آل عمران
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن أبي زَمَنِين
- الكتاب
- تفسير القرآن العزيز
- المؤلف
- أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى بن محمد المري، الإلبيري المعروف بابن أبي زَمَنِين المالكي (المتوفى: 399هـ)
- المحقق
- أبو عبد الله حسين بن عكاشة - محمد بن مصطفى الكنز
- الناشر
- الفاروق الحديثة - مصر/ القاهرة
- الطبعة
- الأولى، 1423هـ - 2002م
- عدد الأجزاء
- 5 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
تَفْسِير سُورَة آل عمرَان وَهِي مَدَنِيَّة كلهَا بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم [آيَة 1 - 6]
قَوْله: ﴿الم اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيّ القيوم﴾ ((الْحَيّ)) الَّذِي لَا يَمُوت، ((القيوم)) قَالَ الحَسَن: يَعْنِي: الْقَائِم عَلَى كُلِّ نفس بكسبها حَتَّى يجزيها بِهِ
﴿نزل عَلَيْك الْكتاب﴾ الْقُرْآن ﴿بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يَعْنِي: التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيل﴾
﴿من قبل﴾ يَعْنِي: من قبل الْقُرْآن ﴿هُدًى للنَّاس﴾ يَعْنِي: أنزل هَذِه الْكتب جَمِيعًا هدى للنَّاس ﴿وَأنزل الْفرْقَان﴾ تَفْسِير قَتَادَة: فرق اللَّه فِي الْكتاب بَين الْحق وَالْبَاطِل.
﴿إِنَّ الَّذين كفرُوا بآيَات الله﴾ تَفْسِير الحَسَن: يَعْنِي: بدين اللَّه.
﴿وَالله عَزِيز﴾ فِي نقمته ﴿ذُو انتقام﴾ من أعدائه
﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيفَ يَشَاء﴾ كَقَوْلِه: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ ركبك﴾ [آيَة]
[آيَة 7 - 10]
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكتاب وَأخر متشابهات﴾ تَفْسِير مُجَاهِد: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، يَعْنِي: مَا فِيهِ من الْحَلَال وَالْحرَام، وَمَا سوى ذَلِك مِنْهُ الْمُتَشَابه.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زيغ﴾ الْآيَة.
كَانَ الحَسَن يَقُولُ: نزلت فِي الْخَوَارِج.
قَالَ الحَسَن: وَمعنى ﴿ابْتِغَاء الْفِتْنَة﴾: طلب الضَّلَالَة.
قَالَ مُحَمَّد: الْفِتْنَة تتصرف عَلَى ضروب؛ فَكَانَ الضَّرْب الَّذِي ابتغاه هَؤُلاءِ إِفْسَاد ذَات الْبَين فِي الدِّين، وَمعنى ﴿الزيغ﴾: الْجور، والميل عَنِ الْقَصْد.
يَحْيَى: عَنِ الْحَارِثِ بْنِ نَبْهَانَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلا هَذِهِ الآيَةَ، فَقَالَ: إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيهِ، فَهُمُ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ؛ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ، فَلا تُجَالِسُوهُمْ، أَوْ قَالَ: احْذَرُوهُمْ)).
يَحْيَى: وَفِي تَفْسِير ابْن عَبَّاس: قَالَ: نزل الْقُرْآن عَلَى أَرْبَعَة أوجه: حَلَال وَحرَام لَا يسع النَّاس جَهله، وَتَفْسِير يُعلمهُ الْعلمَاء، وعربية تعرفها الْعَرَب، وَتَأْويل لَا يُعلمهُ إِلَّا اللَّه.
يَقُولُ الراسخون فِي الْعِلْم: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أولو الْأَلْبَاب﴾ أولو الْعُقُول؛ وهم الْمُؤْمِنُونَ.
﴿رَبنَا لَا تزغ قُلُوبنَا﴾ الْآيَة.
قَالَ الْحسن: هَذَا دُعَاء، أَمر اللَّه الْمُؤمنِينَ
أَن يدعوا بِهِ.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُم أَمْوَالهم﴾ أَي: لن تنفعهم ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وقود النَّار﴾ يَعْنِي: حطبها.
[آيَة 11 - 13]
﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قبلهم﴾ الْآيَة.
قَالَ الحَسَن: هَذَا مثل ضربه اللَّه لمشركي الْعَرَب؛ يَقُولُ: كفرُوا، وصنعوا كصنيع آل فِرْعَوْن وَالَّذين من قبلهم من الْكفَّار ﴿فَأَخذهُم الله بِذُنُوبِهِمْ﴾ فَهَزَمَهُمْ يَوْم بدر، وحشرهم إِلَى جَهَنَّم.
قَالَ مُحَمَّد: الدأب فِي اللُّغَة: الْعَادة؛ يُقَال: هَذَا دأبه.
﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فئتين التقتا﴾ هما فئتا بدر؛ فِئَة الْمُؤمنِينَ، وَفِئَة مُشْركي الْعَرَب.
﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعين﴾ قَالَ الحَسَن: يَقُولُ: قد كَانَ لكم أَيهَا الْمُشْركُونَ آيَة (ل 43) فِي فِئَتكُمْ، وَفِئَة رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه؛ إِذْ ترونهم مثليكم رَأْي الْعين؛ لما أَرَادَ الله أَن يرعب قُلُوبهم، ويخذلهم
ويخزيهم، وَكَانَ مَعَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَلَائِكَة وَجِبْرِيل، يَقُول، لَقَدْ كَانَ لكم فِي هَؤُلاءِ عِبْرَة ومتفكر؛ أَيّدهُم اللَّه، ونصرهم على عدوهم ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصَارِ﴾ وهم الْمُؤْمِنُونَ.
قَالَ قَتَادَة: وَكَانَ الْمُشْركُونَ آلفوا يَوْم بدر، أَو قاربوا الْألف، وَكَانَ أَصْحَاب رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثمِائَة وَبضْعَة عشر رجلا.
[آيَة 14]
﴿زين للنَّاس حب الشَّهَوَات﴾ قَالَ مُحَمَّد: هُوَ كَقَوْلِه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا﴾.
﴿والقناطير المقنطرة﴾ [قَالَ قَتَادَة] يَعْنِي: المَال الْكثير بعضه عَلَى بَعْض ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ قَالَ الحَسَن: يَعْنِي: الراعية.
قَالَ مُحَمَّد: يُقَال: سامت الْخَيل، فَهِيَ سَائِمَة؛ إِذا رعت، وسوَّمتها فَهِيَ مسومة؛ إِذا رعيتها ﴿وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِك مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ الْمَتَاع: مَا يسْتَمْتع بِهِ، ثمَّ يذهب.
﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ الْمرجع للْمُؤْمِنين؛ يَعْنِي: الْجنَّة.
[آيَة 15 - 17]
﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ يَعْنِي: الَّذِي ذكر من مَتَاع الْحَيَاة الدُّنيا ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾
يَحْيَى: عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُول: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ((إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَرَأَوْا مَا فِيهَا - قَالَ اللَّهُ: لَكُمْ عِنْدِي أَفْضَلُ مِنْ هَذَا.
قَالُوا: رَبَّنَا لَيْسَ شَيْءٌ أَفْضَلَ مِنَ الْجَنَّةِ.
قَالَ: بَلَى أُحِلُّ عَلَيْكُم رِضْوَانِي)).
﴿الصابرين والصادقين﴾ أَي: صدقت نيتهم، واستقامت قُلُوبهم وألسنتهم فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ يَعْنِي: المطيعين ﴿والمستغفرين﴾ يَعْنِي: أهل الصَّلاة.
يَقُولُ: هَلْ يَسْتَوِي هَؤُلاءِ وَالْكفَّار؟ أَي: أَنهم لَا يستوون عِنْد الله.
[آيَة 18 - 19]
﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِما بِالْقِسْطِ﴾ فِيهَا تَقْدِيم وَتَأْخِير؛ يَقُول: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ قَائِما بِالْقِسْطِ؛ أَي بِالْعَدْلِ [وَيشْهد الْمَلَائِكَة وَيشْهد أولو الْعِلْم وهم الْمُؤْمِنُونَ]
قَالَ مُحَمَّد: نصب ﴿قَائِما﴾ عَلَى الْحَال؛ وَهِي حَال مُؤَكدَة.
﴿فَإِن توليتم مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ يَعْنِي: مَا بَين لَهُم ﴿فَاعْلَمُوا أَن الله عَزِيز حَكِيم﴾
قَالَ يَحْيَى: أَحسب أَنهم فسروا كُلَّ شَيْء فِيهِ وَعِيد: عَزِيز فِي نقمته، وكُلَّ شَيْء لَيْسَ فِيهِ وَعِيد: عَزِيز فِي ملكه.
﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ وَكَانُوا عَلَى الإِسْلام ﴿إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا﴾ أَي: حسداً ﴿بَينهم﴾
قَالَ مُحَمَّد: نصب ﴿بغيا﴾ عَلَى معنى: للبغي.
﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحساب﴾ يَعْنِي: الْعَذَاب؛ أَي: إِذا أَرَادَ أَن يعذبهم، لم يؤخرهم عَنْ ذَلِكَ الْوَقْت؛ هَذَا تَفْسِير الحَسَن.
[آيَة 20 - 22]
﴿فَإِن حاجوك فَقل أسلمت﴾ أَي: أخلصت ﴿وَجْهي﴾ أَي: ديني ﴿لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ أَي: وَأسلم من اتبعني وَجهه لله.
﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ والأميين﴾ يَعْنِي: مُشْركي الْعَرَب؛ وَكَانَت هَذِه الْأمة أُميَّة لَا كتاب لَهَا؛ حَتَّى نزل الْقُرْآن.
﴿أأسلمتم﴾ أَي: أخلصتم ﴿فَإِن أَسْلمُوا﴾ أَخْلصُوا ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بالعباد﴾ أَي: بأعمال الْعباد
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي: بدين اللَّه ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيم﴾ موجع.
[آيَة 23]
[آيَة 24 - 25]
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبا من الْكتاب﴾ الْآيَة.
\ قَالَ قَتَادَة: هُم الْيَهُود؛ دعاهم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى المحاكمة إِلَى كتاب اللَّه [وَأَحْكَامه؛ أَي] كتاب الله الَّذِي أنزلهُ عَلَيْهِ (ل 44) فَوَافَقَ كِتَابهمْ الَّذِي أنزل عَلَيْهِم، فتولوا عَنْ ذَلِكَ، وأعرضوا عَنْهُ.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّار إِلَّا أَيَّامًا معدودات﴾ عدد الْأَيَّام الَّتِي عبدُوا فِيهَا الْعجل؛ يَعْنِي بِهِ أوائلهم، ثمَّ رَجَعَ الْكَلَام إِلَيْهِم؛ فَقَالَ: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يفترون﴾ أَي: يختلقون من الْكَذِب عَلَى اللَّه، قَالَ قَتَادَة، وَهُوَ قَوْلهم ﴿نَحن أَبنَاء الله وأحباؤه﴾
﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا ريب فِيهِ﴾ لَا شكّ فِيهِ.
قَالَ مُحَمَّد: الْمَعْنى - وَالله أعلم - فَكيف يكون حَالهم فِي ذَلِكَ الْيَوْم؛ وَهَذَا من الِاخْتِصَار.
﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كسبت﴾ أما الْمُؤْمن فيوفى حَسَنَاته فِي الْآخِرَة، وَأما الْكَافِر فيجازى بِهَا فِي الدُّنيا، ولَهُ فِي الْآخِرَة عَذَاب النَّار.
[آيَة 26]
[آيَة 27]
﴿قل اللَّهُمَّ مَالك الْملك﴾ الْآيَة.
قَالَ قَتَادَة: ((ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ ربه أَن يَجْعَل ملك فَارس وَالروم فِي أمته، فَأنْزل اللَّه هَذِه الْآيَة إِلَى آخرهَا)).
﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَار فِي اللَّيْل﴾ وَهُوَ أَخذ كل وَاحِد مِنْهُمَا من صَاحبه؛ نُقْصَان اللَّيْل فِي زِيَادَة النَّهَار، ونقصان النَّهَار فِي زِيَادَة اللَّيْل ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ تَفْسِير الحَسَن وَقَتَادَة: تخرج المُؤْمن من الْكَافِر، وَتخرج الْكَافِر من الْمُؤمن ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَاب﴾ يَعْنِي: بِغَيْر محاسبة مِنْهُ لنَفسِهِ.
[آيَة 28 - 32]
﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾ يَعْنِي: فِي النصحية ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تقاة﴾.
يَحْيَى: عَنِ الْفُرَاتِ بْنِ سَلْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: ((أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ أَبِي فَلَمْ يَتْرُكُوهُ؛ حَتَّى سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ ثُمَّ تَرَكُوهُ، فَلَمَّا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَا وَرَاءُكَ؟ قَالَ: شَرٌّ يَا رَسُول الله، وَاللَّهِ مَا تُرِكْتُ حَتَّى نِلْتُ مِنْكَ، وَذَكَرْتُ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ! قَالَ: فَكَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟ قَالَ: أَجِدُهُ مُطْمَئِنًّا بِالإِيمَانِ قَالَ: فَإِنْ عَادُوا فعد)).
﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عملت من خير محضرا﴾ أَي: موفرا كثيرا ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَينهَا وَبَينه أمدا بَعيدا﴾ فَلَا يَجْتَمِعَانِ أبدا.
قَالَ مُحَمَّد: نصب (يَوْمًا) عَلَى معنى: ويحذركم اللَّه نَفسه فِي ذَلِكَ الْيَوْم.
قَوْله: ﴿ويحذركم الله نَفسه﴾ يَعْنِي: عُقُوبَته ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ أَي: رَحِيم؛ أما المُؤمن فَلهُ رَحْمَة الدُّنيا وَالْآخِرَة، وَأما الْكَافِر فرحمته فِي الدُّنيا مَا رزقه اللَّه فِيهَا، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْآخِرَة إِلَّا النَّار.
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتبعُوني يحببكم الله﴾ قَالَ الْحسن: جعل محبَّة رَسُوله محبته، وطاعته طَاعَته.
﴿قل أطِيعُوا الله وَالرَّسُول﴾ أَي: أطِيعُوا اللَّه فِي الْفَرَائِض.
[آيَة 33 - 37]
﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾ أَي: اخْتَار.
﴿وَآل إِبْرَاهِيم﴾ يَعْنِي: إِبْرَاهِيم وَولده، وَولد وَلَده ﴿وَآل عمرَان على الْعَالمين﴾
﴿ذُرِّيَّة بَعْضهَا من بعض﴾ قَالَ قَتَادَة: أَي: فِي النِّيَّة وَالْعَمَل وَالْإِخْلَاص
﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْني محررا﴾ تَفْسِير قَتَادَة: قَالَ: كَانَت امْرَأَة عمرَان حررت لله مَا فِي بَطنهَا، وَكَانُوا يحررون الذُّكُور؛ فَكَانَ الْمُحَرر إِذا حرر يكون فِي الْمَسْجِد يقوم عَلَيْهِ ويكنسه لَا يبرح مِنْهُ،
وَكَانَت الْمَرْأَة لَا يُسْتَطَاع أَن (يصنع) ذَلِكَ بِهَا؛ لما يُصِيبهَا من الْأَذَى
﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وضعت﴾ وَهِي تقْرَأ على وَجه آخر: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَان الرَّجِيم﴾ أَي: الملعون أَن يضلها وإياهم ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَلَهَا زَكَرِيَّا﴾ أَي: ضمهَا إِلَيْهِ؛ فِي تَفْسِير من خفف قرَاءَتهَا، وَمن ثقلهَا يَقُولُ: ﴿وَكَفَّلَهَا﴾ أَي: فكفلها اللَّه زَكَرِيَّا، بِنصب زَكَرِيَّا.
قَالَ الْكَلْبِيّ: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا﴾ لفتها فِي خرقها، (ل 45) ثمَّ أرْسلت بِهَا إِلَى مَسْجِد بَيت الْمُقَدّس، فَوَضَعتهَا فِيهِ فتنافسها الْأَحْبَار بَنو هَارُون، فَقَالَ لَهُم زَكَرِيَّا: أَنا أحقكم بِهَا عِنْدِي أُخْتهَا فذروها لِي، فَقَالَت الْأَحْبَار: لَو تركت لأَقْرَب النَّاس إِلَيْهَا لتركت لأمها، وَلَكنَّا نقترع عَلَيْهَا؛ فَهِيَ لمن خرج سَهْمه، فاقترعوا عَلَيْهَا بأقلامهم الَّتِي كَانُوا يَكْتُبُونَ بِهَا الْوَحْي، فقرعهم زَكَرِيَّا، فَضمهَا إِلَيْهِ، واسترضع لَهَا؛ حَتَّى إِذا شبت بنى لَهَا محرابا فِي الْمَسْجِد، وَجعل بَابه فِي وَسطه لَا يرتقى إِلَيْهَا إِلَّا بسلم، وَلا يَأْمَن عَلَيْهَا غَيره.