تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنينصفحات 403-413
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الإسراء

صفحات 403-413
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن أبي زَمَنِين
الكتاب
تفسير القرآن العزيز
المؤلف
أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى بن محمد المري، الإلبيري المعروف بابن أبي زَمَنِين المالكي (المتوفى: 399هـ)
المحقق
أبو عبد الله حسين بن عكاشة - محمد بن مصطفى الكنز
الناشر
الفاروق الحديثة - مصر/ القاهرة
الطبعة
الأولى، 1423هـ - 2002م
عدد الأجزاء
5 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

﴿وَالَّذين هَاجرُوا فِي الله﴾ إِلَى الْمَدِينَةِ ﴿مِنْ بَعْدِ مَا ظلمُوا﴾ مِنْ بَعْدِ مَا ظَلَمَهُمُ الْمُشْرِكُونَ ﴿وأخرجوا دِيَارِهِمْ﴾ مِنْ مَكَّةَ ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَة﴾ يَعْنِي: الْمَدِينَةَ؛ فِي تَفْسِيرِ قَتَادَةَ ﴿ولأجر الْآخِرَة﴾ الْجنَّة ﴿أكبر﴾ مِنَ الدُّنْيَا ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ لَعَلِمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ خيرٌ مِنَ الدُّنْيَا.

﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ قَالَ الْحَسَنُ: وَهُمُ الَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظلمُوا.
سُورَة النَّحْل من الْآيَة (43) إِلَى الْآيَة (50).

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذّكر﴾ يَقُولُهُ لِلْمُشْرِكِينَ ﴿إِنْ كُنْتُمْ لَا تعلمُونَ﴾ وَأَهْلُ الذِّكْرِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، وَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ أَسْلَمُوا؛ فِي تَفْسِير السّديّ.

﴿بِالْبَيِّنَاتِ والزبر﴾ يَعْنِي: الْكُتُبَ.
قَالَ يحيى: فِيهَا تقديمٌ: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِم.
﴿وأنزلنا إِلَيْك الذّكر﴾ الْقُرْآن.

﴿أفأمن الَّذين مكروا السَّيِّئَات﴾ يَعْنِي: الشِّرْكَ ﴿أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ أَوْ يَأْخُذهُمْ فِي تقلبهم﴾ أَيْ: فِي أَسْفَارِهِمْ فِي غَيْرِ قَرَار

﴿فَمَا هم بمعجزين﴾ بسابقين

﴿أَو يَأْخُذهُمْ على تخوف﴾ تَفْسِيرُ الْكَلْبِيِّ: يَعْنِي: عَلَى تَنَقُّصٍ؛ أَيْ: يَبْتَلِيهِمْ بِالْجَهْدِ حَتَّى يَرْقَوْا وَيَقِلَّ عَدَدُهُمْ.
قَالَ محمدٌ: يُقَالُ: تَخَوَّفَتْهُ الدُّهُورُ؛ أَيْ: تَنَقَّصَتْهُ.
قَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ - يَصِفُ نَاقَةً - وَأَنَّ السَّيْرَ نَقْصَ سَنَامَهَا بَعْدَ تَمَكُّنِهِ وَاكْتِنَازِهِ: (تَخَوُّفَ السَّيْرُ مِنْهَا ثَامِكًا قَرِدًا ... كَمَا تَخَوَّفَ عُودَ النَّبْعَةِ السَّفَنُ}

النَّبْعُ: الْعُودُ الَّذِي يُعْمَلُ مِنْهُ السِّهَامُ وَالْقِسِيُّ.
قَوْلُهُ: ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لرءوف رَحِيم﴾ أَي: إِن تَابُوا وَأَصْلحُوا.

﴿أَو لم يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ من شَيْء يتفيؤ﴾ أَي: يرجع ﴿ظلاله﴾ يَعْنِي: ظِلَّ كُلِّ شَيْءٍ ﴿عَنِ الْيَمين وَالشَّمَائِل﴾ تَفْسِيرُ الْحَسَنِ: رُبَّمَا كَانَ الْفَيْءُ عَنِ الْيَمِينِ، وَرُبَّمَا كَانَ عَنِ الشِّمَالِ ﴿سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ صَاغِرُونَ.
قَالَ محمدٌ: يُقَالُ: دَخِرَ لله؛ أَي: خضع، و (سجدا) منصوبٌ على الْحَال.

﴿وَللَّه يسْجد مَا فِي السَّمَاوَات﴾ يَعْنِي: الْمَلائِكَةَ ﴿وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ؛ يَعْنِي: الْمَلائِكَةَ.
قَالَ محمدٌ: قيل فِي قَوْله: (وَالْمَلَائِكَة) أَي: تسْجد مَلَائِكَة الأَرْض.
سُورَة النَّحْل من الْآيَة (51) إِلَى الْآيَة (56).

﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أَيْ: لَا تَعْبُدُوا مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ ﴿إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ فإياي فارهبون﴾ فخافون.

﴿وَله الدّين واصبا﴾ أَيْ: دَائِمًا ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ تَعْبُدُونَ؛ يَقُولُ هَذَا لِلْمُشْرِكِينَ عَلَى الاسْتِفْهَامِ؛ أَيْ: قَدْ فَعَلْتُمْ، فَعَبَدْتُمُ الْأَوْثَان من دونه.

﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾ الْمَرَض والشدائد ﴿فإليه تجأرون﴾ تَصْرُخُونَ؛ أَيْ: تَدْعُونَهُ وَلا تَدْعُوا الْأَوْثَان.

﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ليكفروا بِمَا آتَيْنَاهُم فتمتعوا﴾ فِي الدُّنْيَا ﴿فَسَوف تعلمُونَ﴾ هَذَا وعيدٌ.

﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا﴾ يَعْنِي: آلِهَتَهُمْ؛ أَيْ: يَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ خَلَقَ مَعَ اللَّهِ شَيْئًا، وَلا أَمَاتَ وَلا أَحْيَا وَلا رَزَقَ مَعَهُ شَيْئًا ﴿نَصِيبا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ يَعْنِي: قَوْلَهُ: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لشركائنا﴾ قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿تَاللَّهِ﴾ قسمٌ يقسم بِنَفسِهِ ﴿لتسئلن عَمَّا كُنْتُم تفترون﴾.
قَالَ محمدٌ: الْمَعْنَى: تُسْأَلُونَ عَنْ ذَلِكَ - سُؤَالَ تَوْبِيخٍ - حَتَّى تَعْتَرِفُوا بِهِ عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَتُلْزِمُوا أَنْفُسَكُمُ الْحجَّة.
سُورَة النَّحْل من الْآيَة (57) إِلَى الْآيَة (61).

﴿ويجعلون لله الْبَنَات﴾ كَانَ مُشْرِكُو الْعَرَبِ يَقُولُونَ: إِنَّ الْمَلائِكَةَ بَنَاتُ

الله.
قَالَ الله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ يُنَزِّهُ نَفْسَهُ عَمَّا قَالُوا ﴿وَلَهُمْ مَا يشتهون﴾ أَيْ: وَيَجْعَلُونَ لأَنْفُسِهِمْ مَا يَشْتَهُونَ؛ يَعْنِي: الغلمان

﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجهه مسودا﴾ أَي: متغيراً ﴿وَهُوَ كظيم﴾ أَيْ: كظيمٌ عَلَى الْغَيْظِ وَالْحُزْنِ.
(ل 175) قَالَ محمدٌ: وَأَصْلُ الْكَظْمِ: الْحَبْسُ.

﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ يَقُولُ: يَتَفَكَّرُ كَيْفَ يَصْنَعُ بِمَا بُشِّرَ بِهِ؛ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هوانٍ - يَعْنِي: الابْنَةَ - أَمْ يَدْفِنُهَا حَيَّةً حَتَّى تَمُوتَ مَخَافَةَ الْفَاقَةِ ﴿أَلا سَاءَ﴾ بئس ﴿مَا يحكمون﴾ وَهَذَا مثلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لَهُمْ فِي قَوْلِهِمْ: الْمَلائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ.

ثُمَّ قَالَ: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ يَقُولُ: وَلِلَّهِ الإِخْلاصُ وَالتَّوْحِيدُ؛ فِي تَفْسِير قَتَادَة.

﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ أَيْ: لَحَبَسَ الْمَطَرَ؛ فَأَهْلَكَ حَيَوَانَ الأَرْض ﴿وَلَكِن يؤخرهم﴾ يُؤَخِّرُ الْمُشْرِكِينَ ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إِلَى السَّاعَةِ؛ لأَنَّ كُفَّارَ آخِرِ هَذِهِ الأُمَّةِ أَخَّرَ عَذَابَهَا بِالاسْتِئْصَالِ إِلَى النَّفْخَةِ الأُولَى ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجلهم﴾ بِعَذَاب الله ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عَنهُ عَن الْعَذَاب، الْآيَة سُورَة النَّحْل من الْآيَة (62) إِلَى الْآيَة (67).

﴿ويجعلون لله مَا يكْرهُونَ﴾ يَجْعَلُونَ لَهُ الْبَنَاتِ، وَيَكْرَهُونَهَا لأَنْفُسِهِمْ ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحسنى﴾ يَعْنِي: الْبَنِينَ؛ فِي تَفْسِيرِ السُّدِّيِّ ﴿لَا جرم﴾ كَلِمَةُ وَعِيدٍ؛ وَقَدْ مَضَى تَفْسِيرُهَا ﴿أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ قَرَأَهَا الْحَسَنُ بِتَسْكِينِ الْفَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ - وَكَأَنَّ تَفْسِيرَهَا: مُعْجَلُونَ إِلَى النَّارِ، وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ (مُفَرَّطُونَ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ؛ وَصَفَهُمْ بِالتَّفْرِيطِ.
قَالَ محمدٌ: وَقِرَاءَةُ نَافِعٍ ﴿مُفْرَطُونَ﴾ بِتَسْكِينِ الْفَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ؛ وَهُوَ مِنَ الإِفْرَاطِ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ.

﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهدى وَرَحْمَة﴾ يَقُولُ: فِيهِ هُدًى وَرَحْمَةٌ ﴿لِقَوْمٍ يُؤمنُونَ﴾.
قَالَ محمدٌ: مَنْ قَرَأَ (وَرَحْمَةً) بِالنَّصْبِ، فَالْمَعْنَى: مَا أَنْزَلْنَاهُ عَلَيْكَ إِلَّا للْبَيَان وَالْهِدَايَة وَالرَّحْمَة.

﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ يَعْنِي: الأَرْضَ

الَّتِي لَيْسَ فِيهَا نَبَاتٌ؛ فَيُحْيِيهَا بِالْمَطَرِ؛ فَتَنْبُتَ بَعْدَ إِذْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا نباتٌ ﴿إِنَّ فِي ذَلِك لآيَة لقوم يسمعُونَ﴾ فَيَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي أَحْيَا هَذِهِ الأَرْضَ الْمَيْتَةَ حَتَّى أَنْبَتَتْ - قادرٌ على أَن يحيي الْمَوْتَى.

﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سائغا للشاربين﴾ يَقُولُ: فِي هَذَا اللَّبَنِ الَّذِي أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنْ بَيْنَ فَرْثٍ وَدَمٍ آيَةٌ لقومٍ يَعْقِلُونَ؛ فَيَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي أَخْرَجَهُ قادرٌ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى.
قَالَ محمدٌ: يُقَالُ: سَقَيْتُهُ وَأَسْقَيْتُهُ بِمَعْنَى واحدٍ.
(وَالأَنْعَامُ) لَفْظُهُ لَفْظُ جَمِيعٍ، وَهُوَ اسْمُ الْجِنْسِ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، وَالْفَرْثُ: مَا فِي الْكِرْشِ، وَالسَّائِغُ: السَّهْلُ فِي الشّرْب.

﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سكرا وَرِزْقًا حسنا﴾ أَيْ: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ مَا تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا.
تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ: السَّكَرُ: الْخَمْرُ قَبْلَ تَحْرِيمِهَا، وَالرِّزْقُ الْحسن: الطَّعَام.
سُورَة النَّحْل من الْآيَة (68) إِلَى الْآيَة (74).

﴿وَأوحى رَبك إِلَى النَّحْل﴾ أَيْ: أَلْهَمَهَا ﴿وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ أَي: يبنون

﴿فاسلكي سبل رَبك﴾ يَعْنِي: طُرُقَ رَبِّكِ الَّتِي جَعَلَ لَك ﴿ذللا﴾ قَالَ مجاهدٌ: يَعْنِي: ذَلَّلْتُ لَهَا السُّبُلَ لَا يَتَوَعَّرُ عَلَيْهَا مَكَانٌ ﴿يخرج من بطونها شراب﴾ يَعْنِي: الْعَسَلَ ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء للنَّاس﴾ أَي: دواءٌ.

﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمر لكيلا يعلم بعد علم شَيْئا﴾ يَقُولُ: يَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الطِّفْلِ الَّذِي لَا يعقل شَيْئا.

﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ الآيَةَ، يَقُولُ: هَلْ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَكُونُ هُوَ وَمَمْلُوكُهُ وَأَهْلُهُ وَمَالُهُ شُرَكَاءَ سَوَاءً؛ أَيْ: أَنَّكُمْ لَا تَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِمَمْلُوكِيكُمْ؛ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَلا يُشْرَكَ بِهِ أحدٌ مِنْ خَلْقِهِ.
﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ عَلَى الاسْتِفْهَامِ؛ أَيْ: قَدْ فَعَلُوا ذَلِك.

﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ يَعْنِي: نِسَاءً ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أزواجكم بَنِينَ وحفدة﴾ تَفْسِيرُ الْحَسَنِ: الْحَفَدَةُ: الْخَدَمُ؛ يَعْنِي: بِذَلِكَ وَلَدَهُ وَوَلَدَ وَلَدِهِ؛ يُقَالُ: إِنَّهُمْ بَنُونَ وَخَدَمٌ.
قَالَ محمدٌ: وَأَصْلُ الْحَفَدِ: الْخِدْمَةُ وَالْعَمَلُ، وَمِنْهُ يُقَال فِي الْقُنُوت: (ل 176) " وَإِلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفِدُ " أَيْ: نَعْمَلُ بطاعتك.

﴿أفبالباطل يُؤمنُونَ﴾ عَلَى الاسْتِفْهَامِ؛ أَيْ: قَدْ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ، وَالْبَاطُلُ: إِبْلِيسُ ﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هم يكفرون﴾ هُوَ كَقَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذين بدلُوا نعْمَة الله كفرا﴾.

﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض شَيْئا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ يَعْنِي: الأَوْثَانَ الَّتِي يَعْبُدُونَ؛ هُوَ كَقَوْلِه: ﴿وَلَا يملكُونَ لأَنْفُسِهِمْ﴾ يَعْنِي: الأَوْثَانَ ﴿ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلَا نشورا﴾.

﴿فَلَا تضربوا لله الْأَمْثَال﴾ فَتُشَبِّهُوا هَذِهِ الأَوْثَانَ الْمَيْتَةَ الَّتِي لَا تُحْيِي وَلا تُمِيتُ وَلا تَرْزُقُ بِاللِّهِ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ويرزق، وَيفْعل مَا يُرِيد.
سُورَة النَّحْل من الْآيَة (75) إِلَى الْآيَة (76).

﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يقدر على شَيْء﴾ تَفْسِيرُ قَتَادَةَ: هَذَا مَثَلُ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْكَافِرِ؛ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالا فَلَمْ يُقَدِّمْ مِنْهُ خَيْرًا، وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ بِطَاعَةٍ ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ﴾ وَهَذَا مَثَلُ الْمُؤْمِنِ أَعْطَاهُ اللَّهُ رِزْقًا حَلالا طَيِّبًا، فَعَمِلَ فِيهِ بِطَاعَتِهِ وَأَخَذَهُ بشكرٍ ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مثلا﴾ أَيْ: أَنَّهُمَا لَا يَسْتَوِيَانِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وهم الْمُشْركُونَ.

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أبكم﴾ أَيْ: لَا يَتَكَلَّمُ؛ يَعْنِي: الْوَثَنَ ﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كلٍّ على مَوْلَاهُ﴾ عَلَى وَلِيِّهِ الَّذِي يَتَوَلاهُ وَيَعْبُدُهُ؛ أَيْ: أَنَّهُ عَمِلَهُ بِيَدِهِ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ كَسبه ﴿أَيْنَمَا يوجهه﴾ هَذَا الْعَابِدُ لَهُ؛ يَعْنِي: دُعَاءَهُ إِيَّاهُ ﴿لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي﴾ هَذَا الْوَثَنُ ﴿وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ وَهُوَ اللَّهُ ﴿وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم﴾ هُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ رَبِّي على صِرَاط مُسْتَقِيم﴾.
سُورَة النَّحْل من الْآيَة (77) إِلَى الْآيَة (80).

﴿وَللَّه غيب السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ أَيْ: يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَغَيْبَ الأَرْضِ ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ بَلْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْ لَمْحِ الْبَصَرِ، وَلَمْحُ الْبَصَرِ أَنَّهُ يَلْمَحُ السَّمَاء؛ وَهِي على مسيرَة خَمْسمِائَة عَامٍ.
قَالَ محمدٌ: قِيلَ: إِنَّ السَّاعَةَ اسمٌ لإِمَاتَةِ الْخَلْقِ وَإِحْيَائِهِمْ؛ فَأَعْلَمَ جَلَّ وَعَزَّ أَنَّ الْبَعْثَ وَالإِحْيَاءَ فِي سُرْعَةِ الْقُدْرَةِ عَلَى الإِتْيَانِ بِهِمَا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ؛ لَيْسَ يُرِيدُ أَنَّ السَّاعَةَ تَأْتِي فِي أَقْرَبِ مِنْ لمح الْبَصَر، وَالله أعلم.

﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جو السَّمَاء﴾ كَبَدِ السَّمَاءِ (مَا يُمْسِكُهُنَّ

إِلَّا الله} يُبَيِّنُ قُدْرَتَهُ لِلْمُشْرِكِينَ؛ يَقُولُ: هَلْ تصنع آلِهَتكُم شَيْئا؟!

فصول الكتاب · 114 فصل · 426 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين · 426 صفحة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمان
السجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثية
الأحقاف
محمد
الفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريم
الملك
القلم
الحاقة
المعارج
نوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلات
النبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلقالناس
جارٍ التحميل