تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنينصفحات 188-200
أهل الأثرالأرشيف العلمي

البقرة

صفحات 188-200
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن أبي زَمَنِين
الكتاب
تفسير القرآن العزيز
المؤلف
أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى بن محمد المري، الإلبيري المعروف بابن أبي زَمَنِين المالكي (المتوفى: 399هـ)
المحقق
أبو عبد الله حسين بن عكاشة - محمد بن مصطفى الكنز
الناشر
الفاروق الحديثة - مصر/ القاهرة
الطبعة
الأولى، 1423هـ - 2002م
عدد الأجزاء
5 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ قد مضى تَفْسِيره

﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لَا تشعرون﴾ كَيفَ الْحَيَاة الَّتي هِيَ حَيَاة الشُّهَدَاء.
قَالَ مُحَمَّد: ﴿أموات﴾ مَرْفُوع على معنى: هُم أموات، وَكَذَلِكَ ﴿بل أَحيَاء﴾ الْمَعْنى: بل هُم أَحيَاء.
يَحْيَى: عَنِ الْمُعَلَّى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَرْوَانَ، عَنْ هُذَيْلٍ، عَنْ عبد الله ابْن مَسْعُودٍ قَالَ: ((أَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ فِي حَوَاصِلَ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرْعَى فِي الْجَنَّةِ؛ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى قناديل معلقَة بالعرش)).

[آيَة 155 - 157]

﴿ولنبلونكم بِشَيْء من الْخَوْف﴾ يَعْنِي: [الْقِتَال]؛ فِي تَفْسِير السّديّ.
﴿وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ والثمرات﴾ يَعْنِي بِنَقص الْأَنْفس: الْمَوْت ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون﴾.
قَالَ مُحَمَّد: قَوْله: ﴿بِشَيْء﴾، وَلم يقل: بأَشْيَاء - هُوَ من الِاخْتِصَار؛ الْمَعْنى: بِشَيْء من الْخَوْف، وَشَيْء من الْجُوع، وَشَيْء من نقص الْأَمْوَال.

وَقَوله: ﴿إِنَّا لله﴾ أَي: نَحْنُ وَأَمْوَالنَا لله، وَنحن عبيده يصنع بِنَا مَا يَشَاء؛ يَعْنِي: ذَلِكَ صَلَاح لَنَا وَخير، ومعني ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون﴾ أَي: نَحْنُ مقرون [بأننا نبعث] ونعطى الثَّوَاب عَلَى تصديقنا، وَالصَّبْر عَلَى مَا ابتلانا بِهِ.
يَحْيَى: عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي خَلِيفَةَ قَالَ: ((كَانَ عُمَرُ يَمْشِي فَانْقَطَعَ شِسْعَ نَعْلِهِ فَاسْتَرْجَعَ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: مَا لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: انْقَطَعَ شِسْعُ نَعْلِي فَسَاءَنِي ذَلِكَ، وَكُلُّ مَا سَاءَكَ فَهُوَ مُصِيبَةٌ)).
يَحْيَى: عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى وَالْعين لَا يملكهَا (ل 22) أَحَدٌ صَبَابَةَ الْمَرْءِ إِلَى أَخِيهِ)).

﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [يَعْنِي مغْفرَة] ﴿وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ المهتدون﴾ يَعْنِي: الموفقين.
[آيَة 158 - 163]

﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ الله﴾.
قَالَ مُحَمَّد: الشعائر وَاحِدهَا: شعيرَة؛ وهى كُلُّ شَيْء جعله اللَّه علما من أَعْلَام الطَّاعَة.
﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جناج عَلَيْهِ﴾ أَي: لَا إِثْم عَلَيْهِ ﴿أَنْ يطوف بهما﴾ يَعْنِي: أَن يتطوف.
يَحْيَى: عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: ((كَانَ إِسَافٌ عَلَى الصَّفَا، وَنَائِلَةُ عَلَى الْمَرْوَةِ؛ وَهُمَا صَنَمَانِ؛ فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلامُ، كَرِهُوا أَنْ يَطُوفُوا بِهِمَا مِنْ أَجْلِهِمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا والمروة من شَعَائِر الله﴾ الْآيَة)).

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا من الْبَينَات وَالْهدى﴾ وهم أَصْحَاب الْكتاب؛ كتموا مُحَمَّدًا صلى اللَّه عَلَيْهِ وَسلم والإِسْلام ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ تَفْسِيرُ الْكَلْبِيِّ: عَنْ أَبِي صَالحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ الْكَافِرَ إِذَا حُمِلَ عَلَى سَرِيرِهِ، قَالَ رُوحُهُ وَجَسَدُهُ: وَيْلَكُمْ أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِي، فَإِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَرَجَعَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، أَتَاهُ مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ؛ أَصْوَاتُهُمَا كَالرَّعْدِ الْقَاصِفِ، وَأَبْصَارُهُمَا كَالْبَرْقِ الْخَاطِفِ يَخُدَّانِ الأَرْضَ بِأَنْيَابِهِمَا، وَيَطَآنِ فِي أَشْعَارِهِمَا، فَيُجْلِسَانِهِ، ثُمَّ يَقُولانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي.
فَيُقَالُ لَهُ: لَا دَرَيْتَ.
ثُمَّ يَقُولانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي فَيُقَالُ لَهُ: لَا دَرَيْتَ.
ثُمَّ يَقُولانِ لَهُ: مَنْ نَبِيُّكَ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي فَيُقَالُ لَهُ: لَا دَرَيْتَ؛ هَكَذَا كُنْتَ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ، فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا، فَيُقَالُ لَهُ: هَذِهِ الْجَنَّةُ؛ الَّتِي لَوْ كُنْتَ آمَنْتَ بِاللَّهِ، وَصَدَّقْتَ رَسُولَهُ - صِرْتَ إِلَيْهَا؛ لَنْ تَرَاهَا أَبَدًا.
ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى النَّارِ؛ فَيُقَالُ لَهُ: هَذِهِ النَّارُ الَّتِي أَنْتَ صَائِرٌ إِلَيْهَا، ثُمَّ يَضِيقُ عَلَيْهِ

قَبْرُهُ، ثُمَّ يُضْرَبُ ضَرْبَةً بِمِرْزَبَّةٍ مِنْ حَدِيدٍ لَوْ أَصَابَتْ جَبَلا لَا رفض مَا أَصَابَتْ مِنْهُ.
قَالَ: فَيَصِيحُ عِنْدَ ذَلِكَ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا كُلُّ شَيْءٍ غَيْرُ الثَّقَلَيْنِ فَلا يَسْمَعُهَا شَيْءٌ إِلا لَعَنَهُ، فَهُوَ قَوْلُهُ عَزَّ ذِكْرُهُ: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويلعنهم اللاعنون﴾.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلحُوا وبينوا﴾ أَمر مُحَمَّد وَالْإِسْلَام.
﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِم﴾ الْآيَة.

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ﴾ يَعْنِي: الْمُؤمنِينَ خَاصَّة؛ فِي تَفْسِير قَتَادَة

﴿وَلَا هم ينظرُونَ﴾ أَي: لَا يؤخرون بِالْعَذَابِ.
[آيَة 164 - 167]

[أَيَّة 168]

﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بعد مَوتهَا﴾ أَي: حِين لم يكن فِيهَا نَبَات فأنبتت ﴿وَبث فِيهَا﴾ يَعْنِي: خلق ﴿وتصريف الرِّيَاح﴾ يَعْنِي: تلوينها؛ فِي تَفْسِير السّديّ ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَات لقوم يعْقلُونَ﴾ وهم الْمُؤْمِنُونَ.

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دون الله أندادا﴾ يَعْنِي: أعدالا يعدلونهم بِهِ؛ أَي: يَعْبُدُونَهُمْ ﴿يحبونهم كحب الله﴾ كحب الْمُؤمنِينَ اللَّهِ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لله﴾ من الْمُشْركين لأوثانهم ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذين ظلمُوا﴾ أَي: أشركوا ﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ أَي: [أَنَّك] ستراهم إِذا دخلُوا النَّار؛ وهنالك يعلمُونَ أَن ﴿الْقُوَّةَ﴾ الْقُدْرَة ﴿لله جَمِيعًا﴾ وَإِن كَانُوا عَن قدرَة اللَّه وعزته فِي الدُّنْيَا غافلين

﴿إِذْ تَبرأ الَّذين اتبعُوا﴾ قَالَ قَتَادَة: وهم الرؤساء فِي الشّرك ﴿من الَّذين اتبعُوا﴾ وهم الضُّعَفَاء؛ اتَّبَعُوهُمْ على عبَادَة الْأَوْثَان ﴿وَرَأَوا الْعَذَاب﴾ أَي: دخلُوا فِيهِ ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ يَعْنِي: مَا كَانُوا يتواصلون بِهِ فِي الدُّنْيَا

﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِم﴾ أَي: ندامة.

﴿يَا أَيهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلَالا طيبا﴾ قَالَ مُحَمَّد: يَعْنِي: لَا تَأْكُلُوا، وَلا تنفقوا مِمَّا يحرم عَلَيْكُم.
﴿وَلَا تتبعوا خطوَات الشَّيْطَان﴾ أَي: مَا يَأْمُركُمْ بِهِ.
قَالَ مُحَمَّد: خطوَات جمع: خطْوَة، والخطوة بِالضَّمِّ: (ل 23) مَا بَين

الْقَدَمَيْنِ.
وَالْمعْنَى: لَا تتبعوا سَبِيل الشَّيْطَان ومسلكه.
والخطوة بِفَتْح الْخَاء: الفَعْلة الْوَاحِدَة.
﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبين﴾ يَعْنِي: بَين الْعَدَاوَة.
[آيَة 169 - 171]

﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تعلمُونَ﴾ أَنه الْحق.

﴿بل نتبع مَا ألفينا﴾ أَي: وجدنَا ﴿عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [وَلَو كَانُوا مهتدين مَا اتَّبَعُوهُمْ].

﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلا دُعَاء ونداء﴾ تَفْسِير الحَسَن: كَمثل الرَّاعِي يَصِيح بالغنم فَترفع رءوسها لَا تَدْرِي مَا يَقُولُ، ثمَّ تضع رءوسها؛ فَكَذَلِك هُم إِذا دعوا إِلَى الْهدى ﴿صم بكم عمي﴾ صم عَنِ الْحق؛ فَلَا يسمعونه، بكم عَنْهُ؛ فَلَا ينطقون بِهِ، عمي عَنْهُ؛ فَلَا يبصرونه.
قَالَ مُحَمَّد: يُقَال: نعق يَنْعِق، ونعق ينعق لفتان.

[آيَة 172 - 173]

﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ يَعْنِي: الْحَلَال

﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَاد﴾ تَفْسِير مُجَاهِد: غير بَاغ؛ أَي: يَبْغِي على النَّاس، وَلا عَاد؛ أَي: قَاطع سَبِيل، وَلا مفارق الْأَئِمَّة، وَلا خَارج فِي مَعْصِيّة الله ﴿فَلَا إِثْم عَلَيْهِ﴾ أَي: فَلهُ الرُّخْصَة فِي أَن يَأْكُل.
قَالَ يَحْيَى: يَأْكُل حَتَّى يشْبع، وَلَا يتزود.
[آيَة 174 - 176]

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ الله من الْكتاب﴾ هُم أهل الْكتاب الَّذين حرفوا كتاب اللَّه ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ يَعْنِي: المأكلة الَّتي كَانَت لَهُم ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّار﴾ أَي: سَوف يَأْكُلُون بِهِ النَّار ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أَي: لَا يكلمهم بِمَا يحبونَ، وَقد يكلمهم ويسألهم عَنْ

أفعالهم ﴿وَلَا يزكيهم﴾ أَي: وَلا يطهرهم من إثمهم ﴿وَلَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ موجع.

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَاب بالمغفرة﴾ قَالَ الحَسَن: يَعْنِي: اخْتَارُوا الضَّلَالَة على الْهدى، وَالْعَذَاب على الْمَغْفِرَة ﴿فَمَا أصبرهم على النَّار﴾ أَي: فَمَا أجرأهم على الْعَمَل الَّذِي يدخلهم النَّار

﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لفي شقَاق بعيد﴾ يَعْنِي: لفي فِرَاق بعيد من الْحق؛ وهم أهل الْكتاب.
[آيَة 177].

﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قبل الْمشرق وَالْمغْرب﴾ تَفْسِير قَتَادَة: يَقُولُ: لَيْسَ الْبر أَن تَكُونُوا نَصَارَى؛ فتصلوا إِلَى الْمشرق، وَلا أَن تَكُونُوا يهودا؛ فتصلوا إِلَى الْمغرب إِلَى بَيت الْمُقَدّس.
﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّه﴾.
قَالَ مُحَمَّد: يَعْنِي: وَلَكِن الْبر بر من آمن بِاللَّهِ.
﴿وَآتَى المَال على حبه﴾ قَالَ ابْن مَسْعُود: تؤتيه وَأَنت صَحِيح شحيح؛ تَأمل الْحَيَاة، وتخشى الْفقر.

﴿ذَوي الْقُرْبَى﴾ هم الْقَرَابَة ﴿وَابْن السَّبِيل﴾ يَعْنِي: [الضَّيْف] ﴿وَفِي الرّقاب﴾ يَعْنِي: المكاتَبِين ﴿وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاة﴾ الْمَفْرُوضَة ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ عَلَيْهِ من الْحق ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي البأساء وَالضَّرَّاء﴾ قَالَ قَتَادَة: البأساء: الْبُؤْس والفقر، وَالضَّرَّاء: السقم والوجع ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ يَعْنِي: مَوَاطِن الْقِتَال فِي الْجِهَاد.
قَالَ مُحَمَّد: قَوْله تَعَالَى: ﴿والموفون﴾ يجوز أَن يكون مَرْفُوعا، على معنى: وهم الموفون، والنعت إِذا طَال جَازَ أَن يرفع بعضه، وَينصب بعضه فِي مَذَاهِب النَّحْوِيين.
[آيَة 178 - 179]

﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾) الْآيَة تَفْسِير الحَسَن: كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة فيهم بغي قد كَانَ إِذا قتل من الْحَيّ مِنْهُم مَمْلُوك قَتله حَيّ آخَرُونَ، قَالُوا: لَا نقْتل بِهِ إِلَّا حرًّا، وَإِذا قتل من الْحَيّ مِنْهُم امْرَأَة قَتلهَا حَيّ آخَرُونَ، قَالُوا: لَا نقْتل بِهَا إِلَّا رجلا، فَأنْزل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - هَذِه الْآيَة، ونهاهم عَنِ الْبَغي، ثمَّ أنزل اللَّه بعد ذَلِكَ فِي الْمَائِدَة: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا

أَن النَّفس بِالنَّفسِ} يَعْنِي: النَّفس الَّتي قَتَلَتْ بِالنَّفسِ الَّتي قُتِلَتْ، وَهَذَا [فِي الْأَحْرَار].
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَان﴾ تَفْسِير قَتَادَة: يَقُول: من قتل عمدا (ل 24) فعفي عَنْهُ وَقبلت مِنْهُ الدِّيَة ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [أَمر المتبع أَن] يتبع بِالْمَعْرُوفِ [وَأمر الْمُؤَدِّي] أَن يُؤَدِّي بِإِحْسَانٍ ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَة﴾ قَالَ قَتَادَة: كَانَ أهل التَّوْرَاة أمروا [بالحدود] وَكَانَ أهل الْإِنْجِيل أمروا بِالْعَفو، وَجعل لهَذِهِ الْأمة الْقصاص وَالْعَفو وَالدية؛ إِن شَاءُوا قتلوا، وَإِن شَاءُوا عفوا، وَإِن شَاءُوا أخذُوا الدِّيَة؛ إِذا تراضوا عَلَيْهَا.
﴿وَرَحْمَة﴾ أَي: رحم اللَّه بِهَا هَذِه الْأمة، وأطعمهم الدِّيَة؛ قَالَ قَتَادَة: وَلم [تحل] لأحد قبلهم فِي الْقَتْل عمدا ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِك﴾ يَعْنِي: على الْقَاتِل فَقتله بعد مَا قبل مِنْهُ الدِّيَة ﴿فَلَهُ عَذَاب أَلِيم﴾ يَعْنِي: الْقَاتِل يقْتله الْوَالِي، وَلا ينظر فِي ذَلِكَ إِلَى عَفْو الْوَلِيّ.

﴿وَلكم فِي الْقصاص حَيَاة﴾ أَي: بَقَاء؛ يخَاف الرجل الْقصاص؛ وَهِي بذلك حَيَاة لَهُ ﴿يَا أولي الْأَلْبَاب﴾ الْعُقُول: يَعْنِي: الْمُؤمنِينَ ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ لكَي تتقوا الْقَتْل.

[آيَة 180 - 182]

﴿كتب عَلَيْكُم﴾ أَي: فرض عَلَيْكُم ﴿إِذَا حَضَرَ أحدكُم الْمَوْت﴾ الْآيَة.
قَالَ قَتَادَة: الْخَيْر: المَال، وَأمر تبَارك وَتَعَالَى فِي هَذِه الْآيَة بِالْوَصِيَّةِ للْوَالِدين والأقربين، ثمَّ نسخ ذَلِك فِي سُورَة النِّسَاء بقوله: ﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدس﴾ وَصَارَت الْوَصِيَّة لمن لَا يَرث من قريب أَو بعيد.
قَالَ مُحَمَّد: وَقَوله عَزَّ وَجَلَّ ﴿حَقًّا على الْمُتَّقِينَ﴾ نصب ((حَقًا))؛ على معنى: كَانَ ذَلِكَ عَلَيْهِم حَقًا.

﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾ قَالَ الحَسَن: هِيَ الْوَصِيَّة؛ من بدلهَا بعد مَا سَمعهَا، فَإِنَّمَا إثمها على من بدلهَا.

﴿فَمن خَافَ﴾ يَعْنِي: علم ﴿مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَو إِثْمًا﴾ الجنف: أَن يُوصي بجور؛ وَهُوَ لَا يتَعَمَّد الْجور، وَالْإِثْم: أَن يُوصي بجور وَهُوَ يعلم ذَلِك ﴿فَأصْلح بَينهم﴾ يَعْنِي: بَين الموصَى لَهُ وَالْوَرَثَة ﴿فَلَا إِثْم عَلَيْهِ﴾ قَالَ مُحَمَّد: الجنف فِي كَلَام الْعَرَب: الْميل عَنِ الْحق؛ يُقَال مِنْهُ: جنف يجنف.

[آيَة 183 - 185]

فصول الكتاب · 114 فصل · 426 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين · 426 صفحة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمان
السجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثية
الأحقاف
محمد
الفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريم
الملك
القلم
الحاقة
المعارج
نوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلات
النبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلقالناس
جارٍ التحميل