التوبة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن أبي زَمَنِين
- الكتاب
- تفسير القرآن العزيز
- المؤلف
- أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى بن محمد المري، الإلبيري المعروف بابن أبي زَمَنِين المالكي (المتوفى: 399هـ)
- المحقق
- أبو عبد الله حسين بن عكاشة - محمد بن مصطفى الكنز
- الناشر
- الفاروق الحديثة - مصر/ القاهرة
- الطبعة
- الأولى، 1423هـ - 2002م
- عدد الأجزاء
- 5 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طيبَة فِي جنَّات عدن﴾ قَالَ الْحَسَنُ: (عدنٌ) اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْجَنَّةِ.
قَالَ محمدٌ: الْعَدْنُ فِي اللُّغَةِ: الإِقَامَةُ؛ يُقَالُ: عَدَنْتُ بِمَوْضِعِ كَذَا؛ أَيْ: أَقَمْتُ بِهِ.
﴿ورضوان من الله أكبر﴾ مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنْ مُلْكِ الْجَنَّةِ.
يحيى: عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا أُدْخِلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَرَأَوْا مَا فِيهَا قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - لَهُمْ: لَكُمْ عِنْدِي أَفْضَلُ مِنْ هَذَا.
قَالُوا: رَبَّنَا لَا شَيْءَ أَفْضَلَ مِنَ الْجَنَّةِ.
قَالَ: بَلَى أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي ".
قَالَ الْحَسَنُ: يَصِلُ إِلَى قُلُوبِهِمْ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ مِنَ اللَّذَّةِ وَالسُّرُورِ مَا هُوَ أَلَذُّ عِنْدَهُمْ وَأَقَرُّ لأَعْيُنِهِمْ مِنْ كُلِّ شيءٍ أَصَابُوهُ مِنْ لَذَّة الْجنَّة.
سُورَة التَّوْبَة من الْآيَة (73) إِلَى الْآيَة (74).
﴿يَا أَيهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِم﴾ تَفْسِيرُ الْحَسَنِ: جَاهِدِ الْمُنَافِقِينَ بِالسَّيْفِ، وَاغْلُظْ عَلَى الْمُنَافِقِينَ بِالْحُدُودِ.
قَالَ الْحَسَنُ: كَانَ أَكْثَرُ مَنْ يُصِيبُ الْحُدُود يومئذٍ المُنَافِقُونَ.
﴿يحلفُونَ بِاللَّه مَا قَالُوا﴾ قَالَ الْحَسَنُ:
لَقِيَ رجلٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ رَجُلا مِنَ الْمُسْلِمِينَ؛ فَقَالَ: إِنْ كَانَ مَا يَقُولُ محمدٌ حقًّا، فَنَحْنُ شرٍّ مِنَ الْحُمُرِ! فَقَالَ الْمُسْلِمُ: أَنَا أَشْهَدُ أَنَّهُ لَحَقٌّ، وَأَنَّكَ شرٌّ مِنْ حمارٍ.
ثمَّ أخبر بذلك النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ إِلَى الْمُنَافِقِ؛ أَقُلْتَ كَذَا؟ فَحَلَفَ بِاللَّهِ مَا قَالَهُ، وَحَلَفَ الْمُسْلِمُ لَقَدْ قَالَهُ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكفْر وَكَفرُوا بعد إسْلَامهمْ﴾ بَعْدَ إِقْرَارِهِمْ ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ ينالوا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: هَمَّ الْمُنَافِقُ بِقَتْلِ الْمُؤْمِنِ؛ حَيْثُ قَالَ لِلْمُنَافِقِ: فَوَاللَّهِ إِنَّ مَا يَقُولُ محمدٌ كُلُّهُ حقٌّ، وَلأَنْتَ شرٌّ مِنْ حِمَارٍ.
﴿وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ الله وَرَسُوله من فَضله﴾ يَقُولُ: لمْ يَنْقِمُوا مِنَ الَّذِي جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا، إِلا أَنَّهُمْ أَصَابُوا الْغِنَى فِي الدُّنْيَا، وَلَوْ تَمَسَّكُوا بِهِ لأَصَابُوا الْجَنَّةَ فِي الآخِرَةِ.
قَالَ محمدٌ: الْمَعْنَى: أَيْ: لَيْسَ يَنْقِمُونَ شَيْئًا، وَلا يَتَعَرَّفُونَ (حَقَّ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - إِلا الصُّنْعَ)، وَهَذَا مِمَّا لَيْسَ ينقم.
﴿فَإِن يتوبوا﴾ أَيْ: يَرْجِعُوا عَنْ نِفَاقِهِمْ ﴿يَكُ خيرا لَهُم وَإِن يتولوا﴾ عَنِ التَّوْبَةِ، وَيُظْهِرُوا الشِّرْكَ ﴿يُعَذِّبْهُمُ الله عذَابا أَلِيمًا﴾ الْآيَة.
سُورَة التَّوْبَة من الْآيَة (75) إِلَى الْآيَة (7 8).
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا من فَضله﴾ فَأَوْسَعَ عَلَيْنَا مِنَ الرِّزْقِ ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ يَعْنِي: الصَّدَقَةَ ﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ مَنْ يُطِيعُ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - وَرَسُوله
﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ﴾ مَنَعُوا حَقَّ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - ﴿وتولوا﴾ عَن الصّلاح ﴿وهم معرضون﴾ عَن أَمر الله
﴿فأعقبهم نفَاقًا فِي قُلُوبهم﴾ لَا يَتُوبُونَ مِنْهُ ﴿إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾.
﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سرهم ونجواهم﴾ مَا يَتَنَاجَوْنَ بِهِ مِنَ النِّفَاقِ [ ... ] إِذْ ذَاكَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي كِتَابِهِ، وَقَامَتْ بِهِ الْحجَّة عَلَيْهِم.
سُورَة التَّوْبَة من الْآيَة (79) إِلَى الْآيَة (80).
(ل 131)
﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدقَات﴾ قَالَ قَتَادَة: ذكر لنا أَن عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ جَاءَ بِنِصْفِ مَالِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَبُهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا نِصْفُ مَالِي أَتَيْتُكَ بِهِ، وَتَرَكْتُ نِصْفَهُ لِعَيَالِي،
فَدَعَا اللَّهَ أَنْ يُبَارِكَ لَهُ فِيمَا أَعْطَى وَفِيمَا أَمْسَكَ، فَلَمَزَهُ الْمُنَافِقُونَ، قَالُوا: مَا أَعْطَى هَذَا إِلا سُمْعَةً وَرِيَاءً، وَأَقْبَلَ رجلٌ مِنْ فُقُرَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ: أَبُو عَقِيلٍ؛ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِتُّ اللَّيْلَةَ أَجُرُّ الْجَرِيرَ عَلَى صَاعَيْنِ مِنْ تمرٍ؛ فَأَمَّا صاعٌ فَأَمْسِكُهُ لأَهْلِي، وَأَمَّا صاعٌ فَهَذَا هُوَ، فَقَالَ لَهُ نَبِي اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم خَيْرًا، فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ: وَاللَّهِ إِنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ لَغَنِيَّيْنِ عَنْ صَاعِ أَبِي عَقِيلٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ - هَذِهِ الآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ ".
قَالَ قَتَادَةُ: " لَمَّا نَزَلَ فِي هَذِهِ الآيَةِ ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تستغفر لَهُم﴾ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ:
قَدْ خَيَّرَنِي رَبِّي، فَوَاللَّهِ لأَزِيدَنَّهُمْ عَلَى السَّبْعِينَ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي سُورَةِ الْمُنَافِقِينَ: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآيَةَ ".
قَالَ محمدٌ: وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلا جهدهمْ﴾ يَعْنِي: طَاقَتَهُمْ؛ الْجُهْدُ: الطَّاقَةُ، وَالْجَهْدُ - بِفَتْحِ الْجِيمِ -: الْمَشَّقَةُ؛ يُقَالُ: فَعَلْتُ ذَلِكَ بجهدٍ؛ أَيْ: بِمَشَقَّةٍ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ أَي: جازاهم جَزَاء السخرية.
سُورَة التَّوْبَة من الْآيَة (81) إِلَى الْآيَة (85).
﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ الله﴾ قَالَ محمدٌ: قِيلَ: الْمَعْنَى: بِأَنْ قعدوا لمُخَالفَة رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم.
﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ قَالَ قَتَادَةُ:
خَرَجَ الْمُؤْمِنُونَ يومئذٍ إِلَى تَبُوكَ فِي لَهَبَانِ الْحَرِّ؛ قَالَ اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - للنَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿قُلْ نَارَ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾ مِنْ نَارِ الدُّنْيَا ﴿لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ قَالَ الْحَسَنُ: يَقُولُ: لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ لَعَلِمُوا أَنَّ نَارَ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا مِنْ نَارِ الدُّنْيَا.
يحيى: عَنِ النَّضْرِ بْنِ مَعْبَدٍ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ قَالَ:
بَيْنَمَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مسيرٍ لَهُ فِي يومٍ شَدِيدِ الْحَرِّ إِذْ نَزَلَ مَنْزِلا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَنْتَعِلُ ثَوْبَهُ مِنْ شِدَّةِ حَرِّ الأَرْضِ؛ فَقَالَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلا أَرَاكُمْ تَجْزَعُونَ مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ وَبَيْنَكُمْ وَبَيْنَهَا مسيرَة خَمْسمِائَة عَامٍ! فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ جَهَنَّمَ فُتِحَ بِالْمَشْرِقِ، ورجلٌ بِالْمَغْرِبِ لَغَلَّى دِمَاغُهُ حَتَّى يَسِيلَ مِنْ مُنْخَرَيْهِ ".
﴿فليضحكوا قَلِيلا﴾ قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي: فِي الدُّنْيَا ﴿وليبكوا كثيرا﴾ يَعْنِي فِي النَّارِ.
يحيى: عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ، عَنْ قَتَادَةَ؛
أَنَّ أَبَا مُوسَى الأَشْعَرِيَّ قَالَ: " إِنَّهُ يُسَلَّطُ عَلَى أَهْلِ النَّارِ الْبُكَاءَ؛ فَلَوْ تُرْسَلُ السُّفُنُ فِي [ ... ] أَعْيُنُهِمْ لجرت ".
﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُم﴾ يُقُولُهُ لِلنَّبِيِّ، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الخالفين﴾ قَالَ الْكَلْبِيُّ: يَعْنِي: الأَشْرَارَ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَاحِدُ الْخَالِفِينَ: خالفٌ؛ يُقَالُ لِلَّذِي هُوَ غَيْرُ نَجِيبٍ: فلانٌ خَالف أَهله، وخالفة أَهله.
﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أبدا﴾ قَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لِنَا أَنَّهُ مَاتَ منافقٌ فَكَفَّنَهُ نَبِيُّ اللَّهِ فِي قَمِيصِهِ وَصَلَّى عَلَيْهِ وَدَلاهُ فِي قَبْرِهِ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجل -
هَذِه الْآيَة فِيهِ.
سُورَة التَّوْبَة من الْآيَة (86) إِلَى الْآيَة (89).
﴿استئذنك أولو الطول مِنْهُم﴾ أَيْ: ذَوُو الْغِنَى فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الْجِهَادِ ﴿وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ القاعدين﴾
﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ يَعْنِي: النِّسَاءَ؛ فِي تَفْسِيرِ الْعَامَّةِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: الْمَعْنَى عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ: رَضُوا بَأَنْ يَكُونُوا فِي تَخَلُّفِهِمْ عَنِ الْجِهَادِ كَالنِّسَاءِ وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْخَوَالِفَ جَمْعُ خَالِفَةٍ.
﴿وَأُولَئِكَ لَهُم الْخيرَات﴾ قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي: النِّسَاءُ الْحِسَانُ؛ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَقَدْ قِيلَ: الْخَيْرَاتُ: الْفَوَاضِلُ مِنَ كُلِّ شيءٍ؛ وَوَاحَدُهَا: خيرة.
سُورَة التَّوْبَة من الْآيَة (90) إِلَى الْآيَة (92). (ل 132)
﴿وَجَاء المعذرون﴾ يَعْنِي: الْمُعْتَذِرِينَ ﴿مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُم﴾ يَعْنِي: فِي الْقُعُودِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: يُقَالُ: فُلانٌ مُعَذِّرٌ؛ أَيْ: معتذرٌ، وَأُدْغِمَتُ التَّاءُ فِي الذَّالِ؛ لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِمَا.
وَمِنْ كَلامِهِمْ أَيْضًا: عَذَّرْتُ الأَمْرَ إِذْ قَصَّرْتُ، وَأَعْذَرْتُ إِذَا جَدَّدْتُ.
﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُوله﴾ فِيمَا أَكْثَرُوا مِنَ النِّفَاقِ؛ كَانَ هَذَا فِي غَزْوَة تَبُوك.
﴿لَيْسَ على الضُّعَفَاء﴾ قَالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي: الْعَجَزَةُ الَّذِينَ لَا قُوَّةَ لَهُمْ ﴿وَلا عَلَى المرضى﴾ يَعْنِي: مَنْ كَانَ بِهِ مَرَضٌ ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفقُونَ حرج﴾ إثمٌ فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الْغَزْوِ ﴿إِذا نصحوا لله وَرَسُوله﴾ إِذا كَانَ لَهُم عذرٌ.
سُورَة التَّوْبَة من الْآيَة (93) إِلَى الْآيَة (96).
﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ السِّرّ ﴿وَالشَّهَادَة﴾ الْعَلَانِيَة.
﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِم﴾ من غزاتكم ﴿لتعرضوا عَنْهُم فأعرضوا عَنْهُم﴾ أَلا تَقْتُلُوهُمْ مَا أَظْهَرُوا الإِيمَانَ، وَاعْتَذَرُوا.
﴿يحلفُونَ لكم﴾ بِالْكَذِبِ ﴿لترضوا عَنْهُم﴾ فِيمَا أَظْهَرُوا مِنَ الإِيمَانِ وَالاعْتِذَارِ ﴿فَإِن ترضوا عَنْهُم﴾ لِمَا يُظْهِرُونَ مِنَ الإِيمَانِ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقين﴾ يُعْنِيهِمْ لِمَا بَطَنَ مِنْهُمْ مِنَ النِّفَاق.
سُورَة التَّوْبَة من الْآيَة (97) إِلَى الْآيَة (99).
﴿الْأَعْرَاب أَشد كفرا ونفاقا﴾ يَعْنِي: أَنَّ مُنَافِقِي الأَعْرَابِ أَشَدُّ مِنْ مُنَافِقِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي نِفَاقِهِمْ وَكُفْرِهِمْ ﴿وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُوله﴾ قَالَ قَتَادَةُ: يَقُولُ: هُمْ أَقَلُّ علما بالسنن.
﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا ينْفق﴾ فِي الْجِهَاد ﴿مغرما﴾ يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ؛ لأَنَّهُمْ لَيْسَتْ لَهُمْ نيةٌ.
قَالَ محمدٌ: قَوْلُهُ ﴿مَغْرَمًا﴾ يَعْنِي: غُرْمًا وَخُسْرَانًا.
﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِر﴾ يَعْنِي: أَنْ يَهْلِكَ محمدٌ وَالْمُؤْمِنُونَ، فَيَرْجِعَ إِلَى دِينِ مُشْرِكِي الْعَرَبِ.
﴿عَلَيْهِم دَائِرَة السوء﴾ يَعْنِي: عَاقِبَة السوء.
﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قربات عِنْد الله﴾ أَيْ: يَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ - عز وَجل - ﴿وصلوات الرَّسُول﴾ أَيْ: وَيَتَّخِذُ صَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَيْضًا قُرْبَةً إِلَى اللَّهِ.
وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ: استغفاره ودعاؤه.
سُورَة التَّوْبَة من الْآيَة (100) إِلَى الْآيَة (101).
﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: مَنْ كَانَ صَلَّى مَعَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقِبْلَتَيْنِ فَهُوَ مِنَ السَّابِقين الْأَوَّلين
(وَمِمَّنْ حَوْلكُمْ من
الْأَعْرَاب} يَعْنِي: حول المدنية ﴿مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا على النِّفَاق﴾ أَيْ: اجْتَرَءُوا عَلَيْهِ ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ نَحن نعلمهُمْ﴾ قد أعلمهم الله وَرَسُوله بعد ذَلِك، وأَسَرَّهم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ.
﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مرَّتَيْنِ﴾ أَمَّا إِحْدَاهُمَا: فَبِالزَّكَاةِ أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُمْ كُرْهًا، وَأَمَّا الأُخْرَى: فَبِعَذَابِ الْقَبْرِ ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيم﴾ أَي: جَهَنَّم.
سُورَة التَّوْبَة من الْآيَة (102) إِلَى الْآيَة (106).
﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ الآيَةُ، تَفْسِيرُ الْحَسَنِ: هُمْ نفرٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ كَانَ عَرَضَ فِي هِمَمِهِمْ شَيْءٌ، وَلَمْ يَعْزِمُوا عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ، وَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ.
﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ وَعَسَى مِنَ اللَّهِ - جَلَّ وَعَزَّ - وَاجِبَة.
﴿خُذ من أَمْوَالهم﴾ أَي: اقبل ﴿صَدَقَة تطهرهُمْ﴾ من الذُّنُوب ﴿وتزكيهم بهَا﴾ وَلَيْسَ بِصَدَقَةِ الْفَرِيضَةِ، وَلَكِنَّهَا كَفَّارَةٌ لَهُمْ ﴿وصل عَلَيْهِم﴾ أَيْ: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴿إِنَّ صَلاتَكَ سكنٌ لَهُم﴾ يَعْنِي: طمأنينة لقُلُوبِهِمْ؛ يَقُوله الله - عز وَجل - للنَّبِي صلى اللَّه عَلَيْهِ وَسلم.
﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدقَات﴾ أَي: يقبلهَا.
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُوله والمؤمنون﴾ يَعْنِي: بِمَا يُطْلِعُهُمْ عَلَيْهِ.
يحيى: عَنِ الصَّلْتِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ:
لَوْ أَنَّ رَجُلا عَمِلَ فِي جَوْفِ سَبْعِينَ بَيْتًا لَكَسَاهُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - رِدَاءَ عَمَلِهِ خَيْرًا أَوْ شَرًّا ".
﴿وَآخَرُونَ مرجون لأمر الله﴾ هُمُ الثَّلاثَةُ الَّذِينَ فِي آخِرِ السُّورَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا، ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي الآيَةِ الَّتِي فِي آخر السُّورَة.
سُورَة التَّوْبَة من الْآيَة (107) إِلَى الْآيَة (108).
سُورَة التَّوْبَة من الْآيَة (109) إِلَى الْآيَة (110). (ل 133)
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وَالله عليم حَكِيم﴾ تَفْسِيرُ الْحَسَنِ:
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ حِينَ غَزْوَةِ تَبُوكَ نَزَلَ بَيْنَ ظَهْرَانِيِّ الأَنْصَارِ وَبَنَى مَسْجِدَ قِبَاءَ 0 وَهُوَ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى - وَكَانَ الْمُنَافِقُونَ مِنَ الأَنْصَارِ بَنَوْا مَسْجِدًا؛ فَقَالُوا: نَمِيلُ بِهِ فَإِنْ أَتَانَا محمدٌ فِيهِ وَإِلا لمْ [ ... ] وَنَخْلُوا فِيهِ لِحَوَائِجِنَا وَنَبْعُثُ إِلَى أَبِي عَامِرٍ الرَّاهِبِ - لِمُحَارِبٍ مِنْ مُحَارِبِيِّ الأَنْصَارِ كَانَ يُقَالُ لَهُ: أَبُو عَامِرٍ الرَّاهِبُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسَرَهُ - فَيَأْتِينَا؛ فَنَسْتَشِيرُهُ فِي أُمُورِنَا، فَلَمَّا بَنَوُا الْمَسْجِدَ؛ وَهُوَ الَّذِي قَالَ الله - عز وَجل -: ﴿الَّذين اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَين الْمُؤمنِينَ﴾ أَيْ: بَيْنَ جَمَاعَةِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قبل﴾ يَعْنِي: أَبَا عَامِرٍ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْتَظِرُ الْوَحْيَ لَا يَأْتِيهِمْ وَلا يَأْتُونَهُ، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ دَعَا بِقَمِيصِهِ لِيَأْتِيَهُمْ (فَإِنَّهُ لِيَزُرَّهُ عَلَيْهِ إِذْ أَتَاهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: ﴿لَا تقم فِيهِ أبدا﴾ يَعْنِي: ذَلِكَ الْمَسْجِدَ.
﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ يَعْنِي: مَسْجِدَ قِبَاءَ ﴿أَحَقُّ أَنْ تقوم فِيهِ﴾.
قَالَ محمدٌ: قَوْلُهُ ﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارب الله وَرَسُوله﴾ أَيِ: انْتِظَارًا؛ يُقَالُ: أَرْصَدْتُ لَهُ بِالشَّرِّ، وَرَصَدْتُهُ بِالْمُعَافَاةِ.
وَقَدْ قِيلَ: أَرْصَدْتُ لَهُ بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ جَمِيعًا.
﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَالله يحب المطهرين﴾.
يحيى: عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ:
لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحْسَنَ عَلَيْكُمُ الثَّنَاءَ فِي الطُّهُورِ؛ فَكَيْفَ طُهُورِكُمْ بِالْمَاءِ؟ قَالُوا: نَغْسِلُ أَثَرَ الْخَلاءِ بِالْمَاءِ " مِنْ حَدِيثِ يحيى بْنِ مُحَمَّدٍ.
قَالَ يحيى:
وَبَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ بَنَوْا ذَلِكَ الْمَسْجِدَ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى بِنَاءِ هَذَا الْمَسْجِدِ؟ فَحَلَفُوا بِاللَّهِ إِنَّ أَرَدْنَا إِلا الْحُسْنَى، ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.