الإسراء
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن أبي زَمَنِين
- الكتاب
- تفسير القرآن العزيز
- المؤلف
- أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى بن محمد المري، الإلبيري المعروف بابن أبي زَمَنِين المالكي (المتوفى: 399هـ)
- المحقق
- أبو عبد الله حسين بن عكاشة - محمد بن مصطفى الكنز
- الناشر
- الفاروق الحديثة - مصر/ القاهرة
- الطبعة
- الأولى، 1423هـ - 2002م
- عدد الأجزاء
- 5 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سكناً﴾ ﴿تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُود الْأَنْعَام} يَعْنِي: مِنَ الشَّعْرِ وَالصُّوفِ ﴿بُيُوتًا تستخفونها يَوْم ظعنكم﴾ يَعْنِي: فِي سَفَرِكُمْ ﴿وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾ يَعْنِي: قَرَارَكُمْ فِي غَيْرِ سَفَرٍ ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا﴾ قَالَ الأَعْمَشُ: الأَثَاثُ: الْمَالُ يُسْتَمْتَعُ بِهِ ﴿إِلَى حِين﴾ إِلَى الْمَوْتِ.
قَالَ محمدٌ: وَوَاحِدُ الأَثَاثِ: أثاثةٌ؛ يُقَالُ: قَدْ أَثَّ الرَّجُلُ يَئِثُّ أَثًّا؛ إِذَا صَارَ ذَا أثاثٍ، وَالأَثَاثُ: مَتَاعُ الْبَيْتِ؛ عِنْد أهل اللُّغَة.
سُورَة النَّحْل من الْآيَة (81) إِلَى الْآيَة (85).
﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظلالاً﴾ قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي: مِنَ الشَّجَرِ وَغَيْرِهَا ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أكناناً﴾ يَعْنِي: الْغِيرَانَ الَّتِي تُكُونُ فِي الْجِبَالِ تُكِنُّ مِنَ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ يَعْنِي: مِنَ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ
وَالصُّوف ﴿وسرابيل تقيكم بأسكم﴾ يَعْنِي: دُرُوعَ الْحَدِيدِ تَقِي الْقِتَالَ.
﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تسلمون﴾ لِكَيْ تُسْلِمُوا؛ يَقُولُ: إِنْ أَسْلَمْتُمْ تَمَّتْ عَلَيْكُمُ النِّعْمَةُ بِالْجَنَّةِ، وَإِنْ لَمْ تُسْلِمُوا لمْ تَتِمَّ عَلَيْكُمُ النِّعْمَة
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبين﴾ أَيْ: لَيْسَ عَلَيْكَ أَنْ تَهْدِيَهُمْ، وَكَانَ هَذَا قبل أَن يُؤمر بقتالهم.
﴿يعْرفُونَ نعْمَة الله ثمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ يَقُولُ: يَعْرِفُونَ وَيُقِرُّونَ أَنَّ اللَّهَ خلقهمْ، وَخلق السَّمَوَات وَالأَرْضَ، وَأَنَّهُ هُوَ الرَّزَّاقُ، ثُمَّ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ بِتَكْذِيبِهِمْ ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ يَعْنِي: جَمَاعَتهمْ.
﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدا﴾ يَعْنِي: نبياًّ يشْهد عَلَيْهِم (ل 177) أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَهُمْ ﴿ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يستعتبون﴾ هِيَ مَوَاطِنٌ: لَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فِي مَوْطِنٍ فِي الْكَلامِ، وَيُؤْذَنُ لَهُم فِي موطن.
﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ﴾ أَيْ: دَخَلُوا فِيهِ؛ يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ﴾ الْعَذَابُ ﴿وَلا هم ينظرُونَ﴾ سَأَلُوا اللَّهَ أَنْ يُؤَخِّرَهُمْ، فَيَرُدَّهُمْ إِلَى الدُّنْيَا حَتَّى يَتُوبُوا؛ فَلَمْ يؤخرهم.
سُورَة النَّحْل من الْآيَة (86) إِلَى الْآيَة (89).
﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ﴾ يَعْنِي: شَيَاطِينَهُمُ الَّذِينَ كَانُوا يُضِلُّونَهُمْ فِي الدُّنْيَا ﴿قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونك﴾ قَالُوا هَذَا؛ لأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ دَعَوْهُمْ إِلَى عِبَادَةِ الأَوْثَانِ ﴿فَأَلْقَوْا إِلَيْهِم القَوْل﴾ أَلْقَى بَنُو آدَمَ إِلَى شَيَاطِينِهِمُ الْقَوْلَ؛ أَيْ: حَدَّثُوهُمْ؛ فَقَالُوا لَهُمْ: ﴿إِنَّكُم لَكَاذِبُونَ﴾ أَي: أَنكُمْ كذبتمونا فِي الدُّنْيَا وغررتمونا
﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ أَيْ: اسْتَسْلَمُوا وَآمَنُوا بِاللَّهِ، وَكَفَرُوا بِالشَّيَاطِينِ وَالأَوْثَانِ ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ تَفْسِيرُ ابْنِ مَسْعُودٍ: حَيَّاتٍ وَعَقَارِبَ لَهَا أَنْيَابٌ مِثْلَ النَّخْلِ الطُّوَالِ.
﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدا عَلَيْهِم من أنفسهم﴾ يَعْنِي: نَبِيَّهُمْ؛ هُوَ شَاهِدٌ عَلَيْهِمْ ﴿وَجِئْنَا بك﴾ يَا مُحَمَّدُ ﴿شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاءِ﴾ يَعْنِي: أُمَّتَهُ ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تبياناً لكل شيءٍ﴾ يَعْنِي: مَا بَيَّنَ فِيهِ مِنَ الْحَلالِ وَالْحَرَامِ، وَكُلِّ مَا أَنْزَلَ الله فِيهِ.
سُورَة النَّحْل من الْآيَة (90) إِلَى الْآيَة (92).
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وإيتاء ذِي الْقُرْبَى﴾ يَعْنِي: حَقَّ الْقَرَابَةِ.
قَالَ الْحَسَنُ: حَقُّ الرَّحِمِ أَلا تَحْرِمَهَا وَلا تَهْجُرَهَا ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكر وَالْبَغي﴾ أَيْ: يَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ.
يحيى: عَنْ خِدَاشٍ، عَنْ عُيَيْنَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ:
قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَا مِنْ ذنبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجَّلَ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يُدَّخَرُ لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِم ".
﴿وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ يَعْنِي: تشديدها وتغليظها
﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا من بعد قُوَّة أنكاثا﴾ يَنْهَاهُمْ عَنْ نَكْثِ الْعَهْدِ؛ يَقُولُ: فَيَكُونُ مَثْلُكُمْ إِنْ نَكَثْتُمُ الْعَهْدَ مَثْلَ الَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ مَا أَبْرَمَتْهُ، وَالْمَرْأَةُ الَّتِي ضُرِبَتْ مَثَلا كَانَتْ تَغْزِلُ الشَّعْرَ؛ فَإِذَا غَزَلَتْهُ نَقَضَتْهُ، ثُمَّ عَادَتْ فغزلته.
قَالَ محمدٌ: (أنكاثاً) منصوبٌ؛ لأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمَصْدَرِ، وَوَاحِدُ الأَنْكَاثِ: نكثٌ.
﴿دخلا بَيْنكُم﴾ أَيْ: خِيَانَةً وَغَدْرًا ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ أَيْ: أَكْثَرُ؛ يَقُولُ: فَتَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ لقومٍ هُمْ أَكْثَرُ مِنْ قومٍ.
قَالَ مُجَاهِدٌ: كَانُوا يُحَالِفُونَ قَوْمًا فَيَجِدُونَ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَعَزَّ، فَيَنْقُضُوا حِلْفَ هَؤُلاءِ وَيُحَالِفُونَ الَّذِينَ هُمْ أَعَزُّ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ.
﴿إِنَّمَا يبلوكم الله بِهِ﴾ أَي: يختبركم ﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ﴾ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿مَا كُنْتُم فِيهِ تختلفون﴾ من الْكفْر وَالْإِيمَان.
سُورَة النَّحْل من الْآيَة (93) إِلَى الْآيَة (100).
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَة﴾ يَعْنِي: على مِلَّة الْإِسْلَام.
﴿وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ﴾ تَفْسِيرُ الْحَسَنِ: يَقُولُ: لَا تَصْنَعُوا كَمَا صَنَعَ الْمُنَافِقُونَ، فَتُظْهِرُوا الإِيمَانَ وَتُسِرُّوا الشِّرْكَ ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتهَا﴾ تَزِلَّ إِلَى الْكُفْرِ بَعْدَ مَا كَانَت على الْإِيمَان
﴿وَلَا تشتروا بِعَهْد الله﴾ يَعْنِي الْيَمِينَ
الكاذبة ﴿ثمنا قَلِيلا﴾ من الدُّنْيَا.
﴿فلنحيينه حَيَاة طيبَة﴾ تَفْسِيرُ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: يَعْنِي: القناعة.
﴿فَإِذا قَرَأت الْقُرْآن﴾ الآيَةَ قَالَ الْحَسَنُ: نَزَلَتْ فِي الصَّلاةِ، ثُمَّ صَارَتْ سُنَّةً فِي غَيْرِ الصَّلاةِ؛ إِذَا أَرَادَ أَنْ يقْرَأ.
﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذين آمنُوا﴾ هُوَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ من مضل﴾.
﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ أَيْ: يُطِيعُونَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَطِيعَ أَنْ يُكْرِهَهُمْ ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مشركون﴾ أَيْ: بِاللَّهِ مُشْرِكُونَ.
قَالَ مُحَمَّدٌ (ل 178) قِيلَ: الْمَعْنَى: الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَجله مشركون بِاللَّه.
سُورَة النَّحْل من الْآيَة (101) إِلَى الْآيَة (105).
﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْت مفتر﴾ تَفْسِيرُ الْحَسَنِ: كَانَتِ الآيَةُ إِذَا نَزَلَتْ؛ فَعُمِلَ بِهَا وَفِيهَا شِدَّةٌ، ثمَّ نزلت بَعْدَهَا آيَةٌ فِيهَا لِينٌ قَالُوا: إِنَّمَا يَأْمُرُ محمدٌ أَصْحَابَهُ بِالأَمْرِ؛ فَإِذَا اشْتَدَّ عَلَيْهِمْ صَرَفَهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَلْو كَانَ هَذَا الأَمْرُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَكَانَ أَمْرًا وَاحِدًا، وَمَا اخْتَلَفَ وَلَكِنَّهُ مِنْ قبل
محمدٍ
قَالَ الله: ﴿قل﴾ يَا مُحَمَّدُ: ﴿نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ من رَبك بِالْحَقِّ﴾ فَأَخْبِرْ أَنَّهُ نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا لم يفتر مِنْهُ شَيْئا.
﴿وَلَقَد نعلم أَنهم يَقُولُونَ﴾ يَعْنِي: مُشْرِكِي الْعَرَبِ ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بشر﴾ يَعْنُونَ: عَبْدًا لابْنِ الْحَضْرَمِيِّ، وَكَانَ رُومِيًّا صَاحِبِ كِتَابٍ - فِي تَفْسِيرِ قَتَادَةَ - اسْمُهُ: حبرٌ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ عَدَّاسُ غُلامُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ.
قَالَ اللَّهُ: ﴿لِسَانُ الَّذِي يلحدون إِلَيْهِ﴾ أَيْ: يَمِيلُونَ إِلَيْهِ ﴿أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَان عَرَبِيّ مُبين﴾ فأكذبهم.
﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ الله لَا يهْدِيهم الله﴾ هَؤُلاءِ الَّذِينَ لَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يهْدِيهم يلقونه بكفرهم.
سُورَة النَّحْل من الْآيَة (106) إِلَى الْآيَة (110).
﴿مِنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَان﴾ أَيْ: راضٍ بِهِ؛ نَزَلَتْ فِي عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَأَصْحَابِهِ؛ أَخَذَهُمُ الْمُشْرِكُونَ، وَوَقَفُوهُمْ عَلَى الْكُفْرِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَخَافُوا مِنْهُمْ؛ فَأَعْطَوْهُمْ ذَلِكَ بأفواههم.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافرين﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ يَلْقَوْنَ اللَّهَ بِكُفْرِهِمْ.
﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا من بعد مَا فتنُوا﴾ تَفْسِيرُ الْحَسَنِ: هُمْ قومٌ كَانُوا بِمَكَّةَ، فَعَرَضَتْ لَهُمْ فِتْنَةٌ؛ فَارْتَدُّوا عَنِ الإِسْلامِ وَشَكُّوا فِي نَبِيِّ اللَّهِ، ثُمَّ إِنَّهُمْ أَسْلَمُوا وَهَاجَرُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ بِالْمَدِينَةِ، ثُمَّ جَاهَدُوا مَعَهُ وَصَبَرُوا.
﴿وَلَكِنْ مَنْ شرح بالْكفْر صَدرا﴾ قَالَ محمدٌ: يَعْنِي: فَتَحَ لَهُ بِالْقبُولِ صَدره.
سُورَة النَّحْل من الْآيَة (111) إِلَى الْآيَة (115).
﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَفسهَا﴾ تَفْسِيرُ الْحَسَنِ: إِنَّ كُلَّ نفسٍ تُوقَفُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ لِلْحِسَابِ، لَيْسَ يَسْأَلُهَا عَنْ عَمَلِهَا إِلا اللَّهِ ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عملت﴾ أَمَّا الْكَافِرُ فَلَيْسَ لَهُ مِنْ حَسَنَاتِهِ فِي الآخِرَةِ شَيْءٌ قَدِ اسْتَوْفَاهَا فِي الدُّنْيَا، وَأَمَّا سَيِّئَاتُهُ فَيُوَفَّاهَا فِي الآخِرَةِ يُجَازَى بِهَا النَّارَ، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَهُوَ الَّذِي يُوَفَّى الْحَسَنَاتِ فِي الآخِرَةِ، وَأَمَّا سَيِّئَاتُهُ فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى ذَهَبَتْ سَيِّئَاتُهُ بِالْبَلاءِ وَالْعُقُوبَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْقَى عَلَيْهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ، فَيْفَعَلُ الله فِيهِ مَا يَشَاء.
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَة مطمئنة﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وهم ظَالِمُونَ﴾ الْقَرْيَةُ: مَكَّةُ، وَالرَّسُولُ: محمدٌ؛ كَفَرُوا بِأَنْعُمِ اللَّهِ؛ فَكَذَّبُوا رَسُولَهُ وَلَمْ يَشْكُرُوا.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوع وَالْخَوْف﴾ يَعْنِي: الْجُوعَ الَّذِي عُذِّبُوا بِهِ بِمَكَّةَ قَبْلَ عَذَابِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ عَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِالسَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَأَمَّا الْخَوْفُ: فَبَعْدَ مَا خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم عَنْهُم.
﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا طيبا﴾ يَعْنِي: مَا أَحَلَّ مِنَ الرَّزْقِ.
﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ يَعْنِي: ذَبَائِحَ الْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ أَحَلَّ ذَبَائِحَ أْهَلِ الْكِتَابِ ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غير بَاغ وَلَا عَاد﴾ قد مضى تَفْسِيره.
سُورَة النَّحْل من الْآيَة (116) إِلَى الْآيَة (118).
﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾.
قَالَ محمدٌ: الْمَعْنَى: وَلا تَقُولُوا لَوَصْفِ أَلْسِنَتِكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ}.
يَعْنِي: مَا حَرَّمُوا مِنَ الأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ، وَمَا اسْتَحَلُّوا من أكل الْميتَة.
﴿مَتَاع قَلِيل﴾ أَيْ: أَنَّ الَّذِي هُمْ فِيهِ مِنَ الدُّنْيَا ذاهبٌ ﴿وَلَهُمْ عذابٌ أَلِيم﴾ {فِي الْآخِرَة
2 - ! (وعَلى الَّذين هادوا حرمنا عَلَيْهِمْ) ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ (مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ من قبل} يَعْنِي: مَا قَصَّ فِي سُورَةِ الأَنْعَامِ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظفر﴾ الْآيَة.
سُورَة النَّحْل من الْآيَة (119) إِلَى الْآيَة (123).
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِن رَبك من بعْدهَا﴾ (ل 179) مِنْ بَعْدِ تِلْكَ الْجَهَالَةِ؛ إِذَا تَابُوا مِنْهَا ﴿لغَفُور رَحِيم﴾ فَكُلُّ ذنبٍ عَمِلَهُ الْعَبْدُ فَهُوَ مِنْهُ جهلٌ.