الحاوي الكبيرصفحات 3-42
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ الْبُيُوعِ

صفحات 3-42
عن هذه الطبعة
عَلَم
الماوردي
الكتاب
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
المؤلف
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
المحقق
الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1419 هـ -1999 م
عدد الأجزاء
19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

بَابُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ مِنَ الْمُبَايَعَاتِ وَسُنَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فيه

(قال الشافعي) : قال الله وجل عز: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29] فَلَمَّا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنْ بُيُوعٍ تَرَاضَى بِهَا الْمُتَبَايِعَانِ اسْتَدْلَلْنَا أَنَّ الله وجل عز أَحَلَّ الْبُيُوعَ إِلَّا مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، أَوْ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْأَصْلُ فِي إِحْلَالِ الْبُيُوعِ: كِتَابُ اللَّهِ، وَسُنَّةُ نَبِيِّهِ، وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ.
فَأَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29] وَقولُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275] وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: 282] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي السَّلَمِ وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: 198] . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي إِبَاحَةِ التِّجَارَةِ فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ.
أَمَّا السُّنَّةُ: فَقَدْ رُوِيَتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَوْلًا وَفِعْلًا: أَمَّا الْقَوْلُ: فَمَا رَوَى الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ، قَالَ: كُنَّا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نُسَمَّى السَّمَاسِرَةَ فَمَرَّ بِنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَسَمَّانَا بِاسْمٍ هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ، فَقَالَ: " يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ إِنَّ الْبَيْعَ يَحْضُرُهُ اللَّغْوُ وَالْحَلِفُ، فشوِّبوه بالصدقة ".

وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِصْمَةَ، أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ حَدَّثَهُ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَشْتَرِي بُيُوعًا مَا يَحِلُّ لِي مِنْهَا، وَمَا يَحْرُمُ، قَالَ: " إِذَا اشْتَرَيْتَ بَيْعًا فَلَا تَبِعْهُ حَتَّى تَقْبِضَهُ، وَلَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ ". فَدَلَّ عَلَى إِبَاحَةِ مَا عَدَا ذَلِكَ.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي رَاشِدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " إِنَّ التُّجَّارَ هُمُ الْفُجَّارُ " قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَيْسَ قَدْ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ؟ قَالَ: " بَلَى وَلَكِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ فَيَكْذِبُونَ وَيَحْلِفُونَ فَيَأْثَمُونَ ". وَرَوَى يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا خَيْرَ فِي التِّجَارَةِ إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَمْدَحْ بَيْعًا، وَلَمْ يَذُمَّ شِرًى، وَكَسَبَ حَلَالًا فَأَعْطَاهُ فِي حَقِّهِ، وَعَزَلَ مِنْ ذَلِكَ الْحَلِفَ ". وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " تِسْعَةُ أَعْشَارِ الرِّزْقِ فِي التِّجَارَةِ وَالْجُزْءُ الْبَاقِي فِي السَّبَايَا "، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: السَّبَايَا: النِّتَاجُ.
وَأَمَّا الْفِعْلُ: مِنْ بُيُوعِهِ الَّتِي عَقَدَهَا بِنَفْسِهِ فَكَثِيرَةٌ لَا تُحْصَى عَدَدًا، غَيْرَ أنَّ الْمَنْقُولَ مِنْهَا مَا اخْتُصَّ بِأَحْكَامٍ، مُسْتَفَادَةٍ، فَمِنْ ذَلِكَ، مَا رَوَى أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: اشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مِنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَعْرَابِ حِمْلَ خَبَطٍ، فَلَمَّا وَجَبَ الْبَيْعُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " اخْتَرْ " قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: عَمَّرَكَ بَيْعًا.
وَرَوَى سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: جَلَبْتُ أَنَا وَمَخْرَمَةُ الْعَبْدِيُّ بَزًّا مِنْ هَجَرَ، فَأَتَيْنَا بِهِ مَكَّةَ، فَجَاءَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَاشْتَرَى مِنَّا سَرَاوِيلَ وَوَزَّانٌ يَزِنُ بِالْأَجْرِ، فَقَالَ لِلْوَزَّانِ: " زِنْ وَأَرْجِحْ ".

وَرَوَى عَطَاءٌ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي سَفَرٍ عَلَى جَمَلٍ إِنَّمَا هُوَ فِي آخِرِ الْقَوْمِ فَمَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَقَالَ: " أَمَعَكَ قَضِيبٌ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ، فَأَعْطَيْتُهُ، فَنَخَسَهُ وَزَجَرَهُ، فَكَانَ فِي أَوَّلِ الْقَوْمِ، فَقَالَ: " بِعْنِيهِ " قُلْتُ: هُوَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: " بَلْ بِعْنِيهِ " قَالَ: " قَدْ أَخَذْتُهُ بِأَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ ولك ظهره حتى نأتي الْمَدِينَةَ "، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " يَا بِلَالُ اقْضِهِ وَزِدْهُ " فَأَعْطَاهُ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ وَقِيرَاطًا زَادَهُ، قَالَ جَابِرٌ: لَا تُفَارِقُنِي زِيَادَةُ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاعَ لِرَجِلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ شَكَا فَقْرًا قَدَحًا وحِلسا بِدِرْهَمَيْنِ فِيمَنْ يَزِيدُ.
وَأَمَّا إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ: فَظَاهِرٌ فِيهِمْ مِنْ غَيْرِ إِنْكَارٍ بِجُمْلَتِهِ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّتِهِ وَصِفَتِهِ، حَتَّى أَنَّ كُبَرَاءَ الصَّحَابَةِ ارْتَسَمُوا بِهِ وَنَدَبُوا نُفُوسَهُمْ لَهُ، فَرُوِيَ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ تَاجِرًا فِي الْبَزِّ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ تَاجِرًا فِي الطَّعَامِ وَالْأَقِطِ.
وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ تَاجِرًا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ.
وَرُوِيَ عَنِ الْعَبَّاسِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ تَاجِرًا فِي الْعِطْرِ.
وَعَلَى ذَلِكَ جَرَتْ أَحْوَالُ الصَّحَابَةِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَبَعْدَهَا، فَمِنْهُمْ مَنْ تَفَرَّدَ بِجِنْسٍ مِنْهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ جَلَبَ فِي جَمِيعِ صُنُوفِهَا كَعُثْمَانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فَدَلَّ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ الْبَيْعَ مُبَاحٌ.

فَصْلٌ:

فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29] أَمَّا قَوْلُهُ: ﴿لا تَأْكُلُوا﴾ فَمَعْنَاهُ: لَا تَأْخُذُوا، فَعَبَّرَ عَنِ الْأَخْذِ بِالْأَكْلِ، لِأَنَّهُ مُعْظَمُ مَا يُقْصَدُ بِالْأَخْذِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: 10] أَيْ: يَأْخُذُونَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿أَمْوَالَكُمْ﴾ فَفِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَرَادَ مَالَ كُلِّ إِنْسَانٍ فِي نَفْسِهِ أَنْ لَا يَأْخُذَهُ فَيَصْرِفَهُ فِي الْمَحْظُورَاتِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَعْنَاهُ: لَا يَأْخُذُ بَعْضُكُمْ مَالَ بَعْضٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29] أَيْ: لَا يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا.

وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿بِالْبَاطِلِ﴾ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتِ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُصْرِفَ فِي الْمَحْظُورَاتِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنْ لَا يُؤْخَذُ بِالِانْتِهَابِ وَالْغَارَاتِ عَلَى عَادَتِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَاطِلِ التِّجَارَاتُ الْفَاسِدَةُ الْمَأْلُوفَةُ عِنْدَهُمْ فِي بُيُوعِ الْجَاهِلِيَّةِ.
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا أن تكون تجارة﴾ . فَلَفَظُ إِلَّا مَوْضُوعٌ فِي اللُّغَةِ لِلِاسْتِثْنَاءِ، وَلَكِنِ اخْتَلَفَ النَّاسُ وَأَصْحَابُنَا مَعَهُمْ فِي الْمُرَادِ بِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ لَمْ يُرَدْ بِهَا الِاسْتِثْنَاءُ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهَا: لَكِنْ فَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الْآيَةِ: لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَلَكِنْ كُلُوهَا تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً﴾ [النساء: 92] مَعْنَاهُ: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا عَمْدًا وَلَا خَطَأً، لَكِنْ إِنْ قَتَلَهُ خَطَأً، فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَعْنَى: إِلَّا: فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَعْنَى: الْوَاوِ، فَيَكُونُ تَقْدِيرُ الْآيَةِ: لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ، وَكُلُوهَا تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22] أَيْ وَاللَّهُ لَفَسَدَتَا.
وَقَوْلُ الشَّاعِرِ: (وَكُلُّ أَخٍ مُفَارِقُهُ أَخُوهُ ... لَعَمْرُ أَبِيكَ إِلَّا الْفَرْقَدَانِ)

أَيْ وَالْفَرْقَدَانِ أَيْضًا سَيَفْتَرِقَانِ، وَلَوْ أَرَادَ الِاسْتِثْنَاءَ لَقَالَ: إِلَّا الْفَرْقَدَيْنِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ مَعْنَى إِلَّا، فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ، غَيْرَ أَنَّهُ مِنْ مُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ مُظْهَرٌ، لِيَصِحَّ أَنْ يَكُونَ اسْتِثْنَاءً مِنْ جِنْسِهِ، فَيَكُونُ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ: لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَلَا بِالتِّجَارَةِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ مَنَعَ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، وَجَعَلُوا ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 1] وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ وَالصَّيْدِ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا مُحْرِمِينَ، فَيَحْرُمُ عَلَيْكُمُ الصَّيْدُ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّ ذَلِكَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ - وَهُوَ أَشْبَهُ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ - قَوْله تَعَالَى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلا سَلامًا﴾ [مريم: 62] وَلَيْسَ السَّلَامُ مِنْ جِنْسِ اللَّغْوِ.

وقال تعالى: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس﴾ [الحجر: 30] وَلَيْسَ إِبْلِيسُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 77] وَتَعَالَى اللَّهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ مَنِ اسْتُثْنِيَ مِنْهُ.
وَقَالَ الشَّاعِرُ: (وَبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أَنِيسُ ... إِلَّا الْيَعَافِيرُ وَإِلَّا الْعِيسُ)

وَالْأَنِيسُ: النَّاسُ.
وَالْيَعَافِيرُ: حمير الْوَحْشِ، وَقِيلَ: الظِّبَاءُ، وَاحِدُهَا يَعْفُورٌ مَقْلُوبُ أَعْفَرَ.
وَالْعِيسُ: الْإِبِلُ.
وَاسْتَثْنَى الْحَمِيرَ وَالْإِبِلَ مِنْ جُمْلَةِ الناس.
وقال النابغة الذبياني: (وقفت فيها أُصيلالا أُسَائِلُهَا ... عَيَّتْ جَوَابًا وَلَا بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ)

(إِلَّا أَوَارِيَّ لَأْيًا مَا أُبَيِّنُهَا ... وَالنُّؤْيُ كَالْحَوْضِ بِالْمَظْلُومَةِ الْجَلِدِ)

فَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ بِالرَّبْعِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ يَسْأَلُهُ إِلَّا الْأَوَارِيَّ، وَالْعَامَّةُ تَقُولُ: الْأَوَارِيُّ: هِيَ الْمَعَالِفُ.
وَقَالَ الْعُتْبِيُّ: هِيَ الْحِبَالُ الْمَمْدُودَةُ يُشَدُّ عَلَيْهَا الدَّوَابُّ، وَهُوَ جَمْعٌ واحدة أَوْرَى.

فَصْلٌ:

فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275] وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ مَعَانِيَ الْآيَةِ مُسْتَوْفَاةً جَمِيعَهَا فِي كِتَابِ الْأُمِّ بِكَلَامٍ وَجِيزٍ، فَقَالَ: احْتَمَلَ إِحْلَالُ اللَّهِ تَعَالَى الْبَيْعَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ أَحَلَّ كُلَّ بَيْعٍ تَبَايَعَهُ مُتَبَايِعَانِ جَائِزًا الْأَمْرَ فِيمَا يَتَبَايَعَاهُ عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا، وَهَذَا أَظْهَرُ مَعَانِيهِ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ أَحَلَّ الْبَيْعَ إِذَا كَانَ مِمَّا لَمْ يَنْهَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْمُبَيِّنُ عَنِ اللَّهِ مَعْنَى مَا أَرَادَ.
فَيَكُونُ هَذَا مِنَ الْجُمَلِ الَّتِي أَحْكَمَ فَرْضَهَا فِي كِتَابِهِ، وَبَيَّنَ كَيْفَ هِيَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ، أَوْ مِنَ الْعَامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ، فَبَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَا أَرَادَ بِإِحْلَالِهِ مِنْهُ وَمَا حَرَّمَ، أَوْ يَكُونُ دَاخِلًا مِنْهُمَا، أَوْ مِنَ الْعَامِّ الَّذِي أَبَاحَهُ إِلَّا مَا حُرِّمَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مِنْهُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ - ثُمَّ

قَالَ: وَأَيُّ هَذِهِ الْمَعَانِي كَانَ، فَقَدْ أَلْزَمَ اللَّهُ خَلقه، بِمَا فَرَضَ مِنْ طَاعَةِ رَسُولِهِ، وَأَنَّ مَا قِيلَ عَنْهُ فَعَنِ اللَّهِ قِيلَ، لِأَنَّهُ بِكِتَابِ اللَّهِ قِيلَ فَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي مَعْنَى الْآيَةِ.
وَجُمْلَتُهُ: أَنَّ لِلشَّافِعِيِّ فِي مَعْنَى الْآيَةِ أَرْبَعَةَ أَقَاوِيلَ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا عَامَّةٌ، وَأَنَّ لَفْظَهَا لَفْظُ عُمُومٍ يَتَنَاوَلُ إِبَاحَةَ كُلِّ بَيْعٍ إِلَّا مَا خصَّهُ الدَّلِيلُ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ هُوَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لما نهى عن بيّاعات كَانُوا يَسْتَعْمِلُونَهَا، وَلَمْ يَقْصِدْ إِلَى بَيَانِ الْجَائِزِ مِنْهَا، وَإِنَّمَا قَصَدَ إِلَى بَيَانِ فَاسِدِهَا مِنْهُ فَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ قَدْ شَمِلَتْ إِبَاحَةَ الْبِيَاعَاتِ كُلِّهَا، فَاسْتَثْنَى مَا لَا يَجُوزُ مِنْهَا.
فَعَلَى هَذَا هَلْ هِيَ عُمُومٌ أُرِيدَ بِهِ الْعُمُومُ؟ أَوْ عُمُومٌ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا عُمُومٌ أُرِيدَ بِهِ الْعُمُومُ وَإِنْ دَخَلَهُ دَلِيلُ التَّخْصِيصِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا عُمُومٌ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ أَنَّ الْعُمُومَ الْمُطْلَقَ الَّذِي يَجْرِي عَلَى عُمُومِهِ وَإِنْ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ مَا يَكُونُ الْمُرَادُ بِاللَّفْظِ أَكْثَرُ، وَمَا لَيْسَ بِمُرَادٍ بِاللَّفْظِ أَقَلُّ، وَالْعُمُومُ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ مَا يَكُونُ الْمُرَادُ بِاللَّفْظِ أَقَلَّ وَمَا لَيْسَ بِمُرَادٍ بِاللَّفْظِ أَكْثَرُ.
وَالْفَرْقُ الثَّانِي: أَنَّ الْبَيَانَ فِيمَا أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ مُتَقَدِّمٌ عَلَى اللَّفْظِ، وفيما أريد به العموم متأخر عَنِ اللَّفْظِ أَوْ مُقْتَرِنٌ بِهِ.
وَعَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ يَجُوزُ الِاسْتِدْلَالُ بِهَا عَلَى إِبَاحَةِ الْبُيُوعِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا، مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلُ التَّخْصِيصِ عَلَى إِخْرَاجِهَا مِنْ عُمُومِهَا.

فَصْلٌ:

الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا مُجْمَلَةٌ لَا يُعْقَلُ مِنْهَا صِحَّةُ بَيْعٍ مِنْ فَسَادِهِ إِلَّا بِبَيَانٍ مِنَ السُّنَّةِ وَوَجْهُ ذَلِكَ: هُوَ أَنَّ مِنَ الْبِيَاعَاتِ مَا يَجُوزُ، وَمِنْهَا مَا لَا يَجُوزُ، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْجَائِزُ مِنْ غَيْرِ الْجَائِزِ، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُجْمَلِ الَّذِي لَا نَعْقِلُ الْمُرَادَ مِنْ ظَاهِرِهِ إِلَّا بِبَيَانٍ يَقْتَرِنُ بِهِ.
فَعَلَى هَذَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا.
هَلْ هِيَ مُجْمَلَةٌ بِنَفْسِهَا؟ لِتَعَارُضٍ فِيهَا أَوْ هِيَ مُجْمَلَةٌ بِغَيْرِهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مُجْمَلَةٌ بِنَفْسِهَا لِتَعَارُضٍ فِيهَا.
وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ يَقْتَضِي جَوَازَ الْبَيْعِ مُتَفَاضِلًا، وَقَوْلُهُ: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الْبَيْعِ مُتَفَاضِلًا، فَصَارَ آخِرُهَا مُعَارِضًا لِأَوَّلِهَا، فَوَقَعَ الْإِجْمَالُ فِيهَا بِنَفْسِهَا.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا مُجْمَلَةٌ بِغَيْرِهَا، وَذَلِكَ أَنَّهَا تَقْتَضِي جَوَازَ كُلِّ بَيْعٍ مِنْ غَرَرٍ، وَمَعْدُومٍ، وَغَيْرِهِ.
وَقَدْ وَرَدَتِ السُّنَّةُ بِالْمَنْعِ مِنْ بَيْعِ الْغَرَرِ، وَالْمُلَامَسَةِ، وَالْمُنَابَذَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ فَصَارَتِ السُّنَّةُ مُعَارِضَةً لَهَا، فَوَقَعَ الْإِجْمَالُ فِيهَا بِغَيْرِهَا.
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهَا مُجْمَلَةٌ بِنَفْسِهَا عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، أَوْ بِغَيْرِهَا عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا: هَلْ وَقَعَ الْإِجْمَالُ فِي صِيغَةِ لَفْظِهَا وَفِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ بِهَا؟ أَوْ وَقَعَ الْإِجْمَالُ فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ بِهَا دُونَ صِيغَةِ لَفْظِهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْإِجْمَالَ فِي الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ، لِأَنَّ لَفْظَ الْبَيْعِ، اسْمٌ لُغَوِيٌّ لَمْ يَرِدْ مِنْ طَرِيقِ الشَّرْعِ، وَمَعْنَاهُ مَعْقُولٌ، إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا قَامَ بِإِزَائِهِ مَا يُعَارِضُهُ تَدَافَعَ الْعُمُومَانِ، وَلَمْ يَتَعَيَّنِ الْمُرَادُ مِنْهُمَا إِلَّا بالسنة، صارا مُجْمَلَيْنِ لِهَذَا الْمَعْنَى، لِأَنَّ اللَّفْظَ مُشْكِلُ الْمَعْنَى.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ اللَّفْظَ مُجْمَلٌ، وَالْمَعْنَى الْمُرَادُ بِهِ مُشْكِلٌ، لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنِ الْمُرَادُ بِاللَّفْظِ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الِاسْمُ، وَصَارَ مُضَمَّنًا بِشَرَائِطَ لَمْ تَكُنْ مَعْقُولَةً فِي اللُّغَةِ، خَرَجَ اللَّفْظُ بِالشَّرَائِطِ عَنْ مَوْضُوعِهِ فِي اللُّغَةِ إِلَى مَا اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ شَرَائِطُ الشَّرْعِ، وَإِنْ كَانَ له في اللغة معاني مَعْقُولَةٌ، كَمَا قُلْنَا فِي الصَّلَاةِ: إِنَّهَا مُجْمَلَةٌ، لِأَنَّهَا مُضَمَّنَةٌ بِشَرَائِطَ لَمْ تَكُنْ مَعْقُولَةٌ فِي اللغة، وإن كان فيها معاني مَعْقُولَةٌ فِي اللُّغَةِ كَالْخُضُوعِ وَمَا يَقَعُ فِيهَا مِنَ الدُّعَاءِ، فَكَذَلِكَ لَفَظُ الْبَيْعِ.
وَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ لَا يَجُوزُ الِاسْتِدْلَالُ بِهَا عَلَى صِحَّةِ بَيْعٍ مِنْ فَسَادِهِ، وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى إِبَاحَةِ الْبَيْعِ فِي أَصْلِهِ.
وَهَذَا فَرْقُ مَا بَيْنَ الْعُمُومِ وَالْمُجْمَلِ، حَيْثُ جَازَ الِاسْتِدْلَالُ بِظَاهِرَةِ الْعُمُومِ، وَلَمْ يَجُزِ الِاسْتِدْلَالُ بِظَاهِرِ الْمُجْمَلِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فصل:

والقول الثالث: أنه داخل فيهما جميعا، فيكون عُمُومًا دَخَلَهُ الْخُصُوصُ، وَمُجْمَلًا لَحِقَهُ التَّفْسِيرُ، لِقِيَامِ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِمَا.
فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وَجْهِ دُخُولِ ذَلِكَ فِيهِمَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْعُمُومَ فِي اللَّفْظِ وَالْإِجْمَالَ فِي الْمَعْنَى.
فَيَكُونُ اللَّفْظُ عُمُومًا دَخَلَهُ الْخُصُوصُ، وَالْمَعْنَى مُجْمَلًا لَحِقَهُ التَّفْسِيرُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْعُمُومَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ وَالْإِجْمَالُ فِي آخِرِهَا، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَحَرَّمَ الربا﴾ فَيَكُونُ أَوَّلُ الْآيَةِ عَامًّا دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ، وَآخِرُهَا مُجْمَلًا لَحِقَهُ التَّفْسِيرُ.

وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ اللَّفْظَ كَانَ مُجْمَلًا، فَلَمَّا بينه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - صَارَ عَامًّا.
فَيَكُونُ دَاخِلًا فِي الْمُجْمَلِ قَبْلَ الْبَيَانِ، وَفِي الْعُمُومِ بَعْدَ الْبَيَانِ.
فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَجُوزُ الِاسْتِدْلَالُ بِظَاهِرِهَا فِي الْبُيُوعِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا كَالْقَوْلِ الْأَوَّلِ.
وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، لَا يَجُوزُ الِاسْتِدْلَالُ بِظَاهِرِهَا فِي الْبُيُوعِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا كَالْقَوْلِ الثَّانِي.

فَصْلٌ:

وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: أَنَّهَا تَنَاوَلَتْ بَيْعًا مَعْهُودًا، وَنَزَلَتْ بَعْدَ أَنْ أَحَلَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بُيُوعًا وَحَرَّمَ بُيُوعًا، وَكَانَ قَوْلُهُ: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ البيع﴾ يَعْنِي: الَّذِي بَيَّنَهُ الرَّسُولُ مِنْ قَبْلُ، وَعَرَفَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُ، فَتَرَتَّبَ الْكِتَابُ عَلَى السُّنَّةِ، وَتَنَاوَلَتِ الْآيَةُ بَيْعًا مَعْهُودًا.
وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ الله تعالى قال: ﴿وأحل الله البيع﴾ فَأَدْخَلَ فِيهِ الْأَلِفَ وَاللَّامَ، وَذَلِكَ يَدْخُلُ فِي الْكَلَامِ لِأَحَدِ أَمْرَيْنِ.
إِمَّا لِجِنْسٍ، أَوْ مَعْهُودٍ.
فَلَمَّا لَمْ يَكُنِ الْجِنْسُ مُرَادًا، لِخُرُوجِ بَعْضِهِ مِنْهُ، ثَبَتَ أَنَّ الْمَعْهُودَ مُرَادٌ.
فَعَلَى هَذَا، لَا يَجُوزُ الِاسْتِدْلَالُ بِظَاهِرِهَا عَلَى صِحَّةِ بَيْعٍ وَلَا فَسَادِهِ، بَلْ يَرْجِعُ فِي حُكْمِ مَا اخْتُلِفَ فِيهِ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ بِمَا تَقَدَّمَهَا مِنَ السنة التي عرف بِهَا الْبُيُوعُ الصَّحِيحَةُ مِنَ الْفَاسِدَةِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ صَارَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُجْمَلِ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ.
وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعُمُومِ مِنْ وَجْهَيْنِ.
فَأَمَّا الْوَجْهُ الَّذِي يَقَعُ بِهِ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُجْمَلِ: فَهُوَ أَنَّ بَيَانَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِيمَا نَهَى عَنْهُ مِنَ الْبُيُوعِ وَأَمَرَ بِهِ سَابِقٌ لِلْآيَةِ.
وَبَيَانُ الْمُجْمَلِ مُقْتَرِنٌ بِاللَّفْظِ، أَوْ مُتَأَخِّرٌ عَنْهُ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُجَوِّزُ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ فَافْتَرَقَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
أَمَّا الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ يَقَعُ بِهِمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعُمُومِ: فَأَحَدُهُمَا: مَا مَضَى مِنْ تَقْدِيمِ الْبَيَانِ فِي الْمَعْهُودِ، وَاقْتِرَانِ بَيَانِ التَّخْصِيصِ بِالْعُمُومِ.
وَالثَّانِي: جَوَازُ الِاسْتِدْلَالِ بِظَاهِرِ الْعُمُومِ فِيمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْبُيُوعِ، وَفَسَادُ الِاسْتِدْلَالِ بِظَاهِرِ الْمَعْهُودِ فِيمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْبُيُوعِ.

(فَصْلٌ: الْقَوْلُ فِي مَاهِيَّةِ البيع)

فَإِذَا تَقَرَّرَ إِحْلَالُ الْبُيُوعِ فِي الْجُمْلَةِ.
فَحَقِيقَةُ الْبَيْعِ فِي اللِّسَانِ: تَبَدُّلُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ.

وَحَقِيقَتُهُ فِي الشَّرْعِ: نَقَلُ مِلْكٍ بِعِوَضٍ عَلَى الْوَجْهِ الْمَأْذُونِ فِيهِ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: نَقْلُ مِلْكٍ، احْتِرَازًا مِمَّا لَا يُمْلَكُ، وَمِمَّنْ لَا يَمْلِكُ.
وَقُلْنَا: بِعِوَضٍ احْتِرَازًا مِنَ الْهِبَاتِ، وَمِمَّا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا.
وَقُلْنَا: عَلَى الْوَجْهِ الْمَأْذُونِ فِيهِ، احْتِرَازًا مِنَ الْبُيُوعِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا كالملامسة والمنابذة.
أفضل المكاسب

وإذا كان ذلك حقيقة البيوع الجائز فِي الشَّرْعِ.
فَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ: هَلِ الْبُيُوعُ الجائزة من أجل المكاسب وأطيبها؟ أو غَيْرَهَا مِنَ الْمَكَاسِبِ أَجَلُّ مِنْهَا؟ فَقَالَ قَوْمٌ: الزِّرَاعَاتُ أَجَلُّ الْمَكَاسِبِ كُلِّهَا، وَأَطْيَبُ مِنَ الْبُيُوعِ وَغَيْرِهَا، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ فِي الِاكْتِسَابِ بِهَا أَحْسَنُ تَوَكُّلًا، وَأَقْوَى إِخْلَاصًا، وَأَكْثَرُ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى تَفْوِيضًا وَتَسْلِيمًا.
وَقَالَ آخَرُونَ: إنَّ الصِّنَاعَاتِ أَجَلُّ كَسْبًا مِنْهَا وَأَطْيَبُ مِنَ الْبُيُوعِ وَغَيْرِهَا، لِأَنَّهَا اكْتِسَابٌ تُنَالُ بِكَدِّ الْجِسْمِ وَإِتْعَابِ النَّفْسِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ الْمُحْتَرِفَ " فَظَاهِرُ الِاحْتِرَافِ بِالنَّفْسِ دُونَ الْمَالِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: الْبِيَاعَاتُ أَجَلُّ الْمَكَاسِبِ كُلِّهَا، وَأَطْيَبُ مِنَ الزِّرَاعَاتِ وَغَيْرِهَا، وَهُوَ أَشْبَهُ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَالْعِرَاقِيِّينَ، حَتَّى أَنَّ محمد بن الحسن قِيلَ لَهُ: هَلَّا صَنَعْتَ كِتَابًا فِي الزُّهْدِ، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، قِيلَ: فَمَا ذَلِكَ الْكِتَابُ؟ قَالَ: هُوَ كِتَابُ الْبُيُوعِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْبُيُوعَ أَجَلُّ الْمَكَاسِبِ كُلِّهَا إِذَا وَقَعَتْ عَلَى الْوَجْهِ الْمَأْذُونِ فِيهِ: أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ صَرَّحَ فِي كِتَابِهِ بإحلالها، فقال: ﴿وأحل الله البيع﴾ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِإِحْلَالِ غَيْرِهَا، وَلَا ذَكَرَ جَوَازَهَا وَإِبَاحَتَهَا.
وَرَوَتْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " أَطْيَبُ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ " وَالْكَسْبُ فِي كِتَابِ اللَّهِ التِّجَارَةُ.
وَرَوَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْعَمَلِ أَطْيَبُ؟ فَقَالَ: " عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ وَكُلُّ بَيْعٍ مَبْرُورٍ ".

وَلِأَنَّ الْبُيُوعَ أَكْثَرُ مَكَاسِبِ الصَّحَابَةِ، وَهِيَ أَظْهَرُ فِيهِمْ مِنَ الزِّرَاعَةِ وَالصِّنَاعَةِ.
وَلِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ بِهَا أَعَمُّ، وَالْحَاجَةَ إِلَيْهَا أَكْثَرُ، إِذْ لَيْسَ أَحَدٌ يَسْتَغْنِي عَنِ ابْتِيَاعِ مَأْكُولٍ أَوْ مَلْبُوسٍ، وَقَدْ يَسْتَغْنِي عَنْ صِنَاعَةٍ وَزِرَاعَةٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رَوَى سَلْمَانُ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا تَكُنْ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ السُّوقَ وَلَا آخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا، فَإِنَّ فِيهَا بَاضَ الشَّيْطَانُ وَفَرَّخَ " فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ مَكْرُوهًا، لِيَصِحَّ أَنْ يَكُونَ عَنْ مُلَازَمَتِهِ مَنْهِيًّا.
قِيلَ: هَذَا غَلَطٌ، كَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يُكْرَهَ مَا صَرَّحَ اللَّهُ بِإِحْلَالِهِ فِي كِتَابِهِ؟ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنْ لَا يَصْرِفَ أَكْثَرَ زَمَانِهِ إِلَى الِاكْتِسَابِ، وَيَشْتَغِلَ بِهِ عَنِ الْعِبَادَةِ حَتَّى يَصِيرَ إِلَيْهِ مُنْقَطِعًا، وَبِهِ مُتَشَاغِلًا، كَمَا رُوِيَ عَنِ الْإِمَامِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " نَهَى عَنِ السوْم قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ " يُرِيدُ أَنْ لَا يَجْعَلَهُ أَكْبَرَ هَمِّهِ، حَتَّى يَبْتَدِئَ بِهِ فِي صَدْرِ يَوْمِهِ، لَا أَنَّهُ حَرَامٌ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " يَا تُجَّارُ كُلُّكُمْ فُجَّارٌ إِلَّا مَنْ أَخَذَ الْحَقَّ وَأَعْطَى الْحَقَّ " فَجَعَلَ الْفُجُورَ فِيهِمْ عُمُومًا، وَمُعَاطَاةَ الْحَقِّ خُصُوصًا، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الصفات أَجَلِّ الْمَكَاسِبِ.
قِيلَ: إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ، لِأَنَّ مِنَ الْبُيُوعِ مَا يَحِلُّ، وَمِنْهَا مَا يَحْرُمُ، وَمِنْهَا مَا يُسْتَحَبُّ وَمِنْهَا مَا يُكْرَهُ، كَمَا رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " لَوِ اتَّجَرَ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ مَا اتَّجَرُوا إِلَا فِي البُر، وَلَوِ اتَّجَرَ أَهْلُ النَّارِ مَا اتَّجَرُوا إِلَّا فِي الصَّرْفِ " قَالَ ذَلِكَ اسْتِحْبَابًا لِتِجَارَةِ البُر، وَكَرَاهَةً لِتِجَارَةِ الصَّرْفِ.
وَقَدْ رَوَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مَنْ كَانَ يَبِيعُ الطَّعَامَ وَلَيْسَ لَهُ تِجَارَةٌ غَيْرُهُ، حَاطَ، أَوْ بَاعَ، أَوْ طَاغَ، أَوْ زَاغَ "، يُرِيدُ بِذَلِكَ كَرَاهَةَ التَّفَرُّدِ بِالتِّجَارَةِ فِي هذا الجنس.

وَلَيْسَ كَلَامُنَا فِيمَا كُرِهَ مِنْهَا، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِيمَا اسْتُحِبَّ مِنْهَا، وَهُوَ مَا اسْتَثْنَاهُ رَسُولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - منها.

(فصل: في شروط البيع)

فَإِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَا فِي حَقِيقَةِ الْبَيْعِ وَانْتِقَالِ الْمِلْكِ بِهِ: فَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأُمِّ مَا يَلْزَمُ بِهِ الْبَيْعُ وَمَا يَجُوزُ أَنْ يُفْسَخَ بِهِ الْبَيْعُ.
فَقَالَ: وَجِمَاعُ مَا يَجُوزُ مِنْ كُلِّ بَيْعٍ آجِلٍ وَعَاجِلٍ، وَمَا لَزِمَهُ اسْمُ بَيْعٍ بِوَجْهٍ، لَا يُلْزِمُ الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ حَتَّى يَجْتَمِعَا أَنْ يَتَبَايَعَاهُ بِرِضًا مِنْهُمَا بِالتَّبَايُعِ بِهِ وَلَا يَعْقِدَاهُ بِأَمْرٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ، وَلَا عَلَى أَمْرٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ، وَأَنْ يَتَفَرَّقَا بَعْدَ تَبَايُعِهِمَا عَنْ مَقَامِهِمَا الَّذِي تَبَايَعَا فِيهِ عَلَى التَّرَاضِي بِالْبَيْعِ، فَإِذَا اجْتَمَعَ هَذَا لَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيْعُ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّهُ إِلَّا بِخِيَارٍ، أَوْ فِي عَيْبٍ يَجِدُهُ، أَوْ شَرْطٍ يَشْتَرِطُهُ، أَوْ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ - إِنْ جَازَ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ - وَمَتَى لَمْ يَكُنْ هَذَا لَمْ يَقَعِ الْبَيْعُ بَيْنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ.
وَحَكَى الْمُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي جَامِعِهِ الْكَبِيرِ: مِثْلَهُ سَوَاءً فَأَرَادَ الشَّافِعِيُّ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنْ يُبَيِّنَ شُرُوطَ الْعَقْدِ، وَشُرُوطَ الرَّدِّ.
فَأَمَّا شُرُوطُ الْعَقْدِ الَّتِي يَصِيرُ بِهَا لَازِمًا فَأَرْبَعَةٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يَتَبَايَعَاهُ بِرِضًا مِنْهُمَا بِالتَّبَايُعِ بِهِ حَتَّى لَا يَكُونَا مُكْرَهَيْنِ وَلَا أَحَدُهُمَا، لِأَنَّ بَيْعَ الْمُكْرَهِ لَا يَصِحُّ.
وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَعْقِدَاهُ بِأَمْرٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ يَعْنِي بِذَلِكَ الْأَجَلَ الْمَجْهُولَ وَالشُّرُوطَ الْمُبْطِلَةَ لِلْعُقُودِ، وَمَا وَرَدَ النَّهْيُ فِي تَحْرِيمِهِ مِنَ الْبُيُوعِ كَالْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ لَا يَعْقِدَاهُ عَلَى أَمْرٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ، يَعْنِي بِذَلِكَ الْأَعْيَانَ الْمُحَرَّمَةَ كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ، وَمَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ كَالْهَوَامِّ وَالْحَشَرَاتِ.
وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ هِيَ شُرُوطٌ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ، فَمَتَى أُخِلَّ بِشَرْطٍ مِنْهَا، فَسَدَ الْعَقْدُ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يَفْتَرِقَا بَعْدَ تَبَايُعِهِمَا عَنْ مَقَامِهِمَا الَّذِي تَبَايَعَا فِيهِ عَلَى التَّرَاضِي بِالْبَيْعِ.
وَهَذَا شَرْطٌ فِي لُزُومِ الْعَقْدِ بَعْدَ وُقُوعِ صِحَّتِهِ.
وَكَانَ ابْنُ الْمَرْزُبَانِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا يَضُمُّونَ إِلَى الْأَرْبَعَةِ شَرْطًا خَامِسًا: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُتَبَايِعَانِ جَائِزَيِ الْأَمْرِ، فَلَا يَكُونَا، وَلَا أَحَدُهُمَا مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِصِغَرٍ أَوْ جُنُونٍ، أَوْ سَفَهٍ، لِأَنَّ بَيْعَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ بَاطِلٌ.
وَامْتَنَعَ سَائِرُ أَصْحَابِنَا مِنْ تَخْرِيجِ هَذَا الشَّرْطِ الْخَامِسِ.
وَأَجَابُوا عَنْهُ بِجَوَابَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ هَذَا شَرْطٌ فِي الْبَائِعِ لَا فِي الْبَيْعِ، وَالشَّافِعِيُّ إِنَّمَا ذَكَرَ شُرُوطَ الْبَيْعِ، وَهَذَا جَوَابُ الْبَغْدَادِيِّينَ.

وَالثَّانِي: وَهُوَ جَوَابُ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي جُمْلَةِ الشَّرْطِ الثَّانِي وَهُوَ أَنْ لَا يَعْقِدَاهُ بِأَمْرٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ، لِأَنَّ عَقْدَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، فَلَمْ يَحْتَجْ أَنْ يَجْعَلَهُ شَرْطًا خَامِسًا.
وَهَذَا أَصَحُّ الْجَوَابَيْنِ، لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ قَدْ ذَكَرَ فِي الشَّرْطِ الْأَوَّلِ أَنْ يَعْقِدَاهُ عَنْ تَرَاضٍ، وَهَذَا شَرْطٌ فِي الْبَائِعِ دُونَ الْبَيْعِ.
فَهَذِهِ شُرُوطُ الْعَقْدِ.
فَأَمَّا شُرُوطُ الرَّدِّ وَمَا يَكُونُ بِهِ الْفَسْخُ فَأَرْبَعَةٌ أَيْضًا: أَحَدُهَا: الْخِيَارُ الْمَوْضُوعُ لِلْفَسْخِ، وَهُوَ أَحَدُ خِيَارَيْنِ: إِمَّا خِيَارُ الْمَجْلِسِ أَوْ خِيَارُ الثَّلَاثِ.
وَالثَّانِي: وُجُودُ الْعَيْبِ بِالْمَبِيعِ، فَيَسْتَحِقُّ بِهِ خِيَارُ الْفَسْخِ.
وَالثَّالِثُ: شَرْطٌ يَشْتَرِطُهُ فِي الْعَقْدِ فَيَعْقِدُهُ، مِثْلُ أَنْ يُشْتَرَطَ فِي الْعَقْدِ رَهْنًا فِي الثَّمَنِ بِهِ أَوْ كَفِيلًا بِهِ، فَيَمْتَنِعُ الْمُشْتَرِي مِنْ دَفْعِ الرَّهْنَ فِيهِ أَوِ الْكَفِيلِ بِهِ، فَيَكُونُ لِلْبَائِعِ الْفَسْخُ، أَوْ يَشْتَرِطُ الْمُشْتَرِي فِي ابْتِيَاعِ الْعَبْدِ أَنَّهُ ذُو صَنْعَةٍ، فَيَجِدُهُ لَا يُحْسِنُهَا فَيَكُونُ لِلْمُشْتَرِي الْفَسْخُ.
وَالرَّابِعُ: الرُّؤْيَةُ فِي بَيْعِ الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ عَلَى خِيَارِ الرُّؤْيَةِ، إِذَا قِيلَ بِجَوَازِهِ، فَيَسْتَحِقُّ بِهِ الْفَسْخَ عَلَى مَا سَيَأْتِي.
فَهَذِهِ شُرُوطُ الرَّدِّ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ شُرُوطِ العقد.

مسألة في بيع العين الغائبة

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " فَإِذَا عَقَدَا بَيْعًا مِمَّا يَجُوزُ وَافْتَرَقَا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا بِهِ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمَا رده إلا بعيب أو بشرط خيار (قال المزني) وقد أجاز في الإملاء وفي كتاب الجديد والقديم وفي الصداق وفي الصلح خيار الرؤية وهذا كله غير جائز في معناه (قال المزني) وهذا بنفي خيار الرؤية أولى به إذ أَصْلُ قَوْلِهِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْبَيْعَ بَيْعَانِ لَا ثالث لهما صفة مضمونة وعين معروفة وأنه يبطل بيع الثوب لم ير بعضه لجهله به فكيف يجيز شراء مَا لَمْ يَرَ شَيْئًا مِنْهُ قَطُّ وَلَا يَدْرِي أَنَّهُ ثَوْبٌ أَمْ لَا حَتَّى يُجْعَلَ له خيار الرؤية ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: هَذَا كَمَا قَالَ: الْبُيُوعُ نَوْعَانِ: بَيْعُ رَقَبَةٍ، وَبَيْعُ مَنْفَعَةٍ: فَأَمَّا بَيْعُ الْمَنَافِعِ فَهُوَ الْإِجَارَاتُ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّهَا صِنْفٌ من البيوع، ولها كتاب: وَأَمَّا بَيْعُ الرِّقَابِ، فَضَرْبَانِ: بُيُوعُ أَعْيَانٍ، وَبُيُوعُ صِفَاتٍ.
فَأَمَّا بُيُوعُ الصِّفَاتِ: فَالسَّلَمُ، وَلَهُ بَابٌ.
وَأَمَّا بُيُوعُ الْأَعْيَانِ، فَضَرْبَانِ: عَيْنٌ حَاضِرَةٌ، وَعَيْنٌ غَائِبَةٌ.
فَأَمَّا الْعَيْنُ الْحَاضِرَةُ، فَبَيْعُهَا جَائِزٌ.
وَأَمَّا الْعَيْنُ الْغَائِبَةُ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: مَوْصُوفَةٌ، وَغَيْرُ مَوْصُوفَةٍ: فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَوْصُوفَةٍ، فَبَيْعُهَا بَاطِلٌ.
وَإِنْ كَانَتْ مَوْصُوفَةً فَفِي جَوَازِ بَيْعِهَا قَوْلَانِ: وَقَالَ أبو حنيفة: يَجُوزُ بَيْعُ الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ مَوْصُوفَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ مَوْصُوفَةٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَجُوزُ بَيْعُهَا مَوْصُوفَةً، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا غَيْرَ مَوْصُوفَةٍ.

الْأَدِلَّةُ: اسْتَدَلَّ مَنْ أَجَازَ بَيْعَ الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ: بعموم قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ وَبِمَا رَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " مَنِ اشْتَرَى مَا لَمْ يَرَهُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِذَا رَآهُ ". وَقَالُوا: وَلِأَنَّهُ إِجْمَاعُ الصحابة: رُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَطَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - تَنَاقَلَا دَارَيْنِ: إِحْدَاهُمَا بِالْكُوفَةِ، وَالْأُخْرَى بِالْبَصْرَةِ، فَقِيلَ لِعُثْمَانَ: غَبَنْتَ فَقَالَ: لَا أُبَالِي لِي الْخِيَارُ إِذَا رَأَيْتُهَا، فَتَرَافَعَا إِلَى جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، فَقَضَى بِالْخِيَارِ لِطَلْحَةَ.
وَرُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ اشْتَرَى أَرْضًا لَمْ يَرَهَا.
وَرُوِيَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ اشْتَرَى إِبِلًا لَمْ يَرَهَا.
فَصَارَ هَذَا قَوْلُ خَمْسَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَيْسَ لَهُمْ مُخَالِفٌ، فَثَبَتَ أَنَّهُ إِجْمَاعٌ.
وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَمْنَعَ مِنْهُ فَقْدُ رُؤْيَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ كَالنِّكَاحِ.
وَلِأَنَّ فَقْدَ رُؤْيَةِ الْمَبِيعِ لَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنَ الْجَهْلِ بِصِفَاتِ الْمَبِيعِ، وَالْجَهْلُ بِصِفَاتِ الْمَبِيعِ، لَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الْعَقْدِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ فِيهِ كَالْمَبِيعِ إِذَا ظَهَرَ عَلَى عَيْبِهِ وَالْمَفْقُودِ لِلرُّؤْيَةِ بِقِشْرِهِ، وَلِأَنَّ الرُّؤْيَةَ لَوْ كَانَتْ شَرْطًا فِي بُيُوعِ الْأَعْيَانِ كَالصِّفَةِ فِي بُيُوعِ الصِّفَاتِ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ رُؤْيَةُ جَمِيعِ الْمَبِيعِ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ، كَمَا أَنَّ صِفَةَ جَمِيعِ السَّلَمِ فِيهِ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهِ، فَلَمَّا كَانَ مُشْتَرِي الصُّبْرَةِ إِذَا رَأَى بَعْضَهَا جَازَ لَهُ أَنْ يَبْتَاعَ جَمِيعَهَا، عُلِمَ أَنَّ الرُّؤْيَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا فِي بُيُوعِ الْأَعْيَانِ.
وَلِأَنَّ الرُّؤْيَةَ لَوْ كَانَتْ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ.
لَكَانَ وُجُودُهَا شَرْطًا فِي حَالِ الْعَقْدِ، وَلَمْ يُسْتَغْنَ بِرُؤْيَةٍ تَقَدَّمَتِ الْعَقْدَ، كَالصِّفَاتِ فِي السَّلَمِ، وَذِكْرِ الثَّمَنِ، فَلَمَّا صَحَّ الْعَقْدُ بِالرُّؤْيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَى الْعَقْدِ ثَبَتَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ.
وَالدَّلَالَةُ عَلَى بُطْلَانِ الْبَيْعِ: رِوَايَةُ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ ". وَحَقِيقَةُ الْغَرَرِ؛ مَا تَرَدَّدَ بَيْنَ جَائِزَيْنِ أَخْوَفُهُمَا أَغْلَبُهُمَا.

وَبَيْعُ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ غَرَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يُعْلَمُ هَلِ الْمَبِيعُ سَالِمٌ أَوْ هَالِكٌ؟ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ هَلْ يَصِلُ إِلَيْهِ أَوْ لَا يَصِلُ؟ . وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ " نَهَى عَنْ بَيْعِ غَائِبٍ بِنَاجِزٍ "، وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ صَرْفٍ وَغَيْرِهِ، فَهُوَ عَلَى عُمُومِهِ.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ " نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمُلَامَسَةِ "، فَالْمُلَامَسَةُ: بَيْعُ الثَّوْبِ الْمَطْوِيِّ.
فَإِذَا نَهَى عَنِ الْمُلَامَسَةِ لِجَهْلٍ بِالْمَبِيعِ، وَإِنْ كَانَ الثَّوْبُ حَاضِرًا، كَانَ بُطْلَانُهُ أَوْلَى إِذَا كَانَ غَائِبًا.
وَلِأَنَّ بَيْعَ الصِّفَةِ إِذَا عُلِّقَ بِالْعَيْنِ بَطَلَ، كَذَلِكَ بَيْعُ الْعَيْنِ إِذَا عُلِّقَ بِالصِّفَةِ بَطَلَ.
وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا: أَنَّهُ بَيْعُ عَيْنٍ بِصِفَةٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بَاطِلًا، كَالسَّلَمِ فِي الْأَعْيَانِ.
وَلِأَنَّ الِاعْتِمَادَ فِي السَّلَمِ عَلَى الصِّفَةِ، وَالِاعْتِمَاد فِي بَيْعِ الْأَعْيَانِ عَلَى الرُّؤْيَةِ؛ لِأَنَّ السَّلَمَ يَصِيرُ مَعْلُومًا بِالصِّفَةِ، كَمَا أَنَّ الْعَيْنَ تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِالرُّؤْيَةِ.
فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ السَّلَمَ إِذَا لَمْ يُوصَفْ حَتَّى يَصِيرَ السلم فِيهِ مَعْلُومًا بَطَلَ الْعَقْدُ، وَجَبَ إِذَا لَمْ يَرَ الْعَيْنَ حَتَّى تَصِيرَ مَعْلُومَةً بِالرُّؤْيَةِ أَنْ يَبْطُلَ الْعَقْدُ، إِذِ الْإِخْلَالُ بِالرُّؤْيَةِ فِي الْمَرْئِيَّاتِ كَالْإِخْلَالِ بِالصِّفَةِ فِي الْمَوْصُوفَاتِ.
وَتَحْرِيرُ ذَلِكَ قِيَاسًا: إِنَّ جَهْلَ الْمُشْتَرِي بِصِفَاتِ الْمَبِيعِ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْعَقْدِ كَالسَّلَمِ إِذَا لَمْ يُوصَفْ.
وَلِأَنَّهُ بَيْعٌ مَجْهُولُ الصِّفَةِ عِنْدَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بَاطِلًا، كَقَوْلِهِ: بِعْتُكَ عَبْدًا أَوْ ثَوْبًا.
فَإِنْ قيل: إنما بطل إذا باعه عبدا، لا أنه غَيْرُ مُعَيَّنٍ وَلَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ لِأَنَّهُ بَطَلَ لِكَوْنِهِ مَجْهُولَ الصِّفَةِ.
قِيلَ: فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ بُطْلَانُهُ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، لِأَنَّ السَّلَمَ يَصِحُّ وَهُوَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، فَثَبَتَ أَنَّهُ بَطَلَ لِكَوْنِهِ مَجْهُولَ الصِّفَةِ، وَيُمْكِنُ تَسْلِيمُ عَبْدٍ وَسَطٍ.
وَلِأَنَّهُ بَيْعُ عَيْنٍ لَمْ يَرَ شَيْئًا مِنْهَا، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَصِحَّ كَالسَّمَكِ فِي الْمَاءِ والطير في

الْهَوَاءِ.
وَلِأَنَّهُ خِيَارٌ مُمْتَدٌّ بَعْدَ الْمَجْلِسِ غَيْرُ مَوْضُوعٍ لِاسْتِدْرَاكِ الْغَبْنِ، فَوَجَبَ أَنْ يَمْنَعَ صِحَّةَ الْعَقْدِ، أَصْلُهُ إِذَا اشْتَرَطَ خِيَارًا مُطْلَقًا.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ: إِنْ سُلِّمَ أَنَّهَا عَامَّةٌ فَخَصَّصَهَا بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَدِلَّةِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَقَدْ قَالَ الْحُفَّاظُ مِنْ حَمَلَةِ الْآثَارِ وَالْجَهَابِذَةُ مِنْ نَقَلَةِ الْأَخْبَارِ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ الْأَهْوَازِيَّ تَفَرَّدَ بِرِوَايَتِهِ، وَهُوَ مَشْهُورٌ بِاخْتِرَاعِ الْأَحَادِيثِ وَوَضْعِهَا، وَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ مَنْزِلَتَهُ، فَغَيْرُ مُلْتَفَتٍ إِلَى رِوَايَتِهِ.
عَلَى أَنَّهُ لَوْ صَحَّ، لَأَمْكَنَ اسْتِعْمَالُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ: " مَنِ اشْتَرَى مَا لَمْ يَرَهُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِذَا رَآهُ " فِي الِاسْتِئْنَافِ لِلْعَقْدِ عَلَيْهِ، لَا فِي اسْتِصْحَابِ الْعَقْدِ الْمُتَقَدِّمِ مِنْهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى السَّلَمِ الَّذِي لَمْ يَرَهُ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِذَا رَآهُ نَاقِصًا عَنِ الصِّفَةِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنِ اشْتَرَى مَا لَمْ يَرَهُ فِي حَالِ الْعَقْدِ إِذَا كَانَ قَدْ رَآهُ قَبْلَ الْعَقْدِ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِذَا وَجَدَهُ نَاقِصًا فِيمَا بَعْدُ.
أَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرَهُ مِنَ الْإِجْمَاعِ: فَقَدْ خَالَفَ فِيهِ عُمَرَ، فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ إِجْمَاعًا يُحْتَجُّ بِهِ، أَوْ دَلَالَةً تَلْزَمُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عُمَرُ مُخَالِفًا، لَكَانَ قَوْلُ خَمْسَةٍ لَا يُعْلَمُ انْتِشَارُهُ فِي جَمِيعِهِمْ، وَالْقِيَاسُ يُخَالِفُهُ، فَوَجَبَ أَنْ يُقَدَّمَ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى النِّكَاحِ، فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الْجَمْعِ، وَهُوَ أَنَّ الرُّؤْيَةَ مَوْضُوعَةٌ لِاسْتِدْرَاكِ الصِّفَةِ وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ فِي النِّكَاحِ صِفَةَ الْمَنْكُوحَةِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ فِيهِ الْوَصْلَةَ، أَلَا تَرَاهُ لَوْ وَجَدَهَا مَعِيبَةً لَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارٌ، فَكَذَلِكَ لَمْ يَكُنِ الْجَهْلُ بِصِفَاتِهَا مَانِعًا مِنْ صِحَّةِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا، وَصِفَاتُ الْمَبِيعِ مَقْصُودَةٌ فِي الْبَيْعِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ وَجَدَهُ مَعِيبًا كَانَ لَهُ الْخِيَارُ، وَكَذَلِكَ كَانَ الْجَهْلُ بِصِفَاتِهِ مَانِعًا مِنْ صِحَّةِ الْعَقْدِ عَلَيْهِ.
عَلَى أَنَّ أبا حنيفة قَدْ فَرَّقَ بَيْنَ النِّكَاحِ وَالْبَيْعِ فِي الرُّؤْيَةِ، فَقَالَ: عَقْدُ النِّكَاحِ لَازِمٌ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ، وَعَقْدُ الْبَيْعِ فِي الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ لَا يَلْزَمُ إِلَّا بِالرُّؤْيَةِ.
فَيُقَالَ لَهُ: لَمَّا كَانَتِ الرُّؤْيَةُ شَرْطًا فِي لُزُومِ الْبَيْعِ، كَانَتْ شَرْطًا فِي انْعِقَادِهِ، وَلَمَّا لَمْ تَكُنِ الرُّؤْيَةُ شَرْطًا فِي لُزُومِ النِّكَاحِ، لَمْ تَكُنْ شَرْطًا فِي انْعِقَادِهِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: إِنَّ فَقْدَ الرُّؤْيَةِ يُوقِعُ الْجَهْلَ بِصِفَاتِ الْمَبِيعِ، وَالْجَهْلُ بِصِفَاتِ الْمَبِيعِ، يُوجِبُ الْخِيَارَ، وَلَا يُوجِبُ فَسَادَ الْعَقْدِ كَالْمَعِيبِ وَالْمَسْتُورِ بِقِشْرِهِ.
فَهُوَ أَنَّ الْمَعِيبَ وَالْمَسْتُورَ بِقِشْرِهِ قَدْ جُهِلَ بَعْضُ صِفَاتِهِ، وَالْغَائِبُ قَدْ جَهِلَ جَمِيعَ صِفَاتِهِ، وَالْجَهْلُ بِبَعْضِ الصِّفَاتِ لَا يُسَاوِي حُكْمَ الْجَهْلِ بِجَمِيعِهَا، لِأَمْرَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَدْ يُسْتَدَلُّ بِالْأَمْرِ الْمُشَاهَدِ عَلَى مَا لَيْسَ بُمَشَاهَدٍ، فَيَصِيرُ الْكُلُّ فِي حُكْمِ الْمَعْلُومِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْغَائِبُ الَّذِي لَمْ يشاهد شَيْئًا مِنْهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الرُّؤْيَةَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: رُؤْيَةٌ لَا تَلْحَقُ فِيهَا الْمَشَقَّة وَهِيَ رُؤْيَةُ الْجُمْلَةِ دُونَ [جَمِيعِ] الْأَجْزَاءِ، وَرُؤْيَةٌ تَلْحَقُ فِيهَا الْمَشَقَّة وَهِيَ رُؤْيَةُ جَمِيعِ الْأَجْزَاءِ كَالْعُيُوبِ الْخَفِيَّةِ وَالْمَأْكُولَاتِ الَّتِي فِي قُشُورِهَا.
فَالرُّؤْيَةُ الَّتِي تَجِبُ وَتَكُونُ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ، هِيَ رُؤْيَةُ الْجُمْلَةِ لِعَدَمِ الْمَشَقَّةِ فِيهَا [دُونَ رُؤْيَةِ جَمِيعِ الْأَجْزَاءِ لِوُجُودِ الْمَشَقَّةِ فِيهَا] . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: لَوْ كَانَتِ الرُّؤْيَةُ شَرْطًا كَالصِّفَةِ، لَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ رُؤْيَةُ الْجَمِيعِ شَرْطًا كَالصِّفَةِ: فَهُوَ أَنَّ رُؤْيَةَ الْبَعْضِ قَدْ أُقِيمَتْ فِي الشَّرْعِ مَقَامَ رُؤْيَةِ الْكُلِّ، بِدَلِيلِ أَنَّ مَا لَمْ يُشَاهَدْ مِنْهُ لَا خِيَارَ فِيهِ إِذَا شُوهِدَ إِلَّا بِوُجُودِ عَيْبٍ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَالْمُشَاهَدِ، لَثَبَتَ فِيهِ الْخِيَارُ كَالْغَائِبِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الصِّفَةُ؛ لِأَنَّ صِفَةَ الْبَعْضِ لَمْ يجرِ عَلَيْهَا فِي الشَّرْعِ حُكْمُ صِفَةِ الْكُلِّ، فَافْتَرَقَا مِنْ حَيْثُ ظُنَّ أَنَّهُمَا قَدِ اجْتَمَعَا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: لَوْ كَانَتِ الرُّؤْيَةُ شَرْطًا، لَكَانَ وُجُودُهَا حَالَ الْعَقْدِ شَرْطًا كَالصِّفَةِ فِي السَّلَمِ.
فَهُوَ أَنَّ الرُّؤْيَةَ قَبْلَ الْعَقْدِ تَجْعَلُ الْمَبِيعَ مَعْلُومًا فِي حَالِ الْعَقْدِ، وَالصِّفَةُ قَبْلَ الْعَقْدِ لَا تَجْعَلُ الْمُسَلَّمَ فِيهِ مَعْلُومًا فِي حَالِ الْعَقْدِ، فَلِذَلِكَ لَزِمَ أَنْ تَكُونَ الصِّفَةُ مَعَ الْعَقْدِ، وَلَمْ يَلْزَمْ أَنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ مَعَ الْعَقْدِ.

فَصْلٌ:

فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ بَيْعَ الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ بَاطِلٌ إِذَا لَمْ تُوصَفْ، فَفِي جَوَازِ بَيْعِهَا إِذَا وُصِفَتْ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ.
نَصَّ عَلَيْهِ فِي سِتَّةِ كُتُبٍ: فِي الْقَدِيمِ، وَالْإِمْلَاءِ، وَالصُّلْحِ، وَالصَّدَاقِ، وَالصَّرْفِ، وَالْمُزَارِعَةِ، وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ أَظْهَرُهُمَا: نَصَّ عَلَيْهِ فِي سِتَّةِ كُتُبٍ: فِي الرِّسَالَةِ، وَالسُّنَنِ، وَالْإِجَارَةِ، وَالْغَصْبِ، وَالِاسْتِبْرَاءِ، وَالصَّرْفِ فِي بَابِ الْعُرُوضِ.
وَبِهِ قَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ وَالرَّبِيعِ، والبويطي.

وَقَدْ يَدْخُلُ تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْحجاجينَ.
فَأَمَّا الْمُزَنِيُّ: فَإِنَّهُ احْتَجَّ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ عَلَى بُطْلَانِ بَيْعِ الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ، بِشَيْئَيْنِ: أحدهما: أن قَالَ: أَصْلُ قَوْلِهِ وَمَعْنَاهُ: أَنَّ الْبَيْعَ بَيْعَانِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا: صِفَةٌ مَضْمُونَةٌ، وَعَيْنٌ مَعْرُوفَةٌ.
والثاني: أن قَالَ: فَإِنَّهُ يَبْطُلُ بَيْعُ الثَّوْبِ يُرَى بَعْضُهُ، فَكَيْفَ يُجِيزُ شري مَا لَمْ يَرَ شَيْئًا مِنْهُ قَطُّ، وَلَا يَدْرِي أَنَّهُ ثَوْبٌ أَمْ لَا، حَتَّى يُجْعَلَ لَهُ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ.
وَالْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرَهُ مِنَ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الشَّافِعِيَّ إِنَّمَا قَالَ: الْبَيْعُ بَيْعَانِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا، عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي لَا يُجِيزُ فِيهِ بَيْعَ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ.
فَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْأَخِيرِ، فَقَدْ قَالَ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ فِي بَابِ بَيْعِ الْعُرُوضِ وَلَا يَجُوزُ مِنَ الْبُيُوعِ إِلَّا ثَلَاثَةً: بَيْعُ عَيْنٍ حَاضِرَةٍ، وَبَيْعُ عَيْنٍ غَائِبَةٍ، فَإِذَا رَآهَا الْمُشْتَرِي فَلَهُ الْخِيَارُ، وَصِفَةٌ مَضْمُونَةٌ، فَبَطَلَ هَذَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَصَدَ بِقَوْلِهِ: الْبَيْعُ بَيْعَانِ، الْفَرْقَ بَيْنَ بُيُوعِ الصِّفَاتِ الْمَضْمُونَةِ فِي الذِّمَمِ، وَبَيْنَ بُيُوعِ الْأَعْيَانِ غَيْرِ الْمَضْمُونَةِ فِي الذِّمَمِ.
وَهَذَا يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: عَيْنٌ حَاضِرَةٌ، وَعَيْنٌ غَائِبَةٌ.
وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي بَيْعِ الثَّوْبِ يُرَى بَعْضُهُ: فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ إِنَّمَا أَبْطَلَ بَيْعَ الثَّوْبِ يُرَى بَعْضُهُ، عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي لَا يُجِيزُ فِيهِ بَيْعَ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ، فَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي يُجِيزُهُ، فَهَذَا الْبَيْعُ أَجْوَزُ، وَكَيْفَ يُجِيزُ بَيْعَ مَا لَمْ يَرَ شَيْئًا مِنْهُ؟ وَلَا يُجِيزُ بَيْعَ ذَلِكَ الشَّيْءَ وَقَدْ رَأَى بَعْضَهُ؟ هَذَا مِمَّا لَا يُتَوَهَّمُ عَلَى الشَّافِعِيِّ.
فَعَلَى هَذَا يَسْقُطُ احْتِجَاجُ الْمُزَنِيِّ بِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا الْبَصْرِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ إِنَّ بَيْعَ الثَّوْبِ يُرَى بَعْضُهُ لَا يَجُوزُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَعًا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الثَّوْبَ إِذَا رَأَى بَعْضَهُ اجْتَمَعَ فِيهِ حُكْمَانِ مُخْتَلِفَانِ، لِأَنَّ مَا رَأَى مِنْهُ لَا خِيَارَ لَهُ فِيهِ، وَمَا لَمْ يَرَ مِنْهُ لَهُ فِيهِ الْخِيَارُ، فَصَارَا حُكْمَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ جَمَعَهُمَا عَقْدٌ وَاحِدٌ، فَبَطَلَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِذَا كَانَ غَائِبًا كُلَّهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ بَيْعَ الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ إِنَّمَا أُجِيزَ عَلَى خِيَارِ الرُّؤْيَةِ، لِلضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ عِنْدَ تعذر الرؤية، النَّفْعَ الْعَاجِلَ لِلْبَائِعِ بِتَعْجِيلِ الثَّمَنِ، وَلِلْمُشْتَرِي بِالِاسْتِرْخَاصِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي الْعَيْنِ الْحَاضِرَةِ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ لَيْسَتْ دَاعِيَةً إِلَيْهِ وَلَا الرُّؤْيَةَ مُتَعَذِّرَةٌ مِنْهُ.

فَصْلٌ:

فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ بَيْعَ الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ إذا وصفت على قَوْلَيْنِ: فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ بَيْعَهَا غَيْرُ جَائِزٍ فلا تفريغ عَلَيْهِ.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّ بَيْعَهَا جَائِزٌ إِذَا وُصِفَتْ، فَلَا يَخْلُو حَالُ الْبَائِعِ الْوَاصِفِ لَهَا مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ وَصَفَهَا عَنْ مُشَاهَدَةٍ، أَوْ عَنْ صِفَةٍ: فَإِنْ كَانَ قَدْ وَصَفَهَا عَنْ مُشَاهَدَةٍ، جَازَ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ وَصَفَهَا عَنْ صِفَةٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ وَكَّلَ فِي ابْتِيَاعِهَا وكيَلًا، وَوَصَفَهَا الْوَكِيلُ لَهُ بَعْدَ الِابْتِيَاعِ مِنْ غَيْرِ مُشَاهَدَةٍ، ثُمَّ وَصَفَهَا الْبَائِعُ عَنْ صِفَةِ الْوَكِيلِ، فَفِي جَوَازٍ ذَلِكَ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يَشْتَرِيَ الْمُشْتَرِي بِالصِّفَةِ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ؛ جَازَ أَنْ يَبِيعَ الْبَائِعُ بِالصِّفَةِ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَبِيعَ إِذَا لَمْ يَرَهُ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي، كَانَ أَكْثَرَ غَرَرًا، وَإِذَا لَمْ يَرَهُ الْمُشْتَرِي وَحْدَهُ، كَانَ أَقَلَّ غَرَرًا، وَالْغَرَرُ إِذَا قَلَّ فِي الْعَقْدِ عُفِيَ عَنْهُ، وَإِذَا كَثُرَ لَمْ يُعْفَ عَنْهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْبَائِعَ إِذَا وَصَفَهَا مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ، صَارَ بَائِعًا لَهَا بِصِفَةٍ عَنْ صِفَةٍ.
وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ كَالْأَعْمَى فِي بُيُوعِ الْأَعْيَانِ لَا يَصِحُّ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَبِيعُهَا بِصِفَةٍ عَنْ صِفَةٍ.
فَعَلَى هَذَيْنِ التَّعْلِيلَيْنِ لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ رَأَى الْمَبِيعَ وَلَمْ يَرَهُ البائع لكن وصفه له، فعلى الْأَوَّلِ يَجُوزُ لِقِلَّةِ الْغَرَرِ بِرُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا، وَعَلَى التَّعْلِيلِ الثَّانِي لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ بَائِعًا بِصِفَةٍ عَنْ صِفَةٍ.
فَصْلٌ: فَأَمَّا كَيْفِيَّةُ الصِّفَةِ: فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ.
فَالْجِنْسُ أَنْ يَقُولَ: عَبْدٌ أَوْ ثَوْبٌ.
وَالنَّوْعُ أَنْ يَقُولَ فِي الثَّوْبِ: إِنَّهُ قُطْنٌ أَوْ كِتَّانٌ، وَفِي الْعَبْدِ أَنْ يَقُولَ: رُومِيٌّ أَوْ زِنْجِيٌّ، لِيَصِيرَ الْمَبِيعُ مَعْلُومَ الْجُمْلَةِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَهَلْ يُحْتَاجُ مَعَ ذِكْرِ الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ إِلَى ذِكْرِ الصِّفَةِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يُحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِ الصِّفَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ؛ لِأَنَّهُ مَبِيعٌ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالذِّمَّةِ، فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى صِفَةٍ كَسَائِرِ الْأَعْيَانِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الصِّفَةِ، لِأَنَّهُ مَبِيعٌ غَائِبٌ، فَافْتَقَرَ إِلَى ذِكْرِ الصِّفَةِ كَالْمُسَلَّمِ فِيهِ.
فَعَلَى هَذَا إِذَا قِيلَ: إِنَّ الصِّفَةَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ، فَهَلْ يَصِحُّ، أَنْ يَصِفَهُ بِأَقَلِّ صِفَاتِهِ أَوْ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِذِكْرِ أَكْثَرِ صِفَاتِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَصِفَهُ بِأَقَلِّ صِفَاتِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنِ الْجَهَالَةِ.
فَعَلَى هَذَا يَذْكُرُ فِي الْعَبْدِ الرُّومِيِّ بِصِفَةٍ أَنَّهُ خُمَاسِيٌّ أَوْ سُدَاسِيٌّ، وَفِي الثَّوْبِ الْقُطْنِ أَنَّهُ مَرْوِيٌّ أَوْ هُرَوِيٌّ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ حَتَّى يَصِفَهُ بِأَكْثَرِ صِفَاتِهِ؛ لِيَتَمَيَّزَ بِكَثْرَةِ الصِّفَاتِ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الْمَوْصُوفَاتِ، فَعَلَى هَذَا يَذْكُرُ فِي الْعَبْدِ الرُّومِيِّ الْخُمَاسِيِّ قَدَّهُ وَبَدَنَهُ، وَفِي الثَّوْبِ الْقُطْنِ الْمَرْوِيِّ طُولَهُ وَعَرْضَهُ.
فَأَمَّا ذِكْرُ جَمِيعِ صِفَاتِهِ فَلَيْسَتْ شَرْطًا بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا، فَإِن وَصفهُ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ، فَقَالَ الْبَغْدَادِيُّونَ: يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ أَنْفَى لِلْجَهَالَةِ، وَأَبْلَغُ فِي التَّمْيِيزِ.
وَقَالَ الْبَصْرِيُّونَ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ بُيُوعِ الْأَعْيَانِ، وَيَصِيرُ مِنْ بُيُوعِ السَّلَمِ، وَالسَّلَمُ فِي الْأَعْيَانِ لَا يَجُوزُ، فَكَذَلِكَ وَصْفُ الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ بِجَمِيعِ صِفَاتِهَا لَا يَجُوزُ.
فَهَذَا حُكْمُ الصِّفَةِ.

(فَصْلٌ: [بَيَانُ مَوْضِعِ الْبَيْعِ] )

فَأَمَّا ذِكْرُ مَوْضِعِ الْمَبِيعِ، فَيَخْتَلِفُ بِحَسْبِ اخْتِلَافِ الْمَبِيعِ.
فَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ مِمَّا لَا يُنْقَلُ كَالْأَرْضِ وَالْعَقَارِ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ، فَيَقُولُ: بِعْتُكَ دَارًا بِالْبَصْرَةِ أو بغداد، لأن بِذِكْرِ الْبَلَدِ، يَتَحَقَّقُ ذِكْرُ الْجِنْسِ، وَيَصِيرُ فِي جُمْلَةِ الْمَعْلُومِ.
فَأَمَّا ذِكْرُ الْبُقْعَةِ مِنَ الْبَلَدِ؟ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُ ذِكْرُهَا.
وَالثَّانِي: لَا يَلْزَمُ ذِكْرُهَا؛ لِأَنَّ الْبُقْعَةَ تَجْرِي مَجْرَى الصِّفَةِ.
فَأَمَّا إِنْ كَانَ الْمَبِيعُ الْغَائِبُ مِمَّا يُنْقَلُ وَيُحَوَّلُ كَالْعَبْدِ وَالثَّوْبِ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، لِأَنَّ الْقَبْضَ يَتَعَجَّلُ إِنْ كَانَ الْبَلَدُ قَرِيبًا، وَيَتَأَخَّرُ إِنْ كَانَ الْبَلَدُ بَعِيدًا، فَافْتَقَرَ الْعَقْدُ إِلَى ذِكْرِهِ؛ لِيُعْلَمَ بِهِ تَعْجِيلُ الْقَبْضِ مِنْ تَأْخِيرِهِ.
فَأَمَّا ذِكْرُ الْبُقْعَةِ مِنَ الْبَلَدِ، فَلَا يَلْزَمُ، لِأَنَّ الْبَلَدَ الْوَاحِدَ لَا يَخْتَلِفُ أَطْرَافُهُ كَالْبِلَادِ الْمُخْتَلِفَةِ.
فَإِذَا ذكر لَهُ الْبَلَد الَّذِي هُوَ فِيهِ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يُسَلِّمَهُ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ لَا فِي غَيْرِهِ، فَإِنْ شَرَطَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ أَنْ يُسَلِّمَهُ إِلَيْهِ فِي الْبَلَدِ الَّذِي تَبَايَعَا فِيهِ وَهُوَ فِي غَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ، وَكَانَ الْبَيْعُ فَاسِدًا.
فَإِذَا قِيلَ: أَلَيْسَ لَوْ شُرِطَ فِي السَّلَمِ أَنْ يُسَلِّمَهُ فِي بَلَدٍ بِعَيْنِهِ جَازَ، فَهَلَّا جَازَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْعَيْنِ الغائبة؟ .

قِيلَ: لِأَنَّ السَّلَمَ مَضْمُونٌ فِي الذِّمَّةِ، وَلَيْسَ يَخْتَصُّ بِمَوْضِعٍ دُونَ غَيْرِهِ، فَاسْتَوَى جَمِيعُ الْمَوَاضِعِ فِيهِ، فَافْتَقَرَ إِلَى ذِكْرِ الْمَوْضِعِ الَّذِي يَقَعُ الْقَبْضُ فِيهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْعَيْنُ الْغَائِبَةُ، لِأَنَّهَا غَيْرُ مَضْمُونَةٍ فِي الذِّمَّةِ، وَهِيَ مُعَيَّنَةٌ قَدِ اخْتُصَّتْ بِمَوْضِعٍ هِيَ فِيهِ فَلَمْ يَجُزِ اشْتِرَاطُ نَقْلِهَا إِلَى غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ تَبَعًا وَشَرْطًا فِي مَعْنَى بَيْعِ ثَوْبٍ عَلَى أَنَّهُ عَلَى الْبَائِعِ خِيَاطَتُهُ، أَوْ طَعَامٌ أَنَّ عَلَى الْبَائِعِ طحنه.
هَلِ الْعَقْدُ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ تَامٌّ أَمْ لَا؟ فَإِذَا عُقِدَ بَيْعُ الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ عَلَى الْوَصْفِ الْمَشْرُوطِ فِيهِ.
فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَكُونُ الْعَقْدُ تَامًّا قَبْلَ الرُّؤْيَةِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أبي إسحاق المروزي: أَنَّ الْعَقْدَ لَيْسَ بِتَامٍّ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ، لِأَنَّ تَمَامَ الْعَقْدِ يَكُونُ بِالرِّضَا بِهِ وَقَبْلَ الرُّؤْيَةِ لَمْ يَقَعِ الرِّضَا بِهِ، فَلَمْ يَكُنِ الْعَقْدُ تَامًّا، فَعَلَى هَذَا، لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا بَطَلَ الْعَقْدُ، وَلَمْ يَقُمْ وَارِثُهُ مَقَامَهُ، لِأَنَّ الْعُقُودَ غَيْرَ اللَّازِمَةِ، تَبْطُلُ بِالْمَوْتِ، وَكَذَلِكَ لَوْ جُنَّ أَحَدُهُمَا، أَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ بَطَلَ الْعَقْدُ.
وَعَلَى هَذَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي أَنْ يَفْسَخَ الْعَقْدَ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أبي هريرة: إِنَّ الْعَقْدَ قَدْ تَمَّ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ بِالْبَذْلِ وَالْقَبُولِ، وَإِنَّمَا فِيهِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، كَسَائِرِ الْبُيُوعِ.
فَعَلَى هَذَا لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا لَمْ يَبْطُلِ الْعَقْدُ، وَقَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ وَكَذَلِكَ لَوْ جُنَّ أَحَدُهُمَا، أَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ، لَمْ يَبْطُلِ الْعَقْدُ وَقَامَ وَلَيُّهُ مَقَامَهُ.
وَعَلَى هَذَا لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْدَ الِافْتِرَاقِ وَقَبْلَ الرُّؤْيَةِ أَنْ يَفْسَخَ الْعَقْدَ.

(فَصْلٌ: [بَيَانُ وقت الخيار] )

فَإِذَا رَأَى الْمُشْتَرِي السِّلْعَةَ الْمَبِيعَةَ، فَهَلْ يَثْبُتُ لَهُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ أَوْ خِيَارُ الْعَيْبِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَثْبُتُ لَهُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ - لِأَنَّ عِنْدَهُ بِالرُّؤْيَةِ تَمَّ الْعَقْدُ.
فَعَلَى هَذَا لَهُ الْخِيَارُ فِي الْفَسْخِ عَلَى التَّرَاخِي، مَا لَمْ يُفَارِقْ مَجْلِسَهُ، سَوَاءٌ وَجَدَ السِّلْعَةَ نَاقِصَةً عَمَّا وُصِفَتْ أَمْ لَا.
وَلَهُ أَنْ يَشْتَرِطَ فِي الْمَجْلِسِ خِيَارَ الثَّلَاثِ، وَتَأْجِيلَ الثَّمَنِ، وَالزِّيَادَةَ فِيهِ، وَالنُّقْصَانَ مِنْهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَثْبُتُ لَهُ بِالرُّؤْيَةِ خِيَارُ الْعَيْبِ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ - لأن عِنْدَهُ أَنَّ بِالْبَذْلِ وَالْقَبُولِ، قَدْ تَمَّ الْعَقْدُ.
فَعَلَى هَذَا إِنْ وَجَدَهَا عَلَى مَا وُصِفَتْ لَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارٌ، وَإِنْ وَجَدَهَا نَاقِصَةً، كَانَ لَهُ الْخِيَارُ فِي الْفَسْخِ عَلَى الْفَوْرِ.

وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَطَ بَعْدَ الرُّؤْيَةِ خِيَارُ الثَّلَاثِ، وَلَا تَأْجِيلُ الثَّمَنِ، وَلَا الزِّيَادَةُ فِيهِ وَالنُّقْصَانُ مِنْهُ.

فَصْلٌ:

فَأَمَّا خِيَارُ الْبَائِعِ، فَلَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أن يَكُونَ بَيْعُهُ عَنْ رُؤْيَةٍ، أَوْ عَنْ صِفَةٍ: فَإِنْ كَانَ بَيْعُهُ عَنْ رُؤْيَةٍ، فَهَلْ لَهُ الْخِيَارُ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَهُ الْخِيَارُ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ - لِأَنَّ عِنْدَهُ أن بِالرُّؤْيَةِ يَثْبُتُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا خِيَارَ لَهُ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ - لِأَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّ الْعَقْدَ قَدْ تَمَّ، وَبِالرُّؤْيَةِ يَثْبُتُ خِيَارُ الْعَيْبِ.
وَإِنْ كَانَ بَيْعُهُ عَنْ صِفَةٍ، وَجَوَّزْنَاهُ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، فَلَا يَخْلُو حَالُهُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْمَبِيعِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَجِدَهُ زَائِدًا عَلَى مَا وُصِفَ لَهُ، أَوْ غَيْرَ زَائِدٍ.
فَإِنْ وَجَدَهُ زَائِدًا عَمَّا وُصِفَ لَهُ، فَلَهُ الْخِيَارُ فِي الْفَسْخِ، لَا يَخْتَلِفُ كَالْمُشْتَرِي إِذَا رَآهُ نَاقِصًا.
وَهَلْ يَكُونُ خِيَارُهُ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ عَلَى التَّرَاخِي؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: عَلَى التَّرَاخِي مَا لَمْ يُفَارِقْ مَجْلِسَهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ.
وَالثَّانِي: عَلَى الْفَوْرِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ.
فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ زَائِدًا، فَهَلْ لَهُ الْخِيَارُ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ: لَهُ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ أَنَّ الْعَقْدَ يَتِمُّ بِالرُّؤْيَةِ، وَيَثْبُتُ بَعْدَهَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا خِيَارَ لَهُ، لِأَنَّ عِنْدَهُ أَنَّ الْعَقْدَ قَدْ تَمَّ بِالْبَذْلِ وَالْقَبُولِ، وَيَثْبُتُ بِالرُّؤْيَةِ خِيَارُ الْعَيْبِ.
فَهَذَا الْكَلَامُ فِي بَيْعِ الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ عَلَى خِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ عَلَيْهِ مِنْ أَحْكَامٍ.

فَصْلٌ:

فَأَمَّا بَيْعُ الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ بِغَيْرِ شَرْطِ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ فَبَاطِلٌ لَا يختلف فيه المذهب، لأنه بَيْعٌ نَاجِزٌ عَلَى عَيْنٍ غَائِبَةٍ، وَهُوَ أَصْلُ الْغَرَرِ.
وَأَمَّا بَيْعُ الْعَيْنِ الْحَاضِرَةِ عَلَى شَرْطِ خيار الرؤية، كثوب في سفط، أَوْ مَطْوِيٍّ، يَبِيعُهُ مَوْصُوفًا مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ، بِشَرْطِ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ.
فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَبَيْعِ الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّ الْحَاضِرَ يُسَاوِي الْغَائِبَ فِي الْعِلْمِ بِهِ إِذَا وُصِفَ، وَيَزِيدُ عَلَيْهِ فِي زَوَالِ الْغَرَرِ بِتَعْجِيلِ الْقَبْضِ.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَوْلًا وَاحِدًا، بِخِلَافِ الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ، وَابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ، لِأَنَّ الْحَاضِرَ مَقْدُورٌ عَلَى رُؤْيَتِهِ، فَارْتَفَعَتِ الضَّرُورَةُ فِي جَوَازِ بَيْعِهِ عَلَى خِيَارِ الرُّؤْيَةِ، وَالْغَائِبُ لَمَّا لَمْ يُقْدَرْ عَلَى رُؤْيَتِهِ دَعَتِ الضَّرُورَةُ إِلَى جَوَازِ بَيْعِهِ عَلَى خِيَارِ الرُّؤْيَةِ.
فَأَمَّا بَيْعُ السَّلْجَمِ، وَالْجَزَرِ، وَالْبَصَلِ، وَالْفِجْلِ، فِي الْأَرْضِ قَبْلَ قَلْعِهِ عَلَى شَرْطِ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ.
فَقَدْ كَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يُخْرِجُ جَوَازَ بَيْعِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ كَالْعَيْنِ الْغَائِبَةِ.
وَقَالَ سَائِرُ أَصْحَابِنَا: إِنَّ بَيْعَ ذَلِكَ بَاطِلٌ قَوْلًا وَاحِدًا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ وَصْفَ الْغَائِبِ مُمْكِنٌ؛ لِتَقَدُّمِ الرُّؤْيَةِ لَهُ، وَوَصْفُ هَذَا فِي الْأَرْضِ قَبْلَ قَلْعِهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إِذَا فَسَخَ بَيْعَ الْغَائِبِ، أُمْكِنَ رَدُّهُ إِلَى حَالِهِ، وَإِذَا فَسَخَ بَيْعَ هَذَا الْمَقْلُوعِ مِنَ الْأَرْضِ، لَمْ يمكن رده إلى حاله.
فَأَمَّا بَيْعُ التَّمْرِ الْمَكْنُونِ فِي قَوَاصِرِهِ وجِلاله: فَقَدْ كَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يُخْرِجُ بَيْعَهُ عَلَى قَوْلَيْنِ كَالْغَائِبِ.
وَقَالَ سَائِرُ أَصْحَابِنَا الْبَصْرِيِّينَ: يَجُوزُ بَيْعُهُ فِي قَوَاصِرِهِ، قَوْلًا وَاحِدًا إِذَا شَاهَدَ رَأَسَ كُلِّ قَوْصَرةٍ؛ لِأَنَّ فِي كَسْرِ كُلِّ قَوْصَرَّةٍ لِمُشَاهَدَةِ مَا فِيهَا مَشَقَّةً وَفَسَادًا، وَقَدْ أَجْمَعَ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الْأَعْصَارِ بِالْبَصْرَةِ.
وَأَمَّا مَا سِوَى التَّمْرِ مِنَ الْأَمْتِعَةِ الَّتِي فِي أَوْعِيَتِهَا، فَلَا يَخْلُو حَالُهَا مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَائِبًا، أَوْ غَيْرَ ذَائِبٍ.
فَإِنْ كَانَ ذَائِبًا كَالزَّيْتِ وَالْعَسَلِ، فَإِذَا شَاهَدَ يَسِيرًا مِمَّا فِي الْوِعَاءِ أَجْزَأَهُ عَنْ مُشَاهَدَةِ جَمِيعِهِ وَجَازَ بَيْعُهُ قَوْلًا وَاحِدًا، كَالصُّبْرَةِ مِنَ الطَّعَامِ.
وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَائِبٍ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِمَّا تَتَفَاوَتُ أَجْزَاؤُهُ، وَيُبَايِنُ بَعْضُهُ بَعْضًا، كَالثِّيَابِ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا إِلَّا بِمُشَاهَدَةِ جَمِيعِهَا، إِلَّا أَنْ يَبِيعَهَا مِنْ غَيْرِ مُشَاهِدَةٍ بِشَرْطِ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ، فَيَكُونُ فِي حُكْمِ بَيْعِ الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ أَوِ الْحَاضِرَةِ عَلَى خِيَارِ الرُّؤْيَةِ.
وَالثَّانِي: إِنْ كَانَ مِمَّا تَتَمَاثَلُ أَجْزَاؤُهُ فِي الْغَالِبِ، أَوْ تَتَقَارَبُ كَالدَّقِيقِ وَالْقُطْنِ.
فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ إِلَّا بِرُؤْيَةِ جَمِيعِهِ كَالثِّيَابِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: يَجُوزُ بَيْعُهُ بِرُؤْيَةِ بَعْضِهِ كَالذَّائِبِ.

فَصْلٌ:

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ: وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ مُؤَجَّلًا وَلَا بِصِفَةٍ.
فَأَمَّا قَوْلُهُ: مُؤَجَّلًا: يَعْنِي بِهِ تَأْجِيلَ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ، كَقَوْلِهِ بِعْتُكَ دَارًا بِالْبَصْرَةِ، أَوْ بَغْدَادَ، عَلَى أَنْ أُسَلِّمَهَا إِلَيْكَ بَعْدَ شَهْرٍ، فَهَذَا بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى عَيْنٍ بِشَرْطِ تَأْخِيرِ الْقَبْضِ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَبضُ الْغَائِبِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُؤَخَّرًا.
قِيلَ: هُوَ مُؤَخَّرٌ بِغَيْرِ أَجْلٍ مَحْدُودٍ، فَجَازَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَعَ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَقْدِرُ عَلَى التَّسْلِيمِ قَبْلَ الْأَجَلِ، فَيُؤَخِّرُهُ لِأَجْلِ الشَّرْطِ، وَقَدْ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْأَجَلِ، فَيَلْزَمُ تَسْلِيمُ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ بِالشَّرْطِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَلَا بِصِفَةٍ.
فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَأْوِيلِهَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ تَأْوِيلُ الْبَصْرِيِّينَ: أَنْ يَصِفَ الْعَيْنَ الْغَائِبَةَ بِجَمِيعِ صِفَاتِهَا، فَلَا يَجُوزُ، لِأَنَّهَا تَصِيرُ عَلَى قَوْلِهِمْ فِي مَعْنَى السَّلَمِ فِي الْأَعْيَانِ.
وَالثَّانِي: تَأْوِيلُ الْبَغْدَادِيِّينَ: أَنْ يَجْعَلَ بَيْعَ الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ مَضْمُونًا فِي ذِمَّتِهِ، فَلَا يَجُوزُ كَالسَّلَمِ فِي الْأَعْيَانِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَيَجُوزُ بَيْعُ الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ بِثَمَنٍ حَالٍّ وَمُؤَجَّلٍ؛ لِأَنَّ بُيُوعَ الْأَعْيَانِ يَصِحُّ تَأْجِيلُ الثَّمَنِ فِيهَا، سَوَاءً كَانَتِ الْعَيْنُ حَاضِرَةً أَوْ غَائِبَةً، لأنه بَيْعُ عَيْنٍ بِدَيْنٍ، وَلَيْسَ كَالسَّلَمِ الْمَضْمُونِ فِي الذِّمَمِ، فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ بِمُؤَجَّلٍ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ فِي مَعْنَى بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ.
فَهَذَا جُمْلَةُ الْكَلَامِ فِي بَيْعِ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَمَا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ وَيَتَّصِلُ بِهِ.
فَصْلٌ: فَأَمَّا بَيْعُ الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ مَعَ تَقَدُّمِ الرُّؤْيَةِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي قَدْ شَاهَدَا السِّلْعَةَ ثُمَّ غَابَا عَنْهَا، وَعَقدَا الْبَيْعَ عَلَيْهَا.
فَلَا يَخْلُو حَالُ الرُّؤْيَةِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ تَكُونَ قَرِيبَةَ الْمُدَّةِ، أَوْ بَعِيدَتَهَا.
فَإِنْ كَانَتِ الْمُدَّةُ قَرِيبَةً وَلَيْسَ لَهَا حَدٌّ مُقَدَّرٌ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِهِ أَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ.
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْأَنْمَاطِيُّ مِنْ أَصْحَابِهِ: الْبَيْعُ بَاطِلٌ، حَتَّى تَكُونَ الرُّؤْيَةُ مُقَارِنَةً لِلْعَقْدِ.
وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ: قُلْتُ لِمَنْ يُنَاظِرُ عَنِ الْأَنْمَاطِيِّ: مَا يَقُولُ صَاحِبُكَ فِي الدَّارِ إِذَا رَآهَا الْمُشْتَرِي، وَخَرَجَ إِلَى الْبَابِ، وَاشْتَرَاهَا؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ.
قُلْتُ: فَإِنْ رَأَى خَاتَمًا وَأَخَذَهُ فِي كَفِّهِ ثُمَّ اشْتَرَاهُ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ.
قُلْتُ: فَإِنْ رَأَى أَرْضًا وَخَرَجَ مِنْهَا إِلَى جَانِبِهَا ثُمَّ اشْتَرَاهَا؟ قَالَ: فَتَوَقَّفَ، لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: يَجُوزُ لَنَاقَضَ مَذْهَبَهُ، وَلَوْ قَالَ: لَا يَجُوزُ، لَمَا أَمْكَنَ ابْتِيَاعُ الْأَرْضِ، فَهَذَا قَوْلُ الْأَنْمَاطِيِّ، وَقَلَّ مَنْ تَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْفُقَهَاءِ.

وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ: بِأَنَّ الرُّؤْيَةَ لَمَّا كَانَتْ شَرْطًا فِي بُيُوعِ الْأَعْيَانِ، وَجَبَ أَنْ تَقْتَرِنَ بِالْعَقْدِ، كَالصِّفَةِ فِي بَيْعِ السَّلَمِ.
وَهَذَا الْمَذْهَبُ شَاذُّ الِاعْتِقَادِ وَاضِحُ الْفَسَادِ؛ لِأَنَّ الرُّؤْيَةَ إِنَّمَا أُرِيدَتْ لِيَصِيرَ الْمَبِيعُ مَعْلُومًا، وَلَا يَكُونَ مَجْهُولًا، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي الرُّؤْيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَى الْعَقْدِ، كَوُجُودِهِ فِي الرُّؤْيَةِ الْمُقْتَرِنَةِ بِالْعَقْدِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الصِّفَةُ.
فَهَذَا حُكْمُ الرُّؤْيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِذَا كَانَتِ الْمُدَّةُ قَرِيبَةً.
فَأَمَّا إِذَا كَانَتْ مُدَّةُ الرُّؤْيَةِ بَعِيدَةً، فَلَا يَخْلُو حَالُ الْمُشْتَرِي مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَاكِرًا لِأَوْصَافِ الْمَبِيعِ أَوْ غَيْرَ ذَاكِرٍ: فَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَاكِرٍ لِأَوْصَافِ الْمَبِيعِ لِبُعْدِ الْعَهْدِ وَطُولِ الْمُدَّةِ، فَهَذَا فِي حُكْمِ مَنْ لَمْ يَرَهُ، فَإِنِ ابْتَاعَهُ عَلَى غَيْرِ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ، لَمْ يَجُزْ.
وَإِنِ ابْتَاعَهُ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ، كَانَ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَإِنْ كَانَ ذَاكِرًا لِأَوْصَافِ الْمَبِيعِ، لَمْ تَخْلُ حَالُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا يَتَغَيَّرُ فِي الْعَادَةِ، كَالْحَدِيدِ، وَالنُّحَاسِ فَبَيْعُهُ جَائِزٌ، فَإِنْ رَأَى فِيهِ بَعْدَ الْعَقْدِ عَيْبًا، فَلَهُ الْخِيَارُ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَتَغَيَّرُ فَلَا يَبْقَى مَعَ طُولِ الْمُدَّةِ، كَالْفَوَاكِهِ الرَّطْبَةِ، وَالطَّبَائِخِ.
فَيُنْظَرُ فِي حَالِهِ حِينَ الْعَقْدِ فَإِنْ كَانَ قَدْ مَضَى عَلَيْهِ مِنَ الْمُدَّةِ لَا يَبْقَى فِيهَا كَانَ بَيْعُهُ بَاطِلًا وَإِنْ كَانَ قَدْ مَضَى عَلَيْهِ مِنَ الْمُدَّةِ مَا يُعْلَمُ بَقَاؤُهُ فِيهَا فَبَيْعُهُ جَائِزٌ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ مَضَى مِنَ الْمُدَّةِ مَا يَجُوزُ أَنْ يَبْقَى فِيهَا وَيَجُوزَ أَنْ يَتْلِفَ، فَبَيْعُهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى عَيْنٍ لَا يُعْلَمُ بَقَاؤُهَا.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ: أَنَّ بَيْعَهُ جَائِزٌ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْعَيْنِ مَا لَمْ يُعْلَمْ تَلَفُهَا.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يَتَغَيَّرَ وَيَجُوزَ أَنْ لَا يَتَغَيَّرَ كَالْحَيَوَانِ، فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالرُّؤْيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْبُيُوعِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ سَلَامَتُهُ وَبَقَاؤُهُ عَلَى حَالِهِ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ بَيْعَهُ لَا يَجُوزُ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ؛ لِأَنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ سَلَامَةٍ وَعَطَبٍ.
وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَعَلَيْهِ يَكُونُ التَّفْرِيعُ، فَإِذَا تَبَايَعَا، بِالرُّؤْيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، ثُمَّ رَآهُ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الْبَيْعِ عَلَى مَا كَانَ رَآهُ مِنْ قَبْلُ، فَلَا خِيَارَ لَهُ، وَإِنْ رَآهُ مُتَغَيِّرًا، فَلَهُ الخيار.

فَلَوِ اخْتَلَفَا، فَقَالَ الْمُشْتَرِي: وَجَدْتُهُ مُتَغَيِّرًا، وَقَالَ الْبَائِعُ: بَلْ هُوَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ يُرِيدُ انْتِزَاعَ الثَّمَنِ مِنْ يَدِهِ، فَلَا يُنْتَزَعُ مِنْهُ إِلَّا بِقَوْلِهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

باب خيار المتبايعين ما لم يتفرقا

مَسْأَلَةٌ:

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: " أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " الْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ ". (قَالَ الشَّافِعِيُّ) وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُوجِبَ الْبَيْعَ مَشَى قَلِيلًا ثُمَّ رَجَعَ وَفِي حَدِيثِ أَبِي الْوَضِيءِ قَالَ كُنَّا فِي غَزَاةٍ فَبَاعَ صَاحِبٌ لَنَا فَرَسًا مِنْ رَجُلٍ فَلَمَّا أَرَدْنَا الرَّحِيلَ خَاصَمَهُ فِيهِ إِلَى أَبِي بَرْزَةَ فَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُولُ: " الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا " (قَالَ) وفي الحديث ما لَمْ يَحْضُرْ يَحْيَى بْنَ حَسَّانَ حِفْظُهُ وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ غَيْرِهِ أَنَّهُمَا بَاتَا لَيْلَةً ثُمَّ غدوا عليه فقال لا أراكما تفرقتما وجعل لهما الخيار إذ بقيا في مكان واحد بعد البيع وقال عطاء يخيّر بعد وجوب البيع وقال شريح شاهدا عدل أنكما تفرقتما بعد رضا ببيع أو خيّر أحدكما صاحبه بعد البيع (قال الشافعي) وبهذا نأخذ وهو قول الأكثر من أهل الحجاز والأكثر من أهل الآثار بالبلدان (قال) وهما قبل التساوم غير متساومين ثم يكونان متساومين ثم يكونان متبايعين فلو تساوما فقال رجل امرأتي طالق إن كنتما تبايعتما كان صادقا وإنما جعل لهما النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الخيار بعد التبايع ما لم يفترقا فلا تفرق بعدما صارا متبايعين إلا تفرق الأبدان ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْعُقُودَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا كَانَ غَيْرَ لَازِمٍ مِنْ جِهَةِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي الْحَالِ وَلَا يُفْضِي إِلَى اللُّزُومِ فِي ثَانِي حَالٍ.
وَالثَّانِي: مَا كَانَ غَيْرَ لَازِمٍ مِنْ جِهَةِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي الْحَالِ، وَلَكِنْ قَدْ يُفْضِي إِلَى اللُّزُومِ فِي ثَانِي حَالٍ.
وَالثَّالِثُ: مَا كَانَ لَازِمًا مِنْ جِهَةِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنَ فِي الْحَالِ دُونَ الْعَاقِدِ الْآخرِ بكل حال.

وَالرَّابِعُ: مَا كَانَ لَازِمًا مِنْ جِهَةِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي الْحَالِ.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ مَا كَانَ غَيْرَ لَازِمٍ مِنْ جِهَةِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي الْحَالِ، وَلَا يُفْضِي إِلَى اللُّزُومِ فِي ثَانِي حَالٍ، فَهُوَ خَمْسَةُ عُقُودٍ: الْوِكَالَةُ وَالشَّرِكَةُ، وَالْمُضَارَبَةُ، وَالْعَارِيَةُ، وَالْوَدِيعَةُ.
فَالْخِيَارُ فِيهَا مُؤَبَّدٌ مِنْ جِهَتَيِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ مَعًا.
فَإِنْ شُرِطَ فِيهَا إِسْقَاطُ الْخِيَارِ، بَطَلَتْ، لِأَنَّهَا تَصِيرُ بِإِسْقَاطِ الْخِيَارِ لَازِمَةً، وَهِيَ عُقُودٌ جَائِزَةٌ غَيْرُ لَازِمَةٍ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ مَا كَانَ غَيْرَ لَازِمٍ فِي الْحَالِ، وَلَكِنْ قَدْ يُفْضِي إِلَى اللُّزُومِ فِي ثَانِي حَالٍ، فَهُوَ خَمْسَةُ عُقُودٍ: الْجُعَالَةُ: وَهِيَ قَوْلُ الرَّجُلِ: مَنْ جَاءَنِي بِعَبْدِي الْآبِقِ فَلَهُ دِينَارٌ.
وَالْعِتْقُ بِعِوَضٍ كَقَوْلِهِ: أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي بِدِينَارٍ.
وَاسْتِهْلَاكُ الْأَمْوَالِ بِالضَّمَانِ كَقَوْلِهِ: أَلْقِ مَتَاعَكَ فِي الْبَحْرِ وَعَلَيَّ قِيمَتُهُ.
وَالْقَرْضُ، وَالْهِبَةُ.
فَهَذِهِ الْعُقُودُ الْخَمْسَةُ غَيْرُ لَازِمَةٍ فِي الْحَالِ، فَإِنْ جِيءَ بِالْآبِقِ، وَأُعْتِقَ الْعَبْدُ، وَأُلْقِيَ الْمَتَاعُ فِي الْبَحْرِ، وَاسْتُهْلِكَ الْقَرْضُ، وَأُقْبِضَتِ الْهِبَةُ، لَزِمَتْ.
فَيَكُونُ الْخِيَارُ فِيهَا قَبْلَ لُزُومِهَا لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ مَعًا.
فَإِذَا لَزِمَتْ سَقَطَ الْخِيَارُ مِنْ جِهَتِهِمَا جَمِيعًا.
فَلَوْ شُرِطَ فِيهَا إِسْقَاطُ الْخِيَارِ قَبْلَ لُزُومِهَا، أَوْ شُرِطَ إِثْبَاتُ الْخِيَارِ فِيهَا بَعْدَ لُزُومِهَا، بَطَلَتْ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ مَا كَانَ لَازِمًا مِنْ جِهَةِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، فَهُوَ ثَلَاثَةُ عُقُودٍ: الرّهْنُ وَالضَّمَانُ وَالْكِتَابَةُ.
فَالْخِيَارُ فِيهَا ثَابِتٌ لِلْمُرْتَهِنِ دُونَ الرَّاهِنِ، وَلِلْمَضْمُونِ لَهُ دُونَ الضَّامِنِ، وَلِلْمُكَاتَبِ دُونَ السَّيِّدِ.
فَإِنْ شُرِطَ إِسْقَاطُ الْخِيَارِ فِي الْجِهَةِ الَّتِي فِيهَا الْخِيَارُ، أَوْ شُرِطَ إِثْبَاتُ الْخِيَارِ فِي الْجِهَةِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا الْخِيَارُ، بَطَلَتْ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ: وَهُوَ مَا كَانَ لَازِمًا مِنْ جِهَةِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ مَعًا فَهُوَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا لَا يَثْبُتُ فِيهِ الْخِيَارُ لِوَاحِدٍ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بِحَالٍ، لَا فِي الْمَجْلِسِ، وَلَا بِالشَّرْطِ، وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ عُقُودٍ: النِّكَاحُ، وَالْخُلْعُ، وَالرَّجْعَةُ.

لَيْسَ فِيهَا إِذَا تَمَّتْ خِيَارُ مَجْلِسٍ وَلَا خِيَارُ شَرْطٍ.
فَإِنْ شُرِطَ فِيهَا أَحَدُ الْخِيَارَيْنِ، بَطَلَتْ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا لَا يَدْخُلُهُ خِيَارُ الشَّرْطِ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي دُخُولِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ فِيهِ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ عُقُودٍ: الْإِجَازَةُ، وَالْمُسَاقَاةُ، وَالْحِوَالَةُ.
وَهَلْ تَبْطُلُ بِاشْتِرَاطِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا لَا يَدْخُلُهُ خِيَارُ الشَّرْطِ وَيَدْخُلُهُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ قَوْلًا وَاحِدًا: وَهُوَ مَا كَانَ الْقَبْضُ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ شَرْطًا فِي صِحَّتِهِ، وَذَلِكَ عَقْدَانِ: الْمَصْرِفُ، وَالسَّلَمُ.
فَإِنْ شُرِطَ فِيهَا خِيَارُ الثَّلَاثِ بَطَلَا.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: مَا يَدْخُلُهُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ بِغَيْرِ شَرْطٍ، وَخِيَارُ الثَّلَاثِ بِالشَّرْطِ.
وَهُوَ سَائِرُ عُقُودِ الْبِيَاعَاتِ.
يَثْبُتُ فِيهَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ بِالْعَقْدِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ.
وَبِمَذْهَبِنَا فِي ثُبُوتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ فِي سَائِرِ الْبِيَاعَاتِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ: عُثْمَانُ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ.
وَمِنَ التَّابِعِينَ: شُرَيْحٌ، وَابْنُ الْمُسَيَّبِ، وَالْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ.
وَمِنَ الْفُقَهَاءِ: الزُّهْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.
وَقَالَ أبو حنيفة، وَمَالُكٌ: الْبَيْعُ لَازِمٌ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، وَلَا يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ بِحَالٍ.
اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: 282] ، فَنَدَبَ إِلَى الْإِشْهَادِ عَلَى الْبَيْعِ، لِأَجْلِ الِاسْتِيثَاقِ فِيهِ، فَلَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا الْفَسْخُ بَعْدَ الْعَقْدِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، لَمْ يَحْصُلِ الِاسْتِيثَاقُ، وَلَبَطَلَتْ فَائِدَةُ الْإِشْهَادِ.
وَبِرِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ ". وَلَوْ جَازَ لِأَحَدِهِمَا الْفَسْخُ مِنْ غَيْرِ اسْتِقَالَةٍ لَمْ يَكُنْ لِنَهْيِهِ عَنِ الِافْتِرَاقِ خَشْيَةَ الِاسْتِقَالَةِ مَعْنًى، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْفَسْخَ لَا يَسْتَحِقُّ إِلَّا بِالِاسْتِقَالَةِ.
وَبِمَا رَوَى عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " الْبَيْعُ عَنْ صَفْقَةٍ أَوْ خيار ".

فنوع البيع نوعين: نوعا أثبت فيه الخيار بالشرط، ونوعا نَفَى عَنْهُ الْخِيَارَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ كَالنِّكَاحِ.
وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَثْبُتَ فِيهِ خِيَارُ مَجْلِسٍ كَالنِّكَاحِ.
وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَثْبُتَ فِيهِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ كَالْكِتَابَةِ.
وَلِأَنَّهُ خِيَارٌ مَجْهُولٌ، لَمْ يُوجِبْهُ نَقْصٌ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَثْبُتَ فِي الْبَيْعِ كَالْمَشْرُوطِ مِنَ الْخِيَارِ الْمَجْهُولِ.
وَلِأَنَّ تَأْثِيرَ التَّفَرُّقِ إِنَّمَا هُوَ الْفَسْخُ لَا اللُّزُومُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا إِذَا تَصَارَفَا، ثُمَّ افْتَرَقَا مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ، بَطَلَ الصَّرْفُ، وَإِذَا كَانَ تَأْثِيرُ التَّفَرُّقِ هُوَ الْفَسْخَ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَلْزَمَ بِهِ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الواحد مؤثرا في فسخ العقد وفي إلزامهما مَعًا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ، لِأَنَّهُمَا ضِدَّانِ.
وَلِأَنَّ الْبَيْعَ لَمَّا لَزِمَ بِتَرَاضِيهِمَا بَعْدَ الْعَقْدِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: اخْتَرِ الْبَيْعَ، فَيَخْتَارُ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَلْزَمَ بِتَرَاضِيهِمَا حَالَ الْعَقْدَ، وَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَازِمًا بِمُجَرَّدِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، لِأَنَّ الْإِيجَابَ وَالْقَبُولَ، إِنَّمَا هُوَ رِضًا مِنْهُمَا بِالْعَقْدِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا لَوْ كَانَا عِنْدَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ مُكْرَهَيْنِ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ.

فَصْلٌ:

وَالدَّلَالَةُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ: ثُبُوتُ السُّنَّةِ بِهِ مِنْ خَمْسَةِ طُرُقٍ: فَأَحَدُهَا: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، وَهُوَ وَارِدٌ مِنْ طَرِيقَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ.
وَالثَّانِي: مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ.
فَأَمَّا نَافِعٌ فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " الْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا ". وَالثَّانِي: رَوَاهُ الشَّافِعِيِّ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " إِذَا تَبَايَعَ الْمُتَبَايِعَانِ الْبَيْعَ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مِنْ بَيْعِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ يَكُونُ بَيْعُهُمَا عَنْ خِيَارٍ، فَإِنْ كَانَ عَنْ خِيَارٍ فَقَدْ وَجَبَ " قَالَ نَافِعٌ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا ابْتَاعَ الْبَيْعَ، فَأَرَادَ أَنْ يُوجِبَ الْبَيْعَ مَشَى قَلِيلًا ثُمَّ رَجَعَ.
وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ: أَحَدُهُمَا: رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دينار عن أبي عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُولُ: " الْبَيِّعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، أَوْ يَكُونُ بَيْعُهُمَا عن خيار، فإذا كان البيع خِيَارٍ فَقَدْ وَجَبَ ".

وَالثَّانِي: رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ وَكِيعٍ عِنْ سُفْيَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: " كل بيعين فلا بيع بينهما حتى يَتَفَرَّقَا، أَوْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: اخْتَرْ ". وَالثَّانِي: حَدِيثُ أَبِي بَرْزَةَ.
رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ جَمِيلِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي الْوَضِيءِ قَالَ: كُنَّا فِي غَزَاةٍ، فَبَاعَ صَاحِبٌ لَنَا فَرَسًا مِنْ رَجُلٍ، فَلَمَّا أَرَدْنَا الرَّحِيلَ خَاصَمَهُ فِيهِ إِلَى أَبِي بَرْزَةَ، فَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُولُ: " الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا ". قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَفِي الْحَدِيثِ مَا يُبَيِّنُ هَذَا لَمْ يَحْضُرْ يَحْيَى بْنَ حَسَّانَ حِفْظُهُ، وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ غَيْرِهِ: أَنَّهُمَا بَاتَا لَيْلَةً، ثُمَّ غَدَوْا عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا أَرَاكُمَا تَفَرَّقْتُمَا، وَجَعَلَ لَهُمَا الْخِيَارَ إِذَا بَاتَا مَكَانًا وَاحِدًا بَعْدَ الْبَيْعِ.
وَالثَّالِثُ: حَدِيثُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الخليل عن عبد الله بن الحرث عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا وَجَبَتِ الْبَرَكَةُ فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتِ الْبَرَكَةُ مِنْ بَيْعِهِمَا ". وَالرَّابِعُ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ.
رَوَاهُ أَبُو زُرْعَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَمَرَ مُنَادِيَهُ أَنْ يُنَادِيَ ثَلَاثًا " لَا يَفْتَرِقَنَّ بَيِّعَانِ إِلَّا عَنْ تَرَاضٍ ". وَالْخَامِسُ: حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ: وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي دَلِيلِ الْمُخَالِفِ.
فَدَلَّتْ هَذِهِ الْأَخْبَارُ كُلُّهَا بِصَرِيحِ الْقَوْلِ وَدَلِيلِهِ عَلَى ثُبُوتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ مَعًا مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا بِالْأَبْدَانِ، أَوْ يَجْعَلَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ الْخِيَارَ، فَيَخْتَارُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّمَا جَعَلَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْخِيَارَ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا بِالْكَلَامِ: فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالِافْتِرَاقِ افْتِرَاقُ الْكَلَامِ دُونَ افْتِرَاقِ الْأَبْدَانِ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَعْدَ بَذْلِ الْبَائِعِ فِي أَنْ يَقْبَلَ أَوْ لَا يَقْبَلَ، وَلِلْبَائِعِ الْخِيَارُ قَبْلَ قَبُولِ الْمُشْتَرِي فِي أَنْ يَرْجِعَ فِي الْبَذْلِ أَوْ لَا يَرْجِعَ، فَإِذَا قَبِلَ الْمُشْتَرِي وَلَمْ يَكُنْ قَدْ رَجَعَ الْبَائِعُ، فَقَدْ تَمَّ الْبَيْعُ، وَانْقَطَعَ الْخِيَارُ سَوَاءٌ افْتَرَقَا بِالْأَبْدَانِ أَوْ لَمْ يَفْتَرِقَا.

قَالُوا: وَهَذَا أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى افْتِرَاقِ الْأَبْدَانِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَعْهُودُ الِافْتِرَاقِ فِي الشَّرْعِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: 130] يَعْنِي: بِالطَّلَاقِ وَالطَّلَاقُ كَلَامٌ.
وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " تَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً " يَعْنِي: فِي الْمَذَاهِبِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ حَمْلَهُ عَلَى التَّفَرُّقِ بِالْكَلَامِ حَقِيقَةٌ، وَعَلَى التَّفَرُّقِ بِالْأَبْدَانِ مَجَازٌ، لِأَنَّهُ جَعَلَ الْخِيَارَ لِلْمُتَبَايِعَيْنِ، وَهُمَا يُسَمَّيَانِ فِي حَالِ الْعَقْدِ مُتَبَايِعَيْنِ حَقِيقَةً، وَبَعْدَ الْعَقْدِ مَجَازًا، كَمَا يُقَالُ: ضَارِبٌ، فَيُسَمَّى بِذَلِكَ فِي حَالِ الضَّرْبِ حَقِيقَةً، وَبَعْدَ الضَّرْبِ مَجَازًا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ حَمْلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْمَجَازِ، فَثَبَتَ بِهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ التَّفَرُّقُ بِالْكَلَامِ دُونَ التَّفَرُّقِ بِالْأَبْدَانِ.
فَالْجَوَابُ عَنْهُ: دَلِيلٌ، وَانْفِصَالٌ.
فَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ التَّفَرُّقُ بِالْأَبْدَانِ دُونَ الْكَلَامِ فَمِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ التَّفَرُّقَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنِ اجْتِمَاعٍ، فَإِذَا تَفَرَّقَا بِالْأَبْدَانِ بَعْدَ الْبَيْعِ، كَانَ تَفَرُّقًا عَنِ اجْتِمَاعٍ فِي الْقَوْلِ حِينَ الْعَقْدِ وَعَنِ اجْتِمَاعٍ بِالْأَبْدَانِ.
وَلَا يَصِحُّ تفرقهما بالكلام، لأنهما حال التساوم مفترقان، لأن الْبَائِعَ يَقُولُ: لَا أَبِيعُ إِلَّا بِكَذَا، وَالْمُشْتَرِي يَقُولُ: لَا أَشْتَرِي إِلَّا بِكَذَا.
فَإِذَا تَبَايَعَا فَقَدِ اجْتَمَعَا فِي الْقَوْلِ بَعْدَ أَنْ كَانَا مُفْتَرِقَيْنِ فِيهِ.
وَهَذِهِ دَلَالَةُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ.
وَالثَّانِي: أَنَّ خِيَارَ الْمُشْتَرِي بَعْدَ بَذْلِ الْبَائِعِ وَقَبْلَ قَبُولِهِ مَعْلُومٌ بِالْإِجْمَاعِ، إِذْ لَوْ سَقَطَ خِيَارُهُ بِبَذْلِ الْبَائِعِ لَوَجَبَتِ الْبِيَاعَاتُ جَبْرًا بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ بَعْدَ اخْتِيَارٍ وَلَأَفْضَى الْأَمْرُ فِيهَا إِلَى ضَرَرٍ وَفَسَادٍ، وَالْخِيَارُ بَعْدَ الْبَيْعِ غَيْرُ مُسْتَفَادٍ إِلَّا بِالْخَبَرِ، فَكَانَ حَمْلُ الْخَبَرِ عَلَى مَا لَمْ يُسْتَفَدْ إِلَّا مِنْهُ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى مَا اسْتُفِيدَ بِالْإِجْمَاعِ، لِأَنْ لَا يَعْرَى الْخَبَرُ مِنْ فَائِدَةٍ.
وَهَذِهِ دَلَالَةُ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ اللَّفْظَ إِذَا وَرَدَ، وَكَانَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، وَكَانَ الْمُرَادُ أَحَدَهُمَا بِالْإِجْمَاعِ لَا هُمَا مَعًا، وَلَمْ يَكُنْ فِي اللَّفْظِ تَمْيِيزُ الْمُرَادِ مِنْهُمَا، كَانَ مَا صَارَ إِلَيْهِ الرَّاوِي هُوَ الْمُرَاد بِهِ دُونَ الْآخَرِ، فَلَمَّا كَانَ الِافْتِرَاقُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الِافْتِرَاقُ بِالْكَلَامِ مَعَ بُعْدِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الِافْتِرَاقَ بِالْأَبْدَانِ مَعَ ظُهُورِهِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو بَرْزَةَ، وَهُمَا مِنْ رُوَاةِ الْخَبَرِ

يَذْهَبَانِ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ التَّفَرُّقُ بِالْأَبْدَانِ، لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُوجِبَ الْبَيْعَ مَشَى قَلِيلًا ثُمَّ رَجَعَ، وَأَبُو بَرْزَةَ قَالَ لِلْمُتَبَايِعَيْنِ حِينَ بَاتَا لَيْلَةً ثُمَّ غَدَوْا عَلَيْهِ قَالَ: مَا أَرَاكُمَا تَفَرَّقْتُمَا عَنْ رِضًا مِنْكُمَا بِبَيْعٍ اقْتَضَى أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُرَادَ بِالْخَبَرِ دُونَ الْمَعْنَى الْآخَرِ.
وَهَذِهِ دَلَالَةُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءٍ أَحَدِكُمْ فَأَرِيقُوهُ، وَاغْسِلُوهُ سَبْعًا " ثُمَّ أَفْتَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالثَّلَاثِ، فَلَمْ تَصِيرُوا إِلَى قَوْلِهِ، وَاسْتَعْمَلْتُمُ الْخَبَرَ عَلَى ظَاهِرِهِ.
قِيلَ: نَحْنُ لَا نَقْبَلُ قَوْلَ الرَّاوِي فِي التَّخْصِيصِ، وَلَا فِي النَّسْخِ، وَلَا فِي الْإِسْقَاطِ، وَإِنَّمَا نَقْبَلُهُ فِي تَفْسِيرِ أَحَدِ مُحْتَمَلَيْهِ إِذَا أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَحَدُهُمَا.
وَقَوْلُهُ: " اغْسِلُوهُ سَبْعًا " يَقْتَضِي وُجُوبَ الْغَسْلِ سَبْعًا، وَفَتْوَى أَبِي هُرَيْرَةَ بِالثَّلَاثِ إِسْقَاطٌ لِبَاقِي السَّبْعِ، فَلَمْ يُقْبَلْ، وَكَمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ " وَكَانَ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ الْمُرْتَدَّةَ لَا تُقْتَلُ.
فَلَمْ نَقْضِ بِمَذْهَبِهِ عَلَى رِوَايَتِهِ، لِأَنَّ فِيهِ تَخْصِيصًا، وَقَوْلُ الرَّاوِي لَا يُقْبَلُ فِي التَّخْصِيصِ.
عَلَى أَنَّ أَبَا عَلِيِّ بْنَ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَحْمِلُهُ عَلَى الْأَمْرَيْنِ مَعًا، فَأَحْمِلُهُ عَلَى التَّفَرُّقِ بِالْكَلَامِ، وَعَلَى التَّفَرُّقِ بِالْأَبْدَانِ، فَأَجْعَلُ لَهُمَا فِي الْحَالَيْنِ الْخِيَارَ بِالْخَبَرِ، وَهَذَا صَحِيحٌ لَوْلَا أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَحَدُهُمَا.
فَأَمَّا الِانْفِصَالُ عَنْ قَوْلِهِمْ: إِنَّ مَعْهُودَ الِافْتِرَاقِ إِنَّمَا هُوَ بِالْكَلَامِ دُونَ الْأَبْدَانِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا تَأْوِيلٌ مُسْتَحْدَثٌ يَدْفَعُهُ إِجْمَاعُ مَنْ سَلَفَ، لِأَنَّ كُلَّ مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ السّلف حَمَلَهُ عَلَى التَّفَرُّقِ بِالْأَبْدَانِ، حَتَّى أَنَّ مَالِكًا رَوَى الْخَبَرَ، فَقِيلَ لَهُ: فَلِمَ خَالَفْتَهُ؟ قَالَ: وَجَدْتُ عَمَلَ بَلَدِنَا بِخِلَافِهِ، وَرُوِيَ لأبي حنيفة فَقَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَا فِي سَفِينَةٍ فَحَصَلَ التَّسْلِيمُ مِنْهُمَا، إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ التَّفَرُّقُ بِالْأَبْدَانِ، وَلَمْ يَتَنَازَعَا فِي تَأْوِيلِهِ، وإنَّمَا ذَكَرَا شُبْهَةً وَاهِيَةً فِي تَرْكِ الْعَمَلِ بِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ يَجْتَمِعُ السَّلَفُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ التفرق بالأبدان لكان هو حَقِيقَةَ التَّفَرُّقِ فِي اللِّسَانِ، وَالشَّرْعِ، وَإِنْ كَانَ رُبَّمَا اسْتُعْمِلَ فِي التَّفَرُّقِ بِالْكَلَامِ اسْتِعَارَةً وَمَجَازًا، وَقَدْ حَكَى الرِّيَاشِيُّ ذَلِكَ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ وَشَاهِدُ ذَلِكَ أَظْهَرُ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ.

عَلَى أَنَّ هَذَا وَإِنْ سَاغَ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَلَى وَهَنٍ وَضَعْفٍ، فَلَيْسَ يَسُوغُ فِي حَدِيثِ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ النَّصَّ يَدْفَعُهُ مِنْ قَوْلِهِ: أَوْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: اخْتَرْ، فَإِنَّ مَا بَعْدَ ذَلِكَ يُخَالِفُ مَا قَبْلَهُ.
وَأَمَّا الِانْفِصَالُ عَنْ قَوْلِهِمْ: إِنَّ حَمْلَهُ عَلَى الْخِيَارِ حِينَ التَّسَاوُمِ حَقِيقَةٌ وَبَعْدَ الْعَقْدِ مَجَازٌ: فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ حَمْلَهُ عَلَيْهَا وَقْتَ التَّسَاوُمِ مَجَازٌ، وَبَعْدَ الْعَقْدِ حَقِيقَةٌ لُغَةً وَشَرْعًا: فَأَمَّا اللُّغَةُ، فَلِأَنَّ الْبَيْعَ مُشْتَقٌّ مِنْ فِعْلٍ، وَالْأَسْمَاءُ الْمُشْتَقَّةُ مِنَ الْأَفْعَالِ لَا تَنْطَلِقُ عَلَى مُسَمَّيَاتِهَا إِلَّا بَعْدَ وُجُودِ الْأَفْعَالِ، كَالضَّارِبِ وَالْقَاتِلِ: لَا يَتَنَاوَلُ الْمُسَمَّى بِهِ إِلَّا بَعْدَ وُجُودِ الضَّرْبِ وَالْقَتْلِ، كَذَلِكَ الْبَائِعُ لَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْبَيِّعِ إِلَّا بَعْدَ وُجُودِ الْبَيْعِ مِنْهُ، وَالْبَيْعُ إِنَّمَا يُوجَدُ بَعْدَ الْعَقْدِ، فَأَمَّا حِينَ التَّسَاوُمِ فَلَا.
فَأَمَّا الشَّرْعُ، فَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إِذَا بِعْتُكَ فَأَنْتَ حُرٌّ لَمْ يُعْتَقْ عَلَيْهِ بِالْمُسَاوَمَةِ، فَإِذَا تَمَّ الْعَقْدُ عَتَقَ عَلَيْهِ، فَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ وأبو حنيفة: إِذَا بَاعَهُ بَيْعًا لَا خِيَارَ فِيهِ، لَمْ يُعْتَقْ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ بَائِعًا بَعْدَ الْعَقْدِ، وَقَدْ زَالَ مِلْكُهُ بِالْعَقْدِ، وَانْقَطَعَ خِيَارُهُ، فَلَمْ يُعْتِقْ عَلَيْهِ مِنْ بَعْدُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ تَسْمِيَتَنَا لَهُ بَائِعًا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْبَيْعِ، إِنْ كَانَ مجازا من حَيْثُ يُقَالُ: كَانَا مُتَبَايِعَيْنِ، فَالْحَمْلُ عَلَيْهِ وَقْتَ التساوم وجاز أيضا حتى يوجد القبول، وإلا فيقال: سَيَكُونَانِ مُتَبَايِعَيْنِ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَجَازًا فِيهِمَا جَمِيعًا، كَانَ مَا ذَكَرْنَا أَوْلَى مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الِاسْمَ وَإِنِ انْطَلَقَ عَلَيْهِمَا بَعْدَ الْعَقْدِ مَجَازًا، فَقَدِ اسْتَقَرَّ بِوُجُودِ الْبَيْعِ، وَهُوَ قَبْلَ الْعَقْدِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، لِجَوَازِ أَنْ لَا يَتِمَّ الْبَيْعُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ اسْمَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي مِنَ الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَرَكَةِ، كَالْوَالِدِ وَالْوَلَدِ، فَلَا يُوجَدُ المشتري إِلَّا فِي مُقَابَلَةِ الْبَائِعِ، وَلَا يُوجَدُ الْبَائِعُ إِلَّا فِي مُقَابَلَةِ الْمُشْتَرِي، فَلَوْ كَانَ الْبَائِعُ بَعْدَ الْبَذْلِ وَقَبْلَ الْقَبُولِ يُسَمَّى بَائِعًا، لَجَازَ أَنْ يَكُونَ الطَّالِبُ قَبْلَ الْقَبُولِ يُسَمَّى مُشْتَرِيًا، فَلَمَّا لَم يُسَمَّ الطَّالِبُ مُشْتَرِيًا إِلَّا بَعْدَ الْقَبُولِ، لَمْ يُسَمَّ الْبَاذِلُ بَائِعًا إِلَّا بَعْدَ الْقَبُولِ.
عَلَى أَنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ إِنَّمَا يُسَوَّغُ مع وهاية فِي قَوْلِهِ: الْمُتَبَايِعَانِ فَأَمَّا فِي قَوْلِهِ الْبَيِّعَانِ فَلَا يُسَوَّغُ فِيهِ.
فَنَسْتَعْمِلُ الرِّوَايَتَيْنِ، وَنَحْمِلُهُ عَلَى اخْتِلَافِ مَعْنَيَيْنِ، فَيَكُونُ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى أَحَدِهِمَا.
فَبَطَلَ هَذَا التَّأْوِيلُ بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الدَّلِيلِ وَالِانْفِصَالِ، وَاسْتَقَرَّ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْوُجُوهِ فِي أَدِلَّةِ الْأَخْبَارِ.
فَأَمَّا الْمَعْنَى النَّظَرِيُّ فَهُوَ أَنَّهُ خِيَارٌ وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ، فَوَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ حُكْمُهُ بَعْدَ الْعَقْدِ، أَصْلُهُ خِيَارُ الثَّلَاثِ.

وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ مَحْضَةٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لِلتَّفَرُّقِ تَأْثِيرٌ فِيهِ، كَالصَّرْفِ وَالسَّلَمِ.
وَلِأَنَّ الْخِيَارَ ضَرْبَانِ: ضَرْبٌ يَتَعَلَّقُ بِالصِّفَاتِ، وَضَرْبٌ يَتَعَلَّقُ بِالزَّمَانِ.
ثُمَّ كَانَ الْخِيَارُ الْمُتَعَلِّقُ بِالصِّفَاتِ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ وَجَبَ بِالشَّرْطِ وَقِسْمٌ وَجَبَ بِالشَّرْعِ.
فَالْقِسْمُ الْوَاجِبُ بِالشَّرْطِ: أَنْ يَبْتَاعَ عَبْدًا عَلَى أَنَّهُ كَاتِبٌ أَوْ صَانِعٌ، فَيَجِدُهُ بِخِلَافِ ذَلِكَ، فَيَجِبُ لَهُ الْخِيَارُ لِعَدَمِ الْفَضِيلَةِ الْمُسْتَحَقَّةِ بِالشَّرْطِ.
وَالْوَاجِبُ بِالشَّرْعِ: هُوَ خِيَارُ الْعَيْبِ لِنَقْصٍ وَجَدَهُ عَنْ حَالِ السَّلَامَةِ، فَيَجِبُ لَهُ الْخِيَارُ بِالشَّرْعِ، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ الْخِيَارُ الْمُتَعَلِّقُ بِالزَّمَانِ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ وَجَبَ بِالشَّرْطِ: وَهُوَ خِيَارُ الثَّلَاثِ.
وَقِسْمٌ وَجَبَ بِالشَّرْعِ: وَهُوَ خِيَارُ الْمَجْلِسِ.
وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا: أَنَّهُ أَحَدُ جِنْسَيِ الْخِيَارِ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَنَوَّعَ نَوْعَيْنِ: شَرْطًا وَشَرْعًا قِيَاسًا عَلَى خِيَارِ الصِّفَاتِ.
وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ يُقْصَدُ بِهِ تَمْلِيكُ الْمَالِ، فَلَمْ يَلْزَمْ بِالْبَذْلِ وَالْقَبُولِ كَالْهِبَةِ.
وَلِأَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ بَذْلٌ وَقَبُولٌ، فَلَمَّا ثَبَتَ الْخِيَارُ بَعْدَ الْبَذْلِ، وَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ بَعْدَ الْقَبُولِ.
وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا: أَنَّهُ قَوْلُ أَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ، فَوَجَبَ ثُبُوتُ الْخِيَارِ بَعْدَهُ كَالْبَذْلِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وتعالى: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ فَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْإِشْهَادُ بَعْدَ الِافْتِرَاقِ فِي الْحَالِ الَّتِي يَلْزَمُ فِيهَا الْعَقْدُ.
وَلَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إِشْهَادًا عَلَى الْعَقْدِ وَوَثِيقَةً فِيهِ [كَمَا أَنَّ الْإِشْهَادَ فِي خِيَارِ الثلاث، يكون بعد تقضّي الثلاث، وَلَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إِشْهَادًا عَلَى العقد ووثيقة فيه] . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وَقَوْلِهِ: " وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقْبِلَهُ " فَهُوَ أَنَّ لِهَذَا اللَّفْظِ ظَاهِرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ.
وَالثَّانِي: حُجَّةٌ لَهُمْ.
فَقَوْلُهُ: " وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَهُ " حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ لَمْ يَقَعْ لَازِمًا، وَأَنَّ فِيهِ خِيَارًا يَسْقُطُ بِالتَّفَرُّقِ.
وَقَوْلُهُ: " خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقْبِلَهُ " حُجَّةٌ لَهُمْ، لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخِيَارَ لَا يُسْتَحَقُّ إِلَّا بِالْإِقَالَةِ.
فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ تَغْلِيبِ أَحَدِ الظَّاهِرَيْنِ لِتَعَارُضِهِمَا، فَكَانَ تَغْلِيبُ الظَّاهِرِ فِي إِثْبَاتِ الْخِيَارِ أحق لأمرين:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَوَّلَ الْخَبَرِ يَقْتَضِيهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: " الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ ". وَالثَّانِي: أَنَّ الْإِقَالَةَ لَا تَخْتَصُّ بِمَجْلِسِ التَّبَايُعِ وَتَبْطُلُ بِالتَّفَرُّقِ لِجَوَازِهَا بَعْدَ الِافْتِرَاقِ كَجَوَازِهَا قَبْلَهُ.
وَإِنَّمَا الْخِيَارُ يَخْتَصُّ بِالْمَجْلِسِ وَيَبْطُلُ بِالتَّفَرُّقِ، فَصَحَّ أَنَّهُ الْمُرَادُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ " الْبَيْعُ صَفْقَةٌ أَوْ خِيَارٌ " فَهُوَ أَنَّهُ مُرْسَلٌ، لِأَنَّهُ يُرْوَى عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ، وَلَوْ صَحَّ لَاحْتَمَلَ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْبَيْعَ عَنْ صَفْقَةٍ وَخِيَارٍ، لِأَنَّهُ قَسَّمَ الْبَيْعَ إِلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: صَفْقَةٌ، وَالثَّانِي: خِيَارٌ.
وَالْخِيَارُ بِمُجَرَّدِهِ لَا يَكُونُ بَيْعًا إِلَّا مَعَ الصَّفْقَةِ، فَثَبَتَ أَنَّ مَعْنَاهُ عن صفقة وخيار.
والثاني: أن مَعْنَاهُ أَنَّ الْبَيْعَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: ضَرْبٌ: فِيهِ خِيَارُ الثَّلَاثِ.
وَضَرْبٌ: لَيْسَ فِيهِ خِيَارُ الثَّلَاثِ.
يُوَضِّحُ ذَلِكَ وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى مُطَرِّفٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا ". وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى النِّكَاحِ: فَهُوَ أَنَّ الْمَعْنَى فِي النِّكَاحِ أَنَّهُ عَقْدٌ تُبْتَغَى بِهِ الْوَصْلَةُ دُونَ الْمُعَاوَضَةِ فَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ الْخِيَارُ الْمَوْضُوعُ لِارْتِيَادِ أَوْفَرِ الْأَعْوَاضِ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى لَمْ تَكُنِ الرُّؤْيَةُ شَرْطًا فِي صِحَّتِهِ، وَخَالَفَ سَائِرَ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ مِنَ الْبُيُوعِ وَغَيْرِهَا، أَلَا تَرَى أَنَّ خِيَارَ الثَّلَاثِ لَا يَصِحُّ فِيهِ وَإِنْ صَحَّ فِي غَيْرِهِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الْكِتَابَةِ: فَهُوَ أَنَّ الْخِيَارَ مَوْضُوعٌ فِي الْعَقْدِ، لِارْتِيَادِ الْحَظِّ فِيهِ، وَعَقْدُ الْكِتَابَةِ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ الْخِيَارُ مِنْ جِهَةِ السَّيِّدِ لِأَنَّهُ قُصِدَ بِهِ إِرْفَاقُ عَبْدِهِ، لَا طَلَبُ الْحَظِّ لِنَفْسِهِ إِذْ مَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا حَظَّ لَهُ فِي بَيْعِ مِلْكِهِ بِمِلْكِهِ، فَسَقَطَ خِيَارُهُ.
وَلِأَنَّهُ لَيْسَ يُسْتَدْرَكُ بِهِ مَا خَفِيَ عَنْهُ، وَأَمَّا الْعَبْدُ فَخِيَارُهُ ممدود، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْبَيْعُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الْخِيَارِ الْمَجْهُولِ: فَهُوَ أَنَّ خِيَارَ الْمَجْلِسِ مِنْ مُوجِبَاتِ الْعَقْدِ، وَالْخِيَارُ الْمَجْهُولُ مِنْ مُوجِبَاتِ الشرط.

وَفَرْقٌ فِي الْأُصُولِ بَيْنَ مَا ثَبَتَ بِالْعَقْدِ.
فَيَصِحُّ فِيهِ الْجَهَالَةُ، وَمَا ثَبَتَ بِالشَّرْطِ، فَلَا يَصِحُّ فِيهِ الْجَهَالَةُ، أَلَا تَرَى أَنَّ خِيَارَ الْعَيْبِ لَمَّا ثَبَتَ بِالْعَقْدِ جَازَ أَنْ يَكُونَ مَجْهُولًا، وَخِيَارُ الْمُدَّةِ لَمَّا ثَبَتَ بِالشَّرْطِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ مَجْهُولًا، وَكَذَا الْقَبْضُ إِذَا اسْتُحِقَّ بِإِطْلَاقِ الْعَقْدِ جَازَ أَنْ يَكُونَ مَجْهُولَ الْوَقْتِ وَإِذَا كَانَ مُسْتَحَقًّا بِالشَّرْطِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ مَجْهُولَ الْوَقْتِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: إِنَّ الِافْتِرَاقَ يُؤَثِّرُ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ لَا فِي لُزُومِهِ كَالصَّرْفِ قَبْلَ الْقَبْضِ: فَهُوَ أَنَّ هَذِهِ دَعْوَى غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ، لِأَنَّ الِافْتِرَاقَ فِي الصَّرْفِ مُؤَثِّرٌ فِي لُزُومِهِ كَالْبَيْعِ، وَلَيْسَ يَقَعُ الْفَسْخُ فِي الصَّرْفِ بِالِافْتِرَاقِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ بِعَدَمِ الْقَبْضِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ، فَإِذَا تَقَابَضَا، صَحَّ، وَلَمْ يَلْزَمْ إِلَّا بِالِافْتِرَاقِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: لَمَّا لَزِمَ الْبَيْعُ بِتَرَاضِيهِمَا بَعْدَ الْعَقْدِ، فَلِأَنْ يَكُونَ لَازِمًا بِتَرَاضِيهِمَا حِينَ الْعَقْدِ أَوْلَى: فَهُوَ أَنَّ الرِّضَا بِالْبَيْعِ بَعْدَ الْعَقْدِ يَتَنَوَّعُ نَوْعَيْنِ: نَوْعٌ يَكُونُ بِالصَّمْتِ، وَنَوْعٌ يَكُونُ بِالنُّطْقِ: فَأَمَّا الرِّضَا بِالصَّمْتِ بَعْدَ الْعَقْدِ فَلَا يَلْزَمُ بِهِ الْبَيْعُ، فَكَذَا الرِّضَا بِالصَّمْتِ حِينَ الْعَقْدِ لَا يَلْزَمُ بِهِ الْبَيْعُ.
وَأَمَّا الرِّضَا بِالنُّطْقِ بَعْدَ الْبَيْعِ، فَهُوَ أَنْ يَقُولَ: قَدِ اخْتَرْتُ إِمْضَاءَ الْبَيْعِ، فَهَذَا يَلْزَمُ بِهِ الْبَيْعُ.
وَمِثْلُهُ بِالنُّطْقِ فِي حَالِ الْبَيْعِ أَنْ يُشْتَرَطَ فِي الْعَقْدِ سُقُوطُ خِيَارِ الْمَجْلِسِ، فَهَذَا قَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ هَلْ يَلْزَمُ بِهِ الْبَيْعُ وَيَصِحُّ مَعَهُ الْعَقْدُ أَمْ لَا؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: يَصِحُّ مَعَهُ الْعَقْدُ، لِأَنَّ غَرَرَ الْخِيَارِ يَرْتَفِعُ بِهِ، وَيَلْزَمُ بِهِ الْبَيْعُ، لِأَنَّهُ مُوجِبٌ شَرْطِهِ، وَلَا يَثْبُتُ فِي الْبَيْعِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ.
وَقَائِلُ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ أَصْحَابِنَا تَأَوَّلَهُ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ.
فَعَلَى هَذَا قَدِ اسْتَوَى حُكْمُ هَذَا الرِّضَا فِي لُزُومِ الْبَيْعِ بَعْدَ الْعَقْدِ وَقَبْلَهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَصِحُّ مَعَهُ الْعَقْدُ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ بِهِ الْبَيْعُ، وَلَا يَسْقُطُ مَعَهُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ، وَإِنْ كَانَ مَشْرُوطًا، لِأَنَّهُ مِنْ مُوجَبِ الْعَقْدِ فَلَمْ يَسْقُطْ بِالشَّرْطِ، كَالْوَلَاءِ فِي الْعِتْقِ وَالرَّجْعَةِ فِي الطَّلَاقِ.
فَعَلَى هَذَا يَكُونُ هَذَا النَّوْعُ مِنَ الرِّضَا يَلْزَمُ بِهِ الْبَيْعُ إِذَا كَانَ بَعْدَ العقد، ولا يلزم به البيع إِذَا كَانَ مَعَ الْعَقْدِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ بَعْدَ الْعَقْدِ يَتَضَمَّنُ إِبْطَالَ خِيَارٍ ثَابِتٍ، فَصَحَّ إِبْطَالُهُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ.
وَحِينَ الْعَقْدِ يَتَضَمَّنُ إِبْطَالَ خِيَارٍ غَيْرِ ثَابِتٍ، فَلَمْ يَصِحَّ إِبْطَالُهُ قَبْلَ ثُبُوتِهِ، كَاسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ لَمَّا بَطَلَ بَعْدَ الْبَيْعِ لِلرِّضَا بِهِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ، لَمْ يَبْطُلْ حَالَ الْبَيْعِ مَعَ الرِّضَا بِهِ، لِعَدَمِ ثُبُوتِهِ.

وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ بِهَذَا الشَّرْطِ، لِأَنَّهُ مُنَافٍ لِمُوجَبِهِ، إِذْ مُوجَبُ الْعَقْدِ ثُبُوتُ الْخِيَارِ بِهِ، وَالشَّرْطُ إِذَا نَافَى مُوجَبَ الْعَقْدِ أَبْطَلَهُ، وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ، والْبُوَيْطِيِّ وَالْأُمِّ.
فَعَلَى هَذَا يَكُونُ هَذَا النَّوْعُ مِنَ الرِّضَا يَلْزَمُ بِهِ الْبَيْعُ بَعْدَ الْعَقْدِ، وَيَبْطُلُ بِهِ الْبَيْعُ إِنْ كَانَ مَعَ الْعَقْدِ وَاللَّهُ أعلم.

مسألة:

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " فَكَلُّ مُتَبَايِعَيْنِ فِي سِلْعَةٍ وَعَيْنٍ وَصَرْفٍ وَغَيْرِهِ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُ الْبَيْعِ حَتَى يَتَفَرَّقَا تَفَرُّقَ الْأَبْدَانِ عَلَى ذَلِكَ أَوْ يَكُونُ بَيْعُهُمَا عَنْ خِيَارٍ وَإِذَا كَانَ يَجِبُ التَّفرُّقُ بَعْدَ الْبَيْعِ فَكَذَلِكَ يَجِبُ إذا خّير أحدهما صاحبه بعد البيع وكذلك قال طاوس خَيَّرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - رجلا بعد البيع فقال الرجل عمّرك الله ممن أنت؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " امرؤ من قريش " (قال) فكان طاوس يحلف ما الخيار إلا بَعْدَ الْبَيْعِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ثَبَتَ بِمَا مَضَى خِيَارُ الْمَجْلِسِ فِي الْبُيُوعِ كُلِّهَا، وَفِي الصَّرْفِ، وَالسَّلَمِ، لِأَنَّهُمَا نَوْعَانِ مِنْهَا غَيْرَ أَنَّ خِيَارَ الثَّلَاثِ وَإِنْ دَخَلَ فِي الْبُيُوعِ، فَهُوَ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ.
لِأَنَّ الْقَبْضَ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ لَمَّا كَانَ شَرْطًا فِي صِحَّتِهِمَا، مَنَعَ مِنْ بَقَاءِ عُلْق الْعَقْدِ بَعْدَ الِافْتِرَاقِ، وَخِيَارُ الثَّلَاثِ يُبْقِي عُلْق الْعَقْدِ بَعْدَ الِافْتِرَاقِ فَمُنِعَ مِنْهُ.
فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَعَقْدُ الْبَيْعِ يَلْزَمُ بِشَيْئَيْنِ: هُمَا: - الْعَقْدُ.
- وَالِافْتِرَاقُ.
وَإِذَا كَانَ لَا يَلْزَمُ إِلَّا بِهِمَا وَجَبَ بَيَانُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
فَنَبْدَأُ بِبَيَانِ الْعَقْدِ وَحُكْمِهِ، ثُمَّ بِالِافْتِرَاقِ وَلُزُومِ الْبَيْعِ بِهِ.

فَصْلٌ:

فَأَمَّا الْعَقْدُ فَيَصِحُّ بِاعْتِبَارِ ثَلَاثَةِ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: اللَّفْظُ الَّذِي يُعَقَدُ بِهِ.
وَالثَّانِي: كَيْفِيَّةُ الْعَقْدِ بِهِ.
وَالثَّالِثُ: بَيَانُ مَا يَصِيرُ الْعَقْدُ تَابِعًا بِهِ.
فَأَمَّا الشَّرْطُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ اللَّفْظُ الَّذِي يُعَقَدُ بِهِ.
فَأَلْفَاظُهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: ضَرْبٌ: يَصِحُّ الْعَقْدُ بِهِ؛ وَضَرْبٌ لَا يَصِحُّ الْعَقْدُ بِهِ؛ وَضَرْبٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ هَلْ يَصِحُّ الْعَقْدُ بِهِ أَمْ لَا؟ فَأَمَّا مَا يَصِحُّ الْعَقْدُ بِهِ، فَلَفْظَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: قَدْ بِعْتُكَ، وَإِحْدَى لَفْظَتَيْنِ مِنْ جِهَةِ الْمُشْتَرِي، هُمَا: قَوْلُهُ: قَدِ اشْتَرَيْتُ، أَوْ قَدِ ابْتَعْتُ، لِأَنَّ مَعْنَى الشِّرَاءِ وَالِابْتِيَاعِ سَوَاءٌ.

وَأَمَّا مَا لَا يَصِحُّ الْعَقْدُ بِهِ: فَهُوَ كُلُّ لَفْظٍ كَانَ يَحْتَمِلُ مَعْنَى الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ، كَقَوْلِهِ: قَدْ أَبَحْتُكَ هَذَا الْعَبْدَ بِأَلْفٍ، أَوْ قَدْ سَلَّطْتُكَ عَلَيْهِ، أَوْ قَدْ أَوْجَبْتُهُ لَكَ، أَوْ جَعَلْتُهُ لَكَ.
كُلُّ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ لَا يَصِحُّ عَقْدُ الْبَيْعِ بِهَا، لِاحْتِمَالِهَا، وَأَنَّ مَعْنَى الْبَيْعِ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِيهَا.
وَأَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ: فَهُوَ قَوْلُهُ: قَدْ مَلَّكْتُكَ.
فِيهِ لِأَصْحَابِنَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ الْعَقْدُ بِهِ، لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْبَيْعِ: تَمْلِيكُ الْمَبِيعِ بِالْعِوَضِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ قَوْلِهِ: بِعْتُكَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ الصَّحِيحُ لَا يَصِحُّ الْعَقْدُ بِهِ، لِعِلَّتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّ لَفْظَ التَّمْلِيكِ يَحْتَمِلُ الْبَيْعَ وَيَحْتَمِلُ الْهِبَةَ عَلَى الْعِوَضِ، فَصَارَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَلْفَاظِ الْمُحْتَمَلَةِ.
وَالْأُخْرَى: أَنَّ التَّمْلِيكَ هُوَ حُكْمُ الْبَيْعِ وَمُوجَبُهُ، فَاحْتَاجَ إِلَى تَقْدِيمِ الْعَقْدِ، لِيَكُونَ التَّمْلِيكُ يَتَعَقَّبُهُ.

فَصْلٌ:

فَأَمَّا كَيْفِيَّةُ الْعَقْدِ بِأَلْفَاظِهِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ فَيَحْتَاجُ أَنْ يَكُونَ لَفْظُ الْبَائِعِ خَارِجًا عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ: إِمَّا مَخْرَجَ الْبَذْلِ، أَوْ مَخْرَجَ الْإِيجَابِ.
وَلَفْظُ الْمُشْتَرِي خَارِجًا عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ أَيْضًا: إِمَّا مَخْرَجَ الْقَبُولِ، أَوْ مَخْرَجَ الطَّلَبِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ لَهُمَا فِي عَقْدِ الْبَيْعِ بِلَفْظِهِ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ: إِحْدَاهُنَّ: أَنْ يَعْقِدَاهُ بِلَفْظِ الْمَاضِي.
وَالثَّانِيَةُ: بِلَفْظِ الْمُسْتَقْبَلِ.
وَالثَّالِثَةُ: بِلَفْظِ الْأَمْرِ.
فَأَمَّا عَقْدُهُ بِلَفْظِ الْمَاضِي: فَهُوَ أَنْ يَبْدَأَ الْبَائِعُ، فَيَقُولُ: قَدْ بِعْتُكَ عَبْدِي بِأَلْفٍ، وَيَقُولُ الْمُشْتَرِي قَدِ اشْتَرَيْتُهُ مِنْكَ بِهَا، فَيَصِحُّ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْبَائِعِ: قَدْ بِعْتُكَ، يَكُونُ بَذْلًا، وَقَوْلُ الْمُشْتَرِي: قَدِ اشْتَرَيْتُ، يَكُونُ قَبُولًا، وَالْبَيْعُ يَصِحُّ بِالْبَذْلِ وَالْقَبُولِ.
وَكَذَا لَوْ قَالَ الْمُشْتَرِيَ مُبْتَدِئًا: قَدِ اشْتَرَيْتُ هَذَا الْعَبْدَ بِأَلْفٍ، فَيَقُولُ الْبَائِعُ: قَدْ بِعْتُكَ بِهَا، صَحَّ الْبَيْعُ، وَلَمْ يَحْتَجِ الْمُشْتَرِي إِلَى إِعَادَةِ الْقَبُولِ بَعْدَ بَذْلِ الْبَائِعِ بِوِفَاقِ أبي حنيفة؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ من المشتري إذا تقدم وإن كان بِلَفْظِ الْقَبُولِ يَتَضَمَّنُ مَعْنَى الطَّلَبِ، وَقَوْلُ الْبَائِعِ إِذَا تَأَخَّرَ وَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الْبَذْلِ يَتَضَمَّنُ مَعْنَى الْإِيجَابِ، وَالْبَيْعُ يَصِحُّ بِالطَّلَبِ وَالْإِيجَابِ، كَمَا يَصِحُّ بِالْبَذْلِ وَالْقَبُولِ.
فَأَمَّا إِذَا ابْتَدَأَ الْبَائِعُ، فَقَالَ: قَدِ اشْتَرَيْتَ مِنِّي عَبْدِي بِأَلْفٍ، فَقَالَ: قَدِ اشْتَرَيْتُهُ، لَمْ

يَصِحَّ الْبَيْعُ بِهَذَا اللَّفْظِ، حَتَّى يَقُولَ الْبَائِعُ بَعْدَ ذَلِكَ: قَدْ بِعْتُكَ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْبَائِعِ لِلْمُشْتَرِي: قَدِ اشْتَرَيْتَ مِنِّي، هُوَ اسْتِخْبَارٌ، وَلَيْسَ بِبَذْلٍ مِنْهُ وَلَا إِيجَابٍ، وَمَا لَمْ يَكُنْ بَذْلًا وَلَا إِيجَابًا، لَمْ يَصِحَّ عَقْدُ الْبَيْعِ بِهِ مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ.
وَهَكَذَا لَوِ ابْتَدَأَ الْمُشْتَرِي فَقَالَ لِلْبَائِعِ: قَدْ بِعْتَنِي عَبْدَكَ بِأَلْفٍ، فَقَالَ: قَدْ بِعْتُكَ، لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ، حَتَّى يَقُولَ الْمُشْتَرِي بَعْدَ ذَلِكَ: قَدِ اشْتَرَيْتُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مِنَ الْمُشْتَرِي، لَيْسَ بِقَبُولٍ وَلَا طَلَبٍ، وَمَا لَمْ يَكُنْ قَبُولًا وَلَا طَلَبًا، لَمْ يَصِحَّ عَقْدُ الْبَيْعِ بِهِ مِنْ جِهَةِ الْمُشْتَرِي.
وَأَمَّا عَقْدُهُ بِلَفْظِ الْمُسْتَقْبَلِ: فَهُوَ أَنْ يَبْدَأَ الْبَائِعُ فَيَقُولُ: سَأَبِيعُكَ عَبْدِي بِأَلْفٍ، أَوْ يَقُولُ: أَبِيعُكَ عَبْدِي بِأَلْفٍ، وَيَقُولُ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتُهُ بِهَا أَوْ سَأَشْتَرِيهِ، أَوْ يَقُولُ الْمُشْتَرِي: تَبِيعُنِي عَبْدَكَ بِأَلْفٍ، فَيَقُولُ: أَبِيعُكَ، أَوْ يَقُولُ الْبَائِعُ: تَشْتَرِي عَبْدِي بِأَلْفٍ، فَيَقُولُ: اشْتَرَيْتُهُ، فَلَا يَصِحُّ عَقْدُ الْبَيْعِ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ مَخْرَجَ الْوَعْدِ.
وَهَكَذَا جَمِيعُ مَا تَلَفَّظَا بِهِ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُسْتَقْبَلَةِ، لَا يَصِحُّ عَقْدُ الْبَيْعِ بِهَا لِمَا ذَكَرْنَا.
وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ خَارِجًا مَخْرَجَ الِاسْتِفْهَامِ كَقَوْلِهِ: أَتَشْتَرِي عَبْدِي بِأَلْفٍ؟ فَيَقُولُ: قَدِ اشْتَرَيْتُهُ، أَوْ يَقُولُ الْمُشْتَرِي: أَتَبِيعُ عَبْدَكَ بِأَلْفٍ؟ فَيَقُولُ: قَدْ بِعْتُهُ، فَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ أَيْضًا لِمَا ذَكَرْنَا.
وَأَمَّا عَقْدُهُ بِلَفْظِ الْأَمْرِ.
فَإِنِ ابْتَدَأَ الْبَائِعُ فَقَالَ لِلْمُشْتَرِي: اشترِ عَبْدِي بِأَلْفٍ، فَقَالَ: قَدِ اشْتَرَيْتُ، لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ، إِلَّا أَنْ يَعُودَ الْبَائِعُ فَيَقُولُ: قَدْ بِعْتُ، وَلَوِ ابْتَدَأَ الْمُشْتَرِي فَقَالَ لِلْبَائِعِ: بِعْنِي عَبْدَكَ بِأَلْفٍ، فَقَالَ: قَدْ بِعْتُكَ بِهَا، صَحَّ الْبَيْعُ، وَلَمْ يَحْتَجِ الْمُشْتَرِي إِلَى إِعَادَةِ الْقَبُولِ عِنْدَنَا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ الْبَائِعُ مُبْتَدِيًا لِلْمُشْتَرِي: اشترِ عَبْدِي بِأَلْفٍ، فَيَقُولُ: قَدِ اشْتَرَيْتُ، فَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ، وَبَيْنَ أَنْ يَبْتَدِئَ الْمُشْتَرِي فَيَقُولُ لِلْبَائِعِ: بِعْنِي عَبْدَكَ بِأَلْفٍ، فَيَقُولُ: قَدْ بِعْتُكَ بِهَا، فَيَصِحُّ الْبَيْعُ، وَإِنْ كَانَ كِلَا اللَّفْظَيْنِ أَمْرًا: أَنَّ الْبَائِعَ إِنَّمَا يُرَادُ مِنْ جِهَتِهِ الْبَذْلُ مُبْتَدِيًا أَوِ الْإِيجَابُ مُجِيبًا، وَلَفْظُ الْأَمْرِ بِقَوْلِهِ: اشترِ، لَمْ يُوضَعْ لِلْبَذْلِ وَلَا لِلْإِيجَابِ.
وَالْمُشْتَرِي إِنَّمَا يُرَادُ مِنْ جِهَتِهِ الْقَبُولُ مُجِيبًا أَوِ الطَّلَبُ مُبْتَدِيًا، وَلَفْظُ الْأَمْرِ بِقَوْلِهِ: بِعْنِي، مَوْضُوعٌ لِلطَّلَبِ وَإِنْ لَمْ يُوضَعْ لِلْقَبُولِ.
فَهَذَا فَرْقُ مَا بَيْنَ لَفْظَيِ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فِي الِابْتِدَاءِ بِهِ عَلَى وَجْهِ الْأَمْرِ عَنْ طَرِيقِ اللُّغَةِ وَمَعَانِي الْأَلْفَاظِ.
وَقَالَ أبو حنيفة: هُمَا سَوَاءٌ، إِذَا ابْتَدَأَ الْمُشْتَرِي فَقَالَ: بِعْنِي عَبْدَكَ بِأَلْفٍ، فَقَالَ الْبَائِعُ:

قَدْ بِعْتُكَ بِهَا، لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ، حَتَّى يَعُودَ الْمُشْتَرِي فَيَقُولُ: قَدِ اشْتَرَيْتُهُ، فَيَكُونُ هَذَا قبولا، كما لَوِ ابْتَدَأَ الْبَائِعُ فَقَالَ: اشترِ عَبْدِي بِأَلْفٍ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَ مَعْنَى اللَّفْظَتَيْنِ كَافٍ.
ثُمَّ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ أَنَّ كُلَّ مَا لَزِمَ اعْتِبَارُهُ فِي صِحَّةِ عَقْدِ الْبَيْعِ مِنْ صِفَاتِ لَفْظِهِ، لَزِمَ اعْتِبَارُهُ فِي صِحَّةِ عَقْدِ النِّكَاحِ مِنْ صِفَاتِ لَفْظِهِ.
فَلَمَّا لَوْ كَانَ ابْتَدَأَ الزَّوْجُ فَقَالَ لِلْوَلِيِّ: زَوِّجْنِي ابْنَتَكَ، فَقَالَ: قَدْ زَوَّجْتُكَ، صَحَّ النِّكَاحُ، وَلَمْ يَحْتَجِ الزَّوْجُ إِلَى الْقَبُولِ بَعْدَ إِجَابَةِ الْوَلْيِّ، وَقَامَ ذَلِكَ مَقَامَ أَنْ يَبْتَدِئَ الْوَلِيُّ فَيَقُولُ لِلزَّوْجِ: قَدْ زَوَّجْتُكَ بِنْتِي، وَيَقُولُ الزَّوْجُ: قَدْ تَزَوَّجْتُ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْبَيْعِ بِمَثَابَتِهِ.
وَيَتَحَرَّرُ مِنْ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ قِيَاسَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَقْدٌ لَوْ تَقَدَّمَ فِيهِ الْبَذْلُ كَفَاهُ الْقَبُولُ، فَإِذَا تَقَدَّمَ فِيهِ الطَّلَبُ كَفَاهُ الإيجاب كالنكاح.
والثاني: أن كلما لَوْ كَانَ بِلَفْظِ النِّكَاحِ كَانَ نِكَاحًا، فَإِذَا كَانَ بِلَفْظِ الْبَيْعِ كَانَ بَيْعًا، كَمَا لَوْ تَقَدَّمَ الْبَذْلُ.

فَصْلٌ:

فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ عَبْدًا بِعَبْدٍ، وَعَقَدَاهُ بِلَفْظِ الْأَمْرِ، وَالْمُتَبَايِعَانِ مُتَسَاوِيَانِ فِيهِ، فَأَيُّهُمَا جَعَلَ نَفْسَهُ بِاللَّفْظِ بَائِعًا أَوْ مُشْتَرِيًا، لَزِمَهُ حُكْمُهُ.
فَإِذَا قَالَ أَحَدُهُمَا: بِعْنِي عَبْدَكَ هَذَا بِعَبْدِي، فَقَالَ الْآخَرُ: قَدْ بِعْتُكَ بِهِ، صَحَّ بِهِ الْبَيْعُ، لِأَنَّ الْمُبْتَدِئَ أَنْزَلَ نَفْسَهُ مَنْزِلَةَ الْمُشْتَرِي، فَلَزِمَهُ حُكْمُهُ.
وَلَوْ كَانَ الْأَوَّلُ قَالَ: اشترِ مِنِّي عَبْدِي هَذَا بِعَبْدِكَ، فَقَالَ: قَدِ اشْتَرَيْتُهُ مِنْكَ، لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ، لِأَنَّهُ أَنْزَلَ نَفْسَهُ مَنْزِلَةَ الْبَائِعِ، فَلَزِمَهُ حُكْمُهُ.

فَصْلٌ:

فَأَمَّا مَا يَصِيرُ الْعَقْدُ تَامًّا بِهِ فَشَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: تَعْجِيلُ الْقَبُولِ عَلَى الْفَوْرِ إِنْ تَقَدَّمَ الْبَذْلُ، أَوْ تَعْجِيلُ الْإِيجَابِ عَلَى الْفَوْرِ إِنْ تَقَدَّمَ الطَّلَبُ، مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، وَلَا بُعْدٍ، فَإِنْ فُصِلَ بَيْنَ الْبَذْلِ وَالْقَبُولِ بِكَلَامٍ لَيْسَ مِنْهُ، أَوْ تَطَاوَلَ مَا بَيْنَ الْبَذْلِ وَالْقَبُولِ بِالْإِمْسَاكِ حَتَّى بَعُدَ مِنْهُ.
لَمْ يَتِمَّ الْعَقْدُ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْقَبُولِ تَأْثِيرٌ، إِلَّا أَنْ يَعْقُبَهُ الْبَائِعُ بِالْإِيجَابِ، فَيَصِيرُ الْقَبُولُ طَلَبًا وَالْإِيجَابُ جَوَابًا، وَيَتِمُّ الْبَيْعُ، وَلَكِنْ لَوْ حَصَلَ بَيْنَ الْقَبُولِ وَالْبَذْلِ إِمْسَاكٌ لِبَلْعِ الرِّيقِ وَقَطْعِ النَّفَسِ، تَمَّ الْعَقْدُ، وَلَمْ يَكُنْ لِهَذَا الْإِمْسَاكِ تَأْثِيرٌ فِي فَسَادِهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ قَبُولُ الْمُشْتَرِي يَقْتَضِي مَا تَضْمَّنَهُ بَذْلُ الْبَائِعِ مِنَ الثَّمَنِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الْبَائِعُ: قَدْ بِعْتُكَ عَبْدِي بِأَلْفٍ، فَيَقُولُ الْمُشْتَرِي: قَدِ اشْتَرَيْتُهُ بِالْأَلْفِ، أَوْ يقول: قد

فصول الكتاب · 30 فصل · 608 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الحاوي الكبير · 608 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كِتَابُ الْبُيُوعِ
كتاب الإقرار
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كتاب العارية
كتاب الغصب
كِتَابُ الشَّرْطِ فِي الرَّقِيقِ يَشْتَرِطُهُمُ الْمُسَاقِي
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ الْعَطَايَا وَالصَّدَقَاتِ
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب الصداق
كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع
كتاب السير
كتاب مختصر الجامع من كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب النذور
كِتَابُ الْعِتْق
كتاب عتق أمهات الأولاد من كتب
جارٍ التحميل