الحاوي الكبيرصفحات 172-179
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ

صفحات 172-179
عن هذه الطبعة
عَلَم
الماوردي
الكتاب
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
المؤلف
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
المحقق
الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1419 هـ -1999 م
عدد الأجزاء
19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

إِذَا عَلِمَ بِحَالِهِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الْأَكْلِ اسْتِحْيَاءً لِنَفْسِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ أحْيَاهَا فَكَأَنّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً) {المائدة: 32) ، وَلِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مسلمٍ، وَلَوْ بِشَطْرِ كلمةٍِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ "؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلَى اسْتِنْقَاذِهِ بِمَالِهِ مِنْ تَلَفٍ كَغَرَقٍ أَوْ حَرِيقٍ وَجَبَ عَلَيْهِ كَذَلِكَ إِذَا قَدَرَ عَلَى اسْتِنْقَاذِهِ بِمَالِهِ مِنْ تَلَفِ الْجُوعِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُ حَالُ الْمَالِكِ مِنْ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الْأَكْلِ أَوْ لَا يَأْذَنَ فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي الْأَكْلِ لَمْ يَخْلُ حَالُ إِذْنِهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَأْذَنَ لَهُ بِإِبَاحَةِ الْأَكْلِ، فَلِلْمُضْطَرِّ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى حَدِّ الشِّبَعِ قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ بِالْإِبَاحَةِ طعام الْوَلَائِمِ الَّتِي يَجُوزُ الشِّبَعُ مِنْهَا، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى شِبَعِهِ، وَلَا يَأْخُذُ مِنْهَا بَعْدَ الْأَكْلِ شَيْئًا.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الْأَكْلِ بِعِوَضٍ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَذْكُرَ قَدْرَ الْعِوَضِ، فَلِلْمُضْطَرِّ أَنْ يَأْكُلَ، وَعَلَيْهِ قِيمَةُ مَا أَكَلَ فِي وَقْتِهِ بِمَكَانِهِ، وَلَهُ أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى حَدِّ الشِّبَعِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَذْكُرَ لَهُ قَدْرَ الْعِوَضِ، فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ثَمَنَ مِثْلِهِ، فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ، فَإِنْ أَفْرَدَ لَهُ مَا يَأْكُلُهُ حِينَ سَمَّى ثَمَنَهُ صَحَّ الثَّمَنُ، وَكَانَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مَا أَفْرَدَهُ، فَإِنْ فَضَلَ مِنْهُ فَضْلَةٌ أَخَذَهَا؛ لِأَنَّهُ قَدَّرَ مِلْكَهَا بِابْتِيَاعٍ صَحِيحٍ، وَإِنْ لَمْ يُفْرِدْ مَا سَمَّى ثَمَنَهُ قَبْلَ الْأَكْلِ لَزِمَ الْمُضْطَرُّ قِيمَةَ مَا أَكَلَ سَوَاءٌ كَانَ أَقَلَّ مَنِ الْمُسَمَّى أَوْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ مَا يَأْكُلُهُ مَجْهُولًا لَا يَصِحُّ فِيهِ ثَمَنٌ مُسَمًّى.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَا سَمَّاهُ مِنَ الثَّمَنِ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ، فَيَكُونُ بِطَلَبِ الزِّيَادَةِ مِنَ الْمُضْطَرِّ آثِمًا، وَيُنْظَرُ، فَإِنْ لَمْ يُفْرِدْ مَا سَمَّى ثَمَنَهُ لَمْ يَلْزَمِ الْمُضْطَرَّ فِيمَا أَكَلَ إِلَّا قِيمَتُهُ بِمَكَانِهِ فِي وَقْتِهِ، وَبَطُلَ الْمُسَمَّى وَإِنْ أَفْرَدَ مَا سَمَّى ثَمَنَهُ، فَفِي قَدْرِ مَا يَلْزَمُ الْمُضْطَرَّ إِذَا أَكَلَهُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: الثَّمَنُ الْمُسَمَّى لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنْ عَقْدٍ لَازِمٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: ثَمَنُ الْمِثْلِ دُونَ الْمُسَمَّى لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنْ بَيْعِ الْمُضْطَرِّ، وَهُوَ هَذَا.
وَأَصَحُّ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ الْمُطْلَقَيْنِ عِنْدِي أَنْ يُنْظَرَ، فَإِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ فِي الثَّمَنِ لَا تَشُقُّ عَلَى الْمُضْطَرِّ لِيَسَارِهِ، فَهُوَ فِي بَذْلِهَا غَيْرُ مُكْرَهٍ، فَلَزِمَتْهُ وَإِنْ كَانَتْ شَاقَّةً عَلَيْهِ لِإِعْسَارِهِ، فَهُوَ مِنْ بَذْلِهَا مُكْرَهٌ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الْأَكْلِ إِذْنًا مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِإِبَاحَةٍ وَلَا

مُعَاوَضَةٍ، فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى حد الشبع ك 7 طعام الْوَلَائِمِ، وَلَا قِيمَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ عُرْفَ الِاسْتِطْعَامِ وَالْإِطْعَامِ مَوْضُوعٌ عَلَى الْمُوَاسَاةِ، دُونَ الْمُعَاوَضَةِ، فَأَوْجَبَ إِطْلَاقُ الْإِذْنِ حَمْلَهُ عَلَى الْعُرْفِ، وَالْمَعْهُودِ فِيهِ.
فَلَوِ اخْتُلِفَ فِي الْإِذْنِ، فَقَالَ الْمَالِكُ: أَذِنْتُ لَكَ فِي أَكْلِهِ بِعِوَضٍ لِي عَلَيْكَ.
وَقَالَ الْمُضْطَرُّ: بَلْ أَذِنْتَ لِي فِي الْأَكْلِ مُبِيحًا، فَلَا عِوَضَ لَكَ عَلَيَّ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ.
فَإِنِ اخْتُلِفَ فِي قَدْرِ الْقِيمَةَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُضْطَرِّ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّهُ غَارِمٌ.

(فَصْلٌ:)

وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ مالك الطعام في الأكل، فلم يَخْلُو الْمُضْطَرُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَقْدِرَ عَلَى أَخْذِ الطَّعَامِ مِنْهُ بِغَيْرِ قِتَالٍ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ الطَّعَامَ جَبْرًا وَلَا يَتَعَدَّى الْآخِذُ إِلَى قِتَالِهِ، وَفِي قَدْرِ مَا يَسْتَبِيحُ أَخْذَهُ مِنْهُ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: قَدْرُ مَا يُمْسِكُ بِهِ رَمَقَهُ.
وَالثَّانِي: مَا يَنْتَهِي بِهِ إِلَى حَدِّ الشِّبَعِ، وَيَأْكُلُهُ فِي مَوْضِعِهِ، وَلَا يَحْمِلُهُ؛ لِأَنَّ ضَرُورَتَهُ مُعْتَبَرَةٌ فِي مَكَانِهِ.
وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ تَزُولَ الضَّرُورَةُ إِنْ زَالَ عَنْهُ، فَإِذَا أَكَلَهُ كَانَتْ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ بِمَكَانِهِ فِي وَقْتِهِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيةُ: أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى أَخْذِهِ، وَلَا عَلَى قِتَالِهِ عَلَيْهِ، فَمَالِكُ الطَّعَامِ عَاصٍ بِالْمَنْعِ، وَمَعْصِيَتُهُ إِنْ أَفْضَتْ إِلَى تَلَفِ الْمُضْطَرِّ أَعْظَمُ، لَكِنْ لَا يَضْمَنُهُ بِقَوَدٍ وَلَا دِيَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَنْعُهُ فِعْلًا يَتَعَلَّقُ بِهِ الضَّمَانُ.
وَلَوْ قِيلَ: إِنَّهُ يَضْمَنُ دِيَتَهُ كَانَ مَذْهَبًا؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ قَدْ جَعَلَتْ لَهُ فِي طَعَامِهِ حَقًّا، فَصَارَ مَنْعُهُ مِنْهُ كَمَنْعِهِ مِنْ طَعَامِ نَفْسِهِ، وَهُوَ لَوْ مَنَعَ إِنْسَانًا مِنْ طَعَامِ نَفْسِهِ حَتَّى مَاتَ جُوعًا ضَمِنَ دِيَتَهُ كَذَلِكَ إِذَا مَنَعَهُ مِنْ طَعَامٍ قَدْ صَارَ حَقُّهُ مُتَعَلِّقًا بِهِ وَجَبَ أَنْ يَضْمَنَ دِيَتَهُ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ لَا يَقْدِرَ الْمُضْطَرُّ عَلَى أَخْذِهِ إِلَّا بِقِتَالِهِ عَلَيْهِ، فَلَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُ عَلَيْهِ، وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُقَاتِلَهُ حَتَّى يَصِلَ إِلَى طَعَامِهِ أَمْ لَا عَلَى وَجْهَيْنِ مِمَّنْ أُرِيدَتْ نَفْسُهُ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْمَنْعُ مِنْهَا؟ : أَحَدُهُمَا: يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُقَاتِلَهُ؛ لِيَصِلَ إِلَى إِحْيَاءِ نَفْسِهِ بِطَعَامِهِ، كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَكْلُ الْمَيْتَةِ لِإِحْيَاءِ نَفْسِهِ بِهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْقِتَالَ مُبَاحٌ لَهُ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَالِكَ الطَّعَامِ لَا يَنْفَكُّ فِي الْأَغْلَبِ من دين أو عقل يبعثه كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى إِحْيَاءِ الْمُضْطَرِّ بِمَالِهِ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ مَوْكُولًا إِلَيْهِ، وَخَالَفَ أَكْلَ الْمَيْتَةِ فِي الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى إحياء

نَفْسِهِ إِلَّا بِهَا، فَإِذَا شَرَعَ فِي قِتَالِهِ تَوَصَّلَ بِالْقِتَالِ إِلَى أَخْذِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْإِبَاحَةُ مِنْ طَعَامِهِ، وَفِيهِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْقَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يُقَاتِلُهُ إِلَى أَنْ يَصِلَ أَخْذِ مَا يُمْسِكُ الرَّمَقَ، فَإِنْ قَاتَلَهُ بَعْدَ الْوُصُولِ إِلَى إِمْسَاكِ الرَّمَقِ كَانَ مُتَعَدِّيًا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يُقَاتِلُهُ إِلَى أَنْ يَصِلَ إِلَى قَدْرِ الشِّبَعِ، وَيَكُونُ الْقِتَالُ بَعْدَ الْوُصُولِ إِلَى إِمْسَاكِ الرَّمَقِ مُبَاحًا، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ وَجْهًا وَاحِدًا، وَقِتَالُهُ بَعْدَ الْوُصُولِ إِلَى قَدْرِ الشِّبَعِ عُدْوَانٌ.
فَإِنْ لَمْ يَصِلْ بِالْقِتَالِ إِلَى شَيْءٍ مِنْ طَعَامِهِ حَتَّى تَلِفَ أَحَدُهُمَا، نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ التَّالِفُ رَبَّ الطَّعَامِ كَانَتْ نَفْسُهُ هَدْرًا لَا تُضْمَنُ بِقَوَدٍ وَلَا دِيَةٍ؛ لِأَنَّهُ مَقْتُولٌ بِحَقٍّ، كَمَنْ طَلَبَ نَفْسَ إِنْسَانٍ، فَقَتَلَهُ الْمَطْلُوبُ دَفَعًا كَانَتْ نَفْسُهُ هَدْرًا، وَإِنْ كَانَ التَّالِفُ الْمُضْطَرَّ كَانَتْ نَفْسُهُ مَضْمُونَةً عَلَى رَبِّ الطَّعَامِ؛ لِأَنَّهُ قُتِلَ مَظْلُومًا، ثُمَّ نُظِرَ فَإِنْ عَلِمَ رَبُّ الطَّعَامِ بِضَرُورَةِ الْمُضْطَرِّ ضَمِنَهُ بِالْقَوَدِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِضَرُورَتِهِ ضَمِنَهُ بِالدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ مَعَ الْعِلْمِ بِهَا عَامِدٌ، وَمَعَ الْجَهْلِ بِهَا خَاطِئٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(مَسْأَلَةٌ:)

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَوْ وَجَدَ الْمُضْطَرُّ مَيْتَةً وَصَيْدًا وَهُوَ محرمٌ أَكَلَ الْمَيْتَةَ وَلَوْ قيل يأكل الصيد ويفتدي كان مذهباً (قال المزني) رحمه الله الصيد محرمٌ لغيره وهو الإحرام ومباحٌ لغير محرمٍ والميتة محرمةٌ لعينها لا لغيرها على كل حلالٍ وحرامٍ فهي أغلظ تحريماً فإحياء نفسه بترك الأغلظ وتناول الأيسر أولى به من ركوب الأغلظ وبالله التوفيق ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: مُقَدِّمَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يُذْكَرَ مَا يَسْتَبِيحُهُ الْمُضْطَرُّ مِنْ أَكْلِ الْمُحَرَّمَاتِ إِذَا انْفَرَدَتْ ثُمَّ يُذْكَرُ حُكْمُهَا فِي حَقِّهِ إِذَا اجْتَمَعَتْ، فَإِذَا وَجَدَ الْمُضْطَرُّ صَيْدًا، وَهُوَ مُحْرِمٌ حَلَّ لَهُ أَكْلُ الصَّيْدِ، لِضَرُورَتِهِ فِي إِحْيَاءِ نَفْسِهِ كَالْمَيْتَةِ الَّتِي يَسْتَبِيحُ أَكْلَهَا بِالضَّرُورَةِ، وَإِنْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ إِذَا أَكَلَ الصَّيْدَ أَنْ يَفْدِيَهُ بِالْجَزَاءِ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ لَا تَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ الْجَزَاءِ؛ لِأَنَّهَا فِيهِ، وَلَيْسَتْ فِي الصَّيْدِ، وَهُوَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، الَّتِي يَسْتَوِي فِيهَا الْعَامِدُ وَالْخَاطِئُ، وَفِي قَدْرِ مَا تَسْتَبِيحُهُ مِنْ أَكْلِهِ قَوْلَانِ كَالْمَيْتَةِ: أَحَدُهُمَا: قَدْرُ إِمْسَاكِ الرَّمَقِ.
وَالثَّانِي: قَدْرُ الشِّبَعِ، وَلَوْ كَانَ مَا وَجَدَهُ الْمُحْرِمُ الْمُضْطَرُّ صَيْدًا مَقْتُولًا أَكَلَ مِنْهُ، وَلَمْ يَضْمَنْهُ بِالْجَزَاءِ سَوَاءٌ ضَمِنَهْ قَاتِلُهُ أَوْ لَمْ يَضْمَنْهُ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ مُسْتَحَقٌّ بِالْقَتْلِ دُونَ الْأَكْلِ، وَإِذَا كَانَ غَيْرَ ضَامِنٍ لِجَزَائِهِ، نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ قَاتِلَ الصَّيْدِ

مُحِلًّا، فَهُوَ ذَكِيٌّ مَمْلُوكٌ، فَيَضْمَنُ الْمُضْطَرُّ قِيمَةَ مَا أَكَلَ لِمَالِكِهِ، وَإِنْ كَانَ قَاتِلُهُ مُحْرِمًا، فَهَلْ يَكُونُ مَيْتَةً أَوْ مُذَكًّى؟ فِيهِ قَوْلَانِ: أحدهما: يكون ميتة كالذكاة الْمَجُوسِيِّ، فَعَلَى هَذَا لَا يَجِبُ عَلَى الْمُضْطَرِّ قِيمَةُ مَا أَكَلَ؛ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لِلْمَيْتَةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَكُونُ مُذَكًّى يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ، وَيَحِلُّ لِغَيْرِهِ، فَعَلَى هَذَا مِنْ ضَمَانِ الْمُضْطَرِّ لِقِيمَةِ مَا أَكَلَ وَجْهَانِ مِنِ اخْتِلَافِ الْقَوْلَيْنِ هَلْ يَسْتَقِرُّ لِلْمُحْرِمِ عَلَيْهِ مِلْكٌ أَمْ لَا؟ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إِذَا قِيلَ: إِنَّ الْمُحْرِمَ لَمْ يَمْلِكْ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: عَلَيْهِ الضَّمَانُ إِذَا قِيلَ إِنَّهُ يَمْلِكُ.

(فَصْلٌ:)

وَإِذَا وَجَدَ الْمُضْطَرُّ لَحْمَ آدَمِيٍّ مَيْتٍ جَازَ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ الْجَمَاعَةِ، وَقَالَ دَاوُدُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ، وَهُوَ حَرَامٌ عَلَى الْمُضْطَرِّ كَتَحْرِيمِهِ عَلَى غَيْرِهِ، لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " حُرْمَةُ ابْنِ آدَمَ بَعْدَ مَوْتِهِ كَحُرْمَتِهِ فِي حَيَاتِهِ، وَكَسْرُ عَظْمِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ كَكَسْرِ عَظْمِهِ فِي حَيَاتِهِ ". قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ: وَلِأَنَّ هَذَا مُفْضٍ إِلَى أَكْلِ لُحُومِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّدِّيقِينَ، وَمَنْ أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى حِفْظَ حُرْمَتِهِ، وَتَعْظِيمَ حَقِّهِ ". فَقَلَبَهُ عَلَيْهِ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ وَقَالَ: الْمَنْعُ مِنْ أَكْلِهِ مُفْضٍ إِلَى قَتْلِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّدِّيقِينَ إِذَا اضْطُرُّوا حَفْظًا لِحُرْمَةِ مَيِّتٍ كَافِرٍ، وَهَذَا أَعْظَمُ، فَلَمْ يَصِحَّ بِمَا قَالَهُ ابْنُ دَاوُدُ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى إِبَاحَتِهِ، قول الله تعالى: ﴿فمن أضطر من مخمصة غير متجانف لأثم فإن الله عفور رَحِيمٌ﴾ (المائدة: 3) فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ فِي حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حِينَ قُتِلَ بِأَحَدٍ: " لَوْلَا صَفِيَّةُ لَتَرَكْتُهُ تَأْكُلُهُ السِّبَاعُ؛ حَتَّى يُحْشَرَ مِنْ بُطُونِهَا ". فَإِذَا جَازَ أَنْ تَأْكُلَهُ الْبَهَائِمُ الَّتِي لَا حُرْمَةَ لَهَا، فَأَوْلَى أَنْ تُحْفَظَ بِهِ نُفُوسُ ذَوِي الْحُرُمَاتِ؛ وَلِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ أَنْ يُحْيِيَ نَفْسًا بِقَتْلِ نَفْسٍ، فَإِحْيَاؤُهَا بِغَيْرِ ذِي نَفْسٍ أَوْلَى؛ وَلِأَنَّ لَحْمَهُ يَبْلَى بِغَيْرِ إِحْيَاءِ نَفْسٍ، فَكَانَ أَوْلَى أَنْ يَبْلَى بِإِحْيَاءِ نَفْسٍ.
وَأَمَّا الْخَبَرُ فَهُوَ بِأَنْ يَكُونَ دَلِيلًا فِي إِبَاحَةِ أَكْلِهِ أَشْبَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا حَفِظَ حُرْمَتَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ، كَانَ حِفْظُهَا فِي الْحَيَاةِ أَوْكَدَ، وَإِذَا لَمْ يُمْكِنُ حِفْظُ الْحُرْمَتَيْنِ، كَانَ حِفْظُ حُرْمَةِ الْحَيِّ بِالْمَيِّتِ أَوْلَى مِنْ حِفْظِ حُرْمَةِ الْمَيِّتِ بِالْحَيِّ.
فَإِذَا ثَبَتَ إِبَاحَةُ أَكْلِهِ مِنْهُ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ إِلَّا قَدْرَ مَا يُمْسِكُ رَمَقَهُ قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِيَحْفَظَ بِهِ الْحُرْمَتَيْنِ مَعًا، وَيُمْنَعَ مِنْ طَبْخِهِ وَشَيِّهِ، وَيَأْكُلُهُ نِيئًا إِنْ قَدَرَ لِأَنَّ طبخه

مَحْظُورٌ، وَإِنْ لَمْ يُؤْكَلْ؛ وَأَكْلُهُ مَحْظُورٌ وَإِنْ لَمْ يُطْبَخْ، وَالضَّرُورَةُ تَدْعُو إِلَى الْأَكْلِ فَأَبَحْنَاهُ وَلَا تَدْعُو إِلَى الطَّبْخِ فَحَظَرْنَاهُ.
وَخَالَفَ الْمَيْتَةَ الَّتِي تَخْتَصُّ بِتَحْرِيمِ الْأَكْلِ دُونَ الطَّبْخِ، فَجَازَ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا عِنْدَ الضَّرُورَةِ.
وَأَمَّا إِذَا وَجَدَ، الْمُضْطَرُّ آدَمِيًّا حَيًّا، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُسْتَبَاحُ قَتْلُهُ حَرُمَ عَلَى الْمُضْطَرِّ أَنْ يَأْكُلَهُ مَا يُحْيِي بِهِ نَفْسَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِحْيَاءُ نَفْسٍ بِإِتْلَافِ نَفْسٍ مَعَ تَكَافُئِهِمَا فِي الْحُرْمَةِ.
وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَأْكُولُ مُسْلِمًا أَوْ ذمياً؛ لأن نفسه الذميين مَحْظُورَةٌ كَالْمُسْلِمِ وَإِنْ كَانَ الْمَأْكُولُ مِمَّنْ يَجِبُ قتله في رده أو حرابة أو زنا جَازَ أَنْ يَأْكُلَ الْمُضْطَرُّ مِنْ لَحْمِهِ لَكِنْ بَعْدَ قَتْلِهِ، وَلَا يَأْكُلُ لَحْمَهُ فِي حَيَاتِهِ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْذِيبِهِ، فَإِنْ أَكَلَ مِنْ لَحْمِهِ حَيًّا كَانَ مُسِيئًا إِنْ قَدَرَ عَلَى قَتْلِهِ، وَمَعْذُورًا إِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى قَتْلِهِ لِشِدَّةِ الْخَوْفِ عَلَى نَفْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمُضْطَرُّ مَا يُمْسِكُ رَمَقَهُ إِلَّا بِقَطْعِ عُضْوٍ مِنْ جَسَدِهِ فَفِي إِبَاحَتِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ إِذَا كَانَ غَالِبُ قَطْعِهِ السَّلَامَةَ لِحِفْظِ نَفْسِهِ بِعُضْوٍ مِنْ جَسَدِهِ، كَمَا يُقْطَعُ إِذَا وَقَعَتْ فِيهِ الْأَكَلَةُ لِيَحْفَظَ بِهِ نَفْسَهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ بِقَطْعِهِ بَيْنَ خَوْفَيْنِ، فَكَانَ أَسْرَعَ إِلَى تَلَفِهِ وَلَيْسَ كَقَطْعِ الْأَكَلَةِ؛ لِأَنَّ يَأْمَنُ سِرَايَتَهَا بِقَطْعِهِ.

(فَصْلٌ:)

فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ حُكْمِ الِاسْتِبَاحَةِ عَلَى الِانْفِرَادِ انْتَقَلْنَا إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَ كُلِّ مُسْتَبَاحَيْنِ بِالضَّرُورَةِ مَحْظُورَيْنِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ.
فَمِنْ ذَلِكَ إِذَا وَجَدَ الْمُضْطَرُّ، وَهُوَ مُحْرِمٌ مَيْتَةً وَصَيْدًا حَيًّا.
وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ، فَفِيمَا يَسْتَبِيحُهُ مِنْهُمَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ دُونَ الصَّيْدِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ اسْتِبَاحَةَ الْمَيْتَةِ نَصٌّ، وَاسْتِبَاحَةَ الصَّيْدِ اجْتِهَادٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ، وَأَكْلَ الصَّيْدِ مُوجِبٌ لِضَمَانِ الْجَزَاءِ، فَصَارَتِ الْمَيْتَةُ بِهَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ أَخَفَّ حُكْمًا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ: أَنَّهُ يَأْكُلُ الصَّيْدَ، وَيَعْدِلُ عَنِ الْمَيْتَةِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ إِبَاحَةَ الصَّيْدِ عَامَّةٌ، وَحَظْرَهُ خَاصَّةٌ مِنَ الْإِحْرَامِ، وَحَظْرَ الْمَيْتَةِ عَامٌ، وَإِبَاحَتَهَا خَاصَّةٌ فِي الاضطرار، فكان ما أباحته أعم أَخَفَّ مِمَّا تَحْرِيمُهُ أَعَمُّ.
وَالثَّانِي: أَنَّ تَحْرِيمَ الصَّيْدِ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ، وَتَحْرِيمَ الْمَيْتَةِ لِمَعْنًى فِيهَا، فَكَانَ مَا

فارقه معنى التحريم أخف مما حله مَعْنَى التَّحْرِيمِ، فَثَبَتَ بِهَذَيْنِ أَنَّ أَكْلَ الصَّيْدِ أَوْلَى.
فَأَمَّا إِذَا وَجَدَ مَيْتَةً وَلَحْمَ صَيْدٍ قَتَلَهُ مُحْرِمٌ، فَإِنْ قِيلَ: بِذَكَاتِهِ كَانَ أَوْلَى من الميتة وإن قيل: بنجاسته كان الْمَيْتَةُ أَوْلَى مِنْهُ.

(فَصْلٌ:)

وَإِذَا وَجَدَ الْمُضْطَرُّ مَيْتَةً وَطَعَامًا لِغَيْرِهِ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي أَكْلِهِ حَرُمَتْ عَلَيْهِ الْمَيْتَةُ وَإِنْ مَنَعَهُ مِنْ أَكْلِهِ حَلَّتْ لَهُ الْمَيْتَةُ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا لَمْ يَأْذَنْ وَلَمْ يَمْنَعْ فَعَلَى قَوْلَيْنِ كَالْمَيْتَةِ مَعَ الصَّيْدِ.
وَلَوْ وَجَدَ الْمُضْطَرُّ الْمَحْرِمُ صَيْدًا وَطَعَامَ الْغَيْرِ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: يَأْكُلُ الصَّيْدَ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَهُ عَلَيْهِ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، فَكَانَ أَخَفَّ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَأْكُلُ طَعَامَ الْغَيْرِ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي الْأَكْلِ مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ.
(فَصْلٌ:) وَلَوْ وَجَدَ الْمُضْطَرُّ مِيتَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا مَنْ جِنْسِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، كَالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ وَالْأُخْرَى مَنْ جِنْسِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ كَالسُّبُعِ وَالذِّئْبِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمَا سَوَاءٌ، وَلَهُ الْخِيَارُ فِي الْأَكْلِ مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ؛ لِأَنَّهُمَا قَدِ اسْتَوَيَا فِي النَّجَاسَةِ بِالْمَوْتِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَأْكُلُ مِمَّا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ دُونَ مَا لَا يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّ لِلْمَأْكُولِ أَصْلًا فِي الْإِبَاحَةِ، فَكَانَ أولى مما لا أصل له في بالإباحة.
وَلَوْ وَجَدَ الْمُضْطَرُّ مِيتَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا طَاهِرَةٌ فِي حَيَاتِهَا، وَالْأُخْرَى نَجِسَةٌ فِي حَيَاتِهَا، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمَا سَوَاءٌ، وَيَأْكُلُ مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ خِنْزِيرًا؛ لِأَنَّهُمَا قَدِ اسْتَوَيَا فِي النَّجَاسَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنَ الطَّاهِرِ دُونَ النَّجَسِ؛ لِأَنَّ لَهُ فِي الطَّهَارَةِ أَصْلًا لَيْسَ لِلنَّجِسِ.
وَلَوْ وَجَدَ الْمُضْطَرُّ مَيْتَةً وَلَحْمَ ابْنِ آدَمَ أَكَلَ الْمَيْتَةَ، وَإِنْ كَانَ خِنْزِيرًا دُونَ لَحْمِ ابْنِ آدَمَ وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْمَيْتَةِ مِنْ حَقِّ الْأَكْلِ وَتَحْرِيمَ ابْنِ آدَمَ فِي حَقِّهِ وَحَقِّ الْأَكْلِ، فَكَانَ أَغْلَظَ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَجَدَ صَيْدًا وَلَحْمَ ابْنِ آدَمَ وَهُوَ محرمٌ أَكَلَ الصَّيْدَ تَعْلِيلًا بِمَا ذَكَرْنَا.
(فَصْلٌ:) وَإِذْ قَدْ مَضَى مَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ مِنَ الْحَيَوَانِ وَجَبَ أَنْ نُبَيِّنَ مَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ مِنَ النَّبَاتِ وَالنَّبَاتُ عَلَى أربعة أقسام:

أَحَدُهَا: مَا كَانَ غِذَاءً كَالْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ وَالْفَوَاكِهِ، وَالْبُقُولِ، فَأَكْلُهَا مُبَاحٌ وَبَيْعُهَا جَائِزٌ، وَسَوَاءٌ أُكِلْتَ قُوتًا أَوْ تَفَكُّهًا، فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا زَرَعَهُ الْآدَمِيُّونَ، فَهِيَ مِلْكٌ لِزَارِعِهَا، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا أَنْبَتَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمَوَاتِ، فَهِيَ مِلْكٌ لِآخِذِهَا.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا كَانَ دَوَاءً، فَأَكْلُهُ لِلتَّدَاوِي مُبَاحٌ، وَيُنْظَرُ فِي أَكْلِهِ لِغَيْرِ التَّدَاوِي، فَإِنْ كَانَ ضَارًّا مُنِعَ مِنْ أَكْلِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ضَارٍّ أُبِيحُ أَكْلُهُ، وَبَيْعُهُ فِي الْحَالَيْنِ جَمِيعًا جَائِزٌ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا كَانَ مُسْكِرًا، وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرَبٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَعَ السُّكْرِ شِدَّةٌ مُطْرِبَةٌ، فَأَكْلُهُ حَرَامٌ، وَعَلَى آكِلِهِ الْحَدُّ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي دَوَاءٍ وَلَا غَيْرِهِ كَالْخَمْرِ، وَبَيْعُهُ حَرَامٌ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يُسْكِرَ، وَلَا تَكُونُ فِيهِ شِدَّةٌ مُطْرِبَةٌ كَالْبَنْجِ، فَأَكْلُهُ حَرَامٌ، وَلَا حَدَّ عَلَى آكْلِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي الدَّوَاءِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَإِنْ أَفْضَى إِلَى السُّكْرِ إِذَا لَمْ يُوجَدْ مِنْ إِسْكَارِهِ بدٌ، وَيُنْظَرُ فِي بَيْعِهِ، فَإِنْ كَانَ يُسْتَعْمَلُ فِي الْأَدْوِيَةِ غَالِبًا جَازَ بَيْعُهُ وَلَمْ يُكْرَهْ، وَإِنْ كَانَ يُسْتَعْمَلُ فِيهَا نَادِرًا كُرِهَ بَيْعُهُ، وَإِنْ جَازَ.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: مَا أَسْكَرَ مَعَ غَيْرِهِ وَلَمْ يُسْكِرْ بِانْفِرَادِهِ كَالدَّاذِي، وَمَا شَاكَلَهُ، فَيُنْظَرُ فِيهِ، فَإِنْ لَمْ يُنْتَفَعْ بِهِ مِنْ دَوَاءٍ، وَلَا غَيْرِهِ، حَرُمَ أَكْلُهُ وَبَيْعُهُ تَغْلِيبًا، لِغَالِبِ أَحْوَالِهِ، وَإِنِ انْتُفِعَ بِأَكْلِهِ فِي الدَّوَاءِ حَلَّ أَكْلُهُ تَدَاوِيًا وَجَازَ بَيْعُهُ، وَكَانَ مَكْرُوهًا إِنْ كَانَ أَغْلَبَ أَحْوَالِهِ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْمُسْكِرِ، وَلَمْ يُكْرَهْ إِنْ كَانَ أَغْلَبَ أَحْوَالِهِ اسْتِعْمَالُهُ مِنْ غَيْرِ الْمُسْكِرِ.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: مَا كَانَ ضَارًّا كَالسُّمُومِ، فَهَذَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: مَا قَتَلَ قَلِيلُهُ، وَكَثِيرُهُ، فَأَكَلُهُ حَرَامٌ، وَبَيْعُهُ بَاطِلٌ سَوَاءٌ كان قتله موجباً أَوْ مُبْطِئًا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا قَتَلَ كَثِيرُهُ دُونَ قَلِيلِهِ، فَأَكْلُ كَثِيرِهِ حَرَامٌ، فَأَمَّا قَلِيلُهُ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُنْتَفَعٍ بِهِ حَرُمَ أَكْلُهُ، وَبَطُلَ بَيْعُهُ تَغْلِيبًا لِضَرَرِهِ، وَإِنْ كَانَ مُنْتَفَعًا بِهِ مِنَ التَّدَاوِي حَلَّ أَكْلُهُ تَدَاوِيًا، وَجَازَ بَيْعُهُ، وَلَمْ يُكْرَهْ، وَإِنْ كَانَ غَالِبُهُ التَّدَاوِي وَكُرِهَ إِنْ كَانَ غَالِبُهُ غَيْرَ التَّدَاوِي.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: مَا يَقْتُلُ فِي الْأَغْلَبِ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ لَا يَقْتُلَ، فَحُكْمُ الْأَغْلَبِ لَهُ أَلْزَمُ، وَيَكُونُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
وَالضَّرْبُ الرَّابِعُ: مَا لَا يَقْتُلُ فِي الْأَغْلَبِ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَقْتُلَ، فَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ

فِي مَوْضِعٍ إِبَاحَةَ أَكَلِهِ، وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ تَحْرِيمَ أَكْلِهِ، فَتَوَهَّمَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ، فَخَرَجَ إِبَاحَةُ أكله على قولين اعتباراً بظاهر كَلَامِهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ إِبَاحَتَهُ لِأَكْلِهِ إِذَا كَانَ مُنْتَفَعًا بِهِ فِي التَّدَاوِي وَتَحْرِيمَ أَكْلِهِ إِذَا كَانَ غَيْرَ مُنْتَفَعٍ بِهِ فِي التَّدَاوِي، فَيَكُونُ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ لَا عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ.

(مسألة:)

قال المزني: " وَخَالَفَ الشَّافِعِيُّ الْمَدَنِيَّ وَالْكُوفِيَّ فِي الِانْتِفَاعِ بِشَعَرِ الْخِنْزِيرِ وَفِي صُوفِ الْمَيْتَةِ وَشَعْرِهَا فَقَالَ لَا يُنْتَفَعُ بشيءٍ مِنْ ذَلِكَ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَقَدْ مَضَى الْخِلَافُ فِي نَجَاسَةِ الشُّعُورِ وَالْأَصْوَافِ وَطَهَارَتِهَا فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ، فَالطَّاهِرُ مِنْهَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الذَّائِبِ وَالْيَابِسِ وَأَمَّا النَّجِسُ مِنْهَا، فَضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ فِي الْحَيَاةِ طَاهِرًا، كَشُعُورِ السِّبَاعِ، وَالذِّئَابِ، فَاسْتِعْمَالُهَا فِي الْيَابِسَاتِ مِنْ متاعٍ دُونَ الذَّائِبَاتِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا كَانَ نَجِسًا فِي الْحَيَاةِ كَشَعْرِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ، وَإِنْ جَرَى عُرْفُ الْعَوَامِّ بِاسْتِعْمَالِهِ، وَأَجَازَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ.
وَسُئِلَ عَنْهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، فَقَالَ اللِّيفُ أَعْجَبُ إِلَيَّ مِنْهُ، فَكَأَنَّهُ كَرِهَهُ، وَأَجَازَهُ، وَعَوَّلُوا فِي إِبَاحَةِ اسْتِعْمَالِهِ عَلَى أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَيْهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ عُرْفَ الْعَامَّةِ جارٍ بِاسْتِعْمَالِهِ، وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا حَرُمَ الِانْتِفَاعُ بِالْخِنْزِيرِ حَيًّا كَانَ تَحْرِيمُ شَعْرِهِ مَيْتًا أَوْلَى.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ أَغْلَظَ تَنْجِيسًا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَغْلَظَ تَحْرِيمًا، فَإِنْ خَالَفُوا مِنْ نَجَاسَتِهِ انْتَقَلَ الْكَلَامُ إِلَيْهِ.
فَأَمَّا تَعْوِيلُهُمْ عَلَى الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، فَالْحَاجَةُ لَا تُبِيحُ مَحْظُورًا، وَقَدْ يَقُومُ اللِّيفُ مَقَامَهُ، فَسَقَطَتِ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ.
وَتَعْوِيلُهُمْ عَلَى الْعُرْفِ فِي اسْتِعْمَالِهِ، فَهُوَ عُرْفٌ مِنْ مُسْتَرْسِلٍ فِي دِينِهِ.
فَإِذَا صَحَّ تَحْرِيمُ اسْتِعْمَالِهِ كَانَ مَأْثَمُ تَحْرِيمِهِ عَائِدًا عَلَى مُسْتَعْمِلِهِ، وَجَازَ بَيْعُ الْمَحْرُوزِ بِهِ، فَإِنْ كَانَ الشَّعْرُ عِنْدَ الِاسْتِعْمَالِ يَابِسًا لَاقَى يَابِسًا، فَالْخُفُّ الْمَحْرُوزُ بِهِ طَاهِرٌ، وَالصَّلَاةُ فِيهِ جَائِزَةٌ، وَإِنْ لَاقَى فِي الْحِرْزِ نَدَاوَةً كَانَ مَا مَسَّهُ الشَّعْرُ مِنَ الْخُفِّ الْمَحْرُوزِ نَجِسًا، فَإِنْ غُسِلَ سَبْعًا بِتُرَابٍ طَهُرَ ظَاهِرُهُ، وَلَمْ تَطْهُرْ دَوَاخِلُ الْحِرْزِ، وَلَمْ تَجُزِ الصَّلَاةُ فِيهِ، والله أعلم.

فصول الكتاب · 30 فصل · 608 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الحاوي الكبير · 608 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كِتَابُ الْبُيُوعِ
كتاب الإقرار
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كتاب العارية
كتاب الغصب
كِتَابُ الشَّرْطِ فِي الرَّقِيقِ يَشْتَرِطُهُمُ الْمُسَاقِي
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ الْعَطَايَا وَالصَّدَقَاتِ
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب الصداق
كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع
كتاب السير
كتاب مختصر الجامع من كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب النذور
كِتَابُ الْعِتْق
كتاب عتق أمهات الأولاد من كتب
جارٍ التحميل