كِتَابُ الْبُيُوعِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الماوردي
- الكتاب
- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
- المحقق
- الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1419 هـ -1999 م
- عدد الأجزاء
- 19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الْمِلْكَ قَدِ انْتَقَلَ بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَإِنْ كَانَ أَحَظَّهُمَا الْإِجَازَةُ - لِأَنَّهُ كَانَ غَائِبًا - أُجْبِرَ عَلَى الْإِجَازَةِ إِلَّا أَنْ يُقَالَ إِنَّ الْمِلْكَ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالْعَقْدِ وَتَقْضِي الْخِيَارُ.
وَهُوَ كَمَا ذكرنا غير صحيح والله أعلم.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " فَإِنْ أَخَذَهُ دُونَ صِفَتِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ إِلَّا أَنْ يَرْضَى الْغُرَمَاءُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا أَسْلَمَ الرَّجُلُ سَلَمًا فَحَلَّ السَّلَمُ بَعْدَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ بِالْفَلَسِ فَقَبَضَهُ دُونَ صِفَتِهِ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَسْلَمَ فِي طَعَامٍ حَدِيثٍ فَقُبِضَ عَتِيقًا أَوْ فِي جَيِّدٍ فَأُخِذَ رَدِيئًا فَلَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ مَا لَمْ يَرْضَ غُرَمَاؤُهُ بِهِ، لِأَنَّ قَبْضَهُ دُونَ صِفَتِهِ نَقْصٌ يَدْخُلُ عَلَى الْغُرَمَاءِ فِي حُقُوقِهِمْ، لأن نَقْصَ الصِّفَةِ كَنَقْصِ الْعَيْنِ فَإِنْ رَضِيَ الْغُرَمَاءُ بِقَبْضِهِ دُونَ صِفَتِهِ جَازَ لِأَنَّ الْمُفْلِسَ تَامُّ الْمِلْكِ بِدَلِيلِ أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي مَالِهِ وَإِنَّمَا الْحَجْرُ وَاقِعٌ عَلَيْهِ لِحُقُوقِ الْغُرَمَاءِ فَإِذَا رَضُوا بِالنَّقْصِ الدَّاخِلِ عَلَيْهِمْ جَازَ فَلَوْ وَهَبَ المفلس مالا يَرْضَى بِهِ غُرَمَاؤُهُ فَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ كَنَقْصِ الْوَصْفِ.
وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ قَبْضَ السَّلَمِ دُونَ صِفَتِهِ مُسَامَحَةٌ فِي عَقْدٍ تَقَدَّمَ الْفَلَسَ فَصَحَّ مِنْهُ مَعَ رِضَا الغرماء اعتبارا بعقد ما مَضَى وَالْهِبَةُ فِي الْفَلَسِ عَقْدٌ مُبْتَدَأٌ وَاسْتِهْلَاكُ مَالٍ مُسْتَأْنَفٍ فَلَمْ يَصِحَّ مَعَ رِضَا الْغُرَمَاءِ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ عَنْهُ غَائِبٌ لَمْ يرض به.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ أَسْلَفَهُ فِضَّةً بِعَيْنِهَا فِي طَعَامٍ ثُمَّ فَلَسَ كَانَ أَحَقَّ بِفِضَّتِهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ أَسْلَمَ فِضَّةً فِي طَعَامٍ مَوْصُوفٍ فَفَلَسَ الْمُسَلَّمُ إِلَيْهِ فَلَا يَخْلُو حَالُ الْفِضَّةِ الَّتِي كَانَتْ ثَمَنًا مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ تَكُونَ بَاقِيَةً أَوْ مُسْتَهْلَكَةً فَإِنْ كَانَتِ الْفِضَّةُ بَاقِيَةً فِي يَدِ الْمُفْلِسِ، فَلِلْمُسَلِّمِ أَنْ يَرْجِعَ بِهَا لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يَرْجِعَ بِعَيْنِ مَالِهِ إِذَا كَانَ مُثَمَّنًا جَازَ أَنْ يَرْجِعَ بِعَيْنِ مَالِهِ إِذَا كَانَ ثَمَنًا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا جَازَ بِالْفَلَسِ فَسْخُ الْبَيْعِ الْمُنْبَرِمِ فَأَوْلَى أَنْ يَجُوزَ بِهِ فَسْخُ السَّلَمِ الَّذِي لَيْسَ بِمُنْبَرِمٍ وَإِنْ كَانَتِ الْفِضَّةُ مُسْتَهْلَكَةً فَهَلْ يَسْتَحِقُّ بِحُدُوثِ الْفَلَسِ خِيَارًا فِي فَسْخِ السَّلَمِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ - لَهُ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ السَّلَمِ، لِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَحَقَّ بِالْفَلَسِ خِيَارَ الْفَسْخِ بِتَعْجِيلِ الثَّمَنِ وَتَأْخِيرِ الْمُثَمَّنِ اسْتَحَقَّهُ بِتَعْجِيلِ الثَّمَنِ وَتَأْخِيرِ الْمُثَمَّنِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَصَحُّ وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ - أَنَّهُ لَا خِيَارَ لَهُ فِي الْفَسْخِ لِأَنَّ الْفَسْخَ
بِالْفَلَسِ إِنَّمَا يُسْتَحَقُّ إِذَا ارْتَفَعَ بِهِ الضَّرَرُ عَنِ الْبَائِعِ فِي اسْتِرْجَاعِ عَيْنِ مَالِهِ حَتَّى لَا يُزَاحِمَهُ الْغُرَمَاءُ وَيَصِلَ إِلَى جَمِيعِ حَقِّهِ وَفَسْخُ السَّلَمِ لَا يُسْتَفَادُ بِهِ هَذَا الْمَعْنَى لِأَنَّهُ يُشَارِكُ الْغُرَمَاءَ بِهِ إِذَا فَسَخَ كَمَا يُشَارِكُهُمْ إِذَا لَمْ يَفْسَخْ فَالضَّرَرُ لَاحِقٌ بِهِ فِي الْحَالَيْنِ فَلَمْ يَكُنْ لِفَسْخِهِ مَعْنًى.
فَإِذَا قيل بالوجه الأول عنه يَسْتَحِقُّ الْفَسْخَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُقِيمَ عَلَى السَّلَمِ وَيَضْرِبَ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِقِيمَةِ الطَّعَامِ وَبَيْنَ أَنْ يَفْسَخَ السَّلَمَ وَيَضْرِبَ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِالثَّمَنِ وَإِذَا قِيلَ بِالْوَجْهِ الثَّانِي: فَإِنَّهُ يَضْرِبُ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِقِيمَةِ الطَّعَامِ وَهُوَ أَنْ يُقَوِّمَ الطَّعَامَ الَّذِي أَسْلَمَ فِيهِ عَلَى صِفَتِهِ وَقَدْرِهِ بِسِعْرِ وَقْتِهِ فَإِذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ أَلْفًا صَارَ حَقُّهُ أَلْفًا فَيَضْرِبُ بِهَا مَعَ الْغُرَمَاءِ فَإِذَا خَرَجَ قِسْطُهُ بِمُزَاحَمَةِ الْغُرَمَاءِ خَمْسُمِائَةٍ لِأَنَّ مَالَ الْمُفْلِسِ بِإِزَاءِ نِصْفِ دُيُونِهِ لَمْ يَدْفَعْ إِلَيْهِ الدَّرَاهِمَ وَاشْتَرَى لَهُ بِهَا طَعَامًا، لِأَنَّ قَبْضَهُ لِلدَّرَاهِمِ بَيْعٌ لِلطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ فَيُوَلِّي الْحَاكِمُ شِرَاءَ الطَّعَامِ لَهُ بِالْخَمْسِمِائَةِ فَرُبَّمَا اشْتَرَى بِسِعْرِ مَا قُوِّمَ فَيَحْصُلَ لَهُ نِصْفُ طَعَامِهِ وَرُبَّمَا اشْتَرَى بِأَزْيَدَ مِنَ الْقِيمَةِ لِغَلَاءِ السِّعْرِ فَيَحْصُلَ لَهُ أَقَلُّ مِنَ النِّصْفِ وَرُبَّمَا اشْتَرَى بِأَنْقَصَ مِنَ الْقِيمَةِ لِرُخْصِ السِّعْرِ فَيَحْصُلَ لَهُ أَكْثَرُ مِنَ النِّصْفِ فَيُحْسَبُ عَلَيْهِ مِنْ طَعَامِهِ قَدْرُ مَا قَبَضَ بِالشِّرَاءِ مِنْ زِيَادَةٍ وَنَقْصٍ دُونَ مَا قَوَّمَهُ بِهِ حِينَ ضَرَبَ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِقِيمَتِهِ وَكَانَ مَا بَقِيَ أَنْ يَبْقَى دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ فِي ذِمَّةِ الْمُفْلِسِ عَلَى مَا يَسْتَفِيدُهُ مِنَ الْمَالِ فِيمَا بعده.
والله أعلم.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ أَكْرَى دَارًا ثُمَّ فَلَسَ الْمُكْرِي فَالْكَرَاءُ لِصَاحِبِهِ فَإِذَا تَمَّ سُكْنَاهُ بِيعَتْ لِلْغُرَمَاءِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا اسْتَأْجَرَ دَارًا أَوْ عَبْدًا ثُمَّ أَفْلَسَ الْمُؤَجِّرُ أَوْ رَبُّ الدَّارِ دُونَ الْمُسْتَأْجِرِ فَالْإِجَارَةُ عَلَى حَالِهَا وَالْمُسْتَأْجِرُ أَحَقُّ بِالدَّارِ إِلَى انْقِضَاءِ مُدَّةِ إِجَارَتِهِ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ عَقْدَ الْإِجَارَةِ قَدْ أَزَالَ مِلْكَ الْمُؤَاجِرِ عَنِ الْمَنْفَعَةِ إِلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَحَجْرُ الْمُفْلِسِ إِنَّمَا يُؤَثِّرُ فِيمَا لَمْ تَزُلْ مِلْكِيَّةُ الْمُفْلِسِ عَنْهُ وَلَا يُؤَثِّرُ فِيمَا زَالَ عَنْهُ كَمَا لَوْ بَاعَ شَيْئًا قَبْلَ فَلَسِهِ لَمْ يُؤَثِّرْ حُدُوثُ فَلَسِهِ لِزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ حَقَّ الْمُسْتَأْجِرِ قَدْ تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ وَحُقُوقَ الْغُرَمَاءِ تعلق بِالذِّمَّةِ فَكَانَ تَقَدُّمُ مَا تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ أَوْلَى كَالرَّهْنِ فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ أَوْلَى فَلَا حَقَّ لَهُ فِي الْفَسْخِ بِفَلَسِ الْمُؤَاجِرِ، لِأَنَّهُ مُمَكَّنٌ مِنَ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ مِنْ غَيْرِ فَسْخٍ فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا وَأَنَّ الدَّارَ مُقَرَّةٌ فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ إِلَى انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ نُظِرَ فَإِنْ رَضِيَ الْغُرَمَاءُ بِتَأْخِيرِ بَيْعِ الدَّارِ حَتَّى تَنْقَضِيَ مُدَّةُ إِجَارَتِهَا لِيَتَوَفَّرَ عَلَيْهِمْ ثَمَنُهَا بَعْدَ تَقَضِّي الْإِجَارَةِ فَذَاكَ أَوْلَى وَإِنْ سَأَلُوا بَيْعَهَا فِي الْحَالِ لِيُقْسَمَ ثَمَنُهَا فِيهِمْ جَازَ بَيْعُهَا عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ قَوْلًا وَاحِدًا لِأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ حَائِلٌ يَمْنَعُ مِنَ التَّسْلِيمِ كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ الشَّيْءِ الْمَغْصُوبِ عَلَى الْغَاصِبِ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ، لِأَنْ لَيْسَ دُونَهُ حَائِلٌ يَمْنَعُ من
رَدِّهِ وَكَمَا يَجُوزُ لِمَنِ اسْتَأْجَرَ دَارًا سَنَةً أَنْ يَسْتَأْجِرَهَا ثَانِيَةً وَإِنْ لَمْ يُجِزْ ذَلِكَ لغيره ذكرنَا فَأَمَّا بَيْعُهَا مِنْ غَيْرِ الْمُسْتَأْجِرِ فَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ بَاطِلٌ وَهُوَ قَوْلُ أبي حنيفة لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ يَدَ الْمُسْتَأْجِرِ تَحُولُ بَيْنَ الْمُشْتَرِي وَبَيْنَ الدَّارِ الْمَبِيعَةِ فَكَانَ الْبَيْعُ باطلا كالمغصوب.
والثاني: أنه يصير مستثنا لِمَنَافِعِ مَا بَاعَهُ وَلَوِ اسْتَثْنَى مَنَافِعَ مَا باعه شَهْرًا بِالشَّرْطِ لَمْ يَجُزْ، فَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ مُسْتَثْنِيًا بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَسْلُوبَ الْمَنْفَعَةِ بِالشَّرْطِ أَوْ بِالْعَقْدِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ وَالْإِجَارَةُ بِحَالِهَا لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ عَقْدَ الْإِجَارَةِ يَتَنَاوَلُ الْمَنْفَعَةَ دُونَ الرَّقَبَةِ وَعَقْدَ الْبَيْعِ يَتَنَاوَلُ الرَّقَبَةَ دُونَ الْمَنْفَعَةِ فَلَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يَكُونَ عَقْدُ الْبَيْعِ وَاقِعًا عَلَى رَقَبَةٍ مُسْتَحِقَّةِ الْمَنْفَعَةِ كَالْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ وَالْعَبْدِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا جَازَ بَيْعُ النَّخْلِ إِذَا كَانَتْ عَلَيْهَا ثَمَرَةٌ مُؤَبَّرَةٌ لِلْبَائِعِ وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَحَقَّةَ الْمَنَافِعِ جَازَ بَيْعُ الدَّارِ إِذَا كَانَتْ مُسْتَحَقَّةَ الْمَنْفَعَةِ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ فَكَانَ أَوْلَى لِأَنَّ مُدَّةَ الْإِجَارَةِ مَعْلُومَةٌ وَمُدَّةُ بَقَاءِ الثَّمَرَةِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ.
(فَصْلٌ)
فإذا تقرر وجود الْقَوْلَيْنِ.
فَإِنْ قُلْنَا بِصِحَّةِ الْبَيْعِ فَالْمُشْتَرِي إِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْمُقَامِ أَوِ الْفَسْخِ وَعَلَيْهِ إِنْ أَقَامَ تَمْكِينُ الْمُسْتَأْجِرِ مِنْهَا إِلَى انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ وَإِنْ قُلْنَا بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ رُدَّ الثَّمَنُ عَلَى الْمُشْتَرِي وَكَانَتِ الدَّارُ فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ حَتَّى إِذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ إِجَارَتِهِ بِيعَتْ فِي حُقُوقِ الْغُرَمَاءِ، وَلَوِ انْهَدَمَتِ الدَّارُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ لَزِمَتِ الْإِجَارَةُ فِيمَا مَضَى عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ - وَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْأُجْرَةُ بِقِسْطِهِ وَبَطَلَتِ الْإِجَارَةُ فِيمَا بَقِيَ وَاسْتَرْجَعَ مِنَ الْأُجْرَةِ بِقِسْطِهِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُقَسَّمَ مَالُ الْمُفْلِسِ بَيْنَ غُرَمَائِهِ شَارَكَهُمْ فِيهِ وَضَرَبَ مَعَهُمْ بِقَدْرِ مَا بَقِيَ مِنَ الْأُجْرَةِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ - أَعْنِي: انْهِدَامَ الدَّارِ - بَعْدَ قِسْمَةِ مَالِهِ بَيْنَ غُرَمَائِهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقِسْمَةَ مَاضِيَةٌ وَيَكُونُ مَا اسْتَحَقَّهُ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ أُجْرَةِ مَا بَقِيَ مِنَ الْمُدَّةِ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الْمُفْلِسِ عَلَى مَا يَسْتَفِيدُهُ مِنْ بَعْدِ الْقِسْمَةِ لِأَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ تُنْقَضُ الْقِسْمَةُ لِيَضْرِبَ الْمُسْتَأْجِرُ بِبَاقِي أُجْرَتِهِ مَعَ الْغُرَمَاءِ كَمَا تُنْقَضُ الْقِسْمَةُ إِذَا ظَهَرَ لَهُ غَرِيمٌ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ رُجُوعَهُ بِبَاقِي الْأُجْرَةِ إِنَّمَا هُوَ
مُسْتَحَقٌّ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ عَقْدِ الْإِجَارَةِ فَجَرَى مجرى من تقدم حقه من الغرماء.
وهو أن الْوَجْهَيْنِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ تَخْرِيجُهُمَا مِنَ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِيمَا مَلَكَهُ الْمُسْتَأْجِرُ مِنَ الْأُجْرَةِ هَلْ يَكُونُ مِلْكًا مُسْتَقِرًّا أَوْ مُرَاعَاةً.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ أَكْرَاهُ سَنَةً وَلَمْ يَقْبِضِ الْكِرَاءَ ثُمَّ فلس المكتري كان للمكري فسخ الكراء ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِذَا فَلَسَ مُسْتَأْجِرُ الْأَرْضِ وَكَانَ مُسْتَأْجِرُ الدَّارِ مِثْلَهُ.
فَإِذَا اسْتَأْجَرَ دَارًا سَنَةً ثُمَّ فَلَسَ لَمْ يَخْلُ حَالُ الْأُجْرَةِ مِنْ ثَلَاثَةِ أحوال:
أحدهما: أَنْ يَكُونَ أُقْبِضَ جَمِيعُهَا فَلَا خِيَارَ لِلْمُؤَاجِرِ لِاسْتِيفَاءِ حَقِّهِ كَمَا لَا خِيَارَ لِلْبَائِعِ إِذَا قَبَضَ جَمِيعَ الثَّمَنِ وَالْوَاجِبُ أَنْ يُؤَاجِرَ الدَّارَ مَا بَقِيَ مِنْ مُدَّةِ إِجَارَتِهَا فَتَكُونَ الْأُجْرَةُ مَوْقُوفَةً لِتَمْضِيَ الْمُدَّةُ سَلِيمَةً خَوْفًا مِنَ اسْتِحْقَاقِ اسْتِرْجَاعِهَا بِانْهِدَامِ الدَّارِ قَبِلَ تَقَضِّي إِجَارَتِهَا.
فَإِذَا مَضَتِ الْمُدَّةُ سَلِيمَةً قُسِّمَتِ الْأُجْرَةُ حِينَئِذٍ بَيْنَ الغرماء
والحالة الثَّانِيَةُ: أَنْ تَكُونَ الْأُجْرَةُ بِكَمَالِهَا بَاقِيَةً عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ فَلِلْمُؤَاجَرِ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ الْإِجَارَةِ وَاسْتِرْجَاعِ الدَّارِ الْمُؤَاجَرَةِ بِجَمِيعِ الْأُجْرَةِ أَوِ الْمَقَامِ عَلَيْهَا وَمُسَاهَمَةِ الْغُرَمَاءِ بِأُجْرَتِهَا فَإِنْ أَقَامَ عَلَى الْإِجَارَةِ وَجَبَ إِجَارَةُ الدَّارِ مَا يَبْقَى مِنْ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ وَقَسَّمَ أَجْرَتَهَا بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ بَيْنَ جَمِيعِ الْغُرَمَاءِ وَيَكُونُ الْمُؤَاجَرُ أُسْوَتَهُمْ فَإِنْ قِيلَ هَلَّا اخْتَصَّ الْمُؤَاجَرُ بِجَمِيعِ هَذِهِ الْأُجْرَةِ لِأَنَّهَا عَيْنُ مَالِهِ؟ قِيلَ لَيْسَتِ الْأُجْرَةُ عَيْنَ مَالِهِ وَإِنَّمَا الْمَنْفَعَةُ عَيْنُ مَالِهِ وَالْأُجْرَةُ بَدَلٌ مِنْهَا فَصَارَ بِمَثَابَةِ بَائِعِ السِّلْعَةِ إِذَا اخْتَارَ إِمْضَاءَ الْبَيْعِ فَإِذَا بِيعَتِ السِّلْعَةُ لَمْ يَخْتَصَّ الْبَائِعُ بِثَمَنِهَا بَلْ كَانَ فِيهِ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ، لِأَنَّهُ بدن مِنْ عَيْنِ مَالِهِ كَذَلِكَ الْأُجْرَةُ
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَأْجِرُ قَدْ أَقْبَضَ بَعْضَ الْأُجْرَةِ وَبَقِيَ بَعْضُهَا فَلَا فَسْخَ لِلْمُؤَاجَرِ فِيمَا قَبَضَ أُجْرَتَهُ مِنَ الْمُدَّةِ وَعَلَيْهِ الْمَقَامُ إِلَى انْقِضَائِهَا وَلَهُ الْفَسْخُ فِيمَا لَمْ يَقْبِضْ أُجْرَتَهُ مِنَ الْمُدَّةِ فَإِنِ اخْتَارَ الْفَسْخَ اسْتَرْجَعَ الدَّارَ بَعْدَ انْقِضَاءِ مَا قَابَلَ الْمَقْبُوضَ مِنَ الْمُدَّةِ بِمَا بَقِيَ مِنَ الْأُجْرَةِ فَإِنِ اخْتَارَ الْإِمْضَاءَ أَقَامَ عَلَى الْإِجَارَةِ إِلَى انْقِضَاءِ مُدَّتِهَا وَضَرَبَ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِبَاقِي الْأُجْرَةِ وَوَجَبَ إِجَارَةُ الدَّارِ بِمَا بَقِيَ مِنَ الْمُدَّةِ لِنقسمَ الْأُجْرَة بَيْنَ غُرَمَاءَ الْمُفْلِسِ عِنْدَ انْقِضَاءِ تِلْكَ الْمُدَّةِ.
(مَسْأَلَةٌ)
قَالَ الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ قَسَّمَ الْحَاكِمُ مَالَهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ ثَمَّ قَدِمَ آخَرُونَ رَدَّهُ عَلَيْهِمْ بِالْحِصَصِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ وَيَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ لَا يُعَجِّلَ بِقَسْمِ مَالِ الْمُفْلِسِ إِلَّا بَعْدَ الْبَحْثِ عَنْ جَمِيعِ غُرَمَائِهِ وَيُشْهِرُ فِي النَّاسِ أَمْرَهُ لِيَعْلَمَ بِهِ الْغَائِبُ فَإِنَّهُ قَدْ رُبَّمَا كَانَ لَهُ غَرِيمٌ غَائِبٌ لَا يُعْلَمُ بِحَالِهِ فِي الْغَيْبَةِ فَإِذَا تَوَقَّفَ وَبَحَثَ وَلَمْ يَعْلَمْ لَهُ غَرِيمًا غَيْرَ مَنْ حَضَرَ مِنْهُمْ قَسَّمَ حِينَئِذٍ مَالَهُ بَيْنَهُمْ وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُكَلِّفَ الْغُرَمَاءَ إِقَامَةَ الْبَيِّنَةِ أَنْ لَا غَرِيمَ لَهُ سِوَاهُمْ.
فَإِنْ قِيلَ أَلَيْسَ الْحَاكِمُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَسِّمَ تَرِكَةَ الْمَيِّتِ بَيْنَ وَرَثَتِهِ إِلَّا أَنْ يُقِيمُوا الْبَيِّنَةَ أَنْ لَا وَارِثَ لَهُ سِوَاهُمْ فَهَلَّا كَانَ الْغُرَمَاءُ كَذَلِكَ؟ قُلْنَا: الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَارِثِ وَالْغَرِيمِ أَنَّ الْوَارِثَ لَا يَسْتَحِقُّ جَمِيعَ التَّرِكَةِ إِلَّا أَنْ لَا يَكُونَ لِلْمَيِّتِ وَارِثٌ سِوَاهُ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْكُمَ لَهُ بِجَمِيعِ الْمَالِ إِلَّا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ بِاسْتِحْقَاقِهِ لِجَمِيعِهِ وَالْغَرِيمُ مُسْتَحِقٌّ لِجَمِيعِ دَيْنِهِ إِلَّا أَنْ تَقُومَ الْبَيِّنَةُ بِأَنَّ لَهُ غَرِيمًا سِوَاهُ فَلَمَّا لَمْ تَقُمِ الْبَيِّنَةُ جَازَ الْحُكْمُ لَهُ بِهِ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُصْرَفَ بِالشَّكِّ عَنْ حَقِّهِ يُوَضِّحُ مَعْنَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا أَنَّ بَعْضَ الْوَرَثَةِ لَوْ عَفَا عَنْ حَقِّهِ مِنَ التَّرِكَةِ لَمْ يُرَدَّ ذَلِكَ عَلَى مَنْ سِوَاهُ مِنَ الْوَرَثَةِ، لِأَنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا حُقُوقَهُمْ وَلَوْ عَفَا أَحَدُ الْغُرَمَاءِ عَنْ حَقِّهِ رُدَّ ذَلِكَ عَلَى مَنْ سِوَاهُ مِنْ غُرَمَائِهِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا قَدِ اسْتَوْفَوْا بِتِلْكَ الْقِسْمَةِ حُقُوقَهُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا قَسَّمَ الْحَاكِمُ مَالَ الْمُفْلِسِ بَيْنَ غُرَمَائِهِ عِنْدَ ظُهُورِ أَمْرِهِ وَاجْتِمَاعِ مَالِهِ ثُمَّ حْضَرَ لَهُ غَرِيمٌ آخَرُ قَامَتْ لَهُ الْبَيِّنَةُ بِدَيْنِهِ وَجَبَ أَنْ يُشَارِكَهُمْ فِيمَا أَخَذُوهُ وَقَالَ مَالِكٌ: لَا حَقَّ لَهُ فِيمَا مَضَى بِالْقِسْمَةِ وَيَكُونُ حَقُّهُ بَاقِيًا فِي ذِمَّةِ الْمُفْلِسِ عَلَى مَا يَحْدُثُ لَهُ مِنْ مَالٍ قَالَ، لِأَنَّ قِسْمَةَ الْحَاكِمِ مَالَ الْمُفْلِسِ حُكْمٌ مِنْهُ نَفَذَ عَنِ اجْتِهَادٍ فَلَمْ يَجُزْ نَقْضُهُ بِاجْتِهَادٍ.
وَالدَّلَالَةُ عَلَى فَسَادِ هَذَا الْقَوْلِ هُوَ أَنَّ حَجْرَ الْمُفْلِسِ إنما وقع لجميع غرمائه وقسم بالله إِنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِقَدْرِ دُيُونِهِ كَمَا أَنَّ مَالَ الْمَيِّتِ مُنْتَقِلٌ إِلَى جَمِيعِ وَرَثَتِهِ وَمَقْسُومٌ بِقَدْرِ فَرَائِضِهِمْ مِنْ تَرِكَتِهُ فَلَوْ كَانَ قَسْمُ الْحَاكِمِ مَالَ الْمَيِّتِ بَيْنَ وَرَثَتِهِ ثُمَّ حَضَرَ وَارِثٌ كَانَ غَائِبًا نَقَضَ الْقِسْمَةَ وَاسْتَأْنَفَهَا بَيْنَ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ وَجَبَ إِذَا قَسَّمَ مَالَ الْمُفْلِسِ بَيْنَ غُرَمَائِهِ ثُمَّ حَضَرَ غَرِيمٌ كَانَ غَائِبًا أَنْ ينقص الْقِسْمَةَ وَيَسْتَأْنِفَهَا بَيْنَ جَمِيعِهِمْ لِأَنَّهُ فِي الْحَالَيْنِ بِمَنْزِلَةِ الْحَاكِمِ إِذَا أَمْضَى الْحُكْمَ بِاجْتِهَادٍ خَالَفَ فِيهِ نَصًّا كَانَ حُكْمُهُ بِالِاجْتِهَادِ مَنْقُوضًا، وَلِأَنَّ الْغُرَمَاءَ قَدِ اسْتَحَقُّوا دُيُونَهُمْ مِنْ مَالِ الْمُفْلِسِ إذا كان حيا كما استحق دُيُونَهُمْ مِنْ تَرِكَتِهِ إِذَا كَانَ مَيِّتًا فَلَمَّا كَانَ لَوْ قَسَّمَ تَرِكَةَ الْمُفْلِسِ بَعْدَ مَوْتِهِ بَيْنَ مَنْ عَلِمَ مِنْ غُرَمَائِهِ ثُمَّ حَضَرَ قسم كان غائبا نقص تِلْكَ الْقِسْمَةَ وَشَارَكَهُمُ الْغَائِبُ بِقَدْرِ دَيْنِهِ وَجَبَ إِذَا قَسَّمَ مَالَ الْحَيِّ ثُمَّ حَضَرَ غَائِبٌ أَنْ يُشَارِكَهُمْ فَلَا يَسْقُطُ بِالْقِسْمَةِ حَقُّهُ مَعَهُمْ، وَلِأَنَّ الْغُرَمَاءَ شُرَكَاءُ فِي مَالِ الْمُفْلِسِ كَالشُّرَكَاءِ فِي الرَّهْنِ ثُمَّ كَانَ الرَّهْنُ لَوْ قَسَّمَ ثَمَنَهُ مَنْ يَسْتَحِقُّهُ مِنْ مُرْتَهِنِهِ فَمَنْ حَضَرَ لَمْ يَسْقُطْ مِنْهُ حَقُّ مَنْ غَابَ وَشَارَكَهُمْ فِيهِ إِذَا حَضَرَ فَكَذَلِكَ الْغُرَمَاءُ إِذَا اقْتَسَمُوا مَالَ الْمُفْلِسِ ثُمَّ حَضَرَ غَائِبٌ وَجَبَ أَنْ يُشَارِكَهُمْ فِيهِ فَأَمَّا اسْتِدْلَالُ مَالِكٍ بِأَنَّهُ حُكْمٌ مِنَ الْحَاكِمِ نَفَذَ بِاجْتِهَادٍ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُنْقَضَ بِاجْتِهَادٍ.
فَهُوَ أَنَّنَا نَقَضْنَاهُ بِنَصٍّ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْغَائِبِ بِحُضُورِهِ
كَالنَّصِّ وَالِاجْتِهَادُ مَنْقُوضٌ بِالنَّصِّ فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْغَرِيمَ الْغَائِبَ يُشَارِكُ الْحَاضِرِينَ فِيمَا أَخَذُوهُ فَفِي كَيْفِيَّةِ رُجُوعِهِ عَلَيْهِمْ وَجْهَانِ
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقِسْمَةَ الْأُولَى تُنْقَضُ ثُمَّ يَسْتَأْنِفُهَا الْحَاكِمُ بَعْدَ دُخُولِ الْغَائِبِ فِيهِمْ، لِأَنَّ الْقِسْمَةَ الْأُولَى لَمَّا تَقَدَّمَتْ قَبْلَ وَقْتِهَا بَطَلَتْ،
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ ظَاهِرُ مَنْصُوصِهِ - أَنَّ الْقِسْمَةَ الْأُولَى مُقَرَّةٌ عَلَى حَالِهَا، وَيَرْجِعُ هَذَا الْغَائِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِقِسْطِ دَيْنِهِ وَلَا تَبْطُلُ الْقِسْمَةُ فِيمَا سِوَاهُ.
مِثَالُهُ: أَنْ تَكُونَ دُيُونُ الْغُرَمَاءِ الْحَاضِرِينَ خَمْسَةَ آلَافٍ وَدَيْنُ هَذَا الْغَائِبِ أَلْفًا فَتَصِيرَ جَمِيعُ الدُّيُونِ سِتَّةَ آلَافٍ.
فَيَكُونَ لِهَذَا الْغَائِبِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْحَاضِرِينَ بِسُدْسِ مَا فِي يَدِهِ لِأَنَّهُ بِقِسْطِ دَيْنِهِ وَيَبْقَى فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسَةُ أَسْدَاسِ مَا قَبَضَهُ مِلْكًا لَهُ بِالْقِسْمَةِ الْأُولَى فَإِنَّمَا لَمْ تَبْطُلْ جَمِيعُ الْقِسْمَةِ لِأَنَّ مَا سِوَى حَقِّ الْغَائِبِ مَوْضُوعٌ فِي حَقِّهِ فَلَمْ يَكُنْ لِفَسْخِ الْقِسْمَةِ وَاسْتِئْنَافِهَا مِنْ بَعْدُ وَجْهٌ.
(فَصْلٌ)
إِذَا قَسَّمَ الْحَاكِمُ مَالَ الْمُفْلِسِ بَيْنَ غُرَمَائِهِ ثُمَّ وَجَدَ لَهُ بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ مَالًا كَانَ أَخْفَاهُ، فَجَمِيعُ تَصَرُّفِهِ فِيهِ بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ، لِأَنَّ الْحَجْرَ لَمْ يَنْفَكْ عَنْ هَذَا الْمَالِ ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ الْحَاكِمُ قَسْمَهُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ فِيمَا بَقِيَ مِنْ دُيُونِهِمْ وَلَا يَتَعَرَّضُ لِنَقْضِ الْقِسْمَةِ الْأُولَى لَا يَخْتَلِفُ فَلَوْ ظَهَرَ لِلْمُفْلِسِ بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ مَالٌ مُتَقَدِّمٌ وَاسْتَفَادَ مَالًا حَادِثًا وَظَهَرَ لَهُ غَرِيمٌ غَائِبٌ وَحَدَثَ لَهُ غَرِيمٌ مُسْتَحْدَثٌ فَالْمَالُ الْمُتَقَدِّمُ لَا حَقَّ فِيهِ لِمَنْ حَدَثَ مِنَ الْغُرَمَاءِ وَيَكُونُ بَيْنَ الْأَوَّلِينَ وَالْغَائِبِ فَإِنْ كَانَ بِقِسْطِ دَيْنِ الْغَائِبِ فَإِذَا قِيلَ إِنَّ الْقِسْمَةَ الْأُولَى قَبْلَ حُضُورِ الْغَائِبِ تَكُونُ بَاطِلَةً ضَمَّ الْحَاكِمُ مَا وَجَدَ مِنَ الْمَالِ الَّذِي كَانَ مُتَقَدِّمًا إِلَى مَا بِأَيْدِي الْغُرَمَاءِ بِالْقِسْمَةِ ثُمَّ اسْتَأْنَفَهَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْغَائِبِ وَإِنْ قِيلَ إِنَّ الْقِسْمَةَ الْأُولَى لَا تَبْطُلُ دَفَعَ هَذَا الْمَوْجُودَ إِلَى الْغَرِيمِ الْغَائِبِ فَإِنْ كَانَ بِقَدْرِ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ قِسْطِ دَيْنِهِ مِنْهُ أُقِرَّتِ الْقِسْمَةُ الْأُولَى عَلَى حَالِهَا وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ دفع إليه قسطه منه وَرَدَّ فَاضِلَهُ عَلَى الْأَوَّلِينَ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ أَخَذَهُ كُلَّهُ ثُمَّ اسْتَرَدَّ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِقَدْرِ مَا بَقِيَ مِنْ قِسْطِ دَيْنَهُ ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ الْحَاكِمُ قِسْمَةَ الْمَالِ الَّذِي اسْتُحْدِثَ مِلْكُهُ بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ بَيْنَ جَمِيعِ الْغُرَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُسْتَحْدَثِينَ.
(وَاللَّهُ أَعْلَمُ) .
(مَسْأَلَةٌ)
قَالَ الشافعي رضي الله عنه: " وَإِذَا أَرَادَ الْحَاكِمُ بَيْعَ مَتَاعِهِ أَوْ رَهْنَهُ أَحْضَرَهُ أَوْ وَكِيلَهُ لِيُحْصِي ثَمَنَ ذَلِكَ فَيَدْفَعَ منه حق الرهن مِنْ سَاعَتِهِ " قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ وَإِنَّمَا يَخْتَارُ الْحَاكِمُ إِحْضَارَ الْمُفْلِسِ بَيْعَ مَتَاعِهِ لِمَعَانٍ: أحدهما: أَنَّهُ أَعْرَفُ بِأَثْمَانِهَا فَلَا يَلْحَقُهُ غَبْنٌ.
وَالثَّانِي: لِتَوَلِّي الْعَقْدَ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ إِجْبَارٍ فَيَكُونَ الْمُشْتَرِي فِيهِ أَرْغَبَ وَنَفْسُ الْبَائِعِ بِهِ أَطْيَبَ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَعْلَمَ قَدْرَ مَا حَصَلَ مِنْ أَثْمَانِهَا وَمَا يَبْقَى مِنْ دَيْنِهِ بَعْدَهَا فَإِنْ تَعَذَّرَ حُضُورُ الْمُفْلِسِ أَحْضَرَ الْحَاكِمُ وَكِيلَهُ لِيَقُومَ فِي الْخُصُومَةِ مَقَامَهُ حَتَّى تَنْتَفِيَ التُّهْمَةُ عَنِ الْحَاكِمِ فِي شَيْءٍ مِنْهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَكِيلٌ وَكَّلَ لَهُ الْحَاكِمُ وَكِيلًا يَنُوبُ عَنْهُ قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيَخْتَارُ الْحَاكِمُ إِحْضَارَ الْغُرَمَاءِ أَيْضًا عِنْدَ الْبَيْعِ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ رُبَّمَا رَغِبَ بَعْضُهُمْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمَبِيعِ فَأَخَذَهُ بِثَمَنٍ مَوْفُورٍ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَعْلَمُوا قَدْرَ الْأَثْمَانِ الْحَاصِلَةِ لَهُمْ وَمَا يَخُصُّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَإِنْ أَمَرَ الْحَاكِمُ بِبَيْعِ الْمَتَاعِ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ الْمُفْلِسِ وَغُرَمَائِهِ صَحَّ الْبَيْعُ لِأَنَّ حُضُورَهُمُ اسْتِحْبَابٌ فَلَمْ يَفْسُدْ بِغَيْبَتِهِمُ الْعَقْدُ كَاسْتِئْذَانِ الْأَبِ الْبِكْرَ.
(فَصْلٌ)
ثُمَّ إِنَّ أَوَّلَ مَا يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَبْتَدِئَ بِبَيْعِهِ مِنْ مَالِ الْمُفْلِسِ الرَّهْنُ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: تَعَلُّقُ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِعَيْنِهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَعْلَمَ مَا فَضَلَ مِنْهُ فَيُرَدَّ عَلَى غُرَمَائِهِ وَكَذَا الْعَبْدُ الْجَانِي يُقَدَّمُ بَيْعُهُ كَالرَّهْنِ لِمَا ذَكَرْنَا فَإِذَا بِيعَ الرَّهْنُ فَإِنْ كَانَ ثَمَنُهُ بِقَدْرِ دَيْنِ الْمُرْتَهِنِ أَخَذَهُ بِدَيْنِهِ وَإِنْ كَانَ ثَمَنُهُ أَكْثَرَ مِنْ دَيْنِهِ أُخِذَ مِنْهُ قَدْرُ دَيْنِهِ وَيَرُدُّ بَاقِيَهُ عَلَى الْغُرَمَاءِ وَإِنْ كَانَ ثَمَنُهُ أَقَلَّ مِنْ دَيْنِهِ أَخَذَهُ كُلَّهُ وَضَرَبَ بِبَاقِي دَيْنِهِ مَعَ الْغُرَمَاءِ فَأَمَّا الْعَبْدُ الْجَانِي فَإِنْ فَضَلَ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْءٌ رُدَّ عَلَى الْغُرَمَاءِ وَإِنْ عَجَزَ فَلَا شيء للمجني عليه سَوَاءٌ.
(مَسْأَلَةٌ)
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " وَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ لِغُرَمَاءِ الْمُفْلِسِ ارْتَضُوا بِمَنْ يَكُونُ عَلَى يَدَيْهِ الثَّمَنُ وَبِمَنْ يُنَادِي عَلَى متاعه فيمن يزيد ولا يقبل الزيادة إلا من ثِقَةٍ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الرَّهْنُ وَالْعَبْدُ الْجَانِي إِذَا بِيعَا عَلَى الْمُفْلِسِ لَمْ يَجُزْ حَبْسُ ثَمَنِهِمَا وَعُجِّلَ لِلْمُرْتَهِنِ حَقُّهُ مِنْ ثَمَنِ الرَّهْنِ وللمجني عليه أرشه من ثمن العبد الْجَانِي وَأَمَّا سَائِرُ أَمْوَالِ الْمُفْلِسِ إِذَا بِيعَتْ فلا يخلو أن يكون غريمه واحد أَوْ جَمَاعَةً.
فَإِنْ كَانَ وَاحِدًا لَمْ يَحْبِسْ عَنْهُ ثَمَنَ مَا بِيعَ، لِأَنَّهُ لَا مُشَارَكَةَ لَهُ فِيهِ وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً وَجَبَ أَنْ يَحْبِسَ أَثْمَانَ الْمَبِيعَاتِ حَتَّى تَتَكَامَلَ جَمِيعُهَا وَلَا يُعَجِّلُ بِقَسْمِ مَا حَصَلَ مِنْ أَثْمَانِ بَعْضِهَا لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَعْلَمَ قَدْرَ جَمِيعِهَا عَلَى دَيْنِهِ وَقَبْلَ تَكَامُلِهَا يَشق عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ رُبَّمَا تَأَخَّرَ غَرِيمٌ لَهُ لَا يُعْلَمُ بِهِ فَيَحْضُرُ عِنْدَ عِلْمِهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَضَعَهَا عَلَى يَدِ عَدْلٍ وَلَا يَضَعَهَا عِنْدَ نَفْسِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْبِذْلَةِ ولحقوق التهمة
وَيَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَبِيعَ مَتَاعَهُ فِيمَنْ يُزِيدُ فَإِنْ كَانَ أَشْهَرَ لِحَالِهِ وَأَقَرَّ لِثَمَنِهِ وَأَبْعَدَ مِنَ التُّهْمَةِ فَيَحْتَاجُ حِينَئِذٍ إِلَى مُنَادٍ ثِقَةٍ يُنَادِي عَلَى الْمَتَاعِ فِيمَنْ يُزِيدُ وَإِلَى عَدْلٍ يَجْمَعُ الْمَالَ عِنْدَهُ إِلَى حِينِ تَكَامُلِهِ فَيَقُولُ لِلْمُفْلِسِ وَالْغُرَمَاءِ اخْتَارُوا مُنَادِيًا يُنَادِي عَلَى مَتَاعِهِ وَعَدْلًا يَكُونُ الْمَالُ مَوْضُوعًا عَلَى يَدَيْهِ فَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى اخْتِيَارِ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ نَظَرَ الْحَاكِمُ فِي عَدَالَتِهِ وَأَمَانَتِهِ فَإِنْ كَانَ أَمِينًا أَمْضَى اخْتِيَارَهُمْ لَهُ وَأَقَرَّ ذَلِكَ عَلَى يَدَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ غَيْرَ أَمِينٍ لَمْ يُمْضِ اخْتِيَارَهُمْ وَأَمَرَهُمْ بِاخْتِيَارِ غَيْرِهِ مِنَ الْأُمَنَاءِ الثِّقَاتِ.
فَإِنْ قِيلَ أَلَيْسَ لَوِ اخْتَارَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ أَنْ يَضَعَ الرَّهْنَ عَلَى يَدِ غَيْرِ أَمِينٍ لَمْ يَكُنْ لِلْحَاكِمِ عَلَيْهِمُ اعْتِرَاضٌ فَهَلَّا إِذَا اخْتَارَ الْمُفْلِسُ وَالْغُرَمَاءُ وَضْعَ الْمَالِ عَلَى يَدِ غَيْرِ أَمِينٍ أَنْ لَا يَكُونُ لِلْحَاكِمِ عَلَيْهِمُ اعْتِرَاضٌ؟ قُلْنَا: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلْحَاكِمِ نَظَرٌ فِي الرَّهْنِ عَلَى الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ لَمْ يَكُنْ لَهُ اعْتِرَاضٌ عَلَيْهِمْ فِي الِاخْتِيَارِ وَلَمَّا كَانَ لِلْحَاكِمِ نَظَرٌ فِي مَالِ الْمُفْلِسِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِمْ فِي الِاخْتِيَارِ.
وَالثَّانِي: أَنْ حَقَّ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ لَا يَتَجَاوَزُهُمَا فَلَمْ يَجُزْ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَعْتَرِضَ عَلَيْهِمَا فِي الِاخْتِيَارِ وَحَقُّ الْمُفْلِسِ وَالْغُرَمَاءِ قَدْ رُبَّمَا تَجَاوَزَهُمْ إِلَى غَرِيمٍ غَائِبٍ فَجَازَ لَحِقُهُ أَنْ يَعْتَرِضَ عَلَيْهِمْ فِي الِاخْتِيَارِ، وَأَمَّا إِنِ اخْتَلَفَ الْمُفْلِسُ وَالْغُرَمَاءُ فِي الِاخْتِيَارِ فَاخْتَارَ الْمُفْلِسُ رَجُلًا وَاخْتَارَ الْغُرَمَاءُ غيره فإن للحاكم أن يَنْظُر فِي الرَّجُلَيْنِ فَإِنْ وَجَدَ أَحَدَهُمَا أَمِينًا عَدْلًا وَالْآخَرَ غَيْرَ أَمِينٍ كَانَ الْأَمِينُ أَوْلَى وَأَقَرَّهُ الْحَاكِمُ عَلَى الِاخْتِيَارِ فَإِنْ كَانَا أَمِينَيْنِ مَعًا نَظَرَ: فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُتَطَوِّعًا وَالْآخَرُ مُسْتَجْعِلًا كَانَ الْمُتَطَوِّعُ أَوْلَى وَإِنْ كَانَا مُتَطَوِّعَيْنِ أَوْ مُسْتَجْعِلَيْنِ فَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَضُمَّ أَحَدَهُمَا إِلَى الْآخَرِ فَعَلَ فَإِنَّهُ أَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنَ الِاخْتِلَاطِ وَإِقْرَارِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الِاخْتِيَارِ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ ضَمُّ أَحَدِهِمَا إِلَى الْآخَرِ اخْتَارَ الْحَاكِمُ أَوْثَقَهُمَا عِنْدَهُ وَأَعْدَلَهُمَا فِي نَفْسِهِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَا يَقْبَلُ إِلَّا ثِقَةً.
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَلَا يَقْبَلُ إِلَّا مِنْ ثِقَةٍ.
وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْكَلَامَيْنِ تَأْوِيلٌ فَمَعْنَى قَوْلِهِ: وَلَا يَقْبَلُ إِلَّا ثِقَةً: يُرِيدُ أَنَّ الْمُفْلِسَ وَالْغُرَمَاءَ إِذَا اتَّفَقُوا عَلَى اخْتِيَارِ رَجُلٍ لَمْ يَقْبَلِ الْحَاكِمُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ثِقَةً.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: وَلَا يَقْبَلُ إِلَّا مِنْ ثِقَةٍ: يَعْنِي بِهِ: الْمُتَوَلِّي لِبَيْعِ الْمَتَاعِ لَا يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ مِمَّنْ يُزِيدُ فِي الثَّمَنِ عِنْدَ الْمُزَايَدَةِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ثِقَةً لَا يَرْجِعُ عَنْ زِيَادَتِهِ لِمَا فِي رُجُوعِهِ مِنَ الْفَسَادِ (والله أعلم) .
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وأحب أن يرزق من ولي هَذَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَلَمْ يَعْمَلْ إِلَّا بِجُعْلٍ شَارَكُوهُ فَإِنْ لَمْ يَتَّفِقُوا اجْتَهَدَ لَهُمْ وَلَمْ يُعْطَ شَيْئًا وَهُوَ يَجِدُ ثِقَةً يَعْمَلُ بِغَيْرِ جُعْلٍ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ - وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ مَتَى وَجَدَ الْحَاكِمُ مَنْ يَتَطَوَّعُ بِبَيْعِ الْمَتَاعِ وَحِفْظِ الثَّمَنِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْطِيَ أَحَدًا جُعْلًا عَلَيْهِ لَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، لِأَنَّ مَا فِيهِ مَصْرُوفٌ في
الْمَصَالِحِ وَلَا مِنْ مَالِ الْمُفْلِسِ لِأَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى الْغُرَمَاءِ إِلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ وَإِنْ لَمْ يُجْدِ الْحَاكِمُ مُتَطَوِّعًا جَازَ أَنْ يُعْطِيَهُ جُعْلًا فَإِنْ رَأَى مِنَ الْأَصْلَحِ أَنْ يُشَارِطَهُ عَلَيْهِ فَعَلَ وَإِنْ رَأَى أَنْ لَا يُشَارِطَهُ لِيُعْطِيَهُ أُجْرَةَ مِثْلِهِ فَعَلَ وَكَانَتِ الْأُجْرَةُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إِنْ كَانَ فِيهِ مَالٌ لِمَا فِي ذَلِكَ الْمَصْلَحَةُ الْعَامَّةُ وَيَكُونُ مِنْ خُمْسِ الْخُمْسِ سَهْمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْمُرْصَدِ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ الْعَامَّةِ وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِ الْفَيْءِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: وَلَا يَجُوزُ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْأَمْوَالِ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَالٌ أَوْ كَانَ فَلَمْ يَسْمَحْ بِهِ الْإِمَامُ إِمَّا لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِ عُذْرٍ دَفَعَ الْحَاكِمُ الْأُجْرَةَ مِنْ مَالِ الْمُفْلِسِ دُونَ الْغُرَمَاءِ، لِأَنَّ الْعَمَلَ فِي مَالِهِ كَمَا يَدْفَعُ أُجْرَةَ الْوَالِي عَلَى مال اليتيم من ماله.
(مسألة)
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَيُبَاعُ فِي مَوْضِعِ سُوقِهِ وَمَا فِيهِ صَلَاحُ ثَمَنِ الْمَبِيعِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَبِيعَ كُلَّ نَوْعٍ مِنَ الْمَتَاعِ فِي سُوقِهِ فيبيع البز في البزازين، ويبيع الْعِطْر فِي الْعَطَّارِينَ، وَيَبِيعُ الرَّقِيقَ فِي النَّخَّاسِينَ لِأَنَّ أَهْلَ سُوقِهِ فِيهِ أَرْغَبُ، وَلِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ هُنَاكَ أَكْثَرُ، وَلِأَنَّهُ مِنَ التُّهْمَةِ أَبْعَدُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَتَاعُ كَثِيرًا يَلْزَمُ فِي نَقْلِهِ مؤونة فيرى الحاكم من الأصلح أنه لا يحمله إِلَى سُوقِهِ وَيَسْتَدْعِي أَهْلَ السُّوقِ إِلَيْهِ فَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بِحَسَبِ الْحَالِ الْمُشَاهَدَةِ وَالصَّلَاحِ الظاهر.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَا يَدْفَعُ إِلَى مَنِ اشْتَرَى شَيْئًا حَتَى يَقْبِضَ الثَّمَنَ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ أَنَّ مَنْ بَاعَ سِلْعَةً لَمْ يَلْزَمْهُ تَسْلِيمُهَا إِلَى الْمُشْتَرِي مَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ بَذْلُ الثَّمَنِ.
فَإِنْ بَذَلَ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ وَقَالَ: لَا أَدْفَعُ حَتَّى أَقْبِضَ الْمَبِيعَ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقَاوِيلَ:
أَحَدُهَا: أنَّ الْحَاكِمَ يَأْمُرُهُمَا بِإِحْضَارِ الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ إِلَى مَجْلِسِهِ لِيَدْفَعَ كُلَّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بَعْدَ حُصُولِهِمْ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أنَّ الْحَاكِمَ يَنْصِبُ لَهُمَا عَدْلًا يَفْعَلُ ذَلِكَ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أنَّ الْحَاكِمَ يَدَعُهُمَا وَلَا يُخَيَّرُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لَكِنْ يَمْنَعُهُمَا مِنَ الْمُخَاصَمَةِ.
وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: أنَّهُ يُخَيِّرُ الْبَائِعَ أَوَّلًا ثُمَّ الْمُشْتَرِي بَعْدَهُ.
فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَالْجَوَابُ فِي مَتَاعِ الْمُفْلِسِ إِذَا بِيعَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَتَى لَمْ يَظْهَرْ مِنَ الْمُشْتَرِي بَذْلٌ لَمْ يَجُزْ لِلْعَدْلِ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ إِلَيْهِ
وَإِنْ ظَهَرَ مِنَ الْمُشْتَرِي بَذْلُ الثَّمَنِ وَقَالَ: لَا أَدْفَعُهُ حَتَّى أَقْبِضَ الثَّمَنَ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فَكَانَ الْبَغْدَادِيُّونَ مِنْهُمْ يُخْرِجُونَ ذَلِكَ عَلَى الْأَقَاوِيلِ كَالْمَبِيعِ إِذَا كَانَ عَلَى غَيْرِ مُفْلِسٍ لَكِنْ لَا يَجِيءُ هَاهُنَا إِلَّا ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَأْمُرُهُمَا بِإِحْضَارِ ذَلِكَ إِلَى مَجْلِسِهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَنْصِبَ لَهُمَا عَدْلًا غَيْرَ الْعَدْلِ الَّذِي يَتَوَلَّى مَالَ الْمُفْلِسِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يُجْبِرُ بَائِعَ مَالِ الْمُفْلِسِ عَلَى التَّسْلِيمِ ثُمَّ الْمُشْتَرِي عَلَى الدَّفْعِ لِلثَّمَنِ.
فَأَمَّا الْقَوْلُ الرَّابِعُ: أنَّ الحاكم يدعهما معا فلا يجئ هَاهُنَا قَالُوا وَمَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: إنَّهُ لَا يدفع إلى من اشترى شيئا حتى يقبض الثَّمَنَ.
يَعْنِي: حَتَّى يَظْهَرَ لَهُ بَذْلُ الثَّمَنِ.
قَالُوا، لِأَنَّ الْحَاكِمَ وَإِنْ لَزِمَهُ الِاحْتِيَاطُ لِلْمُفْلِسِ فَلَيْسَ لَهُ إِجْبَارُ الْمُشْتَرِي عَلَى مَا لَا يَجُوزُ إِجْبَارُهُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الْبَصْرِيُّونَ مِنْهُمْ: بَلْ لَا يَجُوزُ لِبَائِعِ مَالِ الْمُفْلِسِ أَنْ يَدْفَعَ الْمَبِيعَ إِلَّا بَعْدَ قَبْضِ الثَّمَنِ قَوْلًا وَاحِدًا بِخِلَافِ مَنْ لَيْسَ بِمُفْلِسٍ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَالَ الْمُفْلِسِ يَلْزَمُهُ فِيهِ مِنَ الِاخْتِلَاطِ مَا لَا يَلْزَمُ فِي غَيْرِهِ وَالْمُشْتَرِي مَالُهُ دَاخِلٌ عَلَى بَصِيرَةٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّ بَيْعَ مَالِ الْمُفْلِسِ بِحُكْمِهِ فَالْمُشْتَرِي يَأْمَنُ فِي تَعْجِيلِ الثَّمَنِ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ بِهِ مَا لَا يَأْمَنُ فِي غَيْرِهِ فَكَانَ مَا يَتَخَوَّفُهُ مَعَ غَيْرِ الْمُفْلِسِ مَأْمُونًا في ابتياع مال المفلس.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَمَا ضَاعَ مِنَ الثَّمَنِ فَمِنْ مَالِ الْمُفْلِسِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ.
إِذَا وَضَعَ ثَمَنَ الْمَبِيعِ عَلَى يَدِ عَدْلٍ فَضَاعَ مِنْ يَدِهِ كَانَ مِنْ مَالِ الْمُفْلِسِ دُونَ غُرَمَائِهِ لِأَنَّهُ مَالِكُ الْمُبْدَلِ فَهَلَاكُ بَدَلِهِ مِنْ مَالِهِ كَالْوَكِيلِ.
وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ بِمَا يغني عن الإعادة.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَيَبْدَأُ فِي الْبَيْعِ بِالْحَيَوَانِ وَيَتَأَنَّى بِالْمَسَاكِنِ بِقَدْرِ مَا يَرَى أَهْلُ الْبَصَرِ بِهَا أَنَّهَا قَدْ بلغت أثمانها ".
وَهَذَا صَحِيحٌ.
يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَوَّلُ مَا يَبْدَأُ بِبَيْعِهِ مِنْ مَالِ الْمُفْلِسِ مَا كَانَ تَرْكُهُ أَخْوَفَ فَأَوَّلُ مَا يُقَدِّمُ بَيْعَهُ الْحَيَوَانُ، لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا نَفْسٌ يُخَافُ تَلَفُهَا.
وَالثَّانِي: ما يحتاج إليه من مؤونة عَلَفٍ فِيهَا وَكَذَلِكَ كَرِهَ أَهْلُ الِاحْتِيَاطِ اقْتِنَاءَ الحيوان وقالوا: مؤونة ضِرْسٍ وَضَمَانُ نَفْسٍ.
فَلِهَذَيْنِ أَوَّلُ مَا قُدِّمَ بِيعُ الْحَيَوَانِ فِي مَالِ الْمُفْلِسِ إِلَّا أَنْ
يَكُونَ فِي مَالِهِ طَعَامٌ رَطْبٌ فَيُقَدِّمُ بَيْعَهُ عَلَى بَيْعِ الْحَيَوَانِ لِمَا يُعَجَّلُ إِلَيْهِ مِنَ الْفَسَادِ ثُمَّ يَبِيعُ الْحَيَوَانَ بَعْدَهُ ثُمَّ يَبِيعُ بَعْدَ الْحَيَوَانِ مَا كَانَ مَنْقُولًا مِنَ الْعُرُوضِ وَالْأَمْتِعَةِ وَيُقَدِّمُهَا عَلَى مَا لَا يُنْقَلُ مِنَ الدُّورِ وَالْعَقَارِ، لِأَنَّ الْمَنْقُولَ مُعَرَّضٌ لِلسَّرِقَةِ وَيَبْدَأُ فِي بَيْعِ الْمَنْقُولِ بِمَا يَخَافُ عَلَيْهِ الْفَسَادَ كَالثِّيَابِ وَيُقَدِّمُهَا فِي الْبَيْعِ عَلَى النُّحَاسِ وَالصُّفْرِ ثُمَّ يَتَأَنَّى فِي بَيْعِ الْعَقَارِ وَالْأَرْضِينَ حَتَّى يَظْهَرَ أَمْرُهَا وَيَتَأَهَّبَ الْمُشْتَرِي لَهَا وَيُقَدِّمُ بَيْعَ الْعَقَارِ عَلَى بَيْعِ الْأَرْضِينَ، وَلِأَنَّ الْعَقَارَ قَدْ يُخَافُ عَلَيْهِ مِنْ هَدْمٍ أَوْ حَرِيقٍ وَلَا يُبَاعُ الْعَقَارُ وَالْمَسَاكِنُ وَالْأَرْضُونَ إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهَا قَدْ بَلَغَتْ أَثْمَانَهَا وَكَذَلِكَ سَائِرُ أَمْوَالِهِ المبيعة عليه.
والله أعلم.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِنْ وَجَدَ الْإِمَامُ ثِقَةً يُسْلِفُهُ الْمَالَ حَالًّا لَمْ يَجْعَلْهُ أَمَانَةً ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، لِأَنَّ مَالَ الْمُفْلِسِ يَلْزَمُ الِاحْتِيَاطَ فِي حِفْظِهِ فَإِذَا وَجَدَ الْحَاكِمُ أَمِينًا يَأْخُذُ ثَمَنَ مَا بيع من ماله مَضْمُونًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَوْدِعَهُ إِيَّاهُ مُؤْتَمَنًا، لِأَنَّ مَا أَخَذَهُ قَرْضًا وَهُوَ مَضْمُونٌ بِالْغُرْمِ إِنْ تَلِفَ.
وَمَا أَخَذَهُ وَدِيعَةً فَهُوَ مِنْ مَالِ الْمُفْلِسِ إِنْ تَلِفَ فَكَانَ الْقَرْضُ أَحْفَظُ لَهُ مِنَ التَّرْكِ إِلَّا أَنْ لَا يَجِدَ ثِقَةً مَلِيئًا فَتَرْكُهُ أَوْلَى فَإِنْ قِيلَ قَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ إِنْ وَجَدَ مَنْ يُسْلِفُهُ الْمَالَ حالا وهو لا يجيز القرض مؤجل فَلَمْ يَكُنْ لِهَذَا الشَّرْطِ تَأْثِيرٌ أَلَا تَرَى أن جواز القرض مؤجلا؟ قِيلَ قَدْ كَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَيُجِيزُ الْقَرْضَ مُؤَجَّلًا، وَيَجْعَلُهُ لِلشَّافِعِيِّ مَذْهَبًا، وَذَهَبَ سَائِرُ أَصْحَابِنَا إِلَى تَخْطِئَةِ هَذَا الْقَوْلِ وَفَسَادِ مَذْهَبِهِ لِأَنَّ نُصُوصَ الشَّافِعِيِّ تُبْطِلُهُ وَأُصُولَ مَذْهَبِهِ تَدْفَعُهُ، لِأَنَّ مِنْ أَصْلِ مَذْهَبِهِ أَنَّ الْأَجَلَ لَا يُلْزِمُ إِلَّا فِي عَقْدٍ لَازِمٍ وَلَيْسَ الْقَرْضُ بِلَازِمٍ وَتَأَوَّلُوا قَوْلَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: إِنْ وَجَدَ مَنْ يُسْلِفُهُ الْمَالَ حَالًّا أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْحَاكِمَ إِذَا رَأَى قَوْلَ مَالِكٍ فِي جَوَازِ الْقَرْضِ الْمُؤَجَّلِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقْرِضَ مَالَ الْمُفْلِسِ إِلَى أَجَلٍ وَجَعَلَهُ قَرْضًا حَالًّا حَتَّى لَا يُدْخِلَهُ الْأَجَلُ عَلَى مَذْهَبِ أَحَدٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَيَنْبَغِي إِذَا رُفِعَ إِلَيْهِ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّهُ وَقَفَ مَالَهُ عَنْهُ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَبِيعَ وَلَا يَهِبَ وَمَا فَعَلَ مِنْ هَذَا فَفِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مَوْقُوفٌ فَإِنْ فَضُلَ جَازَ فِيهِ مَا فَعَلَ والآخر أن ذلك باطل (قال المزني) قُلْتُ أَنَا قَدْ قَطَعَ فِي المكاتب إن كاتبه بعد الوقف فأدى لم يعتق بحال ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ مَا يَسْتَحِقُّ بِهِ حَجْرُ الْفَلَسِ فَإِذَا أَرَادَ الْحَاكِمُ أَنْ يَحْجُرَ عَلَى رَجُلٍ بِالْفَلَسِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَقُولَ الْحَاكِمُ قَوْلًا يَقَعُ بِهِ الْحُكْمُ وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي اللَّفْظِ الَّذِي يَقَعُ بِهِ الْحَجْرُ فَقَالَ الْبَغْدَادِيُّونَ: هُوَ أَنْ يَقُولَ الْحَاكِمَ: قَدْ وَقَفْتُ
مَالَكَ وَمَنَعْتُكَ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ، لِأَنَّ هَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْحَجْرِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ ثُبُوتُهُ بِهِ.
وَقَالَ الْبَصْرِيُّونَ: هُوَ أَنْ يَقُولَ لَهُ الْحَاكِمُ: قَدْ حَجَرْتُ عَلَيْكَ بِالْفَلَسِ.
وَقَالُوا لِأَنَّ الْحَجْرَ قَدْ يَتَنَوَّعُ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُ حُكْمٌ فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ التَّصْرِيحِ بِهِ لِيَمْتَازَ عَنْ غَيْرِهِ، لِأَنَّ وَقْفَ الْمَالِ وَالْمَنْعَ مِنَ التَّصَرُّفِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ أَحْكَامِ الْحَجْرِ فَلَمْ يَقَعْ بِهِ الْحَجْرُ فَإِذَا تَلَفَّظَ الْحَاكِمُ بِمَا يَقَعُ بِهِ الْحَجْرُ عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرْنَا مِنَ اخْتِلَافِ الْمَذْهَبَيْنِ أَشْهَرَ الْحَاكِمُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْحَجْرِ عَلَيْهِ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلِ الْإِشْهَادُ شَرْطٌ فِي تَمَامِ الْحَجْرِ فَقَالَ الْبَغْدَادِيُّونَ: الْإِشْهَادُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي ثُبُوتِ الْحَجْرِ، لِأَنَّ نُفُوذَ الْحُكْمِ لَا يَقِفُ عَلَى الْإِشْهَادِ فِيهِ فَإِنْ حَجَرَ عَلَيْهِ قَوْلًا وَلَمْ يُشْهِدْ صَحَّ.
وَقَالَ الْبَصْرِيُّونَ: شَرْطُ ثُبُوتِ الْحَجْرِ الْإِشْهَادُ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَذَا الْحَجْرِ الشُّهْرَةُ وَإِظْهَارُ الْأَمْرِ فِيهِ وَلَا يَكُونُ مُشْتَهِرًا إِلَّا بِالشَّهَادَةِ وَجَرَى مَجْرَى اللَّعَّانِ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الشُّهْرَةُ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا وَقَعَ الْحَجْرُ عَلَيْهِ بِمَا ذَكَرْنَا فَقَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِيهِ هَلْ يَجْرِي مَجْرَى حَجْرِ السَّفِيهِ أَوْ مَجْرَى حَجْرِ الْمَرَضِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى حَجْرِ السَّفِيهِ.
لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ الْمَنْعُ مِنْ تَبْذِيرِ الْمَالِ لِيَكُونَ مُوَفَّرًا كَالسَّفِيهِ الَّذِي يُقْصَدُ بِالْحَجْرِ عَلَيْهِ حِفْظُ الْمَالَ مِنَ التَّبْذِيرِ لِيَكُونَ مَوْفُورًا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ حَجْرٌ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِاجْتِهَادٍ وَحُكْمٍ فَشَابَهَ حَجْرَ السَّفِيهِ الَّذِي لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِاجْتِهَادٍ وَحُكْمٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أنَّ هَذَا الْحَجْرَ يَجْرِي مَجْرَى حَجْرِ الْمَرَضِ الْوَاقِعِ لِأَجْلِ الْوَرَثَةِ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا تَقَرَّرَ تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ فَعُقُودُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ بِالْفَلَسِ وَتَصَرُّفُهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِعَيْنِ مَالِهِ الَّذِي وَقَعَ الْحَجْرُ عَلَيْهِ مِثْلَ أَنْ يَشْتَرِيَ سِلْعَةً فِي ذِمَّتِهِ أَوْ يَبِيعَ سَلَمًا مَضْمُونًا فِي ذِمَّتِهِ أَوْ يَضْمَنَ ضَمَانًا يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ، فَكُلُّ هَذَا وَمَا شَاكَلَهُ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِمَالِهِ الَّذِي فِي يَدِهِ نَافِذٌ مَاضٍ لَا اعْتِرَاضَ لِلْغُرَمَاءِ فِيهِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَعًا سَوَاءٌ قِيلَ إِنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ يَجْرِي مَجْرَى حَجْرِ السَّفَهِ أَوْ مَجْرَى حَجْرِ الْمَرَضِ، لِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ اخْتُصَّ بِمَالِهِ دُونَ ذِمَّتِهِ فَلَوِ ابْتَاعَ فِي حَالِ الْحَجْرِ سِلْعَةً بِثَمَنٍ فِي ذِمَّتِهِ فَأَرَادَ الْبَائِعُ لَهَا أَنْ يَرْجِعَ بِهَا لِفَلَسِهِ فإن كان البائع عَالِمًا بِفَلَسِهِ وَقْتَ الْبَيْعِ لَمْ يَكُنْ لَهُ اسْتِرْجَاعُهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَهُ اسْتِرْجَاعُهَا لِأَنَّ عَقْدَهُ قَبْلَ الْحَجْرِ أَقْوَى مِنْهُ بَعْدَهُ فَلَمَّا جَازَ اسْتِرْجَاعُ مَا ابْتَاعَهُ قَبْلَ الْحَجْرِ فَأَوْلَى أَنْ يَجُوزَ اسْتِرْجَاعُ مَا ابْتَاعَهُ بَعْدَ الْحَجْرِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي اسْتِرْجَاعِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى اسْتِعْلَامِ حَالِهِ قَبْلَ الْعَقْدِ فَصَارَ فِي حُكْمِ الْعَالمِ بِهِ وَلَا يَكُونُ تَقْصِيرُهُ فِي ذَلِكَ عُذْرًا وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ عِنْدِي، لِأَنَّ الْفَسْخَ بِالْفَلَسِ يَجْرِي مَجْرَى الْفَسْخِ بِالْعَيْبِ وَالرَّدُّ بِالْعَيْبِ يَجُوزُ وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَسْتَعْلِمَ قَبْلَ الْعَقْدِ فَكَذَلِكَ الْفَسْخُ بِالْفَلَسِ وَجَمِيعُ مَا مَلَكَهُ فِي حَالِ الْحَجْرِ بِابْتِيَاعٍ أَوِ اصْطِيَادٍ أَوْ قَبُولِ هِبَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ يَصِيرُ دَاخِلًا تَحْتَ الْحَجْرِ كَأَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا وَقْتَ الْحَجْرِ فَيَكُونُ تَصَرُّفُهُ فِيهِ كَتَصَرُّفِهِ فِي غَيْرِهِ مِنْ أَمْوَالِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَهَذَا حُكْمُ عُقُودِهِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِمَا فِي يَدِهِ.
(فَصْلٌ)
وَالضَّرْبُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ تَصَرُّفُهُ وَعُقُودُهُ مُتَعَلِّقًا بِمَا فِي يَدِهِ.
مِثْلَ أَنْ يَبِيعَ مِنْ مَالِهِ مَتَاعًا أَوْ يَهَبَ مَالًا أَوْ يُكَاتِبَ عَبْدًا أَوْ يُحْدِثَ عِتْقًا لَهُ فَقَدْ خَالَفَ مَا يَقْتَضِيهِ الْحَجْرُ مِنَ الْمَنْعِ مِنَ التَّصَرُّفِ وَفِي عُقُودِهِ قَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي مَعْنَى الْحَجْرِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ جَمِيعَهَا بَاطِلَةٌ إِذَا قِيلَ إِنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ جَارٍ مَجْرَى حَجْرِ السَّفَهِ لِبُطْلَانِ عُقُودِ السَّفِيهِ وَرَدِّ تَصَرُّفِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا جَائِزَةٌ وَتَكُونُ مَوْقُوفَةً إِذَا قِيلَ إِنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ جَارٍ مَجْرَى حَجْرِ الْمَرَضِ لِصِحَّةِ عُقُودِ الْمَرِيضِ وَوُقُوفِهَا عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ.
وَعَلَى هَذَا إِذَا كَانَ فِيمَا بَقِيَ مِنْ مَالِهِ بَعْدَ تَصَرُّفِهِ وَفَاءٌ لِدَيْنِهِ بِسِعْرٍ زَادَ أَوْ رِبْحٍ حَدَثَ أَوْ كَسْبٍ اسْتُفِيدَ كَانَ جَمِيعُ مَا فَعَلَهُ مِنْ بَيْعٍ وَكِتَابَةٍ وَعِتْقٍ مَاضِيًا نَافِذًا لَا اعْتِرَاضَ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فِي الْبَاقِي مِنْ مَالِهِ وَفَاءٌ لِدَيْنِهِ وَجَبَ أَنْ يُرَدَّ تَصَرُّفُهُ وَتُنْقَضَ عُقُودُهُ وَيَبْدَأَ مِنْهَا بِمَا لَيْسَ فِي مُقَابَلَتِهِ عِوَضٌ كَالْهِبَةِ وَالْعِتْقِ فَإِنْ كَانَ فِيهَا وَفَاءٌ لَمْ يَعْرِضْ لِفَسْخِ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ وَأُمْضِيَتْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا وَفَاءٌ فُسِخَتِ الْكِتَابَةُ قَبْلَ الْبَيْعِ فَإِنْ كَانَ فِيهَا وَفَاءٌ لَمْ يَعْرِضْ لِفَسْخِ الْبَيْعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا وَفَاءٌ لَمْ يَخْلُ حَالُ الْمَبِيعِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ قَدْ بَاعَهُ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِهِ حَتَّى صَارَ مَغْبُونًا فَهَذَا يُفْسَخُ عَلَيْهِ وَيُسْتَرْجَعُ الْمَبِيعُ مِنْ مُشْتَرِيهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ قَدْ بَاعَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ حَتَّى صَارَ غَابِنًا فَهَذَا الْبَيْعُ مَاضٍ وَلَا مَعْنَى لِفَسْخِهِ لِأَنَّ إِمْضَاءَ الْبَيْعِ أَوْفَرُ لِحُقُوقِ الْغُرَمَاءِ لِلزِّيَادَةِ الْحَاصِلَةِ فِي ثَمَنِهِ فَلَمْ يَجُزْ إِبْطَالُهَا عَلَيْهِمْ بِالْفَسْخِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ قَدْ بَاعَهُ بِمِثْلِ ثَمَنِهِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ فهذا ينظر فيه فإن كان الثمن قد زَادَ قِيمَتُهُ أَوِ الْمَبِيعُ قَدْ نَقَصَ سِعْرُهُ أَمْضَى الْعَقْدَ وَلَمْ يُفْسَخْ عَلَيْهِ لِمَا فِي فَسْخِهِ مِنْ دُخُولِ النَّقْصِ وَإِنْ كَانَ عَلَى حَالِهِ لَمْ يَزِدِ الثَّمَنُ وَلَا يَنْقُصْ سِعْرُ الْمُثَمَّنَ فَهَذَا يُنْظَرُ فِيهِ: فَإِنْ
كَانَ الثَّمَنُ قَدِ اسْتَهْلَكَهُ الْمُفْلِسُ حَتَّى صَارَ في ذمته فسخ البيع لأن يُسْتَفَادَ بِفَسْخِهِ بِبَيْعِ السِّلْعَةِ الْمَبِيعَةِ فِي حُقُوقِ الْغُرَمَاءِ وَمَا يَسْتَحِقُّهُ الْمُشْتَرِي مِنَ الرُّجُوعِ بِالثَّمَنِ هُوَ دَيْنٌ فِي ذِمَّةِ الْمُفْلِسِ عَلَى مَا يَسْتَفِيدُهُ مِنَ الْمَالِ بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ وَلَا يُشَارِكُ الْغُرَمَاءَ لِأَنَّهُ دَيْنٌ حَدَثَ عَنْ مُعَامَلَةٍ بَعْدَ فَلَسِهِ.
وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِيمَا ذَكَرْنَا إِذَا بَاعَ بِأَكْثَرَ مِنَ الثَّمَنِ وَكَانَ الثَّمَنُ مُسْتَهْلَكًا فُسِخَ الْبَيْعُ أَيْضًا وَأَمَّا إِذَا كَانَ الثَّمَنُ بَاقِيًا مُعَيَّنًا فَظَاهِرُ إِطْلَاقِ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ يَقْتَضِي أَنْ يُفْسَخَ عَلَيْهِ، وَالصَّحِيحُ عِنْدِي: أَنَّهُ لَا يُفْسَخُ، لِأَنَّ فَسْخَ عُقُودِهِ إِنَّمَا يَكُونُ لِضَرُورَةٍ يُسْتَفَادُ بِهَا شَيْءٌ وَالْفَسْخُ هَاهُنَا لَا يُفِيدُ شَيْئًا لِأَنَّهُ إِنْ أَوْجَبَ اسْتِرْجَاعَ الْمَبِيعِ لِيُبَاعَ فِي حُقُوقِ الْغُرَمَاءِ أَوْجَبَ ذَلِكَ رَدَّ الثَّمَنِ إِلَى الْمُعَيَّنِ الْبَاقِي فِي يَدِ الْمُفْلِسِ وَهُمَا فِي الْقِيمَةِ سَوَاءٌ فَكَانَ إِمْضَاءُ الْبَيْعِ لِيَكُونَ الثَّمَنُ مُعَيَّنًا فِي حُقُوقِ الْغُرَمَاءِ كَفَسْخِ الْبَيْعِ لِيُبَاعَ الْمَبِيعُ فِي حُقُوقِ الْغُرَمَاءِ فَلَمْ يَكُنْ لِلْفَسْخِ تَأْثِيرٌ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُفْسَخَ عَلَيْهِ.
فَإِنْ قِيلَ إِمْضَاءُ الْبَيْعِ الْأَوَّلِ وَبَيْعُ الثَّمَنِ قَدْ يَسْتَحِقُّ بِهِ دَرْكًا كَانَ هَذَا فَائِدَةَ الْفَسْخِ قِيلَ مَا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا وَقْتَ الْعَقْدِ فَلَا مَعْنَى لِتَوَهُّمِهِ لِيُفْسَخَ بِهِ الْعَقْدُ وَلَوْ جَازَ هَذَا لَجَازَ فَسْخُ جَمِيعِ العقود لمعان متوهمة.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِذَا أَقَرَّ بِدَيْنٍ زَعَمَ أَنَّهُ لَزِمَهُ قَبْلَ الْوَقْفِ فَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ جَائِزٌ كَالْمَرِيضِ يَدْخُلُ مَعَ غُرَمَائِهِ وَبِهِ أَقُولُ وَالثَّانِي أَنَّ إِقْرَارَهُ لَازِمٌ لَهُ فِي مَالٍ إِنْ حَدَثَ لَهُ أَوْ يَفْضُلُ عَنْ غُرَمَائِهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ إِقْرَارَ الْمُفْلِسِ بِالدَّيْنِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُقِرَّ بِدَيْنٍ لَزِمَهُ بَعْدَ الْحَجْرِ فَإِقْرَارُهُ لَازِمٌ فِي ذِمَّتِهِ عَلَى مَا يَسْتَفِيدُهُ مِنَ الْمَالِ بَعْدَ زَوَالِ حَجْرِهِ وَلَا يَكُونُ الْمُقَرُّ لَهُ مُشَارِكًا لِغُرَمَائِهِ، لِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ إِنَّمَا كَانَ لِمَنْ ثَبَتَ حَقُّهُ قَبْلَ الْحَجْرِ وَلِأَنَّ الْمُدَايِنَ لَهُ بَعْدَ فَلَسِهِ رَاضٍ بِخَرَابِ ذِمَّتِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُقِرَّ بِدَيْنٍ لَزِمَهُ قَبْلَ الْحَجْرِ فَإِقْرَارُهُ لَازِمٌ أَيْضًا وَهَلْ يَكُونُ الْمُقَرُّ لَهُ مُشَارِكًا لِغُرَمَائِهِ بِدَيْنِهِ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَبْنِيَّيْنِ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي الْحَجْرِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يُشَارِكُهُمْ فِيهِ وَيَكُونُ الدَّيْنُ لَازِمًا فِي ذِمَّةِ الْمُفْلِسِ الْمُقِرِّ عَلَى ما يستفيده بعد فك الحجر وهنا إِذَا قِيلَ إِنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ جَارٍ مَجْرَى السَّفَهِ.
وَلِأَنَّ الْغُرَمَاءَ قَدْ تَعَلَّقَتْ حُقُوقُهُمْ بِأَعْيَانِ حاله كالرهق ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّ الْمُقَرَّ لَهُ لَا يَكُونُ شَرِيكًا فِي الْمَالِ الْمَرْهُونِ فَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ شَرِيكًا فِي الْمَالِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُقَرَّ لَهُ يُشَارِكُ الْغُرَمَاءَ وَيَكُونُ أُسْوَةً لَهُمْ فِي مَالِ الْمُفْلِسِ.
وَهَذَا إِذَا قِيلَ إِنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ جَارٍ مَجْرَى حَجْرِ الْمَرَضِ، وَلِأَنَّ الدَّيْنَ قَدْ لَزِمَ بِالْإِقْرَارِ كَلُزُومِهِ بِالْبَيِّنَةِ ثُمَّ لَوْ كَانَ ثُبُوتُهُ بِالْبَيِّنَةِ يُوجِبُ مُشَارَكَةَ الْغُرَمَاءِ فَكَذَلِكَ ثُبُوتُهُ بِالْإِقْرَارِ يُوجِبُ مُشَارَكَتَهُمْ وَبِهَذَا فارق
الْمَالَ الْمَرْهُونَ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُشَارِكِ الْمُرْتَهِنَ فيه إذا ثبت بينة بِالْبَيِّنَةِ لَمْ يُشَارِكْهُ فِيهِ إِذَا ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ فلو كان إقرار المفلس حين قال فِي يَدِهِ أَقَرَّ بِغَصْبِهِ أَوِ اسْتِعَارَتِهِ أَوِ اسْتِئْجَارِهِ أَوْ كَانَ صَائِغًا أَوْ صَبَّاغًا فَأَقَرَّ بِحُلِيٍّ فِي يَدِهِ أَوْ ثِيَابٍ قَدْ صَبَغَهَا فَكُلُّ ذَلِكَ سَوَاءٌ وَفِي ذَلِكَ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَازِمٌ كَالْبَيِّنَةِ فَيَدْفَعُ الْأَعْيَانَ إِلَى مَنْ أَقَرَّ لَهُ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُشَارِكَهُ الْغُرَمَاءُ فِيهَا.
وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي يُشَارِكُهُمْ في المال أو كَانَ دَيْنًا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أنَّ إِقْرَارَهُ لَا يَلْزَمُ فِي الْعَيْنِ بَلْ يَكُونُ مَوْقُوفًا وَيُبَاعُ سَائِرُ أَمْوَالِهِ سِوَى الْأَعْيَانِ الَّتِي أَقَرَّ بِهَا فَإِنْ وَفَتْ بِدَيْنِهِ دُفِعَتِ الْأَعْيَانُ حِينَئِذٍ إِلَى مَنْ أَقَرَّ لَهُ بِهَا وَإِنْ عَجَزَ مَالُهُ عن وفاء دَيْنِهِ بِيعَتِ الْأَعْيَانُ فِي حُقُوقِ الْغُرَمَاءِ، وَكَانَتْ قِيمَتُهَا دَيْنًا لِلْمُقَرِّ لَهُمْ بِهَا فِي ذِمَّةِ الْمُفْلِسِ يَبِيعُونَهُ بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ، فَلَوِ احْتَاجَ وَفَاءُ دَيْنِهِ إِلَى بَيْعِ الْبَعْضِ مِنْ تِلْكَ الْأَعْيَانِ فَإِنْ كَانَ الْإِقْرَارُ بِهَا لِوَاحِدٍ بِيعَ مِنْهَا بِقَدْرِ مَا بَقِيَ مِنْ دَيْنِهِ وَيَكُونُ قِيمَتُهُ فِي ذِمَّتِهِ وَدَفَعَ بَاقِيَ الْأَعْيَانِ إِلَى الْمُقَرِّ لَهُ بِهَا وَإِنْ كَانَ الْإِقْرَارُ بِهَا لِجَمَاعَةٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُفْرِدَ حَقَّ أَحَدِهِمْ بِالْبَيْعِ دُونَ الْبَاقِينَ وَبِيعَ كُلُّ عَيْنٍ أقر بها لشخص يقسط مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ وَدَفَعَ بَاقِيَ الأعيان إلى أربابها لتقع التسوية بَيْنَ جَمِيعِهِمْ فِيمَا يُبَاعُ عَلَيْهِمْ وَيُدْفَعُ إِلَيْهِمْ.
(فَصْلٌ)
فَأَمَّا إِذَا ادُّعِيَ عَلَى الْمُفْلِسِ مَالٌ وَأَنْكَرَ وَعُرِضَتِ الْيَمِينُ عَلَيْهِ فَنَكَلَ وَحَلَفَ الْمُدَّعِي بَعْدَ نُكُولِهِ وَاسْتَحَقَّ فَقَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ هَلْ يَكُونُ الْيَمِينُ بَعْدَ النُّكُولِ تَجْرِي مَجْرَى الْبَيِّنَةِ أَوْ مَجْرَى الْإِقْرَارِ؟ فَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ:
أَنَّهَا تَجْرِي مَجْرَى الْبَيِّنَةِ - فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمُدَّعِي بعد - عينه مُشَارِكًا لِلْغُرَمَاءِ بِدَيْنِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أنَّهَا تَجْرِي مَجْرَى الْإِقْرَارِ - فَعَلَى هَذَا هَلْ يَكُونُ مُشَارِكًا لِلْغُرَمَاءِ بِدَيْنِهِ أَمْ لَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْقَوْلَيْنِ.
والله أعلم.
(مسألة)
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْمُفْتِينَ إِلَى أَنَّ دُيُونَ الْمُفْلِسِ إِلَى أَجَلٍ تَحِلُّ حُلُولَهَا عَلَى الْمَيِّتِ وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يؤخر المؤخر عنه لأن له ذمة وقد يملك والميت بطلت ذمته ولا يملك بعد الموت (قال المزني) قلت أنا هذا أصح وبه قال في الإملاء ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الدُّيُونُ الْمُؤَجَّلَةُ فَإِنَّهَا تَحِلُّ بِالْمَوْتِ.
وَهُوَ قَوْلُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: الدُّيُونُ الْمُؤَجَّلَةُ لَا تَحِلُّ بِالْمَوْتِ وَتَكُونُ عَلَى آجَالِهَا، لِأَنَّ مُدَّةَ الْأَجَلِ حَقٌّ ثَبَتَ لِلْمَيِّتِ مِثْلَ مُدَّةِ الْخِيَارِ فَلَمَّا لَمْ تَبْطُلْ مُدَّةُ الْخِيَارِ بِالْمَوْتِ لَمْ تَبْطُلْ مُدَّةُ الْأَجَلِ بِالْمَوْتِ.
وَالدَّلَالَةُ عَلَى حُلُولِ دُيُونِهِ بِالْمَوْتِ أَنَّ مَالَهُ قَدْ يَنْتَقِلُ بَعْدَ مَوْتِهِ إِلَى الْغُرَمَاءِ
بِدُيُونِهِمْ وَإِلَى الْوَرَثَةِ بِإِرْثِهِمْ فَلَمَّا كَانَ حَقُّ الْوَرَثَةِ يَنْتَقِلُ إِلَيْهِمْ حَالًا، لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى لِلْمَيِّتِ مِلْكٌ بَعْدَ مَوْتِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَقُّ الْغُرَمَاءِ يَنْتَقِلُ إِلَيْهِمْ حَالًّا، لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى لَهُ أَيْضًا مِلْكٌ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَخْلُو حَالُ التَّرِكَةِ فِي الدُّيُونِ الْمُؤَجَّلَةِ مِنْ أَحْوَالٍ ثَلَاثَةٍ.
إِمَّا أَنْ تَكُونَ مَوْقُوفَةً إِلَى حُلُولِ الدَّيْنِ.
وَهَذَا لَا يَجُوزُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِضْرَارِ بِالْوَرَثَةِ فِي تَأْخِيرِ إِرْثِهِمْ وَالْإِضْرَارِ بِالْمَيِّتِ فِي تَأْخِيرِ دَيْنِهِ مَعَ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى ".
وَإِمَّا أَنْ يُدْفَعَ إِلَى الْوَرَثَةِ وَهَذَا لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَضَى لَهُمْ بِالتَّرِكَةِ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 11] ، وَلِأَنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يُقَسِّمُوا قَدْرَ الدَّيْنِ لِيَكُونَ فِي ذِمَّتِهِمْ أَوْ يَعْزِلُوهُ إِلَى وَقْتِ الْمَحَلِّ فَلَمْ يَجُزْ إِقْسَامُهُمْ بِهِ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَمْلِكُوهُ، وَلِأَنَّ أرباب الديون لم يرضوا بذمهم.
ولم يجز أن يعزلوه، لأن فيه تعزيرا به وَتَعْلِيقًا لِنَفْسِ الْمَيِّتِ بِدَيْنِهِ وَعَدَمَ فَائِدَةٍ لَهُمْ وَلِلْمَيِّتِ بِعَزْلِهِ لَهُمْ فَلَمْ يَبْقَ وَجْهٌ إِلَّا أَنْ يَتَعَجَّلُوهُ لِيَبْرَأَ ذِمَّةُ الْمَيِّتِ مِنْهُ وَيَقْتَسِمَ الْوَرَثَةُ مَا فَضَلَ عَنْهُ.
(فَصْلٌ)
فَأَمَّا حُلُولُ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ بِحُدُوثِ الْفَلَسِ فَعَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أنه يحل بالفلس كَمَا يَحِلُّ بِالْمَوْتِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ.
وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي يَجْرِي حَجْرَ الْفَلَسِ مَجْرَى حَجْرِ الْمَرَضِ لِأَنَّ الْمُفْلِسَ يَنْتَقِلُ مَالُهُ بِالْفَلَسِ إِلَى غُرَمَائِهِ كَمَا يَنْتَقِلُ مَالُ الْمَرِيضِ بِالْمَوْتِ إِلَى وَرَثَتِهِ فَلَمَّا كَانَ الْمَوْتُ يُوجِبُ حُلُولَ الْأَجَلِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْفَلَسُ بِمَثَابَتِهِ يُوجِبُ حُلُولَ الْمُؤَجَّلِ، وَيُلَخِّصُ هَذَا الثُّلْثُ: أَنَّ خَرَابَ الذِّمَّةِ يُوجِبُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الدُّيُونِ الْحَالَّةِ وَالْمُؤَجَّلَةِ كَالْمَوْتِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أنَّهَا عَلَى آجَالِهَا - لَا تَحِلُّ بِالْفَلَسِ - وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُزَنِيِّ.
وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي يَجْرِي مِنْهَا حَجْرُ الْمُفْلِسِ مَجْرَى حَجْرِ السَّفِيهِ، لِأَنَّ دُيُونَ السَّفِيهِ لَا تَحِلُّ لِبَقَاءِ مِلْكِهِ وَجَوَازِ اسْتِفَادَتِهِ فَكَذَلِكَ الْمُفْلِسُ لَمَّا كَانَ مِمَّنْ يَمْلِكُ وَيَجُوزُ أَنْ يَحْدُثَ لَهُ مِلْكٌ وَيَبْقَى لَهُ ذِمَّةٌ لَمْ تَحِلَّ دُيُونُهُ وَخَالَفَ الْمَيِّتَ الَّذِي لَا يَبْقَى لَهُ مِلْكٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْدُثَ لَهُ مِلْكٌ وَلَمْ يَبْقَ لَهُ ذِمَّةٌ حَيْثُ حَلَّتْ دُيُونُهُ، وَلِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَى الْمُفْلِسِ إِنَّمَا كَانَ بِالدُّيُونِ الْحَالَّةَ دُونَ الْمُؤَجَّلَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ دُيُونُهُ مُؤَجَّلَةً لَمْ يَجُزِ الْحَجْرُ عَلَيْهِ بِهَا وَالْمُفْلِسُ إِنَّمَا يَجِبُ صَرْفُ مَالِهِ فِيمَنْ كَانَ الْحَجْرُ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِهِ بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ حَدَثَ دَيْنُهُ بَعْدَ الْحَجْرِ لَمْ يَكُنْ مُشَارِكًا فِي مَالِهِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْحَجْرُ فَكَذَلِكَ أَرْبَابُ الدُّيُونِ الْمُؤَجَّلَةِ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا تَقَرَّرَ تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ.
فَإِنْ قِيلَ بِأَنَّهَا إِلَى آجَالِهَا - لَا تَحِلُّ بِالْفَلَسِ - صُرِفَ مَالُهُ فِي الدُّيُونِ الْحَالَّةِ ثُمَّ يُحَالُ أَرْبَابُ الدُّيُونِ الْمُؤَجَّلَةِ إِذَا حَلَّتْ عَلَى مَا يَحْدُثُ لَهُ مِنْ مِلْكٍ.
فَإِنْ قِيلَ: بِأَنَّهَا تَحِلُّ بِالْفَلَسِ كَانَ أَرْبَابُ الدُّيُونِ الْمُؤَجَّلَةِ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ فِي مَالِهِ وَيَرْجِعُ مَنْ كَانَ لَهُ عَيْنُ مَبِيعِهِ بِعَيْنِ مَالِهِ فَإِذَا تَقَرَّرَ قَدْرُ مَا يَخُصُّهُمْ مِنَ الدَّيْنِ بالعين فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ ظَاهِرُ إِطْلَاقِ الشَّافِعِيِّ، وَمَا عَلَيْهِ مُتَقَدِّمُو الصَّحَابَةِ - أَنَّهُ يُدْفَعُ إِلَى أرباب يتملكونه كما يدفع ذلك إلى مثل دَيْنه حَال لِيَتَمَلَّكَهُ لِأَنَّ الْمُؤَجَّلَ قَدْ صَارَ بِالْفَلَسِ كَالْمُعَجَّلِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وأبي علي بن أبي هريرة: أنه يكون باقيا على ملك الْمُفْلِسِ لَا يُدْفَعُ إِلَى غُرَمَائِهِ حَتَّى تَحِلَّ دُيُونُهُمْ وَيَكُونَ تَأْثِيرُ مُشَارَكَتِهِمْ لِبَاقِي الْغُرَمَاءِ وَرُجُوعِهِمْ بِأَعْيَانِ الْأَمْوَالِ أَنْ لَا يُصْرَفَ جَمِيعُ مَالِهِ في الديون الحالة وأنه ربما يكسب بَعْدَ الْحَجْرِ مَا لَا يَقْضِي بِهِ الدُّيُونَ الْمُؤَجَّلَةَ وَلَوِ اكْتَسَبَ لَشَقَّ عَلَيْهِمْ أَنْ يُقِيمُوا بِهِ الْبَيِّنَةَ ثُمَّ يُطْلَقُ تَصَرُّفُ الْمُفْلِسِ فِيهِ حَتَّى إِذَا حَلَّتِ الْآجَالُ صَرَفَ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ وقسم فيهم.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ جَنَى عَلَيْهِ عَمْدًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَخْذُ الْمَالِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَى الْمُفْلِسِ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ مُوجِبَةً لِلْمَالِ إِمَّا فِي الْخَطَأِ وَإِمَّا فِي الْعَمْدِ الَّذِي لَا قَوَدَ فِيهِ فَقَدْ مَلَكَ أَرْشَهَا وَتَعَلَّقَ حَقُّ الْغُرَمَاءِ بِهِ كَمَا يَتَعَلَّقُ بِمَا يُسْتَحْدَثُ مِلْكُهُ مِنْ إِرْثٍ وَغَيْرِهِ فَإِنْ أَبْرَأَ الْجَانِيَ مِنْهُ كَانَ كَمَا لَوْ وَهَبَ مَالًا فَيَكُونُ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْإِبْرَاءَ يَكُونُ بَاطِلًا.
وَهَذَا إِذَا قِيلَ إِنَّ حَجْرَ الْمُفْلِسِ جَارٍ مَجْرَى حَجْرِ السَّفِيهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا.
فَإِنْ كَانَ فِي مَالِهِ وَفَاءٌ بِدَيْنِهِ صَحَّ الْإِبْرَاءُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَالِهِ وَفَاءٌ بِدَيْنِهِ بَطَلَ الْإِبْرَاءُ فِيمَا قَابَلَ بَقِيَّةَ الدَّيْنِ فَإِنْ كَانَ الْبَاقِي مِنْهُ مُقَابِلًا لِجَمِيعِ الدِّيَةِ بَطَلَ جَمِيعُ الْإِبْرَاءِ وَإِنْ كَانَ مُقَابِلًا لِبَعْضِهَا بَطَلَ مِنَ الْإِبْرَاءِ بِقَدْرِ مَا قَابَلَ الْبَاقِيَ مِنْ ثُلُثٍ أَوْ نِصْفٍ وَصَحَّ فِي الْبَاقِي.
وَهَذَا إِذَا قِيلَ إِنَّ الْحَجْرَ بِالْفَلَسِ جَارٍ مَجْرَى حَجْرِ الْمَرَضِ.
(فَصْلٌ)
وَالضَّرْبُ الثَّانِي أَنْ تَكُونَ الْجِنَايَةُ عَمْدًا تُوجِبُ الْقَوَدَ، فَالْمُفْلِسُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَقْتَصَّ أَوْ يَأْخُذَ الْمَالَ سَوَاءٌ كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ فَانْتَقَلَ إِرْثًا إِلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: 33] . فَإِنْ أَرَادَ الْقِصَاصَ لَمْ يَكُنْ لِلْغُرَمَاءِ عَلَيْهِ اعْتِرَاضٌ وَإِنْ أَرَادَ الْمَالَ كَانَ لَهُ وَقُسِّمَ بَيْنَ غُرَمَائِهِ، وَإِنْ عُفي عَنِ الْقِصَاصِ وَلَمْ يُصَرَّحْ بِالْعَفْوِ عَنِ الْمَالِ سَقَطَ الضَّمَانُ.
وَفِي سُقُوطِ الْمَالِ قَوْلَانِ.
مَبْنِيَّانِ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي جِنَايَةِ الْعَمْدِ مَا الَّذِي تُوجِبُ؟
فَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ: أنَّهَا تُوجِبُ الْقِصَاصَ، فَأَمَّا الْمَالُ فَإِنَّمَا يَجِبُ بِاخْتِيَارِ الْوَلِيِّ - فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ سَقَطَ حَقُّهُ مِنَ الْمَالِ إِذَا لَمْ يَخْتَرْهُ فِي الْحَالِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أنَّ جِنَايَةَ الْعَمْدِ تُوجِبُ أَحَدَ شَيْئَيْنِ إِمَّا الْقِصَاصَ أَوِ الْمَالَ - فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَا يَسْقُطُ الْمَالُ بِعَفْوِهِ عن القصاص فأما إن عفى الْمُفْلِسُ عَنِ الْأَمْرَيْنِ مَعًا مِنَ الْقِصَاصِ وَالْمَالِ وَصَرَّحَ بِهِمَا فِي عَفْوِهِ صَحَّ عَفْوُهُ عَنِ الْقِصَاصِ، وَفِي عَفْوِهِ عَنِ الْمَالِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ:
أحدهما: أَنَّ عَفْوَهُ صَحِيحٌ وَقَدْ سَقَطَ الْمَالُ.
وَهَذَا إِذَا قِيلَ إِنَّ جِنَايَةَ الْعَمْدِ تُوجِبُ الْقِصَاصَ وَحْدَهُ وَأَنَّ الْمَالَ لَا يَجِبُ إِلَّا بِاخْتِيَارِ الولي فيسقط المال يعفوه عَنْهُ، لِأَنَّ أَحَدًا لَا يُجْبَرُ عَلَى تَمَلُّكِ مَالٍ مِنْ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ وَمُطْلَقٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ عَفْوَهُ عَنِ الْمَالِ بَاطِلٌ وَتُؤْخَذُ الدِّيَةُ وَتُقَسَّمُ بينَ غُرَمَائِهِ وَهُنَا إِذَا قِيلَ إِنَّ جِنَايَةَ الْعَمْدِ تُوجِبُ الْقِصَاصَ أَوِ الْمَالَ وَإِنَّ حَجْرَ الْمُفْلِسِ يَجْرِي مَجْرَى حَجْرِ السَّفَهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ عَفْوَهُ مَوْقُوفٌ إِذَا قِيلَ إِنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ جَارٍ مَجْرَى حَجْرِ الْمَرَضِ لِيَنْظُرَ هَلْ فِي مَالِهِ وَفَاءٌ بِدَيْنِهِ فَيَصِحَّ أَوْ عجز عنه فيبطل.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَيْسَ عَلَى الْمُفْلِسِ أَنْ يُؤَاجِرَ وَذُو الْعُسْرَةِ يُنْظَرُ إِلَى مَيْسَرَةٍ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا فَضَلَتْ عَلَى الْمُفْلِسِ دُيُونٌ بَعْدَ قِسْمَةِ مَالِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُؤَاجِرَ بِهَا وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ: يَجِبُ أَنْ يُؤَاجِرَهُ الْحَاكِمُ بِأُجْرَةٍ تُقْضَى بِهَا بَاقِي دُيُونِهِ.
اسْتِدْلَالًا بِمَا رَوَى ابْنُ أَبِي أَوْفَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاعَ سَرْقًا فِي دَيْنٍ وَالْحُرُّ لَا تُبَاعُ رَقَبَتُهُ ثَبَتَ أَنَّهُ بَاعَ مَنَافِعَهُ، وَبِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " أَجَّرَ مُفْلِسًا " وَلَيْسَ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ، وَلِأَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْعَمَلِ كَالْقُدْرَةِ عَلَى الْمَالِ فِي تَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ بِهِمَا فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي تَعَلُّقِ دُيُونِ الْمُفْلِسِ بِهِمَا وَلِأَنَّ الْمَنَافِعَ كَالْأَعْيَانِ فِي ضَمَانِهَا فِي الْعَقْدِ الصَّحِيحِ بِالْمُسَمَّى وَفِي الْفَاسِدِ بِعِوَضِ الْمِثْلِ ثُمَّ إِذَا كَانَتِ الْأَعْيَانُ مَبِيعَةً عَلَى الْمُفْلِسِ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْمَنَافِعُ مَبِيعَةً عَلَيْهِ، وَالدَّلَالَةُ عَلَى مَا قُلْنَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280] فَأَمَرَ بِإِطْلَاقِهِ بَعْدَ الْإِعْسَارِ، ولأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَمَّا حَجَرَ عَلَى مُعَاذٍ قَالَ لِغُرَمَائِهِ: " خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ فَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ " وَرُوِيَ " لَا سَبِيلَ لَكُمْ عَلَيْهِ "، وَلِأَنَّ مَنَافِعَ الْحُرِّ لَيْسَتْ بِمَالٍ وَإِنَّمَا هِيَ أَسْبَابٌ إِلَى تَمَلُّكِ الْمَالِ وَالْإِنْسَانُ لَا يُجْبَرُ عَلَى أَسْبَابِ التَّمْلِيكِ إِذَا أَفْلَسَ كَمَا لَا يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِ الْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَعَلَى خُلْعِ الزَّوْجَةِ فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ رِوَايَتِهِمْ أَنَّهُ بَاعَ سَرْقًا
فِي دَيْنٍ: فَهُوَ أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ لَا يَلْزَمُنَا الْأَخْذُ بِهِ وَلَوْ لَزِمَ لَجَازَ أَنْ يَكُونَ سَرَقَ عَبْدًا بَاعَهُ فِي دَيْنِ سَيِّدِهِ أَوْ حُرًّا أَجَّرَهُ بِاخْتِيَارِ نَفْسِهِ أَوْ بَاعَهُ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ حِينَ كَانَ الشَّرْعُ وَارِدًا فِي الْحُرِّ بِجَوَازِ بَيْعِهِ، وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ عُمَرَ: فَهُوَ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِاخْتِيَارِ الْمُفْلِسِ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِأَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْعَمَلِ كَالْقُدْرَةِ عَلَى الْمَالِ فِي تَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ فَفَاسِدٌ بِذَاتِ الرُّوحِ فِي أَنَّ الرُّوحَ تَقُومُ مَقَامَ الْمَالِ فِي تَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ وَلَا تَقُومُ مقام فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ وَبِالْأَبَوَيْنِ كَالْمَالِ فِي تَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ دُونَ الدَّيْنِ ثُمَّ الْمَعْنَى فِي الصَّدَقَةِ أَنَّهُ يَسْتَبِيحُهَا الْمُحْتَاجُ وَالْقَادِرُ عَلَى الْكَسْبِ غَيْرَ مُحْتَاجٍ وَقَضَاءُ الدَّيْنِ يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ وَالْقُدْرَةُ عَلَى الكسب ليس بِمَالٍ، وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الِاسْتِدْلَالِ بِأَنَّ الْمَنَافِعَ كَالْأَعْيَانِ: فَهُوَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَالٍ وَإِنَّمَا يَجُوزُ أَنْ يَصِيرَ فِي الثَّانِي مَالًا وَلَوْ كَانَتْ مَالًا لَوَجَبَ عَلَى غَاصِبِ الْحُرِّ ضَمَانُ مَنَافِعِهِ والله أعلم.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَيُتْرَكُ لَهُ مِنْ مَالِهِ قَدْرَ مَا لَا غِنَى بِهِ عَنْهُ وَأَقَلُّ مَا يَكْفِيهِ وَأَهْلَهُ يَوْمَهُ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَإِنْ كَانَ لِبَيْعِ مَالِهِ حَبْسٌ أَنْفَقَ مِنْهُ عَلَيْهِ وَعَلَى أَهْلِهِ كُلَّ يَوْمٍ أَقَلَّ مَا يَكْفِيهِمْ مِنْ نَفَقَةٍ وَكُسْوَةٍ كَانَ ذَلِكَ فِي شِتَاءٍ أَوْ صَيْفٍ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ قَسْمِ مَالِهِ بَيْنَ غُرَمَائِهِ ".
قال الماوردي: وهذا كما قال مؤونة الْمُفْلِسِ فِي زَمَانِ حَجْرِهِ وَاجِبَةٌ فِي مَالِهِ وكذلك مؤونة مَنْ يَلْزَمُهُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَقَارِبِ وَالزَّوْجَاتِ يُقَدَّمُ بِهَا عَلَى الْغُرَمَاءِ وَأَصْحَابِ الدُّيُونِ لِقَوْلِ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ " وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِلْأَعْرَابِيِّ حِينَ قَالَ: إِنَّ مَعِي دِينَارًا.
قَالَ: " أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ " قَالَ: إِنَّ مَعِي آخَرَ قَالَ: " أَنْفِقْهُ عَلَى زَوْجَتِكَ ". قَالَ: إِنَّ مَعِيَ آخَرَ.
قَالَ: أَنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِكَ، وَلِأَنَّهُ بِالْحَجْرِ مَسْلُوبُ النَّفْعِ مُعَطَّلُ الْكَسْبِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَا مَالٍ لَوَجَبَ نَفَقَتُهُ عَلَى كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَوَجَبَ إِذَا كَانَ لَهُ مَالٌ أَنْ يَقَدَّمَ بِإِنْفَاقٍ مِنْهُ فَإِنْ قِيلَ إِنَّمَا يَتَقَدَّمُ بِنَفَقَةِ نَفْسِهِ فَأَمَّا نَفَقَةُ أَقَارِبِهِ الَّتِي هِيَ مواساة وهو بنفسه لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْمُوَاسَاةِ فَلَمْ يُقَدَّمْ بِهَا قِيلَ، لِأَنَّ نَفَقَاتِ الْأَقَارِبِ تَجْرِي قَبْلَ الْفَلَسِ مَجْرَى نَفَقَةِ نَفْسِهِ فَأُجْرِيَتْ عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ فَلَسِهِ فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ فِي مُدَّةِ حجرة تقدر مؤنته ومؤنة زوجته وأقاربه.
فالمؤونة: هِيَ الْقُوتُ وَالْكُسْوَةُ، فَأَمَّا الْقُوتُ فَمُقَدَّرُ الزَّمَانِ بِمُدَّةِ حَجْرِهِ وَمُعْتَبَرُ الْقَدْرِ بِحَسَبِ كِفَايَتِهِ فَإِنْ كَانَتْ مُدَّةُ الْحَجْرِ يَوْمًا وَاحِدًا لَمْ يُنْفَقْ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَتْ شَهْرًا لَمْ يُقْصَرْ عَنْهُ وَلَا يُعْتَبَرْ فِي الْقُوتِ حَالُ شَهَوَاتِهِ وَمَلَاذِّهِ وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ قُوتُ مِثْلِهِ الَّذِي لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ وَأَمَّا الْكُسْوَةُ فَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ كُسْوَةٌ مُتَمَاسِكَةٌ لَيْسَ فِيهَا سَرَفٌ تُرِكَتْ عَلَى حَالِهَا وَلَمْ يَكُنْ غَيْرُهَا
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ كُسْوَةٌ أَوْ كَانَتْ قد أخلقت اشتهى لَهُ مِنْ مَالِهِ كُسْوَةَ مِثْلِهِ وَلَا يُعْتَبَرُ أَنْ تَكُونَ كَافِيَةً لِمُدَّةِ حَجْرِهِ كَمَا اعْتَبَرْنَا في الفوت لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ تَبْعِيضَ الْقُوتِ مُمْكِنٌ وَتَبْعِيضُ الْكُسْوَةِ عَلَى الزَّمَانِ غَيْرُ مُمْكِنٍ وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا بُدَّ بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ أَنْ يَكُونَ مَسْتُورَ الْعَوْرَةِ مُعَرَّضًا لِلْكَسْبِ بِمَا يَتَجَمَّلُ بِهِ مِنْ ثِيَابٍ فَإِنْ كَانَ الزَّمَانُ شِتَاءً فَكُسْوَةُ مِثْلِهِ فِي الشِّتَاءِ وَإِنْ كَانَ صَيْفًا فَكُسْوَةُ مِثْلِهِ فِي الصَّيْفِ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَجْمَعَ لَهُ بَيْنَ كُسْوَةِ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ.
(مَسْأَلَةٌ) قال الشافعي رضي الله عنه: " وإن كانت ثيابه كلها عوالي مُجَاوِزَةَ الْقَدْرِ اشْتَرَى لَهُ مِنْ ثَمَنِهَا أَقَلَّ مَا يُلْبَسُ أَقْصِدُ مَا يَكْفِيهِ فِي مِثْلِ حَالِهِ وَمَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَتْرُكُ عَلَيْهِ مَا لَا غَنَاءَ بِهِ عَنْهُ فَإِذَا كَانَتْ ثِيَابُهُ غَوَالِيَ كَثِيرَةَ الْأَثْمَانِ اسْتَغْنَى عَنْهَا بِمَا هُوَ أَقَلُّ ثَمَنًا مِنْهَا فَيُبَاعُ عَلَيْهِ وَيَشْتَرِي لَهُ مِنْهَا كُسْوَةَ مِثْلِهِ الَّتِي لَا يَسْتَغْنِي عَنْهَا وَيُقَسِّمُ فَاضِلَ ثَمَنِهَا بَيْنَ غُرَمَائِهِ فَلَوْ كَانَ قَدْ كسى أَقَارِبَهُ قَبْلَ الْحَجْرِ ثِيَابًا غَوَالِيَ وَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَيْهِمْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَبْدِلَ بِهَا مَا هُوَ أَدْوَنُ مِنْهَا، لِأَنَّهَا خَارِجَةٌ عَنْ مِلْكِهِ وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي كُسْوَةِ نَفْسِهِ لِبَقَائِهَا على ملكه.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِنْ مَاتَ كُفِّنَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ قَبْلَ الْغُرَمَاءِ وَحُفِرَ قَبْرُهُ وَمُيِّزَ بِأَقَلِّ مَا يَكْفِيهِ وَكَذَلِكَ مَنْ يَلْزَمُهُ أَنْ يُكَفِّنَهُ ثُمَّ قَسَّمَ الْبَاقِي بَيْنَ غُرَمَائِهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا مَاتَ الْمُفْلِسُ أَوْ مَاتَ مِنْ أَقَارِبِهِ من تلزمه مؤونته وجب أن يقدم تكفينه ومؤونة دَفْنِهِ مِنْ أَصْلِ مَالِهِ عَلَى سَائِرِ غُرَمَائِهِ لأنه لما قدم لمؤونته حَيًّا فَأَوْلَى أَنْ يُقَدَّمَ بِهَا مَيِّتًا، وَلِأَنَّ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ إِذَا حَضَرَ جِنَازَةً قَالَ: " هَلْ عَلَى صَاحِبِكُمْ مِنْ دَيْنٍ " فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ.
قَالَ: صَلُّوا عَلَيْهِ " وَيَمْتَنِعُ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً لِدَيْنِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ في كفن ولم يوجب بيعه في دينه فإذا ثبت أن يُقَدَّمَ تَكْفِينُهُ فَهَلْ يَقْتَصِرُ بِهِ فِي الْكَفَنِ عَلَى ثَوْبٍ وَاحِدٍ أَوْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يُكَفَّنَ بِثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ كَمَا يُكَفَّنُ بِهَا إِذَا كَانَ حَيًّا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يكفن في ثوب واحد، لأن الْقَدْرُ الْوَاجِبُ وَخَالَفَ الْحَيَّ لِأَنَّ الْحَيَّ مُحْتَاجٌ إِلَى التَّحَمُّلِ لِتَعَرُّضِهِ لِلْمَكَاسِبِ.
وَأَمَّا الْحَنُوطُ فَفِيهِ وجهان أحدهما أن يشتري من ماله العرق الْجَارِيَ بِهِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي لَا يَلْزَمُ، لِأَنَّهُ جَارٍ مَجْرَى الطِّيبِ فَلَمْ يَكُنْ فِي مَالِ الْمُفْلِسِ سَعَةٌ لَهُ - وَكَذَا الْحُكْمُ فِي كَفَنِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَقَارِبِهِ الَّذِينَ تَلْزَمُهُ نَفَقَاتُهُمْ فَأَمَّا كَفَنُ زَوْجَتِهِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا فِي مَالِهِ أَيْضًا وَالثَّانِي فِي مَالِهَا.
(مَسْأَلَةٌ)
قَالَ الشافعي رضي الله عنه: " وَيُبَاعُ عَلَيْهِ مَسْكَنُهُ وَخَادِمُهُ لِأَنَّ مِنْ ذَلِكَ بدا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ يُبَاعُ عَلَى الْمُفْلِسِ فِي دَيْنِهِ مَسْكَنُهُ وَخَادِمُهُ وَإِنْ كَانَ إِلَيْهِمَا مُحْتَاجًا.
وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ: لَا يَجُوزُ بيعها عليه.
ورووا عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ تَعَلُّقًا بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " حَظُّ ابْنِ آدَمَ مِنَ الدُّنْيَا ثَلَاثٌ خِرْقَةٌ تُوَارِيهِ وَكُسْوَةٌ تَكْفِيهِ وَمَسْكَنٌ يُؤْوِيهِ " قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَأَنَا أَزِيدُ فِيهِ وَزَوْجَةٌ يَسْكُنُ إِلَيْهَا.
قَالُوا: وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجُزْ بَيْعُ ثِيَابِهِ الَّتِي عَلَيْهِ لِحَاجَتِهِ إِلَيْهَا لَمْ يَجُزْ بَيْعُ مَسْكَنِهِ وَخَادِمِهِ لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِمَا قَالُوا وَلِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ كَالْمُعْسِرِينَ فِي الْكَفَّارَةِ وَكَالْفُقَرَاءِ فِي أَخْذِ الزَّكَاةِ فَكَذَلِكَ فِي الْمُفْلِسِ وَدَلِيلُنَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِغُرَمَاءِ مُعَاذٍ: " خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ لَيْسَ لَكُمْ غَيْرُهُ ". وَلِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ بِهِ إِلَى تَمَلُّكِ الْمَسْكَنِ وَالْخَادِمِ لِأَنَّهُ قَدْ يَقْدِرُ عَلَى مَسْكَنٍ يَكْرَى وَخَادِمٍ بِأُجْرَةٍ وَبِذَلِكَ قَدْ جَرَتِ الْعَادَةُ وَهِيَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: لِأَنَّ مِنْ ذَلِكَ بُدًّا.
أَيْ مِنْ مِلْكِ الْمَسْكَنِ دُونَ سُكْنَاهُ وَمِنْ مِلْكِ الْخَادِمِ دُونَ اسْتِخْدَامِهِ وَإِذَا كَانَ عَنْ ذَلِكَ مُسْتَغْنِيًا وَجَبَ بَيْعُهُ عَلَيْهِ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ وَلِأَنَّهُ لَمَّا بِيعَ عَلَيْهِ ضَيَاعُهُ وَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَى اسْتِغْلَالِهَا جَازَ أَنْ يُبَاعَ عَلَيْهِ دَارُهُ فَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَى سُكْنَاهَا فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْخَبَرِ فَهُوَ أَنَّهُ وَارِدٌ فِي غَيْرِ الْمُفْلِسِ لِأَنَّهُ قَالَ: " حَظُّ ابْنِ آدَمَ مِنَ الدُّنْيَا ثَلَاثٌ ". وَالْمُفْلِسُ لَيْسَ لَهُ فِي الدُّنْيَا حَظٌّ وَلَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنْهَا نَصِيبٌ وَأَمَّا تَرْكُ ثِيَابِهِ عَلَيْهِ فَلِحَاجَتِهِ إِلَيْهَا وَأَنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بِإِجَارَتِهَا وَهِيَ بِإِجَارَةِ الدُّورِ وَالْخَدَمِ جَارِيَةٌ وَأَمَّا الْكَفَّارَةُ فَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ دَيْنِ الْمُفْلِسِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى يَتَّسِعُ لِلْمُسَامَحَةِ فَلَمْ يُبَعْ فِيهَا الْمَسْكَنُ وَالْخَادِمُ وَالدَّيْنُ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ يَضِيقُ عَنِ الْمُسَامَحَةِ فَبِيعَ فِيهِ الْمَسْكَنُ وَالْخَادِمُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ لِلْكَفَّارَةِ بَدَلًا مِنَ الْمَالِ وَهُوَ الصِّيَامُ فَلَمْ يُبَعْ عَلَيْهِ مَسْكَنُهُ لِرُجُوعِهِ إِلَى بَدَلٍ وَلَيْسَ لِلْمَالِ فِي دَيْنِ الْآدَمِيِّ بَدَلٌ وَأَمَّا أَخْذُهُ لِلزَّكَاةِ كَالْفُقَرَاءِ مَعَ وُجُودِ الْخَادِمِ وَالْمَسْكَنِ فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَقْصُودَ بِأَخْذِ الزَّكَاةِ الِاسْتِغْنَاءُ بِهَا فَجَازَ أَنْ يَأْخُذَهَا وَإِنْ كَانَ لَهُ بَعْضُ الْغَنَاءِ وَفِي الْفَلَسِ قَضَاءُ الدَّيْنِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُؤَخِّرَ مَعَ وُجُودِ بَعْضِ الْغَنَاءِ.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِنْ أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى رَجُلٍ بِحَقٍّ وَلَمْ يَحْلِفْ مَعَ شَاهِدِهِ فَلَيْسَ لِلْغُرَمَاءِ أَنْ يَحْلِفُوا ليس لَهُمْ إِلَّا مَا تَمَّ مِلْكُهُ عَلَيْهِ دُونَهُمْ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي مُفْلِسٍ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ مَالًا وَأَقَامَ عَلَى دَعْوَاهُ شَاهِدًا فَإِنْ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ وَجَبَ لَهُ الْمَالُ وَإِنْ نَكَلَ وَأَجَابَ الْغُرَمَاءُ إِلَى الْيَمِينِ مَعَ شَاهِدِهِ لِعِلْمِهِمْ بِصِدْقِهِ وَأَنَّ الْمَالَ صَائِرٌ إِلَيْهِمْ فَفِيهِ قَوْلَانِ: وَهَكَذَا لَوِ ادَّعَى الْمُفْلِسُ مَالًا لَيْسَ لَهُ بِهِ شَاهِدٌ
وَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَمْ يَحْلِفْ وَرُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَى الْمُفْلِسِ فَنَكَلَ وَأَرَادَ الْغُرَمَاءُ أَنْ يَحْلِفُوا فَفِيهِ قَوْلَانِ فَالْجَوَابُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَاحِدٌ.
وَفِي جَوَازِ إِحْلَافِ الْغُرَمَاءِ فِيهَا قَوْلَانِ:
أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ: وَهُوَ الْقَدِيمُ - يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَحْلِفُوا لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَالَ الْمُفْلِسِ صَائِرٌ إِلَيْهِمْ كَمَا يَصِيرُ مَالُ الْمَيِّتِ إِلَى وَرَثَتِهِ فَلَمَّا جَازَ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يَحْلِفُوا عَلَى مَالِ الْمَيِّتِ جَازَ لِلْغُرَمَاءِ أَنْ يَحْلِفُوا عَلَى مَالِ الْمُفْلِسِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ حَقَّ الْغُرَمَاءِ فِي مَالِ الْمُفْلِسِ أَثْبَتُ مِنْ حَقِّ الْوَكِيلِ فِي مَالِ الْمُوَكِّلِ فَلَمَّا جَازَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَحْلِفَ فِي إِثْبَاتِ مِلْكِ الْمُوَكِّلِ إِذَا اخْتَلَفَ الْوَكِيلُ وَالْبَائِعُ فِي ثَمَنِ الْمَبِيعِ وَلَيْسَ يَثْبُتُ لَهُمْ حَقٌّ فِي مَالِ الْمُوَكِّلِ فَأَوْلَى أَنْ يَجُوزَ إِحْلَافُ الْغُرَمَاءِ لِثُبُوتِ حُقُوقِهِمْ فِي مَالِ الْمُفْلِسِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُهُ الْجَدِيدُ - أنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَحْلِفُوا لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَالَ يَمْلِكُهُ الْمُفْلِسُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَلِفَ كَانَ تَالِفًا فِي حَقِّهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَمْلِكَ أَحَدٌ مَالًا بِيَمِينِ غَيْرِهِ لِأَنَّهَا تَكُونُ نِيَابَةٌ فِي الْأَيْمَانِ وَالنِّيَابَةِ فِي الْيَمِينِ لَا تَصِحُّ كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَنُوبَ عَنْهُ غَيْرُ الْغُرَمَاءِ وَلَيْسَ تَعَلُّقُ حُقُوقِ الْغُرَمَاءِ بِمَالِهِ دَلِيلًا عَلَى جَوَازِ يَمِينِهِمْ عَنْهُ أَلَا تَرَى أَنَّ مُسْتَأْجِرَ الدَّارِ لَوْ غَصَبَ مِنْهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى الْغَاصِبِ أَنَّهُ غَصَبَهَا مِنْهُ وَإِنْ تَعَلَّقَ حَقُّهُ بِهَا وَمُرْتَهِنُ الرَّهْنِ لَوْ غَصَبَ مِنْهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْلِفَ عَلَيْهِ وَإِنْ تَعَلَّقَ حَقُّ اسْتِيفَائِهِ بِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْيَمِينَ فِي إِثْبَاتِ دَعْوَى الْمُفْلِسِ كَالْيَمِينِ فِي نَفْيِ الدَّعْوَى عَنْهُ فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ لِلْغُرَمَاءِ أَنْ يَحْلِفُوا فِي نَفْيِ مَا ادَّعَى عَلَيْهِ إِذَا أَنْكَرَ وَنَكَلَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْلِفُوا فِي إِثْبَاتِ مَا ادَّعَاهُ إِذَا صَارَتِ الْيَمِينُ لَهُ فَنَكَلَ أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَرَثَةَ لَمَّا جَازَ لَهُمْ أَنْ يَحْلِفُوا فِي إِثْبَاتِ الدَّعْوَى لِلْمَيِّتِ جَازَ أَنْ يَحْلِفُوا فِي نَفْيِ الدَّعْوَى عَنْهُ وَهَذَا تَوْجِيهٌ وَانْفِصَالٌ.
(فَصْلٌ)
فَإِنْ قِيلَ بِأَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ لَا يَجُوزُ لِلْغُرَمَاءِ أَنْ يَحْلِفُوا فَلَا مَسْأَلَةَ.
وَإِنْ قِيلَ بِالْأَوَّلِ إنَّهُ يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَحْلِفُوا حَلَفَ جَمِيعُهُمْ كَمَا يَحْلِفُ جَمِيعُ الْوَرَثَةِ فَإِنْ حَلَفَ بَعْضُهُمْ قضي لَهُ مِنَ الدَّعْوَى بِقَدْرِ حِصَّةِ دَيْنِهِ مِنْهَا وَلَا يَكُونُ نكول غيره بمسقط لِحَقِّهِ بَعْدَ يَمِينِهِ كَمَا لَوْ حَلَفَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ وَنَكَلَ بَعْضُهُمْ قضي لَهُ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ.
(بَابٌ الدَّيْنُ عَلَى الْمَيِّتِ وَالْعُهْدَةُ فِي مَالِ المفلس)
قال الشافعي رضي الله عنه: " مَنْ بِيعَ عَلَيْهِ فِي دَيْنٍ بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْ فِي حَيَاتِهِ أَوْ تَفْلِيسِهِ فَهَذَا كُلُّهُ سَوَاءٌ وَالْعُهْدَةُ فِي مَالِ الْمَيِّتِ كَهِيَ فِي مَالِ الْحَيِّ لَا اخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ عِنْدِي ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا بِيعَتْ أَمْوَالُ الْمُفْلِسِ عَلَيْهِ وَضَاعَتْ مِنْ أَيْدِي الْأُمَنَاءِ عَلَيْهَا كَانَ تَلَفُهَا مِنْ مَالِ الْمُفْلِسِ دُونَ غرمائه وكذا ما باعه ولي على طِفْلٍ أَوْ وَصِيٌّ فِي تَرِكَةٍ أَوْ وُكل فِي بَيْعِ رَهْنٍ أَوْ عَلَى مُوَكَّلٍ وَقَالَ أبو حنيفة: الثَّمَنُ التَّالِفُ مِنْ مَالِ الْغُرَمَاءِ دُونَ الْمُفْلِسِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ كَانَ الثَّمَنُ مِنْ جِنْسِ حُقُوقِهِمْ ذَهَبًا أَوْ وَرِقًا فَهُوَ تَالِفٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جنس حقهم سلعة أو عوضا فَهُوَ تَالِفٌ مِنْ مَالِ الْمُفْلِسِ.
وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ، وَصَارَ مَذْهَبُ مَالِكٍ فَاسِدًا بِالْحَجَاجِيزِ وَسَنَذْكُرُ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ مَا يَكُونُ عَلَى طَرِيقِ التَّوْجِيهِ لِصِحَّةِ الْمَذْهَبِ فِيهِ فَنَقُولُ إِنَّ بَدَلَ كُلِّ شيء في حكم مبدله فإما كَانَ تَلَفُ الْمَبِيعِ مِنْ مَالِ الْمُفْلِسِ فَكَذَا تَلَفُ بَدَلِهِ، وَلِأَنَّ أَمِينَ الْحَاكِمِ فِي الْبَيْعِ يَنُوبُ عَنِ الْمُفْلِسِ فِيهِ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ تَلَفَ الثَّمَنِ إِذَا كَانَ الْمُفْلِسُ هُوَ الْبَائِعُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ دُونَ غُرَمَائِهِ فَكَذَا تَلَفُهُ مِنَ النَّائِبِ عَنْهُ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ دون غرمائه.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ بِيعَتْ دَارُهُ بِأَلْفٍ وَقَبَضَ أَمِينُ الْقَاضِي الثَّمَنَ فَهَلَكَ مِنْ يَدِهِ وَاسْتُحِقَّتِ الدَّارُ فَلَا عُهْدَةَ عَلَى الْغَرِيمِ الَّذِي بِيعَتْ لَهُ وَأَحَقُّ النَّاسِ بِالْعُهْدَةِ الْمَبِيعُ عَلَيْهِ فَإِنْ وُجِدَ لَهُ مَالٌ بِيعَ ثُمَّ رُدَّ عَلَى الْمُشْتَرِي مَالُهُ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْهُ بِبَيْعٍ وَلَمْ يُسَلَّمْ لَهُ فإن لم يوجد له شيء فلا ضمان على القاضي ولا أمينه ويقال للمشتري أنت غريم المفلس أو الميت كغرمائه سَوَاءٌ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا بِيعَتْ دَارُ الْمُفْلِسِ عَلَيْهِ وَاسْتَحَقَّتِ الدَّارُ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي اسْتَحَقَّ الرُّجُوعَ بِثَمَنِهَا فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ مَوْجُودًا رَجَعَ بِهِ الْمُشْتَرِي وَكَذَا لَوِ اقْتَسَمَهُ الْغُرَمَاءُ رَجَعَ بِهِ عَلَيْهِمْ فَأَمَّا إِنْ كَانَ الثَّمَنُ قَدْ تَلِفَ مِنْ يَدِ الْأَمِينِ فَالَّذِي رَوَاهُ الْمُزَنِيُّ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَقْدَمُ بِالثَّمَنِ مِنْ مَالِ الْمُفْلِسِ عَلَى جَمِيعِ الْغُرَمَاءِ.
وَرَوَى الرَّبِيعُ وَحَرْمَلَةُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَكُونُ فِي الرُّجُوعِ بِالثَّمَنِ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ وَلَا يَتَقَدَّمُ بِهِ عَلَيْهِمْ.
وَاخْتَلَفَ أصحابنا
فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى قَوْلَيْنِ لِاخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَتَقَدَّمُ بِالثَّمَنِ عَلَى جَمِيعِ الْغُرَمَاءِ وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ الْمُزَنِيُّ وَوَجَّهَهُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَمْ يَرْضَ بِذِمَّةِ الْمُفْلِسِ أَنْ يَكُونَ حَقُّهُ ثَابِتًا فِيهَا إِلَّا أَنْ يتعجل مالا يصير حقه متعلقا بها أُجُور الْبَاعَةِ وَأَكْرِيَة الْخَانَاتِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أنَّ الْمُشْتَرِيَ يَكُونُ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ بِالثَّمَنِ وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ الرَّبِيعُ وَحَرْمَلَةُ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ فِي ذِمَّةِ الْمُفْلِسِ فَسَاوَى الْغُرَمَاءَ فِيهِ لِاسْتِوَائِهِمْ فِي مَحَلِّ الْحَقِّ وَلَيْسَ ثُبُوتُ ذَلِكَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ يُوجِبُ تَقْدِيمَهُ عَلَى غَيْرِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُفْلِسَ لَوْ غَصَبَ مَالًا فَأَتْلَفَهُ كَانَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ بِقِيمَتِهِ وَإِنْ كَانَ ثُبُوتُ ذَلِكَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ وَخَالَفَ أُجُورَ الْبَاعَةِ وسائر المؤن التي هي مصلحة لماله لَا يَسْتَغْنِي الْمُفْلِسُ عَنْهَا.
وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ حَمَلَ اخْتِلَافَ الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ فَجَعَلَ رِوَايَةَ الْمُزَنِيِّ فِي تَقْدِيمِ الْمُشْتَرِي عَلَى الْغُرَمَاءِ أَنْ يَكُونَ حُدُوثُ الِاسْتِحْقَاقِ قَبْلَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ وَرِوَايَةَ الرَّبِيعِ وَحَرْمَلَةَ فِي مُشَارَكَةِ الْمُشْتَرِي لِلْغُرَمَاءِ إِذَا كَانَ حُدُوثُ الِاسْتِحْقَاقِ بَعْدَ فَكِّ الحجر عنه فإذا أحدث له حجر ثَانِيًا كَانَ الْمُشْتَرِي وَجَمِيعُ الْغُرَمَاءِ أُسْوَةً فِيمَا بيده.
(باب جواز حبس من عليه الدين)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِذَا ثَبَتَ عَلَيْهِ الدَّيْنُ بِيعَ مَا ظَهَرَ لَهُ وَدُفِعَ وَلَمْ يُحْبَسْ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ حُبِسَ وَبِيعَ مَا قُدِرَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ فإن ذكر عسرة قبلت منه البينة لقول الله جل وعز ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ وأحلفه مع ذلك بالله وأخليه ".
قال الماوردي: وهذا كما قال إذا حجر عَلَى الْمُفْلِسِ بِدُيُونِهِ لَمْ يَخْلُ حَالُهُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ إِمَّا أَنْ يَظْهَرَ لَهُ مَالٌ أَوْ لَا يَظْهَرَ فَإِنْ ظَهَرَ لَهُ مَالٌ بِيعَ فِي دَيْنِهِ وَالْأَوْلَى أَنْ يَتَوَلَّاهُ الْمُفْلِسُ إِنْ كَانَ حَاضِرًا لِيَقَعَ الْإِشْهَادُ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ الْحَاكِمُ فِيهِ وَلَيْسَ يَحْتَاجُ إِلَى إِثْبَاتِ الْبَيِّنَةِ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِمِلْكِ مَا بَاعَ إِذَا كَانَ هُوَ الْمُتَوَلِّي لِبَيْعِهِ فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ بَيْعَ مَالِهِ أَوْ حَضَرَ فَامْتَنَعَ مِنْ بَيْعِهِ لَمْ يَجُزْ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَبِيعَهُ إِلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ الْبَيِّنَةِ عِنْدَ تَمَلُّكِهِ لَهُ وَإِذَا ثَبَتَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ وَيُقَدَّمُ بِالْبَيْعِ إِلَى أَمِينٍ لَهُ وَأَجَازَ الْحَاكِمُ بَيْعَهُ فَإِذَا بِيعَتْ عَلَيْهِ أَمْوَالُهُ الظَّاهِرَةُ فَإِنْ كَانَ فِيهَا وَفَاءٌ بِدَيْنِهِ فَكَّ حَجْرَهُ فِي الْحَالِ لِزَوَالِ مَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الْحَجْرَ وَالْحَجْرُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ يَرْتَفِعُ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ وَلَا يَفْتَقِرُ إِلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ بِرَفْعِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيمَا بِيعَ مِنْ مَالِهِ وَفَاءٌ بِدَيْنِهِ كَانَ فِيمَا بَقِيَ منه كمن لم يظهر له مال وإذا لم يظهر له مال سُئِلَ عَنْ مَالِهِ؟ فَإِنْ ذَكَرَ مَالًا حُكِمَ فِيهِ بِمَا ذَكَرْنَا فِي مَالِهِ الظَّاهِرِ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ لَهُ مَالًا وَادَّعَى الْعُسْرَةَ.
سُئِلَ الْغُرَمَاءُ عَنْهُ فَإِنْ صَدَّقُوهُ فِي الْإِعْسَارِ خُلِّيَ عَنْهُ وَلَمْ يَحْبِسْهُ وَفَكَّ حَجْرَهُ لِيَكْتَسِبَ بِتَصَرُّفِهِ مَا يَكُونُ مَصْرُوفًا فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ وَإِنْ كَذَّبُوهُ فِي الْإِعْسَارِ وَادَّعَوْا عَلَيْهِ الْيَسَارَ لَمْ تَخْلُ حَالُ الدُّيُونِ الَّتِي لَزِمَتْهُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ فِي مُقَابَلَتِهِ مَالٌ أَوْ لَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مُقَابَلَةِ مَالٍ كَأُرُوشِ الْجِنَايَاتِ وَصَدَاقِ الزَّوْجَاتِ وَغُرْمِ الْعَوَارِي وَالضَّمَانِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي الْإِعْسَارِ مَعَ يَمِينِهِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي النَّاسِ الْإِعْسَارُ وَيُفَكُّ حَجْرُهُ وَيُطْلَقُ وَلَا يُحْبَسُ إِلَّا أَنْ يُقِيمَ الْغُرَمَاءُ الْبَيِّنَةَ بِيَسَارِهِ - فَإِنْ كَانَتْ دُيُونُهُ فِي مُقَابَلَةِ مال كأثمان المبيعات ويدل الْقَرْضِ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ دَعْوَاهُ الْإِعْسَارَ لِثُبُوتِ يَسَارِهِ بِمَا صَارَ إِلَيْهِ فِي مُقَابَلَةِ دَيْنِهِ إِلَّا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ بِإِعْسَارِهِ فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ بِهِ نُظِرَ فِي الْبَيِّنَةِ فَإِنْ شَهِدَتْ بِهَلَاكِهِ وَتَلَفِهِ سُمِعَتْ سَوَاءٌ كَانَ الشُّهُودُ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ الْبَاطِنَةِ بِهِ أَمْ لَا لِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ بِثُبُوتِ جَائِحَةٍ قَدْ يَعْلَمُهَا الْبَعِيدُ كَمَا يَعْلَمُهَا الْقَرِيبُ وَإِنْ شَهِدَتِ الْبَيِّنَةُ بِإِعْسَارِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْهَدُوا بِتَلَفِ مَالِهِ.
فَإِنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ الْبَاطِنَةِ فِيهِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ الْبَاطِنَةِ بِهِ لَمْ تُقْبَلْ
شَهَادَتُهُمْ لِأَنَّ حُدُوثَ الْإِعْسَارِ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا مَنْ يُخْبَرُ بَاطِنَ أَمْرِهِ فَإِذَا ثَبَتَتِ الْبَيِّنَةُ بِإِعْسَارِهِ عَلَى مَا وَصَفْنَا فَإِنْ سَأَلَ الْغُرَمَاءُ إِحْلَافَهُ عَلَى إِعْسَارِهِ بَعْدَ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْإِعْسَارِ أَحَلَفَ لَهُمْ، وَقَالَ أبو حنيفة لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْلِفَ بَعْدَ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ بِإِعْسَارِهِ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ الْبَيِّنَةِ وَالْيَمِينِ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ فِي الْأُصُولِ وَهَذَا غَلَطٌ لِأَنَّ مَا يُطَالَبُ بِالْيَمِينِ عَلَى نَفْيِهِ غَيْرُ مَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ بِهِ، لِأَنَّ شَهَادَةَ الْبَيِّنَةِ تَنْفِي مَا ظَهَرَ مِنَ الْمَالِ وَيَمِينُهُ يَنْفِي مَا خَفِيَ مِنَ الْمَالِ فَصَارَ الْمَنْفِيُّ بِالْبَيِّنَةِ غَيْرَ الْمَنْفِيِّ بِالْيَمِينِ وَجَرَى ذَلِكَ مَجْرَى رَجُلٍ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ مَالًا وَأَقَامَ بَيِّنَةً فَادَّعَى الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَبْرَأَهُ مِنَ الدَّيْنِ وَأَنَّ الْمُدَّعِيَ يَحْلِفُ مَعَ الْبَيِّنَةِ بِاللَّهِ أَنَّهُ لَمْ يُبْرِئْهُ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ الْبَيِّنَةِ وَالْيَمِينِ لِأَنَّ مَا أَثْبَتَهُ بِالْبَيِّنَةِ غَيْرُ مَا نَفَاهُ بِالْيَمِينِ فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ يَحْلِفُ مَعَ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ فَحَلَفَ وَجَبَ أَنْ يُفَكَّ عَنْهُ الحجر ويخلى وبماذا يفك حجر عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ.
أَنَّهُ يَنْفَكُّ الْحَجْرُ عَنْهُ بِقِيَامِ الْبَيِّنَةِ بِإِعْسَارِهِ مَعَ يَمِينِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَفْتَقِرَ فَكُّ الْحَجْرِ إِلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ بِهِ، لِأَنَّ ثُبُوتَ إِعْسَارِهِ يُوجِبُ فَكَّ حَجْرِهِ كَمَا يُوجِبُ قَضَاءَ دَيْنُهُ ثُمَّ كَانَ قَضَاءُ الدَّيْنِ يَقَعُ بِهِ فَكُّ الْحَجْرِ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ فَكَذَلِكَ الْإِعْسَارُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ الْحَجْرُ إِلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ لِأَنَّ تَعَلُّقَ حُقُوقِ الْغُرَمَاءِ بِذِمَّتِهِ يَقْتَضِي وُجُوبَ مُطَالَبَتِهِ فَلَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُمْ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا بِحُكْمٍ بِخِلَافِ الْمُؤَدِّي لِجَمِيعِ دَيْنِهِ وَيُوشِكُ أَنْ يَكُونَ هَذَانِ الْوَجْهَانِ مخرجان مِنَ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي مَعْنَى الْحَجْرِ - فَإِنْ قِيلَ إِنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى حَجْرِ الْمَرَضِ انْفَكَّ الحجر عنه بغير مرض كَالْمَرِيضِ وَإِنْ قِيلَ إِنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى حَجْرِ السَّفَهِ لَمْ يَنْفَكَّ الْحَجْرُ عَنْهُ إِلَّا بِحُكْمٍ كَالسَّفِيهِ.
(فَصْلٌ)
وَأَمَّا إِنْ لَمْ تَقُمِ الْبَيِّنَةُ بِإِعْسَارِهِ وَجَبَ حَبْسُهُ بِدُيُونِهِ - إِنْ سَأَلَ الْغُرَمَاءُ حَبْسَهُ - وَحُكِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْبَسَ أَحَدٌ فِي دَيْنٍ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَا حَبَسَ فِي دَيْنٍ! قَطُّ وَالدَّلَالَةُ عَلَى جَوَازِ الْحَبْسِ فِي الدَّيْنِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " إِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ يَدًا وَمَقَالًا " يَعْنِي بِالْيَدِ: الْحَبْسَ وَالْمُلَازَمَةَ وَبِالْمَقَالِ: الِاقْتِضَاءَ وَالْمُطَالَبَةَ وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " لَيُّ الْوَاجِدِ يُبِيحُ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ ". يَعْنِي بِإِبَاحَةِ الْعَرْضِ: الْمُطَالَبَةَ وَالتَّوْبِيخَ بِالْمُمَاطَلَةِ.
وَبِالْعُقُوبَةِ: الْحَبْسَ، لِأَنَّ مَا سِوَى الْحَبْسِ مِنَ الضَّرْبِ وَغَيْرِهِ لَا يَجُوزُ وَقَوْلُهُ: " لَيُّ الْوَاجِدِ ". يَعْنِي: مَنْعَهُ وَمُمَاطَلَتَهُ.
وَمِنْهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
(تُطِيلِينَ ليالي وَأَنْتِ مُلِيَّةٌ ... فَأَحْسِنْ بِآدَابِ الْوِسَاخِ التَّقَاضِيَا)
ثُمَّ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْحَبْسِ أَيْضًا مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " حَبَسَ رَجُلًا يَوْمًا وَلَيْلَةً فِي تُهْمَةٍ " فَلَمَّا جَازَ حَبْسُهُ فِي تُهْمَةٍ لَمْ تَثْبُتْ عَلَيْهِ فَأَوْلَى أَنْ يَجُوزَ حَبْسُهُ فِي دَيْنٍ ثَبَتَ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ الْحَبْسَ يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ وَمَا لَا يُتَوَصَّلُ إِلَى اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ إِلَّا بِهِ كَانَ مُسْتَحَقًّا كَالْمُلَازَمَةِ فَإِذًا ثَبَتَ أَنَّهُ يُحْبَسُ بِدَيْنِهِ - فَإِذَا اتَّفَقَ غُرَمَاؤُهُ عَلَى حَبْسِهِ حُبِسَ وَإِنِ اتَّفَقُوا عَلَى تَرْكِهِ أُطْلِقَ وَإِنِ اتَّفَقُوا عَلَى مُلَازَمَتِهِ دُونَ حَبْسِهِ لُوزِمَ، لِأَنَّ الْمُلَازَمَةَ أَقَلُّ ضَرَرًا مِنَ الْحَبْسِ فَأَمَّا إِنْ سَأَلَ بَعْضُ غُرَمَائِهِ حَبْسَهُ وَرَضِيَ الْبَاقُونَ بِإِطْلَاقِهِ وَجَبَ أَنْ يُحْبَسَ لِمَنْ سَأَلَ حَبْسَهُ - وَلَوْ كَانَ وَاحِدًا وَأَقَلَّ جَمَاعَتِهِمْ حَقًّا - وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْبَسَ لِبَعْضِهِمْ إِذَا أَطْلَقَهُ الْبَاقُونَ حَتَّى يَجْتَمِعُوا عَلَى حَبْسِهِ.
وَهَذَا خَطَأٌ، لِأَنَّ حَبْسَهُ مُسْتَحَقٌّ فِي دَيْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْقُطَ حَقُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِعَفْوِ غَيْرِهِ كَالْيَمِينِ.
(فَصْلٌ)
وَأَمَّا نَفَقَتُهُ فِي مُدَّةِ حَبْسِهِ فَفِي مَالِهِ دُونَ غُرَمَائِهِ.
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى وُجُوبِهَا عَلَى غُرَمَائِهِ الْحَابِسِينَ لَهُ.
وَحُكِيَ نَحْوُهُ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا.
وهذا مذهب مطروح وَقَوْلٌ مَرْدُودٌ، لِأَنَّهُ حُبِسَ لِغُرَمَائِهِ لِيَتَوَصَّلُوا إِلَى حُقُوقِهِمْ بِحَبْسِهِ فَلَوْ لَزِمَتْهُمْ نَفَقَتُهُ لَأَضَرَّ الْحَبْسُ بهم دونه ولا ارتفق بِهِ دُونَهُمْ فَتَبْطُلُ فَائِدَةُ الْحَبْسِ وَالتَّوَصُّلِ إِلَى الْحَقِّ فَإِنْ كَانَ ذَا صَنْعَةٍ فَعَمِلَهَا فِي حَبْسِهِ فَفِي مَنْعِهِ مِنْهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُمْنَعُ، لِأَنَّ فِي تَرْكِهِ وَعَمَلِهِ تَأْخِيرُ أَمْرِهِ وَيُطَاوَلُ، حَبْسُهُ اتِّكَالًا عَلَى عَمَلِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنَ الْعَمَلِ لِأَنَّهُ كَسْبٌ يُفْضِي إِلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ - وَلَا يَلْزَمُ إِخْرَاجُهُ إِلَى الْجُمَعِ وَالْجَمَاعَاتِ وَلَا يَكُونُ عَاصِيًا بِتَأَخُّرِهِ عَنْهَا إِذَا كَانَ مُعْسِرًا وَلَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِئْذَانُ فِي الْخُرُوجِ إِلَى الْجُمُعَةِ إِذَا عَلِمَ بِشَاهِدِ الْحَالِ وَغَالِبِ الْعَادَةِ أَنَّهُ لَوِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ.
وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ اسْتِئْذَانَ الْمَانِعِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ فَإِنْ مُنِعَهُ امْتَنَعَ، لِأَنَّ ابْنَ سِيرِينَ حُبِسَ فِي ثَمَنِ زَيْتٍ كَانَ عَلَيْهِ فَكَانَ يَغْتَسِلُ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ وَيَلْبَسُ ثِيَابَهُ وَيَسْتَأْذِنُ فَإِذَا مَنَعَهُ السَّجَّانُ رَجَعَ وَلَوِ اسْتَأْذَنَ صَاحِبَ الدَّيْنِ كَانَ حَسَنًا وَأَمَّا إِذْنُ السَّجَّانِ فَلَا يُؤَثِّرُ وَلَوْ تَمَكَّنُ مِنَ الْخُرُوجِ إِلَى الْجُمُعَةِ لَمْ يَتَأَخَّرْ.
(فَصْلٌ)
وَلَوْ حُبِسَ لِرَجُلٍ بِحَقٍّ فَجَاءَ آخَرُ فَادَّعَى عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ حَقًّا جَازَ لِلْحَاكِمِ إِخْرَاجُهُ مِنْ حَبْسِهِ لِاسْتِمَاعِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ إِخْرَاجُهُ مِنَ الْحَبْسِ لِسَمَاعِ الدَّعْوَى، لِمَا فِيهِ مِنْ إِسْقَاطِ حَقِّ الْأَوَّلِ مِنْ حَبْسِهِ.
وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ الْحُقُوقَ إِذَا أَمْكَنَ اسْتِيفَاؤُهَا لَمْ يَجُزْ إِسْقَاطُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ فِي حَقِّ الثَّانِي مِنْ دَعْوَاهُ وَيَرُدَّ إِلَى حَقِّ الْأَوَّلِ فِي حَبْسِهِ وَلَوْ كَانَ مَا قَالَ مَالِكٌ صَحِيحًا لَكَانَ الْحَبْسُ نَافِعًا لَهُ فِي دَفْعِ الدَّعَاوَى
عَنْهُ فَلَوْ مَاتَ الْمَحْبُوسُ وَجَبَ إِخْرَاجُهُ مِنْ حَبْسِهِ وَدَفْعُهُ إِلَى أَهْلِهِ لِيَتَوَلَّوْا كَفَنَهُ وَدَفْنَهُ وَلَيْسَ لِلْغُرَمَاءِ أَنْ يَمْنَعُوا مِنْ دَفْنِهِ فَإِنْ مَنَعُوا نُهُوا فَإِنِ انْتَهَوْا وَإِلَّا عُزِّرُوا.
(فَصْلٌ)
فَلَوْ هَرَبَ الْمَحْبُوسُ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْحَاكِمِ طَلَبُهُ، لِأَنَّهُ قَدْ فَعَلَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ حَبْسِهِ وَكَانَ لِلْخَصْمِ أَنْ يَطْلُبَهُ فَإِنْ وَجَدَهُ فِي مَوْضِعٍ تَعَذَّرَ عَلَى الْخَصْمِ إِحْضَارُهُ مِنْهُ لَزِمَ الْحَاكِمَ إِحْضَارُهُ مِنْهُ إِذَا كَانَ الْمَوْضِعُ مِنْ عَمَلِهِ فَإِذَا حَضَرَ أَعَادَهُ إِلَى الْحَبْسِ إِذَا سَأَلَ ذَلِكَ الْخَصْمُ ثُمَّ سَأَلَ عَنْ سَبَبِ هَرَبِهِ؟ فَإِنْ قَالَ هَرَبْتُ لِإِعْسَارِي لم يعزر، لِأَنَّهَا شُبْهَةٌ - وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ الْإِعْسَارَ عَزَّرَهُ، وَلَا يُمْنَعِ الْمَحْبُوسُ مِنَ التَّطَلُّعِ إِلَى الطَّرِيقِ مِنْ كُوَّةٍ وَلَا مِنْ مُحَادَثَةِ مَنْ يَزُورُهُ، وَإِذَا وَجَبَ الْحَبْسُ عَلَى امْرَأَةٍ حُبِسَتْ عِنْدَ نِسَاءٍ ثِقَاتٍ أَوْ عِنْدَ ذِي مَحْرَمٍ وَمُنِعَ الزَّوْجُ مِنْهَا وَإِنْ كَانَتْ مُرْضِعًا حُمِلَ الطِّفْلُ إِلَيْهَا لِتُرْضِعَهُ مَا لَمْ تَجِدْ مِنْهُ بُدًّا.
(مَسْأَلَةٌ)
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَمُنِعَتْ غُرَمَاءُهُ مِنْ لُزُومِهِ حَتَى تَقُومَ بَيِّنَةٌ أَنْ قَدْ أَفَادَ مَالًا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا أَطْلَقَ الْحَاكِمُ الْمُفْلِسَ عِنْدَ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ بِإِعْسَارِهِ مُنِعَ غُرَمَاؤُهُ مِنْ مُلَازَمَتِهِ وَقَالَ أبو حنيفة لَهُمْ أَنْ يُلَازِمُوهُ لَا عَلَى جِهَةِ التَّعْطِيلِ عَنْ مَكَاسِبِهِ وَلَكِنْ لِحِفْظِهِ وَمَنْعِهِ مِنَ الْهَرَبِ اسْتِدْلَالًا بِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ إِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ يَدًا وَمَقَالًا.
وَدَلِيلُنَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280] وَمُلَازَمَتُهُ تَمْنَعُ مِنْ إِنْظَارِهِ.
وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِغُرَمَاءِ مُعَاذٍ: " لَيْسَ لَكُمْ إِلَّا مَا وَجَدْتُمْ " وَرُوِيَ " لَا سَبِيلَ لَكُمْ عَلَيْهِ ". وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِدَيْنِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْمُلَازَمَةُ بِهِ كَالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ.
فَأَمَّا المخبر فَمَحْمُولٌ عَلَى الْمُوسِرِ لِأَنَّهُ جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ الْيَدِ فِي الْمُلَازَمَةِ وَالْمَقَالِ فِي الْمُطَالَبَةِ فَلَمَّا اسْتَحَقَّتِ الْمُطَالَبَةُ عَلَى الْمُوسِرِ دُونَ الْمُعْسِرِ كَذَلِكَ الملازمة.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " فَإِنْ شَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوْا فِي يَدَيْهِ مَالًا سَأَلْتُهُ فَإِنْ قَالَ مُضَارَبَةٌ قُبِلَتْ مِنْهُ مَعَ يَمِينِهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا أُطْلِقَ الْمُفْلِسُ بَعْدَ ثُبُوتِ إِعْسَارِهِ فَادَّعَى غُرَمَاؤُهُ أَنَّهُ قَدْ أَيْسَرَ وَسَأَلُوا الْحَجْرَ عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ إِلَّا أَنْ يُقِيمُوا الْبَيِّنَةَ بِيَسَارِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ إِعْسَارُهُ فَلَمْ تُقْبَلْ دَعْوَى الْيَسَارِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ كَمَا أَنَّهُ لَوِ ادَّعَى الْإِعْسَارَ بَعْدَ يَسَارٍ لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ فَإِنْ لَمْ تَقُمِ الْبَيِّنَةُ بِيَسَارِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ بِاللَّهِ أَنَّهُ عَلَى إِعْسَارِهِ وَهُوَ عَلَى إِطْلَاقِهِ - وَإِنْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ حَلَفَ الْغُرَمَاءُ عَلَى يَسَارِهِ وَحُبِسَ حَتَّى يَبِينَ أَمْرُهُ وَإِنْ كَانَ الْغُرَمَاءُ حِينَ ادَّعَوْا عَلَيْهِ الْيَسَارَ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ.
نُظِرَ فِي الْبَيِّنَةِ - فَإِنْ قَالُوا نَشْهَدُ أَنَّهُ قَدْ أَيْسَرَ لَمْ يُحْكَمْ بِهَذَا القول منهم حتى يذكروا وما بِهِ صَارَ مُوسِرًا وَيَصِفُوهُ إِنْ كَانَ غَائِبًا وَيُعَيِّنُوهُ إِن كَانَ حَاضِرًا فَإِنْ عَيَّنُوهُ أَوْ وصفوه
نَظَرَ فِي شَهَادَتِهِمْ فَإِنْ شَهِدُوا لَهُ بِمِلْكِ ذَلِكَ الْمَالِ لَمْ يَحْتَجَّ الْحَاكِمُ إِلَى سُؤَالِهِ وَقَسَمَهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ فَإِنْ شَهِدُوا بِأَنَّهُمْ رَأَوُا الْمَالَ فِي يَدِهِ وَلَمْ يَشْهَدُوا لَهُ بِمِلْكٍ سئل المفلس عنه فإن ادعا إما مِلْكًا لِنَفْسِهِ قَسَمَهُ الْحَاكِمُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ وَإِنْ لَمْ يَدَّعِهِ مِلْكًا سُئِلَ عَنْ مَالِكِهِ فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ أَحْلَفَ الْغُرَمَاءَ وَاسْتَحَقُّوا حَبْسَهُ دُونَ أَخْذِ الْمَالِ وَاسْتَكْشَفَ الْحَاكِمُ عَنْ حَالِهِ حَتَّى يَبِينَ فَإِنْ ذَكَرَ مَالِكَ الْمَالِ وَقَالَ هُوَ مُضَارَبَةٌ أَوْ وَدِيعَةٌ لِفُلَانٍ فَلَا يَخْلُو حَالُ فُلَانٍ الْمُقَرِّ لَهُ بِالْمِلْكِ مِنْ أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا فَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الْمُفْلِسِ مَعَ يَمِينِهِ فَإِنْ حَلَفَ فَهُوَ عَلَى إِطْلَاقِهِ وَإِنْ نَكَلَ رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَى الْغُرَمَاءِ فَإِنْ حَلَفُوا لَمْ يَحْكُمْ لَهُمْ بِالْمَالِ وَلَكِنْ يَحْبِسُ لَهُمُ الْمُفْلِسَ حَتَّى يَنْكَشِفَ أَمْرُهُ لِأَنَّهُ قَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَاذِبًا.
فَإِنْ كَانَ الْمُقَرُّ له بالمال حَاضِرًا سُئِلَ عَنْهُ فَإِنْ أَنْكَرَ وَأَكْذَبَ الْمُفْلِسَ في إقراره نزع الْمَالُ مِنْ يَدِهِ وَقُسِمَ بَيْنَ غُرَمَائِهِ وَحُبِسَ لَهُمْ بِهِ وَإِنْ صَدَّقَهُ وَاعْتَرَفَ بِهِ فَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُفْلِسِ فِيهِ الْيَمِينُ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: عَلَيْهِ الْيَمِينُ لِاحْتِمَالِهِ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ الْغَائِبُ.
وَالثَّانِي: لَا يَمِينَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَوْ رَجَعَ عَنْ إِقْرَارِهِ لَمْ يُقْبَلْ فَلَمْ يَكُنْ لِزَجْرِهِ بِالْيَمِينِ تَأْثِيرٌ.
وَاللَّهُ أعلم.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَا غَايَةَ لِحَبْسِهِ أَكْثَرَ مِنَ الْكَشْفِ عَنْهُ فمتى استقر عند الحاكم ما وصفت لم يكن له حبسه ولا يغفل المسئلة عَنْهُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا حُبِسَ الْمُفْلِسُ لِغُرَمَائِهِ لِعَدَمِ الْبَيِّنَةِ بِعُسْرَتِهِ اسْتَكْشَفَ الْحَاكِمُ أَمْرَهُ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَعْقِلَهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَجِبُ أَنْ يَعْقِلَهُ حَتَّى تَقُومَ الْبَيِّنَةُ بِعُسْرَتِهِ وَلَا يَجُوزَ أَنْ يَتَوَلَّى الْحَاكِمُ الْكَشْفَ عَنْ حَالِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ مَيْلٌ وَإِسْقَاطُ الْحَقِّ.
وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ.
لِأَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَلْزَمُهُ اسْتِيفَاءُ الْحَقِّ بَلْ يَلْزَمُهُ رَفْعُ الظُّلْمِ وَحَبْسُ الْمُفْلِسِ إِنْ كَانَ مُعْسِرًا ظُلْمٌ وَالْمَحْبُوسِ لَا يَقْدِرُ عَلَى إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ فَلَزِمَ الْحَاكِمَ أَنْ يَتَوَلَّى الْكَشْفَ عَنْ حَالِهِ لِيُقِرَّ الْحَقَّ مَقَرَّهُ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَتَى قَامَتْ عِنْدَهُ الْبَيِّنَةُ بِإِعْسَارِهِ بَعْدَ الْكَشْفِ عَنْ حَالِهِ وَجَبَ إِطْلَاقُهُ فِي الْحَالِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَظِرَ بِهِ بقضي مُدَّة وَقَالَ أبو حنيفة فِيمَا رَوَاهُ مُحَمَّدٌ عَنْهُ: يُحْبَسُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ يُخَلَّى.
وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ: أَنَّهُ يُحْبَسُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ يُخَلَّى.
وَرَوَى غَيْرُهُمَا: أَنَّهُ يُحْبَسُ أَرْبَعِينَ يوما ثم يخلى.
وكل هذا فاسد لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280] وَلِأَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ دَلَّتِ الْبَيِّنَةُ عَلَى صِدْقِ الْمُدَّعِي لَمْ يَجُزْ تَأْخِيرُهَا عَنْ تَأْخِيرِ الْحُكْمِ بِهَا كَسَائِرِ الدَّعَاوِي.
وَلِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ قِيَامُ الْبَيِّنَةِ بِعُسْرَتِهِ قَبْلَ الْحَبْسِ تُوجِبُ تَرْكَهُ فِي الْحَالِ كَذَلِكَ بَعْدَ الْحَبْسِ فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ يُطْلَقُ فِي الْحَالِ عِنْدَ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ بِعُسْرَتِهِ فَإِنَّ الْحَاكِمَ
يُحَلِّفُهُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَالٌ فَإِنْ حَلَفَ أَطْلَقَهُ وَإِنْ نَكَلَ فَعَلَى وَجْهَيْنِ حَكَاهُمَا ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَحَدُهُمَا يُطْلِقُهُ بِالْبَيِّنَةِ الَّتِي هي ظاهر حاله.
الوجه الثَّانِي أَنْ يُتْرَكَ مَحْبُوسًا حَتَّى يَحْلِفَ.
وَاللَّهُ أعلم.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِذَا أَفَادَ مَالًا فَجَائِزٌ مَا صَنَعَ فِيهِ حَتَّى يُحْدِثَ لَهُ السُّلْطَانُ وَقْفًا آخَرَ لِأَنَّ الْوَقْفَ الْأُوَلَ لَمْ يَكُنْ لَهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ رَشِيدٍ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا أُطْلِقَ حَجْرُ الْمُفْلِسِ بَعْدَ ثُبُوتِ إِعْسَارِهِ كَانَ تَصَرُّفُهُ فِيمَا أَفَادَ مِنْ كَسْبِهِ وَمَلَكَ مِنْ مَالٍ جَائِزًا وَكَانَتْ عُقُودُهُ مَاضِيَةً وَعِتْقُهُ نَافِذًا وَهِبَتُهُ جَائِزَةً وَإِبْرَاؤُهُ صَحِيحًا وَإِقْرَارُهُ لَازِمًا لِأَنَّهُ عَادَ بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ إِلَى حَالِهِ قَبْلَ وُقُوعِ الْحَجْرِ عَلَيْهِ فَلَمَّا صَحَّ ذَلِكَ مِنْهُ قَبْلَ وُقُوعِ الْحَجْرِ وَجَبَ أَنْ يَصِحَّ بَعْدَ ارْتِفَاعِ الْحَجْرِ عَنْهُ فَإِنْ سَأَلَ الْغُرَمَاءُ أَنْ يَسْتَأْنِفَ لَهُ حَجْرًا ثَانِيًا جَازَ أَنْ يَحْجُرَ عَلَيْهِ ثَانِيَةً إِذَا حَدَثَ مَا يُوجِبُ الْحَجْرَ وَيُمْنَعُ مِنَ التَّصَرُّفِ بَعْدَ الْحَجْرِ الثَّانِي كَمَا كَانَ مَمْنُوعًا مِنْهُ بَعْدَ الْحَجْرِ الْأَوَّلِ وَيَسْتَأْنِفُ قِسْمَةَ مَالِهِ عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْ غُرَمَائِهِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَعَلَى مَنِ اسْتُحْدِثَ مِنَ الْغُرَمَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَيَكُونُ جَمِيعُهُمْ أُسْوَةً فِي مَالِهِ بِقَدْرِ دُيُونِهِمْ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَقَعُ الْحَجْرُ عَلَيْهِ لِغُرَمَائِهِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَيَخْتَصُّونَ بِمَالِهِ دُونَ الْمُتَقَدِّمِينَ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالَ مَا حَدَثَ بِيَدِهِ أَنَّهُ مَالُ مَنْ حَدَثَ مِنْ غُرَمَائِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونُوا أَحَقَّ بِهِ.
وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِاسْتِوَاءِ الْجَمِيعِ فِي ثُبُوتِ حُقُوقِهِمْ فِي ذِمَّتِهِ فَلَمِ يَكُنْ لِلْمُتَأَخِّرِينَ مَزِيَّةٌ عَلَى الْمُتَقَدِّمِينَ كَالْحَجْرِ الْأَوَّلِ لَا يكون لمن كان ثبوت حقه أقرب
فصل
ا عَلَى مَنْ كَانَ ثُبُوتُ حَقِّهِ أَبْعَدَ فَهَذَا يُفْسِدُ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ وَلَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِ الْحَقَّيْنِ فَضْلٌ عَلَى الْآخَرِ لَكَانَ تقديم المقدم أولى لسبقه.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِذَا أَرَادَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ إِلَى أَجَلٍ السَّفَرَ وَأَرَادَ غَرِيمُهُ مَنْعَهُ لِبُعْدِ سَفَرِهِ وَقُرْبِ أَجَلِهِ أَوْ يَأْخُذَ مِنْهُ كَفِيلًا بِهِ مُنِعَ مِنْهُ وَقِيلَ لَهُ حَقُّكَ حَيْثُ وَضَعْتَهُ وَرَضِيتَهُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا أَرَادَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ الْمُؤَجَّلُ أَنْ يُسَافِرَ لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ مَنْعُهُ وَلَا أَنْ يُطَالِبَهُ بِرَهْنٍ وَلَا كَفِيلٍ سَوَاءٌ كَانَ السَّفَرُ قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا وَسَوَاءٌ كَانَ الْأَجَلُ طَوِيلًا أَوْ قَصِيرًا حتى لو كان الباقي منه يوم أَوْ بَعْضَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ اعْتِرَاضٌ فَإِنْ تَعَرَّضَ لِمَنْعِهِ مَنَعَهُ الْحَاكِمُ مِنْهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَهُ أَنْ يُطَالِبَهُ إِذَا أَرَادَ السَّفَرَ بِرَهْنٍ أَوْ كَفِيلٍ فَإِنْ أَعْطَاهُ بِدَيْنِهِ رَهْنًا أو كفيلا وإلا كان له يمنعه مِنَ السَّفَرِ قَالَ: لِأَنَّهُ إِذَا حَلَّ الدَّيْنُ وَهُوَ غَائِبٌ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْوُصُولِ إِلَيْهِ.
ودلينا: أَنَّ كُلَّ مَا لَمْ يَسْتَحِقَّ مُطَالَبَةُ الْمُقِيمِ بِهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ مُطَالَبَةُ الْمُسَافِرِ بِهِ كَالْأَدَاءِ، وَلِأَنَّ كُلَّ دَيْنٍ لَا يَسْتَحِقُّ أَدَاؤُهُ لَا يَسْتَحِقُّ التَّوَثُّقُ بِهِ كَالْحَاضِرِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ
أَنْ يَسْتَحِقَّ هَذِهِ الْمُطَالَبَةُ فِي الْمُدَايَنَاتِ لَجَازَ أَنْ يَسْتَحِقَّ فِي نَفَقَاتِ الزَّوْجَاتِ وَلَوْ جَازَ أَنْ يُطَالِبَهُ بِذَلِكَ إِذَا سَافَرَ لِبُعْدِ عَوْدِهِ جَازَ أَنْ يُطَالِبَهُ بِهِ إِذَا أَقَامَ خَوْفًا مِنْ هَرَبِهِ بَلْ يُقَالُ لَهُ: حَقُّكَ حَيْثُ وَضَعْتَهُ مِنَ الذِّمَمِ وَإِلَى الْوَقْتِ الَّذِي رَضِيتَهُ مِنَ الْأَجَلِ وَقَدْ كَانَ يُمْكِنُكَ الِاحْتِيَاطُ فِيهِ لِنَفْسِكَ بِاشْتِرَاطِ الْوَثِيقَةِ مِنَ الرَّهْنِ أَوِ الضَّمَانِ فِي وَقْتِ الْعَقْدِ فَتَأْمَنَ مَا اسْتُحْدِثَ خَوْفُهُ فَصِرْتَ بِتَرْكِ ذَلِكَ مُفَرِّطًا.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَا نُظِرَ فِي سَفَرِهِ - فَإِنْ كَانَ لِتِجَارَةٍ أَوْ زِيَارَةٍ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ فَإِنْ كَانَ سَفَرُ جِهَادٍ فَعَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ فِيهِ كَغَيْرِهِ مِنَ الْأَسْفَارِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَهُ أَنْ يَعْتَرِضَ عَلَيْهِ وَيُطَالِبَهُ بِالْوَثِيقَةِ، لِأَنَّ فِي سَفَرِ الْجِهَادِ تَعْرِيضًا لِلشَّهَادَةِ فَخَالَفَ غَيْرَهُ مِنَ الْأَسْفَارِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(كتاب الحجر)
أَمَّا الْحَجْرُ فَهُوَ مِنْ كَلَامِهِمُ الْمَنْعُ.
سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ مَمْنُوعٌ مِنَ التَّصَرُّفِ باختياره.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 6] . ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: فَمَعْنَى قَوْلِهِ (ابْتَلُوا) أَيِ اخْتَبِرُوا، وَقَوْلُهُ (الْيَتَامَى) هُمُ الصغار الذين ليس لهم آباء لأن اليتم فِي الْآدَمِيِّينَ بِمَوْتِ الْآبَاءِ وَفِي الْبَهَائِمِ بِمَوْتِ الْأُمَّهَاتِ لِأَنَّ الْبَهِيمَةَ تُنْسَبُ إِلَى أُمِّهَا فَكَانَ يُتْمُهَا بِمَوْتِ الْأُمِّ، وَالْآدَمِيُّ يُنْسَبُ إِلَى أَبِيهِ فَكَانَ يُتْمُهُ بِمَوْتِ الْأَبِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿حَتَّى إِذَا بلغوا النكاح﴾ [النساء: 6] يعني الاحتلام لأن بالاحتلام يَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ التَّكْلِيفُ وَيَزُولُ عَنْهُ الْيُتْمُ.
قَالَ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (لَا يُتْمَ بَعْدَ حُلُمٍ) .
وَقَوْلُهُ ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ﴾ أي علمتم منهم رشدا في الرُّشْدِ ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ الْعَقْلُ وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَالشَّعْبِيِّ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ الْعَقْلُ وَالصَّلَاحُ فِي الدِّينِ وَهُوَ قَوْلُ السُّدِّيِّ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ الصَّلَاحُ فِي الدِّينِ وَالصَّلَاحُ فِي الْمَالِ وَهُوَ قول ابن عباس.
والحسن والبصري.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 6] يَعْنِي الَّتِي تَحْتَ أَيْدِيكُمْ ﴿ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا﴾ أَيْ لَا تَأْخُذُوهَا إِسْرَافًا يَعْنِي عَلَى غَيْرِ مَا أَبَاحَ اللَّهُ لَكُمْ
وَأَصْلُ الْإِسْرَافِ: تَجَاوُزُ الْحَدِّ الْمُبَاحِ.
﴿وَبِدَارًا أَنْ يكبروا﴾ يَعْنِي تَأْكُلُ مَالَ الْيَتِيمِ مُبَادِرًا أَنْ يَبْلُغَ فَيَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِهِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ [النساء: 6] يَعْنِي بِمَالِ نَفْسِهِ عَنْ مَالِ الْيَتِيمِ ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فليأكل بالمعروف﴾ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى هَذَا الْأَكْلِ الْمُبَاحِ لِلْفَقِيرِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقَاوِيلَ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ الْقَرْضُ يَسْتَقْرِضُ ثُمَّ يَقْضِي إِذَا وَجَدَ وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَجُمْهُورِ التَّابِعِينَ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَأْكُلُ مَا سَدَّ الْجَوْعَةَ وَيَلْبَسُ مَا وَارَى الْعَوْرَةَ وَلَا قَضَاءَ وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ.
وَمَكْحُولٍ وَقَتَادَةَ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَأْكُلَ مِنْ ثَمَرِهِ وَيَشْرَبَ مِنْ رَسْلِ مَاشِيَتِهِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ فِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَالِيَةِ وَالشَّعْبِيِّ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يَأْخُذَ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا أُجْرَةَ عَمَلِهِ مَعْلُومَةً عَلَى قَدْرِ خِدْمَتِهِ وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ.
وَمِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى الْحَجْرِ أَيْضًا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يستطع أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: 282] .
أَمَّا السَّفِيهُ فَفِيهِ تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ الْجَاهِلُ بِالصَّوَابِ فِيمَا لَهُ وَعَلَيْهِ، وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ الْمُبَذِّرُ لِمَالِهِ الْمُفْسِدُ لَهُ فِي الْجِهَاتِ الْمُحَرَّمَةِ وَهَذَا أَصَحُّ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ لِأَنَّهُ أَلْيَقُ بِمَعْنَى اللَّفْظِ.
أَمَّا الضَّعِيفُ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ الْأَحْمَقُ وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَالسُّدِّيِّ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ ضَعِيفُ الرَّأْيِ وَالتَّدْبِيرِ مِنْ صِغَرٍ أَوْ كِبَرٍ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ الصَّغِيرُ الَّذِي يَضْعُفُ عَنِ الْقِيَامِ بِأَمْرِهِ وَالتَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ.
" أَمَّا الَذِي لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ " فَفِيهِ ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ الْأَخْرَسُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ الْمَمْنُوعُ بِحَبْسٍ أَوْ غَيْبَةٍ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ الْمَغْلُوبُ عَلَى عَقْلِهِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأَنَّ الْخَرَسَ وَالْغَيْبَةَ لَا يُوجِبَانِ الْحَجْرَ.
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: 282] فَفِيهِ ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يُرِيدُ وَلِيَّ الْحَقِّ وَهُوَ صَاحِبُهُ أَنْ يَعْدِلَ فِي إِمْلَائِهِ وَمُطَالَبَتِهِ بِالْحَقِّ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ عَلَى وَلِيِّ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ فِيمَا لَزِمَ مِنْ أَرْشِ جِنَايَةٍ أَوْ قِيمَةِ مُتْلَفٍ وَهَذَا قَوْلُ الضَّحَّاكِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة: 282] بِمَعْنَى الَّذِي لَهُ الْحَقُّ فَأَقَامَ عَلَيْهِ بِمَعْنَى لَهُ لِأَنَّ حُرُوفَ الْجَرِّ يَقُومُ بَعْضُهَا مَقَامَ بَعْضٍ.
فَدَلَّتْ هَاتَانِ الْآيَتَانِ عَلَى الْحَجْرِ.
أَمَّا الْآيَةُ الْأُولَى: فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهَا أَنَّهُ لَمَّا أَمَرَ بِدَفْعِ أَمْوَالِ الْيَتَامَى بِوُجُودِ شَرْطَيْنِ وَهُمَا: الْبُلُوغُ وَالرُّشْدُ، اقْتَضَى أَنْ لَا يَدْفَعَ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ قَبْلَ وُجُودِ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ وَهَذَا هُوَ الْحَجْرُ.
وَأَمَّا الْآيَةُ الثَّانِيَةُ: فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهَا أَنَّهُ لَمَّا أَمَرَ بِالْإِمْلَاءِ عَنِ السَّفِيهِ وَالضَّعِيفِ دَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُهُمْ مِنَ التَّصَرُّفِ وَاسْتِحْقَاقِ الْوِلَايَةِ عَلَيْهِمَا.
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (أَنَّهُ حَجَرَ عَلَى مُعَاذٍ بِدَيْنِهِ) فَلَمَّا أَوْقَعَ الْحَجْرَ لِحَقِّ الْغَيْرِ كَانَ وُقُوعُهُ لِنَفْسِهِ أَوْلَى.
وَرُوِيَ أَنَّ قَوْمَ حِبَّانَ بْنِ مُنْقِذٍ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنْ يَحْجُرَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ يَخْدَعُ فِي بِيَاعَاتِهِ، فَحَجَرَ عَلَيْهِ حَجْرَ مِثْلِهِ وَلَمْ يَجْعَلْ عقوده منبرمة وجعل له خيار ثلاث وَقَالَ لَهُ: " إِذَا ابْتَعْتَ فَقُلْ لَا خِلَابَةَ فِي الْإِسْلَامِ " وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَهُوَ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ حِينَ سَأَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أَنْ يَحْجُرَ عَلَيْهِ وَإِجْمَاعُ بَاقِي الصَّحَابَةِ عَلَى جَوَازِ الْحَجْرِ حَتَّى كَانَ مِنْ شَأْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَا سَنَذْكُرُهُ.
(فصل: القول في أسباب الحجر)
فَإِذَا ثَبَتَ اسْتِحْقَاقُ الْحَجْرِ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ دَلِيلِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ فَالْحَجْرُ مُسْتَحَقٌّ مِنْ ثمانية أوجه:
أَحَدُهَا: حَجْرُ الصِّغَرِ.
وَالثَّانِي: حَجْرُ الْجُنُونِ.
وَالثَّالِثُ: حَجْرُ السَّفَهِ.
وَالرَّابِعُ: حَجْرُ الْفَلَسِ.
وَالْخَامِسُ: حَجْرُ الْمَرَضِ.
وَالسَّادِسُ: حَجْرُ الرِّدَّةِ.
وَالسَّابِعُ: حَجْرُ الرِّقِّ.
والثامن: حجر الكتابة.
وينقسم الحجر إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
قِسْمٌ لَا يَثْبُتُ الْحَجْرُ بِهِ إِلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ وَهُوَ حَجْرُ الْفَلَسِ وَحَجْرُ السَّفَهِ.
وَقِسْمٌ يَثْبُتُ بِغَيْرِ حُكْمٍ وَهُوَ حَجْرُ الصِّغَرِ، وَحَجْرُ الْجُنُونِ وَحَجْرُ الْمَرَضِ وَحَجْرُ الرِّقِّ وَحَجْرُ الْكِتَابَةِ.
وَقِسْمٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَهُوَ حجر الردة.
(أقسام الحجر باعتبار أثره)
ثُمَّ هِيَ أَيْضًا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
قِسْمٌ يَثْبُتُ الْحَجْرُ فِي حَقِّ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ وَهُوَ حَجْرُ الصِّغَرِ وَالْجُنُونِ وَالسَّفَهِ.
وَقِسْمٌ يَثْبُتُ الْحَجْرُ فِيهِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ وَهُوَ حَجْرُ الْفَلَسِ وَالْمَرَضِ وَالرِّدَّةِ وَالرِّقِّ وَقِسْمٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ حَقِّهِ وَحَقِّ غَيْرِهِ وَهُوَ الْكِتَابَةُ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ مَوْضِعٌ.
وَإِنَّمَا يَخْتَصُّ هَذَا الْكِتَابُ بِحَجْرِ الصِّغَرِ وَحَجْرِ السَّفَهِ.
(الْقَوْلُ فِي عَلَامَاتِ وَزَمَانِ البلوغ)
1 - البلوغ بالاحتلام:
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَالْبُلُوغُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً إِلَّا أَنْ يَحْتَلِمَ الغلام أو تحيض الجارية قبل ذلك وقال الله تبارك وتعالى ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فليملل وليه بالعدل﴾ فأثبت الولاية على السفيه والضعيف والذي لا يستطيع أن يمل هو وأمر وليه بالإملاء عنه لأنه أقامه فيما لا غنى به عنه في ماله مقامه وقيل الذي لا يستطيع يحتمل أن يكون المغلوب على عقله وهو أشبه معانيه به والله أعلم ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: ثُمَّ بَدَأَ الشَّافِعِيُّ بِذِكْرِ الصِّغَرِ وَحَدِّ الصِّغَرِ إِلَى زَمَانِ الْبُلُوغِ وَالْبُلُوغُ يَكُونُ بِخَمْسَةِ أَشْيَاءَ، ثَلَاثَةٌ مِنْهَا يَشْتَرِكُ فِيهَا الرِّجَالُ والنساء وهي: الاحتلام، والإنبات، وَالسِّنُّ، وَشَيْئَانِ مِنْهَا يَخْتَصُّ بِهِمَا النِّسَاءُ دُونَ الرِّجَالِ وَهُمَا الْحَيْضُ وَالْحَمْلُ.
فَأَمَّا الِاحْتِلَامُ فَإِنَّمَا كَانَ بُلُوغًا لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: 59]
وَلِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ " وَذَكَرَ مِنْهَا الصَّبِيَّ حَتَّى يَحْتَلِمَ.
وَالِاحْتِلَامُ هُوَ إِنْزَالُ الْمَنِيِّ الدَّافِقِ مِنْ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ مِنْ نَوْمٍ أَوْ جِمَاعٍ أَوْ غَيْرِهِمَا.
وَأَقَلُّ زَمَانِ الِاحْتِلَامِ فِي الْغِلْمَانِ عَشْرُ سِنِينَ، وَفِي الْجَوَارِي تِسْعُ سِنِينَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ)
فَأَمَّا الْإِنْبَاتُ فَقَدْ مَنَعَ أبو حنيفة أَنْ يَكُونَ لَهُ بالبلوغ تعلق لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ " وَذَكَرَ مِنْ ذَلِكَ الصَّبِيّ حَتَّى يَحْتَلِمَ.
فَجَعَلَ الِاحْتِلَامَ حَدًّا لِبُلُوغِهِ.
وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ إِنْبَاتُ شَعْرِ الْوَجْهِ بُلُوغًا فَأَوْلَى أَلَّا يَكُونَ إِنْبَاتُ شَعْرِ الْعَانَةِ بُلُوغًا.
وَالدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّهُ يَكُونُ بُلُوغًا أَنَّ سَبْيَ بَنِي قُرَيْظَةَ نَزَلُوا مِنْ حُصُونِهِمْ عَلَى حُكْمِ سَعْدِ ابْنِ مُعَاذٍ الْأَشْهَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ سَعْدٌ حُكْمِي فِيهِمْ أَنَّ مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمُوسَى قُتِلَ وَمَنْ لَمْ تَجْرِ عَلَيْهِ اسْتُرِقَّ.
فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " هَذَا حُكْمُ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ " لِأَنَّ السَّمَاءَ رُقَعٌ، وَلِأَنَّ شَعْرَ الْعَانَةِ وَالْإِنْزَالَ يَخْتَصَّانِ بِعُضْوٍ يَحْدُثَانِ عِنْدَ وَقْتِ الْبُلُوغِ بِالْإِنْزَالِ شَرْعًا وَجَبَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْإِنْبَاتِ شَرْعًا.
وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا أَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْبُلُوغُ عُرْفًا فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ الْبُلُوغُ شَرْعًا كَالْإِنْزَالِ.
وَبِهَذَا الْمَعْنَى مِنَ الِاسْتِدْلَالِ فَرَّقْنَا بَيْنَ شَعْرِ الْوَجْهِ وَبَيْنَ شَعْرِ الْعَانَةِ.
فَأَمَّا الْخَبَرُ فَلَيْسَ فِي ظَاهِرِهِ مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنَ النَّصِّ وَالِاسْتِدْلَالِ حُجَّةٌ.
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا وَأَنَّ الْإِنْبَاتَ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْبُلُوغُ فِي الْمُشْرِكِينَ فَهَلْ يَكُونُ بُلُوغًا فِيهِمْ أَوْ دَلَالَةً عَلَى بُلُوغِهِمْ؟ فِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَكُونُ بُلُوغًا فِيهِمْ كَالْإِنْزَالِ.
فَعَلَى هَذَا يَكُونُ بُلُوغًا فِي الْمُسْلِمِ أَيْضًا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ دلالة على بلوغهم، لأن سعد جَعَلَهُ دَلِيلًا عِنْدَ تَعَذُّرِ الْعِلْمِ بِسِنِّهِمْ.
فَعَلَى هَذَا هَلْ هُوَ دَلَالَةٌ عَلَى بُلُوغِ الْمُسْلِمِينَ أَمْ لَا عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَكُونُ دَلَالَةً عَلَى بُلُوغِ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّ مَا تَعَلَّقَ بِهِ الْبُلُوغُ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَكُونُ دَلَالَةً عَلَى بُلُوغِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانَ دَلَالَةً عَلَى بُلُوغِ الْمُشْرِكِينَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أحدهما: أن المشرك تغلظ أحكامه ببلوغه كوجوب قَتْلِهِ وَأَخْذِ جِزْيَتِهِ فَانْتَفَتْ عَنْهُ التُّهْمَةُ فِي مُعَالَجَةِ الْإِنْبَاتِ.
وَالْمُسْلِمُ تُخَفَّفُ أَحْكَامُهُ بِبُلُوغِهِ فِي فَكِّ حَجْرِهِ وَثُبُوتِ وِلَايَتِهِ وَقَبُولِ شَهَادَتِهِ فَصَارَ مُتَّهَمًا فِي مُعَالَجَةِ الْإِنْبَاتِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الضَّرُورَةَ دعت إلى جعل الإنبات بلوغا في المشرك لِأَنَّ سِنَّهُ لَا يُعْلَمُ إِلَّا بِخَبَرِهِ وَخَبَرُ الشركِ لَا يُقْبَلُ.
وَلَمْ تَدْعُ الضَّرُورَةُ إِلَى ذَلِكَ فِي الْمُسْلِمِ، لِأَنَّ خَبَرَهُ فِي سِنِّهِ مَقْبُولٌ.
ثُمَّ لَا اعْتِبَارَ فِي الْإِنْبَاتِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ شَعْرًا قَوِيًّا فَأَمَّا إِنْ كَانَ زغبا فلا فلو أن غلاما من المسلمين نَبَتَ الشَّعْرُ عَلَى عَانَتِهِ فَشَهِدَ لَهُ عَدْلَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَكْمِلْ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَيَكُونُ بُلُوغُهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ إِنْ قِيلَ إِنَّ الْإِنْبَاتَ يَكُونُ بُلُوغًا حُكِمَ بِبُلُوغِهِ.
وَإِنْ كَانَ سِنُّهُ أَقَلَّ مِنْ خَمْسِ عَشْرَةَ سَنَةً وَإِنْ قِيلَ إِنَّ الْإِنْبَاتَ دَلَالَةٌ عَلَى الْبُلُوغِ لَمْ يُحْكَمْ بِبُلُوغِهِ إِذَا عُلِمَ نُقْصَانُ سِنِّهِ، وَهَذِهِ فَائِدَةُ الْقَوْلَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ)
فَأَمَّا السِّنُّ فَقَدْ حُكِيَ عَنْ مَالِكٍ إِنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْبُلُوغُ بِحَالٍ وَإِنَّمَا يَكُونُ الْبُلُوغُ بالاحتلام وغلظ الصوت وانشقاق الغضروف لأن البلوغ يختلف بحسب اختلاف الحلق وَتَبَايُنِ النَّاسِ كَاخْتِلَافِ أَعْمَارِهِمْ.
فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُجْعَلَ مَعَ اخْتِلَافِهِ حَدًّا.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وأبو حنيفة وَسَائِرُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْبُلُوغَ يَكُونُ بِالسِّنِّ وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِيمَا يَكُونُ بِهِ بَالِغًا مِنَ السِّنِّ وَفِيمَا نَذْكُرُهُ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي قَدْرِهِ دَلِيلٌ عَلَى ثُبُوتِ أَصْلِهِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي قَدْرِ الْبُلُوغِ بِالسِّنِّ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى أَنَّ الْبُلُوغَ يَكُونُ بِخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فِي الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ.
وَقَالَ أبو حنيفة: يَكُونُ بُلُوغُ الْجَارِيَةِ بِسَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَبُلُوغُ الْغُلَامِ بِثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ نَصَّ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ يُوجِبَانِ اسْتِصْحَابَ الصِّغَرِ إِلَى الِاحْتِلَامِ وَتَعْلِيقِ التَّكْلِيفِ بِهِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: 59] وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ ".
ثُمَّ كَانَ هَذَا السِّنُّ مُجْمَعًا عَلَى الْبُلُوغِ بِهِ فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ مَا دُونَهُ مردودا بظاهر الثمن.
وَالدَّلَالَةُ عَلَى مَا قُلْنَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رِوَايَةُ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: عُرِضْتُ عَلَى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَامَ أُحُدٍ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَرَدَّنِي وَلَمْ يَرَنِي بَلَغْتُ وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ عَامَ الْخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَجَازَنِي فِي الْمُقَاتِلَةِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: عُرِضْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَامَ بَدْرٍ وَأَنَا ابْنُ ثَلَاثَ عَشَرَةَ سَنَةً فَرَدَّنِي، وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ عَامَ أُحُدٍ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَرَدَّنِي ولم يرني بلغت وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ عَامَ الْخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشَرَةَ سَنَةً فَأَجَازَنِي فِي الْمُقَاتِلَةِ.
فَالدَّلَالَةُ مِنْ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا رَدَّهُ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشَرَةَ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ عَلِمَ أَنَّ إِجَازَتَهُ سَنَةَ خَمْسَ عَشَرَةَ، لِأَنَّهُ قَدْ بَلَغَ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَرُدَّهُ لِمَعْنًى ثُمَّ يُجِيزُهُ مَعَ وُجُودِ ذَلِكَ الْمَعْنَى.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَجَازَهُ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ فِي الْمُقَاتِلَةِ وَهُمُ الْبَالِغُونَ وَبِذَلِكَ كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لِأُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ أَنَّ هَذَا فَرْقُ مَا بَيْنَ الذُّرِّيَّةِ وَالْمُقَاتِلَةِ، فَإِنْ قِيلَ: فَيَجُوزُ أن يكون ابن عمر بلغ خمس عشرة سنة بِالِاحْتِلَامِ لَا بِالسِّنِّ قِيلَ هَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْمَنْقُولَ مَعَ السَّبَبِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلَى ذَلِكَ السَّبَبِ.
كَمَا نُقِلَ أَنَّ مَاعِزًا زَنَا فَرُجِمَ.
وَالسَّبَبُ الْمَنْقُولُ هُوَ السِّنُّ فَعُلِمَ أَنَّ الْبُلُوغَ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ.
فَإِنْ قِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنَّ الرَّدَّ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لِلضَّعْفِ وَالْإِجَازَةَ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ لِلْقُوَّةِ.
كَمَا رُوِيَ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أَنَّهُ قَالَ: " عُرِضْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَرَدَّنِي وَأَجَازَ غُلَامًا فَقُلْتُ رَدَدْتَنِي وَأَجَزْتَهُ وَلَوْ صَارَعْتُهُ لَصَرَعْتُهُ، فَقَالَ صَارِعْهُ فَصَارَعْتُهُ فَصَرَعْتُهُ فَأَجَازَنِي ".
فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الرَّدَّ وَالْإِجَازَةَ إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالضَّعْفِ وَالْقُوَّةِ.
قِيلَ: قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الرَّدُّ فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ لِلضَّعْفِ وَالْإِجَازَةُ لِلْقُوَّةِ حَمْلًا لَهُ عَلَى سَبَبِهِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عمر للسن حملا على سببه.
فإن قيل: لحديث ابْنِ عُمَرَ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ نَقَلَ أَنَّ بَيْنَ أُحُدٍ وَالْخَنْدَقِ سَنَةً وَقَدْ رَوَى
الْوَاقِدِيُّ وَأَهْلُ السِّيَرِ أَنَّ بَيْنَ أُحُدٍ وَالْخَنْدَقِ سَنَتَيْنِ.
قُلْنَا: نَقْلُ ابْنِ عُمَرَ أَثْبَتُ مِنْ نَقْلِ الْوَاقِدِيِّ.
وَقَدْ تَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عُرِضَ عَلَيْهِ عام أحد وهو في أول ستة أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَعُرِضَ عَلَيْهِ عَامَ الْخَنْدَقِ وَهُوَ في آخر ستة خمس عشرة فصار بينهما سنتان فإن قيل إن ابن عُمَرَ لَا يَعْرِفُ سِنَّ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ لَمْ ير قط وِلَادَته فَلَمْ يَصِحَّ إِخْبَارُهُ بِهِ، قُلْنَا لَوْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا حَتَّى لَا يَجُوزَ الْإِخْبَارُ بِهِ لَمَا جَازَ لَهُ الْإِخْبَارُ بِنَسَبِهِ، وَلَمَا جَازَ بِأَنْ يَقُولَ أَنَا ابْنُ عُمَرَ لِأَنَّهُ لَمْ يَرَ وِلَادَةَ نَفْسِهِ عَلَى فِرَاشِ عُمَرَ.
فإن قيل: فقد يعلم بنسبه بالاستعاضة قيل وقد يعلم بسنه بالاستعاضة.
وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " إِذَا اسْتَكْمَلَ الْمَوْلُودُ خَمْسَ عَشرَةَ سنة كتب ماله وَمَا عَلَيْهِ وَأُخِذَتْ مِنْهُ الْحُدُودُ ".
وَهَذَا إِنْ ثَبَتَ نَصٌّ غَيْرُ مُحْتَمَلٍ وَبِمَا ذَكَرْنَا يَفْسُدُ وَجْهُ اسْتِدْلَالِهِمْ.
وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى فَسَادِ مَا قَالُوا مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَ بُلُوغِ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ وَأَنَّ لِلسِّنِّ مَعْنًى يَثْبُتُ بِهِ الْبُلُوغُ فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَا فِيهِ كَالِاحْتِلَامِ.
وَلِأَنَّ الضَّعْفَ مَعْنًى يُوجِبُ الْحَجْرَ فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَا فِيهِ كَالْجُنُونِ وَلِأَنَّ مَا يَكْمُلُ بِهِ تَصَرُّفُهُمَا يَجِبُ أَنْ يَسْتَوِيَا فِيهِ وَلَا يَتَفَاضَلَا كَالرُّشْدِ، وَلِأَنَّهُ حَالٌ لَوْ أَسْلَمَ فِيهَا صَحَّ إِسْلَامُهُ أَوْ تَصَرَّفَ فِيهَا بِبَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ صَحَّ تَصَرُّفُهُ فَوَجَبَ أَنْ يُحْكَمَ فِيهَا بِبُلُوغِهِ كَالثَّمَانِيَ عَشْرَةَ.
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْبُلُوغَ يَكُونُ بِخَمْسَ عَشرَةَ سَنَةً فَإِنَّمَا يَعْنِي السِّنِينَ الْقَمَرِيَّةَ الَّتِي كُلُّ سَنَةٍ مِنْهَا اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا هِلَالًا.
وَابْتِدَاؤُهَا مِنْ حِينِ أَنْ يَنْفَصِلَ الْمَوْلُودُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ، وَكَذَا لَا مِيرَاثَ لَهُ حَتَّى يَنْفَصِلَ جَمِيعُهُ حَيًّا مِنَ الرَّحِمِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ، وَزُفَرُ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ إِذَا خَرَجَ أَكْثَرُ الْمَوْلُودِ مِنَ الرَّحِمِ فَحِينَئِذٍ تُعْتَبَرُ أَوَّلَ سَنَةٍ.
وَإِذَا عُلِمَتْ حَيَاتُهُ عِنْدَ خُرُوجِ أَكْثَرِهِ ثُمَّ خَرَجَ بَاقِيهِ مَيِّتًا وَرِثَ.
وَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ أَوْلَى لِأَنَّ أُصُولَ الشَّرْعِ مُقَرَّرَةٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ حَالٍ ثَبَتَ لَهَا حُكْمٌ لَمْ يَزَلْ حُكْمُهَا إِلَّا بِالِانْفِصَالِ عَنْهَا كَالْإِيمَانِ.
وَلِأَنَّ وَضْعَ الْحَمْلِ لَمَّا أَوْجَبَ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ لَمْ تَنْقَضِ إِلَّا بَعْدَ انْفِصَالِ جَمِيعِهِ صَارَ فِي حُكْمِ الْحَمْلِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِ حُكْمُ الولادة لتنافيهما.
(فَصْلٌ)
أَمَّا الْحَيْضُ فَهُوَ بُلُوغٌ فِي النِّسَاءِ لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ فَلَا يَحِلُّ أَنْ يُنْظَرَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهَا إِلَّا إِلَى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا " فَجَعَلَهَا بِالْحَيْضِ عَوْرَةً يَحْرُمُ النَّظَرُ إِلَيْهَا فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا بِالْحَيْضِ صَارَتْ بَالِغَةً.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إِلَا بِخِمَارٍ " يَعْنِي بَلَغَتْ وَقْتَ الْحَيْضِ لَا أَنَّهُ أَرَادَ كَوْنَهَا فِي وَقْتِ الْحَيْضِ، لِأَنَّ الْحَائِضَ لَا تَصِحُّ مِنْهَا الصَّلَاةُ بِحَالٍ.
(فَصْلٌ)
فَأَمَّا الْحَمْلُ فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى تَقَدُّمِ الْبُلُوغِ، وَلَيْسَ بِبُلُوغٍ فِي نَفْسِهِ كَمَا وَهِمَ فِيهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ الْوَلَدَ مَخْلُوقٌ مِنْ مَاءِ الرَّجُلِ وَمَاءِ الْمَرْأَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ خلق من ماء دافق يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: 7، 8] ، يَعْنِي أَصْلَابَ الرِّجَالِ وَتَرَائِبَ النِّسَاءِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا خلقناه من نطفة أمشاج نبتليه﴾ [الدهر: 2] أَيْ أَخْلَاطٍ فَإِذَا كَانَ الْوَلَدُ مَخْلُوقًا مِنْ ماءيهما دل الحمل على تقدم إنزالهما فصار دليلا على تقدم بلوغهما.
(فَصْلٌ)
فَأَمَّا الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ فَيَكُونُ بَالِغًا بِالسِّنِّ إِذَا اسْتَكْمَلَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً.
فَأَمَّا الْحَيْضُ وَالْإِنْزَالُ فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ:
حَالٌ يَنْفَرِدُ بِالْإِنْزَالِ.
وَحَالٌ يَنْفَرِدُ بِالْحَيْضِ.
وَحَالٌ يَجْمَعُ بَيْنَ الْحَيْضِ وَالْإِنْزَالِ.
فَإِذَا أَنْزَلَ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ أَنْزَلَ مِنْ ذَكَرِهِ لَمْ يَكُنْ بَالِغًا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً فَلَا يَكُونُ إِنْزَالُهَا مِنْ غَيْرِ الْفَرْجِ بُلُوغًا.
وَإِنْ كَانَ أَنْزَلَ مِنْ فَرْجِهِ لَمْ يَكُنْ بَالِغًا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا فَلَا يَكُونُ إِنْزَالُهُ مِنْ غَيْرِ الْفَرْجِ بُلُوغًا.
وَإِنْ كَانَ أَنْزَلَ مِنْ ذَكَرِهِ وَفَرْجِهِ جَمِيعًا كَانَ بَالِغًا لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ رَجُلًا فَقَدْ أَنْزَلَ مِنْ ذَكَرِهِ وَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةً فَقَدْ أَنْزَلَتْ مِنْ فَرْجِهَا.