النور
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن أبي زَمَنِين
- الكتاب
- تفسير القرآن العزيز
- المؤلف
- أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى بن محمد المري، الإلبيري المعروف بابن أبي زَمَنِين المالكي (المتوفى: 399هـ)
- المحقق
- أبو عبد الله حسين بن عكاشة - محمد بن مصطفى الكنز
- الناشر
- الفاروق الحديثة - مصر/ القاهرة
- الطبعة
- الأولى، 1423هـ - 2002م
- عدد الأجزاء
- 5 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
تَفْسِيرُ سُورَةِ النُّورِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ كلهَا
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَة النُّور من (آيَة 1 آيَة 3).
قَوْله: ﴿سُورَة أنزلناها﴾ (أَيْ: هَذِهِ سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا) ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ يَعْنِي: مَا فُرِضَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ، وَحُدَّ فِيهَا مِنْ حُدُودِهِ، وَتُقْرَأُ: (فَرَّضْنَاهَا) بِالتَّثْقِيلِ؛ يَعْنِي: بَيَّنَّاهَا ﴿وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تذكرُونَ﴾ لكَي تَذكرُوا
﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مائَة جلدَة﴾ هَذَا فِي الْأَحْرَارِ إِذْا لَمْ يَكُونَا مُحْصَنَيْنِ؛ فَإِنْ كَانَا مُحْصَنَيْنِ رُجِمَا.
قَالَ مُحَمَّدٌ: مَنْ قَرَأَ (الزَّانِيَة) بِالرَّفْعِ فَتَأْوِيلُهُ الِابْتِدَاءُ.
قَالَ الْحَسَنُ: وَالرَّجْمُ فِي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَهُوَ فِي مُصْحَفِنَا أَيْضًا فِي سُوْرَةِ الْمَائِدَةِ فِي قَوْلِهِ: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا
للَّذين هادوا والربانيون والأحبار} حَيْثُ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ اليَّهُودِيَّيْنِ حِينَ ارْتَفَعُوا إِلَيْهِ.
يَحْيَى: عَنِ الْمُعَلَّى، عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: " قَالَ لِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: يَا زِرُّ، كَمْ تَقْرَءُونَ سُورَةَ الْأَحْزَابِ؟ قُلْتُ: ثَلَاثًا وَسَبْعِينَ آيَةً.
قَالَ: قَطْ؟ قُلْتُ: قَطْ؟ قَالَ: فَوَاللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَتُوازِي سُورَةَ الْبَقَرَةِ، وَإِنَّ فِيهَا لَآيَةَ الرَّجْمِ.
قُلْتُ: وَمَا آيَةُ الرَّجْمِ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ؟ قَالَ: " إِذَا زَنَى الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ".
الْمَسْعُودِيُّ: عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ " أَنَّ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ حَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ
قَالَ: أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فَكُنَّا نَقْرَأُ: " لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ فَإِنَّهُ كُفْرٌ، وَآيَةُ الرَّجْمِ، وَإِنِّي قَدْ خِفْتُ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ قَوْمٌ يَقُولُونَ: لَا رَجْمَ ﴿وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ رَجَمَ وَرَجَمْنَا﴾ وَاللَّهِ لَوْلَا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ: إِنَّ عُمَرَ زَادَ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَأَثْبَتُّهَا، وَلَقَدْ نَزَلَتْ وَكَتَبْنَاهَا ". ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دين الله﴾ فِي حُكْمِ اللَّهِ، قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي: أَنْ يُجْلَدَ الْجَلْدَ الشَّدِيدَ.
يحيى: عَن الْخضر بْنِ مُرَّةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كُثَيْرٍ " أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَام أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَصَبْتُ حَدًّا؛ فَأَقِمْهُ عَلِيَّ! فَدَعَا بِسَوْطٍ، فَأُتِي بِسَوْطٍ شَدِيدٍ.
فَقَالَ: سَوْطٌ دُونَ هَذَا.
فَأُتِي بِسَوْطٍ مُنْكَسِرِ الْعَجُزِ، فَقَالَ: فَوْقَ هَذَا.
فَأُتِي
بِسَوْطٍ بَيْنَ السَّوْطَيْنِ فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ [جَلْدًا بَيْنَ الْجَلْدَيْنِ] ". ﴿وَلْيَشْهَدْ غذابهما﴾ أَيْ: جَلْدَهُمْا ﴿طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يُقَال: (ل 231) الطَّائِفَة رجل فَصَاعِدا.
﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً﴾ الْآيَةُ، تَفْسِيرُ بَعْضِهِمْ يَقُولُ: نَزَلَتْ فِي كُلِّ زَانٍ وَزَانِيَةٍ، ثُمَّ نُسِخَتْ.
يَحْيَى: عَنْ نَصْرِ بْنِ طَرِيفٍ قَالَ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: " نَسَخَتْهَا ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ ". [﴿وَحرم ذَلِك على الْمُؤمنِينَ﴾ يُرِيدُ لَا يَحِلُّ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَتَزَوَّجَ زَانِيَةً مَشْهُورَةَ بِالزِّنَا، وَلَا عَبَدَةَ الْأَصْنَامِ، وَلَا يَحِلُّ لِمُؤْمِنَةٍ أَنْ تَتَزَوَّجَ مُشْرِكًا مِنْ عَبَدَةِ الْأَصْنَام، وَلَا مَشْهُورا بِالزِّنَا].
سُورَة النُّور من (آيَة 4 آيَة 10).
﴿وَالَّذين يرْمونَ﴾ أَي: يقذفون بِالزِّنَا ﴿الْمُحْصنَات﴾ يَعْنِي: الْحَرَائِرَ الْمُسْلِمَاتِ ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بأَرْبعَة شُهَدَاء﴾ يَجِيئُونَ جَمِيعًا يَشْهَدُونَ عَلَيْهَا بِالزِّنَا ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جلدَة﴾ يُجْلَدُ بِالسَّوْطِ ضَرْبًا بَيْنَ ضَرْبَيْنِ، وَكَذَلِكَ مَنْ قَذَفَ حُرًّا مُسْلِمًا.
﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ﴾ الْعَاصُونَ، وَلَيْسَ بِفِسْقِ الشِّرْكِ؛ وَهِيَ من الْكَبَائِر
﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِك﴾ الْآيَةُ، تَفْسِيرُ الْحَسَنِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَا: تَوْبَتُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ وَلَا شَهَادَةَ لَهُ.
﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ قَالَ يَحْيَى: هَذَا إِذَا ارْتَفَعَا إِلَى الْإِمَامُ، وَثَبَتَ عَلَى قَذْفِهَا؛ قَالَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ عِنْدَ الْإِمَامِ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنِّي لَصَادِقٌ، ثُمَّ يَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلِيَّ إِنْ كُنْتُ مِنَ الْكَاذِبِينَ، وَتَقُولُ هِيَ أَربع مَرَّات: أشهد بِاللَّه إِنَّهُ لِكَاذِبٌ تَعْنِي زَوْجَهَا ثُمَّ تَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ: غَضَبُ اللَّهِ عَلِيَّ إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: مَنْ قَرَأَ (أَرْبَعَ) بِالنَّصْبِ، فَالْمَعْنَى: فَعَلَيْهِمْ أَنَّ يَشْهَدَ أَحَدُهْمَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ وَهِيَ تُقْرَأُ بِالرَّفْعِ عَلَى خَبَرِ الِابْتِدَاءِ؛ الْمَعْنَى: فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمُ الَّتِي تَدْرَأُ حَدَّ الْقَذْف أَربع شَهَادَات.
﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ: يَقُولُ: لَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَنِعْمَتُهُ لَأَهْلَكَ الْكَاذِبَ مِنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ ﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيم﴾ تَوَّابٌ عَلَى مَنْ تَابَ مِنْ ذَنبه، حَكِيم فِي أمره سُورَة النُّور من (آيَة 11 آيَة 15).
﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ﴾ جمَاعَة ﴿مِنْكُم﴾ تَفْسِيرُ قَتَادَةَ: قَالَ: هَذَا كَانَ فِي شَأْنِ عَائِشَةَ، وَمَا أُذِيعَ عَلَيْهَا أَنَهَا كَانَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، فَأَخَذَ النَّاسُ فِي الرَّحِيلِ، وَانْقَطَعَتْ قِلَادَةٌ لَهَا؛ فَطَلَبَتْهَا فِي الْمَنْزِلِ وَمَضَى النَّاسُ، وَقَدْ كَانَ صَفْوَانُ بْنُ مُعَطَّلٍ تَخَلَّفَ عَنِ الْمَنْزِلِ قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أقبل
فَوجدَ النَّاس قد ارتحلوا وَهُوَ عَلَى بَعِيرِهِ، وَإِذَا هُوَ بِعَائِشَةَ فَجَاءَ بِبَعِيرِهِ وَوَلَّاهَا ظَهْرَهُ حَتَّى رَكِبَتْ، ثُمَّ قَادَهَا فَجَاءَ وَقَدْ نَزَلَ النَّاسُ، فَتَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ قَوْمٌ فَاتَّهَمُوهَا.
قَالَ يَحْيَى: " بَلَغَنِي أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أبي ابْن سَلُولٍ وَحَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ وَمُسْطَحًا وَحَمْنَةَ بِنْتَ جَحْشٍ هُمُ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا فِي ذَلِكَ، ثُمَّ شَاعَ ذَلِكَ فِي النَّاسِ؛ فَزَعَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عُذْرَهَا جَلَدَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْحَدَّ ". ﴿لَا تَحْسَبُوهُ﴾ يَعْنِي: عَائِشَةَ وَصَفْوَانَ ﴿شَرًّا لَكُمْ﴾ يَعْنِي: مَا قِيلَ فِيهِمَا ﴿بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُم﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ قَالُوا مَا قَالُوا ﴿مَا اكْتسب من الْإِثْم﴾ عَلَى قَدْرِ مَا أَشَاعَ ﴿وَالَّذِي تولى كبره﴾ يَعْنِي: بَدَأَ بِهِ مِنْهُمْ ﴿لَهُ عَذَاب عَظِيم﴾ قَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْن أبي ابْن سلول الْمُنَافِق ﴿لَهُ عَذَاب عَظِيم﴾ جَهَنَّم.
سُورَة النُّور من (آيَة 16 آيَة 20).
﴿لَوْلَا﴾ هَلَّا ﴿إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَات بِأَنْفسِهِم﴾ أَيْ: بِإِخْوَانِهِمْ ﴿خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إفْك﴾ كذب ﴿مُبين﴾ بَين
﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيم﴾ فِيهَا تَقْدِيمٌ؛ يَقُولُ: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَالْإِفَاضَةُ فِيهِ كَانَ إِذَا لَقِيَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ، فَيَقُولُ: أَمَا بَلَغَكَ مَا قِيلَ مِنْ أَمر عَائِشَة وَصَفوَان
﴿إِذْ تلقونه بألسنتكم﴾ يَعْنِي: يَرْوِيهِ بَعْضُكُمْ عَنْ بَعْضٍ.
﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بهتان عَظِيم﴾ أَي: كذب.
(ل 232)
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَة﴾ يَعْنِي: أَنْ تَنْتَشِرَ ﴿فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة﴾ وَهُمُ الْمُنَافِقُونَ؛ كَانُوا يُحِبُّونَ ذَلِكَ، ليعيبوا بِهِ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام وَيَغِيظُوهُ، وَعَذَابُ الدُّنْيَا لِلْمُنَافِقِينَ أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُمُ الزَّكَاةُ وَمَا يُنْفِقُونَ فِي الْغَزْو كرها
﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ أَيْ: لِأَهْلَكَكُمْ؛ فَاسْتَأْصَلَكُمْ؛ يَعْنِي: الَّذِينَ قَالُوا مَا قَالُوا، وَلَيْسَ يَعْنِي بِالْفَضْلِ وَبِالرَّحْمَةِ: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ فِيهِمْ، وَقَدْ ذكر عبد هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ فِي النَّارِ.
قَالَ: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ بِالْمُؤْمِنِينَ.
سُورَة النُّور (آيَة 21).
﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَان﴾ أَمْرَ الشَّيْطَانِ ﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَان فَإِنَّهُ﴾ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ﴿يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾.
سُورَة النُّور من (آيَة 22 آيَة 26).
﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾ أَيْ: وَلَا يَحْلِفْ ﴿أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُم وَالسعَة﴾ يَعْنِي: الْغِنَى ﴿أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ الْآيَةُ، تَفْسِيرُ قَتَادَةَ: قَالَ: " أُنْزِلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَمُسْطَحٍ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي بَكْرٍ قَرَابَةٌ، وَكَانَ يَتِيمًا فِي حِجْرِهِ، وَكَانَ مِمَّنْ أَذَاعَ عَلَى عَائِشَةَ مَا أُذِيعَ؛ فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ بَرَاءَتَهَا وَعُذْرَهَا تَأَلَّى أَبُو بَكْرٍ أَلا يوليه خيرا أبدا، فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة، وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَعَا أَبَا بَكْرٍ فَتَلَاهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا تُحِبُّ أَنَ يَعْفُوَ اللَّهُ عَنْكَ؟ قَالَ: بَلَى.
قَالَ: فَاعْفُ
وَتَجَاوَزْ.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا جَرَمَ، وَاللَّهِ لَا أَمْنَعُهُ مَعْرُوفًا كُنْتُ أُولِيهِ إِيَّاهُ قَبْلَ الْيَوْمِ ".
﴿إِن الَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات﴾ يَعْنِي: العفائف ﴿الْغَافِلَات﴾ يَعْنِي: أَنَّهُنَ لَمْ يَفْعَلْنَ مَا قُذِفْنَ بِهِ ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿بِمَا كَانُوا يعْملُونَ﴾.
قَالَ يَحْيَى: بَلَغَنِي أَنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي ابْن سلول فِي أَمر عَائِشَة.
﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ: يَعْنِي: حِسَابَهُمُ الْعَدْلَ.
﴿الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات﴾ [تَفْسِيرُ قَتَادَةَ: الْخَبِيثَاتُ مِنَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ لِلْخَبِيثِينَ مِنَ النَّاسِ، وَالْخَبِيثُونَ مِنَ النَّاسِ لِلْخَبِيثَاتِ مِنَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ] ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ مِثْلُ ذَلِكَ؛ وَهَذَا فِي قِصَّةِ عَائِشَةَ ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مغْفرَة﴾ لذنوبهم ﴿وزرق كريم﴾ الْجنَّة.
سُورَة النُّور (آيَة 27).
قَوْلُهُ: ﴿تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ حَتَّى تستأذنوا؛ تَفْسِيرِ قَتَادَةَ.
وَفِيهَا تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ: حَتَّى تُسَلِّمُوا [وَتَسْتَأْنِسُوا].
قَالَ مُحَمَّدٌ: الِاسْتِئْنَاسُ فِي اللُّغَةِ مَعْنَاهُ: الِاسْتِعْلَامُ؛ تَقُولُ: اسْتَأْنَسْتُ فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا؛ أَيْ: اسْتَعْلَمْتُ وَتَعَرَّفْتُ.
قَالَ النَّابِغَةُ:
(كَأَنَّ رَحْلِي وَقَدْ زَالَ النَّهَارُ بِنَا ... بِذِي الْجَلِيلِ عَلَى مُسْتَأْنَسٍ وَحَدِ)
يَعْنِي: ثَوْرًا أَبْصَرَ شَيْئًا فَخَافَهُ فَهُوَ فَزِعٌ.
يَحْيَى: عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: " سُئِلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَيَسْتَأْذِنُ الرَّجُلُ عَلَى وَالِدَتِهِ وَإِنْ كَانَتْ عَجُوزًا، أَوْ عَلَى أُخْتِهِ؟! قَالَ: نَعَمْ ".
يَحْيَى: عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ؛ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ: " يَسْتَأْذِنُ الرَّجُلُ عَلَى كُلِّ امْرَأَةٍ إِلَّا عَلَى امْرَأَتِهِ ".
سُورَة النُّور من (آيَة 28 آيَة 29).
﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا﴾ يَعْنِي: الْبُيُوتَ الْمَسْكُونَةَ ﴿فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤذن لكم﴾ قَالَ قَتَادَةُ: لَا تَقِفْ عَلَى بَابِ قَوْمٍ قَدْ رَدُّوكَ عَنْ بَابِهِمْ؛ فَإِنَّ لِلنَّاسَ حَاجَاتٍ وَلَهُمْ أشغال
﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غير مسكونة﴾ يَعْنِي: الْفَنَادِقَ ﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ قَالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي: مَنَافِعَ لَكُمْ مِنَ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ؛ فَلَيْسَ عَلَيْهِ (أَنْ يَسْتَأْذِنَ) فِيهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهَا أهل يسكنونها.
سُورَة النُّور من (آيَة 30 آيَة 31).
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ يَعْنِي: يَغُضُّونَ أَبْصَارَهُمْ عَنْ جَمِيعِ الْمعاصِي، (من) هَاهُنَا صِلَةٌ زَائِدَةٌ.
يَحْيَى: عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدِ، عَنْ أَبِي زَرْعَةَ بْنِ عَمْرو ابْن جَرِيرٍ الْبَجَلِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: " سَأَلت رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ النَّظَرِ فَجْأَةً، فَقَالَ: اصْرِفْ بَصَرَكَ ".
قَوْله: ﴿ويحفظوا فروجهم﴾ عَمَّا لَا يحل لَهُم.
﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ عَمَّا لَا يَحِلُّ لَهُنَّ مِنَ النّظر ﴿ويحفظن فروجهن﴾ مِمَّا لَا يَحِلُّ لَهُنَّ وَهَذَا فِي الْأَحْرَار والمماليك (ل 233) ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظهر مِنْهَا﴾ وَهَذَا فِي الْحَرَائِرِ.
تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ: مَا ظَهَرَ مِنْهَا: هُوَ الْكُحْلُ وَالْخَاتَمُ.
وَتَفْسِيرُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَالْحَسَنُ: هِيَ الثِّيَابُ.
قَالَ يَحْيَى: وَهَذِهِ فِي الْحَرَائِرِ، وَأَمَّا الْإِمَاءُ فَقَدْ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ وَعُثْمَانُ، عَنْ
قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ " أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى أَمَةً عَلَيْهَا قِنَاعٌ، فَضَرَبَهَا بِالدِّرَّةِ - فِي حَدِيثِ سَعِيدٍ.
وَقَالَ عُثْمَانُ: فَتَنَاوَلَهَا بِالدِّرَّةِ وَقَالَ: اكْشِفِي عَنْ رَأْسِكِ.
وَقَالَ سَعِيدٌ: وَلَا تَشَبَّهِي بِالْحَرَائِرِ ". ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ تَسْدِلُ الْخِمَارَ عَلَى جَيْبِهَا تَسْتُرُ بِهِ نَحْرَهَا ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ وَهَذِهِ الزِّينَةُ الْبَاطِنَةُ ﴿إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ يَعْنِي: أَزْوَاجَهُنَّ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَوْ نسائهن﴾ يَعْنِي: الْمُسْلِمَاتِ يَرَيْنَ مِنْهَا مَا يَرَى ذُو الْمَحْرَمِ، وَلَا تَرَى ذَلِكَ مِنْهَا الْيَهُودِيَّةُ وَلَا النَّصْرَانِيَّةُ وَلَا الْمَجُوسِيَّةُ ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإربة﴾ يَعْنِي: الْحَاجَةَ إِلَى النِّسَاءِ، تَفْسِيرُ قَتَادَةَ: هُوَ الرَّجُلُ الْأَحْمَقُ الَّذِي لَا تَشْتَهِيهِ الْمَرْأَةُ، وَلَا يَغَارُ عَلَيْهِ الرَّجُلُ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: مَنْ قَرَأَ (غَيْرِ) بِالْخَفْضِ، فَعَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِلتَّابِعِينَ؛
الْمَعْنَى: لِكُلِّ تَابِعٍ غَيْرِ أُولِي الإربة، وَمن نصب (غير) فَعَلَى الْحَالِ؛ الْمَعْنَى: أَوِ التَّابِعِينَ لَا مُرِيدِينَ النِّسَاءِ فِي هَذِهِ الْحَالِ.
قَالَ يَحْيَى: فَهَذِهِ ثَلَاثُ حُرَمٍ بَعْضُهَا أَعْظَمُ مِنْ بَعْضٍ، مِنْهُنَّ الزَّوْجُ الَّذِي يَحِلُّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ [مِنْهَا] فَهَذِهِ حُرْمَةٌ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ.
وَمِنْهُنَّ: الْأَبُ، وَالِابْنُ، وَالْأَخُّ، وَالْعَمُّ، وَالْخَالُ، وَابْنُ الْأَخِ، وَابْنُ الْأُخْتِ، وَالرَّضَاعُ فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ النَّسَبِ؛ فَلَا يَحِلُّ لِهَؤُلَاءِ فِي تَفْسِيرِ الْحَسَنِ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى الشَّعْرِ وَالصَّدْرِ وَالسَّاقِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَنْظُرُونَ إِلَى مَوْضِعِ الْقُرْطَيْنِ وَالْقِلَادَةُ وَالسِّوَارَيْنِ وَالْخُلْخَالَيْنِ.
وَحُرْمَةٌ ثَالِثَةٌ فِيهِمْ أَبُو زوج، وَابْنُ الزَّوْجِ، وَالتَّابِعُ غَيْرُ أُولِي الْإِرْبَةَ وَمَمْلُوكُ الْمَرْأَةِ؛ لَا بَأْسَ أَنْ تَقُومَ بَيْنَ يَدَيْ هَؤُلَاءِ فِي دَرْعٍ صَفِيقٍ وَخِمَارٍ صَفِيقٍ بِغَيْرِ جِلْبَابٍ.
قَوْلِهِ: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء﴾ قَالَ قَتَادَة: يَعْنِي: من لَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ وَلَا النِّكَاحَ.
﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يخفين من زينتهن﴾ قَالَ قَتَادَةُ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَضْرِبُ بِرِجْلَيْهَا إِذَا مَرَّتْ بِالْمَجْلِسِ لِيُسْمَعَ قَعْقَعَةُ الْخُلْخَالَيْنِ، فَنُهِينَ عَنْ ذَلِكَ.
﴿وتوبوا إِلَى الله جَمِيعًا﴾ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ﴿أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تفلحون﴾ لكَي تُفْلِحُوا فتدخلوا الْجنَّة.
سُورَة النُّور من (آيَة 32 آيَة 34).
﴿وَأنْكحُوا الْأَيَامَى مِنْكُم﴾ يَعْنِي: كُلَّ امْرَأَةٍ لَيْسَ لَهَا زَوْجٌ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: يُقَالُ: امْرَأَةٌ أَيِّمٌ، وَرَجُلٌ أَيِّمٌ، وَرَجُلٌ أَرْمَلٌ، وَامْرَأَةٌ أَرْمَلَةٌ.
﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ يَعْنِي: المملوكين الْمُسلمين ﴿وَإِمَائِكُمْ﴾ الْمُسْلِمَاتُ، وَهَذِهِ رُخْصَةٌ وَلَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ بِوَاجِبٍ أَنْ يُزَوِّجَ أَمَتَهُ وَعَبْدَهُ ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ الله من فَضله﴾.
(يَحْيَى: عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ: " اطْلُبُوا الْغِنَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ الله من فَضله﴾ ").
يَحْيَى: عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَقُولُ: " مَا رَأَيْتُ مِثْلَ رَجُلٍ لَمْ يَلْتَمِسِ الْغِنَى فِي الْبَاءَةِ، وَاللَّهُ يَقُولُ: (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ الله من فَضله) {