كتاب الغصب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الماوردي
- الكتاب
- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
- المحقق
- الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1419 هـ -1999 م
- عدد الأجزاء
- 19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " فَإِذَا شَقَّ رجلٌ لرجلٍ ثَوْبًا شَقًّا صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا يَأْخُذُ مَا بَيْنَ طَرَفَيْهِ طُولًا وَعَرْضَا أَوْ كَسَرَ لَهُ شَيْئَا كَسْرًا صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا أَوْ رَضَّضَهُ أَوْ جَنَى لَهُ عَلَى مملوكٍ فَأَعْمَاهُ أَوْ شَجَّهُ مُوَضِّحَةً فَذَلِكَ كُلُّهُ سَوَاءٌ وَيُقَوَّمُ الْمَتَاعُ كُلُّهُ وَالْحَيَوَانُ غَيْرَ الرَّقِيقِ صَحِيحًا وَمَكْسُورًا أَوْ صَحِيحًا وَمَجْرُوحًا قَدْ بَرِئَ مِنْ جُرْحِهِ ثُمَّ يُعْطَى مَالِكُ ذَلِكَ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ وَيَكُونُ مَا بَقِيَ بَعْدَ الجناية لصاحبه نفعه أو لم ينفعه فأما ما جنى عليه من العبد فيقوم صحيحاً قبل الجناية ثم ينظر إلى الجناية فيعطى أرشها من قيمة العبد صحيحاً كما يعطى الحر من أرش الجناية ثم ينظر إلى الجناية فيعطي أرشها من قيمة العبد صحيحاً كما يعطي الحر من أرش الجناية من دينه بالغاً ذلك ما بلغ ولو كانت قيماً كما يأخذ الحر دياتٍ (قال الشافعي) وكيف غلط من زعم أنه إن جنى على عبدي فلم يفسده أخذته وقيمة ما نقصه وإن زاد الجاني معصية الله تعالى فأفسده سقط حقي إلا أن أسلمه يملكه الجاني فيسقط حقي بالفساد حين عظم ويثبت حين صغر ويملك على حين عصى فأفسد فلم يملك بعضاً ببعض ما أفسد وهذا القول خلافٌ لأصل حكم الله تعالى بين المسلمين في أن المالكين على ملكهم لا يملك عليهم إلا برضاهم وخلاف المعقول والقياس ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَالْأَصْلُ فِي تَحْرِيمِ الْغَصْبِ وَحَظْرِ الْأَمْوَالِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) {النحل 90) .
وَالْبَغْيُ وَالْغَصْبُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ.
وَقَالَ تَعَالَى: {لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) {النساء: 29) وَالْغَصْبُ مِنَ الْبَاطِلِ.
وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارَاً) {النساء: 10) وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ) {الشورى: 42) .
وَالْغَصْبُ مِنْ جُمْلَةِ الظُّلْمِ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الظُّلْمِ وَضْعُ الشَّيْءِ غَيْرَ مَوْضِعِهِ.
وَلِذَلِكَ قِيلَ أَرْضٌ مَظْلُومَةٌ، وَفِيهَا تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَجَاوَزَهَا الْمَطَرُ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَأْتِيَهَا مِنْ غَيْرِ أَوَانِهِ.
وَقَالَ الشَّاعِرُ: وَهُوَ تَمِيمُ بْنُ أَبِي مُقْبِلٍ: (عَادَ الْأَخِلَّةُ فِي دارٍ وَكَانَ بِهَا ... هُرْتُ الشَّقَاشِقِ ظَلَّامُونَ لِلْجُزُرِ)
وَفِيهَا تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَعْقِرَ فِي غَيْرِ مَنْحَرٍ عَلَى عَادَةِ الْجَاهِلِيَّةِ في قطع العراقيب.
والثاني: أن ينحر لغيرما سَبَبٍ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي خُطْبَةِ الْوَدَاعِ أَنَّهُ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا مِنِّي أُبَيِّنْ لَكُمْ فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي مَوْقِفِي هَذَا.
أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حرامٌ إِلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ اللَّهُمَّ اشْهَدْ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أمانةٌ فَلْيُؤَدِّهَا إِلَى مَنِ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا.
أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ أخوةٌ فَلَا يَحِلُّ لامرئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا عَنْ طِيبِ نفسٍ مِنْهُ أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟ اللَّهُمَّ اشْهَدْ فَلَا تَرْجِعُنَّ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَمْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ اللَّهُمَّ اشْهَدْ.
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: لَا يَأْخُذَنَّ أَحَدُكُمْ مَتَاعَ صَاحِبِهِ لَاعِبًا أَوْ جَادًّا فَإِذَا أَخَذَ عَصَا أَخِيهِ فَلْيُؤَدِّهَا إِلَيْهِ أَوْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ وَرَوَى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سَعيدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: مَنِ اقْتَطَعَ مَالَ امرئٍ مسلمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَا بَارَكَ اللَّهُ لَهُ فِيهِ وَرَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: مَنْ ظلمَ قَيْدَ شبرٍ مِنْ أرضٍ طوقه من سبع أرضين.
وَرَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا غَصَبَ أَرْضًا مِنْ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي بَيَاضَةَ مِنَ الْأَنْصَارِ وَغَصَبَهَا غَرْسَهَا نَخْلًا عُمًّا فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَأَمَرَ بِقَلْعِهِ وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ لعرقٍ ظالمٍ حَقٌّ.
قَالَ عُرْوَةُ فَأَخْبَرَنِي مَنْ رَأَى الْغَرْسَ تُعْمَلُ فِي أُصُولِهَا.
وَفِي قَوْلِهِ نَخْلًا عُمًّا تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَعْنِي طُولًا.
وَالثَّانِي: يَعْنِي أَنَّهَا قَدْ عَمَّتْ بِخَيْرِهَا وَمِنْهُ قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَمَّتْكُمُ النَّخْلَةُ يَعْنِي عَمَّتْ بِخَيْرِهَا وَقِيلَ بَلْ عَنَى أَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ فَضْلِ طِينَةِ آدَمَ فَصَارَتْ عَمَّةً فِي النَّسَبِ، فَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِ الْغَصْبِ وَأَنَّ مَنْ فَعَلَهُ مُسْتَحِلًّا كَانَ كَافِرًا وَمَنْ فَعَلَهُ غَيْرَ مُسْتَحِلٍّ كَانَ فَاسِقًا.
فَصْلٌ
: فَإِذَا ثَبَتَ تَحْرِيمُ الْغَصْبِ كَمَا ذَكَرْنَا فَالْغَصْبُ هُوَ مَنْعُ الْإِنْسَانِ مِنْ مِلْكِهِ والتَّصَرُّفِ فِيهِ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ فَيُكْمِلُ الْغَصْبَ بِالْمَنْعِ وَالتَّصَرُّفِ فَإِنْ مَنَعَ وَلَمْ يَتَصَرَّفْ كَانَ تَعَدِّيًا وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ ضَمَانٌ لِأَنَّهُ تَعَدَّى عَلَى الْمَالِكِ دُونَ الْمِلْكِ وَإِنَّ تَصَرَّفَ وَلَمْ يَمْنَعْ كَانَ تَعَدِّيًا وَتَعَلَّقَ بِهِ ضَمَانٌ لِأَنَّهُ تعدٍ عَلَى الْمِلْكِ دُونَ الْمَالِكِ فَإِذَا جَمَعَ بَيْنَ الْمَنْعِ والتصرف ثم الْغَصْبُ وَلَزِمَ الضَّمَانُ سَوَاءٌ نَقَلَ الْمَغْصُوبَ عَنْ مَحَلِّهِ أَمْ لَا.
وَقَالَ أبو حنيفة: لَا يَتِمُّ الْغَصْبُ إِلَّا بِالنَّقْلِ وَالتَّحْوِيلِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُنْقَلُ كَالدُّورِ وَالْعَقَارِ لَمْ يَصِحَّ غَصْبُهُ وَلَمْ يَضْمَنِ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ غَيْرَ الْمَنْقُولِ مُخْتَصٌّ بِالْمَنْعِ دُونَ التَّصَرُّفِ فَصَارَ كَحَبْسِ الْإِنْسَانِ عَنْ مِلْكِهِ لَا يَكُونُ مُوجِبًا لِغَصْبِ مَالِهِ وَلِأَنَّ الْمَسْرُوقَ لَا يَكُونُ مَسْرُوقًا إِلَّا بِالنَّقْلِ عَنِ الْحِرْزِ فَكَذَا الْمَغْصُوبُ لَا يَصِيرُ مَغْصُوبًا إِلَّا بِالنَّقْلِ وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا أَنَّ كُلَّ مَا لَمْ يَصِرِ الْمَالُ بِهِ مَسْرُوقًا لَمْ يَصِرْ بِهِ مَغْصُوبًا كَالْمَنْعِ وَالْإِحَالَةِ.
وَدَلِيلُنَا مَا رُوِيَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ إِنَّ أَعْظَمَ الْغُلُولِ عِنْدَ اللَّهِ أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلَ مِنْ أَرْضِ غَيْرِهِ إِلَى أَرْضِ نَفْسِهِ فَأَطْلَقَ عَلَى الْأَرْضِ حُكْمَ الْغُلُولِ وَالْغَصْبِ.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ سَارِقَ الْمَنَارِ قِيلَ وَمَا سَارِقُ الْمَنَارِ؟ قَالَ أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ الْعَلَامَةَ مِنْ أَرْضِ نَفْسِهِ إِلَى أَرْضِ غَيْرِهِ فَجَعَلَ ذَلِكَ سَرِقَةً وَمِثْلُهُ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: ملعونٌ مَنْ لَعَنَ أَبَاهُ ملعونٌ مَنْ لَعَنَ أُمَّهُ ملعونٌ مَنْ غَيَّرَ تُخُومَ الْأَرْضِ، وَفِي تُخُومِ الْأَرْضِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: عُلَمَاؤُهَا.
وَالثَّانِي: حُدُودُهَا وَأَعْلَامُهَا وَلِأَنَّ مَا ضُمِنَ بِالْقَبْضِ فِي الْعُقُودِ ضُمِنَ بِالتَّصَرُّفِ فِي الْعُقُودِ كَالْمُحَوَّلِ وَالْمَنْقُولِ.
وَلِأَنَّ مَا ضُمِنَ بِهِ الْمَنْقُولُ ضُمِنَ بِهِ غَيْرُ الْمَنْقُولِ كَالْعُقُودِ وَلِأَنَّهُ عُدْوَانٌ فَجَازَ أَنْ يُضْمَنَ بِهِ غَيْرُ الْمَنْقُولِ كَالْجِنَايَةِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ بِأَنَّ مَا لَمْ يُنْقَلْ مُخْتَصٌّ بِالْمَنْعِ وَالْإِحَالَةِ كَالْحَبْسِ فَهُوَ أَنَّ الْمَحْبُوسَ عَنْ
مَالِهِ حَصَلَ التَّعَدِّي عَلَيْهِ دُونَ مَالِهِ فَلَمْ يَصِرِ الْمَالُ مَغْصُوبًا وَخَالَفَ حَالَ التَّصَرُّفِ فِيهِ مَعَ اشْتِهَارِ الْقَوْلِ عُرْفًا أَنَّ فُلَانًا غَصَبَ دَارًا أَوْ أَرْضًا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْمَسْرُوقِ فَهُوَ أَنَّ الْقَطْعَ فِيهَا مُعْتَبَرٌ بِهَتْكِ الْحِرْزِ وَإِخْرَاجِ الْمَالِ عَنْهُ حَتَّى لَوْ نُقِلَ غَيْرَ محرزٍ لم يكن سارقاً بقطع وَخَالَفَ الْغَصْبُ الْمُعْتَبَرُ بِالتَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُقَالُ سَرَقَ دَارًا وَيُقَالُ غصب داراً.
فَصْلٌ
: فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا بَيَّنَّا مِنْ صِفَةِ الْغَصْبِ فَلِلْمَغْصُوبِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ بَاقِيًا.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ تَالِفًا.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ نَاقِصًا.
فَإِنْ كَانَ بَاقِيًا بِحَالِهِ ارْتَجَعَهُ الْمَالِكُ مِنْهُ فَإِنَّ ضَعُفَ عَنِ ارْتِجَاعِهِ فَعَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ اسْتِرْجَاعُهُ وَتَأْدِيبُ الْغَاصِبِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا أُجْرَةَ لِمِثْلِهِ كَالطَّعَامِ وَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فَقَدْ بَرِئَ بَعْدَ رَدِّهِ مِنْ حُكْمِ الْغَصْبِ وَسَوَاءٌ كَانَتْ قِيمَتُهُ قَدْ نَقَصَتْ فِي الْأَسْوَاقِ لِرُخْصِ الْأَسْعَارِ أَمْ لَا لِأَنَّ بَقَاءَ الْعَيْنِ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ نَقْصُ السُّوقِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لِمِثْلِهِ أُجْرَةٌ كَالدَّوَابِّ وَالْآلَاتِ فَعَلَيْهِ مَعَ رَدِّ الْعَيْنِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ إِنْ كَانَ لِمِثْلِ زَمَانِ الْغَصْبِ أُجْرَةٌ وَعَلَيْهِ مَؤُنَةُ الرَّدِّ إِنْ كَانَ لِرَدِّهِ مَؤُنَةٌ.
فَصْلٌ
: وَأَمَّا الْحَالُ الثَّانِيَةُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَغْصُوبُ تَالِفًا فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ سَوَاءٌ تَلِفَ بِفِعْلِهِ أَوْ غَيْرِ فِعْلِهِ، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ.
ثُمَّ هُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلٌ كَالَّذِي تَتَسَاوَى أَجْزَاؤُهُ مِنَ الْحُبُوبِ وَالْأَدْهَانِ وَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فَعَلَيْهِ رَدُّ مِثْلِهِ جِنْسًا وَنَوْعًا وَصِفَةً وَقَدْرًا لِأَنَّ مِثْلَ الشَّيْءِ أَخَصُّ بِهِ بَدَلًا مِنَ الْقِيمَةِ لِأَنَّهُ مِثْلٌ فِي الشَّرْعِ وَاللُّغَةِ وَالْقِيمَةِ مِثْلٌ فِي الشَّرْعِ دُونَ اللُّغَةِ فَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمُ الْقِيمَةَ لَمْ يُجَبْ إِلَيْهَا سَوَاءٌ كَانَ طَالِبَهَا الْغَاصِبُ أَوِ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ لِأَنَّهَا غَيْرُ الْمُسْتَحَقِّ فَأَمَّا إِنْ تَرَاضَيَا بِالْقِيمَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمِثْلِ فَفِي جَوَازِهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ فِي جَوَازِ أَخْذِ أَرْشِ الْعَيْبِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى رَدِّ الْمَعِيبِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَلَّا يَكُونَ لَهُ مِثْلٌ كَالَّذِي تَخْتَلِفُ أَجْزَاؤُهُ مِنَ الثِّيَابِ وَالْعَبِيدِ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ فِي أَكْثَرِ أَحْوَالِهِ قِيمَةً مِنْ وَقْتِ الْغَصْبِ إِلَى وَقْتِ التَّلَفِ وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَسَنٍ الْعَنْبَرِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَيْهِ مِثْلُهُ مِنْ جِنْسِهِ وَعَلَى صِفَتِهِ اسْتِدْلَالًا بِرِوَايَةٍ فُلَيْتٍ الْعَامِرِيِّ عَنْ جَسْرَةَ بِنْتِ دَجَاجَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ مَا رَأَيْتُ صَانِعًا طَعَامًا مِثْلَ صَفِيَّةَ صَنَعَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - طَعَامًا فَبَعَثَتْ بِهِ فَأَخَذَنِي أَفْكَلُ فَكَسَرْتُ الْإِنَاءَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَفَّارَةُ مَا صَنَعْتُ قَالَ إناءٌ مِثْلُ إناءٍ وطعامٌ مِثْلُ طعامٍ.
وَمَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَتَاهُ رجلٌ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ بَنِي
عَمِّكَ سَعَوْا عَلَى إِبِلِي فَاحْتَلَبُوا أَلْبَانَهَا وَأَكَلُوا فُصْلَانَهَا فَقَالَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نُعْطِيكَ إِبِلًا مِثْلَ إِبِلِكَ وَفُصْلَانًا مِثْلَ فُصْلَانِكَ.
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَقَدْ رَأَيْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ رَأَيًا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ الْوَادِي الَّذِي جَنَى فِيهِ بَنُو عَمِّكَ فَقَالَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَعَمْ.
وَدَلِيلُنَا: مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عبدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مُوسِرًا فَأُوجِبُ قِيمَةَ الْحِصَّةِ وَلَمْ يُوجِبْ مِثْلَ تِلْكَ الْحِصَّةِ وَلِأَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ أَجْزَاؤُهُ مَضْمُونَةً بِالْقِيمَةِ دُونَ الْمِثْلِ حَتَّى مَنْ قَطَعَ يَدَ دَابَّةٍ لَمْ تُقْطَعْ يَدُ دَابَّتِهِ وَمَنْ خَرَقَ ثَوْبًا لَمْ يُخْرَقْ ثَوْبُهُ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي اسْتِهْلَاكِ الْعَيْنِ بِمَثَابَتِهِ وَلِأَنَّ مَا تَخَلَّفَ أَجْزَاؤُهُ يَتَعَذَّرُ فِيهِ الْمُمَاثَلَةُ وَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ زَائِدًا يُظْلَمُ بِهِ الْغَاصِبُ أَوْ نَاقِصًا يُظْلَمُ بِهِ الْمَغْصُوبُ وَالْقِيمَةُ عَدْلٌ يُؤْمَنُ فِيهَا ظُلْمُ الْفَرِيقَيْنِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ إِنَاءٌ مِثْلُ الْإِنَاءِ، وَطَعَامٌ مِثْلُ طَعَامٍ، فَهُوَ أَنَّ الْقِيمَةَ مِثْلٌ فِي الشَّرْعِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الكَعْبَةِ أَوْ كَفَارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ) {المائدة: 95) فَجَعَلَ قِيمَةَ الْجَزَاءِ مِنَ الطَّعَامِ مِثْلًا، وَأَمَّا حَدِيثُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَمَحْمُولٌ عَلَى التَّفَضُّلِ مِنْهُ لِتَطَوُّعِهِ بِذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِ.
فَصْلٌ
: فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ مَضْمُونٌ بِالْقِيمَةِ دُونَ الْمِثْلِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْأَثْمَانِ كَالثِّيَابِ وَالْحَيَوَانِ فَقِيمَتُهُ مِنْ غَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدَ فِيهِ أَكْثَرُ مَا كَانَ قِيمَةً مِنْ حِينِ الْغَصْبِ إِلَى حِينِ التَّلَفِ فِي سُوقِهِ وَبَلَدِهِ فإن قيل لما لَمْ يَضْمَنْ نَقْصَ السُّوقِ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ وَضَمِنَ نَقْصَ السُّوقِ مَعَ تَلَفِ الْعَيْنِ.
قِيلَ لِأَنَّهُ قَدْ فَوَّتَ عَلَيْهِ زِيَادَةَ السُّوقِ مَعَ تَلَفِ الْعَيْنِ وَلَمْ يُفَوِّتْهَا عَلَيْهِ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مُبَاحَ الِاسْتِعْمَالِ كَالْحُلِيِّ فَفِي كَيْفِيَّةِ ضَمَانِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: تُضْمَنُ قِيمَتُهُ مَصُوغًا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ إِنْ كَانَ مِنَ الذَّهَبِ ضَمِنَ قِيمَتَهُ وَرِقًا، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْوَرِقِ ضَمِنَ قِيمَتَهُ ذَهَبًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَضْمَنَهُ بِمِثْلِ وَزْنِهِ مِنْ جِنْسِهِ وَبِأُجْرَةِ صِيَاغَتِهِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ وَزْنُهُ مِائَةَ مِثْقَالٍ مِنْ ذَهَبٍ وَهُوَ مَصُوغٌ فَيَضْمَنُهُ بِمِائَةِ مِثْقَالٍ ذَهَبٍ وَبِأُجْرَةِ صِيَاغَتِهِ.
وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْأُجْرَةُ ذَهَبًا أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ حَتَّى تَكُونَ وَرِقًا لِئَلَّا يُفْضِيَ إِلَى الربا والتفاصل فِي الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَصَحُّ أَنَّهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الصِّيَاغَةِ وَالْعَمَلُ الَّذِي لَا يُدَاخِلُهُ
الرِّبَا وَلَوْ دَخَلَهُ الرِّبَا إِذَا كَانَ ذَهَبًا لَدَخَلَهُ الرِّبَا وَإِنْ كَانَ وَرِقًا لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تُبَاعَ مِائَةُ دِينَارٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَدِرْهَمٍ كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ تُبَاعَ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَدِينَارٍ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَحْظُورَ الِاسْتِعْمَالِ كَالْأَوَانِي فَفِي ضَمَانِ صِيَاغَتِهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ فِي إِبَاحَةِ ادِّخَارِهِمَا.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ ادِّخَارَهَا مَحْظُورٌ وَصِيَاغَتُهَا غَيْرُ مَضْمُونَةٍ لِأَنَّهَا مَعْصِيَةٌ لَا تُقَرُّ فَلَمْ تُضْمَنْ كَصَنْعَةِ الطُّنْبُورِ وَالْمِزْمَارِ لَا تُضَمَنُ بِالنَّقْصِ فِي الْإِبْطَالِ فَعَلَى هَذَا يَضْمَنُهُ بِمِثْلِهِ وَزْنًا مِنْ جِنْسِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ ادِّخَارَهَا مُبَاحٌ وَصِنَاعَتَهَا مَضْمُونَةٌ فَعَلَى هَذَا فِي كَيْفِيَّةِ ضَمَانِهَا وجهان عَلَى مَا مَضَى.
فَصْلٌ
: وَأَمَّا الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَغْصُوبُ نَاقِصًا فَعَلَى ضَرْبَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ حَيَوَانًا.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ غَيْرَ حَيَوَانٍ.
فَإِنْ كَانَ غَيْرَ حَيَوَانٍ فَالنَّقْصُ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أحدهما: أن يكون متميزاً كالحنطة بتلف بَعْضُهَا أَوْ كَالثِّيَابِ يَتْلَفُ ثَوْبٌ مِنْهَا أَوْ ذِرَاعٌ مِنْ جُمْلَتِهَا فَيَكُونُ ضَامِنًا لِلنَّقْصِ بِالْمِثْلِ إِنْ كَانَ ذَا مِثْلٍ وَبِالْقِيمَةِ إِنْ لَمْ يَكُنْ ذَا مِثْلٍ وَيُرَدُّ الْبَاقِي بِعَيْنِهِ سَوَاءٌ كَانَ التَّالِفُ أَكْثَرَ الْمَغْصُوبِ أَوْ أَقَلَّهُ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ النَّقْصُ غَيْرَ مُتَمَيِّزٍ كَثَوْبٍ شَقَّهُ أَوْ إِنَاءٍ كَسَرَهُ أَوْ رَضضهُ فَإِنْ كَانَ النَّاقِصُ مِنْهُ أَقَلَّ مَنَافِعِهِ أَخَذَهُ وَمَا يَنْقُصُ مِنْ قِيمَتِهِ إِجْمَاعًا فَيَقُومُ صَحِيحًا فَإِذَا قِيلَ مِائَةُ دِرْهَمٍ قُوِّمَ مُمَزَّقًا أَوْ مَكْسُورًا فَإِذَا قِيلَ سِتُّونَ دِرْهَمًا فَنَقَصَهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا فَيَأْخُذُهُ مُمَزَّقًا أَوْ مَكْسُورًا وَيَأْخُذُ مَعَهُ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا وَإِنْ كَانَ النَّاقِصُ أَكْثَرَ مَنَافِعِهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ يَأْخُذُهُ وَمَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ حَتَّى لَوْ كَانَ يُسَاوِي مِائَةَ دِرْهَمٍ فَصَارَ بَعْدَ النَّقْصِ يُسَاوِي دِرْهَمًا أَخَذَهُ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ دِرْهَمًا.
وَهَكَذَا لَوْ تَمَزَّقَ الثَّوْبُ وَتَرَضَّضَ الْإِنَاءُ حَتَّى لَمْ يَبْقَ لَهُمَا قِيمَةٌ أَخَذَ قِيمَتَهَا كَامِلَةً وَأَخَذَ الْمَرْضُوضَ وَالْمُمَزَّقَ وَلَمْ يَمْلِكْهُ الْغَاصِبُ مَعَ أَدَاءِ الْقِيمَةِ.
وَقَالَ مالك يكون المالك مُخَيَّرًا بَيْنَ تَسْلِيمِهِ إِلَى الْغَاصِبِ وَيَأْخُذُ مِنْهُ جَمِيعَ الْقِيمَةِ وَبَيْنَ أَنْ يُمْسِكَ بِهِ نَاقِصًا وَلَا أَرْشَ لَهُ.
وَقَالَ أبو حنيفة: يَكُونُ الْمَالِكُ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِهِ وَيَرْجِعَ بِأَرْشِ نَقْصِهِ وَبَيْنَ أَنْ يُسَلِّمَهُ لِلْغَاصِبِ وَيَرْجِعَ بجميع قيمته.
وَإِذَا تَمَزَّقَ الثَّوْبُ وَتَرَضَّضَ الْإِنَاءُ حَتَّى بَلَغَ النَّقْصُ جَمِيعَ قِيمَتِهِ غُرِّمَ الْقِيمَةَ وَمَلَكَ الْمَرْضُوضَ والممزق استدلالاً بأن لَا يَصِيرَ جَامِعًا بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ.
قَالُوا وَلِأَنَّ الْعَيْنَ إِذَا ذَهَبَ أَكْثَرُ مَنَافِعِهَا صَارَ الْبَاقِي ذَاهِبُ الْمَنْفَعَةِ فَجَازَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِجَمِيعِ الْقِيمَةِ وَلِأَنَّ الْأَقَلَّ تَبَعًا لِلْأَكْثَرِ فَلَمَّا كَانَ غَارِمًا لِأَكْثَرِ الْمَنَافِعِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ غَارِمًا لِأَقَلِّهَا وَدَلِيلُنَا قَوْله تَعَالَى: {فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) {البقرة: 194) .
فَإِذَا اعْتَدَى بِاسْتِهْلَاكِ الْبَعْضِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَعْتَدِيَ عَلَيْهِ بِاسْتِهْلَاكِ الْكُلِّ وَلِأَنَّ مَا لَمْ يَلْزَمْ غُرْمُ جَمِيعِهِ بِاسْتِهْلَاكِ أَقَلِّهِ لَمْ يَلْزَمْ غُرْمَ جَمِيعِهِ بِاسْتِهْلَاكِ أَكْثَرِهِ قِيَاسًا عَلَى النَّقْصِ الْمُمَيَّزِ، وَلِأَنَّ مَا لَمْ يَكُنْ تَمْيِيزُ بَعْضِهِ مُوجِبًا لِغُرْمٍ لَمْ يَكُنْ عَدَمُ تَمْيِيزِهِ مُوجِبًا لِغُرْمِ جَمِيعِهِ قِيَاسًا عَلَى النَّقْصِ الْأَقَلِّ وَلَا يَدْخُلُ عَلَى هَاتَيْنِ الْعِلَّتَيْنِ أَطْرَافُ الْعَبْدِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ إِنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ فَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ بَدَلٌ مِنَ الْمُسْتَهْلَكِ دُونَ الْبَاقِي فَلَمْ يَكُنْ جَمْعًا بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ إِنَّ الْبَاقِي مِنَ الْمَنَافِعِ بَعْدَ ذَهَابِ أَكْثَرِهَا ذَاهِبٌ فَهُوَ أَنَّهُ قَوْلٌ مَطْرُوحٌ وَعِيَانٌ مَدْفُوعٌ وَلَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ الْبَاقِي ذَاهِبًا لَكَانَ الذَّاهِبُ بَاقِيًا وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ إِنَّ الْأَقَلَّ تَبَعٌ لِلْأَكْثَرِ فَهُوَ أَنَّهُ لَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ هَذَا دَلِيلًا عَلَى وُجُوبِ ضَمَانِ الْأَقَلِّ تَبَعًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ فِي الْأَكْثَرِ لَكَانَ دَلِيلًا عَلَى سُقُوطِ ضَمَانِ الْأَقَلِّ تَبَعًا لِسُقُوطِ الضَّمَانِ فِي الْأَكْثَرِ حَتَّى أَنَّهُ لَوْ أَتْلَفَ أَقَلَّ الْمَنَافِعِ لَمْ يَضْمَنْهَا لِأَنَّهُ يَضْمَنُ الْأَكْثَرَ مِنْهَا وَهَذَا قَوْلٌ مَرْدُودٌ.
فَإِذَا ثَبَتَ وُجُوبُ أَخْذِهِ وَقَدْرَ نَقْصِهِ قَلِيلًا كَانَ النَّقْصُ أَوْ كَثِيرًا نَفَعَ الْبَاقِي مِنْهُ أَوْ لَمْ يَنْفَعْ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْأَثْمَانِ ضَمِنَ نَقْصَ قَدْرِ قِيمَتِهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ فَقَدْ قَالَ أبو حنيفة: لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ بِنَقْصِهِ.
وَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ تَسْلِيمِهِ إِلَى الْغَاصِبِ وَأَخْذِ قِيمَتِهِ كُلِّهَا وَبَيْنَ إِمْسَاكِهِ وَلَا أَرْشَ لَهُ لِأَنَّ الْأَثْمَانَ مُسْتَحَقَّةٌ فِي الْأَرْشِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَدْخُلَهَا وَهَذَا خطأ لأن كل نقس دَخَلَ عَلَى عِوَضٍ أَوْ مُعَوَّضٍ اسْتَحَقَّ أَرْشَهُ وَلَمْ يَجُزْ مَعَ إِمْكَانِ الْأَرْشِ أَنْ يَكُونَ هَدْرًا وَإِذَا كَانَ هَذَا ضَامِنًا فَفِي كَيْفِيَّةِ ضَمَانِهِ وَجْهَانِ عَلَى مَا مَضَى:
أَحَدُهُمَا: يَضْمَنُ أُجْرَةَ صَنْعَتِهِ لَا غَيْرَ.
وَالثَّانِي: يَضْمَنُ قَدْرَ النَّقْصِ مِنْ قِيمَتِهِ ذَهَبًا إِنْ كَانَ مِنْ وَرِقٍ وَوَرِقًا إِنْ كَانَ مَنْ ذَهَبٍ.
فَصْلٌ
: فَإِنْ كَانَ حَيَوَانًا فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ بَهِيمَةً.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ آدَمِيًّا فَإِنْ كَانَ بَهِيمَةً فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا وَيَرُدُّ مَعَهَا نَقْصُ مَا بَيْنَ قِيمَتِهَا سَلِيمَةً
وَنَاقِصَةً وَسَوَاءٌ كَانَ النَّقْصُ بِجِنَايَةٍ أَوْ حَادِثَةٍ وَسَوَاءٌ كَانَتِ الْبَهِيمَةُ ذَاتَ ظَهْرٍ أَوْ دَرٍّ وَقَالَ أبو حنيفة: إِنْ كَانَ حَيَوَانًا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ كَذَاتِ ظَهْرٍ لَا دَرَّ لَهَا مِثْلَ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ أَوْ ذَاتَ دَرٍّ لَا ظَهْرَ لَهَا كَالْغَنَمِ ضَمِنَهَا بِمَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهَا كَقَوْلِنَا: وَإِنْ كَانَ يَنْتَفِعُ بِهَا مِنْ جِهَتَيْنِ كَظَهْرٍ وَدَرٍّ كَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ كَانَ فِي إِحْدَى عَيْنَيْهِ رُبْعُ قِيمَتِهِ وَسَائِرِ أَعْضَائِهِ مَا نَقَصَ اسْتِدْلَالًا بِمَا رَوَاهُ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ حَكَمَ فِي إِحْدَى عَيْنَيْ بَقَرَةٍ بِرُبْعِ قِيمَتِهَا وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ مَا لَمْ تُضْمَنْ أَعْضَاؤُهُ بِمُقَدَّرٍ لَمْ تُضْمَنْ عَيْنُهُ بِمُقَدَّرٍ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الْأَعْضَاءِ وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَلَا دَلِيلَ فِيهِ لِأَنَّهَا قَضِيَّةٌ وَافَقَتِ الْحُكُومَةُ فيها ربع القيمة.
فصل
: وقال مَالِكٌ: إِذَا قَطَعَ ذَنَبَ حِمَارِ الْقَاضِي كَانَ عَلَيْهِ جَمِيعُ قِيمَتِهِ وَلَوْ كَانَ لِغَيْرِ الْقَاضِي لَزِمَهُ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ فِي قَطْعِ ذَنَبِ حِمَارِهِ غَضَاضَةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَوَهَنٌ فِي الدِّينِ وَحَسْبُكَ بِقُبْحِ هَذَا الْقَوْلِ دَلِيلًا عَلَى فَسَادِهِ وَلَوْ جَازَ أَنْ يَجِبَ فِي ذَنَبِ حِمَارِهِ جَمِيعَ الْقِيمَةِ لَوَجَبَ ذَلِكَ فِي تَحْرِيقِ ثِيَابِهِ وَالتَّعَدِّي فِي قُمَاشِهِ وَلَتَضَاعَفَتِ الْجِنَايَةُ عَلَيْهِ عَلَى الْجِنَايَةِ عَلَى غَيْرِهِ وَلَكَانَ كُلُّ مَا اخْتَصَّ بِهِ زَائِدًا فِي الْحُكْمِ عَلَى مَنْ سِوَاهُ وَفِي اتِّفَاقِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ وَغَيْرَهُ فِي ضَمَانِ مَا اسْتَهْلَكَهُ أَوْ جَنَى عَلَيْهِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ وَغَيْرُهُ عَلَى سَوَاءٍ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى حِمَارِهِ.
فَصْلٌ
: وَأَمَّا الْآدَمِيُّ وَالْعَبْدُ الَّذِي يُضْمَنُ بِالْجِنَايَةِ وَالْيَدِ فَلِضَمَانِ نَقْصِهِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُضْمَنَ بِالْيَدِ وَحْدَهَا.
وَالثَّانِي: أَنْ يُضْمَنَ بِالْجِنَايَةِ وَحْدَهَا.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُضْمَنَ بِالْيَدِ وَالْجِنَايَةِ مَعًا.
فَأَمَّا الْحَالَةُ الْأَوْلَى وَهُوَ أَنْ يُضْمَنَ بِالْيَدِ دُونَ الْجِنَايَةِ فَصُورَتُهُ أَنْ يَغْصِبَ عَبْدًا فَيَحْدُثُ بِهِ مَرَضٌ يُذْهِبُ مِنْهُ عَيْنَهُ أَوْ تَتَآكَلُ مِنْهُ يَدُهُ أَوْ يُنْهَكُ بَدَنُهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَى غَاصِبِهِ بِمَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ سَوَاءٌ كَانَ النَّقْصُ فِي عُضْوٍ مُقَدَّرٍ بِالْأَرْشِ كَالْعَيْنِ وَالْيَدِ أَوْ غَيْرِ مُقَدَّرٍ كَنُحُولِ الْجَسَدِ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مُلْحَقًا فِي ضَمَانِ الْيَدِ بِالْبَهَائِمِ دُونَ الْأَحْرَارِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا بِقَدْرِ النَّقْصِ كَالْبَهَائِمِ دُونَ الْأَحْرَارِ وَسَوَاءٌ زَادَ عَلَى ضَمَانِ الْجِنَايَةِ أَوْ نَقَصَ حَتَّى لَوْ ذَهَبَتْ إِحْدَى عَيْنَيْهِ فَنَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ الثُّلُثُ لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْهُ وَلَوْ نَقَصَهُ الثُّلْثَانِ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى أَقَلَّ مِنْهُ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ سَوَّى بَيْنَ ضَمَانِ الْيَدِ وَضَمَانِ الْجِنَايَةِ فِي التَّقْدِيرِ وَهُوَ خطأ لما ذكرنا.
فصل
: فأما الحالة الثَّانِيَةُ: وَهُوَ أَنْ يَضْمَنَهُ بِالْجِنَايَةِ دُونَ الْيَدِ فَصُورَتُهُ: أَنَّهُ يَرْمِي عَبْدًا فَيَقْلَعُ إِحْدَى عَيْنَيْهِ أَوْ يَقْطَعُ يَدَهُ أَوْ يَجْرَحُ جَسَدَهُ فَكُلُّ مَا لَمْ يَتَقَدَّرْ مِنَ الْحُرِّ وَكَانَ فِيهِ حكومة
كَالَّذِي يَتَقَدَّرُ مِنَ الْمُوَضَّحَةِ وَشِجَاجِ الرَّأْسِ وَيَتَقَدَّرُ مِنَ الْجَائِفَةِ مِنْ جِرَاحِ الْجَسَدِ فَفِيهِ مِنَ الْعَبْدِ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ لِأَنَّ الْعَبْدَ أَصْلٌ فِيهَا لِلْحُرِّ فِي اعْتِبَارِهِ مِنْ نَقْصِ دِيَتِهِ.
وَكُلُّ مَا كَانَ مُقَدَّرًا فِي الْحُرِّ مِنْ دِيَتِهِ كَانَ مُقَدَّرًا فِي الْعَبْدِ مِنْ قِيمَتِهِ فَعَلَى هَذَا فِي يَدَيِ الْعَبْدِ قِيمَتُهُ لِأَنَّ فِي يَدَيِ الْحُرِّ دِيَتُهُ وَفِي إِحْدَى يَدَيْهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ لِأَنَّ فِي إِحْدَى يَدَيِ الْحُرِّ نِصْفُ دِيَتِهِ وَفِي إِحْدَى أَصَابِعِهِ عُشْرُ قِيمَتِهِ لِأَنَّ فِي إِحْدَى أَصَابِعِ الْحُرِّ عُشْرُ دِيَتِهِ ثُمَّ كَذَلِكَ فِي الشِّجَاجِ وَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ، وَقَالَ مَالِكٌ لَا يُضْمَنُ الْعَبْدُ بِمُقَدَّرٍ إِلَّا فِي الشِّجَاجِ الْأَرْبَعَةِ الْمُوَضَّحَةِ وَالْمُنَقِّلَةِ وَالْمَأْمُومَةِ وَالْجَائِفَةِ وَهُوَ مَضْمُونٌ فِيمَا سِوَى هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ بِمَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ.
وَدَلِيلُنَا عَلَيْهِ أَنَّ مَا تُقَدَّرُ فِي جِرَاحِ الْحُرِّ تُقَدَّرُ فِي جِرَاحِ الْعَبْدِ قِيَاسًا عَلَى الشِّجَاجِ الْأَرْبَعِ وَلِأَنَّ مَا تَقَدَّرَتِ الْجِنَايَةُ فِي شِجَاجِهِ تَقَدَّرَتِ الْجِنَايَةُ فِي أَطْرَافِهِ كَالْحُرِّ.
فَصْلٌ
: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَيْهِ مَضْمُونَةٌ بِمُقَدَّرٍ مِنْ قِيمَتِهِ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْعَبْدَ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ وَإِنْ كَانَتْ بِجَمِيعِ قِيمَتِهِ كَالْجِنَايَةِ عَلَى يَدَيْهِ فِيهَا جَمِيعُ قِيمَتِهِ وَكَالْجِنَايَةِ عَلَى ذَكَرِهِ تُوجِبُ جَمِيعَ قِيمَتِهِ وَإِنْ زَادَتْ قِيمَتُهُ بِالْجِنَايَةِ أَضْعَافًا وَهَكَذَا لَوْ أَوْجَبَتِ الْجِنَايَةُ فِيمَا اسْتَحَقَّهَا عَلَى الْجَانِي وَالْعَبْدُ عَلَى مِلْكِهِ فَقَطْعُ ذَكَرِهِ وَأُنْثَيَيْهِ يُوجِبُ كُلٌّ مِنْهُمَا قِيمَتَهُ كَامِلَةً.
وَقَالَ أبو حنيفة إِنْ كَانَ أَرْشُ الْجِنَايَةِ نِصْفَ الْقِيمَةِ فَمَا دُونُ أَخْذِهَا مِنَ الْعَبْدِ عَلَى مِلْكِهِ وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنَ النِّصْفِ مَلَكَ الْجَانِي بِهَا الْعَبْدَ وَعَلَيْهِ جَمِيعُ قِيمَتِهِ وَلَا يُوجِبُ فِي الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةٍ وَاحِدَةٍ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُضْمَنَ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ كَالْأَمْوَالِ، قَالَ وَلِأَنَّ فِي غُرْمِ الْقِيمَةِ وَرَدِّ الْعَبْدِ جَمْعًا بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ.
وَدَلِيلُنَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْجَانِيَ لَا يَمْلِكُ الْعَبْدَ بِجِنَايَتِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا قَدْ تُوجِبُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ.
فَأَمَّا الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ الْجَانِيَ لَا يَمْلِكُ الْعَبْدَ بِجِنَايَتِهِ فَهُوَ أَنَّ كُلَّ مَا لَمْ يُمْلَكْ بِهِ غَيْرُ الْعَبْدِ لَمْ يُمْلَكْ بِهِ الْعَبْدُ كَالْغَصْبِ وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ لَمْ يُمْلَكْ بِالْجِنَايَةِ عَلَى نِصْفِهِ لَمْ يُمْلَكْ بِالْجِنَايَةِ عَلَى أَكْثَرِهِ كَالْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمَكَاتَبِ.
وَلِأَنَّهَا جِنَايَةٌ عَلَى عَبْدٍ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُمْلَكَ بِهَا قِيَاسًا عَلَى مَنْ لَمْ يَزِدْ أَرْشُهُ عَلَى النِّصْفِ، وَلِأَنَّ جَمَاعَةً لَوِ اشْتَرَكُوا فِي الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ فِي أَكْثَرِ قِيمَتِهِ لَمْ يَمْلِكُوهُ فَكَذَلِكَ الْوَاحِدُ.
وَتَحْرِيرُهُ: أَنَّ كُلَّ جِنَايَةٍ لَا تَكُونُ سَبَبًا لِلْمِلْكِ عِنْدَ الِاشْتِرَاكِ لَا تَكُونُ سَبَبًا لِلْمِلْكِ عِنْدَ الِانْفِرَادِ قِيَاسًا عَلَى نَقْصٍ مِنَ النِّصْفِ وَأَمَّا الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّهَا قَدْ تُوجِبُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ فَهُوَ أَنَّ كُلَّ مَنْ تَقَدَّرَتِ الْجِنَايَةُ فِي أَطْرَافِهِ جَازَ أَنْ تَزِيدَ عَلَى ضَمَانِ نَفْسِهِ كَالْحُرِّ.
وَلِأَنَّ كُلَّ مَا ضُمِنَ
بِالْجِنَايَةِ عَلَى الْحُرِّ ضُمِنَ بِالْجِنَايَةِ عَلَى الْعَبْدِ قِيَاسًا عَلَى مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى ضَمَانِ النَّفْسِ.
وَلِأَنَّ كُلَّ جِنَايَةٍ أَوْجَبَتِ الزِّيَادَةَ عَلَى ضَمَانِ النَّفْسِ فِي الْحُرِّ أَوْجَبَتِ الزِّيَادَةَ عَلَى ضَمَانِ النَّفْسِ فِي الْعَبْدِ قِيَاسًا عَلَى تَكْرَارِ الْجِنَايَةِ بَعْدَ الِانْدِمَالِ وَلِهَذِهِ الْمَعَانِي امْتُنِعَ أَنْ يُلْحَقَ بِضَمَانِ الْأَمْوَالِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ فَخَطَّأٌ لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ بَدَلٌ مِنَ الْأَطْرَافِ الْفَانِيَةِ وَلَيْسَ بِبَدَلٍ مِنَ النَّفْسِ الْبَاقِيَةِ كَالْحُرِّ الَّذِي تُؤْخَذُ دِيَاتُ أَطْرَافِهِ مَعَ بَقَاءِ نَفْسِهِ وَلَا يَكُونُ جَمْعًا بَيْنَ بدل ومبدل.
وأما الحالة الثَّالِثَةُ: وَهُوَ أَنْ يَضْمَنَهُ بِالْيَدِ وَالْجِنَايَةِ جَمِيعًا.
فَصُورَتُهَا أَنْ يَغْصِبَ عَبْدًا فَيَقْطَعُ يَدَهُ فَلَا يَخْلُو حَالُ قَاطِعِهَا مِنْ أَنْ يَكُونَ الْغَاصِبُ أَوْ غَيْرُهُ، فَإِنْ قَطَعَهَا الْغَاصِبُ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهَا بِأَكْثَرِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ ضَمَانِ الْيَدِ أَوْ ضَمَانِ الْجِنَايَةِ لِأَنَّ إِحْدَى الْيَدَيْنِ مَضْمُونَةٌ فِي الْجِنَايَةِ بِنِصْفِ الْقِيمَةِ وَفِي الْغَصْبِ بِمَا نَقَصَ مِنَ الْقِيمَةِ، فَإِذَا كَانَ النَّاقِصُ مِنْ قِيمَتِهِ أَكْثَرُ مِنَ النِّصْفِ ضَمِنَهُ ضَمَانَ الْغَصْبِ لِأَنَّهُ لَوِ انْفَرَدَ بِالْغَصْبِ مِنْ غَيْرِ جِنَايَةٍ لَضَمِنَ جَمِيعَ نِصْفِهِ، فَإِذَا صَارَ مَعَ الْغَصْبِ جَانِيًا فَأَوْلَى أَنْ يَضْمَنَهُ، وَإِنْ كَانَ النَّاقِصُ مِنْ قِيمَتِهِ أَقَلُّ مِنَ النِّصْفِ ضَمِنَهُ ضَمَانَ الْجِنَايَةِ لِأَنَّهُ لَوِ انْفَرَدَ بِالْجِنَايَةِ مِنْ غَيْرِ غَصْبٍ ضَمِنَ نِصْفَ قِيمَتِهِ فَإِذَا صَارَ مَعَ الْجِنَايَةِ غاصباً فَأَوْلَى أَنْ يَضْمَنَهُ وَإِنْ كَانَ النَّاقِصُ مِنْ قِيمَتِهِ أَقَلُّ مِنَ النِّصْفِ ضَمِنَهُ ضَمَانَ الْجِنَايَةِ لِأَنَّهُ لَوِ انْفَرَدَ بِالْجِنَايَةِ مِنْ غَيْرِ غَصْبٍ ضَمِنَ نِصْفَ قِيمَتِهِ فَإِذَا صَارَ مَعَ الْجِنَايَةِ غَاصِبًا فَأَوْلَى أَنْ يَضْمَنَهُ وَإِنْ كَانَ الْجَانِي غَيْرُ الْغَاصِبِ فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَى الْغَاصِبِ بِأَكْثَرِ الأخرين مِنْ ضَمَانِ الْجِنَايَةِ أَوْ ضَمَانِ الْغَصْبِ وَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَى الْجَانِي ضَمَانَ الْجِنَايَةِ دُونَ الْغَصْبِ وَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الرُّجُوعِ عَلَى الْجَانِي أَوِ الْغَاصِبِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَخْلُو حَالُ الْجِنَايَةِ وَضَمَانِ الْغَصْبِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَتَسَاوَيَا فَيَكُونُ النَّاقِصُ مِنْ قِيمَتِهِ بِقَطْعِ إِحْدَى يَدَيْهِ النِّصْفَ فَلَهُ الْخِيَارُ فِي الرُّجُوعِ عَلَى أَيِّهِمَا شَاءَ فَإِنْ رَجَعَ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ رَجَعَ الْغَاصِبُ بِهِ عَلَى الْجَانِي وَإِنْ رَجَعَ بِهِ عَلَى الْجَانِي لَمْ يَرْجِعِ الْجَانِي بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ ضَمَانُ الْجِنَايَةِ أَكْثَرُ مِنْ ضَمَانِ الْغَصْبِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ النَّاقِصُ مِنْ قِيمَتِهِ الثُّلُثُ فَلَهُ الرُّجُوعُ بِضَمَانِ الْجِنَايَةِ وَهُوَ نِصْفُ الْقِيمَةِ عَلَى أَيِّهِمَا شَاءَ فَلَوْ رَجَعَ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ رَجَعَ الْغَاصِبُ بِهِ عَلَى الْجَانِي وإن رجع بِهِ عَلَى الْجَانِي لَمْ يَرْجِعْ بِهِ الْجَانِي عَلَى الْغَاصِبِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ ضَمَانُ الْغَصْبِ أَكْثَرَ مِنْ ضَمَانِ الْجِنَايَةِ مِثْلَ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ قِيمَتِهِ الثُّلُثَانِ فَإِذَا أَرَادَ الرُّجُوعَ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ رَجَعَ عَلَيْهِ بِثُلُثَيِ الْقِيمَةِ وَهُوَ ضَمَانُ الْغَصْبِ
وَرَجَعَ الْغَاصِبُ عَلَى الْجَانِي بِنِصْفِ الْقِيمَةِ وَهُوَ ضَمَانُ الْجِنَايَةِ وَإِنْ أراد الرُّجُوعُ عَلَى الْجَانِي رَجَعَ عَلَيْهِ بِنِصْفِ الْقِيمَةِ ضَمَانَ الْجِنَايَةِ وَرَجَعَ بِالسُّدُسِ الزَّائِدِ عَلَيْهِ بِضَمَانِ الْغَصْبِ عَلَى الْغَاصِبِ لِاخْتِصَاصِهِ بِضَمَانِهِ دُونَ الْجَانِي فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَقْتَصَّ لِعَبْدِهِ لِكَوْنِ الْجَانِي عَبْدًا فَاقْتَصَّ مِنْ إِحْدَى يَدَيْهِ قَوَدًا بَرِئَ الْغَاصِبُ مِنْ نِصْفِ الْقِيمَةِ لِاسْتِيفَاءِ السَّيِّدِ لَهُ بِالْقِصَاصِ وَبَقِيَ عَلَيْهِ السدس الزائد بِضَمَانِ الْغَصْبِ فَيَرْجِعُ بِهِ السَّيِّدُ عَلَى الْغَاصِبِ وَحْدَهُ.
فَصْلٌ
: وَإِذَا غَصَبَ عَبْدًا فَجَنَى الْعَبْدُ فِي يَدِ الْغَاصِبِ جِنَايَةَ عَمْدٍ تَسْتَوْعِبُ جَمِيعَ قِيمَتِهِ فَالْغَاصِبُ ضَامِنٌ لِمَا يَسْتَوْفِي مِنْ جِنَايَتِهِ لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ فِي يَدِهِ وَسَوَاءٌ اسْتَوْفَى ذَلِكَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ أَوْ فِي يَدِ سَيِّدِهِ لأنه يصير بالجناية مستحقاً في يَدِ سَيِّدِهِ بِمَا هُوَ مَضْمُونٌ عَلَى غَاصِبِهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ حَالَتَانِ:
حَالَةٌ يَعْفُو وَحَالَةٌ يَسْتَوْفِي فَإِنْ عَفَا خَلَصَ الْعَبْدُ لِسَيِّدِهِ وَبَرِئَ الْغَاصِبُ مِنْ ضَمَانِ جِنَايَتِهِ وَلَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُطَالِبَهُ بِأَرْشِهَا لِأَنَّهُ حَقٌّ وَجَبَ لِغَيْرِهِ فَسَقَطَ بِعَفْوِهِ وَإِنِ اسْتَوْفَى الْمَجْنِيُّ عليه حقه ولم يعفوا فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ قَوَدًا.
وَالثَّانِي: أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ غُرْمًا فَإِنِ اسْتَوْفَاهُ قَوَدًا ضَمِنَ الْغَاصِبُ مَا أَخَذَ بِالْقِصَاصِ فَإِنْ كَانَ الْقِصَاصُ فِي نَفْسِهِ ضَمِنَ جَمِيعَ قِيمَتِهِ وَإِنْ كَانَ فِي طَرَفِهِ ضَمِنَ قَدْرَ نَقْصِهِ سَوَاءٌ كَانَ النَّقْصُ مِمَّا تَتَعَدَّدُ فِيهِ الدِّيَةُ أَوْ لَا.
لِأَنَّ الطَّرَفَ مَضْمُونٌ بِالْيَدِ دُونَ الْجِنَايَةِ فَوَجَبَ أَنْ يُضْمَنَ بِالنَّقْصِ دُونَ الْقَدْرِ وَإِنِ اسْتَوْفَاهُ غُرْمًا فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ فِي يَدِ الْغَاصِبِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ قَدْ عَادَ إِلَى يَدِ السَّيِّدِ فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ فَلَا يَخْلُو أَرْشُ الْجِنَايَةِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَزِيدَ عَلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ أَمْ لَا؟ فَإِنْ لَمْ يَزِدْ عَلَى قِيمَتِهِ كَانَ الْغَاصِبُ مَأْخُوذًا بِغُرْمِهَا لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لِيَخْلُصَ الْعَبْدُ لِسَيِّدِهِ وَلَا مَعْنَى لِبَيْعِهِ فِي الْجِنَايَةِ ثُمَّ غُرْمِ قِيمَتِهِ لِلسَّيِّدِ لِأَنَّ إِمْكَانَ رَدِّهِ يَمْنَعُ مِنْ أَخْذِ السَّيِّدِ لِقِيمَتِهِ فَإِنْ كَانَ الْأَرْشُ زَائِدًا عَلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ فَفِي قَدْرِ مَا يُؤْخَذُ الْغَاصِبُ بِغُرْمِهِ قَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي السَّيِّدِ إِذَا مُنِعَ مِنْ بَيْعِ عَبْدِهِ الْجَانِي هَلْ يَلْزَمُهُ قَدْرُ قِيمَتِهِ أَوْ جَمِيعُ أَرْشِ جِنَايَتِهِ لِأَنَّ الْغَاصِبَ مَأْخُوذٌ بِفِكَاكِ الْعَبْدِ فَصَارَ مَانِعًا مِنْ بَيْعِهِ ببدل الجناية فكان عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْغَاصِبَ مَأْخُوذٌ بِغُرْمِ قِيمَتِهِ لَا غَيْرَ وَلَا شَيْءَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ سِوَاهَا وَيَخْلُصُ الْعَبْدُ لِسَيِّدِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الغاصب مأخوذ بغرم جميع الأرش وإن كانت قيماً ليخلص العبد
لِسَيِّدِهِ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ الْعَبْدُ قَدْ عَادَ إِلَى يَدِ سَيِّدِهِ فَلَا مُطَالَبَةَ لِلسَّيِّدِ عَلَى الغاصب بأرش الجناية لأنه حق لغير وَلَا مُطَالَبَةَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ عَلَى الْغَاصِبِ أَيْضًا لِأَنَّ جِنَايَةَ الْعَبْدِ فِي رَقَبَتِهِ وَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ الْعَبْدَ لِيَسْتَوْفِيَ مِنْهُ أَرْشَ جِنَايَتِهِ فَإِذَا أَخَذَهُ فَلِلسَّيِّدِ أَنْ يَأْخُذَ الْغَاصِبَ بِفِكَاكِهِ وَرَدِّهِ فَإِنْ سَبَقَ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ إِلَى بَيْعِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ ثَمَنِهِ وَإِنْ كَانَ أقل من أرش جنايته وعل الْغَاصِبِ أَنْ يَغْرَمَ لِلسَّيِّدِ قِيمَتَهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَخْلِصَهُ مِنْ مُشْتَرِيهِ لِأَنَّهُ قَدْ مَلَكَهُ بِبَيْعِ الْحَاكِمِ لَهُ وَمَنْ مَلَكَ شَيْئًا لَمْ يَلْزَمْهُ النُّزُولُ عَنْهُ.
فَصْلٌ
: وَلَوْ غَصَبَ عَبْدًا فِي عُنُقِهِ جِنَايَةٌ لَمْ يُفْدَ مِنْهَا فَاسْتُوفِيَتْ فِي يَدِ الْغَاصِبِ فَلَا يَخْلُو حَالُهَا مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ:
إِمَّا أَنْ تُسْتَوْفَى غُرْمًا أَوْ قَوَدًا فَإِنِ اسْتُوفِيَتْ غُرْمًا بِيعَ مِنْهُ بِقَدْرِهَا وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْغَاصِبِ فِيمَا بِيعَ مِنْهُ لِأَنَّهُ مُسْتَحَقٌّ مِنْ يَدِ السَّيِّدِ فَصَارَ كَاسْتِحْقَاقِهِ بِغَيْرِ جِنَايَةٍ وَإِنِ اسْتُوفِيَتْ قَوَدًا، فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِي نَفْسٍ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ فِي طَرَفٍ، فَإِنْ كَانَتْ فِي نَفْسٍ سَقَطَ عَنْهُ ضَمَانُ الْغَصْبِ وَكَانَ الْقَوَدُ مِنْهُ كَقَبْضِ السَّيِّدِ لَهُ، وَإِنْ كَانَتْ فِي طَرَفٍ سَقَطَ عَنْهُ مِنْ ضَمَانِهِ الْأَرْشُ الْمُقَدَّرُ فِي طَرَفِهِ لِأَنَّهُ مُقَوَّمٌ شَرْعًا بِمُقَدَّرٍ فِيهِ فَإِنْ كَانَ النَّاقِصُ مِنْ قِيمَتِهِ أَكْثَرُ مِنَ الْمُقَدَّرِ ضَمِنَ الزِّيَادَةَ عَلَيْهِ مِثَالُهُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ إِحْدَى يَدَيْهِ الْمُقَدَّرِ بِنِصْفِ الْقِيمَةِ فَتَنْقُصُ ثُلُثَا قِيمَتِهِ فَيَلْزَمُ إِذَا رَدَّهُ أَنْ يَغْرَمَ سُدُسَ الْقِيمَةِ لِأَنَّهَا زِيَادَةُ نَقْصٍ حَدَثَتْ فِي يَدِهِ.
فَصْلٌ
: فَلَوْ كَانَ قَدْ جَنَى فِي يَدِ سَيِّدِهِ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ ثُمَّ جَنَى فِي يَدِ الْغَاصِبِ جِنَايَةً بِقَدْرِ قِيمَتِهِ فَصَارَتِ الْجِنَايَتَانِ فِي رَقَبَتِهِ وَهُمَا ضِعْفُ قِيمَتِهِ فَيَشْتَرِكَانِ فِي الرَّقَبَةِ وَيَصِيرُ حَقٌّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَعَلِّقٌ بِنِصْفِ الرَّقَبَةِ حُكْمًا وَالنِّصْفُ الْآخَرُ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ الثَّانِي فِي يَدِ الْغَاصِبِ مُسْتَحَقٌّ عَلَى الْغَاصِبِ وَخَلَاصُهُ بِهِ وَفِي قَدْرِ مَا يُخَلِّصُهُ بِهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: نِصْفُ الْقِيمَةِ.
وَالثَّانِي: جَمِيعُ الْأَرْشِ وَهُوَ جَمِيعُ الْقِيمَةِ وَالنِّصْفُ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ الْأَوَّلُ فِي يَدِ السَّيِّدِ لَيْسَ يُلْزَمُ خَلَاصَهُ فَإِنْ سَلِمَ العبد من جناية الثاني بإفتاك الْغَاصِبِ لَهُ سَلِمَ كُلُّهُ لِلْأَوَّلِ بِخَلَاصِهِ مِنْ جِنَايَةِ الثَّانِي مَعَ بَقَائِهِ عَلَى مِلْكِ السَّيِّدِ وَلِلْأَوَّلِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ جَمِيعَ أَرْشِهِ مِنْ كُلِّ رقبته والغاصب برئ منها فيتوصل بالجنايتان بِالْغَصْبِ إِلَى اسْتِيفَاءِ جَمِيعِ الْأَرْشَيْنِ عَلَى مَا وَصَفْنَا وَلَوْلَاهُ لَوُكِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى نِصْفِ حَقِّهِ لِاشْتِرَاكِهِمَا بِالْأَرْشَيْنِ فِي رَقَبَتِهِ فَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ بَعْدَ الْجِنَايَتَيْنِ مَاتَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ ضَمِنَ الْغَاصِبُ جَمِيعَ قِيمَتِهِ وَكَانَتْ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي نِصْفَيْنِ ثُمَّ عَلَى الْغَاصِبِ أَنْ يَغْرَمَ لِلسَّيِّدِ نِصْفَ الْقِيمَةِ وَهُوَ مَا اسْتَحَقَّهُ الثَّانِي مِنْهَا لِأَنَّهُ ضَامِنٌ لِذَلِكَ
لِحُدُوثِهِ فِي يَدِهِ فَإِذَا أَخَذَهُ السَّيِّدُ كَانَ لِلْأَوَّلِ أَنْ يَخْتَصَّ بِأَخْذِهِ لِأَنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الْعَبْدِ الَّذِي اسْتَحَقَّ الْجِنَايَةَ فِي رَقَبَتِهِ وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ إِذَا اسْتَحَقَّ لِلْأَوَّلِ ذَلِكَ مِنْ يَدِهِ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ لِأَنَّهُ مِنْ ضَمَانِهِ لَا مِنْ ضَمَانِ الْغَاصِبِ فَيَتَوَصَّلُ الْأَوَّلُ لِمَوْتِهِ مَغْصُوبًا إِلَى اسْتِيفَاءِ جَمِيعِ أَرْشِهِ دُونَ الثَّانِي.
فَصْلٌ
: وَإِذَا قَتَلَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ الْمَغْصُوبَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ كَانَ قَبْضًا وَبَرِئَ الْغَاصِبُ مِنْ ضَمَانِهِ وَلَوْ قَطَعَ إِحْدَى يَدَيْهِ كَانَ اسْتِيفَاءً لِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مَنْ نِصْفِ الْقِيمَةِ الْمُقَدَّرَةِ فِي إِحْدَى الْيَدَيْنِ أَوْ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ وَكَانَ مَا بَقِيَ بَعْدَ أَقَلِّهَا مَضْمُونًا عَلَى الْغَاصِبِ فَإِنْ نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ بِالْقَطْعِ ثُلُثُهَا أَخَذَ الْغَاصِبُ بَعْدَ رَدِّهِ مَقْطُوعًا بِغُرْمِ السُّدُسِ مِنْ قِيمَتِهِ لِأَنَّهُ نَقْصٌ زَائِدٌ فِي يَدِهِ وَلَوْ أَعْتَقَهُ السَّيِّدُ كَانَ عِتْقُهُ قَبْضًا يَبْرَأُ الْغَاصِبُ بِهِ مِنْ ضَمَانِهِ وَلَوْ كَاتَبَهُ لَمْ يَبْرَأْ بِالْكِتَابَةِ مِنْ ضَمَانِهِ إِلَّا أَنْ يُعْتَقَ بِالْأَدَاءِ فَيَبْرَأُ وَكَذَلِكَ لَوْ دَبَّرَهُ لَمْ يُبَرِّئْهُ التَّدْبِيرُ إِلَّا أَنْ يُعْتَقَ بِمَوْتِ السَّيِّدِ فيبرأ بالعتق وكذلك أو الْوَلَدِ إِذَا غُصِبَتْ ثُمَّ أُعْتِقَتْ فِي يَدِ الْغَاصِبِ بِمَوْتِ السَّيِّدِ بَرأَ الْغَاصِبُ.
فَصْلٌ
: وَإِذَا جَنَى السَّيِّدُ عَلَى عَبْدِهِ فَمَثَّلَ بِهِ لَمْ يُعْتَقْ عَلَيْهِ وَكَانَتْ جِنَايَتُهُ هَدْرًا وَقَالَ مَالِكٌ يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِالْمثْلة اسْتِدْلَالًا بِرِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: " من مثل بعبده عتق عليه "، قالوا وَلِأَنَّهُ فَعَلَ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مُوجِبٌ مُنِعَ مَا كَانَ لَهُ كَالْقَاتِلِ لِمُوَرِّثِهِ يُمْنَعُ مِنْ مِيرَاثِهِ.
وَدَلِيلُنَا: أَنَّ الْأَفْعَالَ الْمُؤْلِمَةَ لَا تُوجِبُ الْعِتْقَ كَالضَّرْبِ.
وَلِأَنَّ كُلَّ جِنَايَةٍ لَا تَبِينُ بِهَا الزَّوْجَةُ لَا يُعْتَقُ بِهَا الْعَبْدُ كَالَّتِي لَا مُثْلَةَ فِيهَا وَلِأَنَّ كُلَّ مِلْكٍ لَا يَزُولُ بِجِنَايَةٍ لَا مُثْلَةَ فِيهَا لَمْ يَزُلْ بِجِنَايَةٍ فِيهَا مُثْلَةٌ كَالزَّوْجَيْنِ.
وَلِأَنَّ الْجِنَايَةَ تُوجِبُ إِمَّا غُرْمًا وَإِمَّا قَوَدًا وَلَيْسَ الْعِتْقُ واحد مِنْهُمَا، فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ مَعَ ضَعْفِ طَرِيقِهِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ التَّغْلِيظُ وَالزَّجْرُ كَمَا قَالَ مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى تَعْلِيقِ عِتْقِهِ بِالْمُثْلَةِ فَيُعْتَقُ بِهَا وَإِنْ كَانَتْ مَحْظُورَةً.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِأَنَّ فِعْلَهُ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مُوجِبٌ مَنَعَ مَا كَانَ لَهُ فَفَاسِدٌ بِمَا لَا مُثْلَةَ فِيهِ مِنَ الْجِرَاحِ.
فَصْلٌ
: فَإِذَا غَصَبَ حُرًّا صَغِيرًا فَمَاتَ فِي يَدِهِ حَتْفَ أَنْفِهِ أَوْ لَسَعَتْهُ حَيَّةٌ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَقَالَ أبو حنيفة إِنْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ وَإِنْ لَسَعَتْهُ حَيَّةٌ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ دِيَتِهِ.
وَهَذَا خطأ لأن
الْحُرَّ لَا يُضْمَنُ بِالْيَدِ كَالْكَبِيرِ وَلِأَنَّ مَنْ لَمْ يُضْمَنْ بِالْمَوْتِ كَبِيرًا لَمْ يُضْمَنْ بِهِ صغيراً كالميت حتف أنفه.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَلَوْ غَصَبَ جَارِيَةً تُسَاوِي مِائَةً فَزَادَتْ فِي يَدِهِ بتعليمٍ مِنْهُ أَوْ لسمنٍ واعتناءٍ مِنْ مَالِهِ حَتَى صَارَتْ تُسَاوِي أَلْفَا ثُمَّ نَقَصَتْ حتى صارت تساوي مائةً فإنه يَأْخُذُهَا وتسعمائةٍ مَعَهَا كَمَا تَكُونُ لَهُ لَوْ غَصَبَهُ إِيَّاهَا وَهِيَ تُسَاوِي أَلْفَا فَنَقَصَتْ تسعمائةٍ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى
فَصْلَ
يْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَغْصِبَهَا زَائِدَةً فَتَنْقُصُ ثُمَّ تَزِيدُ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَغْصِبَهَا نَاقِصَةً فَتَزِيدُ ثُمَّ تَنْقُصُ فَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ وَصُورَتُهَا فِيمَنْ غَصَبَ أَمَةً تُسَاوِي مِائَةً فَزَادَتْ بِبُرْءٍ أَوْ سِمَنٍ أَوْ تَعْلِيمِ قُرْآنٍ أَوْ خَطٍّ حَتَّى صَارَتْ تُسَاوِي أَلْفًا ثُمَّ نَقَصَتْ وَعَادَتْ إِلَى حَالِهَا حِينَ غُصِبَتْ لِعَوْدِ الْمَرَضِ وَالْهُزَالِ وَنِسْيَانِ مَا عَلِمَتْ مِنَ الْخَطّ وَالْقُرْآنِ حَتَّى صَارَتْ تُسَاوِي مِائَةً فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا وَيَرُدُّ مَعَهَا تِسْعَمِائَةٍ لِنَقْصِ الزِّيَادَةِ الْحَادِثَةِ فِي يَدِهِ.
وَقَالَ أبو حنيفة يَرُدُّهَا وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ لِنَقْصِ مَا زَادَ فِي يَدِهِ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّهُ رَدَّ الْمَغْصُوبَ كَمَا أَخَذَهُ فَاقْتَضَى أَنْ لَا يَلْزَمَهُ غُرْمٌ قِيَاسًا عَلَيْهِ لَوْ لَمْ تَحْدُثِ الزِّيَادَةُ فِي يَدِهِ.
قَالَ وَلِأَنَّ الزِّيَادَةَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ قَدْ تَكُونُ مِنْ وَجْهَيْنِ زِيَادَةُ السُّوقِ وَزِيَادَةُ الْعَيْنِ فَلَمَّا كَانَتْ زِيَادَةُ السُّوقِ غَيْرَ مَضْمُونَةٍ عَلَى الْغَاصِبِ إِذَا نَقَصَتْ كَانَتْ زِيَادَةُ الْعَيْنِ غَيْرَ مَضْمُونَةٍ عَلَى الْغَاصِبِ إِذَا نَقَصَتْ وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا أَنَّهَا زِيَادَةٌ حَدَثَتْ فِي يَدِ الْغَاصِبِ فَوَجَبَ أَلَّا يَضْمَنَهَا مَعَ بَقَاءِ الْمَغْصُوبِ قِيَاسًا عَلَى زِيَادَةِ السُّوقِ طَرْدًا وَعَلَى تَلَفِ الْمَغْصُوبِ عَكْسًا وَلِأَنَّ ضَمَانَ الْغَصْبِ إِنَّمَا يُسْتَحَقُّ فِيمَا غُصِبَ بِالْيَدِ دُونَ مَا لَمْ يُغْصَبْ وَإِنْ صَارَتْ تَحْتَ الْيَدِ أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ شَاةً دَخَلَتْ دَارَ رَجُلٍ لَمْ يَضْمَنْهَا وَإِنْ صَارَتْ تَحْتَ يَدِهِ وَهَكَذَا لَوْ أَطَارَتِ الرِّيحُ ثُوبَا إِلَى دَارِهِ لِحُصُولِ ذَلِكَ بِغَيْرِ فِعْلِهِ وَكَذَلِكَ الزِّيَادَةُ الْحَادِثَةُ فِي يَدِهِ.
وَدَلِيلُنَا هُوَ: أَنَّهُ نَقْصُ عَيْنٍ فِي يَدِ الْغَاصِبِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ قِيَاسًا عَلَى نَقْصِهَا عَنْ حَالِ غَصْبِهَا بِأَنْ يَغْصِبَهَا صَحِيحَةً فَتَمْرَضُ أَوْ سَمِينَةً فَتَهْزِلُ وَلِأَنَّهُ لَوْ بَاعَهَا بَعْدَ حُدُوثِ الزِّيَادَةِ بِهَا ضَمِنَ نَقْصَهَا.
كَذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَبِعْهَا وَيُحَرَّرُ مِنِ اعْتِلَالِهِ قِيَاسَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ كُلَّ عَيْنٍ ضُمِنَتْ بِالْغَصْبِ ضُمِنَ مَا تَلِفَ مِنْ زِيَادَتِهَا فِي الْغَصْبِ قِيَاسًا عَلَى تَلَفِهَا فِي يَدِ الْمُشْتَرِي.
وَالثَّانِي: أَنَّ كُلَّ زِيَادَةٍ ضَمِنَهَا الْغَاصِبُ لَوْ تَلِفَتْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي ضَمِنَهَا وَإِنْ تَلِفَتْ فِي
يَدِ نَفْسِهِ قِيَاسًا عَلَى تَلَفِهَا بِجِنَايَتِهِ، وَلِأَنَّ كُلَّ عَيْنٍ يَضْمَنُهَا الْغَاصِبُ بِجِنَايَتِهِ فَضَمَانُهُ لَازِمٌ، وَإِنْ تَلْفِتْ بِغَيْرِ جِنَايَتِهِ كَالْأَصْلِ.
وَلِأَنَّ مَا ضُمِنَ أَصْلُهُ بِالتَّعَدِّي ضُمِنَتْ زِيَادَتُهُ فِي حَالِ التَّعَدِّي قِيَاسًا عَلَى الصَّيْدِ إِذَا زَادَ فِي يَدِ الْمُحْرِمِ ثُمَّ نَقَصَ فَإِنَّ أبا حنيفة يوافق على ضمان نقصه.
فالجواب عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى مَا لَمْ يُرَدَّ بِعِلَّةٍ أَنَّهُ رَدَّهُ مِثْلَ مَا غَصَبَهُ فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: بُطْلَانُهُ بِحُدُوثِ الزِّيَادَةِ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَعْنَى الْأَصْلِ عَدَمُ الزِّيَادَةِ التَّابِعَةِ لِلْأَصْلِ.
وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى زِيَادَةِ السُّوقِ فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمْ يَضْمَنْ زِيَادَةَ السُّوقِ إِذَا نَقَصَتْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي لم يضمنها إِذَا نَقَصَتْ فِي يَدِ نَفْسِهِ وَلَمَّا ضَمِنَ زِيَادَةَ الْعَيْنِ إِذَا نَقَصَتْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي ضَمِنَهَا إِذَا نَقَصَتْ فِي يَدِ نَفْسِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَضْمَنْ زِيَادَةَ السُّوقِ إِذَا كَانَتْ مَوْجُودَةً وَقْتِ الْغَصْبِ لَمْ يَضْمَنْهَا إِذَا حَدَثَتْ بَعْدَ الْغَصْبِ وَلَمَّا ضَمِنَ زِيَادَةَ الْعَيْنِ إِذَا كَانَتْ مَوْجُودَةً وَقْتَ الْغَصْبِ ضَمِنَهَا إِذَا حَدَثَتْ بَعْدَ الْغَصْبِ.
ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَ زِيَادَةِ السُّوقِ وَالْعَيْنِ عَلَى أُصُولِ الْمَذْهَبِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ لَهُ عَلَى زِيَادَةِ الْعَيْنِ يَدًا وَلَيْسَ لَهُ عَلَى زِيَادَةِ السُّوقِ يَدٌ فَضَمِنَ زِيَادَةَ الْعَيْنِ بِثُبُوتِ يَدِهِ عَلَيْهَا وَلَمْ يَضْمَنْ زِيَادَةَ السُّوقِ لِارْتِفَاعِ يَدِهِ عَنْهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ زِيَادَةَ الْعَيْنِ يَكُونُ فَوَاتُهَا نَقْصًا مَضْمُونًا لِمَنْعِ الْمُشْتَرِي بِهَا مِنَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَزِيَادَةُ السُّوقِ لَا يَكُونُ فَوَاتُهَا مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ نَقْصًا مَضْمُونًا، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَوِ ابْتَاعَ جارية تساوي ألفاً فنقصت فيمتها بِالسُّوقِ حَتَّى صَارَتْ تُسَاوِي مِائَةً ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا لَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ مِنْ رَدِّهَا بِهِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ نَقْصًا لَكَانَ مَمْنُوعًا مِنَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِدُخُولِ الشَّاةِ إِلَى دَارِهِ وَإِطَارَةِ الرِّيحِ ثَوْبًا إِلَيْهَا فَهُوَ أَنَّ صَاحِبَ الدَّارِ وَإِنْ لَمْ يُعْلِمْهُ بِحُصُولِهَا فِي دَارِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ كَالْغَاصِبِ لِتَعَدِّيهِ بِتَرْكِ إِعْلَامِهِ فَعَلَى هَذَا يَبْطُلُ الِاسْتِدْلَالُ وَإِنْ أَعْلَمَهُ لَمْ يَضْمَنْ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْغَاصِبَ يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّ الزِّيَادَةِ فَضَمِنَهَا وَصَاحِبُ الدَّارِ لَا يَجِبْ عَلَيْهِ رَدُّ الشَّاةِ وَالثَّوْبِ فَلَمْ يَضْمَنْهَا وَإِنَّمَا عَلَيْهِ التَّمْكِينُ مِنْهَا بَعْدَ الطَّلَبِ.
وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يَغْصِبَهَا زَائِدَةً فَتَنْقُصُ ثُمَّ تَزِيدُ فَصُورَتُهُ فِيمَنْ غَصَبَ جَارِيَةً تُسَاوِي أَلْفًا لِصِحَّتِهَا فَتَمْرَضُ حَتَّى تُسَاوِي مِائَةً ثُمَّ تَبْرَأَ فَتَزِيدُ بِالْبُرْءِ حَتَّى تُسَاوِي أَلْفًا ثُمَّ تُسْتَرَدُّ فَلَا يَخْلُو حَالُ الزِّيَادَةِ فِي الطَّرَفَيْنِ مِنْ أَنْ تَكُونَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ أَوْ مِنْ جِنْسَيْنِ فَإِنْ كَانَتَا مِنْ
جِنْسَيْنِ فَمِثَالُهُ أَنْ يَغْصِبَهَا مَرِيضَةً تُسَاوِي أَلْفًا فَيَذْهَبُ عَيْنُهَا حَتَّى تُسَاوِي مِائَةً ثُمَّ تَبْرَأُ مِنْ مَرَضِهَا حَتَّى تُسَاوِي أَلِفًا فَعَلَيْهِ إِذَا رَدَّهَا أَنْ يَرُدَّ مَعَهَا تِسْعَمِائَةِ دِرْهَمٍ نَقْصَ الْعَمَى وَلَا يَكُونُ حُدُوثُ الزِّيَادَةِ بِبُرْءِ الْمَرَضِ مُسْقِطًا لِغُرْمِ النَّقْصِ بِالْعَمَى وَهَكَذَا لَوْ غَصَبَهَا وَقِيمَتُهَا أَلْفٌ لِأَنَّهَا كَاتِبَةٌ تُحْسِنُ الْخَطَّ فَنَسِيَتْهُ حَتَّى صَارَتْ قِيمَتُهَا مِائَةً ثُمَّ تَعَلَّمَتِ الْقُرْآنَ فَصَارَتْ قِيمَتُهَا بَعْدَ تَعَلُّمِهِ أَلْفًا رَدَّهَا وَتِسْعَمِائَةٍ مَعَهَا وَلَا تَكُونُ الزِّيَادَةُ بِتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ جَبْرًا لِلنَّقْصِ بِنِسْيَانِ الْكِتَابَةِ، وَهَكَذَا لَوْ كَانَتْ تُسَاوِي عِنْدَ غَصْبِهَا أَلْفًا فَمَرِضَتْ حَتَّى تُسَاوِي مِائَةً ثُمَّ زَادَتِ السُّوقُ فَصَارَتْ تُسَاوِي مَعَ بَقَاءِ الْمَرَضِ أَلْفًا رَدَّهَا وَرَدَّ مَعَهَا نَقْصَ الْمَرَضِ تسعمائة.
وإذا كَانَتِ الزِّيَادَتَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فَمِثَالُهُ أَنْ يَغْصِبَهَا وَقِيمَتُهَا أَلْفٌ لِسَلَامَتِهَا فَتَذْهَبُ عَيْنُهَا حَتَّى تُسَاوِي مِائَةً ثُمَّ تَبْرَأُ عَيْنُهَا فَتُسَاوِي بَعْدَ بُرْئِهَا أَلْفًا وَيَحْدُثُ بِهَا مَرَضٌ حَتَّى تُسَاوِي قِيمَتُهَا مِائَةً ثُمَّ تَبْرَأُ مِنْهُ حَتَّى تَعُودَ قِيمَتُهَا فَتَصِيرُ أَلْفًا أَوْ تَكُونُ قِيمَتُهَا أَلْفًا لِحِفْظِ الْقُرْآنِ فَتَنْسَاهُ فَتَصِيرُ قِيمَتُهَا مِائَةً ثُمَّ تَحْفَظُهُ فَتَصِيرُ قِيمَتُهَا أَلْفًا فَفِي ضَمَانِ النَّقْصِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ إنَّهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَى الْغَاصِبِ لأن ضمان الزيادة لَمْ يَفُتِ اسْتِشْهَادًا بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِيمَنْ جَنَى عَلَى عَيْنِ رَجُلٍ فَابْيَضَّتْ فَأَخَذَ دِيَتَهَا ثُمَّ زَالَ الْبَيَاضُ أَنَّهُ يَرُدُّ مَا أَخَذَ مِنَ الدِّيَةِ لِارْتِفَاعِ النَّقْصِ بِحُدُوثِ الصِّحَّةِ فَكَذَلِكَ الْغَاصِبُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ وَالْأَشْبَهُ بِأُصُولِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَى الْغَاصِبِ فَيَرُدُّهَا وَتِسْعَمِائَةٍ مَعَهَا وَوجهُهُ أَنَّ حُدُوثَ النَّقْصِ قَدْ أَوْجَبَ ثُبُوتَ الضَّمَانِ فِي ذِمَّتِهِ فَمَا طَرَأَ بَعْدَهُ مِنْ زِيَادَةِ الْبُرْءِ فَحَادِثٌ عَلَى مِلْكِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْقُطَ بِهِ مَا قَدْ مَلَكَهُ مِنَ الْغُرْمِ وَلَيْسَ كَبَيَاضِ الْعَيْنِ بِالْجِنَايَةِ لِأَنَّهَا مَضْمُونَةٌ بِالْفِعْلِ، وَالْغَصْبُ مَضْمُونٌ بِالْيَدِ فَعَلَى هَذَا يَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ إِذَا مَاتَتْ بَعْدَ بُرْئِهَا ضَمِنَ عَلَى قَوْلِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَلْفًا هِيَ قِيمَتُهَا وَعَلَى مذهب أبي سعيد الإصخطري يَضْمَنُ أَلْفًا وَتِسْعَمِائَةٍ.
أَمَّا التِّسْعُمِائَةِ فَينقصهَا وَأَمَّا الْأَلْفُ فَقِيمَتُهَا.
وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهَا إِذَا غَصَبَهَا وَهِيَ تُسَاوِي أَلْفًا فَمَرِضَتْ حَتَّى صَارَتْ قِيمَتُهَا مِائَةً ثُمَّ بَرِئَتْ حَتَّى صَارَتْ قِيمَتُهَا أَلْفًا ثُمَّ مَرِضَتْ حَتَّى صَارَتْ قِيمَتُهَا مِائَةً فَعَلَى قَوْلِ أَبِي عَلِيٍّ يَرُدُّهَا وَتِسْعَمِائَةٍ نَقْصَ مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي سَعِيدٍ يَرُدُّ مَعَهَا أَلْفًا وثمان مائة نَقْصَهَا مَرَّتَيْنِ وَهَكَذَا لَوْ عَادَ نَقْصُهَا مِائَةَ مَرَّةٍ ضَمِنَ مِائَةَ نَقْصٍ فَلَوْ عَادَتْ بَعْدَ النَّقْصِ الثَّانِي إِلَى الْبُرْءِ ثُمَّ رَدَّهَا لَمْ يَلْزَمْهُ عَلَى قَوْلِ أَبِي عَلِيٍّ شَيْءٌ وَلَزِمَهُ عَلَى قَوْلِ أَبِي سَعِيدٍ غَرِمَ نَقْصَيْنِ.
فَصْلٌ
: وإذا غصب عبداً ثميناً يُسَاوِي أَلْفًا فَأَهْزَلَهُ حَتَّى ذَهَبَ سِمَنُهُ وَلَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهُ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا وَلَوْ خَصَاهُ فَلَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهُ ضَمِنَ الْقِيمَةَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْهُزَالَ غَيْرُ مُقَدَّرٍ
بِالْأَرْشِ وَلَا بِالنَّقْصِ فَإِذَا لَمْ يَنْقُصْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَرْشٌ وَالْخِصَاءُ مُقَدَّرٌ بِالْقِيمَةِ إِذَا نَقَصَ لَزِمَهُ مَا تَقَدَّرَ مِنَ الْقِيمَةِ.
فَصْلٌ
: وَإِذَا غَصَبَ عَبْدًا يُسَاوِي مِائَةً فَزَادَتِ السُّوقُ حَتَّى صَارَ يُسَاوِي أَلْفًا ثُمَّ قَطَعَ إِحْدَى يَدَيْهِ فَعَلَيْهِ خَمْسُمِائَةٍ نِصْفِ الْأَلْفِ لِأَنَّ زِيَادَةَ السُّوقِ مَضْمُونَةٌ مَعَ فَوَاتِ الْعَيْنِ وَهُوَ مُفَوِّتٌ بِقَطْعِ إِحْدَى الْيَدَيْنِ نِصْفَ الْعَيْنِ فَيَضْمَنُ النِّصْفَ بِزِيَادَةِ السُّوقِ وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ عِنْدَ الْغَصْبِ أَلْفًا ثُمَّ نَقَصَتِ السُّوقُ فَصَارَتْ قِيمَتُهُ مِائَةً ثُمَّ قَطَعَ إِحْدَى يَدَيْهِ ضَمِنَ خَمْسَمِائَةٍ لِمَا ذَكَرْنَاهُ تَعْلِيلًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَالْحُكْمِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْغَصْبَ مَضْمُونٌ بِأَكْثَرِ مَا كَانَتْ قِيمَتُهُ سُوقًا وَبَدَنًا مِنْ حِينِ الْغَصْبِ إِلَى وَقْتِ التَّلَفِ فَإِنْ كَانَتِ الْعَيْنُ بَاقِيَةً سَقَطَ ضَمَانُ نَقْصِهَا فِي السُّوقِ وَلَزِمَ ضَمَانُ نَقْصِهَا فِي الْبَدَنِ وَإِنْ كَانَتْ تَالِفَةً لَزِمَ ضَمَانُ نَقْصِهَا فِي السُّوقِ وَالْبَدَنِ وَذَكَرْنَا الْفَرْقَ بَيْنَ السُّوقِ وَالْبَدَنِ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ وَذَكَرْنَا الْفَرْقَ بَيْنَ نَقْصِ السُّوقِ وَبَقَاءِ الْعَيْنِ وَتَلَفِهَا.
وَقَالَ أبو حنيفة: الْمَغْصُوبُ مَضْمُونٌ بِقِيمَتِهِ وَقْتَ الْغَصْبِ وَفِيمَا مَضَى مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا ذَكَرَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ.
فَأَمَّا الْمَقْبُوضُ عَنْ بَيْعٍ فَاسِدٍ فَمَضْمُونٌ عَلَى الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ عَلَى وَجْهِ الْمُعَاوَضَةِ.
فَأَمَّا كَيْفِيَّةُ ضَمَانِهِ فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ هَاهُنَا وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كضمان الغصب بأكثر ما كان قيمة لِأَنَّ الزِّيَادَةَ مِلْكٌ لِلْبَائِعِ لِبَقَاءِ الْمَبِيعِ عَلَى مِلْكِهِ فَاقْتَضَى أَنْ تَكُونَ مَضْمُونَةً مَعَ الْأَصْلِ كَالْغَصْبِ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ مَضْمُونٌ بِالْقِيمَةِ وَقْتَ الْقَبْضِ وَلَا تَكُونُ الزِّيَادَةُ الْحَادِثَةُ بَعْدَ الْقَبْضِ مَضْمُونَةً لِأَنَّ الْبَائِعَ أَبَاحَهَا بِغَيْرِ بَدَلٍ وَتَأَوَّلُوا قَوْلَ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ بِأَحَدِ تَأْوِيلَيْنِ.
إِمَّا حَمْلُهُ عَلَى وُجُوبِ الضَّمَانِ دُونَ صِفَتِهِ.
وَإِمَّا حَمْلُهُ عَلَى ضَمَانِ الْأُجْرَةِ.
وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحَّ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ مِنْ أَصْحَابِنَا لِأَنَّ تَعْلِيلَ الْوَجْهِ الثَّانِي بِإِبَاحَةِ الزِّيَادَةِ عَلَى غَيْرِ بَدَلٍ يَفْسَدُ بِالْمَنَافِعِ لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ مُبَاحَةً بِغَيْرِ بَدَلٍ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِهَا الْأُجْرَةَ فَكَذَلِكَ الزِّيَادَةُ لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ فِي الْأَمْرَيْنِ مَعَ صِحَّةِ الْعَقْدِ دُونَ فَسَادِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " فِي وَلَدِهَا الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْغَصْبِ كَالْحُكْمِ في بدنها ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ.
وَلَدُ الْمَغْصُوبَةِ مَضْمُونٌ عَلَى الْغَاصِبِ سَوَاءٌ كَانَ الْحَمْلُ مَوْجُودًا عِنْدَ الْغَصْبِ أَوْ حَادِثًا بَعْدَهُ وَقَالَ أبو حنيفة وَلَدُ الْمَغْصُوبَةِ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَى الْغَاصِبِ سَوَاءٌ كَانَ الْغَصْبُ حَمْلًا أَوْ حَادِثًا إِلَّا أَنْ يَمْنَعَ مِنْهُ بَعْدَ الطَّلَبِ فَيَضْمَنُ بِالْمَنْعِ اسْتِدْلَالًا بِمَا ذُكِرَ فِي زِيَادَةِ الْبَدَنِ، فِي أَنَّ حُصُولَ الشَّيْءِ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ فِعْلٍ لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَيْهِ كَالرِّيحِ إِذَا أَطَارَتْ ثَوْبًا وَالشَّاةِ إِذَا دَخَلَتْ لَهُ دَارًا.
وَدَلِيلُنَا: هُوَ أَنَّ وَلَدَ الْمَغْصُوبَةِ فِي يَدِ الْغَاصِبِ كَالْأُمِّ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوِ ادَّعَاهُ لَقُبِلَ قوله لمكان يده فوجب أن يكون ضامن لَهُ بِالْيَدِ كَأُمِّهِ وَلِأَنَّ ضَمَانَ الْغَصْبِ أَقْوَى مِنْ ضَمَانِ الصَّيْدِ، ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّ وَلَدَ الصَّيْدِ مَضْمُونٌ عَلَى الْمُحْرِمِ فَوَلَدُ الْغَصْبِ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا وَيَتَحَرَّرُ مِنِ اعْتِلَالِهِ قِيَاسَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَا ضُمِنَتْ بِهِ الْأُمُّ مِنَ التَّعَدِّي ضُمِنَ بِهِ الْوَلَدُ كَالصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَا ضُمِنَ بِهِ وَلَدُ الصَّيْدِ ضُمِنَ بِهِ وَلَدُ الْمَغْصُوبَةِ كَمَا لَوْ مُنِعَ، وَلِأَنَّ أبا حنيفة يَمْنَعُ مِنْ أَنْ يَكُونَ حَمْلُهَا وَقْتَ الْغَصْبِ مَضْمُونًا أَوْ مَغْصُوبًا.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ هُوَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ أَصْلٍ مَضْمُونٍ بِالتَّعَدِّي فَصَحَّ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا وَمَغْصُوبًا كَالصُّوفِ وَاللَّبَنِ.
وَلِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِالْمَغْصُوبِ فَصَحَّ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا كَالسِّمَنِ وَلِأَنَّ مَا ضُمِنَ بِالْجِنَايَةِ ضُمِنَ بِالْغَصْبِ كَالْمُنْفَصِلِ، وَلِأَنَّ مَا صَحَّ أَنْ يُضْمَنَ بِالْغَصْبِ خَارِجَ وِعَائِهِ، صَحَّ أَنْ يُضْمَنَ بِهِ فِي وِعَائِهِ كَالدِّرْهَمِ فِي كِيسٍ وَالْحُلِيِّ فِي حُقٍّ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِدُخُولِ الشَّاةِ إِلَى دَارِهِ وَالثَّوْبِ إِذَا أَطَارَتْهُ الرِّيحُ إِلَيْهَا فَهُوَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ بِذَلِكَ مُتَعَدِّيًا فَلَمْ يَكُنْ ضَمَانًا وَيَكُونُ بِإِمْسَاكِ الْوَلَدِ مُتَعَدِّيًا فَكَانَ ضَامِنًا.
أَلَا تَرَى أَنَّ دُخُولَ الصَّيْدِ إِلَى دَارِهِ لَا يُوجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانَ لِعَدَمِ تَعَدِّيهِ وَوِلَادَةُ الصَّيْدِ فِي يَدِهِ تُوجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانَ لِتَعَدِّيهِ.
فَصْلٌ
: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ وَلَدَ الْمَغْصُوبَةِ مَضْمُونٌ عَلَى الْغَاصِبِ فَسَوَاءٌ تَلِفَ بَعْدَ إِمْكَانِ رَدِّهِ أَوْ قَبْلَ إِمْكَانِهِ فَضَمَانُ قِيمَتِهِ فِي أَكْثَرِ أَحْوَالِهِ مِنْ حِينِ الْوِلَادَةِ إِلَى وَقْتِ التَّلَفِ فَإِنْ نَقَصَتْ قِيمَةُ أُمِّهِ بَعْدَ الْوِلَادَةِ فَإِنْ كَانَ نَقْصُهَا لِغَيْرِ الْحَمْلِ ضَمِنَهُ مَعَ قيمة الولد وإن كان نقصها لأجل الحمل لم يضمنها مَعًا لِأَنَّ ضَمَانَ وَلَدِهَا هو ضَمَانٌ لِحَمْلِهَا فَكَانَ ضَامِنًا لِأَكْثَرِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ نَقْصِ الْحَمْلِ وَقِيمَةِ الْوَلَدِ.
فَصْلٌ
: فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَاهُ فللولد ثلاثة أحوال يُضْمَنُ فِيهَا، وَحَالٌ لَا يُضْمَنُ فِيهَا، وَحَالٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا.
فَأَمَّا حَالُ الضَّمَانِ فَفِي الْغَصْبِ وَالْجِنَايَةِ وَالْإِحْرَامِ فَإِنَّ ضَمَانَ الْوَلَدِ فِيهَا وَاجِبٌ كَالْأُمِّ.
وَأَمَّا حَالُ سُقُوطِ الضَّمَانِ فَفِي الْإِجَارَةِ وَالرَّهْنِ.
وَالْوَدِيعَةِ فَإِنَّ وَلَدَ الْمُسْتَأْجَرَةِ
وَالْمَرْهُونَةِ وَالْمُودَعَةِ غَيْرُ مَضْمُونٍ كَالْأُمِّ.
فَأَمَّا الْحَالُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا فَفِي الْعَارِيَةِ وَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ فَفِي ضمان الولد فيها وجها مبينان عَلَى اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا فِي ضَمَانِ الْأُمِّ فِي الْعَارِيَةِ وَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ هَلْ هُوَ مَضْمُونُ ضَمَانَ غَصْبٍ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ ضَمَانُ غَصْبٍ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْوَلَدُ مَضْمُونًا بِأَكْثَرِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ نَقْصِ الْحَمْلِ كَالْغَصْبِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَكُونُ مَضْمُونَ ضَمَان عَقْدٍ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْوَلَدُ غَيْرَ مَضْمُونٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْعَقْدِ.
فَصْلٌ
: فَأَمَّا إِذَا غَصَبَ مَالًا فَاتَّجَرَ بِهِ وَرَبِحَ فِيهِ فَفِي رِبْحِهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ إنَّهُ لِرَبِّ الْمَالِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لِلْغَاصِبِ وَهُوَ مَذْهَبُ أبي حنيفة وَيُذْكَرُ تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ فِي كِتَابِ الْقِرَاضِ فَأَمَّا إِذَا غَصَبَ شَيْئًا فَصَادَ بِهِ فَعَلَى ثَلَاثَةٍ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ آلَةً كَالشَّبَكَةِ وَالْقَوْسِ فَالصَّيْدُ لِلْغَاصِبِ وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْآلَةِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَبْدًا فَالصَّيْدُ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ لِأَنَّ يَدَهُ يَدٌ لِسَيِّدِهِ وَهَلْ عَلَى الْغَاصِبِ أُجْرَتُهُ فِي مُدَّةِ صَيْدِهِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: عَلَيْهِ الْأُجْرَةُ لِأَنَّهُ غَاصِبٌ.
وَالثَّانِي: لَا أُجْرَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّ السَّيِّدَ قَدْ صَارَ إِلَى مَنَافِعِهِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ جَارِحًا كَالْكَلْبِ وَالْفَهْدِ وَالنَّمِرِ فَفِي الصَّيْدِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لِلْغَاصِبِ لِأَنَّهُ الْمُرْسِلُ فَعَلَى هَذَا عَلَيْهِ أُجْرَةُ الْفَهْدِ وَالنَّمِرِ.
وَهَلْ عَلَيْهِ أُجْرَةُ الْكَلْبِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الصَّيْدَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ تَغْلِيبًا لِلْمَالِكِ فَعَلَى هَذَا هَلْ يَلْزَمُ الْغَاصِبَ أُجْرَةُ ذَلِكَ فِي زَمَانِ صَيْدِهِ أَمْ لَا؟ عَلَى مَا مَضَى مِنَ الْوَجْهَيْنِ.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَلَوْ بَاعَهَا الْغَاصِبُ فَأَوْلَدَهَا الْمُشْتَرِي ثُمَّ اسْتَحَقَّهَا الْمَغْصُوبُ أُخِذَ مِنَ الْمُشْتَرِي مَهْرُهَا وَقِيمَتُهَا إِنْ كَانَتْ مَيِّتَةَ وَأَخَذَهَا إِنْ كَانَتْ حَيَّةً وَأَخَذَ مِنْهُ قِيمَةَ أَوْلَادِهَا يَوْمَ سَقَطُوا أَحْيَاءً وَلَا يرجع عليه بِقِيمَةِ مَنْ سَقَطَ مَيِّتًا وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الغاصب بجميع ما منه مِنْ قِيمَةِ الْوَلَدِ لِأَنَّهُ غَرَّهُ وَلَا أَرُدُّهُ بِالْمَهْرِ لِأَنَّهُ كَالشَّيْءِ يُتْلِفُهُ فَلَا
يُرْجَعُ بِغُرْمِهِ عَلَى غَيْرِهِ وَإِذَا كَانَ الْغَاصِبُ هُوَ الَّذِي أَوْلَدَهَا أَخَذَهَا وَمَا نَقَصَهَا وَمَهْرَ مِثْلِهَا وَجَمِيعَ وَلَدِهَا وَقِيمَةَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مَيِّتًا وَعَلَيْهِ الْحَدُّ إِنْ لَمْ يَأْتِ بشبهةٍ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الشَّافِعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ذَكَرَ هُنَا مَسْأَلَتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: فِي وَطْءِ الْمُشْتَرِي فَقَدَّمَهَا الْمُزَنِيُّ: وَالثَّانِيَةُ: فِي وَطْءِ الْغَاصِبِ فَأَخَّرَهَا الْمُزَنِيُّ وَتَقْدِيمُهَا أَوْلَى لِأَنَّهَا مُقَدَّمَةٌ لِوَطْءِ المشتري فإذا وطء الْغَاصِبُ الْجَارِيَةَ الْمَغْصُوبَةَ لَمْ يَخْلُ حَالُهُ مِنْ أحر أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ شُبْهَةٌ أَوْ لَا شُبْهَةَ لَهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ شبهة ووطئها عالماً بتحريم الزنا وإن وطء الْمَغْصُوبَةِ زِنًا فَعَلَيْهِ الْحَدُّ لِكَوْنِهِ زَانِيًا وَالْوَلَدُ إن جاءت به مملوك ولا يحلق به لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ وَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ إِنْ مَاتَ أَكْثَرَ مَا كَانَ قِيمَةً وَإِنْ وَضَعَتْ وَلَدًا مَيِّتًا فَفِي ضَمَانِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَكُونُ مَضْمُونًا بِقِيمَتِهِ لَوْ كَانَ حَيًّا كَمَا يَضْمَنُهُ بِالْجِنَايَةِ إِذَا سَقَطَ مَيِّتًا، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقِيمَةُ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مَيِّتًا وَلَعَلَّ هَذَا قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ الْأَصَحُّ وَبِهِ قَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مَضْمُونًا لِأَنَّنَا لَمْ نَعْلَمْ لَهُ حَيَاةً مُتَيَقِّنَةً حَتَّى يُضْمَنَ بِالتَّلَفِ وَيَسْتَقِرَّ عَلَيْهِ حُكْمُ الْمِلْكِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْغَصْبِ وَالْجِنَايَةِ أَنَّ فِي الْجِنَايَةِ مُبَاشَرَةً تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهَا وَلَيْسَ فِي الْغَصْبِ مُبَاشَرَةً يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِهَا، أَلَا تَرَى لَوْ غَصَبَ حُرًّا فَمَاتَ لَمْ يَضْمَنْ وَلَوْ جَنَى عَلَيْهِ ضَمِنَ، وَيَكُونُ تَأْوِيلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقِيمَةُ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مَيِّتًا إِذَا عَلِمَ مَوْتَهُ بَعْدَ حَيَاتِهِ فَأَمَّا الْمَهْرُ فَلَا تَخْلُو الْأَمَةُ مِنْ أَنْ تَكُونَ مُطَاوِعَةً أَوْ مُسْتَكْرَهَةً فَإِنْ كانت مستكرهة وجب المهر عليها وسقط الحد عنها وإن كانت مطاوعة حد وَفِي وُجُوبِ الْمَهْرِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ إنَّ الْمَهْرَ عَلَيْهِ وَاجِبٌ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِسَيِّدِهَا فَلَا يَسْقُطُ بِمُطَاوَعَتِهَا كَمَا لَوْ بَذَلَتْ قَطْعَ يَدِهَا لَمْ يَسْقُطْ عَنِ الْقَاطِعِ دِيَتُهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَوْلُ جمهور أصحابه أنه لا مه لها عليه لأنها بالمطاوعة تكون بغي وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنْ مَهْرِ الْبَغِيِّ وَخَالَفَ قَطْعُ الْيَدَيْنِ مِنْهَا لِأَنَّ الْقَطْعَ نَقْصٌ دَخَلَ عَلَى بَدَنِهَا وَقِيمَتِهَا وَلَيْسَ الْوَطْءُ نَقْصٌ فِي بَدَنِهَا وَلَا قِيمَتِهَا، ثُمَّ إِنْ كَانَتْ بِكْرًا فَعَلَيْهِ أَرْشُ بَكَارَتِهَا بِالِافْتِضَاضِ لِأَنَّهُ اسْتِهْلَاكُ جُزْءٍ مِنْهَا وَهَكَذَا يَلْزَمُهُ غُرْمُ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهَا بِالْوِلَادَةِ فَإِنْ تطاول زمان غصبها حتى يكون لمثله أُجْرَةٌ فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ مِثْلِهَا لِأَنَّ مَنَافِعَ الْمَغْصُوبَةِ مَضْمُونَةٌ فَإِنْ مَاتَتْ فِي يَدِهِ ضَمِنَ جَمِيعَ قِيمَتُهَا أَكْثَرُ مَا كَانَتْ قِيمَةً مِنْ وَقْتِ الْغَصْبِ إِلَى وَقْتِ التَّلَفِ وَسَقَطَ عَنْهُ أَرْشُ الْبَكَارَةِ وَنَقْصِ الْوِلَادَةِ لِأَنَّهُمَا قَدْ دَخَلَا فِي ضمان
أَكْثَرِ الْقِيَمِ وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ ضَمَانُ الْمَهْرِ وَالْأُجْرَةِ لِأَنَّهَا بَدَلٌ عَنْ مَنْفَعَةٍ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْقِيمَةِ وَلَوْ سَلَّمَهَا الْغَاصِبُ إِلَى رَبِّهَا حَامِلًا فَمَاتَتْ بَعْدَ التَّسْلِيمِ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ مَوْتُهَا بِغَيْرِ الْوِلَادَةِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْغَاصِبِ لِأَنَّهُ قَدْ بَرِئَ مِنْ ضَمَانِهَا بِالتَّسْلِيمِ وَإِنْ مَاتَتْ مِنْ وِلَادَتِهَا فَفِي ضَمَانِ قِيمَتِهَا عَلَى الْغَاصِبِ قَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي الزَّانِي بِالْحُرَّةِ إِذَا مَاتَتْ فِي وِلَادَتِهَا مِنْ زِنًا فَهَلْ يَضْمَنُ دِيَتَهَا:
أَحَدُهُمَا: يَكُونُ ضَامِنًا لِقِيمَتِهَا وَدِيَةِ الْحُرَّةِ لِمَوْتِهَا بِسَبَبٍ مِنْهُ هُوَ مُتَعَدِّيهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ مِنْ قِيمَةٍ وَلَا دِيَةٍ لِأَنَّ السَّبَبَ قَدِ انْقَطَعَ حُكْمُهُ بنفيه عنه قاقتضى أَنْ يَنْقَطِعَ حُكْمُهُ مِنْ تَعَلُّقِ الضَّمَانِ بِهِ فَأَمَّا إِنْ مَاتَ وَلَدُهَا بَعْدَ التَّسْلِيمِ دُونَهَا لَمْ يَضْمَنْهُ قَوْلًا وَاحِدًا لِأَنَّ وَطْأَهُ إِيَّاهَا لَا يَكُونُ سَبَبًا لِمَوْتِ مَنْ تَلِدُهُ مِنْهُ وَلَكِنْ لَوْ نَقَصَتْ قِيمَتُهَا بِوِلَادَتِهِ كَانَ فِي ضَمَانِهِ لِنَقْصِهِ قَوْلَانِ كَالْمَوْتِ فَهَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِوَطْئِهِ مِنَ الْأَحْكَامِ عِنْدَ عَدَمِ الشُّبْهَةِ وَهِيَ تِسْعَةٌ الْحَدُّ، وَنَفْيُ النَّسَبِ، وَرِقُّ الْأَوْلَادِ، وَضَمَانُهُمْ بِالتَّلَفِ، وَالْمَهْرُ مَعَ الْإِكْرَاهِ وَأَرْشُ الْبَكَارَةِ، وَأُجْرَةُ الْمِثْلِ، وَنَقْصُ الْوِلَادَةِ، وَضَمَانُ قِيمَتِهَا بِالْمَوْتِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ وَبَعْدِهِ.
فَصْلٌ
: فَأَمَّا إِنْ كَانَتْ لَهُ شُبْهَةٌ فَالشُّبْهَةُ قَدْ تَكُونُ مِنْ وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ:
أَحَدُهَا: الْجَهْلُ بِتَحْرِيمِ الْمَغْصُوبَةِ لِحُدُوثِ إِسْلَامِهِ أَوْ مُقَامِهِ فِي بَادِيَةٍ نَائِيَةٍ عَنِ الْأَمْصَارِ
وَالثَّانِي: الْجَهْلُ بِعَيْنِهَا وَظَنُّهُ أَنَّهَا أَمَةٌ يَمْلِكُهَا.
وَالثَّالِثُ: مَا يَخْتَصُّ بِمَالِكِهَا مِنْ أَنْ تَكُونَ أَمَةً لِوَلَدِهِ أَوْ صَدَاقًا لِزَوْجَتِهِ تَرَى أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ قَبْلَ الدُّخُولِ إِلَّا نِصْفَهَا فَإِذَا وَطَأَ مَعَ أَحَدِ هَذِهِ الشُّبَهِ الثَّلَاثِ سَقَطَ الْحَدُّ عنه لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: ادرأوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ وَوَلَدُهَا لَاحِقٌ لِأَنَّ سُقُوطَ الْحَدِّ بِالشُّبْهَةِ جَعَلَهَا فِرَاشًا وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يقول الولد للفراش ويكونوا أَحْرَارًا لِأَنَّهُمْ وُلِدُوا فِي شُبْهَةِ مِلْكٍ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُمْ يَوْمَ سَقَطُوا لِأَنَّهُ لَوْلَا شُبْهَتُهُ لَرَقُّوا فصار بالشبهة مستهلك لِرِقِّهِمْ فَضَمِنَ قِيمَتَهُمْ يَوْمَ الْوَضْعِ وَالْوِلَادَةِ.
وَقَالَ أبو حنيفة: عَلَيْهِ قِيمَتُهُمْ يَوْمَ التَّرَافُعِ إِلَى الْقَاضِي وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِمْ رِقٌّ بَعْدَ الرُّجُوعِ بَلْ عَلِقَتْ بِهِمْ أَحْرَارًا وَلَكِنْ لِتَعَذُّرِ قِيمَتِهِ عِنْدَ الْعُلُوقِ اعْتَبَرْنَاهَا بَعْدَ الْوِلَادَةِ وَالْوَضْعِ فَأَمَّا مَنْ وَضَعَتْهُ مَيِّتًا فَلَا قِيمَةَ عَلَى الْوَاطِئِ فِيهِ بِخِلَافِ الْمَوْلُودِ مَيِّتًا مِنْ زِنًا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ مَعَ الشُّبْهَةِ حُرٌّ لَا يُضْمَنُ بِالْيَدِ حَتَّى يُعْلَمَ سَبَبُ ضَمَانِهِ بِغَيْرِ الْيَدِ وَهُوَ فِي الزِّنَا مَمْلُوكٌ يُضْمَنُ بِالْيَدِ فَلَوْ ضَرَبَ أَجْنَبِيٌّ بَطْنَهَا فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا كَانَ مَضْمُونًا عَلَى الضَّارِبِ بِغُرَّةِ عَبْدٍ لِأَنَّهُ جَنِينٌ حُرٌّ وَالْغُرَّةُ لِلْوَاطِئِ لِأَنَّهُ أَبٌ وَعَلَى الْوَاطِئِ لِلسَّيِّدِ عُشْرُ قِيمَةِ الْأُمِّ الْمُسْتَحَقُّ فِي جَنِينٍ مَمْلُوكٍ فَإِنْ كَانَتِ الْغُرَّةُ مِثْلَ عُشْرِ قِيمَةِ الْأُمِّ أَخَذَهَا السَّيِّدُ إِلَّا أَنْ يَفْتَدِيَهَا الْوَاطِئُ بِعُشْرِ
الْقِيمَةِ وَإِنْ كَانَتِ الْغُرَّةُ أَكْبَرَ مِنْ عُشْرِ الْقِيمَةِ أَخَذَ الْوَاطِئُ الزِّيَادَةَ عَلَى الْعُشْرِ أَرْشًا بالأبوة وإن كانت أقل غرم تكملة عُشْرِ الْقِيمَةِ فَأَمَّا الْمَهْرُ وَالْأُجْرَةُ وَأَرْشُ الْبَكَارَةِ وَنَقْصُ الْوِلَادَةِ فَعَلَى مَا مَضَى مَعَ عَدَمِ الشُّبْهَةِ لِأَنَّ الْمَهْرَ مُعْتَبَرٌ بِشُبْهَةِ الْمَوْطُوءَةِ دُونَ الْوَاطِئِ، وَالْأُجْرَةُ وَالنَّقْصُ مَضْمُونَانِ بِالْيَدِ فَلَمْ تُؤَثِّرْ فيها الشُّبْهَةُ.
وَقَالَ أبو حنيفة: نَقْصُ الْوِلَادَةِ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ لِدُخُولِهِ فِيمَا ضَمِنَ مِنْ قِيمَةِ الْوَلَدِ.
وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ قِيمَةَ الْوَلَدِ مُعْتَبَرَةٌ بِنَفْسِهِ فَامْتَنَعَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ نَقْصُ الْأُمِّ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ النَّقْصُ فِي قِيمَتِهَا لَوْ ضُمِنَتْ بِالتَّلَفِ وَهَكَذَا لَوْ مَاتَتْ بَعْدَ تَسْلِيمِهَا بِالْوَضْعِ والولادة ظمن قِيمَتَهَا قَوْلًا وَاحِدًا بِخِلَافِ مَوْتِهَا بِالْوِلَادَةِ مِنْ وَطْءٍ غَيْرِ الشُّبْهَةِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ وَلَدَ الشُّبْهَةِ لَاحِقٌ بِهِ فَكَانَ سَبَبُ تَلَفِهَا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ عَنِ الْغَاصِبِ حَتَّى يَحْدُثَ بِهِ التَّلَفُ فَضَمِنَهُ وَهُوَ مَعَ عَدَمِ الشُّبْهَةِ غَيْرُ لَاحِقٍ بِهِ فَانْقَطَعَ النَّسَبُ عَنْهُ قَبْلَ التَّلَفِ فَلَمْ يَضْمَنْهُ فَهَذَا حُكْمُ وَطْءِ الْغَاصِبِ فِي الْحَالَتَيْنِ.
فَصْلٌ
: فَأَمَّا الْمُشْتَرِي فَشِرَاؤُهُ بَاطِلٌ وَإِنْ أَجَازَهُ الْمَالِكُ لِفَسَادِ الْعَقْدِ فَلَمْ يَصِحَّ بِإِجَارَةٍ مِنْ بَعْدُ فَإِذَا وَطِئَهَا فَحُكْمُ وَطْئِهَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ كَالْحُكْمِ فِي وَطْءِ الْغَاصِبِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ شُبْهَةٌ فَهُوَ كالغاصب إذا وطأ بِغَيْرِ شُبْهَةٍ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ وَاسْتِرْقَاقِ الْوَلَدِ وَضَمَانِ الْمَهْرِ مَعَ الْإِكْرَاهِ وَأَرْشِ الْبَكَارَةِ وَنَقْصِ الْوِلَادَةِ وَأُجْرَةِ الْمُدَّةِ وَقِيمَتِهَا وَقِيمَةِ أَوْلَادِهِ بِالْمَوْتِ عَلَى مَا مَضَى سَوَاءٌ ثُمَّ السَّيِّدُ مُخَيَّرٌ فِي الرُّجُوعِ بِذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى الْغَاصِبِ أَوِ المشتري، لأن كل واحد منهما ضامناً بِالْيَدِ فَإِنْ رَجَعَ بِذَلِكَ عَلَى الْمُشْتَرِي لَمْ يَرْجِعِ الْمُشْتَرِي بِشَيْءٍ مِنْهُ عَلَى الْغَاصِبِ لِأَنَّ ارْتِفَاعَ شُبْهَةِ الْمُشْتَرِي تَكُونُ مَعَ عِلْمِهِ بِالْغَصْبِ وَهُوَ مَعَ عِلْمِهِ بِالْغَصْبِ غَاصِبٌ فَلَزِمَهُ ضَمَانُ ذَلِكَ.
فَلِذَلِكَ لَمْ يَرْجِعْ بِغُرْمِهِ عَلَى الْغَاصِبِ وَلَكِنْ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ الَّذِي أَخَذَهُ وَإِنْ رجع السيد بذلك على الغاصب بِذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى الْمُشْتَرِي إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْجَارِيَةُ قَدْ نَقَصَتْ قِيمَتُهَا فِي يَدِ الْغَاصِبِ قَبْلَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي فَيَخْتَصُّ بِغُرْمِهِ وَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَضْمَنُ قِيمَتَهَا أَكْثَرَ مَا كَانَتْ قِيمَةً مِنْ وَقْتِ الْقَبْضِ إِلَى وَقْتِ التَّلَفِ وَلَا يَضْمَنُ مَا نَقَصَ مِنْهَا قَبْلَ قَبْضِهِ وَلَا يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِهِ، ثُمَّ عَلَى الْغَاصِبِ إِذَا رَجَعَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِمَا غَرِمَهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ مَا قَبَضَ مِنَ الثَّمَنِ فَإِنْ كَانَ جِنْسَيْنِ تَقَابَضَا وَأَيُّهُمَا بَدَأَ بِمُطَالَبَةِ صَاحِبِهِ فَذَاكَ لَهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ تَقَابَضَاهُ فإن كان فضل تراجعا.
فصل
: وَإِنْ كَانَ لِلْمُشْتَرِي شُبْهَةٌ وَهِيَ الشُّبَهُ الثَّلَاثُ فِي الْغَاصِبِ مَعَ شُبْهَةٍ رَابِعَةٍ يَخْتَصُّ بِهَا دُونَ الْغَاصِبِ وَهِيَ جَهْلُهُ بِأَنَّ الْأَمَةَ غَصْبٌ ثُمَّ حُكْمُهُ فِيمَا يَجِبُ بِوَطْئِهِ فِي حَالِ الشُّبْهَةِ كَالْغَاصِبِ إِذَا وَطِئَ بِشُبْهَةٍ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَحْكَامِ الْمُقَرَّرَةِ إِلَّا أَنَّ الْغَاصِبَ في ضمان
قِيمَتِهَا يَلْتَزِمُ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ قِيمَةً مِنْ وَقْتِ الْغَصْبِ إِلَى وَقْتِ التَّلَفِ فَأَمَّا الْمُشْتَرِي فَفِيهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى كَيْفِيَّةِ ضَمَانِ الْمَقْبُوضِ بِبَيْعٍ فَاسِدٍ:
أَحَدُهُمَا: يَضْمَنُ قِيمَتَهَا وَقْتَ الْقَبْضِ فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَ قَدْ حَدَثَ بِهَا نَقْصٌ قَبْلَ قَبْضِهَا أَوْ حَدَثَ بِهَا زِيَادَةٌ بَعْدَ قَبْضِهِ اخْتَصَّ الْغَاصِبُ بِتَحَمُّلِهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَضْمَنَ قِيمَتَهَا أَكْثَرَ مَا كَانَتْ مِنْ وَقْتِ قَبْضِهِ إِلَى حِينِ التَّلَفِ وَلَا يَضْمَنُ النَّقْصَ الْحَادِثَ قَبْلَ قَبْضِهِ وَيَضْمَنُ الزِّيَادَةَ الْحَادِثَةَ بَعْدَ قَبْضِهِ فَيَكُونُ فِي الْوَجْهَيْنِ مَعًا غَيْرَ ضَامِنٍ لِلنَّقْصِ الْحَادِثِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَإِنَّمَا الْوَجْهَانِ فِي الزِّيَادَةِ الْحَادِثَةِ بَعْدَ قَبْضِهِ فَيَكُونُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ غَيْرَ ضَامِنٍ وَقَدْ رَوَاهُ الرَّبِيعُ فِي الْأُمِّ.
وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي يَضْمَنُهَا وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ الْمُزَنِيُّ فِي جَامِعِهِ الْكَبِيرِ، وَيَكُونُ مَا لَا يَضْمَنُهُ الْمُشْتَرِي مِنْ فَضْلِ الْقِيمَةِ مَرْجُوعًا بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ وَحْدَهُ وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي فَإِنْ رَجَعَ بِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي نُظِرَ فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي عَالِمًا بِالْغَصْبِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْهُ عَلَى الْغَاصِبِ وَإِنَّمَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا أَخَذَهُ مِنَ الثَّمَنِ وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي غَيْرَ عَالِمٍ بِالْغَصْبِ انْقَسَمَ مَا غَرِمَهُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ لَا يَرْجِعُ بِهِ، وَقِسْمٌ يَرْجِعُ بِهِ، وَقِسْمٌ مُخْتَلَفٌ فِي الرُّجُوعِ بِهِ.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الَّذِي لَا يَرْجِعُ بِهِ فَهُوَ مَا كَانَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ بِالْعَقْدِ وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: أَرْشُ الْبَكَارَةِ وَنَقْصُ الْوِلَادَةِ وَقِيمَتُهَا إِنْ مَاتَتْ لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْغَاصِبِ لِأَنَّهُ دَخَلَ بِعَقْدِ الْبَيْعِ عَلَى الْتِزَامِ تَحَمُّلِهَا.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الَّذِي يَرْجِعُ بِهِ فَهُوَ مَا كَانَ غَيْرَ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ بِالْعَقْدِ وَلَمْ يَكُنْ فِي مُقَابَلَةِ عِوَضٍ وَذَلِكَ قِيمَةُ الْأَوْلَادِ فَيَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْغَاصِبِ لِأَنَّهُ دَخَلَ بِعَقْدِ الْبَيْعِ عَلَى أَنْ لَا يَضْمَنَهُمْ وَلَيْسَ لَهُ عِوَضٌ فِي مُقَابَلَتِهِمْ.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ فَهُوَ مَا كَانَ غَيْرَ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ بِالْعَقْدِ لَكِنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ عِوَضٍ وَذَلِكَ شَيْئَانِ الْمَهْرُ وَالْأُجْرَةُ؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ فِي مُقَابَلَةِ الِاسْتِمْتَاعِ وَالْأُجْرَةَ فِي مُقَابَلَةِ الْمَنْفَعَةِ وهما مما تصح المعاوضة عليها ففي رجوعه بها عَلَى الْغَاصِبِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ يَرْجِعُ بها عَلَى الْغَاصِبِ لِأَنَّهُ عَادَ لَهُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَبِهِ قَالَ فِي الْجَدِيدِ لَا يَرْجِعُ بِهِمَا عَلَيْهِ لِعِلَّتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ غُرْمٌ اسْتَحَقَّ بِفِعْلِهِ، وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ الْغَاصِبَ مُتَسَبِّبٌ وَالْمُشْتَرِي مُبَاشِرٌ وَالضَّمَانُ مُتَعَلِّقُ بِالْمُبَاشَرَةِ دُونَ السَّبَبِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
: وَلَوْ كَانَ السَّيِّدُ قَدْ رَجَعَ بِذَلِكَ عَلَى الْغَاصِبِ دُونَ الْمُشْتَرِي، نُظِرَ فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي عَالِمًا بِالْغَصْبِ يَرْجِعُ بِجَمِيعِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَوْ غَرِمَهُ مَعَ عِلْمِهِ
بِالْغَصْبِ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ فَكَمَا غَرِمَهُ الْمُشْتَرِي لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ فَإِذَا غَرِمَهُ الْغَاصِبُ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي فَعَلَى هَذَا لِلْغَاصِبِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِأَرْشِ الْبَكَارَةِ وَنَقْصِ الْوِلَادَةِ وَقِيمَةِ الْجَارِيَةِ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَرْجِعُ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ وَلَيْسَ لِلْغَاصِبِ أَنْ يَرْجِعَ بِقِيمَةِ الْأَوْلَادِ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَرْجِعُ بِقِيمَتِهِمْ.
وَهَلْ لِلْغَاصِبِ أَنْ يَرْجِعَ بِالْمَهْرِ وَالْأُجْرَةِ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَرْجِعُ إِذَا قِيلَ إِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَرْجِعُ وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ.
وَالثَّانِي: يَرْجِعُ إِذَا قِيلَ إِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَرْجِعُ وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الجديد.
فصل
: فلو كان الغاصب قد وطأها قبل البيع ثم وطأها الْمُشْتَرِي بَعْدَ الشِّرَاءِ تَعَلَّقَ بِوَطْءِ الْغَاصِبِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي انْفِرَادِهِ بِوَطْئِهَا وَتَعَلَّقَ بِوَطْءِ الْمُشْتَرِي مَا ذَكَرْنَاهُ فِي انْفِرَادِهِ بِوَطْئِهَا وَكَانَ مَا لَزِمَ الْغَاصِبَ غَيْرَ مَضْمُونٍ عَلَى الْمُشْتَرِي لِتَقَدُّمِهِ عَلَى يَدَيْهِ وَيَرْجِعُ بِهِ السَّيِّدُ عَلَى الْغَاصِبِ وحده، وكان ما لزم المشتري مضمون عَلَى الْغَاصِبِ لِأَنَّهُ حَادِثٌ بَعْدَ يَدِهِ وَالسَّيِّدُ مُخَيَّرٌ فِي الرُّجُوعِ بِهِ عَلَى أَيِّهِمَا شَاءَ ثُمَّ التَّرَاجُعُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
فَصْلٌ
: فَأَمَّا كَوْنُهَا أُمَّ وَلَدٍ لِلْوَاطِئِ مِنَ الْغَاصِبِ أَوِ الْمُشْتَرِي فَإِنْ كَانَ مَعَ عَدَمِ الشُّبْهَةِ لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ فِي الْحَالِ وَلَا إِنْ مَلَكَهَا فِي ثَانِي الْحَالِ لِأَنَّ الْوَلَدَ لَمْ يَلْحَقْ بِهِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَصِيرَ أُمَّ وَلَدٍ بِهِ وَإِنْ كَانَ مَعَ الشُّبْهَةِ وَلَحِقَ بِهِ الْوَلَدُ لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ قبل أن يملكها.
وقال المزني تصير أو وَلَدٍ لِلْمُشْتَرِي دُونَ الْغَاصِبِ لِشُبْهَتِهِ وَعَدَمِ عِلْمِهِ وَتَقُومُ عَلَيْهِ وَلَا تَرْتَجِعُ مِنْهُ لِلُحُوقِ وَلَدِهَا بِهِ فِي شِبْهِ مِلْكٍ فَصَارَ كَأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ في إحبال الأمة المشتركة يوجب تقديم حِصَّةِ الشَّرِيكِ عَلَيْهِ.
وَهَذَا خَطَأٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ وَلَدَهَا قَدْ يَلْحَقُ بِالْغَاصِبِ مَعَ الشُّبْهَةِ كَمَا يَلْحَقُ بِالْمُشْتَرِي مَعَ الشُّبْهَةِ ثُمَّ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ تَقْوِيمَهَا عَلَى الْغَاصِبِ فَكَذَلِكَ لَا يُوجِبُ تَقْوِيمَهَا عَلَى الْمُشْتَرِي.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَنْ لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ قَوْلًا مَعَ جَوَازِ أَمْرِهِ لَمْ يَنْفُذْ فِعْلًا وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَوْ أَعْتَقَهَا لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ فَكَذَلِكَ إِذَا أَحْبَلَهَا لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدِهِ فَلِهَذَيْنِ مَا قُلْنَا إِنَّهَا عَلَى مِلْكِ السَّيِّدِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ وَلَا تُقَوَّمُ عَلَى مَنْ حَبِلَتْ مِنْهُ فَإِنْ مَلِكَهَا الْمُحَبِّلُ لَهَا فَهَلْ تَصِيرُ لَهُ أُمَّ وَلَدٍ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ إِحْبَالِهَا عَلَى قَوْلَيْنِ لِأَنَّهُ إِحْبَالٌ فِي شُبْهَةِ مِلْكٍ.
وَاللَّهُ أعلم بالصواب.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " فَإِنْ كَانَ ثَوْبًا فأَبْلَاهُ الْمُشْتَرِي أَخَذَهُ مِنَ الْمُشْتَرِي وَمَا بَيْنَ قِيمَتِهِ صَحِيحًا يَوْمَ غَصْبِهِ وَبَيْنَ قِيمَتِهِ وَقَدْ أَبْلَاهُ وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْغَاصِبِ بِالثَّمَنِ الَّذِي دَفَعَ وَلَسْتُ أَنْظُرُ فِي الْقِيمَةِ إِلَى تَغَيُّرِ الْأَسْوَاقِ وَإِنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى تغير الأبدان ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَيْضًا تَشْتَمِلُ عَلَى فَصْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: فِي إِبْلَاءِ الْغَاصِبِ لَهُ.
وَالثَّانِي: فِي إِبْلَاءِ الْمُشْتَرِي فَبَدَأَ بِالْغَاصِبِ فَلَا يَخْلُو حَالُهُ فِي الثَّوْبِ الَّذِي غَصَبَهُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ لَا يَبْلَى فِي يَدِهِ وَلَا تَمْضِي عَلَيْهِ مُدَّةٌ يَكُونُ لَهَا أُجْرَةٌ فَهَذَا يَرُدُّ الثَّوْبَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ سِوَاهُ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ قَدْ بَلِيَ وَلَمْ تَمْضِ عَلَيْهِ مُدَّةٌ يَكُونُ لَهَا أُجْرَةٌ فَهَذَا يَرُدُّهُ وَيَرُدُّ مَعَهُ أَرْشَ الْبِلَى لَا غَيْرَ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَبْلَى وَلَكِنْ قَدْ مَضَتْ عَلَيْهِ مُدَّةً يَكُونُ لَهَا أُجْرَةٌ فَهَذَا يَرُدُّهُ وَيَرُدُّ مَعَهُ أُجْرَةَ مِثْلِهِ لَا غَيْرَ.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ يَبْلَى وَتَمْضِيَ عَلَيْهِ مُدَّةً يَكُونُ لَهَا أُجْرَةٌ فَهَلْ يَجْمَعُ عَلَيْهِ بَيْنَ الأرش والأجرة أم لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَيَجِبَانِ عَلَيْهِ لِاخْتِلَافِ مُوجِبِهِمَا لِأَنَّ الْأَرْشَ يَجِبُ بِاسْتِهْلَاكِ الْأَجْزَاءِ وَالْأُجْرَةَ تَجِبُ بِاسْتِهْلَاكِ الْمَنْفَعَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُمَا يَجْتَمِعَانِ عَلَيْهِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَمْرَيْنِ مِنَ الْأَرْشِ وَالْأُجْرَةِ لِأَنَّ اسْتِهْلَاكَ الْأَجْزَاءِ فِي مُقَابَلَةِ الْأُجْرَةِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ لَا يَضْمَنُ أَرْشَ الْبِلَى لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ مَا قَدْ ضَمِنَهُ مِنَ الْأُجْرَةِ وَلَكِنْ لَوْ كَانَ الْمَغْصُوبُ عَبْدًا فَمَضَتْ عَلَيْهِ فِي يَدِ الْغَاصِبِ مُدَّةٌ هُزِلَ فِيهَا بَدَنُهُ وَذَهَبَ فِيهَا سِمَنُهُ لَزِمَتْهُ الْأُجْرَةُ مَعَ أَرْشِ الْهُزَالِ وَجْهًا وَاحِدًا وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الثَّوْبِ أَنَّ اسْتِعْمَالَ الثَّوْبِ مُوجِبٌ لَبَلَاهُ وَلَيْسَ اسْتِخْدَامُ الْعَبْدِ مُوجِبًا لِهُزَالِهِ والله أعلم.
فأما الْمُشْتَرِي فَيَلْزَمُهُ مَا يَلْزَمُ الْغَاصِبَ مِنَ الْأَرْشِ وَالْأُجْرَةِ عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنَ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ لَكِنْ عَلَيْهِ الْأُجْرَةُ وَأَرْشُ الْبِلَى مِنْ وَقْتِ قَبْضِهِ لَا مِنْ وَقْتِ الْغَصْبِ.
وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَاهُنَا أَخَذَهُ مِنَ الْمُشْتَرِي وَمَا بَيْنَ قِيمَتِهِ صَحِيحًا يَوْمَ غَصْبِهِ وَمَا بَيْنَ قِيمَتِهِ وَقَدْ أُبْلِي فَلَيْسَ بِمَحْمُولٍ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَفِيهِ لِأَصْحَابِنَا ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتٍ:
أَحَدُهَا: وَهُوَ تَأْوِيلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ قِيمَتَهُ يَوْمَ الْغَصْبِ وَالْبَيْعَ سَوَاءٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ اشْتَرَاهُ يَوْمَ الْغَصْبِ.
وَالثَّالِثُ: هُوَ تَأْوِيلُ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ مِنْ يَوْمِ الْغَصْبِ أَيْ مِنْ يَوْمِ صَارَ الْمُشْتَرِي فِي حُكْمِ الْغَاصِبِ؛ فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَمَا لَزِمَ الْغَاصِبَ لَا يَضْمَنُهُ الْمُشْتَرِي وَمَا لَزِمَ
الْمُشْتَرِي يَضْمَنُهُ الْغَاصِبُ وَلِلْمَالِكِ الْخِيَارُ وَالرُّجُوعُ بِهِ عَلَى أَيِّهِمَا شَاءَ فَإِنْ رَجَعَ بِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي لَمْ يَرْجِعِ الْمُشْتَرِي بِأَرْشِ الْبِلَى.
وَهَلْ يَرْجِعُ بِالْأُجْرَةِ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ وَإِنْ رَجَعَ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ رَجَعَ الْغَاصِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِأَرْشِ الْبِلَى وَهَلْ يَرْجِعُ بِالْأُجْرَةِ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ.
فَصْلٌ
: وَلَوْ أَنَّ غَاصِبَ الثَّوْبِ أَجَّرَهُ مِنْ رَجُلٍ فَأَبْلَاهُ ضَمِنَ الْمُسْتَأْجِرُ لِرَبِّهِ أَرْشَ بِلَاهُ وَأُجْرَةَ مِثْلِهِ وَكَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ الرُّجُوعِ بِهِمَا عَلَيْهِ أَوْ عَلَى الْغَاصِبِ فَإِنْ رَجَعَ بِهِمَا عَلَيْهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْغَاصِبِ بِأَرْشِ الْبِلَى لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ لَا يَضْمَنُهُ وَلَا يَرْجِعُ بِالْأُجْرَةِ لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ ضَامِنٌ لَهَا وَلَكِنْ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا دَفَعَهُ إِلَيْهِ مِنَ الثَّمَنِ وَلَوْ رَجَعَ الْمَالِكُ عَلَى الْغَاصِبِ لَمْ يَرْجِعِ الْغَاصِبُ بِأَرْشِ الْبِلَى وَرَجَعَ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ بَعْدَ رَدِّ الثَّمَنِ.
فَصْلٌ
: وَلَوْ أَنَّ غَاصِبَ الثَّوْبِ أَعَارَهُ فَرَجَعَ الْمَالِكُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ بِالْأُجْرَةِ وَأَرْشِ الْبِلَى فَفِي رُجُوعِ الْمُسْتَعِيرِ بِهِمَا عَلَى الْغَاصِبِ قَوْلَانِ: وَلَوْ كَانَ الْمَالِكُ قَدْ رَجَعَ بِهِمَا عَلَى الْغَاصِبِ كَانَ فِي رُجُوعِ الْغَاصِبِ بِهِمَا عَلَى الْمُسْتَعِيرِ قَوْلَانِ.
فَصْلٌ
: وَلَوْ أَنَّ غَاصِبَ الثَّوْبِ أَوْدَعَهُ فَرَجَعَ الْمَالِكُ عَلَى الْمُوَدَعِ بِأَرْشِ الْبِلَى وَالْأُجْرَةِ رَجَعَ الْمُوَدَعُ بِهِمَا عَلَى الْغَاصِبِ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْهُ وَلَيْسَ لِلْغَاصِبِ لَوْ غَرِمَهَا أَنْ يَرْجِعَ بِهَا عَلَى الْمُوَدَعِ.
فَصْلٌ
: وَلَوْ أَنَّ غَاصِبَ الثَّوْبِ أَوْدَعَهُ عِنْدَ مَالِكِهِ فَتَلِفَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِهِ فَفِي سُقُوطِ الضَّمَانِ عَنْهُ وَجْهَانِ مِنِ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِيمَنْ غَصَبَ طَعَامًا وَوَهَبَهُ لِمَالِكِهِ فَأَتْلَفَهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِهِ، وَلَوْ أَنَّ مَالِكَ الثَّوْبِ أَوْدَعَهُ عِنْدَ غَاصِبِهِ أَوْ أَجَّرَهُ فَتَلَفَ فَإِنْ كَانَ فِعْلُ ذَلِكَ بَعْدَ قَبْضِهِ سَقَطَ عَنْهُ الضَّمَانُ وَإِنْ كَانَ قَبْلَ قَبْضِهِ فَفِي سُقُوطِ الضَّمَانِ وَجْهَانِ ذَكَرْنَاهُمَا فِي الرَّهْنِ وَاللَّهُ أعلم.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَلَسْتُ أَنْظُرُ فِي الْقِيمَةِ إِلَى تَغَيُّرِ الْأَسْوَاقِ وإنما أنظر إلى تغير الأبدان وَهَذَا كَمَا قَالَ نَقْصُ الْمَغْصُوبُ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ نَوْعَانِ نَقْصُ بَدَنٍ وَنَقْصُ ثَمَنٍ.
فَأَمَّا نَقْصُ الْبَدَنِ فَضَرْبَانِ: ضَرَبٌ نَقَصَ عَنْ حَالِ الْغَصْبِ كَالْغَصْبِ سَمِينًا فَيَهْزُلُ أَوْ صَحِيحًا فَيَمْرَضُ فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَى الْغَاصِبِ بِاتِّفَاقٍ وَضَرْبٌ نَقَصَ عَنْ زِيَادَةٍ حَادِثَةٍ بَعْدَ الْغَصْبِ كَالْمَغْصُوبِ هَزِيلًا فَيَسْمَنُ ثُمَّ يَهْزُلُ أَوْ مَرِيضًا فَيَصِحُّ ثُمَّ يَمْرَضُ فَهُوَ مَضْمُونُ الزِّيَادَةِ بِالنَّقْصِ وَقَالَ أبو حنيفة لَا يَضْمَنُ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ مَعَهُ.
فَصْلٌ
: فَأَمَّا نَقْصُ الثَّمَنِ فَكَأن الْمَغْصُوبُ يُسَاوِي أَلْفًا لِزِيَادَةِ السُّوقِ فَيَرُدُّهُ وَهُوَ يُسَاوِي مِائَةً لِنَقْصِ السُّوقِ فَهَذَا النَّقْصُ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَى الْغَاصِبِ وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ هُوَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ استدلالاً بأمرين:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ نَقْصٌ يَضْمَنُهُ الْغَاصِبُ مَعَ تَلَفِ الْعَيْنِ فَوَجَبَ أَنْ يَضْمَنَهُ مَعَ بَقَائِهَا قِيَاسًا عَلَى نَقْصِ الْبَدَنِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ عُدْوَانٌ يَضْمَنُ بِهِ نَقْصَ الْبَدَنِ فَوَجَبَ أَنْ يَضْمَنَ بِهِ نَقْصَ الثَّمَنِ قِيَاسًا عَلَى تَلَفِ الْعَيْنِ.
وَدَلِيلُنَا أَنَّهُ مَغْصُوبٌ لِمَنْ يَنْقُصُ فِي بَدَنِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَبْرَأَ الْغَاصِبُ بِرَدِّ عَيْنِهِ قِيَاسًا عَلَى مَا لَمْ يَنْقُصْ مِنْ ثَمَنِهِ وَلِأَنَّ رَدَّ الْمَغْصُوبِ بِعَيْنِهِ أَخَصُّ بِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ فِي رَدِّ مِثْلِهِ ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ لَوْ غَصَبَ ذَا مثل فاستهلك ثم رد مثله فأرخ ص ثَمَنًا لِنَقْصِ سُوقِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ رَدُّ مِثْلِهِ أَنْ يَضْمَنَ نَقْصَ ثَمَنِهِ فَأَوْلَى إِذَا رَدَّهُ بِعَيْنِهِ أَنْ لَا يَضْمَنَ نَقْصَ ثَمَنِهِ فَأَمَّا جَمْعُهُ بَيْنَ نَقْصِ السُّوقِ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ وَبَيْنَ نَقْصِهَا مَعَ تَلَفِ الْعَيْنِ فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ نَقْصَ السُّوقِ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ غَيْرَ مُسْتَهْلَكٍ وَلَا فَائِتٍ لِجَوَازِ عُودِهِ فَلَمْ يَضْمَنْهُ وَهُوَ مَعَ تَلَفِ الْعَيْنِ مُسْتَهْلَكٌ فَائِتٌ فَضَمِنَهُ فَأَمَّا جَمْعُهُ بَيْنَ نَقْصِ السُّوقِ وَالْبَدَنِ فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا مَعَ أبي حنيفة:
أَحَدُهُمَا: ثُبُوتُ يَدِهِ عَلَى زِيَادَةِ الْبَدَنِ فَضَمِنَهَا بِالنَّقْصِ وَارْتِفَاعِ يَدِهِ عَنْ زِيَادَةِ السُّوقِ فَلَمْ يَضْمَنْهَا بِالنَّقْصِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ نَقْصَ الْبَدَنِ عَيْبٌ يَمْنَعُ الْمُشْتَرِي مِنَ الرَّدِّ.
فَصْلٌ
: فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقْصُ الْبَدَنِ مَضْمُونٌ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ وَتَلَفِهَا وَنَقْصُ الثَّمَنِ غَيْرُ مَضْمُونٍ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ وَهُوَ مَضْمُونٌ مَعَ تَلَفِهَا فَعَلَى هَذَا لَوْ غَصَبَ ثَوْبًا يُسَاوِي عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فَبَلِيَ حَتَّى نَقَصَ عُشْرُ ثَمَنِهِ ثُمَّ زَادَ الثَّوْبُ لِزِيَادَةِ السُّوقِ حَتَّى صَارَ يُسَاوِي مِائَةً فَعَلَيْهِ عُشْرُ الْعَشْرَةَ الَّتِي هِيَ الثَّمَنُ الْأَوَّلُ وَذَلِكَ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ لِأَنَّ الْعُشْرَ فِي الثَّوْبِ مُسْتَهْلَكٌ قَبْلَ حُدُوثِ الزِّيَادَةِ وَهُوَ لَوِ اسْتَهْلَكَ جَمِيعَ الثَّوْبِ حَتَّى كَانَ يُسَاوِي عَشْرَةً ثُمَّ صَارَ مِثْلُهُ يُسَاوِي مِائَةً لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا عَشْرَةٌ فَكَذَلِكَ إِذَا اسْتَهْلَكَ عُشْرَ الثَّوْبِ لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا عُشْرُ الْعَيْنِ، وَلَوْ غَصَبَهُ وَهُوَ يُسَاوِي مِائَةً ثُمَّ نَقَصَ ثَمَنُهُ بِنَقْصِ السُّوقِ حَتَّى صَارَ يُسَاوِي عَشْرَةً ثُمَّ بَلِيَ بَعْدَ نَقْصِ ثمنه بلا نَقْصَهُ عُشْرَ الثَّمَنِ ضَمِنَ عُشْرَ الْمِائَةِ وَهُوَ الثَّمَنُ الْأَوَّلُ وَذَلِكَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ لِأَنَّ الْغَاصِبَ يَضْمَنُ بِالتَّلَفِ أَكْثَرَ مَا كَانَ ثَمَنًا وَلَوْ أَتْلَفَ الثَّوْبَ لَزِمَتْهُ الْمِائَةُ فَكَذَلِكَ إِذَا أَتْلَفَ عشره لزمه عشر المائة والله أعلم بالصواب.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ دَابَّةً فَشَغَلَهَا الْغَاصِبُ أَوْ
لَمْ يَشْغَلْهَا أَوْ دَارًا فَسَكَنَهَا أَوْ أَكْرَاهَا أَوْ لَمْ يَسْكُنْهَا وَلَمْ يُكْرِهَا فَعَلَيْهِ كراءٌ مثل كراء ذلك من حي أخذه ثم يَرُدَّهُ وَلَيْسَ الْغَلَّةُ بِالضَّمَانِ إِلَّا لِلْمَالِكِ الَّذِي قَضَى لَهُ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وأدخل الشافعي رحمه الله على من قال إن الغاصب إذا ضمن سقط عنه الكراء قوله إذا اكترى قميصاً فائتزر به أو بيتاً فنصب فيه رحىً أنه ضامنٌ وعليه الكراء ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ مَنَافِعُ الْمَغْصُوبِ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْغَاصِبِ بِالْأُجْرَةِ.
سَوَاءٌ انْتَفَعَ أَوْ لَمْ يَنْتَفِعْ وَقَالَ أبو حنيفة لَا يَضْمَنُهَا وَلَا أُجْرَةَ عَلَيْهِ فِيهَا سَوَاءٌ انْتَفَعَ أَوْ لَمْ يَنْتَفِعْ.
وَقَالَ مَالِكٌ يَضْمَنُهَا بِالْأُجْرَةِ إِنِ انْتَفَعَ بِهَا وَلَا يَضْمَنُهَا إِنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا وَاسْتَدَلُّوا عَلَى سُقُوطِ الْأُجْرَةِ بِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ فَجَعَلَ الْخَرَاجَ وَالْغَلَّةَ لِمَنْ عَلَيْهِ ضَمَانُ الرَّقَبَةِ فَلَمَّا ضَمِنَ الْغَاصِبُ الرَّقَبَةَ سقط عنه ضمان الغلة.
قالوا ولأن مَنَافِعَ الْأَعْيَانِ تَبَعٌ لَهَا فَإِذَا ضُمِنَتِ الرَّقَبَةُ دَخَلَ فِيهَا ضَمَانُ الْمَنْفَعَةِ كَالْمُشْتَرِي لَمَّا ضَمِنَ الرَّقَبَةَ بِالثَّمَنِ دَخَلَ فِيهِ ضَمَانُ الْمَنْفَعَةِ.
وَتَحْرِيرُهُ قَالَ إِنَّ مَا أَوْجَبَ ضَمَانَ الرَّقَبَةِ سَقَطَ مَعَهُ ضَمَانُ الْمَنْفَعَةِ كَالْبَيْعِ.
قَالُوا وَلِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْحُرِّ قَدْ يَصِحُّ الْمُعَاوَضَةُ عَلَيْهَا بِالْبَدَلِ وَلَا تُضْمَنُ بِالْغَصْبِ فَكَذَلِكَ مَنَافِعُ الْمَمْلُوكِ وَإِنْ صَحَّتِ الْمُعَاوَضَةُ عَلَيْهَا بِالْبَدَلِ لَمْ يَضْمَنْهَا بِالْغَصْبِ وَيَتَحَرَّرُ مِنْهُ قِيَاسَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا مَنَافِعُ أَعْيَانٍ فَلَمْ تُضْمَنْ بِالْغَصْبِ قِيَاسًا عَلَى مَنَافِعِ الْحُرِّ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَا لَا يُضْمَنُ بِهِ مَنَافِعُ الْحُرِّ لَمْ يُضْمَنْ بِهِ مَنَافِعُ الْعَبْدِ كَالْعَارِيَةِ طَرْدًا وَالْإِجَارَةِ عَكْسًا.
قَالُوا وَلِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ مَنْفَعَتَانِ مَنْفَعَةُ اسْتِمْتَاعٍ تُوجِبُ الْمَهْرَ وَمَنْفَعَةُ اسْتِخْدَامٍ تُوجِبُ الْأُجْرَةَ فَلَمَّا لَمْ يَضْمَنِ الْغَاصِبُ مَنْفَعَةَ الِاسْتِمْتَاعِ بِالْمَهْرِ لم يضمن منفعة الاستخدام بالأجرة يتحرر مِنْهُ قِيَاسَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ نَوْعُ انْتِفَاعٍ فَوَجَبَ أَلَّا يُضْمَنَ بِالْغَصْبِ كَالِاسْتِمْتَاعِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَا لَمْ يُضْمَنْ بِهِ الْمُهُورُ لَمْ يُضْمَنْ بِهِ الْأُجُورُ كَالْجِنَايَةِ.
قَالُوا وَلِأَنَّ أُصُولَ الشَّرْعِ مُقَرِّرَةٌ عَلَى أَنَّ مَا أَوْجَبَ ضَمَانَ الْعَيْنِ أَسْقَطَ ضَمَانَ الْمَنْفَعَةِ كَالْبَيْعِ وَمَا أَوْجَبَ ضَمَانَ الْمَنْفَعَةِ أَسْقَطَ ضَمَانَ الْعَيْنِ كَالْإِجَارَةِ وَكَانَتِ الْأُصُولُ مَانِعَةً مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فَلَمَّا أَوْجَبَ الْغَصْبُ ضَمَانَ الْعَيْنِ وَجَبَ أَنْ يَسْقُطَ ضَمَانُ الْمَنْفَعَةِ وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا أَنَّ مَا أَوْجَبَ أَحَدَ الضَّمَانَيْنِ مَنَعَ مِنِ اجْتِمَاعِ الضَّمَانَيْنِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ.
وَدَلِيلُنَا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَعْتَدِيَ عَلَى مَالِكِهِ بِاسْتِهْلَاكِ مَنَافِعِهِ أَوْجَبَ الْعُمُومَ مَثَلًا مَشْرُوعًا وَهُوَ الْأُجْرَةُ لِأَنَّ الْقِيمَةَ أَحَدُ الْمِثْلَيْنِ وَلِأَنَّ مَا ضُمِنَ بِالْعُقُودِ ضُمِنَ بِالْغُصُوبِ كَالْأَعْيَانِ وَلِأَنَّ مَا ضُمِنَ بِهِ الْأَعْيَانُ ضُمِنَ
بِهِ الْمَنَافِعُ كَالْعُقُودِ وَلِأَنَّ الْمَنَافِعَ مَالٌ بِدَلِيلِ أَنَّ مَا جَازَتْ بِهِ الْوَصِيَّةُ تَمْلِيكًا كَانَ فِي نَفْسِهِ مَالًا كَالْأَعْيَانِ وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ الْكَلْبُ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِهِ بَدَلُ تَمْلِيكٍ لَا تَمْلِيكٌ وَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالْمَنَافِعِ مُعْتَبَرَةٌ مِنَ الثُّلُثِ فَكَانَتْ مَالًا كَالرِّقَابِ وَلِأَنَّ ضَمَانَ الْغَصْبِ أَعَمُّ مِنْ ضَمَانِ الْعَقْدِ وَضَمَانُ الْمَنَافِعِ أَعَمُّ مِنْ ضَمَانِ الْأَعْيَانِ لِأَنَّ الْوَقْفَ مَضْمُونٌ بِالْغَصْبِ دُونَ الْعَقْدِ وَيَصِحُّ الْعَقْدُ مِنْهُ عَلَى الْمَنْفَعَةِ دُونَ الرَّقَبَةِ فَلَمَّا ضُمِنَتِ الْمَنَافِعُ بِالْعُقُودِ فَأَوْلَى أَنَّ تُضْمَنَ بِالْغُصُوبِ وَلَوْ ضُمِنَ بِالْغَصْبِ الْأَعْيَانُ فَأَوْلَى بِهِ الْمَنَافِعُ فَيَكُونُ هَذَا تَرْجِيحًا فِي الْأَصْلَيْنِ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْلَى وَيَتَحَرَّرُ مِنْهُ الْقِيَاسَانِ الْمُتَقَدِّمَانِ ولأن منافع الأعيان قد تتنوع توعين نَوْعٌ يَكُونُ نَفْعُهُ بِاسْتِهْلَاكِهِ كَالْمَأْكُولِ وَنَوْعٌ يَكُونُ نَفْعُهُ بِاسْتِبْدَالِهِ وَاسْتِخْدَامِهِ كَالثِّيَابِ وَالْعَبِيدِ فَلَمَّا ضَمِنَ الْغَصْبُ نَفْعَ الِاسْتِهْلَاكِ وَجَبَ أَنْ يَضْمَنَ بِهِ نَفْعَ الِاسْتِخْدَامِ وَيَتَحَرَّرُ مِنِ اعْتِلَالِهِ قِيَاسَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ نَوْعُ نَفْعٍ فَوَجَبَ أَنْ يُضْمَنَ بِالْغَصْبِ كَالْأَكْلِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَا ضُمِنَ نَفْعُهُ اسْتِبْدَالًا كَالْمَبْذُولِ عِوَضًا وَلِأَنَّهُ لَمَّا ضَمِنَ بِالْغَصْبِ مَا لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ مِنَ الْأَعْيَانِ التَّالِفَةِ فِي يَدِهِ فَأَوْلَى أَنْ يَضْمَنَ مَا قَدِ اسْتَهْلَكَهُ مِنَ الْمَنَافِعِ بِيَدِهِ لَمَّا ضَمِنَ الْمَنَافِعَ بِالْمُرَاضَاةِ وَالِاخْتِيَارِ فَأَوْلَى أَنْ يَضْمَنَهَا مَعَ الْإِكْرَاهِ وَالْإِجْبَارِ فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ فَهُوَ أَنَّ الْغَاصِبَ غَيْرُ مُرَادٍ بِهِ لِأَنَّهُ جَعَلَ خَرَاجَ الْغَلَّةِ لِمَنْ عَلَيْهِ ضَمَانُ الرَّقَبَةِ وَالْغَاصِبُ لَا يَمْلِكُ الْغَلَّةَ مَعَ ضَمَانِ الرَّقَبَةِ فَجَازَ أَنْ يَضْمَنَهَا مع ضَمَان الرَّقَبَةِ؛ وَيَكُونُ الْحَدِيثُ مَحْمُولًا عَلَى مَالِكِ الْغَلَّةِ الَّذِي يَمْلِكُ بِضَمَانِهِ الرَّقَبَةَ وَهُوَ الْمُشْتَرِي وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ نَقْلًا، فَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْمُشْتَرِي فَالْمَعْنَى فِيهِ حُدُوثُ الْمَنَافِعِ مَعَ مِلْكِهِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَضْمَنْهَا وَالْمَنَافِعُ فِي الْغَصْبِ حَادِثَةٌ عَلَى مِلْكِ الْمَغْصُوبِ فَلِذَلِكَ كَانَ الْغَاصِبُ ضَامِنًا لَهَا، وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى مَنَافِعِ الْحُرِّ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي كِتَابِ السِّيَرِ إِنَّ الْإِمَامَ إِذَا أَكْرَهَ مُشْرِكًا أَوِ الذِّمِّيَّ حَمْلًا عَلَى كَلَامِ الشَّافِعِيِّ فِي عِبَارَتِهِ فِي الْأُمِّ عَلَى الْجِهَادِ مَعَهُ فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ يَوْمَ إِكْرَاهِهِ عَلَى الْخُرُوجِ مَعَهُ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مَنَافِعِ الْحُرِّ هَلْ تُضْمَنُ بِالتَّفْوِيتِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ على من فوقها عَلَيْهِ بِحَبْسِهِ وَتَعْطِيلِهِ اسْتِشْهَادًا بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَاسْتِشْهَادًا بِمَنَافِعِ الْعَبْدِ فَعَلَى هَذَا يَبْطُلُ اسْتِدْلَالُهُمْ بِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا إنَّ مَنَافِعَ الْحُرِّ لَيْسَتْ مَضْمُونَةً بِالتَّفْوِيتِ وَالْحَبْسِ وَإِنَّمَا هِيَ مَضْمُونَةٌ بِالِاسْتِهْلَاكِ وَالْإِجْبَارِ عَلَى الْعَمَلِ وَحَمَلُوا كَلَامَ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَنَّهُ أَوْجَبَ لَهُ الْأُجْرَةَ لِإِكْرَاهِهِ عَلَى الْجِهَادِ فَكَذَا حَالُ الْأَحْرَارِ إِذَا أُكْرِهُوا عَلَى الْأَعْمَالِ اسْتَحَقُّوا الْأُجْرَةَ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَمْلُوكِ حَيْثُ كَانَتْ مَنَافِعُهُ مَضْمُونَةً بِالتَّفْوِيتِ وَبَيْنَ الْحُرِّ حَيْثُ لَمْ تُضْمَنْ مَنَافِعُهُ بِالتَّفْوِيتِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعَبْدَ لَمَّا كَانَ مَضْمُونًا بِالْيَدِ كَانَتْ مَنَافِعُهُ مَضْمُونَةً بِالْيَدِ وَالْحُرَّ لَمَّا لَمْ يُضْمَنْ بِالْيَدِ لَمْ تُضْمَنْ مَنَافِعُهُ بِالْيَدِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَنَافِعَ الْحُرِّ فِي يَدِهِ فَلِذَلِكَ لَمْ تُضْمَنْ إِلَّا بِالِاسْتِهْلَاكِ وَلَيْسَتْ مَنَافِعُ الْعَبْدِ فِي يَدِهِ بَلْ فِي يَدَيْ مَالِكِهِ فَلِذَا ضَمِنَهَا بِالتَّفْوِيتِ وَبِالِاسْتِهْلَاكِ.
أَلَا تَرَاهُ لَوْ حَبَسَ حُرًّا ومعه مال فتلف لم يضمنه لِأَنَّهُ تَالِفٌ فِي يَدِ مَالِكِهِ وَلَوْ حَبَسَ عَبْدًا وَمَعَهُ مَالٌ فَتَلِفَ ضَمِنَهُ لِأَنَّهُ فِي يَدِ غَاصِبِهِ.
وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى يَدِ الِاسْتِمْتَاعِ مِنَ الْمَهْرِ فَنَحْنُ نُوجِبُهُ بِالْغَصْبِ عَلَى الْمُسْتَكْرِهِ وَفِي الْجَوَابِ بِهَذَا مَقْنَعٌ فَأَمَّا بِالْمَنْعِ فَلَا نُوجِبُهُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ أُجْرَةِ الْمَنَافِعِ حَيْثُ وَجَبَتْ بِالْمَنْعِ وَبَيْنَ الِاسْتِمْتَاعِ حَيْثُ لَمْ يَجِبْ بِالْمَنْعِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ سَيِّدَ الْمَغْصُوبَةِ قَدْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى مَهْرِهَا بِتَزْوِيجِهَا وَلَا يَقْدِرُ عَلَى أُجْرَتِهَا بِإِجَارَتِهَا لِأَنَّ تَزْوِيجَ الْمَغْصُوبَةِ يَجُوزُ وَإِجَارَتُهَا لَا تَجُوزُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَهْرَ لَا يَزِيدُ بِطُولِ الْمُدَّةِ وَيُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُ بِالْعَقْدِ بَعْدَ رَدِّهَا فَلَمْ يَضْمَنْهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَفُتْ.
وَالْأُجْرَةُ تَزِيدُ بِطُولِ الْمُدَّةِ وَلَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُ مَا مَضَى بَعْدَ رَدِّهَا فَضَمِنَهُ لِأَنَّهُ قَدْ فَاتَ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِالْمَنْعِ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ ضَمَانِ الْمَنْفَعَةِ وَالْعَيْنِ بِمَا ذَكَرَهُ مِنْ شَاهِدَيِ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ فَالْجَوَابُ عَنْهُ مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ أَنَّهُ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ أَنْ يَجْتَمِعَ ضَمَانُ الْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ كَمَنِ اسْتَأْجَرَ ثَوْبًا فَاتَّزَرَ بِهِ أَوْ دَارًا فَأَسْكَنَ فِيهَا حَدَّادِينَ أَنَّهُ يَكُونُ ضَامِنًا لِلْأُجْرَةِ وَلِلرَّقَبَةِ فَإِنْ سَلَّمُوا هَذَا كَانَ نَقْصًا وَإِنِ ارْتَكَبُوهُ فَقَدْ جَعَلُوا لِكُلِّ مُسْتَأْجِرٍ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْمَنْفَعَةَ وَيُسْقِطَ عَنْ نَفْسِهِ الْأُجْرَةَ بِالتَّعَدِّي فَيَصِيرُ مُسْقِطًا لِحَقٍّ وَاجِبٍ بِظُلْمٍ وَتَعَدٍّ وَالتَّعَدِّي يُوجِبُ إِثْبَاتَ حَقٍّ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوجِبَ إِسْقَاطَ حَقٍّ وَفِي الْقَوْلِ بِهَذَا مِنْ نَقْصِ الْأُصُولِ مَا لَا يُوَازِيهِ التَّحَرُّزُ مِنَ الْتِزَامِ دَلِيلٍ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ لَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ الْوَاحِدُ مُوجِبًا لِحَقَّيْنِ مِنْ وَجْهَيْنِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْقَتْلَ يُوجِبُ الدِّيَةَ وَالْكَفَّارَةَ وَهُمَا حَقَّانِ وَقَتْلَ الصَّيْدِ الْمَمْلُوكِ يُوجِبُ الْقِيمَةَ وَالْجَزَاءَ، وَالسَّرِقَةَ تُوجِبُ الْقَطْعَ وَالرَّدَّ فَكَذَلِكَ الْغَصْبُ يُوجِبُ الضَّمَانَ لِلْأُجْرَةِ وَضَمَانَ العين.
فَصْلٌ
: فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ مَنَافِعَ الْمَغْصُوبِ مَضْمُونَةٌ فَضَمَانُهَا بِشَرْطَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ الْمَنْفَعَةُ مِمَّا يعاوض عليهما بِالْإِجَارَةِ وَمَا لَا تَصِحُّ إِجَارَتُهُ كَالنَّخْلِ وَالشَّجَرِ وَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ لَمْ يُلْزِمْ فِي الْغَصْبِ أُجْرَةً.
وَالثَّانِي: أَنْ يَسْتَدِيمَ مُدَّةُ الْغَصْبِ زَمَانًا يَكُونُ لِمِثْلِهِ أُجْرَةً فَإِنْ قَصُرَ زَمَانُهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ لِمِثْلِهِ أُجْرَةٌ لَمْ يَلْزَمْهُ بِالْغَصْبِ أُجْرَةٌ.
فَصْلٌ
: وَإِذَا غَصَبَ الرَّجُلُ مُكَاتَبًا فَحَبَسَهُ زَمَانًا ضَمِنَ أُجْرَةَ مِثْلِهِ لِأَنَّ الْمَكَاتَبَ عَبْدٌ يُضْمَنُ بِالْيَدِ وَكَذَلِكَ أُمُّ الْوَلَدِ فَأَمَّا السَّيِّدُ إِذَا حَبَسَ مَكَاتَبَهُ عَنْ نِصْفِهِ حَوْلًا فَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَضْمَنُ أُجْرَةَ مِثْلِهِ فِي الْحَوْلِ كَالْأَجْنَبِيِّ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ عَلَيْهِ إِنْظَارَهُ بِحَالِ الْكِتَابَةِ حَوْلًا مِثْلَ زَمَانِ حَبْسِهِ فَكَأَنَّهُ أَخَّرَ زمان كنايته والله أعلم.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَلَوِ اسْتَكْرَهَ أَمَةً أَوْ حُرَّةً فَعَلَيْهِ الْحَدُّ وَالْمَهْرُ وَلَا مَعْنَى لِلْجِمَاعِ إِلَّا فِي مَنْزِلَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا أَنْ تَكُونَ هِيَ زَانِيَةً مَحْدُودَةً فَلَا مهر لا ومنزلةٍ تَكُونُ مصابةٌ بنكاحٍ فَلَهَا مَهْرُهَا ومنزلةٍ تَكُونُ شُبْهَةً بَيْنَ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ وَالزِّنَا الصَرِيحِ فَلَمَّا لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهَا إِذَا أُصِيبَتْ بنكاحٍ فاسدٍ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهَا وَلَهَا الْمَهْرُ عِوَضَا مِنَ الْجِمَاعِ انْبَغَى أَنْ يَحْكُمُوا لَهَا إِذَا اسْتُكْرِهَتْ بمهرٍ عِوَضَا مِنَ الْجِمَاعِ لِأَنَّهَا لَمْ تُبِحْ نَفْسَهَا فَإِنَّهَا أَحْسَنُ حَالًا مِنَ الْعَاصِيَةِ بنكاحٍ فاسدٍ إِذَا كَانَتْ عَالِمَةً ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ.
إِذَا اسْتَكْرَهَ الرَّجُلُ امْرَأَةً عَلَى نَفْسِهَا حَتَّى وَطِئَهَا كُرْهًا وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ دُونَهَا وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الْمَهْرِ لَهَا فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى وُجُوبِ الْمَهْرِ عَلَيْهِ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً.
وَقَالَ أبو حنيفة لَا مَهْرَ عَلَيْهِ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً.
وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ كَانَتْ حُرَّةً فَعَلَيْهِ الْمَهْرُ وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ وَاسْتَدَلَّ مَنْ أَسْقَطَ عَنْهُ الْمَهْرَ بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ نَهَى عَنْ مَهْرِ الْبَغِيِّ بِالتَّخْفِيفِ يَعْنِي الزِّنَا وَهَذَا زِنًا فَوَجَبَ أَنْ يَسْقُطَ فِيهِ الْمَهْرُ وَرَوَى ابْنُ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نَهَى عَنْ كَسْبٍ الزِّمَارَةِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ يَعْنِي الزَّانِيَةَ كَنَهْيِهِ عَنْ مَهْرِ الْبَغِيِّ قَالُوا وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ أَوْجَبَ حَدًّا فَلَمْ يُوجِبْ مَهْرًا كَالْمُطَاوَعَةِ قَالُوا وَلِأَنَّ الْحَدَّ وَالْمَهْرَ مُتَنَافِيَانِ فَلَمَّا وَجَبَ الْحَدُّ إِجْمَاعًا سَقَطَ الْمَهْرُ حِجَاجًا قَالُوا وَلِأَنَّ حُكْمَ الْفِعْلِ مُعْتَبَرٌ بِأَحْوَالِ الْفَاعِلِ وَالزِّنَا فِعْلُ الْوَاطِئِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمَهْرُ مُعْتَبَرًا بِحَالِهِ.
وَدَلِيلُنَا: مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ أَيُّمَا امرأةٍ نُكِحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا باطلٌ فَإِنْ مَسَّهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا وَالْمُسْتَكْرِهُ مُسْتَحِلٌّ لِفَرْجِهَا فَاقْتَضَى أَنْ يَلْزَمَهُ
مَهْرُهَا فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ خُصَّ النِّكَاحُ بِذَلِكَ ذِكْرًا فَاخْتَصَّ بِهِ حُكْمًا قِيلَ الِاسْتِدْلَالُ مِنَ الْخَبَرِ بِتَعْلِيلِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا وَالتَّعْلِيلُ عَامٌّ وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي غَيْرِ مِلْكٍ سَقَطَ الْحَدُّ فِيهِ عَنِ الْمَوْطُوءَةِ فَاقْتَضَى أَنْ يَجِبَ الْمَهْرُ فِيهِ عَلَى الْوَاطِئِ قِيَاسًا عَلَى النِّكَاحِ الْفَاسِدِ وَمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ أَنَّ الْمُغْتَصَبَةَ أَحْسَنُ حَالًا مِنَ الْمَنْكُوحَةِ نِكَاحًا فاسداٍ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَنْكُوحَةَ مَعَ عِلْمِهَا عَاصِيَةٌ وَالْمُغْتَصَبَةَ غَيْرُ عَاصِيَةٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَنْكُوحَةَ مُمْكِنَةٌ، وَالْمُغْتَصَبَةَ مُسْتَكْرَهَةٌ فَلَمَّا وَجَبَ الْمَهْرُ لِلْمَنْكُوحَةِ نِكَاحًا فَاسِدًا فَأَوْلَى أَنْ يَجِبَ لِلْمُسْتَكْرَهَةِ؛ وَلِأَنَّ مَنَافِعَ الْبُضْعِ تَجْرِي مَجْرَى الْأَمْوَالِ لِأَنَّهَا تَمَلُّكٌ بِعِوَضٍ فِي النِّكَاحِ وَيُمْلَكُ بِهَا عِوَضٌ فِي الْخُلْعِ ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّ الْأَمْوَالَ تُضْمَنُ بِالْغَصْبِ فَكَذَلِكَ مَنَافِعُ الْبُضْعِ، ثُمَّ لَكَ أَنْ تَسْتَدِلَّ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ ضَمَانِ الْأُجْرَةِ لِأَنَّ أَصْلَهُمَا وَاحِدٌ وَالْخِلَافُ فِيهِمَا عَلَى سَوَاءٍ فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ نَهْيِهِ عَنْ مَهْرِ الْبَغِيِّ فَرُوِيَ بِالتَّشْدِيدِ يَعْنِي مَهْرَ الزَّانِيَةِ، وَالْمُسْتَكْرَهَةُ غَيْرُ زَانِيَةٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَدَّ سَاقِطٌ عَنْهَا وَلَوْ كَانَتْ بَغِيًّا لَوَجَبَ الْحَدُّ عَلَيْهَا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ نَهْيِهِ عَنْ كَسْبِ الزمارة ففيه تأويلان:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ نَهَى عَنْ كَسْبِ الزِّمَارَةِ مِنَ الزَّمْرِ وَالسِّعَايَةِ فَعَلَى هَذَا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بمسألتنا.
والرواية الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ نَهَى عَنْ كَسْبِ الزِّمَارَةِ بِالتَّشْدِيدِ وَتَقْدِيمِ الزَّايِ الْمُعْجَمَةِ فَيَكُونُ كَنَهْيِ الْبَغِيِّ وَلَيْسَتْ هَذِهِ بَغِيًّا وَلَا زَانِيَةً.
وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْمُطَاوَعَةِ فَالْمَعْنَى فِيهِ وُجُوبُ الْحَدِّ عَلَيْهَا.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِتَنَافِي الْمَهْرِ وَالْحَدِّ فَصَحِيحٌ لَكِنْ يَتَنَافَى اجْتِمَاعُهُمَا فِي الْمَوْطُوءَةِ دُونَ الْوَاطِئِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمَهْرَ يُعْتَبَرُ بِهِ شُبْهَةَ الْمَوْطُوءَةِ أَنَّ رَجُلًا لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَزُفَّتْ إِلَيْهِ غَيْرُهَا فَوَطِئَهَا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِهَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ثُمَّ يُنْظَرُ فِي الْمَرْأَةِ فَإِنْ عَلِمَتْ فَعَلَيْهَا الْحَدُّ وَلَا مَهْرَ لَهَا وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا وَلَهَا الْمَهْرُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ بِهِ شُبْهَةُ الْمَوْطُوءَةِ دُونَ الْوَاطِئِ لِأَنَّ الْمَهْرَ يَجِبُ إِنْ لَمْ تَعْلَمْ وَيسقط إِنْ عَلِمَتْ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِأَنَّ الْوَطْءَ فِعْلُ الْوَاطِئِ، فَكَانَ حُكْمُهُ مُعْتَبَرًا بِهِ.
فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ فِعْلًا مِنْهُ فَحُكْمُهُ مُعْتَبَرٌ بِحَالِ مَنْ أُتْلِفَ عَلَيْهِ أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ قَتَلَ عَبْدًا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ سَقَطَتِ الْقِيمَةُ عَنْهُ، وَلَوْ كَانَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَجَبَتِ الْقِيمَةُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الْحَالَتَيْنِ قَاتِلٌ عَاصٍ لَكِنْ سَقَطَ عَنْهُ فِي الْحَالِ الْأَوَّلِ لرضا المتلف عبد وإذنه ووجب عليه في الحال الثاني لِعَدَمِ رِضَاهُ وَإِذْنِهِ كَذَلِكَ الْمَوْطُوءَةُ إِنْ طَاوَعَتْ فَهِيَ رَاضِيَةٌ بِإِتْلَافِ بُضْعِهَا بِغَيْرِ بَدَلٍ وَإِنِ اسْتُكْرِهَتْ فَهِيَ غَيْرُ رَاضِيَةٍ بِإِتْلَافِهِ عَلَى غَيْرِ بدل.
فَصْلٌ
: فَإِذَا ثَبَتَ وُجُوبُ الْمَهْرِ عَلَى الْمُسْتَكْرِهِ واختلفا، فادعت الموطوءة الاستكراه وادعا الْوَاطِئُ الْمُطَاوَعَةَ فَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْوَاطِئِ مَعَ يَمِينِهِ وَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ اعْتِبَارًا بِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلَ الْمَوْطُوءَةِ مَعَ يَمِينِهَا وَلَهَا الْمَهْرُ لِأَنَّهُ مُتْلِفٌ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَا مَبْنِيَّيْنِ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ إِذَا اخْتَلَفَ رَبُّ الدَّابَّةِ وَرَاكِبُهَا وَرَبُّ الأرض وزارعها والله أعلم.
مسألة
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " فِي السَّرِقَةِ حُكْمَانِ أَحَدُهُمَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالْآخَرُ لِلْآدَمِيِّينَ فَإِذَا قُطِعَ لِلَّهِ تَعَالَى أُخِذَ مِنْهُ مَا سَرَقَ لِلْآدَمِيِّينَ فَإِنْ لَمْ يُؤْخَذْ فَقِيمَتُهُ لِأَنِّي لَمْ أَجِدْ أَحَدَا ضَمِنَ مَالًا بِعَيْنِهِ بغصبٍ أَوْ عدوانٍ فَيَفُوتَ إِلَّا ضَمِنَ قِيمَتَهُ وَلَا أَجِدُ في ذلك موسراً مخالفاً لمعسر وفي المغتصبة حكمان أحدهما لله والآخر للمغتصبة بالمسيس الذي العوض منه المهر فأثبت ذلك والحد على المغتصب كما أثبت الحد والغرم على السارق ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ.
إِذَا سَرَقَ سارق نصاباً محرزاً فإن كان السارق بَاقِيًا اسْتُرِدَّ وَقُطِعَ إِجْمَاعًا، وَإِنْ كَانَ تَالِفًا فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
أَنْ يُغَرَّمَ وَيُقْطَعَ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا.
وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُقْطَعُ وَلَا يُغَرَّمُ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا، إِلَّا أَنْ يَعْفُوَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ عَنِ الْقَطْعِ فَيُغَرَّمُ ولا يجمع بين القطع والغرم.
والثالث: وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، أَنَّهُ إِنْ كَانَ مُوسِرًا قُطِعَ وَأُغْرِمَ وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا قُطِعَ وَلَمْ يُغَرَّمْ وَاسْتَدَلُّوا عَلَى سُقُوطِ الْغُرْمِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أيْدِيْهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً) {المائدة: 31) . فَجَعَلَ جَزَاءَ كَسْبِهِمَا الْقَطْعُ دُونَ الْغُرْمِ.
وَبِرِوَايَةِ الْمُفَضَّلِ بْنِ فَضَالَةَ عَنْ يُونُسَ بْنِ زَيْدٍ وَبِرِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ إِذَا قُطِعَتْ يَدُ السَّارِقِ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ أَخْذَ الْقِيمَةِ مِنَ السَّارِقِ يَجْعَلُهَا مِلْكًا لَهُ وَالْإِنْسَانُ لَا يُقْطَعُ فِي مِلْكِهِ.
وَلِأَنَّ الْقَطْعَ وَالْغُرْمَ عُقُوبَتَانِ وَلَا تَجْتَمِعُ عُقُوبَتَانِ حَدًا فِي ذَنَبٍ وَاحِدٍ وَدَلِيلُنَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَى تُؤَدِّيَهُ، فَجُعِلَ الْأَدَاءُ غَايَةَ الْحُكْمِ وَلِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِالْمَنْعِ إِلَى وَقْتِ التَّلَفِ مَعَ اعْتِقَادِ وُجُوبِ الرَّدِّ فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَهُ الْغُرْمُ كَالْغَاصِبِ وَقَوْلُنَا مَعَ اعْتِقَادِ وُجُوبِ الرَّدِّ احْتِرَازًا مِنَ الْحَرْبِيِّ وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ إِذَا سَرَقَ مِنْ سَيِّدِهِ لِأَنَّ الْغُرْمَ وَجَبَ بِالتَّلَفِ ثُمَّ
سَقَطَ بِالْمِلْكِ وَلِأَنَّهُ مَالٌ وَجَبَ رَدُّ عَيْنِهِ بِحُكْمِ السَّرِقَةِ فَوَجَبَ أَنْ يُلْزَمَ رَدَّ بَدَلِهِ عِنْدَ التَّلَفِ قِيَاسًا عَلَى مَا لَمْ يَجِبْ فِيهِ الْقَطْعُ؛ وَلِأَنَّهُ مَالٌ مَأْخُوذٌ عَلَى وَجْهِ الْعُدْوَانِ فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَ حُكْمُ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ فِي الْغُرْمِ كَالْغَصْبِ وَلِأَنَّ الْغُرْمَ حَقٌّ لِلْمَسْرُوقِ مِنْهُ ثَبَتَ فِي قَلِيلِ الْمِلْكِ فَوَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ فِي كَثِيرِهِ قِيَاسًا عَلَى رَدِّ الْعَيْنِ، وَلِأَنَّ مَا ضُمِنَ نُقْصَانُهُ ضُمِنَ بِالتَّلَفِ جَمِيعُهُ كَالْمَبِيعِ فِي يَدِ الْبَائِعِ، وَلِأَنَّ الْمَالَ الْكَثِيرَ يُغَلَّظُ حُكْمُهُ بِإِيجَابِ الْقَطْعِ فَلَمْ يَجِبْ أَنْ يُسْتَفَادَ مِنْ تَغْلِيظِ الْحُكْمِ التَّخْفِيفَ بِإِسْقَاطِ الْغُرْمِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ، فَهُوَ أَنَّ الْقَطْعَ جَزَاءُ السَّرِقَةِ وَالْغُرْمَ جَزَاءُ التَّلَفِ.
أَلَا تَرَاهُ لَوْ أَتْلَفَ الْمَسْرُوقَ فِي حِرْزِهِ لَزِمَهُ الْغُرْمُ دُونَ الْقَطْعِ وَلَوْ كَانَ بَاقِيًا بَعْدَ إِخْرَاجِهِ مِنْ حِرْزِهِ لَزِمَهُ الْقَطْعُ وَلَا غُرْمَ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْخَبَرِ مَعَ ضَعْفِهِ وَوَهَاءِ إِرْسَالِهِ وَإِسْنَادِهِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى إِسْقَاطِ غُرْمِ الْعُقُوبَةِ لِأَنَّ الْعُقُوبَةَ كَانَتْ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ بِالْغَرَامَةِ.
فَكَانَ يُغَرَّمُ السَّارِقُ مِثْلَيْ مَا سَرَقَ لِيَكُونَ أحدهما حداً والآخر غرماً فصار القطع حيث ثَبَتَ مُسْقِطًا لَغُرْمِ الْحَدِّ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ إِنَّهُ يَصِيرُ بِالْغُرْمِ مَالِكًا فَهُوَ أَنَّ مَا تَلِفَ لَا يَصِحُّ أَنْ يُسْتَحْدَثَ عَلَيْهِ مِلْكٌ وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ الْغُرْمُ اسْتِهْلَاكًا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ إِنَّ الْقَطْعَ وَالْغُرْمَ عُقُوبَتَانِ فَلَمْ يَجْتَمِعَا فَهُوَ أَنَّهُمَا وَجَبَا بِسَبَبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَجَازَ أَنْ يَجْتَمِعَا كَمَا يَجْتَمِعُ فِي الْعَبْدِ الْقِيمَةُ وَالْحَدُّ، أَوْ فِي الْقَتْلِ الْكَفَّارَةُ وَالدِّيَةُ وَلَوْ كَانَ لِتَنَافِي اجْتِمَاعِهِمَا أَنْ يَسْقُطَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ لَكَانَ سُقُوطُ الْقَطْعِ بِإِيجَابِ الْغُرْمِ أَوْلَى مِنْ سُقُوطِ الْغُرْمِ بِإِيجَابِ الْقَطْعِ لِأَنَّ الْقَطْعَ حَقُّ لله تَعَالَى يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ.
وَالْغُرْمُ حَقُّ الْآدَمِيِّ لَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي الْحَدِّ وَالْمَهْرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
: فَلَوْ أَحْرَزَ السَّارِقُ السَّرِقَةَ فَسَرَقَهَا آخَرُ لَمْ يُقْطَعِ الثَّانِي وَقُطِعَ الْأَوَّلُ لِأَنَّ إِخْرَاجَهَا مِنْ حِرْزِ السَّارِقِ الْأَوَّلِ وَاجِبٌ.
مسألة
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَوْ غَصَبَ أَرْضًا فَغَرَسَهَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " لَيْسَ لِعِرْقٍ ظالمٍ حَقٌّ " فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْلَعَ غَرْسَهُ وَيَرُدَّ مَا نَقَصَتِ الْأَرْضُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَرْضَ وَالْعَقَارَ يجري عليها حكم الغصب إبراءاً أَوْ ضَمَانًا وَبِهِ قَالَ فُقَهَاءُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَصْرَةِ، وَخَالَفَ أَهْلُ الْكُوفَةِ.
فَقَالَ أبو حنيفة: لَا يَجْرِي عَلَى الْأَرْضِ حُكْمُ الْغَصْبِ وَلَا حُكْمُ الضَّمَانِ بِالْيَدِ، وَهُوَ قَوْلُ أبي يوسف الْأَوَّلُ.
وَقَالَ محمد بن الحسن يَجْرِي عَلَيْهِمَا حُكْمُ الضَّمَانِ بِالْيَدِ وَلَا يَجْرِي عَلَيْهِمَا حُكْمُ الْغَصْبِ وَهُوَ قَوْلُ أبي يوسف الْأَخِيرُ.
وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَ أبي حنيفة وَيَدْخُلُ فِيهِ الْكَلَامُ مَعَ محمد فَيُقَالُ لَهُ كُلُّ مَا ضُمِنَ بِالْيَدِ ضُمِنَ بِالْغَصْبِ كَالْمَنْقُولِ عَلَى أَنْ لَيْسَ لِفُرْقَةٍ بَيْنَ ضَمَانِ الْيَدِ وَضَمَانِ الْغَصْبِ تَأْثِيرٌ، وَإِذَا صَحَّ غَصْبُ الْأَرْضِ فَلَا يَخْلُو حَالُ صَاحِبِهَا مِنْ أَنْ يَكُونَ قَدْ شَغَلَهَا بِغِرَاسٍ أَوْ بِنَاءٍ أَوْ لَمْ يَشْغَلْهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ شَغَلَهَا بِغَرْسٍ أَوْ بِنَاءٍ رَدَّهَا وَأُجْرَةَ مِثْلِهَا مُدَّةَ غَصْبِهِ؛ وَإِنْ شَغْلَهَا بِإِحْدَاثِ غَرْسٍ أَوْ بِنَاءٍ أُخِذَ بِقَلْعِ بِنَائِهِ وَغَرْسِهِ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى أَخْذِ قِيمَتِهَا سَوَاءٌ أَضَرَّ قلعها بالأرض أو لَا.
وَقَالَ أبو حنيفة إِنْ لَمْ يَضُرَّ الْقَلْعُ بِالْأَرْضِ إِضْرَارًا بَيِّنًا فَلَهُ الْقَلْعُ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى أَخْذِ الْقِيمَةِ.
وَإِنْ كَانَ فِي قلعه إضراراً فِي الْأَرْضِ فَرَبُّ الْأَرْضِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَبْذُلَ لَهُ قِيمَةَ الْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ مَقْلُوعًا فَيُجْبَرُ عَلَى أَخْذِهَا وَبَيْنَ أَنْ يَأْخُذَهُ بِقَلْعِ الْغَرْسِ والبناء فيجبر على قلعهما اسْتِدْلَالًا بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ.
وَبِمَا رَوَى مُجَاهِدُ بْنُ جَبْرٍ أَنَّ رَجُلًا غَصَبَ قَوْمًا أَرْضًا بَرَاحًا فَغَرَسَ فِيهَا نَخْلًا فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ لهم عمر إن شئتم فارفعوا إِلَيْهِ قِيمَةَ النَّخْلِ.
وَرَوَى رَافِعٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " مَنْ زَرَعَ أَرْضَ قومٍ بِلَا إِذْنِهِمْ فَلَيْسَ لَهُ فِي الزَّرْعِ شَيْءٌ وَلَهُ نَفَقَتُهُ " قال ولأن من دخل تمليك عَلَى مِلْكٍ اسْتَحَقَّ الْمَالِكُ إِزَالَةَ مِلْكِ الدَّاخِلِ كَالشَّفِيعِ.
وَدَلِيلُنَا: مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ لَا يَحِلُّ مَالُ امرئٍ مسلمٍ إِلَّا بِطِيبِ نفسٍ مِنْهُ.
وَرَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا غَصَبَ أَرْضًا مِنْ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي بَيَاضَةَ مِنَ الْأَنْصَارِ فَغَرَسَهَا نَخْلًا عَمًّا فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَأَمَرَ بِقَلْعِهِ وَلَمْ يَجْعَلْ لِرَبِّ الْأَرْضِ خِيَارًا ولو استحق خياراً لأعلمه وحكم ب وَلِأَنَّ يَسِيرَ الْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ أَشْبَهُ بِأَنْ يَكُونَ تَبَعًا لِلْأَرْضِ مِنْ كَثِيرِهِ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يَتَمَلَّكَ يَسِيرَهُ فَأَوْلَى أَنْ لَا يَتَمَلَّكَ كَثِيرَهُ وَيَتَحَرَّرُ مِنِ اعْتِلَالِهِ قِيَاسَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَا لَمْ يُمْلَكْ بِالْغَصْبِ يَسِيرُهُ لَمْ يُمْلَكْ بِهِ كَثِيرُهُ كَالْمَتَاعِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ عدوان لا تملك بالأعيان الْمُنْفَصِلَة فَوَجَبَ أَنْ لَا تُمْلَكَ بِهِ الْأَعْيَانُ الْمُتَّصِلَةُ كَالْيَسِيرِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ " فَهُوَ أَنَّ رَفْعَ الضرر مستحق ولكن ليس يتملك الْعَيْنِ وَإِنَّمَا يَكُونُ بِمَا سَنَذْكُرُهُ وَأَمَّا قَضِيَّةُ عمر رضي الله عنه فمرسلة لأن مجاهد لَمْ يَلْقَ عُمَرَ ثُمَّ لَا دَلِيلَ فِيهَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ إِنْ لَمْ تَنْقُلْ شَرْحًا لَمْ تُلْزِمْ حُكْمًا.
وَالثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ إِنْ شِئْتُمْ فَادْفَعُوا قِيمَةَ النَّخْلِ بَعْدَ أَنْ طَلَبَ صَاحِبُهَا ذَلِكَ وَهَذَا عندنا
جَائِزٌ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ مَنْ زَرَعَ أَرْضَ قومٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فَلَيْسَ لَهُ فِي الزَّرْعِ شيءٌ ففي جَوَابَانِ
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَى أَنَّهُ زَرْعُ أَرْضِهِمْ بِبَذْرِهِمْ.
وَالثَّانِي: لَيْسَ لَهُ فِي الزَّرْعِ حَقُّ التَّرْكِ وَالِاسْتِبْقَاءُ بِمَا بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: لَيْسَ لعرقٍ ظالمٍ حَقٌّ.
وَقَوْلُهُ فَلَهُ نَفَقَتُهُ يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَرَادَ زَرْعَهُ فَعَبَّرَ عَنِ الزَّرْعِ بِالنَّفَقَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَرَادَ ولَهُ نَفَقَتَهُ فِي أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِهَا، وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الشُّفْعَةِ فَمُنْتَقِضٌ بِإِدْخَالِ الْمَتَاعِ وَيَسِيرِ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ، ثُمَّ الْمَعْنَى فِي الشُّفْعَةِ أَنَّ الْمِلْكَيْنِ لَا يَتَمَيَّزَانِ وَلِذَلِكَ خَصَصْنَا الشُّفْعَةَ بِالْخَلْطَةِ، وَفِي الْغَصْبِ يَتَمَيَّزُ فَصَارَ كَالْجَارِ الَّذِي لَا يَسْتَحِقُّ عِنْدَنَا شُفْعَةً.
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَلَا يَخْلُو حَالُ الْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ مَلِكًا لِلْغَاصِبِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَغْصُوبًا مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مَغْصُوبًا مِنْ غَيْرِهِ.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِلْكًا لِلْغَاصِبِ فَلِرَبِّ الْأَرْضِ وَالْغَاصِبِ أربعة أحوال:
أحدها: أن يتفقا على ترك الْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ بِأَجْرٍ وَبِغَيْرِ أَجْرٍ فَيَجُوزُ مَا أَقَامَ عَلَى إِنْفَاقِهِمَا لِأَنَّ الْحَقَّ فِيهِ مخْتَصٌّ بِهِمَا ثم يَنْظُرْ فَإِنْ كَانَ بِعَقْدٍ صَحِيحٍ اسْتَحَقَّ الْمُسَمَّى فِيهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ فِي مُطَالَبَةِ الْمُسْتَأْجِرِ بِالْقَلْعِ قَبْلَ مَا يَقْضِي المدة سواء علم قدر أجرة المثل أم لَمْ يَعْلَمْهَا، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ عَقْدٍ فَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِالْعَفْوِ عَنْهُمَا وأن يأخذه بالقطع متى شاء.
والحال الثاني: أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى أَخْذِ قِيمَةِ الْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ قَائِمًا أَوْ مَقْطُوعًا فَيَجُوزُ وَيَكُونُ ذَلِكَ بَيْعًا يُرَاعَى فِيهِ شُرُوطُ الْمَبِيعِ لِأَنَّهُ عَنْ مُرَاضَاةٍ فَإِنْ كَانَ عَلَى الشَّجَرِ ثَمَرٌ مَلِكَهُ الْغَاصِبُ إِنْ كَانَ مُؤَبَّرًا كَالْبَيْعِ وَلَا يَلْزَمُ الْغَاصِبَ أَرْشُ مَا كَانَ يَنْقُصُ مِنَ الْأَرْضِ لَوْ قُلِعَ لِأَنَّهُ لَمْ يُقْلَعْ.
فَلَوْ كَانَ الْغَاصِبُ قَدْ بَاعَ الْغَرْسَ وَالْبِنَاءَ عَلَى غَيْرِ مَالِكِ الْأَرْضِ فَعَلَى ثَلَاثَةٍ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِشَرْطِ التَّرْكِ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ لِأَنَّ تَرْكَهُ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِشَرْطِ الْقَلْعِ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ، فَإِذَا قَلَعَهُ الْمُشْتَرِي فَأَحْدَثَ الْقَلْعُ نَقْصًا فَأَرْشُهُ عَلَى الْغَاصِبِ دُونَ الْمُشْتَرِي لِحُدُوثِهِ عَنْ تَعْدِيَةٍ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَشْتَرِيَهُ مُطْلَقًا فَفِي الْبَيْعِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: بَاطِلٌ لِأَنَّ الْعُرْفَ فِي الْبِنَاءِ والغرس والترك وَذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ وَيَأْخُذُ الْمُشْتَرِي بِالْقَلْعِ وَلَهُ الْخِيَارُ إِنْ شَاءَ علم أم لم يعلم.
والحال الثالث: أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى أَخْذِ ثَمَنِ الْأَرْضِ مِنَ الْغَاصِبِ فَيَجُوزُ، وَتَسْقُطُ الْمُطَالَبَةُ عَنِ الْغَاصِبِ إِلَّا بِثَمَنِ الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ بَعْدَ الثَّمَنِ بِأَرْشِ النَّقْصِ لَوْ قَلَعَ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْلَعْ وَلَوْ كَانَ رَبُّ الْأَرْضِ قَدْ بَاعَهَا عَلَى أَجْنَبِيٍّ غَيْرِ الْغَاصِبِ كَانَ لِلْأَجْنَبِيِّ الَّذِي ابْتَاعَهَا أَنْ يَأْخُذَ الْغَاصِبَ بِقَلْعِ بِنَائِهِ وَغَرْسِهِ فَإِذَا قَلَعَ لَمْ يَكُنْ لِلْأَوَّلِ أَنْ يُطَالِبَ الْغَاصِبَ بِأَرْشِ الْقَلْعِ لِزَوَالِ مِلْكِهِ قَبْلَ الْقَلْعِ وَلَا لِلْمُشْتَرِي أَنْ يُطَالِبَهُ بِهِ لِأَنَّهُ عَيْبٌ قد دخل على رضى بِهِ وَيَكُونُ الْبَيْعُ سَبَبًا لِسُقُوطِ الْأَرْشِ عَنِ الغاصب.
والحال الرابع: أَنْ لَا يَتَّفِقَا عَلَى أَحَدِ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثِ فَيُؤْخَذُ الْغَاصِبُ بِالْقَلْعِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَيْسَ لعرقٍ ظالمٍ حَقٌّ.
فَإِذَا قَلَعَ بَرِئَ مِنْ أُجْرَةِ الْأَرْضِ بَعْدَ قَلْعِهِ ثُمَّ يُنْظَرُ حَالُ الْأَرْضِ فَإِنْ لَمْ تَنْقُصْ بِالْقَلْعِ شَيْئًا فَلَا شَيْءَ عَلَى الْغَاصِبِ وَقَدْ بَرِئَ مِنْ رَدِّ الْأَرْضِ بَعْدَ الْقَلْعِ مِنْ ضَمَانِ الْغَصْبِ وَحُكْمِهِ، وَإِنْ نَقَصَ الْقَلْعُ فِيهَا فَصَارَتْ حُفَرًا تضر بها فالغاصب ضامناً لَهَا، غَيْرَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: هَاهُنَا يَرُدُّ مَا نَقَصَتِ الْأَرْضُ وَقَالَ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ فِي قَلْعِ الْحِجَارَةِ الْمُسْتَوْدَعَةِ إِنَّ عَلَيْهِ تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ وَلَا يَتْرُكُهَا حُفَرًا فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فَكَانَ بَعْضُهُمْ يُخَرِّجُ ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي الْبَيْعِ وَالْغَصْبِ:
أَحَدُهُمَا: يَرْجِعُ بِأَرْشِ النقص في الموضعين بأن نَقْصُ فِعْلٍ مَضْمُونٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ عَلَيْهِ تَسْوِيَةَ الْأَرْضِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ حَتَّى لَا تَكُونَ حُفَرًا لِأَنَّ زَوَالَ التَّعَدِّي بِالْمِثْلِ أَوْلَى مِنَ الْقِيمَةِ.
وَقَالَ آخَرُونَ بَلِ الْجَوَابُ عَلَى ظَاهِرِهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ فَيَلْزَمُهُ فِي الْغَصْبِ أَرْشُ النَّقْصِ وَفِي الْبَيْعِ تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْغَاصِبَ مُتَعَدٍّ فَنُغْلِظُ حُكْمَهُ بِالْأَرْشِ وَالْبَائِعُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فَنُخَفِّفُ حُكْمَهُ بِتَسْوِيَةِ الْأَرْضِ.
فَصْلٌ
: وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْغَرْسُ وَالْبِنَاءُ مِلْكٌ لِرَبِّ الْأَرْضِ، فَإِنْ رَضِيَ رَبُّ الْأَرْضِ أَنْ يَأْخُذَ الْأَرْضَ بِغَرْسِهَا وَبِنَائِهَا قَائِمًا أَخَذَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ مَؤُنَةِ الْبِنَاءِ وَلَيْسَ لِلْغَاصِبِ أَنْ يَنْقُضَ الْغَرْسَ وَالْبِنَاءَ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَفِيدُ بِقَلْعِهَا شَيْئًا فَصَارَ ذَلِكَ مِنْهُ سَفَهًا وَإِنْ طَالَبَ رَبُّ الْأَرْضِ الْغَاصِبَ بِقَلْعِ الْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ لِيَنْفَصِلَا عَنِ الْأَرْضِ فَإِنْ كَانَ لَهُ فِي ذَلِكَ غَرَضٌ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا أُجْبِرَ الْغَاصِبُ عَلَى الْقَلْعِ وَلَزِمَهُ نَقْصُ الْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ عَمَّا كَانَ قَبْلَ أَنْ غَرَسَ وَبَنَى وَنَقَصَ الْأَرْضَ عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنَ الْمَذْهَبَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي قَلْعِهِ غَرَضٌ يَصِحُّ لِقَاصِدٍ فَهَلْ يُجْبَرُ الْغَاصِبُ عَلَى قَلْعِهِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ عَبَثٌ وَسَفَهٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُجْبَرُ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْمَالِكَ مُتَحَكِّمٌ عَلَى الْغَاصِبِ لِتَعَدِّيهِ فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَتْ
قِيمَتُهُ تَنْقُصُ إِنْ قَلَعَ عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ الْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ فَطَالَبَهُ بِأَرْشِ النَّقْصِ مَعَ تَرْكِ الْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ قَائِمًا، فَإِنْ قِيلَ بِالْوَجْهِ الْأَوَّلِ إِنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْقَلْعِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَرْشٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ قَائِمًا نَقْصٌ.
وَإِنْ قِيلَ بِالْوَجْهِ الثَّانِي أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْقَلْعِ اسْتَحَقَّ الْأَرْشَ إِنْ كَانَ قَائِمًا غَيْرَ نَاقِصٍ لِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَحَقَّ الْمُطَالَبَةَ بِهِ مَعَ الْتِزَامِ مَؤُنَةِ الْقَلْعِ فَأَوْلَى أَنْ يَسْتَحِقَّ الْمُطَالَبَةَ بِهِ مَعَ عَفْوِهِ عَنِ الْقَلْعِ.
فَصْلٌ
: وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْغَرْسُ وَالْبِنَاءُ مَغْصُوبَيْنِ مِنْ غَيْرِ مَالِكِ الْأَرْضِ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ وَرَبِّ الْغَرْسِ أَنْ يَأْخُذَ الْغَاصِبَ بِالْقَلْعِ ثُمَّ يَرْجِعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَيْهِ بِأَرْشِ مَا نَقَصَ مِنْ مِلْكِهِ فَيَرْجِعُ رَبُّ الْأَرْضِ بِمَا نَقَصَ مِنْ أَرْضِهِ وَيَرْجِعُ رَبُّ الْغَرْسِ بِمَا نَقَصَ مِنْ غَرْسِهِ فَلَوْ أَنَّ رَبَّ الْأَرْضِ اشْتَرَى الْغَرْسَ مِنْ رَبِّهِ قَبْلَ الْقَلْعِ صَارَ مَالِكًا لَهُمَا، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْغَاصِبَ بِالْقَلْعِ إِنْ كَانَ في قلعه عرض صَحِيحٌ وَيَأْخُذُ مِنْهُ نَقْصَ الْأَرْضِ دُونَ الشَّجَرِ لِأَنَّهُ اسْتُحْدِثَ مِلْكَ الشَّجَرِ بَعْدَ الْغَصْبِ وَلَوْ أَنَّ رَبَّ الشَّجَرِ اشْتَرَى الْأَرْضَ مِنْ رَبِّهَا قَبْلَ الْقَلْعِ صَارَ مَالِكًا لَهَا وَكَانَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْغَاصِبِ بِالْقَلْعِ إِنْ كَانَ فِي قَلْعِهِ غرض صحح ثُمَّ يَأْخُذُ مِنْهُ نَقْصَ الشَّجَرِ دُونَ الْأَرْضِ لِأَنَّهُ اسْتُحْدِثَ مِلْكَ الْأَرْضِ بَعْدَ الْغَصْبِ فَلَوْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مِلْكِهِ وَأَبَى الْغَاصِبُ أَنْ يَلْتَزِمَ لَهُمَا مَؤُنَةَ الْقَلْعِ وَاخْتَلَفَا في تحملهما فَفِيمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تَجِبُ على صاحب الأرض لأته يُرِيدُ خَلَاصَ أَرْضِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى صَاحِبِ الْغَرْسِ لِأَنَّهُ يُرِيدُ أَخْذَ غَرْسِهِ ثُمَّ هِيَ لِمَنْ غَرِمَهَا دَيْنٌ عَلَى الْغَاصِبِ.
فَصْلٌ
: فَلَوْ أَطَارَتِ الرِّيحُ أَوْ حَمَلَ السَّيْلُ حِنْطَةَ رَجُلٍ إِلَى أَرْضِ آخَرَ فَنَبَتَتْ فِيهَا فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي إِقْرَارِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ حَكَاهُمَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ كَجٍّ: أَحَدُهُمَا: يُقْلَعُ لِأَنَّ حُكْمَ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ فِي الْأَمْوَالِ سَوَاءٌ.
وَالثَّانِي: يُقَرُّ عَلَى حَالِهِ إِلَى وَقْتِ حَصَادِهِ لِأَنَّ مَالِكَهُ غَيْرَ مُتَعَدٍّ بِهِ وَأَصَحُّ عِنْدِي مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَنْ يُنْظَرَ فِي الزَّرْعِ بَعْدَ قَلْعِهِ فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مَقْلُوعًا كَقِيمَةِ الْحِنْطَةِ أَوْ أَكْثَرَ أُجْبِرَ عَلَى قَلْعِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ نَقْصٌ حِينَ نَبَتَتْ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ لَوْ قَلَعَ أَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ الْحِنْطَةِ تُرِكَ وَلَمْ يُقْلَعْ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ فَيَلْتَزِمُ ضَرَرَ عُدْوَانِهِ، وَمَا يَدْخُلُ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ مِنَ الضَّرَرِ فَقَدِ اسْتَدْرَكَهُ بِالْأُجْرَةِ الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا بَعْدَ الْعِلْمِ وَالتَّنَازُعِ وَلَا أُجْرَةَ لِرَبِّ الْأَرْضِ فِيمَا قَبْلُ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ فِعْلٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ ضَمَانٌ.
وَقَالَ مَالِكٌ قَدْ زَالَ مِلْكُ الْأَوَّلِ عَمَّا احْتَمَلَهُ السَّيْلُ مِنَ الْحِنْطَةِ وَصَارَ مِلْكًا لِلثَّانِي.
وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ ضَيَاعَ الْمَالِ لَا يُزِيلُ مِلْكَ رَبِّهِ عَنْهُ وَاللَّهُ أعلم.
مسألة
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَوْ حَفَرَ فِيهَا بِئْرًا فَأَرَادَ الْغَاصِبُ دَفْنَهَا فَلَهُ ذَلِكَ وَإِنْ لم ينفعه ".
قال الماوردي: وهذا كما قال.
إذا غصب أَرْضًا وَحَفَرَ فِيهَا بِئْرًا كَانَ مُتَعَدِّيًا بِحَفْرِهَا وَعَلَيْهِ سَدُّهَا وَضَمَانُ مَا تَلِفَ فِيهَا ثُمَّ لَا يَخْلُو حَالُ رَبِّ الْأَرْضِ وَالْغَاصِبِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى سَدِّهَا لِيَبْرَأَ الْغَاصِبُ مِنْ ضَمَانِ مَا يَسْقُطُ فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْأَرْضِ بَعْدَ سَدِّهَا أَرْشٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ سِوَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ فِي مُدَّةِ الْغَصْبِ، وَإِنْ كَانَ لَهَا أَرْشٌ كَانَ عليه غرمه مع الأجرة.
والحال الثاني: أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى تَرْكِهَا فَذَاكَ لَهُمَا، وَعَلَى الْغَاصِبِ ضَمَانُ مَا سَقَطَ فِيهَا لِتَعَدِّيهِ بِحَفْرِهَا وَلَيْسَ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يُطَالِبَهُ بِمُؤْنَةِ السَّدِّ وَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مَتَى شَاءَ بِالسَّدِّ.
والحال الثالث: أَنْ يَدْعُوَ رَبُّ الْأَرْضِ إِلَى سَدِّهَا وَيَأْبَى الْغَاصِبُ فَإِنَّ الْغَاصِبَ يُجْبَرُ عَلَى سَدِّهَا إِنْ كَانَ فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَيْسَ لعرقٍ ظالمٍ حَقٌّ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَالْعُرُوقُ أَرْبَعَةٌ عِرْقَانِ ظَاهِرَانِ الْغَرْسُ وَالْبِنَاءُ، وَعِرْقَانِ بَاطِنَانِ الْبِئْرُ وَالنَّهْرُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ فَعَلَى وَجْهَيْنِ كَمَا قلنا في قلع الغرس والبناء.
والحال الرابع: أَنْ يَدْعُوَ الْغَاصِبُ إِلَى سَدِّهَا وَيَأْبَى رَبُّهَا فَإِنْ لَمْ يُبَرِّئْهُ رَبُّهَا مِنْ ضَمَانِ مَا تَلِفَ فِيهَا فَلَهُ سَدُّهَا لِيَسْتَفِيدَ بِهِ سُقُوطَ الضَّمَانِ عَنْهُ وَإِنْ أَبْرَأَهُ بِهَا مِنَ الضَّمَانِ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ لِلْغَاصِبَ أَنْ يَسُدَّهَا لِأَنَّ الضَّمَانَ قَدْ يَجِبُ لِغَيْرِهِ فَلَا يَسْقُطُ بِإِبْرَائِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْغَاصِبَ يُمْنَعُ مِنْ سَدِّهَا لِأَنَّهُ بِالْإِبْرَاءِ يَصِيرُ كَالْإِذْنِ لَهُ فِي الِابْتِدَاءِ فَيَرْتَفِعُ التَّعَدِّي وَلَا يَلْزَمُهُ ضَمَانٌ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
فَصْلٌ
: وَأَمَّا إِذَا دَفَنَ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ مَيِّتًا أخذ الغاصب ينبشه مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ فِيهِ انْتِهَاكُ حُرْمَةِ الْمَيِّتِ لأن دفته فِيهَا عُدْوَانٌ يَأْثَمُ بِهِ الدَّافِنُ ثُمَّ إِذَا نَبَشَ ضَمِنَ أَرْشَ نَقْصِهَا إِنْ نَقَصَتْ، فَلَوْ قَالَ مَالِكُ الْأَرْضِ أَنَا أُقِرُّ الْمَيِّتَ مَدْفُونًا فِي الْأَرْضِ إِنْ ضَمِنَ لِي نَقْصَ الْأَرْضِ بِالدَّفْنِ فِيهَا فَفِي إِجْبَارِ الْغَاصِبِ عَلَى بَذْلِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُجْبَرُ عَلَى بَذْلِهِ حِفْظًا لِحُرْمَةِ الْمَيِّتِ الْمُتَعَدِّي هُوَ بِدَفْنِهِ فِيهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مَدْفُونٌ بِغَيْرِ حَقٍّ.
مسألة
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَكَذَلِكَ لَوْ زَوَّقَ دَارًا كَانَ لَهُ نَزْعُ التَّزْوِيقِ حَتَّى يَرُدَّ ذَلِكَ بِحَالِهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَكَذَلِكَ لَوْ زَوَّقَ دَارًا.
فَكَانَ بعض المتقدين مِنْهُمْ يَرْوِيهِ وَكَذَلِكَ لَوْ رَوَّقَ بِالرَّاءِ غَيْرِ الْمُعْجَمَةِ مِنَ الرِّوَاقِ وَيُجْعَلُ حُكْمُهُ حُكْمُ الْبِنَاءِ فَيَكُونُ عَلَى مَا مَضَى، وَذَهَبَ جُمْهُورُهُمْ إِلَى أَنَّ الرِّوَايَةَ وَكَذَلِكَ لَوْ زَوَّقَ بِالزَّايِ مُعْجَمَةً
مِنَ التَّزَاوِيقِ وَالزَّخْرَفَةِ لِأَنَّ الزِّوَاقَ مِنْ جُمْلَةِ الْبِنَاءِ وَقَدْ ذَكَرَهُ مِنْ قَبْلُ فَعَلَى هَذَا إِذَا زَوَّقَ دَارًا مَغْصُوبَةً فَلَا يَخْلُو حَالُ مَالِكِهَا وَغَاصِبِهَا مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى تَرْكِ التَّزَاوِيقِ لِحَالِهَا فَذَلِكَ لَهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهَا مَحْظُورٌ مِنْ صُوَرٍ ذات أرواح فلا يجوز تركها.
والحالة الثَّانِيَةُ: أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى قَلْعِهَا وَإِزَالَتِهَا فَذَلِكَ لَهَا سَوَاءٌ انْتَفَعَ الْغَاصِبُ بِالْقَلْعِ أَمْ لَا ثُمَّ إِنْ أَثَّرَ الْقَلْعُ فِي الْحِيطَانِ نَقْصًا فعلى الغاصب غرامة أرشه.
والحال الثالث: أَنْ يَدْعُوَ الْغَاصِبُ إِلَى قَلْعِهَا وَيَأْبَى رَبُّ الدَّارِ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَرْجُوعٌ بَعْدَ الْقَلْعِ فَلِلْغَاصِبِ قَلْعُهَا لِأَنَّهُ مَالٌ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَرْجُوعٌ فَلَيْسَ لِلْغَاصِبِ قَلْعُهَا لِأَنَّهُ لَا يَسْتَفِيدُ بِقَلْعِهَا إِلَّا إِتْعَابَ نَفْسِهِ وَأَعْوَانِهِ وإذهاب نفقته.
والحال الرابع: أَنْ يَدْعُوَ رَبُّ الدَّارِ إِلَى قَلْعِهَا وَيَأْبَى الغاصب فإن كانت تَرْكُهَا مُوكِسًا لِلدَّارِ أُجْبِرَ الْغَاصِبُ عَلَى الْقَلْعِ وَغَرَامَةِ الْأَرْشِ وَإِنْ كَانَ زَائِدًا أَوْ لَمْ يَكُنْ مُوكِسًا فَإِنْ تَرَكَهُ الْغَاصِبُ مُسْتَبْقِيًا لَهُ عَلَى مِلْكِهِ أُجْبِرَ عَلَى الْقَلْعِ وَإِنْ تَرَكَهُ مُزِيلًا لِمُلْكِهِ عَنْهُ فَإِنْ كَانَتْ آثَارًا كَالْأَصْبَاغِ وَلَمْ تَكُنْ أَعْيَانًا لَمْ يُجْبَرِ الْغَاصِبُ عَلَى إِزَالَتِهَا لِأَنَّهَا آثَارٌ زَائِدَةٌ كَغَسْلِ الثَّوْبِ وَكَانَ الْعَفْوُ عَنْهَا إِبْرَاءً مِنْهَا وَإِنْ كَانَتْ أَعْيَانًا كَالْجَصِّ وَالرُّخَامِ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تُتْرَكُ كَالْآثَارِ وَلَا يُجْبَرُ الْغَاصِبُ عَلَى قَلْعِهَا لِأَنَّهَا زِيَادَةُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يُؤْخَذُ الْغَاصِبُ بِقَلْعِهَا لِأَنَّ الْأَعْيَانَ لَا يُجْبَرُ الْإِنْسَانُ عَلَى تَمَلُّكِهَا وَأَصْلُ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ مِنَ الزَّوْجِ إِذَا أَصْدَقَ زَوْجَتَهُ ثَمَرَةً وَجَعَلَهَا فِي صُفْرٍ لَهُ ثُمَّ تَرَكَهُ لِزَوْجَتِهِ هَلْ تُجْبَرُ الزَّوْجَةُ عَلَى قَبُولِهِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَكَذَلِكَ لَوْ نَقَلَ عَنْهَا تُرَابًا كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ مَا نَقَلَ عَنْهَا حَتَّى يُوَفِّيَهُ إِيَّاهَا بِالْحَالِ الَّتِي أخذها (قال المزني) غير هذا أشبه بقوله لأنه يقول لو غصب غزلاً فنسجه ثوباً أو نقرةً فطبعها دنانير أو طيناً فضربه لبناً فهذا أثر لا عينٌ ومنفعةٌ للمغصوب ولا حق في ذلك للغاصب فكذلك نقل التراب عن الأرض والبئر إذا لم تبن بطوبٍ أثرٌ لا عينٌ ومنفعةٌ للمغصوب ولا حق في ذلك للغاصب مع أن هذا فسادٌ لنفقته وإتعاب بدنه وأعوانه بما فيه مضرةٌ على أخيه ولا منفعة له فيه ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ غَصَبَ مِنْ رَجُلٍ أَرْضًا فَنَقَلَ مِنْهَا تُرَابًا فَلَا يَخْلُو حَالُ التُّرَابِ مِنْ أَنْ يَكُونَ بَاقِيًا أَوْ مُسْتَهْلَكًا فَإِنْ كَانَ قَدِ اسْتُهْلِكَ فَعَلَيْهِ رَدُّ مثله إن كان للتراب مثلاً فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مِثْلِهِ لِأَنَّهُ مِنْ تُرَابٍ لَيْسَ فِي النَّاحِيَةِ مِثْلُهَا ضَمِنَ الْقِيمَةَ وفيها وجهان: