يونس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن أبي زَمَنِين
- الكتاب
- تفسير القرآن العزيز
- المؤلف
- أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى بن محمد المري، الإلبيري المعروف بابن أبي زَمَنِين المالكي (المتوفى: 399هـ)
- المحقق
- أبو عبد الله حسين بن عكاشة - محمد بن مصطفى الكنز
- الناشر
- الفاروق الحديثة - مصر/ القاهرة
- الطبعة
- الأولى، 1423هـ - 2002م
- عدد الأجزاء
- 5 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
تَفْسِيرُ سُورَةِ يُونُسَ وَهِيَ مَكِّيَةٌ كلهَا
سُورَة يُونُس من الْآيَة (1) إِلَى الْآيَة (2).
قَوْله عز وَجل: ﴿الر﴾ قَالَ الْحَسَنُ: لَا أَدْرِي مَا تَفْسِير ﴿الر﴾ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ؛ غَيْرَ أَنَّ قَوْمًا مِنَ السَّلَفِ كَانُوا يَقُولُونَ: أَسْمَاءُ السُّور وفواتحها.
﴿تِلْكَ آيَات﴾ هَذِهِ آيَاتُ ﴿الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ الْمُحْكَمِ.
﴿أَكَانَ للنَّاس عجبا﴾ عَلَى الاسْتِفْهَامِ ﴿أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ عَذَابَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ فِي - الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ؛ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا؛ وَهَذَا جوابٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - لِقَوْلِ الْمُشْرِكِينَ حِينَ قَالُوا: ﴿إِن هَذَا لشيءٌ عُجاب﴾ إِنَّهُ لَشَيْءٌ عَجَبٌ.
﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْد رَبهم﴾ يَعْنِي: عَمَلا صَالِحًا يُثَابُونَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: يُقَالُ: لَهُ عِنْدِي قدم صدق.
(ل 136) وَقَدَمُ سوءٍ، وَلَهُ فِي
هَذَا الأَمْرِ قدمٌ صَالِحَةٌ وقدمٌ حَسَنَةٌ وَكَأَنَّهُ قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
(لَكُمْ قدمٌ لَا يُنْكِرُ النَّاسُ فَضْلَهَا ... مَعَ الْحَسَبِ الْعَادِيِّ طَمَّتْ على الْبَحْر}
أَي: ارْتَفَعت.
سُورَة يُونُس من الْآيَة (3) إِلَى الْآيَة (6).
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ يَعْنِي: الْبَعْثَ ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ فِي الْمرجع إِلَيْهِ ﴿إِنَّه يبدؤ الْخلق ثمَّ يُعِيدهُ﴾ أَيْ: يُحْيِيهِ ثُمَّ يُمِيتُهُ، ثُمَّ يبدؤه فيحييه ﴿ليجزي﴾ لَكِي يَجْزِيَ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات بِالْقِسْطِ﴾ بِالْعَدْلِ يَجْزِيهِمُ الْجَنَّةَ ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُم شرابٌ من حميم﴾ وَهُوَ الَّذِي قَدِ انْتَهَى حَرُّهُ.
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَر نورا وَقدره منَازِل﴾ أَيْ: جَعَلَ الْقَمَرَ مَنَازِلَ مِنَ النُّجُومِ، وَهِيَ: ثَمَانِيةٌ وَعِشْرُونَ مَنْزِلَةً فِي كُلِّ شَهْرٍ يَعْنِي: الْقَمَرَ ﴿لِتَعْلَمُوا عدد السنين والحساب﴾ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِك إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ أَيْ: إِنَّ ذَلِكَ يَصِيرُ إِلَى الْمعَاد ﴿يفصل الْآيَات﴾ يبينها ﴿لقوم يعلمُونَ﴾ وهم الْمُؤْمِنُونَ
﴿إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خلق الله فِي السَّمَاوَات﴾ مِنْ شَمْسِهَا وَقَمَرِهَا وَنُجُومِهَا، وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي الأَرْضِ مِنْ جِبَالِهَا وَأَشْجَارِهَا وَثِمَارِهَا وَأَنْهَارِهَا ﴿لآيَاتٍ لقوم يَتَّقُونَ﴾ وهم الْمُؤْمِنُونَ.
سُورَة يُونُس من الْآيَة (7) إِلَى الْآيَة (10).
﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ أَيْ: لَا يَخَافُونَ الْبَعْثَ، وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ؛ لأَنَّهُمْ لَا يُقِرُّونَ بِالْبَعْثِ ﴿وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾ لَا يقرونَ بِثَوَاب الْآخِرَة.
﴿إِن الَّذين آمنُوا وَاعْمَلُوا الصَّالِحَات يهْدِيهم رَبهم بإيمَانهمْ﴾ قَالَ مُحَمَّدٌ: يَعْنِي: يُكُونُ لَهُمْ نورا يَمْشُونَ بِهِ.
﴿دَعوَاهُم فِيهَا﴾ أَيْ: قَوْلُهُمْ فِي الْجَنَّةِ: ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وتحيتهم فِيهَا سَلام﴾ يَعْنِي: يُحَيِّي بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالسَّلامِ، وَتُحَيِّيهِمُ الْمَلائِكَةُ عَنِ اللَّهِ - عَزَّ
وَجل - بِالسَّلَامِ ﴿وَآخر دَعوَاهُم﴾ قَوْلُهُمْ: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمين﴾ أَوَّلُ كَلامِهِمِ التَّسْبِيحُ، وَآخِرُهُ الْحَمْدُ.
يَحْيَى: عَنِ الْحَسَنِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ:
قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يُلْهَمُونَ الْحَمْدَ وَالتَّسْبِيحَ، كَمَا يُلْهَمُونَ النَّفَسَ ".
سُورَة يُونُس من الْآيَة (11) إِلَى الْآيَة (14).
﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ وَهُوَ مَا يَدْعُو بِهِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ، وَلَوِ اسْتَجَابَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - لَهُ لأَهْلَكَهُ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: قِيلَ: الْمَعْنَى: لَوْ عَجَّلَ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ إِذَا دَعَوْا بِهِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَعَلَى أَهْلِيهِمْ وَأَوْلادِهِمْ وَاسْتَعْجَلُوا بِهِ كَمَا يَسْتَعْجِلُونَهُ بِالْخَيْرِ؛ إِذَا سَأَلُوهُ إِيَّاهُ؛ وَهُوَ مَعْنَى قَول يحيى.
﴿وَإِذا مس الْإِنْسَان﴾ يَعْنِي: الْمُشْرِكَ ﴿الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ﴾ أَيْ: وَهُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى جَنْبِهِ ﴿أَو قَاعِدا أَو قَائِما﴾ يَقُولُ: أَوْ دَعَانَا قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضرّ مَسّه﴾ أَيْ: مَرَّ مُعْرِضًا عَنِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - الَّذِي كَشَفَ عَنْهُ الضُّرَّ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: قِيلَ: الْمَعْنَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -: مَرَّ فِي الْعَافِيَةِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُبْتَلَى، وَمَعْنَى (كَأَنْ): كَأَنَّهُ.
﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ يُرِيدُ: مَنْ أُهْلِكَ مِنَ الْقُرُونِ السالفة ﴿لما ظلمُوا﴾ لَمَّا أَشْرَكُوا ﴿وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ أَخْبَرَ بِعِلْمِهِ فِيهِمْ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْم الْمُجْرمين﴾ الْمُشْركين.
﴿ثمَّ جَعَلْنَاكُمْ خلائف﴾ يَعْنِي: خُلَفَاءَ ﴿فِي الأَرْضِ مِنْ بعدهمْ﴾.
سُورَة يُونُس من الْآيَة (15) إِلَى الْآيَة (17).
﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ أَيْ: لَا يُؤْمِنُونَ بِالْبَعْثِ ﴿ائْتِ بقرآن غير هَذَا أَو بدله﴾ أَي: أَو بدل آيَة الرَّحْمَن آيَةَ الْعَذَابِ، أَوْ بَدِّلْ آيَةَ الْعَذَابِ آيَةَ الرَّحْمَةِ.
قَالَ اللَّهُ - عز وَجل - لنَبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أبدله من تِلْقَاء نَفسِي﴾ أَي: من عِنْدِي.
﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ أَيْ: وَلا أَعْلِمُكُمْ بِهِ (فَقَدْ
لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ} مِنْ قَبْلِ الْقُرْآنِ لَا أَدَّعِي هَذِه النُّبُوَّة.
سُورَة يُونُس من الْآيَة (18) إِلَى الْآيَة (20).
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يضرهم﴾ إِنْ لَمْ يَعْبُدُوهُ ﴿وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ إِنْ عَبَدُوهُ ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْد الله﴾ أَيْ: أَنَّ الأَوْثَانَ تَشْفَعُ لَهُمْ - زَعَمُوا - عِنْدَ اللَّهِ؛ لِيُصْلِحَ لَهُمْ مَعَايشهمْ فِي الدُّنْيَا.
(ل 137) [ ... ] بِالْبَعْثِ ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْض﴾ أَيْ: لَا يَعْلَمُ أَنَّ [ ... ] فِي الأَرْض إِلَهًا غَيره ﴿سُبْحَانَهُ﴾ ينزه نَفسه ﴿وَتَعَالَى﴾ مِنَ الْعُلُوِّ ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلا أُمَّةً وَاحِدَة﴾ يَعْنِي: عَلَى الإِسْلامَ مَا بَيْنَ آدَمَ إِلَى نُوحٍ؛ فِي تَفْسِيرِ قَتَادَة ﴿فَاخْتَلَفُوا﴾ لَمَّا أَتَتْهُمُ الأَنْبِيَاءُ، وَكَفَرَ بَعْضُهُمْ ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ تَفْسِيرُ الْحَسَنِ: يَعْنِي: الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ لَوْلا أَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - قَضَى أَلا يُحَاسِبَ بِحِسَابِ الآخِرَةِ فِي الدُّنْيَا لحاسبهم فِي الدُّنْيَا؛ فَأَدْخَلَ أَهْلَ الْجَنَّةِ الْجنَّة، وَأهل النَّار النَّار.
﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا﴾ هَلا ﴿أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ ربه﴾ يَعْنُونَ: الآيَاتِ الَّتِي كَانَتِ
الأُمَمُ تَسْأَلُهَا أَنْبِيَاءَهَا ﴿فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْب لله﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ فَإِذَا شَاءَ أَنْزَلَهَا ﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعكُمْ من المنتظرين﴾ أَيْ: فَسَتَعْلَمُونَ بِمَنْ يَنْزِلُ الْعَذَابُ.
سُورَة يُونُس من الْآيَة (21) إِلَى الْآيَة (23).
﴿وَإِذا أذقنا النَّاس﴾ يَعْنِي: الْمُشْركين ﴿رَحْمَة﴾ عَافِيَةً ﴿مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ﴾ يَعْنِي: مِنْ بَعْدِ مرضٍ أَوْ شِدَّةٍ أَصَابَتْهُمْ ﴿إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتنَا﴾ قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي: جُحُودًا وَتَكْذِيبًا لِدِينِنَا ﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي: عَذَابًا ﴿إِنَّ رسلنَا﴾ يَعْنِي: الْحَفَظَةَ ﴿يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ يَعْنِي: الْمُشْركين.
﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفلك﴾ فِي السُّفُنِ يَقُولُ هَذَا لِلْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بهَا جاءتها ريح عاصف﴾ أَيْ: شَدِيدَةٌ - الآيَةَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ أَيْ: أَنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾ الْآيَة
﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق﴾ أَيْ:
يَكْفُرُونَ وَيَعْمَلُونَ بِالْمَعَاصِي.
قَالَ مُحَمَّدٌ:
أَصْلُ الْبَغْيِ: التَّرَامِي فِي الْفَسَادِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: بَغَى الْجَرْحُ إِذَا تَرَامَى إِلَى فسادٍ، وَبَغَتِ الْمَرْأَةُ إِذا فجرت.
﴿يَا أَيهَا النَّاس﴾ يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفسكُم﴾ يَعْنِي: ضُرًّا عَلَيْكُمْ؛ لأَنَّهُمْ يُثَابُونَ عَلَيْهِ النَّارَ ﴿مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يَقُولُ: إِنَّمَا بَغْيُكُمْ وَكُفْرُكُمْ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ يَنْقَطِعُ فَتُرْجَعُونَ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: الرَّفْعُ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ جَائِزٌ عَلَى مَعْنَى أَنْ يَكُونَ خَبَرًا لَقَوْلِهِ: ﴿بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ الْمَعْنَى: أَنَّ الَّذِي تَنَالُونَهُ بِهَذَا الْفَسَادِ وَالْبَغْيِ إِنَّمَا تَتَمَتَّعُونَ بِهِ فِي الدُّنْيَا.
سُورَة يُونُس من الْآيَة (24) إِلَى الْآيَة (25).
﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَات الأَرْض﴾ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَعْنِي: فَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَلْوَانًا مِنَ النَّبَاتِ ﴿حَتَّى إِذَا أخذت الأَرْض زخرفها﴾ يَعْنِي: حسنها ﴿وازينت﴾ يَعْنِي: تَزَيَّنَتْ بِنَبَاتِهَا مِنْ صُفْرَةٍ وخضرةٍ وحمرةٍ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: أَصْلُ (الزُّخْرُفِ): الذَّهَبُ، ثُمَّ يُقَالُ لِلنَّقْشِ وَلِلنُّورِ وَالزِّينَةِ، وَكُلِّ شيءٍ زُيِّنَ: زخرفٌ.
﴿وَظَنَّ أَهلهَا أَنهم قادرون عَلَيْهَا﴾ أَيْ: قَادِرُونَ عَلَى الانْتِفَاعِ بِمَا فِيهَا مِنْ زَرْعٍ.
﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا﴾ أَيْ: ذَهَبَ مَا فِيهَا.
﴿كَأَنْ لم تغن بالْأَمْس﴾ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ زَرْعٍ بِالأَمْسِ قَائِمًا.
قَالَ محمدٌ: الْمَعْنَى: كَأْنَ لَمْ تَكُنْ عَامِرَةٌ بِالأَمْسِ، الْمَغَانِي: الْمَنَازِلُ، وَاحِدُهَا مَغْنَى تَقُولُ: غَنَيْتُ بِالْمَكَانِ؛ إِذَا أَقَمْتُ بِهِ.
﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَات لقوم يتفكرون﴾ يَقُولُ: فَالَّذِي أَنْبَتَ هَذَا الزَّرْعَ فِي الأَرْضِ الْمَوَاتِ، حَتَّى صَارَ زَرْعًا حَسَنًا، ثُمَّ أَهْلَكَهُ بَعْدَ حُسْنِهِ وَبَهْجَتِهِ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يحي الْمَوْتَى، وَإِنَّمَا يَقْبَلُ ذَلِكَ وَيَعْقِلُهُ المتفكرون
﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ﴾ وَالسَّلامُ هُوَ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ - وَدَارُهُ الْجنَّة.
سُورَة يُونُس من الْآيَة (26) إِلَى الْآيَة (27).
﴿للَّذين أَحْسنُوا﴾ آمنُوا ﴿الْحسنى﴾ الْجنَّة ﴿وَزِيَادَة﴾ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ.
يَحْيَى: عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ [سَعْدٍ] قَالَ: قَرَأَ أَبُو بكر الصّديق رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَذِهِ الآيَةَ - أَوْ قُرِئَتْ عِنْدَهُ - فَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَا الزِّيَادَة؟ (ل 138) الزِّيَادَةُ هِيَ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ رَبِّنَا عَزَّ وَجَلَّ ".
﴿وَلَا يرهق وُجُوههم﴾ أَي: يغشى ﴿قتر﴾.
قَالَ محمدٌ: الْقَتَرُ أَصْلُهُ: الْغَبْرَةُ الَّتِي فِيهَا سَواد.
﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ أَيْ: جَزَاءُ الشِّرْكِ: النَّارَ ﴿كَأَنَّمَا أغشيت وُجُوههم قطعا﴾ جَمْعُ: قِطْعَةٍ ﴿مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ أَي: فِي حَال ظلمته.
سُورَة يُونُس من الْآيَة (28) إِلَى الْآيَة (33).
﴿وَيَوْم نحشرهم﴾ يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ وَأَوْثَانَهُمْ جَمِيعًا ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وشركاؤكم﴾ يَعْنِي: الْأَوْثَان ﴿فزيلنا بَينهم﴾ بِالسَّيِّئَاتِ، يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ عَلَى حِدَةٍ، وَالأَوْثَانَ عَلَى حدةٍ ﴿وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُم إيانا تَعْبدُونَ﴾ الأَوْثَانُ تَقُولُ هَذَا لِلْمُشْرِكِينَ: مَا كَانَتْ عِبَادَتُكُمْ إِيَّانَا عَنْ دُعَاءٍ كَانَ مِنَّا لَكُمْ، وَإِنَّمَا دَعَاكُمْ إِلَى عِبَادَتِنَا الشَّيْطَانُ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: يَجُوزُ النَّصْبُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجل: ﴿مَكَانكُمْ﴾ عَلَى الأَمْرِ، كَأَنَّهُمْ يُقَالُ لَهُمْ: انتظروا مَكَانكُمْ حَتَّى يفصل بَيْنَكُمْ؛ وَهِيَ كَلِمَةٌ جَرَتْ عَلَى الْوَعِيدِ؛ تَقُولُ الْعَرَبُ: (مَكَانَكَ) تَتَوَعَّدُ بِذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَزَيَّلْنَا بَينهم﴾ أَيْ: مَيَّزْنَا؛ يُقَالُ: أَزَلْتُ الشَّيْءَ مِنَ الشَّيْءِ أُزِيلُهُ؛ أَيْ: مِزْتَهُ مِنْهُ أميزه.
﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا﴾ لَقَدْ كُنَّا ﴿عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾
قَالَ الْحَسَنُ: يَحْشُرُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - الأَوْثَانَ الْمَعْبُودَةَ فِي الدُّنْيَا بِأَعْيَانِهَا، فَتُخَاصِمُ مَنْ كَانَ عَبَدَهَا
﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أسلفت﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي: تُخْتَبَرُ ثَوَابَ مَا أَسْلَفَتْ فِي الدُّنْيَا.
وَهِيَ تُقْرَأُ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ (تَتَلُو) أَيْ: تَتَّبِعُ.
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هَذَا فِي الْبَعْثِ لَيْسَ أحدٌ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا مِنْ دُونِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - إِلا وَهُوَ مرفوعٌ لَهُ ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُم الْحق﴾ رَبُّهُمُ الْحَقُّ، وَالْحَقُّ اسمٌ مِنْ أَسمَاء الله عز وَجل.
ثُمَّ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم: (قل) لَهُمْ ﴿مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْض﴾ وَهُوَ عَلَى الاسْتِفْهَامِ ﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السّمع والأبصار﴾ أَيْ: يُذْهِبُهَا أَوْ يُبْقِيهَا.
﴿وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّت من الْحَيّ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي: يُخْرِجُ النَّاسَ الأَحْيَاءَ مِنَ النُّطَفِ، وَالنُّطَفَ مِنَ النَّاسِ الأَحْيَاءِ، وَالأَنْعَامُ مِثْلُ ذَلِكَ، وَالنَّبَاتُ مِثْلُ ذَلِكَ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي: يُخْرِجُ الْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ، وَالْكَافِرَ مِنَ الْمُؤْمِنِ ﴿وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمر﴾ فِيمَا يُحْيِي وَيُمِيتُ وَيَقْبِضُ وَيَبْسُطُ ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ وَأَنْتُمْ تُقِرُّونَ بِاللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَفْعَلُ هَذِهِ الأَشْيَاءَ، ثُمَّ لَا تَتَّقُونَهُ وَتَعْبُدُونَ هَذِه الْأَوْثَان من دونه!
﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بعد الْحق إِلَّا الضلال﴾ يَعْنِي: أَنَّ أَوْثَانَكُمْ ضلالٌ وباطلٌ ﴿فَأنى تصرفون﴾ فَكَيْفَ تُصْرَفُ عُقُولُكُمْ فَتَعْبُدُونَ غَيْرَهُ؟!