يَصِحَّ إِلَّا بِالْقَوْلِ لَمْ تَصِحَّ الرَّجْعَةُ إِلَيْهِ إِلَّا بِالْقَوْلِ، وَالْمِلْكَ لَمَّا حَصَلَ بِالْفِعْلِ جَازَ أَنْ يَصِحَّ الرَّدُّ إِلَيْهِ بِالْفِعْلِ.
مسألة:
قال المزني: وَهَذَا عِنْدِي دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إِذَا قَالَ لِامْرَأَتَيْنِ لَهُ: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ، فَكَانَ لَهُ الْخِيَارُ، فَإِنْ وَطِئَ إِحْدَاهُمَا أَشْبَه أَنْ يَكُونَ قَدِ اخْتَارَهَا، وَقَدْ طُلِّقَتِ الْأُخْرَى، كَمَا جُعِلَ الْوَطْءُ اخْتِيَارًا لِفَسْخِ الْبَيْعِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَلِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حَالَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَقُولَ لِإِحْدَى زَوْجَتَيْهِ: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ أَوْ لِأَمَتَيْهِ: إِحْدَاكُمَا حُرَّةٌ، وَيُعَيِّنُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ فِي إِحْدَى زَوْجَتَيْهِ وَالْعِتْقِ فِي إِحْدَى أَمَتَيْهِ:
فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ وَطْءُ إِحْدَاهُمَا بَيَانًا لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ لِغَيْرِ الْمَوْطُوءَةِ، لِأَنَّهُ قَدْ وَقَعَ مُعَيَّنًا بِاللَّفْظِ قَبْلَ الْوَطْءِ.
وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ قَدْ أَبْهَمَ الطَّلَاقَ فِي زَوْجَتَيْهِ وَالْعِتْقَ فِي أَمَتَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَيَّنَهُ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: الْوَطْءُ يَكُونُ اخْتِيَارًا لِإِمْسَاكِ الْمَوْطُوءَةِ وَطَلَاقِ الْأُخْرَى إِنْ كَانَتْ زَوْجَةً، وَعِتْقِهَا إِنْ كَانَتْ أَمَةً، كَمَا ذَكَرَهُ الْمُزَنِيُّ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ: إِنَّ الْوَطْءَ لَا يَكُونُ بَيَانًا فِي الْمَوْضُوعِ وَإِنْ كَانَ بَيَانًا فِي فَسْخِ الْبَيْعِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الطَّلَاقَ وَالْعِتْقَ إِزَالَةٌ لِلْمِلْكِ، وَإِزَالَةُ الْأَمْلَاكِ لَا تَقَعُ إِلَّا بِالْقَوْلِ دُونَ الْفِعْلِ.
وَفَسْخُ الْبَيْعِ اسْتِرْجَاعٌ لِلْمِلْكِ، وَالْأَمْلَاكُ قَدْ تَحْصُلُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ:
قَالَ الشافعي رحمه الله تعالى: " فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا فَالْخِيَارُ لِوَارِثِهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ أَنَّ خِيَارَ الْمَجْلِسِ لَا يَبْطُلُ بِالْمَوْتِ وَيَكُونُ مَوْرُوثًا.
وَقَالَ فِي كِتَابِ الْمُكَاتَبِ: إِنْ مَاتَ الْمُكَاتَبُ وَقَدْ بَاعَ أَوِ اشْتَرَى قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ.
زَادَ أَبُو حَامِدٍ فِي جَامِعِهِ: وَلَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ الْخِيَارُ.
فَظَاهِرُ قَوْلِهِ: فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ: يُوجِبُ قَطْعَ الْخِيَارِ بِالْمَوْتِ وَأَنْ لَا يَكُونَ مَوْرُوثًا لِسَيِّدِهِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ أَبُو حَامِدٍ فِي الزِّيَادَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي اخْتِلَافِ نَصِّهِ فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَوْتَ يَقْطَعُ خِيَارَ الْمَجْلِسِ فِي بَيْعِ الْحُرِّ وَالْمُكَاتَبِ، وَلَا يَنْتَقِلُ إِلَى وَارِثِ الْحُرِّ وَلَا إِلَى سَيِّدِ الْمُكَاتَبِ، لِأَنَّهُ لَمَّا انْقَطَعَ الْخِيَارُ بِمُفَارَقَةِ الْأَبْدَانِ، فَأَوْلَى أَنْ يَنْقَطِعَ بِالْمَوْتِ الْمُفَرِّقِ بَيْنَ الْأَرْوَاحِ وَالْأَبْدَانِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّ الْخِيَارَ لَا يَنْقَطِعُ بِالْمَوْتِ، وَيَنْتَقِلُ إِلَى وَارِثِ الْحُرِّ وَسَيِّدِ الْمُكَاتَبِ - وَهُوَ أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ - لِأَنَّ الْخِيَارَ قَدْ ثَبَتَ فِي الْمَجْلِسِ بِالْعَقْدِ وَفِي الثَّلَاثِ بِالشَّرْطِ، فَلَمَّا لَمْ يَنْقَطِعْ خِيَارُ الثَّلَاثِ بِالْمَوْتِ وَكَانَ مَوْرُوثًا، وَجَبَ أَنْ لَا يَنْقَطِعَ خِيَارُ الْمَجْلِسِ بِالْمَوْتِ وَيَكُونَ مَوْرُوثًا.
وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَنْقَطِعْ خِيَارُ الْمَجْلِسِ بِالتَّفَرُّقِ عَلَى وَجْهِ الْإِكْرَاهِ، كَانَ أَوْلَى أَنْ لَا يَبْطُلَ بِالْمَوْتِ، لِأَنَّهُ أَكْثَرُ إِكْرَاهًا.
وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي مِنْ مَذَاهِبِ أَصْحَابِنَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَأَنَّ الْخِيَارَ لَا يَنْقَطِعُ بِالْمَوْتِ، لِمَا ذَكَرْنَا، وَيَكُونُ مُتَنَقِّلًا إِلَى وَارِثِ الْحُرِّ وسيد المكاتب.
وقوله فِي الْمُكَاتَبِ: فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ:
قَصَدَ بِهِ الرَّدَّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُكَاتَبَ إِذَا مَاتَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ بَطَلَ الْبَيْعُ، لِأَنَّهُ يموت عبدا.
وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْجَوَابَ مُخْتَلِفٌ عَلَى اخْتِلَافِ نَصَّيْهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، فَيَكُونُ الْخِيَارُ مُنْتَقِلًا عَنِ الْحُرِّ إِلَى وَارِثِهِ، وَلَا يَنْقَطِعُ بِمَوْتِهِ.
وَلَا يَنْتَقِلُ عَنِ الْمُكَاتَبِ إِلَى سَيِّدِهِ، وَيَنْقَطِعُ بِمَوْتِهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْحُرَّ يَنْتَقِلُ مَالُهُ إِلَى وَارِثِهِ بِالْإِرْثِ وَحُدُوثِ الْمَوْتِ، فَقَامَ فِي الْخِيَارِ مَقَامَ مُوَرِّثِهِ، كَمَا قَامَ مَقَامَهُ فِي غَيْرِهِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمُكَاتَبُ، لِأَنَّهُ يَنْتَقِلُ مَالُهُ إِلَى سَيِّدِهِ بِالْمِلْكِ الْمُتَقَدِّمِ، لَا بِالْإِرْثِ، فَلَمَّا بَطَلَ خِيَارُ الْمُكَاتَبِ بِالْمَوْتِ لَمْ يَنْتَقِلْ إِلَى سَيِّدِهِ بِحَقِّ الْمِلْكِ، كَالْوَكِيلِ إِذَا مَاتَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لَمْ يَنْتَقِلِ الْخِيَارُ إِلَى مُوَكِّلِهِ، لِأَنَّهُ يَنْتَقِلُ إِلَيْهِ بِحَقِّ الْمِلْكِ لَا بِالْإِرْثِ.
فَصْلٌ:
فَأَمَّا إِذَا جُنَّ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ، فَالْخِيَارُ ثَابِتٌ لَا يَنْقَطِعُ بِمَا حَدَثَ مِنَ الْجُنُونِ، لِأَنَّ الْحُقُوقَ لَا تَبْطُلُ بِحُدُوثِهِ، وَسَوَاءٌ فَارَقَ الْمَجْنُونُ الْمَجْلِسَ أَوْ قَامَ فِيهِ، لِأَنَّ فِعْلَ الْمَجْنُونِ لَا حُكْمَ لَهُ، فَلَمْ يَنْقَطِعِ الْخِيَارُ بِفِرَاقِهِ.
وَيَنْتَقِلُ الْخِيَارُ عَنْهُ إِلَى وَلِيِّهِ، كَمَا يَنْتَقِلُ خِيَارُ الْمَيِّتِ إِلَى وَارِثِهِ.
وَيَكُونُ الْخِيَارُ بَاقِيًا لِوَلِيِّ الْمَجْنُونِ وَوَارِثِ الْمَيِّتِ مَا لَمْ يَعْلَمَا بِالْحَالِ وَلَمْ يُفَارِقِ الْعَاقِدُ الْآخَرُ الْمَكَانَ.
فَإِذَا عَلِمَ وَلِيُّ الْمَجْنُونِ وَوَارِثُ الْمَيِّتِ، فَلَهُمَا الْخِيَارُ فِي مَجْلِسِهِمَا الَّذِي عَلِمَا فِيهِ مَا لَمْ يُفَارِقَاهُ.
فَإِنْ فَارَقَا الْمَجْلِسَ الَّذِي عَلِمَا فِيهِ، أَوْ فَارَقَ الْعَاقِدُ الْآخَرُ الْمَكَانَ الَّذِي عُقِدَ الْبَيْعُ فِيهِ، فَقَدِ انْقَطَعَ الْخِيَارُ وَلَزِمَ الْبَيْعُ.
فَصْلٌ:
فَأَمَّا خِيَارُ الثَّلَاثِ، فَلَا يَخْتَلِفُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ مَوْرُوثٌ لَا يَبْطُلُ بِالْمَوْتِ.
وَقَالَ أبو حنيفة: خِيَارُ الثَّلَاثِ يَبْطُلُ بِالْمَوْتِ وَلَا يُورَثُ.
اسْتِدْلَالًا بِأَنَّهُ خِيَارٌ يَمْنَعُ مِنَ انْتِقَالِ الْمِلْكِ، فَوَجَبَ أَنْ يَبْطُلَ بِالْمَوْتِ كَخِيَارِ الْقَبُولِ.
قَالَ: وَلِأَنَّ الْخِيَارَ فِي الْمَبِيعِ يَنْفِي مُوجَبَ الْعَقْدِ مِنْ جَوَازِ التَّصَرُّفِ فِيهِ، كَمَا أَنَّ الْأَجَلَ فِي الثَّمَنِ يَنْفِي مُوجَبَ الْعَقْدِ فَمُنِعَ مِنْ جَوَازِ تَصَرُّفِ الْبَائِعِ فِيهِ، ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّ الْأَجَلَ يَبْطُلُ بِالْمَوْتِ، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ الْخِيَارُ بَاطِلًا بِالْمَوْتِ.
وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا:
أَنَّهُ مَعْنًى يَنْفِي مُوجَبَ الْعَقْدِ، فَوَجَبَ أَنْ يَبْطُلَ بِالْمَوْتِ كَالْأَجَلِ.
قَالَ: وَلِأَنَّ الْخِيَارَ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ، لَا مِنْ حُقُوقِ الْمِلْكِ، وَالْوَرَثَةُ إِنَّمَا يَخْلُفُونَ الْمَيِّتَ فِي الْمِلْكِ لَا فِي الْعَقْدِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُمْ فِي الْخِيَارِ حَقٌّ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُوَكَّلَ لَا يَثْبُتُ لَهُ مَا ثَبَتَ لِوَكِيلِهِ مِنْ خِيَارِ الشَّرْطِ، لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ.
وَيَثْبُتُ لَهُ خِيَارُ الْعَيْبِ، لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ الْمِلْكِ.
وَلِأَنَّ هَذَا الْخِيَارَ مُسْتَحَقٌّ بِالشَّرْطِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَقْصُورًا عَلَى مَنْ شُرِطَ لَهُ، وَالْوَارِثُ لَمْ يُشْتَرَطْ لَهُ الْخِيَارُ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَسْتَحِقَّهُ.
وَدَلِيلُنَا: هُوَ أَنَّهُ خِيَارٌ ثَابِتٌ فِي بَيْعٍ، فَجَازَ أَنْ يَقُومَ الْوَارِثُ فِيهِ مَقَامَ مُورِثِهِ كَخِيَارِ الْعَيْبِ.
وَلِأَنَّهُ مَعْنًى يُسْقِطُ التَّكْلِيفَ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَقْطَعَ الْخِيَارَ الْمُسْتَحَقَّ كَالْجُنُونِ.
وَلِأَنَّ كُلَّ خِيَارٍ لَا يَنْقَطِعُ بِالْجُنُونِ لَا يَنْقَطِعُ بِالْمَوْتِ كَخِيَارِ الْعَيْبِ.
وَلِأَنَّ الْخِيَارَ مِنْ حُقُوقِ الْمِلْكِ لَا مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ، بِدَلِيلِ ثُبُوتِهِ بَعْدَ تَقَضِّي الْعَقْدِ، فَوَجَبَ إِذَا انْتَقَلَ الْمِلْكُ إِلَى الْوَارِثِ أَنْ يَنْتَقِلَ إِلَيْهِ بِحُقُوقِهِ كَالرَّهْنِ الْمَشْرُوطِ فِي حَقِّهِ.
وَفِي هَذَا الِاسْتِدْلَالِ انْفِصَالٌ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرُوهُ مِنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى خِيَارِ الْقَبُولِ:
فَهُوَ أَنَّ الْمَعْنَى فِي خِيَارِ الْقَبُولِ أَنَّهُ لَمَّا بَطَلَ بِالْجُنُونِ، بَطَلَ بِالْمَوْتِ، عَلَى أَنَّ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ: لَمْ يَبْطُلْ بِالْمَوْتِ، وَإِنَّمَا بَطَلَ بِالتَّرَاخِي وَمِنْ شُرُوطِ صِحَّتِهِ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْفَوْرِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْقَاسِمِ الدَّارَكِيِّ.
حَتَّى قَالَ: لَوْ كَانَ الْمَوْتُ عُقَيْبَ الْبَذْلِ، فَقَالَ الْوَارِثُ فِي الْحَالِ: قَدْ قَبِلْتُ، صَحَّ الْعَقْدُ، إِذَا لَمْ يَقَعِ التَّرَاخِي بَيْنَ بَذْلِ الْبَائِعِ وَقَبُولِ الْوَارِثِ.
وَهَذَا قَوْلٌ يُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ.
وَالْجَوَابُ الْأَوَّلُ: هُوَ الصَّحِيحُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الْأَجَلِ:
فَالْمَعْنَى فِيهِ: أَنَّ الْمَوْتَ لَمَّا أَتْلَفَ الذِّمَّةَ الَّتِي أُثْبِتَ فِيهَا الدَّيْنُ الْمُؤَجَّلُ، أَبْطَلَ الْأَجل، لِتَلِفِ مَحَلِّهِ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْتَقِلَ الدَّيْنُ بِأَجَلِهِ إِلَى ذِمَّةِ الْوَارِثِ، لِأَنَّ صَاحِبَ الدَّيْنِ لَمْ يَرْضَ بِذِمَّتِهِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْخِيَارُ، لِأَنَّهُ مُسْتَحَقٌّ فِي الْمَبِيعِ الْمَوْجُودِ بَعْدَ الْمَوْتِ، كَوُجُودِهِ قَبْلَ الْمَوْتِ، فَجَازَ أَنْ لَا يَبْطُلَ بِالْمَوْتِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَوْتَ مَنْ لَهُ الدَّيْنُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مُتْلِفًا لِلذِّمَّةِ الَّتِي يَثْبُتُ فِيهَا الْأَجَلُ لَمْ يَكُنْ مَوْتُهُ مُبْطِلًا لِلْأَجلِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: لِأَنَّهُ مُسْتَحَقٌّ بِالشَّرْطِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَقْصُورًا عَلَى مَنْ لَهُ الشَّرْطُ: فَهُوَ أَنَّهُ بَاطِلٌ بِالصِّفَةِ الْمَشْرُوطَةِ فِي الْمَبِيعِ، وَهُوَ أَنْ يَبْتَاعَ عَبْدًا عَلَى أَنَّهُ صَانِعٌ فَيُوجَدُ غَيْرَ صَانِعٍ فَلِلْوَارِثِ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ، لِعَدَمِ الصِّفَةِ الْمُسْتَحَقَّةِ بِالشَّرْطِ وَإِنْ كَانَ الشَّرْطُ لِغَيْرِهِ، عَلَى أَنَّ الْخِيَارَ حَقٌّ عَلَيْهِ فَلَمْ يَصِحَّ إِعْرَاضُهُ فِي اخْتِلَافِ مُسْتَحِقِّيهِ كَالدَّيْنِ.
فَصْلٌ:
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ خِيَارَ الثَّلَاثِ مَوْرُوثٌ:
فَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ وَاحِدًا، كَانَ بِالْخِيَارِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ بَيْنَ إِمْضَاءِ الْبَيْعِ فِي الْمَبِيعِ كُلِّهِ أَوْ فَسْخِ جَمِيعِهِ.
وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً: فَإِنِ اتَّفَقُوا عَلَى إِمْسَاكِ الْمَبِيعِ كُلِّهِ أَوْ رَدِّ جَمِيعِهِ، فَذَاكَ لَهُمْ.
وَإِنْ أَرَادَ بَعْضُهُمُ الرَّدَّ وَبَعْضُهُمُ الْإِمْسَاكَ؟
فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ، وَقِيلَ لِمَنْ أَرَادَ الرَّدَّ: لَا حَقَّ لَكَ فِي الرَّدِّ إِلَّا أَنْ يَرُدَّ الْبَاقُونَ مَعَكَ، لِأَنَّ الصَّفْقَةَ وَاحِدَةٌ، فَلَمْ يَجُزْ تَبْعِيضُهَا عَلَى الْبَائِعِ.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْوَرَثَةِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِرَدِّ حِصَّتِهِ دُونَ شُرَكَائِهِ، لِأَنَّهُ يَرُدُّ جَمِيعَ مَا اسْتَحَقَّهُ بِالْعَقْدِ، فَصَارَ فِي حُكْمِ الْمُشْتَرِينَ صَفْقَةً.
هَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ الْمَيِّتُ هُوَ الْمُشْتَرِي.
أَمَّا إِنْ كَانَ الْمَيِّتُ هُوَ الْبَائِعُ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ ورثته أن ينفرد، فيفسخ البيع فِي حِصَّتِهِ، لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ الْمَذْهَبُ.
بِخِلَافِ وَرَثَةِ الْمُشْتَرِي، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ، لِأَنَّهُ إِذَا فَسَخَ بَعْضُ وَرَثَةِ الْبَائِعِ فِي حِصَّتِهِ، ثَبَتَ لِلْمُشْتَرِي خِيَارُ الْفَسْخِ فِي الْبَاقِي، لِتَبْعِيضِ الصَّفْقَةِ، فَأَمْكَنَهُ دَفْعَ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِذَا مَاتَ الْمُشْتَرِي فَأَمْسَكَ بَعْضُ وَرَثَتِهِ وَرَدَّ بَعْضُهُمْ، لِأَنَّ الْبَائِعَ لَا يُثْبَتُ لَهُ بِذَلِكَ خِيَارٌ يُمُكِّنُهُ أَنْ يَدْفَعَ بِهِ الضَّرَرَ عَنْ نَفْسِهِ.
فَصْلٌ:
إِذَا مَاتَ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي مُدَّةِ خِيَارِ الثَّلَاثِ، فَلَمْ يَعْلَمِ الْوَارِثُ حَتَّى مَضَتِ الثَّلَاثُ، سَقَطَ الْخِيَارُ وَلَزِمَ الْبَيْعُ، لِأَنَّ تَحْدِيدَ الْخِيَارِ بِالثَّلَاثِ يَمْنَعُ مِنْ ثُبُوتِهِ بَعْدَ الثلاث.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِنْ كَانَتْ بَهِيمَةً فَنتجَتْ قَبْلَ التَّفَرُّقِ ثُمَّ تَفَرَّقَا، فَوَلَدُهَا لِلْمُشْتَرِي، لِأَنَّ الْعَقْدَ، وَقَعَ وَهُوَ حَمْلٌ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَصْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مِلْكُ الْمَبِيعِ بِمَاذَا يَنْتَقِلُ إِلَى الْمُشْتَرِي؟ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ مَضَتْ.
وَالثَّانِي: فِي الْحَمْلِ، هَلْ يَأْخُذُ قِسْطًا مِنَ الثَّمَنِ أَوْ يَكُونُ تَبَعًا؟
عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَكُونُ تَبَعًا، وَلَا يَأْخُذُ مِنَ الثَّمَنِ قِسْطًا كَالسَّمْنِ وَالْأَعْضَاءِ، لِأَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ الْأُمَّ سَرَى الْعِتْقُ إِلَى حَمْلِهَا كَسِرَايَتِهِ إِلَى أَعْضَائِهَا التَّابِعَةِ لَهَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَأْخُذُ قِسْطًا مِنَ الثَّمَنِ كَاللَّبَنِ، لِأَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ الْحَمْلَ لَمْ يَسْرِ الْعِتْقُ إِلَى أُمِّهِ، وَلَوْ كَانَ تَبَعًا لَهَا كَأَعْضَائِهَا لَسَرَى عِتْقُهُ إِلَيْهَا كَمَا يَسْرِي عِتْقُ أَعْضَائِهَا إِلَيْهَا.
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَانِ الْأَصْلَانِ: فَصُورَةُ مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ فِي رَجُلٍ ابْتَاعَ بَهِيمَةً حَامِلًا، فَوَضَعَتْ بَعْدَ الْعَقْدِ وَقَبْلَ الِافْتِرَاقِ.
فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ يَأْخُذُ قِسْطًا مِنَ الثَّمَنِ، صَارَ الْعَقْدُ كَأَنَّهُ قَدْ تَنَاوَلَهُمَا مَعًا.
فَإِنْ تَمَّ الْبَيْعُ كَانَ الْوَلَدُ لِلْمُشْتَرِي مَعَ الْأُمِّ.
وَإِنِ انْفَسَخَ الْبَيْعُ كَانَ الْوَلَدُ لِلْبَائِعِ - وَهَذَا عَلَى الْأَقَاوِيلِ كُلِّهَا - وَيَكُونُ الْوَلَدُ مَضْمُونًا عَلَى الْبَائِعِ، حَتَّى يُسَلِّمَهُ، وَمَضْمُونًا عَلَى الْمُشْتَرِي إِذَا تَسَلَّمَهُ.
وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ الْحَمْلَ تَبَعٌ: فَلَا يَخْلُو حَالُ الْبَيْعِ مِنْ أَنْ يَتِمَّ، أَوْ يَنْفَسِخَ: فَإِنْ تَمَّ الْبَيْعُ، فَحُكْمُ الْوَلَدِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْأَقَاوِيلِ الثَّلَاثَةِ فِي انْتِقَالِ الْمِلْكِ.
فَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الْمِلْكَ يَنْتَقِلُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، أَوْ قلنا: إنه مراع، فَالْوَلَدُ لِلْمُشْتَرِي، لِحُدُوثِهِ فِي مِلْكِهِ.
وَهَلْ يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَى الْبَائِعِ، حَتَّى يُسَلِّمَهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ مُخَرَّجَيْنِ مِنِ اخْتِلَافِ قَوْلِهِ فِي نَمَاءِ الصَّدَاقِ.
هَلْ يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَى الزَّوْجِ أَمْ لَا؟
وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ الْمِلْكَ لَا يَنْتَقِلُ إِلَّا بِالْعَقْدِ وَقَطْعِ الْخِيَارِ، فَفِي الْوَلَدِ وَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ، هَلْ يَجْرِي مَجْرَى خِيَارِ الْعَيْبِ أَوْ مَجْرَى خِيَارِ الْقَبُولِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي، وَهَذَا إِذَا قِيلَ: إِنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى خِيَارِ الْعَيْبِ.
فَعَلَى هَذَا هَلْ يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَى الْبَائِعِ إِذَا كَانَتِ الْوِلَادَةُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَكُونُ لِلْبَائِعِ، وَهَذَا إِذَا قِيلَ: إِنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى خِيَارِ الْقَبُولِ.
فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَتِ الْوِلَادَةُ بَعْدَ التَّسْلِيمِ، لَزِمَ الْمُشْتَرِيَ رَدُّهُ، وَلَمْ يَكُنْ مَضْمُونًا عَلَيْهِ إِلَّا بِالتَّعَدِّي وَجْهًا وَاحِدًا، لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَضْمَنُ الْمَبِيعَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانُ النَّمَاءِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَلَمَّا كَانَ الْبَائِعُ يَضْمَنُ الْمَبِيعَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، جَازَ أَنْ يَلْزَمَهُ ضَمَانُ النَّمَاءِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ.
فَصْلٌ:
وَإِنِ انْفَسَخَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا:
فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَمْلِكُ إِلَّا بِالْعَقْدِ وَقَطْعِ الْخِيَارِ، أَوْ قُلْنَا: إِنَّهُ مَوْقُوفٌ مُرَاعًى، فَالْوَلَدُ لِلْبَائِعِ، وَهُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي لَا يَضْمَنُهُ إِلَّا بِالتَّعَدِّي.
وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ الْمُشْتَرِيَ قَدْ مَلَكَ بِنَفْسِ الْعَقْدِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْوَلَدَ لِلْبَائِعِ إِذَا قِيلَ: إِنَّ هَذَا الْخِيَارَ يَجْرِي مَجْرَى خِيَارِ الْقَبُولِ، وَيَكُونُ أَمَانَةً فِي يَدِ الْمُشْتَرِي.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: الْوَلَدُ لِلْمُشْتَرِي إِذَا قِيلَ: إن هذا الخيار يجري مجرى خيار الغيب.
وَهَلْ يَكُونُ عَلَى الْبَائِعِ ضَمَانَةٌ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
وَكَذَا الْحُكْمُ فِي كُلِّ نَمَاءٍ حَدَثَ بَعْدَ الْعَقْدِ وَقَبْلَ قَطْعِ الْخِيَارِ مِنْ ثَمَرَةٍ، وَكَسْبٍ، كَالْوَلَدِ سَوَاءٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَكَذَلِكَ كُلُّ خِيَارٍ بِشَرْطٍ جَائِزٍ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، وَيُرِيدُ بِهِ أن جميع ما تق 6 دم مِنَ الْمَسَائِلِ فِي عِتْقِ الْمُشْتَرِي، وَعِتْقِ الْبَائِعِ، وَوَطْءِ الْمُشْتَرِي، وَوَطْءِ الْبَائِعِ، وَنِتَاجِ الْبَهِيمَةِ، إِذَا حَدَثَ فِي خِيَارِ الثَّلَاثِ، فَحُكْمُهَا عَلَى مَا مَضَى فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ سَوَاءٌ.
وَانْتِقَالُ الْمِلْكِ فِي خِيَارِ الثَّلَاثِ كَانْتِقَالِهِ فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ على ثلاثة أقاويل.
نحن نُوَضِّحُ مَعَانِيَهَا بِالتَّفْرِيعِ عَلَيْهَا، فَمِنْ ذَلِكَ:
أَنْ يَشْتَرِيَ أَمَةً، فَتَحِيضُ بَعْدَ الْعَقْدِ وَقَبْلَ تَقَضِّي الْخِيَارِ فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَمْلِكُ إِلَّا بِالْعَقْدِ وَتَقَضِّي الْخِيَارِ، لَمْ تَعْتَدَّ بِهَذِهِ الْحَيْضَةِ عَنِ الِاسْتِبْرَاءِ.
وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ قَدْ مَلَكَ بِالْعَقْدِ أَوْ إِنَّهُ مَوْقُوفٌ مُرَاعًى، فَعَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: تَعْتَدّ بِهَذِهِ الْحَيْضَةِ عَنِ الِاسْتِبْرَاءِ، لِحُدُوثِهَا فِي مِلْكِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّهِ فِي كِتَابِ الِاسْتِبْرَاءِ: أَنَّهُ لَا تَعْتَدّ بِهَذِهِ الْحَيْضَةِ عَنِ الِاسْتِبْرَاءِ، لِأَنَّ الْفَرْجَ فِي زَمَانِ الْخِيَارِ مَحْظُورٌ عَلَيْهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ الِاسْتِبْرَاءُ فِي زَمَانِ الْإِبَاحَةِ.
وَكَذَا لَوْ وَلَدَتْ فِي زَمَانِ الْخِيَارِ مِنْ زِنًا، كَانَ وُقُوعُ الِاسْتِبْرَاءِ بِهِ كَالْحَيْضِ سَوَاءٌ.
فَصْلٌ:
وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ الْأَمَةَ، فَفِي جَوَازِ وَطْئِهَا فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ لَهُ وَطْؤُهَا، لِأَنَّهَا لَا تَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ أَمَتَهُ أَوْ زَوْجَتَهُ، وَأَيَّهُمَا كَانَتْ، حَلَّ لَهُ وَطْؤُهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ: لَا يَجُوزُ لَهُ وَطْؤُهَا، قَالَ الشَّافِعِيُّ: لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَيَطَأُ بِالْمِلْكِ أَمْ بِالزَّوْجِيَّةِ؟
فَإِنْ تَمَّ البيع بينهما، بطل نكاحها، وصارة أَمَةً يَجُوزُ لَهُ وَطْؤُهَا، وَهَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا قَبْلَ وَطْئِهِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ مَبْنِيَّيْنِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، هَلْ حَرُمَ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا بَعْدَ الْعَقْدِ وَقَبْلَ مُضِيِّ الْخِيَارِ أَمْ لَا؟ .
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ حَرُمَ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا، وَجَبَ عَلَيْهِ الِاسْتِبْرَاءُ، لِحُدُوثِ الْمِلْكِ.
وَإِنْ قِيلَ: لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الِاسْتِبْرَاءُ.
وَإِنِ انْفَسَخَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا:
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ لَا يَمْلِكُ إِلَّا بِالْعَقْدِ وَتَقَضِّي الْخِيَارِ، أَوْ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ مُرَاعًى، فَالنِّكَاحُ بِحَالِهِ، وَهُمَا عَلَى الزوجية.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ قَدْ مَلَكَ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، فَفِي فَسْخِ النِّكَاحِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَنْفَسِخُ لِوُقُوعِ مِلْكِهِ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِهِ: إِنَّ النِّكَاحَ بِحَالِهِ لَا يَنْفَسِخُ، لِأَنَّ مِلْكَهُ وَإِنْ تَمَّ فَهُوَ مِلْكٌ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ.
فَصْلٌ:
إِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ الْأَمَةَ، ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ؟
فَإِنْ تَمَّ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا، لَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ، إِنْ قِيلَ: إِنَّهُ قَدْ مَلَكَ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، أَوْ هُوَ مَوْقُوفٌ، وَإِنْ قِيلَ: لَا يَمْلِكُ إِلَّا بِالْعَقْدِ وَتَقَضِّي الْخِيَارِ، فَفِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَقَعُ، لِمَا ذَكَرْنَا، وَيَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا.
وَالثَّانِي: قَدْ وَقَعَ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا إِلَّا بَعْدَ زَوْجٍ.
وَإِنِ انْفَسَخَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا، وَقْعَ الطَّلَاقُ، إِنْ قِيلَ: إِنَّهُ لَا يَمْلِكُ إِلَّا بِالْعَقْدِ وَتَقَضِّي الْخِيَارِ، أَوْ هُوَ مَوْقُوفٌ مُرَاعًى.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ قَدْ مَلَكَ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، فَفِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ وَجْهَانِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ:
وَإِذَا اشْتَرَى زَوْجَتَهُ الْأَمَةَ، وَكَانَ قَدْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْعَقْدِ فَرَاجَعَهَا فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ:
فَإِنْ تَمَّ الْبَيْعُ، لَمْ يَكُنْ لِلرَّجْعَةِ تَأْثِيرٌ، لِأَنَّ النِّكَاحَ قَدِ انْفَسَخَ.
وَإِنِ انْفَسَخَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا، صَحَّتِ الرَّجْعَةُ، إِنْ قِيلَ: إِنَّهُ لَا يَمْلِكُ إِلَّا بِالْعَقْدِ وَتَقَضِّي الْخِيَارِ، أَوْ هُوَ مَوْقُوفٌ مُرَاعًى.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ مَلَكَ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، فَفِي صِحَّةِ الرجعة وجهان.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَلَا بَأْسَ بِنَقْدِ الثَّمَنِ فِي بَيْعِ الْخِيَارِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَدْفَعَ الثَّمَنَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ إِلَى الْبَائِعِ، وَلِلْبَائِعِ أَنْ يَدْفَعَ الْمَبِيعَ فِيهَا إِلَى الْمُشْتَرِي.
وَكَرِهَ مَالِكٌ دَفْعَ الثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَلَمْ يَكْرَهْ دَفْعَ الْمَبِيعِ، لِأَنَّ بِالْمُشْتَرِي حَاجَةً إِلَى تَقْلِيبِ الْمَبِيعِ وَنَظَرِ عَيْنَيْهِ.
وَهَذَا خَطَأٌ، لِأَنَّ تَسْلِيمَ الثَّمَنِ وَقَبْضِ الْمَبِيعِ مِنْ مُوجَبِ الْعَقْدِ، وَمَا أَوْجَبَهُ الْعَقْدُ لَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ بَعْدَ الْعَقْدِ.
وَإِذَا صَحَّ جَوَازُ ذَلِكَ، قبض الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَطْعًا لِخِيَارِ الْبَائِعِ، وَلَا يَكُونُ قَبْضُ الْبَائِعِ قَطْعًا لِخِيَارِ الْمُشْتَرِي.
وَيُمْنَعُ الْبَائِعُ مِنَ التَّصَرُّفِ فَيَ الثَّمَنِ، وَالْمُشْتَرِي مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْمَبِيعِ حَتَّى تَنْقَضِيَ مُدَّةُ الْخِيَارِ، لِأَنَّ الْخِيَارَ يُوقِعُ حَجْرًا فِي التَّصَرُّفِ.
فَإِنْ تَمَّ الْبَيْعُ، اسْتَقَرَّ وَجَازَ التَّصَرُّفُ.
وَإِنِ انْفَسَخَ الْبَيْعُ، اسْتَرْجَعَ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ مِنَ الْبَائِعِ، وَاسْتَرْجَعَ الْبَائِعُ الْمَبِيعَ مِنَ الْمُشْتَرِي.
فَلَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي: لَسْتُ أَرُدُّ الْمَبِيعَ إِلَّا بَعْدَ اسْتِرْجَاعِ الثَّمَنَ، وَقَالَ الْبَائِعُ: لَسْتُ أَرُدُّ الثَّمَنَ إِلَّا بَعْدَ اسْتِرْجَاعِ الْمَبِيعَ، لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا حَبْسَ شَيْءٍ مِمَّا بِيَدِهِ، وَوَجَبَ لِمَنْ بَدَأَ بِالْمُطَالَبَةِ أَنْ يَسْتَرْجِعَ مَا بِيَدِ صَاحِبِهِ ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا بِيَدِهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا، حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا حَبْسُ مَا بِيَدِهِ عَلَى اسْتِرْجَاعِ مَا بِيَدِ صَاحِبِهِ، وَبَيْنَ أَنْ يَتَمَانَعَا الْقَبْضَ مَعَ صِحَّةِ الْعَقْدِ، فَيَقُولُ الْبَائِعُ: لَا أُسَلِّمُ الْمَبِيعَ إِلَّا بَعْدَ قَبْضِ الثَّمَنِ، وَيَقُولُ الْمُشْتَرِي: لَا أَدْفَعُ الثَّمَنَ إِلَّا بَعْدَ قَبْضِ الْمَبِيعَ، فَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَبْسُ مَا بِيَدِهِ عَلَى قَبْضِ مَا بِيَدِ صَاحِبِهِ:
إِنَّ فَسْخَ الْبَيْعِ قَدْ رَفَعَ حُكْمَ الْعَقْدِ، فَكَانَ التَّسْلِيمُ لِأَجْلِ الْيَدِ، لَا بِالْعَقْدِ، وَالْيَدُ تُوجِبُ الرَّدَّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِذَا تَمَانَعَا مَعَ بَقَاءِ الْعَقْدِ، لِأَنَّ التَّسْلِيمَ مُسْتَحَقٌّ بِالْعَقْدِ، وَالْعَقْدُ وَإِنْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ تَسْلِيمَ مَا بِيَدِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ لَهُ قَبْضَ مَا فِي مُقَابَلَتِهِ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مَحْبُوسًا عَلَى قَبْضِ الْآخَرِ لَهُ كَمَا فِي الْمُوجَبَيْنِ.
فَصْلٌ:
فَلَوْ تَلِفَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي قَبْلَ رَدِّهِ عَلَى الْبَائِعِ، فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ تَلَفُهُ قَبْلَ الْفَسْخِ.
وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْفَسْخِ.
فَإِنْ كَانَ تَلَفُهُ قَبْلَ الْفَسْخِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، فَلَا يَخْلُو حَالُ الْخِيَارِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ:
إِمَّا أَنْ يَكُونَ خِيَارَ الْمَجْلِسِ، أَوْ خِيَارَ الشَّرْطِ.
وَإِنْ كَانَ خِيَارَ الْمَجْلِسِ، فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالْقِيمَةِ دُونَ الثَّمَنِ عَلَى الْأَقَاوِيلِ كُلِّهَا، لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ الْمَذْهَبُ، وَسَوَاءٌ كَانَ مِمَّا لَهُ مِثْلٌ كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ، أَوْ مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ كَالثِّيَابِ وَالْعَبِيدِ، لِأَنَّ مَا لَهُ مِثْلٌ، إِنَّمَا يُضْمَنُ بِالْمِثْلِ دُونَ الْقِيمَةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَضْمُونًا عَلَى وَجْهِ الْمُعَاوَضَةِ كَالْغَصْبِ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ مَضْمُونًا عَلَى وَجْهِ الْمُعَاوَضَةِ كَالْمَقْبُوضِ لِلسَّوْمِ أَوْ بِعَقْدِ بَيْعٍ فَاسِدٍ، أَوْ مَفْسُوخٍ، فَإِنَّهُ يُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ دُونَ الْمِثْلِ.
وَإِنْ كَانَ خِيَارَ شَرْطٍ نُظِر.
فَإِنْ كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا أَوْ لِلْبَائِعِ وَحْدَهُ، فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالْقِيمَةِ دُونَ الثَّمَنِ، لَا يَخْتَلِفُ.
وَإِنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي وَحْدَهُ دُونَ الْبَائِعِ، فَإِنْ قِيلَ: لَا يَمْلِكُ إِلَّا بِالْعَقْدِ وَتَقَضِّي الْخِيَارِ، أَوْ هُوَ موقوف مراع، فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ بِالْقِيمَةِ دُونَ الثَّمَنِ.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ قَدْ مَلَكَ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: - وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّهِ فِي الْبُيُوعِ - أَنَّهُ ضَامِنٌ لَهُ بِالْقِيمَةِ دُونَ الثَّمَنِ، لِأَنَّ البيع لم يتم.
والثاني: - وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ فِي كِتَابِ الصَّدَاقِ - أَنَّهُ ضَامِنٌ لَهُ بِالثَّمَنِ الْمُسَمَّى دُونَ الْقِيمَةِ، لِأَنَّ ثُبُوتَ الْخِيَارِ لَهُ وَحْدَهُ يَجْرِي مَجْرَى خِيَارِ الْعَيْبِ، وَإِذَا تَلِفَ الْمَبِيعُ، وَقَدْ ثَبَتَ فِيهِ خِيَارُ الْعَيْبِ كَانَ مَضْمُونًا بِالثَّمَنِ دُونَ الْقِيمَةِ، فَكَذَلِكَ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ.
فَأَمَّا إِذَا كَانَ تَلَفُهُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الْفَسْخِ، فَلَا يَضْمَنُهُ بِالثَّمَنِ، لَا يَخْتَلِفُ، لِاسْتِقْرَارِ الْفَسْخِ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُهُ بِالْقِيمَةِ.
فَإِنْ تَلِفَ قَبْلَ الطَّلَبِ، كَانَ الْمُشْتَرِي ضَامِنًا لِلْقِيمَةِ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا لَهُ مِثْلٌ أَمْ لَا، لِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ عَلَى وَجْهِ الْمُعَاوَضَةِ.
وَإِنْ تَلِفَ بَعْدَ طَلَبِ الْبَائِعِ وَبَيْعِ الْمُشْتَرِي:
فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ، ضَمِنَهُ بِالْقِيمَةِ فِي أَكْثَرِ الْأَمْرَيْنِ.
وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَهُ مِثْلٌ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَضْمَنُهُ بِالْقِيِمَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ عَلَى وَجْهِ الْمُعَاوَضَةِ.
وَالثَّانِي: يَضْمَنُهُ بِالْمِثْلِ، لِأَنَّهُ لَمَّا مَنَعَ مِنَ الرَّدِّ بَعْدَ الْفَسْخِ وَالطَّلَبِ، صَارَ غَاصِبًا، وَخَرَجَ عن أن يكون معاوضا.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَلَا يَجُوزُ شَرْطُ خِيَارٍ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ وَلَوْلَا الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الْخِيَارِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فِي الْمُصَرَّاةِ ولِحبان بن منقذ فيما اشترى ثلاثا ثَلَاثًا لَمَا جَازَ بَعْدَ التَّفَرُّقِ سَاعَةً وَلَا يَكُونُ لِلْبَائِعِ الِانْتِفَاعُ بِالثَّمَنِ وَلَا لِلْمُشْتَرِي الِانْتِفَاعُ بِالْجَارِيَةِ فَلَمَّا أَجَازَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَلَى مَا وَصَفْنَاهُ ثَلَاثًا اتَّبَعْنَاهُ وَلَمْ نُجَاوِزْهُ وَذَلِكَ أَنَّ أَمْرَهُ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ثَلَاثًا حَدًّا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، خِيَارُ الشَّرْطِ، لَا يَجُوزُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ، وَبِهِ قَالَ أبو حنيفة.
وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ: خِيَارُ الشَّرْطِ يَجُوزُ مُؤَبَّدًا مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ بِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وأبو يوسف، ومحمد، وَأَبُو ثَوْرٍ: يَجُوزُ مُؤَبَّدًا إِذَا كَانَ مَحْدُودًا بِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَجُوزُ مِنْ خِيَارِ الشَّرْطِ فِي الْمَبِيعَاتِ عَلَى قَدْرِهَا وَبِحَسْبِ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَةُ فِي تَعَرُّفِ أَحْوَالِهَا، فَمَا أَمْكَنَ تَعَرُّفُ حَالِهِ فِي يَوْمٍ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُشْتَرَطَ فِيهِ ثَلَاثًا، وَمَا لَمْ يُمْكِنْ تَعَرُّفُ حَالَهُ إِلَّا فِي شَهْرٍ، جَازَ أَنْ يُشْتَرَطَ فِيهِ شَهْرًا.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى جَوَازِ اشْتِرَاطِ الْخِيَارِ فَوْقَ ثَلَاثٍ:
بِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ ".
وَلِأَنَّهُ خِيَارٌ مَعْلُومٌ، فَوَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ فِي الْبَيْعِ، أَصْلُهُ خِيَارُ الثَّلَاثِ؛ وَلِأَنَّهُ شَرْطٌ مُلْحَقٌ بِالْبَيْعِ يَجُوزُ ثَلَاثًا فَوَجَبَ أَنْ يَجُوزَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ كَالْأَجَلِ؛ وَلِأَنَّ الْخِيَارَ ضَرْبَانِ:
خِيَارُ مَجْلِسٍ، وَخِيَارُ شَرْطٍ.
فَلَمَّا جَازَ أَنْ يَمْتَدَّ خِيَارُ الْمَجْلِسِ فَوْقَ ثَلَاثٍ، جَازَ أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ فَوْقَ ثَلَاثٍ.
وَدَلِيلُنَا: رِوَايَةُ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ " فَأُجِيزَ بِالدَّلَالَةِ خِيَارُ الثَّلَاثِ، وَبَقِيَ مَا سِوَاهُ عَلَى حُكْمِ الْمَنْعِ.
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ حِبَّانَ بْنَ مُنْقِذٍ كَانَ شُجَّ فِي رَأْسِهِ مَأْمُومَةٌ، فَثَقُلَ لِسَانُهُ، وَكَانَ يَخْدَعُ فِي الْبَيْعِ، فَجَعَلَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَا يُبَايَعُ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " قُلْ لَا خِلَابَةَ " قَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ الله عنه سمعته يقول: " لَا خِذَابَةَ ".
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ لَا يَخْلُبُوا، وَالْخِلَابَةُ: الْخَدِيعَةُ.
وَجَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الْمُصَرَّاةِ الْخِيَارَ ثَلَاثًا:
فَكَانَتِ الدَّلَالَةُ فِي ذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ حِبَّانَ كَانَ أَحْوَجَ النَّاسِ إِلَى الزِّيَادَةِ فِي الْخِيَارِ لِمَكَانِهِ مِنْ ضَعْفِ النَّظَرِ وَحَاجَتِهِ إِلَى اسْتِدْرَاكِ الْخَدِيعَةِ، فَلَمَّا لَمْ يَزِدْ بِالشَّرْطِ عَلَى الثَّلَاثِ دَلَّ عَلَى أَنَّهَا غَايَةُ الْحَدِّ فِي الْعَقْدِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ حَدَّهُ بِالثَّلَاثِ، وَالْحَدُّ يُفِيدُ الْمَنْعَ إِمَّا مِنَ الْمُجَاوَزَةِ أَوْ مِنَ النُّقْصَانِ، فَلَمَّا جَازَ النُّقْصَانُ مِنَ الثَّلَاثِ، عُلِمَ أَنَّهُ حَدٌّ لِلْمَنْعِ مِنْ مُجَاوَزَةِ الثَّلَاثِ.
وَلِأَنَّ الْخِيَارَ يَمْنَعُ مِنَ التَّصَرُّفِ وَمُوجَبُ الْعَقْدِ جَوَازُ التَّصَرُّفِ، وَالشَّرْطُ إِذَا كَانَ مُنَافِيًا لِمُوجَبِ الْعَقْدِ أَبْطَلَهُ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتَصَرَّفَ فِيهِ بِبَيْعٍ وَلَا غَيْرِهِ.
وَتَحْرِيرُ ذَلِكَ قِيَاسًا: أَنَّهُ مَعْنًى يَمْنَعُ مَقْصُودَ الْعَقْدِ، فَوَجَبَ أَنْ يَفْسُدَ بِهِ الْعَقْدُ مَعَ اسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ، أَصْلُهُ إِذَا بَاعَهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَبِيعَهُ، وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ خِيَارُ الثَّلَاثِ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ.
وَلِأَنَّ الْخِيَارَ غَرَرٌ وَالْعَقْدُ يُمْنَعُ مِنْ كَثِيرِ الْغَرَرِ وَلَا يُمْنَعُ مِنْ قَلِيلِهِ كَعَقْدِ الرُّؤْيَةِ لَمَّا كَانَ غَرَرًا جُوِّزَ فِي تَوَابِعِ الْبَيْعِ وَلَمْ يُجَوَّزْ فِي جَمِيعِهِ، وَالثَّلَاثُ فِي حَدِّ الْقِلَّةِ، وَمَا زَادَ عَلَيْهَا فِي حَدِّ الْكَثْرَةِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى فِي قِصَّةِ ثَمُودَ ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ [هود: 64] ثُمَّ بَيَّنَ الْقَرِيبُ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: 65] فَثَبَتَ أَنَّ الثَّلَاثَ فِي حَدِّ الْقِلَّةِ، فَجَازَ اشْتِرَاطُ الْخِيَارِ بِهَا فِي الْعَقْدِ لِقِلَّةِ غَرَرِهَا، وَلَمْ يَجُزْ فِيمَا زَادَ عَلَيْهَا لِكَثْرَةِ غَرَرِهَا.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ ".
فَقَدِ اسْتَثْنَى مِنْهُ " إِلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا ".
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى خِيَارِ الثَّلَاثِ فَالْمَعْنَى فِيهَا قِلَّةُ الْغَرَرِ بِهَا عَلَى أَنَّ الثَّلَاثَ رُخْصَةٌ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ جُمْلَةٍ مَحْظُورَةٍ، فَلَمْ يَجُزِ الْقِيَاسُ عَلَيْهَا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الْأَجَلِ: فَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ تَأْجِيلَ الثَّمَنِ لَا يَمْنَعُ مَقْصُودَ الْعَقْدِ، لِأَنَّ مَقْصُودَهُ طَلَبُ الْفَضْلِ فِيهِ بِتَوْفِيرِ الثَّمَنِ، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي زِيَادَةِ الْأَجَلِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْخِيَارُ، لِأَنَّهُ يَمْنَعُ مَقْصُودَ الْعَقْدِ مِنْ جَوَازِ التَّصَرُّفِ فِي الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ.
وأما الجواب عن استدلالهم بِخِيَارِ الْمَجْلِسِ فَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ مِنْ مُوجِبَاتِ الْعَقْدِ، فَجَازَتْ فِيهِ الْجَهَالَةُ، وَخِيَارُ الثَّلَاثِ مِنْ مُوجِبَاتِ الشَّرْطِ فَلَمْ تَجُزْ فِيهِ الْجَهَالَةُ، كَالْقَبْضِ إِذَا كَانَ مُسْتَحَقًّا بِالْعَقْدِ جَازَ أَنْ يَكُونَ مَجْهُولَ الْوَقْتِ، وَإِذَا كَانَ مُسْتَحَقًّا بِالشَّرْطِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ مَجْهُولَ الْوَقْتِ.
فَصْلٌ:
فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ خِيَارَ مَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ لَا يَصِحُّ.
فَمَتَى عُقِدَ الْبَيْعُ بِشَرْطِ خِيَارٍ يَزِيدُ عَلَى الثَّلَاثِ أَوْ خِيَارٍ مَجْهُولٍ، كَانَ الْبَيْعُ فَاسِدًا، سَوَاءٌ أَبْطَلَا الزِّيَادَةَ عَلَى الثَّلَاثِ فِي مُدَّةِ الثَّلَاثِ أَمْ لَا.
وَقَالَ أبو حنيفة: إِنِ اتَّفَقَا عَلَى إِبْطَالِ مَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ قَبْلَ تَقَضِّي الثَّلَاثِ، صَحَّ الْبَيْعُ.
وَإِنْ لَمْ يُبْطِلَاهُ حَتَّى مَضَتِ الثَّلَاثُ، فَسَدَ حِينَئِذٍ الْبَيْعُ.
اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ الشَّرْطَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ بَعْدَ الْعَقْدِ فِي حُكْمِ الشَّرْطِ حَالَ الْعَقْدِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا لَوْ زَادَا فِي الثَّمَنِ أَوْ نَقَصَا مِنْهُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، أَوْ زَادَا فِي الْأَجَلِ أَوْ نَقَصَا مِنْهُ، لَزِمَ مَا اشْتَرَطَاهُ مِنَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ بَعْدَ الْعَقْدِ، كَمَا يَلْزَمُ لَوْ شَرَطَاهُ حَالَ الْعَقْدِ، فَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّهُمَا لَوْ شَرَطَا حَالَ الْعَقْدِ إِبْطَالَ مَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ، صَحَّ الْعَقْدُ، وَجَبَ إِذَا اشْتَرَطَا بَعْدَ الْعَقْدِ إِبْطَالَ مَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ أَنْ يَصِحَّ الْعَقْدُ.
وَدَلِيلُنَا: نهيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ؛ وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ فَاسِدٌ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَلْحَقَهُ الصِّحَّةُ قِيَاسًا عَلَى بَيْعِ الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ؛ وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ شُرِطَ فِيهِ خِيَارٌ فَاسِدٌ، فَوَجَبَ أَنْ يُفْسِدَهُ، أَصْلُهُ: إِذَا لَمْ يُبْطِلَاهُ حَتَّى مَضَتِ الثَّلَاثُ؛ وَلِأَنَّ كُلَّمَا أُبْطِلَ الْعَقْدُ
إِذَا لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى تَصْحِيحِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ، أَبْطَلَهُ وَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى تَصْحِيحِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ كَالثَّمَنِ الْمَجْهُولِ.
وَلِأَنَّهُ شَرْطٌ يُنَافِي صِحَّةَ الْعَقْدِ، فَوَجَبَ أَنْ يَبْطُلَ بِهِ الْعَقْدُ كَالْأَجْلِ الْمَجْهُولِ.
وَلِأَنَّ الْخِيَارَ فِي مُقَابَلَةِ جُزْءٍ مِنَ الثَّمَنِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الثَّمَنَ فِي الْعُرْفِ يَزِيدُ بِزِيَادَتِهِ وَيَنْقُصُ بِنُقْصَانِهِ، فَإِذَا بَطَلَ خِيَارُ مَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ، سَقَطَ مِنَ الثَّمَنِ مَا قَابَلَهُ، فَصَارَ بَاقِي الثَّمَنِ مَجْهُولًا، وَالْبَيْعُ يَبْطُلُ بِالثَّمَنِ الْمَجْهُولِ فَكَذَلِكَ بِمَا أَوْجَبَهُ مِنَ الْخِيَارِ الْفَاسِدِ.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا الِاسْتِدْلَالُ يَفْسَدُ بِخِيَارِ الثَّلَاثِ إِذَا شَرَطَا إِسْقَاطَهُ بَعْدَ الْعَقْدِ، لِأَنَّهُ قَدْ أَسْقَطَ مِنَ الثَّمَنِ مَا قَابَلَهُ، فَأَفْضَى إِلَى جَهَالَةٍ فِي بَاقِيهِ وَلَمْ يَفْسُدِ الْبَيْعُ:
قيل: هذا لا يلزم، لأن الجهالة صَارَتْ فِي الثَّمَنِ لِمَعْنًى حَادِثٍ بَعْدَ الْعَقْدِ، فَلَمْ يَقْدَحْ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ، وَهُنَاكَ لِمَعْنًى قَارَنَ الْعَقْدَ، فَقَدَحَ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ إِذَا وَجَدَ بِالْمَبِيعِ عَيْبًا فَأَخَذَ أَرْشَهُ صَارَ الثَّمَنُ مَجْهُولًا وَلَمْ يَفْسُدِ الْعَقْدُ، لِأَنَّهُ لِمَعْنًى حَادِثٍ بَعْدَ الْعَقْدِ، وَلَوْ قَالَ: قَدْ بِعْتُكَهُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ إِلَّا أَرْشَ عَيْبِهِ فَسَدَ الْعَقْدُ، لِأَنَّهَا جَهَالَةٌ بِمَعْنًى قَارَنَ الْعَقْدَ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِ بَعْدَ فَسَادِهِ بِالْأَجَلِ الْمَجْهُولِ.
فَهُوَ أَنَّ الْعَقْدَ إِذَا زِيدَ فِي ثَمَنِهِ أَوْ نَقَصَ مِنْهُ فَقَدْ كَانَ وَقَعَ صَحِيحًا وَفِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَقَعَ فَاسِدًا، فَلَمْ يَصِحَّ بَعْدَ فَسَادِهِ.
فَصْلٌ:
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ خِيَارَ الثَّلَاثِ جَائِزٌ، فَإِنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الثَّلَاثِ فَاسِدَةٌ، وَالْبَيْعُ مَعَهَا فَاسِدٌ.
فَلَا بَأْسَ بِاشْتِرَاطِ الثَّلَاثِ لِلْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي، فَلَا يَجُوزُ لِلْبَائِعِ التَّصَرُّفُ فِيمَا قَبَضَهُ مِنَ الثَّمَنِ، لِثُبُوتِ الْخِيَارِ لِلْمُشْتَرِي، وَلَا يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي التَّصَرُّفُ فِيمَا قَبَضَهُ مِنَ الْمَبِيعِ، لِثُبُوتِ الْخِيَارِ لِلْبَائِعِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خِيَارُ الثَّلَاثِ مَشْرُوطًا لِلْبَائِعِ دُونَ الْمُشْتَرِي، فَلَا يَتَصَرَّفُ الْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ، لِثُبُوتِ الْخِيَارِ، وَيَجُوزُ لِلْبَائِعِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي الثَّمَنِ، لِأَنَّهُ لَا خِيَارَ عَلَيْهِ لِلْمُشْتَرِي، وَيَكُونُ تَصَرُّفُهُ فِي الثَّمَنِ اخْتِيَارًا لِلْإِمْضَاءِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خِيَارُ الثَّلَاثِ مَشْرُوطًا لِلْمُشْتَرِي دُونَ الْبَائِعِ، فَلَا يَتَصَرَّفُ الْبَائِعُ فِي الثَّمَنِ، لِثُبُوتِ الْخِيَارِ لِلْمُشْتَرِي، وَيَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي الْمَبِيعِ، لِأَنَّهُ لَا خِيَارَ عَلَيْهِ لِلْبَائِعِ وَهَلْ يَكُونُ تَصَرُّفُهُ فِي الْمَبِيعِ اخْتِيَارًا لِلْإِمْضَاءِ؟ .
عَلَى وَجْهَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا فِي وَقْتِهِ، وَفَرَّقْنَا بَيْنَ تَصَرُّفِ الْبَائِعِ وَتَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي بِمَا مَضَى.
فَصْلٌ:
وَإِذَا جَازَ اشْتِرَاطُ خِيَارِ الثَّلَاثِ، جَازَ اشْتِرَاطُ خِيَارِ مَا دُونَ الثَّلَاثِ، فَيَجُوزُ أن
يَشْتَرِطَا خِيَارَ يَوْمٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَا خِيَارَ يَوْمَيْنِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ أَحَدُهُمَا خِيَارَ يَوْمٍ وَالْآخَرِ خِيَارَ يَوْمَيْنِ، أَوْ أَحَدُهُمَا خِيَارَ ثَلَاثٍ وَالْآخَرِ خِيَارَ يَوْمٍ.
فَلَوْ تَبَايَعَا بِغَيْرِ خِيَارٍ، فَقَبْلَ افْتِرَاقِهِمَا شَرَطَا فِي الْعَقْدِ خِيَارَ يَوْمٍ، ثَبَتَ لَهُمَا خِيَارُ الْيَوْمِ، فَلَوِ افْتَرَقَا ثُمَّ اجْتَمَعَا قَبْلَ تَقَضِّيهِ، فَزَادَا فِي الْخِيَارِ يَوْمًا آخَرَ، ثَبَتَ الْخِيَارُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، فَإِنِ اجتمعا في اليوم الثاني، فزاد يَوْمًا ثَالِثًا، ثَبَتَ الْخِيَارُ لَهُمَا فِيهِ، فَإِنِ اجْتَمَعَا قَبْلَ تَقَضِّي الثَّالِثِ، فَزَادَ فِيهِ يَوْمًا رَابِعًا، بَطَلَ الْبَيْعُ، لِأَنَّهُمَا لَوْ شَرَطَا ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ، بَطَلَ، فَكَذَلِكَ إِذَا أَلْحَقَاهُ بِالْعَقْدِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ يَجِبُ أَنْ يَبْطُلَ.
فَلَوْ أَنَّهُمَا أَسْقَطَا الْيَوْمَ الرَّابِعَ، لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ، لفساد بِاشْتِرَاطِهِ.
فَصْلٌ:
وَإِذَا تَبَايَعَا نَهَارًا وَشَرَطَا الْخِيَارَ إلى الليل، ينقضي الْخِيَارُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ.
وَلَوْ تَبَايَعَا لَيْلًا بِشَرْطِ الخيار إلى طلوع الفجر، يقضي الْخِيَارُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ، وَلَا تَكُونُ الْغَايَةُ دَاخِلَةً فِي شَرْطِ الْخِيَارِ.
وَقَالَ أبو حنيفة: تَدْخُلُ الْغَايَةُ فِي شَرْطِ الْخِيَارِ، فَإِذَا شَرَطَا فِي بَيْعِ النَّهَارِ الْخِيَارَ إِلَى اللَّيْلِ، دَخَلَ اللَّيْلُ فِي الْخِيَارِ.
وَإِذَا تَبَايَعَا لَيْلًا بِشَرْطِ الْخِيَارِ إِلَى النَّهَارِ، دَخَلَ النَّهَارُ فِي الْخِيَارِ.
وَدَلِيلُنَا: هُوَ أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ " مِنْ " لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ وَ " إِلَى " لِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ قَالُوا: سَافَرْتُ مِنَ الْبَصْرَةِ إِلَى الْكُوفَةِ: دَلُّوا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْبَصْرَةَ ابْتِدَاءُ سَفَرِهِمْ وَالْكُوفَةَ غَايَةُ سَفَرِهِمْ، فَاقْتَضَى أَنْ تَكُونَ الْغَايَةُ خَارِجَةً مِنَ الْحُكْمِ، لِأَنَّهَا حَدٌّ، وَالْحَدُّ لَا يَدْخُلُ فِي الْمَحْدُودِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مِنْ دِرْهَمٍ إِلَى عَشْرَةٍ كَانَ مُقِرًّا بِتِسْعَةٍ، لِأَنَّ الْعَاشِرَ غَايَةٌ.
وَلَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَاحِدَةٍ إِلَى ثَلَاثٍ، طُلِّقَتْ طَلْقَتَيْنِ، لِأَنَّهُ جَعَلَ الثَّالِثَةَ غَايَةً.
فَصْلٌ:
فَإِذَا اجْتَمَعَ فِي الْعَقْدِ خِيَارَانِ: خِيَارُ شَرْعٍ، وَخِيَارُ شَرْطٍ.
فَخِيَارُ الشَّرْعِ، مُقَدَّرٌ بِاجْتِمَاعِ الْأَبْدَانِ، وَخِيَارُ الشَّرْطِ، مُقَدَّرٌ بِمَا شَرَطَا مِنَ الزَّمَانِ، فَلَوْ كَانَ خِيَارُ الشَّرْطِ ثَلَاثًا، فَلِأَصْحَابِنَا فِي ابْتِدَائِهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا: أَنَّ ابْتِدَاءَهَا مِنْ بَعْدِ انْقِطَاعِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ، إِمَّا بِالتَّفَرُّقِ أَوِ التَّخَايُرِ، وَلَا يَدْخُلُ أَحَدُ الْخِيَارَيْنِ فِي الْآخَرِ، لِأَنَّ خِيَارَ الْمَجْلِسِ مُسْتَفَادٌ بِالشَّرْعِ وَخِيَارُ الثَّلَاثِ مُسْتَفَادٌ بِالشَّرْطِ، وَإِذَا كَانَ مُوجَبُهُمَا مُخْتَلِفًا، تَمَيَّزَا وَلَمْ يَتَدَاخَلَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: أَنَّ ابْتِدَاءَ خِيَارِ الثَّلَاثِ مِنْ
وَقْتِ الْعَقْدِ، وَيَكُونُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ دَاخِلًا فِيهِ، لِأَنَّهُ لَوِ اعْتُبِرَ ابْتِدَاؤُهُ مِنْ بَعْدِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ، لَأَفْضَى إِلَى الْجَهَالَةِ فِي ابْتِدَائِهِ وَانْتِهَائِهِ بِجَهَالَةِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ، وَإِذَا كَانَ خِيَارُ الشَّرْطِ مَجْهُولًا، لَمْ يَجُزْ، فَاعْتُبِرَ ابْتِدَاؤُهُ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ فَيَكُونُ مَعْلُومًا.
فَيَجُوزُ.
فَعَلَى هَذَا إِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ مُضِيِّ الثَّلَاثِ ثَبَتَ خِيَارُ الثَّلَاثِ، ولم يكن خيار الْمَجْلِسِ تَأْثِيرٌ، وَإِنْ لَمْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى مَضَتِ الثَّلَاثُ، ثَبَتَ خِيَارُ الْمَجْلِسِ، وَلَمْ يَكُنْ لِخِيَارِ الثَّلَاثِ تَأْثِيرٌ.
فَصْلٌ:
فَإِذَا كَانَ زَمَانُ الْخِيَارِ بَاقِيًا، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَسْخُ الْعَقْدِ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ صَاحِبِهِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَإِلَيْهِ رَجَعَ أبو يوسف.
وَقَالَ أبو حنيفة ومحمد: لَا يَجُوزُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُ الْبَيْعِ إِلَّا بِحُضُورِ صَاحِبِهِ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّهُ فَسْخُ عَقْدٍ، فلم يصح بِحُضُورِ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الرَّدُّ كَالْإِقَالَةِ.
وَلِأَنَّ الْفَسْخَ يُوجِبُ انْتِقَالَ الْمِلْكِ، كَمَا أَنَّ الْعَقْدَ يُوجِبُ انْتِقَالَ الْمِلْكِ، فَلَمَّا كَانَ الْعَقْدُ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِهِمَا، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْفَسْخُ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِحُضُورِهِمَا.
وَدَلِيلُنَا: مَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - جَعَلَ لِحِبَّانَ الْخِيَارَ ثَلَاثًا وَقَالَ: " قُلْ: لَا خِلَابَةَ فِي الْإِسْلَامِ " وَلَمْ يُشْتَرَطْ فِي خِيَارِهِ حُضُورُ صَاحِبِهِ، فَدَلَّ عَلَى اسْتِوَاءِ حُكْمِهِ.
وَلِأَنَّهُ اخْتِيَارُ فَسْخِ الْبَيْعِ فِي مُدَّةِ خِيَارِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَنْفَسِخَ، أَصْلُهُ إِذَا كَانَ بِحُضُورِ صَاحِبِهِ.
وَلِأَنَّهُ مَعْنًى يَقْطَعُ الْخِيَارَ، فَوَجَبَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ شَرْطِهِ رِضَا الْمُتَعَاقِدَيْنِ أَنْ لَا يَفْتَقِرَ إِلَى حُضُورِهِمَا.
أَصْلُهُ إِجَازَةُ الْبَيْعِ.
وَلِأَنَّ كُلَّمَا كَانَ فَسْخًا بِحُضُورِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، كَانَ فَسْخًا بِغَيْبَةِ أَحَدِهِمَا كَوَطْءِ الْبَائِعِ وَقُبْلَتِهِ لِلْجَارِيَةِ الْمَبِيعَةِ.
وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ لَمْ يَفْتَقِرْ رَفْعُ الْعَقْدِ إِلَى رِضَاهُ، لَمْ يَفْتَقِرْ رَفْعُ الْعَقْدِ إِلَى حضوره، كالزوج في طلاق امرأته طردا والإقالة عَكْسًا.
وَفِيهِ انْفِصَالٌ عَنِ الِاسْتِدْلَالَيْنِ:
لِأَنَّهُ لَمَّا افْتَقَرَ الْعَقْدُ وَالْإِقَالَةُ إِلَى رِضَاهُمَا، افْتَقَرَ إِلَى حُضُورِهِمَا، وَلَمَّا لَمْ يَفْتَقِرِ الْفَسْخُ إِلَى رِضَاهُمَا، لَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى حُضُورِهِمَا.
فَصْلٌ:
إِذَا وَكَّلَ رَجُلًا فِي بَيْعِ شَيْءٍ أَوِ ابْتِيَاعِ شَيْءٍ، فَهَلْ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَشْتَرِطَ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ خِيَارَ الثَّلَاثِ مِنْ غَيْرِ إِذْنِ الْمُوَكِّلِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ أَنْ يتشرطَ خِيَار الثَّلَاثِ إِلَّا بِإِذْنٍ مِنَ الْمُوَكِّلِ صَرِيحٍ، لِأَنَّ الْخِيَارَ لَا يَتَنَاوَلُهُ الْعَقْدُ إِلَّا بِشَرْطٍ، فَلَمْ تَتَضَمَّنْهُ الْوِكَالَةُ إِلَّا بِإِذْنٍ كَالْأَجْلِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ لَهُ اشْتِرَاطُ خِيَارِ الثَّلَاثِ مِنْ غَيْرِ إِذْنِ الْمُوَكِّلِ، لِأَنَّ الْخِيَارَ زِيَادَةُ نَظَرٍ وَطَلَبُ حَظٍّ بِخِلَافِ الْأَجَلِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، وَشَرَطَ الْوَكِيلُ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ خِيَارَ الثَّلَاثِ، فَهُوَ ثَابِتٌ لِلْوَكِيلِ وَالْمُوَكِّلِ، أَمَّا الْوَكِيلُ، فَلِأَجْلِ عَقْدِهِ، وَأَمَّا الْمُوَكِّلُ، فَلِحَقِّ مِلْكِهِ.
وَإِذَا كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا، فَأَيُّهُمَا سَبَقَ صَاحِبَهُ إِلَى قَطْعِ الْخِيَارِ بِفَسْخٍ أَوْ إِجَازَةٍ، صَحَّ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَائِمٌ مَقَامَ صَاحِبِهِ، فَإِنْ سَبَقَ الْوَكِيلُ إِلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَرْضَ بِهِ الْمُوَكِّلُ لَزِمَهُ، وَكَذَا لَوْ سَبَقَ الْمُوَكِّلُ مِنْ غَيْرِ عِلْمِ الْوَكِيلِ صَحَّ.
واللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ:
إِذَا بَاعَ سِلْعَةً عَلَى أَنْ يَكُونَ خِيَارُ الثَّلَاثِ فِيهَا لِزَيْدٍ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ: جَازَ، وَكَانَ الْخِيَارُ لِزَيْدٍ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ فِيهِ خِيَارٌ، وَمَنَعَ مِنْهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي هَذَا الشَّرْطِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: حَمْلُ الْجَوَابِ عَلَى ظَاهِرِ نَصِّهِ الْأَوَّلِ، وَيَصِحُّ الشَّرْطُ، وَيَكُونُ الْخِيَارُ لِزَيْدٍ الْمُسَمَّى دُونَ الْبَائِعِ، لِأَنَّ الْعَقْدَ يَمْنَعُ اشْتِرَاطَ الْخِيَارِ، وَمُسْتَحِقُّ الْخِيَارِ مَوْقُوفٌ عَلَى قَوْلِ مَنْ شَرَطَ الْخِيَارَ.
وَالثَّانِي: أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ فَاسِدٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَحِقَّ الْخِيَارَ فَيَ الْبَيْعِ إِلَّا مَنْ عَقَدَهُ أَوْ عُقد لَهُ، وَلَيْسَ زَيْدٌ الْمُسَمَّى فِي اسْتِحْقَاقِ الْخِيَارِ لَهُ عَاقِدًا وَلَا مَعْقُودًا لَهُ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ فِي الْعَقْدِ خِيَارٌ.
وَالثَّالِثُ: إِنْ جُعِلَ الْخِيَارُ لِزَيْدٍ عَلَى طَرِيقِ التَّوْكِيلِ لَهُ فِي النَّظَرِ عَنِ الْبَائِعِ، صَحَّ، وَثَبَتَ الْخِيَارُ لِزَيْدٍ الْمُسَمَّى وَلِلْبَائِعِ مَعًا، وَكَانَ زَيْدٌ وَكِيلًا لِلْبَائِعِ، فَأَيُّهُمَا اخْتَارَ الْفَسْخَ أَوِ الْإِمْضَاءَ لَزِمَ: الْوَكِيلَ أَوِ الْمُوَكِّلَ.
فَإِنْ جُعِلَ لَهُ الْخِيَارُ مِلْكًا لَهُ دُونَ الْبَائِعِ، أَوْ أُطْلِقَ الشَّرْطُ، لَمْ يَجُزْ وَكَانَ بَاطِلًا.
وَتَعْلِيلُ هَذَا الْمَذْهَبِ مُشْتَرَكٌ مِنْ تَعْلِيلِ الْمَذْهَبَيْنِ الأولين وهو أظهر المذاهب الثلاثة [ولأنه لا يجوز أن يثبت الخيار لوكيله دونه] .
فَإِذَا قِيلَ: بِصِحَّةِ هَذَا الشَّرْطِ عَلَى التَّفْصِيلِ المذكور، صح البيع وثبت فيه الشرط.
فإذا قِيلَ: بِفَسَادِ هَذَا الشَّرْطِ، فَالصَّحِيحُ أَنَّ الْبَيْعَ يَفْسُدُ بِفَسَادِهِ، وَيَكُونُ الْعَقْدُ بِهَذَا الشَّرْطِ
بَاطِلًا لِمُنَافَاتِهِ.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ مَحْكِيٌّ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ: أَنَّ الشَّرْطَ فَاسِدٌ وَالْبَيْعَ صَحِيحٌ.
وَفِيمَا يَتَنَاوَلُهُ الْفَسَادُ مِنَ الشَّرْطِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: جُمْلَةُ الْخِيَارِ، فَيَصِيرُ الْبَيْعُ لَازِمًا وَلَا خِيَارَ فِيهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْفَسَادَ إِنَّمَا تَوَجَّهَ إِلَى اشْتِرَاطِ الْخِيَارِ لِزَيْدٍ الْمُسَمَّى، وَيَكُوْنُ الْخِيَارُ ثَابِتًا لِلْبَائِعِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ:
فَإِذَا قَالَ: بِعْتُكَ هَذِهِ السِّلْعَةَ عَلَى اسْتِئْمَارِ زِيدٍ:
قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ: لَمْ يَكُنْ لَهُ الرَّدُّ إِلَّا أَنْ يَقُولَ قَدِ اسْتَأْمَرْتُ زَيْدًا فَأَذِنَ لِي فِي الرَّدِّ.
فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا ف ي ذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ لَازِمٌ.
وَالْجَوَابُ فِيهِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَّا بَعْدَ اسْتِئْمَارِ زَيْدٍ وَإِذْنِهِ لِأَجْلِ شَرْطِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ وَكَافَّةِ الْبَصْرِيِّينَ: إِنَّ هَذَا الشَّرْطَ لَيْسَ بِلَازِمٍ، وَلَهُ الرَّدُّ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، سَوَاءٌ اسْتَأْمَرَ زَيْدًا أَمْ لَمْ يَسْتَأْمِرْهُ، لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْخِيَارِ يَمْنَعُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَمْنُوعًا مِنَ الخيار.
فمن قال بهذا لهم عن جواب الشافعي: لَمْ يَكُنْ لَهُ الرَّدُّ إِلَّا بَعْدَ اسْتِئْمَارِهِ، تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُرِيدُ بِهِ لَيْسَ لَهُ إِذَا رَدَّ أَنْ يَقُولَ: قَدْ أَذِنَ لِي فِي الرَّدِّ، إِلَّا بَعْدَ اسْتِئْمَارِهِ لِئَلَّا يَكُونَ كَذِبًا، فَكَانَ هَذَا النَّهْيُ مِنْهُ عَنِ الْكَذِبِ لَا عَنِ الرَّدِّ.
وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي: أَنَّهُ عَنَى الِاحْتِيَاطَ إِذَا كَانَ زَيْدٌ أَعْرَفَ، فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ: لَمْ يَكُنْ لَهُ الرَّدُّ إِلَّا بَعْدَ اسْتِئْمَارِهِ: أَيْ لَمْ يَكُنِ الْحَظُّ فِي الرَّدِّ إِلَّا بَعْدَ اسْتِئْمَارِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَانِعًا مِنِ اسْتِحْقَاقِ الرَّدِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
بَابُ الرِّبَا وَمَا لَا يَجُوزُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ متفاضلا ولا مؤجلا والصرف
سَمِعْتُ الْمُزَنِيَّ يَقُولُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ وَرَجُلٍ آخَرَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، وَلَا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ وَلَا الْبُرَّ بِالْبُرِّ وَلَا الشَّعِيرَ بِالشَّعِيرِ وَلَا التَّمْرَ بِالتَّمْرِ وَلَا الْمِلْحَ بِالْمِلْحِ إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ عَيْنًا بِعَيْنٍ يَدًا بِيَدٍ وَلَكِنْ بِيعُوا الذَّهَبَ بِالْوَرِقِ وَالْوَرِقَ بِالذَّهَبِ وَالْبُرَّ بِالشَّعِيرِ وَالشَّعِيرَ بِالْبُرِّ وَالتَّمْرَ بِالْمِلْحِ وَالْمِلْحَ بِالتَّمْرِ يَدًا بِيَدٍ كَيْفَ شِئْتُمْ " (قَالَ) وَنَقَضَ أَحَدُهُمَا التَّمْرَ وَالْمِلْحَ وَزَادَ الْآخَرُ فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى (قَالَ الشَّافِعِيُّ) وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلْأَحَادِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الصَّرْفِ وَبِهِ قُلْنَا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْأَصْلُ فِي تَحْرِيمِ الرِّبَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ثُمَّ الْإِجْمَاعُ.
فَأَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: 130] .
مَعْنَى قَوْلِهِ: " أَضْعَافًا " مُضَاعَفا، أَيْ: أَضْعَافَ الْحَقِّ الَّذِي دَفَعْتُمْ، لِأَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ إِذَا حَلَّ دَيْنُهُ قَالَ لِغَرِيمِهِ إِمَّا أَنْ تُعْطِيَ أَوْ تُرْبِيَ، فَإِنْ أَعْطَاهُ وَإِلَّا أَضْعَفَ عَلَيْهِ الْحَقَّ وَأَضْعَفُ لَهُ الْأَجَلَ ثُمَّ يَفْعَلُ كَذَلِكَ إِذَا حَلَّ حَتَّى يَصِيرَ الْحَقُّ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً، فَحَظَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْفَسَادِ، ثُمَّ أَكَّدَ الزَّجْرَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 131] ؛ فَأَخْبَرَ أَنَّ نَارَ آكِلِ الرِّبَا كَنَارِ الْكَافِرِ.
وَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: 275] . يَعْنِي لَا يَقُومُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ قُبُورِهِمْ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْمَسِّ.
يَعْنِي: الْجُنُونَ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ الله البيع وحرم الربا﴾ وَهَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي ثَقِيفَ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا أَكْثَرَ الْعَرَبِ رِبًا فَلَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الرِّبَا قَالُوا كَيْفَ يُحَرَّمُ الرِّبَا وَإِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا، فَرَدَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ قَوْلَهُمْ وَأَبْطَلَ جَمْعَهُمْ.
ثُمَّ قَالَ:
﴿فمن جاءه موعظة من ربه﴾ يعني القرآن ﴿فانتهى﴾ ﴿فله ما سلف﴾ يَعْنِي مَا أَكَلَ مِنَ الرِّبَا.
وَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 278] يَعْنِي مَا لَمْ يُقْبَضْ مِنَ الرِّبَا إِذَا أَسْلَمُوا عَلَيْهِ تَرَكُوهُ، وَمَا قَبَضُوهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ لَمْ يَلْزَمْهُمْ أَنْ يَرُدُّوهُ.
ثُمَّ تَوَعَّدَ عَلَى ذَلِكَ لِتَوْكِيدِ الزَّجْرِ فَقَالَ: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم﴾ يَعْنِي مَا دَفَعْتُمُوهُ ﴿لا تَظلمون وَلا تُظلمون﴾ [البقرة: 279] ، بأن تمنعوا ﴿رؤوس أَمْوَالِكُمْ﴾ ثُمَّ قَالَ تَيْسِيرًا عَلَى خَلْقِهِ: ﴿وَإِنْ كان﴾ - من قد أربيتموه - (ذو عسرة} بِرَأْسِ الْمَالِ ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280] يَعْنِي إِلَى وَقْتِ الْيَسَارِ.
وَهَذِهِ آخرُ آيَةٍ نَزَلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ عَلَى مَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: آخِرُ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ آيَةُ الرِّبَا فَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قُبِضَ قَبْلَ أَنْ يُفَسِّرَهَا فَدَعُوا الرِّبَا وَالرِّيبَةَ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - آكِلَ الرِّبَا وَمُؤكلَهُ وَشَاهِدَهُ وَكَاتِبَهُ.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ فِي خُطْبَةِ الْوَدَاعِ: أَلَا وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مِنْ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ لَكُمْ رؤوس أَمْوَالِكُمْ لَا تَظلمون وَلَا تُظلمون.
فَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُهُ رِبَا عَمِّي الْعَبَّاسِ، أَلَا وَإِنَّ كُلَّ دَمٍ مِنْ دَمِ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ وَأَوَّلُ دَمٍ أَضَعُهُ دَمُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.
ثُمَّ قَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِ الرِّبَا وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي فُرُوعِهِ وَكَيْفِيَّةِ تَحْرِيمِهِ حَتَّى قِيلَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَا أَحَلَّ الزِّنَا وَلَا الرِّبَا فِي شَرِيعَةٍ قَطُّ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء: 161] يَعْنِي: فِي الْكُتُبِ السَّالِفَةِ.
فَصْلٌ:
فَإِذَا ثَبَتَ تَحْرِيمُ الرِّبَا بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ مِنْ تَحْرِيمِ الرِّبَا عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مجمل فسرته السنة.
وإن ما جاءت بِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَإِنَّمَا هُوَ تَفْسِيرٌ لِمَا تَضَمَّنَهُ مُجْمَلُ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الرِّبَا نَقْدًا أَوْ نَسَاءً.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ تَحْرِيمَ الرِّبَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى إِنَّمَا يَتَنَاوَلُ مَعْهُودَ الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الرِّبَا فِي النَّسَاءِ وَطَلَبِ الْفَضْلِ بِزِيَادَةِ الْأَجَلِ ثُمَّ وَرَدَتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِزِيَادَةِ الرِّبَا فِي النَّقْدِ فَاقْتَرَنَتْ بِمَا تَضَمَّنَهُ التَّنْزِيلُ، وَإِلَى هَذَا كَانَ يَذْهَبُ أَبُو حَامِدٍ المروزي.
فَصْلٌ:
فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الرِّبَا حَرَامٌ فَلَا فَرْقَ فِي تَحْرِيمِهِ بَيْنَ دَارِ الْإِسْلَامِ وَدَارِ الْحَرْبِ.
فَكُلُّ عَقْدٍ كَانَ رِبًا حَرَامًا بَيْنَ مُسْلِمَيْنِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، كَانَ رِبًا حَرَامًا بَيْنَ مُسْلِمٍ وَحَرْبِيٍّ فِي دَارِ الْحَرْبِ سَوَاءٌ دَخَلَ الْمُسْلِمُ إِلَيْهَا بِأَمَانٍ أَوْ بِغَيْرِ أَمَانٍ.
وَقَالَ أبو حنيفة: لَا يَحْرُمُ الرِّبَا عَلَى الْمُسْلِمِ مِنَ الْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ سَوَاءٌ دَخَلَ بِأَمَانٍ أَوْ بِغَيْرِ أَمَانٍ.
احْتِجَاجًا بِحَدِيثِ مَكْحُولٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: لَا رِبَا بَيْنَ مُسْلِمٍ وَحَرْبِيٍّ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلِأَنَّ أَمْوَالَ أَهْلِ الْحَرْبِ مُبَاحَةٌ لِلْمُسْلِمِ بِغَيْرِ عَقْدٍ فَكَانَ أَوْلَى أَنْ يَسْتَبِيحَهَا بِعَقْدٍ.
وَالدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ الرِّبَا فِي دَارِ الْحَرْبِ حَرَامٌ كَتَحْرِيمِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، عُمُومُ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
ثُمَّ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى وَالْعِبْرَةِ: أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ حَرَامًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَانَ حَرَامًا فِي دَارِ الشِّرْكِ كَسَائِرِ الْفَوَاحِشِ وَالْمَعَاصِي وَلِأَنَّ كُلَّ عَقْدٍ حُرِّمَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ، حُرِّمَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ كَدَارِ الْإِسْلَامِ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ فَاسِدٌ فَوَجَبَ أَلَّا يُسْتَبَاحَ بِهِ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ كَالنِّكَاحِ.
فَأَمَّا احْتِجَاجُهُ بِحَدِيثِ مَكْحُولٍ فَهُوَ مُرْسَلٌ وَالْمَرَاسِيلُ عِنْدَنَا لَيْسَتْ حُجَّةً.
فَلَوْ سَلِمَ لَهُمْ لَكَانَ قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " لَا رِبًا " يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَفْيًا لِتَحْرِيمِ الرِّبَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَفْيًا لِجَوَازِ الرِّبَا فلم يكن لهم جملة عَلَى نَفْيِ التَّحْرِيمِ إِلَّا وَلَنَا حَمْلُهُ عَلَى نَفْيِ الْجَوَازِ ثُمَّ حَمْلُنَا أَوْلَى لِمُعَاضَدَةِ الْعُمُومِ لَهُ، وَأَمَّا احْتِجَاجُهُ بِأَنَّ أَمْوَالَهُمْ يَجُوزُ اسْتِبَاحَتُهَا بِغَيْرِ عَقْدٍ فَكَانَ أَوْلَى أَنْ تُسْتَبَاحَ بِعَقْدٍ فَلَا نُسَلِّمُ إِذَا كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةً فِي دُخُولِهِ إِلَيْهِمْ بِأَمَانٍ لِأَنَّ أَمْوَالَهُمْ لَا تُسْتَبَاحُ بِغَيْرِ عَقْدٍ فَكَذَا لَا يَسْتَبِيحُهَا بِعَقْدٍ فَاسِدٍ.
وَلَوْ فُرِضَتِ الْمَسْأَلَةُ مَعَ ارْتِفَاعِ الْأَمَانِ لَمَا صَحَّ الِاسْتِدْلَالُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الْحَرْبِيَّ إِذَا دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ جَازَ اسْتِبَاحَةُ مَالِهِ بِغَيْرِ عَقْدٍ وَلَا يَجُوزُ اسْتِبَاحَتُهُ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ.
ثُمَّ نَقُولُ: لَيْسَ كُلُّ مَا اسْتُبِيحَ مِنْهُمْ بِغَيْرِ عَقْدٍ جَازَ أَنْ يُسْتَبَاحَ مِنْهُمْ بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْفُرُوجَ يَجُوزُ اسْتِبَاحَتُهَا مِنْهُمْ بِالْفَيْءِ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ وَلَا يَجُوزُ اسْتِبَاحَتُهَا بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، فَكَذَا الْأَمْوَالُ وَإِنْ جَازَ أَنْ تُسْتَبَاحَ مِنْهُمْ بِغَيْرِ عَقْدٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ تُسْتَبَاحَ بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَبِهَا تَرَكْنَا قَوْلَ مَنْ رَوَى عَنْ أُسَامَةَ أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ " لِأَنَّهُ مُجْمَلٌ وكل ذلك مفسر فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ
النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سئل عن الربا أفي صنفين مختلفين ذهب بورق أم تمر بحنطة؟ فقال: " الربا في النسيئة " فحفظه فأدى قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ولم يؤد الْمَسْأَلَةَ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.
وَالرِّبَا ضَرْبَانِ: نَقْدٌ، وَنَسَاءٌ.
وَأَمَّا النَّسَاءُ: فَهُوَ بَيْعُ الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ إِلَى أَجَلٍ وَهُوَ الْمَعْهُودُ مِنْ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ وَالَّذِي قَدْ أَجْمَعَ عَلَى تَحْرِيمِهِ جَمِيعُ الْأُمَّةِ.
وَأَمَّا النَّقْدُ: فَهُوَ بَيْعُ الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ يَدًا بِيَدٍ، فَمَذْهَبُ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَكَافَّةِ الْفُقَهَاءِ تَحْرِيمُ ذَلِكَ كَالنَّسَاءِ، وَذَهَبَ خَمْسَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَى إِحْلَالِهِ وَإِبَاحَتِهِ وَهُمْ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ تَعَلُّقًا بِخَبَرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَا اسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " إنَمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ ". فَلَمَّا أَثْبَتَ الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ دَلَّ عَلَى انْتِفَاءِ الرِّبَا فِي النَّقْدِ.
وَالثَّانِي: مَا رَوَاهُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ قَالَ: بَاعَ شَرِيكٌ لِي دَرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ بِالْكُوفَةِ وَبَيْنَهُمَا فَضْلٌ.
فَقُلْتُ: مَا أَرَاهُ يَصْلُحُ هَذَا فَقَالَ: لَقَدْ بِعْتُهَا فِي السُّوقِ فَمَا عَابَ عَلَيَّ ذَلِكَ أَحَدٌ، فَأَتَيْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْمَدِينَةَ وَتِجَارَتُنَا كَذَا فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: مَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَمَا كَانَ نَسِيئَةً فَلَا خَيْرَ فِيهِ.
وَأَتَيْتُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ فَإِنَّهُ كَانَ أَعْظَمَ تِجَارَةً مِنَّا، فَأَتَيْتُهُ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ لِي مِثْلَ ذَلِكَ.
وَهَذَا نَصٌّ.
وَالدَّلَالَةُ عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَحَادِيثَ:
أَحَدُهَا: حَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ الْمُقَدَّمُ ذِكْرُهُ فِي صَدْرِ الْبَابِ.
وَقَوْلُهُ: " إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ يَدًا بِيَدٍ ".
وَالثَّانِي: حَدِيثُ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " الْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَالذَّهَبُ بِالذَّهَبِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ فَمَنْ زاد واستزاد فَقَدْ أَرْبَى.
الْآخِذُ وَالْمُعْطِي سَوَاءٌ ".
وَالثَّالِثُ: حَدِيثُ مَالِكِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " لَا تَبِيعُوا الدِّينَارَ بِالدِّينَارَيْنِ وَلَا الدِّرْهَمَ بالدرهمين ".
وَالرَّابِعُ: حَدِيثُ سَعِيدِ بْنُ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " الدَّينَارُ بِالدَّينَارِ وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ لَا فَضْلَ بَيْنِهِمَا ".
وَأَمَّا حَدِيثُ أُسَامَةَ وَقَوْلُهُ: " إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ " فَفِيهِ جَوَابَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ جَوَابُ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ جَوَابٌ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِسَائِلٍ سَأَلَهُ عَنِ التَّفَاضُلِ فِي جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَقَالَ: إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ فَنَقَلَ أُسَامَةُ جواب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَغْفَلَ سُؤَالَ السَّائِلِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْجِنْسِ الْوَاحِدِ يَجُوزُ التَّمَاثُلُ فِيهِ نَقْدًا وَلَا يَجُوزُ نَسِيئَةً.
عَلَى أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ الْمُسْتَدِلُّ بِحَدِيثِ أُسَامَةَ رَجَعَ عَنْ مَذْهَبِهِ حِينَ لَقِيَهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ إِلَى مَتَى تَأْكُلُ الرِّبَا وَتُطْعِمُهُ النَّاسَ وَرَوَى لَهُ حَدِيثَهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ هَذَا رِبًا كَانَ مِنِّي وَإِنِّي أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي الْمِنْهَالِ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ فَمَنْسُوخٌ؛ لِأَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ أَوَّلِ الْهِجْرَةِ وَتَحْرِيمُ الرِّبَا متأخر.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَيَحْتَمِلُ قَوْلُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا إِلَّا هَاءً وَهَاءً " يُعْطِي بيد ويأخذ بأخرى فيكون الأخذ مع الإعطاء وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَتَفَرَّقَ الْمُتَبَايِعَانِ مِنْ مَكَانِهِمَا حَتَّى يَتَقَابَضَا فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ عُمَرُ لِمَالِكِ بْنِ أَوْسٍ لَا تُفَارِقْهُ حَتَى تُعْطِيَهُ وَرِقَهُ أَوْ تَرُدَّ إِلَيْهِ ذَهَبَهُ وَهُوَ رَاوِي الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَى أنَّ مخْرَجَ " هَاءً وَهَاءً " تَقَابُضُهُمَا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ.
كُلُّ شَيْئَيْنِ ثَبَتَ فِيهِمَا الرِّبَا بِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يَصِحَّ دُخُولُ الْأَجَلِ فِي الْعَقْدِ عَلَيْهِمَا وَلَا الِافْتِرَاقُ قَبْلَ تَقَابُضِهِمَا.
سَوَاءً كَانَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ كَالْبُرِّ بِالْبُرِّ أَوْ مِنْ جِنْسَيْنِ كَالشَّعِيرِ بِالْبُرِّ حَتَّى يَتَقَابَضَا قَبْلَ الِافْتِرَاقِ فِي الصَّرْفِ وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ أبو حنيفة فِي الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ كَقَوْلِنَا لَا يَصِحُّ فِيهِمَا الْعَقْدُ إِلَّا بِالْقَبْضِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ وَلَا يَثْبُتُ فِيهِمَا الْأَجَلُ وَلَا خِيَارُ الشَّرْطِ.
وَأَجَازَ فِيمَا سِوَى الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ تَأْخِيرَ الْقَبْضِ وَخِيَارُ الشَّرْطِ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ الْأَجَلُ.
اسْتِدْلَالًا بِأَنَّهُ عَقْدٌ لَمْ يَتَضَمَّنْ صَرْفًا فَلَمْ يَكُنِ التَّقَابُضُ فِيهِ قبل الافتراق شرطا كالثياب بالثياب.
قَالَ: وَلِأَنَّ الْقَبْضَ يُرَادُ لِتَعْيِينِ مَا تَضَمَّنَهُ الْعَقْدُ فَلَمَّا كَانَ الذَّهَبُ وَالْوَرِقُ لَا يَتَعَيَّنُ بِالْعَقْدِ لَزِمَ فِيهِ تَعْجِيلُ الْقَبْضِ لِيَصِيرَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مُعَيَّنًا، وَلَمَّا كَانَ مَا سِوَى الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ مِنَ الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَغَيْرِهِمَا يَتَعَيَّنُ بِالْعَقْدِ لَمْ يَلْزَمْ فِيهِ تَعْجِيلُ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ قَدْ صَارَ مُعَيَّنًا.
وَالدَّلَالَةُ عَلَيْهِ: حَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، وَلَا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ، وَلَا الْبُرَّ بِالْبُرِّ، وَلَا الشَّعِيرَ بِالشَّعِيرِ، وَلَا التَّمْرَ بِالتَّمْرِ، وَلَا الْمِلْحَ بِالْمِلْحِ إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ، عَيْنًا بِعَيْنٍ، يَدًا بِيَدٍ، وَلَكِنْ بِيعُوا الذَّهَبَ بِالْوَرِقِ، وَالْوَرِقَ بِالذَّهَبِ، وَالْبُرَّ بِالشَّعِيرِ، وَالشَّعِيرَ بِالْبُرِّ، وَالتَّمْرَ بِالْمِلْحِ، وَالْمِلْحَ بِالتَّمْرِ يَدًا بِيَدٍ كَيْفَ شِئْتُمْ ". فَشَرَطَ فِي بَيْعِ ذَلِكَ كُلِّهِ تَعْجِيلَ الْقَبْضِ بِقَوْلِهِ إِلَّا يَدًا بِيَدٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَوْلُهُ يَدًا بِيَدٍ نَفْيًا لِدُخُولِ الْأَجَلِ فِيهِ وَأَنْ يَكُونَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ بِالنَّقْدِ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ فِي تَعْجِيلِ الْقَبْضِ.
قِيلَ يَبْطُلُ هَذَا التَّأْوِيلُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ.
أَحَدُهَا: أَنَّهُ جَمَعَ فِي الْخَبَرِ بَيْنَ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَبَيْنَ الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ فَلَمَّا كَانَ قَوْلُهُ: " إِلَّا يَدًا بِيَدٍ " مَحْمُولًا فِي الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ عَلَى تَعْجِيلِ الْقَبْضِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ مِثْلُهُ لِأَنَّهَا جُمْلَةٌ مَعْطُوفٌ عَلَيْهَا حُكْمٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّ نَفْيَ الْأَجَلِ مُسْتَفَادٌ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ إِلَّا عَيْنًا بِعَيْنٍ، لِأَنَّ الْمُؤَجَّلَ لَا يَكُونُ عَيْنًا إِذِ الْعَيْنُ لَا يَدْخُلُ فِيهَا الْأَجَلُ وَإِنَّمَا يَكُونُ عَيْنًا بِدَيْنٍ.
فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ إِلَّا يَدًا بِيَدٍ مَحْمُولًا عَلَى غَيْرِ نَفْيِ الْأَجَلِ وَهُوَ تَعْجِيلُ الْقَبْضِ لِيَكُونَ الْخَبَرُ مُقَيِّدًا لِحُكْمَيْنِ مُتَغَايِرَيْنِ، وَاخْتِلَافُ اللَّفْظَيْنِ مَحْمُولًا عَلَى اخْتِلَافِ مَعْنَيَيْنِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ قَوْلَهُ إِلَّا يَدًا بِيَدٍ مُسْتَعْمَلٌ فِي اللُّغَةِ عَلَى تَعْجِيلِ الْقَبْضِ لِأَجْلِ أَنَّ الْقَبْضَ يَكُونُ بِالْيَدِ وَلَيْسَ بِمُسْتَعْمَلٍ فِي نَفْيِ الْأَجَلِ إِلَّا عَلَى وَجْهِ الْمَجَازِ فَكَانَ حَمْلُ الْكَلِمَةِ عَلَى حَقِيقَتِهَا فِي اللُّغَةِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهَا عَلَى الْمَجَازِ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَصْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَنَفْيِ هَذَا التَّأْوِيلِ أَيْضًا: مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ رَوَاهُ مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ عَنْ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ رِبًا إِلَّا هَاءً وَهَاءً، وَالْوَرِقُ بِالْوَرِقِ رِبًا إِلَّا هَاءً وَهَاءً، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إِلَا هَاءً وَهَاءً، وَالشَّعِيرُ بَالشَّعِيرِ رِبًا إِلَّا هَاءً وَهَاءً، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلَّا هَاءً وَهَاءً ".
قَالَ الشَّافِعِيُّ فَاحْتَمَلَ قَوْلُهُ: " إِلَّا هَاءً وَهَاءً " مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُعْطِيَ بِيَدٍ وَيَأْخُذَ بِأُخْرًى فَيَكُونُ الْأَخْذُ مَعَ الْإِعْطَاءِ، وَاحْتَمَلَ أَلَّا يَتَفَرَّقَ الْمُتَبَايِعَانِ عَنْ مَكَانِهِمَا حَتَّى يَتَقَابَضَا، فَلَمَّا رُوِيَ أَنَّ مَالِكَ بْنَ أَوْسِ بْنِ الْحَدْثَانِ صَارَفَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بمَائَةِ دِينَارٍ بَاعَهَا عَلَيْهِ بِدَرَاهِمَ فَقَالَ طَلْحَةُ لِمَالِكٍ: حَتَّى يَأْتِيَ خَازِنِي مِنَ الْغَابَةِ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَسْمَعُ فَقَالَ عُمَرُ لِمَالِكٍ لَا وَاللَّهِ لَا تُفَارِقْهُ حَتَّى تَأْخُذَ مِنْهُ وَرِقَكَ أَوْ يَرُدَّ عَلَيْكَ ذَهَبَكَ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا إِلَّا هَاءً وَهَاءً.
دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْمَعْنَيَيْنِ الْمُحْتَمَلَيْنِ التَّقَابُضُ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ رَاوِيَ الْحَدِيثِ إِذَا فَسَّرَهُ عَلَى أَحَدِ مَعْنَيَيْنِ كَانَ مَحْمُولًا عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ فِي تَكْلِيفِ النَّاسِ الْإِعْطَاءَ بِيَدٍ وَالْأَخْذَ بِأُخْرَى مَشَقَّةً غَالِبَةً وَالشَّرِيعَةُ مَوْضُوعَةٌ عَلَى التَّوْسِعَةِ وَالسَّمَاحَةِ فَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ هَذَا مُرَادًا.
ثُمَّ الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى: أَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ يَمْنَعُ مِنْ ثُبُوتِ الْأَجَلِ فَوَجَبَ أَنْ يَمْنَعَ مِنَ التَّفَرُّقِ قَبْلَ الْقَبْضِ كَالصَّرْفِ وَلِأَنَّ كُلَّ مَا كَانَ شَرْطًا مُعْتَبَرًا فِي عَقْدِ الصَّرْفِ كَانَ شَرْطًا مُعْتَبَرًا فِيمَا دَخَلَهُ الرِّبَا مِنْ غَيْرِ الصَّرْفِ كَالْأَجَلِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى بَيْعِ الثِّيَابِ بِالثِّيَابِ فَمُنْتَقِضٌ بِالسَّلَمِ حَيْثُ لَزِمَ فِيهِ الْقَبْضُ ثُمَّ الْمَعْنَى فِي بَيْعِ الثِّيَابِ بِالثِّيَابِ عَدَمُ الرِّبَا فِيهَا فَجَازَ تَأْخِيرُ قَبْضِهِمَا وَمَا ثَبَتَ الرِّبَا فِيهِ لَمْ يَجُزْ تَأْخِيرُ قَبْضِهِ كَالصَّرْفِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِأَنَّ الْقَبْضَ إِنَّمَا يُرَادُ لِتَعْيِينِ مَا تَضَمَّنَهُ الْعَقْدُ وَالْبُرُّ وَالشَّعِيرُ مِمَّا يَتَعَيَّنُ بِالْعَقْدِ فَلَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى الْقَبْضِ فَهُوَ أَنَّ هَذَا يَفْسَدُ بِبَيْعِ الْحُلِيِّ بِالْحُلِيِّ يَلْزَمُ فِيهِ تَعْجِيلُ الْقَبْضِ وَإِنْ كَانَ مُتَعَيَّنًا بِالْعَقْدِ.
ثُمَّ لَوْ سَلِمَ مِنْ هَذَا الْكَسْرِ لَكَانَ عَكْسُ هَذَا الِاعْتِبَارِ أَشْبَهَ بِالْأُصُولِ لِأَنَّ السَّلَمَ يَتَعَيَّنُ فِيهِ الثَّمَنُ وَلَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ الْمُثَمَّنُ، ثُمَّ يَلْزَمُ فِيهِ تَعْجِيلُ قَبْضِ الثَّمَنِ وَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا وَلَا يلزم فيه تعجيل قبض الثمن وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَيَّنًا فَكَانَ اعْتِبَارُ هَذَا يُوجِبُ تَعْجِيلَ الْقَبْضِ فِيمَا كَانَ مُعَيَّنًا، وَلَا يُوجِبُهُ فِيمَا لَيْسَ بِمُعَيَّنٍ، وَلَمَّا انْعَكَسَ هَذَا الِاعْتِبَارُ عَلَيْهِ بَطَلَ أَنْ يَكُونَ لَهُ دَلِيلٌ فِيهِ.
فَصْلٌ:
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْقَبْضَ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْعُقُودِ الَّتِي لَا تَدْخُلُهَا الْآجَالُ وَيَلْحَقُهَا الرِّبَا مِنْ صَرْفٍ وَغَيْرِهِ وَأَنَّ حُكْمَ مَا فِيهِ الرِّبَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَرْفًا كَحُكْمِ مَا فِيهِ الرِّبَا إِذَا كان صرفا فتصارف الرَّجُلَانِ مِائَةَ دِينَارٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَتَقَابَضَا الدَّرَاهِمَ ولم يتقايضا الدَّنَانِيرَ أَوْ تَقَابَضَا الدَّنَانِيرَ وَلَمْ يَتَقَابَضَا الدَّرَاهِمَ حَتَّى تَفَارَقَا فَلَا صَرْفَ بَيْنَهُمَا وَلَزِمَ رَدُّ الْمَقْبُوضِ مِنْهُمَا سَوَاءً عَلِمَا فَسَادَ الْعَقْدِ بِتَأْخِيرِ الْقَبْضِ أَوْ جَهِلَا.
فَلَوْ لَمْ يَتَفَرَّقَا وَلَكِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَاخْتَارَ الْإِمْضَاءَ الْقَائِمَ مَقَامَ الِافْتِرَاقِ قَبْلَ أَنْ يَتَقَابَضَا كَانَ هَذَا التَّخَيُّرُ بَاطِلًا وَلَمْ يَبْطُلِ الْعَقْدُ لِأَنَّ اخْتِيَارَ الْإِمْضَاءِ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ تَقَضِّي عُلْقِ الْعَقْدِ، وَبَقَاءُ الْقَبْضِ يَمْنَعُ مِنْ نَقْضِ عُلْقِهِ فَمَنَعَ مِنِ اخْتِيَارِ إِمْضَائِهِ، فَإِنْ تَقَابَضَا بَعْدَ ذَلِكَ وَقَبْلَ الِافْتِرَاقِ صَحَّ الْعَقْدُ وَاسْتَقَرَّ وَكَانَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ يَتَخَايَرَا.
فَلَوْ وُكِّلَ أَحَدُهُمَا فِي الْقَبْضِ لَهُ وَالْإِقْبَاضِ عَنْهُ، فَإِنْ قَبَضَ الْوَكِيلُ وَأَقْبَضَ قَبْلَ افْتِرَاقِ مُوَكِّلِهِ وَالْعَاقِدِ الْآخَرِ صَحَّ الْعَقْدُ، وَإِنْ أَقْبَضَ بَعْدَ افْتِرَاقِهِمَا لَمْ يَجُزْ وَكَانَ الْعَقْدُ بَاطِلًا لِافْتِرَاقِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ قَبْلَ القبض،
فَلَوْ تَقَابَضَ الْمُتَصَارِفَانِ مَا تَصَارَفَا عَلَيْهِ فِي مِدَادٍ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ جَازَ وَلَمْ يَلْزَمْ دَفْعُ جَمِيعِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَإِنَّمَا يَلْزَمُ قَبْضُ جَمِيعِهِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ وَسَوَاءٌ طَالَتْ مُدَّةُ اجْتِمَاعِهِمَا أَوْ قَصَرَتْ.
فَلَوِ اخْتَلَفَا بَعْدَ الِافْتِرَاقِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا تَفَارَقْنَا عَنْ قَبْضٍ وَقَالَ الْآخَرُ بِخِلَافِهِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ أَنْكَرَ الْقَبْضَ وَيَكُونُ الصَّرْفُ بَاطِلًا.
فَإِنْ قِيلَ أَلَيْسَ لَوِ اخْتَلَفَا بَعْدَ الِافْتِرَاقِ فِي الْإِمْضَاءِ وَالْفَسْخِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا افْتَرَقْنَا عَنْ فَسْخٍ وَقَالَ الْآخَرُ عَنْ إِمْضَاءٍ كَانَ الْقَوْلُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ قَوْلَ مَنِ ادَّعَى الْإِمْضَاءَ وَالْبَيْعُ لَازِمٌ فَهَلَّا كَانَ اخْتِلَافُهُمَا فِي الْقَبْضِ مِثْلَهُ.
قِيلَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مُدَّعِيَ الْفَسْخِ يُنَافِي بِدَعْوَاهُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ اللُّزُومُ وَالصِّحَّةُ إِلَّا أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى الْفَسْخِ فَكَانَ الظَّاهِرُ مُوَافِقًا لِقَوْلِ مَنِ ادَّعَى الْإِمْضَاءَ دُونَ الْفَسْخِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَنِ ادَّعَى الْقَبْضَ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْقَبْضِ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْوَجْهَيْنِ هُنَاكَ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مُدَّعِي الْفَسْخِ إِذَا تَصَارَفَا مِائَةَ دِينَارٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَتَقَابَضَا مِنَ الْمِائَةِ خَمْسِينَ دِينَارًا ثُمَّ افْتَرَقَا وَقَدْ بَقِيَ خَمْسُونَ دِينَارًا كَانَ الصَّرْفُ فِي الْخَمْسِينِ الْبَاقِيَةِ بَاطِلًا.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ جَوَازُهُ فِي الْخَمْسِينِ الْمَقْبُوضَةِ قَوْلًا وَاحِدًا لِسَلَامَةِ الْعَقْدِ وَحُدُوثِ الْفَسَادِ فِيمَا بَعْدُ: وَكَانَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ يُخْرِجُ الصَّرْفَ فِي الْخَمْسِينَ الْمَقْبُوضَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ مِنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
وَلَيْسَ هَذَا التَّخْرِيجُ صَحِيحًا لِأَنَّ الْقَوْلَيْنِ فِي الْعَقْدِ الْوَاحِدِ إِذَا جَمَعَ جَائِزًا وَغَيْرَ جَائِزٍ فِي حَالِ الْعَقْدِ.
وَإِذَا صَحَّ الصَّرْفُ فِي الْخَمْسِينِ الْمَقْبُوضَةِ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا لَازِمَةٌ بِنِصْفِ الثَّمَنِ وَهُوَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ وَلَيْسَ لِلْبَائِعِ وَلَا لِلْمُشْتَرِي خِيَارٌ فِي الْفَسْخِ لِأَجْلِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ لِأَنَّ افْتِرَاقَهُمَا عَنْ قَبْضِ الْبَعْضِ رِضًا مِنْهُمَا بِإِمْضَاءِ الصَّرْفِ فِيهِ وَفَسْخِهِ فِي بَاقِيهِ.
وَكَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يُخْرِجُ قَوْلًا ثَانِيًا إِنَّهَا مَقْبُوضَةٌ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ.
وَكِلَا التَّخْرِيجَيْنِ فَاسِدٌ وَالتَّعْلِيلُ في فسادهما واحد.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَالرِّبَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا فِي النَّقْدِ بِالزِّيَادَةِ وَفِي الْوَزْنِ وَالْكَيْلِ وَالْآخَرُ يَكُونُ فِي الدَّيْنِ بِزِيَادَةِ الْأَجَلِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لِأَصْحَابِنَا فِي هَذَا الْكَلَامِ تَأْوِيلَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَرَادَ الرَّدَّ عَلَى مَنْ أَثْبَتَ الرِّبَا فِي النَّسَاءِ وَأَبَاهُ فِي النَّقْدِ وَقَالَ: وَالرِّبَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: النَّسَاءُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ.
وَهُوَ بَيْعُ الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ إِلَى أَجَلٍ.
وَالثَّانِي: مَا كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ وَهُوَ بَيْعُ الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ نَقْدًا فَجُعِلَ كِلَا الْوَجْهَيْنِ رَبًّا وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِيهِ مَعَ مَنِ اسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ أُسَامَةَ فَهَذَا أَحَدُ التَّأْوِيلَيْنِ.
وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي: أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الْجِنْسَ الْوَاحِدَ قَدْ يَدْخُلُهُ الرِّبَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: التَّفَاضُلُ سَوَاءٌ كَانَ نَقْدًا أَوْ نَسَاءً فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ عَاجِلًا وَلَا آجِلًا.
وَالثَّانِي: الْآجِلُ سَوَاءٌ كَانَ مُتَفَاضِلًا أَوْ مُتَمَاثِلًا فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ نَسَاءً مُتَفَاضِلًا وَلَا مُتَمَاثِلًا.
فَأَمَّا الْجِنْسَانِ الْمُخْتَلِفَانِ فَلَا يَدْخُلُهُمَا الرِّبَا إِلَّا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْأَجَلُ.
فَأَمَّا التَّفَاضُلُ أَوِ التَّمَاثُلُ فَيَجُوزُ فِيهِمَا: فإذا باع الفضة بالذهب أبو الْبُرَّ بِالشَّعِيرِ نَقْدًا جَازَ سَوَاءٌ كَانَ مُتَفَاضِلًا أَوْ مُتَمَاثِلًا وَإِنْ بَاعَهُ إِلَى أَجَلٍ لَمْ يجز.
سواء كان متماثلا أو متفاضلا.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِنَّمَا حَرَّمْنَا غَيْرَ مَا سَمَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مِنَ الْمَأْكُولِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى مَا سَمَّى ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي الرِّبَا فَسِتَّةُ أَشْيَاءَ وَرَدَتِ السُّنَّةُ بِهَا وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهَا وَهِيَ: الذَّهَبُ، وَالْفِضَّةُ، وَالْبُرُّ، وَالشَّعِيرُ، وَالتَّمْرُ، وَالْمِلْحُ.
وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ثُبُوتِ الرِّبَا فِيمَا عَدَاهَا.
فَحُكِيَ عَنْ طَاوُسٍ، وَقَتَادَةَ، وَمَسْرُوقٍ، وَالشَّعْبِيِّ وَعُثْمَانَ الْبَتِّيِّ، وَدَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ الظَّاهِرِيِّ.
وَنُفَاةِ الْقِيَاسِ بِأَسْرِهِمْ أَنَّهُ لَا رِبَا فِيمَا عَدَا السِّتَّةَ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهَا فَلَا يَجُوزُ التَّخَطِّي عَنْهَا إِلَى مَا سِوَاهَا تَمَسُّكًا بِالنَّصِّ، وَنَفْيًا لِلْقِيَاسِ، وَاطِّرَاحًا لِلْمَعَانِي.
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ ومثبتوا الْقِيَاسِ إِلَى أَنَّ الرِّبَا يَتَجَاوَزُ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ إِلَى مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فَرْعٌ عَلَى إِثْبَاتِ الْقِيَاسِ وَالْكَلَامُ فِيهَا يَلْزَمُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مِنْ جِهَةِ إِثْبَاتِ الْقِيَاسِ، فَإِذَا ثَبَتَ كَوْنُهُ حُجَّةً ثَبَتَ أَنَّ الرِّبَا يَتَجَاوَزُ مَا وَرَدَ عَلَيْهِ النَّصُّ مِنَ الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ وَهَذَا يَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كِتَابِ أَدَبِ الْقَاضِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَالثَّانِي: مِنْ طَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ الظَّاهِرِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مِنْ هذا الطريق ثلاثة أشياء:
أحدهما: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275] . وَالرِّبَا اسْمٌ لِلزِّيَادَةِ وَالْفَضْلِ مِنْ طَرِيقِ اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ.
أَمَّا اللُّغَةُ فَكَقَوْلِهِمْ قَدْ رَبَا السَّوِيقُ إِذَا زَادَ، وَقَدْ أَرْبَى عَلَيَّ فِي الْكَلَامِ إِذَا زَادَ فِي السَّبِّ، وَهَذِهِ رَبْوَةٌ مِنَ الْأَرْضِ إِذَا زَادَتْ عَلَى مَا جَاوَرَهَا.
وَأَمَّا الشَّرْعُ: فَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: 276] . أَيْ يُضَاعِفُهَا وَيَزِيدُ فِيهَا وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: 5] . أَيْ زَادَتْ وَنَمَتْ.
وَإِذَا كَانَ الرِّبَا مَا ذَكَرْنَا اسْمًا لِلزِّيَادَةِ لُغَةً وَشَرْعًا دَلَّ عُمُومُ الْآيَةِ عَلَى تَحْرِيمِ الْفَضْلِ وَالزِّيَادَةِ إِلَّا مَا خُصَّ بِدَلِيلٍ.
وَالدَّلَالَةُ الثَّانِيَةُ: مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ.
وَالطَّعَامُ اسْمٌ لِكُلِّ مَطْعُومٍ مِنْ بُر وَغَيْرِهِ فِي اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ.
أَمَّا اللُّغَةُ فكقولهم طَعِمْتُ الشَّيْءَ أَطْعَمُهُ وَأَطْعَمْتُ فُلَانًا كَذَا إِذَا كَانَ الشَّيْءُ مَطْعُومًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بُرًّا.
وَأَمَّا الشَّرْعُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [آل عمران: 93] يَعْنِي كُلَّ مَطْعُومٍ فَأَطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَ الطَّعَامِ.
وَقَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: 249] فَسَمَّى الْمَاءَ مَطْعُومًا لِأَنَّهُ مِمَّا يُطْعَمُ.
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: عِشْنَا دَهْرًا وَمَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّا الْأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالْمَاءُ.
وَإِذَا كَانَ اسْمُ الطَّعَامِ بِمَا وَصَفْنَا مِنْ شَوَاهِدِ اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَطْعُومٍ مِنْ بُرٍّ وَغَيْرِهِ.
كَانَ نَهْيُهُ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ مَحْمُولًا عَلَى عُمُومِهِ فِي كُلِّ مَطْعُومٍ إِلَّا مَا خُصَّ بِدَلِيلٍ.
فَإِنْ قِيلَ فَهَذَا وَإِنْ كَانَ عَامًّا فَمَخْصُوصٌ بِبَيَانِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الرِّبَا فِي الْأَجْنَاسِ السِّتَّةِ.
قِيلَ: بَيَانُ بَعْضِ مَا يَتَنَاوَلُهُ الْعُمُومُ لَا يَكُونُ تَخْصِيصًا لِأَنَّهُ لَا يُنَافِيهِ.
وَإِنْ شَذَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فَجَعَلَهُ تَخْصِيصًا.
وَالدَّلَالَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نَصَّ عَلَى الْبُرِّ وَهُوَ أَعْلَى الْمَطْعُومَاتِ، وَعَلَى الْمِلْحِ وَهُوَ أَدْنَى الْمَطْعُومَاتِ فَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ مَا بَيْنَهُمَا لَاحِقٌ بِأَحَدِهِمَا.
لِأَنَّهُ يَنُصُّ تَارَةً عَلَى الْأَعْلَى لِيُنَبِّهَ بِهِ عَلَى الْأَدْنَى كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ فَنَبَّهَ بِهِ عَلَى الْأَدْنَى.
وَيَنُصُّ تَارَةً عَلَى الْأَدْنَى لِيُنَبِّهَ عَلَى الْأَعْلَى كَمَا قَالَ: ﴿وَمِنْهُمْ من إن تأمنه بدينار ولا يؤده إليك﴾ فَنَبَّهَ بِهِ عَلَى الْأَعْلَى فَإِذَا وَرَدَ النَّصُّ عَلَى الْأَعْلَى وَالْأَدْنَى كَانَ أَوْكَدَ تَنْبِيهًا عَلَى مَا بَيْنَهُمَا وَأَقْوَى شَاهِدًا فِي لُحُوقِهِ بِأَحَدِهِمَا.
والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَلَمْ يَجُزْ أَنْ نَقِيسَ الْوَزْنَ عَلَى الْوَزْنِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مأكُولَيْنِ وَمُبَايِنَانِ لِمَا سِوَاهُمَا وَهَكَذَا قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ لَا رِبَا إِلَّا فِي ذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ أَوْ مَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ مِمَّا يُؤْكَلُ وَيُشْرَبُ (قال) وهذا صحيح ولو قسنا عليهما الوزن لزمنا أن لا نسلم دينارا في موزون من طعام كما لا يجوز أن نسلم دينارا في موزون من ورق ولا أعلم بين المسلمين اختلافا أن الدينار والدرهم يسلمان في كل شيء ولا يسلم أحدهما في الآخر غير أن من الناس من كره أن يسلم دينار أو درهم في فلوس وهو عندنا جائز لأنه زكاة فيها ولا في تبرها وإنها ليست بثمن للأشياء المتلفة وإنما أنظر في التبر إلى أصله والنحاس مما لا ربا فيه وقد أجاز عدد منهم إبراهيم النخعي السلف في الفلوس