تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنينصفحات 92-103
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الأنعام

صفحات 92-103
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن أبي زَمَنِين
الكتاب
تفسير القرآن العزيز
المؤلف
أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى بن محمد المري، الإلبيري المعروف بابن أبي زَمَنِين المالكي (المتوفى: 399هـ)
المحقق
أبو عبد الله حسين بن عكاشة - محمد بن مصطفى الكنز
الناشر
الفاروق الحديثة - مصر/ القاهرة
الطبعة
الأولى، 1423هـ - 2002م
عدد الأجزاء
5 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ قَالَ الْحَسَنُ: جَعَلَ اللَّهُ أَعْدَاءَ الْأَنْبِيَاء ﴿شياطين الْإِنْس﴾ وهم الْمُشْركُونَ ﴿وَالْجِنّ﴾ أَيْ: وَشَيَاطِينَ الْجِنِّ ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾.
وَهُوَ مَا تُوَسْوِسُ الشَّيَاطِينُ إِلَى بَنِي آدَمَ مِمَّا يَصُدُّونَهُمْ بِهِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: زُخْرُفُ الْقَوْلِ: مَا زُيِّنَ مِنْهُ وَمُوِّهَ وَحُسِّنَ، وَأَصْلُ الزخرف: الذَّهَب، و (غرُورًا) مصدرٌ؛ كَأَنَّهُ قَالَ: يَغُرُّونَ غُرُورًا.
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ أَيْ: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَوْحَى الشَّيَاطِينُ إِلَى الْإِنْسِ ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يفترون﴾ ثمَّ أَمر بقتالهم بعد

﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة﴾ يَعْنِي أَفْئِدَةَ الْمُشْرِكِينَ تُصْغِي إِلَى مَا توحي إِلَيْهِ الشَّيَاطِينَ ﴿وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مقترفون﴾ يَعْنِي: وَلِيَكْتَسِبُوا مَا هُمْ مُكْتَسِبُونَ.
قَالَ محمدٌ: الِاخْتِيَارُ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ: (وَلِيَرْضَوْهُ) (وَلِيَقْتَرِفُوا) بِتَسْكِينِ اللَّامِ؛ عَلَى أَنَّ اللَّامَ لَامُ الْأَمْرِ؛ وَالْمَعْنَى: التهدد والوعيد.

سُورَة الْأَنْعَام من الْآيَة (114) إِلَى الْآيَة (117).

﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلا﴾ أَيْ: مُبَيَّنًا، بَيَّنَ فِيهِ الْهُدَى وَالضَّلَالَةَ، وَالْحَلَالَ وَالْحَرَامَ.
﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبك بِالْحَقِّ﴾ يَعْنِي: أَهْلَ الدِّرَاسَةِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ يَعْنِي: الشَّاكِّينَ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ مِنْ عِنْدَ اللَّهِ، وَأَنَّ أَهْلَ الدِّرَاسَةِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ.

﴿وتمت (كَلِمَات﴾ رب صدقا وعدلاً} قَالَ قَتَادَةُ يَعْنِي صِدْقًا [فِيمَا وَعَدَ] وَعَدْلًا فِيمَا حَكَمَ ﴿لَا مبدل لكلماته﴾ فِيمَا وعد.

﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَدْعُونَهُ إِلَى عبَادَة الْأَوْثَان ﴿إِن يتبعُون﴾ بعبادتهم الْأَوْثَان ﴿إِلَّا الظَّن﴾ يَقُولُ: ادَّعَوْا أَنَّهُمْ آلِهَةٌ بِظَنٍّ مِنْهُمْ ﴿وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ﴾ يَعْنِي: يَكْذِبُونَ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: أَصْلُ (الْخَرْصِ): الظَّنُّ وَالْحَزَرُ، وَمِنْهُ قِيلَ للحازر:

(خارص).

﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين﴾ فَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَلَى الْهُدَى، وَأَنَّ الْمُشْرِكِينَ ضَلُّوا عَنْ سَبيله.
سُورَة الْأَنْعَام من الْآيَة (118) إِلَى الْآيَة (121).

﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي: مَا أُدْرِكَ ذَكَاتُهُ؛ وَذَلِكَ أَنَّ مُشْرِكِي الْعَرَبِ كَانُوا يَأْكُلُونَ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَالْمُنْخَنِقَةَ وَالْمَوْقُوذَةَ وَالْمُتَرَدِّيَةَ وَالنَّطِيحَةَ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ؛ فَحَرَّمَ اللَّهُ ذَلِكَ كُلَّهُ، إِلَّا مَا أدْرك ذَكَاته.

﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذكر اسْم الله عَلَيْهِ﴾ أَيْ: فَكُلُوهُ، فَهُوَ لَكُمْ حلالٌ ﴿وَقد فصل﴾ بَيَّنَ لَكُمْ ﴿مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ مِنَ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ﴿إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ مِنْ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ.
﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْر علم﴾ أَتَاهُمْ مِنَ اللَّهِ، وَلَا حُجَّةَ؛ يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أعلم بالمعتدين﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ يَتَعَدُّونَ أَمْرَ اللَّهِ.

﴿وذروا ظَاهر الْإِثْم وباطنه﴾ قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي: عَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يقترفون﴾ يَعْنِي: يكتسبون.

﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ لَشِرْكٌ؛ يَقُولُ: إِنَّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ عَلَى الِاسْتِحْلَالِ شركٌ.
﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ ليوحون إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ من الْمُشْركين ﴿ليجادلوكم﴾ تَفْسِير مُجَاهِد: قَالَ: كَانَ الْمُشْركُونَ يُجَادِلُونَ الْمُسْلِمِينَ [فِي] الذَّبِيحَةِ؛ فَيَقُولُونَ: أَمَّا مَا ذَبَحْتُمْ (وَقَتَلْتُمْ) فَتَأْكُلُونَهُ، وَأما مَا قتل (ل 100) اللَّهُ فَلَا تَأْكُلُونَهُ، وَأَنْتُمْ بِزَعْمِكُمْ تَتَّبِعُونَ أَمْرَ اللَّهِ؟! فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَإِن أطعتموهم﴾ فاستحللتم الْميتَة ﴿إِنَّكُم لمشركون﴾.
سُورَة الْأَنْعَام من الْآيَة (122) إِلَى الْآيَة (124).

قَوْله: ﴿أَو من كَانَ مَيتا فأحييناه﴾ قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي: بِالْإِسْلَامِ ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ يَعْنِي: ظُلُمَاتِ الْكُفْرِ ﴿لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ أَيْ: هُوَ مُتَحَيِّرٌ فِيهَا.
﴿هَلْ يستويان مثلا﴾ أَيْ: أَنَّهُمَا لَا يَسْتَوِيَانِ.

قَالَ يحيى: بَلَغَنِي أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، ثُمَّ هِيَ عَامَّة بعد.

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أكَابِر مجرميها﴾.
قَالَ محمدٌ: الْمَعْنَى: جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ مُجْرِمِيهَا أَكَابِرَ.
قَالَ قَتَادَة: وَمعنى (أكَابِر): جَبَابِرَةٌ.
﴿لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفسِهِم وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أَنَّهُمْ إِنَّمَا يَمْكُرُونَ بِأَنْفُسِهِمْ.
قَالَ محمدٌ: الْمَعْنَى: أَنَّ جَزَاءَ مَكْرِهِمْ راجعٌ عَلَيْهِم.

﴿سيصيب الَّذين أجرموا﴾ يَعْنِي: أَشْرَكُوا ﴿صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أَي: ذلةً ﴿وَعَذَاب شَدِيد﴾ فِي الْآخِرَةِ ﴿بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ يَعْنِي: يشركُونَ.
سُورَة الْأَنْعَام من الْآيَة (125) إِلَى الْآيَة (126).

﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يشْرَح﴾ أَي: يُوسع ﴿صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ الْحَرَجُ وَالضِّيقُ مَعْنَاهُمَا واحدٌ.
﴿كَأَنَّمَا يصعد فِي السَّمَاء﴾ أَيْ: كَأَنَّمَا يُكَلَّفُ أَنْ يَصَّعَّدَ إِلَى السَّمَاءِ؛ يَقُولُ يَثْقُلُ عَلَيْهِ مَا يُدْعَى إِلَيْهِ مِنَ الْإِيمَانِ.
﴿كَذَلِك يَجْعَل الله الرجس﴾ يَعْنِي: رَجَاسَةَ الْكُفْرِ ﴿عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.

﴿وَهَذَا صِرَاط رَبك مُسْتَقِيمًا﴾ (يَعْنِي: دين رَبك مُسْتَقِيمًا) ﴿وَقد فصلنا الْآيَات﴾ أَي: بيناها ﴿لقوم يذكرُونَ﴾ إِنَّمَا يتَذَكَّر الْمُؤمن.
سُورَة الْأَنْعَام من الْآيَة (127) إِلَى الْآيَة (129).

﴿لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ السَّلَامُ هُوَ اللَّهُ، وَدَارُهُ الْجَنَّةُ.

﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ ثُمَّ نَقُولُ ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ من الْإِنْس﴾ أَيْ: كَثُرَ مَنْ أَغْوَيْتُمْ وَأَضْلَلْتُمْ ﴿وَقَالَ أولياؤهم من الْإِنْس﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ أَضَلُّوا مِنَ الْإِنْسِ ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّار مثواكم﴾ مَنْزِلَكُمْ ﴿خَالِدِينَ فِيهَا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عليم﴾ حكيمٌ فِي أَمْرِهِ، عليمٌ بِخَلْقِهِ.
قَالَ محمدٌ: جَاءَ عَنِ ابْن عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ لأهل الْإِيمَان.

﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾ قَالَ الْحَسَنُ: الْمُشْرِكُونَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ؛ كَمَا أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بعض.
سُورَة الْأَنْعَام من الْآيَة (130) إِلَى الْآيَة (134).

﴿يَا معشر الْجِنّ وَالْإِنْس﴾ يَعْنِي: مَنْ كَفَرَ مِنْهُمْ ﴿أَلَمْ يأتكم رسل مِنْكُم﴾ (يَعْنِي: مِنَ الْإِنْسِ) وَلَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا مِنَ الْجِنِّ، وَلَا مِنَ النِّسَاءِ.
﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدنَا على أَنْفُسنَا﴾ أَنَّهُ قَدْ جَاءَتْنَا الرُّسُلُ فِي الدُّنْيَا.
قَالَ اللَّهُ: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ إِذْ كَانُوا فِيهَا ﴿وَشَهِدُوا عَلَى أنفسهم﴾ فِي الْآخِرَةِ ﴿أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ فِي الدُّنْيَا

﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ يَقُولُ: لَمْ يُهْلِكِ اللَّهُ قَوْمًا مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ؛ حَتَّى بَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا.
قَالَ محمدٌ: وَمَعْنَى ﴿ذَلِك أَن لم يكن﴾ ذَلِك لِأَنَّهُ لم يكن.

﴿وَلكُل دَرَجَات مِمَّا عمِلُوا﴾ أَيْ: عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ.
يحيى: عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الدَّرَجَةُ فِي الْجَنَّةِ فَوْقَ الدَّرَجَةِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَإِنَّ الْعَبْدَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَيَرْفَعُ (بَصَرَهُ فَيَلْمَعُ لَهُ) برقٌ يَكَادُ يَخْطَفُ بَصَرَهُ؛

فَيَقُولُ: مَا هَذَا؟ فَيُقَالُ: هَذَا: نُورُ أَخِيكَ فُلَانٌ.
فَيَقُولُ: أَخِي فُلَانٌ كُنَّا فِي الدُّنْيَا نَعْمَلُ جَمِيعًا، وَقَدْ فُضِّلَ عَلَيَّ هَكَذَا! فَيُقَالُ لَهُ: إِنَّهُ كَانَ أَفْضَلَ مِنْكَ عَمَلًا، ثُمَّ يُجْعَلُ فِي قلبه الرِّضَا حَتَّى يرضى ".

﴿إِن يَشَأْ يذهبكم﴾ بِعَذَابِ الِاسْتِئْصَالِ؛ يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ ﴿وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أنشأكم﴾ خَلَقَكُمْ ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾

﴿إِنَّمَا توعدون لآتٍ﴾ ﴿ل 101﴾ يَعْنِي: السَّاعَةَ ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ بِالَّذِينَ تُعْجِزُونَ اللَّهَ، فَتَسْبِقُونَهُ حَتَّى لَا يقدر عَلَيْكُم.
سُورَة الْأَنْعَام من الْآيَة (135) إِلَى الْآيَة (137).

﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مكانتكم﴾ أَيْ: عَلَى كُفْرِكُمْ؛ وَهَذَا وَعِيدٌ.
﴿إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تكون لَهُ عَاقِبَة الدَّار﴾ دَارِ الْآخِرَةِ، وَعَاقِبَتُهَا الْجَنَّةُ ﴿إِنَّهُ لَا يفلح الظَّالِمُونَ﴾ أَي: الْمُشْركُونَ.

﴿وَجعلُوا لله مِمَّا ذَرأ﴾ مِمَّا خَلَقَ ﴿مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبا﴾ الْآيَةَ

تَفْسِيرُ قَتَادَةَ: عَمَدَ ناسٌ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالَةِ فَجَزَّءُوا مِنْ حُرُوثِهِمْ وَمَوَاشِيهِمْ (جُزْءًا لِلَّهِ)، وَجُزْءًا لِشُرَكَائِهِمْ - يَعْنِي: أَوْثَانَهُمْ - وَكَانُوا إِذَا خَالَطَ شيءٌ مِمَّا جَزَّءُوا لِلَّهِ شَيْئًا مِمَّا جَزَّءُوا لِشُرَكَائِهِمْ - تَرَكُوهُ، وَإِذَا خَالَطَ شَيْءٌ مِمَّا جَزَّءُوا لِشُرُكَائِهِمْ شَيْئًا مِمَّا جَزَّءُوا لِلَّهِ - رَدُّوهُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ، وَإِذَا أَصَابَتْهُمُ السَّنَةُ لِشُرُكَائِهِمْ شَيْئًا مِمَّا جَزَّءُوا لِلَّهِ - رَدُّوهُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ، وَإِذَا أَصَابَتْهُمُ السَّنَةُ [اسْتَعَانُوا] بِمَا جَزَّءُوا لِلَّهِ، وَوَفَّرُوا مَا جَزَّءُوا لِشُرَكَائِهِمْ.
قَالَ الله ﴿سَاءَ مَا﴾ بِئْسَ مَا ﴿يَحْكُمُونَ﴾.

﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قتل أَوْلَادهم شركاؤهم﴾ يَعْنِي: الشَّيَاطِينَ أَمَرُوهُمْ بِقَتْلِ أَوْلَادِهِمْ خيفة الْعيلَة ﴿ليردوهم﴾ ليهلكوهم ﴿وليلبسوا عَلَيْهِم﴾ وليخلطوا عَلَيْهِم ﴿دينهم﴾ الَّذِي أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ؛ وَهُوَ الْإِسْلَام.
سُورَة الْأَنْعَام من الْآيَة (138) إِلَى الْآيَة (140).

﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ حَرَامٌ ﴿لَا يَطْعَمُهَا إِلا مَنْ نشَاء بزعمهم﴾

وَهَذَا مَا كَانَ يَأْكُلُ الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ ﴿وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾ وَهُوَ مَا حَرَّمُوا مِنَ الْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ وَالْوَصِيلَةِ وَالْحَامِ؛ وَقَدْ مَضَى تَفْسِيرُ هَذَا ﴿وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْم الله عَلَيْهَا﴾ هُوَ مَا اسْتَحَلُّوا مِنْ أَكْلِ الْميتَة ﴿افتراء عَلَيْهِ﴾ عَلَى اللَّهِ؛ فَإِنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ الله أَمرهم بِهَذَا.

﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاء﴾ كَانَ مَا وُلِدَ مِنْ تِلْكَ الْأَنْعَامِ مِنْ ذكرٍ يَأْكُلُهُ الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ، وَإِذَا كَانَتْ أُنْثَى تُرِكَتْ مُحَرَّمَةً عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرُكَاءُ يَأْكُلُونَهَا جَمِيعًا.
قَالَ مُحَمَّدٌ: مَنْ قَرَأَ (خَالِصَة لذكورنا) فَكَأَنَّهُمْ قَالُوا: جَمَاعَةُ مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ مِنْ ذُكُورٍ خالصةٌ لذكورنا، وَيرد [محرم] عَلَى لَفْظِ (مَا) لِأَنَّ مَا ذكر مُذَكّر.
﴿سيجزيهم وَصفهم﴾ أَيْ: بِمَا زَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ أَمرهم بِهِ

﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سفها﴾ يَعْنِي: سَفَهَ الرَّأْيِ.
﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أَتَاهُم اللَّهِ يَأْمُرُهُمْ فِيهِ بِقَتْلِ أَوْلَادِهِمْ؛ وَهِيَ الْمَوْءُودَةُ؛ كَانُوا يَدْفِنُونَ بَنَاتَهُمْ وَهُنَّ أَحْيَاءٌ خَشْيَةَ الْفَاقَةِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ، وَاللَّهُ صَاحِبُ بناتٍ؛ فَأَلْحَقُوا الْبَنَاتَ بِهِ ﴿وحرموا مَا رزقهم الله﴾ يَعْنِي:

مَا حَرَّمُوا مِنَ الْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ﴿افتراء على الله﴾.
سُورَة الْأَنْعَام من الْآيَة (141) إِلَى الْآيَة (142).

﴿وَهُوَ الَّذِي أنشأ﴾ أَيْ: خَلَقَ ﴿جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ معروشات﴾ قَالَ (مُجَاهِدٌ): الْعِنَبُ مِنْهُ مَعْرُوشٌ وَغَيْرُ مَعْرُوشٍ ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أكله﴾ مِنْهُ الْجَيِّدُ، وَمِنْهُ الرَّدِيءُ ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّان متشابها﴾ فِي المنظر ﴿وَغير متشابه﴾ فِي الْمَطْعَمِ ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَاده﴾ قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي: الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ [قَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ أَنْ يَأْتُوا مِنْهُ عِنْدَ حَصَادِهِ، سِوَى الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَة].
﴿وَلَا تسرفوا﴾ لَا تُحَرِّمُوا مَا حَرَّمَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّة من الْحَرْث والأنعام.

قَوْلُهُ: ﴿وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ يَقُولُ: وَأَنْشَأَ مِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا، تَبَعًا لِلْكَلَامِ الْأَوَّلِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي أنشأ جنَّات﴾ وَالْحَمُولَةَ فِي تَفْسِيرِ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ: الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ، وَالْفَرْشُ: الْغَنَمُ.
﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خطوَات الشَّيْطَان﴾ أَمْرَ الشَّيْطَانِ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ من الْأَنْعَام والحرث.
سُورَة الْأَنْعَام من الْآيَة (143) إِلَى الْآيَة (146).

﴿ثَمَانِيَة أَزوَاج﴾ أَيْ: أَصْنَافٍ ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمن الْمعز اثْنَيْنِ﴾ ذَكَرًا وَأُنْثَى، وَالْوَاحِدُ: زوجٌ ﴿قُلْ آلذكرين حرم﴾ على الِاسْتِفْهَام.
(ل 102) ﴿أَمِ الأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ﴾ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى؛ أَيْ: أَمْ كُلَّ ذَلِكَ حَرَّمَ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يُحَرِّمْ مِنْهُ شَيْئًا.
﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا؛ وَهُوَ مَا حَرَّمُوا من الْأَنْعَام.

قَالَ: ﴿وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقر اثْنَيْنِ قل الذكرين حرم أَن الأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ مِنْ ذكرٍ أَوْ أُنْثَى؛ أَيْ: أَمْ كُلَّ ذَلِكَ حَرَّمَ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يُحَرِّمْ مِنْهُ شَيْئًا.
﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾ أَيْ: أَنَّكُمْ لَمْ تَكُونُوا شُهَدَاءَ لِهَذَا،

فصول الكتاب · 114 فصل · 426 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين · 426 صفحة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمان
السجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثية
الأحقاف
محمد
الفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريم
الملك
القلم
الحاقة
المعارج
نوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلات
النبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلقالناس
جارٍ التحميل