الأنبياء
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن أبي زَمَنِين
- الكتاب
- تفسير القرآن العزيز
- المؤلف
- أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى بن محمد المري، الإلبيري المعروف بابن أبي زَمَنِين المالكي (المتوفى: 399هـ)
- المحقق
- أبو عبد الله حسين بن عكاشة - محمد بن مصطفى الكنز
- الناشر
- الفاروق الحديثة - مصر/ القاهرة
- الطبعة
- الأولى، 1423هـ - 2002م
- عدد الأجزاء
- 5 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
(بَلَغَ) مِثْلَهُ حِينَ أُفْسِدَ قَبَضُوا غَنَمَهُمْ؛ فَقَالَ لَهُ دَاوُدُ: نِعْمَ الرَّأْي رَأَيْت.
(ل 217) ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطير﴾ كَانَتْ جَمِيعُ الْجِبَالِ وَجَمِيعُ الطَّيْرِ تُسَبِّحُ مَعَ دَاوُدَ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، ويفقه تسبيحها ﴿وَكُنَّا فاعلين﴾ أَيْ: قَدْ فَعَلْنَا ذَلِكَ.
قَالَ مُحَمَّد: يجوز نصب (الطير) مِنْ جِهَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا عَلَى مَعْنَى: وَسَخَّرْنَا الطَّيْرَ، وَالْأُخْرَى عَلَى مَعْنَى: يسبحْنَ مَعَ الطير.
﴿وعلمناه صَنْعَة لبوس لكم﴾ يَعْنِي: دُرُوعَ الْحَرْبِ ﴿لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بأسكم﴾ يَعْنِي: الْقِتَالَ.
قَالَ قَتَادَةُ: كَانَتْ قَبْلَ دَاوُدَ صَفَائِحَ، وَأَوَّلُ مَنْ صَنَعَ هَذِهِ الْحِلَقَ وَسَمَّرَهَا: دَاوُدُ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: تُقْرَأُ ﴿لِيُحَصِنَكُمْ﴾ بِالْيَاءِ وَالتَّاءِ؛ فَمَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ فَالْمَعْنَى: لِيُحَصِنَكُمُ اللَّبُوسُ، وَمِنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ فَكَأَنَّهُ عَلَى الصَّنْعَةِ؛ لِأَنَّهَا أُنْثَى.
﴿ولسليمان الرّيح﴾ أَي: وسخرنا لِسُلَيْمَان الرّيح ﴿عَاصِفَة﴾ لَا تُؤْذِيهِ ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْض الَّتِي باركنا فِيهَا﴾ يَعْنِي: أَرض الشَّام.
﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ ويعملون عملا دون ذَلِك﴾ (سِوَى ذَلِكَ) الْغَوْصِ، وَكَانُوا يَغُوصُونَ فِي الْبَحْرِ فَيُخْرِجُونَ لَهُ اللُّؤْلُؤَ، وَقَالَ فِي
آيَةٍ أُخْرَى: ﴿كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾.
﴿وَكُنَّا لَهُم حافظين﴾ حَفِظَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ أَلَّا يَذْهَبُوا ويتركوه.
سُورَة الْأَنْبِيَاء من (آيَة 83 آيَة 86).
﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مسني الضّر﴾ الْمَرَض ﴿وَأَنت أرْحم الرَّاحِمِينَ﴾ قَالَ الْحَسَنُ: إِنَّ أَيُّوبَ لَمْ يَبْلُغْهُ شَيْءٌ يَقُولُهُ النَّاسُ كَانَ أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِهِمْ: لَوْ كَانَ نَبِيًّا مَا ابْتُلِيَ بِالَّذِي ابْتُلِيَ بِهِ، فَدَعَا اللَّهَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَعْمَلْ حَسَنَةً فِي الْعَلَانِيَةِ إِلَّا عَمِلْتُ فِي السِّرِّ مَثْلَهَا؛ فَاكْشِفْ مَا بِي مِنْ ضُرٍّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ، فَوَقَعَ سَاجِدًا، وَأَمْطَرَ عَلَيْهِ فَرَاشَ الذَّهَبِ، فَجَعَلَ يَلْتَقِطُهُ وَيَجْمَعُهُ ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهله وَمثلهمْ مَعَهم﴾ هَذَا مُفَسَّرٌ فِي سُورَةِ " ص " ﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ أَيْ: أَنَّ الَّذِي كَانَ مِمَّنِ ابْتُلِي بِهِ أَيُوبُ لَمْ يَكُنْ مِنْ هَوَانِهِ عَلَى اللَّهِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَرَادَ كَرَامَتَهُ بِذَلِكَ، وَجَعَلَ ذَلِك عزاء للعابدين بعده.
﴿وَإِسْمَاعِيل وَإِدْرِيس وَذَا الكفل﴾ تَفْسِيرُ قَتَادَةَ: أَنَّ ذَا الْكِفْلِ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، وَلَكِنَّهُ كَانَ عَبْدًا صَالِحًا تَكَفَّلَ بِعَمَلِ رَجُلٍ صَالِحٍ عِنْدَ مَوْتِهِ كَانَ يُصَلِّي لِلَّهِ كُلَّ
يَوْمٍ مِائَةَ صَلَاةٍ؛ فَأَحْسَنَ اللَّهُ عَلَيْهِ الثَّنَاءَ.
وَتَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ: أَنَّهُ تَكَفَّلَ لنَبِيٍّ أَنَّ يَقُومَ فِي قومه بعده بِالْعَدْلِ.
سُورَة الْأَنْبِيَاء من (آيَة 87 آيَة 91).
﴿وَذَا النُّون﴾ يَعْنِي: يُونُسَ، قَالَ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ: النُّونُ: الْحُوتُ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: قَوْلُهُ: ﴿وَإِسْمَاعِيل وَإِدْرِيس وَذَا الكفل﴾ مَنْصُوبٌ عَلَى مَعْنَى: وَاذْكُرْ، وَكَذَلِكَ قَوْله: ﴿وَذَا النُّونِ﴾.
﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ [لِقَوْمِهِ]: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي: أَنْ لَنْ نُعَاقِبَهُ بِمَا صَنَعَ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: أَصْلُ الْكَلِمَةِ: الضِّيقُ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رزقه﴾ أَيْ: ضَيَّقَ، وَمِنْ هَذَا قَوْلِهِمْ: فُلَانٌ مُقَدَّرٌ عَلَيْهِ وَمُقَتَّرٌ.
﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَات﴾ يَعْنِي: فِي ظُلْمَةِ الْبَحْرِ، وَظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وَظُلْمَةِ بَطْنِ الْحُوتِ ﴿أَنْ لَا إِلَه إِلَّا أَنْت﴾ الْآيَةُ.
يَحْيَى: عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ سَعْدٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " دَعْوةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ: ﴿لَا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمين﴾ فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا مُسْلِمٌ رَبَّهُ قَطٌّ فِي شَيْءٍ إِلَّا اسْتَجَابَ لَهُ ".
وَتَفْسِيرُ قِصَّةِ يُونُسَ (مَذْكُورٌ) فِي سُورَة الصافات.
﴿وأصلحنا لَهُ زوجه﴾ قَالَ قَتَادَةُ: كَانَتْ عَاقِرًا؛ فَجَعَلَهَا الله ولودا ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ﴾ مِنْهَا ﴿يحيي﴾.
﴿ويدعوننا رغبا﴾ أَي: طَمَعا ﴿ورهبا﴾ أَي: خوفًا.
﴿وَالَّتِي أحصنت فرجهَا﴾ جَيْبَ دِرْعِهَا عَنِ الْفَوَاحِشِ ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا من رُوحنَا﴾ تَنَاوَلَ جِبْرِيلُ بِأُصْبَعِهِ جَيْبَهَا فَنَفَخَ فِيهِ؛ فَسَارَ إِلَى بَطْنِهَا فَحَمَلَتْ ﴿وجعلناها وَابْنهَا آيَة للْعَالمين﴾ يَعْنِي: أَنَّهَا وَلَدَتْهُ مِنْ غَيْرِ رجل.
سُورَة الْأَنْبِيَاء من (آيَة 92 آيَة 95).
﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قَالَ قَتَادَةُ: أَيْ: دِينَكُمْ دِينًا وَاحِدًا.
قَالَ مُحَمَّدٌ: مَنْ قَرَأَ ﴿أُمَّتُكُمْ﴾ بِالرَّفْع، وَنصب (أمة وَاحِدَة) فأمتكم رفع خبر (هَذِه)، وَنصب (أمة) لِمَجِيءِ النَّكِرَةِ بَعْدَ تَمَامِ الْكَلَامِ؛ هَذَا قَول أبي عُبَيْدَة.
﴿وتقطعوا أَمرهم بَينهم﴾ يَعْنِي: أَهْلَ الْكِتَابِ؛ أَيْ: فَرَّقُوا دِينَهُمُ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ، يَعْنِي: الْإِسْلَام [فَدَخَلُوا فِي] غَيره.
﴿فَلَا كفران لسعيه﴾ لعمله ﴿وَإِنَّا لَهُ كاتبون﴾ نحسب حَسَنَاته (ل 218) حَتَّى يجزى بهَا الْجَنَّةِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: تَقُولُ الْعَرَبُ: غُفْرَانَكَ لَاكُفْرَانَكَ؛ الْمَعْنَى: لَا نَجْحَدُ.
﴿وَحرَام على قَرْيَة أهلكناها﴾ أَيْ: وَاجِبٌ عَلَيْهَا ﴿أَنَّهُمْ لَا يرجعُونَ﴾ قَالَ الْحَسَنُ: [الْمَعْنَى] أَنَّهُمْ لَا يَتُوبُونَ، وَلَا يَرْجِعُونَ عَنْ كُفْرِهِمْ.
وتقرأ أَيْضا ﴿وَحرم عَلَى قَرْيَةٍ﴾.
قَالَ مُحَمَّدٌ: حِرُمَ وَحَرَامٌ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ؛ أَيْ: وَاجِبٌ.
قَالَ الشَّاعِرُ:
(فَإِنَّ حَرَامًا لَا أَرَى الدَّهْرَ بَاكِيًا ... عَلَى شَجْوَةٍ إِلَّا بَكَيْتُ على عَمْرو)
سُورَة الْأَنْبِيَاء من (آيَة 96 آيَة 100).
قَوْله: ﴿حَتَّى إِذا فتحت﴾ أَيْ: أُرْسِلَتْ ﴿يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ من كل حدب يَنْسلونَ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي: مِنْ كُلِّ أَكَمَةٍ يَخْرُجُونَ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: النَّسَلَانِ فِي اللُّغَةِ: مُقَارَبَةُ الْخَطْوِ مَعَ الْإِسْرَاع.
﴿واقترب الْوَعْد الْحق﴾ يَعْنِي: النَّفْخَةَ الْآخِرَةَ ﴿فَإِذَا هِيَ شاخصة أبصار الَّذين كفرُوا﴾ إِلَى إِجَابَةِ الدَّاعِي.
﴿يَا وَيْلَنَا﴾ يَقُولُونَ: يَا وَيْلَنَا ﴿قَدْ كُنَّا فِي غَفلَة من هَذَا﴾ يَعْنُونَ: تَكْذِيبَهُمْ بِالسَّاعَةِ ﴿بَلْ كُنَّا ظالمين﴾ لأنفسنا
﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله﴾ قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي: الشَّيَاطِينَ الَّذِينَ دَعَوْهُمْ إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ؛ لِأَنَّهُمْ بِعِبَادَتِهِمُ الْأَوْثَانَ عَابِدُونَ لِلشَّيَاطِينِ ﴿حَصَبُ جَهَنَّم﴾ أَيْ: يُرْمَى بِهِمْ فِيهَا.
قَالَ مُحَمَّد: ﴿حصب جَهَنَّم﴾ مَا أُلْقِي فِيهَا؛ تَقُولُ: حَصَبْتُ فُلَانًا حَصْبًا بِتَسْكِينِ الصَّادِ؛ أَيْ: رَمَيْتُهُ، وَمَا رَمَيْتَ فَهُوَ حَصَبٌ.
﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَة مَا وردوها﴾ (يَعْنِي: الشَّيَاطِينَ) ﴿وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ العابدون والمعبودون
﴿لَهُم فِيهَا زفير﴾ قَدْ مَضَى تَفْسِيرُ الزَّفِيرِ وَالشَّهِيقِ ﴿وهم فِيهَا لَا يسمعُونَ﴾ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِذَا بَقَى فِي النَّارِ مَنْ يَخْلُدُ فِيهَا جُعِلُوا فِي تَوَابِيتَ مِنْ نَارٍ فِيهَا مَسَامِيرٌ مِنْ نَارٍ، ثُمَّ جُعِلَتِ التَّوَابِيتُ فِي تَوَابِيتَ أُخَرَ، ثُمَّ جُعِلَتْ تِلْكَ التَّوَابِيتُ فِي تَوَابِيتَ أُخَرَ؛ فَلا يَرَوْنَ أَنَّ أَحَدًا يُعَذَّبُ فِي النَّارِ غَيْرَهَمْ.
ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يسمعُونَ﴾.
سُورَة الْأَنْبِيَاء من (آيَة 101 آيَة 104).
﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحسنى﴾ يَعْنِي: الْجنَّة ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا﴾ (يَعْنِي: النَّار) ﴿مبعدون﴾ قَالَ الْكَلْبِيُّ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَام مُقَابِلَ بَابِ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ اقْتَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ فَوَجِدَ مِنْهَا
أَهْلُ مَكَّةَ وَجْدًا شَدِيدًا، فَقَالَ ابْنُ الزِّبْعَرَى: يَا مُحَمَّدُ؛ أَرَأَيْتَ الْآيَةَ الَّتِي قَرَأْتَ آنِفًا أَفِينَا وَهِي آلِهَتِنَا خَاصَّةً، أَمْ فِي الْأُمَمِ وَآلِهَتِهِمْ؟ قَالَ: لَا؛ بَلْ فِيكُمْ وَفِي آلِهَتِكُمْ وَفِي الْأُمَمِ وَآلِهَتِهِمْ.
فَقَالَ: خَصَمْتُكَ وَالْكَعْبَةِ؛ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ النَّصَارَى يَعْبُدُونَ عِيسَى وَأُمِّهِ، وَإِنَّ طَائِفَةً مِنَ النَّاسِ يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَةِ، أَفَلَيْسَ هَؤُلَاءِ مَعَ أَلِهَتِنَا فِي النَّارِ؟! فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ، وَضَحِكَتْ قُرَيْشٌ وَلَجُّوا؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَوَابَ قَوْلِهِمْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مبعدون﴾ يَعْنِي: عُزَيْرًا وَعِيسَى وَالْمَلَائِكَة
﴿لَا يسمعُونَ حَسِيسهَا﴾ يَعْنِي: صَوْتَهَا إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الْفَزَعُ الْأَكْبَر﴾ قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي: النَّفْخَةَ الْآخِرَةَ ﴿وتتلقاهم الْمَلَائِكَة﴾ قَالَ الْحَسَنُ: تَتَلَقَّاهُمُ بِالْبِشَارَةِ حِينَ يَخْرُجُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ، وَتَقُولُ: ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾.
﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكِتَابِ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي: كَطَيِّ الصَّحِيفَةِ فِيهَا الْكِتَابُ ﴿كَمَا بَدَأْنَا أول خلق نعيده﴾ قَالَ الْكَلْبِيُّ: إِذَا أَرَادَ أَنْ يُبْعَثَ الْمُوْتَى، عَادَ النَّاسُ كُلُّهُمْ نُطَفًا ثُمَّ عِلَقًا ثُمَّ مُضَغًا ثُمَّ عِظَامًا ثُمَّ لَحْمًا، ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِمُ الرُّوحَ، فَكَذَلِكَ بَدَأَهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يُرْسِلُ اللَّهَ مَاءً مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ مَنِيًا كَمَنِيِّ الرِّجَالِ فَتَنْبُتُ بِهِ جُسْمَانُهُمْ وَلُحْمَانُهُمْ؛ كَمَا تَنْبُتُ الْأَرْضُ مِنَ الثرى.
﴿وَعدا علينا﴾ (يَعْنِي: الْبِدْءَ) ﴿إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ أَيْ: نَحْنُ فَاعِلُونَ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: ﴿وَعدا﴾ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ؛ بِمَعْنَى: وَعَدْنَاهُمْ [هَذَا] وَعدا.
سُورَة الْأَنْبِيَاء من (آيَة 105 آيَة 112).
﴿وَلَقَد كتبنَا فِي الزبُور﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي: الْكُتُبَ: التَّوْرَاةَ والْإِنْجِيلَ وَالْقُرْآنَ ﴿مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ يَعْنِي: اللَّوْحَ الْمَحْفُوظَ ﴿أَنَّ الأَرْضَ﴾ يَعْنِي: أَرْضَ الْجَنَّةِ ﴿يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصالحون﴾
﴿إِن فِي هَذَا﴾ يَعْنِي: الْقُرْآن ﴿لبلاغا﴾ إِلَى الْجنَّة ﴿لقوم عابدين﴾ الَّذين يصلونَ [الصَّلَوَات الْخمس]
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (ل 219) تَفْسِير سَعِيد بْن جُبَيْر قَالَ: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ تَمَّتْ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ عُوفِيَ مِمَّا عُذِّبَتْ بِهِ الْأُمَمُ؛ وَلَهُ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ.
قَالَ يَحْيَى: [إِلَّا أَنَّ] تَفْسِيرَ النَّاسِ أَنَّ اللَّهَ أَخَّرَ عَذَابَ كُفَّارِ آخِرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالِاسْتِئْصَالِ إِلَى النَّفْخَةِ الْأُولَى، ثُمَّ يَكُونُ هلاكهم بعد هَذَا.
﴿فَقل آذنتكم على سَوَاء﴾ قَالَ الْحَسَنُ: يَقُولُ: مَنْ كَذَّبَ بِي فَهُوَ عِنْدِي سَوَاءٌ؛ أَيْ: جِهَادُكُمْ كُلُّكُمْ عِنْدِي سَوَاءٌ.
قَالَ مُحَمَّد: وَمعنى (آذنتكم): أَعْلَمْتُكُمْ.
﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بعيد مَا توعدون﴾ يَعْنِي: السَّاعَة
﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾ تَفْسِير الْحسن يَقُول: وَإِن أَدْرِي لَعَلَّ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ السَّعَةِ وَالرَّخَاءِ وَهُوَ مُنْقَطِعٌ زائل ﴿فتْنَة﴾ بلية لكم ﴿ومتاع﴾ تَسْتَمْتِعُونَ بِهِ؛ يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ ﴿إِلَى حِين﴾ قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي: إِلَى الْمَوْتِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَمَعْنَى (وَإِنْ أَدْرِي): وَمَا أَدْرِي.
﴿قل رب احكم بِالْحَقِّ﴾ قَالَ الْحَسَنُ: أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَدْعُوَ أَنْ يَنْصَرَ أَوْلِيَاءَهُ عَلَى أَعْدَائِهِ، فَنَصَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ أَيْ: تَكْذِبُونَ.