الحاوي الكبيرصفحات 163-202
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ الْبُيُوعِ

صفحات 163-202
عن هذه الطبعة
عَلَم
الماوردي
الكتاب
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
المؤلف
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
المحقق
الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1419 هـ -1999 م
عدد الأجزاء
19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فَإِنْ قِيلَ الْمَعْنَى فِي الْحَمْلِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِفْرَادُهُ بِالْعَقْدِ فَلِذَلِكَ كَانَ تَبَعًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ الثَّمَرَةُ لِأَنَّهُ يَجُوزُ إِفْرَادُهَا بِالْعَقْدِ فَلَمْ يَكُنْ تَبَعًا.
قِيلَ هَذَا فَاسِدٌ بِأَبْوَابِ الدَّارِ.
ثُمَّ يُقَالُ الْحَمْلُ جَارٍ مَجْرَى أَبْعَاضِ الْأُمِّ فَلَمَّا لَمْ يَجُزِ الْعَقْدُ عَلَى أَبْعَاضِهَا لَمْ يَجُزْ عَلَى حَمْلِهَا وَالثَّمَرَةُ قَبْلَ التَّأْبِيرِ تَجْرِي مَجْرَى أَغْصَانِ الشَّجَرَةِ فَلَمَّا جَازَ الْعَقْدُ عَلَى أَغْصَانِهَا جَازَ عَلَى ثَمَرِهَا، وَلِأَنَّهَا ثَمَرَةٌ تَخْتَلِفُ أَحْوَالُهَا فَجَازَ أَنْ تَكُونَ تَبَعًا لِأَصْلِهَا فِي بَعْضِ أَحْوَالِهَا قِيَاسًا عَلَى نَوْرِ الثِّمَارِ قَبْلَ انْعِقَادِهَا.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرُوهُ مِنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الْمُؤَبَّرَةِ، فَالْمَعْنَى فِي الْمُؤَبَّرَةِ أَنَّهَا ظَاهِرَةٌ فَلَمْ تَكُنْ تَبَعًا كَالْوَلَدِ، وَغَيْرُ الْمُؤَبَّرَةِ كَامِنَةٌ فَكَانَتْ تَبَعًا كَالْحَمْلِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الرَّهْنِ قُلْنَا فِي الرَّهْنِ مَذْهَبَانِ: أَحَدُهُمَا: يَتْبَعُ الرَّهْنَ مَا كَانَ غَيْرَ مُؤَبَّرٍ فَعَلَى هَذَا سَقَطَ السُّؤَالُ.
وَالثَّانِي: لَا يَتْبَعُ فَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى فِي الرَّهْنِ أَنَّهُ لَمَّا ضَعُفَ عن أن تتبعه الثمرة الحادثة ضعف عن أن تتبعه الثَّمَرَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي الْبَيْعِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الزَّرْعِ فَالْمَعْنَى فِي الزَّرْعِ أَنَّهُ مُسْتَوْدَعٌ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ بِحَادِثٍ مِنْهَا فَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ تَبَعًا لَهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ الثَّمَرَةُ.

فَصْلٌ:

فَأَمَّا طَلْعُ الْفُحُولِ قَبْلَ تَأْبِيرِهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: كَوْنُهُ تَابِعًا لِلْعَقْدِ دَاخِلًا فِي الْبَيْعِ كَطَلْعِ الْإِنَاثِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَصَحُّ أَلَّا يَكُونَ تَابِعًا وَلَا يَدْخُلَ فِي الْبَيْعِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ طَلْعِ الْإِنَاثِ أَنَّ طَلْعَ الْإِنَاثِ لَا يُؤْخَذُ إِلَّا بَعْدَ إِبَارِهِ وَتَنَاهِيهِ بُسْرًا وَرَطْبًا، وَطَلَعَ الْفُحُولِ يُؤْخَذُ قَبْلَ إِبَارِهِ وَيَكُونُ حَالُ تَنَاهِيهِ طَلْعًا وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ مُخْرِجَانِ مِنَ اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا فِي طَلْعِ الْإِنَاثِ هَلْ يُقَاسُ عَلَى الْحَمْلِ قِيَاسُ تَحْقِيقٍ أَوْ قِيَاسُ تَقْرِيبٍ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قِيَاسُ تَحْقِيقٍ فَعَلَى هَذَا لَا يَصِيرُ طَلْعُ الْفُحُولِ مُؤَبَّرًا بِالتَّشْقِيقِ وَالظُّهُورِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ قِيَاسُ تَقْرِيبٍ اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ فَعَلَى هَذَا يَصِيرُ طَلْعُ الْفُحُولِ مُؤَبَّرًا اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ.
فَصْلٌ: فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَالْعُقُودُ الَّتِي يَمْلِكُ بِهَا النَّخْلَ الْمُثْمِرَ عَلَى أَرْبَعَةٍ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ عَلَى وَجْهِ الْمُرَاضَاةِ كَالْبَيْعِ وَالصُّلْحِ وَالصَّدَاقِ فَهَذِهِ الْعُقُودُ تَتْبَعُهَا الثَّمَرَةُ غَيْرُ الْمُؤَبَّرَةِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْمُرَاضَاةِ كَالْمَبِيعِ إِذَا اسْتَرْجَعَ بحدوث

الْفَلَسِ فَهَلْ تَكُونُ الثَّمَرَةُ الَّتِي لَمْ تُؤَبِّرْ تَبَعًا لَهُ عَلَى وَجْهَيْنِ يَذْكُرَانِ فِي الْفَلَسِ، وَكَالرَّهْنِ إِذَا بِيعَ جَبْرًا عَلَى الرَّهْنِ هَلْ يُبَاعُ مَعَهُ مَا لَمْ يُؤَبَّرْ مِنَ الثَّمَرَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ: وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ لَكِنَّهُ عَلَى وَجْهِ الْمُرَاضَاةِ كَالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ، فَهَلْ تَكُونُ الثَّمَرَةُ الَّتِي لَمْ تؤبر تبعا له على وجهين يذكران في الْهِبَةِ.
وَالضَّرْبُ الرَّابِعُ: مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ وَلَمْ يَكُنْ مَأْخُوذًا عَلَى وَجْهِ الْمُرَاضَاةِ كَالطَّلَاقِ إِذَا اسْتَرْجَعَ بِهِ نِصْفَ الْمَهْرِ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا تَكُونُ الثَّمَرَةُ دَاخِلَةً فِيهِ لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ الْمَذْهَبُ، وَكَالْوَالِدِ إِذَا رَجَعَ فِيمَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ لَمْ يَكُنْ لِلْوَالِدِ اسْتِرْجَاعُ الثَّمَرَةِ مِنْهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ.

مَسْأَلَةٌ:

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَأَقَلُّ الْإِبَارِ أَنْ يُؤَبَّرَ شَيْءٌ مِنْ حَائِطِهِ وإن قل وإن لم يؤبر الَّذِي إِلَى جَنْبِهِ فَيَكُونُ فِي مَعْنَى مَا أُبِّرَ كُلُّهُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.
إِذَا أَبَّرَ الْحَائِطَ أَوْ نَخْلَةً مِنْهُ كَانَ تَأْبِيرًا لِجَمِيعِهِ، وَصَارَ مَا لَمْ يُؤَبَّرْ مِنَ الْحَائِطِ فِي حُكْمِ مَا قَدْ أُبِّرَ مِنْهُ فِي كَوْنِهِ لِلْبَائِعِ وَخُرُوجِهِ مِنَ الْبَيْعِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مَنْ بَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ " وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ التَّأْبِيرُ فِي جَمِيعِهِ أَوْ بَعْضِهِ، وَلِأَنَّ فِي اعْتِبَارِ التَّأْبِيرِ فِي كُلِّ نَخْلَةٍ مَشَقَّةٌ وَفِي تَبْعِيضِ الثَّمَرَةِ بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي اخْتِلَافٌ وَسَوَاءٌ مُشَارَكَةً فَجَعَلَ مَا لَمْ يُؤَبَّرْ تَبَعًا لِمَا قَدْ أُبِّرَ فِي خُرُوجِهِ مِنَ الْبَيْعِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا جَعَلْتُمْ مَا قَدْ أُبِّرَ تَبَعًا لِمَا لم يؤبر في دخوله في البيع.
قل: لِأَنَّ الْمُؤَبَّرَةَ ظَاهِرَةٌ وَغَيْرَ الْمُؤَبَّرَةِ بَاطِنَةٌ وَقَدِ اسْتَقَرَّ فِي الشَّرْعِ أَنْ يَكُونَ الْبَاطِنُ تَبَعًا لِلظَّاهِرِ وَلَا يَكُونُ الظَّاهِرُ تَبَعًا لِلْبَاطِنِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ مَا بَطَنَ مِنْ أَسَاسِ الْحَائِطِ ورؤوس الْأَجْذَاعِ تَبَعٌ لِمَا ظَهَرَ فِي جَوَازِ الْبَيْعِ، ولا يكون ما ظهر تبع لِمَا بَطَنَ فِي بُطْلَانِ الْبَيْعِ.

فَصْلٌ:

فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ تَأْبِيرَ بَعْضِ النَّخْلِ تَأْبِيرٌ لِجَمِيعِ النَّخْلِ فَلَا يَخْلُو حَالُ النَّخْلِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ نَوْعًا وَاحِدًا أَوْ أَنْوَاعًا.
فَإِنْ كَانَ نَوْعًا وَاحِدًا فَتَأْبِيرُ نَخْلَةٍ منه كتأبير جميعه.
وإن كان أنواعا فتأبير نَوْعٌ مِنْهُ فَهَلْ يَكُونُ تَأْبِيرًا لِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ بْنِ خَيْرَانَ إِنَّ كُلَّ نَوْعٍ مُعْتَبَرٌ بِنَفْسِهِ وَأَنَّ تَأْبِيرَ أَحَدِ الْأَنْوَاعِ لَا يَكُونُ تَأْبِيرًا لِجَمِيعِ الْأَنْوَاعِ لِأَنَّ تَلَاحُقَ النَّوْعِ الْوَاحِدِ مُتَقَارِبٌ وَتَلَاحُقَ الْأَنْوَاعِ الْمُخْتَلَفَةِ مُتَبَاعِدٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أبى هريرة أن تَأْبِيرَ النَّوْعِ الْوَاحِدِ مِنَ النَّخْلِ تَأْبِيرٌ

لِجَمِيعِ أَنْوَاعِ النَّخْلِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ خَوْفِ الِاخْتِلَافِ وَسُوءِ الْمُشَارَكَةِ وَأَنَّهُ رُبَّمَا اتَّفَقَ تَأْبِيرُ الْأَنْوَاعِ الْمُخْتَلِفَةِ وَاخْتَلَفَ تَأْبِيرُ النَّوْعِ الْوَاحِدِ.

فَصْلٌ:

فَإِذَا جَرَى عَلَى جَمِيعِ الْحَائِطِ حُكْمُ التَّأْبِيرِ وَجَعَلَ الثَّمَرَةَ لِلْبَائِعِ خَارِجَةً مِنَ الْبَيْعِ فَأَطْلَعَتِ النَّخْلَةُ بَعْدَ ذَلِكَ طَلْعًا مُسْتَحْدَثًا نُظِرَ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ طَلْعِ الْعَامِ الْمُسْتَقْبَلِ كَانَ لِلْمُشْتَرِي، وَإِنْ كَانَ مِنْ طَلْعِ الْعَامِ الْمَاضِي تَأَخَّرَ ثُمَّ أَطْلَعَ بَعْدَ تَأْبِيرِ مَا تَقَدَّمَ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي لِحُدُوثِهِ عَلَى مِلْكِهِ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ أَنَّهُ يَكُونُ لِلْبَائِعِ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَا لَمْ يُؤَبَّرْ تَبَعًا لِمَا قَدْ أَبَّرَ خَوْفًا مِنْ سُوءِ الْمُشَارَكَةِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَا لَمْ يَطْلَعْ تَبَعًا لِمَا قَدْ أَطْلَعَ خَوْفًا أَيْضًا مِنْ سُوءِ الْمُشَارَكَةِ.
وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا ذَكَرَهُ أَنَّ مَا لَمْ يُؤَبَّرْ يَصِحُّ عَلَيْهِ الْعَقْدُ وَيَلْزَمُ فِيهِ الشَّرْطُ فَجَازَ أَنْ يَصِيرَ تَبَعًا لِمَا قَدْ أُبِّرَ فِي الْعَقْدِ.
وَمَا لَمْ يَطْلَعْ لَا يَصِحُّ عَلَيْهِ الْعَقْدُ وَلَا يَلْزَمْ فِيهِ الشَّرْطُ، فَلَمْ يَصِرْ تَبَعًا لِمَا قَدِ اسْتَثْنَاهُ الْعَقْدُ، وَلَوْ كَانَ مَا ذَكَرَهُ تَعْلِيلًا صَحِيحًا لِجَازَ بَيْعُ مَا لَمْ يُخْلَقْ مِنَ الثِّمَارِ تَبَعًا لِمَا قَدْ خُلِقَ كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا لَمْ يبدو صَلَاحُهُ تَبَعًا لِمَا بَدَا صَلَاحُهُ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا من ذلك دليل الكيل عَلَى وَهَاءِ قَوْلِهِ وَفَسَادِ تَعْلِيلِهِ.
فَصْلٌ: فَإِذَا كَانَ لَهُ حَائِطَانِ مُحْرَزَانِ فَبَاعَهُمَا وَقَدْ أُبَّرَتْ ثَمَرَةُ أَحَدِهِمَا وَلَمْ تُؤَبَّرْ ثَمَرَةُ الْآخَرِ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْحَائِطَيْنِ حُكْمُ نَفْسِهِ لِامْتِيَازِهِمَا وَتَكُونُ الثَّمَرَةُ الْمُؤَبَّرَةُ لِلْبَائِعِ وَثَمَرَةُ الْحَائِطِ الَّذِي لَمَّ يُؤَبَّرْ لِلْمُشْتَرِي.
وَلَوْ كَانَ حَائِطًا وَاحِدًا فَأُبِّرَتْ ثَمَرَةُ مُقَدَّمِهِ وَلَمْ تُؤَبَّرْ ثَمَرَةُ مُؤَخَّرِهِ فَإِنْ بَاعَ جَمِيعَ الْحَائِطِ كَانَ كُلُّ الثَّمَرَةِ فِي حُكْمِ الْمُؤَبَّرَةِ، وَإِنْ أَفْرَدَ الْعَقْدَ عَلَى إِحْدَى الْحِصَّتَيْنِ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ عَلَى مُقَدَّمِ الْحَائِطِ الَّذِي قَدْ أَبَّرَ فَثَمَرَتُهُ لِلْبَائِعِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى مُؤَخَّرِ الْحَائِطِ الَّذِي لَمْ يُؤَبَّرْ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لِلْبَائِعِ أَيْضًا لِأَنَّ الْحَائِطَ وَاحِدٌ وَتَأْبِيرُ بَعْضِهِ تَأْبِيرٌ لِجَمِيعِهِ فَيَصِيرُ الْمُؤَخَّرُ الَّذِي لَمْ يُؤَبَّرْ فِي حُكْمِ الْمُقَدَّمِ الَّذِي قَدْ أُبِّرَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا تَكُونُ لِلْمُشْتَرِي لِأَنَّ إِفْرَادَ الْمُؤَخَّرِ بِالْعَقْدِ يَجْعَلُهُ فِي حُكْمِ الْحَائِطِ الْمُحْرَزِ فَلَا يَكُونُ تَبَعًا لِغَيْرِهِ فِي التأبير.
والله أعلم.

مسألة:

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَلَوْ تَشَقَّقَ طَلْعُ إِنَاثِهِ أَوْ شَيْءٌ مِنْهُ فَهُوَ فِي مَعْنَى مَا أُبِّرَ كُلُّهُ ".

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا التَّأْبِيرُ فَهُوَ التَّلْقِيحُ وَالتَّلْقِيحُ هُوَ أَنْ يُشَقَّقَ طَلْعُ الْإِنَاثِ وَيُوضَعَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ طَلْعِ الْفُحُولِ لِيَشْتَدَّ بِرَائِحَتِهِ وَيَقْوَى فَلَا يَلْحَقُهُ الْفَسَادُ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ وَصَحَّتْ فِيهِ التَّجْرِبَةُ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَمَّا دَخَلَ الْمَدِينَةَ رَأَى الْأَنْصَارَ يُؤَبِّرُونَ النَّخْلَ، فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرُوهُ بِهِ، فَقَالَ لَوْ تَرَكُوهَا لَصَلُحَتْ، فَتَرَكُوهَا فَتَغَيَّرَتْ، فَقِيلَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ: " مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاكُمْ فَإِلَيْكُمْ وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ فَإِلَيَّ ". فَلَوْ تَشَقَّقَ طَلْعُ الْإِنَاثِ وَلَمْ يُلَقَّحْ بِطَلْعِ الْفُحُولِ صَحَّ التَّأْبِيرُ وَخَرَجَتْ مِنَ الْعَقْدِ لِأَنَّ التَّلْقِيحَ رُبَّمَا تُرِك

َ فَصَلُ

حَتِ الثَّمَرَةُ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ أَنْوَاعِ النَّخْلِ مَا يَكُونُ تَرْكُ تَلْقِيحِهِ أَصْلَحَ لثمرته.
فلو لم يتشقق لطلع بِنَفْسِهِ لَكِنْ شَقَّقَهُ أَرْبَابُهُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي وَقْتِ الْإِدْرَاكِ وَزَمَانِ الْحَاجَةِ كَانَ تَأْبِيرًا، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْإِدْرَاكِ وَفِي غَيْرِ زَمَانِ الحاجة لم يكن تأبيرا.

مسألة:

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِنْ كَانَ فِيهَا فُحُولُ نَخْلٍ بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ الْإِنَاثُ فَثَمَرُهَا لِلْبَائِعِ وَهِيَ قَبْلَ الْإِبَارِ وَبَعْدَهُ فِي الْبَيْعِ فِي مَعْنَى مَا لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ مِنْ أَنَّ كُلَّ ذَاتِ حَمْلٍ مِنْ بَنِي آدَمَ وَمِنَ الْبَهَائِمِ بِيعَتْ فَحَمْلُهَا تَبَعٌ لَهَا كَعُضْوٍ مِنْهَا لِأَنَّهُ لَمْ يُزَايِلْهَا فَإِنْ بِيعَتْ بَعْدَ أَنْ وَلَدَتْ فَالْوَلَدُ لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ طَلْعَ الْفُحُولِ إِذَا تَشَقَّقَ كَانَ مُؤَبَّرًا وَقَبْلَ تَشَقُّقِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَكُونُ مُؤَبَّرًا كَطَلْعِ الْإِنَاثِ.
وَالثَّانِي: يَصِيرُ فِي حُكْمِ الْمُؤَبَّرِ لِأَنَّهُ يُوجَدُ فِي الْغَالِبِ طَلْعًا.
فَإِذَا تَبَايَعَا نَخْلًا فِيهَا فُحُولٌ وَإِنَاثٌ فَإِنْ أَبَّرَ طَلْعَ الْإِنَاثِ كَانَ طَلْعُ الْفُحُولِ تَبَعًا لها سَوَاءٌ تَشَقَّقَ أَوْ لَمَ يَتَشَقَّقْ.
وَلَوْ أَبَّرَ طَلْعَ الْفُحُولِ إِمَّا بِالتَّشَقُّقِ أَوْ بِظُهُورِ الطَّلْعِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَلَمْ يُؤَبَّرْ شَيْءٌ مِنْ طَلْعِ الْإِنَاثِ فَهَلْ يَصِيرُ طَلْعُ الْإِنَاثِ تَبَعًا لَهُ فِي التَّأْبِيرِ حَتَّى يُحْكَمَ بِجَمِيعِهِ لِلْبَائِعِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَصِيرُ طَلْعُ الْإِنَاثِ تَبَعًا لِطَلْعِ الْفُحُولِ فِي التَّأْبِيرِ كَمَا صَارَ طَلْعُ الْفُحُولِ تَبَعًا لِطَلْعِ الْإِنَاثِ فِي التَّأْبِيرِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي وَهُوَ أَصَحُّ: أَنَّ طَلْعَ الْإِنَاثِ لَا يَتْبَعُ طَلْعَ الْفُحُولِ وَإِنْ كَانَ طَلْعُ الْفُحُولِ يَتْبَعُ طَلْعَ الْإِنَاثِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ مَقْصُودَ الثِّمَارِ هُوَ طَلْعُ الْإِنَاثِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بُسْرًا وَرَطْبًا وَتَمْرًا وَطَلْعُ الْفُحُولِ تَبَعٌ لَهُ لِأَنَّهُ مُرَادٌ لِتَلْقِيحِهِ وَلَيْسَ يُقْصَدُ فِي نَفْسِهِ فَلِذَلِكَ صَارَ طَلْعُ الْفُحُولِ تَبَعًا لِطَلْعِ الْإِنَاثِ، فِي التَّأْبِيرِ وَلَمْ يَصِرْ طَلْعُ الْإِنَاثِ تَبَعًا لَهُ.

فَصْلٌ:

فَإِذَا أَخَذَ طَلْعُ الْفُحُولِ جَازَ بَيْعُهُ فِي قِشْرِهِ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَهُ فِي الْقِشْرِ مِنْ صَلَاحِهِ كَالرُّمَّانِ.
وَكَانَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ يَمْنَعُ مِنْ بَيْعِهِ فِي قِشْرِهِ حَتَّى يَصِيرَ بَارِزًا وليس هذا بصحيح لما ذكرنا.

مسألة:

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَالْكُرْسُفُ إِذَا بِيعَ أَصْلُهُ كَالنَّخْلِ إِذَا خَرَجَ جَوْزُهُ وَلَمْ يَتَشَقَّقْ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي وَإِذَا تَشَقَّقَ فَهُوَ لِلْبَائِعِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْكُرْسُفُ فَهُوَ الْقُطْنُ بِلُغَةِ الْحِجَازِ وَهُوَ بِالْبَصْرَةِ وَمِصْرَ وَأَطْرَافِ اليمن والحجاز شجر يلفظ عام بَعْدَ عَامٍ، وَيَكُونُ فِي سَائِرِ الْبِلَادِ زَرْعًا يُحْصَدُ فِي كُلِّ عَامٍ فَتَكَلَّمَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى حُكْمِهِ فِي بِلَادِهِ فَإِذَا كَانَ الْقُطْنُ فِي بِلَادٍ يَكُونُ شَجَرًا كَانَ مُنَزَّلًا فِي أَحْوَالِهِ تَنْزِيلَ النَّخْلِ لِأَنَّهُ فِي كِمَامٍ يَنْشَقُّ عَنْهُ، فَإِذَا بِيعَ شَجَرُ الْقُطْنِ مَعَ الْأَرْضِ أَوْ مُفْرَدًا عَنِ الْأَرْضِ وَكَانَ حَمْلُهُ سَاقِطًا أَوْ وَرْدًا أَوْ جَوْزًا مُنْعَقِدًا فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي تَبَعٌ لِأَصْلِهِ كَثَمَرِ النَّخْلِ إِذَا كَانَ طَلْعًا لَمْ يُؤَبَّرْ، وَإِنْ كَانَ جَوْزُهُ قَدْ تَشَقَّقَ وَقَطْنُهُ قَدْ ظَهَرَ فَهُوَ لِلْبَائِعِ لَا يَتْبَعُ أَصْلَهُ كَثَمَرِ النَّخْلِ إِذَا أُبِّرَ.
فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْقُطْنُ فِي بِلَادٍ زَرْعًا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ مُفْرَدًا عَنِ الْأَرْضِ إِلَّا أن يشتري الْقَطْعَ، وَإِذَا بِيعَتِ الْأَرْضُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْبَيْعِ نَبَاتُ الْقُطْنِ وَلَا مَا فِيهِ مِنْ وَرْدٍ وَجَوْزٍ كَسَائِرِ الزُّرُوعِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ: قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَيُخَالِفُ الثِّمَارَ مِنَ الْأَعْنَابِ وَغَيْرِهَا النَّخْلُ فَتَكُونُ كُلُّ ثَمَرَةٍ خَرَجَتْ بَارِزَةً وَتُرَى فِي أَوَّلِ مَا تَخْرُجُ كَمَا تُرَى فِي آخِرِهِ فَهُوَ فِي مَعْنَى ثَمَرِ النَّخْلِ بَارِزًا مِنَ الطَّلْعِ فَإِذَا بَاعَهُ شَجَرًا مُثْمِرًا فَهُوَ لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ لِأَنَّ الثَّمَرَ فَارَقَ أَنْ يَكُونَ مُسْتَوْدَعًا فِي الشَّجَرِ كَمَا يَكُونُ الْحَمْلُ مُسْتَوْدَعًا فِي الْأَمَةِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَجَمْلَتُهُ أَنَّ النَّبَاتَ ضَرْبَانِ: شَجَرٌ وَزَرْعٌ.
فَأَمَّا الشَّجَرُ فَهُوَ مَا كَانَ عَلَى سَاقٍ فَلَا يَخْلُو حَالَ حمله من ثلاثة أقسام: أحدهما: أَنْ يَكُونَ مَقْصُودَهُ الْوَرَقُ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَقْصُودَهُ الْوَرْدُ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مَقْصُودَهُ الثَّمَرُ.
فَأَمَّا مَا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْوَرَقَ فَكَالْحِنَّا وَالتُّوتِ.
فَأَمَّا الْحِنَّا فَإِنَّ وَرَقَهُ يَبْدُو بَعْدَ تَفَرُّعِ أَغْصَانِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِي عقدة ينفتح عنها، فإذا بدا وَرَقَهُ بَعْدَ التَّفَرُّعِ صَارَ فِي حُكْمِ النَّخْلِ الْمُؤَبَّرِ فَيَكُونُ لِلْبَائِعِ.
وَأَمَّا شَجَرُ الْفِرْصَادُ فَنَوْعَانِ:

  • نَوْعٌ مِنْهُ يُعْرَفُ بِالشَّامِيِّ يُقْصَدُ مِنْهُ ثَمَرُهُ دُونَ وَرَقِهِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ ثَمَرِ الْأَشْجَارِ إِذَا طَلَعَ فَلَا اعْتِبَارَ بِظُهُورِ وَرَقِهِ.
    - وَنَوْعٌ مِنْهُ يُقْصَدُ مِنْهُ وَرَقُهُ دُونَ ثَمَرِهِ، وَوَرَقُهُ يَبْدُو فِي عُقْدَةٍ ثُمَّ يَنْفَتِحُ عَنْهَا فَإِنْ كَانَ فِي عُقْدَةٍ فَهُوَ تَبَعٌ لِأَصْلِهِ، وَإِنْ كَانَ عُقْدَةً قَدِ انْشَقَّتْ وَظَهَرَ وَرَقُهَا لَمْ يُتْبَعْ أصله، وكان للبائع، وكذا القول في كل مَا قُصِدَ مِنْهُ الْوَرَقُ.
    وَأَمَّا مَا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْوَرْدَ فَيَتَنَوَّعُ نَوْعَيْنِ: - نَوْعٌ مِنْهُ يَبْدُو بَارِزًا كَالْيَاسَمِينِ فَهَذَا إِذَا وُجِدَ الْوَرَقُ فِيهِ لَمْ يُتْبَعْ أَصْلُهُ.
    - وَنَوْعٌ مِنْهُ يَبْدُو مُسْتَجِنًّا إِمَّا بِعَقْدٍ يَنْفَتِحُ عَنْهَا أَوْ بِغِطَاءٍ يَنْكَشِفُ عَنْهُ كَالْوَرْدِ الْمُطْلَقِ، فَإِنْ كَانَ فِي كِمَامِهِ لَمْ يَبْرُزْ فَهُوَ تَبَعٌ لِأَصِلِهِ، وَإِنْ بَرَزَ عَمَّا تَحْتَهُ لَمْ يَتْبَعْ أَصْلَهُ وَكَانَ لِلْبَائِعِ.
    وَأَمَّا مَا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الثَّمَرَ فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَبْدُوَا بَارِزًا مُنْعَقِدًا كَالتِّينِ فَهَذَا وُجُودُهُ فِي شَجَرَةٍ كَالتَّأْبِيرِ لَا يُتْبَعُ أَصْلُهُ وَيَكُونُ لِلْبَائِعِ.
    وَالضَّرْبُ الثَّانِي: ما يب دو فِي كِمَامٍ يَتَشَقَّقُ عَنْهُ كَالْجَوْزِ عَلَيْهِ قِشْرَتَانِ: إِحْدَاهُمَا عُلْيَا تَنْشَقُّ عَنْهُ فِي شَجَرِهِ، وَالثَّانِيَةُ سُفْلَى يُؤْخَذُ مَعَهَا وَيُدَّخَرُ بِهَا فَهَذَا فِي حُكْمِ طَلْعِ النَّخْلِ فَإِذَا كَانَ فِي قِشْرَتِهِ الْعُلْيَا فَهُوَ تَبَعٌ لِأَصْلِهِ وَيَكُونُ لِلْمُشْتَرِي.
    وَإِنِ انْشَقَّتْ عَنْهُ الْقِشْرَةُ الْعُلْيَا وَبَرَزَتِ الْقِشْرَةُ السُّفْلَى لَمْ يُتْبَعْ أَصْلُهُ وَكَانَ لِلْبَائِعِ.
    وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: مَا يَبْدُو وَرْدًا وَنَوْرًا ثُمَّ يَنْعَقِدُ حَبًّا كَالتُّفَّاحِ وَالْمِشْمِشِ وَالرُّمَّانِ وَالسَّفَرْجَلِ وَالْكُمَّثْرَى وَمَا فِي مَعْنَاهُ فَإِذَا كَانَ وَرْدًا وَنَوْرًا فَهُوَ تَبَعٌ لِأَصِلِهِ وَيَكُونُ لِلْمُشْتَرِي، وَإِنِ انْعَقَدَ وَتَسَاقَطَ نَوْرُهُ لَمْ يُتْبَعْ أَصْلُهُ وَكَانَ لِلْبَائِعِ، وَكَذَلِكَ اللَّوْزُ في معناه.
    فأما الكرم فنوعان: منها مَا يُورِدُ ثُمَّ يَنْعَقِدُ، وَمِنْهُ مَا يَبْدُو حَبًّا مُنْعَقِدًا فَيَتَعَيَّنُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ النَّوْعَيْنِ بِحُكْمِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ نَظَائِرِهِ فَهَذَا حُكْمُ الشَّجَرِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ.
    فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَجَرٌ مِثْلَ بَصَلِ النَّرْجِسِ وَالزَّعْفَرَانِ إِلَّا أَنَّهُ يَبْقَى سِنِينَ فِي مَوْضِعِهِ فَيَكُونُ كَشَجَرِ الْوَرْدِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
    وَأَمَّا الزَّرْعُ فَضَرْبَانِ: ضَرْبٌ إِذَا حُصِدَ لَمْ يَبْقَ لَهُ أَصِلٌ يُسْتَخْلَفُ كَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ فَهَذَا لَا يُتْبَعُ أَصْلُهُ إِلَّا بِالشَّرْطِ وَلَا يَجُوزُ إِفْرَادُهُ بِالْعَقْدِ إِلَّا بِشَرْطِ الْقَطْعِ.
    وَضَرْبٌ آخَرُ يُجَزُّ مِرَارًا وَيُسْتَخْلَفُ كَالْعَلَفِ وَهُوَ الْقَتُّ وَأَنْوَاعٌ مِنَ الْبُقُولِ فَيَكُونُ مَا طَلَعَ مِنْهُ وَظَهَرَ لِلْبَائِعِ لَا يَتْبَعُ الْأَصْلَ وهل ينتظر بما طلع بما تَنَاهِيَ جِذَاذِهِ أَمْ لَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يُنْتَظَرُ بِهِ تَنَاهِيَ جِذَاذِهِ فَإِذَا بَلَغَ الْحَدَّ الَّذِي جَرَتِ الْعَادَةُ بِجِذَاذِهِ عَلَيْهِ فَقَدِ انْتَهَى مِلْكُ الْبَائِعِ وَيَكُونُ مَا بَعْدُ تِلْكَ الْجُّذَّةِ بكمالها للمشتري.

وهذا قول من زعم أن ما أطلع مِنْ ثِمَارِ النَّخْلِ بَعْدَ الْعَقْدِ لِلْبَائِعِ تَبَعًا لِمَا أُطْلِعَ مِنْهَا وَأُبِّرَ.
وَالْوَجْهِ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُنْتَظَرُ بِهِ كَمَالُ جِذَاذِهِ بَلْ يَكُونُ لِلْبَائِعِ مَا ظَهَرَ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يُسْتَكْمَلْ، وَيُؤْمَرْ بِجِذَاذِهِ وَإِنْ لَمْ يُسْتَكْمَلْ، وَيَكُونُ الْأَصْلُ الْبَاقِي وَمَا اسْتَخْلَفَ طُلُوعَهُ مِنْ بَعْدِ الْعَقْدِ تَبَعًا لِلْأَصْلِ.
وَهَذَا قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَا أَطْلَعَ مِنْ ثِمَارِ النَّخْلِ مِنْ بَعْدِ الْعَقْدِ يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي وَلَا يَكُونُ تَبَعًا لِمَا أطلع فيه وأبر.

مسألة:

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَمَعْقُولٌ إِذَا كَانَتِ الثَّمَرَةُ لِلْبَائِعِ أَنَّ عَلَى الْمُشْتَرِي تَرْكَهَا فِي شَجَرِهَا إِلَى أَنْ تَبْلُغَ الْجِدَادَ أَوِ الْقِطَافَ أَوِ اللَّقَاطَ فِي الشَّجَرِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا صَارَتْ ثَمَرَةُ النَّخْلَةِ لِلْبَائِعِ فَلَا يَخْلُو حَالُهَا مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: - إِمَّا أَنْ تَصِيرَ لَهُ بِالتَّأْبِيرِ أو بالشرط قبل التأبير فإن صارت له بالشرط والاستثناء قبل التأبير فَعَلَى الْبَائِعِ قَطْعُهَا فِي الْحَالِ وَلَا يُلْزِمُ الْمُشْتَرِي تَرَكَهَا عَلَى نَخْلِهِ إِلَّا بِاخْتِيَارِهِ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْبَائِعِ لَهَا إِنَّمَا يَصِحُّ عَلَى شَرْطِ الْقَطْعِ لِمَا ذَكَرْنَا وَهَذَا الشَّرْطُ يُوجِبُ عَلَيْهِ الْتِزَامُ مُوجِبِهِ.
وَإِنْ صَارَتِ الثَّمَرَةُ لَهُ بِالتَّأْبِيرِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ فَلِلْبَائِعِ تَرْكُهَا عَلَى نَخْلِهَا وَشَجَرِهَا إِلَى أَوَانِ جِذَاذِهَا وَلِقَاطِهَا وَلَا يَلْزَمُ قَطْعُهَا وَلَا لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ تَرْكِهَا.
وَقَالَ أبو حنيفة: عَلَى الْبَائِعِ قَطْعُهَا وَلَا يَلْزَمُ الْمُشْتَرِي تَرْكُهَا احْتِجَاجًا بِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَمْلِكُ مَنْفَعَةَ مَا ابْتَاعَهُ، فَهُوَ يَمْلِكُ مَنْفَعَةَ النَّخْلِ كَمَا يَمْلِكُ مَنْفَعَةَ الدَّارِ، فَلَمَّا كَانَ لَوِ ابْتَاعَ دَارًا وَجَبَ عَلَى الْبَائِعِ نَقْلُ مَا فِيهَا مِنْ مَتَاعِهِ لِيُسَلِّمَ المشتري منفعة داره لذلك لَوِ ابْتَاعَ نَخْلًا وَجَبَ عَلَى الْبَائِعِ جِذَاذُ مَا عَلَيْهَا مِنْ ثِمَارِهِ لِيُسَلِّمَ الْمُشْتَرِيَ مَنْفَعَةَ نَخْلِهِ ثُمَّ أَخْذُ الثَّمَرَةِ أَوْلَى لِأَنَّ تَرْكَهَا مُضِرٌّ وَتَرَكُ الْمَتَاعِ غَيْرُ مُضِرٍّ.
وَلِأَنَّهُ لَوِ اسْتَحَقَّ الْبَائِعُ تَرْكَ الثَّمَرَةِ لَكَانَ قَدِ اسْتَثْنَى مَنْفَعَةَ مَا بَاعَهُ كَمَنْ بَاعَ دَارًا وَاشْتَرَطَ سُكْنَاهَا فَلَمَّا كَانَ هَذَا فَاسِدًا كَانَ مَا أَدَّى إِلَيْهِ فَاسِدًا.
وَدَلِيلُنَا: هُوَ أَنَّ الْمَبِيعَ إِذَا كَانَ مَشْغُولًا بِمِلْكِ الْبَائِعِ وَجَبَ عَلَيْهِ نَقْلُهُ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ وَاسْتَقَرَّ الْعُرْفُ عَلَيْهِ أَلَا تَرَى لَوْ بَاعَ دَارَهُ لَيْلًا لَمْ يُلْزَمِ الِانْتِقَالَ عَنْهَا فِي الْحَالِ حَتَّى يُصْبِحَ اعْتِبَارًا بِالْعَادَةِ وَالْعُرْفِ، وَلَوْ كَانَتِ الدَّارُ مَمْلُوءَةً بِمَتَاعِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يُجْهِدَ نَفْسَهُ فِي نَقْلِهِ فِي يَوْمِهِ حَتَّى يَنْقُلَهُ فِي الْأَيَّامِ اعْتِبَارًا بِالْعَادَةِ وَالْعُرْفِ وَجَبَ إِذَا بَاعَهُ نَخْلًا أَلَّا يُلْزِمَهُ أَخْذَ ثَمَرِهَا فِي الْحَالِ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى وَقْتِ الْجِذَاذِ اعْتِبَارًا بِالْعَادَةِ وَالْعُرْفِ.
وَلِأَنَّ مَا ثَبَتَ بِالْعَادَةِ وَالْعُرْفِ فِي حُكْمِ مَا ثَبَتَ بِالشَّرْطِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْأَثْمَانَ الْمُطْلَقَةَ تُحْمَلُ عَلَى غَالِبِ النَّقْدِ كَمَا لَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِالشَّرْطِ، وَالْعُرْفِ فِي الثِّمَارِ تَرَكَهَا إِلَى وَقْتِ الْجِذَاذِ، فَلَمَّا

كَانَ لَوْ شَرَطَ الْبَائِعُ تَرْكَهَا إِلَى وَقْتِ الْجِذَاذِ لَزِمَ، وَجَبَ إِذَا كَانَ الْعُرْفُ أَنْ تُتْرَكَ إِلَى وَقْتِ الْجِذَاذِ أَنْ تَلْتَزِمَ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرَهُ مِنَ الدَّارِ فَهُمَا سَوَاءٌ وَالْعُرْفُ فِيهِمَا مُعْتَبَرٌ لَكِنَّ الْعُرْفَ فِي الدَّارِ أَنْ يَنْقُلَ الْبَائِعُ مَتَاعَهُ فِي أَوَّلِ أَوْقَاتِ الْإِمْكَانِ وَفِي الثِّمَارِ فِي أَوَّلِ أَوْقَاتِ الْجِذَاذِ ثُمَّ يَقُولُ مَنْفَعَةُ الدَّارِ تَبْطُلُ بِإِقْرَارِ الْمَتَاعِ فيها ولا تبطل منفعة النخل بإقرار الثمرة عليها.
وأما الجواب عن استدلاله بأنها مَنْفَعَةُ مُسْتَثْنَاةٌ كَالسُّكْنَى فَهُوَ أَنَّ الْأُصُولَ قَدْ فَرَّقَتْ بَيْنَ اسْتِثْنَاءِ الْمَنْفَعَةِ بِالْعَقْدِ وَبَيْنَ اسْتِثْنَائِهَا بِالشَّرْطِ.
أَلَّا تَرَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَ أَمَةً وَاسْتَثْنَى الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا لَمْ يَجُزْ وَكَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا، وَلَوْ كَانَتْ مُزَوَّجَةً كَانَ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا مُسْتَثْنًى وَالْعَقْدُ صَحِيحٌ ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَ السُّكْنَى وَالنَّفَقَةِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ.
فَإِذَا تَقَرَّرَ أن اسْتِيفَاءَ الثَّمَرَةِ إِلَى أَوَانِ الْجِذَاذِ فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا تُؤْخَذُ ثَمَرًا إِلَى أَوَّلِ أَوْقَاتِ جِذَاذِهَا ثَمَرًا، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا تُؤْخَذُ رَطْبًا فَإِلَى أَوَّلِ أَوْقَاتِ لِقَاطِهَا رَطْبًا، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا تُؤْخَذُ بُسْرًا فَإِلَى أَوَّلِ قَطْعِهَا بُسْرًا، وَكَذَا الْكَلَامُ فِي الْكَرْمِ وَالشَّجَرِ فَنُقِرُّ الْكَرْمَ إِلَى وَقْتِ الْقِطَافِ وَالشَّجَرَ إِلَى وَقْتِ اللِّقَاطِ.

مَسْأَلَةٌ:

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " فَإِذَا كَانَ لَا يُصْلِحُهَا إِلَّا السَّقْيُ فَعَلَى الْمُشْتَرِي تَخْلِيَةُ الْبَائِعِ وَمَا يَكْفِي مِنَ السَّقْيِ وَإِنَّمَا لَهُ مِنَ الْمَاءِ مَا فِيهِ صَلَاحُ ثَمَرِهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا اسْتَحَقَّ الْبَائِعُ تَرْكَ الثَّمَرَةِ عَلَى نَخْلِ الْمُشْتَرِي إِلَى وَقْتِ الْجِذَاذِ فَقَدْ تَحْتَاجُ الثَّمَرَةُ إِلَى مَا يُصْلِحُهَا مِنَ السَّقْيِ فَيَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي تَمْكِينُهُ مِنَ السَّقْيِ لِمَا قَدِ اسْتَحَقَّهُ مِنْ إِصْلَاحِ ثَمَرَتِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَخْلُو حَالُ السَّقْيِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُمْكِنًا أَوْ مُتَعَذِّرًا.
فَإِنْ كَانَ السَّقْيُ مُمْكِنًا لَمْ يَخْلُ حَالُهُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ نَافِعًا لِلنَّخْلِ وَالثَّمَرَةِ فَلِلْبَائِعِ أَنْ يَسْقِيَ وَعَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يُمَكِّنَهُ وَمُؤْنَةُ السَّقْيِ عَلَى الْبَائِعِ دُونَ الْمُشْتَرِي لِمَا فِيهِ مِنْ صَلَاحِ ثَمَرَتِهِ وَإِنْ كَانَ لِنَخْلِ الْمُشْتَرِي فِيهِ صَلَاحٌ لِأَنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ حَالِ السَّقْيِ صَلَاحُ الثَّمَرَةِ وَالنَّخْلُ تَبَعٌ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ أَنْ يَبِيعَ صَاحِبُ النَّخْلِ ثَمَرَتَهُ فَيَجِبُ سَقْيُهَا عَلَى صَاحِبِ النَّخْلِ دُونَ مُشْتَرِي الثَّمَرَةِ أَنَّ مَنْ بَاعَ ثَمَرَةً وَجَبَ عَلَيْهِ تَسْلِيمُهَا بِمَنَافِعِهَا، وَمِنْ مَنَافِعِهَا السَّقْيُ فَوَجَبَ عَلَى بَائِعِهَا دُونَ الْمُشْتَرِي لَهَا، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الثَّمَرَةُ الْحَاصِلَةُ لِبَائِعِ النَّخْلِ بِالتَّأْبِيرِ مَضْمُونَةً عَلَى صَاحِبِ النَّخْلِ بِالتَّسْلِيمِ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ السَّقْيُ فَلَوِ امْتَنَعَ الْبَائِعُ فِي مَسْأَلَتِنَا مِنْ سَقْيِ ثَمَرَتِهِ لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ، وَقِيلَ لِمُشْتَرِي النَّخْلِ إِنْ أَرَدْتَ سَقْيَ نَخْلِكَ فَاسْقِهِ وَلَا نُجْبِرُكَ عَلَيْهِ.

وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ السَّقْيُ مُضِرًّا بِالنَّخْلِ وَالثَّمَرَةِ فَإِنْ أَرَادَ صَاحِبُ النَّخْلِ أَنْ يَسْقِيَ كَانَ لِصَاحِبِ الثَّمَرَةِ أَنْ يَمْنَعَهُ لِأَنَّهُ لَا يَنْفَعُهُ وَيَضُرُّ غَيْرَهُ.
وَإِنْ أَرَادَ صَاحِبُ الثَّمَرَةِ أَنْ يَسْقِيَ كَانَ لِصَاحِبِ النَّخْلِ أَنْ يَمْنَعَهُ لِأَنَّهُ لَا يَنْفَعُهُ وَيَضُرُّ غَيْرَهُ.
فَلَوْ قَالَ صَاحِبُ الثَّمَرَةِ أُرِيدُ أَنْ آخُذَ الْمَاءَ الَّذِي كُنْتُ أَسْتَحِقُّهُ لِسَقْيِ ثَمَرَتِي فَأَسْقِي بِهِ غَيْرَهَا مِنَ الثِّمَارِ أَوِ الزَّرْعِ لَمْ يَجُزْ، وَكَذَا لَوْ أَخَذَ ثَمَرَتَهُ قَبْلَ وَقْتِ جِذَاذِهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمَاءَ الَّذِي كَانَ يَسْتَحِقُّهُ لِسَقْيِهَا إِلَى وَقْتِ الْجِذَاذِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ يَسْتَحِقُّ مِنَ الْمَاءِ مَا فِيهِ صَلَاحُ تِلْكَ الثَّمَرَةِ دُونَ غَيْرِهَا.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ السَّقْيُ نَافِعًا لِلنَّخْلِ مُضِرًّا بِالثَّمَرَةِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ لِصَاحِبِ النَّخْلِ أَنْ يَسْقِيَ مَعَ مَا فِي السَّقْيِ مِنْ مَضَرَّةِ الثَّمَرَةِ؟ . فَحُكِيَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لِصَاحِبِ الثَّمَرَةِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنَ السَّقْيِ لِمَا فِيهِ مِنْ مَضَرَّةِ الثَّمَرَةِ، فَإِذَا مَنَعَهُ كَانَ لِصَاحِبِ النَّخْلِ فَسْخُ الْعَقْدِ لِمَا يَلْحَقُهُ فِي مَنْعِ السَّقْيِ مِنَ الْمَضَرَّةِ.
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ لِصَاحِبِ النَّخْلِ أَنْ يَسْقِيَ وَيُجْبِرَ صَاحِبَ الثَّمَرَةِ عَلَى تَمْكِينِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ حُقُوقِ مِلْكِهِ وَلَا خيار، ثم مؤنه السقي ها هنا عَلَى صَاحِبِ النَّخْلِ لِاخْتِصَاصِهِ بِالْمَنْفَعَةِ.
وَالْحَالُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَكُونَ السَّقْيُ نَافِعًا لِلثَّمَرَةِ مُضِرًّا بِالنَّخْلِ فعلى قول أبي إسحاق المروزي لصاحب الثمرة أَنْ يَسْقِيَ لِصَلَاحِ ثَمَرَتِهِ، وَلِصَاحِبِ النَّخْلِ فَسْخُ الْبَيْعِ لِمَا يَلْحَقُهُ مِنَ الْإِضْرَارِ بِنَخْلِهِ.
وَعَلَى قَوْلِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ له أَنْ يَسْقِيَ ثَمَرَتَهُ جَبْرًا وَلَا خِيَارَ لِصَاحِبِ النَّخْلِ.
فَلَوِ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ السَّقْيِ لَمْ يُرْجَعْ فِيهِ إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَسُئِلَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ بِالثَّمَرَةِ، فَمَا ذَكَرُوا أَنَّهُ قَدْرَ كِفَايَتِهَا كَانَ عَلَى صَاحِبِ النَّخْلِ تَمْكِينُهُ مِنْهُ دُونَ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ أَوِ التَّقْصِيرِ عَنْهُ.

فَصْلٌ:

فَأَمَّا إِنْ كَانَ الْمَاءُ مُتَعَذَّرًا فَلَا يَخْلُو حَالُ تَعَذُّرِهِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِإِعْوَازِ الْمَاءِ أَوْ لِفَسَادِ آلَتِهِ.
فَإِنْ كَانَ تَعَذُّرُ الْمَاءِ لِإِعْوَازِهِ سَقَطَ حُكْمُ السَّقْيِ ثُمَّ لَا يَخْلُو حَالُ الثَّمَرَةِ فِي تَرْكِهَا عَلَى النَّخْلِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ تَرْكُهَا بِغَيْرِ سُقْيٍ يَضُرُّ بِالنَّخْلِ وَبِهَا فَقَطْعُهَا وَاجِبٌ وَلِرَبِّ النَّخْلِ أَنْ يُجْبِرَ صَاحِبَ الثَّمَرَةِ عَلَى قَطْعِهَا لِأَنَّ فِيهِ مَضَرَّةً بِالنَّخْلِ وَلَيْسَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلثَّمَرَةِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ تَرْكُهَا غَيْرَ مُضِرٍّ بِالنَّخْلِ وَلَا بِهَا فَلَهُ تَرْكُ الثَّمَرَةِ إِلَى وَقْتِ جِذَاذِهَا لِأَنَّهُ لَا مَضَرَّةَ عَلَى صَاحِبِ النَّخْلِ فِي تَرْكِهَا.

وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ تَرْكُهَا مُضِرًّا بِالثَّمَرَةِ دُونَ النَّخْلِ فَصَاحِبُ الثَّمَرَةِ بِالْخِيَارِ فِي أَخْذِ الثَّمَرَةِ أَوْ تَرْكِهَا وَلَا يُقَالُ لِصَاحِبِ النَّخْلِ لأنه لا ضرر عليها فِيهَا.
وَالْحَالُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَكُونَ تَرْكُهَا مُضِرًّا بِالنَّخْلِ دُونَ الثَّمَرَةِ فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: لِرَبِّ الثَّمَرَةِ أَنْ يُقِرَّ الثَّمَرَةَ عَلَى النَّخْلِ إِلَى وَقْتِ الْجِذَاذِ وَإِنْ ضَرَّ بِنَخْلِ الْمُشْتَرِي لِمَا فِيهِ مِنْ صَلَاحِ الثَّمَرَةِ وَدُخُولِ الْمُشْتَرِي مَعَهُ عَلَى بَصِيرَةٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: عَلَى رَبِّ الثَّمَرَةِ أَخْذُ ثَمَرَتِهِ وَلِلْمُشْتَرِي إِجْبَارُهُ عَلَى قَطْعِهَا لِيُزِيلَ عَنْهُ ضَرَرَ تَرْكِهَا.
فَأَمَّا إِنْ تَعَذَّرَ الْمَاءُ لِفَسَادِ الْآلَةِ أَوْ لِفَسَادِ الْمَجَارِي أَوْ لِطَمِّ الْآبَارِ فَأَيُّهُمَا لَحِقَهُ بِتَأْخِيرِ السَّقْيِ ضَرَرٌ كَانَ لَهُ إِصْلَاحُ مَا يُوَصِّلُهُ إِلَى الْمَاءِ.
فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُضِرًّا بِالنَّخْلِ وَجَبَ عَلَى مُشْتَرِي النَّخْلِ أَنْ يُزِيلَ الضَّرَرَ عَنْ نَخْلِهِ بِسَوْقِ الْمَاءِ إِلَى نَخْلِهِ وَلَا يُجْبِرُ رَبَّ الثَّمَرَةِ عَلَى قَطْعِ ثَمَرَتِهِ.
وَإِنْ كَانَ مُضِرًّا بِالثَّمَرَةِ لَزِمَهُ ذَلِكَ أَوْ يَقْطَعُهَا.
وَإِنْ كَانَ مُضِرًّا بِهِمَا جَمِيعًا لَزِمَ ذَلِكَ صَاحِبُ النَّخْلِ لِمَا ذَكَرْنَا إِلَّا أَنْ يُبَادِرَ إِلَى قَطْعِ ثَمَرَتِهِ فيسقط عنه والله أعلم.

مسألة:

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " فَإِذَا كَانَتِ الشَّجَرَةُ مِمَّا تَكُونُ فِيهِ الثَّمَرَةُ ظَاهِرَةً ثُمَّ تَخْرُجُ مِنْهَا قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ الْخَارِجَةُ ثَمَرَةَ غَيْرِهَا فَإِنْ تَمَيَّزَ فَلِلْبَائِعِ الثَّمَرَةُ الْخَارِجَةُ وَلِلْمُشْتَرِي الْحَادِثَةُ وَإِنْ كَانَ لَا يَتَمَيَّزُ ففيها قولان أحدهما لا يجوز البيع إلا أن يسلمه البائع الثمرة كلها فيكون قد زاده حقا له أو يتركه المشتري للبائع فيعفو له عن حقه والقول الثاني أن البيع مفسوخ وكذلك قال في هذا الكتاب وفي الإملاء على مسائل مالك مفسوخ وهكذا قال في بيع الباذنجان في شجره والخربز ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْأُمِّ مَسْأَلَتَيْنِ نَقَلَ الْمُزَنِيُّ إِحْدَاهُمَا وَأَغْفَلَ الْمُقَدِّمَةَ مِنْهُمَا فَكَانَ الْأَوْلَى الْبِدَايَةَ بِمَا أَغْفَلَهُ لِيَكُونَ جَوَابُ الْأُخْرَى مَبْنِيًّا عَلَيْهَا وَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ بَاعَ ثَمَرَةَ شَجَرٍ أَوْ بِطِّيخَ مِزَاحٍ أَوْ حَمْلَ بَاذِنْجَانَ فَلَمْ يَأْخُذْهُ الْمُشْتَرِي مِنْ شَجَرِهِ وَلَا لَقَطَ الْبِطِّيخَ مِنْ مِزَاحِهِ حَتَّى حَدَثَتْ ثَمَرَةٌ أُخْرَى فَالْحَادِثَةُ مِلْكُ الْبَائِعِ لَا يَمْلِكُهَا الْمُشْتَرِي.
فَإِنْ كَانَتِ الْحَادِثَةُ تَتَمَيَّزُ عَنِ الْأُولَى بِلَوْنٍ أَوْ صِغَرٍ أَوْ نُضْجٍ أَخَذَ الْمُشْتَرِي الثَّمَرَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ، وَأَخَذَ الْبَائِعُ الثَّمَرَةَ الْحَادِثَةَ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا نِزَاعٌ.
وإِنْ كَانَتِ الْحَادِثَةُ لَا تَتَمَيَّزُ عَنِ الْأُولَى فَقَدْ صَارَ الْمَبِيعُ مُخْتَلِطًا بِغَيْرِهِ فَفِي الْبَيْعِ قَوْلَانِ مَنْصُوصَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ لِأَنَّ الْمَبِيعَ قَدِ اخْتَلَطَ بِمَا لَمْ يَتَمَيَّزْ عَنْهُ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الْقَبْضِ، فَأَوْقَعَ ذَلِكَ جَهَالَةً فِي الْبَيْعِ فَأَبْطَلَهُ، وَلَا يَلْزَمُ الْمُشْتَرِي أَنْ يَسْتَحْدِثَ هِبَةَ مَا لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْعَقْدُ لِيَصِحَّ لَهُ الْعَقْدُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَبْطُلُ لَكِنْ يُقَالُ لِلْبَائِعِ اسْمَحْ لِلْمُشْتَرِي بِالثَّمَرَةِ الْحَادِثَةِ، فَإِنْ سَمَحَ لَهُ بِهَا لَزِمَ الْمُشْتَرِيَ قَبُولُهَا، وَإِنْ شَحَّ الْبَائِعُ بِهَا وَأَقَامَا عَلَى الِاخْتِلَافِ وَالتَّنَازُعِ فِيهَا فَسَخَ الْحَاكِمُ الْبَيْعَ بَيْنَهُمَا.
وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ امْتِيَازَ الْبَائِعِ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ إِلَى وَقْتِ الْقَبْضِ يَمْنَعُ مِنْ طُرُقِ الْفَسَادِ عَلَيْهِ بَعْدَ الْقَبْضِ كَالِاسْتِهْلَاكِ، وَسَمَاحَةُ الْبَائِعِ بِالْحَادِثَةِ لَا تَجْرِي مَجْرَى الْهِبَةِ الَّتِي لَا يَلْزَمُ قَبُولُهَا، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا نَفْيُ الْجَهَالَةِ وَتَصْحِيحُ الْعَقْدِ، فَشَابَهَتِ الزِّيَادَةَ الْمُتَّصِلَةَ كَالْكِبَرِ وَالسِّمَنِ.
وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ فَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ بَاعَ أَرْضًا ذَاتَ شَجَرٍ مُثْمِرٍ، أَوْ بَاعَ الشَّجَرَ وَحْدَهُ وَفِيهِ ثَمَرٌ، فَحَكَمَ بِالثَّمَرِ لِلْبَائِعِ لِأَجْلِ التَّأْبِيرِ، وَبِالشَّجَرِ مَعَ الْأَرْضِ لِلْمُشْتَرِي فَحَدَثَتْ ثَمَرَةٌ أُخْرَى قَبْلَ أَنْ يَتَنَاوَلَ الْبَائِعُ ثَمَرَتَهُ، فَإِنْ كَانَتِ الْحَادِثَةُ تَتَمَيَّزُ عَنِ الْأُولَى بِصِغَرٍ أَوْ بِلَوْنٍ، أَوْ نُضْجٍ كَانَتِ الْأُولَى لِلْبَائِعِ وَالْحَادِثَةُ لِلْمُشْتَرِي وَالْبَيْعُ عَلَى حَالِهِ.
وإن كانت الحادثة لا تتميز عن الأولى نقل المزني في البيع قولان كَالْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فَكَانَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ خَيْرَانَ يَمْنَعُ مِنْ تَخْرِيجِهَا عَلَى قَوْلَيْنِ وَيَنْسُبُ الْمُزَنِيَّ إِلَى الْغَلَطِ فِي نَقْلِهِ، وَيَقُولُ الْبَيْعُ صَحِيحٌ قَوْلًا وَاحِدًا.
لِأَنَّ اخْتِلَاطَ الْحَادِثَةِ بالمتقدمة اختلاط في غير المبيع لأن عَقْدَ الْبَيْعِ إِنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْأَرْضَ وَالشَّجَرَ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الثَّمَرَةِ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْعَقْدِ وَمَا حَدَثَ مِنَ الثَّمَرَةِ لَا يُوجَدُ وَقْتَ الْعَقْدِ، فَلَا يُوقِعُ ذَلِكَ فَسَادًا فِي الْعَقْدِ.
وَكَانَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَطَائِفَةٌ يُخَرِّجُونَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعَقْدَ بَاطِلٌ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَالثَّانِي: جَائِزٌ وَيُقَالُ لِلْمُشْتَرِي اسْمَحْ بِالْحَادِثَةِ، فَإِنْ سَمَحَ لَزِمَ الْبَيْعُ، وَإِنَّ شَحَّ بِهَا قِيلَ لِلْبَائِعِ أَتَسْمَحُ بِالْمُتَقَدِّمَةِ لِلْمُشْتَرِي، فإن سمح بها (له) لَزِمَ الْبَيْعُ، وَإِنْ شَحَّ وَتَنَازَعَا فَسَخَ الْحَاكِمُ الْبَيْعَ بَيْنَهُمَا.
وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ خَيْرَانَ أَصَحُّ جَوَابًا وَتَعْلِيلًا، وَإِنْ كَانَ نَقْلُ الْمُزَنِيِّ صَحِيحًا وَالْإِذْعَانُ لِلْحَقِّ أَوْلَى مِنْ نَصْرِ مَا سِوَاهُ، وَعَلَى مَا يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ ابْنِ خَيْرَانَ إِنْ تَرَاضَيَا وَاتَّفَقَا عَلَى قَدْرِ

الْحَادِثَةِ مِنَ الْمُتَقَدِّمَةِ وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الْيَدِ وَلَا يُفْسَخُ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجْعَلُ لِمَا حَدَثَ تَأْثِيرًا فِي الْبَيْعِ.

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الْمُزَنِيُّ: " هَكَذَا قَالَ (يَعْنِي الشَّافِعِيَّ) فِيمَنْ بَاعَ قِرْطًا جَزَّهُ عِنْدَ بُلُوغِ الْجِزَازِ فَتَرَكَهُ الْمُشْتَرِي حَتَّى زَادَ كَانَ الْبَائِعُ بِالْخِيَارِ فِي أَنْ يدع له الفضل الذي لا بِلَا ثَمَنٍ أَوْ يَنْقُضَ الْبَيْعَ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِيمَنِ ابْتَاعَ قِرْطًا جَزَّهُ يَعْنِي عَلَفًا بِشَرْطِ الْجِزَازِ أَوْ مَا جَرَى مَجْرَاهُ مِنَ الْبُقُولِ الَّتِي تُبَاعُ جَزًّا فَأَخَّرَ الْمُشْتَرِي جَزَّهُ حَتَّى طَالَتْ فَقَدْ حَدَثَتْ زِيَادَةٌ غَيْرُ مُتَمَيِّزَةٍ فَضَمَّهَا الْمُزَنِيُّ إِلَى مَسْأَلَةِ الثَّمَرَةِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: الْبَيْعُ جَائِزٌ قَوْلًا وَاحِدًا لِأَنَّ طُولَ الْعَلَفِ زِيَادَةٌ لَا تَتَمَيَّزُ مِثْلَ كِبَرِ الثَّمَرَةِ فَلَمَّا كَانَتِ الثَّمَرَةُ إِذَا أَخَّرَ الْمُشْتَرِي قَطْعَهَا حَتَّى كَبِرَتْ لَمْ يَفْسُدِ الْبَيْعُ وَكَانَتِ الزِّيَادَةُ لَهُ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ لَا تَتَمَيَّزُ وَجَبَ فِي الْعَلَفِ إِذَا أَخَّرَ جَزَّهُ حَتَّى طَالَ أَلَّا يَفْسُدَ الْبَيْعُ وَتَكُونُ الزِّيَادَةُ لَهُ لِأَنَّهَا لَا تَتَمَيَّزُ.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِنَا إِنَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ كَالثَّمَرَةِ الْمَبِيعَةِ إِذَا اخْتَلَطَتْ بِثَمَرَةٍ حَادِثَةٍ وَهَذَا أَصَحُّ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا ذَكَرَهُ الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ مِنْ كِبَرِ الثَّمَرَةِ وَطُولِ الْعَلَفِ أَنَّ كِبَرَ الثَّمَرَةِ لَا يَمْتَازُ عَنْ أَصْلِهِ، وَلَا يُوجَدُ بَعْدَ قَطْعِ الثَّمَرَةِ، وَطُولَ الْعَلَفِ مُتَمَيِّزٌ وَإِنْ كَانَ مُتَّصِلًا وَيَحْدُثُ بَعْدَ جِزَازِ الْعَلَفِ فَافْتَرَقَا.
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ وَيَتَرَاجَعَانِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَبْطُلُ لَكِنْ يُقَالُ لِلْبَائِعِ أَتَسْمَحُ لِلْمُشْتَرِي بِالزِّيَادَةِ فَإِنْ سَمَحَ بِهَا لَزِمَ الْبَيْعُ، وَإِنْ شَحَّ بِهَا وَأَقَامَا عَلَى التَّنَازُعِ فَسَخَ الحاكم بينهما وتراجعا.

مسألة:

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " كَمَا لَوْ بَاعَهُ حِنْطَةً فَانْثَالَتْ عَلَيْهَا حِنْطَةٌ فَلَهُ الْخِيَارُ فِي أَنْ يُسَلِّمَ لَهُ الزِّيَادَةَ أَوْ يَفْسَخَ لِاخْتِلَاطِ مَا بَاعَ بِمَا لَمْ يبع (قال المزني) هذا عندي أشبه بمذهبه إذا لم يكن قبض لأن التسليم عليه مضمون بالثمن ما دام في يديه ولا يكلف ما لا سبيل له إليه (قال المزني) قلت أنا فإذا كان بعد القبض لم يضر البيع شيء لتمامه وهذا المختلط لهما يتراضيان فيه بما شاءا إذ كل واحد منهما يقول لا أدري ما لي فيه وإن تداعيا فالقول قول الذي كانت الثمرة في يديه والآخر مدع عليه ". قال الماوردي: وصورتها فيمن ابتاع طعاما مختلط بِطَعَامٍ لِلْبَائِعِ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ الْقَبْضِ.

وَالثَّانِي: بَعْدَهُ.
فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْقَبْضِ فَلَا يَخْلُو حَالُ الطَّعَامِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْلُومَ الْقَدْرِ، أَوْ غَيْرَ مَعْلُومِ الْقَدْرِ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَعْلُومِ الْقَدْرِ كَانَ كَالثَّمَرَةِ الْمَبِيعَةِ إِذَا اخْتَلَطَتْ بِثَمَرَةٍ حَادِثَةٍ فَيَكُونُ فِي الْبَيْعِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: بَاطِلٌ.
وَالثَّانِي: جَائِزٌ فَإِنْ تَرَاضَيَا وَاتَّفَقَا وَإِلَّا فُسِخَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا.
وَإِنْ كَانَ مَعْلُومَ الْقَدْرِ وَذَلِكَ يَكُونُ بأحد ثلاثة أوجه: إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مَعْلُومَ الْكَيْلِ فَيَعْلَمَ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ كَيْلِ الْمَبِيعِ قَدْرَ مَا لَيْسَ بِمَبِيعٍ.
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ غَيْرَ مَعْلُومِ الْكَيْلِ وَغَيْرُ الْمَبِيعِ مَعْلُومَ الْقَدْرِ فَيَعْلَمُ بِقَدْرِ اسْتِيفَاءِ كَيْلِ مَا لَيْسَ بِمَبِيعٍ قَدْرَ الْمَبِيعِ.
فَإِذَا كَانَ الْمَبِيعُ مَعْلُومَ الْقَدْرِ بِأَحَدِ هَذِهِ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ فَقَدْ صَارَ مُخْتَلِطَ الْعَيْنِ مُتَمَيِّزَ الْقَدْرِ وَكَانَ تَمَيُّزُ الْقَدْرِ يَمْنَعُ مِنَ الْجَهَالَةِ وَهُوَ أَقْوَى الْمَقْصُودِينَ مِنْهُ فَصَحَّ الْبَيْعُ وَكَانَ اخْتِلَاطُ الْعَيْنِ مُغَيِّرًا لِلصِّفَةِ مَعَ تَقَارُبِ الْأَجْزَاءِ فَصَارَ عَيْبًا يُوجِبُ الْخِيَارَ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ جَائِزًا وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ، فَإِنْ فَسَخَ رَجَعَ بِالثَّمَنِ، وَإِنْ أَقَامَ صَارَ شَرِيكًا لِلْبَائِعِ فِيهِ عَلَى قَدْرِ الْحِصَّتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ الطَّعَامَانِ مُتَمَاثِلِيِ الْقِيمَةِ تَقَاسَمَاهُ كَيْلًا، وَإِنْ كَانَا مُخْتَلِفَيِ الْقِيمَةِ بِيعَ وَكَانَا شَرِيكَيْنِ فِي ثَمَنِهِ عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الطَّعَامَيْنِ إِلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا بِقِسْمَةِ ذَلِكَ كَيْلًا عَلَى الْحِصَصِ دُونَ الْقِيَمِ فَيَجُوزُ.

فَصْلٌ:

وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ اخْتِلَاطُ الطَّعَامِ بَعْدَ قَبْضِهِ فَالْبَيْعُ مَاضٍ لَا يَفْسُدُ لِانْبِرَامِهِ بِالْقَبْضِ.
فَإِنْ قِيلَ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الطَّعَامِ إِذَا اخْتَلَطَ بَعْدَ قَبْضِهِ فَلَمْ يَبْطُلِ الْبَيْعُ فِيهِ وَبَيْنَ الثَّمَرَةِ إِذَا اخْتَلَطَتْ بَعْدَ الْقَبْضِ فِي شَجَرِهَا فَبَطَلَ الْبَيْعُ فِيهَا؟ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ: قِيلَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ قَبْضَ الطَّعَامِ قَدِ اسْتَقَرَّ فَانْبَرَمَتْ عِلَّةُ الْعَقْدِ، وَقَبْضُ الثَّمَرَةِ عَلَى نَخْلِهَا وَفِي شَجَرِهَا غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ وَعِلَّةُ الْعَقْدِ لَمْ تَنْبَرِمْ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ عَطِشَتْ عَلَى نَخْلِهَا وَشَجَرِهَا بَعْدَ قَبْضِهَا وَأَضَرَّ ذَلِكَ بِهَا، كَانَ ذَلِكَ عَيْبًا يَسْتَحِقُّ بِهِ الْمُشْتَرِي خِيَارَ الْفَسْخِ، وَلَوْ كَانَ الْقَبْضُ مُسْتَقِرًّا وَالْعَقْدُ مُنْبَرِمًا مَا اسْتَحَقَّ بِهِ الْفَسْخَ كَمَا لَا يَسْتَحِقُّهُ فِي الطَّعَامِ بَعْدَ الْقَبْضِ.
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ قَدْرُ الطَّعَامِ مَعْلُومًا بِأَحَدِ الْأَوْجُهِ الَّتِي مَضَتْ تَقَاسَمَاهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا.

وَإِنْ كَانَ قَدْرُ الطَّعَامِ مَجْهُولًا، فَإِنْ تَرَاضَيَا بِشَيْءٍ اتَّفَقَا عَلَيْهِ جَازَ وَاقْتَسَمَاهُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ تَنَازَعَا وَاخْتَلَفَا نُظِرَ فَإِنْ كَانَتْ صُبْرَةَ الْمُشْتَرِي قَدِ انْثَالَتْ عَلَى صُبْرَةِ الْبَائِعِ فَالْقَوْلُ قول البائع في قدر ماله مِمَّا لِلْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّ الْيَدَ لَهُ.
وَإِنْ كَانَتْ صُبْرَةُ الْبَائِعِ قَدِ انْثَالَتْ عَلَى صُبْرَةِ الْمُشْتَرِي فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي فِي قَدْرِ ماله مِمَّا لِلْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّ الْيَدَ لَهُ.
وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ لِأَنَّ يَدَهُ قَدْ كَانَتْ عَلَى الطَّعَامَيْنِ مَعًا وَكَانَ أَعْرَفَ بِقَدْرِهِمَا مِنَ الْمُشْتَرِي الْمُسْتَحْدَثِ إِلَيْهِ، وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ مَا وَجَبَ اعْتِبَارُ الْيَدِ فِيهِ كَانَتِ الْيَدُ الثَّانِيَةُ أَوْلَى أَنْ تَكُونَ مُعْتَبَرَةً مِنَ الْيَدِ الْمُرْتَفِعَةِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

مَسْأَلَةٌ:

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَكُلُّ أَرْضٍ بِيعَتْ فَلِلْمُشْتَرِي جَمِيعُ مَا فِيهَا مِنْ بِنَاءٍ وَأَصْلٍ وَالْأَصْلُ مَا لَهُ ثَمَرَةٌ بَعْدَ ثَمَرَةٍ مِنْ كُلِّ شَجَرٍ مُثْمِرٍ وَزَرْعٍ مُثْمِرٍ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنِ ابْتَاعَ أَرْضًا ذَاتَ بِنَاءٍ وَشَجَرٍ لَمْ يَخْلُ حال ابتياعه من ثلاثة أَحْوَالٍ: إِمَّا أَنْ يَشْتَرِطَ دُخُولَ الْبَنَّاءِ وَالشَّجَرِ فِي الْبَيْعِ لَفْظًا فَيَدْخُلُ.
وَإِمَّا أَنْ يَشْتَرِطَ خُرُوجَهُ لَفْظًا فَيَخْرُجُ.
وَإِمَّا أَنْ يُطْلِقَ الْعَقْدَ وَيَقُولَ ابْتَعْتُ مِنْكَ هَذِهِ الْأَرْضَ فَنَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْبَيْعِ أَنَّ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ بِنَاءٍ وَشَجَرٍ يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ، وَنَصَّ فِي الرَّهْنِ أَنَّ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ بِنَاءٍ وَشَجَرٍ لَا يَدْخُلُ فِي الرَّهْنِ فَاقْتَضَى لِاخْتِلَافِ نَصِّهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ أَنِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي المسألتين على ثلاثة طُرُقٍ: إِحْدَاهَا: وَهِيَ طَرِيقَةُ أَبِي الطَّيِّبِ بْنِ سَلَمَةَ وَأَبِي حَفْصٍ الْوَكِيلِ أَنْ نَقَلُوا جَوَابَهُ فِي الْبَيْعِ إِلَى الرَّهْنِ وَجَوَابَهُ فِي الرَّهْنِ إِلَى الْبَيْعِ وَخَرَّجُوا الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى قَوْلَيْنِ لِاخْتِلَافِ نَصِّهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْبِنَاءَ وَالشَّجَرَ لَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ وَلَا فِي الرَّهْنِ جَمِيعًا كَمَا لَا تَدْخُلُ الثَّمَرَةُ الْمُؤَبَّرَةُ فِي الْبَيْعِ وَلَا فِي الرَّهْنِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْبِنَاءَ وَالشَّجَرَ يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ وَالرَّهْنِ جَمِيعًا بِخِلَافِ الثَّمَرَةِ الْمُؤَبَّرَةِ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ الْمُؤَبَّرَةَ تُسْتَبْقَى مُدَّةَ صَلَاحِهَا ثُمَّ تُزَالُ عَنْ نَخْلِهَا وَشَجَرِهَا فَصَارَتْ كَالشَّيْءِ الْمُتَمَيِّزِ فَلَمْ تَدْخُلْ إِلَّا بِالشَّرْطِ، وَالْبِنَاءُ وَالشَّجَرُ يُرَادُ لِلتَّأْبِيرِ وَالْبِنَاءُ يَجْرِي مَجْرَى أَجْزَاءِ الْأَرْضِ فَصَارَ دَاخِلًا فِي الْعَقْدِ.
وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: وَهِيَ طَرِيقَةُ أَبِي الْعَبَّاسِ وَهُوَ أَنَّهُ جَعَلَ اخْتِلَافَهُ اختلاف نصفه فِي الْمَوْضِعَيْنِ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ.

فَجَعَلَ مَا نَصَّ عَلَيْهِ مِنْ دُخُولِ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ مَحْمُولًا عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ بِعْتُكَ الْأَرْضَ بِحُقُوقِهَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ الْبِنَاءُ وَالشَّجَرُ لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ الْأَرْضِ وَلَوْ قَالَ مِثْلَهُ فِي الرَّهْنِ لَدَخَلَ.
وَجَعَلَ مَا نَصَّ عَلَيْهِ مِنْ خُرُوجِ ذَلِكَ مِنَ الرَّهْنِ مَحْمُولًا عَلَى أَنَّهُ قَالَ رَهَنْتُكَ الْأَرْضَ وَلَمْ يَقُلْ بِحُقُوقِهَا فَلَمْ يَدْخُلْ فِي الرَّهْنِ الْبِنَاءُ وَالشَّجَرُ لِأَنَّهُ أَطْلَقَ وَلَوْ فَعَلَ مِثْلَهُ فِي الْبَيْعِ لَمْ يَدْخُلْ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالرَّهْنِ.
وَالطَّرِيقَةُ الثَّالِثَةُ: وَهِيَ طَرِيقَةُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَجُمْهُورِ أَصْحَابِنَا أَنْ حَمَلُوا جَوَابَهُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَوْضِعَيْنِ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَجَعَلُوا الْبِنَاءَ وَالشَّجَرَ دَاخِلًا فِي الْبَيْعِ بِغَيْرِ شَرْطٍ وَلَمْ يَجْعَلُوهُ دَاخِلًا فِي الرَّهْنِ إِلَّا بِالشَّرْطِ وَفَرَّقُوا بَيْنَ الْبَيْعِ وَالرَّهْنِ بِفَرْقَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ يُزِيلُ الْمِلْكَ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ مَا اتَّصَلَ بِالْمَبِيعِ تبع لَهُ لِقُوَّتِهِ، وَعَقْدُ الرَّهْنِ يَضْعُفُ عَنْ إِزَالَةِ الْمِلْكِ فَلَمْ يَتْبَعْهُ مَا لَمْ يُسَمِّهِ لِضَعْفِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَا حَدَثَ فِي الْبَيْعِ لِلْمُشْتَرِي جَازَ أَنْ يَكُونَ مَا اتَّصَلَ بِهِ مِنْ قِبَلِ الْمُشْتَرِي، وَلَمَّا كَانَ مَا حَدَثَ فِي الرَّهْنِ لَا يَدْخُلُ فِي الرَّهْنِ اقْتَضَى أَنْ يَكُونَ مَا تَقَدَّمَ الرَّهْنَ أَوْلَى أَنْ لَا يَدْخُلَ فِي الرَّهْنِ.

فَصْلٌ:

فَإِذَا ثَبَتَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْبِنَاءَ وَالشَّجَرَ يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ فَكَذَا كُلُّ مَا كَانَ فِي الْأَرْضِ مُتَّصِلًا بِهَا مِنْ مُسَمَّيَاتِهَا سواء كان آجُرًّا، أَوْ حِجَارَةً، أَوْ تُرَابًا، وَكَذَا تِلَالُ التُّرَابِ الَّتِي تُسَمَّى بِالْبَصْرَةِ جِبَالًا وَجُوخَاتُهَا وَبَيْدَرُهَا وَقَدْرُهَا وَالْحَائِطُ الَّذِي يَحْظَرُهَا وَسَوَاقِيهَا الَّتِي تَشْرَبُ الْأَرْضُ مِنْهَا وَأَنْهَارُهَا الَّتِي فِيهَا وَعَيْنُ الْمَاءِ إِنْ كَانَتْ فِيهَا فَإِنَّهُ يَمْلِكُهَا.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ هَلْ يَمْلِكُ الْمَاءَ الَّذِي فِيهَا.
فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: لَا يَمْلِكُهُ وَإِنَّمَا يَصِيرُ الْمَاءُ مَمْلُوكًا بِالْإِجَارَةِ، وَلَوْ كَانَ مَمْلُوكًا مَا جَازَ لِلْمُسْتَأْجِرِ اسْتِعْمَالُهُ وَلَوَجَبَ عَلَى الْمُشْتَرِي إِذَا رُدَّ غُرْمُهُ.
قَالَ: وَإِنَّمَا يَكُونُ أَوْلَى بِالْمَاءِ لِمَا يستحقه من التصرف في ملكه، وأن له مَنْعَ الْغَيْرِ مِنْ دُخُولِ مِلْكِهِ، فَلَوْ دَخَلَ إِنْسَانٌ فَأَجَارَ مِنْ مَائِهِ صَارَ مَالِكًا لَهُ وَإِنْ تَعَدَّى بِالدُّخُولِ.
وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَدْ مَلَكَ الْمَاءَ الَّذِي يَنْبُعُ مِنْ أَرْضِهِ مِنْ عَيْنٍ أَوْ بِئْرٍ لِأَنَّهُ يَحْدُثُ عَنْ مِلْكِهِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ تَمَلُّكُهُ فَصَارَ كَالْمَاءِ الَّذِي أَجَازَهُ فِي إِنَاءٍ وَلَوْ أَجَازَ مِنْهُ إِنْسَانٌ شَيْئًا لَمْ يَمْلِكْهُ وَاسْتَحَقَّ انْتِزَاعَهُ مِنْ يَدِهِ وَإِنَّمَا جَازَ لِلْمُسْتَأْجِرِ اسْتِعْمَالُهُ لِأَنَّهُ كَالْمَاءِ دُوِّنَ لَهُ بِالْعُرْفِ وَلَمْ يَجِبْ عَلَى الْمُشْتَرِي غُرْمُهُ لِأَنَّ حُكْمَهُ مَوْضُوعٌ عَلَى التَّوْسِعَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ:

فَلَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي ابْتَاعَهَا مَعْدِنٌ كَانَ دَاخِلًا فِي الْبَيْعِ ظَاهِرًا كَانَ أَوْ بَاطِنًا، وَأَمَّا مَا فِي الْمَعْدِنِ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ جَامِدًا كَالْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ وَالْحَرِيرِ وَالرَّصَاصِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ ذَائِبًا جَارِيًا كَالنِّفْطِ وَالزِّفْتِ وَالْقَارِ فَإِنْ كَانَ جَامِدًا كَالْفِضَّةِ وَالْحَدِيدِ كَانَ مِلْكًا لِمَالِكِهَا، وَإِنْ كَانَ ذَائِبًا كَالنِّفْطِ وَالزِّفْتِ وَالْقَارِ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ لَا يُمْلَكُ إِلَّا بِالْإِجَازَةِ، وَلَوْ خَرَجَ عَنْ أَرْضِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْعُ النَّاسِ مِنْهُ.
وَعَلَى قَوْلِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَكُونُ مَمْلُوكًا فِي الْأَرْضِ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ وَلَوْ خَرَجَ مِنَ الْأَرْضِ لَكَانَ لِمَالِكِهَا مَنْعُ النَّاسِ مِنْهُ.

فَصْلٌ: فَأَمَّا مَا تَوَلَّدَ مِنْ أَنْهَارِ الْأَرْضِ وَعُيُونِهَا مِنَ السَّمَكِ فَلَا يُمْلَكُ عَلَى الْمَذْهَبَيْنِ مَعًا إِلَّا بِالْحِيَازَةِ كَمَا لَا يُمْلَكُ مَا فَرَخَ مِنَ الصَّيْدِ فِي أَرْضِهِ إِلَّا بِأَخْذِهِ، وَإِنَّمَا لَهُ مَنْعُ النَّاسِ مِنْ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ دُخُولِ أَرْضِهِ وَالتَّصَرُّفِ فِي مِلْكِهِ فَإِنْ أَخَذُوهُ فَقَدْ مَلَكُوهُ دُونَهُ.
فَصْلٌ: فَلَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ دُولَابٌ لِلْمَاءِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ لِاتِّصَالِهِ بِهَا وَإِنْ كَانَ فِيهِ كَمَالُ مَنَافِعِهَا فَجَرَى مَجْرَى أَبْوَابِ الدَّارِ الَّتِي تَدْخُلُ مَعَهَا فِي الْبَيْعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِهَا فَإِنَّمَا تَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ لِاتِّصَالِهَا بِهَا وَإِنَّ فِيهَا كَمَالَ مَنَافِعِهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ كَمَا لَا يَدْخُلُ فيه خشبة الزبوق وَإِنْ سَقَتْ وَلَا بَقَرَةَ الدُّولَابِ وَإِنْ سَقَتْ.
وَكَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَفْصِلُ فَيَقُولُ إِنْ كَانَ الدولاب صغير يُمْكِنُ نَقْلُهُ صَحِيحًا عَلَى حَالِهِ بِغَيْرِ مَشَقَّةٍ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْبَيْعِ كَالزَّرْبُوقِ.
وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا لَا يُمْكِنُ نَقْلُهُ صَحِيحًا إِلَّا بِالتَّفْصِيلِ أَوْ بِمَشَقَّةٍ غَالِبَةٍ دَخَلَ فِي الْبَيْعِ لِأَنَّهُ نُصِبَ لِلِاسْتِدَامَةِ وَالْبَقَاءِ فَجَرَى مَجْرَى الشَّجَرِ وَالْبِنَاءِ.

فصل:

فأما إن كان في الأرض رَحًا لِلْمَاءِ دَخَلَ فِي الْبَيْعِ بَيْتُ الرَّحَا وَبِنَاؤُهُ.
فَأَمَّا حِجَارَةُ الرَّحَا فَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا لَا تَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ عُلُوًّا وَسُفْلًا لِأَنَّهَا مِنْ تَمَامِ الْمَنَافِعِ.
وَالثَّانِي: لَا تَدْخُلُ فِيهِ عُلُوًّا وَلَا سُفْلًا لِامْتِيَازِهَا.
وَالثَّالِثُ: تَدْخُلُ فِيهِ السُّفْلَى لِاتِّصَالِهِ وَلَا تَدْخُلُ فِيهِ الْعُلْيَا لِانْفِصَالِهِ.
وَأَمَّا دُولَابُ الرَّحَا الَّذِي يُدِيرُهُ الْمَاءُ فَيُدِيرُ الرَّحَا فَهُوَ تَبَعٌ لِلرَّحَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ بِدُخُولِهِ وَيَخْرُجُ مِنْهُ بِخُرُوجِهِ وَإِلْحَاقُهُ بِالسُّفْلَى أَوْلَى مِنْ إِلْحَاقِهِ بِالْعُلْيَا.
فَصْلٌ: فَأَمَّا مَا كَانَ فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرٍ مَقْطُوعٍ وَبِنَاءٍ مَقْلُوعٍ وَعَلَفٍ مَخْزُونٍ وَتَمْرٍ مَلْقُوطٍ وَتُرَابٍ مَنْقُولٍ وَسِمَادٍ مَحْمُولٍ فَكُلُّ ذَلِكَ لِلْبَائِعِ لَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ إِلَّا بِالشَّرْطِ أَوْ يَكُونُ التراب أو السماد قَدْ سَقَطَ فِي الْأَرْضِ وَاسْتُعْمِلَ.

فَصْلٌ:

فَأَمَّا إِذَا بَاعَهُ الْبِنَاءَ وَالشَّجَرَ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِذِكْرِ الْأَرْضِ فَبَيَاضُ الْأَرْضِ الَّذِي بَيْنَ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ لَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ لَا يَخْتَلِفُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ تُبَاعَ الْأَرْضُ فَيَتْبَعُهَا الْبِنَاءُ وَالشَّجَرُ وَبَيْنَ أَنْ يُبَاعَ الْبِنَاءُ وَالشَّجَرُ فَلَا تَتْبَعُهُمَا الْأَرْضُ.
إِنَّ الْأَرْضَ أَصِلٌ وَالْبِنَاءَ وَالشَّجَرَ فَرْعٌ فَإِذَا بِيعَتِ الْأَرْضُ جَازَ أَنْ يَتْبَعَهَا فَرْعُهَا، وَإِذَا بِيعَ الْبِنَاءُ وَالشَّجَرُ لَمْ تَتْبَعْهُ الْأَرْضُ الَّتِي هِيَ أَصْلٌ.
فَأَمَّا مَا كَانَ مِنَ الْأَرْضِ قَرَارًا لِلْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ فَفِي دُخُولِهِ فِي الْبَيْعِ تَبَعًا لِلْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَدْخُلُ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَالثَّانِي: يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ لِأَنَّهُ لَا قِوَامَ لِلْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ إِلَّا بِهِ فَخَالَفَ بَيَاضَ الْأَرْضِ الَّذِي يَسْتَغْنِي عَنْهُ.

فَصْلٌ:

فَأَمَّا إِذَا قَالَ بِعْتُكَ هَذَا الْبُسْتَانَ فَالْبَيْعُ مُتَوَجِّهٌ إِلَى الْأَرْضِ وَيَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ الشَّجَرُ وَالْغِرَاسُ وَالنَّخْلُ وَكُلُّ مَا لَهُ مِنَ النَّبَاتِ أَصْلٌ لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ الْمَذْهَبُ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ بِعْتُكَ هَذِهِ الْأَرْضَ لِأَنَّ اسْمَ الْبُسْتَانِ لَا يَنْطَلِقُ عَلَى الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ حَتَّى تَكُونَ ذَاتَ نَخْلٍ وَشَجَرٍ، فَلَوْ كَانَ فِي الْبُسْتَانِ بِنَاءٌ كَانَ كَقَوْلِهِ بِعْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ اخْتِلَافِ الْمَذْهَبِ لِأَنَّ الْبُسْتَانَ قَدْ يَخْلُو مِنَ الْبِنَاءِ فَيَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، وَلَا يَخْلُو مِنَ الشَّجَرِ وَالْبِنَاءِ فَيَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ.
وَإِنْ قَالَ بِعْتُكَ هَذِهِ الْقَرْيَةَ دخل في البيع سود الْقَرْيَةِ كُلُّهُ مِنَ الْبِنَاءِ وَالْمَسَاكِنِ وَالدَّكَاكِينِ وَالْحَمَّامَاتِ وَمَا فِي خِلَالِ الْمَسَاكِنِ مِنَ النَّخْلِ وَالشَّجَرِ، وَلَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ مَزَارِعُهَا وَلَا أَرْضُهَا وَلَا بَسَاتِينُهَا وَإِنَّمَا يَدْخُلُ فِي الْأَرْضِ مَا اخْتَلَطَ بِبُنْيَانِهَا وَمَسَاكِنِهَا وَمَا كَانَ مِنْ أَفْنِيَةِ الْمَسَاكِنِ وَحُقُوقِهَا دُونَ غَيْرِهِ.
فَصْلٌ: وَأَمَّا إِذَا بَاعَهُ دَارًا وَقَالَ بِعْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ وَأَطْلَقَ فَقَدْ دَخَلَ فِي الْبَيْعِ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الدَّارُ مِنْ بِنَاءٍ وَسُقُوفٍ وَسُفْلٍ وَعُلُوٍّ وَكُلِّ مَا كَانَ مُتَّصِلًا بِبُنْيَانِهَا عَلَى التَّأْبِيدِ دَاخِلًا أَوْ خَارِجًا مِنَ الْأَبْوَابِ الْمَنْصُوبَةِ وَالْأَجْنِحَةِ وَالْمَيَازِيبِ.
وَقَالَ أبو حنيفة: يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ مَعَ ذَلِكَ مَا كَانَ دَاخِلًا وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ مَا كَانَ خَارِجًا.
وَلِأَجْلِهِ احْتَرَزَ الشُّرْطِيُّونَ فِي كَتْبِ الْوَثَائِقِ فَقَالُوا وَكُلُّ حَقٍّ هُوَ لَهَا دَاخِلٌ فِيهَا وَخَارِجٌ مِنْهَا.
وَهَذَا مَذْهَبٌ ظَهَرَ فَسَادُهُ بِإِجْمَاعِ الْكَافَّةِ عَلَى خِلَافِهِ وَأَنَّ التَّعْلِيلَ بِالِاتِّصَالِ يُوجِبُ التَّسْوِيَةَ فِي الْأَمْرَيْنِ.
وَأَمَّا مَا كَانَ مُنْفَصِلًا عَنْهُمَا مِنْ آلَةٍ وَقُمَاشٍ وَدَلْوٍ وَبَكَرَةٍ فَكُلُّهُ خَارِجٌ عَنِ الْبَيْعِ.

وَقَالَ زفر: كُلُّ مَا كَانَ فِي الدَّارِ مِنْ آلَةٍ وَقُمَاشٍ، لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ فَجَمِيعُهُ دَاخِلٌ فِي الْبَيْعِ وَلِأَجْلِهِ احْتَرَزَ الشُّرْطِيُّونَ فِي كُتُبِهِمْ فَقَالَ: وَكُلُّ حَقٍّ هُوَ لَهَا.
وَهَذَا أَظْهَرُ فَسَادًا مِنْ مَذْهَبِ أبي حنيفة، وَلَوْ جَازَ دُخُولُ هَذَا فِي الْبَيْعِ لِجَازَ دُخُولُ مَا فِي الدَّارِ مِنْ عَبِيدٍ وَإِمَاءٍ وَمَاشِيَةٍ وَطَعَامٍ وَمَا أَحَدٌ قَالَ بِهَذَا تَعْلِيلًا بِالِانْفِصَالِ.
وَكَذَا كُلُّ مَا كَانَ مُنْفَصِلًا وَكَذَا كُلُّ مَا فَصَلَ مِنْ أَدِلَّةِ الْبِنَاءِ مِنْ آجُرٍّ وَخَشَبٍ فَلَمْ تُسْتَعْمَلْ أَوْ كَانَتْ أَبْوَابًا فَلَمْ تُنْصَبْ فَكُلُّ ذَلِكَ خَارِجٌ مِنَ الْبَيْعِ لِانْفِصَالِهِ.
فَأَمَّا السُّلَّمُ وَدَرَجُ الْخَشَبِ فَإِنْ كَانَتْ مُثَبَّتَةَ الطَّرَفَيْنِ دَخَلَ جَمِيعُ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ لِاتِّصَالِهِ بِالْبُنْيَانِ، وَإِنْ كَانَتْ مُنْفَصِلَةً تُرْفَعُ وَتُوضَعُ لَمْ تَدْخُلْ فِي الْبَيْعِ لِانْفِصَالِهَا عَنِ الْبُنْيَانِ.
وَكَذَا الرفوف فإن كانت مبينة أَوْ مُسَمَّرَةً دَخَلَتْ فِي الْبَيْعِ وَإِنْ كَانَتْ مُنْفَصِلَةً لَمْ تَدْخُلْ فِي الْبَيْعِ، وَهَكَذَا الْإِغْلَاقُ وَالْإِقْفَالُ مَا كَانَ مِنْهَا مُنْفَصِلًا لَمْ يَدْخُلْ فِي الْبَيْعِ وَمَا كَانَ مِنْهَا مُتَّصِلًا دَخَلَ فِي الْبَيْعِ وَفِي دُخُولِهِ مِفْتَاحَهُ وَجْهَانِ وَهَكَذَا كُلُّ مَا كَانَ مُنْفَصِلًا لَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ إِلَّا مَعَ مُتَّصِلٍ بِالدَّارِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِمُتَّصِلٍ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ لا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ لِأَنَّهُ فِي نَفْسِهِ مُنْفَصِلٌ.
وَكَذَا إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ دُكَّانًا عَلَيْهِ دُرُبَاتٌ تُغْلَقُ بِهَا يُرِيدُ بِهِ أَلْوَاحُ الدُّكَّانِ فَمَا كَانَ مُتَّصِلًا مِنْهَا بِالْحَائِطِ مِنَ الْجَنْبَيْنِ يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ لِاتِّصَالِهِ، وَفِي دُخُولِ الْأَلْوَاحِ الْمُنْفَصِلَةِ وجهان وكذا التثور الْمَبْنِيُّ دَاخِلٌ فِي الْمَبِيعِ وَفِي دُخُولِ رَأْسِهِ وَجْهَانِ، وَهَكَذَا السَّفِينَةُ يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ مِنْ آلتها ما كان متصلا وفي دخول مالا يُسْتَغْنَى عَنْهُ مِنْ آلَتِهَا الْمُنْفَصِلَةِ وَجْهَانِ.
فَأَمَّا الْحَبَابُ الْمَدْفُونَةُ فَإِنْ كَانَ دَفَنَهَا لِلِانْتِفَاعِ بِهَا على التأبيد كحباب الزياتين، والبرازين، وَالدَّهَانِينَ دَخَلَتْ فِي الْبَيْعِ، وَإِنْ كَانَ دَفَنَهَا اسْتِيدَاعًا لَهَا فِي الْأَرْضِ لَمْ تَدْخُلْ فِي الْبَيْعِ كَمَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ مِنْ حِجَارَةِ الْأَرْضِ مَا كَانَ مَبْنِيًّا وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ مَا كَانَ مُسْتَوْدَعًا.
فَأَمَّا إِنِ اتَّصَلَ بِالدَّارِ حُجْرَةٌ أَوْ سَاحَةٌ أَوْ رَحْبَةٌ لَمْ تَدْخُلْ فِي الْبَيْعِ لِخُرُوجِ ذَلِكَ عَنْ حُدُودِ الدَّارِ الَّتِي لَا تَمْتَازُ الدَّارُ عَنْ غَيْرِهَا إِلَّا بِهَا وَلَا يَصِحُّ الْعَقْدُ إِلَّا بِذِكْرِهَا وَهِيَ أَرْبَعَةُ حُدُودٍ فِي الْغَالِبِ فَإِنِ اسْتَوْفَى ذِكْرَهَا صَحَّ الْبَيْعُ، وَإِنْ ذَكَرَ مِنْهَا حَدًّا أَوْ حَدَّيْنِ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ، وَإِنْ ذَكَرَ مِنْهَا ثَلَاثَةَ حُدُودٍ وَأَغْفَلَ الرَّابِعَ، فَإِنْ كَانَتِ الدَّارُ لَا تَتَمَيَّزُ بِذِكْرِ الْحُدُودِ الثَّلَاثَةِ بَطَلَ الْبَيْعُ.
وَإِنْ تَمَيَّزَتْ بِذِكْرِ الْحُدُودِ الثَّلَاثَةِ فَالصَّحِيحُ أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ لِحُصُولِ الِامْتِيَازِ، وَفِيهِ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا وَجْهٌ آخَرُ أَنَّ الْبَيْعَ بِإِغْفَالِ ذِكْرِهِ بَاطِلٌ.
فَأَمَّا إِنِ اتَّصَلَ بِالدَّارِ سَابَاطٌ عَلَى حَائِطٍ مِنْ حُدُودِهَا فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي دُخُولِهِ فِي الْبَيْعِ مَعَ الْإِطْلَاقِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ كَمَا لَا تَدْخُلُ الْحُجْرَةُ الْمُتَّصِلَةُ بِالدَّارِ.
وَالثَّانِي: يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ كَمَا يَدْخُلُ فِيهِ الْأَجْنِحَةُ وَالْمَيَازِيبُ.
والوجه الثالث: وهو تخريج أبي الغياض أَنْ تَعْتَبِرَ حَالَ الْأَجْذَاعِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ فَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الطَّرَفَيْنِ مَطْرُوحًا عَلَى حَائِطٍ لِهَذِهِ الدَّارِ دَخَلَ السَّابَاطُ فِي الْبَيْعِ لِأَنَّ جَمِيعَهُ تَبَعٌ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الطَّرَفَيْنِ مَطْرُوحًا عَلَى حَائِطٍ لِغَيْرِ هَذِهِ الدَّارِ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْبَيْعِ لِأَنَّ جَمِيعَهُ لَيْسَ بِمَبِيعٍ.

فَصْلٌ:

فَأَمَّا إِذَا بَاعَهُ عَبْدًا وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ أَوْ أَمَةٌ وَعَلَيْهَا جِلْبَابُهَا فَقَدْ حُكِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ جَمِيعَ مَا عَلَى الْعَبْدِ أَوِ الْأَمَةِ مِنْ ثِيَابٍ وَحُلِيٍّ يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ لِأَنَّهُ يَدٌ قَدْ مَلَكَتْ.
وَقَالَ قَوْمٌ بَلْ يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ مِنْ جَمِيعِ مَا عَلَيْهَا قَدْرُ مَا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ.
وَقَالَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ لَا يَدْخُلُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ لِانْفِصَالِهِ عَنِ الْمَبِيعِ، وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مَنِ ابْتَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إلا أن يشتري الْمُبْتَاعُ " وَلَوْ وَجَبَ قَدْرُ مَا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ لَلَزِمَ قَدْرُ مَا يَسُدُّ الْجَوْعَةَ.
فَصْلٌ: وَإِذَا ابْتَاعَ دَابَّةً عَلَيْهَا سَرْجٌ وَلِجَامٌ أَوْ شَيْءٌ مِنْ آلَتِهَا كَالْحَبْلِ وَالْمِقْوَدِ لَمْ يَدْخُلْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ.
وَقَالَ قَوْمٌ يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ الْحَبْلُ وَالْمِقْوَدُ وَهُوَ قَوْلُ مَنْ أَوْجَبَ فِي بَيْعِ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ قَدْرَ مَا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَ فَسَادِهِ، لَكِنْ يَدْخُلُ فِي بَيْعِ الدَّابَّةِ النِّعَالُ الْمُسَمَّرَةُ فِي أَرْجُلِهَا لِأَنَّهَا كَالْمُتَّصِلِ وَهِيَ بِخِلَافِ الْقُرْطِ فِي الْأُذُنِ حَيْثُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْبَيْعِ لِأَنَّ نِعَالَ الدَّابَّةِ مَوْضُوعَةٌ لِلِاسْتِدَامَةِ وَالْقُرْطُ لَا يُلْبَسُ لِلِاسْتِدَامَةِ.
فَصْلٌ: فَإِذَا ابْتَاعَ سَمَكَةً فَوَجَدَ فِي جَوْفِهَا لُؤْلُؤَةً أَوْ جَوْهَرَةً لَمْ تَدْخُلْ فِي الْبَيْعِ كَمَا لَا يَدْخُلُ الْكَنْزُ الْمَدْفُونُ فِي الدَّارِ فِي الْبَيْعِ ثُمَّ يَنْظُرُ فِي اللُّؤْلُؤَةِ أو الجوهرة فإن كان فيه أَثَرُ مِلْكٍ مِنْ ثُقْبٍ أَوْ صَنْعَةٍ فَهِيَ لُقَطَةٌ لَا تُمْلَكُ لِلصَّيَّادِ الْبَائِعِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا أَثَرُ مِلْكٍ مِنْ ثُقْبٍ فَهِيَ مِلْكٌ لِلصَّيَّادِ الْبَائِعِ كَمَا يَمْلِكُ مِنْ ذَلِكَ مَا يَأْخُذُهُ مِنْ مَعْدِنِهِ، لِأَنَّ الْحُوتَ وَالسَّمَكَ قَدْ يَمُرُّ بِمَعَادِنِ اللُّؤْلُؤِ وَالْجَوْهَرِ فَرُبَّمَا ابْتَلَعَ شَيْئًا مِنْهُ.
لَكِنْ لَوِ ابْتَاعَ سَمَكَةً فَوَجَدَ فِي جَوْفِهَا سَمَكَةً كَانَتْ دَاخِلَةً فِي الْبَيْعِ وَمَلِكَهَا الْمُشْتَرِي، وَالْفَرْقُ بَيْنَ السَّمَكَةِ تَكُونُ فِي جَوْفِ السَّمَكَةِ وَبَيْنَ اللُّؤْلُؤَةِ: أَنَّ السَّمَكَةَ قَدْ تَغْتَذِي بِالسَّمَكِ فَصَارَ مَا فِي جَوْفِهِ مِنْ ذَلِكَ مِنْ أَغْذِيَتِهِ وَمَحْكُومٌ بِهِ مِنْ جُمْلَتِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ اللُّؤْلُؤُ.
وَهَكَذَا لَوِ ابْتَاعَ طَائِرًا فَوَجَدَ فِي جَوْفِهِ سَمَكًا أَوْ جَرَادًا كَانَ دَاخِلًا فِي الْبَيْعِ لِأَنَّهُ مِنْ أَغْذِيَتِهِ، وَلَوْ وَجَدَ فِي جَوْفِهِ خَاتَمًا لَمْ يَدْخُلْ فِي البيع.

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَيُؤْكَلُ الْحُوتُ وَالْجَرَادُ الْمَوْجُودُ فِي جَوْفِ الطَّائِرِ وَهَذَا صَحِيحٌ لِأَنَّهُمَا يُؤْكَلَانِ مَيِّتَيْنِ لَكِنْ بَعْدَ الْغَسْلِ لِنَجَاسَتِهِمَا بِمَا فِي جَوْفِ الطَّائِرِ، وَلَوْ كَانَ مَأْخُوذًا مِنْ جَوْفِ الْحُوتِ لَمْ يَجِبْ غَسْلُهُ لِأَنَّ مَا فِي جَوْفِ الْحُوتِ لَيْسَ بِنَجِسٍ، وَمَا فِي جوف الطائر نجس.

مسألة:

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِنْ كَانَ فِيهَا زَرْعٌ فَهُوَ لِلْبَائِعِ يُتْرَكُ حَتَّى يُحْصَدَ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا بَاعَ أَرْضًا وَفِيهَا زَرْعٌ يُحْصَدُ مَرَّةً وَيُؤْخَذُ دُفْعَةً كَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالْبَاقِلَّا وَالْكَتَّانِ فَهُوَ لِلْبَائِعِ لَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ إِلَّا بِالشَّرْطِ بِخِلَافِ الشَّجَرِ وَالْغَرْسِ الْمَوْضُوعِ لِلِاسْتِدَامَةِ وَالْبَقَاءِ لِأَنَّ الزَّرْعَ لَا يُوضَعُ لِلِاسْتِدَامَةِ وَإِنَّمَا يُزْرَعُ لِتَكَامُلِ الْمَنْفَعَةِ فَحَلَّ مَحَلَّ الْمَتَاعِ الْمُودَعِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْبَيْعِ.
فَإِنْ قِيلَ فَالثَّمَرَةُ قَبْلَ التأبير تستبقى لتكامل المنفعة ثم تجتنا وَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي الْبَيْعِ فَهَلَّا كَانَ الزَّرْعُ مِثْلَهَا؟ . قِيلَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الثَّمَرَةَ حَادِثَةٌ من خلفة الْأَصْلِ الْمَبِيعِ، وَالزَّرْعُ مُسْتَوْدَعٌ فِي الْأَرْضِ بِفِعْلِ الْآدَمِيِّ وَقَدْ فُرِّقَ فِي الْأُصُولِ بَيْنَ مَا كان من خلفه الْأَصْلِ فَيَكُونُ تَبَعًا، وَبَيْنَ مَا يَكُونُ مُسْتَوْدَعًا فِي الْأَصْلِ فَلَا يَكُونُ تَبَعًا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوِ اشْتَرَى أَرْضًا فَوَجَدَ فِيهَا رِكَازًا لَمْ يَدْخُلْ فِي الْبَيْعِ لِأَنَّهُ مُسْتَوْدَعٌ فِي الْأَرْضِ وَلَوْ وَجَدَ فِيهَا مَعْدِنًا كَانَ دَاخِلًا فِي الْبَيْعِ لِأَنَّهُ خِلْقَةٌ فِي الْأَرْضِ فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الزَّرْعَ لَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ فَلَا يَخْلُو حَالُ الْمُشْتَرِي مِنْ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالزَّرْعِ أَوْ غَيْرَ عَالِمٍ: فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِالزَّرْعِ فَلَا خِيَارَ لَهُ فِي الْفَسْخِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِالزَّرْعِ لِأَنَّهُ ابْتَاعَهَا عَنْ رُؤْيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ وَلَمْ يَرَهَا وَقْتَ الْعَقْدِ فَلَهُ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ الْعَقْدِ لِأَنَّ الزَّرْعَ عَيْبٌ لِمَنْعِهِ مَنْفَعَةَ الْأَرْضِ.
فَإِنْ فَسَخَ رَجَعَ بِالثَّمَنِ، وَإِنْ أَقَامَ فَلِلْبَائِعِ تَرْكُ الزَّرْعِ فِي الْأَرْضِ إِلَى وَقْتِ حَصَادِهِ كَمَا يَكُونُ لَهُ تَرْكُ مَا أَبَّرَ مِنَ الثَّمَرِ إِلَى وَقْتِ جِدَادِهِ، وَلَا أُجْرَةَ لِلْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ فِي تَرْكِهِ لِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ مُسْتَحَقَّةٌ قَبْلَ مِلْكِهِ، مَا احْتَاجَ الزَّرْعُ إِلَى سَقْيٍ فَعَلَى الْمُشْتَرِي التَّمْكِينُ مِنْهُ وَعَلَى الْبَائِعِ مُؤْنَتُهُ، فَإِذَا انْتَهَى إِلَى أَوَّلِ أَوْقَاتِ اسْتِحْصَادِهِ وَجَبَ عَلَى الْبَائِعِ أَنْ يَحْصُدَهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِي تَرْكِهِ اسْتِزَادَةً فِي صَلَاحِهِ ثُمَّ يَنْظُرُ فِي الْأَرْضِ بَعْدَ الْحَصَادِ فَإِنْ لَمْ يَبْقَ لِلزَّرْعِ عُرُوقٌ مُضِرَّةٌ فَقَدِ اسْتَوْفَى حَقَّهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ بَقِيَتْ لِلزَّرْعِ عُرُوقٌ مُضِرَّةٌ كَانَ عَلَى الْبَائِعِ قَلْعُهَا وَإِزَالَةُ الضَّرَرِ بِهَا إِنْ شَاءَ الْمُشْتَرِي.
فَلَوْ جَزَّ الْبَائِعُ زَرْعَهُ قَبْلَ وَقْتِ حَصَادِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ الْأَرْضِ بَعْدَ قَلْعِ الْعُرُوقِ الْمُضِرَّةِ وَلَيْسَ لَهُ اسْتِبْقَاءُ الْأَرْضِ مَا بَقِيَ مِنْ مُدَّةِ الزَّرْعِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا اسْتَحَقَّ مِنْ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ مَا كَانَ صَلَاحًا لِذَلِكَ

الزَّرْعِ، فَلَوْ كَانَ الْبَاقِي مِنْ مُدَّةِ الزَّرْعِ بَعْدَ جِزَازِهِ خَمْسَةَ أَشْهُرٍ فَزَرَعَهَا مَا يُحْصَدُ فِي خَمْسَةِ أَشْهُرٍ لَمْ يَجُزْ وَكَانَتِ الْأُجْرَةُ عَلَيْهِ وَاجِبَةً، وَإِنْ رَضِيَ الْمُشْتَرِي بِتَرْكِهِ، وَلَوْ كَانَ الزَّرْعُ مِمَّا لَوْ جُزَّ قَبْلَ حَصَادِهِ قَوِيَ أَصْلُهُ وَاسْتَخْلَفَ وَفَرَّخَ كَالدُّخْنِ فَجَزَّهُ قَبْلَ حَصَادِهِ كَانَ لَهُ اسْتِبْقَاءُ الْأَصْلِ الْبَاقِي إِلَى وَقْتِ الْحَصَادِ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ الزَّرْعِ، وَلَيْسَ لَهُ اسْتِبْقَاءُ مَا اسْتُخْلِفَ وَفَرَّخَ بَعْدَ الْحَصَادِ لِأَنَّهُ غَيْرُ ذَلِكَ الزَّرْعِ، وَعَلَى الْبَائِعِ قَلْعُهُ وَلَا يَمْلِكُهُ الْمُشْتَرِي كَمَا لَا يَمْلِكُ أَصْلَ الْقَتِّ الَّذِي يُجَزُّ مِرَارًا، لِأَنَّ الْقَتَّ أَصْلٌ ثَابِتٌ وَالزَّرْعُ فَرْعٌ زَائِلٌ وَاسْتِخْلَافُ بَعْضِهِ نَادِرٌ.

فَصْلٌ:

فَأَمَّا إِذَا ابْتَاعَ أَرْضًا مَزْرُوعَةً وَشَرَطَ دُخُولَ الزَّرْعِ فِي الْبَيْعِ فَلَا يَخْلُو حَالُ الزَّرْعِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: - إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ اشْتَدَّ وَبَلَغَ الْحَصَادَ أَوْ لَا.
- فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ حَالَ الْحَصَادِ وَكَانَتْ بَقْلًا أَوْ قَصِيلًا صَحَّ الْبَيْعُ فِي الْأَرْضِ وَالزَّرْعِ وَلَا يَلْزَمُ فِي الزَّرْعِ اشْتِرَاطُ الْقَطْعِ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي الْعَقْدِ تَبَعًا لِلْأَرْضِ فُقِدَ الْغَرَرُ بِهِ فَسَقَطَ اشْتِرَاطُ الْقَطْعِ فِيهِ وَصَارَ كَالثَّمَرَةِ التي لم يبدو صَلَاحُهَا إِذَا بِيعَتْ مَعَ نَخْلِهَا صَحَّ الْعَقْدُ وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهَا الْقَطْعُ.
وَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ قَدِ اشْتَدَّ وَاسْتُحْصِدَ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مُشَاهَدَ الْحَبِّ لَيْسَ دُونَهُ حَائِلٌ يَمْنَعُ مِنْ رُؤْيَتِهِ كَالشَّعِيرِ فَالْبَيْعُ فِيهِ صَحِيحٌ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ بَيْعُ هَذَا الزَّرْعِ مُنْفَرِدًا فَأَوْلَى أَنْ يَجُوزَ بَيْعُهُ تَبَعًا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الزَّرْعُ غَيْرَ مُشَاهَدِ الْحَبِّ بِكِمَامٍ يَمْنَعُ مِنْ رُؤْيَتِهِ كَالْحِنْطَةِ وَالْعَدَسِ فَفِي بَيْعِهِ لَوْ كَانَ مُفْرَدًا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ فَعَلَى هَذَا بَيْعُهُ مَعَ الْأَرْضِ أَوْلَى أَنْ يَجُوزَ.
وَالثَّانِي: بَيْعُهُ لَا يَجُوزُ فَعَلَى هَذَا فِي جَوَازِ بَيْعِهِ تَبَعًا لِلْأَرْضِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ لِأَنَّ مَا كَانَ فِي الْبَيْعِ تَبَعًا لغيره جاز فقد رؤيته وجها له قَدْرِهِ كَأَسَاسِ الْبِنَاءِ وَلَبَنِ الضَّرْعِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْبَيْعَ فِيهِ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ تَبَعًا لِغَيْرِهِ فَهُوَ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ بِخِلَافِ الْأَسَاسِ وَاللَّبَنِ.
فَإِذَا بَطَلَ الْبَيْعُ فِي الزَّرْعِ فَفِي بُطْلَانِهِ فِي الْأَرْضِ قَوْلَانِ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ أَبْطَلَهُ فِي الْأَرْضِ قَوْلًا وَاحِدًا لِلْجَهْلِ بِحِصَّةِ مَا قَابَلَ الزَّرْعَ الْمَجْهُولَ مِنَ الثَّمَنِ، وَهَذَا مِنَ اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا في تعليل تفريق الصفقة.

مسألة:

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِنْ كَانَ زَرْعًا يُجَزُّ مِرَارًا فَلِلْبَائِعِ جَزَةٌ وَاحِدَةٌ وَمَا بَقِيَ فَكَالْأَصْلِ ".

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الزَّرْعَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: - ضَرْبٌ يُجَزُّ مَرَّةً فَيَذْهَبُ أَصْلُهُ كَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ فَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِيهِ.
- وَضَرْبٌ يُجَزُّ مِرَارًا وَهُوَ بَاقِي الْأَصْلِ كَالْقَتِّ وَالْأُشْنَانِ وَأَنْوَاعٍ مِنَ الْبُقُولِ.
فَإِذَا بِيعَتْ أَرْضٌ فِيهَا مِنْهُ، كَانَ مَا ظَهَرَ مِنْ نَبَاتِهِ غَيْرَ دَاخِلٍ فِي الْبَيْعِ، وَكَانَ الْأَصْلُ الْبَاقِي تَبَعًا لِلْأَرْضِ كَالنَّخْلِ وَالشَّجَرِ وَهَلْ يُنْتَظَرُ بِمَا ظَهَرَ مِنْ نَبَاتِهِ تَنَاهِي جِزَازِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَنْتَظِرُ بِهِ تَنَاهِي الْجِزَازِ.
وَالثَّانِي: لَا يُنْتَظَرُ بِهِ بَلْ لَا حَقَّ لِلْبَائِعِ إِلَّا فِيمَا كَانَ ظَاهِرًا وَقْتَ الْعَقْدِ وَبِهِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَقَدْ مَضَى تَوْجِيهُهُمَا فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ النَّوْعُ مِنَ الزَّرْعِ بَذْرًا لَمْ يَظْهَرْ بَعْدُ فَمَنِ انْتَظَرَ فَمَا ظَهَرَ مِنْهُ تَنَاهِي الْجِزَازِ جَعَلَ مَا ثَبَتَ مِنْ هَذَا الْبَذْرِ أَوَّلَ جَزِّةٍ لِلْبَائِعِ وَمَنْ لَمْ يَنْتَظِرْ بِهِ التَّنَاهِي وَجَعَلَ حَقَّ الْبَائِعِ مَقْصُورًا عَلَى مَا ظَهَرَ جَعَلَ الْبَذْرَ وَجَمِيعَ مَا يَظْهَرُ مِنْ نَبَاتِهِ لِلْمُشْتَرِي.

فَصْلٌ:

فَأَمَّا الْبِطِّيخُ وَالْخِيَارُ وَالْقِثَّاءُ وَمَا تُؤْخَذُ ثَمَرَتُهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى لَكِنْ فِي عَامٍ وَاحِدٍ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي حُكْمِهِ إِذَا بِيعَتِ الْأَرْضُ وَهُوَ فِيهَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ الْبَغْدَادِيِّينَ أَنَّهُ يَكُونُ فِي حُكْمِ الشَّجَرِ فَيَكُونُ لِلْبَائِعِ مِنْ ثَمَرَتِهِ مَا قَدْ ظَهَرَ، وَلِلْمُشْتَرِي الْأَصْلُ الْبَاقِي وَمَا يَظْهَرُ لِأَنَّ ثَمَرَتَهُ لَا تُوجَدُ دُفْعَةً فَصَارَ بِالشَّجَرِ أَشْبَهُ.
وَالْوَجْهِ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّهُ يَكُونُ فِي حُكْمِ الزَّرْعِ فَيَكُونُ لِلْبَائِعِ أَصْلُهُ وَثَمَرُهُ، لِأَنَّهُ زَرْعُ عَامٍ واحد ولو تَفَرَّقَ لُقَاطُ ثَمَرِهِ، وَالشَّجَرُ مَا بَقِيَ أَعْوَامًا فَأُلْحِقَ بِهِ فِي الْحُكْمِ مَا بَقِيَ أَعْوَامًا كَالْعَلَفِ وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِ مَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا عَامًا وَاحِدًا كَالزَّرْعِ.
فَصْلٌ: فَأَمَّا الْمَوْزُ فَأَصْلُهُ لَا يُحْمَلُ إِلَّا سَنَةً وَاحِدَةً ثُمَّ يَمُوتُ بَعْدَ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مَكَانَهُ فَرْخًا يَحْمِلُ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْأَصْلُ الْمَوْجُودُ وَقْتَ الْعَقْدِ لَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ كَالزَّرْعِ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى بَعْدَ سَنَتِهِ، وَالْفَرْخُ الَّذِي يُسْتَخْلَفُ كَالشَّجَرِ يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ.

مَسْأَلَةٌ:

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِنْ كَانَ فِيهَا حَبٌّ قَدْ بَذَرَهُ فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إِنْ أَحَبَّ نَقْضَ الْبَيْعِ أَوْ تَرْكَ الْبَذْرِ حَتَّى يَبْلُغَ فَيُحْصَدَ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ.
إِذَا ابْتَاعَ أَرْضًا فِيهَا بَذْرٌ لِزَرْعٍ لَا يَبْقَى لَهُ بَعْدَ حَصَادِهِ أَصِلٌ كَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ، فَالْبَذْرُ لِلْبَائِعِ خَارِجٌ مِنَ الْعَقْدِ لِأَنَّهُ مُسْتَوْدَعٌ فِي الْأَرْضِ لِتَكَامُلِ الْمَنْفَعَةِ لَا لِلِاسْتِدَامَةِ، فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي عَالِمًا بِهِ فَلَا خِيَارَ لَهُ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ فَهُوَ بِالْخِيَارِ فَإِنْ أَقَامَ كَانَ الْبَذْرُ مَقَرًّا فِي الْأَرْضِ إِلَى وَقْتِ حَصَادِهِ كَمَا قُلْنَا فِي الزَّرْعِ فَإِنْ قِيلَ فَهَلَّا كَانَ بَيْعُ الْأَرْضِ الْمَبْذُورَةِ أَوِ الْمَزْرُوعَةِ بَاطِلًا فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ كَالْأَرْضِ الْمُسْتَأْجَرَةِ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْمَبِيعِ فِي الْحَالَيْنِ مُسْتَحَقَّةٌ.

قِيلَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْأَرْضَ الْمَشْغُولَةَ بِزَرْعِ الْبَائِعِ مَقْدُورٌ عَلَى تَسْلِيمِهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهَا لِغَيْرِهِ يَدٌ مَانِعَةٌ فَصَحَّ بَيْعُهَا قَوْلًا وَاحِدًا وَالْأَرْضُ الْمُسْتَأْجَرَةُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهَا؛ لِأَنَّ عليها للمستأجر يد مَانِعَةً فَبَطَلَ بَيْعُهَا عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ.
فَلَوْ شُرِطَ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ دُخُولُ الْبَذْرِ، فَإِنْ كَانَ يَجْهَلُ حَالَ الْبَذْرِ فِي جِنْسِهِ وَصِفَتِهِ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ عَلِمَهُ فَعَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ لِأَنَّهُ تَبَعٌ.
وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ فَعَلَى هَذَا إِذَا بَطَلَ الْبَيْعُ فِي الْبَذْرِ فَفِي بُطْلَانِهِ فِي الْأَرْضِ قَوْلَانِ مِنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ أَبْطَلَ الْبَيْعَ فِيهَا قَوْلًا وَاحِدًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

مَسْأَلَةٌ:

قَالَ الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِنْ كَانَتْ فِيهَا حِجَارَةٌ مُسْتَوْدَعَةٌ فَعَلَى الْبَائِعِ نَقْلُهَا وَتَسْوِيَةُ الْأَرْضِ عَلَى حَالِهَا لَا يَتْرُكُهَا حُفَرًا وَلَوْ كَانَ غَرَسَ عَلَيْهَا شَجَرًا فَإِنْ كَانَتْ تُضِرُّ بِعُرُوقِ الشَّجَرِ فَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ وَإِنْ كَانَتْ لَا تُضِرُّ بِهَا وَيَضُرُّهَا إِذَا أَرَادَ قَلْعَهَا قِيلَ لِلْبَائِعِ أَنْتَ بِالْخِيَارِ إِنْ سَلَّمْتَهَا فَالْبَيْعُ جَائِزٌ وَإِنْ أَبَيْتَ قِيلَ لِلْمُشْتَرِي أَنْتَ بِالْخِيَارِ فِي الرَّدِ أَوْ يَقْلَعُهُ وَيَكُونَ عَلَيْهِ قِيمَةُ مَا أَفْسَدَ عَلَيْكَ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا ابْتَاعَ أَرْضًا فَظَهَرَتْ فِيهَا حِجَارَةٌ لَمْ يَخْلُ حَالُهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ مَخْلُوقَةً فِي الْأَرْضِ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ مَبْنِيَّةً فِيهَا.
وَالثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ مُسْتَوْدَعَةً فِيهَا.
فَإِنْ كَانَتِ الْحِجَارَةُ مَخْلُوقَةً فِي الْأَرْضِ فَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي الْبَيْعِ كَمَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ قَرَارُ الْأَرْضِ وَطِينُهَا، ثُمَّ لَا يخلو حالها إذا كانت مخلوقة من ثلاثة أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ الْحِجَارَةُ مُضِرَّةً بِالْأَرْضِ فِي الْغَرْسِ وَالزَّرْعِ جَمِيعًا فَهَذَا عَيْبٌ يَسْتَحِقُّ الْمُشْتَرِي بِهِ خِيَارَ الْفَسْخِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ مَبِيعَةً لِغَيْرِ الْغِرَاسِ وَالزَّرْعِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ تَكُونَ الْحِجَارَةُ غَيْرَ مُضِرَّةٍ بِالْغِرَاسِ وَلَا بِالزَّرْعِ لِبُعْدِ مَا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ وَجْهِ الْأَرْضِ بِحَيْثُ لَا يَصِلُ إِلَيْهَا عِرْقُ زَرْعٍ وَلَا غَرْسٍ فَلَيْسَ هَذَا بِعَيْبٍ وَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ تَكُونَ الْحِجَارَةُ مُضِرَّةً بِالْغِرَاسِ لِوُصُولِ عُرُوقِهِ إِلَيْهَا وَغَيْرَ مُضِرَّةٍ بِالزَّرْعِ لِبُعْدِ عُرُوقِهِ مِنْهَا فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ عَيْبًا يُوجِبُ الْخِيَارَ لِلْمُشْتَرِي عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ عَيْبٌ لِأَنَّهُ قَدْ مَنَعَ بَعْضَ منافعها.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَيْبٍ وَلَا خِيَارَ فِيهِ لِأَنَّ الْأَرْضَ إِذَا كَانَتْ تَصْلُحُ لِلْغَرْسِ دُونَ الزَّرْعِ أَوْ تَصْلُحُ لِلزَّرْعِ دُونَ الْغَرْسِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَيْبًا لِكَمَالِ الْمَنْفَعَةِ بِأَحَدِهِمَا، كَذَلِكَ مَا وُجِدَ فِيهَا مَانِعًا مِنَ الْغَرْسِ دُونَ الزَّرْعِ لَمْ يَكُنْ عَيْبًا وَلَا خِيَارَ.
وَالْأَصَحُّ عِنْدِي أَنْ يَنْظُرَ فِي أَرْضِ تِلْكَ النَّاحِيَةِ فَإِنْ كَانَتْ مُرْصَدَةً لِلزَّرْعِ أَوْ بَعْضُهَا لِلْغَرْسِ وَبَعْضُهَا لِلزَّرْعِ فَلَيْسَ هَذَا عَيْبًا وَلَا خِيَارَ فِيهِ.
وَإِنْ كَانَتْ مُرْصَدَةً لِلْغَرْسِ فَهَذَا عَيْبٌ وَفِيهِ الْخِيَارُ لِأَنَّ الْعُرْفَ الْمُعْتَادَ يَجْرِي فِي الْعُقُودِ مَجْرَى الشَّرْطِ وَلَعَلَّ اخْتِلَافَ الْوَجْهَيْنِ مَحْمُولٌ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ فَلَا يَكُونُ فِي الْجَوَابِ اخْتِلَافٌ، لَكِنْ ذَكَرْتُ مَا حَكَى وَبَيَّنْتُ مَا اقتضته الدلالة عندي.

فَصْلٌ:

فَإِنْ كَانَتِ الْحِجَارَةُ مَبْنِيَّةً فِي الْأَرْضِ فَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي الْبَيْعِ لِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِلِاسْتِدَامَةِ كَالْبِنَاءِ الظَّاهِرِ، وَغَالِبُ الْحَالِ فِيمَا بُنِيَ فِي الْأَرْضِ مِنْ حَجَرٍ أَنَّهُ غَيْرُ مُضِرٍّ بِغَرْسٍ وَلَا زَرْعٍ لِأَنَّ الْعُرْفَ جَارٍ بِبُنْيَانِهِ فِي مُسِنَّاتِ الْأَرْضِ وَمَشَارِبِهَا وَمَجَارِي مِيَاهِهَا، فَإِنْ كَانَتْ كَذَلِكَ فَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي فِيهَا لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ غَيْرُ مُضِرَّةٍ، فَإِنْ كَانَتِ الْحِجَارَةُ مَبْنِيَّةً بِخِلَافِ الْعُرْفِ فِي مَوْضِعٍ مُضِرٍّ بِالْغَرْسِ وَالزَّرْعِ فَلِلْمُشْتَرِي خِيَارُ الْفَسْخِ عَلَى مَا مَضَى إِلَّا أَنْ يَسْهُلَ قَلْعُهَا لِقِصَرِ الْمُدَّةِ وَقِلَّةِ الْمُؤْنَةِ فَلَا خِيَارَ.

فَصْلٌ:

وَإِنْ كَانَتِ الْحِجَارَةُ مُسْتَوْدَعَةً فِي الْأَرْضِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ فَهِيَ غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي الْبَيْعِ لِأَنَّ مَا أُودِعَ فِي الْأَرْضِ لِلْحِرْزِ وَلَمْ يُوضَعْ لِلِاسْتِدَامَةِ وَالتَّأْبِيدِ فَهُوَ كَالْكَنْزِ الْمَدْفُونِ يَكُونُ لِلْبَائِعِ وَلَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُ حَالُ الْحِجَارَةِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ تَرْكُهَا غَيْرَ مُضِرٍّ وَقَلْعُهَا غَيْرَ مُضِرٍّ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ تَرْكُهَا مُضِرًّا وَقَلْعُهَا مُضِرًّا.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ تَرْكُهَا غَيْرَ مُضِرٍّ وَقَلْعُهَا مُضِرًّا.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ قَلْعُهَا غَيْرَ مُضِرٍّ وَتَرَكُهَا مُضِرًّا.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ تَرْكُهَا غَيْرَ مُضِرٍّ لِبُعْدِهَا مِنْ عُرُوقِ الْغِرَاسِ وَالزَّرْعِ، وَقَلْعُهَا غَيْرَ مُضِرٍّ بِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ فِي الْأَرْضِ غِرَاسٌ وَلَا زَرْعٌ فَالْبَيْعُ لَازِمٌ وَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي لِارْتِفَاعِ الضَّرَرِ، وَعَلَى الْبَائِعِ قَلْعُ حِجَارَتِهِ فَإِنْ سَمَحَ بِهَا لِلْمُشْتَرِي لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهَا لِأَنَّهَا هِبَةٌ مَحْضَةٌ وَيُؤْخَذُ الْبَائِعُ بِقَلْعِهَا، فَإِذَا قَلَعَهَا، فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي عَالِمًا بِالْحِجَارَةِ فَلَا أُجْرَةَ لَهُ عَلَى الْبَائِعِ فِي مُدَّةِ الْقَلْعِ لِأَنَّ عِلْمَهُ بِهَا يَجْعَلُ زَمَانَ قَلْعِهَا مُسْتَثْنًى كَمَا نُقِرُّ ثَمَرَةَ الْبَائِعِ عَلَى نَخْلِ الْمُشْتَرِي بِغَيْرِ أُجْرَةٍ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِهَا يَجْعَلُ زَمَانَ بَقَائِهَا مُسْتَثْنًى.

وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي غَيْرَ عَالِمٍ بِالْحِجَارَةِ اعْتُبِرَ زَمَانُ الْقَلْعِ فَإِنْ كَانَ يَسِيرًا لَا يَكُونُ لِمِثْلِهِ أُجْرَةٌ كَيَوْمٍ أَوْ بَعْضِهِ فَلَا أُجْرَةَ عَلَى الْبَائِعِ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا يَكُونُ لِمِثْلِهِ أُجْرَةٌ نُظِرَ فِيهِ.
فَإِنْ كَانَ بَعْدَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي وَجَبَ عَلَى الْبَائِعِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِتَفْوِيتِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي مَنْفَعَةَ تِلْكَ الْمُدَّةِ وَوَجَبَ عَلَيْهِ أَيْضًا تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ وَإِصْلَاحُ حُفَرِهَا بِقَلْعِ الْحِجَارَةِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي فَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ الْأُجْرَةُ أَمْ لَا عَلَى وجهين.
أحدها: تَجِبُ عَلَيْهِ الْأُجْرَةُ لِتَفْوِيتِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي مَا مَلَكَهُ مِنَ الْمَنْفَعَةِ كَمَا لَوْ كَانَ بَعْدَ القبض.
والثاني: وَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا لَا أُجْرَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْأَرْضِ قَبْلَ الْقَبْضِ مُفَوَّتَةٌ عَلَى الْمُشْتَرِي بِيَدِ الْبَائِعِ عَلَى الْأَرْضِ.
فَأَمَّا تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ وَإِصْلَاحُ حُفَرِهَا فَلَا تَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ وَجْهًا وَاحِدًا، لَكِنْ يَجِبُ بِذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي خِيَارُ الْفَسْخِ لِأَنَّهُ عَيْبٌ وَنَقْصٌ كَمَا لَوِ اشْتَرَى عَبْدًا فَقَطَعَ الْبَائِعُ يَدَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ لَمْ يَجِبْ لِلْمُشْتَرِي أَرْشٌ لَكِنْ يَسْتَحِقُّ بِهِ خِيَارَ الْفَسْخِ لِأَنَّهُ عَيْبٌ وَنَقْصٌ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْقَبْضِ لَزِمَتْهُ تَسْوِيَةُ الْحُفَرِ وَجْهًا وَاحِدًا وَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي كَمَا لَوِ اشْتَرَى عَبْدًا وَقَبَضَهُ فقطع البائع يده فليس الْأَرْشُ وَجْهًا وَاحِدًا وَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي لِحُدُوثِ النَّقْصِ فَهَذَا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ.

فَصْلٌ:

وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ تَرْكُهَا مُضِرًّا لِقُرْبِهَا مِنْ عُرُوقِ الْغِرَاسِ وَالزَّرْعِ وَقَلْعُهَا مُضِرًّا لِمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ غِرَاسٍ وَزَرْعٍ فَلَا يَخْلُو حال المشتري من ثلاثة أَحْوَالٍ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْحِجَارَةِ وَبِضَرَرِهَا، أَوْ غَيْرَ عَالِمٍ بِالْحِجَارَةِ وَلَا بِضَرَرِهَا أَوْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْحِجَارَةِ غَيْرَ عَالِمٍ بِضَرَرِهَا.
فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِالْحِجَارَةِ وَبِضَرَرِهَا فَلَا خِيَارَ لَهُ فِي الْفَسْخِ وَلَا أُجْرَةَ لَهُ فِي الْقَلْعِ، لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالْمَعِيبِ يَمْنَعُ مِنَ الْخِيَارِ وَالْعِلْمَ بِالْحِجَارَةِ يَمْنَعُ مِنَ اسْتِحْقَاقِ الْأُجْرَةِ.
وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ بِالْحِجَارَةِ وَبِضَرَرِهَا فَلَهُ الْخِيَارُ فِي الْفَسْخِ لِأَجْلِ مَا يَلْحَقُهُ مِنَ الضَّرَرِ وَالنَّقْصِ، فَإِنْ فَسَخَ رَجَعَ بِالثَّمَنِ، وَإِنْ أَقَامَ كَانَتِ الْأُجْرَةُ مُسْتَحِقَّةً عَلَى مَا مَضَى وَهُوَ أَنْ يَنْظُرَ فِي الزَّمَانِ فَإِنْ كَانَ يَسِيرًا فَلَا أُجْرَةَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْقَبْضِ اسْتَحَقَّ الْأُجْرَةَ وَتَسْوِيَةَ الْأَرْضِ.
وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ فَفِي اسْتِحْقَاقِ الْأُجْرَةِ وَجْهَانِ وَلَا يَلْزَمُهُ تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ.
وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي عَالِمًا بِالْحِجَارَةِ غَيْرَ عَالِمٍ بِضَرَرِهَا اسْتَحَقَّ الْخِيَارَ فِي الْفَسْخِ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِالضَّرَرِ وَلَا يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ إِنْ أَقَامَ لِعِلْمِهِ بِالْحِجَارَةِ، وَأَنَّ الْعِلْمَ بِهَا يَجْعَلُ زَمَانَ قَلْعِهَا مُسْتَثْنًى.

وَعَلَى جَمِيعِ الْأَحْوَالِ لَيْسَ لِلْبَائِعِ إِقْرَارُ الْحِجَارَةِ فِي الْأَرْضِ إِنْ أَقَامَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَيْعِ فَهَذَا الْقِسْمُ الثَّانِي.

فَصْلٌ:

وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ تَرْكُهَا غَيْرَ مُضِرٍّ لِبُعْدِهَا مِنْ عُرُوقِ الْغَرْسِ وَالزَّرْعِ، وَقَلْعُهَا مُضِرٌ لِمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ غِرَاسٍ وَزَرْعٍ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ فَلَا يَخْلُو حَالُ الْمُشْتَرِي مِنْ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْحَالِ أَوْ غَيْرَ عَالِمٍ.
فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِالْحَالِ فَلِلْبَائِعِ قَلْعُ حِجَارَتِهِ وَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي وَلَا أُجْرَةَ لِأَجْلِ عِلْمِهِ، فَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ غَرَسَ عَلَيْهَا، أَوْ زَرَعَ كَانَ لِلْبَائِعِ قَطْعُ غَرْسِهِ وَزَرْعِهِ لِيَصِلَ إِلَى قَلْعِ حِجَارَتِهِ.
وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي غَيْرَ عَالِمٍ بِالْحَالِ قِيلَ لِلْبَائِعِ تَسْمَحُ بِتَرْكِ الْحِجَارَةِ فَإِنْ سَمَحَ بِهَا لَزِمَ الْبَيْعُ وَسَقَطَ خِيَارُ الْمُشْتَرِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ قَبُولِهِمَا لِيَثْبُتَ لَهُ الْفَسْخُ.
فَإِنْ قِيلَ فَهَذِهِ هِبَةٌ وَالْهِبَةُ لَا يَلْزَمُ قَبُولُهَا.
قِيلَ لَيْسَ الْمَقْصُودُ بِتَرْكِهَا الْهِبَةَ حَتَّى لَا يَلْزَمَ قَبُولُهَا وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ بِتَرْكِهَا إِسْقَاطُ الضَّرَرِ عَلَى الْمُشْتَرِي فِيمَا يَلْحَقُهُ بِالْقَلْعِ فَخَرَجَ عَنْ مَعْنَى الْهِبَةِ وَسَقَطَتْ فِيهِ الْمُكَافَأَةُ وَالْمِنَّةُ ثُمَّ لَيْسَ لِلْبَائِعِ إِذَا سَمَحَ بِهَا أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا سَوَاءٌ وَجَدَ من المشتري القبول أم لَا؛ لِأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الْإِبْرَاءِ الَّذِي لَا يَجُوزُ فِيهِ الرُّجُوعُ وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْقَبُولَ.
وَإِنْ قَالَ الْبَائِعُ أُرِيدُ قَلْعَهَا وَلَسْتُ أَسْمَحُ بِهَا.
قِيلَ لِلْمُشْتَرِي هَذَا عَيْبٌ تَسْتَحِقُّ بِهِ الخيار فإن فسخ رجع بالثمن، وإن أقام لَمْ يَخْلُ حَالُ الْأَرْضِ الَّتِي يَضُرُّ بِهَا قَلْعُ الْحِجَارَةِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِيهَا غَرْسٌ مُتَقَدَّمٌ قَدْ دَخَلَ فِي الْبَيْعِ، أَوْ يَكُونُ فِيهَا غَرْسٌ قَدِ اسْتَحْدَثَهُ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الْبَيْعِ، أَوْ يَكُونُ فِيهَا زَرْعٌ.
فَإِنْ كَانَ فِيهَا غَرْسٌ مُتَقَدَّمٌ قَبْلَ الْبَيْعِ يَضُرُّ بِهِ قَلْعُ الْحِجَارَةِ.
فَلِلْبَائِعِ قَلْعُ حِجَارَتِهِ وَيَنْظُرُ فَإِنْ قَلَعَهَا بَعْدَ الْقَبْضِ فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ مِثْلِ الْمُدَّةِ وَإِنْ طَالَتْ، وَأَرْشُ مَا نَقَصَ الْغَرْسُ بِالْقَلْعِ وَتَسْوِيَةِ الْأَرْضِ.
وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ لَمْ يَلْزَمْهُ أَرْشُ نَقْصِ الْغَرْسِ، وَلَا تَسْوِيَةِ الْأَرْضِ وَهَلْ يَلْزَمُهُ الْأُجْرَةُ أَمْ لَا عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ كَانَ الْغَرْسُ قَدِ اسْتَحْدَثَهُ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الْبَيْعِ فَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ فَنُلْزِمُهُ الْأُجْرَةَ وَنَقْصَ الْغَرْسِ وَتَسْوِيَةَ الْأَرْضِ وَلَا يَلْزَمُ الْبَائِعُ تَرْكَ حِجَارَتِهِ إِلَى مُضِيِّ مُدَّةِ الْغِرَاسِ.
وَإِنْ كَانَ فِيهَا زَرْعٌ فَزَرْعُ الْمُشْتَرِي يَكُونُ بَعْدَ قَبْضِ الْأَرْضِ وَعَلَى الْبَائِعِ تَرْكُ حِجَارَتِهِ إِلَى مُضِيِّ الزَّرْعِ؛ لِأَنَّهُ زَرْعٌ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ فَلَا يُقْلَعُ زَرْعُهُ قبل حصاده.

وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغَرْسِ أَنَّ الْغَرْسَ مَوْضُوعٌ لِلِاسْتِدَامَةِ وَلَيْسَ لِمُدَّتِهِ حَدٌّ وَغَايَةٌ، وَالزَّرْعُ مَوْضُوعٌ للأخذ ولمدته غاية وحد، فَإِذَا حَصَدَ الْمُشْتَرِي زَرْعَهُ قَلَعَ الْبَائِعُ حِينَئِذٍ حِجَارَتَهُ وَلَزِمَتْهُ الْأُجْرَةُ وَتَسْوِيَةُ الْأَرْضِ فَهَذَا الْقِسْمُ الثَّالِثُ.

فَصْلٌ:

وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ تَرْكُهَا مُضِرًّا لِقُرْبِهَا مِنْ عُرُوقِ الْغِرَاسِ وَالزَّرْعِ وَقَلْعُهَا غَيْرَ مُضِرٍّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهَا غِرَاسٌ وَلَا زَرْعٌ فَالْبَائِعِ فِي هَذَا مَجْبُورٌ عَلَى قَلْعِ الْحِجَارَةِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنِ الْمُشْتَرِي وَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي لِأَنَّ الْبَائِعَ مَأْخُوذٌ بِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُ، ثُمَّ الْقَوْلُ فِي الْأُجْرَةِ وَتَسْوِيَةِ الْأَرْضِ عَلَى مَا مَضَى إِنْ كَانَ بَعْدَ الْقَبْضِ لَزِمَتْهُ الْأُجْرَةُ وَتَسْوِيَةُ الْأَرْضِ وَفِي الْأُجْرَةِ وَجْهَانِ: وَإِنْ كَانَ تَرْكُ الْحِجَارَةِ مُضِرًّا بِالْغِرَاسِ دُونَ الزَّرْعِ لَزِمَ الْبَائِعَ قَلْعُهَا وَجْهًا وَاحِدًا بِخِلَافِ الْحِجَارَةِ الْمَخْلُوقَةِ لِأَنَّ الْحِجَارَةَ الْمُسْتَوْدَعَةَ تَدْلِيسٌ مِنَ الْبَائِعِ يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ، وَالْمَخْلُوقَةُ بِخِلَافِهِ.
وَاللَّهُ أعلم.

بَابٌ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صلاحه

مَسْأَلَةٌ:

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: " أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تَزْهي قِيلَ يا رسول الله وما تزهي؟ قال: " حتى تحمر ". وروى عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ابن عمر " حتى يبدو صلاحها " وروى غيره " حتى تنجو من العاهة " (قال) فبهذا نأخذ وفي قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " إذا منع الله جل وعز الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه؟ " دلالة على أنه إنما نهى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عن بيع الثمرة التي تترك حتى تبلغ غاية إبانها لا أنه نهى عما يقطع منها وذلك أن ما يقطع منها لا آفة تأتي عليه تمنعه إنما يمنع ما يترك مدة يكون في مثلها الآفة كالبلح وكل ما دون البُسر يحل بيعه على أن يقطع مكانه ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا فِي الْبَابِ الْمَاضِي الْحُكْمَ فِي بَيْعِ النَّخْلِ دُونَ الثَّمَرَةِ، وَفَى بَيْعِ الثَّمَرَةِ مَعَ النَّخْلِ وَهَذَا الْبَابُ مَقْصُورٌ عَلَى بَيْعِ الثَّمَرَةِ دُونَ النَّخْلِ وَلَا يَخْلُو حَالُ الثَّمَرَةِ الْمَبِيعَةِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ تَكُونَ بَادِيَةَ الصَّلَاحِ، أَوْ غَيْرَ بَادِيَةِ الصَّلَاحِ.
فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ بَادِيَةِ الصَّلَاحِ فَلَا يَخْلُو حَالُ بَيْعِهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تُبَاعَ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ.
وَالثَّانِي: أَنْ تُبَاعَ بِشَرْطِ الْقَطْعِ.
الثَّالِثُ: أَنْ تُبَاعَ بَيْعًا مُطْلَقًا.
فَأَمَّا الْقَسَمُ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنْ تُبَاعَ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ وَالتَّرْكِ فَبَيْعُهَا بَاطِلٌ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تَزْهي، قِيلَ وَمَا تُزْهِي قَالَ حَتَى تَحْمَرَّ ". وَرَوَى سَعِيدٌ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: " نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنْ تُبَاعَ ثَمَرَةٌ حَتَى تُشْقِحَ، قِيلَ وَمَا تُشْقِحُ، قَالَ تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ وَيُؤْكَلُ مِنْهَا ".

وَرَوَى نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا ". وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " نَهَى عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يُحْرَزَ مِنْ كُلِّ عَارِضٍ " وَرَوَى حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " نهى عن بيع الثمار حتى تنجو من الْعَاهَةِ ". وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ " فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَحَادِيثَ تَمْنَعُ مِنْ بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ وَأَلَفَاظُهَا وَإِنْ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً فَمَعَانِيهَا مُتَّفِقَةٌ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ الْمُخْتَلِفَةَ فِي أَزْمَانٍ مُخْتَلِفَةٍ فَنَقَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الرُّوَاةِ مَا سَمِعَهُ مِنْ لَفْظِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ أَحَدَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فَنَقَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الرُّوَاةِ الْمَعْنَى وَعَبَّرَ عَنْهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ اللَّفْظِ فَكَانَ اخْتِلَافُ الْأَلْفَاظِ مِنْ جِهَةِ الرُّوَاةِ، وَيَجُوزُ عِنْدَنَا مِثْلُ هَذَا أَنْ يُعَبِّرَ الرَّاوِي عَنِ الْمَعْنَى بِغَيْرِ اللَّفْظِ الْمَسْمُوعِ إِذَا كَانَ الْمَعْنَى جَلِيًّا.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ تُبَاعَ بِشَرْطِ الْقَطْعِ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ لِأَنَّهُ لَا مَنْعَ مِنْ بَيْعِهَا لِأَنْ تَنْجُوَ مِنَ الْعَاهَةِ، وَأَنْ لَا تَعْطَبَ فَيَأْخُذُ الرَّجُلُ مِلْكَ أَخِيهِ.
وَكَانَ اشْتِرَاطُ قَطْعِهَا يُؤْمَنُ مَعَهُ عَطَبُهَا وَحُدُوثُ الْعَاهَةِ بِهَا صَحَّ الْبَيْعُ.
فَلَوْ سَمَحَ الْبَائِعُ بَعْدَ اشْتِرَاطِ الْقَطْعِ عَلَى الْمُشْتَرِي بِتَرْكِ الثَّمَرَةِ إِلَى بُدُوِّ الصَّلَاحِ جَازَ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ وَلَوْ طَالَبَهُ بِالْقَطْعِ لَزِمَهُ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ تُبَاعَ بَيْعًا مُطْلَقًا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّبْقِيَةُ وَالتَّرْكُ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَطْعُ.
فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ.
وَقَالَ أبو حنيفة الْبَيْعُ جَائِزٌ وَيُؤْخَذُ الْمُشْتَرِي بِقَطْعِهَا فِي الْحَالِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ إِطْلَاقَ الْعَقْدِ يَقْتَضِي تَعْجِيلَ الْقَطْعِ لِأَنَّ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ تَسْلِيمَ الْمَبِيعِ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرِ وَالتَّسْلِيمُ لَا يَتِمُّ بِالْقَطْعِ، وَإِذَا كَانَ إِطْلَاقُ الْعَقْدِ فِيهَا يَقْتَضِي تَعْجِيلَ قَطْعِهَا ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُمَا لَوْ شَرَطَ تَعْجِيلَ الْقَطْعِ صَحَّ الْعَقْدُ، وَكَذَا مَعَ إِطْلَاقِ الْعَقْدِ الْمُقْتَضِي تَعْجِيلَ القطع.

قَالَ وَلِأَنَّ الْعَقْدَ إِذَا أَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى وَجْهٍ يَصِحُّ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى وَجْهِ الْفَسَادِ فَوَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ إِطْلَاقُ الْعَقْدِ عَلَى الْقَطْعِ لِيَصِحَّ وَلَا يُحْمَلُ عَلَى التَّبْقِيَةِ لِيَفْسُدَ.
وَلِأَنَّهَا ثَمَرَةٌ لَمْ يُشْتَرَطْ تَرْكُهَا فَجَازَ بَيْعُهَا كَالْمَشْرُوطِ قَطْعُهَا؛ وَلِأَنَّ كُلَّ ثَمَرَةٍ جَازَ بَيْعُهَا بِشَرْطِ الْقَطْعِ جَازَ بَيْعُهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ كَالْبَادِيَةِ الصَّلَاحِ.
وَدَلِيلُنَا: مَا رَوَيْنَاهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْخَمْسَةِ بِاخْتِلَافِ أَلْفَاظِهَا وَاتِّفَاقِ مَعَانِيهَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا فَكَانَ الِاسْتِدْلَالُ بِهَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ النَّهْيَ تَوَجَّهَ إِلَى الْمَعْهُودِ مِنَ الْبَيْعَاتِ، وَالْمَعْهُودُ مِنَ الْبَيْعِ إِطْلَاقُ الْعَقْدِ دُونَ تَقَيُّدِهِ بِالشَّرْطِ فَصَارَ النَّهْيُ بِالْعُرْفِ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْبَيْعِ الْمُطْلَقِ دُونَ الْمُقَيِّدِ.
وَالِاسْتِدْلَالُ الثَّانِي أَنَّ النَّهْيَ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَى بَيْعِهَا بِشَرْطِ الْقَطْعِ أَوْ عَلَى شَرْطِ التَّرْكِ أَوْ عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى شَرْطِ الْقَطْعِ لِجَوَازِهِ إِجْمَاعًا، وَلَا عَلَى شَرْطِ التَّرْكِ لِأَنَّ النَّهْيَ وَرَدَ مُطْلَقًا، فَثَبَتَ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْبَيْعِ الْمُطْلَقِ.
وَلِأَنَّ إِطْلَاقَ الْعَقْدِ يَقْتَضِي التَّبْقِيَةَ وَالتَّرْكَ لِأَنَّ الْعُرْفَ فِي الْقَبْضِ يَجْرِي مَجْرَى الشَّرْطِ، وَالْعُرْفَ فِي الثِّمَارِ أَنْ تُؤْخَذَ وَقْتَ الْجِدَادِ فَصَارَ الْمُطْلَقُ كَالْمَشْرُوطِ تَرْكُهُ ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّ اشْتِرَاطَ تَرْكِهَا مُبْطِلٌ لِلْبَيْعِ فَكَذَا إِطْلَاقُ عَقْدِهَا الَّذِي يَجْرِي بِالْعُرْفِ مَجْرَى اشْتِرَاطِ تَرْكِهَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُبْطِلًا لِلْبَيْعِ.
وَلِأَنَّهَا ثَمَرَةٌ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا فَوَجَبَ أَنْ يَصِحَّ إِفْرَادُ بَيْعِهَا مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ قَطْعِهَا قِيَاسًا عَلَى بَيْعِهَا بِشَرْطِ التَّرْكِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرُوهُ فِي أَنَّ إِطْلَاقَ عَقْدِهَا يَقْتَضِي تَعْجِيلَ قطعها فهو أنها دعوى تخالف فِيهَا وَلَيْسَ التَّسْلِيمُ بِالْقَطْعِ وَالتَّحْوِيلِ وَإِنَّمَا هُوَ بِرَفْعِ الْيَدِ وَالتَّمْكِينِ.
وَأَمَّا حَمْلُهُ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ وَإِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ إِطْلَاقُهُ ثُمَّ يَعْتَبِرُ حُكْمَهُ فِي الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ.
وَأَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى الْمَشْرُوطِ قَطْعُهُ فَلَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يَقْتَضِي التُّرْكَ فَبَطَلَ، وَالْمُشْتَرَطُ قَطْعُهُ لَا يَقْتَضِي التَّرْكَ فَصَحَّ.
وَأَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى مَا بَدَا صَلَاحُهُ فَلَا يَصِحُّ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَرْفَعُ النَّصَّ فَكَانَ مَطْرُوحًا.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَا بَدَا صَلَاحُهُ قَدْ نَجَا مِنَ الْعَاهَةِ وَجَازَ بَيْعُهُ بِشَرْطِ التَّرْكِ فَلِذَلِكَ جَازَ مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَا لَمْ يَبْدُ صلاحه.

فَصْلٌ:

فَأَمَّا إِذَا ابْتَاعَ ثَمَرَةً لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا وَهُوَ يَمْلِكُ نَخْلَهَا الَّتِي هِيَ عَلَيْهِ بَيْعٌ مُتَقَدَّمٌ أَوْ هِبَةٌ أَوْ وَصِيَّةٌ فَهَلْ يَلْزَمُ اشْتِرَاطُ الْقَطْعِ فِي ابْتِيَاعِهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُ وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهَا الْقَطْعُ فَسَدَ الْبَيْعُ لِأَنَّهَا ثَمَرَةٌ قَدْ أُفْرِدَتْ بِعَقْدِ الْبَيْعِ.
وَالْوَجْهِ الثَّانِي: أَنَّ اشْتِرَاطَ قَطْعِهَا لَا يَلْزَمُ لِأَنَّهَا تَصِيرُ تَبَعًا لِلنَّخْلِ فِي الْمِلْكِ كَمَا لَوِ اشْتَرَاهَا مَعَ النَّخْلِ فَهَذَا الْكَلَامُ فِيمَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ.

فَصْلٌ:

فَأَمَّا مَا بَدَا صَلَاحُهُ مِنَ الثِّمَارِ فَلَا يَخْلُو بَيْعُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُبَاعَ بِشَرْطِ القطع فيجوز بيعها إجماعا.
والقسم الثَّانِي: أَنْ يُبَاعَ بِشَرْطِ التَّرْكِ إِلَى وَقْتِ الْجِدَادِ فَيَجُوزُ بَيْعُهَا وَيَلْزَمُ تَرْكُهَا.
وَقَالَ أبو حنيفة: بَيْعُهَا بَاطِلٌ احْتِجَاجًا بِأَنَّهَا عَيْنٌ بِيعَتْ بِشَرْطِ تَأْخِيرِ الْقَبْضِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بَيْعُهَا بَاطِلٌ كَالْعُرُوضِ وَالْأَمْتِعَةِ.
وَلِأَنَّهَا ثَمَرَةٌ بِيعَتْ بِشَرْطِ الترك فوجب أن يكون بيعها باطل كَالثَّمَرَةِ الَّتِي لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا وَدَلِيلُنَا: نَهْيُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا فَجَعَلَ غَايَةَ النَّهْيِ بُدُوَّ الصَّلَاحِ، وَالْحُكْمُ بَعْدَ الْغَايَةِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُخَالِفًا لِمَا قَبْلَهَا، فَلَمَّا لَمْ يَجُزِ اشْتِرَاطُ التَّرْكِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ اقْتَضَى أَنْ يَكُونَ اشْتِرَاطُهُ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ.
وَلِأَنَّ الشَّرْطَ إِذَا كَانَ مُوَافِقًا لِلْعُرْفِ لَمْ يَقْدَحْ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْعُرْفَ فِي الثِّمَارِ تَرْكُهَا إِلَى وَقْتِ الْجِدَادِ وَهَذَا لَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ وَكَذَا مَا وَافَقَهُ مِنَ الشَّرْطِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّهُ مَبِيعُ شَرْطٍ فِيهِ تَأْخِيرُ الْقَبْضِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَبْضَ يَتَأَخَّرُ، لِأَنَّ الْقَبْضَ فِي الثِّمَارِ بِالتَّمْكِينِ مِنْهَا كَالْعَقَارِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْعُرْفُ فِي الثِّمَارِ تَأْخِيرُ قَبْضِهَا جَازَ اشْتِرَاطُهُ فِيهَا، وَلَمَّا لَمْ يَجُزِ الْعُرْفُ فِي الْعُرُوضِ بِتَأْخِيرِ قَبْضِهَا لَمْ يَجُزِ اشْتِرَاطُهُ فِيهَا.
وَأَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى مَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ فَلَا يَصِحُّ لِأَنَّ السُّنَّةَ قَدْ فَرَّقَتْ بَيْنَهُمَا فِي الْجَوَازِ وَالْمَنْعِ فَهَذَا حُكْمُ الْقِسْمِ الثَّانِي.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: فَهُوَ أَنْ يَبِيعَهَا مُطْلَقًا فَالْبَيْعُ جَائِزٌ وَلِلْمُشْتَرِي تَرَكُهَا إِلَى وَقْتِ الْجِدَادِ.
وَقَالَ أبو حنيفة بَيْعُهَا جَائِزٌ وَعَلَى الْمُشْتَرِي قَطْعُهَا فِي الْحَالِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ إِطْلَاقَ الْعَقْدِ يَقْتَضِي الْقَطْعَ، وَإِطْلَاقُهُ عِنْدَنَا يَقْتَضِي التَّرْكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

مَسْأَلَةٌ:

قَالَ الشافعي رحمه الله تعالى: " وإذا أذن - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي بَيْعِهِ إِذَا صَارَ أَحْمَرَ أَوْ

أصفر فقد أذن فيه إذا بدا في النُّضْجُ وَاسْتُطِيعَ أَكْلُهُ خَارِجًا مِنْ أَنْ يَكُونَ كُلُّهُ بَلَحًا وَصَارَ عَامَّتُهُ فِي تِلْكِ الْحَالِ يَمْتَنِعُ فِي الظَّاهِرِ مِنَ الْعَاهَةِ لِغَلَظِ نَوَاتِهِ فِي عَامَّتِهِ وبُسره ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ بُدُوَّ الصَّلَاحِ شَرْطٌ فِي جَوَازِ الْبَيْعِ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ الْقَطْعِ وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي بُدُوِّ الصَّلَاحِ.
فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ بُدُوَّ الصَّلَاحِ فِي الثِّمَارِ بِطُلُوعِ الثُّرَيَّا.
وَحُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ بُدُوَّ الصَّلَاحِ بِأَنْ يُوجَدَ فِي الثَّمَرِ مَا يُؤْكَلُ.
وَحُكِيَ عَنِ النَّخَعِيِّ أَنَّ بُدُوَّ الصَّلَاحِ بِقُوَّةِ الثَّمَرَةِ وَاشْتِدَادِهَا.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ بُدُوَّ الصَّلَاحِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَجْنَاسِ، فَبَدُوَّ الصَّلَاحِ فِي النَّخْلِ بِالِاحْمِرَارِ وَالِاصْفِرَارِ، وَفِي الْكَرْمِ بِالتَّمَوُّهِ إِلَى الْحُمْرَةِ أَوِ السَّوَادِ اسْتِدْلَالًا بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ، قِيلَ وَمَا تُزْهِي، قَالَ حَتَّى تَحْمَرَّ أَوْ تَصْفَرَّ.
فَأَمَّا اعْتِبَارُهُ بِطُلُوعِ الثُّرَيَّا فَلَا يَصِحُّ لِأَنَّ مِنَ الْبِلَادِ مَا يَتَعَجَّلُ طُلُوعَ الثُّرَيَّا فِيهِ وَيَتَأَخَّرُ صَلَاحُ ثَمَرِهِ، وَمِنْهَا مَا يَتَأَخَّرُ طُلُوعُ الثُّرَيَّا فِيهِ وَيَتَعَجَّلُ صَلَاحُ ثِمَارِهِ.
وَلِأَنَّ الْبَلَدَ الْوَاحِدَ قَدْ يَتَعَجَّلُ صَلَاحَ ثِمَارِهِ فِي عَامٍ لِاشْتِدَادِ الْحَرِّ وَدَوَامِهِ وَيَتَأَخَّرُ فِي عَامٍ آخَرَ لِاشْتِدَادِ الْبَرْدِ وَدَوَامِهِ، وَطُلُوعُ الثُّرَيَّا لَا يَخْتَلِفُ بِالْحَرِّ وَالْبَرْدِ.
وَأَمَّا مَنِ اعْتَبَرَهُ بِوُجُودِ مَا يُؤْكَلُ مِنْهُ فَلَا يَصِحُّ لِأَنَّ ثِمَارَ النَّخْلِ قَدْ تُؤْكَلُ طَلْعًا ثُمَّ تُؤْكَلُ بَلَحًا وَحَالًا، وَالْكَرْمُ قَدْ يُؤْكَلُ حِصْرِمًا وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ صَلَاحًا.
وَأَمَّا مَنِ اعْتَبَرَهُ بِالْقُوَّةِ وَالِاشْتِدَادِ فغالط لِأَنَّ قُوَّةَ الثِّمَارِ قَبْلَ صَلَاحِهَا فَإِذَا صَلَحَتْ لَانَتْ وَنَضِجَتْ.

فَصْلٌ:

فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ بُدُوَّ الصلاح بما ذكرنا فبدأ صلاح نخلة مِنْ حَائِطٍ كَانَ بُدُوُّ الصَّلَاحِ جَارِيًا عَلَى جَمِيعِ نَخْلِ الْحَائِطِ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ غَيْرِهِ مِنْ ثِمَارِ الْبَلَدِ الَّذِي لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا وَلَا بَيْعَ مَا فِي الْحَائِطِ مِنْ غَيْرِ ثمار النخل التي لم يبد صلاحها.
وقال مَالِكٌ: إِذَا بَدَا صَلَاحُ نَخْلَةٍ مِنْ حَائِطٍ جَازَ بَيْعُ ثِمَارِ الْبَلَدِ كُلِّهِ.
وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: إِذَا بَدَا صَلَاحُ جِنْسٍ فِي ثِمَارِ الْحَائِطِ جَازَ بَيْعُ جَمِيعِ أَجْنَاسِ الثِّمَارِ الَّتِي فِي الْحَائِطِ حَتَّى إِذَا بَدَا صَلَاحُ النَّخْلِ جَازَ بَيْعُ الْكَرْمِ وَالْفَوَاكِهِ.
وَاسْتَدَلَّ مَالِكٌ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ صَلَاحُ نَخْلَةٍ مِنْ حَائِطٍ كَصَلَاحِ جَمِيعِ الْحَائِطِ لِتَقَارُبِ بَعْضِهِ مِنْ بَعْضٍ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ صَلَاحُ نَخْلِ حَائِطٍ مِنْ بَلَدٍ كَصَلَاحِ جَمِيعِ نَخْلِ الْبَلَدِ لِتَقَارُبِ بَعْضِهِ مِنْ بَعْضٍ؛ لِأَنَّ الْهَوَاءَ لَيْسَ يَخْتَلِفُ فِيهِ وَاسْتَدَلَّ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ بِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُمَيَّزِ الْجِنْسَ الْوَاحِدَ فِي الصَّلَاحِ إِجْمَاعًا خَوْفًا مِنْ سُوءِ الْمُشَارَكَةِ وَاخْتِلَافِ الْأَيْدِي لَمْ تُمَيَّزِ الْأَجْنَاسُ الْمُخْتَلِفَةُ فِي الصَّلَاحِ حِجَاجًا وَخَوْفًا مِنْ سُوءِ الْمُشَارَكَةِ بِاخْتِلَافِ الْأَيْدِي.

وَالدَّلَالَةُ عَلَيْهِمَا مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تَنْجُوَ مِنَ الْعَاهَةِ وَالثَّمَرَةُ لَا تَنْجُو مِنَ الْعَاهَةِ بِصَلَاحِ غَيْرِهَا حَتَّى تَصْلُحَ هِيَ فِي نَفْسِهَا.
ثُمَّ يُقَالُ لِمَالِكٍ: إِنَّمَا جَازَ فِي الْحَائِطِ الْوَاحِدِ إِذَا بَدَا صَلَاحُ بَعْضِهِ لِأَنَّهُ يَتَسَاوَى فِي الْغَالِبِ فِي السَّقْيِ وَالْعِمَارَةِ الَّتِي يَتَعَجَّلُ الصَّلَاحُ بِهَا وَيَتَأَخَّرُ أَخَّرَ بِعَدَمِهَا وَثِمَارُ الْبَلَدِ كُلُّهُ لَا تَتَسَاوَى فِي السَّقْيِ وَالْعِمَارَةِ بَلْ تَخْتَلِفُ فَاخْتَلَفَ لِذَلِكَ زَمَانُ صَلَاحِهَا.
وَيُقَالُ لِلَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ: إِنَّمَا جَازَ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ إِذَا بَدَا صَلَاحُ بَعْضِهِ لِمَا يَلْحَقُ مِنَ الْمَشَقَّةِ فِي تَمَيُّزِهِ وَلَمْ يَجُزْ فِي الْأَجْنَاسِ الْمُخْتَلِفَةِ لِارْتِفَاعِ الْمَشَقَّةِ فِي تَمْيِزِهَا.

فَصْلٌ:

فَإِذَا تقرر ما وصفنا اعتبرت بُدُوُّ الصَّلَاحِ فِي ضَمِّ بَعْضِ الثِّمَارِ إِلَى بَعْضٍ بِمَا اعْتَبَرْتَ بِهِ التَّأْبِيرَ فِي ضَمِّ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ.
فَإِذَا بَدَا صَلَاحُ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ النَّخْلِ هَلْ يَكُونُ صَلَاحًا لِجَمِيعِ مَا فِي الْحَائِطِ مِنْ أَنْوَاعِ النَّخْلِ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإِذَا بَدَا صَلَاحُ بَعْضِ الْحَائِطِ فَأُفْرِدَ بِالْعَقْدِ مَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ كَانَ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَلَوْ كَانَ لَهُ حَائِطَانِ فَبَدَا صَلَاحُ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ فَبَاعَهُمَا مَعًا فِي عَقْدٍ واحد لزم اشتراط القطع فيما لم يبدو صَلَاحُهُ دُونَ الْآخَرِ، وَإِنْ بَاعَهُمَا عَلَى الْإِطْلَاقِ بطل البيع فيما لم يبدو صَلَاحُهُ، وَفِي بُطْلَانِ الْبَيْعِ فِيمَا بَدَا صَلَاحُهُ قَوْلَانِ مِنْ تَفْرِيقِ الصِّفَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

مَسْأَلَةٌ:

قَالَ الشافعي رحمه الله تعالى: " وَكَذَلِكَ كُلُّ ثَمَرَةٍ مِنْ أَصْلٍ يُرَى فِيهِ أَوَّلُ النُّضْجِ لَا كِمَامَ عَلَيْهَا وَلِلْخِرْبِزِ نُضْجٌ كَنُضْجِ الرُّطَبِ فَإِذَا رُئِيَ ذَلِكَ فِيهِ حَلَّ بَيْعُ خِرْبِزِهِ وَالْقِثَّاءُ يُؤْكَلُ صِغَارًا طَيِّبًا فَبُدُوُّ صَلَاحِهِ أَنْ يَتَنَاهَى عِظَمُهُ أَوْ عِظَمُ بَعْضِهِ ثُمَّ يُتْرَكُ حَتَّى يَتَلَاحَقَ صِغَارُهُ بِكِبَارِهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَاعْلَمْ أَنَّ بُدُوَّ الصَّلَاحِ قَدْ يَخْتَلِفُ بحسب اختلاف الثمار وحملتها أَنَّهَا عَلَى ثَمَانِيَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا يَكُونُ بُدُوُّ الصَّلَاحِ فِيهِ بِاللَّوْنِ وَذَلِكَ فِي النَّخْلِ بِالِاحْمِرَارِ وَالِاصْفِرَارِ، وَفِي الْكَرْمِ بِالْحُمْرَةِ وَالسَّوَادِ وَالصَّفَاءِ وَالْبَيَاضِ، فَأَمَّا الْفَوَاكِهُ الْمُتَلَوِّنَةُ فَمِنْهَا مَا يَكُونُ صلاحه بالصفرة كالمشمش منها مَا يَكُونُ بِالْحُمْرَةِ كَالْعُنَّابِ وَمِنْهَا مَا يَكُونُ بِالسَّوَادِ كَالْإِجَّاصِ وَمِنْهَا مَا يَكُونُ بِالْبَيَاضِ كَالتُّفَّاحِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا يَكُونُ بُدُوُّ صَلَاحِهِ بِالطَّعْمِ فَمِنْهُ مَا يَكُونُ بِالْحُلْوَةِ كَقَصَبِ السُّكَّرِ، وَمِنْهُ مَا يَكُونُ بِالْحُمُوضَةِ كَالرُّمَّانِ فَإِذَا زَالَتْ عَنْهُ الْمَرَارَةُ بِالْحَلَاوَةِ أَوِ الْحُمُوضَةِ فَقَدْ بَدَا صَلَاحُهُ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا يَكُونُ بُدُوُّ صَلَاحِهِ بِالنُّضْجِ وَاللِّينِ كَالتِّينِ وَالْبِطِّيخِ فَإِذَا لَانَتْ صَلَابَتُهُ فَقَدْ بدا صلاحه.

وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: مَا يَكُونُ بُدُوُّ صَلَاحِهِ بِالْقُوَّةِ وَالِاشْتِدَادِ كَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ فَإِذَا بَدَتْ قُوَّتُهُ وَاشْتَدَّ فَقَدْ بَدَا صَلَاحُهُ.
وَالْقِسْمُ الْخَامِسُ: مَا يَكُونُ بُدُوُّ صَلَاحِهِ بِالطُّولِ وَالِامْتِلَاءِ كَالْعَلَفِ، وَالْبُقُولِ وَالْقَصَبِ فَإِذَا تَنَاهَى طُولُهُ وَامْتِلَاؤُهُ إِلَى الْحَدِّ الَّذِي يُجَزُّ عَلَيْهِ فَقَدْ بَدَا صَلَاحُهُ.
وَالْقِسْمُ السَّادِسُ: مَا يَكُونُ بُدُوُّ صَلَاحِهِ بِالْعِظَمِ وَالْكِبَرِ كَالْقِثَّاءِ وَالْخِيَارِ وَالْبَاذِنْجَانِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَالْقِثَّاءُ يُؤْكَلُ صِغَارًا طَيِّبًا يُرِيدُ أَنَّهُ يُخَالِفُ الثِّمَارَ كُلَّهَا الَّتِي لَا يَطِيبُ أَكْلُهَا إِلَّا بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا، وَالْقِثَّاءُ يَطِيبُ أَكْلُهُ صِغَارًا قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ وَلَا يَكُونُ اسْتِطَابَةُ أَكْلِهِ صَلَاحًا لَهُ حَتَّى يَتَنَاهَى كِبَرُهُ وَعِظَمُهُ لِأَنَّهُ عِنْدَ كِبَرِهِ يَنْجُو مِنَ الْعَاهَةِ فَلَا وَجْهَ لِإِنْكَارِ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ عَلَى الشَّافِعِيِّ قَوْلَهُ إِنَّ الْقِثَّاءَ يُؤْكَلُ صِغَارًا طَيِّبًا وَإِنَّ ذَلِكَ إِخْبَارٌ عَنِ الْمَحْسُوسَاتِ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ قَصْدِ الشَّافِعِيِّ بِهِ.
وَالْقِسْمُ السَّابِعُ: مَا يَكُونُ بُدُوُّ صَلَاحِهِ بِانْشِقَاقِ كِمَامِهِ كَالْقُطْنِ وَالْجَوْزِ، فَإِذَا انْشَقَّ جَوْزُ الْقُطْنِ، وَسَقَطَتِ الْقِشْرَةُ الْعُلْيَا عَنْ جَوْزِ الْأَكْلِ فَقَدْ بَدَا صَلَاحُهُ.
وَالْقِسْمُ الثَّامِنُ: مَا يَكُونُ بُدُوُّ صَلَاحِهِ بِانْفِتَاحِهِ وَانْقِشَارِهِ كَالْوَرْدِ، وَالنَّيْلُوفَرِ فَإِذَا انْفَتَحَ الْقِسْمُ الْمُنْضَمُّ مِنْهُ وَانْقَشَرَ فَقَدْ بَدَا صَلَاحُهُ، وَوَرَقُ التُّوتِ فَبُدُوُّ صَلَاحِهِ بِأَنْ يَصِيرَ كَأَرْجُلِ الْبَطِّ هَكَذَا قَالَ عَطَاءٌ وَالنَّخَعِيُّ.
وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ فِي بُدُوِّ الصَّلَاحِ أَنْ تَنْتَهِيَ الثَّمَرَةُ أَوْ بَعْضُهَا إِلَى أَدْنَى أَحْوَالِ كَمَالِهَا فَتَنْجُوَ من العاهة.

مسألة:

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَلَا وَجْهَ لِمَنْ قَالَ يَجُوزُ إِذَا بَدَا صَلَاحُهُمَا وَيَكُونُ لِمُشْتَرِيهِمَا مَا ثَبَتَ أَصْلُهُمَا أَنْ يَأْخُذَ كُلَّ مَا خَرَجَ مِنْهُمَا وَهَذَا مُحَرَّمٌ وَكَيْفَ لَمْ يَجُزْ بَيْعَ الْقِثَّاءِ وَالْخِرْبِزِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُمَا كَمَا لَا يُحِلُّ بَيْعُ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ وَيُحِلُّ مَا لَمْ يُرَ وَلَمْ يُخْلَقَ مِنْهُمَا وَلَوْ جَازَ لِبُدُوِّ صَلَاحِهِمَا شِرَاءُ مَا لَمْ يُخْلَقْ مِنْهُمَا لَجَازَ لِبُدُوِّ صَلَاحِ ثَمَرِ النَّخْلِ شِرَاءُ مَا لَمْ يَحْمِلِ النَّخْلُ سِنِينَ وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا بَدَا صَلَاحُ مَا خَرَجَ مِنَ الْقِثَّاءِ وَالْبِطِّيخِ لَمْ يَجُزْ بَيْعُ مَا لَمْ يُخْلَقْ مِنْهُ تَبَعًا لِمَا خُلِقَ وَوَجَبَ إِفْرَادُ الْعَقْدِ بِالْمَوْجُودِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَجُوزُ بَيْعُ مَا لَمْ يُخْلَقْ مِنْهُ تَبَعًا لِمَا خُلِقَ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ شُرُوطَ الْعَقْدِ مُعْتَبَرَةٌ بِالضَّرُورَةِ فَبُيُوعُ الْعُرُوضِ لَا يَجُوزُ قَبْلَ وُجُودِهَا لِارْتِفَاعِ الضَّرُورَةِ وَإِمْكَانِ بَيْعِهَا بَعْدَ وُجُودِهَا، وَالْإِجَارَةُ هِيَ بُيُوعٌ لِلْمَنَافِعِ قَبْلَ وُجُودِهَا لِوُجُودِ الضَّرُورَةِ وَتَعَذُّرِ بَيْعِهَا بَعْدَ وُجُودِهَا، فَلَمَّا كَانَ مَا لَمْ يُخْلَقْ مِنَ الْقِثَّاءِ وَالْبِطِّيخِ يَتَعَذَّرُ بَيْعُهُ إِذَا خُلِقَ لِاخْتِلَاطِهِ بِالْأَوَّلِ دَعَتِ الضَّرُورَةُ إِلَى بَيْعِهِ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ تَبَعًا لِمَا خلق.

قَالَ وَلِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ تَبَعًا لِمَا بَدَا صَلَاحُهُ فِي الْبَيْعِ جَازَ أَنْ يَكُونَ مَا لَمْ يُخْلَقْ تَبَعًا لما خلق في البيع.
قال وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْبَيْعِ مَا يَحْدُثُ مِنَ الزِّيَادَةِ الَّتِي لَا تَتَمَيَّزُ كَالطُّولِ وَالْكِبَرِ جَازَ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْبَيْعِ مَا يَحْدُثُ مِنَ الزِّيَادَةِ الَّتِي تَتَمَيَّزُ لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا بَيْعُ مَا لَمْ يُخْلَقْ.
وَدَلِيلُنَا نَهْيُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ.
وَهَذَا الْبَيْعُ مِنْ أَعْظَمِ الْغَرَرِ لِأَنَّهُ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ وَبَيْنَ الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ، بَيْنَ الرَّدَاءَةِ وَالْجَوْدَةِ.
وَلِأَنَّ النَّخْلَ أَثْبَتُ مِنَ الْبِطِّيخِ أَصْلًا وَحَمْلَهُ أَقَلَّ مِنَ البطيخ خطرا فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ بَيْعُ مَا لَمْ يُخْلَقْ مِنْ غَيْرِ النَّخْلِ تَبَعًا لِمَا خُلِقَ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يَجُوزَ بَيْعُ مَا لَمْ يُخْلَقْ مِنَ الْبِطِّيخِ تَبَعًا لِمَا خُلِقَ وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا أَنَّهَا ثَمَرَةٌ لَا يَجُوزُ إِفْرَادُهَا بِالْعَقْدِ فَوُجُوبُ إِذَا لَمْ تَدْخُلْ فِي الْبَيْعِ بِغَيْرِ شَرْطٍ أَنْ لَا تَدْخُلَ فِيهِ بِالشَّرْطِ كَالنَّخْلِ لِأَنَّهُ لما لم يجز بيع ما لم يبدو صَلَاحُهُ مَعَ وُجُودِهِ وَقِلَّةِ غَرَرِهِ فَبَيْعُ مَا لَمْ يُخْلَقْ أَوْلَى أَنْ لَا يَجُوزَ مَعَ عَدَمِهِ وَكَثْرَةِ غَرَرِهِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِ بِالضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ إِلَيْهِ فَدَعْوَى يَرْفَعُهَا الْعَيَّابُ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِ مَا خُلِقَ وَبَيْعِهِ حَالًا بَعْدَ حَالٍ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى مِثْلِ هَذَا في الإجازة وَيُمْكِنُهُ بَيْعُ مَا خُلِقَ وَالسَّمَاحَةُ بِمَا لَمْ يُخْلَقْ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَا لم يبدو صَلَاحُهُ تَبَعًا لِمَا بَدَا صَلَاحُهُ كَذَلِكَ مَا لَمْ يُخْلَقْ يَكُونُ تَبَعًا لِمَا خُلِقَ فَالْجَوَابُ عنه أن ما لم يبدو صَلَاحُهُ لَمَّا جَازَ إِفْرَادُهُ بِالْعَقْدِ جَازَ أَنْ يَنْضَمَّ فِي الْعَقْدِ إِلَى غَيْرِهِ، وَمَا لَمْ يُخْلَقْ لَمَّا لَمْ يَجُزْ إِفْرَادُهُ فِي الْعَقْدِ لم يجز أن يضم فِي الْعَقْدِ إِلَى غَيْرِهِ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِالزِّيَادَةِ الْمُتَّصِلَةِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ الْمُتَّصِلَةَ تَحْدُثُ عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي فَلِذَلِكَ دَخَلَتْ فِي الْبَيْعِ بِغَيْرِ شَرْطٍ وَلَوْ شَرَطَ خُرُوجَهَا مِنَ الْبَيْعِ فَسَدَ الْعَقْدُ، وَالزِّيَادَةُ الْمُنْفَصِلَةُ تَحْدُثُ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ وَلِذَلِكَ لَمْ تَدْخُلْ فِي الْبَيْعِ بِغَيْرِ شَرْطٍ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ اشْتِرَاطُ دُخُولِهَا فِي البيع مفسد للعقد.

مسألة:

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَكُلُّ ثَمَرَةٍ وَزَرْعٍ دُونَهَا حَائِلٌ مِنْ قِشْرٍ أَوْ كِمَامٍ وَكَانَتْ إِذَا صَارَتْ إِلَى مَا يُكِنُّهَا أَخْرَجُوهَا مِنْ قِشْرِهَا وَكِمَامِهَا بِلَا فَسَادٍ عَلَيْهَا إِذَا ادَّخَرُوهَا فَالَّذِي اخْتَارَ فِيهَا أَنْ لَا يَجُوزَ بَيْعُهَا فِي شَجَرِهَا وَلَا مَوْضُوعَةً بالأرض للحائل وقياس ذلك على شراء لحم شاة مذبوحة عليها جلدها للحائل دون لحمها ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الثِّمَارَ كُلَّهَا ضَرْبَانِ: ضَرْبٌ يَكُونُ بَارِزًا فِي شَجَرَةٍ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ يَمْنَعُ مِنْ مُشَاهَدَتِهِ كَالتُّفَّاحِ وَالْمِشْمِشِ وَالْخَوْخِ وَالْكُمِّثْرَى فَبَيْعُهُ إِذَا بَدَا صَلَاحُهُ جَائِزٌ قَائِمًا في شجره وبعد اجتنابه.

وَضَرْبٌ يَكُونُ مَسْتُورًا بِقِشْرٍ وَكِمَامٍ يَمْنَعُ مِنْ مُشَاهَدَتِهِ وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَسْتُورًا بِقِشْرَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَسْتُورًا بِقِشْرَتَيْنِ.
فَأَمَّا مَا كَانَ مَسْتُورًا بِقِشْرَةٍ وَاحِدَةٍ فَيَتَنَوَّعُ نَوْعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: نَوْعٌ لَا يَنْحَفِظُ إِلَّا بِقِشْرَةِ فَإِذَا خَرَجَ مِنْهُ ذَهَبَتْ رُطُوبَتُهُ وَتَغَيَّرَ طَعْمُهُ وَأَسْرَعَ فَسَادَهُ كَالرُّمَّانِ وَالْبَاذِنْجَانِ فَبِيعُ هَذَا فِي قُشُورِهِ جَائِزٌ لِمَا فِيهِ مِنْ كَمَالِ مَنْفَعَتِهِ وَدَوَامِ مَصْلَحَتِهِ.
وَنَوْعٌ يَنْحَفِظُ بِغَيْرِ قِشْرِهِ كَالْقُطْنِ وَالسِّمْسِمِ وَالْعَدَسِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ فِي قِشْرِهِ لِأَنَّهُ حَائِلٌ لَيْسَ مِنْ مَصْلَحَتِهِ كَمَا لَوْ كَانَ مَسْتُورًا بِثَوْبٍ فَإِذَا أَخْرَجُوهُ مِنْ قِشْرِهِ جَازَ بَيْعُهُ.
وَأَمَّا مَا كَانَ عَلَيْهِ قِشْرَتَانِ فَيَتَنَوَّعُ أَيْضًا إِلَى نَوْعَيْنِ: - نَوْعٌ لَا يَبْقَى فِي رَطْبِهِ بِقِشْرَتَيْهِ نَفْعٌ وَلَا يُؤْكَلُ مَعَهُمَا كَالْفُسْتُقِ وَالْبُنْدُقِ وَالْجَوْزِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ فِي قِشْرَتَيْهِ يَابِسًا وَلَا رَطْبًا فَإِذَا زَالَتْ عَنْهُ الْقِشْرَةُ الْعُلْيَا جَازَ بَيْعُهُ بِالْقِشْرَةِ السُّفْلَى الَّتِي يُدَّخَرُ بِهَا لِأَنَّهُ يَنْحَفِظُ بِهَا.
- وَنَوْعٌ يبقى في رطبه بقشرتيه وَيُؤْكَلُ مَعَهُمَا عُرْفًا كَالْبَاقِلَّى وَاللَّوْزِ الرَّطْبِ فَإِذَا يبس لم يجز بيعه في قشرتيه فقد اختلف أَصْحَابُنَا فِي جَوَازِ بَيْعِهِ فِيهِمَا فَذَهَبَ الْبَصْرِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِنَا إِلَى جَوَازِ بَيْعِهِ فِي قِشْرَتَيْهِ رَطْبًا اعْتِبَارًا بِكَمَالِ نَفْعِهِ وَاسْتِطَابَةِ أَكْلِهِ وَهُوَ أَيْضًا قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ.
وَذَهَبَ الْبَغْدَادِيُّونَ إِلَى الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِهِ فِي قِشْرَتَيْهِ رَطْبًا كَمَا يُمْنَعُ مِنْهُ إِذَا كَانَ يَابِسًا فَهَذَا شَرْحُ مَذْهَبِنَا فِيمَا كَانَ مِنَ الثِّمَارِ مَسْتُورًا بِقِشْرَةٍ أَوْ كِمَامٍ.
وَقَالَ أبو حنيفة: كُلُّ قِشْرٍ أَوْ كِمَامٍ كَانَ سَاتِرًا لِلثَّمَرَةِ جَازَ بَيْعُهَا مَعَهُ بِكُلِّ حَالٍ سَوَاءٌ كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ أَمْ لَا تَعْوِيلًا عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَصْلِهِ الْخَلَقَةُ فَجَرَى مَجْرَى أَجَلِ الثَّمَرَةِ.
وَتَعْلِيقًا بِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ بَيْعُهُ بِإِحْدَى قِشْرَتَيْهِ وَهِيَ مَانِعَةٌ مِنْ مُشَاهَدَتِهِ جَازَ بَيْعُهُ فِي قِشْرَتَيْهِ إِذْ لَيْسَ فِيهِمَا أَكْثَرُ مِنَ الْمَنْعِ مِنْ مُشَاهَدَتِهِ لِأَنَّ مَا كَانَتْ رُؤْيَتُهُ شَرْطًا لَمْ يَقَعِ الْفَرْقُ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَسْتُورًا بِحَائِلٍ أَوْ حَائِلَيْنِ فِي بُطْلَانِ الْعَقْدِ عَلَيْهِ كَالْعُرُوضِ الْمَبِيعَةِ، وَمَا لَمْ تَكُنْ رُؤْيَتُهُ شَرْطًا لَمْ يَقَعِ الْفَرْقُ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَسْتُورًا بِحَائِلٍ أَوْ حَائِلَيْنِ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ عَلَيْهِ كَالْمَنْكُوحَةِ.
وَدَلِيلُنَا: نَهْيُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ وَفِي بَيْعِهِ مَسْتُورًا بِقِشْرَةٍ لَيْسَتْ مِنْ مَصْلَحَتِهِ غَرَرٌ، لِأَنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ مَعْرِفَةِ جَيِّدِهِ وَرَدِيئِهِ، وَلِأَنَّ مَا مَنَعَ مِنْ مُشَاهَدَتِهِ وَلَيْسَ مِنْ مَصْلَحَتِهِ فَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَصْلِ خِلْقَتِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِ خِلْقَتِهِ فِي بُطْلَانِ الْبَيْعِ بِهِ كَلَحْمِ الشَّاةِ الْمَذْبُوحَةِ فِي جِلْدِهَا وَالْحِنْطَةِ فِي تَبْنِهَا وَالْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ فِي تُرَابِ مَعْدَنِهَا فَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ كُلُّهَا بُيُوعًا فَاسِدَةً لِأَنَّهَا مَسْتُورَةٌ بِمَا يَمْنَعُ مِنْ مُشَاهَدَتِهَا وَإِنْ كَانَتْ مِنْ خِلْقَةِ أَصْلِهَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الثِّمَارِ مثلها.

وَقَدْ يُتَحَرَّزُ مِنَ اعْتِلَالِ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ قِيَاسَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَسْتُورٌ بِمَا لَيْسَ مِنْ مَصْلَحَتِهِ فوجب أن مُبْطِلًا لِبَيْعِهِ كَمَا لَوْ كَانَ مَسْتُورًا بِثَوْبٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَبِيعٌ يَبْطُلُ بِمَا يَسْتُرُهُ مِنْ غَيْرِ الْخِلْقَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَبْطُلَ بِسَتْرِ مَا لَا مَصْلَحَةَ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةَ كَاللَّحْمِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ بِأَنَّ الْقِشْرَ مِنْ أَجْزَائِهِ فَفَاسِدٌ بِالْجِلْدِ وَهُوَ مِنْ أَجْزَاءِ اللَّحْمِ وَيَمْنَعُ مِنْ جَوَازِ الْبَيْعِ لِأَنَّ الْمُعْتَبِرَ بِرُؤْيَتِهِ الْأَجْزَاءُ الْمَقْصُودَةُ دُونَ مَا لَيْسَ بِمَقْصُودٍ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ تَعْلِيقِهِ بِأَنَّهُ مَسْتُورٌ بِإِحْدَى قِشْرَتَيْهِ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ مَسْتُورًا بِالْقِشْرَةِ الْأُخْرَى وَهُوَ أَنَّ إِحْدَى الْقِشْرَتَيْنِ مِنْ مَصْلَحَتِهِ وَفِي رُؤْيَتِهِمَا تَنْبِيهٌ عَلَى جَوْدَتِهِ وَرَدَاءَتِهِ وَلَا يَقْتَضِي ذَلِكَ جَوَازُ سَتْرِهِ بِحَائِلٍ مِنْ ثَوْبٍ فَكَذَا بالقشرة العليا التي هي بهذا الحكم.

مسألة:

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَأْخُذُ عُشْرَ الْحُبُوبِ فِي أَكْمَامِهَا وَلَا يُجِيزُ بَيْعَ الحنطة بالحنظة فِي سُنْبُلِهَا فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَأَنَا أُجِيزُ بَيْعَ الْحِنْطَةِ فِي سُنْبُلِهَا لَزِمَهُ أَنْ يُجِيزَهُ فِي تِبْنِهَا أَوْ فِضَّةٍ فِي تُرَابٍ بِالتُّرَابِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا بَيْعُ الزَّرْعِ بَقْلًا أَوْ فَصِيلًا قَبْلَ اشْتِدَادِهِ وَيَبْسِهِ فَلَا يَجُوزُ مُطْلَقًا وَلَا بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ لِمَا يُخَافُ عَلَيْهِ مِنَ الْجَائِحِ وَيَجُوزُ بِشَرْطِ الْقَطْعِ كَالثَّمَرِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ.
فَأَمَّا إِذَا اشْتَدَّ وَاسْتَحْصَدَ فَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ مِمَّا يُبْرِزُ الْحَبُّ مِنْهُ بِغَيْرِ كِمَامٍ يَسْتُرُهُ كَالشَّعِيرِ جَازَ بَيْعُهُ فِي سُنْبُلِهِ قَبْلَ دِيَاسَتِهِ وَتَصْفِيَتِهِ لِظُهُورِهِ وَمُشَاهَدَتِهِ، وَإِنْ كَانَ الْحَبُّ فِي كِمَامٍ يَسْتُرُهُ كَالْحِنْطَةِ فَقَدْ حُكِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ جَوَازُ بَيْعِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وأبي حنيفة وَوَافَقَهُ فِي مَوْضِعٍ مِنَ الْمَبْسُوطِ عَلَى صِحَّةِ الْحَدِيثِ.
وَنَصَّ فِي الْجَدِيدِ وَسَائِرِ كُتُبِهِ عَلَى بُطْلَانِ بَيْعِهِ فِي سُنْبُلِهِ.
وَدَلِيلُ مِنْ قَالَ بِجَوَازِ بَيْعِهِ: رِوَايَةُ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " نَهَى عَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ حَتَى يَسْوَدَّ وَعَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ ". فَجَعَلَ غَايَةَ النَّهْيِ أَنْ يَشْتَدَّ فَاقْتَضَى جَوَازُ بَيْعِهِ مِنْ بَعْدِ اشْتِدَادِهِ كَالْعِنَبِ إِذَا اسْوَدَّ.
وَبِرِوَايَةِ أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " نَهَى عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَزْهَى وَعَنِ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ وَيَأْمَنَ الْعَاهَةَ ". وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ كَالْأَوَّلِ وَزِيَادَةُ تَعْلِيلٍ.
وَلِأَنَّ بَقَايَا الْحِنْطَةِ فِي سُنْبُلِهَا إِبْقَاءٌ لَهَا وَأَمْنَعُ

مِنْ فَسَادِهَا وَلِأَجْلِ ذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قِصَّةِ يُوسُفَ: ﴿فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سنبله إلا قليلا مما تأكلون﴾ وَإِذَا كَانَ بَقَاءُ الْحِنْطَةِ فِي سُنْبُلِهَا أَمْنَعُ مِنْ فَسَادِهَا جَرَى مَجْرَى الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ فِي قِشْرِهِ الَّذِي قَدِ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ بَيْعِهِ إِجْمَاعًا فَكَذَا الْحِنْطَةُ فِي سُنْبُلِهَا حِجَاجًا.
وَتَحْرِيرُ ذَلِكَ أَنَّهُ مَجْهُولٌ بِمَا يُصْلِحُهُ مِنْ أَصْلِهِ فَجَازَ بَيْعُهُ فِيهِ كَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ فِي قِشْرِهِ.
وَدَلِيلُ قَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ أَنَّ بَيْعَهُ بَاطِلٌ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ ". وَبَيْعُ الْحِنْطَةِ فِي سُنْبُلِهَا غَرَرٌ لِأَنَّهُ تَرَدُّدٌ بَيْنَ الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ وَالصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَفْرَكَ " يَعْنِي بِفَتْحِ الرَّاءِ وَمَعْنَى الْفَرَكِ التَّصْفِيَةُ.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَى يَجْرِيَ فيه الصاعان " ولا يمكن أن يجري في الصَّاعُ إِلَّا بَعْدَ التَّصْفِيَةِ.
وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْعَقْدِ مَسْتُورٌ بِمَا لَا يُدَّخَرُ غَالِبًا فِيهِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بَيْعُهُ بَاطِلًا كَتُرَابِ الْفِضَّةِ وَالشَّاةِ الْمَذْبُوحَةِ.
وَلِأَنَّ الْحِنْطَةَ بَعْدَ الدَّرْسِ فِي تِبْنِهَا أَقْرَبُ إِلَى تَصْفِيَتِهَا مِنْ أَنْ تَكُونَ فِي سُنْبُلِهَا.
فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا فِي أَقْرَبِ الْحَالَيْنِ إِلَى التَّصْفِيَةِ فَأَوْلَى أَنْ لَا يَجُوزَ فِي أَبْعَدِهِمَا مِنَ التَّصْفِيَةِ.
وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يجز أخذ القشرة مِنْهَا إِذَا كَانَتْ فِي سُنْبُلِهَا لِلْجَهْلِ بِهَا وَالْقِشْرُ مُسَاوَاةٌ فَالْبَيْعُ أَوْلَى أَنْ لَا يَجُوزَ، لِأَنَّ الْمُعَاوَضَةَ أَفْسَدُ بِالْجَهَالَةِ مِنَ الْمُسَاوَاةِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ نَهْيِهِ عَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ مَعَ تَفَرُّدِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ بِرِوَايَتِهِ فَهُوَ أَنَّ هَذِهِ غَايَةٌ قَدْ جَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَعْدَهَا غَايَةً أُخْرَى وَهِيَ قَوْلُهُ يَفْرَكُ وَالْحُكْمُ إِذَا عُلِّقَ بِغَايَتَيْنِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِوُجُودِ إِحْدَاهُمَا حَتَّى يُوجَدَا مَعًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230] . فَكَانَ النِّكَاحُ غَايَةَ التَّحْرِيمِ فَاقْتَضَى أَنْ يَحِلَّ بَعْدَهُ فَلَمَّا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ " صَارَتْ هَذِهِ غَايَةً ثَانِيَةً فَلَا يَحِلُّ إِلَّا بَعْدَ وُجُودِهِمَا وَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَهَا وَتَذُوقَ عُسَيْلَتَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا لَمْ يحل بيعه أَنْ يَشْتَدَّ إِلَى أَنْ يُفْرَكَ فَلِمَ جُعِلَ غَايَةُ النَّهْيِ الْأَوَّلِ حَتَّى يَشْتَدَّ.

قِيلَ إِنَّ النَّهْيَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْغَايَتَيْنِ لِمَعْنًى غَيْرِ الْغَايَةِ الْأُخْرَى فَنَهْيُهُ عَنْ بَيْعِهِ حَتَّى يَشْتَدَّ لِأَنْ يَنْجُوَ مِنَ الْعَاهَةِ، وَعَنْ بَيْعِهِ حَتَّى يَفْرَكَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْغَرَرِ بِفَقْدِ الرُّؤْيَةِ فَصَارَ كَقَوْلِهِ أَلَا لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ وَهِيَ بَعْدَ الْحَمْلِ وَوُجُودِ الْحَيْضِ لَا تَحِلُّ حَتَّى تَغْتَسِلَ بَعْدَ مُضِيِّ النِّفَاسِ وَالْحَيْضِ إِلَّا أَنَّ النَّهْيَ الْأَوَّلَ لِحِفْظِ النَّسَبِ، وَالنَّهْيَ بَعْدَهُ لِأَجْلِ الْأَذَى وَهَذَا أَصِلٌ فَلِهَذَا بَسَطْنَا الْكَلَامَ فِيهِ وَبِمِثْلِهِ يَكُونُ الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَعَ تَفَرُّدِ أَيُّوبَ بِرِوَايَتِهِ.
أَمَّا الِاسْتِدْلَالُ بِأَنَّ تَرْكَهُ السُّنْبُلَ إِبْقَاءً كَتَرْكِ الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ فِي قِشْرِهِ فَجَمْعٌ لَا يَسْلَمُ لِوُجُودِ الْفَرْقِ بِتَرْكِ الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ فِي قِشْرِهِ، وَتَصْفِيَةِ الْبُرِّ مِنْ سُنْبُلِهِ فَلَمَّا اخْتَلَفَ الْعُرْفُ فِيهَا اخْتَلَفَ حُكْمُ مَا مَنَعَ مِنْ رُؤْيَتِهِمَا.

مَسْأَلَةٌ: قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَعَلَى الْجَوْزِ قِشْرَتَانِ وَاحِدَةٌ فَوْقَ الْقِشْرَةِ الَّتِي يَرْفَعُهَا النَّاسُ عَنْهَا فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَعَلَيْهِ الْقِشْرَةُ الْعُلْيَا لِأَنَّهُ يَصْلُحُ أَنْ يُرْفَعَ بِدُونِ الْعُلْيَا وَكَذَلِكَ الرَّانِجُ وَمَا كَانَتْ عَلَيْهِ قِشْرَتَانِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْجَوْزِ فِي قِشْرَتَيْهِ مَعًا يَابِسًا كَانَ أَوْ رَطْبًا، فَإِذَا زَالَتِ الْقِشْرَةُ الْعُلْيَا جَازَ بَيْعُهُ بِالْقِشْرَةِ الْبَاقِيَةِ لِأَنَّهُ يُدَّخَرُ فِيهَا رَطْبًا كَانَ أَوْ يَابِسًا، وَكَذَلِكَ الرَّانِجُ وَهُوَ النَّارِجِيلُ يَكُونُ عَلَيْهِ قِشْرَتَانِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ فِي الْقِشْرَةِ الْعُلْيَا وَإِذَا أُزِيلَتْ عَنْهُ جَازَ بَيْعُهُ فِي الثَّانِيَةِ لِأَنَّهُ يُدَّخَرُ فِيهَا.
فَأَمَّا اللَّوْزُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْبَاقِلَّى عَلَيْهِ قِشْرَتَانِ فَإِنْ كَانَ مُشْتَدًّا لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ فِي قِشْرَتَيْهِ حَتَّى تَزُولَ عَنْهُ الْعُلْيَا ثُمَّ يَجُوزُ بَيْعُهُ فِي الثَّانِيَةِ.
وَإِنْ كَانَ رَطْبًا فَفِي جَوَازِ بَيْعِهِ فِي قِشْرَتَيْهِ وَجْهَانِ عَلَى اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا فِي بَيْعِ الْبَاقِلَّى الرَّطْبِ لِأَنَّ قِشْرَةَ اللَّوْزِ الْعُلْيَا يُسْتَطَابُ أَكْلُهَا مَعَ اللَّوْزِ قَبْلَ اشْتِدَادِهِ لِمَزَازَةٍ فيها.

مسألة:

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنَ التَّمْرِ مُدًّا لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي كَمِ الْمُدِّ مِنَ الْحَائِطِ أَسَهْمٌ مِنْ أَلْفِ سَهْمٍ أَوْ مِنْ مِائَةٍ أَوْ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ فَهَذَا مَجْهُولٌ وَلَوِ اسْتُثْنِيَ رُبْعُهُ أَوْ نَخْلَاتٌ بِعَيْنِهَا فَجَائِزٌ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ وَجُمْلَةُ الِاسْتِثْنَاءِ أَنَّهُ لَا يَخْلُو حَالُهُ وَحَالُ مَا بَقِيَ مِنَ الْبَيْعِ بَعْدَهُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ مَعْلُومًا وَالْمَبِيعُ بَعْدَهُ مَعْلُومًا وَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: مُشَاعٌ وَمُجَوَّزٌ.

فَالْمُجَوَّزُ: أَنْ يَقُولَ بِعْتُكَ ثَمَرَةَ هَذَا الْحَائِطِ إلا ثمرة هذه النخلات العشر بِعَيْنِهَا فَهَذَا بَيْعٌ جَائِزٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.
وَالْمُشَاعُ: أَنْ يَقُولَ بِعْتُكَ ثَمَرَةَ هَذَا الْحَائِطِ إِلَّا رُبْعَهَا فَهَذَا بَيْعٌ صَحِيحٌ وَيَكُونُ الْمَبِيعُ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهَا مُشَاعًا.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، هَذَا بَيْعٌ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ بَيْعٌ عَلَى شَرْطِ الشَّرِكَةِ وَهَذَا خَطَأٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَوْ قَالَ بِعْتُكَ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهَا صَحَّ، وَكَذَا فَلَوْ قَالَ بِعْتُكَهَا إِلَّا رُبْعَهَا لَأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فِي الْحَالَتَيْنِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ عشر المساكين جاز، وإن كان مستحق مَجْهُولَ الْعَيْنِ، فَأَوْلَى أَنْ يَجُوزَ الِاسْتِثْنَاءُ لِنَفْسِهِ لِأَنَّ مُسْتَحِقَّهُ مُعَيَّنٌ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ مَجْهُولًا وَالْمَبِيعُ بَعْدَهُ مَجْهُولًا وَهُوَ ضَرْبَانِ مُشَاعٌ وَمُجَوَّزٌ.
فَالْمُشَاعُ: أَنْ يَقُولَ بِعْتُكَ هَذِهِ الثَّمَرَةَ إِلَّا قُوتَ نَفْسِي أَوْ إِلَّا مَا يَأْكُلُهُ عَبِيدِي فَهَذَا بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ لِأَنَّ قَدْرَ قُوتِهِ مَجْهُولٌ وَمَا يَأْكُلُهُ عَبِيدُهُ مَجْهُولٌ فَصَارَ المبيع الثاني مجهول.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ بَاعَ حَائِطًا وَاسْتَثْنَى مِنْهُ قُوتَ غِلْمَانِهِ.
قِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْتَثْنَى مِنْهُ قَدْرًا مَعْلُومًا جَعَلَهُ قُوتَ غِلْمَانِهِ.
وَكَذَا لَوْ قَالَ بِعْتُكَ هَذِهِ الثَّمَرَةَ إِلَّا عَشْرَ قَوَاصِرَ مِنْهَا، أَوْ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَلَّةً مِنْ رُطَبِهَا كَانَ الْمَبِيعُ بَاطِلًا لِلْجَهْلِ بِالْمَبِيعِ الثَّانِي.
وَأَمَّا الْمُجَوَّزُ فَهُوَ أَنْ تَقُولَ بِعْتُكَ هَذِهِ الثَّمَرَةَ إِلَّا عَشْرَ نَخْلَاتٍ مِنْهَا لَا بِعَيْنِهَا وَهَذَا بَيْعٌ بَاطِلٌ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ كَانَ قَدْرَ ثُلْثِ الثَّمَرَةِ فَمَا دُونَ جَازَ الْبَيْعُ، وَكَانَ لَهُ عَشْرُ نَخْلَاتٍ وُسَطَاءُ، وَهَذَا غَلَطٌ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يُوقِعُ جَهَالَةً فِي الْمَبِيعِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ ثَمَرَ النَّخْلِ يَخْتَلِفُ فِي الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُسْتَثْنَى غَيْرُ مُجَوَّزٍ وَلَا مُشَاعٍ فِي الْجُمْلَةِ وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَهْلِكَ النَّخْلُ إِلَّا عَدَدَ مَا اسْتُثْنِيَ فَيَخْتَلِفَانِ فِي الْبَاقِي هَلْ هُوَ الْمَبِيعُ أَوِ الْمُسْتَثْنَى وَهَذَا مِنْ أَكْبَرِ الْجَهَالَاتِ غَرَرًا فَكَانَ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ أَوْلَى.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ مَعْلُومًا وَالْمَبِيعُ بَعْدَهُ مَجْهُولًا، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ بِعْتُكَ هَذِهِ الثَّمَرَةَ إِلَّا صَاعًا مِنْهَا فَهَذَا بَاطِلٌ.

فصول الكتاب · 30 فصل · 608 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الحاوي الكبير · 608 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كِتَابُ الْبُيُوعِ
كتاب الإقرار
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كتاب العارية
كتاب الغصب
كِتَابُ الشَّرْطِ فِي الرَّقِيقِ يَشْتَرِطُهُمُ الْمُسَاقِي
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ الْعَطَايَا وَالصَّدَقَاتِ
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب الصداق
كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع
كتاب السير
كتاب مختصر الجامع من كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب النذور
كِتَابُ الْعِتْق
كتاب عتق أمهات الأولاد من كتب
جارٍ التحميل