كتاب الأيمان
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الماوردي
- الكتاب
- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
- المحقق
- الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1419 هـ -1999 م
- عدد الأجزاء
- 19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ: إِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ الدَّارَ إِلَّا بِإِذْنِ فُلَانٍ، فَمَاتَ الَّذِي جَعَلَ الْإِذْنَ إِلَيْهِ، أَنَّهُ إِنْ دَخَلَهَا حَنِثَ وَهَذَا وَذَاكَ سَوَاءٌ، وَهَذَا صَحِيحٌ.
وَالْجَوَابُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ، وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ فِيهِمَا اخْتِلَافٌ وَإِنَّمَا وَهِمَ فِيمَا أَطْلَقَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ جَوَابِ الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَإِذَا حَلَفَ لَا يَدْخُلُ الدَّارَ إِلَّا بِإِذْنِ زَيْدٍ فَدَخَلَهَا بَعْدَ مَوْتِ زَيْدٍ فَإِنْ كَانَ زَيْدٌ قَدْ أَذِنَ قَبْلَ مَوْتِهِ لَمْ يَحْنَثْ، وَيَكُونُ إِذْنُهُ شَرْطًا فِي الْبِرِّ وَتَكُونُ الْمَشِيئَةُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ شَرْطًا فِي حَلِّ الْيَمِينِ لِأَنَّ الْيَمِينَ فِي دُخُولِ الدَّارِ مَعْقُودَةٌ عَلَى الْإِذْنِ، وَفِي الْمَشِيئَةِ مَعْقُودَةٌ عَلَى الْقَضَاءِ، وَإِنْ مَاتَ زَيْدٌ قَبْلَ إِذْنِهِ حَنِثَ فِي الدُّخُولِ، لِأَنَّ شَرْطَ الْبِرِّ لَمْ يُوجَدْ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى شَكٍّ مِنْ وُجُودِ إِذْنِهِ وَعَدَمِهِ حَنِثَ وَجْهًا وَاحِدًا عَلَى قَوْلِ جَمِيعِ أَصْحَابِنَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْإِذْنِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ الْمَشِيئَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ حَيْثُ خَرَجَ فِيهَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا مِنَ الِاحْتِمَالِ عَلَى مَا خَرَجَ فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إنَّ الْإِذْنَ ظَاهِرٌ وَالْمَشِيئَةَ بَاطِنَةٌ.
وَالثَّانِي: إنَّ الْإِذْنَ فِي هَذِهِ شَرْطٌ فِي الْبِرِّ، وَالْمَشِيئَةَ فِي تِلْكَ شَرْطٌ فِي الْحَلِّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ:)
قال الشافعي رحمه الله: " ولو حلف ليقضينه عِنْدَ رَأْسِ الْهِلَالِ أَوْ إِلَى رَأْسِ الْهِلَالِ فرأى في الليلة التي يهل فيها الهلال حنث (قال المزني) رحمه الله وقد قال في الذي خلف ليقضينه إلى رمضان فهل إنه حانثٌ لأنه حد (قال المزني) رحمه الله: هذا أصح كَقَوْلِهِ إِلَى اللَّيْلِ فَإِذَا جَاءَ اللَّيْلُ حَنِثَ ".
قال الماوردي: وهذا صحيح كَقَوْلِهِ إِلَى اللَّيْلِ، فَإِذَا جَاءَ اللَّيْلُ حنث، نَقَلَ الْمُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ثَلَاث مَسَائِلَ، اتَّفَقَ الْجَوَابُ فِي مَسْأَلَتَيْنِ وَاخْتَلَفَ فِي الثَّالِثَةِ، إِحْدَى الْمَسَائِلِ الَّتِي اتَّفَقَ الْمَذْهَبُ فِي الْجَوَابِ عَلَيْهَا إِذَا حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ عِنْدَ رَأْسِ الْهِلَالِ، أَوْ عِنْدَ رَأْسِ الشَّهْرِ فَوَقْتُ بَرِّهِ مُعَيَّنٌ بَيْنَ زَمَانَيْ حِنْثٍ وَهُوَ أَنْ يَقْضِيَهُ مَعَ رَأْسِ الشَّهْرِ وَرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، فَإِنْ قَضَاهُ قَبْلَ الْهِلَالِ حَنِثَ وَإِنْ قَضَاهُ بَعْدَ الْهِلَالِ وَبَعْدَ إِمْكَانِ الْقَضَاءِ مَعَهُ حَنِثَ بِمُضِيِّ زَمَانِ الْإِمْكَانِ بَعْدَ الْهِلَالِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لا يحنث بقضائه قبل القضاء يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَجَعَلَ زَمَانَ الْقَضَاءِ بَعْدَ الْهِلَالِ مُعْتَبَرًا بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَاعْتَبَرَهُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِالْإِمْكَانِ وَهُوَ أَصَحُّ، لِأَنَّ مَقَادِيرَ الزَّمَانِ إِنْ لَمْ تُؤْخَذْ عَنْ نَصٍّ أَوْ قِيَاسٍ بَطَلَتْ لما يتوجه عليها من المعارضة وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ مُعْتَبَرٌ بِالْإِمْكَانِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ فِي الْقَضَاءِ مَعَ رَأْسِ الشَّهْرِ فَيَسْتَوِي حُكْمُ قَوْلِهِ: عِنْدَ رَأْسِ الشَّهْرِ مَعَ رَأْسِ الشَّهْرِ، وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ مِمَّا لَا يَكُونُ زَمَانُ قَضَائِهِ كَوَزْنِهِ مِنْ ذَهَبٍ
أَوْ فِضَّةٍ، ضَاقَ زَمَانُ بِرِّهِ لِإِمْكَانِ وَزْنِهِ فِي أَوَّلِ زَمَانٍ بَعْدَ رَأْسِ الشَّهْرِ، فَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْهُ بِأَقَلِّ زَمَانٍ حَنِثَ، فَإِنْ شَرَعَ فِي حَمْلِهِ إِلَيْهِ مَعَ رَأْسِ الشَّهْرِ، وَكَانَ بَعِيدَ الدَّارِ مِنْهُ حَتَّى مَضَتِ اللَّيْلَةُ أَوْ أَكْثَرُهَا لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّهُ مُعْتَبَرٌ فِي الْإِمْكَانِ، وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ مِمَّا يَطُولُ زَمَانُ قَضَائِهِ كَمِائَةِ كُرٍّ مِنْ بُرٍّ اتَّسَعَ زَمَانُ بِرِّهِ إِذَا شَرَعَ فِي الْقَضَاءِ مَعَ رَأْسِ الشَّهْرِ وَامْتَدَّ بِحَسْبِ الْوَاقِعِ مِنْ كَيْلِ هَذَا الْقَدْرِ حتى ربما اعتد أياما، فإ، أَخَّرَ عِنْدَ رَأْسِ الشَّهْرِ فِي جَمْعِ مَا يَقْضِيهِ وَتَحْصِيلِهِ لِلْقَضَاءِ حَنِثَ، وَلَوْ أَخَذَ فِي نَقْلِهِ إِلَيْهِ لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّ نَقْلَهُ مَشْرُوعٌ فِي الْقَضَاءِ، وَلَيْسَ جَمْعُهُ مَشْرُوعًا فِيهِ، وَقَوْلُ الشافعيب رحمه الله في هذه المسألة فرأى يفي اللَّيْلَةِ الَّتِي يَهِلُّ فِيهَا الْهِلَالُ حَنِثَ، يَعْنِي إِذَا لَمْ يَقْضِهِ فِيهَا، فَإِنْ قَضَاهُ بَرَّ، وَلَيْسَ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ شَرْطًا، وَإِنَّمَا دُخُولُ الشَّهْرِ بِأَوَّلِه جُزْءٍ مِنْ لَيْلَتِهِ هُوَ الزَّمَانُ الْمُعْتَبَرُ، لِأَنَّ الْهِلَالَ رُبَّمَا غُمَّ بسحابٍ مَنَعَ مِنْ رُؤْيَتِهِ إِلَّا أَنْ يُغَمَّ فِي لَيْلَةِ شَكٍّ، فَلَا يَكُونَ مِنَ الشَّهْرِ.
(فَصْلٌ:)
وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا، فَهِيَ أَنْ يَحْلِفَ لَيَقْضِيَنَّهُ حقه إلى رمضان، فجعل رمضان غايةً واحداً، لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِحَرْفٍ وُضِعَ لِلْغَايَةِ وَالْحَرْفُ هُوَ " إِلَى "، فَيَكُونُ زَمَانُ بِرِّهِ مِنْ وَقْتِ يَمِينِهِ إِلَى أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ لَيْلَةِ رَمَضَانَ كَمَا قَالَ تَعَالَى {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) {البقرة: 187) فَكَانَ زَمَانُ الصِّيَامِ إِلَى أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ اللَّيْلِ فَإِنْ لَمْ يَقْضِهِ حَقَّهُ حَتَّى دَخَلَ أَوَّلُ جُزْءٍ مِنْ لَيْلَةِ رَمَضَانَ حَنِثَ وَيَجِيءُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ إِلَّا بِانْقِضَاءِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِنْهُ، فَإِنْ شَرَعَ فِي قَضَاءِ الْحَقِّ قَبْلَ رَمَضَانَ وَكَمَّلَهُ فِي رَمَضَانَ لِطُولِ زَمَانِهِ بَرَّ، لِأَنَّ الشُّرُوعَ فِي الْقَضَاءِ كَالْقَضَاءِ، فَإِنْ أَخَّرَ الْقَضَاءَ فِي لَيْلَةِ شَكٍّ فِي دُخُولِ رَمَضَانَ ثُمَّ بَانَ أَنَّهَا مِنْ رَمَضَانَ، فَفِي حِنْثِهِ قَوْلَانِ كَالنَّاسِي وَالْمُكْرَهِ، فَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ بِقَوْلِي إِلَى رَمَضَانَ أَيْ: فِي رَمَضَانَ، دِينَ فِي الْبَاطِنِ لِاحْتِمَالِ مَا أَرَادَ لِأَنَّهَا حُرُوفٌ تُقَامُ بَعْضُهَا مَقَامَ بَعْضٍ، كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) {طه: 71) أَيْ: عَلَيْهَا فَأَمَّا فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ فَيَحْنَثُ إِذَا تَعَلَّقَ بِيَمِينِهِ حَقُّ آدَمِيٍّ مِنْ طَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ اعْتِبَارًا بِحَقِيقَةِ اللَّفْظِ دُونَ مَجَازِهِ، فَإِنْ حَلَفَ لَأَقْضِيَنَّكَ حَقَّكَ عِنْدَ رَمَضَانَ لَمْ يَبَرَّ بِقَضَائِهِ قَبْلَ رَمَضَانَ، لِأَنَّ كَلِمَةَ عِنْدَ مَوْضُوعَةٌ لِلْمُقَارَبَةِ، فَإِذَا أَهَلَّ رَمَضَانُ احْتَمَلَ مَا يُعْتَبَرُ فِي بِرِّهِ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يُعْتَبَرُ بِإِمْكَانِ الْقَضَاءِ عِنْدَ دُخُولِهِ، فَإِنْ أَخَّرَهُ حَنِثَ كَمَا لَوْ قَالَ عِنْدَ رَأْسِ الشَّهْرِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَكُونُ جَمِيعُ الشَّهْرِ وَقْتًا لِلْبِرِّ، لِأَنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ عَلَى جُزْءٍ مِنْهُ، فَصَارَ حُكْمُ آخِرِهِ كَحُكْمِ أَوَّلِهِ.
(فَصْلٌ:)
وَأَمَّا ال
ْمَسْأَلَةُ
الثَّالِثَةُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا، فَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ عِنْدَ رَأْسِ الْهِلَالِ، أَوْ إِلَى رَأْسِ الْهِلَالِ، فَالَّذِي نَقَلَهُ الْمُزَنِيُّ فِيهَا عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ قَوْلِهِ: إِلَى رَأْسِ الْهِلَالِ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: عِنْدَ رَأْسِ الْهِلَالِ فِي أَنَّهُ يَحْنَثُ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، لِيَكُونَ زمان البر فيها بين وقتي حنث بتقدم أَحَدِهِمَا عَلَى رَأْسِ الْهِلَالِ وَيتَأَخر الْآخَرِ عَنْهُ، وَجَمَعَ الْمُزَنِيُّ بَيْنَ قَوْلِهِ إِلَى رَأْسِ الْهِلَالِ، وإلى رَمَضَانَ فِي أَنَّ زَمَانَ الْبِرِّ مِنْ وَقْتِ يَمِينِهِ، وَإِلَى رَأْسِ الْهِلَالِ، كَمَا كَانَ فِي وَقْتِ يَمِينِهِ إِلَى رَمَضَانَ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: وَهُوَ الصَّحِيحُ أَنَّ الْأَمْرَ عَلَى مَا قَالَهُ الْمُزَنِيُّ مِنَ اخْتِلَافِ الْحُكْمِ بَيْنَ قَوْلِهِ: عِنْدَ رَأْسِ الْهِلَالِ، فِي أَنَّ وَقْتَ الْبِرِّ يَكُونُ مَعَ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ بَيْنَ زَمَانَيْ حِنْثٍ، وَقَوْلِهِ: عِنْدَ رَأْسِ الْهِلَالِ، أَنَّ الْبِرَّ مِنْ وَقْتِ يَمِينِهِ وَإِلَى رُؤْيَةِ الْهِلَالِ، فَيَكُونُ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ وَقْتًا لِحِنْثِهِ، وَرُؤْيَتُهُ فِي قَوْلِهِ: عِنْدَ رَأْسِ الْهِلَالِ وَقْتًا لِبَرِّهِ لِأَنَّ لَفْظَةَ " إِلَى " مَوْضُوعَةٌ فِي اللُّغَةِ لِلْحَدِّ وَالْغَايَةِ، وَلَفْظَةَ: عِنْدَ مَوْضُوعَةٌ لِلْمُقَارَبَةِ، فَاخْتَلَفَ حُكْمُهُمَا لِاخْتِلَافِ مَوْضُوعِهِمَا، كَمَا اخْتَلَفَ حُكْمُ قَوْلِهِ: إلى رمضان، وعند رَمَضَانَ، وَأَجَابَ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْوَجْهِ عَنْ جَمْعِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ جَوَابَهُ وَإِنْ كَانَ مَعْطُوفًا عَلَيْهِمَا فَهُوَ عَائِدٌ إِلَى قَوْلِهِ: عِنْدَ رَأْسِ الْهِلَالِ وَلَمْ يَعُدْ إِلَى قَوْلِهِ: إِلَى رَأْسِ الْهِلَالِ، وَلِلشَّافِعِيِّ عَادَةٌ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ مَسْأَلَتَيْنِ يَعْطِفُ بِالْجَوَابِ عَلَيْهِمَا، فَيُرِيدُ به إِحْدَاهُمَا اكْتِفَاءً بِمَا عُرِفَ مِنْ مَذْهَبِهِ فِي الْأُخْرَى وَلَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ أَنَّ " إِلَى " وَ " عِنْدَ " مُخْتَلِفَا الْمَعْنَى فِي اللُّغَةِ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَا مُخْتَلِفَيْنِ فِي الْحُكْمِ فِي الشَّرْعِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّ جَمْعَ الشَّافِعِيِّ بَيْنَ عِنْدَ رَأْسِ الْهِلَالِ، وإلى رَأْسِ الْهِلَالِ صحيحٌ.
وَأَنَّ كِلَيْهِمَا فِي الْبِرِّ وَالْحِنْثِ واحدٌ، وَأَنَّ رَأْسَ الْهِلَالِ وَقْتُ الْبِرِّ فِيهِمَا، وَأَنَّ مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ وَقْتُ الْحِنْثِ فِيهِمَا، لِأَنَّ لَفْظَةَ " إِلَى " قَدْ تُسْتَعْمَلُ لِلْحَدِّ تَارَةً وَلِلْمُقَارَبَةِ تَارَةً كَمَا قَالَ تَعَالَى: {مَنْ أنْصَارِيَ إِلَى اللهِ) {الصف: 14) أَيْ: مَعَ اللَّهِ، {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) {المائدة: 6) ، أَيْ: مَعَ الْمَرَافِقِ، فَلَمَّا احْتَمَلَ أَنْ تَكُونَ لِلْحَدِّ تَارَةً، وَلِلْمُقَارَبَةِ أُخْرَى، صَارَ الْحِنْثُ فِي جَعْلِهَا لِلْحَدِّ مَشْكُوكًا فِيهِ، وَفِي جَعْلِهَا لِلْمُقَارَبَةِ مُتَيَقِّنًا، فَحَنِثَ بِالْيَقِينِ دُونَ الشَّكِّ، وَفَرَّقَ أَبُو إِسْحَاقَ وَمَنْ تَابَعَهُ، بَيْنَ قَوْلِهِ إِلَى رَأْسِ الشَّهْرِ فَيَكُونُ لِلْمُقَارَبَةِ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: إِلَى رَمَضَانَ فَيَكُونُ لِلْحَدِّ بِأَنَّ رَأْسَ الشَّهْرِ مُعَيَّنٌ لِلْقَضَاءِ، فَغَلَبَ حُكْمُ الْوَقْتِ عَلَى حُكْمِ اللَّفْظِ فَحُمِلَ
علَى الْمُقَارَبَةِ، وَرَمَضَانُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ لِلْقَضَاءِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ جَمِيعُهُ وَقْتًا لَهُ، فَغَلَبَ حُكْمُ اللَّفْظِ عَلَى حُكْمِ الْوَقْتِ فَحُمِلَ عَلَى الْحَدِّ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ إنَّ الشَّافِعِيَّ جَمَعَ بَيْنَ " عِنْدَ " وَ " إِلَى " فِي الْحِنْثِ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي الْبِرِّ، فَإِذَا قَالَ عِنْدَ رَأْسِ الشَّهْرِ لَمْ يَبَرَّ إِلَّا بِدَفْعِهِ مَعَ رَأْسِ الشَّهْرِ وَإِذَا قَالَ: إِلَى رَأْسِ الشَّهْرِ بَرَّ بِدَفْعِهِ فِي وَقْتِهِ، وَإِلَى عِنْدِ رَأْسِ الشَّهْرِ، لِأَنَّ عِنْدَ لَمْ توضع إلا للمقاربة، وإلى قد وصفت للمقاربة تارة، وللحد آخر: فَاجْتَمَعَ فِيهِمَا حُكْمُ الْمُقَارَبَةِ وَحُكْمُ الْحَدِّ فَوَجَبَ أن يتعلق بهما الحكمان معاً فصارا الأجل ذَلِكَ مُجْتَمِعَيْنِ فِي الْحِنْثِ إِنْ لَمْ يَقْضِهِ حَتَّى جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ حَنِثَ، وَمُفْتَرِقَيْنِ فِي الْبِرِّ إِنْ قَضَاهُ فِي قَوْلِهِ: إِلَى رَأْسِ الشَّهْرِ قَبْلَ الشَّهْرِ بَرَّ، وَإِنْ قَضَاهُ فِي قَوْلِهِ: عِنْدَ رَأْسِ الشَّهْرِ قَبْلَ الشَّهْرِ لَمْ يبر والله أعلم.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَلَوْ قَالَ إِلَى حينٍ فَلَيْسَ بمعلومٍِ لِأَنَّهُ يَقَعُ عَلَى مُدَّةِ الدُّنْيَا ويومٍ وَالْفُتْيَا أَنْ يُقَالُ لَهُ الْوَرَعُ لَكَ أَنْ تَقْضِيَهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ يومٍ لِأَنَّ الْحِينَ يَقَعُ عَلَيْهِ مِنْ حِينِ حَلَفْتَ وَلَا نُحَنِّثُكَ أَبَدًا لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ لِلْحِينِ غَايَةً ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْحِينُ من الزمان فجمعهم لَا حَدَّ لَهُ فِي الشَّرْعِ عِنْدَنَا، وَحَدَّهُ أَبُو حَنِيفَةَ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَحَدَّهُ مَالِكٌ بِسَنَةٍ، فَإِذَا حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ إِلَى حِينٍ لَمْ يَحْنَثْ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ إِلَّا بِفَوَاتِ الْقَضَاءِ بِمَوْتِهِ أَوْ مَوْتِ صَاحِبِ الْحَقِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ قَضَاهُ فِي سِتَّةِ أَشْهُرِ بَرَّ، وَإِنْ قَضَاهُ بَعْدَهَا حَنِثَ، وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ قَضَاهُ إِلَى سَنَةٍ بَرَّ، وَإِنْ قَضَاهُ بَعْدَهَا حَنِثَ، وَاسْتِدْلَالُنَا عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ فَقَدَّرَهُ أَبُو حَنِيفَةَ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، لِأَنَّهَا فِي النَّخْلِ مُدَّةُ حَمْلِهَا مِنْ أَوَّلِ طَلْعِهَا إِلَى آخر جذاؤها، وَقَدَّرَهُ مَالِكٌ بِسَنَةٍ، لِأَنَّهَا تَحْمِلُ مِنْ كُلِّ سنة، فتكون من الإطلاع إلى الإطلاع ستة.
وَدَلِيلُنَا هُوَ أَنَّ الْحِينَ اسْمٌ مُبْهَمٌ، يَنْطَلِقُ عَلَى قَلِيلِ الزَّمَانِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ) {الروم: 17) وَأَرَادَ بِهِ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ، وَيَنْطَلِقُ عَلَى مُدَّةِ الدُّنْيَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حينٍ) {ص: 88) يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَنْطَلِقُ عَلَى مَا بَيْنَ الزَّمَانَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ) {الإنسان: 1) يَعْنِي: تِسْعَةَ أَشْهُرٍ هِيَ مُدَّةُ حَمْلِهِ، وَقِيلَ: هِيَ أَرْبَعُونَ سَنَةً إِشَارَةً إِلَى آدَمَ أَنَّهُ صُوِّرَ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ وَطِينٍ لازبٍ، ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ بَعْدَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمُرَادُ بِهِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ لَا يَخْتَصُّ بِزَمَانٍ دُونَ غَيْرِهِ، وَيَنْطَلِقُ عَلَى قَلِيلِ الزَّمَانِ وَكَثِيرِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَقَضَاهُ قَبْلَ مَوْتِهِ،
وَلَوْ بِطَرْفَةِ عَيْنٍ بَرَّ فِي يَمِينِهِ، لِأَنَّهُ قَضَاهُ فِي زَمَانٍ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْحِينِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَأُفْتِيهِ وَرَعًا أَنْ يَقْضِيَهُ فِي يَوْمِهِ، وَأَنْ يُحَنِّثَ نَفْسَهُ إِنْ قَضَاهُ بَعْدَ انْقِضَائِهِ، لِيُحْمَلَ عَلَى أَقَلِّ مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ، وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْ ذلك في الحكم.
(فصل:)
قال: وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا إِذَا حَلَفَ لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا إِلَّا بَعْدَ حِينٍ فَكَلَّمَهُ بَعْدَ سَاعَةٍ مِنْ يَمِينِهِ بَرَّ لِوُجُودِ الْكَلَامِ بَعْدَ زَمَانٍ يَنْطَلِقُ اسْمُ الْحِينِ عَلَيْهِ.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَبَرُّ حَتَّى يُكَلِّمَهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ.
وَعِنْدَ مَالِكٍ لَا يَبَرُّ حَتَّى يُكَلِّمَهُ بَعْدَ سَنَةٍ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِهِمْ فِي مُدَّةِ الْحِينِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَالَّتِي تَقَدَّمَتْ أَنَّ هَذِهِ نَفْيٌ وَتِلْكَ إِثْبَاتٌ، فَإِذَا وُجِدَ الْفِعْلُ فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فِي زَمَانٍ يَنْطَلِقُ اسْمُ الْحِينِ عَلَيْهِ بَرَّ، وَقَلِيلُ الزَّمَانِ حِينٌ، فَبَرَّ في النفي، وكثيره حين فبر الإثبات والله أعلم.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وكذلك زمانٌ ودهرٌ وأحقابٌ وكل كلمةٍ مفردةٍ ليس لها ظاهرٌ يدل عليها ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ: إِذَا حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ بَعْدَ زَمَانٍ أَوْ بَعْدَ دهرٍ أَوْ بَعْدَ أَحْقَابٍ بَرَّ إِذَا قَضَاهُ بَعْدَ قَلِيلِ الزَّمَانِ وَكَثِيرِهِ كَالْحِينِ، لِأَنَّهَا أَسْمَاءٌ مُبْهَمَةٌ يَنْطَلِقُ عَلَى مَا قَلَّ وَكَثُرَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَقَلُّ الزَّمَانِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَأَقَلُّ الْحِقَبِ ثَمَانُونَ سَنَةً، وَقَالَ مَالِكٌ أَقَلُّهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً وَلَيْسَ لِهَذَا التَّحْدِيدِ وَجْهٌ لِعَدَمِ النَّصِّ فِيهِ وَالْقِيَاسِ، وَهُوَ فِي الْجُمْلَةِ عِبَارَةٌ عَنْ زَمَانٍ غَيْرِ مَحْدُودٍ وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ وَلَوْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا فَإِنَّهُ غَيْرُ مَحْدُودٍ فَجَازَ أَنْ يَقْضِيَهُ فِي قَلِيلِ الزَّمَانِ وَكَثِيرِهِ، وَكَذَلِكَ قَرِيبُ الزَّمَانِ وَبِعِيدُهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْقَرِيبِ: إِنَّهُ أَقَلُّ مِنْ شَهْرٍ، وَفِي الْبَعِيدِ: إِنَّهُ أَكْثَرُ مِنْ شَهْرٍ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ قَرِيبًا بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا هُوَ أَبْعَدُ وَيَكُونُ بَعِيدًا بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا هُوَ أَقْرَبُ، فَصَارَ كَقَوْلِهِ: لَهُ عَلَيَّ مَالٌ كَثِيرٌ أَوْ قَلِيلٌ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ:)
قَالَ الشافعي: " ولو حلف لا يشتري فأمر غيره أَوْ لَا يُطَلِّقُ فَجَعَلَ طَلَاقَهَا إِلَيْهَا فَطلقت أَوْ لَا يَضْرِبُ عَبْدَهُ فَأَمَرَ غَيْرَهُ فَضَرَبَهُ لَا يَحْنَثُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى ذَلِكَ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَخْلُو حَالُ مَنْ حَلَفَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا فَأَمَرَ غَيْرَهُ حَتَّى فَعَلَهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَنْوِيَ لَا يَفْعَلُهُ بِنَفْسِهِ، فَلَا يحنث إذا أمر غيره بفعله، لا يختلف المذهب فيه اعتباراً بنيته، سَوَاءٌ جَلَّ قَدْرُ الْحَالِفِ أَوْ قَلَّ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَنْوِيَ أَنَّهُ لَا كَانَ مِنْهُ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ الْفِعْلَ وَلَا كَانَ بَاعِثًا عَلَيْهِ فَيَحْنَثُ إِذَا أَمَرَ غَيْرَهُ بِفِعْلِهِ كَمَا يَحْنَثُ إِذَا فَعَلَهُ بِنَفْسِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ بَاعِثًا عَلَيْهِ سَوَاءٌ جَلَّ قَدْرُ الْحَالِفِ أَوْ قَلَّ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ تَكُونَ يَمِينُهُ مُطْلَقَةً لَمْ تَقْتَرِنْ بِهَا نِيَّةٌ، فَيَنْقَسِمُ ذَلِكَ الْفِعْلُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ ثَلَاثَةَ أقسامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْعُرْفُ فِي فِعْلِهِ جَارِيًا بِالْأَمْرِ دُونَ الْمُبَاشَرَةِ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ، كَقَوْلِهِ: وَاللَّهِ لَا احْتَجَمْتُ، وَلَا افْتَصَدْتُ وَلَا حَلَقْتُ رَأْسِي، وَلَا بَنَيْتُ دَارِي، فَإِذَا أَمَرَ غَيْرَهُ بِالْحِجَامَةِ وَفَصَدَهُ وَحَلَقَ رأسه، وبناء دَارَهُ حَنِثَ سَوَاءٌ جَلَّ قَدْرُ الْحَالِفِ أَوْ قَلَّ، لِأَنَّهُ لَمْ يَجْرِ فِي الْعُرْفِ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ جَلِيلٍ أَنْ يُبَاشِرَ فِعْلَهَا فِي نَفْسِهِ إِلَّا بِأَمْرِهِ، فَصَارَ الْعُرْفُ فِيهِ شَرْطًا يَصْرِفُ حَقِيقَةَ الْفِعْلِ إِلَى مَجَازِهِ فَيَصِيرُ اعْتِبَارُ الْمَجَازِ إِذَا اقْتَرَنَ بِالْعُرْفِ أَوْلَى مِنَ اعْتِبَارِ الْحَقِيقَةِ إِذَا فَارَقَ الْعُرْفَ لِأَنَّ الْعُرْفَ ناقلٌ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْعُرْفُ فِي فِعْلِهِ جَارِيًا بِمُبَاشَرَتِهِ دُونَ أَمْرِهِ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ كَقَوْلِهِ: وَاللَّهِ لَا كَتَبْتُ، وَلَا قَرَأْتُ وَلَا حَجَجْتُ، وَلَا اعْتَمَرْتُ فَإِذَا أَمَرَ غَيْرَهُ بِالْكِتَابَةِ وَالْقِرَاءَةِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لَمْ يَحْنَثْ سَوَاءٌ جَلَّ قَدْرُ الْحَالِفِ أَوْ قَلَّ، لِأَنَّ الْعُرْفَ جارٍ بَيْنَ النَّاسِ بِمُبَاشَرَةِ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ قَلِيلٍ وَجَلِيلٍ، فَصَارَ الْعُرْفُ مُقْتَرِنًا بِالْحَقِيقَةِ دُونَ الْمَجَازِ فَخَرَجَ مَجَازُهُ عَنْ حُكْمِهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْعُرْفُ مُخْتَلِفًا فِي مُبَاشَرَةِ فِعْلِهِ فَيُبَاشِرُهُ مَنْ دَنَا، وَلَا يُبَاشِرُهُ مَنْ عَلَا، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقْتَرِنَ بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ فِي الِاخْتِلَافِ بَيْنَهُمَا عُرْفُ الشَّرْعِ وَهُوَ إِقَامَةُ الْحُدُودِ الَّتِي لَا يُقِيمُهَا فِي الشَّرْعِ وَالْعُرْفِ إِلَّا أُولُو الْأَمْرِ مِنْ ذِي وِلَايَةٍ وَسُلْطَانٍ، فَيَحْنَثُ الْآمِرُ بِهَا إِنْ كَانَ مِنْ أُولِي الْأَمْرِ وَإِنْ لَمْ يُبَاشِرْهَا، كَمَا قِيلَ: جَلَدَ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - زَانِيًا، وَرَجَمَ مَاعِزًا وَقَطَعَ سَارِقًا، وَلَا يَحْنَثُ بِهَا غَيْرُ أُولِي الْأَمْرِ حَتَّى يُبَاشِرَهَا بِفِعْلِهِ، لأنه غير نافذ الأسر فِيهِمَا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَنْفَرِدَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمَا بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ دُونَ عُرْفِ الشَّرْعِ، فَيُبَاشِرُهُ مَنْ دَنَا، وَلَا يُبَاشِرُهُ مَنْ عَلَا تَنَزُّهًا وَتَصَوُّنًا كَعُقُودِ الْبُيُوعِ وَالْأَشْرِبَةِ وَتَأْدِيبِ الْعَبِيدِ وَالْخَدَمِ، فَيَنْقَسِمُ حَالُ الْحَالِفِ وَالْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ عُرْفُ الْحَالِفِ جَارِيًا بِمُبَاشَرَتِهِ، كرجلٍ مِنْ عَوَامِّ السُّوقَةِ حَلَفَ
لَا بَاعَ وَلَا اشْتَرَى، وَلَا تَزَوَّجَ وَلَا طَلَّقَ، وَلَا ضَرَبَ عَبْدًا، وَلَا أَدَّبَ خَادِمًا، فَإِذَا أَمَرَ غَيْرَهُ بِأَنْ بَاعَ لَهُ وَاشْتَرَى وَزَوَّجَهُ وَطَلَّقَ عَنْهُ وَضَرَبَ عَبْدَهُ وَأَدَّبَ خَادِمَهُ لَمْ يَحْنَثْ فِي هَذَا كُلِّهِ، وَقَالَ مَالِكٌ: يَحْنَثُ فِي هَذَا كُلِّهِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ كَانَ هَذَا الْعَقْدُ مِمَّا إِذَا بَاشَرَهُ الْوَكِيلُ أَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ كَالشِّرَى، يَقُولُ: اشْتَرَيْتُ هَذِهِ الدَّارَ لِمُوَكِّلِي لَمْ يَحْنَثِ الْمُوَكِّلُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُضِيفُهُ إِلَى نَفْسِهِ كَالنِّكَاحِ يَقُولُ: قَبِلْتُ هَذَا النِّكَاحَ لِمُوَكِّلِي، وَلَا يَقُولُ: نَكَحْتُ لِمُوَكِّلِي، كَمَا يَقُولُ: اشْتَرَيْتُ لِمُوَكِّلِي حَنِثَ الْمُوَكِّلُ، وَكِلَا الْمَذْهَبَيْنِ مدخولٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ جَمِيعَهَا سَوَاءٌ فِي أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ الْآمِرُ بِهَا وَالْمُوَكِّلُ فِيهَا إِذَا كَانَ الْعُرْفُ بِمُبَاشَرَتِهِ لَهَا جَارِيًا، لِأَنَّ الْأَيْمَانَ تُحْمَلُ عَلَى حَقَائِقِ الْأَسْمَاءِ وَالْأَفْعَالِ، مَا لَمْ يَنْقُلْهَا عُرْفُ الْحَقِيقَةِ فِي هَذِهِ الْأَفْعَالِ بِمُبَاشَرَتِهَا، وَالْعُرْفُ مُقْتَرِنٌ بِهَا، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَعْدِلَ فِي الْأَمْرِ بِهَا عَنِ الْحَقِيقَةِ وَالْعُرْفِ إِلَى مَجَازٍ تَجَرَّدَ عَنِ الْعُرْفِ فَعَلَى هَذَا لَوْ حَلَفَ عَلَى امْرَأَتِهِ أَنَّهُ لَا يُطَلِّقُهَا، فَرَدَّ إِلَيْهَا الطَّلَاقَ، فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مُطَلِّقًا، وَإِنَّمَا يَكُونُ مُخَيِّرًا فِي الطَّلَاقِ، وَلَوْ قَالَ لَهَا: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَدَخَلَتْهَا طُلِّقَتْ وَحَنِثَ، لِأَنَّهُ مُطَلِّقٌ لَهَا عَلَى صفةٍ وَقَعَتْ مِنْهَا فَلِذَلِكَ افْتَرَقَا.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عُرْفُ الْحَالِفِ جَارِيًا بِالِاسْتِنَابَةِ دُونَ مُبَاشَرَتِهِ، وَإِنْ بَاشَرَهُ اسْتَنْكَرَتْهُ النُّفُوسُ مِنْهُ، كَالسُّلْطَانِ أَوْ مَنْ قاربه في رتبته إذا حلف، ولا بَاعَ وَلَا اشْتَرَى، وَلَا ضَرَبَ عَبْدًا، وَلَا أَدَّبَ خَادِمًا، فَإِذَا وَكَّلَ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَأَمَرَ بِضَرْبِ عَبْدِهِ وَبِأَدَبِ خَادِمِهِ فَفِي حِنْثِهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: تَفَرَّدَ الرَّبِيعُ بِنَقْلِهِ وَتَفَرَّدَ بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، أَنَّهُ يَحْنَثُ اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ، لِأَنَّ الْعُرْفَ قَدْ صَارَ مُقْتَرِنًا بِالْمَجَازِ دُونَ الْحَقِيقَةِ، وَالْعُرْفُ نَاقِلٌ، كَمَا لَوْ حَلَفَ: لَا أَكَلْتُ رُؤوسًا، لَمْ يَحْنَثْ بِرُؤُوسِ الطَّيْرِ وَالْجَرَادِ، وَإِنْ وُجِدَ حَقِيقَةُ الِاسْمِ فِيهَا، لِأَنَّ الْعُرْفَ لَمَّا اخْتَصَّ بِرُؤُوسِ الْغَنَمِ نَقَلَ عَمَّا عَدَاهَا حَقِيقَةَ الِاسْمِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَمَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ فِيهَا الْمُبَاشَرَةُ لَهَا دُونَ الْأَمْرِ بِهَا، وَالْحَقِيقَةُ لَا تُنْقَلُ إِلَّا بِعُرْفٍ عَامٍّ، كَمَا قِيلَ فِي الرُّؤوسِ، وَهَذَا عُرْفٌ خَاصٌّ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْتَقِلَ بِهِ الْحَقِيقَةُ، كَمَا لَوْ حَلَفَ سُلْطَانٌ: لَا أَكَلْتُ خُبْزًا وَلَا لَبِسْتُ ثَوْبًا، فَأَكَلَ خُبْزَ الذُّرَةِ وَلَبِسَ عَبَاءَةً حنث وإن لم تجز عَادَتُهُ بِأَكْلِ الذُّرَةِ وَلُبْسِ الْعَبَاءَةِ، لِأَنَّهُ عُرْفٌ خاصٌ وَلَيْسَ بِعَامٍّ، فَلِذَلِكَ سَاوَى فِيهِ عُرْفَ الْعُمُومِ فَكَذَلِكَ فِي هَذِهِ الْعُقُودِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ عُرْفُ الْحَالِفِ جَارِيًا بِالِاسْتِنَابَةِ فِيهِ، لَكِنْ إِنْ بَاشَرَهُ لَمْ تَسْتَنْكِرْهُ النُّفُوسُ مِنْهُ، وَلَا تَسْتَقْبِحْهُ، كَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، لَا يُسْتَقْبَحُ مِنَ السُّلْطَانِ أَنْ يُبَاشِرَهُ بِنَفْسِهِ، فَإِذَا حَلَفَ سُلْطَانٌ لَا نَكَحَ وَلَا طَلَّقَ، وَلَا أَعْتَقَ، فوكل في
النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يعتبر حكم عرفه أو يعتبر ما تَسْتَنْكِرُهُ النُّفُوسُ مِنْ فِعْلِهِ، عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يُعْتَبَرُ حُكْمُ عُرْفِهِ، لِأَنَّهُ أَخَصُّ بِهِ، فَعَلَى هَذَا فِي حِنْثِهِ قَوْلَانِ: وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُعْتَبَرُ مَا لَا تَسْتَنْكِرُهُ النُّفُوسُ مِنْ فِعْلِهِ، لِأَنَّهُ أَعَمُّ فَعَلَى هَذَا لَا يَحْنَثُ قَوْلًا وَاحِدًا، والله أعلم.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَمَنْ حَلَفَ لَا يَفْعَلُ فِعْلَيْنِ أَوْ لَا يَكُونُ أَمْرَانِ، لَمْ يَحْنَثْ حَتَى يَكُونَا جَمِيعًا وحتى يأكل كل الذي حلف أن لا يأكله ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: عَقْدُ الْيَمِينِ عَلَى فِعْلَيْنِ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَعْقِدَ عَلَى إِثْبَاتِهِمَا.
وَالثَّانِي: أَنْ يَعْقِدَ عَلَى نَفْيِهِمَا.
فَإِنْ كَانَتْ مَعْقُودَةً عَلَى إِثْبَاتِهِمَا كَقَوْلِهِ: وَاللَّهِ لَآكُلَنَّ هَذَيْنِ الرَّغِيفَيْنِ، وَلَأَلْبَسَنَّ هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ، وَلِأَرْكَبَنَّ هَاتَيْنِ الدَّابَّتَيْنِ، فَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْقَضَاءِ أَنَّهُ لَا يَبَرُّ إِلَّا بِفِعْلِهِمَا فَيَأْكُلُ الرَّغِيفَيْنِ، وَيَلْبَسُ الثَّوْبَيْنِ وَيَرْكَبُ الدَّابَّتَيْنِ فَإِنْ أكل إحدى الرَّغِيفَيْنِ وَلَبِسَ أَحَدَ الثَّوْبَيْنِ وَرَكِبَ إِحْدَى الدَّابَّتَيْنِ لَمْ يَبَرَّ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتِ الْيَمِينُ مَعْقُودَةً عَلَى نَفْيٍ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَكَلْتُ هَذَيْنِ الرَّغِيفَيْنِ، وَلَا لَبِسْتُ هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ، وَلَا رَكِبْتُ هَاتَيْنِ الدَّابَّتَيْنِ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ إِلَّا بِهِمَا، كَمَا لَا يَبَرُّ إِلَّا بِهِمَا، فَإِنْ أَكَلَ أَحَدَ الرَّغِيفَيْنِ، وَلَبِسَ أَحَدَ الثَّوْبَيْنِ، وَرَكِبَ إِحْدَى الدَّابَّتَيْنِ لَمْ يَحْنَثْ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَحْنَثُ بِفِعْلِ أَحَدِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَبَرَّ إِلَّا بِهِمَا وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إنَّ الْإِثْبَاتَ إِبَاحَةٌ، وَالنَّفْيَ حظرٌ، وَالْحَظْرَ أَغْلَبُ مِنَ الْإِبَاحَةِ.
وَالثَّانِي: إنَّ الْأَيْمَانَ مَوْضُوعَةٌ عَلَى التَّغْلِيظِ، وَالتَّغْلِيظُ فِي النَّفْيِ أَنْ يَحْنَثَ بِأَحَدِهِمَا، وَفِي الْإِثْبَاتِ أَنْ لَا يَبَرَّ إِلَّا بِهِمَا، وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إنَّ فِعْلَ بَعْضِ الشَّيْءِ لَا يَقُومُ مَقَامَ فِعْلِ جَمِيعِهِ فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ مَعًا وِفَاقًا وَشَرْعًا، لِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ، فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ أَوْ إِحْدَى رِجْلَيْهِ لَمْ يَحْنَثْ.
وَلَوْ حَلَفَ لَيَدْخُلَنَّهَا، فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ أَوْ إِحْدَى رِجْلَيْهِ لَمْ يَبَرَّ وَهَذَا وِفَاقٌ قَدْ وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ، قَدِ اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي مَسَاجِدِهِ فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ مِنْهُ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهَا لِتَغْسِلَهُ، وَلَمْ يُؤَثِّرْ في اعتكافه.
وَقَالَ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ، وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ: لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ لَمْ تَنْزِلْ عَلَى أحدٍ قَبْلِي إِلَّا عَلَى أَخِي سُلَيْمَانَ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ آيَةٍ هِيَ؟ قَالَ: لَا أَخْرُجُ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى أُعْلِمَكَ فَتَوَجَّهَ لِلْخُرُوجِ، وَقَدَّمَ إِحْدَى رِجْلَيْهِ فَأَخْرَجَهَا ثُمَّ قَالَ لِلرَّجُلِ: بِمَ تَسْتَفْتِحُ صَلَاتَكَ قَالَ: بِبسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قَالَ: " هِيَ، هِيَ ".
فَدَلَّ عَلَى أَنَّ إِخْرَاجَ إِحْدَى رِجْلَيْهِ لَا يَكُونُ خُرُوجًا، وَإِذَا كَانَ بَعْضُ الْفِعْلِ لَا يَقُومُ مَقَامَ جَمِيعِ الْفِعْلِ، فَأَحَدُ الْفِعْلَيْنِ أَوْلَى أَنْ لَا يَقُومَ مَقَامَ الْفِعْلَيْنِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا اسْتَوَى الْفِعْلَانِ فِي شَرْطِ الْبِرِّ وَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي شَرْطِ الْحِنْثِ، لِتَرَدُّدِ الْيَمِينِ بَيْنَ بِرٍّ وَحِنْثٍ؟ وَفَرقاه بَيْنَهُمَا منتقضٌ بِفِعْلِ بَعْضِ الشَّيْءِ حَيْثُ لَمْ يَقُمْ مَقَامَ جَمِيعِهِ فِي الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ مَعًا مَعَ وُجُودِ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ فِيهِمَا.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَلَوْ قَالَ وَاللَّهِ لَا أَشْرَبُ مَاءَ هَذِهِ الْإِدَاوَةِ أَوْ مَاءَ هَذَا النَّهْرِ لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَشْرَبَ مَاءَ الْإِدَاوَةِ كُلَّهُ وَلَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى شُرْبِ مَاءِ النَّهْرِ كُلِّهِ وَلَوْ قَالَ مِنْ مَاءِ هَذِهِ الْإِدَاوَةِ أَوْ مِنْ مَاءِ هَذَا النَّهْرِ حَنِثَ إِنْ شَرِبَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا إِذَا حَلَفَ لَا شَرِبْتُ مِنْ مَاءِ هَذِهِ الْإِدَاوَةِ، وَلَا شَرِبْتُ مِنْ مَاءِ هَذَا النَّهْرِ، فَالْيَمِينُ مَعْقُودَةٌ عَلَى بَعْضِ مَاءِ الْإِدَاوَةِ وَبَعْضِ مَاءِ النَّهْرِ، لِدُخُولِ حَرْفِ التَّبْعِيضِ عَلَيْهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ: (مِنْ) فَأَيُّ قَدْرٍ شَرِبَ مِنْ مَاءِ الْإِدَاوَةِ وَمَاءِ النَّهْرِ حَنِثَ مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، وَكَذَا فِي الْإِثْبَاتِ لَوْ حَلَفَ لَيَشْرَبَنَّ مِنْ مَاءِ هَذِهِ الْإِدَاوَةِ أَوْ مِنْ مَاءِ هَذَا النَّهْرِ، فَأَيُّ قَدْرٍ شَرِبَ مِنْهُمَا مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ بَرَّ فِي يَمِينِهِ ارْتَوَى بِهِ أَوْ لَمْ يَرْتَوِ.
فَأَمَّا إِذَا حَذَفَ مِنْ يَمِينِهِ حَرْفَ التبعض فَأَطْلَقَهَا، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَأَشْرَبَنَّ مَاءَ هَذِهِ الْإِدَاوَةِ لَمْ يَحْنَثْ بِشُرْبِ بَعْضِهِ، وَإِنْ حَنَّثَهُ مَالِكٌ، لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ فِي إِطْلَاقِ الْيَمِينِ تُوجِبُ الِاسْتِيعَابَ فَإِنْ قِيلَ: أَفَلَيْسَ لَوْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَكَلْتُ طَعَامًا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ، فَأَكَلَ بَعْضَهُ حَنِثَ، فَهَلَّا حَنِثَ بِشُرْبِ بَعْضِ الْمَاءِ، كَمَا حَنِثَ بِأَكْلِ بَعْضِ الطَّعَامِ.
قِيلَ: لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِشُرْبِ بَعْضِ الْمَاءِ وَفِي حِنْثِهِ بِأَكْلِ بَعْضِ الطَّعَامِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: إنَّهُ كَمَا لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ بَعْضِهِ فَعَلَى هَذَا قَدِ اسْتَوَيَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، إنَّهُ يَحْنَثُ بِأَكْلِ بَعْضِ الطَّعَامِ، وَإِنْ لَمْ يَحْنَثْ إِلَّا بِشُرْبِ جَمِيعِ الْمَاءِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَاءَ فِي الْإِدَاوَةِ مِقْدَارٌ يَنْطَلِقُ عَلَى جَمِيعِهِ، وَلَا يَنْطَلِقُ عَلَى بَعْضِهِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَحْنَثْ بِشُرْبِ بَعْضِهِ وَشِرَاءُ زَيْدٍ لِلطَّعَامِ صِفَةٌ تَنْطَلِقُ عَلَى بَعْضِهِ، كَمَا تَنْطَلِقُ عَلَى جَمِيعِهِ، فَلِذَلِكَ حَنِثَ بِأَكْلِ بَعْضِهِ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْحِنْثَ فِي الْإِدَاوَةِ يَقَعُ بِشُرْبِ مَائِهَا كُلِّهِ، وَلَا يَحْنَثُ بِشُرْبِ بعضه، فذهب
مِنْ مَاءِ الْإِدَاوَةِ قَطْرَةٌ انْحَلَّتِ الْيَمِينُ لِأَنَّهُ لَا حِنْثَ فِيهَا إِنْ شَرِبَ بَاقِيَ مَائِهَا، فَلَوْ شَكَّ أَذَهَبَ مِنْهَا قَطْرَةٌ أَوْ لَمْ يَذْهَبْ، فَشَرِبَ جَمِيعَ مَائِهَا، فَفِي حِنْثِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَحْنَثُ، لِأَنَّ ذَهَابَ الْقَطْرَةِ مَشْكُوكٌ فِيهِ.
والوجه الثاني: لا يحنث، لأت الحنث مشكوك فيه.
فصل
: فأما إذا حلفت لَا شَرِبْتُ مَاءَ هَذَا النَّهْرِ، فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَا سَبِيلَ إِلَى شُرْبِ مَاءِ النَّهْرِ كُلِّهِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِبَرِّهِ وَلَا لِحِنْثِهِ فِيمَا شَرِبَ مِنْهُ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي شُرْبِهِ مِنْهُ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ بحنث بِمَا شَرِبَ مِنْهُ، لِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَحَالَ شُرْبُ جَمِيعِهِ، صَارَتِ الْيَمِينُ مَعْقُودَةً عَلَى مَا لَا يَسْتَحِيلُ لِأَنْ لَا يَصِيرَ بِيَمِينِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ لَغْوًا.
أَلَا تَرَاهُ لَوْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا شَرِبْتُ الْمَاءَ حَنِثَ بِشُرْبِ مَا قَلَّ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ دُخُولُ الْأَلِفِ وَاللَّامِ يَقْتَضِي اسْتِيعَابَ جَمِيعِهِ، لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ شُرْبُ جَمِيعِهِ مِنَ الْمُسْتَحِيلِ، حُمِلَ عَلَى شُرْبِ مَا لَا يَسْتَحِيلُ، كَذَلِكَ مَاءُ النَّهْرِ لَمَّا اسْتَحَالَ شُرْبُ جَمِيعِهِ، حُمِلَ عَلَى مَا لَا يَسْتَحِيلُ مِنْ شُرْبِ بَعْضِهِ، وَتَأَوَّلَ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلَا سَبِيلَ إِلَى شُرْبِ مَاءِ النَّهْرِ كُلِّهِ عَلَى حَمْلِ يَمِينِهِ عَلَى مَا يَجِدُ السَبِيل إِلَيْهِ، وَهُوَ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ مَاءِ النَّهْرِ، فَعَلَى هَذَا: أَيُّ شَيْءٍ شَرِبَ مِنْ مَائِهِ حَنِثَ بِهِ مِمَّا يَرْوِي أَوْ لَا يَرْوِي.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الظَّاهِرَ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِشُرْب شَيْء مِنْ مَائِهِ، لِأَنَّ يَمِينَهُ تَوَجَّهَتْ إِلَى شُرْبِ جَمِيعِهِ، لِأَنَّهُ عَقَدَهَا عَلَى مَاءِ النَّهْرِ، وَلَمْ يُطْلِقْ فَصَارَ النَّهْرُ مِقْدَارًا كَالْإِدَاوَةِ وَلَيْسَ إِذَا اسْتَحَالَ شُرْبُ الْجَمِيعِ وَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى شُرْبِ مَا لَا يَسْتَحِيلُ.
أَلَا تَرَاهُ لَوْ حَلَفَ لَأَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ، وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى صُعُودِ السَّقْفِ، وَقَدْ يُسَمَّى سَمَاءً، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ، وَوَجَبَ حَمْلُ يَمِينِهِ فِي صُعُودِ السَّمَاءِ عَلَى الْحَقِيقَةِ دُونَ الْمَجَازِ كَذَلِكَ فِي شُرْبِ مَاءِ النَّهْرِ فَأَمَّا إِذَا قَالَ: لَا شَرِبْتُ الْمَاءَ، وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ لَفْظُ تَعْرِيفٍ وُضِعَ لِاسْتِيعَابِ الْجِنْسِ تَارَةً وَلِلْمَعْهُودِ أُخْرَى وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا، فَإِذَا اسْتَحَالَ اسْتِيعَابُ الْجِنْسِ حُمِلَ عَلَى الْمَعْهُودِ، وَكَانَ حَقِيقَةً فِيهِ، وَفَارَقَ مَاءَ النَّهْرِ لِأَنَّ الِاسْمَ حَقِيقَةٌ فِي جَمِيعِهِ وَمَجَازٌ فِي بَعْضِهِ، وَتَأَوَّلَ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ: " وَلَا سَبِيلَ إِلَى شُرْبِ مَاءِ النَّهْرِ كُلِّهِ " بِسُقُوطِ حِنْثِهِ.
ثُمَّ يَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فِي النَّفْيِ أَنْ يَعْقِدَ بيمينه عَلَى الْإِثْبَاتِ فَيَقُولَ: وَاللَّهِ لَأَشْرَبَنَّ مَاءَ هَذَا النَّهْرِ، فَعَلَى مُقْتَضَى قَوْلِ أَبِي الْعَبَّاسِ: مَتَى شَرِبَ بَعْضَ مَائِهِ بَرَّ، لِأَنَّهُ
لَمَّا حَنِثَ بِشُرْبِ بَعْضِهِ فِي النَّفْيِ وَجَبَ أَنْ يَبَرَّ بِشُرْبِ بَعْضِهِ فِي الْإِثْبَاتِ، وَعَلَى مُقْتَضَى قَوْلِ الْمَرْوَزِيِّ لَا يَبَرَّ فِي الْإِثْبَاتِ بِشُرْبِ بَعْضِهِ كَمَا لَا يَحْنَثُ فِي النَّفْيِ بِشُرْبِ بَعْضِهِ، وَإِذَا لَمْ يَبَرَّ صَارَ مَحْكُومًا بِحِنْثِهِ، لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى بِرِّهِ، فَصَارَ كَقَوْلِهِ: وَاللَّهِ لَأَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ، يَكُونُ حَانِثًا، لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى الْبِرِّ وَفِي زَمَانِ حِنْثِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: عَقِيبَ يَمِينِهِ، لِأَنَّ اسْتِحَالَةَ الْبِرِّ يَمْنَعُ مِنْ تَأْخِيرِ الْحِنْثِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَحْنَثُ مِنْ آخِرِ حَيَاتِهِ، لِأَنَّ عَقْدَ يَمِينِهِ عَلَى التَّرَاخِي، فَكَانَ تَحْقِيقُ الْحِنْثِ عَلَى التَّرَاخِي.
(فصل:)
وإذا حلف لأشرب ما مَاءِ دِجْلَةَ، فَشَرِبَ مِنْ مَاءِ الْفُرَاتِ، أَوْ لَأَشْرَبُ مِنْ مَاءِ الْفُرَاتِ فَشَرِبَ مِنْ مَاءِ دِجْلَةَ لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّ التَّعْيِينَ يَخُصُّ الْيَمِينَ، وَلَوْ قَالَ: وَاللَّهِ لَأَشْرَبُ مَاء فُرَاتا حَنِثَ بِشُرْبِهِ مِنْ دِجْلَةَ وَمِنَ الْفُرَاتِ، لِأَنَّ الْمَاءَ الْفُرَاتَ هُوَ الْعَذْبُ، فَحَنِثَ بِشُرْبِ كُلِّ مَاءٍ عَذْبٍ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتاً) {المرسلات: 27) أَيْ: عَذْبًا، وَلَا فَرْقَ إِذَا حَلَفَ لَأَشْرَبُ مِنْ مَاءِ دِجْلَةَ بَيْنَ أَنْ يَشْرَبَهُ مِنْ إِنَاءٍ اغْتَرَفَ بِهِ وَبَيْنَ أَنْ يَشْرَبَهُ كَرْعًا بِفِيهِ كَالْبَهِيمَةِ.
فَأَمَّا إِذَا حَلَفَ، لَا شَرِبْتُ مِنْ دِجْلَةَ، فَإِنْ شَرِبَ مِنْهَا كَرْعًا بِفَمِهِ حَنِثَ بِإِجْمَاعٍ، وَإِنِ اغْتَرَفَ مِنْهَا بِإِنَاءٍ وَشَرِبَ مِنَ الْإِنَاءِ حَنِثَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَكْرَعَ مِنْهَا بِفَمِهِ، وَلَا يَبَرُّ إِنِ اغْتَرَفَ بِيَدِهِ احْتِجَاجًا بِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إنَّهُ لَوْ حَلَفَ: لَأَشْرَبُ مِنْ هَذَا الْإِنَاءِ، فَاغْتَرَفَ مِنْ مَائِهِ، وَشَرِبَهُ لَمْ يحنث كذلك إذا حلف لأشربت مِنْ دِجْلَةَ، فَاغْتَرَفَ مَا شَرِبَهُ مِنْ مَائِهَا لَمْ يَحْنَثْ بِوُقُوعِ الْيَمِينِ عَلَى مُسْتَقَرِّ الْمَاءِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
وَالثَّانِي: إنَّ الشُّرْبَ مِنْهَا حَقِيقَةٌ، وَمِنْ مَائِهَا مجازٌ، وَحَمْلُ الْأَيْمَانِ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهَا عَلَى الْمَجَازِ.
وَدَلِيلُنَا: أُمُورٌ:
أَحَدُهَا: إنَّ الْمَاءَ الْمَشْرُوبَ مُضْمَرٌ فِي اللَّفْظِ، لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ بِالشُّرْبِ، كَمَا يُقَالُ: شَرِبَ أَهْلُ بَغْدَادَ مِنْ دِجْلَةَ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ مِنَ الْفُرَاتِ، أَيْ مِنْ مَاءِ دِجْلَةَ وَمَاءِ الْفُرَاتِ فَصَارَ إِضْمَارُهُ كَإِظْهَارِهِ، فَلَمَّا كَانَ لَوْ حَلَفَ: لَأَشْرَبُ مِنْ مَاءِ دِجْلَةَ حَانِثًا فَشَرِبَهُ مِنْهَا عَلَى جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَجَبَ إِذَا حَلَفَ، لَأَشْرَبُ مِنْ دِجْلَةَ أَنْ يَحْنَثَ بِشُرْبِهِ مِنْهَا عَلَى كُلِّ حالٍ، لِأَنَّ الْمُضْمَرَ مَقْصُودٌ كَالْمُظْهَرِ.
وَالثَّانِي: إنَّ إِجْمَاعَنَا مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا شَرِبْتُ مِنَ الْبِئْرِ، وَلَا أَكَلْتُ مِنَ النَّخْلَةِ أَنَّهُ يَحْنَثُ بِشُرْبِ مَا اسْتَقَاهُ من البئر، ويأكل مَا لَقَطَهُ مِنَ النَّخْلَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكْرَعْ مَاءَ الْبِئْرِ بِفَمِهِ، وَلَا تَنَاوَلَ ثَمَرَةَ النَّخْلَةِ بِفَمِهِ، كَذَلِكَ الدِّجْلَةُ.
وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا: إنَّ مَا كَانَ حِنْثًا فِي مَاءِ الْبِئْرِ كَانَ حِنْثًا فِي مَاءِ الدِّجْلَةِ قِيَاسًا عَلَى أَصْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِذَا كَرَعَ مِنْهُمَا.
وَالثَّانِي: إِذَا تَلَفَّظَ بِاسْمِ الْمَاءِ فِيهِمَا.
فَإِنْ قِيلَ: مَاءُ الْبِئْرِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُشْرَبَ إِلَّا بِاسْتِقَائِهِ وَثَمَرُ النَّخْلَةِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُؤْكَلَ إِلَّا بِلِقَاطِهِ.
قِيلَ: يُمْكِنُ أَنْ يُشْرَبَ مَاءُ الْبِئْرِ بِنُزُولِهِ إِلَيْهَا، وَيُؤْكَلُ مِنَ النَّخْلَةِ بِصُعُودِهِ إِلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ تَلْحَقُهُ الْمَشَقَّةُ كَمَا يُمْكِنُ أَنْ يَكْرَعَ مِنَ الدِّجْلَةِ بِالْمَشَقَّةِ.
وَالثَّالِثُ: إنَّ حَقِيقَةَ الدِّجْلَةِ اسْمٌ لِقَرَارِهَا، وَالْحَقِيقَةُ فِي هَذَا الِاسْمِ مَعْدُولٌ عَنْهَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إنَّ الْقَرَارَ غَيْرُ مَشْرُوبٍ.
وَالثَّانِي: إنَّ مَا بَاشَرَ الْقَرَارَ لَا يَصِلُ إِلَى كَرْعِهِ لِعُمْقِهِ وَإِذَا سَقَطَ حَقِيقَةُ الِاسْمِ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ وَجَبَ الْعُدُولُ إِلَى مَجَازِهِ، وَهُوَ الْمَاءُ، لِأَنَّ اسْمَ الدِّجْلَةِ حَقِيقَةٌ فِي قَرَارِهَا، وَمَجَازٌ فِي مَائِهَا، وَالْمَجَازُ الْمُسْتَعْمَلُ أَوْلَى مِنَ الْحَقِيقَةِ الْمَتْرُوكَةِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِ إِذَا حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ هَذَا الْإِنَاءِ فَهُوَ أَنَّ الْإِنَاءَ آلَةٌ لِلشُّرْبِ، فَصَارَتِ الْيَمِينُ مَعْقُودَةً عَلَيْهِ، وَلَيْسَتِ الدِّجْلَةُ آلَةً لِلشُّرْبِ، فَصَارَتِ الْيَمِينُ مَعْقُودَةً عَلَى مَائِهَا، أَلَا تَرَاهُ إِذَا قَالَ: وَاللَّهِ لَا شَرِبْتُ مِنْ هَذِهِ النَّاقَةِ حَنِثَ إِذَا شَرِبَ مِنْ لَبَنِهَا، وَإِنْ لَمْ يَمْتَصَّهُ مِنْ أَخْلَافِ ضُرُوعِهَا.
وَلَوْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا شَرِبْتُ مِنْ هَذَا الْإِنَاءِ فَشَرِبَ مِنْ لَبَنِ الْإِنَاءِ بَعْدَ إِخْرَاجِهِ مِنْهُ لَمْ يَحْنَثْ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِأَنَّ الشُّرْبَ مِنْهَا حَقِيقَةٌ، وَمِنْ مَائِهَا مَجَازٌ، فَهُوَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمَجَازَ الْمُسْتَعْمَلَ أَوْلَى مِنَ الْحَقِيقَةِ المتركة وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
بَابُ مَنْ حَلَفَ عَلَى غَرِيمِهِ لَا يُفَارِقُهُ حتى يستوفي حقه
(مسألة:)
قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " مَنْ حَلَفَ عَلَى غَرِيمِهِ لَا يُفَارِقُهُ حَتَى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ فَفَرَّ مِنْهُ لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَارِقْهُ وَلَوْ قَالَ: لَا أَفْتُرِقُ أَنَا وَأَنْتَ حَنِثَ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَصْلُ هَذَا الْبَابِ أَنَّ كُلَّ يَمِينٍ عُلِّقَتْ عَلَى فِعْلِ فَاعِلٍ كَانَتْ مَقْصُورَةً عَلَى فِعْلِهِ، وَلَمْ تَتَعَلَّقْ بِفِعْلِ غَيْرِهِ، فَيَكُونُ الْبِرُّ وَالْحِنْثُ مُعْتَبَرًا بِفِعْلِ مَنْ قَصَدَ بِالْيَمِينِ، فَإِذَا لَازَمَ صَاحِبُ الدَّيْنِ غَرِيمَهُ وَحَلَفَ أَنْ لَا يَفْتَرِقَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ لَمْ يَخْلُ يَمِينُهُ مِنْ أَحَدِ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَعْقِدَهَا عَلَى فِعْلِهِ.
وَالثَّانِي: عَلَى فِعْلِ غَرِيمِهِ.
وَالثَّالِثُ: على فعلهما.
فأما الْقِسْمَ الْأَوَّلَ: وَهُوَ أَنْ يَعْقِدَهَا عَلَى فِعْلِهِ، فَهُوَ أَنْ يَقُولَ: وَاللَّهِ لَا فَارَقْتُكَ حَتَّى أَسْتَوْفِيَ حَقِّي مِنْكَ، فَالْبِرُّ وَالْحِنْثُ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ الْحَالِفِ دُونَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، فَإِنْ فَارَقَهُ الْحَالِفُ مختارا ذاكرا حنث، وإن فارقه مكرها أو نَاسِيًا فَفِي حِنْثِهِ قَوْلَانِ، عَلَى مَا مَضَى فِي حِنْثِ الْمُكْرَهِ وَالنَّاسِي، فَأَمَّا إِنْ فَارَقَهُ الْغَرِيمُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ، وَفَرَّ مِنْهُ لَمْ يَحْنَثِ الْحَالِفُ، سَوَاءٌ قَدَرَ عَلَى إِمْسَاكِهِ أَوْ لَمْ يَقْدِرْ، لِأَنَّ الْيَمِينَ مَعْقُودَةٌ عَلَى فِعْلِهِ فَكَانَ حِنْثُهُ بِأَنْ يَكُونَ الْفِرَاقُ مَنْسُوبًا إِلَى فِعْلِهِ، وَهَذَا الْفِرَاقُ مَنْسُوبٌ إِلَى فِعْلِ غَرِيمِهِ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حِنْثٌ، وَوَهِمَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَخَرَجَ حِنْثُهُ بِفِرَاقِ الْغَرِيمِ عَلَى قَوْلَيْنِ مِنْ حِنْثِ الْمُكْرَهِ وَالنَّاسِي وَهُوَ خَطَأٌ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يَعْقِدَ يَمِينَهُ عَلَى فِعْلِ غَرِيمِهِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: وَاللَّهِ لَا فَارَقْتَنِي حَتَّى أَسْتَوْفِيَ حَقِّي مِنْكَ، فَإِنْ فَارَقَهُ الْغَرِيمُ مُخْتَارًا ذَاكِرًا حَنث، وَإِنْ فَارَقَهُ مُكْرَهًا أَوْ نَاسِيًا، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْإِكْرَاهِ إِذَا كَانَ فِي فِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، هَلْ يَجْرِي مَجْرَى الْإِكْرَاهِ فِي فِعْلِ الْحَالِفِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ الْبَغْدَادِيِّينَ أَنَّ الْإِكْرَاهَ فِيهِمَا عَلَى سَوَاءٍ، فَعَلَى هَذَا فِي حِنْثِ الْحَالِفِ قَوْلَانِ:
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ، إنَّ الْإِكْرَاهَ مُعْتَبَرٌ فِي فِعْلِ الْحَالِفِ وَغَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي فِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، فَعَلَى هَذَا يَحْنَثُ الْحَالِفُ قَوْلًا وَاحِدًا، فَأَمَّا إِنْ كَانَ الْحَالِفُ هُوَ الْمُفَارِقَ لِلْغَرِيمِ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ لِأَنَّ يَمِينَهُ مَعْقُودَةٌ عَلَى فِعْلِ غَرِيمِهِ، لَا عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ، وَهَذَا الْفِرَاقُ مَنْسُوبٌ إِلَيْهِ، وَلَيْسَ بِمَنْسُوبٍ إِلَى الْغَرِيمِ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حِنْثٌ.
وَأَمَّا القسم الثالث: وهو أن يعقد بيمينه عَلَى فِعْلِهِ، وَفِعْلِ غَرِيمِهِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: وَاللَّهِ لَا افْتَرَقْنَا أَنَا وَأَنْتَ، أَوْ وَاللَّهِ لا فارق واحدٌ منها صَاحِبَهُ، حَتَّى أَسْتَوْفِيَ حَقِّي مِنْكَ، فَالْحِنْثُ هَاهُنَا وَاقِعٌ بِفِرَاقِ كُلِّ واحدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، لِانْعِقَادِ الْيَمِينِ عَلَى فِعْلِهِمَا، فَإِنْ فَارَقَهُ الْحَالِفُ حَنِثَ إِنْ كَانَ ذَاكِرًا مُخْتَارًا، وَفِي حِنْثِهِ إِنْ كَانَ مُكْرَهًا أَوْ نَاسِيًا قَوْلَانِ، وَإِنْ فَارَقَهُ الْغَرِيمُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ ذَاكِرًا، مُخْتَارًا حَنِثَ الْحَالِفُ، وَإِنْ فَارَقَهُ مُكْرَهًا أَوْ نَاسِيًا، فَفِي حِنْثِ الْحَالِفِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ خِلَافِ الْبَغْدَادِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ فِي مَعَانِي هَذِهِ الْأَقْسَامِ فِي الْيَمِينِ إِذَا كَانَتْ فِي الْكَلَامِ أَنْ يَقُولَ: وَاللَّهِ لَا كَلَّمْتُكَ، فَإِنْ كَلَّمَهُ الْحَالِفُ، حَنِثَ لِعَقْدِ الْيَمِينِ عَلَى كَلَامِ الْحَالِفِ، وَإِنْ كَلَّمَهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ لم يحنث ولو قال: والله لا كلمتن فَكَلَّمَهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ حَنِثَ، وَلَوْ كَلَّمَهُ الْحَالِفُ لَمْ يَحْنَثْ لِعَقْدِ الْيَمِينِ عَلَى كَلَامِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَلَوْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا تُكَلِّمُنَا أَوْ لَا كَلَّمَ واحدٌ مِنَّا صَاحِبَهُ، فَأَيُّهُمَا كَلَّمَ الْآخَرَ حَنِثَ لِأَنَّ الْيَمِينَ مَعْقُودَةٌ عَلَى كَلَامِ كُلِّ واحدٍ مِنْهُمَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ:) قَالَ الشافعي: " وَلَوْ أَفْلَسَ قَبْلَ أَنْ يُفَارِقَهُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا رَاجِعٌ إِلَى مَنْ حَلَفَ لَا يُفَارِقُهُ غَرِيمُهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ مِنْهُ فَأَفْلَسَ الْغَرِيمُ فَفَارَقَهُ لِأَجْلِ الْفَلَسِ الْمُوجِبِ لِإِطْلَاقِهِ لَا لِخَدِيعَةٍ، فَلَا يَخْلُو حَالُ فِرَاقِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِحُكْمٍ أَوْ بِغَيْرِ حُكْمٍ، فَإِنْ فَارَقَهُ بِنَفْسِهِ لِمَا أَوْجَبَهُ الشَّرْعُ مِنْ إِنْظَارِ الْمُعْسِرِ حَنِثَ، لِأَنَّ أَحْكَامَ الشَّرْعِ إِذَا خَالَفَتْ عَقْدَ الْيَمِينِ لَمْ يَمْنَعْ مِنَ الْحِنْثِ كَمَنْ غَصَبَ مَالًا، وصف لَا رَدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ حَنِثَ بِرَدِّهِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ رَدُّهُ بِالشَّرْعِ وَاجِبًا، لِأَنَّهُ رَدَّهُ عَلَيْهِ مُخْتَارًا، وَهَكَذَا لَوْ دَخَلَ دَارَ غَيْرِهِ وَحَلَفَ لَا خَرَجَ مِنْهَا حَنِثَ بِخُرُوجِهِ، وَإِنْ أَوْجَبَهُ الشَّرْعُ، فَأَمَّا إِنْ حَكَمَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ بِمُفَارَقَتِهِ لَمَّا حَكَمَ بِهِ مِنْ فَلَسِهِ، فَهُوَ فِي هَذَا الْفِرَاقِ مُكْرَهٌ غَيْرُ مُخْتَارٍ، لِأَنَّهُ مَنْسُوبٌ إِلَى إِجْبَارِ الْحَاكِمِ، فَيَكُونُ فِي حِنْثِهِ قولان من حنث المكره.
(مسألة:)
قال الشافعي: " أَوِ اسْتَوْفَى حَقَّهُ فِيمَا يَرَى فَوَجَدَ فِي دَنَانِيرِهِ زُجَاجًا أَوْ نُحَاسًا حَنِثَ فِي قَوْلِ مَنْ لَا يَطْرَحُ الْغَلَبَةَ وَالْخَطَأَ عَنِ النَّاسِ لِأَنَّ هَذَا لَمْ يَعْمَدْهُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا اسْتَوْفَى حَقَّهُ فِي الظَّاهِرِ ثُمَّ وَجَدَ فِيهِ بَعْدَ فِرَاقِهِ نُحَاسًا أَوْ
رَصَاصًا أَوْ زُجَاجًا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ صَارَ فِيهِ كَالْمَغْلُوبِ وَالنَّاسِي، فَيَكُونُ فِي حِنْثِهِ قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَحْنَثُ اعْتِبَارًا بِوُجُودِ الْفِعْلِ وَإطرَاحًا لِلْقَصْدِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يَحْنَثُ اعْتِبَارًا بِالْقَصْدِ وَإطرَاحًا لِلْفِعْلِ.
وَأَمَّا إِذَا وَجَدَهُ مَعِيبًا، وَهُوَ مِنْ جِنْسِ الْحَقِّ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ عَيْبُهَا يُخْرِجُهَا مِنَ انْطِلَاقِ اسْمِ الْحَقِّ عَلَيْهَا، لِأَنَّ حَقَّهُ دَنَانِيرُ مَغْرِبِيَّةٌ فَأَعْطَاهُ دَنَانِيرَ مَشْرِقِيَّةً، فَتَكُونُ خِلَافَ الصِّفَةِ فِي الْيَمِينِ جَارِيًا مَجْرَى خِلَافِ الْجِنْسِ، فَإِنْ عَلِمَ بِهِ قَبْلَ فِرَاقِهِ حَنِثَ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ إِلَّا بَعْدَ فِرَاقِهِ كَانَ حِنْثُهُ عَلَى مَا مَضَى مِنَ الْقَوْلَيْنِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَيْبُهَا لَا يُخْرِجُهَا مِنَ انْطِلَاقِ اسْمِ الْحَقِّ عَلَيْهَا، بِأَنْ تَكُونَ دَنَانِيرَ مَغْرِبِيَّةً لَكِنَّهَا مَعِيبَةٌ نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ عَيْبُهَا مِمَّا يُسْمَحُ بِهِ فِي الْأَغْلَبِ لِقِلَّة أَرْشِهِ بَرَّ فِي يَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَ ضِدَّ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ أَرْشِهِ حَنِثَ.
فَإِنْ قِيلَ: نُقْصَانُ الْقَدْرِ مُوجِبٌ لِلْحِنْثِ فِيمَا قَلَّ وَكَثُرَ فَهَلَّا كَانَ نُقْصَانُ الْأَرْشِ بِمَثَابَتِهِ فِي وُقُوعِ الْحِنْثِ بِمَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ قِيلَ: لِأَنَّ نُقْصَانَ الْقَدْرِ مُسْتَحَقٌّ يَمْنَعُ مِنَ التَّمَاثُلِ فِي الرِّبَا وَنُقْصَانَ الْأَرْشِ مَظْنُونٌ لَا يَمْنَعُ مِنَ التَّمَاثُلِ فِي الرِّبَا وَيَمْنَعُ مِنَ الْبِرِّ فِي الْيَمِينِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا يَنْكَسِرُ بِكَثِيرِ الْأَرْشِ لَا يَمْنَعُ مِنَ التَّمَاثُلِ فِي الرِّبَا وَيَمْنَعُ مِنَ الْبِرِّ فِي الْيَمِينِ، قِيلَ: لِأَنَّ الظَّنَّ فِي كَثِيرِهِ أَقْوَى، وَفِي قَلِيلِهِ أَضْعَفُ فَافْتَرَقَا فِي بِرِّ الْيَمِينِ وَإِنِ اسْتَوَيَا فِي تماثل الربا.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَلَوْ أَخَذَ بِحَقِّهِ عَرَضًا فَإِنْ كَانَ قِيمَةَ حَقِّهِ لَمْ يَحْنَثْ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ حَنِثَ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ حَتَّى لَا يَبْقَى عَلَيْكَ مِنْ حَقِّي شيءٌ فَلَا يَحْنَثُ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) رحمه الله: لَيْسَ لِلْقِيمَةِ مَعْنًى لِأَنَّ يَمِينَهُ إِنْ كَانَتْ على عين الْحَقِّ لَمْ يَبَرَّ إِلَّا بِعَيْنِهِ وَإِنْ كَانَتْ على البراءة فقد برئ والعرض غير الحق سوى أو لم يسو ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا أَنْ يَحْلِفَ صَاحِبُ الْحَقِّ عَلَى غَرِيمِهِ أَنْ لَا يُفَارِقَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ مِنْهُ فَيَأْخُذَ مِنْهُ عِوَضَ حَقِّهِ مَتَاعًا أَوْ عَرُوضًا أَوْ يَأْخُذَ بَدَلَ الدَّرَاهِمَ دَنَانِيرَ أَوْ بَدَلَ الدَّنَانِيرِ دَرَاهِمَ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي بِرِّهِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّهُ لَا يَبَرُّ فِي يَمِينِهِ، وَيَحْنَثُ سَوَاءٌ كَانَ مَا أَخَذَهُ بِقِيمَةِ حَقِّهِ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ إنَّهُ يَبَرُّ فِي يَمِينِهِ وَلَا يَحْنَثُ، سَوَاءٌ كَانَ بِقِيمَةِ حَقِّهِ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ إنَّهُ يَبَرُّ إِنْ كَانَ بِقِيمَةِ حَقِّهِ، وَيَحْنَثُ إِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ حَقِّهِ، وَوَهِمَ الْمُزَنِيُّ فَنَقَلَ هَذَا الْمَذْهَبَ عَنِ الشَّافِعِيِّ ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ فَقَالَ: لَيْسَ لِلْقِيمَةِ مَعْنًى، لِأَنَّ يَمِينَهُ إِنْ كَانَتْ عَلَى غَيْرِ الْحَقِّ لَمْ يَبَرَّ إِلَّا بِعَيْنِهِ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى الْبَرَاءَةِ فَقَدْ بَرِئَ، وَالْعِوَضُ غير الحق، سوى أو لم يساو فَيُقَالُ لِلْمُزَنِيِّ: نَقْلُكَ خَطَأٌ وَجَوَابُكَ صَحِيحٌ، وَإِنَّمَا حَكَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ، وَقَدْ أَفْصَحَ بِمَذْهَبِهِ فِي كِتَابِ الْأُمِّ إنَّهُ يَحْنَثُ، وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى بِرِّهِ بِأَخْذِ الْبَدَلِ بِأَنَّهُ إِذَا أَخَذَ عَنْ مِائَةِ دِينَارٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ صَارَ عَلَيْهِ بِأَخْذِ الْأَلْفِ مِائَةُ دِينَارٍ، فَصَارَ مُسْتَوْفِيًا لِحَقِّهِ.
وَدَلِيلُنَا هُوَ أَنَّ سُقُوطَ الْحَقِّ إِنَّمَا هُوَ بِالْمَأْخُوذِ وَهُوَ دَرَاهِمُ وَالْحَقُّ دَنَانِيرُ، فَصَارَ آخذا لِبَدَلِ الْحَقِّ، وَلَيْسَ بآخذٍ لِلْحَقِّ، وَلِأَنَّنَا أَجْمَعْنَا وَأَبُو حَنِيفَةَ إنَّهُ لَوْ كَانَ حَقُّ الْحَالِفِ ثَوْبًا فَصَالَحَ عَنْهُ بِدَرَاهِمَ أَخَذَهَا مِنْهُ أَنَّهُ يَحْنَثُ، فَكَذَلِكَ إِذَا أَخَذَ عَنِ الدَّرَاهِمِ ثَوْبًا أَوْ أَخَذَ عَنِ الدَّنَانِيرِ دَرَاهِمَ حَنِثَ، لِأَنَّهُ قَدْ أَخَذَ فِي الْحَالَيْنِ بَدَلَ حَقِّهِ، وَلَمْ يَأْخُذْ بِعَيْنِهِ وَفِيهِ جوابٌ.
(فَصْلٌ:)
فَأَمَّا إِذَا حَلَفَ لَا يُفَارِقُهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ مَا عَلَيْهِ وَلَمْ يَقُلْ: أَسْتَوْفِي حَقِّي فَأَخَذَ بِحَقِّهِ بَدَلًا بَرَّ فِي يَمِينِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ بِأَخْذِ الْبَدَلِ مُسْتَوْفِيًا مَا عَلَيْهِ، وَلَوْ أَبْرَأَهُ مِنَ الْحَقِّ حَنِثَ، لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ لَيْسَ بِاسْتِيفَاءٍ، وَلَوْ أَخَذَ بِهِ رَهْنًا حَنِثَ أَيْضًا، لِأَنَّ الرَّهْنَ وثيقةٌ، وَلَوْ أَحَالَهُ بِالْحَقِّ حَنِثَ، لِأَنَّهُ مَا اسْتَوْفَى مَا عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا نَقَلَهُ إِلَى ذِمَّةِ غَيْرِهِ، وَلَوْ أَحَالَهُ صَاحِبُ الْحَقِّ عَلَى الْغَرِيمِ بَرَّ لِأَنَّهُ قَدِ اسْتَوْفَى بِالْحَوَالَةِ حَقَّهُ، وَلَوْ جَنَى عَلَيْهِ جِنَايَةً أَرْشُهَا بِقَدْرِ حَقِّهِ فَإِنْ كَانَتْ خَطَأً لَمْ يَبَرَّ، لِأَنَّ أَرْشَهَا عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَإِنْ كَانَتْ عَمْدًا فَأَرْشُهَا فِي ذِمَّتِهِ، وَحَقُّهُ فِي ذِمَّةِ غَرِيمِهِ، فَإِنْ كَانَا مِنْ جِنْسَيْنِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَقَاضَاهُ، لِأَنَّهُ بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، فَيَحْنَثُ لِبَقَاءِ حَقِّهِ عَلَى غريمه، وإن كانا جنس واحدٍ فَهَلْ يَكُونُ قِصَاصًا فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ:
أَحَدُهَا: يَكُونُ قِصَاصًا، وَإِنْ لَمْ يَتَرَاضَيَا، فَعَلَى هَذَا فَقَدَ بَرَّ فِي يَمِينِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يَكُونُ قِصَاصًا وَإِنْ تَرَاضَيَا، فَعَلَى هَذَا قَدْ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: يَكُونُ قِصَاصًا مَعَ التَّرَاخِي، وَلَا يَكُونُ قِصَاصًا مَعَ عَدَمِ التَّرَاخِي، فَعَلَى هَذَا إِنْ تَرَاضَيَا قَبْلَ الِافْتِرَاقِ بَرَّ، وَإِنْ لَمْ يَتَرَاضَيَا حَنِثَ.
(مَسْأَلَةٌ:)
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " حَدُّ الْفِرَاقِ أَنْ يَتَفَرَّقَا عَنْ مَقَامِهِمَا الَّذِي كَانَا فِيهِ أَوْ مَجْلِسِهِمَا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صحيحٌ، وَهُوَ مُعْتَبَرٌ بِالْعُرْفِ أَنْ يَصِيرَ كُلُّ واحدٍ مِنْهُمَا فِي مَكَانٍ لَا يُنْسَبُ إِلَى مَكَانِ صَاحِبِهِ، وَجُمْلَتُهُ أَنَّ كُلَّ مَا جَعَلْنَاهُ افْتِرَاقًا فِي الْبَيْعِ فِي سقوط
الْخِيَارِ فِي الْمَجْلِسِ جَعَلْنَاهُ افْتِرَاقًا فِي الْيَمِينِ فِي وُقُوعِ الْحِنْثِ وَقَدْ أَوْضَحْنَاهُ فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ، فَلَوْ أُكْرِهَ الْحَالِفُ عَلَى الِافْتِرَاقِ كَانَ فِي حِنْثِهِ قَوْلَانِ، وَلَوْ مَاتَ الْحَالِفُ قَبْلَ فِرَاقِهِ لَمْ يَحْنَثْ، وَلَوْ مَاتَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ مُفَارِقًا لَهُ بِالْمَوْتِ بِخِلَافِ الِافْتِرَاقِ بِالْبَيْعِ حَتَّى يُفَارِقَهُ بِبَدَنِهِ، فَإِذَا فَارَقَهُ بِبَدَنِهِ، فَفِي حِنْثِهِ حِينَئِذٍ قَوْلَانِ كَالْمُكْرَهِ.
(مَسْأَلَةٌ:)
قَالَ الشافعي: " وَلَوْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ غَدًا فَقَضَاهُ الْيَوْمَ حَنِثَ لِأَنَّ قَضَاءَهُ غَدًا غَيْرُ قَضَائِهِ الْيَوْمَ فَإِنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ أَنْ لَا يَخْرُجَ غدٌ حَتَّى أَقْضِيَكَ حَقَّكَ فَقَدْ بَرَّ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَقَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ إِذَا حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ غَدًا فَقَضَاهُ الْيَوْمَ أَنَّهُ يَحْنَثُ، لِأَنَّ قَضَاءَهُ الْيَوْمَ لَيْسَ بقضاءٍ فِي غَدٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: لَا يَحْنَثُ، وَلَكِنْ لَوْ نَوَى بِيَمِينِهِ أَنْ لَا يَخْرُجَ غَدًا حَتَّى أَقْضِيَكَ بَرَّ، لِأَنَّهُ جَعَلَ خُرُوجَ الْغَدِ حَدًّا، وَلَمْ يَجْعَلْهُ وَقْتًا وَلَوْ حَلَفَ، لَأَدْخُلَنَّ الدَّارَ فِي غدٍ فَدَخَلَهَا الْيَوْمَ لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى دُخُولِهَا فِي غدٍ فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْهَا فِي غدٍ حَنِثَ، وَلَوْ حَلَفَ لَيَبِيعَنَّ عَبْدَهُ فِي غدٍ فَبَاعَهُ الْيَوْمَ لَا يَحْنَثُ، لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى ابْتِيَاعِهِ بَعْدَ بَيْعِهِ، ثُمَّ يَبِيعُهُ فِي غدٍ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَإِلَّا حَنِثَ حينئذٍ، وَلَوْ أَعْتَقَهُ قَبْلَ غدٍ حَنِثَ، لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى بَيْعِهِ بَعْدَ عِتْقِهِ، وَلَوْ دَبَّرَهُ لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى بَيْعِهِ، وَلَوْ كَاتَبَهُ لَمْ يَتَعَجَّلْ حِنْثَهُ لِجَوَازِ أَنْ يَعْجِزَ الْعَبْدُ نَفْسُهُ قَبْلَ غدٍ فَيَقْدِرَ عَلَى بَيْعِهِ فِي غدٍ.
وَلَوْ حَلَفَ لَيُطَلِّقَنَّ زَوْجَتَهُ فِي غدٍ، فَطَلَّقَهَا الْيَوْمَ، فَإِنِ اسْتَوْفَى بِهِ جَمِيعَ طَلَاقِهَا حَنِثَ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَوْفِهِ لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى طَلَاقِهَا فِي غدٍ.
وَلَوْ حَلَفَ لَيَتَزَوَّجَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ فِي غَدٍ فَتَزَوَّجَهَا الْيَوْمَ، وَلَمْ يَتَعَجَّلْ حِنْثَهُ، لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى طَلَاقِهَا وَاسْتِئْنَافِ نِكَاحِهَا فِي غدٍ، فَإِنْ فَعَلَ وَإِلَّا حَنِثَ.
وَلَوْ حَلَفَ لَيُعْتِقَنَّ عَبْدَهُ فِي غدٍ فَأَعْتَقَهُ الْيَوْمَ حَنِثَ، لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى اسْتِئْنَافِ عِتْقِهِ بَعْدَ نُفُوذِهِ الْيَوْمَ بِخِلَافِ النِّكَاحِ، وَإِذَا حَنِثَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، فَفِي زَمَانِ حِنْثِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: حَكَاهُ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ احْتِمَالًا، إنَّهُ يَحْنَثُ لِوَقْتِهِ، لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى الْبِرِّ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَحْنَثُ فِي أَوَّلِ دُخُولِ غَدِهِ.
لِأَنَّهُ أَوَّلُ أَوْقَاتِ بِرِّهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ إِلَّا بِخُرُوجِ غَدِهِ، لِأَنَّهُ أَخَّرَ أَوْقَاتَ بِرِّهِ، فَصَارَ وقتاً لحنثه، والله أعلم.
(مسألة:)
قال الشافعي: " هَكَذَا لَوْ وَهَبَهُ لَهُ رَبُّ الْحَقِّ حَنِثَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى أَنْ
لَا يَبْقَى عَلَيَّ غَدًا مِنْ حَقِّكَ شيءٌ فَيَبَرَّ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَلِسُقُوطِ الْحَقِّ عَنْهُ بِغَيْرِ أَدَاءٍ حَالَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: هِبَةٌ تَتَوَجَّهُ إِلَى الْأَعْيَانِ.
وَالثَّانِي: إِبْرَاءٌ يَتَوَجَّهُ إِلَى الذِّمَّةِ، فَأَمَّا الْهِبَةُ فَهِيَ تَمْلِيكٌ محضٌ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالْقَبُولِ بَعْدَ الْبَدَلِ وَالْقَبْضِ بَعْدَ الْعَقْدِ، فَإِذَا حَلَفَ لَيَقْضِينَّهُ حَقَّهُ فِي غدٍ أَوْ لَيَدْفَعَنَّ إِلَيْهِ حَقَّهُ فِي غدٍ فَوَهَبَهُ صَاحِبُ الْحَقِّ لَهُ حَنِثَ الْحَالِفُ، لِأَنَّ الْحَقَّ سَقَطَ بِغَيْرِ دَفْعٍ، وَقَدِ اخْتَارَ التَّمَلُّكَ فَصَارَ مُخْتَارًا لِلْحِنْثِ، فَحَنِثَ وَلَوْ كَانَ الْحَقُّ فِي الذِّمَّةِ فَأَبْرَأَهُ مِنْهُ، فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الْإِبْرَاءَ تَمْلِيكٌ يَقِفُ عَلَى الْقَبُولِ حَنِثَ كَالْهِبَةِ وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ إِسْقَاطٌ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى الْقَبُولِ فَفِي حِنْثِهِ قَوْلَانِ، كَالْمَغْلُوبِ عَلَى الْحِنْثِ، وَلَكِنْ لَوْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا فَارَقْتُكَ وَلِي عَلَيْكَ حَقٌّ، فَوَهَبَهُ لَهُ أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْهُ بَرَّ فِي يَمِينِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ بَعْدَ الْهِبَةِ، وَالْإِبْرَاءِ حقٌ.
وَلَوْ كَانَ لَهُ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ فَفَارَقَهُ قَبْلَ اسْتِرْجَاعِهَا نُظِرَ مَخْرَجُ يَمِينِهِ، فَإِنْ قَالَ: لَا أُفَارِقُكَ وَلِي عَلَيْكَ حقٌّ بَرَّ مَعَ بَقَاءِ الْوَدِيعَةِ، لِأَنَّهُ لَيْسَتْ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَالَ: لَا أُفَارِقُكَ وَلِي عِنْدَكَ حَقٌّ حَنِثَ بِبَقَاءِ الْوَدِيعَةِ، لِأَنَّهَا حَقٌّ لَهُ عِنْدَهُ.
وَلَوْ كَانَ لَهُ عِنْدَهُ عَارِيَةٌ حَنِثَ فِي الْحَالَيْنِ سَوَاءٌ قَالَ: عَلَيْهِ أَوْ عِنْدَهُ، لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَمَانَهَا وَعِنْدَهُ عينها.
(فصل:)
ولو حلف لا بعت لِزَيْدٍ مَتَاعًا فَوُكِّلَ زَيْدٌ فِي بَيْعِ مَتَاعِهِ فَبَاعَهُ الْحَالِفُ لَمْ يَحْنَثْ، وَعَلَى مَذْهَبٍ مَالِكٍ يَحْنَثُ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأَنَّهُ أَضَافَ الْمَتَاعَ إِلَى زيد بلام التمليك، فصارت يمين مَقْصُورَةً عَلَى مِلْكِ زَيْدٍ، وَهَذَا الْمَتَاعُ مِلْكٌ لِغَيْرِ زَيْدٍ، وَلَوْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا بِعْتُ مَتَاعًا فِي يَدِ زَيْدٍ فَوُكِّلَ زَيْدٌ فِي بَيْعِ مَتَاعِهِ فَبَاعَهُ الْحَالِفُ نُظِرَ فِي تَوْكِيلِ زَيْدٍ فَإِنْ وُكِّلَ أَنْ يَبِيعَهُ كَيْفَ رَأَى بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ حَنِثَ الْحَالِفُ، لِأَنَّهُ قَدْ بَاعَ مَتَاعًا فِي يَدِ زَيْدٍ، وَإِنْ وُكِّلَ أَنْ يَبِيعَهُ بِنَفْسِهِ فَدَفَعَهُ إِلَى الْحَالِفِ حَتَّى بَاعَهُ كَانَ الْبَيْعُ بَاطِلًا، وَلَمْ يَحْنَثْ بِهِ الْحَالِفُ وَيَكُونُ الْحِنْثُ وَاقِعًا بِمَا يَصِحُّ مِنَ الْبَيْعِ دُونَ مَا فَسَدَ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْعُقُودِ إذا حلف لا يعقدها، فعقدها عقداً فاسد لَمْ يَحْنَثْ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَحْنَثُ بِالصَّحِيحِ مِنْهَا وَالْفَاسِدِ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ الْعَقْدَ فِعْلٌ، وَالصِّحَّةَ وَالْفَسَادَ حُكْمٌ، وَعَقْدَ يَمِينِهِ عَلَى الْفِعْلِ دُونَ الْحُكْمِ.
وَدَلِيلُنَا: هُوَ أَنَّ الْعَقْدَ مَا تَمَّ، وَالْفَسَادَ يَمْنَعُ مِنْ تَمَامِهِ، وَإِذَا لَمْ يَتِمَّ شَرْطُ الْحِنْثِ لَمْ يَقعْ كَالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ، فَإِنَّهُ وَافَقَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِهِ، وَخَالَفَ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ،
فَأَوْقَعَ الْحِنْثَ بِهِ، فَإِنِ اعْتَبَرَ الْحِنْثَ بِفِعْلِ الْعَقْدِ بَطَلَ النِّكَاحُ، وَإِنِ اعْتَبَرَهُ بِصِحَّةِ الْعَقْدِ بَطَلَ بِالْبَيْعِ، فَلَمْ يَسْلَمْ لَهُ دَلِيلٌ، وَلَمْ يَصِحَّ لَهُ تَعْلِيلٌ.
(فَصْلٌ:)
فَإِذَا حَلَفَ لَا يَصُومُ، فَدَخَلَ فِي الصِّيَامِ حَنِثَ بِالدُّخُولِ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْ جَمِيعَ الْيَوْمِ.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي حَنِثَ بِإِحْرَامِهِ بِالصَّلَاةِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا.
وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَقْرَأَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ، وَيَرْكَعَ، فَيَأْتِيَ بِأَكْثَرِ الرَّكْعَةِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ رَكْعَةً بِسَجْدَتِهَا يَسْتَوْعِبُ بِهَا جِنْسَ، أَفْعَالِ الصَّلَاةِ.
وَدَلِيلُنَا: هُوَ أَنْ يَكُونَ مُصَلِّيًا بِالدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ، كَمَا يَكُونُ صَائِمًا بِالدُّخُولِ فِي الصِّيَامِ، فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي الْحِنْثِ بِالدُّخُولِ، لِأَنَّ الْيَمِينَ إِذَا تَعَلَّقَتْ بِاسْمٍ اسْتَقَرَّ حُكْمُهَا بِالدُّخُولِ فِي أَوَّلِ الِاسْمِ كَمَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ الدَّارَ، فَدَخَلَ أَوَّلَ دِهْلِيزِهَا حَنِثَ وَاسْتِدْلَالُهُ يَفْسُدُ بالجلوس قدراً لتشهد، فَإِنَّهُ مِنْ جِنْسِ أَفْعَالِهَا، وَلَمْ تَشْتَمِلْ عَلَيْهِ الرَّكْعَةُ الْأُولَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
بَابُ مَنْ حَلَفَ عَلَى امْرَأَتِهِ لَا تَخْرُجُ إلا بإذنه
(مسألة:)
قال الشافعي: " مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طالقٌ إِنْ خَرَجْتِ إِلَّا بِإِذْنِي أَوْ حَتَّى آذَنَ لَكِ فَهَذَا عَلَى مرةٍ واحدةٍ وَإِذَا خَرَجَتْ بِإِذْنِهِ فَقَدَ بَرَّ وَلَا يَحْنَثُ ثَانِيَةً إِلَّا أَنْ يَقُولَ كُلَّمَا خَرَجْتِ إِلَّا بِإِذْنِي فَهَذَا عَلَى كُلِّ مرةٍ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ أَلْفَاظَ يَمِينِهِ إِذَا حَلَفَ عَلَى زَوْجَتِهِ أَنْ لَا تَخْرُجَ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مَا اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهَا تَنْعَقِدُ عَلَى مَرَّةٍ واحدة، ولا توجب التكرار، وذلك لفظتنا " إِلَى " وَ " حَتَّى ".
فَإِذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ خَرَجْتِ إِلَى أَنْ آذَنَ لَكِ، أَوْ حَتَّى آذَنَ لَكِ، فَتَنْعَقِدُ يَمِينُهُ عَلَى خُرُوجِهَا مَرَّةً وَاحِدَةً بِإِذْنِهِ، فَإِنْ خَرَجَتْ مَرَّةً وَاحِدَةً بِإِذْنِهِ بَرَّ، وَانْحَلَّتْ يَمِينُهُ وَلَا يَحْنَثُ، وَإِنْ خَرَجَتْ بَعْدَ ذَلِكَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْعِلَّةِ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ فِي الْحُكْمِ.
فَعَلَّلَ أصحاب أبي حنيفة بأنهما لفظتان غاية ارتفع حكمها بانقضائها.
وَعَلَّلَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِأَنَّهُمَا لَمَّا لَمْ يَتَكَرَّرَا فِي الْحِنْثِ لَمْ يَتَكَرَّرَا فِي الْبِرِّ.
وَتَأْثِيرُ هَذَا الِاخْتِلَافِ فِي التَّعْلِيلِ يَتَبَيَّنُ فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ، فَهَذَا حُكْمُ الْقِسْم الْأَوَّل.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا تَنْعَقِدُ عَلَى التَّكْرَارِ فِي الْبِرِّ وَالْحِنْثِ، وَهِيَ لَفْظَةٌ وَاحِدَةٌ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: كُلَّمَا دَخَلْتِ الدَّارَ بِغَيْرِ إِذْنِي، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَلَفْظَةُ " كُلَّمَا " مَوْضُوعَةٌ لِلتَّكْرَارِ، فَبِرُّهُ يَكُونُ بِإِذْنِهِ لَهَا فِي كُلِّ مَرَّةٍ، وَحِنْثُهُ يَكُونُ بِأَنْ لَا يَأْذَنَ لَهَا فِي كُلِّ مَرَّةٍ، وَإِنْ خَرَجَتْ مَرَّةً بِغَيْرِ إِذْنِهِ حَنِثَ، وَطُلِّقَتْ وَاحِدَةً، وَلَمْ تَسْقُطْ يَمِينُهُ، وَإِنْ خَرَجَتْ ثَالِثَةً بِغَيْرِ إِذْنِهِ حَنِثَ، وَطُلِّقَتْ ثَالِثَةً، وَسَقَطَتْ يَمِينُهُ بَعْدَهَا لِاسْتِيفَاءِ مَا مَلَكَهُ مِنْ طلاقها.
ولو أذن لها بالخروج ثلاثة مرات من ثلاثة خرجات بر، ولم تخل يَمِينُهُ، لِبَقَاءِ الطَّلَاقِ.
فَإِنْ خَرَجَتْ رَابِعَةً بِغَيْرِ إِذْنِهِ، طُلِّقَتْ، فَيُقَدَّرُ الْحِنْثُ بِالثَّلَاثِ، وَلَمْ يَتَقَدَّرْ بِهَا الْبِرُّ، لِاعْتِبَارِ الْحِنْثِ بِمَا مَلَكَهُ مِنْ عَدَدِ الطَّلَاقِ، فَلَوْ خَرَجَتْ مَرَّةً بِإِذْنِهِ، وَثَانِيَةً بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَثَالِثَةً بِإِذْنِهِ، وَرَابِعَةً بِغَيْرِ إِذْنِهِ بَرَّ فِي خَرْجَتَيْنِ الْأُولَى وَالثَّالِثَةِ.
وَحَنِثَ فِي خَرْجَتَيْنِ فِي الثَّانِيَةِ وَالرَّابِعَةِ ثُمَّ عَلَى هَذِهِ الْعِبْرَةِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا اخْتُلِفَ فِيهِ: هَلْ تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ عَلَى مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ عَلَى التَّكْرَارِ، وَذَلِكَ فِيمَا عَدَا الْقِسْمَيْنِ الْمَاضِيَيْنِ مِنَ الْأَلْفَاظِ، وَهِيَ خَمْسَةُ أَلْفَاظٍ:
أَحَدُهَا: إِنْ خَرَجْتِ مِنَ الدَّارِ إِلَّا بِإِذْنِي، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
وَالثَّانِيَةُ: إِنْ خَرَجْتِ مِنَ الدَّارِ إِلَّا أَنْ آذَنَ لَكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
وَالثَّالِثَةُ: إِنْ خَرَجْتِ مِنَ الدَّارِ بِغَيْرِ إِذْنِي، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
وَالرَّابِعَةُ: أَيَّ وَقْتٍ خَرَجْتِ مِنَ الدَّارِ بِغَيْرِ إِذْنِي، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
وَالْخَامِسَةُ: مَتَى خَرَجْتِ مِنَ الدَّارِ بِغَيْرِ إِذْنِي، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَاخْتَلَفُوا فِي انْعِقَادِ الْيَمِينِ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ هَلْ تُوجِبُ التَّكْرَارَ فِي الْبِرِّ وَالْحِنْثِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّهَا تَنْعَقِدُ عَلَى مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْبِرِّ وَالْحِنْثِ، وَلَا تُوجِبُ التَّكْرَارَ فِي بِرٍّ وَلَا حِنْثٍ.
فَإِنْ خَرَجَتْ مَرَّةً وَاحِدَةً بِإِذْنٍ بَرَّ وَانْحَلَّتِ الْيَمِينُ، وَلَا يَحْنَثُ إِنْ خَرَجَتْ بَعْدَ ذَلِكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ.
وَإِنْ خَرَجَتْ مَرَّةً وَاحِدَةً بِغَيْرِ إِذْنٍ حِنْثٍ، وَسَقَطَتِ الْيَمِينُ، وَلَا يَعُودُ الْحِنْثُ إِنْ خَرَجَتْ بَعْدَهُ بِغَيْرِ إِذْنٍ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: وَهُوَ مُقْتَضَى مَذْهَبِ مَالِكٍ إنَّهَا تَنْعَقِدُ عَلَى التَّكْرَارِ فِي الْبِرِّ وَالْحِنْثِ، وَإِنْ خرجت مرة بإذن بر، ولم تخل اليمين، وَإِنْ خَرَجَتْ مَرَّةً بِغَيْرِ إِذْنٍ حَنِثَ، وَلَمْ تَسْقُطِ الْيَمِينُ.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا تَنْعَقِدُ عَلَى الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ فِي الْحِنْثِ، وَعَلَى التَّكْرَارِ فِي الْبِرِّ، فَإِذَا خَرَجَتْ مَرَّةً بِغَيْرِ إِذْنٍ حَنِثَ وَسَقَطَتِ الْيَمِينُ، وَلَمْ يَحْنَثْ إِنْ خَرَجَتْ مَرَّةً مِنْ بَعْدُ بِغَيْرِ إِذْنٍ.
وإن خرجت مرة بإذن بر، ولم تخل الْيَمِينُ، وَحَنِثَ إِنْ خَرَجَتْ بَعْدَهُ بِغَيْرِ إِذْنٍ.
وَلِأَصْحَابِهِ فِي هَذَا طَرِيقَانِ:
مِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّ قَوْلَهُ: " إِلَّا بِإِذْنِي " اسْتِثْنَاءٌ يُوجِبُ خُرُوجَ الْمُسْتَثْنَى، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ بِرٌّ وَلَا حِنْثٌ، وَبِرُّهُ بِأَنْ يَكُونَ لَا تَخْرُجُ، وَحِنْثُهُ يَكُونُ بِأَنْ تَخْرُجَ بِغَيْرِ إِذْنٍ، لِيَكُونَ بَارًّا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَحَانِثًا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ بِهِ، وَلَا يَكُونُ بَارًّا مِنْ وَجْهَيْنِ: وَحَانِثًا مِنْ وَجْهٍ، كَمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إِنْ كَلَّمْتِ زَيْدًا، فَأَنْتِ طَالِقٌ كَانَ بِكَلَامِهَا لزيد حانثاً ويترك كَلَامِهِ بَارًّا، وَبِكَلَامِهَا لِغَيْرِهِ غَيْرَ بَارٍّ، وَلَا حَانِثٍ، وَهَذِهِ أَشْبَهُ بِطَرِيقَةِ الْمُحَقِّقِينَ مِنْهُمْ، وَهِيَ فَاسِدَةٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إنَّ يَمِينَهُ تَضَمَّنَتْ مَنْعًا، وَتَمْكِينًا، فَالْمَنْعُ خُرُوجُهَا بِغَيْرِ إِذْنٍ، وَالتَّمْكِينُ خُرُوجُهَا بِإِذْنٍ.
فَلَمَّا حَنِثَ بِالْجَمْعِ وَجَبَ أَنْ يَبَرَّ بِالتَّمْكِينِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ تَضَمَّنَتْهُ الْيَمِينُ، وَخَالَفَ مَا اسْتَشْهَدَ بِهِ مِنْ يَمِينِهِ عَلَى كَلَامِهَا لِزَيْدٍ، لِأَنَّ كَلَامَهَا لِغَيْرِهِ لَمْ يَدْخُلْ فِي يَمِينِهِ مِنْ مَنْعٍ وَلَا تَمْكِينٍ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ بِرٌّ وَلَا حِنْثٌ.
وَالثَّانِي: إنَّ الْبِرَّ وَالْحِنْثَ يَتَعَلَّقَانِ فِي الْأَيْمَانِ بِشَيْءٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ كَانَتْ عَلَى إِثْبَاتٍ كَقَوْلِهِ: وَاللَّهِ لَأَدْخُلَنَّ الدَّارَ، كَانَ بِرُّهُ بِدُخُولِهَا، وَحِنْثُهُ بِأَنْ لَا يَدْخُلَهَا.
وَإِنْ كَانَتْ عَلَى نَفْيٍ كَقَوْلِهِ: وَاللَّهِ لَا دَخَلْتُ الدَّارَ كَانَ بِرُّهُ بِأَنْ لَا يُدْخِلَهَا.
وَحِنْثُهُ بِأَنْ يَدْخُلَهَا.
فَلَمَّا كَانَ حِنْثُهُ فِي قَوْلِهِ: إِنْ خَرَجْتِ إِلَّا بِإِذْنِي، فَأَنْتِ طَالِقٌ، يَكُونُ بِخُرُوجِهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ بِرُّهُ بِخُرُوجِهَا بِإِذْنِهِ، فَنُثْبِتُ بِهَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ فَسَادَ هَذِهِ الطَّرِيقَة.
وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ لَهُمْ أَنْ يُسَلِّمُوا وُقُوعَ الْبِرِّ بِالْخُرُوجِ بِإِذْنٍ كَمَا أَنَّ وُقُوعَ الْحِنْثِ بِالْخُرُوجِ بِغَيْرِ إِذْنٍ، وَيَسْتَدِلُّوا عَلَى وُجُوبِ تَكْرَارِ الْبِرِّ، وَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرَ الْحِنْثُ بِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّمَا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ لِزَوْجَتِهِ: إِنْ خَرَجْتِ مِنَ الدَّارِ إِلَّا رَاكِبَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَنَّ الْبِرَّ يَتَكَرَّرُ، وَالْحِنْثَ لَا يَتَكَرَّرُ، وَيَلْزَمُهَا أَنْ تَخْرُجَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ رَاكِبَةً، وَإِنْ خَرَجَتْ مَرَّةً غَيْرَ رَاكِبَةٍ حَنِثَ وَسَقَطَتِ الْيَمِينُ وَإِنْ خَرَجَتْ مَرَّةً رَاكِبَةً بَرَّ وَلَمْ تخل الْيَمِينُ، وَلَزِمَهَا الْخُرُوجُ بَعْدَ هَذَا الْبِرِّ رَاكِبَةً أَبَدًا.
كَذَلِكَ مَا اخْتَلَفْنَا فِيهِ مِنْ قَوْلِهِ: إِنْ خَرَجْتِ إِلَّا بِإِذْنٍ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَخَرَجَتْ مَرَّةً بِإِذْنِهِ، لَمْ تخل الْيَمِينُ، وَلَزِمَهَا أَنْ تَخْرُجَ كُلَّ مَرَّةٍ بِإِذْنِهِ.
وَلَوْ خَرَجَتْ مَرَّةً بِغَيْرِ إِذْنِهِ حَنِثَ، وَسَقَطَتِ الْيَمِينُ، فَيَكُونُ الْإِجْمَاعُ فِي اشْتِرَاطِ الرُّكُوبِ دَلِيلًا عَلَى الْخِلَافِ فِي اشْتِرَاطِ الْإِذْنِ، إِذْ لَيْسَ بَيْنَ الشَّرْطَيْنِ فَرْقٌ فِي الْحُكْمِ.
والثاني: أنه لما كان البر يترك الْخُرُوجَ مُؤَبَّدًا، وَالْحِنْثُ بِالْخُرُوجِ مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ مُقَيَّدًا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْبِرُّ بِالْخُرُوجِ بِالْإِذْنِ مُتَكَرِّرًا وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْحِنْثُ بِالْخُرُوجِ بِغَيْرِ إذن متكرراً.
وَالدَّلِيلُ عَلَى فَسَادِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَمَّا كَانَ عَقْدُ الْيَمِينِ بِلَفْظِ الْغَايَةِ يُوجِبُ اسْتِوَاءَ الْبِرِّ وَالْحِنْثِ فِي سُقُوطِ التَّكْرَارِ، وَكَانَ عَقْدُهَا بِقَوْلِهِ: " كُلَّمَا " يُوجِبُ اسْتِوَاءَ الْبِرِّ وَالْحِنْثِ فِي وُجُوبِ التَّكْرَارِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَقْدُهَا بِمَا اخْتَلَفَا فِيهِ مِنْ قَوْلِهِ: إِنْ خَرَجْتِ إِلَّا بِإِذْنِي، مُلْحَقًا بِأَحَدِهِمَا فِي اسْتِوَاءِ الْبِرِّ وَالْحِنْثِ فِي وُجُوبِ التَّكْرَارِ وَسُقُوطِهِ، فَلَمَّا سَقَطَ التَّكْرَارُ فِي الْحِنْثِ وَجَبَ أَنْ يَسْقُطَ التَّكْرَارُ فِي الْبِرِّ.
وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا: إنَّ كُلَّ يَمِينٍ اشْتَمَلَتْ عَلَى مَنْعٍ وَتَمْكِينٍ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْبِرُّ فِيهَا مُقَابِلًا لِلْحِنْثِ فِي وُجُوبِ التَّكْرَارِ وَسُقُوطِهِ كَالْمَعْقُودِ بِلَفْظِ الْغَايَةِ فِي سُقُوطِ التَّكْرَارِ، وَكَالْمَعْقُودَةِ بِ " كُلَّمَا " فِي وُجُوبِ التَّكْرَارِ.
وَالثَّانِي: إنَّ الْبِرَّ وَالْحِنْثَ فِي الْأَيْمَانِ مُعْتَبَرَانِ بِالْعَقْدِ، فَإِنْ أَوْجَبَ تَكْرَارَ الْمَنْعِ وَالتَّمْكِينِ أَوْجَبَ تَكْرَارَ الْبِرِّ وَالْحِنْثِ، وَإِنْ لَمْ يُوجِبْ تَكْرَارَهُمَا لَمْ يَتَكَرَّرِ الْبِرُّ وَالْحِنْثُ.
وَلَفْظُ التَّكْرَارِ مَعْدُومٌ فِي قَوْلِهِ: إِنْ خَرَجْتِ إِلَّا بِإِذْنِي، فَانْعَقَدَ عَلَى مَرَّةٍ، وَمَوْجُودٌ فِي قَوْلِهِ: كُلَّمَا خَرَجْتِ بِغَيْرِ إِذْنِي، فَانْعَقَدَ عَلَى كُلِّ مَرَّةٍ.
أَلَا تَرَاهُ لَوْ قَالَ لَهَا: إِنْ خَرَجْتِ بِإِذْنِي، فَأَنْتِ طَالِقٌ، انْعَقَدَتْ عَلَى مَرَّةٍ، وَلَوْ قَالَ: كُلَّمَا خَرَجْتِ بِإِذْنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ، انْعَقَدَتْ عَلَى مَرَّةٍ، وَلَوْ قَالَ: كُلَّمَا خَرَجْتِ بِإِذْنِي انْعَقَدَتْ عَلَى التَّكْرَارِ وَمَا انْعَقَدَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ سَوَاءٌ فِي الْبِرِّ وَالْحِنْثِ فِي التَّكْرَارِ وَالِانْفِرَادِ، لِأَنَّ عَقْدَهَا إِنْ قَابَلَتْ مُقْتَضَاهَا كَانَ حُكْمُهَا مَقْصُورًا عَلَيْهِ.
وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا: إنَّ مَا انْعَقَدَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ وَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَ فِيهِ الْبِرُّ وَالْحِنْثُ قِيَاسًا عَلَى تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِالْإِذْنِ، تَسْوِيَةً بَيْنَ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِقَوْلِهِ: إِنْ خَرَجْتِ إِلَّا رَاكِبَةً، فَهُوَ إنَّ هَذَا تَعْلِيقُ طَلَاقٍ بِصِفَةٍ، وَهِيَ خُرُوجُهَا مَاشِيَةً، فَوَقَعَ بِوُجُودِ الصِّفَةِ، وَلَيْسَتْ يَمِينًا تُوجِبُ مَنْعًا، وَتَمْكِينًا، فَافْتَرَقَا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اجْتِمَاعِهِمْ بِامْتِدَادِ الْبِرِّ فِي الْمَقَامِ إِلَى الْمَوْتِ، وَتَوْقِيتِ الْحِنْثِ بِالْخُرُوجِ، فَهُوَ أَنَّ الْمَقَامَ فِي مَنْزِلِهَا تَرْكٌ مُطْلَقٌ، فَحُمِلَ عَلَى التَّأْبِيدِ فِي الْبِرِّ، وَالْخُرُوجُ فِعْلٌ مُقَيَّدٌ بِوَقْتِهِ، فَتُقَدِّرُ بِهِ الْبِرَّ وَالْحِنْثَ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْبِرُّ فِيهِ مُسَاوِيًا لِلْحِنْثِ.
(فَصْلٌ:)
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ أَنْ يَقُولَ لَهَا: إِنْ خَرَجْتِ إِلَى غَيْرِ الْحَمَّامِ بِغَيْرِ إِذْنِي، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَخُرُوجُهَا إِلَى الْحَمَّامِ مُسْتَثْنًى مِنْ يَمِينِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى إِذْنٍ، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ بِرٌّ وَلَا حِنْثٌ، فَالْيَمِينُ مُنْعَقِدَةٌ عَلَى خُرُوجِهَا إِلَى غَيْرِ الْحَمَّامِ.
فَإِنْ خَرَجَتْ إِلَيْهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ حَنِثَ وَسَقَطَتِ الْيَمِينُ فَإِنْ خَرَجَتْ إِلَيْهِ بِإِذْنِهِ بَرَّ، وَانْحَلَّتِ الْيَمِينُ.
فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يحل خُرُوجُهَا بِغَيْرِ إِذْنٍ إِذَا جَمَعَتْ فِيهِ بَيْنَ الْحَمَّامِ وَغَيْرِ الحمام على ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تَخْرُجَ إِلَى الْحَمَّامِ، ثُمَّ تَعْدِلُ إِلَى غَيْرِ الْحَمَّامِ، فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ اعْتِبَارًا بِقَصْدِ الْخُرُوجِ أَنَّهُ كَانَ إِلَى الْحَمَّامِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَخْرُجَ إِلَى غَيْرِ الْحَمَّامِ، ثُمَّ تَعْدِلُ إِلَى الْحَمَّامِ، فَيَحْنَثُ اعْتِبَارًا بِقَصْدِ الْخُرُوجِ أَنَّهُ كَانَ إِلَى غَيْرِ الْحَمَّامِ.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ تَخْرُجَ جَامِعَةً فِي قَصْدِهَا بَيْنَ الْحَمَّامِ وَغَيْرِ الْحَمَّامِ، فَيَحْنَثُ، لِأَنَّ خُرُوجَهَا إِلَى غَيْرِ الْحَمَّامِ مَوْجُودٌ، فَلَمْ يَمْنَعِ اقْتِرَانُهُ بِالْخُرُوجِ إِلَى الْحَمَّامِ مِنْ وُقُوعِ الْحِنْثِ بِهِ.
وَوَهِمَ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ، فَقَالَ: لَا يَحْنَثُ بِهِ تَغْلِيبًا لِمَا لَا يُوجِبُ الْحِنْثَ عَلَى ما يوجبه، وزلله فيه وَاضِحٌ، لِمَا عَلَّلْنَاهُ.
أَلَا تَرَاهُ لَوْ قَالَ لَهَا: إِنْ كَلَّمْتِ زَيْدًا، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَكَلَّمَتْ زيداً وعمراً معاً طلقت، ولم يمنع كلاهما لِعَمْرٍو مِنْ وُقُوعِ الطَّلَاقِ بِكَلَامِهَا لِزَيْدٍ؟ !
(فَصْلٌ:)
فَأَمَّا الْإِذْنُ، فَقَدْ يَكُونُ تَارَةً بِالْقَوْلِ، وَتَارَةً بِالْكِنَايَةِ، وَتَارَةً بِالرِّسَالَةِ، وَتَارَةً بِالْإِشَارَةِ وَجَمِيعُهُ يَكُونُ إِذْنًا اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ فِيهِ.
وَسَوَاءٌ ابْتَدَأَ الزَّوْجُ بِالْإِذْنِ أَوْ سَأَلَتْهُ، فَأَذِنَ.
فَإِنِ اسْتَأْذَنَتْهُ وَأَمْسَكَ، فَلَمْ يَكُنْ مِنْهُ إِذْنٌ وَلَا مَنْعٌ، لَمْ يَكُنِ السُّكُوتُ إِذْنًا إِلَّا أَنْ تَقْتَرِنَ بِهِ إِشَارَةٌ، فَتَصِيرَ الْإِشَارَةُ إِذْنًا.
فَإِنْ أَذِنَ لَهَا، ثُمَّ رَجَعَ فِي إِذْنِهِ، لَمْ يَسْقُطْ حُكْمُ الْإِذْنِ بِرُجُوعِهِ، لِأَنَّ شَرْطَ الْبِرِّ وُجُودُ الْإِذْنِ، وَلَيْسَ بَقَاؤُهُ عَلَيْهِ شَرْطًا فِيهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ رجوعه قبل الخروج أبو بَعْدَهُ.
فَإِنْ شَرَطَ إِذْنًا بَاقِيًا، فَرَجَعَ فِيهِ حَنِثَ إِنْ كَانَ رُجُوعُهُ قَبْلَ الْخُرُوجِ وَلَمْ يَحْنَثْ إِنْ كَانَ رُجُوعُهُ بَعْدَ الْخُرُوجِ.
وَلَوْ شَرَطَ فِي يَمِينِهِ أَنْ يَكُونَ خُرُوجُهَا بِإِذْنِ غَيْرِهِ، اعْتُبِرَ إِذْنُ ذَلِكَ الْغَيْرِ دُونَ الْحَالِفِ.
وَلَوْ شَرَطَ إِذْنَهُمَا مَعًا حَنِثَ بِخُرُوجِهَا عَنْ إِذْنِ أَحَدِهِمَا، فَإِنْ أَذِنَ لِلْغَيْرِ أَنْ يَأْذَنَ لَهَا، فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَقُولَ: ائْذَنْ لَهَا عَنْ نَفْسِكَ، فَلَا يُجْزِئُ فِي الْبِرِّ أَنْ يَأْذَنَ لَهَا الْغَيْرُ،
حَتَّى يَأْذَنَ مَعَهُ الْحَالِفُ، فَإِنْ أَذِنَ الْغَيْرُ، وَلَمْ يَأْذَنِ الْحَالِفُ حَنِثَ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَقُولَ: ائْذَنْ لَهَا عَنِّي، فَقَدْ صَارَ فِي الْإِذْنِ نَائِبًا عَنِ الْحَالِفِ، فَيَحْتَاجُ الْغَيْرُ أَنْ يَأْذَنَ لَهَا إِذْنَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: عَنْ نَفْسِهِ.
وَالثَّانِي: عَنِ الْحَالِفِ.
فَإِذَا جَمَعَ بَيْنَ الْإِذْنَيْنِ بَرَّ الْحَالِفُ، وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا حَنِثَ.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يُطْلِقَ إِذْنَهُ لِلْغَيْرِ، فَيُسْأَلَ عَنْهُ الْحَالِفُ.
فَإِنْ أَرَادَ بِهِ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ عُمِلَ عَلَيْهِ، وَكَانَ حُكْمُهُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الضربين، فإن فات سؤال الحالف عنه الغيبة طَالَتْ نُظِرَ حَالُ ذَلِكَ الْغَيْرِ مَعَ الْحَالِفِ.
فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ جَرَتْ عَادَتُهُ أَنْ يَأْمُرَهُ وَيَنْهَاهُ، صَارَ هَذَا الْإِذْنُ لَهُ أَمْرًا، فَيَكُونُ إِذْنًا، عَنِ الْحَالِفِ، فَيَصِيرُ كَالضَّرْبِ الثَّانِي.
وَإِنْ لَمْ تَجْرِ عَادَتُهُ بِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ صَارَ مِثْلُ هَذَا الْإِذْنِ طَلَبًا، فَيَكُونُ إِذْنًا عَنِ الْغَيْرِ، فَيَصِيرُ كَالضَّرْبِ الْأَوَّلِ اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَلَوْ أَذِنَ لَهَا وَأَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ فَخَرَجَتْ لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّهُ قَدْ أَذِنَ لَهَا، وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ حقٌّ لِرَجُلٍ فَغَابَ أَوْ مَاتَ فَجَعَلَهُ صَاحِبُ الْحَقِّ فِي حلٍّ بَرِئَ غَيْرَ أَنِّي أُحِبُّ لَهُ فِي الْوَرَعِ لَوْ أَحْنَثَ نَفْسَهُ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ عَاصِيَةً لَهُ عِنْدَ نَفْسِهَا وَإِنْ كَانَ قَدْ أَذِنَ لَهَا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.
إِذَا حَلَفَ بِطَلَاقِهَا أَنْ لَا تَخْرُجَ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَأَذِنَ لَهَا وَلَمْ تَعْلَمْ بِالْإِذْنِ حَتَّى خَرَجَتْ لَمْ يَحْنَثْ، وَلَا يَكُونُ عِلْمُهَا بِالْإِذْنِ شَرْطًا فِي الْبِرِّ.
هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ: يَحْنَثُ، وَيَكُونُ عِلْمُهَا بِالْإِذْنِ شَرْطًا فِي الْبِرِّ، اسْتِدْلَالًا بِأَرْبَعَةِ مَعَانٍ:
أَحَدُهَا: إنَّ الْإِذْنَ تَضَمَّنَ الْإِعْلَامَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ) {الحج: 27) أَيْ: أَعْلِمْهُمْ بِفَرْضِهِ، وَقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: " إِذَا حَلَلْتِ، فَآذِنِينِي "، أَيْ: أَعْلِمِينِي.
وَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
(آذَنَتْنَا بِبَيْنِهَا أَسْمَاءُ ... رُبَّ ثاوٍ يُمَلُّ مِنْهُ الثَّوَاءُ)
أَيْ: أَعْلَمَتْنَا، فَإِذَا ثَبَتَ بِالشَّرْعِ وَاللُّغَةِ أَنَّ الْإِذْنَ يَتَضَمَّنُ الْإِعْلَامَ صَارَ شَرْطًا فِيهِ، فَإِنْ عُدِمَ لَمْ يَكْمُلِ الْإِذْنُ، فَلَمْ يَقَعْ بِهِ الْبِرُّ.
وَالثَّانِي: إنَّ الْإِذْنَ أَمْرٌ يُخَالِفُ مَا بَعْدَهُ حُكْمَ مَا قَبْلَهُ، فَجَرَى مَجْرَى النَّسْخِ، ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّ الْعِلْمَ بِالنَّسْخِ شَرْطٌ فِي لُزُومِهِ كَذَلِكَ الْعِلْمُ، بِالْإِذْنِ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهِ.
وَالثَّالِثُ: إنَّهُ أَلْزَمَهَا بِخُرُوجِهِ عَنْ إِذْنِهِ أَنْ تَكُونَ مُطِيعَةً فِي الْخُرُوجِ، فَإِذَا لَمْ تَعَلَمْ بِالْإِذْنِ صَارَتْ عَاصِيَةً بِالْخُرُوجِ، فَلَمْ يَكُنْ هُوَ الْخُرُوجَ الْمَأْذُونَ فِيهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَحْنَثَ بِهِ، وَيَصِيرَ عَدَمُ عِلْمِهَا بِالْإِذْنِ جَارِيًا مَجْرَى عَدَمِ الْإِذْنِ، لِوُجُودِ الْمَعْصِيَةِ فِيهِمَا، كَمَنْ بَاعَ مَا لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مَالِكٌ لَهُ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ مَالِكًا لَهُ، كَانَ بَيْعُهُ بَاطِلًا، وَجَرَى عَدَمُ عِلْمِهِ بِالْمِلْكِ مَجْرَى عَدَمِ الْمِلْكِ.
وَالرَّابِعُ: إنَّ الْإِذْنَ يَفْتَقِرُ إِلَى آذِنٍ وَمَأْذُونٍ لَهُ، كَالْكَلَامِ الَّذِي يَفْتَقِرُ إِلَى قَائِلٍ وَمُسْتَمِعٍ، فَلَمَّا كَانَ الْمُنْفَرِدُ بِالْكَلَامِ يَسْلُبُهُ حكم الكلام، وجب أن يكون المنفرد بلاإذن يَسْلُبُهُ حُكْمَ الْإِذْنِ.
وَدَلِيلُنَا أَرْبَعَةُ مَعَانٍ:
أَحَدُهَا: أن الأذن يختص بالآذان، وَالْعِلْمَ بِهِ مُخْتَصٌّ بِالْمَأْذُونِ لَهَا، وَشَرْطُ يَمِينِهِ إِنَّمَا كَانَ مَعْقُودًا عَلَى مَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنَ الْإِذْنِ دُونَ مَا يَخْتَصُّ بِهَا مِنَ الْعِلْمِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ اسْمَ الْإِذْنِ يَنْطَلِقُ عَلَى إِذْنِهِ دُونَ عِلْمِهَا، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ تَفَرُّدُهُ بِالْإِذْنِ مُوجِبًا لِوُجُودِ الشَّرْطِ، فَلَا يَقَعُ بِهِ الْحِنْثُ، كَمَا لَوْ قَالَ: إِنْ قُمْتُ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، طُلِّقَتْ بِقِيَامِهِ، وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ.
وَالثَّانِي: إنَّهُ لَوْ كَانَ الْعِلْمُ شَرْطًا فِي الْإِذْنِ لَكَانَ وُجُودُهُ مِنَ الْحَالِفِ شَرْطًا فِيهِ، كَمَا كَانَ وُجُودُ الْإِذْنِ مِنْهُ شَرْطًا فِيهِ، فَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّهَا لَوْ عَلِمَتْ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ صَحَّ، وَلَوْ أَذِنَ لَهَا غَيْرُهُ لَمْ يَصِحَّ، دَلَّ عَلَى خُرُوجِهِ مِنْ حُقُوقِ الْإِذْنِ، وَصَحَّ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ.
وَالثَّالِثُ: إنَّهُ قَدْ حَظَرَ الْخُرُوجَ عَلَيْهَا بِالْيَمِينِ، وَأَبَاحَهَا الْخُرُوجَ بِالْإِذْنِ، فَصَارَ عَقْدُهَا جَامِعًا بَيْنَ حَظْرٍ وَإِبَاحَةٍ، وَالِاسْتِبَاحَةُ إِذَا صَادَفَتْ إِبَاحَةً لَمْ يُعْلَمْ بِهَا الْمُسْتَبِيحُ جَرَى عَلَيْهَا حُكْمُ الْإِبَاحَةِ دُونَ الْحَظْرِ، كَمَنِ اسْتَبَاحَ مَالَ رَجُلٍ قَدْ أَبَاحَ لَهُ، وَهُوَ لَا يعلم
بِإِبَاحَتِهِ، جَرَى عَلَى الْمَالِ الْمُبْتَدِئِ حُكْمُ الْإِبَاحَةِ اعْتِبَارًا بِالْمُبِيحِ، وَلَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ الْحَظْرُ اعْتِبَارًا بالمستبيح.
كذلك حكم هذه الْخُرُوجِ.
وَتَحْرِيرُهُ: إنَّهَا اسْتِبَاحَةٌ بَعْدَ إِبَاحَةٍ، فَلَمْ يَكُنْ فَقْدُ الْعِلْمِ بِهَا مُؤَثِّرًا فِي حُكْمِهَا كَالْمَالِ.
وَالرَّابِعُ: إنَّهَا لَا تَعْلَمُ بِإِذْنِهِ، لِبُعْدِهَا تَارَةً، وَلِنَوْمِهَا أُخْرَى، وَقَدْ وَافَقُوا أَنَّهُ لَوْ أَذِنَ لَهَا، وَهِيَ نَائِمَةٌ، فَخَرَجَتْ غَيْرَ عَالِمَةٍ بِإِذْنِهِ لَمْ يَحْنَثْ، كَذَلِكَ إِذَا أَذِنَ لَهَا، وَهِيَ بَعِيدَةٌ، فَلَمْ تَعْلَمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى خَرَجَتْ وَجَبَ أَنْ لَا يَحْنَثَ.
وَتَحْرِيرُهُ: إنَّهَا يَمِينٌ تَعَلَّقَ الْبِرُّ فِيهَا بِالْإِذْنِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ عَدَمُ الْعِلْمِ بِهِ مُوجِبًا لِلْحِنْثِ، كَالنَّائِمَةِ وَالنَّاسِيَةِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمُ الْأَوَّلِ، بِأَنَّ الْإِذْنَ يَتَضَمَّنُ الْإِعْلَامَ اسْتِشْهَادًا بِمَا ذَكَرُوهُ، فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إنَّ الْإِعْلَامَ هُوَ الْإِيذَانُ دُونَ الْإِذْنِ، وَفَرْقٌ بَيْنَ الْإِذْنِ وَالْإِيذَانِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْإِذْنَ لَوِ اقْتَضَى الْإِعْلَامَ، لَاخْتَصَّ بِهِ الْإِذْنُ دُونَ غَيْرِهِ، وَهُوَ لَا يَخْتَصُّ بِهِ، فَلَمْ يَكُنْ مِنْ شَرْطِ إِذْنِهِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمُ الثَّانِي فِي النَّسْخِ، فَهُوَ إنَّ فِي اعْتِبَارِ الْعِلْمِ بِهِ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إنَّ النَّسْخَ يَلْزَمُ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ كَالْإِذْنِ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ.
وَالثَّانِي: إنَّهُ لَا يَلْزَمُ إِلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ، كَأَهْلِ قُبَاءَ حِينَ اسْتَدَارُوا فِي صَلَاتِهِمْ، وَبَنَوْا عَلَى مَا تَقَدَّمَ قَبْلَ عِلْمِهِمْ بِنَسْخِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِالْكَعْبَةِ.
فَعَلَى هَذَا إنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ النَّسْخَ مُخْتَصٌّ بِالتَّعَبُّدِ الشَّرْعِيِّ، فَلَمْ يَلْزَمْ إِلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ، لِوُجُوبِ إِبْلَاغِهِ، وَالْإِذْنُ رَافِعٌ لِلْمَنْعِ، فَصَارَ مُرْتِفَعًا قَبْلَ الْعِلْمِ بِهِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمُ الثَّالِثِ بِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْإِذْنِ يَقْتَضِي خُرُوجًا تَكُونُ فِيهِ مُطِيعَةً، فَهُوَ انْتِقَاضُهُ بِخُرُوجِهَا إِنْ كَانَتْ نَاسِيَةً لِإِذْنِهِ، أَوْ كَانَتْ نَائِمَةً عِنْدَ إِذْنِهِ هِيَ قَاصِدَةٌ لِمَعْصِيَتِهِ، وَلَا يَحْنَثُ بِهِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمُ الرَّابِعِ بِالْمُتَكَلِّمِ، فَهُوَ فَسَادُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي كَلَامِ الْغَيْرِ الِاسْتِمَاعُ دُونَ الْإِعْلَامِ وَالسَّمَاعِ، وَهُمْ يَعْتَبِرُونَ فِي الْإِذْنِ الْإِعْلَامَ دُونَ السَّمَاعِ وَالِاسْتِمَاعِ، فَفَسَدَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مَعَ اخْتِلَافِ مَقْصُودِهِمَا.
(فَصْلٌ:)
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْعِلْمَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الْإِذْنِ، فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَلَوْ أَذِنَ لَهَا وَأَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ لَمْ يَحْنَثْ، وَلَيْسَ إِشْهَادُهُ عَلَى الْإِذْنِ شَرْطًا فِيهِ، وَإِنَّمَا هِيَ حُجَّةٌ لَهُ إِنِ ادَّعَاهُ؛ لِيَرْفَعَ بِهِ الطَّلَاقَ إِذَا أَنْكَرَتْهُ الزَّوْجَةُ، لِيَقَعَ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ.
وَإِنَّمَا الشَّرْطُ فِي صِحَّةِ الْإِذْنِ أَنْ يَكُونَ مَسْمُوعًا مِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ لِمُسْتَمِعٍ لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ الَّذِي لَا يَصِحُّ بِهِ الْإِذْنُ.
ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " وَأُحِبُّ لَهُ فِي الْوَرَعِ أَنْ يُحَنِّثَ نَفْسَهُ "، وَإِنَّمَا اخْتَارَ لَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ مَخْرَجٌ مُخْتَلِفٌ فِي استباحته، فاختار له أن تكون الاستباحة ومتفقاً عليها، وأمره بالتزام الحنث، ولم يرد بِالْتِزَامِ الْحِنْثِ الْتِزَامَ الطَّلَاقِ، لِأَنَّهُ إِنِ الْتَزَمَ الطَّلَاقَ لَمْ تَصِرْ زَوْجَتُهُ مُسْتَبِيحَةَ الْأَزْوَاجِ بِاتِّفَاقٍ، وَإِنَّمَا آمَرَهُ بِمَا تَكُونُ الِاسْتِبَاحَةُ فِي الْجِهَتَيْنِ بِاتِّفَاقٍ يَقَعُ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُ أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا أَوْ ثَلَاثًا.
فَإِنْ كَانَ رَجْعِيًّا، فَيُخْتَارُ لَهُ فِي الْوَرَعِ إِنْ أَرَادَ الْمَقَامَ مَعَهَا أَنْ يَرْتَجِعَهَا، لِأَنَّ الطَّلَاقَ إِنْ وَقَعَ اسْتَبَاحَهَا بِالرَّجْعَةِ، وَإِنْ لَمْ يَقَعْ لَمْ تَضُرَّهُ الرَّجْعَةُ.
وَإِنْ لَمْ يُرِدِ الْمَقَامَ مَعَهَا قَالَ لَهَا: إِنْ لَمْ يَكُنِ الطَّلَاقُ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، حَتَّى لَا يَلْزَمَهُ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدَةٍ فِي الْحَالَيْنِ.
فَإِنْ لَمْ يَقُلْ هَكَذَا، وَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَاحِدَةً لَزِمَتْهُ الْوَاحِدَةُ، وَكَانَتِ الثَّانِيَةُ عَلَى اخْتِلَافٍ.
وَإِنْ لَمْ يَقُلْ أَحَدَ هَذَيْنِ كَانَ النِّكَاحُ لَازِمًا، وَهِيَ مَمْنُوعَةٌ مِنَ الْأَزْوَاجِ، وَيُؤْخَذُ بِنَفَقَتِهَا وَالْوَرَعُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ إِصَابَتِهَا.
وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ ثَلَاثًا، فَلَيْسَ مِنَ الْوَرَعِ الْإِقَامَةُ عَلَيْهَا، وَالْوَرَعُ أَنْ يُفَارِقَهَا بِأَنْ يَقُولَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا.
وَلَيْسَ يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِنْ لَمْ يَكُنِ الطَّلَاقُ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكِ، لِأَنَّ طَلَاقَ الْحِنْثِ إِنْ وَقَعَ لَمْ يَقَعْ طَلَاقُ الْمُبَاشَرَةِ، وَخَالَفَ طَلَاقَ الرَّجْعَةِ، لِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَقَعْ طَلَاقُ الْحِنْثِ وَقَعَ طَلَاقُ الْمُبَاشَرَةِ.
فَإِنْ لَمْ يَقُلْ هَذَا فِي الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ، كَانَ مُلْتَزِمًا لِنِكَاحِهَا، وَهِيَ مَمْنُوعَةٌ مِنَ الْأَزْوَاجِ، وَيُؤْخَذُ بِنَفَقَتِهَا، وَالْوَرَعُ لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ إِصَابَتِهَا، فَإِنْ لَمْ يَمْتَنِعْ، وَأَصَابَهَا فِي الطَّلَّاقَيْنِ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ، وَلَا مَأْثَمَ، لِمَا حُكِمَ بِهِ مِنْ بِرِّهِ فِي يمينه.
بَابُ مَنْ يُعْتِقُ مِنْ مَمَالِيكِهِ إِذَا حَنِثَ أَوْ حَلَفَ بِعِتْقِ عبدٍ فَبَاعَهُ ثُمَّ اشْتَرَاهُ وغير ذلك
(مسألة:)
قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " مَنْ حَلَفَ بِعِتْقِ مَا يَمْلِكُ وَلَهُ أُمُّهَاتُ أولادٍ وَمُدَبَّرُونَ وأشقاصٌ مِنْ عبيدٍ عَتَقُوا عَلَيْهِ إِلَّا الْمُكَاتَبَ إِلَّا أن ينويه لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُكَاتَبَ خارجٌ مِنْ مِلْكِهِ بمعنى وداخلٌ فيه بمعنى وهو محولٌ بينه وبين أخذ ماله واستخدامه وأرش الجناية عليه ولا زكاة عليه في ماله ولا زكاة الفطر في رقيقه وليس كذا أم ولده ولا مدبره ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا حَلَفَ بِعِتْقِ مَا يَمْلِكُ، فَحَنِثَ أَوْ قَالَ: مَمَالِيكِي أَحْرَارٌ، فَالْحُكْمُ فِي عِتْقِ الْحِنْثِ وَالْمُبَاشَرَةِ سَوَاءٌ، فَيَعْتِقُ عَلَيْهِ كُلُّ مَنْ يَمْلِكُ رِقَّهُ مِنْ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، لِأَنَّ جَمِيعَهُمْ مَمَالِيكُ لَهُ، وَيَعْتِقُ عَلَيْهِ أُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِ، لِأَنَّهُنَّ فِي مِلْكِهِ، وَيَجْرِي عَلَيْهِنَّ أَحْكَامُ رِقِّهِ، فِي اسْتِبَاحَةِ الِاسْتِمْتَاعِ بِهِنَّ، وَاسْتِخْدَامِهِنَّ، وَمِلْكِ أَكْسَابِهِنَّ، وَالْتِزَامِ نَفَقَتِهِنَّ، وَزَكَاةِ فِطْرِهِنَّ، وَجَوَازِ تَزْوِيجِهِنَّ، وَإِجَارَتِهِنَّ كَالْإِمَاءِ.
وَإِنَّمَا حَرُمَ بَيْعُهُنَّ، لِمَا ثَبَتَ مِنْ حُرْمَةِ الْوِلَادَةِ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ بَقَاءِ رِقِّهِنَّ، لِأَنَّهُ يَمْلِكُ أَرْشَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِنَّ، فَلِذَلِكَ دَخَلْنَ فِي جُمْلَةِ مَمَالِيكِهِ، فَيُعْتِقُهُنَّ.
وَيَعْتِقُ عَلَيْهِ مُدَبَّرُوهُ لِبَقَاءِ رِقِّهِمْ وَجَوَازِ بَيْعِهِمْ، وَمِلْكِ إِكْسَابِهِمْ، وَالْتِزَامِ نَفَقَتِهِمْ وَتَعْجِيلِ عِتْقِهِمْ، وَكَذَلِكَ يَعْتِقُ عَلَيْهِ الْمُخَارَجُونَ مِنْ عَبِيدِهِ، وَالْمُعْتَقُونَ بِصِفَةٍ لَمْ تَأْتِ، لِأَنَّ جَمِيعَهُمْ مَمَالِيكُ تَجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ رِقِّهِ فِيمَا لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ.
وَإِذَا كَانَ لَهُ أَشْقَاصٌ مِنْ عَبِيدٍ وَإِمَاءٍ عَتَقُوا عَلَيْهِ فِيمَا مَلَكَهُ مِنْهُمْ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ بَاقِيهِمْ إِنْ أَيْسَرَ بِقِيمَتِهِمْ، وَرُقَّ الْبَاقِي إِنْ أَعْسَرَ بِهِمْ.
وَأَمَّا الْمُكَاتَبُونَ، فَإِنْ كَانَتْ كِتَابَتُهُمْ فَاسِدَةً عُتِقُوا عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً لَمْ يَعْتِقُوا عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَنْوِ عِتْقَهُمْ.
هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِهِ، وَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْمُزَنِيُّ، وَرَوَى الرَّبِيعُ مِثْلَهُ.
ثُمَّ قَالَ الرَّبِيعُ بَعْدَ أَنْ رَوي عَنْهُ: إِنَّهُمْ لَا يَعْتِقُونَ، وَحِفْظِي عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمَكَاتَبَ يَعْتِقُ إِذَا حَلَفَ بِعِتْقِ رَقِيقِهِ.
فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا حَكَاهُ مِنْ هَذَا، فَامْتَنَعَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَعَ طَائِفَةٍ تَقَدَّمَتْهُ مِنْ تَخْرِيجِهِ، لِأَنَّهُ يُخَالِفُ مَنْصُوصَ الشَّافِعِيِّ فِي جَمِيعِ كُتُبِهِ، وَأَثْبَتَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ مَعَ طَائِفَةٍ تَقَدَّمَتْهُ، وَخَرَّجُوا عِتْقَ الْمُكَاتَبِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مَا اخْتَصَّ الرَّبِيعُ بِنَقْلِهِ إنَّهُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: جَرَيَانُ أَحْكَامِ الرِّقِّ عَلَيْهِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " الْمُكَاتَبُ عبدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ درهمٌ ".
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا نَفَذَ فِيهِ عِتْقُ الْخُصُوصِ إِذَا عَيَّنَهُ نَفَذَ فِيهِ عِتْقُ الْعُمُومِ إِذَا أَطْلَقَهُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ الْمَشْهُورُ الَّذِي اتَّفَقَ أَصْحَابُهُ عَلَى نَقْلِهِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي كُتُبِهِ: أَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ فِي الْعُمُومِ إِذَا لَمْ يَنْوِهِ، لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْكِتَابَةَ كَالْبَيْعِ، لِأَنَّهَا إِزَالَةُ مِلْكٍ بِعِوَضٍ، فَانْتَقَلَ بِهَا الْمِلْكُ فِي الظَّاهِرِ، وَإِنْ جَازَ عَوْدُهُ إِلَى مِلْكِهِ بالعجز في الباطن، فصار كالمبيع علي مفلس قد انتقل الملك، وَإِنْ جَازَ اسْتِرْجَاعُهُ بِالْفَلَسِ، وَمَا زَالَ بِهِ الْمِلْكُ لَمْ يَدْخُلْ فِي عُمُومِ الْمِلْكِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا زَالَ عَنِ السَّيِّدِ مِلْكُ مَنَافِعِهِ وَكَسْبُهُ، وَأُرُوشُ جِنَايَاتِهِ، وَسَقَطَتْ عَنْهُ نَفَقَتُهُ وَفِطْرَتُهُ زَالَ عَنْهُ مِلْكُ رَقَبَتِهِ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِي عموم ملكه.
فَإِنْ قِيلَ: الِاسْتِدْلَالُ بِهَذَيْنِ مَعْلُولٌ، لِأَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهُ عُتِقَ، وَلَا يَنْفُذُ عِتْقُهُ إِلَّا فِي مِلْكٍ.
قِيلَ: إِنَّمَا عُتِقَ، لِأَنَّ عِتْقَهُ إِبْرَاءٌ، وَهُوَ يُعْتَقُ بِالْإِبْرَاءِ، كَمَا يُعْتَقُ بِالْأَدَاءِ، فَهَذَا تَمَامٌ لِذَلِكَ الْعِتْقِ الْأَوَّلِ، وَلَيْسَ بِابْتِدَاءِ عِتْقٍ فِي الرِّقِّ.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا جَعَلْتُمْ عِتْقَهُ إِبْرَاءً يُعْتَقُ بِهِ فِي الْخُصُوصِ: لَزِمَكُمْ أَنْ تجعلوه إبراء بعتق بِهِ فِي الْعُمُومِ.
قُلْنَا: لَا يَلْزَمُ لِوُقُوعِ الْفَرْقِ بَيْنَ مَنْ عِتْقُهُ فِي الْخُصُوصِ حَيْثُ جَعَلْنَاهُ إِبْرَاءَ عِتْقِهِ فِي الْعُمُومِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَنْفُذْ صَرِيحُ عِتْقِهِ فِي الْخُصُوصِ فِي غَيْرِهِ، يَعْنِي بِهِ فِي غَيْرِ الْمَكَاتَبِ، صَارَ صَرِيحًا فِي إِبْرَائِهِ، فَعُتِقَ بِهِ.
وَلَمَّا نَفَذَ صَرِيحُ الْعِتْقِ فِي الْعُمُومِ فِي غَيْرِهِ، صَارَ كِتَابَةً فِي إِبْرَائِهِ، فَلَمْ يَبْرَأْ إِلَّا أن
يَقْتَرِنَ بِالْكِتَابَةِ نِيَّةٌ، وَجَعَلْنَاهُ صَرِيحًا فِي الْخُصُوصِ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ النِّيَّةُ، وَكِتَابَةً فِي الْعُمُومِ تُعْتَبَرُ فِيهِ النِّيَّةُ فَوَقَعَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ.
وَلِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ، فَيَصِيرَ بِالنِّيَّةِ حُرًّا، لِأَنَّهُ قد صار بالنية مبرأ فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ دَخَلْتُمْ فِي فَرْقِكُمْ بَيْنَ الْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ فِي نُفُوذِ الْعِتْقِ فِيمَا أَنْكَرْتُمُوهُ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي فَرْقِهِ بَيْنَ الْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ فِي طَلَاقِ الْمُخْتَلِعَةِ حَيْثُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ عَلَيْهَا فِي الْخُصُوصِ إِذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ، وَلَمْ يُوقِعْهُ عَلَيْهَا فِي الْعُمُومِ إِذَا قَالَ: كُلُّ نِسَائِي طَوَالِقُ، فَارْتَكَبْتُمْ مَا أَنْكَرْتُمُوهُ عَلَى غَيْرِكُمْ.
قِيلَ: لَا يَدْخُلُ هَذَا الْإِلْزَامُ عَلَيْنَا، لِأَنَّ لِلطَّلَاقِ وَجْهًا وَاحِدًا أَوْجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَ فِيهِ حُكْمُ الْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ، وَلِعِتْقِ الْمُكَاتَبِ وَجْهَانِ فَجَازَ أَنْ يَفْتَرِقَ فيها حكم لعموم وَالْخُصُوصِ.
فَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُكَاتَبَ خَارِجٌ مِنْ مِلْكِهِ بِمَعْنًى وَدَاخِلٌ فِيهِ " فمعنى "، فَفِيهِ تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: خَارِجٌ مِنْ مِلْكِهِ بِعَقْدِ الْكِتَابَةِ، وَدَاخِلٌ فِيهِ بِالْعَجْزِ.
وَالثَّانِي: خَارِجٌ مِنْ مِلْكِهِ، لِعَدَمِ تَصَرُّفِهِ، وَدَاخِلٌ فِي مِلْكِهِ لِثُبُوتِ عجزه.
والله أعلم.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَلَوْ حَلَفَ بِعِتْقِ عَبْدِهِ لَيَضْرِبَنَّهُ غَدًا فَبَاعَهُ الْيَوْمَ فَلَمَّا مَضَى غدٌ اشْتَرَاهُ فَلَا يَحْنَثُ لِأَنَّ الْحِنْثَ إِذَا وَقَعَ مَرَّةً لَمْ يَحْنَثْ ثَانِيَةً ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَمُقَدِّمَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي عَقْدِ يَمِينِهِ بِعِتْقٍ عِنْدَهُ أَنْ يَعْقِدَهَا بِطَلَاقِ زَوْجَتِهِ وَقَدْ مَضَى فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ، وَسَنُعِيدُهُ هَاهُنَا، لِنَبْنِيَ عَلَيْهِ حُكْمَ الْعِتْقِ.
فَإِذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَلَهَا فِي دُخُولِ الدَّارِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تَدْخُلَهَا، وَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى هَذَا النِّكَاحِ، فَيَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ، وَتُطَلَّقُ بِحِنْثِهِ، لِأَنَّ شَرْطَ الْحِنْثِ قَدْ وُجِدَ فِي زَمَانٍ يَلْزَمُهُ فِيهِ الطَّلَاقُ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُطَلِّقَهَا طَلَاقًا لَا يَمْلِكُ فِيهِ الرَّجْعَةَ أَوْ يَمْلِكُهَا، وَانْقَضَتِ الْعِدَّةُ، ثُمَّ دَخَلَتِ الدَّارَ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ، لِأَنَّ دُخُولَ الدَّارِ، وَإِنْ كَانَ مُوجِبًا لِلْحِنْثِ فَقَدْ كَانَ فِي زَمَانٍ لَا يَلْزَمُهُ مُوجِبُهُ مِنَ الطَّلَاقِ، فَلَمْ يَحْنَثْ بِهِ.
وَإِنْ جَدَّدَ نِكَاحَهَا بَعْدَ دُخُولِ الدَّارِ، ثُمَّ دَخَلَتِ الدَّارَ لَمْ يَحْنَثْ بِهِ، وَلَمْ تُطَلَّقْ عَلَيْهِ، لِمَا عَلَّلَ بِهِ الشَّافِعِيُّ مِنْ أَنَّ الْحِنْثَ إِذَا وَقَعَ مَرَّةً لَمْ يَقَعْ ثَانِيَةً.
وَبَيَانُهُ: أَنَّهُ لَمَّا وُجِدَ شَرْطُ الْحِنْثِ انْحَلَّتْ بِهِ الْيَمِينُ، فَسَقَطَ حُكْمُهَا، وَإِذَا انْحَلَّتِ الْيَمِينُ لَمْ تَعُدْ إِلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يُطَلِّقَهَا، وَيَسْتَأْنِفَ نِكَاحَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، ثم يدخل الدَّارَ فِي النِّكَاحِ الثَّانِي، فَيَكُونُ عَقْدُ الْيَمِينِ فِي النِّكَاحِ الْأَوَّلِ، وَوُجُودُ الْحِنْثِ فِي النِّكَاحِ الثَّانِي، وَلَمْ يَقَعْ بَيْنَ النِّكَاحَيْنِ حِنْثٌ، فَالْحِنْثُ مُعْتَبَرٌ بِصِفَةِ الطَّلَاقِ فِي النِّكَاحِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ كَانَ دُونَ الثَّلَاثِ عَادَتِ الْيَمِينُ عَلَى الْقَدِيمِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَفِي الْجَدِيدِ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ ثَلَاثًا لَمْ تَعُدِ الْيَمِينُ عَلَى الْجَدِيدِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَفِي الْقَدِيمِ عَلَى قَوْلَيْنِ، فَصَارَ فِي حِنْثِهِ بِدُخُولِهَا فِي النِّكَاحِ الثَّانِي قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَحْنَثُ، وَيَقَعُ الطَّلَاقُ لِوُجُودِ الْيَمِينِ، وَالْحِنْثِ فِي زَمَانٍ يَمْلِكُ فِيهِ الطَّلَاقَ، فَاسْتَقَرَّ حُكْمُ الْيَمِينِ فِي النِّكَاحَيْنِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ، وَإِنْ كَانَ شَرْطُ الْحِنْثِ مَوْجُودًا، لِأَنَّهَا يَمِينٌ انْعَقَدَتْ قَبْلَ هَذَا النِّكَاحِ، فَارْتَفَعَتْ بِزَوَالِ مَا انْعَقَدَتْ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ طَلَاقٌ قَبْلَ نِكَاحٍ وَلَا عِتْقٌ قَبْلَ مِلْكٍ.
(فَصْلٌ:)
فَإِذَا اسْتَقَرَّ حُكْمُ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ فِي الطَّلَاقِ تَرَتَّبَ عَلَيْهَا حُكْمُ الْعِتْقِ.
فَإِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: إِنْ لَمْ أَضْرِبْكَ غَدًا، فَأَنْتَ حُرٌّ، فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَأْتِيَ غَدٌ وَهُوَ عَلَى مِلْكِهِ، فَإِنْ ضَرَبَهُ فِيهِ قَبْلَ غُرُوبِ شَمْسِهِ بَرَّ، وَلَمْ يُعْتَقْ، وَإِنْ لَمْ يَضْرِبْهُ حَتَّى غَرَبَتْ شَمْسُهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى ضَرْبِهِ حَنِثَ وَعُتِقَ عَلَيْهِ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ، وَإِنْ عَجَزَ على ضَرْبِهِ بِإِكْرَاهٍ أَوْ نِسْيَانٍ فَفِي حِنْثِهِ وَعِتْقِهِ قولان في حنث الناس وَالْمُكْرَهِ، فَإِنْ جَاءَ غَدٌ، فَلَمْ يَضْرِبْهُ حَتَّى فَاتَ ضَرْبُهُ إِمَّا بِمَوْتِ السَّيِّدِ أَوْ بِهَرَبِ الْعَبْدِ أَوْ بَيْعِهِ، فَهَذَا عَلَى ثَلَاثَةٍ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَفُوتَ الضَّرْبُ، وَقَدْ مَضَى مِنَ الْغَدِ مَا لَا يَتَّسِعُ لِلضَّرْبِ، فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ وَلَا عِتْقَ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَفُوتَ الضَّرْبُ، وَقَدْ بَقِيَ مِنَ الْغَدِ مَا لَا يَتَّسِعُ لِضَرْبٍ، فَيَحْنَثُ وَيُعْتَقُ عَلَيْهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَفُوتَ الضَّرْبُ وَقَدْ مَضَى مِنَ الْغَدِ مَا يَتَّسِعُ لِلضَّرْبِ، فَفِي حِنْثِهِ وَعِتْقِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَحْنَثُ وَيُعْتَقُ عَلَيْهِ لِفَوَاتِ ضَرْبِهِ بَعْدَ إمكانه.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ، لِتَقَدُّمِهِ عَلَى زَمَانِ عِتْقِهِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَبِيعَهُ قَبْلَ مَجِيءِ غَدِهِ، وَيَبْتَاعَهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ غَدِهِ، فَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ فِي زَمَانِ الْحِنْثِ قَدْ كَانَ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ.
وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: يُعْتَقُ عَلَيْهِ، وَيَنْتَقِضُ الْبَيْعُ، وَيَرْجِعُ مُشْتَرِيهِ بِثَمَنِهِ، لِاسْتِحْقَاقِ عِتْقِهِ قَبْلَ بَيْعِهِ، وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إنَّ نُفُوذَ الْبَيْعِ قَدْ أَوْجَبَ زَوَالَ مِلْكِهِ.
وَالثَّانِي: إنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهُ مُشْتَرِيهِ، نَفَذَ عِتْقُهُ، وَإِنْ رَهَنَهُ قَبْلَ غَدِهِ، وَافْتَكَّهُ بَعْدَ غَدِهِ، فَفِي عِتْقِهِ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ مِنْ نُفُوذِ الْعِتْقِ في العبد المرهون:
أحدهما: يُعْتَقُ عَلَيْهِ فِي يَسَارِهِ وَإِعْسَارِهِ.
وَالثَّانِي: لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ فِي يَسَارِهِ وَإِعْسَارِهِ.
وَالثَّالِثُ: يُعْتَقُ عَلَيْهِ فِي يَسَارِهِ وَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ فِي إِعْسَارِهِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَبِيعَهُ قَبْلَ غَدِهِ، وَيَبْتَاعَهُ قَبْلَ غَدِهِ، وَلَا يَضْرِبُهُ فِي غَدِهِ، فَهَذِهِ يَمِينٌ انْعَقَدَتْ فِي الْمِلْكِ الْأَوَّلِ، وَوُجِدَ شَرْطُ الْحِنْثِ فِي الْمِلْكِ الثَّانِي، وَلَمْ يَمْضِ شَرْطُ الْحِنْثِ بَيْنَ الْمِلْكَيْنِ، فَيَصِيرُ كَعَقْدِ الطَّلَاقِ فِي نِكَاحٍ، وَوُقُوعِهِ فِي آخَرَ، فَيَكُونُ عَلَى قَوْلَيْنِ، لَكِنِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَكُونُ بَيْعُهُ فِي الْمِلْكِ الْأَوَّلِ جَارِيًا مَجْرَى الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ فِي النِّكَاحِ الْأَوَّلِ أَوْ مَجْرَى الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ فِيهِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ إنه يجري مجرى الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْعَقْدَيْنِ فِيهَا شَرْطٌ مَانِعٌ، فَعَلَى هَذَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ فِي الْقَدِيمِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَفِي الْجَدِيدِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ إنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ، لِأَنَّ الْبَيْعَ قَدْ أَزَالَ حُقُوقَ الْمِلْكِ، كَمَا أَزَالَ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ حُقُوقَ النِّكَاحِ، فَعَلَى هَذَا لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ فِي الْجَدِيدِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَفِي الْقَدِيمِ عَلَى قَوْلَيْنِ.
(فَصْلٌ:)
وَإِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: إِنْ ضَرَبْتُكَ، فَأَنْتَ حُرٌّ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَحْنَثُ بِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ إنَّهُ يَحْنَثُ بِكُلِّ مَا آلَمَ جِسْمَهُ مِنْ فِعْلٍ كَالْعَضِّ وَالرَّفْسِ وَكُلِّ مَا آلَمَ قَلْبَهُ كَالسَّبِّ وَالشَّتْمِ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ يَحْنَثُ بِكُلِّ مَا آلَمَ جِسْمَهُ مِنْ فِعْلٍ كَالْعَضِّ وَالْخَنْقِ، وَلَا يَحْنَثُ بِمَا آلَمَ قَلْبَهُ مِنْ قَوْلٍ.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ إنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِمَا آلَمَ قَلْبَهُ مِنْ قَوْلٍ، وَلَا يَحْنَثُ بِمَا آلَمَ جِسْمَهُ إِلَّا مَا انْطَلَقَ اسْمُ الضَّرْبِ عَلَيْهِ، فَلَا يَحْنَثُ بِخَنْقِهِ وَعَضِّهِ، لِانْتِفَاءِ اسْمِ الضَّرْبِ عَنْهُ، وَيَحْنَثُ بِمَا وَصَلَ إِلَى جِسْمِهِ مِنْ آلَةٍ بِيَدِهِ.
وَفِي حِنْثِهِ إِنْ لَكَمَهُ أَوْ لَطَمَهُ أَوْ رَفَسَهُ وَجْهَانِ مُحْتَمَلَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَحْنَثُ بِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: قَدْ ضَرَبَهُ بِيَدِهِ، وَإِنْ تَنَوَّعَتْ أَسْمَاءُ الضَّرْبِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَحْنَثُ بِهِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الضَّرْبِ يَنْطَلِقُ عَلَى مَا كَانَ بِآلَةٍ مُسْتَعْمَلَةٍ فِيهِ والله أعلم.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْتَ حرٌّ إِنْ بِعْتُكَ فَبَاعَهُ بَيْعًا لَيْسَ بِبَيْعِ خيارٍ فَهُوَ حرٌّ حِينَ عَقَدَ الْبَيْعَ وَإِنَّمَا زَعَمْتُهُ مِنْ قِبَلِ أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - جَعَلَ الْمُتَبَايِعَيْنِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، قَالَ وَتَفَرُّقُهُمَا بِالْأَبْدَانِ فَقَالَ فَكَانَ لَوْ أَعْتَقَهُ عُتِقَ فَيُعْتَقُ بِالْحِنْثِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَلَيْسَ يَخْلُو مَعَ عَبْدِهِ إِذَا قَالَ لَهُ: إِنْ بِعْتُكَ فَأَنْتَ حُرٌّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَبِيعَهُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ، فَيُعْتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، بَعْدَ تَمَامِهِ بِالْبَذْلِ وَالْقَبُولِ، وَهَذَا مِمَّا وَافَقَ عَلَيْهِ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ، لِأَنَّ خِيَارَ الشَّرْطِ يَمْنَعُ مِنْ إِبْرَامِ الْعَقْدِ، وَيَنْفُذُ عِتْقُ الْبَائِعِ فِيهِ بِالْمُبَاشَرَةِ، فَنَفَذَ عِتْقُهُ فِيهِ بِالْحِنْثِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَبِيعَهُ بَيْعًا مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْتَرِطَ فِيهِ إِثْبَاتَ خِيَارٍ وَلَا إِسْقَاطَهُ فيعتق عليه عند الشافعي؛ لأنه يثبت للمتابيعين خِيَارُ الْمَجْلِسِ، مَا لَمْ يَفْتَرِقَا فِيهِ بِأَبْدَانِهِمَا بِالْخَبَرِ الْمَرْوِيِّ فِيهِ.
وَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ، لِأَنَّ خِيَارَ الْمَجْلِسِ عِنْدَهُمَا لَا يَثْبُتُ، وَيَنْعَقِدُ الْبَيْعُ عِنْدَهُمَا نَاجِزًا، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهُمَا.
وَإِذَا عُتِقَ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ بَطَلَ الْبَيْعُ، لِنُفُوذِ عِتْقِهِ عَلَى الْبَائِعِ، فَصَارَ نُفُوذُ الْعِتْقِ مِنْ جِهَتِهِ نَسْخًا يُوجِبُ رَدَّ الثَّمَنِ.
وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَبِيعَهُ بِشَرْطِ إِسْقَاطِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في صحة البيع واشرط عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهُمَا: إنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ، وَالشَّرْطَ لَازِمٌ يَسْقُطُ بِهِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ، لِأَنَّ الخيار
غَرَرٌ، فَكَانَ إِسْقَاطُهُ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ، وَسَمَّاهُ بَيْعَ الْخِيَارِ لِمَا شُرِطَ فِيهِ مِنْ إِسْقَاطِ الْخِيَارِ وَتَأَوَّلَ قَوْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ " عَلَى هَذَا الْبَيْعِ الْمَشْرُوطِ فِيهِ إِسْقَاطُ الْخِيَارِ، وَحَمَلَ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ " فَبَاعَهُ بَيْعًا لَيْسَ بَيْعَ خِيَارٍ " عَلَى هَذَا الْبَيْعِ، لِأَنَّ فَحْوَى كَلَامِهِ يَقْتَضِي إِذَا كَانَ بَيْعَ خِيَارٍ أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ الْبَيْعُ مَاضِيًا وَالْخِيَارُ مُرْتَفِعًا، وَلَا يُعْتَقُ الْعَبْدُ عَلَيْهِ لِسُقُوطِ الْخِيَارِ فِيهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إنَّ الْبَيْعَ وَالشَّرْطَ بَاطِلَانِ، لِأَنَّ الشَّرْطَ مُنَافٍ لِمُوجَبِ الْعَقْدِ، فَأَبْطَلَهُ، وَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ مَعَ بُطْلَانِ الْبَيْعِ.
وَيَكُونُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: " فَبَاعَهُ بَيْعًا لَيْسَ فِيهِ خِيَارٌ " مَحْمُولًا عَلَى أَنْ لَيْسَ فِيهِ خِيَارٌ.
وَالثَّالِثُ: وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْبُوَيْطِيُّ فِي كِتَابِهِ، وَمُرَادُهُ بِهِ الرد على مالك وأبي حنيفة في إسقاطها خِيَارَ الْمَجْلِسِ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُطْلَقَ اسْمُ بَيْعِ الْخِيَارِ عَلَى مَا لَيْسَ فِيهِ خِيَارٌ، كَمَا تَأَوَّلَهُ الْأَوَّلُ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: إنَّ الشَّرْطَ بَاطِلٌ، وَالْبَيْعَ جَائِزٌ وَلَهُمَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ، وَإِنَّمَا بَطَلَ شَرْطُ الْخِيَارِ، لِإِسْقَاطِهِ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهِ، فَجَرَى مَجْرَى إِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهَا بِالْبَيْعِ، وَصَحَّ الْبَيْعُ مَعَ إِسْقَاطِ الشَّرْطِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ مِنَ الثَّمَنِ قِسْطًا، فَعَلَى هَذَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ لِثُبُوتِ الْخِيَارِ فِيهِ، ثُمَّ يَبْطُلُ الْبَيْعُ بَعْدَ الصِّحَّةِ بِعِتْقِهِ.
(فَصْلٌ:)
وَإِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: إِنْ وَهَبْتُكَ فَأَنْتَ حُرٌّ عُتِقَ بِالْبَذْلِ وَالْقَبُولِ.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ: يُعْتَقُ بِالْبَذْلِ وَحْدَهُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، لِأَنَّ الْبَذْلَ أَوَّلُ الْعَقْدِ، وَهَذَا فَاسِدٌ بِالْبَيْعِ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَقُ فِيهِ بِالْبَذْلِ، حَتَّى يَتَعَقَّبَهُ الْقَبُولُ، لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْبَذْلِ لَا يَكُونُ عَقْدًا فِيهَا، وَكَذَلِكَ إِذَا عَلَّقَ عِتْقَهُ بِالرَّهْنِ وَالْإِجَارَةِ.
(فَصْلٌ:)
وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إِنِ اسْتَخْدَمْتُكَ، فَأَنْتَ حُرٌّ، فَخَدَمَهُ الْعَبْدُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَمْ يُعْتَقْ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُعْتَقُ عَلَيْهِ، وَوَافَقَ عَلَى أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَسْتَخْدِمُ عَبْدَ غَيْرِهِ، فَخَدَمَهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ أَنْ لَا يَحْنَثَ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ عَبْدَ غَيْرِهِ لَيْسَ بِمَنْدُوبٍ لِخِدْمَتِهِ، فَلَمْ يَحْنَثْ إِلَّا بِاسْتِخْدَامِهِ، وَعَبْدَهُ مَنْدُوبٌ لِخِدْمَتِهِ، فَكَانَ إِمْسَاكُهُ عَنْهُ رِضًا، وَالرِّضَا مِنْهُ اسْتِخْدَامٌ، وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إنَّ الِاسْتِخْدَامَ هُوَ اسْتِدْعَاءُ الْخِدْمَةِ، فَافْتَقَرَ إِلَى أَمْرٍ.
وَالثَّانِي: إنَّ فَرْقَ مَا بَيْنَ الْخِدْمَةِ وَالِاسْتِخْدَامِ كَفَرْقِ مَا بَيْنَ العمل والاستعمال، فلما لم ينطلق على العلم اسْمُ الِاسْتِعْمَالِ لَمْ يَنْطَلِقْ عَلَى الْخِدْمَةِ اسْمُ الاستخدام.
(فَصْلٌ:)
وَإِذَا قَالَ لِعَبِيدِهِ: مَنْ بَشَّرَنِي مِنْكُمْ بِخَبَرِ زَيْدٍ فَهُوَ حُرٌّ، فَإِنْ بِشَّرَهُ أَحَدُهُمْ بِخَبَرٍ سَارٍّ لِزَيْدٍ عُتِقَ، وَإِنْ بِشَّرَهُ بِخَبَرٍ مَكْرُوهٍ لِزَيْدٍ، فَفِي حِنْثِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُعْتَقُ، لِأَنَّ الْبِشَارَةَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ تَغَيُّرِ الْبَشَرَةِ، وَقَدْ تَتَغَيَّرُ بِالْمَكْرُوهِ كَمَا تَتَغَيَّرُ بِالسَّارِّ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ، لِأَنَّ الْبِشَارَةَ قَدْ صَارَتْ فِي الْعُرْفِ لِلسَّارِّ مِنَ الْأَخْبَارِ دُونَ الْمَكْرُوهِ.
وَالصَّحِيحُ أَنْ يُنْظَرَ حَالُ الْحَالِفِ مَعَ زَيْدٍ، فَإِنْ كَانَ صَدِيقًا لَهُ لَمْ يُعْتَقْ بِالْخَبَرِ الْمَكْرُوهِ، وَإِنْ كَانَ عَدُوًّا لَهُ عُتِقَ بِالْخَبَرِ المكروه، لأن بَشَّرَهُ، فَصَارَ بِشَارَةً عِنْدَهُ.
وَلَوْ كَانَ عَدُوًّا، فَبَشَّرَهُ بِخَبَرٍ سَارٍّ عُتِقَ، وَإِنْ سَاءَهُ الْخَبَرُ، لِأَنَّهُ فِي الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ بِشَارَةٌ.
فَإِذَا تَقَرَّرَ الْخَبَرُ الَّذِي يُعْتَقُ بِهِ، فَإِنْ بَشَّرَهُ وَاحِدٌ مِنْ عَبِيدِهِ عُتِقَ، وَإِنْ بَشَّرَهُ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ عَبِيدِهِ، فَإِنْ تَقَدَّمَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ عُتِقَ الْأَوَّلُ دُونَ غَيْرِهِ، لِأَنَّ الْبِشَارَةَ تَكُونُ بِالْخَبَرِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ بَشَّرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ عُتِقُوا جَمِيعًا.
وَإِنْ بَشَّرَهُ جَمِيعُ عَبِيدِهِ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يُعْتَقْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: " مَنْ بَشَّرَنِي مِنْكُمْ " يَقْتَضِي التَّبْعِيضَ دُونَ الْجَمِيعِ.
وَلَوْ قَالَ: مَنْ أَخْبَرَنِي بِقُدُومِ زَيْدٍ، فَأَخْبَرَهُ جَمِيعُهُمْ بِقُدُومِهِ عَلَى اجْتِمَاعٍ أَوِ انْفِرَادٍ عُتِقُوا جَمِيعًا، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُخْبِرُ بِخِلَافِ الْبِشَارَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْخَبَرِ الْأَوَّلِ، وَلَا يَلْزَمُ تَبْعِيضُهُمْ، لِأَنَّهُ لَمْ يُدْخِلْ فِيهِ حَرْفَ التَّبْعِيضِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ:)
وَإِذَا قَالَ: مَنْ يَسْبِقْ بِدُخُولِ الدَّارِ مِنْ عَبِيدِي، فَهُوَ حُرٌّ، فَأَيُّهُمْ سَبَقَ بِالدُّخُولِ عُتِقَ، وَلَمْ يُعْتَقْ مَنْ بَعْدَهُ، فَإِنْ سَبَقَ بِالدُّخُولِ اثْنَانِ مَعًا، ثُمَّ دَخَلَ بَعْدَهُمَا ثَالِثٌ عُتِقَ الْأَوَّلَانِ دُونَ الثَّالِثِ، لِأَنَّهُمَا سَبَقَاهُ.
وَلَوْ لَمْ يَدْخُلْ بَعْدَهُمَا ثَالِثٌ، لَمْ يُعْتَقَا، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمَا سَابِقٌ.
وَلَوْ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الدَّارَ مِنْ عَبِيدِي حُرٌّ، فَدَخَلَهَا وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَلَمْ يَدْخُلْهَا غَيْرُهُ فَفِي عِتْقِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُعْتَقُ، لِأَنَّهُ أَوَّلٌ.
وَالثَّانِي: لَا يُعْتَقُ، لِأَنَّ الْأَوَّلَ مَا تَعَقَّبَهُ آخَرُ.
وَلَوْ قَالَ: آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الدَّارَ مِنْ عَبِيدِي حُرٌّ، فَدَخَلَهَا اثْنَانِ وَاحِدٌ بعد واحد.
فإن لم يكن له غَيْرُهُمَا عُتِقَ الثَّانِي مِنْهُمَا، وَإِنْ كَانَ لَهُ غَيْرُهُمَا لَمْ يُعْتَقِ الثَّانِي إِلَّا أَنْ
يَمُوتَ الثَّالِثُ أَوْ يَمُوتَ السَّيِّدُ، لِجَوَازِ أَنْ يَدْخُلَهَا الثَّالِثُ، فَيَصِيرَ حُرًّا.
فَإِنْ كَانَ لَهُ وَقْتَ يَمِينِهِ عَبْدَانِ، فَاشْتَرَى ثَالِثًا، وَدَخَلَ الْأَوَّلَانِ وَاحِدًا بَعْدَ آخَرَ عُتِقَ الثَّانِي، لِأَنَّ الثَّالِثَ لَا يُعْتَقُ بِالدُّخُولِ لِحُدُوثِهِ بَعْدَ الْيَمِينِ.
(مَسْأَلَةٌ:)
قال الشافعي: " ولو قال إِنْ زَوَّجْتُكَ أَوْ بِعْتُكَ فَأَنْتَ حرٌّ فَزَوَّجَهُ أبو بَاعَهُ بَيْعًا فَاسِدًا لَمْ يَحْنَثْ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ إنَّهُ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ، وَلَا بِالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ اعْتِبَارًا بِالْعَقْدِ الشَّرْعِيِّ فِي انْطِلَاقِ الِاسْمِ عَلَيْهَا.
وَالثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ إنَّهُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ، وَالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ اعْتِبَارًا بِاسْمِ الْعَقْدِ فِي اللُّغَةِ دُونَ الشَّيْءِ.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ إنَّهُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ، وَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ، لِأَنَّهُ جَوَّزَ التَّصَرُّفَ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ، وَمَنَعَ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ بِالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ.
هَذَا الْفَرْقُ مَدْفُوعٌ، وَهُوَ مِنَ الْعَقْدَيْنِ مَمْنُوعٌ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى فَسَادِ الْمَذْهَبَيْنِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إنَّ مَا اجْتَمَعَ فِيهِ عُرْفُ لُغَةٍ وَعُرْفُ شَرْعٍ كَانَ عُرْفُ الشَّرْعِ مُقَدَّمًا عَلَى عُرْفِ اللُّغَةِ، لِأَنَّ الشَّرْعَ نَاقِلٌ.
وَالثَّانِي: إنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ عَلَيْهِمَا بِالْفَسَادِ مَا اخْتَصَّ بِهِمَا مِنَ الْأَحْكَامِ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ عَلَيْهِمَا مَا عَلِقَ بِهِمَا مِنَ الْأَيْمَانِ.
(فَصْلٌ:)
إِذَا قَالَ: مَنْ تَسَرَّيْتُ بِهَا مِنْ جَوَارِيَّ، فَهِيَ حُرَّةٌ، فَتَسَرَّى بِجَارِيَةٍ كَانَتْ فِي مِلْكِهِ وَقْتَ يَمِينِهِ عُتِقَتْ.
وَإِنْ تَسَرَّى بِجَارِيَةٍ مَلَكَهَا بَعْدَ يَمِينِهِ لَمْ تُعْتَقْ، لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَنْفُذِ الْعِتْقُ قَبْلَ الْمِلْكِ لَمْ تَنْعَقِدِ الْيَمِينُ بِهِ قَبْلَ الْمِلْكِ.
فَأَمَّا التَّسَرِّي الَّذِي يُعْتَقُ بِهِ، فَلَيْسَ لَهُ فِي الشَّرْعِ عُرْفٌ، وَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ عُرْفُ اللُّغَةِ، وَالِاسْتِعْمَالِ.
فَأَمَّا اللُّغَةُ، فَفِيمَا اشْتُقَّ مِنْهُ التَّسَرِّي خَمْسَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: إنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ السُّرُورِ، وَلِأَنَّهُ مَسْرُورٌ بِالِاسْتِمْتَاعِ بِهَا.
وَالثَّانِي: إنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ السَّرْوِ، لِأَنَّهَا أَسْرَى جَوَارِيهِ عنده.
وَالثَّالِثُ: إنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ السَّرَاءِ، وَهُوَ الظَّهْرُ، لِأَنَّهَا كَالظَّهْرِ الْمَرْكُوبِ.
وَالرَّابِعُ: إنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ السَّرَرِ وَهُوَ الْجِمَاعُ، لِأَنَّهَا مُعَدَّةٌ لِجِمَاعِهِ.
وَالْخَامِسُ: أَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ السَّتْرِ، لِأَنَّهُ قَدْ سَتَرَهَا بِالْخِدْرِ بَعْدَ الْبِذْلَةِ، وَسَتَرَ جِمَاعَهَا بِالْإِخْفَاءِ.
وَأَمَّا عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ فِي التَّسَرِّي، فَهُوَ طَلَبُ الْوَلَدِ مِنْهَا، وَذَلِكَ يَكُونُ بِالْإِنْزَالِ وَالْجِمَاعِ، وَقَدْ نَصَّ عليه الشافعي في الأمر فِي اللِّعَانِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِهِ، أَنَّهُ يَصِيرُ مُتَسَرِّيًا بِهَا إِذَا جَامَعَ وَأَنْزَلَ، وَلَا يَصِيرُ مُتَسَرِّيًا إِذَا جَامَعَ وَلَمْ يُنْزِلْ، وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَكُونُ مُتَسَرِّيًا إِذَا جَامَعَ وَلَمْ يُنْزِلْ، وَخَرَّجَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ وَجْهًا ثَانِيًا، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، تَغْلِيبًا لِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ عَلَى عُرْفِ اللُّغَةِ، لِأَنَّ عُرْفَ الِاسْتِعْمَالِ نَاقِلٌ.
وَاخْتُلِفَ فِي تَخْدِيرِهَا عَنْ أَبْصَارِ النَّاسِ، هَلْ يَكُونُ شَرْطًا فِي كَمَالِ السِّرَاءِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إنَّهُ شَرْطٌ فِيهِ، لِأَنَّ عُرْفَ الِاسْتِعْمَالِ وَاللُّغَةِ جَارِيَانِ بِهِ، فَعَلَى هَذَا لَا يُعْتَقُ بِالْجِمَاعِ وَحْدَهُ، حَتَّى يُخَدِّرَهَا وَيَسْتُرَهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِيهِ، لِأَنَّ عُرْفَ الشَّرْعِ لَا يُوجِبُ تَخْدِيرَ الْأَمَةِ، فَصَارَ عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ مَخْصُوصًا بِهِ، فَعَلَى هَذَا يُعْتَقُ بِالْجِمَاعِ وَحْدَهُ، وَإِنْ لَمْ يُخَدِّرْهَا.
فَأَمَّا جِمَاعُهَا دُونَ الْفَرَجِ، فَلَا يَصِيرُ بِهِ مُتَسَرِّيًا وَجْهًا وَاحِدًا، وَوَافَقَ عَلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ، وَلَيْسَ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنْ يَكُونَ بِهِ مُتَسَرِّيًا.
(فَصْلٌ:)
وَإِذَا كَانَ لَهُ عَبْدَانِ، فَقَالَ لَهُمَا: إِذَا جَاءَ غَدٌ، فَأَحَدُكُمَا حُرٌّ، فَإِذَا جَاءَ غَدٌ، وَهُمَا فِي مِلْكِهِ أَعْتَقَ أَحَدَهُمَا، وَعَيَّنَ الْعِتْقَ فِيمَنْ شَاءَ مِنْهُمَا.
فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ بَاعَهُ قَبْلَ غَدٍ، وَجَاءَ غَدٌ وَأَحَدُهُمَا باقٍ عَلَى مِلْكِهِ لَمْ يُعْتَقْ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْعِتْقَ لَمْ يَتَعَيَّنْ مِنْهُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: يُعْتَقُ عَلَيْهِ، لِأَنَّ التَّخْيِيرَ ارْتَفَعَ بِعَدَمِ غَيْرِهِ، فَتَعَيَّنَ الْعِتْقُ فِيهِ.
وَهَذَا خَطَأٌ، لِأَنَّ مَا أُبْهِمَ بِاللَّفْظِ لَمْ يَتَعَيَّنْ بِالْحُكْمِ.
أَلَا تَرَاهُ لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ، وَعَبْدِ غَيْرِهِ: أَحَدُهُمَا حُرٌّ، لَمْ يَتَعَيَّنِ الْعِتْقُ فِي عَبْدِهِ؟ وَعَلَى قِيَاسِ هَذَا لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ وَأَجْنَبِيَّةٍ: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ، لَمْ يَتَعَيَّنِ الطَّلَاقُ فِي زَوْجَتِهِ.
فَعَلَى هَذَا إِنْ بَاعَ أَحَدَهُمَا أَوِ اشْتَرَاهُ قَبْلَ غَدٍ، وَجَاءَ غَدٌ، وَهُمَا فِي مِلْكِهِ، فَإِنْ قِيلَ بِعَقْدِ الْيَمِينِ فِي الْمَبِيعِ عُتِقَ أَحَدُهُمَا وَعَيَّنَ الْعِتْقَ فِيمَنْ شَاءَ مِنْهُمَا.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الْيَمِينَ قَدْ سَقَطَتْ فِي الْمَبِيعِ لَمْ يُعْتَقْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
باب جامع الأيمان الثاني
(مسألة:)
قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَإِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الرُّؤُوسَ فَأَكَلَ رُؤُوسَ الْحِيتَانِ أَوْ رُؤُوسَ الطَّيْرِ أَوْ رُؤُوسَ شيءٍ يُخَالِفُ رُؤُوسَ الْغَنَمِ وَالِإِبِلِ وَالْبَقَرِ لَمْ يَحْنَثْ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الَّذِي يَعْرِفُ النَّاسُ إِذَا خُوطِبُوا بِأَكْلِ الرُّؤُوسِ إِنَّمَا هِيَ مَا وَصَفْنَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ بلادٌ لَهَا صيدٌ يَكْثُرُ كَمَا يَكْثُرُ لَحْمُ الأنعام في السوق وتميز رُؤُوسُهَا فَيَحْنَثُ فِي رُؤُوسِهَا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَخْلُو حَالُ إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الرُّؤُوسَ.
مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُرِيدَ عُمُومَ الرُّؤُوسِ كُلِّهَا مِمَّا انْطَلَقَ اسْمُ الرَّأْسِ عَلَيْهِ فَيَحْنَثُ بِأَكْلِ كُلِّ مَا سُمِّيَ رَأْسًا مِمَّا يُفْصَلُ مِنْ أَبْدَانِهَا، كَرُؤُوسِ الْغَنَمِ أَوْ لَا يُفْصَلُ كَرُؤُوسِ الطَّيْرِ، وَالْحِيتَانِ، اعْتِبَارًا بِمُرَادِهِ فِيمَا انْطَلَقَ عَلَيْهِ حَقِيقَةُ الِاسْمِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يُرِيدَ تَخْصِيصَ نَوْعٍ مِنَ الرُّؤُوسِ بِعَيْنِهَا دُونَ مَا عَدَاهَا، فَيَحْنَثُ بِأَكْلِهَا وَحْدَهَا، سَوَاءٌ انْفَصَلَ فِي الْعُرْفِ أَوْ لَمْ يَنْفَصِلْ.
وَلَا يَحْنَثْ بِأَكْلِ مَا عَدَاهَا، اعْتِبَارًا بِمُرَادِهِ فِي التَّخْصِيصِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يُطْلَقَ اسْمُ الرُّؤُوسِ، وَلَا تَكُونُ لَهُ إِرَادَةٌ فِي عُمُومٍ، وَلَا تَخْصِيصٍ، فَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لَا يُحْمَلُ عَلَى الْعُمُومِ فِي مَا انْطَلَقَ اسْمُ الرَّأْسِ عَلَيْهِ، فَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ رُؤُوسِ الطَّيْرِ.
وَالْحِيتَانِ وَالْجَرَادِ، وَإِنِ اتَّفَقَ عَلَيْهَا حَقِيقَةُ اسْمِ الرُّؤُوسِ بِخُرُوجِهِ عَنِ الْعُرْفِ، فَصَارَتِ الْحَقِيقَةُ مَخْصُوصَةً بِالْعُرْفِ، كَمَا خُصَّتِ الْأَرْضُ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَقْعُدُ عَلَى بِسَاطٍ بِالْعُرْفِ، وَكَمَا خُصَّتِ الشَّمْسُ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَقْعُدُ فِي سِرَاجٍ بِالْعُرْفِ.
وَإِذَا كَانَ الْحِنْثُ مُعْتَبَرًا فِيهَا بِالْعُرْفِ دُونَ الْحَقِيقَةِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَحْنَثُ بِهِ مِنْ أَكْلِ الرُّؤُوسِ عِنْدَ إِطْلَاقِهَا.
فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى أَنَّهُ يَحْنَثُ بِأَكْلِ رُؤُوسِ النَّعَمِ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ، وَالْغَنَمِ، وَلَا يَحْنَثُ بِغَيْرِهَا مِنْ رُؤُوسِ الطَّيْرِ وَالْحِيتَانِ، وَهُوَ عُرْفُ الْحِجَازِ، لِأَنَّهُمْ يَفْصِلُونَ رُؤُوسَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ مِنْ أَجْسَادِهَا، وَيُفْرِدُونَ بَيْعَهَا فِي أَسْوَاقِهَا.