كِتَابُ الْعِتْق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الماوردي
- الكتاب
- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
- المحقق
- الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1419 هـ -1999 م
- عدد الأجزاء
- 19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
بِهَا، فَجَرَى مَجْرَى الْهِبَةِ فَبَطَلَ الْعَفْوُ إِنْ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ السَّيِّدُ، وَفِي بُطْلَانِهِ بِإِذْنِهِ قَوْلَانِ كَالْهِبَةِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَعْفُوَ عَنِ الْقَوَدِ، وَلَا يُصَرِّحَ فِي الدِّيَةِ بِعَفْوٍ وَلَا طَلَبٍ، فَيَسْقُطَ الْقَوَدُ بِعَفْوِهِ، وَفِي سُقُوطِ الدِّيَةِ بِإِمْسَاكِهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: تَسْقُطُ إِذَا قِيلَ: إِنَّ جِنَايَةَ الْعَمْدِ تُوجِبُ الْقَوَدَ، وَأَنَّ الدِّيَةَ لَا تَجِبُ إِلَّا بِالِاخْتِيَارِ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدِ اخْتِيَارُ الدِّيَةِ عَلَى الْفَوْرِ سَقَطَ حُكْمُهُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا تَسْقُطُ الدِّيَةُ إِذَا قِيلَ: إِنْ جِنَايَةَ الْعَمْدِ تُوجِبُ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ مِنَ الْقَوَدِ أَوِ الدِّيَةِ، فَلَا يَكُونُ الْعَفْوُ عَنْ أَحَدِهِمَا عَفْوًا عَنِ الْآخَرِ.
فَصْلٌ
فَأَمَّا إِذَا صَالَحَ عَنِ الدِّيَةِ فَإِنْ كَانَ صُلْحَ بَدَلٍ عَدَلَ عَنْ جِنْسِ الدِّيَةِ إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْإِبْدَالِ صَحَّ الصُّلْحُ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِسْقَاطٌ وَمُغَابَنَةٌ، وَإِنْ كَانَ صُلْحَ إِبْرَاءٍ بِأَنَّ صَالَحَ مِنَ الدِّيَةِ عَلَى بَعْضِهَا، فَإِنْ قِيلَ: يَصِحُّ عَفْوُهُ عَنِ الْجَمِيعِ كَانَ عَفْوُهُ عَنِ الْبَعْضِ أَصَحَّ، وَإِنْ قِيلَ: يَبْطُلُ عَفْوُهُ عَنِ الْجَمِيعِ بَطَلَ عفوه عن البعض.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ عَفَا عَنِ الْقِصَاصِ وَالْأَرْشِ مَعًا ثُمَّ عَتَقَ كَانَ لَهُ أَخْذُ الْمَالِ وَلَا قَوَدَ لِأَنَّهُ عَفَا وَلَا يَمْلِكُ إِتَلَافَ الْمَالِ وَلَوْ كَانَ الْعَفْوُ بِإِذْنِ السَّيِّدِ فَالْعِتْقُ جَائِزٌ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا إِذَا قِيلَ بِصِحَّةِ عَفْوِهِ عَنِ الدِّيَةِ فَقَدْ سَقَطَتْ، سَوَاءٌ عَتَقَ بِالْأَدَاءِ أَوْ رَقَّ بِالْعَجْزِ، وَلَا مُطَالَبَةَ لِلسَّيِّدِ بِهَا لِصِحَّةِ الْعَفْوِ عَنْهَا، فَأَمَّا إِذَا قِيلَ بِبُطْلَانِ الْعَفْوِ عَنِ الدِّيَةِ فَلِلْمُكَاتَبِ إِنْ عَتَقَ أَنْ يُطَالِبَ بِهَا، وَلِلسَّيِّدِ إِنَّ رَقَّ الْمُكَاتَبُ أَنْ يُطَالِبَ بِهَا لِبَقَاءِ الدِّيَةِ بِبُطْلَانِ الْعَفْوِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابُ عِتْقِ السَّيِّدِ الْمُكَاتَبَ فِي الْمَرَضِ وَغَيْرِهِ
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: (إِذَا وَضَعَ السَّيِّدُ عَنِ الْمُكَاتَبِ كِتَابَتَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ فِي الْمَرَضِ فَالْعِتْقُ مَوْقُوفٌ فَإِنْ خَرَجَ مِنَ الثُّلُثِ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ فَهُوَ حُرٌّ وَإِلَّا عَتَقَ مِنْهُ مَا حَمَلَ الثُّلُثَ فَوُضِعَ عَنْهُ مِنَ الْكِتَابَةِ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ وَكَانَ الْبَاقِي مِنْهُ عَلَى الْكِتَابَةِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى أَنَّ عِتْقَ الْمُكَاتَبِ إِبْرَاءٌ لَهُ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ، وَإِبْرَاؤُهُ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ عِتْقٌ لَهُ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ إِبْرَائِهِ وَعِتْقِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَأَبْرَأَ السَّيِّدُ مُكَاتَبَهُ مِنْ مَالِ كِتَابَتِهِ، أَوْ أَعْتَقَهُ فِي مَرَضِهِ الْمُخَوِّفِ الَّذِي مَاتَ مِنْهُ، فَهُوَ مِنْ عَطَايَا مَرَضِهِ الْمُعْتَبَرَةِ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ، وَالَّذِي يُعْتَبَرُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ أَقَلَّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ مَالِ كِتَابَتِهِ، فَإِنْ كَانَتِ الْقِيمَةُ أَقَلَّ فَهِيَ الْمُعْتَبَرَةُ مِنْ ثُلُثِهِ لِأَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ وَهُوَ عَبْدٌ قِنٌّ اعْتَبَرَ قِيمَتَهُ مِنْ ثُلُثِهِ فَكَانَ الْمُكَاتَبُ أَوْلَى بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ، وَإِنْ كَانَ مَالُ الْكِتَابَةِ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ فَهُوَ الْمُعْتَبَرُ مِنْ ثُلُثِهِ دُونَ الْقِيمَةِ لِأَنَّهُ لَوْ أَدَّاهُ عَتَقَ بِهِ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ مِنْ ثُلُثِهِ أَقَلَّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ مَالِ كِتَابَتِهِ لَمْ يَخْلُ حَالُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُخْرِجَ جَمِيعَهُ مِنْ ثُلُثٍ، فَيَعْتِقَ جَمِيعَ الْمُكَاتَبِ، وَيَبْرَأَ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَحْتَمِلَ الثُّلُثُ شَيْئًا مِنْهُ لِدُيُونٍ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ جَمِيعَ تَرِكَتِهِ، فَيَبْطُلَ عِتْقُهُ وَإِبْرَاؤُهُ، وَيُؤْخَذُ بِأَدَاءِ جَمِيعِ مَا عَلَيْهِ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ، وَيَعْتِقُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ، وَلَا اعْتِرَاضَ فِيهِ لِوَارِثٍ، وَلَا غَرِيمٍ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ كَانَ تَعْجِيزُهُ وَإِعَادَتُهُ إِلَى الرق موقوفاً على الوارثة وَالْغُرَمَاءِ، فَإِنْ أَرَادَ الْوَرَثَةُ تَعْجِيزَهُ كَانَ لَهُمْ، وَإِنْ أَرَادَ الْغُرَمَاءُ تَعْجِيزَهُ كَانَ لَهُمْ، فَإِنِ اتفق الورثة والغرماء على إنظار جَازَ، وَأَيُّهُمْ رَجَعَ عَنْ إِنْظَارِهِ، وَطَلَبَ تَعْجِيزَهُ، فَلَهُ ذَلِكَ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَحْتَمِلَ الثُّلُثُ بَعْضَ ذَلِكَ، وَيَعْجِزَ عَنْ بَعْضِهِ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ الثُّلُثُ مُحْتَمِلًا لِلنِّصْفِ مِنْ أَقَلِّ أَمْرَيْهِ، فَيَعْتِقَ نِصْفُهُ، وَيَكُونَ نِصْفُهُ الْبَاقِي عَلَى كِتَابَتِهِ يَعْتِقُ بِأَدَائِهِ، وَيَرِقُّ النِّصْفُ مِنْهُ بِعَجْزِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَصِحُّ عِتْقُ بَعْضِهِ بِالْإِبْرَاءِ مِنْ بَعْضِ كِتَابَتِهِ وَلَوْ أَبْرَأَهُ فِي جِنَايَةٍ مِنْ بَعْضِ كِتَابَتِهِ لَمْ يُعْتَقْ شَيْءٌ مِنْهُ، فَهَلَّا كَانَ كَذَلِكَ فِيمَا احْتَمَلَهُ الثُّلُثُ مِنْ إِبْرَاءِ بَعْضِهِ؟
قِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ صِفَةَ الْعِتْقِ فِي الْإِبْرَاءِ مِنْ بَعْضِ الْكِتَابَةِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ لَمْ يُوجَدْ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُعْتَقُ شَيْءٌ مِنْهُ، وَصِفَةُ الْعِتْقِ فِي إِبْرَائِهِ فِي الْمَرَضِ قَدْ وُجِدَتْ، فَلِذَلِكَ عَتَقَ، وَإِنَّمَا رُدَّ بَعْضُ الْعِتْقِ فِي حَقِّ الْوَرَثَةِ، فَافْتَرَقَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ تَثْبُتُ الْكِتَابَةُ فِي بَعْضِهِ مَعَ عِتْقِ بَعْضِهِ وَتَبْعِيضُ الْكِتَابَةِ وَالْعِتْقُ لَا يَجْتَمِعَانِ فِيهِ؟ قِيلَ: لَا يَجْتَمِعَانِ فِي ابْتِدَاءِ الْكِتَابَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَجْتَمِعَا فِي انْتِهَائِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بالصواب.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ أَوْصَى بِعِتْقِهِ عَتَقَ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ إِنْ كَانَ قِيمَتُهُ أَلْفًا وَبَاقِي كِتَابَتِهِ خَمْسَمِائَةٍ أَوْ كانت ألفا وثمنه خمسمائة فيعتق بخمسمائة وقال في الإملاء على مسائل مالك ولو أعتقه عند الموت ولا مال له غيره عتق ثلثه فإن أدى ثلثي الكتابة عتق كله وإن عجز رق ثلثاه ولو قال ضعوا عنه كتابته فهي وصية له فيعتق بالأقل من قيمته أو كتابته وسواء كانت حالة أو دينا يحسب في الثُّلُثُ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، إِذَا أَوْصَى السَّيِّدُ بِعِتْقِ مُكَاتَبِهِ أَوْ بِإِبْرَائِهِ مِنْ كِتَابَتِهِ فَهُمَا سَوَاءٌ يُعْتَبَرَانِ فِي الثُّلُثِ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، فَإِنْ خَرَجَ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنَ الثُّلُثِ عَتَقَ جَمِيعُهُ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ وَلَمْ يُخَلِّفْ مَالًا سِوَاهُ لَمْ يَخْلُ مَا عَلَيْهِ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ مِنْ أَنْ يَكُونَ حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا، فَإِنْ كَانَ قَدْ حَلَّ عَتَقَ ثُلُثُهُ فِي الْحَالِ، وَقِيلَ لَهُ: إِنْ أَدَّيْتَ ثُلُثَيْ كِتَابَتِكَ عَتَقَ جَمِيعُكَ بِالْوَصِيَّةِ وَالْأَدَاءِ، وَإِنْ عَجَزْتَ اسْتَرَقَّ الْوَرَثَةُ ثُلُثَيْكَ، فَصَارَ ثُلُثُكَ حُرًّا، وَثُلُثَاكَ مَرْقُوقًا.
وَإِنْ كَانَ مَالُ الْكِتَابَةِ مُؤَجَّلًا، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَتَعَجَّلُ عِتْقُ ثُلُثِهِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَتَعَجَّلُ عِتْقُ شَيْءٍ مِنْهُ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَمْضِيَ بِالْوَصِيَّةِ مَا لَا يَحْصُلُ لِلْوَرَثَةِ مِثْلَاهُ، وَفِي تَعْجِيلِ الْعِتْقِ وَوُقُوفِ الثُّلُثَيْنِ عَلَى الْأَدَاءِ مَنْعٌ لِلْوَرَثَةِ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي مِثْلَيْ مَا خَرَجَ بِالْوَصِيَّةِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا، فَكُلَّمَا أَدَّى مِنْ مَالِ كِتَابَتِهِ شَيْئًا إِلَى الْوَرَثَةِ عَتَقَ مِنْهُ مِثْلُ نِصْفِهِ، لِيَصِيرَ إِلَى الْوَرَثَةِ مِثْلَا مَا خَرَجَ بِالْوَصِيَّةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَقَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ يَتَعَجَّلُ ثُلُثُهَ فِي الْحَالِ، وَيَكُونُ ثُلُثَاهُ مَوْقُوفًا عَلَى الْأَدَاءِ، فَإِنْ وَفَّاهُ عَتَقَ، وَصَارَ جَمِيعُهُ حُرًّا، وَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ رَقَّ ثُلُثَاهُ، وَكَانَ ثُلُثُهُ حُرًّا، وَاخْتَلَفَ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْوَجْهِ فِي الْعِلَّةِ فِي
تَعْجِيلِ الْعِتْقِ، وَوُقُوفِ الْبَاقِي، فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ لِأَنَّ جَمِيعَ الْمُكَاتَبِ حَاضِرٌ، وَالْوَرَثَةُ فِي بَاقِيهِ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: مِنْ عِتْقٍ بِأَدَاءٍ، أَوْ رِقٍّ بِعَجْزٍ وَإِنَّمَا يُمْنَعُ مِنْ ثُبُوتِ الْوَصِيَّةِ بِحَاضِرٍ إِذَا كَانَ بَاقِي الْمَالِ غَائِبًا.
وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا، إِنَّ الْعِلَّةَ فِيهِ أَنَّهُ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ قَدْ أَوْصَى بِهِ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ، فَإِذَا لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الثُّلُثِ بَرِئَ مِنْ ثُلُثِ الدَّيْنِ، وَكَانَ ثُلُثَاهُ بَاقِيًا لِلْوَرَثَةِ إِلَى أَجْلِهِ، وَهَكَذَا حُكْمُ الوصية بالدين.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ كَاتَبَهُ فِي مَرَضِهِ وَلَا يَخْرُجُ مِنَ الثُّلُثِ وَقَفْتُ فَإِنْ أَفَادَ السَّيِّدُ مَالًا يُخْرِجُ بِهِ مِنَ الثُّلُثِ جَازَتِ الْكِتَابَةُ وَإِنْ لَمْ يُفْدِ جَازَتْ كِتَابَةُ ثُلُثِهِ إِذَا كَانَتْ كِتَابَةَ مثله ولم تجز في ثلثيه (قَالَ الْمُزَنِيُّ) رَحِمَهُ اللَّهُ هَذَا خِلَافُ قَوْلِهِ لا تجوز كتابة بعض عبده) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، الْكِتَابَةُ فِي الْمَرَضِ المخوف إذا تعقبه الموت معتبر مِنَ الثُّلُثِ، لِأَنَّهَا كَالْعَطَايَا وَالْهِبَاتِ وَالصَّدَقَاتِ، لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْهَا قَدْ كَانَ مُسْتَحَقًّا بِالْمِلْكِ فَخَالَفَ الْبَيْعِ الَّذِي لَا يُسْتَحَقُّ الثَّمَنُ فِيهِ إِلَّا بِالْعَقْدِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَهِيَ عَلَى الصِّحَّةِ فِي جَمِيعِهِ مَا لَمْ يَمُتِ السَّيِّدُ، فَإِنْ قَبَضَهَا مِنْهُ فِي حَيَاتِهِ عَتَقَ بِهَا إِنْ كَانَ الْحَاصِلُ مِنَ الْكِتَابَةِ مِثْلَ قِيمَتِهِ، وَإِنْ نَقَصَ فَبِقِسْطِهِ مِنْ ثُلُثِ تَرِكَتِهِ، وَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ الْأَدَاءِ لَمْ يَخْلُ حَالُ الْمُكَاتَبِ مِنْ أَنْ يُخْرِجَ قِيمَتَهُ مِنَ الثُّلُثِ أَوْ لَا يُخْرِجُ، فَإِنْ خَرَجَتْ قِيمَتُهُ مِنَ الثُّلُثِ كَانَ عَلَى كِتَابَتِهِ يُؤَدِّيهَا إِلَى الْوَرَثَةِ لِيَعْتِقَ بِأَدَائِهَا أَوْ يُسْتَرَقَّ بِالْعَجْزِ عَنْهَا، وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْ قِيمَتَهُ مِنَ الثُّلُثِ، وَلَا كَانَ لَهُ مَالٌ سِوَاهُ لَزِمَتِ الْكِتَابَةُ فِي ثُلُثِهِ، وَكَانَ ثُلُثَاهُ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ الْوَارِثِ وَرَدِّهِ، فَإِنْ أَجَازَهَا الْوَارِثُ لَهُ مِنْ جَمِيعِ الْكِتَابَةِ جَازَتْ، وَإِنْ رَدَّهَا بَطَلَتِ الْكِتَابَةُ فِي ثُلُثَيْهِ، وَلَزِمَتْ فِي ثُلُثِهِ، فَإِذَا أَدَّى ثُلُثَ الْكِتَابَةِ عَتَقَ ثُلُثُهُ، وَكَانَ ثُلُثَاهُ مَمْلُوكًا.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ تَصِحُّ الْكِتَابَةُ فِي ثُلُثِهِ، وَكِتَابَةُ بَعْضِ الْعَبْدِ لَا تَصِحْ، وَكَيْفَ يُعْتَقُ ثُلُثُهُ بِأَدَاءِ ثُلُثِ الْكِتَابَةِ وَصِفَةُ الْعِتْقِ مَشْرُوطَةٌ بِأَدَاءِ الْجَمِيعِ؟
قِيلَ: لِأَنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ قَدْ كَانَ عَلَى جَمِيعِهِ، فَصَحَّتْ، وَإِنَّمَا بَطَلَ بَعْضُهَا فِي حَقِّ الْوَارِثِ، فَلَمْ يُوجِبْ بُطْلَانَ بَاقِيهَا فِي حَقِّ الْمَوْرُوثِ لِاخْتِصَاصِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِحَقِّهِ.
وَإِذَا عَادَتِ الْكِتَابَةُ إِلَى ثُلُثِهِ عَادَ مَالُهَا إِلَى ثُلُثِهِ، فَصَارَ هُوَ الْمَشْرُوطَ فِي الْعِتْقِ.
مَسْأَلَةٌ
قَالَ الشافعي رضي الله عنه: (وَمَا أَقَرَّ بِقَبْضِهِ فِي مَرَضِهِ فَهُوَ كَالدَّيْنِ يُقِرُّ بِقَبْضِهِ فِي صِحَّتِهِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، إِقْرَارُ السَّيِّدِ فِي مَرَضِهِ بِقَبْضِ الْكِتَابَةِ مِنْ مُكَاتَبِهِ لَازِمٌ كَالْإِقْرَارِ بِهِ فِي حَالِ الصِّحَّةِ، سَوَاءٌ كَاتَبَهُ فِي الْمَرَضِ أَوْ فِي الصِّحَّةِ، لِأَنَّ مَنْ صَحَّ مِنْهُ الْقَبْضُ صَحَّ إِقْرَارُهُ بِالْقَبْضِ، وَلِأَنَّهُ إقرار بحق، فصار كالشهادة.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَإِذَا وَضَعَ عَنْهُ دَنَانِيرَ وَعَلَيْهِ دَرَاهِمُ أَوْ شَيْئًا وَعَلَيْهِ غَيْرُهُ لَمْ يَجُزْ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا كَاتَبَهُ عَلَى دَرَاهِمَ، وَأَبْرَأَهُ مِنْ دَنَانِيرَ أَوْ كَاتَبَهُ عَلَى دَنَانِيرَ، وَأَبْرَأَهُ من دراهم لم يبر مِنْ شَيْءٍ مِنْ كِتَابَتِهِ، لِأَنَّ مَا أَبْرَأَهُ مِنْهُ لَا يَسْتَحِقُّهُ وَمَا يَسْتَحِقُّهُ لَمْ يُبْرِئْهُ مِنْهُ، فَكَانَ هَذَا الْإِبْرَاءُ مِنْهُ عَبَثًا إِلَّا أَنْ يَقُولَ وَقَدْ كَاتَبْتُهُ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ: قَدْ أَبْرَأْتُكَ بِقِيمَةِ عَشَرَةِ دَنَانِيرَ، فَصَحَّ إِبْرَاؤُهُ مِنَ الدَّرَاهِمِ بِقِيمَةِ عَشَرَةِ دَنَانِيرَ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ مِنْ بَعْدُ: قَدْ كُنْتُ أَرَدْتُ بِإِبْرَائِي مِنْ عَشَرَةِ دَنَانِيرَ قَدْرَ مَا يَقُومُ مِنَ الدَّرَاهِمِ بِهَا عُمِلَ عَلَى قَوْلِهِ، وَإِنَّمَا بَطَلَتِ الْبَرَاءَةُ إِذَا لَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَرُدَّهُ، فَإِنِ ادَّعَى الْمُكَاتَبُ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَرَادَ قِيمَةَ عَشَرَةِ دَنَانِيرَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَوْ وَصَّى السَّيِّدُ بِهَذَا الْإِبْرَاءِ كَانَ حُكْمُهُ مَعَ الْوَارِثِ كَحُكْمِهِ مَعَهُ لَوْ كَانَ هُوَ المبرئ.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: (وَلَوْ قَالَ قَدِ اسْتَوْفَيْتُ آخِرَ كِتَابَتِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ شَاءَ فُلَانٌ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا قَالَ: قَدِ اسْتَوْفَيْتُ مِنْكَ مَالَ كِتَابَتِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ شَاءَ فُلَانٌ لَمْ يَجُزْ، وَكَانَ إِقْرَارًا بَاطِلًا، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْعِلَّةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعَالَى اسْتِثْنَاءٌ يَرْفَعُ حُكْمَ مَا اتَّصَلَ بِهِ، كَمَا يَرْتَفِعُ بِهِ حُكْمُ الطَّلَاقِ، وَالْعِتَاقِ، وَالْأَيْمَانِ، وَقَالَ آخَرُونَ: لِأَنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ فِي الْكَلَامِ تُسْتَعْمَلُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ دُونَ الْمَاضِي، فَصَارَ مَعْنَاهُ سَأَسْتَوْفِي مِنْكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَأَمَّا إِنْ قَالَ: قَدِ اسْتَوْفَيْتُ مِنْكَ مَالَ كِتَابَتِكَ إِنْ شَاءَ زَيْدٌ لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْعِلَّةِ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى ظَاهِرِ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ.
وَقَالَ آخَرُونَ: لِأَنَّهُ إِقْرَارٌ مُقَيَّدٌ بِصِفَةٍ وَحَمَلُوا قَوْلَ الشَّافِعِيِّ: لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ عَلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ دُونَ مَشِيئَةِ غَيْرِهِ، لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُخْتَصٌّ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ.
وَأَمَّا إِنْ قَالَ: قَدِ اسْتَوْفَيْتُ مِنْكَ آخِرَ كتابتك وأطلق، لم يكن هذا إقرار بِاسْتِيفَاءِ جَمِيعِ مَالِ الْكِتَابَةِ، لِاحْتِمَالِهِ أَنْ يُرِيدَ بِهِ مَا حَلَّ مِنْ نُجُومِهِ دُونَ مَا لَمْ يَحِلَّ أَوْ أَنْ يُرِيدَ بِهِ آخِرَ نَجْمٍ دُونَ أَوَّلِهِ أَوْ يُرِيدَ بِهِ جَمِيعَ الْبَاقِي بِأَسْرِهِ، فَلِاحْتِمَالِهِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ إِقْرَارًا بِاسْتِيفَاءِ جَمِيعِ الْمَالِ حَتَّى يُرِيدَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بالصواب.
الوصية للعبد أن يكاتب
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ أَوْصَى أَنْ يُكَاتَبَ عَبْدٌ لَهُ لَا يَخْرُجُ مِنَ الثُّلُثِ حَاصَّ أَهْلَ الْوَصَايَا وَكُوتِبَ عَلَى كِتَابَةِ مِثْلِهِ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ وَصَايَا وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ قِيلَ إِنْ شِئْتَ كَاتَبْنَا ثُلُثَكَ وَوَلَاءُ ثُلُثِكَ لِسَيِّدِكَ وَالثُّلُثَانِ رَقِيقٌ لورثته (قال المزني) رحمه الله هذا خلاف أصل قوله مثل الذي قبله) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا وَصَّى بِكِتَابَةِ عَبْدِهِ كَانَتْ قِيمَتُهُ مُعْتَبَرَةً مِنْ ثُلُثِهِ، لِأَنَّ الْكِتَابَةَ كَالْعَطَايَا وَالْهِبَاتِ مِنْ وَجْهٍ، وَكَالْعِتْقِ مِنْ وَجْهٍ، يَعُودُ الْوَلَاءُ فِيهِ إِلَى السَّيِّدِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْعَطَايَا وَالْعِتْقِ مُعْتَبَرٌ مِنَ الثُّلُثِ، فَكَذَلِكَ الْكِتَابَةُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُ أَنْ تَخْرُجَ قِيمَةُ الْعَبْدِ مِنَ الثُّلُثِ أَوْ لَا تَخْرُجُ، فَإِنْ خَرَجَتْ قِيمَتُهُ مِنَ الثُّلُثِ كُوتِبَ جَمِيعُهُ إِنْ شَاءَ، لِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِاخْتِيَارِهِ، فَإِنْ لَمْ يُرِدِ الْكِتَابَةَ بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ بِكِتَابَتِهِ، فَإِنْ عَادَ فَطَلَبَهَا بَعْدَ الرِّقِّ لَمْ يَسْتَحِقَّهَا إِلَّا أَنْ يَسْتَأْنِفَ الْوَرَثَةُ كِتَابَتَهُ فِي حُقُوقِ أَنْفُسِهِمْ، وَإِنْ أَرَادَ الْكِتَابَةَ فِي الِابْتِدَاءِ أُجِيبُ إِلَيْهَا، وَرَجَعَ فِي الْقَدْرِ الَّذِي يُكَاتَبُ بِهِ إِلَى الْوَصِيَّةِ، فَإِنْ سَمَّاهُ السَّيِّدُ، وَذَكَرَ الْقَدْرَ الَّذِي يُكَاتَبُ بِهِ لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، لِأَنَّ الْوَارِثَ لَا يَلْحَقُهُ فِيهِ ضَرَرٌ، إِذَا كَانَتْ قِيمَتُهُ مُحْتَسَبَةٌ عَلَى الْمَيِّتِ فِي ثُلُثِهِ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ قَدْرًا كُوتِبَ كِتَابَةَ مِثْلِهِ، كَمَا لَوْ وَصَّى بِبَيْعِهِ عَلَى رَجُلٍ بِيعَ بِثَمَنِ مِثْلِهِ، وَكِتَابَةُ الْمِثْلِ أَنْ تَكُونَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ كَالْبَيْعِ بِالنَّسَاءِ يَكُونُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ نَقْدًا، فَإِذَا صَحَّتْ كِتَابَتُهُ، وَانْعَقَدَتْ عَلَى مَا وَصَفْنَا أَدَّى مَالَهَا إِلَى الْوَرَثَةِ، وَكَانَ ذَلِكَ كَسْبًا لَهُمْ لَا يُضَمُّ إِلَى تَرِكَةِ الْمُوصِي، لِأَنَّهُ نَمَاءُ مَالٍ حَدَثَ بَعْدَ الْوَفَاةِ، فَجَرَى مَجْرَى مَا حَدَثَ مِنْ نماء النخل، ونتاج الماشية، فإن أدى أَدَّى هَذَا الْمُكَاتَبُ مَالَ كِتَابَتِهِ عَتَقَ، وَكَانَ وَلَاؤُهُ لِلْمُوصِي، يَنْتَقِلُ بِمَوْتِهِ إِلَى الذُّكُورِ مِنْ عَصَبَتِهِ، وَإِنْ عَجَزَ كَانَ وَرَثَتُهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ إِنْظَارِهِ، وَبَيْنَ تَعْجِيزِهِ وَاسْتِرْجَاعِهِ.
فَصْلٌ
وَإِنْ ضَاقَ الثُّلُثُ عَنْ قِيمَتِهِ، وَلَمْ يُخْرِجْ جَمِيعَهَا مِنْهُ، فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ مَعَهُ وَصَايَا أَوْ لَا تَكُونُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَعَهُ وَصَايَا تَوَفَّرَ الثُّلُثُ كُلُّهُ فِي قِيمَتِهِ، وَكُوتِبَ مِنْهُ بِقَدْرِ ثُلُثِهِ، وَإِنْ كَانَتْ مَعَهُ وَصَايَا فَقَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْوَصَايَا وَالْعِتْقِ إِذَا
اجْتَمَعَا فِي الْوَصِيَّةِ، هَلْ يُقَدَّمُ الْعِتْقُ، أَوْ يَكُونُ أُسْوَةَ جَمِيعِ الْعَطَايَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَضَيَا فِي الْوَصَايَا.
أَحَدُهُمَا: يَكُونُ الْعِتْقُ أُسْوَةَ الْوَصَايَا، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْكِتَابَةُ أُسْوَةَ جَمِيعِ الْعَطَايَا وَالْوَصَايَا يَتَحَاصُّونَ فِي الثُّلُثِ عَلَى قَدْرِ حُقُوقِهِمْ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْعِتْقَ مُقَدَّمٌ عَلَى جَمِيعِ الْعَطَايَا وَالْوَصَايَا، لِفَضْلِ مَرْتَبَتِهِ بِالسِّرَايَةِ الَّتِي تَخْتَصُّ بِهِ، فَعَلَى هَذَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْكِتَابَةِ هَلْ تَجْرِي فِي ذَلِكَ مَجْرَى الْعِتْقِ الْمَحْضِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تَجْرِي مَجْرَى الْعِتْقِ الْمَحْضِ، لِإِفْضَائِهَا إِلَيْهِ، فَعَلَى هَذَا تُقَدَّمُ الْكِتَابَةُ عَلَى جَمِيعِ الْوَصَايَا كَمَا يُقَدَّمُ الْعِتْقُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا لَا تَجْرِي مَجْرَى الْعِتْقِ الْمَحْضِ لِمَا فِيهِ مِنِ اسْتِحْقَاقِ الْعِوَضِ، فَصَارَ بِالْمُعَاوَضَاتِ فِي ابْتِدَائِهِ أَشْبَهَ، وَلَا يُوجِبُ إِفْضَاؤُهُ إِلَى الْعِتْقِ أَنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا عَلَى الْوَصَايَا كُلِّهَا كَمَا لَوْ أَوْصَى الرَّجُلُ بِأَبِيهِ لَمْ يُقَدَّمْ عَلَى الْوَصَايَا وَإِنْ أَفْضَى إِلَى عِتْقِهِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ أُسْوَةَ جَمِيعِ الْوَصَايَا، وَيُقَسَّمُ الثُّلُثُ عَلَى جَمِيعِهَا بِالْحِصَصِ.
فَصْلٌ
فَإِذَا ثَبَتَ مَا وَصَفْنَا مِنْ عَوْدِ كِتَابَتِهِ لِعَجْزِ الثُّلُثِ عَنْ قِيمَتِهِ إِلَى بَعْضِهِ أَوْ لَمْ يكن له إلى سَوَاءً فَلَزِمَتِ الْكِتَابَةُ فِي ثُلُثِهِ، وَجَبَ عَلَى الْوَرَثَةِ أَنْ يُكَاتِبُوهُ عَلَى الثُّلُثِ إِذَا اخْتَارَ كِتَابَةَ الْمِثْلِ إِنْ لَمْ يُقَدَّرْ بِالْوَصِيَّةِ، وَكَانَ ثُلُثَاهُ رَقِيقًا لِلْوَرَثَةِ.
فَإِنْ قِيلَ فَإِذَا صَارَ هَذَا الْعَبْدُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْمُوصِي وَالْوَرَثَةِ، فَكَيْفَ تَصِحُّ الْكِتَابَةُ فِي حَقِّ الْمُوصِي وَحْدَهُ، وَلَيْسَ لِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يُكَاتِبَ حِصَّتَهُ قِيلَ: إِنَّمَا منع الشريك من مكاتبة حِصَّته لِئَلَّا يَدْخُلَ بِهَا ضَرَرٌ عَلَى شَرِيكِهِ، وَالْوَرَثَةُ هَاهُنَا إِنَّمَا صَارَ لَهُمُ الْمِلْكُ بَعْدَ دُخُولِ الضَّرَرِ بِالْكِتَابَةِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُمُ الْمَنْعُ مِنْهَا.
فَإِذَا صَحَّتِ الْكِتَابَةُ فِي ثُلُثِهِ أَدَّى مَالَهَا إِلَى الْوَرَثَةِ فَإِنْ وَفَّاهُ عَتَقَ ثُلُثُهُ، وَكَانَ ثُلُثَاهُ رَقِيقًا لِلْوَرَثَةِ، وَلَا يَسْرِي الْعِتْقُ بِالْكِتَابَةِ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ عِتْقٌ عَلَى مَيِّتٍ قَدْ زَالَ مِلْكُهُ، وَإِنْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ فَرَّقَ ثُلُثَهُ الَّذِي كَانَ مُكَاتَبًا، فَهَلْ يَعُودُ إِلَى التَّرِكَةِ حَتَّى تَتَوَفَّرَ بِهِ الْوَصَايَا أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَعُودُ إِلَى التَّرِكَةِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا اعْتُبِرَ مِنَ الثُّلُثِ لِيُعْتَقَ، فَإِذَا لَمْ يعتق لم يعتبر فيه، وكان تركة.
والوجه الثَّانِي: لَا يَعُودُ إِلَى التَّرِكَةِ، لِأَنَّ اعْتِبَارَهُ فِي الثُّلُثِ لَمْ يَكُنْ مَوْقُوفًا عَلَى
الْعِتْقِ، فَإِذَا عَادَ بِالْعَجْزِ إِلَى الرِّقِّ صَارَ مَالًا مُسْتَفَادًا لِلْوَرَثَةِ، كَمَا كَانَ مَالُ الْأَدَاءِ مِلْكًا مُسْتَفَادًا لَهُمْ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ
قَالَ الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ قَالَ كَاتِبُوا أَحَدَ عَبِيدِي لَمْ يُكَاتِبُوا أَمَةً وَلَوْ قَالَ إِحْدَى إِمَائِي لَمْ يُكَاتِبُوا عَبْدًا وَلَا خُنْثَى وَإِنْ قَالَ أَحَدَ رَقِيقِي كَانَ لَهُمُ الْخِيَارُ فِي عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) قُلْتُ أَنَا أَوْ خُنْثَى) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا اسْمُ الْعَبِيدِ فَلَا يَدْخُلُ فِيهِمُ الْإِمَاءُ، وَاسْمُ الْإِمَاءِ فَلَا يَدْخُلُ فِيهِنَّ الْعَبِيدُ، فَأَمَّا الْخَنَاثَى فَإِنْ كَانُوا عَلَى إِشْكَالِهِمْ لَمْ يَدْخُلُوا فِي اسْمِ الْعَبِيدِ، وَلَا فِي اسْمِ الْإِمَاءِ، وَإِنْ زَالَ إِشْكَالُهُمْ، فَفِي دُخُولِهِمْ فِي اسْمِ الْعَبِيدِ إِنْ كَانُوا ذُكُورًا، وَفِي اسْمِ الْإِمَاءِ إِنْ كَانُوا إِنَاثًا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَدْخُلُونَ فيه بزوال الإشكال الاستقرار حُكْمِهِمْ فِي الْجِنْسِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُمْ لَا يَدْخُلُونَ مَعَ زَوَالِ الْإِشْكَالِ فِي مُطْلَقِ اسْمِ الْعَبِيدِ، وَلَا فِي مُطْلَقِ اسْمِ الْإِمَاءِ، لِأَنَّ الْأَسْمَاءَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْعُرْفِ دُونَ النَّادِرِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، وَوَصَّى بِمُكَاتَبَةِ عَبْدٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُكَاتِبَ مَنْ لَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْعَبِيدِ، وَإِذَا وَصَّى أَنْ يُكَاتِبَ أَمَةً لَمْ يَجُزْ أَنْ يُكَاتِبَ مَنْ لَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْإِمَاءِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
فَأَمَّا إِذَا قَالَ كَاتِبُوا رَأْسًا مِنْ رَقِيقِي، دَخَلَ فِيهِمُ الْعَبِيدُ وَالْإِمَاءُ، وَكَانَ الْوَارِثُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُكَاتِبَ عَبْدًا أَوْ أَمَةً.
فَأَمَّا الْخُنْثَى: فَإِنْ زَالَ إِشْكَالُهُ دَخَلَ فِي أَسْهُمِ الرَّقِيقِ، وَجَازَ أَنْ يُكَاتَبَ لِأَنَّهُ عَبْدٌ إِنْ بَانَ ذَكَرًا، أَوْ أَمَةً إِنْ بَانَتْ أُنْثَى، وَإِنْ كَانَ عَلَى إِشْكَالِهِ بَاقِيًا، فَقَدْ خَرَّجَ أَصْحَابُنَا دُخُولَهُ فِي مُطْلَقِ اسْمِ الْعَبِيدِ، وَجَوَازَ كِتَابَتِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ الْمُزَنِيِّ، يَدْخُلُ فِي مُطْلَقِ الِاسْمِ، وَتَجُوزُ كِتَابَتُهُ فِي الْوَصِيَّةِ، لِأَنَّ اسْمَ الرَّقِيقِ يَنْطَلِقُ عَلَى الْجِنْسِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْجَمِيعُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الرَّبِيعِ وَأَشَارَ إِلَى نَقْلِهِ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي مُطْلَقِ الِاسْمِ وَلَا تَجُوزُ كِتَابَتُهُ فِي الْوَصِيَّةِ، لِأَنَّ مُطْلَقَ الِاسْمِ مَحْمُولٌ فِي الشَّرْعِ عَلَى الْعُرْفِ كَالْأَيْمَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
باب موت سيد المكاتب
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ أَنْكَحَ ابْنَةً لَهُ مُكَاتَبَهُ بِرِضَاهَا فَمَاتَ وَابْنَتُهُ غَيْرُ وَارِثَةٍ إِمَّا لِاخْتِلَافِ دِينِهِمَا أَوْ لِأَنَّهَا قَاتِلَةٌ فَالنِّكَاحُ ثَابِتٌ وَإِنْ كَانَتْ وَارِثَةً فَسَدَ النِّكَاحُ لِأَنَّهَا مَلَكَتْ مِنْ زَوْجِهَا بَعْضَهُ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَصْلُ هَذَا أَنَّهُ يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُزَوِّجَ بِنْتَهُ بِمُكَاتَبِهِ إِذَا أَذِنَتْ فِيهِ، لِأَنَّ رِضَا الْوَلِيِّ وَالْمَنْكُوحَةِ بِسُقُوطِ الْكَفَاءَةِ لَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الْعَقْدِ، فَإِذَا مَاتَ السَّيِّدُ وَبِنْتُهُ غَيْرُ وَارِثَةٍ لِاخْتِلَافِ دِينٍ أَوْ قَتْلٍ فَالنِّكَاحُ بِحَالِهِ، لِأَنَّهَا لَمْ تَمْلِكْ مِنْهُ فِي الْحَالَيْنِ شَيْئًا، وَإِنْ كَانَتْ وَارِثَةً بَطَلَ نِكَاحُهُ، لِأَنَّهَا مَلَكَتْ بَعْضَ زَوْجِهَا، وَمِلْكُ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ مُبْطِلٌ لِنِكَاحِهَا، لِتَنَافِي مِلْكِ الْيَمِينِ وَعَقْدِ النِّكَاحِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَبْطُلُ النِّكَاحُ إِذَا مَلَكَتْهُ بَعْدَ الْعَقْدِ وَلَوْ مَلَكَتْهُ قَبْلَ الْعَقْدِ بَطَلَ النِّكَاحُ وَبَنَاهُ عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ الْوَارِثَ لَا يَمْلِكُ رَقَبَةَ الْمُكَاتَبِ، وَإِنَّمَا يَمْلِكُ مَا عَلَيْهِ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ، وَإِذَا مَلَكَتِ الْمَرْأَةُ دَيْنًا عَلَى زَوْجِهَا لَمْ يَبْطُلْ نِكَاحُهَا، وَهَذَا فَاسِدٌ، لِأَنَّ حُقُوقَ الْمِلْكِ إِذَا مَنَعَتِ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ مَنَعَتِ اسْتَدَامَتَهُ، كَالْعَبْدِ يَبْطُلُ النِّكَاحُ بِعَقْدِهِ بَعْدَ مِلْكِهِ، وَبِمَلِكِهِ بعد عقده، كذلك نكاح الكاتب لَمَّا بَطَلَ بِمِلْكِهِ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ وَجَبَ أَنْ يَبْطُلَ بِهِ فِي اسْتَدَامَتِهُ وَلَيْسَ لِقَوْلِهِ إِنَّمَا تَمْلِكُ الدَّيْنَ دُونَ الرَّقَبَةِ وَجْهٌ، لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تَمْلِكُهُ بِالْعَجْزِ، وَالدُّيُونُ لَا تُمَلَّكُ بِالْعَجْزِ عَنْهَا فِي بَابِ الْعَبِيدِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْ مِنَ ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ إِلَّا لِأَجْلِ الْمِلْكِ فَكَذَلِكَ فِي اسْتَدَامَتِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ
قال الشافعي رضي الله عنه: (فإن دَفَعَ مِنَ الْكِتَابَةِ مَا عَلَيْهِ إِلَى أَحَدِ الْوَصِّيَّيْنِ أَوْ أَحَدِ وَارِثَيْنِ أَوْ إِلَى وَارِثٍ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ لَهُ وَصَايَا لَمْ يَعْتِقْ إِلَّا بِوُصُولِ الدَّيْنِ إِلَى أَهْلِهِ وَكُلِّ ذِي حَقٍّ حَقِّهِ إِذَا لَمْ يَدْفَعْ بِأَمْرِ حَاكِمٍ أو إلى وصي) .
قال الماوردي: ولهذا المسألة أصلان:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْكِتَابَةَ لَا تَبْطُلُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ لِلُزُومِهَا مِنْ جِهَتِهِ، وَتَبْطُلُ بِمَوْتِ الْمُكَاتَبِ، لِأَنَّهَا غَيْرُ لَازِمَةٍ مِنْ جِهَتِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُكَاتَبَ يَلْزَمُهُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ أَنْ يَدْفَعَ مَالَ الْكِتَابَةِ إِلَى كُلِّ مَنْ تَعَلَّقَ حَقُّهُ بِتَرِكَتِهِ، وَلَا يُعْتَقُ حَتَّى يُوصِلَهُ إِلَى جَمِيعِهِمْ.
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَانِ الْأَصْلَانِ فَلَا تَخْلُو تَرِكَةُ السَّيِّدِ إِذَا مات من أن يتعلق بها دون وَوَصَايَا أَوْ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا، فَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا دُيُونٌ وَلَا وَصَايَا، فَالْمُسْتَحِقُّ لَهَا الْوَرَثَةُ، فَإِنْ كَانَ وَاحِدًا اعْتَبُرِتْ حَالُهُ، فَإِنْ كَانَ جَائِزَ الْأَمْرِ فَهُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِقَبْضِ مَالِهِ إِنْ كَانَ حَاضِرًا فَإِنْ دَفَعَهُ إِلَيْهِ عَتَقَ، وَإِنْ عَدَلَ عَنْهُ بِدَفْعِ الْمَالِ إِلَى غَيْرِهِ لَمْ يَعْتِقْ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَدْفُوعُ إِلَيْهِ حَاكِمًا أَوْ غَيْرَ حَاكِمٍ، وَلَوْ كَانَ الْوَارِثُ الْجَائِزُ الْآمِرِ غَائِبًا نَظَرَ، فَإِنْ كَانَ لَهُ وَكِيلٌ حاضر دفعه إلى وكيله وعتق بدفعه فغن عَدَلَ بِدَفْعِهِ إِلَى حَاكِمٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يُعْتَقْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْوَارِثِ الْغَائِبِ وَكِيلٌ دَفَعَهُ إِلَى الْحَاكِمِ، وَعَتَقَ بِدَفْعِهِ فَإِنْ عَدَلَ بِدَفْعِهِ إِلَى غَيْرِهِ مِنْ مُنَاسِبٍ أَوْ أَجْنَبِيٍّ لَمْ يُعْتَقْ، وَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ الْوَاحِدُ مَوْلًى عَلَيْهِ دَفَعَهُ إِلَى وَلِيِّهِ، وَعَتَقَ بِدَفْعِهِ إِلَيْهِ، فَإِنْ عَدَلَ بِدَفْعِهِ إِلَى غَيْرِ وَلِيِّهِ لَمْ يَعْتِقْ، وَإِنْ كَانَ الْوَرَثَةُ جَمَاعَةً دَفَعَهُ إِلَيْهِمْ إِنْ جَازَ أَمْرُهُمْ أَوْ إِلَى وَلِيِّ مَنْ كَانَ مَوْلًى عَلَيْهِ مِنْهُمْ، فَإِنْ دَفَعَهُ إِلَى بَعْضِهِمْ لَمْ يَعْتِقْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
فَأَمَّا إِذَا تَعَلَّقَ بِتَرِكَةِ السَّيِّدِ دُيُونٌ وَوَصَايَا، فَنَذْكُرُ حُكْمَ الدُّيُونِ إِذَا انْفَرَدَتْ، وَحُكْمَ الْوَصَايَا إِذَا انْفَرَدَتْ، لِيُعْلَمَ بِهِ حُكْمُ اجْتِمَاعِهِمَا، فَنَقُولُ:
إِنَّ الدُّيُونَ لَا يَخْلُو أَنْ يُوصِيَ السَّيِّدُ بِدَفْعِهَا مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ أَوْ لَا يُوصِي بِهِ، فَإِنْ أَوْصَى بِدَفْعِهَا مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ، فَأَرْبَابُ الدُّيُونِ هُمُ الْمُسْتَحِقُّونَ لِقَبْضِهِ دُونَ الْوَرَثَةِ، وَتَكُونُ الْوَصِيَّةُ إِذْنًا بِدَفْعِ الْكِتَابَةِ إِلَيْهِمْ، وَجَرَى دَفْعُهُ إِلَيْهِمْ مَجْرَى دَفْعِهِ إِلَى الْوَرَثَةِ إِذَا لَمْ تَكُنْ دُيُونٌ، فَإِنْ كَانَ وَاحِدًا صَارَ كَالْوَارِثِ الْوَاحِدِ، وَيُعْتَقُ بِدَفْعِهِ إِلَيْهِ إِذَا كَانَ جَائِزَ الْأَمْرِ وَلَا يَلْزَمُ اسْتِئْذَانُ الْوَارِثِ فِيهِ، وَلَا الِاجْتِمَاعُ مَعَ صَاحِبِ الدَّيْنِ عَلَى قَبْضِهِ، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ لِجَمَاعَةٍ عَتَقَ بِدَفْعِهِ إِلَى جَمِيعِهِمْ عَلَى قَدْرِ دُيُونِهِمْ بِالْحِصَصِ، وَلَا يَعْتِقُ بِدَفْعِهِ إِلَى بَعْضِهِمْ، وَجَرَوْا مَجْرَى الْوَرَثَةِ إِذَا كَانُوا جَمَاعَةً، فَإِنْ كَانَ لِلسَّيِّدِ وَصِيٌّ فِي قَضَاءِ دُيُونٍ لَهُ لَمْ يَعْتِقِ الْمُكَاتَبُ بِدَفْعِهِ إِلَيْهِ، لِأَنَّ أَرْبَابَ الدُّيُونِ لَا وِلَايَةَ لِلْوَصِيِّ عَلَيْهِمْ.
فَإِنْ لَمْ يُوصِ السَّيِّدُ بِدَفْعِ مَالِ الْكِتَابَةِ فِي دَيْنِهِ، فَعَلَى الْمُكَاتَبِ أَنْ يَجْمَعَ فِي دَفْعِ مَالِ الْكِتَابَةِ بَيْنَ الْوَرَثَةِ وَأَرْبَابِ الدُّيُونِ، لِأَنَّ لِأَرْبَابِ الدُّيُونِ حَقَّ الِاسْتِيفَاءِ وَلِلْوَرَثَةِ أَنْ يَقْضُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَيَأْخُذُوا مَالَ الْكِتَابَةِ لِأَنْفُسِهِمْ، فَإِنْ دَفَعَهَا الْمُكَاتَبُ إِلَى أَصْحَابِ الدُّيُونِ دُونَ الْوَرَثَةِ لَمْ يَعْتِقْ، وَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى الْوَرَثَةِ دُونَ أَرْبَابِ الدُّيُونِ لَمْ يَعْتِقْ، وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي الدَّفْعِ عَتَقَ.
فصل
وأما الوصايا، فلا يخلوا أَنْ يُعَيِّنَهَا السَّيِّدُ فِي مَالِ الْكِتَابَةِ أَوْ لَا يُعَيِّنَهَا، فَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهَا لَمْ يَخْلُ أَنْ يَكُونَ أَرْبَابُ الْوَصَايَا مُعَيَّنِينَ أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنِينَ، فَإِنْ كَانُوا غَيْرَ مُعَيَّنِينَ لَزِمَ الْمُكَاتَبُ أَنْ يَجْمَعَ فِي دَفْعِهَا بَيْنَ الْوَصِيِّ وَالْوَرَثَةِ دُونَ أَرْبَابِ الْوَصَايَا، فَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى الْوَصِيِّ دُونَ الْوَرَثَةِ لَمْ يُعْتَقْ، لِأَنَّ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يَدْفَعُوا الْوَصَايَا مِنْ غَيْرِ الْكِتَابَةِ، وَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى الْوَرَثَةِ دُونَ الْوَصِيِّ لَمْ يُعْتَقْ، لِأَنَّ الْوَصِيَّ هُوَ الْوَالِي عَلَى الْوَصِيَّةِ، وَإِذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي الدَّفْعِ عَتَقَ، لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مُتَعَيِّنِينَ إِلَّا بِاجْتِهَادِ الْوَصِيِّ، وَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْوَصَايَا مُعَيَّنِينَ، لَزِمَ الْمُكَاتَبُ أَنْ يَجْمَعَ فِي دَفْعِهَا بَيْنَ أَهْلِ الْوَصَايَا وَالْوَرَثَةِ دُونَ الْوَصِيِّ، لِأَنَّ أَهْلَ الْوَصَايَا إِذَا تَعَيَّنُوا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ وِلَايَةٌ لِلْوَصِيِّ، فَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى الْوَرَثَةِ دُونَ أَهْلِ الْوَصَايَا لَمْ يُعْتَقْ، وَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى أَهْلِ الْوَصَايَا دُونَ الْوَرَثَةِ لَمْ يُعْتَقْ، وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي الدَّفْعِ عَتَقَ.
وَإِنْ عَيَّنَ السَّيِّدُ الْوَصَايَا فِي مَالِ الْكِتَابَةِ فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ الْوَصَايَا لِمُعَيَّنِينَ أَوْ غَيْرِ مُعَيَّنِينَ، فَإِنْ كَانَتْ لِمُعَيَّنِينَ لَزِمَ الْمُكَاتَبَ دَفْعُهَا إِلَى أَهْلِ الْوَصَايَا الْمُعَيَّنِينَ دُونَ الْوَصِيِّ وَالْوَرَثَةِ، لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِلْوَصِيِّ عَلَيْهِمْ، وَلَيْسَ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يَعْدِلُوا بِالْوَصَايَا إِلَى أَمْوَالِهِمْ، فَإِذَا انْفَرَدَ أَهْلُ الْوَصَايَا بِهَا عَتَقَ، وَإِنْ كَانَتِ الْوَصَايَا لِغَيْرِ مُعَيَّنَيْنِ لَزِمَ الْمُكَاتَبَ دَفْعُهَا إِلَى الْوَصِيِّ وَحْدَهُ دُونَ الْوَرَثَةِ، لِأَنَّهُمْ لَا حَقَّ لَهُمْ فِيهَا، إِذَا خَرَجَتْ مِنَ الثُّلُثِ، وَدُونَ أَهْلِ الْوَصَايَا، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَعَيَّنُوا إِلَّا بِاجْتِهَادِ الْوَصِيِّ الْقَابِضِ، فَلِذَلِكَ عَتَقَ الْمُكَاتَبُ بِدَفْعِهَا إِلَيْهِ وَحْدَهُ وَاللَّهُ أعلم.
باب عجز المكاتب
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ أَنْ يَفْسَخَ كِتَابَتَهُ حَتَّى يَعْجَزَ عَنْ أَدَاءِ نَجْمٍ فَيَكُونَ لَهُ فَسْخُهَا بِحَضْرَتِهِ إِنْ كَانَ بِبَلَدِهِ وَإِذَا قَالَ لَيْسَ عِنْدِي مَالٌ فَأُشْهِدَ أَنَّهُ قَدْ عَجَّزَهُ بَطَلَتْ كَانَ عِنْدَ سُلْطَانٍ أَوْ غَيْرِهِ وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِابْنِ عُمَرَ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْكِتَابَةَ لَازِمَةٌ مِنْ جِهَةِ السَّيِّدِ دُونَ الْمُكَاتَبِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: فَإِذَا لَمْ تَحِلَّ أَنْجُمُ الْكِتَابَةِ فَلَا مُطَالَبَةَ لِلسَّيِّدِ، وَالسَّيِّدُ عَلَى كِتَابَتِهِ وَنُفُوذِ تَصَرُّفِهِ، وَيَمْلِكُ كَسْبَهُ، فَإِنْ حَلَّ النَّجْمُ وَأَدَّاهُ الْمُكَاتَبُ خَرَجَ بِهِ مِنْ حَقِّ السَّيِّدِ، فَإِنْ كَانَ آخَرَ نَجْمٍ عَتَقَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي تَضَاعِيفِ نُجُومِهِ كَانَ عِتْقُهُ مَوْقُوفًا عَلَى الْأَخِيرِ، وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ الْمُكَاتَبُ مَالَ النَّجْمِ عِنْدَ حُلُولِهِ لَمْ يَخْلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِعَجْزٍ مِنْهُ أَوْ مَعَ قدرة عليه، فإن كان لعجزه عَنْهُ وَإِعْسَارٍ بِهِ، فَالسَّيِّدُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ إِنْظَارِهِ وَبَيْنَ تَعْجِيزِهِ، وَتُفْسَخُ كِتَابَتُهُ اعْتِبَارًا بِأَصْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: فَسْخُ الْبُيُوعِ بِالْعُيُوبِ، لِأَنَّ عَجْزَهُ عَيْبٌ.
وَالثَّانِي: اسْتِرْجَاعُ الْبَائِعِ عَيْنَ مَالِهِ بِالْفَلَسِ، لِأَنَّ عَجْزَهُ فَلَسٌ، فَإِنْ أَنْظَرَهُ كَانَ عَلَى كِتَابَتِهِ، وَإِنْ عَجَّزَهُ فَسَخَ وَاحْتَاجَ الْفَسْخُ إِلَى شَرْطَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقُولَ الْمُكَاتَبُ قَدْ عَجَزْتُ، وَيَقُولَ السَّيِّدُ: قَدْ فَسَخْتُ كِتَابَتَكَ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُشْهِدَ بِالْفَسْخِ اسْتِظْهَارًا، وَإِنْ لَمْ يَجِبْ وَيَجُوزُ الْفَسْخُ، وَإِنْ لم يحضره حاكم اعتباراً، بالفسخ بالعيب، للإنفاق عَلَى حُكْمِهِ دُونَ الْفَسْخِ بِالْفَلَسِ لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ، وَقَدْ رَوَى نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَاتَبَ عَبْدًا لَهُ عَلَى ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَقَالَ: أَنَا عَاجِزٌ، فَقَالَ: امْحُ كِتَابَتَكَ، قَالَ: بَلِ امْحُ أَنْتَ يَعْنِي بِهِ الْفَسْخَ، وَلَمْ يَحْضُرْهُ حَاكِمٌ، فَإِذَا فَسَخَ بَطَلَتِ الْكِتَابَةُ سَوَاءٌ كَانَ الْعَجْزُ عَنْ آخِرِ نَجْمٍ أَوْ عَنْ أَوَّلِهِ.
فَصْلٌ
وَإِنِ امْتَنَعَ الْكَاتِبُ مِنْ أَدَاءِ النَّجْمِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ تَعْجِيزِهِ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ لِلسَّيِّدِ تَعْجِيزَهُ، وَفَسْخَ كِتَابَتِهِ بِأَنْ يَقُولَ الْمُكَاتَبُ: قَدْ عَجَزَتْ نَفْسِي وَيَقُولُ السَّيِّدُ: قَدْ فَسَخْتُ كتابتك.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ الْفَسْخُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَدَاءِ، وَيُؤْخَذُ الْمُكَاتَبُ جَبْرًا بِدَفْعِ الْكِتَابَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنَ الْكَلَامِ مَعَهُ مَا أَقْنَعَ، وَإِذَا أَجَازَ الْفَسْخَ مَعَ الْقُدْرَةِ لَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالْفَسْخِ إِلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ لِمَوْضِعِ الْخِلَافِ فِيهِ كَمَا لَيْسَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَرْجِعَ بِعَيْنِ مَالِهِ عِنْدَ فَلَسِ الْمُشْتَرِي، إِلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ لِأَجْلِ الْخِلَافِ فِيهِ.
مَسْأَلَةٌ
قال الشافعي رضي الله عنه: (فَإِنْ سَأَلَهُ أَنْ يُنْظِرَهُ مُدَّةً يُؤَدِّي إِلَيْهَا نَجْمَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ وَلَا لِلسُّلْطَانِ أَنْ يُنْظِرَهُ إِلَّا أَنْ يُحْضِرَهُ مَالَهُ يَبِيعُهُ مَكَانَهُ إِلَى الْمُدَةِ فَيُنْظِرَهُ قَدْرَ بَيْعِهِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا سَأَلَ الْمُكَاتَبُ سَيِّدَهُ الْإِنْظَارَ بِمَالِ النَّجْمِ بَعْدَ حُلُولِهِ لَمْ يَخْلُ سُؤَالُهُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ لِاكْتِسَابٍ وَطَلَبٍ، فَلَا يَلْزَمُ السَّيِّدَ إِنْظَارُهُ، وَلَا لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَأْمُرَهُ، بِالْإِنْظَارِ، سَوَاءٌ كَانَ مَا اسْتَنْظَرَهُ مِنَ الزَّمَانِ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، لِأَنَّ الْإِنْظَارَ زِيَادَةٌ فِي الْأَجَلِ، وَالْآجَالُ لَا تُلْزَمُ إِلَّا فِي الْعُقُودِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَسْتَنْظِرَهُ لِبَيْعِ مَتَاعٍ قَدْ أَحْضَرَهُ، فَيَلْزَمُهُ إِنْظَارُهُ قَدْرَ بَيْعِهِ، لِأَنَّهُ إِنْظَارٌ لِتَأْدِيَةِ الْحَقِّ، لَا لِاكْتِسَابِهِ وَطَلَبِهِ، وَهَذَا الْإِنْظَارُ هُوَ عِلَّةٌ لِإِمْكَانِ الْأَدَاءِ، وَلَيْسَ بِأَجَلٍ زَائِدٍ عَلَى الْعَقْدِ يُعْتَبَرُ فِيهِ قَلِيلُ الزَّمَانِ أَنْ لَا يَتَجَاوَزَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَسْتَنْظِرَهُ لِمَالٍ لَهُ غَائِبٍ يَقْدِرُ عَلَى نَقْلِهِ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ عَلَى مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ لَا يَقْصُرُ فِي مِثْلِهَا الصَّلَاةُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُنْظِرَهُ إِلَى حِينِ نَقْلِهِ، لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْحَاضِرِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَلَى مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ يَقْصُرُ فِي مِثْلِهَا الصَّلَاةَ، فَلَا يَلْزَمُهُ إِنْظَارُهُ لِأَنَّهُ كَالْعَادِمِ.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ يَسْتَنْظِرَهُ لِاقْتِضَاءِ دَيْنٍ لَهُ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا، فَلَا يَلْزَمُ السَّيِّدَ إِنْظَارُهُ إِلَى حُلُولِ الْأَجَلِ، لِأَنَّهُ زِيَادَةُ أَجْلٍ، وَلَيْسَ بِإِمْهَالٍ لِتَأْدِيَةِ مَالٍ قَدْ وَجَبَ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ حَالًّا، فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ عَلَى مُوسِرٍ، فَلَا يَلْزَمُ السَّيِّدَ إِمْهَالُهُ لِاقْتِضَاءِ دَيْنِهِ، لِأَنَّ الدَّيْنَ عَلَى الْمُوسِرِ كَالْعَيْنِ الْحَاضِرَةِ، وَلِذَلِكَ وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ عَلَى مُعْسِرٍ، فَلَا يَلْزَمُ السَّيِّدَ إِنْظَارُهُ إِلَى قَبْضِ دَيْنِهِ لأن ما على المعسر تاو، وَلِذَلِكَ لَمْ تَجِبْ فِيهِ الزَّكَاةُ.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: (فَإِنْ حَلَّ عَلَيْهِ نَجْمٌ فِي غَيْبَتِهِ فَأَشْهَدَ سَيِّدُهُ أَنْ قَدْ عَجَّزَهُ أَوْ فَسَخَ كِتَابَتَهُ فَهُوَ عَاجِزٌ وَلَا يُعَجِّزُهُ السُّلْطَانُ إِلَّا أَنْ تَثْبُتَ بَيِّنَةٌ عَلَى حُلُولِ نَجْمٍ مِنْ نُجُومِهِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا سَفَرُ الْمُكَاتَبِ فَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ فِي هَذَا الْكِتَابِ جَوَازَ سَفَرِهِ، وَمَنَعَهُ فِي (الْإِمْلَاءِ) مِنَ السَّفَرِ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ، فَخَرَّجَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ، لِأَنَّ فِي السَّفَرِ تَغْرِيرًا بِالْمَالِ، وَتَأْخِيرًا لِلْحَقِّ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ، وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَمْنَعَهُ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُكَاتَبَ مَالِكٌ لِتَصَرُّفِ نَفْسِهِ، فَلَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَحْجُرَ عَلَيْهِ بِمَنْعِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ لِلسَّيِّدِ عَلَيْهِ الدَّيْنَ إِلَى أَجَلٍ، وَلَيْسَ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ أَنْ يَمْنَعَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ الْمُؤَجَّلُ مِنَ السَّفَرِ وَذَهَبَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا إِلَى أَنْ لَيْسَ ذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِاخْتِلَافِ حَالَيْنِ، فَالْمَوْضِعُ الَّذِي جَوَّزَ لَهُ فِيهِ السَّفَرَ إِذَا كَانَ قَرِيبًا لَا يَقْصُرُ فِي مِثْلِهِ الصَّلَاةَ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي مَنَعَهُ مِنْهُ مِنَ السَّفَرِ إِذَا كَانَ بَعِيدًا تُقْصَرُ فِي مِثْلِهِ الصَّلَاةُ.
فَصْلٌ
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا وَكَانَ الْمُكَاتَبُ عِنْدَ حُلُولِ النَّجْمِ غَائِبًا، فَلِلسَّيِّدِ فَسْخُ الْكِتَابَةِ مَعَ غَيْبَتِهِ كَمَا كَانَ لَهُ أَنْ يَفْسَخَهَا مَعَ حُضُورِهِ، وَلَا يَلْزَمَهُ الْإِنْظَارُ بِمَالٍ قَدْ وَجَبَ، لَكِنِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي جَوَازِ تَفَرُّدِ السَّيِّدِ بِالْفَسْخِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالْفَسْخِ مَعَ الْغَيْبَةِ، كَمَا يَنْفَرِدُ بِهِ مَعَ الْحُضُورِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَبُ الْبَغْدَادِيِّينَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالْفَسْخِ حَتَّى يَأْتِيَ الْحَاكِمُ، فَيَتَوَلَّى الْفَسْخَ، لِأَنَّ فِي الْفَسْخِ حَقًّا لِغَائِبٍ لَا يَتَوَلَّاهُ إِلَّا الْحَاكِمُ، فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَفْسَخَ إِذَا سَأَلَهُ السَّيِّدُ الْفَسْخَ إِلَّا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عِنْدَهُ بِمَالِ الْكِتَابَةِ، وَحُلُولِ النَّجْمِ فِي غَيْبَتِهِ، فَإِذَا أَقَامَ السَّيِّدُ الْبَيِّنَةَ بِذَلِكَ أَحْلَفَهُ بِاللَّهِ إنَّهُ مَا قَبَضَ مَالَ هَذَا النَّجْمِ، وَإنَّهُ لِبَاقٍ عَلَيْهِ، وَهَذِهِ الْيَمِينُ اسْتِظْهَارٌ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، لِأَنَّ الْيَمِينَ لَا تَجِبُ إِلَّا بِطَلَبِ مُسْتَحِقِّهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ فِي فَسْخِ الْحَاكِمِ، لأن لا يَفْسَخَ إِلَّا بِحَقٍّ يَزُولُ مَعَهُ الشُّبَهُ، فَإِذَا أَحْلَفَهُ فَسَخَ الْكِتَابَةَ فِي الظَّاهِرِ بَعْدَ إِحْلَافِهِ.
والله أعلم.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: (فَإِنْ قَالَ قَدْ أَنْظَرْتُهُ وَبَدَا لِي كُتُبُ السُّلْطَانِ إِلَى حَاكِمِ بَلَدِهِ فَأَعْلَمَهُ بِذَلِكَ وَأَنَّهُ إِنْ لَمْ يُؤَدِّ إِلَيْهِ أَوْ إِلَى وَكِيلِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَكِيلٌ أَنْظَرَهُ قَدْرَ مَسِيرِهِ إِلَى سَيِّدِهِ فَإِنْ جَاءَ وَإِلَّا عَجَّزَهُ حاكم بلده) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، إِذَا أَنْظَرَ السَّيِّدُ مُكَاتَبَهُ عِنْدَ عَجْزِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي إِنْظَارِهِ، وَإِنْ خَالَفَنَا فِيهِ أَبُو حَنِيفَةَ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلِلْمُكَاتَبِ عِنْدَ رُجُوعِ السَّيِّدِ فِي إِنْظَارِهِ حَالَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا، فَلِلسَّيِّدِ أَنْ يَفْسَخَ كِتَابَتَهُ إِذَا عَلِمَ الْمُكَاتَبُ بِرُجُوعِهِ فِي الْإِنْظَارِ، وَلَمْ يُبَادِرْ بِالْأَدَاءِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ غَائِبًا مُسَافِرًا، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ سَفَرًا مَمْنُوعًا مِنْهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَمْنَعُهُ فِيهِ مِنَ السَّفَرِ، فَلِلسَّيِّدِ أَنْ يُعَجِّلَ الْفَسْخَ، وَلَا يَلْزَمُهُ التَّوَقُّفُ لِإِعْلَامِهِ لِتَعَدِّيهِ بِالسَّفَرِ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ الْإِنْظَارَ بِعُدْوَانِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ سَفَرًا لَا يُمْنَعُ مِنْهُ إِمَّا لِأَنَّهُ عَنْ إِذْنِ السَّيِّدُ، وَإِمَّا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ السَّفَرُ بِغَيْرِ إِذْنِ السَّيِّدِ، فَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَفْسَخَ قَبْلَ إِعْلَامِ الْمُكَاتَبِ بِرُجُوعِهِ فِي الْإِنْظَارِ، فَيُثْبِتُ السَّيِّدُ عِنْدَ حَاكِمِ بَلَدِهِ عَقْدَ الْكِتَابَةِ، وَحُلُولَ النَّجْمِ الَّذِي أَنْظَرَهُ بِهِ، وَيُخْبِرُهُ بِرُجُوعِهِ فِي إِنْظَارِهِ، فَإِذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ بِذَلِكَ أَحْلَفَهُ الْحَاكِمُ إنَّهُ مَا قَبَضَ مِنْ مَالِ ذَلِكَ النَّجْمِ، وَإِنَّهُ لِبَاقٍ عَلَيْهِ، فَإِذَا فَعَلَ الْحَاكِمُ ذَلِكَ كَتَبَ حِينَئِذٍ إِلَى حَاكِمِ الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْمُكَاتَبُ بِرُجُوعِ سَيِّدِهِ إفي إِنْظَارِهِ، فَإِذَا عَرَفَ الْمُكَاتَبُ ذَلِكَ مِنْ حَاكِمِ بَلَدِهِ نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ قَدْ سَافَرَ إِلَيْهِ أَوْ كَانَ لَهُ وَكِيلٌ فِيهِ، فَعَجَّلَ دَفْعَ ذَلِكَ إِلَيْهِ أَوْ إِلَى وَكِيلِهِ إِنْ لَمْ يَكُنِ السَّيِّدُ حَاضِرًا وَعَتَقَ، وَإِنْ أَخَّرَ الْمَالَ عَنْ وَكِيلِهِ فِي الْحَالِ كَانَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَفْسَخَ، وَيَنُوبُ الْحَاكِمُ عَنْهُ فِي الْفَسْخِ إِذَا سَأَلَهُ عِنْدَ غَيْبَتِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مَعَ حُضُورِ الْوَكِيلِ كَمَا لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ إِذَا كَانَ السَّيِّدُ حَاضِرًا، لِأَنَّ الْقَبْضَ فِي الْحَالَيْنِ مُمْكِنٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ وَكِيلٌ فِي بَلَدِ الْمُكَاتَبِ أُنْظِرَ الْمُكَاتَبُ قَدْرَ الْمَسَافَةِ مِنْ مِسِيرِهِ إِلَى سَيِّدِهِ عَلَى حَسَبِ الْمَكِنَةِ، فَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْهَا فَسَخَ السَّيِّدُ حِينَئِذٍ الْكِتَابَةَ، أَوْ نَابَ الْحَاكِمُ عَنْهُ فِي الْفَسْخِ إِذَا فَوَّضَهُ إِلَيْهِ، فَلَوْ سَأَلَ، السَّيِّدُ حَاكِمَ الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْمُكَاتَبُ أَنْ يَقْبِضَ مِنْهُ مَالَ كِتَابَتِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْقَبْضُ، وَكَانَ فِيهِ بِالْخِيَارِ، لِأَنَّ الَّذِي يَخْتَصُّ الْحَاكِمُ بِالْتِزَامِهِ هُوَ الْحُكْمُ دُونَ الْقَبْضِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَالُ لِمَوْلًى عَلَيْهِ، فَتَلْزَمُهُ النِّيَابَةُ عَنْهُ فِي قَبْضِهِ، لِثُبُوتِ وِلَايَتِهِ عَلَيْهِ وَعَلَى مَالِهِ.
فَصْلٌ
فَأَمَّا إِذَا حَلَّ النَّجْمُ، وَالْمُكَاتَبُ مُسَافِرٌ قَدْ أَخَّرَ الْأَدَاءَ عَنْ سَيِّدِهِ، فَلِلسَّيِّدِ أَنْ يَفْسَخَ وَلَا يُلْزَمَ إِعْلَامَ الْمُكَاتَبِ بِخِلَافِ حَالِ الرُّجُوعِ بَعْدَ الْإِنْظَارِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْمُكَاتَبَ قَدْ عَلِمَ بِحُلُولِ النَّجْمِ فِي سَفَرِهِ، وَأَنَّ السَّيِّدَ قَدِ اسْتَحَقَّ بِهِ فَسْخَ كِتَابَتِهِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ إِعْلَامُهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِذَا أَنْظَرَهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِاسْتِحْقَاقِ الْفَسْخِ بَعْدَ رُجُوعِهِ، فَلِذَلِكَ وَجَبَ إِعْلَامُهُ.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ غُلِبَ عَلَى عَقْلِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُعَجِّزَهُ حَتَّى يَأْتِيَ الْحَاكِمُ وَلَا يُعَجِّزَهُ الْحَاكِمُ حَتَّى يَسْأَلَ عَنْ مَالِهِ فَإِنْ وَجَدَهُ أَدَّى عَنْهُ وَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ عَجَّزَهُ وَأُخِذَ السَّيِّدُ بِنَفَقَتِهِ وَإِنْ وَجَدَ لَهُ مَالًا، كَانَ لَهُ قَبْلَ التَّعْجِيزِ فَكَّ الْعَجْزَ عَنْهُ وَرَدَّ عَلَى سَيِّدِهِ نَفَقَتَهَ مَعَ كِتَابَتِهِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، إِذَا جُنَّ الْمُكَاتَبُ لَمْ تَبْطُلْ كِتَابَتُهُ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ لُزُومَهَا مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ يَمْنَعُ مِنْ بُطْلَانِهَا بِجُنُونِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ كَالرَّهْنِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ فِيهَا مَعَ الْمُعَاوَضَةِ عِتْقًا بِصِفَةٍ لَا يَبْطُلُ بِالْجُنُونِ، فَكَذَلِكَ بِالْمُعَاوَضَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: أَفَلَيْسَ عَقْدُ الْكِتَابَةِ يَبْطُلُ بِالْمَوْتِ، وَإِنْ لَمْ يَبْطُلْ بِهِ الرَّهْنُ فَهَلَّا بَطَلَ بِالْجُنُونِ وَإِنْ لَمْ يَبْطُلْ بِهِ الرَّهْنُ؟ قِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعِتْقَ يُنَافِي الْمَوْتَ، وَلَا يُنَافِي الْجُنُونَ، فَلِذَلِكَ بَطَلَ بِالْمَوْتِ، وَلَمْ يَبْطُلْ بِالْجُنُونِ، وَالرَّهْنُ لَا يُنَافِي الْمَوْتَ وَلَا الْجُنُونَ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَبْطُلْ بِالْمَوْتِ وَلَا بِالْجُنُونِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْعِتْقُ بِالصِّفَةِ يَبْطُلُ بِالْمَوْتِ، وَلَا يَبْطُلُ بِالْجُنُونِ كَانَتِ الْكِتَابَةُ بِمَثَابَتِهِ فِي بُطْلَانِهَا بِالْمَوْتِ دُونَ الْجُنُونِ.
فَصْلٌ
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْكِتَابَةَ لَا تَبْطُلُ بِالْجُنُونِ، وَإِنْ بَطَلَتْ بِالْمَوْتِ فَلِلسَّيِّدِ إِذَا حَلَّ نَجْمُ الْكِتَابَةِ أَنْ يَأْتِيَ الْحَاكِمَ، فَيُثْبِتُ عِنْدَهُ عَقْدَ الْكِتَابَةِ وَحُلُولَ النَّجْمِ فِيهَا، ثُمَّ يُفَتِّشُ الْحَاكِمُ بَعْدَ ثُبُوتِ ذَلِكَ عَنْ مَالِ الْمُكَاتَبِ، فَإِنْ وَجَدَ لَهُ مَالًا دَفَعَهُ إِلَى السَّيِّدِ، وَعَتَقَ بِهِ إِنْ كَانَ مِنْ آخِرِ نُجُومِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا الْمَالُ غَيْرُ لَازِمٍ لِلْمُكَاتَبِ، وَلَوْ غَابَ لَمْ يُفَتِّشْ عَنْ ماله فهلا كان فِي الْجُنُونِ كَذَلِكَ؟ قِيلَ: لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ بالجنون مولى عليه فكان للحكام الولي عليه أن يصرف ماله فِي مَصَالِحِهِ، وَأَصْلَحُ الْأُمُورِ تَحَرِّي عِتْقِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْغَائِبُ، لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ عَلَيْهِ وَمَصَالِحُهُ مَوْكُولَةٌ إِلَيْهِ، فَإِذَا لَمْ يَجِدْ لِلْمُكَاتَبِ مَالًا أَحْلَفَ الْحَاكِمُ سَيِّدَهُ إنَّهُ مَا قَبَضَ مَالَ النَّجْمِ مِنْهُ، وَإِنَّهُ لَبَاقٍ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ قَضَاءٌ عَلَى مَجْنُونٍ فَكَانَ كَالْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ، فَإِذَا حَلَفَ السَّيِّدُ حَكَمَ لِسَيِّدِهِ بِتَعْجِيزِهِ وَإِعَادَتِهِ عَبْدًا قِنًّا، وَأَخَذَهُ بِنَفَقَتِهِ، فَإِنْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ بَعْدَ اسْتِرْقَاقِهِ وَظَهَرَ لَهُ مَالٌ قَامَتِ الْبَيِّنَةُ بِتَقَدُّمِهِ فِي مِلْكِهِ أَبْطَلَ الْحَاكِمُ تَعْجِيزَهُ، وَحَكَمَ بِعِتْقِهِ كَمَا يُبْطِلُ مَا نَفَذَ مِنْ أَحْكَامِهِ بِالِاجْتِهَادِ إِذَا خَالَفَ نَصًّا، وَحَكَمَ
لِلسَّيِّدِ بِاسْتِرْجَاعِ نَفَقَتِهِ، لِأَنَّهُ أَنْفَقَ بِحُكْمِهِ، فَإِذَا اسْتَرْجَعَهَا نَظَرَ فِي الْبَاقِي بَعْدَهَا مِنْ مَالِ الْمُكَاتَبِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ وَفَاءٌ عَتَقَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ وَفَاءٌ لَمْ يُعْتَقْ وَكَانَ مَا أَخَذَهُ مُسْتَحَقًّا بِالْمِلْكِ لَا بِالْكِتَابَةِ، وَلَوْ أَقَامَ الْمُكَاتَبُ الْبَيِّنَةَ بَعْدَ إِفَاقَتِهِ أَنَّهُ قَدْ كَانَ أَدَّى مَالَ كِتَابَتِهِ إِلَى السَّيِّدِ قَبْلَ جُنُونِهِ عَتَقَ، وَكَانَ السَّيِّدُ مُتَطَوِّعًا بِالنَّفَقَةِ عَلَيْهِ، وَلَا يَرْجِعُ بِهَا بَعْدَ إِفَاقَتِهِ، لِأَنَّهُ بِجَحُودِ الِاسْتِيفَاءِ قَدْ صَارَ مُلْتَزِمًا مَا لَمْ يَلْزَمْهُ، فلذلك صار به متطوعا.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوِ ادَّعَى أَنَّهُ أَوْصَلَ إِلَيْهِ كِتَابَتَهُ وَجَاءَ بِشَاهِدٍ أحلفه مَعَهُ وَأبرئه) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، إِذَا ادَّعَى الْمُكَاتَبُ عَلَى سَيِّدِهِ أَنَّهُ دَفَعَ إِلَيْهِ مَالَ كِتَابَتِهِ، وَأَنْكَرَ السَّيِّدُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ مَعَ يَمِينِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُكَاتَبِ بَيِّنَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ سَمِعَهَا الْحَاكِمُ عَلَى سَيِّدِهِ، وَبَيِّنَتُهُ فِي الْأَدَاءِ شَاهِدَانِ أَوْ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ، أَوْ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ، وَلَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ فِي عَقْدِ الْكِتَابَةِ إِلَّا مِنْ شَاهِدَيْنِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعِتْقَ بِالْكِتَابَةِ أَوْجَبَهُ الْعَقْدُ، وَالْأَدَاءُ فِيهِ صِفَةٌ لِحُلُولِهِ، فَلِذَلِكَ لَمْ تُسْمَعْ فِي الْعَقْدِ إِلَّا شَاهِدَيْنِ وَسُمِعَ فِي الْأَدَاءِ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ، أَوْ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ، لِأَنَّهُ بَيِّنَةٌ عَلَى قَضَاءِ دَيْنٍ وَبَرَاءَةِ ذِمَّةٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّ فِي عَقْدِ الْكِتَابَةِ إِثْبَاتَ تَصَرُّفٍ لِلْمُكَاتَبِ، وَزَوَالَ تَصَرُّفٍ لِلسَّيِّدِ، فَصَارَتْ وِلَايَةً لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ، وَالْأَدَاءُ مَالٌ وَإِبْرَاؤُهُ مِنْهُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَالشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ، كَالْوَصِيَّةِ لَا تَثْبُتُ لِلْمُوصَى إِلَيْهِ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ، لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ، وَتَثْبُتُ لِلْمُوصَى لَهُ بِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، لِأَنَّهُ مَالٌ.
فَصْلٌ
فَلَوْ ذَكَرَ الْمُكَاتَبُ عِنْدَ دَعْوَى الْأَدَاءِ أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً غَائِبَةً أُنْظِرَ بِهَا يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ، وَأَكْثَرُهُ ثَلَاثًا، لِأَنَّ فِي إِرْهَاقِهِ، إِضْرَارًا بِهِ وَفِي الزِّيَادَةِ بِالْإِنْظَارِ إِضْرَارٌ بِالسَّيِّدِ، وَفِي الْإِنْظَارِ تَقْلِيلُ الزَّمَانِ الَّذِي لَا يَخْرُجُ إِلَى حَدِّ الْكَثْرَةِ وَهُوَ الثُّلُثُ رِفْقٌ بِهِمَا وَرَفْعٌ لِلضَّرَرِ عَنْهُمَا، فَإِذَا أَحْضَرَ بَيِّنَةً سُمِعَتْ وَإِلَّا حُكِمَ عَلَيْهِ بِيَمِينِ السَّيِّدِ، فَإِنْ أَحْضَرَ فِي الثَّلَاثِ شَاهِدًا وَاحِدًا، وَاسْتَنْظَرَ بِالثَّانِي أَنْظَرْتُهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُسْتَقْبَلَةٍ، لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ إِذَا كَانَ عَدْلًا، وَلَوْ أَحْضَرَ فِي الثَّلَاثِ شَاهِدِينَ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَدَالَتُهُمَا أُنْظِرَ بِهِمَا ثَلَاثًا، لِأَنَّهُ اسْتِنْظَارٌ لِبَيِّنَةٍ فِي شَهَادَةٍ أُخْرَى.
مَسْأَلَةٌ
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ دَفَعَ الْكِتَابَةَ وَكَانَتْ عَرْضًا بِصِفَةٍ فَقَبَضَهُ وَعَتَقَ ثُمَّ اسْتَحَقَّ قِيلَ لَهُ إِنْ أَدَيْتَ مَكَانَكَ وَإِلَّا رَقَقْتَ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا كَانَتِ الْكِتَابَةُ عَلَى عَرْضٍ مَوْصُوفٍ، فَأَدَّاهُ
الْمُكَاتَبُ، وَعَتَقَ بِهِ فِي الظَّاهِرِ، وَاسْتَحَقَّ مِنْ يَدِ السَّيِّدِ بَطَلَ مَا حَكَمَ بِهِ مِنَ الْعِتْقِ، لِأَنَّ مِنْ صِفَةِ الْعَرْضِ فِي الْكِتَابَةِ أَنْ يَسْتَحِقَّهُ السَّيِّدُ مَلِكًا، وَالْمُسْتَحِقُّ لَا يَمْلِكُهُ السَّيِّدُ، فَلَمْ تَكْمُلْ فِيهِ صِفَةُ الْعِتْقِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَقَعْ بِهِ الْعِتْقُ، كَمَنْ عُلِّقَ عِتْقُهُ بِصِفَتَيْنِ لَمْ يَعْتِقْ بِوُجُودِ إِحْدَى الصِّفَتَيْنِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ صَارَ الْمُكَاتَبُ بِاسْتِحْقَاقِ الْعَرْضِ رَاجِعًا إِلَى الْكِتَابَةِ لَا إِلَى الرِّقِّ وَمَعْنَى قَوْلِ الشافعي: (وقيل لَهُ: إِنْ أَدَّيْتَ مَكَانَكَ وَإِلَّا رَقَقْتَ) يَعْنِي: وَإِلَّا عَجَّزْتُكَ، فَرَقَقْتَ، لِأَنَّهُ لَا يَعُودُ إِلَى الرق إلا بالتعجير دُونَ الِاسْتِحْقَاقِ، وَإِنَّمَا يَعُودُ إِلَى الْكِتَابَةِ بِالِاسْتِحْقَاقِ، فَإِذَا أَدَّى لِوَقْتِهِ مِثْلَ ذَلِكَ الْعَرْضِ عَتَقَ بِهِ حِينَئِذٍ، وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّهِ كَانَ السَّيِّدُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ إِنْظَارِهِ وَبَيْنَ تَعْجِيزِهِ وَاسْتِرْقَاقِهِ.
فَصْلٌ
وَلَوْ كَانَ السَّيِّدُ قَدِ اسْتَهْلَكَ الْعَرْضَ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهِ مِنْ يَدِهِ لَزِمَهُ غُرْمُهُ لِمُسْتَحَقِّهِ، وَكَانَ الْمُسْتَحِقُّ بِالْخِيَارِ فِي الرُّجُوعِ بِهِ عَلَى مَنْ شاء من السيد الْمُكَاتَبِ، فَإِنْ رَجَعَ بِهِ عَلَى السَّيِّدِ فَأَغْرَمَهُ إِيَّاهُ بَطَلَ بِهِ عِتْقُ الْمُكَاتَبِ، سَوَاءٌ كَانَ غُرْمُهُ مِثْلًا أَوْ قِيمَةً، وَإِنْ رَجَعَ بِهِ عَلَى الْمُكَاتَبِ فَأَغْرَمَهُ، فَإِنْ كَانَ مِثْلًا لِأَنَّ الْعَرْضَ كَانَ ذَا مِثْلٍ عَتَقَ بِهِ الْمُكَاتَبُ، لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الرُّجُوعَ بِغُرْمِهِ عَلَى السَّيِّدِ، فَصَارَ الْغُرْمُ وَالْأَدَاءُ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ أَدَاءً إِلَيْهِ، وَإِنْ كان من غَرِمَهُ الْمُكَاتَبُ قِيمَةً، لِأَنَّ الْعَرْضَ لَا مِثْلَ لَهُ لَمْ يَعْتِقْ بِهِ الْمُكَاتَبُ، لِأَنَّ الْقَيِّمَةَ وَإِنِ اسْتَحَقَّ الرُّجُوعَ بِهَا عَلَى السَّيِّدِ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْكِتَابَةِ، فَلَمْ يَعْتِقْ بِهَا وَلَمْ تَصِرْ قِصَاصًا مَعَ اخْتِلَافِ الْجِنْسَيْنِ، وَرَجَعَ عَلَى سَيِّدِهِ بِالْقِيمَةِ، وَرَجَعَ السَّيِّدُ عَلَيْهِ بِالْعَرْضِ فَإِنْ تبارا عَنْ تَرَاضٍ وَقَعَ الْعِتْقُ حِينَئِذٍ بِالْإِبْرَاءِ.
فَصْلٌ
وَإِذَا قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: إِنْ دَفَعْتَ إِلَيَّ هَذَا الثَّوْبَ بِعَيْنِهِ فَأَنْتَ حُرٌّ، فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ، وَكَانَ مَغْصُوبًا، قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي (الْأُمِّ) لَمْ يَعْتِقْ بِهِ، وَحَمَلَهُ عَلَى الْكِتَابَةِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ كِتَابَةً، وَقَالَ فِي الْخُلْعِ: إِذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إِذَا دَفَعْتِ إِلَيَّ هَذَا الثَّوْبَ بِعَيْنِهِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَدَفَعَتْهُ إِلَيْهِ، وَكَانَ مَغْصُوبًا طُلِّقَتْ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا، فَكَانَ بَعْضُهُمْ يَنْقُلُ جَوَابَ كُلِّ واحد مِنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ إِلَى الْأُخْرَى، وَيُخْرِجُهَا عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وُقُوعُ الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْخُلْعِ.
وَالثَّانِي: لَا يَقَعُ الْعِتْقُ، وَلَا الطَّلَاقُ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْعِتْقِ.
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: بَلْ جَوَابُهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ عَلَى ظَاهِرِهِ يَقَعُ الطَّلَاقُ بِالْمُعَيَّنِ إِذَا اسْتُحِقَّ، وَلَا يَقَعُ بِهِ الْعِتْقُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ لِلزَّوْجَةِ مَدْخَلًا فِي رَفْعِ النِّكَاحِ بِالْفَسْخِ، فَكَانَ رَفْعُهُ بِالطَّلَاقِ أَوْسَعَ حُكْمًا، وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ مَدْخَلٌ فِي رَفْعِ رِقِّهِ، فَكَانَ الْعِتْقُ أَضْيَقَ حُكْمًا، وَهَذَا الْفَرْقُ يَصِيرُ وَالَّذِي أَرَاهُ أَنَّ الْعِتْقَ يَقَعُ بِالْمُسْتَحَقِّ إِذَا كَانَ مُعَيَّنًا كَمَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ، لِأَنَّ
المغلب فيها مع التعيين حكم الصفة، ولأن لَمْ يَكُنِ الْخَلْعُ أَقْوَى لِكَوْنِهِ عَقْدَ مُعَاوَضَةٍ لَمْ يَكُنْ أَضْعَفَ مِنْ مُجَرَّدِ الْعِتْقِ بِالصِّفَةِ.
فَصْلٌ
وَلَوْ قَالَ السَّيِّدُ لِمُكَاتَبِهِ عِنْدَ دَفْعِ العرض الَّذِي عُيِّنَ فِي الظَّاهِرِ: أَنْتَ حُرٌّ، ثُمَّ اسْتَحِقَّ مِنْ يَدِهِ، وَاخْتَلَفَ الْمُكَاتَبُ وَالسَّيِّدُ، فَقَالَ السيد: أردت عتقه بالعرض الَّذِي أَدَّاهُ، وَقَالَ الْمُكَاتَبُ: بَلْ أَرَادَ عِتْقِي ابْتِدَاءً مِنْ نَفْسِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ مَعَ يَمِينِهِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ وَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ الْمُكَاتَبُ، وَلَوْ قَالَ لَهُ بَعْدَ الِاسْتِحْقَاقِ أَنْتَ حُرٌّ عَتَقَ عَلَيْهِ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: إِنِّي أَرَدْتُ مَا ظَنَنْتُهُ فِي عِتْقِهِ بِالْأَدَاءِ، لِأَنَّهُ بِخِلَافِ الظَّاهِرِ، وَلَوْ قَالَ لَهُ بَعْدَ الْأَدَاءِ وَالْعِتْقِ فِي الظَّاهِرِ وَقَبْلَ الِاسْتِحْقَاقِ: أَنْتَ حُرٌّ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ الِاسْتِحْقَاقِ: أَرَدْتُ بِالْعِتْقِ مَا كَانَ مِنْ ظَاهِرِ الْأَدَاءِ، فَفِي قَبُولِ ذَلِكَ مِنْهُ وَجْهَانِ مُحْتَمَلَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُقْبَلُ مِنْهُ قَبْلَ وُجُودِ الِاسْتِحْقَاقِ مَعَ يَمِينِهِ كَمَا يُقْبَلُ مِنْهُ عِنْدَ الْأَدَاءِ، لِأَنَّهُ فِي الْحَالَيْنِ عَلَى سَوَاءٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُقْبَلُ، وَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُكَاتَبِ مَعَ يَمِينِهِ، لِأَنَّ الْعِتْقَ بِالْأَدَاءِ قَدِ استقر ظاهره بنقص زَمَانِهِ، فَصَارَ لِمَا تَجَدَّدَ بَعْدَهُ مِنْ لَفْظِ الْعِتْقِ حُكْم مُبْتَدَأ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
باب الوصية بالمكاتب والوصية له
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: (إذا أَوْصَى بِهِ لِرَجُلٍ وَعَجَّزَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ أَوْ بَعْدَهُ لَمْ يَجُزْ كَمَا لَوْ أَوْصَى بِرَقَبَتِهِ وَهُوَ لَا يَمْلِكُهُ ثُمَّ مَلَكَهُ حَتَى يُجَدِّدَ وَصِيَّةً لَهُ بِهِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا وَصَّى بِرَقَبَةِ الْمُكَاتَبِ، وَكِتَابَتُهُ صَحِيحَةٌ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةً سَوَاءٌ عَجَزَ فَرَقَّ أَوْ أَدَّى فَعَتَقَ لِخُرُوجِهِ بِالْكِتَابَةِ عَنْ مِلْكِهِ، فَصَارَ كَمَنْ وَصَّى بِعَبْدٍ لَا يَمْلِكُهُ لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ بِهِ، وَإِنْ مَلَكَهُ، وَلَوْ قَالَ: قَدْ وَصَّيْتُ بِرَقَبَتِهِ إِنْ عَجَزَ وَرَقَّ صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ، لِأَنَّهُ أَضَافَ الْوَصِيَّةَ إِلَى مِلْكِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْحَالِ مَالِكًا، فَصَارَ كَالْوَصِيَّةِ بِثَمَرَةِ نَخْلَةٍ وَنِتَاجِ مَاشِيَةٍ لِجَوَازِ الْوَصَايَا بِالصِّفَاتِ.
مَسْأَلَةٌ
قَالَ الشافعي رضي الله عنه: (وإذا أوصى بكتابته جازت فِي الثُّلُثِ فَإِذَا أَدَّاهَا عَتَقَ فَإِنْ أَرَادَ الَّذِي أَوْصَى لَهُ تَأْخِيرَهُ وَالْوَارِثُ تَعْجِيزَهُ فَذَلِكَ للْوَارِث تَصِيرُ رَقَبَتُهُ لَهُ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا أَوْصَى بِمَا عَلَى الْمُكَاتَبِ مِنْ مَالِ كِتَابَتِهِ صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ، إِذَا كَانَتِ الْكِتَابَةُ صَحِيحَةً، لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِمَالِ الْكِتَابَةِ، فَصَارَ مُوصِيًا بِمَا يَمْلِكُ فَصَحَّتْ وَصِيَّتُهُ، وَإِنْ جَازَ أَنْ تَسْقُطَ بِالْعَجْزِ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُوصِيَ بِمَالٍ غَائِبٍ وَإِنْ جَازَ أَنْ يُتْلِفَهُ وَبِدينٍ وَإِنْ جَازَ أَنْ يَتْوَى وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْوَصِيَّةُ تَشْتَمِلُ عَلَى جَمِيعِ مَا يُؤَدِّيهِ الْمُكَاتَبُ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي وَبَعْدَ وَفَاتِهِ، لَكِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْبِضَ مَا أَدَّاهُ الْمُكَاتَبُ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي إِلَّا بَعْدَ وَفَاتِهِ، لِأَنَّ الْوَصَايَا لَا تُمَلَّكُ إِلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ، ثُمَّ لَا يَخْلُو حَالُ الْمُكَاتَبِ مِنْ إِحْدَى حَالَتَيْنِ، إِمَّا أَنْ يُؤَدِّيَ أَوْ يَعْجِزَ، فَإِنْ أَدَّى أُمْضِيَتِ الْوَصِيَّةُ بِجَمِيعِ مَا أَدَّاهُ إِذَا خَرَجَ مِنَ الثُّلُثِ فَإِنْ عَجَزَ جَمِيعُهُ عَنِ الثُّلُثِ، أَمْضَى مِنْهُ قَدْرَ مَا احْتَمَلَهُ الثُّلُثُ وَيَعْتِقُ بِالْأَدَاءِ إِلَى الْمُوصَى لَهُ، لِأَنَّهُ أَدَّاهُ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ، وَيَكُونُ وَلَاؤُهُ لِلْمُوصِي يَنْتَقِلُ عَنْهُ إِلَى عُصْبَتِهِ، وَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْأَدَاءِ يَمْلِكُ الْمُوصَى لَهُ مَا أَخَذَهُ قَبْلَ الْعَجْزِ، وَلَا يَخْلُو حَالُ الْمُوصَى له والوارث مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى إِنْظَارِهِ فَيَجُوزَ، وَتَكُونَ الْكِتَابَةُ بِحَالِهَا، وَمَا يُؤَدِّيهِ الْمُكَاتَبُ بَعْدَ الْإِنْظَارِ لِلْمُوصَى لَهُ كَمَا يَمْلِكُ مَا يُؤَدِّيهِ قَبْلَ الْعَجْزِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى تَعْجِيزِهِ، فَيَعُودَ بِالتَّعْجِيزِ رَقِيقًا يَمْلِكُهُ الْوَارِثُ، وَتَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ، وَتَصِحُّ فِيمَا قَبَضَ مِنْهَا.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَدْعُوَ الْمُوصَى لَهُ إِلَى إِنْظَارِهِ لِيَأْخُذَ مَا فِي كِتَابَتِهِ، وَيَدْعُوَ الْوَارِثُ إِلَى تَعْجِيزِهِ لِيَصِيرَ وَارِثًا لِرَقَبَتِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَارِثِ فِي التَّعْجِيزِ، لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ مُعَلَّقَةٌ بِالْأَدَاءِ، وَمُنْتَهِيَةٌ بِالْعَجْزِ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلْوَارِثِ إِبْطَالُهَا عَلَى الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ الْعَجْزِ لَمْ يَكُنْ لِلْمُوصَى لَهُ أَنْ يُبْطِلَ مِلْكَ الْوَارِثِ بَعْدَ الْعَجْزِ.
وَالْحَالُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَدْعُوَ الْمُوصَى لَهُ إِلَى تَعْجِيزِهِ، وَيَدْعُوَ الْوَارِثُ إِلَى إِنْظَارِهِ فَلَيْسَ لِتَعْجِيزِ الْمُوصَى لَهُ فَائِدَةٌ تَعُودُ عَلَيْهِ، فَلَا يُؤَثِّرُ تَعْجِيزَهُ، وَيَكُونُ إِمْضَاءُ الْوَارِثِ أَمْضَى، لِأَنَّ الْحَقَّ فِي التَّعْجِيزِ لَهُ، وَيَكُونُ تَعْجِيزُ الْمُوصَى لَهُ مُبْطِلًا لِلْوَصِيَّةِ فِيمَا يُؤَدِّيهِ بَعْدَ الْإِنْظَارِ، وَيَصِيرُ الْوَارِثُ أَحَقَّ بِهِ.
فَصْلٌ
وَإِذَا أَوْصَى بِمَالِ كِتَابَتِهِ لِزَيْدٍ إِنْ أَدَّى، وَبِرَقَبَتِهِ لعمروا إِنْ عَجَزَ صَحَّتِ الْوَصِيَّتَانِ، فَإِنْ أَدَّى وَعَتَقَ، اسْتَقَرَّتِ الْوَصِيَّةُ بِمَالِ الْكِتَابَةِ، وَبَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ بِالرَّقَبَةِ، وَإِنْ عَجَزَ وَرَقَّ بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ بِمَالِ الْكِتَابَةِ، وَصَحَّتِ الْوَصِيَّةُ بِالرَّقَبَةِ فَإِنِ اخْتَلَفَ الْمُوصَى لَهُ بِالْكِتَابَةِ وَالْمُوصَى لَهُ بِالرَّقَبَةِ عِنْدَ عَجْزِهِ وَإِنْظَارِهِ، وَتَعْجِيزِهِ، فَذَلِكَ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَدْعُوَ الْمُوصَى لَهُ بِالْكِتَابَةِ إِلَى إِنْظَارِهِ، وَيَدْعُوَ الْمُوصَى لَهُ بِالرَّقَبَةِ إِلَى تَعْجِيزِهِ، فَيَكُونَ الْمُوصَى لَهُ بِالرَّقَبَةِ فِي تَعْجِيزِهِ أَحَقَّ مِنَ الْمُوصَى لَهُ بِالْمَالِ فِي إِنْظَارِهِ، فَتَصِحَّ الْوَصِيَّةُ بِالرَّقَبَةِ، وَتَبْطُلَ الْوَصِيَّةُ بِالْكِتَابَةِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَدْعُوَ الْمُوصَى لَهُ بِالْكِتَابَةِ إِلَى تَعْجِيزِهِ، وَيَدْعُوَ الْمُوصَى لَهُ بِالرَّقَبَةِ إِلَى إِنْظَارِهِ فَتَبْطُلَ الْوَصِيَّتَانِ جَمِيعًا بِالْكِتَابَةِ وَالرَّقَبَةَ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَاعٍ إِلَى إِبْطَالِ وَصِيتِهِ، فَصَارَ مُبْطِلًا لَهَا، وَيَعُودُ الْمُكَاتَبُ إِلَى الورثة، فيكونوا فِيهِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ إِنْظَارِهِ وَتَعْجِيزِهِ.
فَصْلٌ
وَإِذَا وَصَّى بِمَا تَعَجَّلَهُ الْمُكَاتَبُ مِنْ مَالِ كِتَابَتِهِ صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ، وَكَانَتْ مُخْتَصَّةً بِمَا يُؤَدِّيهِ تَعْجِيلًا قَبْلَ حُلُولِهَا، فَأَيُّ شَيْءٍ عَجَّلَ الْمُكَاتَبُ اسْتَحَقَّهُ الْمُوصَى لَهُ، وَمَا أَدَّاهُ بَعْدَ حُلُولِهِ اسْتَحَقَّهُ الْوَارِثُ، لِأَنَّ تَعْلِيقَ الْوَصَايَا بِالصِّفَاتِ الْمَجْهُولَةِ جَائِزٌ.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ كَانَتِ الْكِتَابَةُ فَاسِدَةً بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا كَانَتِ الْكِتَابَةُ فَاسِدَةً بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ بِمَالِ الْكِتَابَةِ، لِأَنَّ بُطْلَانَهَا قَدْ أَسْقَطَ مَالَهَا مِنْ ذِمَّةِ الْمُكَاتَبِ، فَصَارَ مُوصِيًا بِمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَكِنْ لَوْ قَالَ: قَدْ أَوْصَيْتُ لَكَ بِمَا يُؤَدِّيهِ مُكَاتَبِي صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ، وَإِنْ كَانَتِ الْكِتَابَةُ فَاسِدَةً، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي فِي الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ، وَيَعْتِقُ كَمَا يُؤَدِّي فِي الصَّحِيحَةِ ويكون ذلك
جَارِيًا مَجْرَى قَوْلِهِ فِي الْكِتَابَةِ الصَّحِيحَةِ قَدْ أَوْصَيْتُ لَكَ بِرَقَبَتِهِ فِي صِحَّةِ الْوَصِيَّتَيْنِ إِنْ عَجَزَ، وَيَجْرِي قَوْلُهُ: قَدْ وَصَّيْتُ لَكَ بِمَالِ كِتَابَتِهِ، وَالْكِتَابَةُ فَاسِدَةٌ مَجْرَى قَوْلِهِ: قَدْ وَصَّيْتُ لَكَ بِرَقَبَتِهِ وَالْكِتَابَةُ صَحِيحَةٌ فِي بُطْلَانِ الْوَصِيَّتَيْنِ.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ أَوْصَى بِرَقَبَتِهِ وَكِتَابَتُهُ فَاسِدَةٌ فَفِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْوَصِيَّةَ بَاطِلَةٌ وَالثَّانِي أَنَّ الْوَصِيَّةَ جَائِزَةٌ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) هَذَا أَشْبَهُ بِقَوْلِهِ لِأَنَّهُ فِي مِلْكِهِ فَكَيْفَ لَا يَجُوزُ مَا صَنَعَ فِي مِلْكِهِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا إِذَا عَلِمَ بِفَسَادِ كِتَابَتِهِ فَوَصَّى بِرَقَبَتِهِ صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ قَوْلًا وَاحِدًا، لِأَنَّهُ وَصَّى بِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مَالِكُهُ فَأَمَّا إِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِفَسَادِ كِتَابَتِهِ، حَتَّى وَصَّى بِرَقَبَتِهِ فَفِي صِحَّةِ وَصِيتِهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْوَصِيَّةَ بَاطِلَةٌ، لِأَنَّهُ قَدْ وَصَّى بِمَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ.
فَصَارَ مَقْصُودُهَا فَاسِدًا فَبَطَلَتْ، وَصَارَ كَبَيْعِ الِابْنِ دَارَ أَبِيهِ، وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا ثُمَّ بَانَ أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ، وَكَانَ الِابْنُ وَارِثًا لَهَا لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ، وَإِنْ صَادَفَ مِلْكًا لِفَسَادِ الْمَقْصُودِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ أَنَّ الْوَصِيَّةَ جَائِزَةٌ، لِأَنَّهَا صَادَفَتْ مِلْكًا، وَإِنْ جَهِلَهُ، وَقَصَدَ خِلَافَهُ، وَجَرَى مَجْرَى وَصِيَّتَهُ بِثَمَرَةِ بُسْتَانِهِ، وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَا ثَمَرَةَ فِيهِ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ مَعَ جَهْلِهِ وَقَصَدَ خِلَافَهُ، فَصَارَ مَسْطُورَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْبَابِ مُشْتَمِلًا عَلَى أَرْبَعِ مَسَائِلَ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُوصِيَ بِرَقَبَتِهِ فِي كِتَابَةٍ صَحِيحَةٍ، فَتَكُونُ الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةً.
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يُوصِيَ بِمَالِ كِتَابَتِهِ فِي كِتَابَةٍ فَاسِدَةٍ، فَتَكُونَ الْوَصِيَّةُ صَحِيحَةً.
وَالثَّالِثَةُ: أَنْ يُوصِيَ بِرَقَبَتِهِ فِي كِتَابِةٍ فَاسِدَةٍ، فَتَكُونَ الْوَصِيَّةُ صَحِيحَةً.
وَالرَّابِعَةُ: أَنْ يُوصِيَ بِمَالِ كِتَابَتِهِ فِي كِتَابَةٍ صَحِيحَةٍ فَتَكُونَ الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةً.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ قَالَ ضَعُوا عَنْهُ أَكْثَرَ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ وَمِثْلَ نِصْفِهِ وُضِعَ عَنْهُ أَكْثَرُ مِنَ النِّصْفِ بِمَا شَاءُوا وَمِثْلُ نِصْفِهِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا إِذَا أَوْصَى الْمُكَاتَبُ بِأَكْثَرَ مِمَّا عَلَى مُكَاتَبِهِ كَانَتْ وَصِيَّتُهُ بِأَكْثَرَ مِنَ النِّصْفِ بِجُزْءٍ وَإِنْ قَلَّ لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى النِّصْفِ هُوَ أَكْثَرُ الْجُمْلَةِ، وَلَوْ وَصَّى لَهُ بِأَكْثَرِ مَا عَلَيْهِ، وَمِثْلَ نِصْفِهِ كَانَتْ وَصِيَّةً بِأَكْثَرَ مِنَ النِّصْفِ وَأَكْثَرَ مِنَ الرُّبُعِ، لِأَنَّ الْأَكْثَرَ إِذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنَ النِّصْفِ كَانَ نِصْفُهُ أَكْثَرَ مِنَ الرُّبُعِ، فَيَكُونُ الْوَصِيَّةُ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الْكِتَابَةِ، وَجُزْءٌ نِصْفُ ذَلِكَ الْجُزْءِ.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ قَالَ ضَعُوا عَنْهُ أَكْثَرَ مَا عَلَيْهِ وَمِثْلَهُ وُضِعَ عَنْهُ الْكِتَابَةُ كُلُّهَا وَالْفَضْلُ بَاطِلٌ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، لِأَنَّ الْأَكْثَرَ إِذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنَ النِّصْفِ كَانَ ضِعْفُهُ أَكْثَرَ مِنَ الْكُلِّ، فَصَارَ مُوصِيًا بِمَالِ الْكِتَابَةِ، وَبَطَلَتْ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ مِنَ الزِّيَادَةِ.
مَسْأَلَةٌ
قَالَ الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ قَالَ ضَعُوا عَنْهُ مَا شَاءَ فَشَاءَهَا كُلَّهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَّا أَنْ يُبْقِيَ مِنْهَا شَيْئًا) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ نَقَلَ الرَّبِيعُ فِيهَا شَرْطًا أَسْقَطَهُ الْمُزَنِيُّ، فَالَّذِي نَقَلَهُ الرَّبِيعُ فِي (الْأُمِّ) وَلَوْ قَالَ: ضَعُوا عَنْهُ مَا شَاءَ مِنْ كِتَابَتِهِ فَشَاءَهَا كُلَّهَا لَمْ يكن له إلا أن يبقي منه شَيْئًا، وَهَذَا جَوَابٌ اتَّفَقَ عَلَيْهِ جَمِيعُ أَصْحَابِنَا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي عِلَّتِهِ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لِأَنَّ الْوَضْعَ فِي الْمَعْرُوفِ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ يَتَنَاوَلُ بَعْضَ الشَّيْءِ، وَإِبْقَاءَ بَعْضِهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الْعِلَّةُ فِيهِ أَنَّ لَفْظَةَ (مِنْ) مَوْضُوعَةٌ لِلتَّبْعِيضِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَضْعُ الْجَمِيعِ.
وَأَمَّا الَّذِي نَقَلَهُ الْمُزَنِيُّ، فَهُوَ لَوْ قَالَ: ضَعُوا عَنْهُ مَا شَاءَ، فَشَاءَهَا كُلَّهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي صِحَّةِ نَقْلِهِ بِحَسْبَ اخْتِلَافِهِمْ فِي عِلَّةِ مَا نَقَلَهُ الرَّبِيعُ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى صِحَّةِ نَقْلِهِ، وَأَنَّهُ إِذَا شَاءَ إِسْقَاطَ جَمِيعِ الْكِتَابَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَتَّى يُبْقِيَ مِنْهَا شَيْئًا، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ عَلَّلَ مَسْأَلَةَ الرَّبِيعِ بِأَنَّ مَعْرُوفَ الْوَضْعِ أَنْ يُبْقِيَ شَيْئًا مِنَ الْأَصْلِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ سَهَا الْمُزَنِيُّ فِي نَقْلِهِ، وَأَسْقَطَ قَوْلَهُ مِنْ كِتَابَتِهِ وَجَوَابُ نَقْلِهِ عِنْدَ إِسْقَاطِ (مِنْ) جَوَابُهُ إِذَا شَاءَ وَضْعَ جَمِيعِ الْكِتَابَةِ صَحَّ، وَهَذَا جَوَابٌ عَنْ عِلَلِ مَسْأَلَةِ الرَّبِيعِ بِأَنَّ لَفْظَةَ (مِنْ) موضوعة للتبعيض.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَإِذَا قَالَ ضَعُوا عَنْهُ نَجْمًا مِنْ نُجُومِهِ كَانَ هَذَا مَرْدُودًا إِلَى اخْتِيَارِ الْوَارِثِ فِي وَضْعِ أَيِّ نَجْمٍ شَاءَ مِنْ قَلِيلِ النُّجُومِ أَوْ كَثِيرِهَا كَمَا لَوْ قَالَ: أَعْطُوهُ عَبْدًا أعطوه أي عبد شاؤوا) .
قال الماوردي: وكذلك قوله: ضعوا عنه أبي نَجْمٍ شِئْتُمْ، فَأَمَّا إِذَا قَالَ ضَعُوا عَنْهُ أَيَّ نَجْمٍ شَاءَ كَانَ الْخِيَارُ إِلَى الْمُكَاتَبِ فِي أَنْ يُوضَعَ عَنْهُ أَيُّ نَجْمٍ شَاءَ مِنْ قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَضَعَ إِلَّا نَجْمًا وَاحِدًا، لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَتَنَاوَلُ نَجْمًا وَاحِدًا.
فَصْلٌ
وَلَوْ قَالَ: ضَعُوا عَنْهُ أَوْسَطَ نَجْمٍ مِنْ نُجُومِهِ، فَالنُّجُومُ تَنْطَلِقُ عَلَى ثَلَاثَةٍ
عَلَى عَدَدِهَا، وَعَلَى أَجَلِهَا، وَعَلَى قَدْرِهَا، لَكِنَّهُ إِذَا قَالَ: أَوْسَطُهَا انْطَلَقَ الْوَسَطُ عَلَى الْعَدَدِ، لِأَنَّهُ تَعْدِيلٌ مَا بَيْنَ الْأَوَّلِ وَالْأَخِيرِ، وَالْأَوَّلُ وَالْأَخِيرُ لَا يَنْطَلِقُ إِلَّا عَلَى الْعَدَدِ، فَكَذَلِكَ الْوَسَطُ فَيَنْظُرُ فِي عَدَدِ النُّجُومِ، فَإِنْ كَانَتْ وِتْرًا كَالثَّلَاثَةِ وَضَعَ عَنْهُ الثَّانِي، وَإِنْ كَانَتْ خَمْسَةً وَضَعَ عَنْهُ الثَّالِثَ، فَلَا يُوضَعُ عَنْهُ فِي وِتْرِ النُّجُومِ إِلَّا نَجْمًا وَاحِدًا لِأَنَّهُ يَتَعَدَّلُ بِهِ مَا يَبْقَى فِي الطَّرَفَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ شَفْعًا لَزِمَ إِسْقَاطُ نَجْمَيْنِ، فَإِنْ كَانَتْ أَرْبَعَةً أَسْقَطَ عَنْهُ الثَّانِي وَالثَّالِثَ، وَإِنْ كَانَتْ سِتَّةً أَسْقَطَ عَنْهُ الثَّالِثَ وَالرَّابِعَ، لِيَصِيرَ الْبَاقِي فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الطَّرَفَيْنِ مِثْلَ الْآخَرِ حَتَّى يَصِحَّ بِهِ إِسْقَاطُ الْوَسَطِ وَلَوْ قَالَ: ضَعُوا عَنْهُ أَطْوَلَ نَجْمٍ أَوْ أَقْصَرَ نَجْمٍ انْطَلَقَ عَلَى الْأَجَلِ، لِأَنَّ لَفْظَ الطُّولِ وَالْقِصَرِ، إِنَّمَا يَنْطَلِقُ عَلَى زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ، وَلَيْسَ فِي الْعَقْدِ مَكَانٌ، فَانْطَلَقَ عَلَى الزَّمَانِ وَهُوَ الْأَجَلُ، وَلَوْ قَالَ: ضَعُوا عَنْهُ أَكْثَرَ نَجْمٍ أَوْ أَقَلَّ نَجْمٍ انْطَلَقَ عَلَى الْقَدْرِ لِرُجُوعِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ إِلَيْهِ.
فَصْلٌ
فَإِنْ قَالَ: ضَعُوا عَنْهُ أَوْسَطَ نُجُومِهِ قَدْرًا لَمْ يَخْلُ حَالُ النُّجُومِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ:
إِمَّا أَنْ تَتَسَاوَىَ أَوْ تَتَفَاضَلَ فَإِنْ تَسَاوَى الْمَالُ فِي كُلِّ نَجْمٍ بِأَنْ كَاتَبَهُ فِي كُلِّ نَجْمٍ عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ وَجَبَ حَمْلُ الْوَصِيَّةِ عَلَى وَضْعِ أَوْسَطِ النُّجُومِ عَدَدًا، فَإِنْ كَانَتْ وِتْرًا وُضِعَ عَنْهُ نَجْمٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ كَانَتْ شِفْعًا وَضَعَ عَنْهُ نَجْمَانِ، لِأَنَّ تَسَاوِيَ الْمِقْدَارِ يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَسَطٌ، فَحُمِلَ عَلَى النُّجُومِ، لِأَنَّ لَهَا وَسَطًا، وَإِنْ تَفَاضَلَ مَالُ كُلِّ نَجْمٍ حُمِلَتِ الْوَصِيَّةُ عَلَى أَوْسَطِهَا قَدْرًا لِإِضَافَةِ الْوَسَطِ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ يُمْكِنُ مَعَ التَّفَاضُلِ أَنْ يَكُونَ الْمِقْدَارُ وَسَطًا، فَإِنْ كَانَتِ الْكِتَابَةُ عَلَى مِائَةٍ فِي النَّجْمِ الْأَوَّلِ، وَمِائَتَيْنِ فِي النَّجْمِ الثَّانِي، وَثَلَاثِمِائَةٍ فِي النَّجْمِ الثَّالِثِ وُضِعَ عَنْهُ نَجْمُ الْمِائَتَيْنِ، وَوَافَقَ وَسَطَ الْمِقْدَارِ أَوْ وَسَطَ الْعَدَدِ، وإن كان النجم الأول المائتين وَالثَّانِي ثَلَاثَمِائَةٍ، وَالثَّالِثُ أَرْبَعَمِائَةِ دِرْهَمٍ وُضِعَ عَنْهُ المائتانفي النَّجْمِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ وَسَطُ الْمِقْدَارِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَسَطَ الْعَدَدِ، وَلَوْ كَانَتِ الْكِتَابَةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْجُمٍ فِي النَّجْمِ الْأَوَّلِ مِائَةٌ، وَفِي الثَّانِي مِائَتَانِ، وَفِي الثَّالِثِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَفِي الرَّابِعِ أَرْبَعُمِائَةٍ وُضِعَ عَنْهُ الثَّلَاثُمِائَةٍ، لِتُوَسُّطِهَا فِيمَا زَادَ عَلَيْهَا، وَنَقَصَ مِنْهَا، وَلَوْ كَانَ فِي النَّجْمِ الْأَوَّلِ مِائَتَانِ وَالثَّانِي مِائَةٌ، وَالثَّالِثُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَالرَّابِعُ مِائَتَانِ، وُضِعَ عَنْهُ الْمِائَتَانِ فِي النَّجْمِ الْأَوَّلِ أو المئتان فِي النَّجْمِ الرَّابِعِ، لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا وَسَطٌ فِي الْقَدْرِ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَخَصَّ مِنَ الْآخَرِ، فَأُسْقِطَا مَعًا، وَفِي هَذَا الْفَصْلِ تَفْرِيعٌ يُدَقُّ، فَحَذَفْنَاهُ اخْتِصَارًا.
فَصْلٌ
وَلَوْ قَالَ: ضَعُوا عَنْهُ مَا يَخِفُّ مِنْ نُجُومِهِ أَوْ مَا يَثْقُلُ مِنْ نُجُومِهِ، فَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَنْطَلِقَ عَلَى الْمِقْدَارِ، لِأَنَّ قَلِيلَ الْمَالِ أَخَفُّ مِنْ كَثِيرِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَنْطَلِقَ عَلَى الْأَجَلِ، لِأَنَّ قَصِيرَ الْأَجَلِ أَثْقَلُ مِنْ طَوِيلِهِ، لَكِنَّ انْطِلَاقَهُ عَلَى الْمِقْدَارِ أَغْلَبُ مِنَ انْطِلَاقِهِ عَلَى الْأَجَلِ، وَإِنِ احْتَمَلَهُ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى أَغْلَبِ احْتِمَالَيْهِ فَيُوضَعُ عَنْهُ في آخر
نُجُومِهِ أَقَلُّهَا قَدْرًا، وَفِي أَثْقَلِ نُجُومِهِ أَكْثَرُهَا قَدْرًا، وَلَكِنْ لَوْ قَالَ: ضَعُوا عَنْهُ مَا خَفَّ أَوْ مَا ثَقُلَ، أَوْ قَالَ: ضَعُوا عَنْهُ مَا قَلَّ أَوْ مَا كَثُرَ رَجَعَ فِيهِ إِلَى الْوَارِثِ، لِيَضَعَ عَنْهُ مَا شَاءَ مِمَّا خَفَّ عَلَيْهِ أَوْ ثَقُلَ وَمَا شَاءَ فِيمَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ، لِأَنَّ الشَّيْءَ قَدْ يَكُونُ قَلِيلًا إِذَا أُضِيفَ إِلَى مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهُ، وَكَثِيرًا إِذَا أُضِيفَ إِلَى مَا هُوَ أَقَلُّ مِنْهُ، وَإِذَا قَالَ لِمُكَاتَبِهِ إِذَا عَجَزْتَ فَأَنْتَ حُرٌّ، فَعَجَزَ فِي حَيَاتِهِ عَتَقَ، وَإِنْ عَجَزَ بَعْدَ مَوْتِهِ لَمْ يَعْتِقْ، لِأَنَّ إِطْلَاقَ الصِّفَةِ تُوجِبُ حَمْلَهَا عَلَى بَقَاءِ الْمِلْكِ، كَمَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إِذَا دَخَلْتَ الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ، فَدَخَلَهَا فِي حَيَاةِ سَيِّدِهِ عَتَقَ، وَلَوْ دَخَلَهَا بَعْدَ مَوْتِهِ لَمْ يَعْتِقْ، وَلَوْ قَالَ لِمُكَاتَبِهِ: إِذَا عَجَزْتَ بَعْدَ مَوْتِي، فَأَنْتَ حُرٌّ عَتَقَ بِعَجْزِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ، لِأَنَّهُ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِصِفَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: مَوْتُ السَّيِّدِ، وَالثَّانِيَةُ: عَجْزُ الْمُكَاتَبِ، وَلَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ الْمَوْتُ صِفَةً فِي وُقُوعِ الْعِتْقِ كَالتَّدْبِيرِ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيَصِحُّ مِثْلُهُ فِي قَوْلِ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ إِذَا دَخَلْتَ الدَّارَ بَعْدَ مَوْتِي فَأَنْتَ حُرٌّ، أَنْ يَعْتِقَ بِدُخُولِهَا بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ، وَفِيهِ عِنْدِي نَظَرٌ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُكَاتَبِ فَرْقٌ لِأَنَّ الْعَبْدَ مَوْرُوثٌ وَالْمُكَاتَبَ غَيْرُ مَوْرُوثٍ، فَجَازَ أَنْ يُعْتَقَ الْمُكَاتَبُ بِالْعَجْزِ لِبَقَائِهِ عَلَى حُكْمِ مِلْكِ السَّيِّدِ، وَلَمْ يُعْتَقِ الْعَبْدُ بِدُخُولِ الدَّارِ، لِخُرُوجِهِ عَنْ مِلْكِ السَّيِّدِ وَإِذَا صَحَّ مَا قُلْنَاهُ فِي عِتْقِ الْمُكَاتَبِ بَعْدَ الْمَوْتِ نُظِرَ فِي ادِّعَائِهِ الْعَجْزَ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ حُلُولِ النَّجْمِ لَمْ يُعْتَقْ لِأَنَّ الْعَجْزَ وَقْتَ الِاسْتِحْقَاقِ وَقَدْ يَجُوزُ وَإِنْ عَجَزَ قَبْلَهُ أَنْ يَسْتَفِيدَ عِنْدَ مَحَلِّهِ وَإِنِ ادَّعَى الْعَجْزَ عِنْدَ حُلُولِ النَّجْمِ اعْتَبَرَ مَا بِيَدِهِ فَإِنَّ مَعَهُ مَالَ النَّجْمِ لَمْ يُعْتَقْ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَاجِزٍ، وَإِنْ كَانَ لَهُ تَعْجِيزُ نَفْسِهِ، لِأَنَّهُ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِالْعَجْزِ لَا بِالتَّعْجِيزِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِيَدِهِ مَالٌ، فَالظَّاهِرُ عَجْزُهُ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ فِي الْعَجْزِ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ إِنْ أَكْذَبَهُ الْوَارِثُ، وَيَصِيرُ حُرًّا، فَلَوْ قَدَرَ الْمُكَاتَبُ عَلَى نَجْمٍ، وَعَجَزَ عَنْ آخَرَ كَانَ ذَلِكَ عَجْزًا لَا يُعْتَقُ بِهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ عَجْزِهِ عَنْ جَمِيعِ النَّجْمِ أَوْ عَنْ أَقَلِّهِ فِي وُقُوعِ الْعِتْقِ بِهِ، وَتَكُونُ قِيمَتُهُ مُحْتَسَبَةً عَلَى السَّيِّدِ مِنْ ثُلُثِهِ، وَمَا أَخَذَهُ الْوَارِثُ مِنَ النُّجُومِ كَسْبٌ لَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.