تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنينصفحات 277-288
أهل الأثرالأرشيف العلمي

هود

صفحات 277-288
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن أبي زَمَنِين
الكتاب
تفسير القرآن العزيز
المؤلف
أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى بن محمد المري، الإلبيري المعروف بابن أبي زَمَنِين المالكي (المتوفى: 399هـ)
المحقق
أبو عبد الله حسين بن عكاشة - محمد بن مصطفى الكنز
الناشر
الفاروق الحديثة - مصر/ القاهرة
الطبعة
الأولى، 1423هـ - 2002م
عدد الأجزاء
5 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

تَفْسِيرُ سُورَةِ هُودٍ وَهِيَ مَكِّيَةٌ كلهَا

سُورَة هود من الْآيَة (1) إِلَى الْآيَة (4).

قَوْله عز اسْمه: ﴿آلر كتبٌ﴾ أَيْ: هَذَا كتابٌ ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآن ﴿ثمَّ فصلت﴾ بُيِّنَتْ؛ بُيِّنَ فِيهَا حَلالُهُ وَحَرَامُهُ وطاعته ومعصيته ﴿من لدن﴾ من عِنْد ﴿حَكِيم﴾ أحكمه بِعِلْمِهِ ﴿خَبِير﴾ بأعمال الْعباد.

﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنَّنِي لكم مِنْهُ نَذِير﴾ يَقُولُهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم قُلْ: لَا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ؛ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ؛ أُنْذِرَكُمْ عِقَابَهُ إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا ﴿وَبَشِيرٌ﴾ بِالْجنَّةِ لمن آمن.

﴿وَأَن اسْتَغْفرُوا ربكُم﴾ مِنَ الشِّرْكِ.
﴿يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أجل مُسَمّى﴾ يَعْنِي: الْمَوْتَ، وَلا يَهْلِكَهُمْ بِالْعَذَابِ.
﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ ﴿وَإِن توَلّوا﴾ عَنْ هَذَا الْقُرْآنِ، فَيُكَذِّبُوا بِهِ ﴿فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِير﴾.

سُورَة هود من الْآيَة (5) فَقَط.

﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾.
قَالَ الْحَسَنُ: يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ؛ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ بِذَلِكَ؛ يَظُنُّونَ أَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - لَا يَعْلَمُ الَّذِي يَسْتَخْفُونَ بِهِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: هُمُ الْمُنَافِقُونَ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: مَعْنَى ﴿يثنون صُدُورهمْ﴾: يَطْوُونَ مَا فِيهَا وَيَسْتُرُونَهُ.
﴿أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يسرون وَمَا يعلنون﴾ قَالَ مُحَمَّدٌ: مَعْنَى ﴿يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾: يَسْتَتِرُونَ بِهَا؛ يُقَالُ: اسْتَغْشَيْتُ ثَوْبِي وتغشيته.
سُورَة هود من الْآيَة (6) فَقَط.

﴿وَيعلم مستقرها ومستودعها﴾ تَفْسِيرُ ابْنِ مَسْعُودٍ: مُسْتَقَرُّهَا: الأَرْحَامُ، وَمُسْتَوْدَعُهَا: الأَرْضُ الَّتِي يَمُوتُ فِيهَا.
يحيى: عَنْ صَاحِبٍ لَهُ، عَنْ الْحَسَنِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - أَنْ يَقْبِضَ عَبْدًا بأرضٍ جَعَلَ لَهُ بِهَا حَاجَةً؛ فَإِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَتِ الأَرْضُ: رَبِّ هَذَا مَا اسْتَوْدَعْتَنِي ".

سُورَة هود من الْآيَة (7) فَقَط.

﴿ليبولكم﴾ لِيَخْتَبِرَكُمْ بِالأَمْرِ وَالنَّهْيِ ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عملا﴾ فِيمَا ابْتَلاكُمْ بِهِ مِنَ الأَمْرِ وَالنَّهْيِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: الْمَعْنَى: يَخْتَبِرُكُمُ الاخْتِبَارَ الَّذِي يُجَازِيكُمْ عَلَيْهِ؛ وَهُوَ قَدْ عَلِمَ قَبْلَ ذَلِكَ أَيُّهُمْ أحسن عملا.
سُورَة هود من الْآيَة (8) إِلَى الْآيَة (12).

﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أمة مَعْدُودَة﴾ أَيْ: إِلَى حينٍ مَعْدُودٍ.

قَالَ محمدٌ: يُقَالُ: إِنَّمَا سُمِّيَ الْحِينُ أُمَّةً؛ لأَنَّ الأُمَّةَ مِنَ النَّاس تنقرض فِي حِين.
﴿ليقولون مَا يحْبسهُ﴾ قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ أَيْ: لَيْسَ يَسْتَطِيعُ أحدٌ أَنْ يصرفهُ عَنْهُم ﴿وحاق بهم﴾ أَحَاطَ بِهِمْ ﴿مَا كَانُوا بِهِ يستهزئون﴾ يَعْنِي: عَذَابَ الآخِرَةِ؛ فِي تَفْسِيرِ الْكَلْبِيّ.

﴿وَلَئِن أذقنا الْإِنْسَان﴾ يَعْنِي: الْمُشرك ﴿منا رَحْمَة﴾ يَعْنِي: صِحَّةً وَسِعَةً فِي الرِّزْقِ ﴿ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ﴾ من رَحْمَة الله (ل 144) أَنْ تَصِلَ إِلَيْهِ فَيُصِيبُهُ رَخَاءٌ بعد شدَّة ﴿كفور﴾ لنعمة الله تَعَالَى.

﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مسته﴾ أَيْ: عَافَيْنَاهُ مِنْ تِلْكَ الضَّرَّاءِ الَّتِي نزلت بِهِ ﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي﴾ ذَهَبَ الضُّرُّ عَنِّي ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ﴾ بالدنيا ﴿فخور﴾ يَقُولُ: لَيْسَتْ لَهُ حسبةٌ عِنْدَ ضَرَّاءَ، وَلا شُكْرٌ عِنْدَ سَرَّاءَ

﴿إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ اسْتَثْنَى اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - أَهْلَ الإِيمَانِ؛ أَيْ: أَنَّهُمْ لَا يَفْعَلُونَ الَّذِي بَيَّنَ مِنْ فِعْلِ الْمُشْرِكِينَ.

﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْك﴾ خَاطَبَ بِهَذَا النَّبِيَّ؛ فَلا تُبَلِّغْ عَنِّي مَخَافَةَ قَوْمِكَ ﴿وَضَائِقٌ بِهِ صدرك أَن يَقُولُوا﴾ بِأَنْ يَقُولُوا ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كنز﴾ هَلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مالٌ؛ فَإِنَّهُ فَقِيرٌ ﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ فَيُخْبِرُنَا أَنَّهُ رسولٌ ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نذيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شيءٍ وَكيل﴾ حفيظٌ لأَعْمَالِهِمْ؛ حَتَّى يُجَازِيهِمْ بِهَا.

سُورَة هود من الْآيَة (13) إِلَى الْآيَة (14).

﴿أم يَقُولُونَ افتراه﴾ افْتَرَى مُحَمَّدٌ الْقُرْآنَ: اخْتَلَقَهُ؛ أَيْ: قَدْ قَالُوا ذَلِكَ.
﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أَيِ: اسْتَعِينُوا مَنْ أَطَاعَكُمْ مِنْ دون الله.

﴿فَإِن لم يَسْتَجِيبُوا لكم﴾ فَيَأْتُوا بِعَشْرِ سورٍ مِثْلِهِ، وَلَنْ يَفْعَلُوا ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلِ بِعِلْمِ الله﴾ أَي: من عِنْد الله.
سُورَة هود من الْآيَة (15) إِلَى الْآيَة (16).

﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزينتهَا﴾ يَعْنِي: الْمُشْرِكَ لَا يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ ﴿نوف إِلَيْهِم أَعْمَالهم فِيهَا﴾ يَعْنِي: جَزَاءَ حَسَنَاتِهِمْ ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يبخسون﴾ لَا يُنْقَصُونَ حَسَنَاتِهِمِ الَّتِي عَمِلُوا.

﴿وحبط مَا صَنَعُوا فِيهَا﴾ بَطَلَ مَا عَمِلُوا فِي الدُّنْيَا مِنْ حسناتٍ فِي الآخِرَةِ؛ لأَنَّهُمْ جوزوا بهَا فِي الدُّنْيَا.
سُورَة هود من الْآيَة (17) فَقَط.

﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ ربه﴾ أَيْ: بَيَانٍ وَيَقِينٍ؛ يَعْنِي: مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ تَفْسِيرُ الْكَلْبِيِّ: جِبْرِيلُ شاهدٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ﴾ مِنْ قَبْلِ الْقُرْآنِ ﴿كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَة﴾ يَعْنِي: لِمَنْ آمَنَ بِهِ.
يَقُولُ: أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهدٌ مِنْهُ؛ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَكْفُرُ بِالْقُرْآنِ وَالتَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ؟! أَيْ: أَنَّهُمَا لَا يَسْتَوِيَانِ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
قَالَ محمدٌ: يَجُوزُ النَّصْبُ فِي قَوْله: ﴿إِمَامًا وَرَحْمَة﴾ عَلَى الْحَالِ.
﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ يَعْنِي: الْمُؤْمِنِينَ يَؤْمِنُونَ بِالْقُرْآنِ ﴿وَمَنْ يكفر بِهِ من الْأَحْزَاب﴾ قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي: الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى ﴿فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ ﴿فَلا تَكُ فِي مرية مِنْهُ﴾ فِي شِكٍّ أَنَّ مَنْ كَفَرَ بِهِ؛ فَالنَّار موعده.
سُورَة هود من الْآيَة (18) إِلَى الْآيَة (19).

﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى الله كذبا﴾ أَي: لَا أحد أظلم مِنْهُ؛ وَافْتِرَاؤُهُمْ عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى - أَنْ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - أَمرهم بِمَا هُم عَلَيْهِ من عِبَادَةِ الأَوْثَانِ، وَتَكْذِيبِهِمْ بمحمدٍ.
﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ﴾ الأَنْبِيَاءُ ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبهم﴾ الْآيَة.
سُورَة هود من الْآيَة (20) إِلَى الْآيَة (22).

﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْض﴾ يَسْبِقُونَا حَتَّى لَا نَبْعَثَهُمْ، ثُمَّ نُعَذِّبَهُمْ.
﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دون الله من أَوْلِيَاء﴾ يَمْنَعُونَهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ.
﴿يُضَاعَفُ لَهُم الْعَذَاب﴾ فِي النَّارِ ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السّمع﴾ سَمْعَ الْهُدَى؛ يَعْنِي: سَمْعَ قَبُولٍ إِذْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا ﴿وَمَا كَانُوا يبصرون﴾ الْهدى.

﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ 6 يَعْنِي: أَوْثَانَهَمْ ضَلَّتْ عَنْهُمْ؛ فَلَمْ تغن عَنْهُم شَيْئا

﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هم الأخسرون﴾ ﴿لَا جَرَمَ﴾ كَلِمَةُ وَعِيدٍ.
قَالَ محمدٌ: جَاءَ عَنِ ابْن عَبَّاس؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَعْنَاهَا: حَقًّا.
وَذَكَرَ الزَّجَّاجُ عَنْ سِيبَوَيْهِ أَنَّهُ قَالَ: (جَرَمَ) مَعْنَاهَا: حَقٌّ، وَدَخَلَتْ لَا لِلنَّفْيِ، كَأَنَّ الْمَعْنَى: لَا يَنْفُعُهُمْ ذَلِكَ حَقٌّ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ.
وَأَنْشَدَ [ ... ] (وَلَقَدْ طَعَنْتَ أَبَا عُيَيْنَةَ طَعْنَةً ... جَرَمَتْ فَزَارَةَ بَعْدَهَا أَنْ يَغْضَبُوا} يَقُولُ: [أَحَقَّتِ الطَّعْنَةُ فَزَارَةَ] الْغَضَبَ.
قَالَ محمدٌ: وَأَنْشَدَ قُطْرُبٌ: جَرَمَتْ (فَزَارَةُ بَعْدَهَا أَنْ يغضبوا).

(ل 145) حق لَهُم الْغَضَب.
سُورَة هود من الْآيَة (23) إِلَى الْآيَة (24).

﴿وأخبتوا إِلَى رَبهم﴾ أَي: أنابوا مُخلصين:

﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ والسميع هَل يستويان مثلا﴾ أَي لَا يستويان مثل الْكَافِرُ مِثْلُ الأَعْمَى وَالأَصَمِّ؛ لأَنَّهُ أَعْمَى أَصَمُّ عَنِ الْهُدَى، وَالْبَصِيرُ وَالسَّمِيعُ مِثْلُ الْمُؤْمِنِ؛ لأَنَّهُ أَبْصَرَ الْهُدَى وَسَمِعَهُ؛ يَقُولُ: فَكَمَا لَا يَسْتَوِي عِنْدَكُمُ الأَعْمَى وَالأَصَمُ وَالْبَصِيرُ وَالسَّمِيعُ فِي الدُّنْيَا؛ فَكَذَلِكَ لَا يَسْتَوِيَانِ عِنْدَ اللَّهِ فِي الدِّينِ.
سُورَة هود من الْآيَة (25) إِلَى الْآيَة (28).

﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هم أراذلنا﴾ سفلتنا ﴿بَادِي الرَّأْي﴾ أَيْ: فِيمَا يَظْهَرُ لَنَا ﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ فِي الدِّينِ ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ يَعْنُونَ: نَوْحًا وَمَنْ آمَنَ مَعَهُ.

﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ عَلَى بَيَانٍ ﴿وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْده﴾ يَعْنِي بِالرَّحْمَةِ: النُّبُوَّةَ ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ أَنْ تُبْصِرُوهَا بِقُلُوبِكُمْ

وَتَقْبَلُوهَا ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾.
سُورَة هود من الْآيَة (29) إِلَى الْآيَة (31).

﴿وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي: عَلَى مَا أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ من الْهدى ﴿مَالا﴾ فَإِنَّمَا يَحْمِلُكُمْ عَلَى تَرْكِ الْهُدَى الْمَالُ الَّذِي أَسْأَلُكُمُوهُ.
﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾ ثَوَابِي ﴿إِلا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ ملاقو رَبهم﴾ فيحاسبهم بأعمالهم.

﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ الله﴾ أَي: خَزَائِن علم الله ﴿وَلَا أَقُول للَّذين تزدري أعينكُم﴾.
قَالَ محمدٌ: (تزدري) أَيْ: تَسْتَقِلُّ وَتَسْتَخِسُّ.
﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ الله خيرا﴾ فِي الْعَاقِبَةِ؛ أَيْ: أَنَّهُ سَيُؤْتِيهِمْ بِذَلِكَ خَيْرًا؛ إِنْ كَانَتْ قُلُوبُهُمْ صَادِقَة.
سُورَة هود من الْآيَة (32) إِلَى الْآيَة (37).

﴿قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا﴾ ماريتنا ﴿فَأَكْثَرت جدالنا﴾.
﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يغويكم﴾ يُضِلَّكُمْ.
قَالَ محمدٌ: (يُغْوِيَكُمْ): أَصْلُهُ يُهْلِكَكُمْ؛ تَقُولُ الْعَرَبُ: أَغْوَيْتُ فُلانًا؛ أَيْ: أَهْلَكْتُهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: غَوَى الْفَصِيلُ؛ إِذَا فَقَدَ اللَّبَنَ، فَمَاتَ.

﴿أم يَقُولُونَ افتراه﴾ إِنَّ مُحَمَّدًا افْتَرَى الْقُرْآنَ ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بريءٌ مِمَّا تجرمون﴾ يَقُولُ: فَعَلَيَّ عَمَلِي، وَأَنَا بريءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ.
قَالَ محمدٌ: الإِجْرَامُ: الإِقْدَامُ عَلَى الذَّنْبِ؛ وَهُوَ مَصْدَرُ أجرمت.

﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قد آمن﴾ قَالَ قَتَادَةُ: ذَلِكَ حِينَ دَعَا عَلَيْهِمْ؛ فَقَالَ: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾.
﴿فَلَا تبتئس﴾ أَيْ: لَا تَحْزَنْ لَهُمْ ﴿بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾.

﴿واصنع الْفلك بأعيننا ووحينا﴾ كَمَا نَأْمُرُكَ بِعَمَلِهَا ﴿وَلا تُخَاطِبْنِي﴾ تراجعني ﴿فِي الَّذين ظلمُوا﴾ أنفسهم بشركهم.
سُورَة هود من الْآيَة (38) إِلَى الْآيَة (40).

﴿ويصنع الْفلك﴾ السَّفِينَةَ ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ من قومه سخروا مِنْهُ﴾ عَمِلَ نوحٌ الْفُلْكَ بِيَدِهِ، فَكَانَ يَمُرُّ عَلَيْهِ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ فَيَقُولُونَ لَهُ اسْتِهْزَاءً بِهِ: يَا نُوحُ، بَيْنَمَا أَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ إِذْ صِرْتَ نَجَّارًا.
﴿قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ قَالَ محمدٌ: الْمَعْنَى: نَسْتَجْهِلُكُمْ كَمَا تَسْتَجْهِلُونَ.
قَالَ يحيى: وَكَانَ الرَّجُلُ مِنْ قَوْمِهِ يَأْخُذُ بِيَدِ ابْنِهِ، فَيَذْهَبُ بِهِ إِلَى نوحٍ فَيَقُولُ: أَيْ بُنَيَّ، لَا تُطِعْ هَذَا؛ فَإِنَّ أَبِي قَدْ ذَهَبَ بِي إِلَيْهِ وَأَنَا مِثْلُكَ فَقَالَ: أَيْ بني لَا تُطِع هَذَا.

﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يخزيه﴾ يَعْنِي: عَذَابَ الدُّنْيَا ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَاب مُقيم﴾ دائمٌ.

﴿حَتَّى إِذا جَاءَ أمرنَا﴾ يَعْنِي: عذابنا ﴿وفار التَّنور﴾ (التَّنُّورُ) فِي تَفْسِيرِ الْحَسَنِ: الْبَابُ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ مَاءُ السَّفِينَةِ، فَفَارَ مِنْهُ الْمَاءُ وَالسَّفِينَةُ عَلَى الأَرْضِ، فَكَانَ ذَلِكَ عَلامَةً لإِهْلاكِ الْقَوْمِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمُ: التَّنُّورُ عَيْنُ مَاءٍ كَانَتْ بِالْجَزِيرَةِ، يُقَالُ لَهَا: التَّنُّورُ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: كَانَ التَّنُّورُ فِي أَقْصَى دَارِهِ.
سعيدٌ: عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ التَّنُّورُ أَعْلَى الأَرْضِ.

فصول الكتاب · 114 فصل · 426 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين · 426 صفحة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمان
السجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثية
الأحقاف
محمد
الفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريم
الملك
القلم
الحاقة
المعارج
نوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلات
النبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلقالناس
جارٍ التحميل