كِتَابُ الْبُيُوعِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الماوردي
- الكتاب
- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
- المحقق
- الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1419 هـ -1999 م
- عدد الأجزاء
- 19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ قَرْضًا مُطْلَقًا ثُمَّ يَتَّفِقَانِ عَلَى كَتْبِ سُفْتَجَةٍ فَيَجُوزُ هَذَا كَالدَّيْنِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَخْلُو حَالُ السُّفْتَجَةِ بِالدَّيْنِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِلَفْظِ الْحَوَالَةِ أَوْ بِلَفْظِ الْأَمْرِ وَالرِّسَالَةِ فَإِنْ كَانَتْ بِلَفْظِ الْحَوَالَةِ، فَإِذَا وَرَدَتِ السُّفْتَجَةُ إِلَى الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ لَزِمَهُ أَدَاؤُهَا بِأَرْبَعَةِ شُرُوطٍ.
أَحَدُهَا: أَنْ يَعْتَرِفَ بِدَيْنِ الْمَكَاتِبِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَعْتَرِفَ بِدَيْنِ الْمَكْتُوبِ لَهُ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَعْتَرِفَ بِأَنَّهُ كِتَابُ الْمُحِيلِ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يَعْتَرِفَ أَنَّهُ كَتَبَهُ مُرِيدًا أَنَّهُ الْحَوَالَةُ فَإِذَا اعْتَرَفَ بِهَذِهِ الْأَرْبَعَةِ لَزِمَهُ أَدَاءُ مَا فِي السُّفْتَجَةِ مِنَ الدَّيْنِ، سَوَاءٌ ضَمِنَهُ لَفْظًا أَمْ لَا وَإِنِ اعْتَرَفَ بِدَيْنِ الْكَاتِبِ وَأَنْكَرَ دَيْنَ الْمَكْتُوبِ لَهُ أَوِ اعْتَرَفَ بِدَيْنِهِمَا وَأَنْكَرَ الْكِتَابَ لَمْ تَلْزَمْهُ الْحَوَالَةُ.
وَلَوِ اعْتَرَفَ بِدَيْنِهِمَا وَبِالْكِتَابَةِ وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ الْمَكَاتِبُ أَرَادَ بِهِ الْحَوَالَةَ فَالْمَذْهَبُ الَّذِي يُوجِبُهُ الْقِيَاسُ أَنَّ الْحَوَالَةَ لَا تَلْزَمُهُ.
وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ مَتَى اعْتَرَفَ بِالْكِتَابِ وَالدَّيْنِ لَزِمَتْهُ الْحَوَالَةُ وَإِنْ أَنْكَرَ الْإِرَادَةَ اعْتِمَادًا عَلَى الْعُرْفِ، وَأَنَّ الوصول إلى الإرادة متعذر، فَلَوْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِالْكِتَابِ لَكِنْ أَجَابَ إِلَى دَفْعِ الْمَالِ لِيَكُونَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ إِلَى أَنْ تَصِحَّ الْحَوَالَةُ جَازَ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَجُوزُ لَهُ اسْتِرْجَاعُ الْمَالِ مِنْهُ قَبْلَ صِحَّةِ الْحَوَالَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ اعْتِبَارًا بِالشَّرْطِ، وَأَنَّ لَهُ اسْتِرْجَاعَهُ بَعْدَ الْعِلْمِ بِبُطْلَانِ الْحَوَالَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيِّ يَجُوزُ لَهُ اسْتِرْجَاعُ الْمَالِ مِنْهُ مَتَى شَاءَ مَا لَمْ تَثْبُتْ صِحَّةُ الْحَوَالَةِ لِأَنَّ الْمَالَ لَا يَلْزَمُهُ إِلَّا بَعْدَ صِحَّةِ الْحَوَالَةِ.
أَمَّا إِذَا كَانَتِ السُّفْتَجَةُ بِلَفْظِ الْأَمْرِ وَالرِّسَالَةِ لَمْ تَلْزَمِ الْمَكْتُوبَ إِلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَضْمَنَهَا لَفْظًا سَوَاءٌ اعْتَرَفَ بِالْكِتَابِ وَالدَّيْنِ أَمْ لَا، وَهُوَ قَوْلُ محمد بن الحسن وَقَالَ أبو يوسف إِذَا قَرَأَهَا وَتَرَكَهَا تَرْكَ رِضًا لَزِمَتْهُ وَقَالَ غَيْرُهُ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ إِذَا أَثْبَتَهَا فِي حِسَابِهِ لَزِمَتْهُ.
وَكُلُّ هَذَا عِنْدَنَا لَا يَلْزَمُ بِهِ السُّفْتَجَةُ وَكَذَلِكَ لَوْ كَتَبَ عَلَى ظَهْرِهَا أَنَّهَا صَحِيحَةٌ قَدْ قَبِلْتُهَا حَتَّى يَضْمَنَهَا لَفْظًا ثُمَّ لَا تَلْزَمُ الْكَاتِبَ إِلَّا أَنْ يَعْتَرِفَ بِهَا لَفَظًا فَلَا تَلْزَمُهُ بِاعْتِرَافِهِ بِالْخَطِّ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ إِنِ اعْتَرَفَ بِالْخَطِّ لَزِمَهُ وَهُوَ قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَكْتُوبَ إِلَيْهِ إِنِ اعْتَرَفَ بِالْخَطِّ فِي الْحَوَالَةِ لَزِمَتْهُ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ فِي الْمَوْضِعَيْنِ آخَرُ كِتَابِ الضَّمَانِ بحمد الله ومنه وتوفيقه.
(كتاب الشركة)
تَحَرَّيْتُ فِيهَا مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ:
(مسألة)
قال المزني رضي الله عنه: " الشَّرِكَةُ مِنْ وُجُوهٍ مِنْهَا الْغَنِيمَةُ أَزَالَ اللَّهُ عَزَ وَجَلَّ مِلْكَ الْمُشْرِكِينَ عَنْ خَيْبَرَ فَمَلَكَهَا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَالْمُؤْمِنُونَ وَكَانُوا فِيهِ شُرَكَاءَ فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - خَمْسَةَ أَجْزَاءٍ ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهَا فَأَخْرَجَ مِنْهَا خُمُسَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِأَهْلِهِ وَأَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهَا لِأَهْلِهَا (قَالَ الْمُزَنِيُّ) وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى قَسْمِ الْأَمْوَالِ وَالضَّرْبِ عَلَيْهَا بِالسِّهَامِ وَمِنْهَا الْمَوَارِيثُ وَمِنْهَا الشَّرِكَةُ فِي الْهِبَاتِ وَالصَّدَقَاتِ فِي قَوْلِهِ وَمِنْهَا التِّجَارَاتُ وَفِي ذَلِكَ كُلِّهِ الْقَسْمُ إِذَا كَانَ مِمَّا يُقْسَمُ وَطَلَبَهُ الشَّرِيكُ وَمِنْهَا الشَّرِكَةُ فِي الصَّدَقَاتِ الْمُحَرَّمَاتِ فِي قَوْلِهِ وَهِيَ الْأَحْبَاسُ وَلَا وَجْهَ لِقَسْمِهَا فِي رِقَابِهَا لِارْتِفَاعِ الْمِلْكِ عَنْهَا فَإِنْ تَرَاضَوْا مِنَ السُّكْنَى سَنَةً بِسَنَةٍ فَلَا بَأْسَ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَالْأَصْلُ فِي إِحْلَالِ الشَّرِكَةِ وَإِبَاحَتِهَا - الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.
فَأَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: 41] فَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى خُمُسَ الْغَنَائِمِ مُشْتَرَكَةً بَيْنَ أَهْلِ الْخُمُسِ وَجَعَلَ الْبَاقِيَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْغَانِمِينَ لِأَنَّهُ لَمَّا أَضَافَ الْمَالَ إِلَيْهِمْ وَبَيَّنَ الْخُمُسَ لِأَهْلِهِ عُلِمَ أَنَّ الْبَاقِيَ لَهُمْ كَمَا قَالَ ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: 11] دَلَّ عَلَى أَنَّ الْبَاقِيَ بَعْدَ الثُّلُثِ لِلْأَبِ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11] فَجَعَلَ التَّرِكَةَ شَرِكَةً بَيْنَ الْوَرَثَةِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: 60] الْآيَةَ.
فَجَعَلَ أَهْلَ السِّهَامِ شُرَكَاءَ فِي الصَّدَقَاتِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: 24] يَعْنِي الشُّرَكَاءَ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ السَّائِبِ بْنِ أَبِي السَّائِبِ وَكَانَ يُشَارِكُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَالَ فَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ لَهُ مَرْحَبًا بِأَخِي لَا يُدَارِي وَلَا يماري.
ثَمَّ قَالَ كَمْ يَا سَائِبُ كُنْتَ تَعْمَلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَعْمَالًا لَا تُقْبَلُ مِنْكَ وَهِيَ اليوم تقبل وكان ذا سلف وصداقة.
وَرَوَى إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ قَيْسَ بْنَ السَّائِبِ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ شَرِيكِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ خَيْرَ شَرِيكٍ لَا يُدَارِي وَلَا يُمَارِي.
وَرَوَى أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَإِنْ خَانَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ خَرَجْتُ مِنْ بَيْنِهِمَا.
وَرَوَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ " يَدُ اللَّهِ عَلَى الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَتَخَاوَنَا ".
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - شَرِكَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ فِي سِهَامِ خَيْبَرَ وَفِي الْأَزْوَادِ فِي السَّفَرِ وَاشْتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَبُو بَكْرٍ وَعَلِيٌّ فِي أَزْوَادِهِمْ يَخْلِطُونَهَا فِي سَفَرِهِمْ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ الشَّرِكَةِ فَقَدْ ينقسم ما تكون فيه الشركة أقسام أَرْبَعَةً:
أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ فِي الرِّقَابِ وَالْمَنَافِعِ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ فِي الرِّقَابِ دُونَ الْمَنَافِعِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ فِي الْمَنَافِعِ دُونَ الرِّقَابِ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ فِي حُقُوقِ الرِّقَابِ.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الشَّرِكَةُ فِي الرِّقَابِ وَالْمَنَافِعِ فَهُوَ أَنْ يَمْلِكَ الِاثْنَانِ أَوِ الْجَمَاعَةُ دَارًا أَوْ أَرْضًا أَوْ حَيَوَانًا أَوْ عَرْضًا بِابْتِيَاعٍ أَوْ مِيرَاثٍ أَوْ مَغْنَمٍ أَوْ هِبَةٍ فَيَكُونَا شَرِيكَيْنِ فِي رَقَبَةِ الشَّيْءِ أَوْ مَنْفَعَتِهِ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الشَّرِكَةُ فِي الرِّقَابِ دُونَ الْمَنَافِعِ فَهُوَ أَنْ يُوصِيَ رَجُلٌ بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ أَوْ سُكْنَى دَارِهِ أَوْ غَلَّةِ بُسْتَانِهِ لِرَجُلٍ فَيَكُونَ الْمُوصَى لَهُ الْمَنْفَعَةَ، وَيَكُونَ الْوَرَثَةُ شُرَكَاءَ فِي الرَّقَبَةِ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الشَّرِكَةُ في المنافع دون الرقاب فأما المنافع على ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ الْمَنْفَعَةُ مَمْلُوكَةً من عين مملوكة كَالرَّجُلَيْنِ إِذَا اسْتَأْجَرَا دَارًا أَوْ أَرْضًا فَهُمَا شَرِيكَانِ فِي مَنَافِعِهَا دُونَ رِقَابِهَا وَالْوَقْفُ مِنْ هَذَا النَّوْعِ يَكُونُ أَرْبَابُهُ شُرَكَاءَ فِي مَنَافِعِهِ دُونَ رَقَبَتِهِ إِنْ قِيلَ إِنَّ رَقَبَةَ الْوَقْفِ لَا تُمْلَكُ وَإِنْ قِيلَ إِنَّ رَقَبَةَ الْوَقْفِ مَمْلُوكَةٌ كَانَ مِنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ يَكُونُ أَرْبَابُهُ شُرَكَاءَ فِي مَنَافِعِهِ دُونَ رَقَبَتِهِ وَإِنْ قِيلَ أن رقبة الوقف لا يملك.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الْمَنْفَعَةُ مُبَاحَةً مِنْ عَيْنٍ غَيْرِ مَمْلُوكَةٍ بِالدُّهْنِ النَّجَسِ وَالرَّوْثِ وَالسَّمَادِ فَهَذَا غَيْرُ مَمْلُوكٍ وَإِنَّمَا يَكُونُ الْإِنْسَانُ أَوْلَى بِهِ لِثُبُوتِ يَدِهِ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ إِبَاحَةِ الِانْتِفَاعِ بِهِ وَإِنَّمَا لَمْ تُمْلَكِ الْمَنْفَعَةُ وَإِنْ كَانَتْ مُبَاحَةً لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمُعَاوَضَةُ عَلَيْهَا فَيَكُونَ الشُّرَكَاءُ فِي هَذَا النَّوْعِ شُرَكَاءَ فِي إِبَاحَةِ مَنَافِعِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: مَا كَانَتِ الْمَنْفَعَةُ مَأْخُوذَةً مِنْ عَيْنٍ غَيْرِ مَمْلُوكَةٍ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْمَنْفَعَةِ مِنْهُ هَلْ تَكُونُ مَمْلُوكَةً أَوْ مُبَاحَةً وَهِيَ مَنْفَعَةُ الْكَلْبِ الْمُنْتَفَعِ بِهِ.
فَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ: أَنَّهَا مُبَاحَةٌ غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَاوَضَ عَلَيْهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا مَنْفَعَةٌ مَمْلُوكَةٌ وَإِنْ كَانَتِ الْعَيْنُ غَيْرَ مَمْلُوكَةٍ وَيَجُوزُ أَنْ يُعَاوَضَ عَلَيْهَا، وَهَذَا مِنَ اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا فِي جَوَازِ إِجَارَةِ الْكَلْبِ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ: وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الشَّرِكَةُ فِي حُقُوقِ رِقَابٍ وَذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ في الرقبة مفضيا للتمليك.
وَالثَّانِي: أَنْ يُفْضِيَ إِلَى الِاسْتِهْلَاكِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُفْضِيَ إِلَى التَّأْدِيبِ.
فَأَمَّا الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الشَّرِكَةُ فِيمَا يُسْتَحَقُّ بِهِ تَمَلُّكُ رِقَابٍ فَكَالشُّفْعَةِ يُسْتَحَقُّ بِهَا مِلْكُ مَا وَجَبَ فِيهِ الشُّفْعَةُ.
وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الشَّرِكَةُ فِيمَا يُسْتَحَقُّ بِهِ اسْتِهْلَاكُ رِقَابٍ فَكَالْقِصَاصِ يَجِبُ بِتَنَاوُلِهِ إِتْلَافُ مَا وَجَبَ فِيهِ الْقِصَاصُ.
وَأَمَّا الثَّالِثُ أَنْ تَكُونَ الشَّرِكَةُ فِيمَا يُسْتَحَقُّ بِهِ تَأْدِيبُ رِقَابٍ كَحَدِّ الْقَذْفِ يَجِبُ بِهِ تَأْدِيبُ مَنْ كَانَ مِنْهُ الْقَذْفُ.
(فَصْلٌ)
ثُمَّ إِنَّ الْمُزَنِيَّ ذَكَرَ أَحْوَالَ الْقِسْمَةِ فِي الْأَمْوَالِ الْمُشْتَرَكَةِ وجملة الأموال المشتركة أنها اقْتِسَامُ الشَّرِكَةِ بِهَا عَلَى أَصْنَافٍ أَرْبَعَةٍ:
أَحَدُهَا: مَا تَصِحُّ فِيهِ الْقِسْمَةُ صُلْحًا وَجَبْرًا.
وَهُوَ مَا تَسَاوَتْ أَجْزَاؤُهُ مِنَ الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ وَالْأَدْهَانِ وَالْحُبُوبِ.
وَالثَّانِي: مَا لَا تَصِحُّ فِيهِ الْقِسْمَةُ صُلْحًا وَلَا جَبْرًا كَاللُّؤْلُؤِ وَالْجَوَاهِرِ لِمَا فِيهَا مِنَ اخْتِلَافِ قِيمَتِهِ وَاسْتِهْلَاكِ عَيْنِهِ.
وَالثَّالِثُ: مَا تَصِحُّ فِيهِ الْقِسْمَةُ صُلْحًا وَلَا تَصِحُّ جبرا الأرض وَالْعَقَارِ إِذَا اخْتَلَفَتْ قِيمَةُ أَمَاكِنِهِ وَدَخَلَ الرَّدُّ فِي قِسْمَتِهِ فَإِنْ تَرَاضَى الشَّرِيكَانِ فِي هَذَا النَّوْعِ الَّذِي يَدْخُلُهُ الرَّدُّ عَلَى إِدْخَالِ الْقُرْعَةِ وأخذ ما خرج بها فهل يلزمهما ذَلِكَ إِذَا خَرَجَتِ الْقُرْعَةُ أَمْ يَكُونَا عَلَى خِيَارِهِمَا.
عَلَى قَوْلَيْنِ: وَهَكَذَا لَوِ اسْتَقَرَّتِ الْقِيمَةُ عَلَى
فَصْلِ
مِسَاحَةِ أَحَدِهِمَا أَنَّهُ لَا مَعْنَى للقرعة في التزام ما خرج بها ويكونا بَعْدَ خُرُوجِ الْقُرْعَةِ عَلَى خِيَارِهِمَا قَبْلَ الْقُرْعَةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: قَدْ لَزِمَهُمَا ذَلِكَ لِمَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: مَا تَصِحُّ فِيهِ الْقِسْمَةُ صُلْحًا وَفِي دُخُولِ الْقِسْمَةِ فِيهِ جَبْرًا قَوْلَانِ.
وَذَلِكَ مَا تَسَاوَتْ أَجْزَاؤُهُ وَتَمَاثَلَتْ قِيمَتُهُ مِنَ الثِّيَابِ وَالْعَبِيدِ إِنْ تَرَاضَوْا بِالْقِسْمَةِ عَلَيْهِ جَازَ وَإِنْ طَلَبَهَا أَحَدُهُمَا فَهَلْ يُجْبَرُ الْآخَرُ عَلَيْهَا فِيهِ قَوْلَانِ.
فَأَمَّا الْوَقْفُ فَإِنْ كَانَ فِي الشركة وقفا لَمْ يَجُزْ قِسْمَتُهُ بَيْنَ أَرْبَابِهِ سَوَاءٌ قُلْنَا إن رقبة الوقف ملكا لِلَّهِ أَوْ عَلَى مِلْكِهِمْ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ملكا لله قسمة مَا لَيْسَ فِي مِلْكِهِمْ لَا يَجُوزُ وَإِنْ كان ملكا لهم فهم إنما يملكوه مُدَّةَ حَيَاتِهِمْ ثُمَّ يَمْلِكُهُ الْبَطْنُ الثَّانِي بَعْدَهُمْ وَالْقِسْمَةُ مَا تَأَبَّدَتْ وَالتَّأْبِيدُ لَا يَسْتَحِقُّونَهُ.
فَأَمَّا إِنْ كَانَ بَعْضُ الشَّيْءِ وَقْفًا وَبَعْضُهُ مِلْكًا فَإِنْ قِيلَ إِنَّ الْقِسْمَةَ بَيْعٌ لَمْ تَجُزْ قِسْمَتُهُ وَإِنْ قِيلَ إِنَّهَا إِقْرَارٌ جَازَتْ قِسْمَتُهُ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا فَالشَّرِكَةُ تَكُونُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ عَنْ عَقْدٍ وَاخْتِيَارٍ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ عَنْ غَيْرِ عَقْدٍ وَاخْتِيَارٍ فَأَمَّا مَا كَانَ عَنْ غَيْرِ عَقْدٍ وَاخْتِيَارٍ فَالشُّرَكَاءُ فِي الْمَوَارِيثِ وَالْمَغَانِمِ وَالْأَوْقَافِ.
وَأَمَّا مَا كَانَ عَنْ عَقْدٍ وَاخْتِيَارٍ فَسَنَذْكُرُهُ مِنْ بعد على أقسامه.
(مسألة)
قال المزني رضي الله عنه: " وَالَّذِي يُشْبِهُ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الشَّرِكَةُ فِي الْعَرْضِ وَلَا فِيمَا يَرْجِعُ فِي حال المفاصلة إِلَى الْقِيمَةِ لِتَغَيُّرِ الْقِيَمِ وَلَا أَنْ يُخْرِجَ أَحَدُهُمَا عَرْضًا وَالْآخَرُ دَنَانِيرَ وَلَا تَجُوزُ إِلَّا بِمَالٍ وَاحِدٍ بِالدَّنَانِيرِ أَوْ بِالدَّرَاهِمِ فَإِنْ أَرَادَا أَنْ يَشْتَرِكَا وَلَمْ يُمْكِنْهُمَا إِلَّا عَرْضٌ فَإِنَّ الْمَخْرَجَ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يَبِيعَ أَحَدُهُمَا نِصْفَ عَرْضِهِ بِنِصْفِ عَرْضِ صَاحِبِهِ وَيَتَقَابَضَانِ فَيَصِيرَ جَمِيعُ الْعَرْضَيْنِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنَ وَيَكُونَا فِيهِ شَرِيكَيْنِ إن باعا أو حبسا
أو عارضا لأفضل فِي ذَلِكَ لِأَحَدٍ مِنْهُمَا (قَالَ) وَشَرِكَةُ الْمُفَاوَضَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا تَجُوزُ بِحَالٍ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ؛ اعْلَمْ أَنَّ مَا كَانَ بين الشريكين عَنْ عَقْدٍ وَاخْتِيَارٍ عَلَى سِتَّةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: شَرِكَةُ الْعِنَانِ.
وَالثَّانِي: شَرِكَةُ الْعُرُوضِ.
وَالثَّالِثُ: شَرِكَةُ الْمُفَاوَضَةِ.
وَالرَّابِعُ: شَرِكَةُ الْمُفَاضَلَةِ.
وَالْخَامِسُ: شَرِكَةُ الْجَاهِ.
وَالسَّادِسُ: شَرِكَةُ الْأَبْدَانِ.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ شَرِكَةُ الْعِنَانِ فَهِيَ: أَنْ يُخْرِجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَالًا مِثْلَ مَالِ صَاحِبِهِ وَيَخْلِطَاهُ فَلَا يتميز وبإذن كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ أَنْ يَتَّجِرَ بِالْمَالِ فِيمَا رَأَى مِنْ صُنُوفِ الْأَمْتِعَةِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ وَالْخُسْرَانُ كذلك فهذه أصح الشرك واختلف الناس لما سُمِّيَتْ شَرِكَةَ الْعِنَانِ.
قَالَ قَوْمٌ: لِأَنَّهُمَا قَدِ اسْتَوَيَا فِي الْمَالِ مَأْخُوذًا مِنَ اسْتِوَاءِ عِنَانِ الْفَرَسَيْنِ إِذَا تَسَابَقَا وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا سُمِّيَتْ شَرِكَةَ الْعِنَانِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ جعل لِصَاحِبِهِ أَنْ يَتَّجِرَ بِالْمَالِ فِيمَا رَأَى مِنْ صُنُوفِ الْأَمْتِعَةِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ وَالْخُسْرَانُ كَذَلِكَ فَهَذِهِ أَصَحُّ الشرك واختلف الناس لما سُمِّيَتْ شَرِكَةَ الْعِنَانِ.
قَالَ قَوْمٌ: لِأَنَّهُمَا قَدِ اسْتَوَيَا فِي الْمَالِ مَأْخُوذًا مِنَ اسْتِوَاءِ عِنَانِ الْفَرَسَيْنِ إِذَا تَسَابَقَا وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا سُمِّيَتْ شَرِكَةَ الْعِنَانِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ جعل لصاحبه أن يتجر فيما عن له أي عَرَضَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي جَمِيعِ الْمَالِ كَمَا يَمْلِكُ عِنَانَ فَرَسِهِ فَيَصْرِفُهُ كَيْفَ يشاء.
(فَصْلٌ)
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ شَرِكَةُ الْعُرُوضِ فهو أن يخرج هذا متاعا فيقيمه ويخرج هذا متاعا فيقيمه ثُمَّ يَشْتَرِكَانِ بِالْقِيمَتَيْنِ لِيَكُونَ الْمَتَاعَانِ بَيْنَهُمَا إِنْ رَبِحَا فِيهِ كَانَ بَيْنَهُمَا وَإِنْ خَسِرَا فِيهِ كَانَ الْخُسْرَانُ عَلَيْهِمَا فَهَذِهِ شَرِكَةٌ بَاطِلَةٌ سَوَاءٌ كَانَ الْعَرْضَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ أَوْ مِنْ جنسين لأمرين:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَدْ يَزِيدُ قِيمَةُ الْعَرْضِ الْوَاحِدِ فَيَأْخُذُ الشَّرِيكُ مِنْ رِبْحِهِ قِسْطًا.
وَيَنْقُصُ فَيَلْتَزِمُ مِنْ خُسْرَانِهِ قِسْطًا وَلَمْ يَمْلِكْ مِنْهُ شَيْئًا.
والثاني: أنهما إن أرادا رد قيمته عنه فَصْلِ الشَّرِكَةِ فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ تَزِيدَ قِيمَتُهُ زيادة تستوعب الربح كله وإن أرادا رَدَّ قِيمَتِهِ فَهِيَ غَيْرُ مَا اشْتَرَكَا فِيهِ فإذا ثبت ما ذكرناه مِنْ بُطْلَانِ شَرِكَةِ الْعُرُوضِ فَلِابْنِ أَبِي لَيْلَى كلاما فَقَدْ ذَكَرَ الْمُزَنِيُّ فِي صِحَّةِ الشَّرِكَةِ فِيهَا طَرِيقًا وَذَكَرَ الْبَغْدَادِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِنَا طَرِيقًا ثَانِيًا وَذَكَرَ الْبَصْرِيُّونَ طَرِيقًا ثَالِثًا.
فَأَمَّا طَرِيقَةُ الْمُزَنِيِّ: فَهُوَ أَنْ يَبِيعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَ عَرْضِهِ بِنِصْفِ عَرْضِ صَاحِبِهِ وَيَتَقَابَضَاهُ فَيَصِيرُ - كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْعَرْضَيْنِ شَرِكَةً بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ثُمَّ يَأْذَنُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ فِي التِّجَارَةِ فَهَذِهِ طَرِيقَةُ صِحَّةِ الشَّرِكَةِ فِي الْعُرُوضِ إِذَا لَمْ يَتَبَايَعَا عَلَى شَرْطِ الشَّرِكَةِ.
وَأَمَّا طَرِيقَةُ الْبَغْدَادِيِّينَ فَهِيَ أَنْ يَشْتَرِكَا فِي شِرَاءِ مَتَاعٍ بِثَمَنٍ فِي ذِمَّتِهِمَا ثُمَّ يَدْفَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَرْضًا بِمَا عَلَيْهِ مِنْ ثَمَنِ الْمَتَاعِ وَهَذِهِ وَإِنْ كَانَتْ طَرِيقَةً إِلَى صِحَّةِ الشَّرِكَةِ فَلَيْسَتْ شَرِكَةً فِي الْعُرُوضِ وَإِنَّمَا هِيَ شَرِكَةٌ فِي الْمَتَاعِ بِثَمَنٍ فِي الذِّمَّةِ فَإِنَّ الْعَرْضَ عِوَضٌ فِيهِ.
وَأَمَّا طَرِيقَةُ الْبَصْرِيِّينَ: فَهُوَ أَنْ يَشْتَرِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَ عَرْضِ صَاحِبِهِ بِثَمَنٍ فِي ذِمَّتِهِ ثُمَّ يَتَقَابَضَانِ الثَّمَنَ أَوْ يَتَبَادَلَانِهِ.
فَيَصِيرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْعَرْضَيْنِ شَرِكَةً بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَهَذِهِ مُزَنِيَّةٌ مِنْ طَرِيقَةِ الْمُزَنِيِّ فَتَصِحُّ الشَّرِكَةُ فِي الْعُرُوضِ فِي هَذِهِ الطُّرُقِ الثَّلَاثَةِ وَلَكِنِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا إِذَا اشْتَرَكَا فِي الْعُرُوضِ عَلَى الطَّرِيقَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنِ الْمُزَنِيِّ هَلْ يُفْتَقَرُ إِلَى الْعِلْمِ بِقِيمَةِ الْعَرْضَيْنِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمَا يَفْتَقِرَانِ إِلَى الْعِلْمِ بِالْقِيمَةِ لِيَعْلَمَا مَا يَحْصُلُ لَهُمَا مِنْ فَضْلٍ أَوْ يَرْجِعُ عَلَيْهِمَا مِنْ عَجْزٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُمَا لَا يَفْتَقِرَانِ إِلَى الْعِلْمِ بِقِيمَةِ الْعَرْضَيْنِ لِأَنَّهُمَا لَمَّا تَسَاوَيَا فِي مِلْكِهِ تَسَاوَيَا فِي رِبْحِهِ فَلَمْ يَكُنْ بِهِمَا حَاجَةٌ إِلَى تَمْيِيزِ الرِّبْحِ مِنَ الْأَصْلِ.
فَأَمَّا عَلَى الطَّرِيقَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ فَلَا يَلْزَمُ، لِأَنَّ رَأْسَ الْمَالِ هُوَ الثَّمَنُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ بِهِ فَهَذَا فِيمَا لَا يَتَمَاثَلُ أَجْزَاؤُهُ، فَأَمَّا الَّذِي يَتَمَاثَلُ أَجْزَاؤُهُ وَلَا يَخْتَلِفُ مِثْلُ الْحُبُوبِ وَالْأَدْهَانِ الْمُتَّفِقَةِ فِي النَّوْعِ وَالصِّفَةِ إِذَا أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا قَدْرًا فِيهَا كَأَنْ أَخْرَجَ كَذَا مِنْ حِنْطَةٍ عَلَى صِفَةٍ وَأَخْرَجَ الْآخَرُ كَذَا مِنْ حِنْطَةٍ عَلَى مِثْلِ تِلْكَ الصِّفَةِ وَخَلَطَاهَا لِيَكُونَ شَرِكَةً بَيْنَهُمَا وَيَرُدَّانِ مِثْلَهُ عِنْدَ الْمُفَاضَلَةِ فَفِيهِ لِأَصْحَابِنَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا شَرِكَةٌ بَاطِلَةٌ لِأَنَّهُ مُعَرَّضٌ لِزِيَادَةِ الْقِيمَةِ وَنَقْصِهَا كالعروض.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا: أَنَّهَا شَرِكَةٌ جَائِزَةٌ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَتَمَيَّزُ عِنْدَ الِاخْتِلَاطِ وَيُمْكِنُ الرُّجُوعُ إِلَى مِثْلِهِ عِنْدَ الِانْفِصَالِ فأشبهه الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ وَزِيَادَةَ السِّعْرِ تَرْجِعُ إِلَيْهَا.
وَنَقْصُهُ يَعُودُ عَلَيْهَا وَلَكِنْ لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَعْلَى قِيمَةً مِنَ الْآخَرِ وَيُخَالِفُهُ فِي صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ لَمْ تَجُزِ الشَّرِكَةُ بِهِ وَجْهًا وَاحِدًا لِيَمُيِّزَهُ إِذَا خُلِطَ.
(فَصْلٌ)
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ شَرِكَةُ الْمُفَاوَضَةِ فَهُوَ أَنْ يَشْتَرِكَا فِي الناض من أموالها كله دون العروض لِيَرُدَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ نِصْفَ كَسْبِهِ مِنَ الْمَالِ وَغَيْرِهِ - فَهَذِهِ شَرِكَةٌ بَاطِلَةٌ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى: لَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا يَكُونُ بَاطِلًا إِنْ لَمْ تَكُنْ شَرِكَةُ الْمُفَاوَضَةِ بَاطِلَةً.
وَقَالَ أبو حنيفة وَمَالِكٌ وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ إِنَّ شَرِكَةَ الْمُفَاوَضَةِ جَائِزَةٌ إِذَا اسْتَوَى الْمَالَانِ وَكَانَا مُسْلِمَيْنِ وَيَدْخُلُ فِيهَا جَمِيعُ الْكَسْبِ إِلَّا الْمِيرَاثَ وَيَلْزَمُ فِيهَا غُرْمُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا إِلَّا الْجِنَايَةَ تَعَلُّقًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] وَهَذَا عَقْدٌ فَلَزِمَهُمَا بِظَاهِرِ هَذِهِ الْآيَةِ الْوَفَاءُ بِهِ.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: أَنَّهُ قَالَ " الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ " فَوَجَبَ أَنْ يلزمهما ما شرطاه قَالَ: وَلِأَنَّهُ نَوْعُ شَرِكَةٍ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِنْهَا مَا يَصِحُّ كَشَرِكَةِ الْعِنَانِ وَلِأَنَّ شَرِكَةَ الْمُفَاوَضَةِ أَعَمُّ مِنْ شَرِكَةِ الْعِنَانِ فَعُمُومُ الشَّرِكَةِ لَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّتِهَا.
أَلَا تَرَى أَنَّ شَرِكَةَ الْعِنَانِ قَدْ تَكُونُ خَاصَّةً فِي نَوْعٍ وَاحِدٍ، وَتَكُونُ تَارَةً عَامَّةً إِذَا تَشَارَطَا التِّجَارَةَ فِي كُلِّ نَوْعٍ فَلَمَّا جَازَتْ فِي حَالِ عُمُومِهَا كَجَوَازِهَا فِي حَالِ خُصُوصِهَا كَذَلِكَ شَرِكَةُ الْمُفَاوَضَةِ.
تَجُوزُ وَإِنْ كَانَتْ عَامَّةً كَجَوَازِ غَيْرِهَا مِنَ الشِّرَكِ الْخَاصَّةِ وَلِأَنَّ الرِّبْحَ فِي الْأَمْوَالِ قَدْ يُقَابِلُ الْمَالَ تَارَةً كَالشَّرِكَةِ وَقَدْ يُقَابِلُ الْعَمَلَ تَارَةً كَالْمُضَارَبَةِ وَالرِّبْحُ فِي شَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ مُقَابِلًا لِلْمَالِ أَوْ لِلْعَمَلِ - وَلِأَيِّهِمَا قَابَلَ وَجَبَ أَنْ يَجُوزَ.
ودليلنا " نهيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنِ الْغَرَرِ " وَلَا غَرَرَ أَعْظَمُ مِنَ الْمُفَاوَضَةِ فِيمَا يَدْخُلُ كَسْبًا أَوْ يَخْرُجُ غُرْمًا لِأَنَّهَا شَرِكَةٌ لَا تَصِحُّ مَعَ تَفَاضُلِ الْمَالِ فَوَجَبَ أَنْ لَا تَصِحَّ مَعَ تَسَاوِي أَصْلِهِ إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مُكَاتَبًا أَوْ ذِمِّيًّا، وَلِأَنَّ كُلَّ شَرِكَةٍ لَا تَصِحُّ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ " وَالْحُرِّ وَالْمُكَاتَبِ " لَا تَصِحُّ بَيْنَ الْحُرَّيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ.
أَصْلُهُ: إِذَا تَفَاضَلَا فِي الْمَالِ وَلِأَنَّ مَا لَمْ يَتَفَرَّعْ عَنْ أَصْلٍ تَنَاوَلَهُ عَقْدُ الشَّرِكَةِ فَلَمْ تَصِحَّ فِيهِ الشَّرِكَةُ كَالْمِيرَاثِ وَلِأَنَّهَا شَرِكَةٌ لَا تَصِحُّ مَعَ مُخْتَلِفَيِ الدِّينَيْنِ فَلَمْ تَصِحَّ مَعَ مُتَّفِقَيِ الدِّينَيْنِ كَشَرِكَةِ الْعُرُوضِ فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾ فَهُوَ أَنَّهَا مَخْصُوصَةٌ بِنَهْيِهِ عَنِ الْغَرَرِ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى شَرِكَةِ الْعِنَانِ فَهُوَ أَنَّهُ مُنْتَقَضٌ بِاشْتِرَاكِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَاءِ
إِذَا كَانَ لِأَحَدِهِمْ جَمَلٌ وَلِلْآخَرِ سِقَاءٌ وَالثَّالِثُ عَامِلٌ بِيَدَيْهِ لِيَكُونُوا شُرَكَاءَ فِي الْكَسْبِ فَهُوَ نَوْعُ شَرِكَةٍ وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَصِحُّ ثُمَّ الْمَعْنَى فِي شَرِكَةِ الْعِنَانِ: جَوَازُهَا بَيْنَ مُخْتَلِفَيِ 7 الدِّينَيْنِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِأَنَّ عُمُومَهَا لَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّتِهَا.
فَهُوَ أَنَّنَا لَمْ نَمْنَعْ مِنْهَا لِعُمُومِهَا وَإِنَّمَا مَنَعْنَا مِنْهَا لِدُخُولِ الْغَرَرِ فِيهَا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِأَنَّ الرِّبْحَ قَدْ يُقَابِلُ الْمَالَ تَارَةً وَالْعَمَلَ أُخْرَى فهو أنه يصح إذا انْفَرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِعَقْدٍ فَأَمَّا إِذَا اجْتَمَعَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ فَلَا وَهَاهُنَا - وَقَدِ اجْتَمَعَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ فَبَطَلَ.
(فَصْلٌ)
وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ وَهُوَ شَرِكَةُ الْمُفَاضَلَةِ وَهُوَ أَنْ يَتَفَاضَلَا فِي الْمَالِ وَيَتَسَاوَيَا فِي الرِّبْحِ أَوْ يَتَسَاوَيَا فِي الْمَالِ وَيَتَفَاضَلَا فِي الرِّبْحِ فَهَذِهِ شَرِكَةٌ بَاطِلَةٌ.
وَقَالَ أبو حنيفة: هِيَ شَرِكَةٌ جَائِزَةٌ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " الْمُؤْمِنُونُ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ " قَالَ: وَلِأَنَّ عَقْدَ الشَّرِكَةِ كالمضاربة، ولأن الْعَمَلَ فِي الْمُضَارَبَةِ بِمَنْزِلَةِ مَالِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ فِي الشَّرِكَةِ وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مُقَابَلَةِ جُزْءٍ مِنَ الرِّبْحِ فَلَمَّا جَازَ فِي الْمُضَارَبَةِ أَنْ يَشْتَرِطَ أَحَدُهُمَا مِنَ الرِّبْحِ أَكْثَرَ مِنَ الْآخَرِ كَذَلِكَ فِي الشَّرِكَةِ وَلِأَنَّ أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ قَدْ يَكُونُ أَكْثَرَ عَمَلًا فَيَسْتَحِقُّ مَعَ قِلَّةِ مَالِهِ لِأَجْلِ عَمَلِهِ أَكْثَرَ رِبْحًا.
وَدَلِيلُنَا هُوَ أَنَّ التَّفَاضُلَ فِي الْمَالِ يَمْنَعُ مِنَ التَّسَاوِي فِي الرِّبْحِ أَصْلُهُ إِذَا أَطْلَقَا الْعَقْدَ.
وَلِأَنَّ الشَّرِكَةَ قَدْ تُفْضِي إِلَى الرِّبْحِ تَارَةً وَإِلَى الْخُسْرَانِ تَارَةً أُخْرَى فَلَمَّا كَانَ الْخُسْرَانُ يُقَسَّطُ عَلَى الْمَالِ وَلَا يَتَغَيَّرُ بِالشَّرْطِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي الرِّبْحِ مِثْلُهُ يَتَقَسَّطُ عَلَى الْمَالِ وَلَا يَتَغَيَّرُ بِالشَّرْطِ وَقَدْ يَتَحَرَّرُ مِنِ اعْتِلَالِ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ قِيَاسَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الرِّبْحَ أَحَدُ مُوجِبَيِ الْعَقْدِ فَوَجَبَ إِذَا كَانَ شَرْطُهُ مُخَالِفًا لِمُطْلَقِهِ أَنْ يَبْطُلَ الْعَقْدُ كَالْخُسْرَانِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ كُلَّ شَرْطٍ لَوْ كَانَ فِي الْخُسْرَانِ بَطَلَ بِهِ الْعَقْدُ وَوَجَبَ إِذَا كَانَ فِي الرِّبْحِ أَنْ يَبْطُلَ بِهِ الْعَقْدُ، أَصْلُهُ إِذَا شرط بينهما الأجنبي وَلِأَنَّهُ نَمَاءُ مَالٍ مُودَعٍ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُقَسَّطًا عَلَى تَفَاضُلِ الْمَالِ كَالْمَاشِيَةِ وَالثَّمَرَةِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ " فَقَدْ قَالَ فِيهِ إِلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِالْمُضَارَبَةِ فَالْمَعْنَى فِي الْمُضَارَبَةِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ إِطْلَاقُهَا يَقْتَضِي تَسَاوِيَهَا فِي الرِّبْحِ جَازَ أَنْ يَتَشَارَطَا التَّفَاضُلَ فِي الرِّبْحِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الشَّرِكَةُ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِأَنَّ عَمَلَ أَحَدِهِمَا قَدْ يَكُونُ أَكْثَرَ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ فِي الشَّرِكَةِ لَا يُقَابِلُ شَيْئًا مِنَ الرِّبْحِ أَلَا ترى
أَنَّهُمَا لَوْ أَطْلَقَا الشَّرِكَةَ لَمْ يَتَقَسَّطِ الرِّبْحُ عَلَى الْعَمَلِ وَلَا اسْتَحَقَّ عِوَضًا فِيهِ فَبَطَلَ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ فَإِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَا فَشَرِكَةُ الْمُفَاضَلَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَتَسَاوَيَا فِي الْمَالَيْنِ وَيَتَفَاضَلَا فِي الرِّبْحَيْنِ.
مِثَالُهُ أَنْ يكون المال بينهما نصفين والربح بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا فَهَذِهِ شَرِكَةٌ بَاطِلَةٌ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَتَفَاضَلَا فِي الْمَالَيْنِ وَيَتَسَاوَيَا فِي الرِّبْحَيْنِ مِثَالُهُ.
أَنْ يَكُونَ الْمَالُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ فَهُوَ شَرِكَةٌ بَاطِلَةٌ.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَتَفَاضَلَا فِي الْمَالَيْنِ وَيَتَفَاضَلَا بِحَسْبِهِ فِي الرِّبْحَيْنِ.
مِثَالُهُ: أَنْ يَكُونَ المال بينهما أثلاثا لأحدهما ثلثا وَلِلْآخَرِ ثُلْثُهُ وَيَكُونُ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا لِصَاحِبِ الثُّلُثَيْنِ ثُلُثَاهُ وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ ثُلُثُهُ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ جَوَازُ هَذِهِ الشَّرِكَةِ لِأَنَّ الرِّبْحَ فِيهَا مُقَسَّطٌ عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ ذَهَبَ إِلَى بُطْلَانِهَا حَتَّى يَتَسَاوَى الشَّرِيكَانِ فِي رَأْسِ الْمَالِ وَتَعَلَّقَ بِقَوْلِ الْمُزَنِيِّ، وَالشَّرِكَةُ الصَّحِيحَةُ أَنْ يُخْرِجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِثْلَ دَنَانِيرِ صَاحِبِهِ وَيَخْلِطَانِهَا فَيَكُونَانِ فِيهَا شَرِيكَيْنِ فَجُعِلَ قَوْلُهُ مِثْلَ دَنَانِيرِ صَاحِبِهِ مَحْمُولًا عَلَى مِثْلِهَا فِي الْقَدْرِ وَهَذَا تَأْوِيلٌ فَاسِدٌ لِأَنَّ مُرَادَهُ بِالْمِثْلِ إِنَّمَا هُوَ الْمِثْلُ فِي الْجِنْسِ وَالصِّفَةِ دُونَ الْعَقْدِ وَإِذَا لَمْ تَصِحَّ شَرِكَةُ الْمُفَاضَلَةِ فِي الضَّرْبَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ: فَهَلْ يَكُونُ شَرْطُ التَّفَاضُلِ فِيهَا مُوجِبًا لِبُطْلَانِ الشَّرِكَةِ بِمَعْنَى بُطْلَانِ الْإِذْنِ فِي التِّجَارَةِ بِالْمَالِ الْمُشْتَرَكِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: قَدْ بَطَلَ الْإِذْنُ لِبُطْلَانِ الشَّرْطِ فِيهِ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي جَمِيعِ الْمَالِ فَإِنْ تَصَرَّفَ فِيهِ كَانَ كَمَنْ تَصَرَّفَ فِي مَالٍ مُشْتَرَكٍ عَنْ شَرِكَةٍ فَاسِدَةٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أن اشتراط التفاضل بِالشَّرْطِ لَا يُوجِبُ بُطْلَانَ الْإِذْنِ فَيَجُوزُ أَنْ يَتَّجِرَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِجَمِيعِ الْمَالِ وَيَكُونُ الرِّبْحُ مَقْسُومًا بِالْحِصَصِ فَلَوْ كَانَ ثُلُثُ الْمَالِ لِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ وَثُلُثَاهُ لِلْآخَرِ فَشَرَطَا أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ عَلَى أَنْ يَنْفَرِدَ بِالتِّجَارَةِ صَاحِبُ الثُّلُثِ وَحْدَهُ جَازَ وَكَانَتْ هَذِهِ شَرِكَةً وَمُضَارَبَةً بِالْبَدَنِ لِأَنَّ الْعَامِلَ يَأْخُذُ الثُّلُثَ بِمُلْكِهِ وَتَمَامَ النِّصْفِ بِعَمَلِهِ وَخَرَجَ عَنْ حُكْمِ الْمُفَاضَلَةِ إِلَى حُكْمِ الْمُضَارَبَةِ.
(فَصْلٌ)
وَأَمَّا الْقِسْمُ الْخَامِسُ: وَهُوَ شَرِكَةُ الْجَاهِ وَتُسَمَّى شَرِكَةَ الْوُجُوهِ فَهُوَ أَنْ يكون الرجل ذا جاه فَيَقُولَانِ عَلَى جَاهِنَا وَنَشْتَرِي مَتَاعًا وَالرِّبْحُ بَيْنَنَا فَهَذِهِ شَرِكَةُ الْجَاهِ وَتُسَمَّى شَرِكَةَ الْوُجُوهِ، وَمِنْ أصحابنا من جعل شركة الجاه من النَّوْعَ الْأَوَّلَ إِذَا كَانَ الْجَاهُ لِأَحَدِهِمَا وَشَرِكَةَ الْوُجُوهِ إِذَا كَانَ الْجَاهُ لَهُمَا، وَهَذَا خِلَافٌ فِي الْعِبَارَةِ وَالْحُكْمُ فِيهَا سَوَاءٌ وَهِيَ شَرِكَةٌ بَاطِلَةٌ وَقَالَ أبو حنيفة هِيَ شَرِكَةٌ جَائِزَةٌ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّهَا نَوْعُ شَرِكَةٍ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِنْهَا مَا يَصِحُّ كَشَرِكَةِ الْعِنَانِ.
وَدَلِيلُنَا أَنَّهَا شَرِكَةٌ فِي غَيْرِ مَالٍ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ بَاطِلَةً كَالشَّرِكَةِ فِي الِاصْطِيَادِ وَالِاحْتِشَاشِ عَلَى أَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى شَرِكَةِ الْأَبْدَانِ وَسَنَذْكُرُ الْحِجَاجَ فِيهَا، وَقَدْ مَضَى الْجَوَابُ عَنِ الْقِيَاسِ عَلَى شَرِكَةِ الْعِنَانِ فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ شَرِكَةَ الجاه لا تصح فلا يخلوا حَالُ مُشْتَرِي الْمَتَاعِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَشْتَرِيَ لِنَفْسِهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَشْتَرِيَ لِصَاحِبِهِ.
والثالث: أن يشتريه بينهما فإن اشتراه بنفسه صَحَّ شِرَاؤُهُ وَصَارَ مِلْكًا لَهُ إِنْ رَبِحَ فَالرِّبْحُ لَهُ وَإِنْ خَسِرَ فَالْخُسْرَانُ عَلَيْهِ وَلَا شَيْءَ لِلْآخَرِ فِي رِبْحِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي خُسْرَانِهِ وَإِنِ اشْتَرَاهُ كُلَّهُ لِصَاحِبِهِ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَذِنَ لَهُ فِي شِرَاءِ نِصْفِهِ وَيَكُونُ الشِّرَاءُ لَازِمًا لَهُ فِي النِّصْفِ الزَّائِدِ عَلَى الْقَدْرِ الَّذِي أُذِنَ فِيهِ فَأَمَّا النِّصْفُ الْمَأْذُونُ فِيهِ فَيَلْزَمُ الْأَمْرُ عَلَى شُرُوطِهِ الَّتِي نَذْكُرُهَا وَلَا يَخْرُجُ عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ لَمْ تَخْتَلِفْ فِي الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ وإن اشتراه بينهما فهو في النصف مشتري لِنَفْسِهِ فَلَزِمَهُ ذَلِكَ وَفِي النِّصْفِ الْآخَرِ فِي حُكْمِ الْمُشْتَرِي لِمُوَكِّلِهِ فَيَصِحُّ ذَلِكَ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ قَدْ وَصَفَ لَهُ النَّوْعَ الَّذِي يَتَّجِرُ فِيهِ سَوَاءٌ، كَانَ نَوْعًا أَوْ أَنْوَاعًا لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي شِرَاءِ مَا لَمْ يُوصَفْ بَاطِلٌ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُقَدِّرَ لَهُ الْمَالَ الَّذِي يَشْتَرِي بِهِ، لِأَنَّ مَا لَمْ يُقَدِّرْهُ فَلَا نِهَايَةَ لَهُ بِخِلَافِ شَرِكَةِ الْمَالِ وَالْمُضَارَبَةِ الْمُقَدَّرَتَانِ بِالْمَالِ فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَقْدِيرِهِمَا بِالذِّكْرِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَنْوِيَ فِي عَقْدِ الشِّرَاءِ أَنَّهُ لَهُ وَلِصَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمَبِيعِ لَا يَنْتَقِلُ عن المشتري إلى موكله إلا ببينة سَوَاءٌ كَانَ الْمَأْذُونُ فِي ابْتِيَاعِهِ مُعَيَّنًا أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ وَقَالَ أبو حنيفة: إِنْ كَانَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ لَمْ يَصِحَّ الشِّرَاءُ لِلْمُوَكِّلِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ وَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا كَقَوْلِهِ اشْتَرِ هَذَا الْعَبْدَ صَحَّ الشِّرَاءُ لِلْمُوكِّلِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ وَهَذَا فَرْقٌ يُوجِبُ الْقِيَاسَ لِلتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا إِلَّا أَنَّهُ اشْتَرَى لِغَيْرِ الْعَاقِدِ فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ مِنْ شُرُوطِهِ النِّيَّةُ أَصْلُهُ مَا كَانَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ وَأَمَّا مَا يَشْتَرِيهِ الْمُضَارِبُ وَالشَّرِيكُ فَيَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ فِي أَنَّهُ فِي حَالِ الْمُضَارَبَةِ وَالشَّرِكَةِ فَإِذَا صَحَّ الشِّرَاءُ لَهُمَا عَلَى الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ كَانَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَالْخُسْرَانُ إِنْ كَانَ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ ثُمَّ لِلْمُشْتَرِي عَلَى شَرِيكِهِ نِصْفُ أُجْرَةِ مِثْلِهِ فِيمَا اشْتَرَى وَبَاعَ لِأَنَّهُ عُمِلَ فِي مَالِهِ وَمَالِ غَيْرِهِ وَكَذَلِكَ كُلُّ شَرِكَةٍ فَاسِدَةٍ إِذَا حَصَلَ الرِّبْحُ فِيهَا بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ وَكَانَ الْعَمَلُ لَهُمَا رَجَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِنِصْفِ أُجْرَةِ مثله فإن تساويا تقاضا وَإِنْ تَفَاضَلَا تَرَادَّا الْفَضْلَ وَإِنْ كَانَ الْعَمَلُ لِأَحَدِهِمَا كَانَ لِلْعَامِلِ عَلَى الْآخَرِ نِصْفُ أُجْرَةِ مثله.
وَقَالَ أبو حنيفة: لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى صَاحِبِهِ أُجْرَةٌ فِي عَمَلِهِ لِأَنَّ الْعَمَلَ فِي الشَّرِكَةِ لَا يُقَابِلُ شَيْئًا مِنَ الرِّبْحِ فَلَمْ يَكُنْ لِوُجُودِهِ تَأْثِيرٌ وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الشَّرِكَةِ إِذَا زَالَ بِفَسَادِهَا غَلَبَ فِيهَا حُكْمُ الْوَكَالَةِ عَلَى عِوَضٍ فَاسِدٍ وَذَلِكَ مُوجِبٌ لِأُجْرَةِ الْمِثْلِ.
(فَصْلٌ)
وَأَمَّا الْقِسْمُ السَّادِسُ وَهُوَ شَرِكَةُ الْأَبْدَانِ: وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِكَ صَانِعَانِ لِيَعْمَلَا بِأَبْدَانِهِمَا وَيَشْتَرِكَانِ فِي كَسْبِهِمَا فَهَذِهِ شَرِكَةٌ بَاطِلَةٌ وَقَالَ مَالِكٌ: تَجُوزُ إِذَا كَانَا مُتَّفِقَيِ الصَّنْعَةِ ولا تجوز إذا كان مُخْتَلِفَيِ الصَّنْعَةِ وَقَالَ أبو حنيفة تَجُوزُ مَعَ اتِّفَاقِ الصَّنْعَةِ وَاخْتِلَافِهَا وَلَا تَجُوزُ فِي الْأَعْيَانِ الْمُسْتَفَادَةِ بِالْعَمَلِ كَالِاصْطِيَادِ وَالِاحْتِطَابِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: تَجُوزُ فِي كُلِّ ذَلِكَ حَتَّى فِي الِاصْطِيَادِ وَالِاحْتِشَاشِ اسْتِدْلَالًا بِمَا رُوِيَ أَنَّ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
اشْتَرَكُوا فِيمَا يَغْنَمُونَهُ يَوْمَ بَدْرٍ.
فَغَنِمَ سَعْدٌ بَعِيرَيْنِ وَقِيلَ بَلْ أَسَرَ أَسِيرَيْنِ وَلَمْ يَغْنَمِ الْآخَرَانِ شَيْئًا وَاقْتَسَمُوا هَذِهِ الشَّرِكَةَ فِي الْأَبْدَانِ لَا فِي الْأَمْوَالِ وَقَالُوا وَلِأَنَّ النَّاسَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَإِلَى وَقْتِنَا هَذَا يَتَشَارَكُونَ بِأَبْدَانِهِمْ فَلَا يَتَنَاكَرُونَهُ وَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِمْ فَصَارَ ذَلِكَ إِجْمَاعًا مِنْهُمْ وَلِأَنَّهُ نَوْعُ شَرِكَةٍ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِنْهَا مَا يَصِحُّ كَشَرِكَةِ الْأَمْوَالِ وَلِأَنَّ عَمَلَ الْبَدَنِ أَصْلًا قَدْ يُسْتَفَادُ بِهِ الْمَالُ إِذَا انْفَرَدَ وَالْمَالُ فَرْعٌ عَلَيْهِ لَا يُسْتَفَادُ بِهِ النَّمَاءُ إِلَّا مَعَ الْعَمَلِ فَلَمَّا صَحَّتِ الشَّرِكَةُ فِي الْأَمْوَالِ فَأَوْلَى أَنْ تَصِحَّ فِي أَعْمَالِ الْأَبْدَانِ ولأن العامل في القراص شَرِيكٌ بِبَدَنِهِ فِي مَالٍ غَيْرِ مُمَاثِلٍ لِعَمَلِهِ فَكَانَتِ الشَّرِكَةُ فِي أَعْمَالِ الْأَبْدَانِ الْمُمَاثِلَةِ أَوْلَى.
ودليلنا نهيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنِ الْغَرَرِ وَشَرِكَةُ الْأَبْدَانِ غَرَرٌ.
لِأَنَّهُ قَدْ يَعْمَلُ أَحَدُهُمَا وَلَا يَعْمَلُ الْآخَرُ وَقَدْ يَعْمَلُ أَحَدُهُمَا أَقَلَّ مِنَ الْآخَرِ وَلِأَنَّهَا شَرِكَةٌ عَرِيَتْ عَنْ مُشْتَرِكٍ فِي الْحَالِ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ بَاطِلَةً أَصْلُهُ إِذَا اشْتَرَكَا فِيمَا يَسْتَوْهِبَانِهِ.
وَلِأَنَّهَا شَرِكَةٌ فِي مَنَافِعِ أَعْيَانٍ مُتَمَيِّزَةٍ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ بَاطِلَةً إِذَا اشْتَرَكَا فِي بَعِيرَيْنِ لَا يُؤَجِّرَاهُمَا وَيَشْتَرِكَا فِي أُجْرَتِهِمَا.
وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ شَرِكَةِ الْأَبْدَانِ هُوَ الْعَمَلُ، كَمَا أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ شَرِكَةِ الْأَمْوَالِ هُوَ الْمَالُ فَلَمَّا كَانَتِ الْجَهَالَةُ بِقَدْرِ الْمَالِ فَوَجَبَ فَسَادُ الشَّرِكَةِ وَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْجَهَالَةُ بِالْعَمَلِ تُوجِبُ فَسَادَ الشَّرِكَةِ وَالْعَمَلُ مَجْهُولٌ بِكُلِّ حَالٍ لِأَنَّ مَا يَعْمَلُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرَ مُقَدَّرٍ.
وَقَدْ يَمْرَضُ فَلَا يَعْمَلُ وَيَتَحَرَّرُ مِنِ اعْتِلَالِ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ قِيَاسَانِ أَحَدُهُمَا هُوَ أَنَّ وُقُوعَ الْجَهَالَةِ بِحِصَّةِ كُلٍّ مِنْهُمَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الشَّرِكَةِ كَمَا لَوْ خَلَطَا مَالَيْنِ لَا يَعْرِفَانِ قَدْرَهُمَا وَالثَّانِي هُوَ أَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ لَوْ كَانَتْ فِي الْأَمْوَالِ بَطَلَتْ بِالْجَهَالَةِ فَوَجَبَ إِذَا كَانَتْ فِي الْأَعْمَالِ أَنْ تَبْطُلَ بِالْجَهَالَةِ أَصْلُهُ إِذَا قَالَ قَدِ اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَبْنِيَ لِي عَلَى أَلَّا أَضْبُعَ لَكَ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ فِي اشْتِرَاكِ سَعْدٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَمَّارٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِيمَا يَغْنَمُونَ فَهُوَ أَنَّ حُكْمَ الْغَنِيمَةِ أَنَّ الشَّرِكَةَ فِيهَا وَاقِعَةٌ بِالْعَمَلِ دُونَ الشَّرْطِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْغَانِمِينِ شَرْطٌ كَانَتْ غَنِيمَةُ أَحَدِهِمْ شَرِكَةً بَيْنَهُمْ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِالْإِجْمَاعِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْأَقْوَالِ لَا مِنَ الْأَفْعَالِ.
كَمَا أَنَّ أبا حنيفة لَمْ يَجْعَلْ إِجْمَاعَ النَّاسِ عَلَى أَخْذِ أُجْرَةِ التَّعْلِيمِ فِي الْكَتَاتِيبِ دَلِيلًا عَلَى جَوَازِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ فِي تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى شَرِكَةِ الْعِنَانِ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ قَبْلُ وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِأَنَّ الْعَمَلَ فِي الْكَسْبِ أَصْلٌ وَالْمَالَ فَرْعٌ فَلَمَّا جَازَتِ الشَّرِكَةُ فِي الْفَرْعِ فَأَوْلَى أَنْ تَجُوزَ فِي الْأَصْلِ.
فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ شَرِكَةَ الْأَبْدَانِ إِنَّمَا بَطَلَتْ لِجَهَالَةِ الْعَمَلِ وَهَذَا مُعْتَبَرٌ فِي شَرِكَةِ الْأَمْوَالِ لِأَنَّهَا بَطَلَتْ بِجَهَالَةِ الْمَالِ فَاسْتَوَيَا وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِالْقِرَاضِ فَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْعَمَلَ فِيهِ تَبَعٌ لِلْمَالِ وَجَهَالَةُ الْبَيْعِ لَا تَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الْعَقْدِ إِذَا كَانَ الْأَصْلُ مَعْلُومًا وليس كذلك شركة الْأَبْدَانِ لِأَنَّ الْعَمَلَ فِيهَا - هُوَ الْأَصْلُ الْمَقْصُودُ فَبَطَلَتْ بِكَوْنِ الْعَمَلِ مَجْهُولًا فَإِذَا ثَبَتَ فَسَادُ شَرِكَةِ الْأَبْدَانِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ عَمَلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَمَيِّزًا أَوْ غَيْرَ مُتَمَيِّزٍ فَإِنْ كَانَ مُتَمَيِّزًا اخْتُصَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأُجْرَةِ عَمَلِهِ وَإِنْ كَانَ الْعَمَلُ غَيْرَ مُتَمَيِّزٍ كَانَ مَا حَصَلَ لَهُمَا مِنَ الْكَسْبِ مَقْسُومًا بَيْنَهُمَا عَلَى قُدُورِ أُجُورِ أَمْثَالِهِمَا فَيَصْرِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ الْكَسْبِ بِقِسْطِهِ مِنْ أُجْرَةِ مِثْلِهِ.
(فَصْلٌ)
فَلَوِ اشْتَرَكَ رَجُلَانِ فِي اصْطِيَادِ صَيْدٍ لَمْ تَصِحَّ الشَّرِكَةُ وَمَلَكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا انْفَرَدَ بِهِ مِنْ صَيْدِهِ.
فَلَوِ اجْتَمَعَا عَلَى صَيْدٍ مَلَكَاهُ جَمِيعًا لِاسْتِوَاءِ أَيْدِيهِمَا عَلَيْهِ وَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ نِصْفُ أُجْرَةِ مِثْلِهِ.
فَيَتَرَادَّانِ الْفَضْلَ إِنْ كَانَ وَإِلَّا تَقَاصَّا لِأَنَّ ذَلِكَ مَمْلُوكٌ عَنْ شَرِكَةٍ فَاسِدَةٍ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَنْ عَقْدِ شَرِكَةٍ مَلَكَاهُ وَلَا أُجْرَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ وَهَكَذَا لَوْ وَضَعَا شَبَكَةً أَوْ شِرْكًا بَيْنَهُمَا فَوَقَعَ فِيهِ صَيْدٌ مَلَكَاهُ مَعًا وَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ نِصْفُ أُجْرَةِ نصف حصته من الشبكة وذلك أجرة ربع الشبكة فلو وكل رجلان في اصطياد صَيْدٍ أَوِ احْتِشَاشِ حَشِيشٍ جَازَ وَمَلَكَ الْمُوَكِّلُ مَا حُصِّلَ مِنَ الصَّيْدِ وَالْحَشِيشِ بِفِعْلِ الْوَكِيلِ وَهَكَذَا لَوِ اسْتَأْجَرَ فِي اصْطِيَادِ صَيْدٍ مَلَكَهُ الْمُسْتَأْجِرُ بِإِجَارَتِهِ وَفَعَلَ فَعَلَيْهِ لِلْأَجِيرِ أُجْرَتُهُ الْمُسَمَّاةُ وَهَكَذَا لَوِ اسْتَأْجَرَهُمْ لِإِحْيَاءِ مَوَاتٍ صَحَّتِ الْإِجَارَةُ وَكَانَ لِلْأُجَرَاءِ فِيمَا أَحْيَوْهُ الْأُجْرَةُ وَمَلَكَ الْمُسْتَأْجِرُ الْأَرْضَ بِإِحْيَاءِ الْأَجِيرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْصُلَ للأجير ملك ينتقل عنه.
(فصل)
وإذا اشتركا أَرْبَعَةٌ فِي زِرَاعَةِ أَرْضٍ عَلَى أَنْ تَكُونَ مِنْ أَحَدِهِمُ الْأَرْضُ وَمِنَ الْآخَرِ الْبَذْرُ وَمِنَ الْآخَرِ بَقَرُ الْحَرْثِ وَمِنَ الْآخَرِ الْعَمَلُ كَانَتْ شَرِكَةً فَاسِدَةً لِأَنَّ الشَّرِكَةَ إِنَّمَا تَصِحُّ فِيمَا لَا يَتَمَيَّزُ إِذَا خُلِطَ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الزَّرْعُ كُلُّهُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ وَيَكُونُ عَلَيْهِ أُجْرَةُ مِثْلِ الْأَرْضِ وَالْبَقَرِ لِأَنَّهُمْ دَخَلُوا عَلَى عِوَضٍ فَاسِدٍ.
(فَصْلٌ)
فَلَوِ اشْتَرَكَ أَرْبَعَةٌ فِي طَحْنِ حِنْطَةٍ لِرَجُلٍ بِأُجْرَةٍ مُسَمَّاةٍ عَلَى أَنْ يَكُونَ مِنْ أَحَدِهِمُ الرَّحَا وَمِنَ الْآخَرِ الْبَغْلُ وَمِنَ الْآخَرِ الْبَيْتُ وَمِنَ الْآخَرِ الْعَمَلُ فَالْإِجَارَةُ صَحِيحَةٌ لِأَنَّهَا فِي ذِمَمِهِمْ وَالشَّرِكَةُ فَاسِدَةٌ.
فَإِذَا طَحَنُوا فَالْأُجْرَةُ بَيْنَهُمْ أَرْبَاعًا وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَرْبَعَةِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى
أَصْحَابِهِ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ أُجْرَةِ مَا كَانَ مِنْ جِهَتِهِ فَيَرْجِعُ صَاحِبُ الرَّحَى عَلَى الثَّلَاثَةِ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ رَحَاهُ وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ بِالرُّبُعِ وَالرُّبُعُ الْآخَرُ يُقَسَّطُ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ مَا حَصَلَ لَهُ مِنَ الْعَمَلِ هَكَذَا وَصَاحِبُ الْبَغْلِ، وَصَاحِبُ الْبَيْتِ، وَصَاحِبُ الْعَمَلِ، وَلَوْ تَوَلَّى أَحَدُهُمُ الْإِجَارَةَ لِنَفْسِهِ كَانَتِ الْأُجْرَةُ كُلُّهَا لَهُ وَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَمِيعُ أُجْرَةِ مَا كَانَ مِنْ جِهَتِهِ.
(فَصْلٌ)
وَلَوِ اشْتَرَكَ ثَلَاثَةٌ فِي اسْتِقَاءِ وَبَيْعِهِ لِيَكُونَ مِنْ أَحَدِهِمُ الْبَعِيرُ وَمِنَ الْآخَرِ السقاء والآخر عامل ببدنه فِي سَقْيِ الْمَاءِ فَرَوَى الرَّبِيعُ أَنَّ ثَمَنَ الْمَاءِ يَكُونُ لِصَاحِبِهِ الْآخِذِ لَهُ وَعَلَيْهِ لِصَاحِبِ الْبَعِيرِ وَالسِّقَاءِ أُجْرَةُ مِثْلِ الْبَعِيرِ وَالسِّقَاءِ وَرَوَى أبو علي الْبُوَيْطِيُّ أَنَّ ثَمَنَ الْمَاءِ يَكُونُ بَيْنَهُمْ عَلَى الشَّرِكَةِ أَثْلَاثًا وَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ عَلَى صَاحِبِهِ ثُلُثَا أُجْرَةِ مَا كَانَ مِنْ جِهَتِهِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي اخْتِلَافِ هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ فَكَانَ بَعْضُهُمْ يُخْرِجُهَا عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ ثَمَنَ الْمَاءِ يَكُونُ لِصَاحِبِهِ الْآخِذِ لَهُ كَالشُّرَكَاءِ فِي الزَّرْعِ يَكُونُ الزَّرْعُ بَيْنَهُمْ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا عَلَى أصل الشركة لأن الماء بصير كَرَأْسِ مَالٍ تَسَاوَوْا فِيهِ.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ لَيْسَ ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ وَإِنَّمَا اخْتِلَافُ النَّقْلَيْنِ مَحْمُولٌ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ فَرِوَايَةُ الرَّبِيعِ أَنَّ ثَمَنَ الْمَاءِ لِآخِذِهِ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ بِالْأَخْذِ لِنَفْسِهِ وَرِوَايَةُ الْبُوَيْطِيِّ أَنَّهُ يَكُونُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا عَلَى الشَّرِكَةِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ بِهِ الْآخِذَ لِلشَّرِكَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(مسألة)
قال المزني رضي الله عنه: " وَالشَّرِكَةُ الصَّحِيحَةُ أَنْ يُخْرِجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَنَانِيرَ مِثْلَ دَنَانِيرِ صَاحِبِهِ وَيَخْلِطَاهُمَا فَيَكُونَانِ فِيهَا شَرِيكَيْنِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الشَّرِكَةَ إِنَّمَا تَصِحُّ فِيمَا يَتَخَلَّطُ فَلَا يَتَمَيَّزُ فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ دَرَاهِمَ وَالْآخَرُ دَنَانِيرَ، وَلَا يُخْرِجُ أَحَدُهُمَا دَنَانِيرَ مَغْرِبِيَّةً وَالْآخَرُ دَنَانِيرَ مَشْرِقِيَّةً وَلَا أَنْ يُخْرِجَ أَحَدُهُمَا دَنَانِيرَ صِحَاحًا وَالْآخَرُ دَنَانِيرَ مكسرة وَلَا أَنْ يُخْرِجَ أَحَدُهُمَا دَنَانِيرَ صِحَاحًا وَالْآخَرُ دراهم مُكَسَّرَةً وَلَا أَنْ يُخْرِجَ أَحَدُهُمَا دَرَاهِمَ عَلَى ضَرْبِ سِكَّةٍ وَنَقْشٍ يُخَالِفُهَا دَرَاهِمُ الْآخَرِ فِي السِّكَّةِ وَالنَّقْشِ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ يَتَمَيَّزُ بَعْدَ خَلْطِهِ وَجَوَّزَ أبو حنيفة الشَّرِكَةَ فِي هَذَا كله لأنه مال ناض فلم يؤثر اخْتِلَافُ أَوْصَافِهِ فِي الشَّرِكَةِ بِهِ وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ مَا يَتَمَيَّزُ بَعْدَ خَلْطِهِ لَا تَصِحُّ الشَّرِكَةُ بِهِ كَالْعُرُوضِ فَعَلَى هَذَا لَا تَصِحُّ الشَّرِكَةُ بِالنِّقَادِ وَالسَّبَائِكِ لِتَمَيُّزِهَا وَأَنَّهَا تَجْرِي مَجْرَى الْعُرُوضِ لِمَا يَتَوَجَّهُ إِلَيْهَا مِنْ زِيَادَةِ السِّعْرِ وَنَقْصِهِ حَتَّى تَكُونَ الشَّرِكَةُ فِي دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ مُتَّفِقَةٍ فِي النَّوْعِ وَالصِّفَةِ لَا يخالف أحدها الْأُخْرَى بِصِفَةٍ تَتَمَيَّزُ بِهَا فَإِذَا حَصَلَ وَكَانَ مَالُهَا مُشْتَبِهًا لَا يَتَمَيَّزُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِشَيْءٍ فَمِنْ تَمَامِ الشَّرِكَةِ
أَنْ يَخْلِطَا الْمَالَيْنِ وَمَا لَمْ يَخْلِطَاهُ فَهُمَا غَيْرُ شَرِيكَيْنِ فِيهِ وَقَالَ أبو حنيفة تَصِحُّ الشَّرِكَةُ وَإِنْ كَانَ مَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا مَعَهُ فِي كِيسٍ وَيَشْتَرِيَانِ مَعًا وَيَدْفَعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ دَرَاهِمِهِ ثَمَنَ حِصَّتِهِ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ إِنَّمَا هُوَ وَعْدٌ بِالشَّرِكَةِ ثُمَّ يَسْتَقِرُّ بِالشِّرَاءِ وَدَفْعِ الثَّمَنِ فَأَمَّا أَنْ تَكُونَ الشَّرِكَةُ فِي الْمَالِ فَلِأَنَّ الشَّرِكَةَ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الِاشْتِرَاكِ وَالِاخْتِلَاطِ وَمَعَ تَمْيِيزِ الْمَالَيْنِ فَلَا تَكُونُ شَرِكَةٌ وَلَا خُلْطَةٌ.
(فَصْلٌ)
إِذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ دَيْنًا فَقَالَ صَاحِبُ الدَّيْنِ لِمَنْ هِيَ عَلَيْهِ اجْعَلِ الدَّيْنَ الَّذِي لِي عَلَيْكَ شَرِكَةً بَيْنِي وَبَيْنَكَ تُخْرِجُ مِنْ مَالِكَ أَلْفًا بِإِزَائِهَا وَتَتَّجِرُ بِالْأَلْفَيْنِ لِيَكُونَ الرِّبْحُ بَيْنَنَا نِصْفَيْنِ لَمْ تَصِحَّ هَذِهِ الشَّرِكَةُ لِأَنَّهَا شَرِكَةٌ بِدَيْنٍ وَشَرِكَةُ الدَّيْنِ فَاسِدَةٌ حَتَّى يَقْبِضَ صَاحِبُ الدَّيْنِ مَالَهُ وَيُخْرِجَ الْآخَرُ مِثْلَهُ وَيَخْلِطَاهُ فَيَصِيرَا حِينَئِذٍ شَرِيكَيْنِ فَتَصِحُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(مسألة)
قال المزني رضي الله عنه: " فَإِنِ اشْتَرَيَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهُ أَحَدُهُمَا دُونَ صَاحِبِهِ فَإِنْ جَعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ أَنْ يَتَّجِرَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بِمَا رَأَى مِنْ أَنْوَاعِ التِّجَارَاتِ قَامَ فِي ذَلِكَ مَقَامَ صَاحِبِهِ فَمَا رَبِحَا أَوْ خَسِرَا فَلَهُمَا وَعَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا خَلَطَ الشَّرِيكَانِ مَالَ الشَّرِكَةِ لَمْ يَجُزْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي جَمِيعِهِ وَيَتَّجِرَ فِيهِ إِلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِهِ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ: إِذَا خَلَطَاهُ عَلَى الشَّرِكَةِ أَوِ ابْتَاعَا مَتَاعًا لِلشَّرِكَةِ جَازَ أَنْ يَتَصَرَّفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي جَمِيعِهِ وَلَمْ يَحْتَجْ لِلْإِذْنِ اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ فِي مَوْضُوعِ اللَّفْظِ وَمَقْصُودِ الشَّرِكَةِ وَبِهِ قَالَ أبو حنيفة وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ خَلْطَ الْمَالِ لَا يُفِيدُ أَكْثَرَ مِنَ الشَّرِكَةِ فِيهِ وَحُدُوثُ الشَّرِكَةِ فِي الْمَالِ لَا يُوجِبُ التَّصَرُّفَ فِي جَمِيعِهِ كَمَا لَوْ وَرِثَا مَالًا أَوِ اسْتَوْهَبَاهُ وَلِأَنَّ التَّصَرُّفَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِحَقِّ النِّيَابَةِ إِنَّمَا يَكُونُ وَكَالَةً وَالْوَكَالَةُ لَا تَصِحُّ إِلَّا بِلَفْظٍ صَرِيحٍ كَمَا لَوْ أَرَادَ التَّصَرُّفَ فِي مَالٍ غَيْرِ مُشْتَرَكٍ وَاسْتِشْهَادُ أَبِي الْعَبَّاسِ بِالْعُرْفِ بَاطِلٌ، لِأَنَّ الشَّرِكَةَ عَقْدٌ وَالْعُقُودُ لَا يُقْتَنَعُ فِيهَا بِالْعُرْفِ دُونَ التَّصْرِيحِ بِاللَّفْظِ فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَعَقْدُ الشَّرِكَةِ يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْوَكَالَةِ فِي تَصَرُّفِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَالِ صَاحِبِهِ وَحُكْمُ الْمِلْكِ فِي تصرفه في مال نَفْسِهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَخْلُو حَالُ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَأْذَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ فِي التَّصَرُّفِ وَالتِّجَارَةِ فَتَصِحُّ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا التِّجَارَةُ فِي جَمِيعِ الْمَالِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ ثُمَّ الْإِذْنُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ إِذْنًا عَامًّا فِيمَا رَأَى مِنْ أَنْوَاعِ التِّجَارَاتِ وَصُنُوفِ الْأَمْتِعَةِ فَيَقْتَصِرُ بِالْإِذْنِ عَلَى خُصُوصِهِ ثُمَّ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَ خُصُوصِ الْإِذْنِ وَعُمُومِهِ أَنْ يُسَافِرَ بِالْمَالِ إلا
بِصَرِيحِ الْإِذْنِ لِمَا فِي السَّفَرِ مِنَ التَّغْرِيرِ بِهِ وَلَا أَنْ يُشَارِكَ غَيْرَهُ فِيهِ وَلَا أَنْ يُضَارِبَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ مُجَاوَزَةِ إِذْنِهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ النَّسِيئَةَ لِأَنَّ فِيهِ مُخَالَفَةً لِمُطْلَقِ إِذْنِهِ وَجَوَّزَ أبو حنيفة ذَلِكَ، وَهَذَا خَطَأٌ لِمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ أَنَّ أَحْكَامَ الْوَكِيلِ فِيهِ مُعْتَبَرَةٌ وَتَصَرُّفَ الْوَكِيلِ مَقْصُورٌ عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ الْإِذْنُ الصَّرِيحُ.
وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ لا يَأْذَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ فِي التَّصَرُّفِ فَيَنْتَفِي عَنِ الشَّرِكَةِ حُكْمُ الْوَكَالَةِ وَيَصِيرُ تَصَرُّفُ كل واحد منهما مقصور عَلَى حِصَّتِهِ عَلَى حَسَبِ مَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِي الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ.
وَالْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَأْذَنَ أَحَدُهُمَا فِي التَّصَرُّفِ وَلَا يَأْذَنَ الْآخَرُ فَيَكُونُ لِلْمَأْذُونِ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي جَمِيعِ الْمَالِ عَلَى حَسَبِ عُمُومِ الْإِذْنِ وَخُصُوصِهِ وَلَيْسَ لِلْآخَرِ أَنْ يَتَصَرَّفَ إِلَّا فِي قَدْرِ حِصَّتِهِ.
كَمَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِي الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فَصَارَ مَجْمُوعُ مَا شَرَحْنَا أَنَّ عَقْدَ الشَّرِكَةِ يَنْتَظِمُ عَلَى ثَلَاثَةِ شُرُوطٍ:
أَحَدُهَا: اتِّفَاقُ الْمَالَيْنِ فِي الْجِنْسِ وَالصِّفَةِ.
وَالثَّانِي: خَلْطُ الْمَالَيْنِ حَتَّى لَا يَتَمَيَّزَ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ.
وَالثَّالِثُ: الْإِذْنُ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا بِيعَ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ عَرْضٌ عَلَى رَجُلٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فِي ذِمَّتِهِ ثُمَّ إِنَّ أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ قَبَضَ مِنَ الْمُشْتَرِي حِصَّتَهُ من الألف وذلك خمسمائة وَكَانَ لَقَابِضِهَا أَنْ يَخْتَصَّ بِهَا وَيَبْطُلَ مِنَ الشَّرِكَةِ بِقَدْرِهَا، وَيَجُوزُ لِلشَّرِيكِ الْآخَرِ أَنْ يُطَالِبَ الْمُشْتَرِيَ بِحِصَّتِهِ وَهُوَ مَا بَقِيَ مِنَ الثَّمَنِ فإن أعسر فَلَا رُجُوعَ لِهَذَا الشَّرِيكِ عَلَى شَرِيكِهِ الْقَابِضِ أو لا بِشَيْءٍ مِمَّا كَانَ قَبَضَهُ.
وَقَالَ أبو حنيفة: لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِقَبْضِ شَيْءٍ مِنْ حَقِّهِ إِلَّا وَلِلْآخَرِ أَنْ يُشَارِكَهُ فِيهِ فَلَوْ قَبَضَ شَيْئًا رَجَعَ عَلَيْهِ الشَّرِيكُ بِنِصْفِهِ وَلَوْ كَانَ الشَّرِيكُ الْقَابِضُ وَهَبَ مَا قَبَضَهُ لَمْ يَكُنْ لِلشَّرِيكِ الْآخَرِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ بِشَيْءٍ وَإِنْ كَانَ الْمَالُ بَاقِيًا فِي يَدِهِ وَرَجَعَ عَلَى الشَّرِيكِ الْوَاهِبِ بِمِثْلِ حِصَّتِهِ فِيمَا قَبَضَهُ وَكُلُّ هَذَا عِنْدَنَا فَاسِدٌ وَالْقَابِضٌ مَلَكَ لِمَا قَبَضَهُ إِذَا كَانَ قَابِضًا لَهُ مِنْ حِصَّتِهِ وَلَيْسَ لِشَرِيكِهِ عَلَيْهِ حَجْرٌ وَمَا فِي الذِّمَّةِ مَوْكُولٌ إِلَى خِيَارِ ذِي الذِّمَّةِ فِي تَقْدِيمِ مَنْ شَاءَ لِحَقِّهِ والله أعلم.
(مسألة)
قال المزني رضي الله عنه: " وَمَتَى فَسَخَ أَحَدُهُمَا الشَّرِكَةَ انْفَسَخَتْ وَلَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَشْتَرِيَ وَلَا يَبِيعَ حَتَّى يَقْسِمَا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ عَقْدَ الشَّرِكَةِ يَجْرِي عَلَيْهِ فِي تَصَرُّفِ كُلِّ
وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي حَقِّ شَرِيكِهِ حُكْمُ الْوَكَالَةِ فَيَصِيرُ عَقْدُ الشَّرِكَةِ مِنَ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ، دُونَ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ فَإِذَا فَسَخَ أَحَدُهُمَا الشَّرِكَةَ انْفَسَخَتْ لِأَنَّ الْعُقُودَ الْجَائِزَةَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَسْخُهَا وَمَعْنَى قَوْلِنَا إِنَّ الشَّرِكَةَ قَدِ انْفَسَخَتْ بِمَعْنَى أَنَّ الْإِذْنَ بِالتَّصَرُّفِ قَدْ بَطَلَ؛ لِأَنَّ المال المشترك قد تميز؛ لأن تَمْيِيزَ الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْقِسْمَةِ وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي جَمِيعِ الْمَالِ بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ وَيَجُوزُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي قَدْرِ حَقِّهِ عَلَى الْإِشَاعَةِ - كَمَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِي الْمُشَاعِ.
فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ لِلْمَضَارِبِ - إِذَا فُسِخَتْ عَلَيْهِ الْمُضَارَبَةُ جَازَ لَهُ الْبَيْعُ بَعْدَ الْفَسْخِ فَهَلَّا جَازَ لِلشَّرِيكِ ذَلِكَ.
قُلْنَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنْ حَقَّ الْمُضَارِبِ فِي الرِّبْحِ وَذَلِكَ لَا يُعَلَمُ إِلَّا بِالْبَيْعِ فَجَازَ أَنْ يَبِيعَ بَعْدَ الْفَسْخِ لِيَعْلَمَ قَدْرَ حَقِّهِ مِنَ الرِّبْحِ وَالشَّرِيكُ حَقُّهُ فِي عَيْنِ الْمَالِ مَعْلُومٌ قَبْلَ الْبَيْعِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَبِيعَ بَعْدَ الْفَسْخِ.
(فَصْلٌ)
إِذَا كَانَ لِلشَّرِيكَيْنِ بَعْدَ فَسْخِ الشَّرِكَةِ دُيُونٌ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ فِي ذِمَمٍ شَتَّى فَاقْتَسَمَ الشَّرِيكَانِ فِي الدُّيُونِ وَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِحِصَّتِهِ فِيهَا بَعْضَ الْمُتَعَامِلِينَ لَمْ يَجُزْ وَكَانَتْ قِسْمَةً بَاطِلَةً لِأَنَّ الْقِسْمَةَ إِنَّمَا تَصِحُّ فِي الْأَعْيَانِ دُونَ الذِّمَمِ وَاخْتَارَ ذَلِكَ الْحَسَنُ وَإِسْحَاقُ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِمَا ذَكَرْنَا وَيَكُونُ مَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيْنَهُمَا عَلَى أَصْلِ الشَّرِكَةِ فَإِذَا نَقَصَ شَيْءٌ مِنْهُ اقْتَسَمَاهُ إِلَّا أَنْ يُقَدِّمَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَحَدَهُمَا بِحَقِّهِ فَيَصِحُّ مَا لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ بِدُيُونِهِ والله أعلم.
(مسألة)
قال المزني رضي الله عنه: " وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا انْفَسَخَتِ الشَّرِكَةُ وَقَاسَمَ وَصِيُّ الْمَيِّتِ شَرِيكَهُ فَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ بَالِغًا رَشِيدًا فَأَحَبَّ أَنْ يُقِيمَ عَلَى مِثْلِ شَرِكَتِهِ كَأَبِيهِ فَجَائِزٌ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهُوَ كَمَا قَالَ إِذَا مَاتَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ انْفَسَخَتِ الشَّرِكَةُ بِمَعْنَى بَطَلَ الْإِذْنُ بِالتَّصَرُّفِ لِأَنَّ الْعُقُودَ الْجَائِزَةَ تَبْطُلُ بِالْمَوْتِ كَالْوَكَالَةِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ عَلَى الْمُتَوَفَّى دُيُونٌ وَوَصَايَا أَوْ لَا يَكُونُ عَلَيْهِ دُيُونٌ وَلَا وَصَايَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دُيُونٌ وَلَا وَصَايَا فَلَا يَخْلُو حَالُ الْوَارِثِ مِنْ أَنْ يَكُونَ جَائِزَ الْأَمْرِ أَوْ غَيْرَ جَائِزٍ فَإِنْ كَانَ جَائِزَ الْأَمْرِ بِالْبُلُوغِ وَالرُّشْدِ فَهُوَ بِالْخِيَارِ فِي مَالِ الشَّرِكَةِ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ إِمَّا أَنْ يُقَاسِمَ عَلَيْهَا فَتَمْتَازُ حِصَّتُهُ فَيَتَصَرَّفُ فِيهَا وَإِمَّا أَنْ يَتْرُكَ الْمَالَ مُشْتَرَكًا عَلَى حَالِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْذَنَ لِلشَّرِيكِ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ وَإِمَّا أَنْ يُقِيمَ عَلَى الشَّرِكَةِ وَيَأْذَنَ لِلشَّرِيكِ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ فَيَصِيرُ شَرِيكًا كَمَا كَانَ شَرِيكًا لِمُوَرِّثِهِ فَأَيُّ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَعَلَ كَانَ لَهُ ذَلِكَ سَوَاءٌ فِيهِ كَانَ فِيهِ الْحَظُّ أَوْ فِي غَيْرِهِ لِأَنَّ مَنْ جَازَ أَمْرُهُ نَفَذَتْ عُقُودُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا حَظٌّ لَهُ وَيُخْتَارُ لِهَذَا الْوَارِثِ إِذَا أَحَبَّ الْمَقَامَ عَلَى الشَّرِكَةِ أَنْ يَعْلَمَ قَدْرَ الْمَالِ الَّذِي وَرِثَهُ عَنْ مَيِّتِهِ قَبْلَ الْإِذْنِ فِي التَّصَرُّفِ فِيهِ خَوْفًا مِنْ ظُهُورِ دَيْنٍ يَتَعَلَّقُ بِالشَّرِكَةِ فَيَعْلَمُ قَدْرَهُ
لِيَمْتَازَ عَمَّا مَلَكَهُ الْوَارِثُ مِنْ رِبْحِهَا الَّذِي لَا يَتَعَلَّقُ بِالَّذِي لَهُ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ جاز لأن التخوف من ظهور الدين ملغا باعتبار الأصل بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ.
فَإِنْ قِيلَ الشَّرِكَةُ عَقْدٌ فَكَيْفَ يَصِحُّ مَعَ الْجَهْلِ بِقَدْرِ الْمَالِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ قِيلَ إِنَّمَا يَلْزَمُ الْعِلْمُ بِقَدْرِ نَصِيبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ جُمْلَةِ الْمَالِ مِنْ نِصْفٍ أَوْ ثُلُثٍ أَوْ رُبُعٍ وَلَا يَلْزَمُ مَعْرِفَةُ وَزْنِهِ أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ اشْتَرَكَا وَوَضَعَ أَحَدُهُمَا دَرَاهِمَ فِي كِفَّةِ مِيزَانٍ وَوَضَعَ الْآخَرُ بِإِزَائِهَا وَاشْتَرَكَا بِهَا.
وَاتَّجَرَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْلَمَا وَزْنَهَا صَحَّتِ الشَّرِكَةُ لِلْعِلْمِ بِحِصَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ الْجُمْلَةِ كَذَلِكَ الْوَارِثُ فِي التَّرِكَةِ.
(فَصْلٌ)
وَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ غير جائز التصرف إما بصغر أو جنون أو سفله فَلِوَلِيِّهِ أَنْ يَفْعَلَ فِي مَالِ الشَّرِكَةِ أَحَظَّ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ لِلْوَارِثِ فَإِنْ كَانَ أَحَظُّ الْأُمُورِ لَهُ الْمُقَاسَمَةَ عَلَيْهَا قَاسَمَ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَدِيمَ الشَّرِكَةَ وَإِنْ كَانَ أَحَظُّهَا لَهُ أَنْ يَأْذَنَ بِالتَّصَرُّفِ أَذِنَ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَاسِمَ وَإِنْ كَانَ أَحَظُّهَا لَهُ أَنْ يُقِيمَ عَلَى الِاشْتِرَاكِ بِالْمَالِ مِنْ غَيْرِ قِسْمَةٍ وَلَا إِذْنٍ بِالتَّصَرُّفِ فَعَلَ فَإِنْ عَدَلَ عَنِ الْأَحَظِّ إِلَى مَا لَيْسَ فِيهِ حَظٌّ كَانَ فِعْلُهُ مَرْدُودًا.
فَأَمَّا إِنْ كَانَ عَلَى الْمُتَوَفَّى دَيْنٌ فَلَيْسَ لِلْوَارِثِ الرَّشِيدِ وَلَا لِوَلِيِّ مَنْ لَيْسَ بِرَشِيدٍ أَنْ يَأْذَنَ لِلشَّرِيكِ بِالتَّصَرُّفِ فِي الشَّرِكَةِ إِلَّا بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ كُلِّهِ سَوَاءٌ كَانَ فِيمَا سِوَى الشَّرِكَةِ وَفَّى بِالدَّيْنِ أَمْ لَا لِأَنَّ الدَّيْنَ مُتَعَلِّقٌ بِجَمِيعِ التَّرِكَةِ وَلَيْسَ لِلْوَارِثِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا إِلَّا بَعْدَ قَضَاءِ جَمِيعِ الدَّيْنِ وَإِنْ كَانَ الْمُتَوَفَّى قَدْ وَصَّى بِوَصِيَّةٍ فِي تَرِكَتِهِ فَإِنْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ مُعَيَّنَةً فِي شَيْءٍ مِنَ التَّرِكَةِ غَيْرِ الدَّيْنِ جَازَ لِلْوَارِثِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي التَّرِكَةِ وَيَأْذَنَ لِلشَّرِيكِ بِالتَّصَرُّفِ فِيهَا قَبْلَ وُصُولِ الْوَصِيَّةِ إِلَى أَرْبَابِهَا لِأَنَّ الْعَيْنَ الْمُوصَى بِهَا إِنْ بَقِيَتْ فَهِيَ الْمُسْتَحَقَّةُ فِي الْوَصِيَّةِ وَإِنْ تَلِفَتْ فَالْوَصِيَّةُ قَدْ بَطَلَتْ بِخِلَافِ الدَّيْنِ الَّذِي لَوْ بَقِيَ يَسِيرٌ مِنَ التَّرِكَةِ صُرِفَ فِيهِ وَإِنْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بِجُزْءٍ شَائِعٍ فِي جَمِيعِ التَّرِكَةِ، فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى لَهُ مُعَيَّنًا أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا صَارَ بِقَبُولِ الْوَصِيَّةِ شَرِيكًا فِي مَالِ الشَّرِكَةِ وَكَانَ لَهُ وَلِلْوَارِثِ الْخِيَارُ فِي الْمُقَاسَمَةِ أَوِ الْمُقَامِ عَلَى الشَّرِكَةِ.
وَإِنْ كَانَ الْمُوصَى لَهُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَعَلَى الْوَارِثِ مُقَاسَمَةُ الشَّرِيكِ لِيُوصِلَ حِصَّةَ الشَّرِيكِ إِلَى مَنْ تَتَنَاوَلُهُمُ الْوَصِيَّةُ.
(فَصْلٌ)
وَلَوْ جُنَّ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ أَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ بَطَلَتِ الشَّرِكَةُ وفعل الولي أَحَظَّ الْأُمُورِ لَهُ مِنَ الْقِسْمَةِ أَوِ الْمَقَامِ عَلَى الشَّرِكَةِ لِأَنَّ الْعُقُودَ الْجَائِزَةَ تَبْطُلُ بِالْحَجْرِ فَأَمَّا الْإِغْمَاءُ فَإِنْ كَانَ يَسِيرًا لَمْ يَسْقُطْ مَعَهُ فَرْضُ عِبَادَةٍ كَانْتِ الشَّرِكَةُ عَلَى حَالِهَا لِأَنَّهُ فَرْضٌ قَدْ يَطْرَأُ كَثِيرًا وَإِنْ كَثُرَ الْإِغْمَاءُ حَتَّى أَسْقَطَ فَرْضَ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ ورد وقتها بطلت الشركة.
(مسألة)
قال المزني رضي الله عنه: " وَلَوِ اشْتَرَيَا عَبْدًا وَقَبَضَاهُ فَأَصَابَا بِهِ عَيْبًا فأراد
أَحَدُهُمَا الرَّدَّ وَالْآخَرُ الْإِمْسَاكَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) ذَلِكَ جَائِزٌ لِأَنَّ مَعْقُولًا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا اشْتَرَى نِصْفَهُ بِنِصْفِ الثَّمَنِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَقَدْ مَضَتْ هَذِهِ ال
ْمَسْأَلَةُ
فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ وَذَكَرْنَا أَنَّ الشَّرِيكَيْنِ فِي الْعَبْدِ إِذَا بَاعَاهُ صَفْقَةً مِنْ رَجُلٍ فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَلَهُ رَدُّ جَمِيعِهِ عَلَيْهِمَا وَلَهُ رَدُّ نَصِفِهِ عَلَى أَحَدِهِمَا وهذا ما وَافَقَ عَلَيْهِ أبو حنيفة فَأَمَّا إِنِ اشْتَرَى الرَّجُلَانِ عَبْدًا بَيْنَهُمَا صَفْقَةً مِنْ رَجُلٍ ثُمَّ وَجَدَاهُ مَعِيبًا فَلَهُمَا رَدُّ جَمِيعِهِ عَلَى بَائِعِهِ وَلِأَحَدِهِمَا رَدُّ نِصْفِهِ دُونَ شَرِيكِهِ وَمَنَعَ أبو حنيفة أَنْ يَرُدَّ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ إِلَّا مَعَ شريكه وقد مضى الكلام عليه.
(فَصْلٌ)
فَأَمَّا إِذَا كَانَ أَحَدُ الْمُشْتَرِيَيْنِ قَدِ انْفَرَدَ بِعَقْدِ الشِّرَاءِ بِوَكَالَةِ صَاحِبِهِ ثُمَّ وَجَدَاهُ مَعِيبًا فَلَا يَخْلُو حَالُ الْمُتَوَلِّي لِلشِّرَاءِ حِينَ الْعَقْدِ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَدْ ذَكَرَ لِلْبَائِعِ أَنَّهُ يَشْتَرِيهِ شَرِكَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ أَوْ لَمْ يَذْكُرْهُ فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَنْفَرِدَ بِرَدِّ النصف حتى يرد جميعه أو يمسكا جَمِيعَهُ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ وَاحِدٌ فَكَانَتِ الصَّفْقَةُ وَاحِدَةً وَإِنْ ذُكِرَ أَنَّ الشِّرَاءَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَرِيكِهِ فَهَلْ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَنْفَرِدَ بِالرَّدِّ أَمْ لَا عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أبي علي بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ ذِكْرَ ذَلِكَ كَالْمُبَاشَرَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَجْتَمِعَا عَلَى الرَّدِّ لِأَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ تَفْرِيقَ الصَّفْقَةِ بِخِلَافِ الْمُبَاشَرَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَنْكَرَ الْمَذْكُورُ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِالشِّرَاءِ كَانَتِ الصَّفْقَةُ كُلُّهَا لَازِمَةً لِمُتَوَلِّي الشِّرَاءِ وَلَوْ كَانَتْ صَفْقَتَيْنِ لَتَفَرَّقَتْ.
(فَصْلٌ)
فَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَوَكَّلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فِي الْبَيْعِ فَبَاعَهُ ثُمَّ وَجَدَ الْمُشْتَرِي بِهِ عَيْبًا فَأَرَادَ رَدَّ نِصْفِهِ عَلَى أَحَدِهِمَا نُظِرَ فَإِنْ كَانَ مُتَوَلِّيَ الْبَيْعِ ذَكَرَ لِلْمُشْتَرِي أَنَّهُ شَرِيكٌ فَلَهُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِرَدِّ نِصْفِهِ عَلَى أَحَدِهِمَا وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ لَهُ أَنَّهُ شَرِيكُهُ فَعَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ أَنْ يُفَرِّقَ الصَّفْقَةَ بِرَدِّ النِّصْفِ حَتَّى يَرُدَّ جَمِيعَهُ إِنْ شَاءَ لِأَنَّ مُتَوَلِّي الْعَقْدِ وَاحِدٌ فَصَارَتِ الصَّفْقَةُ بِهِ وَاحِدَةً.
وَالثَّانِي: لَهُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِرَدِّ النِّصْفِ عَلَى أَيِّهِمَا شَاءَ لِأَنَّ افْتِرَاقَ الْمِلْكِ مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ يُوجِبُ تَفْرِيقَ الصَّفْقَةِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَنْكَرَ الْإِذْنَ لَتَفَرَّقَتِ الصَّفْقَةُ وَصَحَّ الْعَقْدُ فِي حِصَّةِ الْمُتَوَلِّي لِلْعَقْدِ دُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْإِذْنُ.
(فَصْلٌ)
وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَبْدٌ رُومِيٌّ وَلِآخَرَ عَبْدٌ تُرْكِيٌّ فَوَكَّلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا زَيْدًا فِي بَيْعِ عَبْدِهِ فَبَاعَ الْوَكِيلُ الْعَبْدَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً لِرَجُلٍ بِأَلْفٍ وَلَمْ يُمَيِّزْ ثَمَنَ كُلِّ وَاحِدٍ منهما فقد ذكر الشافعي في من تَزَوَّجَ أَرْبَعَةَ نِسْوَةٍ فِي عَقْدٍ عَلَى صَدَاقٍ بِأَلْفٍ وَلَمْ يَذْكُرْ قِسْطَ مَهْرِ كُلِّ وَاحِدَةٍ
مِنْهُنَّ قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الصَّدَاقَ بَاطِلٌ وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مَهْرُ مِثْلِهَا وَالثَّانِي أَنَّهُ جَائِزٌ وَتُقَسَّطُ الْأَلْفُ بَيْنَهُنَّ عَلَى قَدْرِ مُهُورِ أَمْثَالِهِنَّ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مَسْأَلَةِ الْبَيْعِ فَكَانَ ابْنُ سُرَيْجٍ يُسَوِّي بَيْنَهُمَا وَيُخَرَّجُ بَيْعُ الْعَبْدَيْنِ بِالثَّمَنِ الْوَاحِدِ عَلَى قَوْلَيْنِ كَالصَّدَاقِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْبَيْعَ فِيهَا بَاطِلٌ لِلْجَهْلِ بِثَمَنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَالثَّانِي: جَائِزٌ وَيُقَسَّطُ الْأَلْفُ عَلَى قِيمَةِ الْعَبْدَيْنِ لِأَنَّ ثَمَنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ يَصِيرُ معلوما بعد الْعَقْدِ وَكَانَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ يُبْطِلُ بَيْعَ الْعَبْدَيْنِ لِلرَّجُلَيْنِ بِالثَّمَنِ الْوَاحِدِ قَوْلًا وَاحِدًا وَإِنْ كَانَ لِلصَّدَاقِ عَلَى قَوْلَيْنِ وَيُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الصَّدَاقَ بَيْعٌ لِعَقْدِ النِّكَاحِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لِلِاجْتِمَاعِ تَأْثِيرٌ فِي فَسَادِهِ فَكَانَ الصَّدَاقُ بِمَثَابَتِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْبَيْعُ لِأَنَّ الثَّمَنَ فِيهِ هُوَ الْمَقْصُودُ وَالْجَهَالَةُ بِهِ تَمْنَعُ مِنْ صِحَّتِهِ فَإِذَا قِيلَ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَخْرِيجِ ابْنِ سُرَيْجٍ كَانَتِ الْأَلْفُ مُقَسَّطَةً عَلَى قِيمَةِ الْعَبْدَيْنِ وَهَكَذَا لَوْ كَانَ الْمَجْمُوعُ فِي الْعَقْدِ عَبْدًا أَوْ ثَوْبًا فَيَتَصَرَّفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْبَائِعَيْنِ فِي الْأَلْفِ بِالْقِسْطِ مِنْ قِيمَةِ عَبْدِهِ وَإِذَا قُلْنَا إِنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ فَإِنْ صدق المشتري على ذلك أو قامت به بَيِّنَةٌ اسْتَرْجَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَبْدَهُ وَلَوْ أَنْكَرَ الْمُشْتَرِي أَنْ يَكُونَ الْعَبْدَيْنِ إِلَّا لِمَنْ بَاعَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، لِأَنَّ قَوْلَ الْبَائِعِ بَعْدَ الْبَيْعِ أَنَّهُ غَيْرُ مَالِكٍ لِلْمَبِيعِ غَيْرُ مَقْبُولٍ فَإِذَا حَلَفَ الْمُشْتَرِي كَانَ الْبَيْعُ فِي الظَّاهِرِ صَحِيحًا وَإِنْ كَانَ فِي الْبَاطِنِ فَاسِدًا ثُمَّ قَدْ أُحِيلَ بَيْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَالِكَيْنِ وَبَيْنَ عَبْدِهِ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ قِيمَتَهُ فَإِنْ كَانَتِ الْأَلْفُ بِإِزَاءِ قِيمَةِ الْعَبْدَيْنِ اقْتَسَمَاهَا عَلَى الْقِيمَةِ وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ فَهِيَ مُقَسَّطَةٌ بَيْنَهُمَا وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا فِي الزِّيَادَةِ حَقٌّ وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي اسْتِرْجَاعُهَا لِاعْتِرَافِهِ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ وَأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ عَلَيْهِ فِي ثَمَنِ الْعَبْدَيْنِ وَلَكِنْ تُقَدَّرُ فِي يَدِ الْبَائِعَيْنِ وتدفع إِلَى الْحَاكِمِ لِيَحْفَظَهَا إِلَى أَنْ يَقَعَ التَّصَادُقُ أَوْ تَقُومَ الْبَيِّنَةُ بِحَقِيقَةِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(مسألة)
(قال المزني) رضي الله عنه: " وَلَوِ اشْتَرَى أَحَدُهُمَا بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ كَانَ مَا اشْتَرَى لَهُ دُونَ صَاحِبِهِ وَلَوْ أَجَازَهُ شَرِيكُهُ مَا جَازَ لِأَنَّ شِرَاءَهُ كَانَ عَلَى غَيْرِ مَا يَجُوزُ عَلَيْهِ ". قَالَ الماوردي: وهذا صحيح فقد ذَكَرْنَا أَنَّ الشَّرِيكَ فِي حَقِّ شَرِيكِهِ جَارٍ مَجْرَى الْوَكِيلِ وَالْغَبْنُ الْيَسِيرُ الَّذِي جَرَتْ عَادَةُ النَّاسِ أَنْ يَتَغَابَنُوا بِمِثْلِهِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ فِي عَقْدِهِ لِأَنَّ الِاحْتِرَازَ مِنْهُ مُتَعَذِّرٌ فَأَمَّا مَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ فَغَيْرُ مَعْفُوٍّ عَنْهُ فِي بَيْعِ الْوَكِيلِ وَالشَّرِيكِ وَكُلِّ نَائِبٍ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ وَصِيٍّ وَأَمِينٍ فَإِذَا اشْتَرَى الشَّرِيكُ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ لَمْ يَخْلُ الشِّرَاءُ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ الْمَالِ أَوْ فِي ذِمَّتِهِ فَإِنْ كَانَ الشِّرَاءُ فِي ذِمَّتِهِ كَانَ لَازِمًا لَهُ دُونَ شَرِيكِهِ وَإِنْ كَانَ الشِّرَاءُ بِغَيْرِ الْمَالِ كَانَ الشِّرَاءُ فِي حَقِّ شَرِيكِهِ بَاطِلًا لِخُرُوجِهِ عَنْ مُوجِبِ الْإِذْنِ سَوَاءٌ أَجَازَهُ الشَّرِيكُ أَوْ
لم يجزه لأن العقد إذا وقع فاسد لَمْ يَصِحَّ بِالْإِجَازَةِ فَأَمَّا الشِّرَاءُ فِي حِصَّةِ الْعَاقِدِ فَعَلَى قَوْلَيْنِ مِنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
أَحَدُهُمَا: بَاطِلٌ وَالشَّرِكَةُ فِي الْمَالِ عَلَى حَالِهَا.
وَالثَّانِي: جَائِزٌ فَعَلَى هَذَا تَبْطُلُ الشَّرِكَةُ فِي قَدْرِ ثَمَنِ النِّصْفِ لِيُمَيِّزَهُ عَنِ الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ وَتَكُونُ الشَّرِكَةُ فِيمَا سِوَاهُ بَاقِيَةً.
(فَصْلٌ)
فَأَمَّا إِذَا بَاعَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ شَيْئًا مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ مِمَّا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ كَانَ الْبَيْعُ فِي حِصَّةِ الشَّرِيكِ الْآخَرِ بَاطِلًا لَا تَصِحُّ بِإِجَازَتِهِ وَهَلْ يَبْطُلُ فِي حِصَّةِ الْبَائِعِ عَلَى قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا قَدْ بَطَلَتْ وَالشَّرِكَةُ فِيهِ عَلَى حَالِهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْبَيْعَ يَصِحُّ فِي حِصَّتِهِ وَتَبْطُلُ الشَّرِكَةُ فِيهَا لَا غَيْرَ وَلَا يَكُونُ الشَّرِيكُ ضَامِنًا لِحِصَّةِ شَرِيكِهِ بِالْعَقْدِ فَإِنْ سَلَّمَ ضمنها بالتسليم ولو كان مودعا فباع.
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: ضَمِنَ بِالْعَقْدِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْمُودَعَ غَيْرُ مَأْذُونٍ لَهُ فِي الْبَيْعِ فَلَمْ يُعْتَدَّ بِهِ فَكَانَ بَيْعُهُ تَعَدِّيًا وَهَذَا عِنْدِي لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ الشَّرِيكَ غَيْرُ مَأْذُونٍ لَهُ فِي بَيْعِ الْغَيْبَةِ كَالْمُودَعِ وَلَوْ كَانَ مَأْذُونًا فِيهِ لَزِمَ الْمَالِكَ فَصَارَ هُوَ وَالْمُودَعُ سَوَاءً فِي أَنْ لَا يَلْزَمَهُمَا الضَّمَانُ عِنْدِي إِلَّا بِالتَّسْلِيمِ لِأَنَّ فَسَادَ الْعَقْدِ يَرْفَعُ حُكْمَ لَفْظِهِ وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ فِي ضَمَانِهَا بِالتَّغَلُّبِ لَا بِالْعَقْدِ وَالْمُودَعُ يَضْمَنُ بِإِخْرَاجِهَا مِنَ الْحِرْزِ لِتَغْلِيبِ الْمُشْتَرِي لَهَا وَالشَّرِيكُ لَا يَضْمَنُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(مسألة)
قال المزني رضي الله عنه: " وَأَيُّهُمَا ادَّعَى فِي يَدَيْ صَاحِبِهِ مِنْ شَرِكَتِهِمَا شَيْئًا فَهُوَ مُدَّعٍ وَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ وَعَلَى صَاحِبِهِ الْيَمِينُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا كَانَ فِي يَدِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ مَالٌ وَادَّعَى صَاحِبُهُ أَنَّ مَا فِي يَدِهِ مِنْ هَذَا الْمَالِ هُوَ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ وَادَّعَاهُ صَاحِبُ الْيَدِ مِلْكًا لِنَفْسِهِ فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ صَاحِبِ الْيَدِ مَعَ يَمِينِهِ إِلَّا أَنْ يُقِيمَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً لِأَنَّ الشَّرِكَةَ لَا تَرْفَعُ حُكْمَ الْيَدِ فِي ثُبُوتِ الْمِلْكِ بِهَا وَهَكَذَا لَوِ اشْتَرَى أَحَدُ الشريكين عبد فِي ثَمَنِهِ غَبَطَهُ فَادَّعَى الشَّرِيكُ الْآخَرُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ فِي الشَّرِكَةِ وَادَّعَى مُشْتَرِيهِ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ لَا فِي الشَّرِكَةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُتَوَلِّي الشِّرَاءِ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لِنَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ شَرِيكًا لِغَيْرِهِ وَلَوِ اشْتَرَى عَبْدًا حَدَثَ بِهِ نَقْصٌ فَذَكَرَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ فِي الشَّرِكَةِ وَأَنْكَرَ الْآخَرُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي اشْتَرَاهُ إِلَّا لِنَفْسِهِ فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ وَيَكُونُ الْعَبْدُ فِي مَالِ الشَّرِكَةِ والله أعلم.
(مسألة)
قال المزني رضي الله عنه: " وَأَيُّهُمَا ادَّعَى خِيَانَةَ صَاحِبِهِ فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا دَعْوَاهُ الْخِيَانَةَ فَغَيْرُ مُقْنِعَةٍ حَتَّى يَصِفَهَا بِمَا يَصِيرُ خَائِنًا بِهَا ثُمَّ يَذْكُرُ
قَدْرَهَا فَتَتِمُّ دَعْوَاهُمَا فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ إِلَّا أَنْ يُقِيمَ مُدَّعِي الْخِيَانَةِ بَيِّنَةً بِمَا يَدَّعِيهِ لِأَنَّهُ أَمِينٌ وَلِأَنَّهُ بَرِيءُ الذِّمَّةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(مسألة)
قال المزني رضي الله عنه: " وَأَيُّهُمَا زَعَمَ أَنَّ الْمَالَ قَدْ تَلِفَ فَهُوَ أمين وعليه اليمين ".
قال الماوردي: بِسَبَبِ وَصْفِهِ أَوْ لَمْ يَصِفْهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ إِذَا كَانَ مَا ادَّعَاهُ مِنَ التَّلَفِ مُمْكِنًا لِأَنَّهُ أَمِينٌ فَشَابَهَ الْمُودَعَ وَالْوَكِيلَ فَإِنْ ذَكَرَ تَلَفَهُ فِي يَوْمٍ مِنْ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ وَحَلَفَ عَلَيْهِ ثُمَّ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُمَا رَأَيَا ذَلِكَ الْمَالَ فِي يَدِهِ بِعَيْنِهِ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي ادَّعَى تَلَفَهُ فِيهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ يَمِينَهُ السَّالِفَةَ قَدْ بَطَلَتْ بِهَذِهِ الْبَيِّنَةِ الْحَادِثَةِ وَيُلْزَمُ غُرْمَ الْمَالِ الْمَشْهُودِ بِهِ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ الْعَادِلَةَ أَوْلَى مِنْ يَمِينِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَبِهِ قَالَ أَبُو الْفَيَّاضِ إِنَّ يَمِينَهُ لَا تَبْطُلُ وَلَكِنْ يُسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَإِنْ ذَكَرَهُ مَعَ يَمِينِهِ الْمَاضِيَةِ لَمْ يَغْرَمْ وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ غُرِّمَ وَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ يُغَرَّمُ بِالْبَيِّنَةِ وَلَا يُسْأَلُ.
(فَصْلٌ)
وَإِذَا اشْتَرَى الشَّرِيكَانِ سِلْعَةً وَقَبَضَاهَا فَتَلِفَتَ كَانَ التَّلَفُ مِنْ مَالِهِمَا وَالثَّمَنُ دَيْنٌ عَلَيْهِمَا فَإِنْ دَفَعَا الثَّمَنَ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ بَطَلَتِ الشَّرِكَةُ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ الْمَدْفُوعِ مِنْ ثَمَنِهَا وَلَوْ تَلِفَ الثَّمَنُ أَيْضًا مِنْهُمَا قَبْلَ دَفْعِهِ فِي ثَمَنِ السِّلْعَةِ التَّالِفَةِ كَانَ الثَّمَنُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِمَا وَلِلْبَائِعِ أَنْ يَأْخُذَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِحِصَّتِهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ضَامِنًا عَنْ صَاحِبِهِ وَلَكِنْ لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا قَدْ تَوَلَّى الشِّرَاءَ دُونَ صَاحِبِهِ فَلِلْبَائِعِ أَنْ يَأْخُذَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ لِتَفَرُّدِهِ بِالْعَقْدِ فَإِذَا أَخَذَهُ مِنْهُ نُظِرَ فَإِنْ أَدَّاهُ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ جَازَ وَلَا رُجُوعَ وَإِنْ أَدَّاهُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ نُظِرَ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَنِضَّ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ مَا يُؤَدِّي فِي ذَلِكَ الثَّمَنَ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى شَرِيكِهِ بِحِصَّتِهِ مِنْهُ وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ مَعَ وُجُودِهِ نَاضًّا فِي مَالِ الشَّرِكَةِ فَفِي رُجُوعِهِ عَلَى شَرِيكِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالنِّصْفِ مِنْهُ لِأَنَّهُ مِنْ مُوجِبَاتِ الشَّرِكَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ لِأَنَّ مُوجِبَ الشَّرِكَةِ أَنْ يُؤَدِّيَهُ مِنْ مَالِهَا فَصَارَ عُدُولُهُ عَنْهُ إِلَى مَالِ نَفْسِهِ تَطَوُّعًا مِنْهُ فَلَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى شَرِيكِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ)
قَالَ المزني: رضي الله عنه: " وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَأَمَرَ أَحَدُهُمَا صاحبه ببيعه فَبَاعَهُ مِنْ رَجُلٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَأَقَرَّ الشَّرِيكُ الَّذِي لَمْ يَبِعْ أَنَّ الْبَائِعَ قَدْ قَبَضَ الثَّمَنَ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْبَائِعُ وَادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَبْرَأُ مِنْ نِصْفِ الثَّمَنِ وَهُوَ حِصَّةُ الْمُقِرِّ وَيَأْخُذُ الْبَائِعُ نِصْفَ الثَّمَنِ مِنَ الْمُشْتَرِي فَيُسَلَّمَ لَهُ وَيَحْلِفُ لِشَرِيكِهِ مَا قَبَضَ مَا ادَّعَى فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ صَاحِبُهُ وَاسْتَحَقَّ الدَّعْوَى ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: فِي عَبْدٍ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ أَذِنَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ فِي بَيْعِهِ فَبَاعَهُ الْمَأْذُونُ لَهُ عَلَى رَجُلٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ثُمَّ إِنَّ الْمُشْتَرِيَ ادَّعَى عَلَى الْبَائِعِ أَنَّهُ سَلَّمَ إِلَيْهِ الْأَلْفَ الثَّمَنَ وَأَنْكَرَهَا الْبَائِعُ وَصَدَّقَهُ عَلَيْهَا الشَّرِيكُ الَّذِي لَمْ يَبِعْ فَقَدْ بَرِئَ الْمُشْتَرِي بِتَصْدِيقِ الشَّرِيكِ الَّذِي لَمْ يَبِعْ مِنْ حِصَّتِهِ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ لِأَنَّهُ مُعْتَرِفٌ بِقَبْضِ وَكِيلِهِ لَهَا ثُمَّ الْقَوْلُ قَوْلُ الشَّرِيكِ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ فَإِذَا حَلَفَ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِحِصَّتِهِ وَهِيَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ يَخْتَصُّ بِهَا وَيَحْلِفُ لِشَرِيكِهِ بِاللَّهِ أَنَّهُ مَا قَبَضَ حِصَّتَهُ مِنَ الْمُشْتَرِي لِأَنَّ قَوْلَ الشَّرِيكِ الَّذِي لَمْ يَبِعْ قَدْ تَضَمَّنَ إِقْرَارًا عَلَى نَفْسِهِ وَدَعْوَى عَلَى شَرِيكِهِ فَكَانَ إِقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ مَقْبُولًا فِي بَرَاءَةِ الْمُشْتَرِي فِي حقه وادعائه عَلَى شَرِيكِهِ غَيْرُ مَقْبُولٍ فِي الرُّجُوعِ عَلَيْهِ بِحِصَّتِهِ فَإِنْ قِيلَ مَا قَبَضَهُ الْبَائِعُ بَعْدَ يَمِينِهِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مَقْسُومًا بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ لِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا لم يقتسما عليه قبل مَا قَبَضَهُ الْبَائِعُ حَقٌّ لَهُ لَا يَجُوزُ لِشَرِيكِهِ أَنْ يُقَاسِمَهُ عَلَيْهِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَعْلِيلِ ذَلِكَ فَكَانَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ يَقُولُ الْعِلَّةُ فِيهِ أَنَّ الَّذِي لَمْ يَبِعْ بِتَصْدِيقِ الْمُشْتَرِي مُقِرٌّ بِأَنَّ الْبَائِعَ ظَالِمٌ فِيمَا يَأْخُذُهُ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُشَارِكَهُ فِيمَا يُقِرُّ بِأَنَّهُ ظَالِمٌ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ وَكَانَ أَبُو الْفَيَّاضِ وَطَائِفَةٌ مِنَ الْبَصْرِيِّينَ يَقُولُونَ الْعِلَّةُ فِيهِ أَنَّ الَّذِي لَمْ يَبِعْ لَمَّا أَبْرَأَ الْمُشْتَرِيَ بِتَصْدِيقِهِ صَارَ كَالْقَابِضِ لِحَقِّهِ فَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ فَسْخًا لِلشَّرِكَةِ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ فِي الْمَقْبُوضِ حَقٌّ يُقَاسِمُ عَلَيْهِ فَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي أَقَامَ عَلَى الْبَائِعِ بَيِّنَةً بِدَفْعِ الثَّمَنِ إِلَيْهِ بَرِئَ مِنْ جَمِيعِهِ بِالْبَيِّنَةِ وَكَانَ لِلشَّرِيكِ الَّذِي لَمْ يَبِعْ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْبَائِعِ بِحِصَّتِهِ بِبَيِّنَةِ الْمُشْتَرِي مِنْ غَيْرِ اسْتِئْنَافِ لَهَا لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِهَا عَلَى الْبَائِعِ قَبْضُ الثَّمَنِ كُلِّهِ فَلَوْ شَهِدَ عَلَى الْبَائِعِ شَرِيكُهُ الَّذِي لَمْ يَبِعْ لِيَحْلِفَ الْمُشْتَرِي مَعَهُ فَفِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ قَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي تَبْعِيضِ الشَّهَادَةِ إِذَا رُدَّ بَعْضُهَا هَلْ يُوجِبُ ذَلِكَ رَدَّ بَاقِيهَا لِأَنَّ شَهَادَتَهُ مَرْدُودَةٌ فِي حِصَّةِ نَفْسِهِ فَلَوْ عَدِمَ الْمُشْتَرِي الْبَيِّنَةَ وَنَكِلَ الْبَائِعُ عَنِ الْيَمِينِ فَرُدَّتْ عَلَى الْمُشْتَرِي فَحَلَفَ بَرِئَ مِنَ الثَّمَنِ كله وكان الَّذِي لَمْ يَبِعْ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْبَائِعِ بحصته يمين الْمُشْتَرِي وَحْدَهُ لِأَنَّ الْيَمِينَ بَعْدَ النُّكُولِ إِمَّا أَنْ تَجْرِيَ مَجْرَى الْبَيِّنَةِ أَوْ مَجْرَى الْإِقْرَارِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُثْبِتُ الرُّجُوعَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(مسألة)
قال المزني رضي الله عنه: ولو كَانَ الشَّرِيكُ الَّذِي بَاعَ هُوَ الَّذِي أَقَرَّ بِأَنَّ شَرِيكَهُ الَّذِي لَمْ يَبِعْ قَبَضَ مِنَ الْمُشْتَرِي جَمِيعَ الثَّمَنِ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الَّذِي لَمْ يَبِعْ وَادَّعَى ذَلِكَ الْمُشْتَرِي فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَبْرَأُ مِنْ نِصْفِ الثَّمَنِ بِإِقْرَارِ الْبَائِعِ أَنَّ شَرِيكَهُ قَدْ قَبَضَ لِأَنَّهُ فِي ذَلِكَ أَمِينٌ وَيَرْجِعُ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالنِّصْفِ الْبَاقِي فَيُشَارِكُهُ فِيهِ صاحبه لأنه لا يصدق على حصة من الشركة تسلم إليه إنما يصدق في أن لا يضمن شيئا لصاحبه فأما أن يكون في يديه بعض مال بينهما فيدعي على شريكه مقاسمة يملك بها هذا البعض خاصة فلا يجوز ويحلف لشريكه فإن نكل حلف شريكه واستحق دعواه ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا كَال
ْمَسْأَلَةِ
الْأُولَى فِي الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ إِذَا بَاعَهُ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ إِلَّا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَدَّعِي تَسْلِيمَ الثَّمَنِ إِلَى الشَّرِيكِ الَّذِي لَمْ يَبِعْ وَيُصَدِّقُهُ عَلَيْهِ الشَّرِيكُ الَّذِي بَاعَ وَيُنْكِرُ مَنْ لم يبع أَنْ يَكُونَ مَأْذُونًا لَهُ إِذْنَ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ لِصَاحِبِهِ أَمْ لَا فَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ إِذْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ فَالْجَوَابُ فِيهِ مَا مَضَى فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى مِنْ بَرَاءَةِ الْمُشْتَرِي مِنْ نِصْفِ الثَّمَنِ بِتَصْدِيقِ الْبَائِعِ أَنَّ شَرِيكَهُ النَّائِبَ عَنْهُ قَبَضَ الثَّمَنَ مِنْهُ وَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ لَمْ يَبِعْ مَعَ يَمِينِهِ بِاللَّهِ أَنَّهُ مَا قَبَضَ وَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِحِصَّتِهِ عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ قَبْلُ سَوَاءٌ.
وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْذُونٍ لَهُ فِي الْقَبْضِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ بِاللَّهِ أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ ثُمَّ لَا يَبْرَأُ الْمُشْتَرِي مِنْ شَيْءٍ لِأَنَّ الْبَائِعَ وَإِنْ صَدَّقَهُ عَلَى تَسْلِيمِ حَقِّهِ إِلَى شَرِيكِهِ فَقَدْ سَلَّمَهُ إِلَى غَيْرِ مُسْتَحِقِّهِ ثُمَّ قَدْ بَطَلَتْ وَكَالَةُ الْبَائِعِ فِي حَقِّ الَّذِي لَمْ يَبِعْ لِأَنَّ إِقْرَارَهُ عَلَيْهِ بِالْقَبْضِ يَتَضَمَّنُ إِبْطَالَ وَكَالَتِهِ فِيهِ وَعَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يَسُوقَ إِلَيْهِمَا أَلْفًا، خَمْسَمِائَةٍ إِلَى الْبَائِعِ وَخَمْسَمِائَةٍ إِلَى الَّذِي لَمْ يَبِعْ فَإِنِ ابْتَدَأَ وَدَفَعَ إِلَى الَّذِي لَمْ يَبِعْ خَمْسَمِائَةٍ لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ أَنْ يُشَارِكَهُ فِيهَا لِأَنَّهُ يُقِرُّ بِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ مَظْلُومٌ بِهَا وَإِنْ بَدَأَ الْمُشْتَرِي وَدَفَعَ إِلَى الْبَائِعِ خَمْسَمِائَةٍ كَانَ لِلَّذِي لَمْ يَبِعْ أَنْ يُشَارِكَهُ فِيهَا إِنْ شَاءَ وَلَهُ أَنْ لَا يُشَارِكَهُ فِيهَا وَيَرْجِعَ عَلَى الْمُشْتَرِي بكل حصته إِنْ شَاءَ فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُشْتَرِي كَانَ لَهُ ذَلِكَ.
وَيَكُونُ الْمُشْتَرِي دَافِعًا الْأَلْفَ خَمْسَمِائَةٍ مِنْهَا إِلَى الْبَائِعِ وَخَمْسَمِائَةٍ إِلَى الَّذِي لَمْ يَبِعْ وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يُشَارِكَهُ الْبَائِعُ فِيمَا أَخَذَ فَذَلِكَ لَهُ لِأَنَّ الْمَالَ مشتركا لَمْ يَقْتَسِمَا عَلَيْهِ وَالْبَائِعُ غَيْرُ مُصَدَّقٍ عَلَى شَرِيكِهِ فِي إِبْطَالِ الشَّرِكَةِ فِيهِ فَإِذَا أَخَذَ مِنَ الْبَائِعِ نِصْفَ مَا أَخَذَهُ وَذَلِكَ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِنَ الْمُشْتَرِي تَمَامَ حَقِّهِ وَذَلِكَ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ تَمَامَ خَمْسِمِائَةٍ وَلَيْسَ لِلْبَائِعِ بَعْدَ رُجُوعِ شَرِيكِهِ عَلَيْهِ بِنِصْفِ مَا أَخَذَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِهِ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ بِاسْتِيفَاءِ مَا عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَحْكُمُ فَيَصِيرُ الْمُشْتَرِي غَارِمًا لِسَبْعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ مِنْهَا خَمْسُمِائَةٍ دَفَعَهَا إِلَى الْبَائِعِ فَشَارَكَهُ فِيهَا الَّذِي لَمْ يَبِعْ وَمِائَتَانِ وَخَمْسُونَ دَفَعَهَا إِلَى الَّذِي لَمْ يَبِعْ فَلَوْ أَرَادَ الْمُشْتَرِي أَنْ يَسْتَشْهِدَ بِالْبَائِعِ عَلَى الَّذِي لَمْ يَبِعْ كَانَتْ شَهَادَتُهُ مَرْدُودَةً عَلَيْهِ لِأَنَّهُ فِيهَا مُتَّهَمٌ بِمَا يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ رُجُوعِ شَرِيكِهِ عَلَيْهِ بِمَا يَأْخُذُهُ.
(فَصْلٌ)
فَأَمَّا الْمُزَنِيُّ فَإِنَّهُ نَقَلَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إِنْ صَدَّقَ الْبَائِعَ فِي دَفْعِ الْأَلْفِ إِلَى الَّذِي لَمْ يَبِعْ أَنَّهُ يَبْرَأُ مِنْ خَمْسِمِائَةٍ كَالْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي نَقْلِهِ عَنْ هَذَا الْجَوَابِ فَكَانَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ يَنْسُبُهُ إِلَى الْغَلَطِ وَأَنَّهُ نَقَلَ جَوَابَ محمد بن الحسن فِيهَا لِأَنَّ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ إِقْرَارَ الْوَكِيلِ عَلَى مُوَكِّلِهِ مَقْبُولٌ وَلَا يَجِيءُ هَذَا الْجَوَابُ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ إِقْرَارَ الْوَكِيلِ عَلَى مُوَكِّلِهِ غَيْرُ مَقْبُولٍ فَكَانَ ذَلِكَ غَلَطًا مِنَ الْمُزَنِيِّ وَسَهْوًا.
وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ النَّقْلُ صَحِيحٌ وَالْجَوَابُ مُسْتَقِيمٌ وَتَأْوِيلُهُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَبْرَأُ مِنْ خَمْسِمِائَةٍ فِي
مُطَالَبَةِ الْبَائِعِ بِهَا لِبُطْلَانِ وَكَالَتِهِ فِيهَا وَلَا يَبْرَأُ مِنْهَا فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَبِعْ فَكَانَ جَوَابُهُ فِي بَرَاءَةِ الْمُشْتَرِي مَحْمُولًا عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ وَالَّذِي عِنْدِي أَنَّ نَقْلَ الْمُزَنِيِّ صَحِيحٌ وَأَنَّ بَرَاءَةَ الْمُشْتَرِي مِنَ النِّصْفِ بَرَاءَةٌ تَامَّةٌ غَيْرَ أَنَّ مَسْأَلَةَ الْمُزَنِيِّ مَحْمُولَةٌ عَلَى الشَّرِيكَيْنِ الْمَأْذُونِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ فَيَبْرَأُ الْمُشْتَرِي بِإِقْرَارِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى صَاحِبِهِ بِالْقَبْضِ سَوَاءٌ كَانَ بَائِعًا أَوْ غير بائع فإن أمكن حمل جوابه على الصحة فلا وجهة لتخطئته فِيهِ كَمَا فَعَلَ أَبُو إِسْحَاقَ وَإِنْ أَمْكَنَ إِبْرَاءُ الْمُشْتَرِي مِنْهَا فَلَا وَجْهَ لِحَمْلِهِ عَلَى إِبْطَالِ الْوَكَالَةِ فِيهَا كَمَا نَقَلَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(مَسْأَلَةٌ)
قَالَ الْمُزَنِيُّ رضي الله عنه: " وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَغَصَبَ رَجُلٌ حِصَّةَ أَحَدِهِمَا ثُمَّ إِنَّ الْغَاصِبَ وَالشَّرِيكَ الْآخَرَ بَاعَا الْعَبْدَ مِنْ رَجُلٍ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ فِي نَصِيبِ الشَّرِيكِ الْبَائِعِ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْغَاصِبِ وَلَوْ أَجَازَهُ الْمَغْصُوبُ لَمْ يَجُزْ إِلَّا بِتَجْدِيدِ بَيْعٍ فِي مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا كَانَ عَبْدٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ نَفْسَيْنِ غَصَبَ رَجُلٌ حِصَّةَ أَحَدِهِمَا ثُمَّ اتَّفَقَ الْغَاصِبُ وَالشَّرِيكُ الْآخَرُ عَلَى بَيْعِ الْعَبْدِ صَفْقَةً عَلَى رَجُلٍ كَانَ الْبَيْعُ فِي الْحِصَّةِ الْمَغْصُوبَةِ بَاطِلًا لِأَنَّهُ بَاعَهَا فِيمَنْ لَا يَسْتَحِقُّ بَيْعَهَا بِمِلْكٍ وَلَا نِيَابَةٍ فَلَوْ أَجَازَهَا الْمَالِكُ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ فِيهَا إِلَّا بِتَجْدِيدِ عَقْدٍ عَلَيْهَا لِأَنَّ الْعَقْدَ إِذَا وَقَعَ فَاسِدًا لَمْ يَصِحَّ إِلَّا بِالْإِجَازَةِ وَأَمَّا الْبَيْعُ فِي حِصَّةِ الشَّرِيكِ الْآخَرِ فَجَائِزٌ قَوْلًا وَاحِدًا وَلَا يَخْرُجُ عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ لِأَنَّ الْعَقْدَ مِنَ الِاثْنَيْنِ فِي حُكْمِ الْعَقْدِ بَيْنَ الْمُنْفَرِدَيْنِ وَإِذَا انْفَرَدَ الْعَقْدُ إِنْ لَمْ يَكُنْ فَسَادُ أَحَدِهِمَا مُوجِبًا لِفَسَادِ الْآخَرِ وَلَكِنْ لَوْ أَنَّ الْغَاصِبَ وَكَّلَ الشَّرِيكَ فِي بَيْعِةٍ فَانْفَرَدَ الشَّرِيكُ فِي بَيْعِهِ أَوْ كَانَ الشَّرِيكُ قَدْ وَكَّلَ الْغَاصِبَ فِي بَيْعِ حِصَّتِهِ فَانْفَرَدَ الْغَاصِبُ بِبَيْعِ جَمِيعِهِ كَانَ الْبَيْعُ فِي الْحِصَّةِ الْمَغْصُوبَةِ بَاطِلًا وَهَلْ يَبْطُلُ فِي حِصَّةِ الشَّرِيكِ الْمَمْلُوكَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ مِنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(كتاب الوكالة)
(مسألة)
قال المزني رضي الله عنه: " قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنستم منهم رشدا﴾ الآية فأمر بحفظ أموالهم حتى يؤنس منهم الرشد وهو عند الشافعي أن يكون بعد البلوغ مصلحا لماله عدلا في دينه وقال تَعَالَى ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هو فليملل وليه بالعدل﴾ ووليه عند الشافعي هو القيم بماله (قال المزني) فإذا جاز أن يقوم بماله بتوصية أبيه بذلك إليه وأبوه غير مالك كان أن يقوم فيه بتوكيل مالكه أجوز وقد وكل علي بن أبي طالب رضي الله عنه عقيلا (قال المزني) وذكر عنه أنه قال هذا عَقِيلٌ مَا قُضِيَ عَلَيْهِ فَعَلَيَّ وَمَا قُضِيَ لَهُ فَلِي (قَالَ الشَّافِعِيُّ) وَلَا أَحْسَبُهُ كَانَ يوكله إلا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَلَعَلَّهُ عِنْدَ أَبِي بكر رضي الله عنهما ووكل أيضا عنه عبد الله ابن جعفر عِنْدَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وعلي حاضر فقبل ذلك عثمان ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.
وَالْأَصْلُ فِي جَوَازِ الْوَكَالَةِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْوِفَاقُ وَالْعِبْرَةُ فَأَمَّا الْكِتَابُ فَهُوَ مَا اسْتَشْهَدَ بِهِ الْمُزَنِيُّ مِنَ الْآيَتَيْنِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: 6] .
وَالثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: 282] وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهَا أَنَّهُ لَمَّا جَازَ نَظَرُ الْأَوْلِيَاءِ وَنَظَرُهُمْ إِنَّمَا يَكُونُ بِتَوْصِيَةِ أَبٍ أَوْ تَوْلِيَةِ حَاكِمٍ وَهُمَا لَا يَمْلِكَانِ كَانَ تَوْكِيلُ الْمَالِكِ فِي مِلْكِهِ أَجْوَزَ.
وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ [الكهف: 19] فلما أضاف الورق إلى جميعهم رجل لَهُمُ اسْتِنَابَةَ أَحَدِهِمْ دَلَّ عَلَى جَوَازِ الْوَكَالَةِ وَصِحَّةِ الِاسْتِنَابَةِ وَفِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ [الكهف: 19] ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّهَا أَكْثَرُ طَعَامًا وَهَذَا قَوْلُ عِكْرِمَةَ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا أَحَلُّ طَعَامًا وَهَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا خَيْرٌ طَعَامًا وَهَذَا قَوْلُ قَتَادَةَ.
وَفِي قَوْلِهِ فَلْيَتَلَطَّفْ تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: فَلْيَسْتَرْخِصْ.
وَالثَّانِي: وَلِيَتَلَطَّفَ فِي إِخْفَاءِ أَمْرِكُمْ فَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا.
وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ قَوْلِ يُوسُفَ لِلْعَزِيزِ: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 55] أَيْ وَكِّلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ.
وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء:] وَالْحَكَمُ وَكِيلٌ وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَاهُ قَتَادَةُ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " إِذَا نَكَحَ الْوَلِيَّانِ فَالْأَوَّلُ أَحَقُّ وَإِذَا بَاعَ الْمُجِيزَانِ فَالْأَوَّلُ أَحَقُّ ".
قَالَ الشَّافِعِيُّ: فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْوَكَالَةَ فِي النِّكَاحِ وَالْبَيْعِ جَائِزَةٌ وَرَوَى شَبِيبُ بْنُ عُرْوَةَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ قَالَ أَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - دِينَارًا لِيَشْتَرِيَ بِهِ أُضْحِيَّةً فَاشْتَرَى شَاتَيْنِ وَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ وَأَتَاهُ بِشَاةٍ وَدِينَارٍ فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ فَكَانَ لَوِ اشْتَرَى تُرَابًا لَرَبِحَ فِيهِ.
وَرَوَى أَبُو الْحَصِينِ عَنْ شَيْخٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَعَثَ مَعَهُ بِدِينَارٍ لِيَشْتَرِيَ لَهُ أُضْحِيَّةً فَاشْتَرَاهَا بِدِينَارٍ وَبَاعَهَا بِدِينَارَيْنِ فَرَجَعَ فَاشْتَرَى أُضْحِيَّةً بِدِينَارٍ وَجَاءَ بِدِينَارٍ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَتَصَدَّقَ بِهِ وَدَعَا لَهُ أَنْ يُبَارَكَ لَهُ فِي تِجَارَتِهِ.
وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَرَدْتُ الْخُرُوجَ إِلَى خَيْبَرَ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَقُلْتُ: إِنِّي أُرِيدُ الْخُرُوجَ إِلَى خَيْبَرَ فَقَالَ: إِذَا أَتَيْتَ وَكِيلِي فَخُذْ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَسْقًا فَإِنِ ابْتَغَى مِنْكَ آيَةً فَضَعْ يَدَكَ على ترقوته.
وَرُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَكَّلَ أَبَا رَافِعٍ فِي تَزْوِيجِ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ.
وَوَكَّلَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ فِي تَزْوِيجِ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ.
وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَكَّلَ أَخَاهُ عَقِيلًا وَقَالَ إِنَّ لِلْخُصُومَاتِ قُحَمًا وَإِنَّهَا لَتَخْلُفُ وَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُهَا وَإِنِّي إِنْ حضرت خفت وأن أغضب إن غَضِبْتُ خِفْتُ أَلَّا أَقُولَ حَقًّا وَقَدْ وَكَّلْتُ أَخِي عَقِيلًا فَمَا قُضِيَ عَلَيْهِ فَعَلَيَّ وَمَا قُضِيَ لَهُ فَلِي.
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَلَا أَحْسَبُهُ كَانَ تَوْكِيلُهُ إِلَّا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَلَعَلَّ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.
وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَّلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ عِنْدَ عُثْمَانَ لَمَّا كَبُرَ عَقِيلٌ فِي شِرْبٍ كَانَ يُنَازِعُ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ فَرَكِبَ عُثْمَانُ فِي نَفَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَا يَتَحَاكَمَانِ فِيهِ حَتَّى أَصْلَحَ بَيْنَهُمَا فِي الشِّرْبِ فَصَارَ هَذَا إِجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى جَوَازِ الْوَكَالَةِ.
وَلِأَنَّ الْوَكَالَةَ مَعُونَةٌ إِمَّا لِمَنْ أَحَبَّ صِيَانَةَ نَفْسِهِ عَنِ الْبِذْلَةِ فِيهَا وَإِمَّا لِمَنْ عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ بِهَا وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ مُبَاحٌ وَحَاجَةُ النَّاسِ إِلَيْهِ أَشَدُّ مَاسَّةً.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ الْوَكَالَةِ فَالْوَكَالَةُ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ يَنْطَلِقُ عَلَى الْحِفْظِ وَالْمُرَاعَاةِ لِمَا عَلَى الْوَكِيلِ مِنْ حفظ كل فِيهِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا﴾ [النساء: 39] أَيْ حَفِيظًا.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173] أَيِ الْحَفِيظُ.
وَلِأَنَّ الْوَكَالَةَ فِي الشَّرْعِ: إِنَّمَا هِيَ إِقَامَةُ الْوَكِيلِ مَقَامَ مُوَكِّلِهِ فِي الْعَمَلِ الْمَأْذُونِ فيه.
(مسألة)
قال المزني رضي الله عنه: " فَلِلنَّاسِ أَنْ يُوَكِّلُوا فِي أَمْوَالِهِمْ وَطَلَبِ حُقُوقِهِمْ وَخُصُومَاتِهِمْ وَيُوصُوا بِتَرِكَاتِهِمْ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.
وَجُمْلَةُ الْوَكَالَةِ أَنَّهَا لَا تَتِمُّ إِلَّا بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: - بِمُوَكِّلٍ، وَوَكِيلٍ، وَمُوَكَّلٍ فِيهِ.
فَبَدَأَ الْمُزَنِيُّ بِمَا يَصِحُّ فِيهِ التَّوَكُّلُ، فَيَبْدَأُ بِتَفْضِيلِهِ، ثُمَّ يَذْكُرُ الْفَصْلَيْنِ الْآخَرَيْنِ بَعْدَهُ، حَيْثُ ذَكَرَ.
وَجُمْلَةُ الْأَعْمَالِ أَنَّهَا تَنْقَسِمُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ: -
قِسْمٌ يَجُوزُ فِيهِ التَّوْكِيلُ مَعَ الْعَجْزِ وَالْقُدْرَةِ.
وَقِسْمٌ لَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِيهِ، مَعَ الْعَجْزِ وَالْقُدْرَةِ.
وَقِسْمٌ يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِيهِ مَعَ الْعَجْزِ، وَلَا يَجُوزُ مَعَ الْقُدْرَةِ.
وَقِسْمٌ لَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِيهِ مَعَ الْقُدْرَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ التَّوْكِيلِ فِيهِ مَعَ الْعَجْزِ.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ مَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِيهِ، مَعَ الْقُدْرَةِ، وَالْعَجْزِ فَهُوَ مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ الْأَمْوَالِ، أَوْ مَا يَجْرِي مَجْرَى الْأَمْوَالِ.
فَأَمَّا حُقُوقُ الْأَمْوَالِ فَمِنْهَا مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى كَالزَّكَوَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي إِخْرَاجِهَا، وَتَفْرِقَتِهَا.
وَمِنْهَا مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ فَتَارَةً تَكُونُ عَقْدًا كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَتَارَةً تَكُونُ نَقْدًا كَالْقَرْضِ وَالْحَوَالَةِ وَتَارَةً يَكُونُ رِفْقًا كَالْعَارِيَّةِ وَالْوَدِيعَةِ، وتارة يكون تركا كالإبراء والمسامحة، وتارة يكون أخذا كالقبض والمطالبة وتارة يكون فضلا كالشركة والمضاربة وتارة يكون عَمَلًا كَالْبِنَاءِ وَالْعِمَارَةِ فَحُقُوقُ الْأَمْوَالِ تَتَنَوَّعُ عَلَى هَذِهِ الْأَحْوَالِ السَّبْعِ وَالتَّوْكِيلُ فِي جَمِيعِهَا جَائِزٌ.
وأما ما يجري مجرى الأموال فتارة يكون عقدا كالنكاح والرجعة وتارة يكون حلا كالطلاق والعتق، وتارة يكون اسْتِيثَاقًا كَإِثْبَاتِ الْحُجَجِ وَالْبَيِّنَاتِ وَالدَّعَاوَى وَالْمُخَاصَمَاتِ فَهَذَا كُلُّهُ يَجُوزُ فِيهِ التَّوْكِيلُ إِلَّا اسْتِيفَاءَ الْحُدُودِ وَإِثْبَاتَهَا عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ.
(فَصْلٌ)
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي وَهُوَ مَا لَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِيهِ مَعَ الْقُدْرَةِ وَالْعَجْزِ، فَهُوَ مَا كَانَ مِنَ الْعِبَادَاتِ الَّتِي وُضِعَتْ إِخْلَاصًا كَالصَّلَاةِ أَوْ زَجْرًا كَالْأَيْمَانِ وَاللِّعَانِ.
فَأَمَّا الطَّهَارَةُ فَتَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ:
قِسْمٌ يَجُوزُ فِيهِ التَّوْكِيلُ وَالنِّيَابَةُ وَهُوَ إِزَالَةُ النَّجَاسَةِ.
وَقِسْمٌ لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّوْكِيلُ وَهُوَ رَفْعُ الْحَدَثِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الْإِخْلَاصُ وَالْعَمَلُ بِالنِّيَّةِ فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أُمِرَ عَلَى أَعْضَاءِ رَجُلٍ بِأَمْرٍ وَنَوَى الْمَغْسُولُ أَعْضَاؤُهُ الطَّهَارَةَ لِلصَّلَاةِ جَازَ وَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ وَكَالَةً وَكَانَتْ مَعُونَةً كَمَا يُعَاوِنُهُ بِاسْتِقَاءِ الْمَاءِ وَبِإِعَارَةِ ثَوْبٍ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنَ الطَّهَارَةِ مَا سَقَطَ فَرْضُهُ بِفِعْلِ الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ وَكَالَةً وَهُوَ غُسْلُ الْمَيِّتِ وَهُوَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ.
فَإِذَا فَعَلَهُ أَحَدُهُمْ أَسْقَطَ بِهِ الْفَرْضَ عَنْ غَيْرِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَكِيلًا.
وَمِنْ هَذَا القسم اختيار
الزَّوْجَاتِ فِي مَنْ أَسْلَمَ عَنْ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ لَا تَصِحُّ فِيهِ الْوَكَالَةُ لِأَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى شَهَوَاتِ النُّفُوسِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ)
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ مَا يَجُوزُ فِيهِ التَّوْكِيلُ مَعَ الْعَجْزِ وَلَا يَجُوزُ مَعَ الْقُدْرَةِ وَهُوَ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ وَقَدْ مَضَى مِنْ حُكْمِ النِّيَابَةِ فِيهِمَا مَا يُغْنِي عَنْ زِيَادَةٍ فِيهِ وَيَكُونُ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ يَفْعَلُهَا النَّائِبُ تَبَعًا لِأَرْكَانِ الْحَجِّ وَإِنْ كَانَتِ الصَّلَاةُ مِمَّا لَا تَصِحُّ فِيهَا النِّيَابَةُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ)
وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ وَهُوَ مَا لَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ مَعَ الْقُدْرَةِ وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي جَوَازِ التَّوْكِيلِ فِيهِ مَعَ الْعَجْزِ فَهُوَ الصِّيَامُ فَإِنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْفَرْضُ حَيًّا لَمْ يَجُزِ الصِّيَامُ عَنْهُ سَوَاءٌ كَانَ عَاجِزًا أَوْ مُطِيقًا، وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا كَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ فِي الْقَدِيمِ يَجُوزُ الصِّيَامُ عَنْهُ لخير رُوِيَ فِيهِ وَرَجَعَ عَنْهُ فِي الْجَدِيدِ، وَمَنَعَ مِنَ الصِّيَامِ عَنْهُ لِضَعْفِ الْخَبَرِ وَاحْتِمَالِ التَّأْوِيلِ فِيهِ إِنْ صَحَّ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا فَلَا بُدَّ فِي عَقْدِ الْوَكَالَةِ مِنْ لَفْظٍ تَنْعَقِدُ بِهِ الْوَكَالَةُ وَأَنْ يَكُونَ مُقَارِنًا لِذِكْرِ مَا وَقَعَتْ فِيهِ الْوَكَالَةُ ثُمَّ قَبُولُ الْوَكَالَةِ فَتَتِمُّ الْوَكَالَةُ بِهَذِهِ الشُّرُوطِ الثَّلَاثَةِ شَرْطَانِ مِنْهَا مِنْ جِهَةِ الْمُوَكِّلِ وَهُمَا: اللَّفْظُ بِالْوَكَالَةِ وَذِكْرُ الْمُوَكَّلِ فِيهِ.
وَالثَّالِثُ: مِنْ جِهَةِ الْوَكِيلِ وَهُوَ الْقَبُولُ
فَأَمَّا الشَّرْطُ الْأَوَّلُ وَهُوَ لَفْظُ الْعَقْدِ فَيَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: -
قِسْمٌ هُوَ صَرِيحُ الْعَقْدِ.
وَقِسْمٌ هُوَ مَقْصُودُ الْعَقْدِ.
وَقِسْمٌ يَخْرُجُ مِنَ الْأَمْرَيْنِ فَلَا يَكُونُ صَرِيحًا وَلَا مَقْصُودًا.
فَأَمَّا صَرِيحُ الْعَقْدِ فَهُوَ أَنْ يَقُولَ قَدْ وَكَّلْتُكَ وَأَنْتَ وَكِيلِي أَوْ قَدْ جَعَلْتُكَ لِي وَكِيلًا فَيَصِحُّ عَقْدُ الْوَكَالَةِ بِهَذَا اللَّفْظِ لِكَوْنِهِ صَرِيحًا فِيهِ لِمَفْهُومِ الْمُرَادِ بِهِ.
وَأَمَّا مَقْصُودُ الْعَقْدِ فَهُوَ أَنْ يَقُولَ قَدْ أَقَمْتُكَ مَقَامِي أَوْ قَدْ جَعَلْتُكَ نَائِبًا عَنِّي فَيَصِحُّ عَقْدُ الوكالة بهذا اللفظ أيضا لأن هُوَ الْمَقْصُودُ بِاللَّفْظِ، وَالصَّرِيحُ فِيهَا فَكَانَ أَحَقَّ بِصِحَّةِ الْعَقْدِ، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ قَدِ اسْتَنَبْتُكَ صَحَّ الْعَقْدُ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ نِيَابَةٌ، وَلَكِنْ لَوْ قَالَ سَأُوَكِّلُكَ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُ مُحْتَمَلٌ وَهَكَذَا لَوْ قَالَ أُوَكِّلُكَ لِأَنَّهُ مَوْعِدٌ.
وَأَمَّا الْخَارِجُ عَنِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ صَرِيحٍ وَمَقْصُودٍ فَهُوَ أَنْ يَقُولَ: قَدْ عَوَّلْتُ عَلَيْكَ فَلَا يَصِحُّ عَقْدُ الْوَكَالَةِ لِاحْتِمَالِهِ أَنْ يَكُونَ مُعَوَّلًا عَلَى رَأْيِهِ أَوْ مَعُونَتِهِ أَوْ نِيَابَتِهِ.
وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: قَدِ اعْتَمَدْتُ عَلَيْكَ أَوِ اسْتَكْفَيْتُ إِلَى مَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُحْتَمِلَةِ لَا يَصِحُّ الْعَقْدُ بِهَا إِلَّا أَنْ يُضَمَّ إِلَيْهَا أَحَدُ أَلْفَاظِ الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ فَيَصِحَّ.
(فَصْلٌ)
وَأَمَّا الشَّرْطُ الثَّانِي: وَهُوَ ذِكْرُ مَا وُكِّلَ فِيهِ فَيَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: -
قِسْمٌ يَكُونُ عَامًّا فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا.
وَقِسْمٌ يَكُونُ خَاصًّا فِي حَالٍ بِعَيْنِهَا.
وَقِسْمٌ يَكُونُ عَامًّا في وجه وخاصا فِي وَجْهٍ.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ الْعَامُّ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا فَصُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ: قَدْ وَكَّلْتُكَ فِي كُلِّ شَيْءٍ أَوْ قَدْ وَكَّلْتُكَ بِكُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ أَوْ قَدْ وَكَّلْتُكَ فِي فِعْلِ مَا رَأَيْتَهُ صَلَاحًا فِي مَالِي.
فَهَذِهِ وَكَالَةٌ بَاطِلَةٌ لِلْجَهْلِ بِهَا وَمُضَادَّةُ الِاحْتِمَالِ فِيهَا لِأَنَّهُ قَدْ يَحْتَمِلُ التَّوْكِيلَ فِي حِفْظِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَيَحْتَمِلُ بَيْعَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَهُمَا ضِدَّانِ مُتَبَايِنَانِ فَبَطَلَتِ الْوَكَالَةُ مِنْ أَجْلِهِ وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي وَهُوَ الْخَاصُّ فِي حَالٍ بِعَيْنِهَا فَصُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ: قَدْ وَكَّلْتُكَ فِي بَيْعِ هَذَا الْعَبْدِ أَوْ فِي شِرَاءِ هَذِهِ الدَّارِ أَوْ فِي اقْتِضَاءِ هَذَا الدَّيْنِ أَوْ فِي تَثْبِيتِ هَذِهِ الْوَصِيَّةِ أَوْ فِي مُخَاصَمَةِ هَذَا الْمُدَّعِي فَتَصِحُّ الْوَكَالَةُ خُصُوصًا فِي الْمَأْذُونِ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ
وَهَذَا مَا وَافَقَ عَلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَإِنْ خَالَفَ فِي الْوَصِيَّةِ فَإِنَّ أبا حنيفة يَجْعَلُ الْوَصِيَّ فِي شَيْءٍ وَصِيًّا فِي كُلِّ شَيْءٍ وَلَا يَجْعَلُ الْوَكِيلَ فِي شَيْءٍ وَكِيلًا في كل شيء وعند الشافعي أنهما سواء في أن عملهما مقصور على المأذون فيه دون غيره.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ الْعَامُّ مِنْ وَجْهٍ الْخَاصُّ مِنْ وَجْهٍ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يكون خصوصة بجعل العموم معلوما فتصبح فِيهِ الْوَكَالَةُ كَقَوْلِهِ قَدْ وَكَّلْتُكَ فِي بَيْعِ كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ مِنْ مَالِي لِأَنَّ تَخْصِيصَ الْبَيْعِ قَدْ جَعَلَ الْمُرَادَ بِعُمُومِ مَالِهِ مَعْلُومًا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَصِيرَ الْعُمُومُ بِمَا ذَكَرَهُ مِنَ التَّخْصِيصِ مَعْلُومًا فَالْوَكَالَةُ فِيهِ بَاطِلَةٌ كَقَوْلِهِ قَدْ وَكَّلْتُكَ فِي شِرَى مَا رَأَيْتَ بِكُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ مِنْ مَالِي لِأَنَّ جِنْسَ مَا يَشْتَرِيهِ بِمَالِهِ لَا يَصِيرُ مَعْلُومًا فَبَطَلَتِ الْوَكَالَةُ فِيهِ.
وَهَكَذَا لَوْ قَالَ اشْتَرِ لِي بِهَذَا الْأَلْفِ مَا رَأَيْتَ مِنَ الْعُرُوضِ أَوْ مَا عَلِمْتَ فِيهِ حَظًّا مِنَ الْإِبْرَاءِ كَانَتِ الْوَكَالَةُ فِيهِ بَاطِلَةً إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَقْصُودُهُ طَلَبَ الرِّبْحِ دُونَ التَّمْلِيكِ.
فَيَجُوزُ كَالْمُضَارَبَاتِ فَإِنْ قِيلَ أَلَيْسَ لَوْ دَفَعَ فِي الْمُضَارَبَةِ مَالًا يَشْتَرِي بِهِ الْعَامِلُ مَا رَأَى فِيهِ صَلَاحًا جَازَ فَهَلَّا جَازَ مِثْلُهُ فِي الْوَكَالَةِ؟ قِيلَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَقْصُودَ فِي الْمُضَارَبَةِ طَلَبُ الرِّبْحِ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ اخْتِلَافُ الْأَجْنَاسِ فَكَانَ الْمَقْصُودُ مَعْلُومًا فَصَحَّ.
وَالْمَقْصُودُ فِي الْوَكَالَةِ تَمَلُّكُكَ الْعَيْنَ الْمُشْتَرَاةَ وَإِطْلَاقُ ذَلِكَ مَعَ اخْتِلَافِ الْأَجْنَاسِ لَا يَجْعَلُ الْمَقْصُودَ مِنْهَا مَعْلُومًا
فبطل فعلى هذه الأصول يكون جواب ما تضمنه الموكل فاعتبره بها يتقرر لكل الحكم فيه فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ لَهُ: قَدْ وَكَّلْتُكَ في شراء عَبْدٍ لَمْ يَصِحَّ حَتَّى يَصِفَهُ بِمَا يَتَمَيَّزُ لِلْوَكِيلِ مُرَادُهُ فِي الْعَبْدِ مِنْ ذِكْرِ جِنْسِهِ وَنَوْعِهِ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِ صِفَتِهِ الْمُسْتَحَقَّةِ فِي السِّلْمِ لِأَنَّهُ يُضَيِّقُ عَلَى النَّاسِ فَلَوْ قال له قد وكلتك في شراء من رأيت من العبيد أو في شراء مَا رَأَيْتَ مِنَ الْخَيْلِ لَمْ يَجُزْ لِاخْتِلَافِ الْعَبِيدِ وَالْخَيْلِ وَجَهْلِ الْوَكِيلِ بِالْمَقْصُودِ مِنْهَا وَهَكَذَا لَوْ قَالَ:
بِعْ مَنْ رَأَيْتَ مِنْ عَبِيدِي أَوْ بِعْ مَا رَأَيْتَ مِنْ خَيْلِي، لَمْ يَجُزْ سَوَاءٌ ذَكَرَ الْعَدَدَ أَوْ لَمْ يَذْكُرْ حَتَّى يَتَمَيَّزَ الْمَبِيعُ وَالْمُشْتَرَى مِنْ غَيْرِهِ بِصِفَةٍ أَوْ إِشَارَةٍ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَجُوزُ أَنْ يوكله في شراء عبد أَوْ ثَوْبٍ وَإِنْ لَمْ يُشِرْ إِلَى صِفَاتِهِ اعْتِمَادًا عَلَى رَأْيِ وَكِيلِهِ الْمُوَكَّلِ وَلَا يَجُوزُ عَلَى الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ عَقْدُ الْوَكَالَةِ وَبَيَانُ الْوَكِيلِ حَتَّى يَقْتَرِنَ بِهِ عَلَى الْفَوْرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
".
(فَصْلٌ)
وَأَمَّا الشَّرْطُ الثَّالِثُ وَهُوَ قَبُولُ الْوَكِيلِ فَهُوَ عَلَى التَّرَاخِي مَا لَمْ يَتَعَيَّنْ زَمَانُ الْعَمَلِ الَّذِي وَكَّلَ فِيهِ فَإِنْ تَعَيَّنَ زَمَانُهُ وَخِيفَ فَوَاتُهُ كَانَ قَبُولُ الْوَكَالَةِ عَلَى الْفَوْرِ وَكَذَلِكَ لَوْ عَرَضَهَا الْحَاكِمُ عَلَيْهِ عِنْدَ ثُبُوتِهَا عِنْدَهُ صَارَ قَبُولُهَا عَلَى الْفَوْرِ أَيْضًا وَقَبُولُهَا فِيمَا سِوَى هَذَيْنِ عَلَى التَّرَاخِي.
وَقَالَ أَبُو حَامِدٍ الْمَرْوَزِيُّ: قَبُولُ الْوَكَالَةِ عَلَى الْفَوْرِ لِأَنَّهَا عَقْدٌ فَجَرَتْ مَجْرَى سَائِرِ الْعُقُودِ.
وَهَذَا خَطَأٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْوَكَالَةَ لَهُ إِذْنٌ بِالتَّصَرُّفِ فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَعْجِيلِ الْقَبُولِ كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْوَكَالَةَ نِيَابَةٌ كَالْوَصِيَّةِ ثُمَّ جَازَ أَنْ يَكُونَ الْقَبُولُ فِي الْوَصِيَّةِ عَلَى التَّرَاخِي وَكَذَلِكَ الْوَكَالَةُ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ وَكَّلَهُ بِمُكَاتَبَةٍ جَازَ لَوْ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ صِحَّةُ الْكِتَابِ أَنْ يَكُونَ قَبُولُهُ عَلَى التَّرَاخِي فَكَذَلِكَ فِي الْمُشَافَهَةِ.
فَإِذَا اسْتَكْمَلَ هَذِهِ الشُّرُوطَ فَقَدْ تَمَّتِ الْوَكَالَةُ سَوَاءٌ أَشَهِدَ الْمُوَكِّلُ عَلَى نَفْسِهِ بِهَا أَمْ لَا.
لِأَنَّ الشَّهَادَةَ إِنَّمَا هِيَ حُجَّةٌ فِي ثُبُوتِ وَكَالَتِهِ وَلَيْسَتْ شَرْطًا في صحتها.
فلو كَانَ الْوَكِيلُ غَائِبًا فِي وَقْتَ الْوَكَالَةِ، فَشَهِدَ بِوَكَالَتِهِ شَاهِدَانِ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَإِنْ صَدَّقَهَا جَازَ لَهُ قَبُولُهَا وَالْعَمَلُ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَقَعْ فِي نَفْسِهِ صِدْقُهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَعْمَلَ بها وليس قبول الحاكم لها بمعنى عَنْ تَصْدِيقِهِ.
وَلَوْ رَدَّهَا الْحَاكِمُ لِمَعْنًى أَوْجَبَ رَدَّ شَهَادَتِهِمَا وَوَقَعَ فِي نَفْسِ الْوَكِيلِ صِدْقُهُمَا جاز له
قَبُولُهَا وَالْعَمَلُ بِهَا وَلَيْسَ رَدُّ الْحَاكِمِ لَهَا بِمَانِعٍ مِنْ عَمَلِ الْوَكِيلِ بِقَوْلِهِمَا لِأَنَّ قَوْلَهُمَا عِنْدَهُ خَبَرٌ وَعِنْدَ الْحَاكِمِ شَهَادَةٌ.
فَإِذَا سَأَلَ الْوَكِيلُ مُوَكِّلَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِوَكَالَتِهِ نُظِرَ فَإِنْ كَانَتِ الْوَكَالَةُ فِيمَا إِذَا جَحَدَهَا الْمُوَكِّلُ تَعَلَّقَ بِالْوَكِيلِ فِيهَا زَائِدَةُ ضَمَانٍ كَالْبَيْعِ إِنْ لَزِمَهُ الْمُوَكِّلُ لَزِمَهُ الْوَكِيلُ ضَمَانُ مَا أُقْبِضَ مِنَ الْمَبِيعِ أَوْ كَالشِّرى إِنْ جَحَدَهُ الْمُوَكِّلُ لَزِمَ الْوَكِيلَ الْمُشْتَرِي أَوْ كَفِيلُ الْأَمْوَالِ يَلْزَمُهُ مَعَ الْجُحُودِ الضَّمَانُ أَوْ كَقَضَاءِ الدُّيُونِ يلزمه مع الجحود غرم مَا قُضِيَ.
فَوَاجِبٌ عَلَى الْمُوَكِّلِ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى الْوَكِيلِ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْوَكَالَةِ.
وَإِنْ كَانَتِ الْوَكَالَةُ فِيمَا إِنْ جَحَدَهُ الْمُوَكِّلُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالْوَكِيلِ فِيهَا ضَمَانٌ كَالْوَكَالَةِ فِي إِثْبَاتِ الْحُقُوقِ وَالْمُطَالَبَةِ بِالشُّفْعَةِ وَمُقَاسَمَةِ الشُّرَكَاءِ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْمُوَكِّلِ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْوَكَالَةِ ثُمَّ لَا يَجُوزُ عَقْدُ الْوَكَالَةِ عَلَى أَجَلٍ أَوْ شَرْطٍ لِأَنَّ تَعْلِيقَ الْوَكَالَةِ بِالشُّرُوطِ وَالْآجَالِ فَاسِدَةٌ.
فَإِذَا قَالَ: إِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَقَدْ وَكَّلْتُكَ فِي بَيْعِ دَارِي كَانَتِ الْوَكَالَةُ بَاطِلَةً لِعَقْدِهَا إِلَى أَجَلٍ وَلَوْ قَالَ قَدْ وَكَّلْتُكَ فِي بَيْعِ دَارِي إِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ جَازَ، لِأَنَّهُ عَجَّلَ عَقْدَ الْوَكَالَةِ وَإِنَّمَا جَعَلَ رَأْسَ الشَّهْرِ مَحَلًّا لِوَقْتِ الْبَيْعِ.
وَهَكَذَا لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَتْ زَيْنَبُ فَقَدْ وَكَّلْتُكَ فِي طَلَاقِهَا لَمْ يَجُزْ، وَلَوْ قَالَ وَكَّلْتُكَ فِي طَلَاقِ زَيْنَبَ إِنْ شَاءَتْ جَازَ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا ثَبَتَ مَا وَصَفْنَاهُ فَقَدْ يَنْقَسِمُ مَا تَضَمَّنَتْهُ الْوَكَالَةُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: -
أَحَدُهَا: مَا كَانَ عَمَلُ الْوَكِيلِ فِيهِ مَقْصُورًا عَلَى مَا تَضَمَّنَتْهُ الْوَكَالَةُ دُونَ مَقْصُودِهِ، وَهُوَ مَا لَمْ يَكُنْ مَقْصُودُهُ وَاجِبًا عَلَى الْمُوَكِّلِ كَالتَّوْكِيلِ فِي إِثْبَاتِ الْحَدِّ وَالْقِصَاصِ فَلَا يَجُوزُ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْحَدَّ وَالْقِصَاصَ بَعْدَ إِثْبَاتِهِ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَهُ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَى مُوَكِّلِهِ.
وَهَكَذَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي الْمُطَالَبَةِ بِدَيْنٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْضُهُ بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ وَإِنْ وَكُلَّهُ فِي الْمُخَاصَمَةِ فِي دَارٍ يَدَّعِيهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبَضُهَا وَلَوْ وَكَّلَهُ فِي إِثْبَاتِ مَنْفَعَةٍ يَسْتَحِقُّهَا لَمْ يَكُنْ له انتزاعها وكان عمل الوكيل في هذا الْأَحْوَالِ كُلِّهَا مَقْصُورًا عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ الْإِذْنُ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا كَانَ عَمَلُ الْوَكِيلِ فِيهِ مُتَجَاوِزًا إِلَى مَا تَضَمَّنَتْهُ الْوَكَالَةُ مِنْ مَقْصُودِهِ وَهُوَ مَا كَانَ مَقْصُودُهُ وَاجِبًا عَلَى الْمُوَكِّلِ كَالتَّوْكِيلِ فِي بَيْعٍ أَوْ شِرًى فَلَهُ إِذَا عَقَدَ الْبَيْعَ أَنْ يُسَلِّمَ الْمَبِيعَ وَيَتَسَلَّمَ الثَّمَنَ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ لَهُ الْمُوَكِّلُ بِهِ لِأَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ أَوْجَبَ عَلَيْهِ تَسْلِيمَ مَا بَاعَهُ وَهُوَ مَنْدُوبٌ إِلَى أَنْ لَا يُسَلِّمَ الْمَبِيعَ إِلَّا بَعْدَ قَبْضِ ثَمَنِهِ فَلِذَلِكَ جَازَ أَنْ يَتَجَاوَزَ مَا تَضَمَّنَهُ الْعَقْدُ إِلَى تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ وَقَبْضِ ثَمَنِهِ.
وَهَكَذَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي شِرَى سِلْعَةً جَازَ لَهُ أَنْ يَقْبِضَهَا وَيَدْفَعَ ثَمَنَهَا لِأَنَّ عَقْدَ الشِّرَى قَدْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ دَفْعَ الثَّمَنِ وَهُوَ مَنْدُوبٌ إِلَى أَنْ لَا يَدْفَعَ الثَّمَنَ إِلَّا بَعْدَ قَبْضِ الْمَبِيعِ.
فَإِنْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعٍ عَلَى أَنْ لَا يَقْبِضَ الثَّمَنَ مِنَ الْمُشْتَرِي صَحَّتِ الْوَكَالَةُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْضُ الثَّمَنِ.
وَلَوْ وَكَّلَهُ فِيهِ عَلَى أَنْ لَا يُسَلِّمَ الْمَبِيعَ كَانَ فِي الْوَكَالَةِ وَجْهَانِ: ذَكَرَهُمَا أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ فِي إِفْصَاحِهِ أَحَدُهُمَا تَصِحُّ الْوَكَالَةُ كَمَا لَوْ نَهَاهُ عَنْ قَبْضِ الثَّمَنِ فَإِذَا أُخِذَ بِتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ أَخَذَ بِهِ الْمُوَكِّلُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْوَكَالَةَ بَاطِلَةٌ لِأَنَّ إِقْبَاضَ الْمَبِيعِ مِنْ لَوَازِمِ الْبَيْعِ فَإِذَا نَهَاهُ عَنْهُ بَطَلَ التَّوْكِيلُ فِي سَبَبِهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا اخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ فِيهِ هَلْ يَكُونُ عَمَلُ الْوَكِيلِ مَقْصُورًا عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ الْإِذْنُ أَوْ تَجُوزُ لَهُ الْمُجَاوَزَةُ إِلَى مَا أَدَّى إِلَيْهِ وَهُوَ مَا لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ عَمَلِ الْمَأْذُونِ فِيهِ إِلَّا بِهِ كَالْوَكَالَةِ فِي مُقَاسَمَةٍ فِي دَارٍ وَقَبْضِ الْحِصَّةِ مِنْهَا إِذَا جَحَدَ الشَّرِيكُ هَلْ يَجُوزُ لِلْوَكِيلِ الْمُخَاصَمَةُ فِيهَا وَإِثْبَاتُ الْحُجَجِ وَالْبَيِّنَاتِ عَلَيْهَا؟ وَكَالْوَكَالَةِ فِي قَبْضِ دَيْنٍ إِذَا جَحَدَهُ الْمَطْلُوبُ هَلْ يَجُوزُ لِلْوَكِيلِ مُخَاصَمَتُهُ وَإِثْبَاتُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ سُرَيْجٍ تَخْرِيجًا: أَحَدُهُمَا: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَيَكُونُ مَقْصُودُ الْعَمَلِ عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ صَرِيحُ الْإِذْنِ لِأَنَّ مَا يُجَاوِزُهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِيهِ فَشَابَهَ الْقِسْمَ الْأَوَّلَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَصِلُ إِلَى الْعَمَلِ الْمَأْذُونِ فِيهِ إِلَّا بِهِ فَصَارَ بِوَاجِبَاتِهِ أَشْبَهَ كَالْقِسْمِ الثاني والله أعلم.
(مسألة)
قال المزني رضي الله عنه: " وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْوُكَلَاءِ وَلَا عَلَى الْأَوْصِيَاءِ وَلَا عَلَى الْمُودَعِينَ وَلَا عَلَى الْمُقَارِضِينَ إِلَّا أَنْ يَتَعَدَّوْا فَيَضْمَنُوا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ الْأَيْدِي فِي أَمْوَالِ الْغَيْرِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: - يَدٌ ضَامِنَةٌ وَيَدٌ أَمِينَةٌ وَيَدٌ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِيهَا هَلْ هِيَ ضَامِنَةٌ أَوْ أَمِينَةٌ.
فَأَمَّا الْيَدُ الضَّامِنَةُ فَيَدُ الْغَاصِبِ وَالْمُسْتَعِيرِ وَالْمُسَاوِمِ وَالْمُشْتَرِي وَالْمُسْتَقْرِضِ وَكُلُّ هَؤُلَاءِ يَلْزَمُهُمْ ضَمَانُ مَا هَلَكَ بِأَيْدِيهِمْ وَإِنْ كَانَ هَلَاكُهُ بِغَيْرِ تَعَدِّيهِمْ لِأَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ مُتَعَدٍّ بِيَدِهِ أَوْ مُعَارِضٍ عَلَى مَا فِي يَدِهِ.
وَأَمَّا الْيَدُ الْأَمِينَةُ فيه الْوَكِيلِ وَالْمَضَارِبِ وَالشَّرِيكِ وَالْمُودَعِ وَالْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُرْتَهِنِ فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ مَا لَمْ يَتَعَدَّوْا وَيُفْرِطُوا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمْ مُتَعَدٍّ بِيَدِهِ وَلَا مُعَاوِضٌ عَلَى غَيْرٍ وَأَمَّا الْيَدُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا قيد الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ إِذَا هَلَكَ بِيَدِهِ مَا اسْتُؤْجِرَ عَلَى عَمَلِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ فِيهِ وَلَا تَعَدٍّ عَلَيْهِ.
فَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهَا يَدٌ ضَامِنَةٌ يَلْزَمُهَا ضَمَانُ مَا هَلَكَ فِيهَا كَالْمُسْتَعِيرِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّهَا يَدٌ أَمِينَةٌ لَا ضَمَانَ فِيمَا هَلَكَ فِيهَا كَالْمُودَعِ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَالْوَكِيلُ أَمِينٌ فِيمَا بِيَدِهِ لِمُوَكِّلِهِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إِنْ هَلَكَ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُوَكِّلَ قَدْ أَقَامَهُ فِيهِ مَقَامَ نَفْسِهِ وَهُوَ لَا يَلْتَزِمُ ضَمَانَ مَا بِيَدِهِ فَكَذَلِكَ الْوَكِيلُ الَّذِي هُوَ بِمَثَابَتِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْوَكَالَةَ عَقْدُ إِرْفَاقٍ وَمَعُونَةٍ وَفِي تَعَلُّقِ الضَّمَانِ بِهَا مَا يَخْرُجُ عَنْ مَقْصُودِ الْإِرْفَاقِ وَالْمَعُونَةِ فِيهَا.
وَسَوَاءٌ كَانَتِ الْوَكَالَةُ بَعِوَضٍ أَوْ غَيْرِ عِوَضٍ فَكَانَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ يَقُولُ: إِذَا كَانَتْ بَعِوَضٍ جَرَتْ مَجْرَى الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ فَيَكُونُ وُجُوبُ الضَّمَانِ عَلَى قَوْلَيْنِ.
وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّهَا إِذَا خَرَجَتْ عَنْ حُكْمِ الْإِجَارَةِ فِي اللُّزُومِ خَرَجَتْ عَنْ حُكْمِهَا فِي الضَّمَانِ وَاللَّهُ أعلم.
(مسألة)
قال المزني رضي الله عنه: " وَالتَّوْكِيلُ مِنْ كُلِّ مُوَكِّلٍ مِنْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ تَخْرُجُ أَوْ لَا تَخْرُجُ بِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِ عُذْرٍ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَشْتَمِلُ عَلَى
فَصْلَ
يْنِ:
أَحَدُهُمَا: فِي الْخِلَافِ الْمُتَعَلِّقِ بِهَا.
وَالثَّانِي: فِي شَرْحِ الْمَذْهَبِ فِيهَا.
فَأَمَّا الْخِلَافُ الْمُتَعَلِّقُ بِهَا فَتَقْدِيمُهُ أَوْلَى لِيَتَمَهَّدَ عَلَيْهِ الْمَذْهَبُ مَشْرُوحًا وَالْخِلَافُ فِيهَا فِي فَصْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَرْأَةَ يَجُوزُ أَنْ تُوَكِّلَ في المخاصمة خضيرة كَانَتْ أَوْ بَرْزَةً وَقَالَ أبو حنيفة: يَجُوزُ الخضرة الَّتِي لَا تَبْرُزُ أَنْ تُوَكِّلَ وَلَا يَجُوزُ لِلْبَرْزَةِ الَّتِي تَظْهَرُ لِلنَّاسِ أَنْ تُوَكِّلَ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الرَّجُلَ يَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ فِي الْمُخَاصَمَةِ حَاضِرًا كَانَ أَوْ غَائِبًا مَعْذُورًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَعْذُورٍ.
وَقَالَ أبو حنيفة: يَجُوزُ لِلْغَائِبِ وَالْحَاضِرِ الْمَعْذُورِ أَنْ يُوَكِّلَ وَلَا يَجُوزُ لِلْحَاضِرِ غَيْرِ الْمَعْذُورِ أَنْ يُوَكِّلَ.
وَاسْتَدَلَّ أبو حنيفة عليها لتقارب الخلاف بينهما يقول تَعَالَى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [النور: 48] وَمَنِ امْتَنَعَ عَنِ الْحُضُورِ بِالْوَكَالَةِ كَانَ مُعْرِضًا عَنِ الْإِجَابَةِ.
وَبِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ فِي عَهْدِهِ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ آسِ بَيْنَ النَّاسِ فِي وَجْهِكَ وَعَدْلِكَ وَمَجْلِسِكَ وَفِي مُقَابَلَةِ الْخَصْمِ بِالْوَكِيلِ عَدَمُ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ وَلِأَنَّ حُضُورَ الْخَصْمِ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ الْمُدَّعِي بِدَلَالَةِ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ مُلَازَمَةٍ لِلْخُصُومَةِ وَمَنْعِهِ مِنَ اشْتِغَالِهِ وَفِي امْتِنَاعِهِ عَنِ الْحُضُورِ بِالتَّوْكِيلِ إِسْقَاطٌ لِحَقِّ الْمُدَّعِي مِنَ الْحُضُورِ وَلِأَنَّ جَوَابَ الدَّعْوَى مُسْتَحَقٌّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَقَدْ يَكُونُ الْجَوَابُ تَارَةً إِقْرَارًا وتارة
إِنْكَارًا وَالْوَكِيلُ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الْإِنْكَارِ دُونَ الْإِقْرَارِ.
فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَبْطُلَ بِالتَّوْكِيلِ حَقُّهُ فِي أَحَدِ الْجَوَابَيْنِ وَمَا قَدْ يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الْيَمِينِ الَّتِي لَا يَنُوبُ الْوَكِيلُ عَنْهُ فِيهَا وَلِأَنَّ الْوَكِيلَ فَرْعٌ لِمُوَكِّلِهِ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ هِيَ فَرْعٌ عَلَى شُهُودِ الْأَصْلِ فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْمَعَ شُهُودَ الْفَرْعِ إِلَّا بَعْدَ الْعَجْزِ عَنْ شُهُودِ الْأَصْلِ وَجَبَ أَلَّا يَقْتَنِعَ بِالْوَكِيلِ إِلَّا بَعْدَ الْعَجْزِ عَنِ الْمُوَكِّلِ.
وَلِأَنَّ الْوَكِيلَ نَائِبٌ عَنْ مُوَكِّلِهِ كَالْوَصِيِّ وَالْوَلِيِّ عَلَى الْيَتِيمِ فَلَمَّا ثَبَتَتِ الْوَلَايَةُ لِعَجْزِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ وَجَبَ أَنْ تَصِحَّ الْوَكَالَةُ لِعَجْزِ الْمُوَكِّلِ.
وَدَلِيلُنَا مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ سَمِعَ دَعْوَى حُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ عَلَى يَهُودِ خَيْبَرَ أَنَّهُمْ قَتَلُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ نِيَابَةً عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْلٍ وَوَلِيُّهُ كَانَ حَاضِرًا فَمَا أَنْكَرَ دَعْوَاهُمْ لَهُ مَعَ حضوره فلو كانت وَكَالَةُ الْحَاضِرِ غَيْرَ جَائِزَةٍ لِأَنْكَرَهَا حَتَّى يَبْتَدِئَ الْوَلِيُّ بِهَا أَلَا تَرَاهُ أَنْكَرَ عَلَى مُحَيِّصَةَ حِينَ ابْتَدَأَ بِالْكَلَامِ قَبِلَ حُوَيِّصَةَ وَقَالَ لَهُ كَبِّرْ كَبِّرْ وَلَيْسَ تَقْدِيمُ الْأَكْبَرِ بِوَاجِبٍ وَإِنَّمَا هُوَ أَدَبٌ فَكَيْفَ يَكُفُّ عَنْ إِنْكَارِ مَا هُوَ وَاجِبٌ؟
وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَكَّلَ عَقِيلًا أَخَاهُ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَلَعَلَّهُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَعَلِيٌّ كَانَ حَاضِرًا وَوَكَّلَ أَيْضًا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ حِينَ أَسَنَّ عَقِيلٌ عِنْدَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَكَانَ عَلِيٌّ حَاضِرًا فَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ إِجْمَاعًا عَلَى وَكَالَةِ الْحَاضِرِ وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ صَحَّ تَوْكِيلُهُ إِذَا كَانَ غَائِبًا أَوْ مَرِيضًا صَحَّ تَوْكِيلُهُ وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا صَحِيحًا كَالتَّوْكِيلِ فِي الْعُقُودِ وَاسْتِخْرَاجِ الدُّيُونِ وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ صَحَّ تَوْكِيلُهُ فِي الْعُقُودِ مَعَ الْغَيْبَةِ صَحَّ تَوْكِيلُهُ مَعَ الْحُضُورِ كَالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ وَلِأَنَّهُ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهِ لَا يَخْتَلِفُ بِمَرَضِ الْعَاقِدِ وَصِحَّتِهِ وَحُضُورِهِ وَغَيْبَتِهِ كَسَائِرِ الْعُقُودِ وَلِأَنَّ مَقْصُودَ الْوَكَالَةِ إِنَّمَا هُوَ مَعُونَةُ مَنْ كَانَ ضَعِيفًا أَوْ صِيَانَةُ مَنْ كَانَ مَهِيبًا وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي غَيْرِ الْمَعْذُورِ كَوُجُودِهِ فِي الْمَعْذُورِ.
فَأَمَّا جَوَابُهُ عَنِ الْآيَةِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَنْ وَكَّلَ عَنْ نَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ مُعْرِضًا عَنِ الْإِجَابَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ دَعَا إِلَى الدَّيْنِ وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَصِحُّ فِيهِ التَّوْكِيلُ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ عَمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَهُوَ أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْوَكَالَةَ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ إِبْطَالُ التَّسَاوِي.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ إِنَّ حُضُورَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِ الْمُدَّعِي فَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَوْ خَرَجَ مِنَ الدَّعْوَى بِغَيْرِ حُضُورٍ سَقَطَتِ الْمُطَالَبَةُ عَنْهُ ولو حضر من بغير
خروج لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ فَثَبَتَ أَنَّ حَقَّ الْمُدَّعِي فِي الْخُرُوجِ فِي الدَّعْوَى لَا فِي حُضُورِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ وَلَا لِلْمُدَّعِي قَطْعُهُ عَنِ اشْتِغَالِهِ إِذَا خَرَجَ مِنَ الدَّعْوَى أَوْ وَكَّلَ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ إِنَّ الْجَوَابَ قَدْ يَكُونُ إِقْرَارًا فَهُوَ مَنْ يَخْرُجُ فِي دَيْنِهِ بِالْإِقْرَارِ مَعَ حُضُورِهِ كَانَ مُتَخَرِّجًا بِالْخُرُوجِ مِنَ الْحَقِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ فَهُوَ جَمْعٌ بِغَيْرِ مَعْنًى ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أحدها: أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجُزْ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْمَعَ شُهُودَ الْفَرْعِ بِرِضَا الْخَصْمِ إِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى شُهُودِ الْأَصْلِ وَإِنْ جَازَ أَنْ يَسْمَعَ مِنَ الْوَكِيلِ بِرِضَا الْخَصْمِ مَعَ زَوَالِ الْعُذْرِ دَلَّ عَلَى اعْتِبَارِ الضَّرُورَةِ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِالضَّرُورَةِ فِي الْوَكَالَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ إِلَّا بَعْدَ الْكَشْفِ عَنْ أَحْوَالِ الشُّهُودِ فَمَا لَمْ يُضْطَرَّ إِلَيْهَا لَمْ يُكَلَّفْ سَمَاعَهَا.
وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْمَعَ مِنَ الْخَصْمِ وَلَا يَكْشِفُ عَنْ حَالِهِ فَجَازَ سَمَاعُهُ مِمَّنْ لَمْ يُضْطَرَّ إِلَى السَّمَاعِ مِنْهُ.
وَأَمَّا استدلالهم بالوصي والولي فذلك لأنه نائب عن من لَمْ يَخْتَرْهُ فَلَمْ يَجُزْ إِلَّا مَعَ الضَّرُورَةِ والوكيل نائب عن من اخْتَارَهُ فَجَازَ ارْتِفَاعُ الضَّرُورَةِ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ الْوَكَالَةِ مِنَ الْمَرْأَةِ الْبَرْزَةِ وَغَيْرِ الْبَرْزَةِ وَمِنَ الرَّجُلِ الْمَعْذُورِ وَغَيْرِ الْمَعْذُورِ انْتَقَلَ الْكَلَامُ إِلَى فَصْلَيْنِ: -
أَحَدُهُمَا: مَنْ يَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ.
وَالثَّانِي: مَنْ يَجُوزُ أَنْ يَتَوَكَّلَ.
فَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ وَهُوَ مَنْ يَجُوزُ أَنْ يُوَكَّلَ فَهُوَ أَنَّ كُلَّ مَنْ جَازَ تَصَرُّفُهُ فِي شَيْءٍ تَصِحُّ فِيهِ.
النِّيَابَةُ، جَازَ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ انْقَسَمَتْ أَحْوَالُ النَّاسِ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: -
قِسْمٌ يَجُوزُ تَصَرُّفُهُمْ عَلَى الْأَحْوَالِ كُلِّهَا وَهُمْ مَنْ كَانَ بَالِغًا عَاقِلًا حُرًّا رَشِيدًا فَتَصَرُّفُهُمْ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا جَائِزٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يُوَكِّلُوا إِذَا كَانَ تَصَرُّفُهُمْ تَصَرُّفَ مِلْكٍ لَا نِيَابَةٍ.
فَأَمَّا الْمُتَصَرِّفُ فِيهِ بِنِيَابَةٍ عَنْ غَيْرِهِ فَضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ تَصَرُّفُهُ بِإِذْنِ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ كَالْوَكِيلِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ عَنْ نَفْسِهِ فِيمَا وُكِّلَ فِيهِ إِلَّا بِإِذْنٍ مِنْ مُوَكِّلِهِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ مِنْ تَقْسِيمِ الْأَحْوَالِ فِيهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ تَصَرُّفُهُ بِغَيْرِ إِذْنِ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ كَالْوَصِيِّ وَوَلِيِّ الْيَتِيمِ وَأَبِ الطِّفْلِ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ عَنْ نَفْسِهِ إِنْ شَاءَ فَكِلَا الْأَمْرَيْنِ جَائِزٌ فَهَذَا قِسْمٌ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَنْ لَا يَجُوزُ تَصَرُّفُهُمْ عَلَى الْأَحْوَالِ كُلِّهَا وَهُمُ الصِّبْيَانُ وَالْمَجَانِينُ فَلَا يَجُوزُ تَوْكِيلُهُمْ وَإِنَّمَا يَجُوزُ لِوَلِيِّهِمْ أَنْ يُوَكِّلَ عَنْهُمْ فَلَوْ أَنَّ صَبِيًّا وَكَّلَ ثُمَّ بَلَغَ أَوْ مَجْنُونًا وَكَّلَ ثُمَّ أَفَاقَ كَانَتِ الْوَكَالَةُ بَاطِلَةً لِفَسَادِ وُقُوعِهَا فَلَمْ يَصِحَّ لِجَوَازِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ بَعْدُ.
فَأَمَّا الْعَاقِلُ إِذَا وَكَّلَ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ جُنَّ بَعْدَ تَوْكِيلِهِ فَلَهُ حَالَتَانِ: -
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَطُولَ بِهِ الْجُنُونُ حَتَّى يَصِيرَ إِلَى حَالٍ يُوَلَّى عَلَيْهِ فَالْوَكَالَةُ قَدْ بَطَلَتْ لِأَنَّهُ لَمَّا صَارَ بِالْجُنُونِ بَاطِلَ التَّصَرُّفِ كَانَ تَصَرُّفُ مَنْ تَوَكَّلَ مِنْ جِهَتِهِ أَبْطَلَ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ لَا يَطُولَ بِهِ الْجُنُونُ حَتَّى يُفِيقَ مِنْهُ سَرِيعًا قَبْلَ أَنْ يُوَلَّى عَلَيْهِ فَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ بُطْلَانُ الْوَكَالَةِ لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَا وَسَوَاءٌ صَارَ مَأْلُوفًا أَوْ غَيْرَ مَأْلُوفٍ.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ الْوَكَالَةُ صَحِيحَةٌ لَا تَبْطُلُ لَا سِيَّمَا إِذَا صَارَ مَأْلُوفًا لِأَنَّ قُصُورَ مُدَّتِهِ وَسُرْعَةَ إِفَاقَتِهِ تَجْعَلُهُ عَفْوًا كَأَوْقَاتِ النَّوْمِ لِانْتِفَاءِ الْخَوْفِ عَنْهُ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَنْ يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ عَلَى حَالٍ دُونَ حَالٍ وَفِي شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ وَهُمْ ثَلَاثَةٌ السَّفِيهُ وَالْمُفْلِسُ وَالْعَبْدُ.
فَأَمَّا السَّفِيهُ فَيَجُوزُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالطَّلَاقِ وَالْخُلْعِ وَالرَّجْعَةِ وَقَبُولِ الْوَصِيَّةِ وَالْهِبَةِ فَيَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ.
وَلَا يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ فِيمَا سِوَاهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ فِيهِ.
وَأَمَّا الْمُفْلِسُ فَيَجُوزُ تَصَرُّفُهُ فِيمَا سِوَى الْمَالِ الَّذِي فِي يَدِهِ لِأَنَّ حَجْرَ الْمُفْلِسِ إِنَّمَا تَنَاوَلَ مَا بِيَدِهِ مِنَ الْمَالِ دُونَ غَيْرِهِ.
فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ فِي الْمَالِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ فِيهِ لِبُطْلَانِ تَصَرُّفِهِ فِيهِ وَيَجُوزُ أَنْ يُوَكَّلَ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ عَقْدِ بَيْعٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ غَيْرِهِ.
وَأَمَّا الْعَبْدُ فَتَصَرُّفُهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَا لَا يَفْتَقِرُ فِيهِ إِلَى إِذْنِ السَّيِّدِ كَالطَّلَاقِ وَالْخُلْعِ وَالرَّجْعَةِ وَقَبُولِ الْوَصِيَّةِ وَالْهِبَةِ، فَيَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ فِيهِ إِنْ بَاعَهُ السَّيِّدُ لَمْ تَبْطُلِ الْوَكَالَةُ وَكَذَلِكَ لَوْ أَعْتَقَهُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا يَفْتَقِرُ إِلَى إِذْنِ السَّيِّدِ وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَا يَصِيرُ فِيهِ بِالْإِذْنِ مُتَصَرِّفًا فِي حَقِّ نَفْسِهِ دُونَ سَيِّدِهِ كَالنِّكَاحِ.
فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ فِيهِ عَنْ نَفْسِهِ إِذَا أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ فِيهِ فَلَوْ بَاعَهُ السَّيِّدُ بَطَلَتِ الْوَكَالَةُ لِانْتِقَالِ الْحَقِّ إِلَى غَيْرِهِ وَلَوْ أَعْتَقَهُ لَمْ تَبْطُلِ الْوَكَالَةُ لِانْتِقَالِ الْحَقِّ إِلَى نفسه.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا يَكُونُ بِالْإِذْنِ مُتَصَرِّفًا فِي حَقِّ مُسْتَنِيبِهِ كَالْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ فَيَكُونُ فِي التِّجَارَةِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِيهَا بِمَثَابَةِ الْوَكِيلِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ فِيمَا يَقْدِرُ عَلَى التَّفَرُّدِ بِهِ إِلَّا بِصَرِيحِ إِذْنٍ مِنْ سَيِّدِهِ.
فَإِنْ وَكَلَّهُ بِإِذْنِ السَّيِّدِ صَحَّ التَّوْكِيلُ فَلَوْ بَاعَهُ السَّيِّدُ بَطَلَتِ الْوَكَالَةُ وَكَذَلِكَ لَوْ أَعْتَقَهُ لِأَنَّهَا وَكَالَةٌ فِي نَفْسِهِ وَحَقِّ السَّيِّدِ.
فَأَمَّا الْمُكَاتَبُ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ بِإِذْنِ السَّيِّدِ وَغَيْرِ إِذْنِهِ لِجَوَازِ تَصَرُّفِهِ بِإِذْنٍ وَغَيْرِ إِذْنٍ.
فلو وكل وكيلا عَجَزَ الْمُكَاتَبُ وَصَارَ رَقِيقًا بَطَلَتِ الْوَكَالَةُ لِأَنَّهَا وَكَالَةٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ.
فَلَوْ أَدَّى وَعَتَقَ كَانَتِ الْوَكَالَةُ عَلَى حَالِهَا لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ اخْتِصَاصِهَا بِحُقِّ نَفْسِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ)
وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي وَهُوَ فِي مَنْ يَجُوزُ أَنْ يَتَوَكَّلَ لِغَيْرِهِ فَيَصِيرَ وَكِيلًا فَهُوَ أَنَّ كُلَّ مَنْ مَلَكَ التَّصَرُّفَ فِي شَيْءٍ تَصِحُّ فِيهِ النِّيَابَةُ، جَازَ أَنْ يَكُونَ وَكِيلَ غَيْرِهِ فِيهِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَأَحْوَالُ النَّاسِ تَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مَنْ يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ فِي عُمُومِ الْأَحْوَالِ وَهُوَ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ الْحُرُّ الرَّشِيدُ فَيَجُوزُ أَنْ يَتَوَكَّلَ فِي كُلِّ مَا تَصِحُّ فِيهِ الْوَكَالَةُ.
فَأَمَّا الْفَاسِقُ فَتَصِحُّ وَكَالَتُهُ فِيمَا لَا وِلَايَةَ فِيهِ.
فَأَمَّا مَا فِيهِ وِلَايَةٌ فَضَرْبَانِ: ضَرْبٌ تَكُونُ وِلَايَتُهُ عَلَى غَيْرِ الْإِذْنِ فِيمَا عليه وولي الْيَتِيمِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ وَكِيلًا لَهُ وَلَا قَيِّمًا عَلَيْهِ.
وَضَرْبٌ تَكُونُ وِلَايَتُهُ عَلَى الْإِذْنِ كَالنِّكَاحِ فَإِنْ كَانَ التَّوْكِيلُ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ جَازَ أَنْ يُوَكِّلَ فَاسِقًا لِأَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ فِي حَقِّ الزَّوْجِ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى وَلَايَةٍ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا هِيَ نِيَابَةٌ عَنْهُ.
وَإِنْ كَانَ التَّوْكِيلُ مِنْ جِهَةِ وَلِيِّ الزَّوْجَةِ فَفِي جَوَازِ تَوْكِيلِهِ الْفَاسِقَ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ تَوْكِيلُهُ لِمَا فِيهِ فِي الْوَلَايَةِ الَّتِي يُنَافِيهَا الْفِسْقُ:
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ تَوْكِيلُهُ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ وَلَيْسَ بِمُطْلَقِ الْوَلَايَةِ.
فَأَمَّا الْكَافِرُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَكَّلَ فِيمَا فِيهِ وِلَايَةٌ عَلَى مُسْلِمٍ وَلَا فِي نِكَاحِ مُسْلِمٍ لَا مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ وَلَا مِنْ جِهَةِ الزَّوْجَةِ لِأَنَّ نِكَاحَ الْمُسْلِمِ لَا يَنْعَقِدُ بِكَافِرٍ بِحَالٍ.
وَلَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَكِيلًا فِي نِكَاحِ كَافِرٍ.
وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَكِيلًا فِي طَلَاقِ مُسْلِمٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الطَّلَاقَ.
وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ طَلَاقَ مسلمة.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ فِي عُمُومِ الْأَحْوَالِ وَهُوَ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَتَوَكَّلَا لِأَحَدٍ فَمَنْ وَكَّلَهُمَا كَانَتِ الْوَكَالَةُ بَاطِلَةً، فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا وَكَّلَ عَاقِلًا ثُمَّ جُنَّ الْوَكِيلُ كَانَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي جُنُونِ الْمُوَكِّلِ إِنِ اسْتَدَامَ بِهِ إِلَى حَالٍ يَصِيرُ مُوَلًّى عَلَيْهِ بَطَلَ تَوْكِيلُهُ، وَإِنْ أَفَاقَ مِنْهُ قَرِيبًا بَطَلَتْ وَكَالَتُهُ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَجَازَتْ عَلَى قَوْلِ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَنْ يَجُوزُ تَصَرُّفُهُمْ فِي شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ وَهُمْ ضَرْبَانِ: -
أَحَدُهُمَا: مَنْ مُنِعَ التَّصَرُّفَ لِحَقِّ نَفْسِهِ كَالسَّفِيهِ يَجُوزُ أَنْ يَتَوَكَّلَ فِيمَا يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ فِيهِ مِنَ الطَّلَاقِ وَالْخُلْعِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَكَّلَ فِيمَا لَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ مِنْ بَيْعٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ لَمَّا بَطَلَتْ عُقُودُهُ بِالسَّفَهِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ كَانَ أَوْلَى أَنْ تَبْطُلَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَنْ مَنَعَ مِنْ إِطْلَاقِ التَّصَرُّفِ لِحَقِّ غَيْرِهِ كَالْعَبْدِ الْمَمْنُوعِ مِنَ التَّصَرُّفِ لِحَقِّ سَيِّدِهِ لَا لِعَدَمِ رُشْدِهِ فَلِلسَّيِّدِ مَنْعُهُ أَنْ يَتَوَكَّلَ لِغَيْرِهِ فِيمَا يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ فِيهِ وَمَا لَا يَجُوزُ لِمَا فِي تَشَاغُلِهِ بِالْوَكَالَةِ فِي تَفْوِيتِ مَنَافِعِ السَّيِّدِ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ جَازَ أَنْ يَتَوَكَّلَ لِسَيِّدِهِ وَغَيْرِ سَيِّدِهِ.
ثُمَّ لَا يَخْلُو مَا يُوَكَّلُ فِيهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَعْنًى مِنْ مَعَانِي الْوِلَايَاتِ كَعُقُودِ الْبِيَاعَاتِ وَالْإِجَازَةِ، وَالدَّعْوَى وَالْمُخَاصَمَاتِ فَيَجُوزُ أَنْ يَتَوَكَّلَ فِيهَا وَإِنْ كَانَ فِيهَا مِنْ مَعَانِي الْوِلَايَاتِ، فَإِنْ كَانَتْ عَلَى غَيْرِ الْمُوَكِّلِ كَالْوِلَايَةِ عَلَى طِفْلٍ أَوْ فِي مَالِ يَتِيمٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ وَكِيلًا فِيهِ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى الْمُوَكِّلِ كَالنِّكَاحِ فَإِنْ تَوَكَّلَ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ صَحَّ وَإِنْ تَوَكَّلَ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجَةِ كَانَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْوَجْهَيْنِ فَلَوْ تَوَكَّلَ الْعَبْدُ فِيمَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ وَكِيلًا فِيهِ ثُمَّ بَاعَهُ السَّيِّدُ بَطَلَتِ الْوَكَالَةُ لِمَا قَدْ مَلَكَهُ الْمُشْتَرِي مِنْ مَنَافِعِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ قَدْ تَوَكَّلَ لِسَيِّدِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ فَإِنْ جَدَّدَ لَهُ الْمُشْتَرِي إِذْنًا بِالْوَكَالَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَهَلْ يَحْتَاجُ إِلَى تَجْدِيدِ إِذْنٍ مِنَ الْمُوَكِّلِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَجْدِيدِ إِذْنِهِ وَيَصِيرُ عَلَى وَكَالَتِهِ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ إِذْنِ مُوَكِّلِهِ إِذَا جَدَّدَ لَهُ الْمُشْتَرِي إِذْنًا بِالْوَكَالَةِ لِأَنَّ مَنْعَهُ مِنَ الْوَكَالَةِ إِنَّمَا كَانَ لِحَقِّ الْمُشْتَرِي فَارْتَفَعْ بِحُدُوثِ إِذْنِهِ وَحْدَهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَصَحُّ أَنَّ الْوَكَالَةَ قَدْ بَطَلَتْ فَلَا تَصِحُّ إِلَّا بِتَجْدِيدِ إِذْنٍ مِنْ جِهَةِ الْمُوَكِّلِ لِأَنَّ إِبْطَالَهَا قَدْ رَفَعَ أَسْبَابَهَا كَمَا أَنَّ الْعَقْدَ إِذَا بَطَلَ لَمْ يَصِحَّ بِالْإِجَازَةِ حَتَّى يَبْتَدِئَ عَقْدًا صَحِيحًا.
فَأَمَّا إِنْ أَعْتَقَهُ السَّيِّدُ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ وَكِيلًا لِسَيِّدِهِ أَوْ غَيْرِ سَيِّدِهِ فَإِنْ كَانَ وَكِيلًا لِغَيْرِ سَيِّدِهِ لَمْ تَبْطُلِ الْوَكَالَةُ بِعِتْقِهِ وَإِنْ كَانَ وَكِيلًا لِسَيِّدِهِ فَفِي بُطْلَانِ الْوَكَالَةِ بِعِتْقِهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لَا تَثْبُتُ وَكَالَةُ غَيْرِهِ.