تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنينصفحات 124-136
أهل الأثرالأرشيف العلمي

طه

صفحات 124-136
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن أبي زَمَنِين
الكتاب
تفسير القرآن العزيز
المؤلف
أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى بن محمد المري، الإلبيري المعروف بابن أبي زَمَنِين المالكي (المتوفى: 399هـ)
المحقق
أبو عبد الله حسين بن عكاشة - محمد بن مصطفى الكنز
الناشر
الفاروق الحديثة - مصر/ القاهرة
الطبعة
الأولى، 1423هـ - 2002م
عدد الأجزاء
5 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ يَعْنِي: بَنِي إِسْرَائِيَلَ، وَكَانَ الَّذِي رَأَى: فَرَسَ جِبْرِيلَ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: يَقُولُ أَهْلُ اللُّغَةِ: بَصُرَ الرَّجُلُ يَبْصُرُ؛ إِذَا صَارَ عَلِيمًا بِالشَّيْءِ،

وَأَبْصَرَ يُبْصِرُ؛ إِذَا نَظَرَ.
﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَة من أثر الرَّسُول﴾ يَعْنِي: مِنْ تَحْتِ حَافِرِ فَرَسِ جِبْرِيل ﴿فنبذتها﴾ أَيْ: أَلْقَيْتُهَا فِي الْعِجْلِ؛ يَعْنِي: حِينَ صَاغَهُ، وَكَانَ صَائِغًا ﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلت لي نَفسِي﴾ أَيْ: وَقَعَ فِي نَفْسِي أَنِّي إِذَا أَلْقَيْتُهَا فِي الْعِجْلِ خَارَ.
قَالَ قَتَادَةُ: وَكَانَ السَّامِرِيُّ مِنْ عُظَمَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، مِنْ قَبِيلَةٍ يُقَالُ لَهَا: سَامِرَةٌ، وَلَكِنْ نَافَقَ بَعْدَمَا قَطَعَ الْبَحْرَ مَعَ بَنِي إِسْرَائِيل

﴿قَالَ﴾ لَهُ مُوسَى: ﴿فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاة﴾ (يَعْنِي: حَيَاةَ الدُّنْيَا ﴿أَنْ تَقُولَ لَا مساس﴾ يَعْنِي: لَا تُخَالِطَ النَّاسَ، وَلَا يُخَالِطُونَكَ) فَهَذِهِ عُقُوبَتُكَ فِي الدُّنْيَا وَمِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالسَّامِرَةُ صِنْفٌ مِنَ الْيَهُودِ.
قَالَ قَتَادَةُ: يُقَالُ: السَّامِرَةُ حَتَّى الْآنَ بِأَرْضِ الشَّامِ، يَقُولُونَ: لَا مِسَاسَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّ لَكَ موعدا لن تخلفه﴾ يَعْنِي: يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَجْزِيَكَ اللَّهُ فِيهِ بأسوإ عَمَلِكَ ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظلت عَلَيْهِ﴾ أَي: صرت عَلَيْهِ ﴿عاكفا﴾ على عِبَادَته (ل 210) ﴿لنحرقنه ثمَّ لننسفنه﴾.
مُحَمَّدٌ: النَّسْفُ: التَّذْرِيَةُ.
قَالَ الْكَلْبِيُّ: ذَبَحَهُ مُوسَى، ثُمَّ أَحْرَقَهُ بِالنَّارِ، ثمَّ ذراه فِي الْبَحْر.

﴿وسع كل شَيْء﴾ قَالَ قَتَادَةُ: مَلَأَ رَبِّي كُلَّ شَيْء ﴿علما﴾ يَقُولُ: لَا يَكُونُ

شَيْء إِلَّا بِعلم الله.
سُورَة طه من (آيَة 99 آيَة 104).

﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قد سبق﴾ أَيْ: مِنْ أَخْبَارِ مَا قَدْ مضى ﴿وَقد آتيناك﴾ أعطيناك ﴿من لدنا﴾ من عندنَا ﴿ذكرا﴾ يَعْنِي: الْقُرْآن

﴿من أعرض عَنهُ﴾ عَنِ الْقُرْآنِ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ ﴿فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾ ثقلا؛ يَعْنِي: الْإِثْم

﴿خَالِدين فِيهِ﴾ أَيْ: فِي ثَوَابِ ذَلِكَ الْوِزْرِ؛ وَهِي النَّار ﴿وساء لَهُم﴾ أَيْ: وَبِئْسَ لَهُمْ ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ حملا﴾ يَعْنِي: مَا يَحْمِلُونَ عَلَى ظُهُورِهِمْ مِنَ الْوِزْرِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: (حِمْلا) مَنْصُوبٌ عَلَى التَّمْيِيزِ؛ الْمَعْنَى: سَاءَ الْوِزْرُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا، وَسُمِّيَ (الْوِزْرُ حِمْلًا)؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُ يحمل بِهِ ثقلا.

﴿يَوْم ينْفخ فِي الصُّور﴾ وَالصُّورِ: قَرْنٌ يَنْفُخُ فِيهِ صَاحِبُ الصُّورِ؛ فَيَنْطَلِقُ كُلَّ رُوحٍ إِلَى جَسَدِهِ، تُجْعَلُ الْأَرْوَاحُ كُلُّهَا فِي الصُّورِ؛ فَإِذَا نُفِخَ فِيهِ خَرَجَتِ الْأَرْوَاحُ مِثْلَ النَّحْلِ كُلُّ رُوحٍ إِلَى جسده ﴿ونحشر الْمُجْرمين﴾ الْمُشْرِكِينَ؛ هَذَا حَشْرٌ إِلَى النَّارِ ﴿يَوْمئِذٍ زرقا﴾ أَي: مسودة وُجُوههم

﴿يتخافتون بَينهم﴾ أَي:

يتسارون ﴿إِن لبثتم﴾ فِي الدُّنْيَا ﴿إِلَّا عشرا﴾ يُقَلِّلُونَ لَبْثَهُمْ فِي الدُّنْيَا.
قَالَ مُحَمَّدٌ: الْخُفُوتُ أَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ: السُّكُونُ؛ يُقَالُ: خَفَتَ الْكَلَامُ وَخَفَتَ الدُّعَاء؛ إِذا سكن.

﴿إِذْ يَقُول أمثلهم طَريقَة﴾ أَيْ: أَعْقَلُهُمْ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: يَعْنِي: أَعْقَلَهُمْ عِنْدَ نَفْسِهِ، وَأَعْلَمَهُمْ بِمَا يَقُول.
﴿إِن لبثتم﴾ أَيْ: مَا لَبِثْتُمْ ﴿إِلا يَوْمًا﴾ قَالَ قَتَادَةُ: هِيَ مَوَاطِنُ، قَالُوا إِلَّا عَشْرًا، وَإِلَّا يَوْمًا، وَقَالُوا: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ وَقَالَ: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ المجرمون﴾ يَحْلِفُ الْمُجْرِمُونَ ﴿مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَة﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا، وَذَلِكَ لِتَصَاغُرِ الدُّنْيَا عِنْدَهُمْ، وَقَلِّتِهَا فِي طُولِ الْآخِرَة.
سُورَة طه من (آيَة 105 آيَة 113).

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نسفا﴾ أَيْ: يَذْرِيهَا تَذْرِيَةً مِنْ

أُصُولِهَا، تَصِيرُ الْجِبَالُ كَالْهَبَاءِ الْمَنْثُورِ.

﴿فيذرها﴾ يَعْنِي: الأَرْض ﴿قاعا صفصفا﴾ الْقَاعُ: الَّذِي لَا أَثَرَ عَلَيْهِ، وَالصَّفْصَفُ: الْمُسْتَوِيَةُ الَّتِي لَيْسَ عَلَيْهَا نَبَات

﴿لَا ترى فِيهَا عوجا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْعِوَجُ: الْوَادِي ﴿وَلَا أمتا﴾ قَالَ مُجَاهِد: يَعْنِي: ارتفاعا

﴿يَوْمئِذٍ يتبعُون الدَّاعِي﴾ صَاحِبَ الصُّورِ؛ أَيْ: يُسْرِعُونَ إِلَيْهِ حِينَ يَخْرُجُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ ﴿لَا عوج لَهُ﴾ أَيْ: لَا يَتَعَوَّجُونَ عَنْ إِجَابَتِهِ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا ﴿وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ للرحمن﴾ أَيْ: سَكَنَتْ ﴿فَلا تَسْمَعُ إِلا همسا﴾ قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي صَوْتَ الْأَقْدَامِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: الْهَمْسُ فِي اللُّغَةِ: الشَّيْء الْخَفي.

﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قولا﴾ يَعْنِي: التَّوْحِيد.

﴿يعلم مَا بَين أَيْديهم﴾ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ من أَمر الدُّنْيَا؛ أَي: إِذْ صَارُوا فِي الْآخِرَةِ ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ علما﴾ أَيْ: وَيَعْلَمُ مَا لَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا؛ أَيْ: مَا لَا يعلمُونَ

﴿وعنت الْوُجُوه للحي القيوم﴾ أَيْ: ذَلَّتْ، وَالْقَيُّومُ: الْقَائِمُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: يُقَالُ: عَنَا يَعْنُو؛ إِذَا خَضَعَ.
﴿وَقَدْ خَابَ من حمل ظلما﴾ أَي: شركا.

﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤمن فَلَا يخَاف ظلما﴾ يَعْنِي: أَنْ يُزَادَ عَلَيْهِ فِي سيئاته ﴿وَلَا هضما﴾ أَن ينقص من حَسَنَاته.

﴿وصرفنا فِيهِ من الْوَعيد﴾ أَيْ: بَيَّنَّا؛ مِنْ يَعْمَلْ كَذَا فَلَهُ كَذَا ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يحدث لَهُم ذكرا﴾ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ: الْمَعْنَى: لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ، وَيُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا؛ الْأَلِفُ هَا هُنَا صلَة.
سُورَة طه من (آيَة 114 آيَة 127).

﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَن يقْضى إِلَيْك وحيه﴾ أَيْ: لَا تَتْلُهُ؛ حَتَّى نُتِمَّهُ لَكَ؛ كَانَ النَّبِيُّ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ يَقْرَؤُهُ وَيُدْئِبُ فِيهِ نَفسه؛ مَخَافَة أَن ينسى

﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قبل﴾ يَعْنِي: مَا أُمِرَ بِهِ: أَلَا يَأْكُل من الشَّجَرَة ﴿فنسي﴾ يَعْنِي: فَتَرَكَ مَا أُمِرَ بِهِ.
﴿وَلم نجد لَهُ عزما﴾ أَي: صبرا.

﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ فِي الدُّنْيَا، يَعْنِي: الْكَدَّ فِيهَا

﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا﴾ يَعْنِي: فِي الْجَنَّةِ ﴿وَلا تَعْرَى﴾ كَانَا كسيا الظفر

﴿وَأَنَّك لَا تظمأ فِيهَا﴾ أَيْ: لَا تَعْطَشُ ﴿وَلا تَضْحَى﴾ أَيْ: لَا تُصِيبُكَ شَمْسٌ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: يُقَالُ: ضَحِيَ الرَّجُلُ يَضْحَى؛ إِذَا بَرَزَ إِلَى الضُّحَى، وَهُوَ حر الشَّمْس.

﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجنَّة﴾ (ل 211) يَعْنِي: جَعَلَا يُرَقِّعَانِهِ كَهَيْئَةِ الثَّوْبِ.
﴿وَعصى آدم ربه فغوى﴾ وَلم يبلغ بمعصيته الْكفْر

﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ من ذَلِك الذَّنب ﴿وَهدى﴾ أَي: مَاتَ على الْهدى.

﴿فَمن اتبع هُدَايَ﴾ يَعْنِي: رُسُلِي وَكُتُبِي ﴿فَلا يَضِلُّ﴾ (فِي الدُّنْيَا) ﴿وَلَا يشقى﴾ فِي الْآخِرَة

﴿وَمن أعرض عَن ذكري﴾ فَلَمْ يُؤْمِنْ ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضنكا﴾.
يَحْيَى: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرَادَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿مَعِيشَةً ضنكا﴾ " يَعْنِي: عَذَابَ

الْقَبْرِ ". قَالَ مُحَمَّدٌ: أَصْلُ الضَّنْكِ فِي اللُّغَةِ: الضِّيقُ وَالشِّدَّةُ، يُقَالُ: ضَنُكَ عَيْشُهُ ضَنْكًا، وضَنَكًا، وَقَالُوا: ﴿معيشة ضنكا﴾ أَيْ: شَدِيدَةً.
يَحْيَى: عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ خَبَّابٍ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ زَاذَانَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتَّبَعَ جَنَازَةَ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ؛ فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى قَبْرِهِ وَجَدَهُ لَمْ يُلْحَدْ؛ فَجَلَسَ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرُ وَبِيَدِهِ عُودٌ وَهُوَ يَنْكُتُ بِهِ فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ قَالَهَا ثَلَاثًا إِنَّ الْمُؤْمِنِ إِذَا كَانَ فِي قُبُلٍ مِنَ الْآخِرَةِ، وَانْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا أَتَتْهُ مَلَائِكَةٌ وُجُوهُهُمْ كَالشَّمْسِ بِحَنُوطِهِ وَكَفَنِهِ، فَجَلَسُوا بِالْمَكَانِ الَّذِي يَرَاهُمْ (مِنْهُ)؛ فَإِذَا خَرَجَ رَوْحُهُ صَلَّى عَلَيْهِ كُلُّ مَلَكٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ؛ وَكُلُّ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ، وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ كُلُّ بَابٍ مِنْهَا يُعْجِبُهُ أَنْ يَصْعَدَ رَوْحُهُ مِنْهُ، فَيَنْتَهِي الْمَلَكُ إِلَى رَبَّهُ، فَيَقُولُ: يَا رَبُّ،

هَذَا رُوحُ عَبْدِكَ، فَيُصَلِّي عَلَيْهِ اللَّهُ وَمَلَائِكَتُهُ، وَيَقُولُ: ارْجِعُوا بِعَبْدِي فَأَرُوهُ مَاذَا أَعْدَدْتُ لَهُ مِنَ الْكَرَامَةِ؛ فَإِنِّي عَهِدْتُ إِلَى عِبَادِي أَنِّي مِنْهَا خَلَقْتُكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ، فَيَرُدُّ إِلَيْهِ رُوحَهُ حِينَ يُوضَعُ فِي قَبْرِهِ، فَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِكُمْ حِينَ تَنْصَرِفُونَ عَنْهُ، فَيُقَالُ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ وَمَنْ رَبُّكَ؟ وَمَنْ نَبِيُّكَ؟ فَيَقُولُ: اللَّهُ رَبِّي، وَالْإِسْلَامُ دِينِي، وَمُحَمَّدٌ نَبِيِّي، فَيَنْتَهِرَانِهِ انْتِهَارًا شَدِيدًا، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ وَمَنْ رَبُّكَ؟ وَمَنْ نَبِيُّكَ؟ فَيَقُولُ: اللَّهُ رَبِّي، وَالْإِسْلَامُ دِينِي، وَمُحَمَّدٌ نَبِيِّي.
فَيُنَادِيهِ مُنَادٍ: ﴿يثبن اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ فَيَأْتِيهِ عَمَلُهُ فِي صُوْرَةٍ حَسَنَةٍ وَرِيحٍ طَيِّبَةٍ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ (بِجَنَّاتٍ) فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ؛ فَقَدْ كُنْتُ سَرِيعًا فِي طَاعَةِ اللَّهِ بَطِيئًا عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَيَقُولُ: وَأَنْتَ بَشَّرَكَ اللَّهُ بِخَيْرٍ فَمِثْلُ وَجْهِكَ يُبَشِّرُ بِالْخَيْرِ، وَمَنْ أَنْتَ؟ فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الْحَسَنُ.
ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ النَّارِ، فَيُقَالُ لَهُ: كَانَ هَذَا مَنْزِلُكَ فَأَبْدَلَكَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ فِي جَانِبِ قَبْرِهِ فَيَرَى مَنْزِلَهُ فِي الْجَنَّةِ، فَيَنْظُرُ إِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْكَرَامَةِ فَيَقُولُ: يَا رَبُّ، مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ كَيْ أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي وَمَالِي؟! فَيُوَسَّعُ عَلَيْهِ فِي قَبْرِهِ وَيَرْقُدُ.
وَأَمَّا الْكَافِرُ فَإِذَا كَانَ فِي قُبُلٍ مِنَ الْآخِرَةِ وَانْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا، أَتَتْهُ مَلَائِكَةٌ (سُودُ الْوُجُوهِ) بِسَرَابِيلَ مِنْ قَطْرَانٍ، وَمُقَطَّعَاتٍ مِنْ نَارٍ، فَجَلَسُوا مِنْهُ بِالْمَكَانِ الَّذِي يَرَاهُمْ مِنْهُ، فَيَنْزِعُ رُوحَهُ كَمَا يَنْتَزِعُ السُّفُّودُ الْكَثِيرُ شُعَبِهِ مِنَ الصُّوفِ الْمُبْتَلِّ مِنْ عُرُوقِهِ

وَقَلْبِهِ؛ فَإِذَا خَرَجَ رُوحُهُ لَعَنَهُ كُلُّ مَلَكٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَكُلُّ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ السَّمَوَاتِ دُوْنَهُ، كُلُّ بَابٍ يَكْرَهُ أَنْ يَصْعَدَ رُوحُهُ مِنْهُ، فَيَنْتَهِي الْمَلَكُ إِلَى رَبَّهُ فَيَقُولُ: يَا رَبُّ هَذَا رُوحُ عَبْدِكَ فُلَانٍ لَا تَقْبَلُهُ أَرْضٌ وَلَا سَمَاءٌ ﴿فَيَلْعَنُهُ اللَّهُ وَمَلَائِكَتُهُ، فَيَقُولُ: ارْجِعُوا بِعَبْدِي فَأَرُوهُ مَاذَا أَعْدَدْتُ لَهُ مِنَ الْهَوَانِ؛ فَإِنِّي عَهِدْتُ إِلَى عِبَادِي أَنِّي مِنْهَا خَلَقْتُكُمْ، وَفِيهَا أُعِيدُكُمْ، فَتُرَدُّ إِلَيْهِ رُوحُهُ حِينَ يُوْضَعُ فِي قَبْرِهِ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِكُمْ حِينَ تَنْصَرِفُونَ (ل 212) عَنهُ، فَيَقُول لَهُ: مَا دِينُكَ؟ وَمَنْ رَبُّكَ؟ وَمَنْ نَبِيُّكَ؟ فَيَقُولُ: اللَّهُ رَبِّي، وَالْإِسْلَامُ دِينِي، وَمُحَمَّدٌ نَبِيِّي، فَيَنْتَهِرَانِهِ انْتِهَارًا شَدِيدًا، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ وَمَنْ رَبُّكَ؟ وَمَنْ نَبِيُّكَ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي﴾ فَيُقَالُ لَهُ: لَا دَرَيْتَ، وَيَأْتِيهِ عَمَلُهُ فِي صُوْرَةٍ قَبِيحَةٍ وَرِيحٍ مُنْتِنَةٍ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِعَذَابٍ مُقِيمٍ، فَيَقُولُ: وَأَنْتَ فَبَشَّرَكَ اللَّهُ بِشَرٍّ فَمِثْلُ وَجْهِكَ يُبَشِّرُ بِالشَّرِّ.
وَمَنْ أَنْتَ؟! فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الْخَبِيثُ.
ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ: كَانَ هَذَا مَنْزِلَكَ لَوْ أَطَعْتَ اللَّهَ، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ مَنْزَلَهُ مِنَ النَّارِ، فَيَنْظُرُ إِلَى مَا أَعَدَّهُ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْهَوَانِ، وَيُقَيَّضُ لَهُ أَصَمُّ أَعْمَى، فِي يَدِهِ مِرْزَبَةٌ لَو تُوضَع على جبل لصار رُفَاتًا، فَيَضْرِبُهُ ضَرْبَةً فَيَصِيرُ رُفَاتًا، ثُمَّ يُعَادُ فَيَضْرِبُهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ضَرْبَةً يَصِيحُ مِنْهَا صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ، وَيُنَادِي مُنَادٍ أَنِ افْرِشُوهُ لَوْحَيْنِ مِنَ النَّارِ، فَيُفْرَشُ

لَهُ لَوْحَيْنِ مِنْ نَارٍ، وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ؛ حَتَّى تَخْتَلِفَ أَضْلَاعُهُ ".

قَوْلُهُ: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ عَن حجَّته

(قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي

أَعْمَى} عَنِ الْحُجَّةِ؛ فِي تَفْسِيرِ قَتَادَةَ ﴿وَقد كنت بَصيرًا﴾ عَالِمًا بِحُجَّتِي فِي الدُّنْيَا؟! وَإِنَّمَا عِلْمُهُ ذَلِكَ عِنْدَ نَفْسِهِ؛ أَنَّهُ يُحَاجُّ فِي الدُّنْيَا جَاحِدًا لِمَا جَاءَهُ من الله.

قَالَ اللَّهُ: ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا﴾ ﴿فِي الدُّنْيَا﴾ (فنسيتها} أَيْ: فَتَرَكْتَهَا لَمْ تُؤْمِنْ بِهَا ﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْم تنسى﴾ أَي: تتْرك فِي النَّار

﴿وَكَذَلِكَ نجزي من أسرف﴾ عَلَى نَفْسِهِ بِالشِّرْكِ ﴿وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشد﴾ من عَذَاب الدُّنْيَا ﴿وَأبقى﴾ أَي: لَا يَنْقَطِع أبدا.
سُورَة طه من (آيَة 128 آيَة 132).

فصول الكتاب · 114 فصل · 426 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين · 426 صفحة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمان
السجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثية
الأحقاف
محمد
الفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريم
الملك
القلم
الحاقة
المعارج
نوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلات
النبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلقالناس
جارٍ التحميل