تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنينصفحات 73-84
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الكهف

صفحات 73-84
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن أبي زَمَنِين
الكتاب
تفسير القرآن العزيز
المؤلف
أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى بن محمد المري، الإلبيري المعروف بابن أبي زَمَنِين المالكي (المتوفى: 399هـ)
المحقق
أبو عبد الله حسين بن عكاشة - محمد بن مصطفى الكنز
الناشر
الفاروق الحديثة - مصر/ القاهرة
الطبعة
الأولى، 1423هـ - 2002م
عدد الأجزاء
5 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَة فَإِنِّي نسيت الْحُوت﴾ ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ مُوسَى تَعَجَّبَ مِنْ أَثَرِ الْحُوتِ فِي الْبَحْر

﴿قَالَ ذَلِك مَا كُنَّا نبغي﴾ أَيْ: ذَلِكَ حَيْثُ أُمِرْتُ أَنْ أَجِدَ خَضِرًا.
﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قصصا﴾ أَيْ: رَجَعَا حَتَّى أَتَيَا الصَّخْرَةَ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: الْمَعْنَى: رَجَعَا فِي الطَّرِيقِ الَّذِي سَلَكَاهُ، يَقُصَّانِ الْأَثَرَ قَصَصًا.
قَالَ: فَأَتَّبَعَا الْأَثَرَ فِي الْبَحْرِ، وَكَانَ الْحُوتُ حَيْثُ مَرَّ جَعَلَ يَضْرِبُ بِذَنَبِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا فِي الْبَحْرِ، فَجَعَلَ كُلُّ شَيْءٍ يَضْرِبْهُ الْحُوتُ بِذَنَبِهِ يَيْبَسُ، فَصَارَ كَهَيْئَةِ طَرِيقٍ فِي الْبَحْرِ، فَاتَّبَعَا أَثَرَهُ، حَتَّى إِذَا خَرَجَا إِلَى جَزِيرَةٍ فَإِذَا هُمَا بِالْخَضِرِ فِي

رَوْضَةٍ يُصَلِّي، فَأَتَيَاهُ مِنْ خَلْفِهِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى، فَأَنْكَرَ الْخَضِرُ التَّسْلِيمَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَرَفَعَ رَأَسَهُ فَإِذَا هُوَ بِمُوسَى فَعَرَفَهُ.
فَقَالَ: وَعَلْيَكَ السَّلَامُ يَا نَبِيَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالَ مُوسَى: وَمَا يُدْرِيكَ أَنِّي نَبِيُّ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: أَدْرَانِي بِذَلِكَ الَّذِي أَدْرَاكَ بِي ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾.

﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَة خرقها قَالَ﴾ مُوسَى: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْت شَيْئا إمرا﴾ أَي: عَظِيما من الْمُنكر

﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيع معي صبرا﴾ وَكَانَ مُوسَى يُنكر الظُّلم،

قَالَ لَهُ مُوسَى: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نسيت﴾ يَعْنِي: ذَهَبَ مِنِّي ذِكْرُهُ ﴿وَلا ترهقني من أَمْرِي عسرا﴾.
قَالَ مُحَمَّد: (ترهقني) مَعْنَاهُ: تُعَنِّتْنِي؛ أَيْ: عَامِلْنِي بِالْيُسْرِ لَا بالعسر.

﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقتله قَالَ أقتلت نفسا (زاكية﴾} أَيْ: لَمْ تُذْنِبْ ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ لقد جِئْت شَيْئا نكرا﴾.
سُورَة الْكَهْف من (آيَة 75 آيَة 82).

﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لدني عذرا﴾ أَيْ: قَدْ أُعْذِرْتَ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنك

﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن ينْقض﴾ أَيْ: يَسْقُطَ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: الْجِدَارُ (ل 198) يَكُونُ هَذَا عَلَى التَّشْبِيهِ، وَمِثْلُ هَذَا مُسْتَفِيضٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَأَشْعَارِهَا؛ قَالَ الرَّاعِي: (فِي مَهْمَةٍ قَلِقَتْ بِهِ هَامَاتُهَا ... قَلَقَ الْفُئُوسِ إِذَا أَرَدْنَ نُصُولًا)

قَوْلُهُ: ﴿قَالَ لَو شِئْت﴾ مُوسَى قَالَهُ ﴿لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ أَي: مَا يكفينا الْيَوْم

﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾.
قَالَ مُحَمَّدٌ: الْمَعْنَى: هَذَا فِرَاقُ اتصالنا.

﴿أما السفنية فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ﴾ أَيْ: أَمَامَهُمْ ﴿مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سفينة غصبا﴾ وَهِيَ فِي بَعْضِ الْقِرَاءَةِ

(كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ).
قَالَ مُحَمَّدٌ: يَكُونُ " وَرَاءَ " بِمَعْنَى: بَعْدَ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﴿وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ وَمِنْهُ قَوْلُ النَّابِغَةِ: (حَلَفْتُ فَلَمْ أَتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ... وَلَيْسَ وَرَاءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَذْهَبُ)

أَيْ: لَيْسَ بَعْدَ مَذَاهِبَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَذْهَبٌ.
وَتَكُونُ بِمَعْنَى: أَمَامَ؛ وَمِنْ هَذَا قَوْلُ الْقَائِلِ: (أَتُوعِدُنِي وَرَاءَ بَنِي رِيَاحٍ ... كَذَبْتَ لَتَقْصِرَنَّ يَدَاكَ عَنِّي)

يُرِيد أَمَام بني ريَاح.

قَوْلُهُ: ﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤمنين﴾ قَالَ قَتَادَةُ: وَفِي بَعْضِ الْقِرَاءَةِ: (فَكَانَ كَافِرًا وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ).
﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾.

قَالَ مُحَمَّدٌ: وَمَعْنَى يُرْهِقَهُمْا: أَيْ: يَحْمِلُهُمَا عَلَى الرَّهَقِ وَهُوَ الْجَهْلُ.

﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاة﴾ فِي التَّقْوَى ﴿وَأقرب رحما﴾ أَيْ: بِرًّا؛ فِي تَفْسِيرِ الْحَسَنِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: الرُّحْمُ فِي اللُّغَةِ: الْعَطف وَالرَّحْمَة.

﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهما﴾ قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: أَيْ: مَالٌ ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ أَيْ: إِنَّمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِ الله ﴿ذَلِك تَأْوِيل﴾ تَفْسِيرُ ﴿مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صبرا﴾.
قَالَ مُحَمَّدٌ: الْأَشُدُّ يَخْتَلِفُ؛ فَأَشُدُّ الْغُلَامِ أَنْ يَشْتَدَّ خَلْقُهُ وَيَتَنَاهَى فِي النَّبَاتِ؛ يُقَالُ: ذَلِكَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً وَأَشُدُّ الرَّجُلِ: الِاكْتِهَالُ، وَأَنْ يَشْتَدَّ رَأْيُهُ وَعَقْلُهُ وَذَلِكَ ثَلَاثُونَ سَنَةً، وَيُقَالُ: ثَمَانٍ وَثَلَاثُونَ سَنَةً.
وَنُصِبَتْ (رَحْمَةً) أَيْ: فَعَلْنَا ذَلِكَ رَحْمَةً، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْمَصْدَرِ بِمَعْنَى رَحِمَهُمَا بِذَلِكَ رَحْمَةً.
قَالَ يَحْيَى: بَلَغَنِي أَنَّهُمَا لَمْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ طَائِرًا؛ فَطَارَ إِلَى الْمَشْرِقِ

ثُمَّ طَارَ إِلَى الْمَغْرِبِ، ثُمَّ طَارَ نَحْوَ السَّمَاءِ ثُمَّ هَبَطَ إِلَى الْبَحْرِ، فَتَنَاوَلَ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ بِمِنْقَارِهِ وَهُمَا يَنْظُرَانِ: فَقَالَ الْخَضِرُ لِمُوسَى: أَتَعْلَمُ مَا يَقُولُ هَذَا الطَّائِرُ؟ يَقُولُ: وَرَبِّ الْمَشْرِقِ وَرَبِّ الْمَغْرِبِ، وَرَبِّ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، وَرَبِّ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ، مَا عِلْمُكَ يَا خَضِرُ وَعِلْمُ مُوسَى فِي عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا قَدْرَ هَذَا الْمَاءِ الَّذِي تَنَاوَلْتُهُ مِنَ الْبَحْرِ فِي الْبَحْرِ.
وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ قَالَ: إِنَّمَا سُمِّيَ الْخَضِرُ؛ لِأَنَّهُ قَعَدَ عَلَى قَرْدَدٍ بَيْضَاء فاهتزت بِهِ خضراء.
سُورَة الْكَهْف من (آيَة 83 آيَة 93).

قَالَ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ يَعْنِي: خَبرا

﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي: عَلَّمَهُ

الَّذِي أَعْطَى؛ بَلَغَنَا أَنَّهُ مَلَكَ مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا

﴿فأتبع سَببا﴾ قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي مَنَازِلَ الْأَرْضِ ومعالمها

﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ وَهِيَ تُقْرَأُ: (حَامِيَةٍ) قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: اخْتَلَفَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ؛ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (حَمِئَةٍ) وَقَالَ عُمْرُو بْنُ الْعَاصِ: (حَامِيَةٍ)، فَجَعَلَا بَيْنَهُمَا كَعْبًا الحبر؛ فَقَالَ كَعْب: نَجِدُهَا فِي التَّوْرَاةِ: تَغْرُبُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ؛ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ.
يَحْيَى: وَمِنْ قَرَأَ: (حَامِيَةٍ) بِالْمَعْنَى: أَيْ: ذَاتِ حَمْأَةٍ؛ تَقُولُ: حَمِئَتِ الْبِئْرُ فَهِيَ حَمِئَةٌ إِذَا صَارَتْ [فِيهَا الْحَمْأَةُ فَتَكَدَّرَتْ وَتَغَيَّرَ رَائِحَتُهَا] (ل 199) ﴿وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ﴾ يَعْنِي: الْقَتْلَ ﴿وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فيهم حسنا﴾ يَعْنِي: الْعَفْوَ: فِي تَفْسِيرِ السُّدِّيِّ، قَالَ: فحكموه فَحكم بَينهم

﴿قَالَ أما من ظلم﴾ يَعْنِي: مَنْ أَشْرَكَ ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ يَعْنِي: الْقَتْلَ ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى ربه فيعذبه عذَابا نكرا﴾ عَظِيما فِي الْآخِرَة

﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلهُ جَزَاء الْحسنى﴾ تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ: الْحُسْنَى هِيَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَالْجَزَاءُ: الْجَنَّةُ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى؛ يَعْنِي: الْعَفْوَ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: لَمْ يُبَيِّنْ يَحْيَى كَيْفَ كَانَتْ قِرَاءَةُ السُّدِّيُّ وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ تَفْسِيرُهُ

أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا: (فَلَهُ جَزَاءً) بِالنَّصْبِ وَالتَّنْوِينِ، وَكَذَلِكَ قَرَأَهَا غَيْرُ وَاحِدٍ، الْمَعْنَى: فَلَهُ الْحُسْنَى جَزَاءً عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، وَ (جَزَاءً) مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ؛ فَلَهُ الْحُسْنَى مَجْزِيًّا بِهَا جَزَاءً.
﴿وَسَنَقُولُ لَهُ من أمرنَا يسرا﴾ أَي: مَعْرُوفا.

﴿ثمَّ أتبع سَببا﴾ يَعْنِي: طرق الأَرْض ومعالمها

﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ قَالَ قَتَادَة: ذكر لَنَا أَنهم كَانُوا فِي مَكَانٍ لَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِمُ الْبِنَاءُ، وَأَنَّهُمْ يَكُونُونَ فِي أَسْرَابٍ لَهُمْ حَتَّى إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ عَنْهُمْ خَرَجُوا فِي مَعَايِشِهِمْ وحروثهم

﴿قَالَ كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خَبرا﴾ أَيْ: هَكَذَا كَانَ مَا قَصَّ من أَمر ذِي القرنين

﴿ثمَّ أتبع سَببا﴾ طرق الأَرْض ومعالمها

﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: هُمَا جَبَلَانِ ﴿وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يفقهُونَ قولا﴾ يَعْنِي: كَلَامَ غَيْرِهِمْ، وَهِيَ تُقْرَأُ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ: ﴿لَا يَكَادُونَ يُفْقِهُونَ قَوْلًا﴾ أَيْ: لَا يَفْقَهُ أحد كَلَامهم.
سُورَة الْكَهْف من (آيَة 94 آيَة 98).

﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ﴾ أَيْ: قَاتِلُونَ النَّاسَ فِي الْأَرْضِ؛ يَعْنِي: أَرْضَ الْإِسْلَامِ ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَك خرجا﴾ أَيْ: جُعْلًا.
﴿عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْننَا وَبينهمْ سدا﴾

﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خير﴾ مِنْ جُعْلِكُمْ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: مَنْ قَرَأَ (مكني) فَالْمَعْنَى: مَكَّنَنِي، إِلَّا أَنَّهُ أَدْغَمَ النُّونَ فِي النُّونِ؛ لِاجْتِمَاعِ النُّونَيْنِ، وَمَنْ قَرَأَ (مَكَّنَنِي) بِإِظْهَارِ النُّونَيْنِ، فَذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ كَلِمَتَيْنِ: الْأُولَى مِنَ الْفِعْلِ، وَالثَّانِيَةُ تَدْخُلُ مَعَ الِاسْمِ الْمُضْمَرِ.
﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ يَعْنِي: عَدَدًا مِنَ الرِّجَالِ ﴿أَجْعَلْ بَيْنكُم وَبينهمْ ردما﴾.
قَالَ مُحَمَّدٌ: الرَّدْمُ فِي اللُّغَةِ: أَكْثَرُ مِنَ السَّدِّ؛ لِأَنَّ الرَّدْمَ مَا جُعِلَ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ؛ يُقَالُ: ثَوْبٌ مُرَدَّمٌ؛ إِذَا كَانَ قَدْ رُقِعَ رُقْعَةً فَوْقَ رُقْعَةٍ، وَيُقَالُ لِكُلِّ مَا كَانَ مَسْدُودًا خِلْقَهً: سُدٌّ، وَمَا كَانَ مِنْ عَمَلِ النَّاسِ فَهُوَ سَدٌ بِالْفَتْحِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ: سَدٌّ، وَسُدٌّ؛ بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ.

﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَين الصدفين﴾ يَعْنِي: رَأْسَ الْجَبَلَيْنِ؛ فِي تَفْسِيرِ مُجَاهِدِ؛ أَيْ: سَدَّ مَا بَيْنَهُمَا ﴿قَالَ انفخوا﴾ أَيْ: عَلَى الْحَدِيدِ ﴿حَتَّى إِذَا جعله نَارا﴾ يَعْنِي: أَحْمَاهُ بِالنَّارِ ﴿قَالَ آتُونِي﴾ أعطوني ﴿أفرغ عَلَيْهِ قطرا﴾ فِيهَا تَقْدِيمٌ: أَعْطُونِي قِطْرًا أُفْرِغُ عَلَيْهِ، وَالْقِطْرُ: النُّحَاسُ؛ فَجَعَلَ أَسَاسَهُ الْحَدِيدَ، وَجَعَلَ مِلَاطَهُ النُّحَاسَ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: الْمِلَاطُ: هُوَ الطِّينُ الَّذِي يُجْعَلُ فِي الْبِنَاءِ مَا بَيْنَ كل صفّين.

﴿فَمَا اسطاعوا أَن يظهروه﴾ أَيْ: يَظْهَرُوا عَلَيْهِ مِنْ فَوْقِهِ ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نقبا﴾ من أَسْفَله

﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جَاءَ وعد رَبِّي﴾ يَعْنِي: خُرُوجهمْ ﴿جعله﴾ يَعْنِي: السد ﴿دكا﴾ قَالَ قَتَادَةُ: أَيْ: يَتَعَفَّرَ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، وَتُقْرَأُ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ: " دَكَّاءَ " مَمْدُودَةٌ؛ أَيْ: جَعَلَهُ أَرْضًا مُسْتَوِيَةً.
يَحْيَى: عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عُرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَة؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: " إِن يَأْجُوج ومأجوح يَخْرِقُونَهُ كُلَّ يَوْمٍ حَتَّى إِذَا كَادُوا يرَوْنَ شُعَاع الشَّمْس (ل 200) قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمُ: ارْجَعُوا فَسَتَحْفُرُونَهُ غَدا؛ يُعِيدهُ اللَّهُ كَأَشَدَّ مَا كَانَ حَتَّى إِذا بلغت مدتهم وَأَرَادَ أَنْ يَبْعَثَهُمْ عَلَى النَّاسِ حَفَرُوا حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمُ: ارْجَعُوا فَسَتَحْفُرُونَهُ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَيَغْدُونَ إِلَيْهِ وَهُوَ كَهَيْئَتِهِ حِينَ تَرَكُوهُ،

فَيَخْرِقُونَهُ، فَيَخْرُجُونَ عَلَى النَّاسِ فَيُنَشِّفُونَ الْمِيَاهَ، وَيَتَحَصَّنَ النَّاسُ مِنْهُمْ فِي حُصُونِهِمْ، فَيَرْمُونَ سِهَامَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ، فَتَرْجِعُ وَفِيهَا كَهَيْئَةِ الدِّمَاءِ، فَيَقُولُونَ قَهَرْنَا أَهْلَ الْأَرْضِ، وَعَلَوْنَا أَهْلَ السَّمَاءِ! فَيَبْعَثُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نَغَفًا فِي أَقْفَائِهِمْ فَيَقْتُلُهُمْ بِهَا ".

قَالَ يَحْيَى: وَسُئِلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ؛ فَقَالَ: كَانَ عَبْدًا صَالِحًاَ دَعَا قَوْمَهُ إِلَى الْإِيمَانِ فَلَمْ يُجِيبُوهُ، فَضَرَبُوهُ عَلَى قَرْنِهِ فَقَتَلُوهُ، فَأَحْيَاهُ اللَّهُ، ثُمَّ دَعَا قَوْمَهُ أَيْضًا، فَضَرَبُوهُ عَلَى قَرْنِهِ فَقَتَلُوهُ فَأَحْيَاهُ الله، فَسُمي: ذَا القرنين.
سُورَة الْكَهْف من (آيَة 99 آيَة 106).

﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بعض﴾ يَعْنِي: يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ السَّدِّ ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ وَالصُّورِ: قَرْنٌ يَنْفُخُ فِيهِ صَاحِبُ الصُّور.

﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَن ذكري﴾ كَانَتْ عَلَى أَعْيُنِهِمْ غِشَاوَةُ الْكُفْرِ ﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سمعا﴾ أَيْ: لَا يَسْمَعُونَ الْهُدَى بِقُلُوبِهِمْ.

﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عبَادي من دوني أَوْلِيَاء﴾ يَعْنِي: مَنْ عَبَدَ الْمَلَائِكَةَ، يَقُولُ: أَفَحَسِبُوا أَنْ تَتَوَلَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى ذَلِكَ؟ أَيْ: لَا يَتَوَلَّوْنَهُمْ؛ وَلَيْسَ بَهَذَا أَمَرْتُهُمْ، إِنَّمَا أَمَرْتُهُمْ أَنْ يَعْبُدُونِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا﴾ أعددنا ﴿جَهَنَّم للْكَافِرِينَ نزلا﴾ أَيْ: مَنْزِلًا.
قَالَ مُحَمَّدٌ: يُقَالُ: أَعْتَدْتُ لِفُلَانٍ كَذَا؛ أَيْ: اتَّخَذْتُهُ عَتَادًا لَهُ، وَالْعَتَادُ أَصْلُهُ: مَا اتخذ ليمكث فِيهِ.

فصول الكتاب · 114 فصل · 426 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين · 426 صفحة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمان
السجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثية
الأحقاف
محمد
الفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريم
الملك
القلم
الحاقة
المعارج
نوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلات
النبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلقالناس
جارٍ التحميل